وسيد الأنبياء وخاتم المرسلين ﷺ
[ ١ / ١٩٩ ]
تقديم
بادئ ذي بدء أود أن أقر أمرا هامّا ينبغي على كل أحد أن يعلمه ويضعه نصب عينيه ألا وهو أن خصوصيات النبي ﷺ تنقسم إلى فروع كثيرة ونواح شتى وأذكر هنا أربعة أصناف يندرج تحتها بقية الأنواع من وجه أو من آخر، وتلك الأربعة هي:
الأول: فيما اختص به ﷺ من الفضائل والكرامات، وهذا الصنف له أربعة أقسام:
١- خصوصيات في فضائله وكرامات في ذاته المباركة في الدنيا.
٢- خصوصيات في فضائله وكرامات في ذاته في الآخرة.
٣- خصوصيات في فضائله وكرامات في أمته وشريعته في الدنيا.
٤- خصوصيات في فضائله وكرامات في أمته وشريعته في الآخرة. بأن جعل أمته شهداء على الناس يوم القيامة.
الثاني: فيما اختص به ﷺ من المباحات والتخفيفات، وذلك تعظيما له وكرامة بأن فعل المباحات لا يلهيه عن واجبات الرسالة، وهذا أكثر ما تراه وتجده يكون في أمور الزواج والنكاح.
الثالث: فيما اختص به ﷺ من المحرمات وذلك تكرمة له، كما قال ابن الملقن: (فإن أجر ترك المحرم أكثر من أجر ترك المكروه وفعل المندوب، إذ المحرم في المنهيات كالواجب في المأمورات) «١» . وذلك مثل الزكاة فإنها محرمة عليه ﷺ وكذلك الصدقة، وكذلك حرم عليه إذا لبس عدة الحرب (لأمته) أن ينزعها حتى يلقى عدوه ويقاتله.
الرابع: فيما اختص ﷺ به من الواجبات. والحكمة في ذلك رفع الدرجات وزيادتها، حيث إن الفريضة أفضل من النافلة اتفاقا. وذلك مثل وجوب قضائه ﷺ دين من مات من المسلمين معسرا، وذلك عند وجود السعة، كما ورد في الصحيحين.
وبعد ذكر هذا التقسيم أنبه إلى أنني لم ألتزم هذا الترتيب في كتابي؛ وذلك أني قد أجد الخاصة من خصائصه تشتمل على أكثر من صنف مما سبق فاثرت أن أورد الخصائص بدون الترتيب السابق الذكر، وإنما ذكرت هذا الترتيب بداية حتى يستحضر المسلم أنواع خصائصه ﷺ فيسهل عليه حفظها أو استحضارها وقتما يريد بأسهل طرق، والله تعالى الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
_________________
(١) انظر غاية السول في خصائص الرسول لابن الملقن عمر بن على ص ١٢٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
أولا: تفضيله ﷺ على سائر الأنبياء والمرسلين
أ- تفضيله في الآخرة
١- الشفاعة العظمى:
قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] .
والمقام المحمود: هو المقام الذي يحمده فيه الخلائق كلهم جميعا (حتى الأنبياء)، وهو مقام الشفاعة العظمى وقد تواترت بذلك الأحاديث الشريفة.
عن أبي هريرة قال: أتي رسول الله ﷺ يوما بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها نهسة، فقال: «أنا سيّد النّاس يوم القيامة وهل تدرون بم ذاك؟ يجمع الله يوم القيامة الأوّلين والآخرين في صعيد واحد، فيسمعهم الدّاعي، وينفذهم البصر، وتدنو الشّمس، فيبلغ النّاس من الغمّ والكرب ما لا يطيقون وما لا يحتملون، فيقول بعض النّاس لبعض: ألا ترون ما أنتم فيه؟ ألا ترون ما قد بلغكم؟ ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربّكم؟
فيقول بعض النّاس لبعض: ائتوا آدم.
فيأتون آدم فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده ونفخ فيك من روحه، وأمر الملائكة فسجدوا لك، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟
فيقول آدم: إنّ ربّي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّه نهاني عن الشّجرة فعصيته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى نوح.
فيأتون نوحا فيقولون: يا نوح، أنت أوّل الرّسل إلى الأرض، وسمّاك الله عبدا شكورا، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم: إنّ ربيّ قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّه قد كانت لي دعوة دعوت بها على قومي، نفسي نفسي، اذهبوا إلى إبراهيم ﷺ.
فيأتون إبراهيم فيقولون: أنت نبيّ الله وخليله من أهل الأرض، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم إبراهيم: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولا يغضب بعده مثله، وذكر كذباته، نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى موسى.
فيأتون موسى ﷺ فيقولون: يا موسى، أنت رسول الله، فضّلك الله برسالاته وبتكليمه
[ ١ / ٢٠٢ ]
على النّاس، اشفع لنا إلى ربّك ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى ﷺ: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإنّي قتلت نفسا لم أومر بقتلها، نفسي نفسي، اذهبوا إلى عيسى ﷺ فيأتون عيسى فيقولون: يا عيسى، أنت رسول الله، وكلّمت النّاس في المهد، وكلمة منه ألقاها إلى مريم وروح منه، فاشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى ﷺ: إنّ ربّي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله- ولم يذكر له ذنبا- نفسي نفسي، اذهبوا إلى غيري، اذهبوا إلى محمّد ﷺ. فيأتونّي فيقولون: يا محمّد، أنت رسول الله، وخاتم الأنبياء وغفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر، اشفع لنا إلى ربّك، ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأنطلق فاتي تحت العرش فأقع ساجدا لربّي، ثمّ يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثّناء عليه شيئا لم يفتحه لأحد قبلي، ثمّ يقال: يا محمّد، ارفع رأسك، سل تعطه، اشفع تشفّع. فأرفع رأسي فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقال: يا محمّد أدخل الجنّة من أمّتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنّة، وهم شركاء النّاس فيما سوى ذلك من الأبواب. والّذي نفس محمّد بيده إنّ ما بين المصراعين من مصاريع الجنّة لكما بين مكّة وهجر، أو كما بين مكّة وبصرى» . [رواه البخاري] «١» .
وفي رواية عند البخاري: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان يوم القيامة ماج النّاس بعضهم في بعض، فيأتون آدم فيقولون: اشفع لنا إلى ربّك. فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم، فإنّه خليل الرّحمن. فيأتون إبراهيم فيقول: لست لها ولكن عليكم بموسى فإنّه كليم الله.
فيأتون موسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بعيسى فإنّه روح الله وكلمته. فيأتون عيسى فيقول: لست لها ولكن عليكم بمحمّد ﷺ. فيأتوني فأقول: أنا لها. فأستأذن على ربّي فيؤذن لي ويلهمني محامد أحمده بها لا تحضرني الآن فأحمده بتلك المحامد وأخرّ له ساجدا فيقول: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان فأنطلق فأفعل ثمّ أعود فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع. فأقول:
يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرّة أو خردلة من إيمان فأخرجه. فأنطلق فأفعل ثمّ أعود فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا، فيقول: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع لك وسل تعط واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ أمّتي أمّتي. فيقول: انطلق
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، باب: ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْدًا شَكُورًا، برقم (٤٧١٢) .
[ ١ / ٢٠٣ ]
فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال حبّة خردل من إيمان فأخرجه من النّار. فأنطلق فأفعل» «١» .
وعنده أيضا: «قال ثمّ أعود الرّابعة فأحمده بتلك المحامد ثمّ أخرّ له ساجدا فيقال: يا محمّد ارفع رأسك وقل يسمع وسل تعطه واشفع تشفّع. فأقول: يا ربّ ائذن لي فيمن قال لا إله إلّا الله فيقول: وعزّتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لآخرجنّ منها من قال لا إله إلّا الله» «٢» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى: في شمائل النبي ﷺ يوم القيامة:
١- أنه سيد الناس يومئذ، وهو سيدهم، في الدنيا أيضا، لقوله ﷺ: «أنا سيد ولد آدم ولا فخر» . وهذا الحديث لم يقيد التسييد بالدنيا أو الآخرة، ولكن في الحديث الذي معنا قيّد الأمر بيوم القيامة، لسببين:
أولهما: أنه في ذلك اليوم لن ينازعه أحد أنه سيد الناس، بخلاف الأمر في الدنيا، حيث كذب المنافقون والكافرون بنبوته وأنه سيد ولد آدم.
ثانيهما: أن فضل النبي ﷺ وسيادته للبشر أظهر وأعظم يوم القيامة، لحاجة الأولين والآخرين إليه في أن يرفع عنهم ما هم فيه، وهذا الذي ذكرته يشبه قوله تعالى: مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ، مع أنه﷾-، يملك أمر الدنيا والآخرة، ولكن الآية ذكرت الآخرة دون الدنيا، للأسباب التي ذكرتها آنفا.
٢- ظهور فضل النبي ﷺ يوم القيامة على بقية البشر كلهم أجمعين، حيث يبلغ الناس غمّ وكرب، لا يطيقونه ولا يحتملونه، ويسلم هو من هذا الغم والكرب، بل يأتي معززا مكرما، لقوله ﷺ: «فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون» .
٣- ظهور فضل النبي ﷺ على بقية الأنبياء بما فيهم أولو العزم من الرسل، نوح وإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام، حيث إنهم لم يجترئوا على التقدم للشفاعة، وأحال كل منهم الأمر إلى غيره، وما قبل ذلك إلا المصطفى ﷺ، حتى يقول: أنا لها. فكفى بذلك بيانا لفضله وشرفه ﷺ، وتدبر أخي المسلم، حال الأنبياء يوم القيامة، إذ
_________________
(١) البخاري، كتاب التوحيد، باب: كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء، برقم (٧٥١٠)، من حديث أنس بن مالك ﵁.
(٢) المصدر السابق.
[ ١ / ٢٠٤ ]
يقول كل منهم: نفسي، نفسي، نفسي، وينطلق الرسول ﷺ إلى ربه، لا يسأله نفسه، ولا أمته، بل يسأله أن يفرج ما الناس كلهم ملاقوه في هذا اليوم العظيم، ولا يفهم أحد، أن هذا الكلام يراد به التقليل من شأن الأنبياء، عليهم جميعا الصلاة والسلام، فهذا منكر عظيم، ولكن هذا الكلام بيان لفضل الحبيب ﷺ وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.
٤- ظهور ما كان عليه النبي ﷺ من عصمة في الدنيا، ما بعدها عصمة، حيث إن كل نبي من الأنبياء قد ذكر شيئا يمنعه من الشفاعة، إلا عيسى ﵇، ولأنه لم يذكر شيئا فعله يمنعه من الشفاعة، فقد ذكر أن الذي يمنعه منها، وجود من هو أحق بها، وهو العبد الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ولذلك أحال﵇- الناس إلى النبي ﷺ.
ويجب الإشارة هنا إلى أن مكانة النبي ﷺ في الآخرة، ترجع إلى أنه ما اقترف أي شيء في الدنيا، يلام عليه، ويحتاج فيه إلى مغفرة ربه، - ﵎-، وأن قول الله تعالى:
لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [سورة الفتح: من الآية ٢]، إنما هو من باب رفع شأنه ومنزلته وطمأنته أنه وإن فعل شيئا، يحتاج إلى مغفرة، فإن هذه المغفرة حاصلة. والدليل على ذلك، أن موسى قد قتل نفسا، واستغفر ربه، فغفر له وجاء يوم القيامة مشفقا من هذا الذنب، وذكره على سبيل المانع من القيام بالشفاعة، ولو أن النبي ﷺ، قد ارتكب أي شيء، وغفره الله له، لاستوى الأمر مع موسى ومحمد- عليهما الصلاة والسلام- يوم القيامة، ولكن هذا لم يحدث، بل فضل النبي ﷺ ظاهر من جهتين، الأولى: أنه لم يفعل شيئا مطلقا يلام عليه، صغيرا أو كبيرا، يحتاج فيه إلى التوبة، والثانية: أنه لو صدر منه شيء، فإن الله﷿- قد وعده بمغفرته ومحو الذنب قبل أن يقع الذنب، وقبل أن يحدث التوبة، وهذا أعظم المقامات، بل منتهاها، ولعلم عيسى ﵇ بهذا المقام العظيم، لم يجرؤ على الشفاعة، مع أنه لم يذنب ذنبا.
٥- عظيم منزلة النبي ﷺ يوم القيامة عند ربه، تظهر هذه المنزلة في النقاط التالية:
أ- أنه اختصه بالشفاعة العظمى في ذلك اليوم العظيم، وهو المقام المحمود، الذي وعد الله نبيه ﷺ به، في القرآن الكريم، قال تعالى: وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نافِلَةً لَكَ عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقامًا مَحْمُودًا [الإسراء: ٧٩] .
ب- جعل الله﵎- الناس يذهبون للأنبياء، فيتعذرون عن الشفاعة، حتى يذهبوا آخر المقام إلى خاتم النبيين، وكان من الممكن أن يقدّر الله ذهابهم إليه ابتداء، ولكن قد يظن ظان أنه يوجد مع النبي أحد يقدر على الشفاعة العظمى، أو أن أحدا يزاحمه
[ ١ / ٢٠٥ ]
هذه المكانة، فأراد الله﷾-، أن يبين فضله مقرونا باعتذار الأنبياء جميعا، وأقول جميعا، لأن الذي اعتذر، هم أولو العزم من الرسل، فمن باب أولى أن غيرهم كان سيعتذر إذا طلب منه الشفاعة، فكأن الجميع قد اعتذر.
كما أن الاعتذار للناس عن الشفاعة، من قبل الأنبياء نبيّا من بعد نبي، يجعل الناس في كل مرة أشد حزنا، وأعظم كربا، ويجعلهم يتعلقون أكثر وأكثر بالنبي الذي بعده، فلا يصلون إلى خاتم النبيين إلا بعد أن يصل الغم والكرب بهم أبلغ الحد، كالمريض الذي طاف على الأطباء بمرضه العضال، فلم يجد عندهم الدواء، ولم يبق أمامه إلا طبيب واحد، إما أن يجد عنده الدواء، أو يموت بمرضه، فإذا وجد عند الطبيب الأخير الدواء، كان أكثر له امتنانا، وأشد يقينا بفضله وسبقه، عمن سواه وهكذا ستكون حال النبي ﷺ، مع الناس يوم القيامة، أرأيت أخي القارئ، الحكمة من سؤال الناس الأنبياء الشفاعة واحدا بعد الآخر، أعلمت أخي القارئ فضل هذا النبي ﷺ الكريم يوم القيامة، ففي الوقت الذي لا يسمع فيه إلا الهمس كما قال تعالى: وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا [طه:
١٠٨]، ترى النبي ﷺ يشفع عند ربه أن يقضي بين الناس، فهل بعد هذا الفضل من فضل؟.
ج- تظهر أيضا منزلته ﷺ عند ربه﷾- إذا تدبرنا وتأملنا أحد أسباب اعتذار الأنبياء عن الشفاعة، في قول كل منهم: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله»، ومجال التأمل أنه في مثل هذا الغضب العظيم، من الرب﵎-، ينطلق النبي ﷺ، حتى يأتي العرش ويخر ساجدا لله، حتى يأذن الله له بالشفاعة بقوله: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه
د- ومن عظيم منزلته ﷺ أنه يؤذن له بالسجود تحت العرش، وهذا أبلغ القرب، بل هو القرب نفسه، ولم يأت دليل أن أحدا من المخلوقين سينزل هذه المنزلة، وهو السجود تحت العرش، من الأولين والآخرين.
ويتفرع على السجود بعض الأمور وهى:
أن السجود لله، هو أعظم مظاهر العبودية لله﷿-، وهي الهيئة التي يكون فيها العبد أقرب ما يكون لله﷾- والدليل قوله ﷺ: «فاتي تحت العرش فأقع ساجدا»، ولو أن هناك هيئة أشرف من السجود، وأقرب إلى الله﷾-، لبينها الله لنبيه، ﷺ، خاصة في هذا المقام الرفيع.
[ ١ / ٢٠٦ ]
- ثبوت عرش الرحمن، وكذب من ادعى، أن العرش، إنما يراد به الملك، وثبوت أن العرش له مكان معلوم، فوق السماوات السبع، لقوله ﷺ: «فأنطلق فاتي تحت العرش»، وأن العرش شيء مادي محسوس، يقع تحته العبد ساجدا، يصدق ذلك ما ورد عند البخاري، عن أبي سعيد ﵁ عن النّبيّ ﷺ قال: «النّاس يصعقون يوم القيامة فأكون أوّل من يفيق فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطّور» «١» .
ثبوت استواء الله﷾- على عرشه استواء يليق بجلاله وكماله، ودليله: «فأقع ساجدا لربي﷿-» . ولولا استواء الله على العرش، ما كان للسجود تحت العرش من معنى، ولكان السجود للعرش، وليس لله المستوي على عرشه، ومع اعتقادنا هذا، فإننا ننزه الله من مشابهة خلقه، وأن كل أسمائه وصفاته إنما هي على وجه يليق بعظمته وكبريائه، ولا يجب الخوض في مثل هذه الأمور، لأنه يستحيل على العبد تصورها، وذلك لقصور العقل وعدم وجود النقل.
عدم خروج النبي ﷺ عن صفة العبودية، التي هي أعظم المنازل، ودليله: «فأقع ساجدا لربي﷿-» . فالسجود لا يكون إلا من العبد للمعبود، وقوله: «لربي» إقرار أنه﷾- هو الرب، وأن النبي ﷺ هو المربوب، وكفى ذلك شرفا له، والذين يثبتون للنبي ﷺ أمورا لم يثبتها هو لنفسه، ويريدون بذلك أن يرفعوا من قدره، هم في الحقيقة قد جهلوا قدر الله﷿-، لأنهم لو عقلوا قدر الله، لعلموا أن إثبات عبودية النبي ﷺ الكاملة لله﷿-، هي من أجل المقامات، وأعظم التشريفات، ولا نحتاج معها لإثبات ما لا ينبغي إثباته للنبي ﷺ.
هـ- من أعظم مظاهر، حب الله﷾- لنبيه ﷺ أن يختصه من دون الأنبياء والملائكة، بفتوحات مباركة من المحامد وحسن الثناء عليه، قال ﷺ: «ثم يفتح الله علي من محامده وحسن الثناء عليه شيئا لم يفتح على أحد قبلي» . و«شيئا» هنا جاءت نكرة لتعظيم أمر الفتح الرباني.
ويتفرع على هذا الفتح من المحامد والثناء علمنا بعظيم قدر الله﵎-، فمع كل هذا الثناء وتلك المحامد، التي ذكرها الأنبياء في الدنيا، خاصة نبينا ﷺ وكذا
_________________
(١) البخاري، كتاب: المناقب، باب: قصة أبي طالب، برقم (٣٨٨٥) .
[ ١ / ٢٠٧ ]
الملائكة بالملأ الأعلى، لم يصل أحد منهم، إلى الثناء على الله بما هو أهله، حتى يفتح الله يوم القيامة على النبي ﷺ بالكثير من أنواع المحامد والثناء.
والشيء اللافت للنظر هنا أن النبي ﷺ وصف تلك المحامد والثناء، بأنها شيء لم يفتحه الله على أحد قبله، ولم يصف تلك المحامد بأنها المحامد والثناء التي يستحقها الله﷿-، أو أنها المحامد التي تبلغ ذات الله الأعز والأكرم، مما يدل على أن كل المحامد والثناء مهما بلغت، لن تبلغ ما يستحقه الله﷿-، وما الله أهل له.
كما يتفرع عليه أيضا حب الله﷾- للثناء والمحامد، وأنها تذهب غضب الرحمن، وأنه ينبغي أن يبدأ بها العبد مسألته؛ لأن تلك المحامد، كانت السبيل لاستدرار رحمات الله الرؤف الرحيم في هذا اليوم العظيم، وإطفاء غضبه﵎- ولو كان شيء أحب إلى الله من المحامد والثناء، لالتمسه النبي ﷺ.
وومن دلائل حب الله﷾- لنبيه: بعثه ﷺ صيغة إجابة المولى﷾- لدعائه ﷺ حيث قال- عز من قائل-: «يا محمد ارفع رأسك وسل تعطه واشفع تشفع» .
ونلحظ فيها:
أن الله﷿- قد بدأ خطابه للنبي ﷺ، بأداة النداء، وهذا مبلغ الاعتناء، ولما ناداه كانت المناداة باسمه: «يا محمد»، وهذا شرف على شرف، وأعتقد أن المناداة كانت بالاسم، وليست بالصفة؛ لأن زمن التكليف قد انتهى، وزمن التشريف قد ابتدى.
قوله: «ارفع رأسك» دليل على علو منزلته ورفعة شأنه بين الخلائق يوم القيامة، وتدبر أنه كان أول أمر من الرب﷾- وكان يمكن أن يأمر الله نبيه، أن يسأل ما يريد، حال سجوده، ودون أن يرفع رأسه، أو يأمره فيقول له: (قم يا محمد) .
كانت الإجابة قبل السؤال؛ لقوله تعالى: «سل تعطه واشفع تشفع» فوعده الله﷾- بإجابة كل سؤله، وقبول كل أنواع شفاعته، قبل أن يبين النبي ما يريد، وهو قول يوضح مكانة النبي ﷺ من ربه، ولا يحتاج الأمر إلى شرح وإسهاب، لأجعل القارئ يتدبر ويتأمل، فقد تعجز الكلمات عن الشرح والبيان. ويكفي أن ننبه إلى أن الأمر بالسؤال، كان مفتوحا غير مقيد بشيء، فقال له﷿-: «سل» دون تحديد مجال السؤال، وستكون الإجابة- إن شاء الله تعالى- على كل ما سأل، وذكرت المشيئة هنا للتبرك، وليس للتعليق.
[ ١ / ٢٠٨ ]
ويتفرع على ذلك، أن نحكم بكمال علم وأدب النبي ﷺ، فمن كمال علمه، أنه لن يسأل ممنوعا، ومن كمال أدبه أنه لن يتعدى في السؤال، ولو كان من الممكن أن يصدر عنه شيء من ذلك ولو في أقل من القليل- حاشا لله- ما توجه إليه الخطاب الإلهي بالسؤال والإجابة بدون تقييد لماهية السؤال، ومجال الإجابة- فسبحان من علمه وأدبه، وجعله حقيقا بهذا المقام الرفيع.
وتشرف النبي ﷺ بكل هذا الكلام والحوار، مع ربه﵎- بغير واسطة، ويكون كل الكلام على وجه الرضى والامتنان، بالإضافة إلى أن النبي ﷺ يكون أول من حظي بشرف الكلام مع ربه يوم القيامة.
ز- أمر الله﷾- نبيه ﷺ، أن يقوم هو بإدخال من لا حساب عليه من أمته الجنة، ومباشرة النبي ﷺ إدخال المؤمنين الجنة، شرف عظيم له، وحكمته- والله أعلم- أن يشعر المؤمنون في الآخرة بنعم الله التي أجراها على يد النبي ﷺ، كما شعروا بذلك في الدنيا، وأن يعلموا أن طاعتهم للرسول، واجتهادهم في اقتفاء أثره، كانت موصلة لهم على يديه لجنات الحنّان المنّان، وانظر كيف أضاف المولى﷾- أول طائفة تدخل الجنة إلى النبي ﷺ قال تعالى: «أدخل من أمتك» كأن هذا الشرف لهذا الطائفة إنما كان لكونها من أمته ﷺ.
ح- ومن الأمور التي تبين منزلته ﷺ أن الله﷾-، قد نوع له الشفاعات الممنوحة له، فمنها:
الشفاعة العظمى، التي نحن بصدد الحديث عنها، وهي مختزلة في هذا الحديث، حيث لم يرد ذكرها، وإنما انتقل الحديث من طلب الناس شفاعة النبي ﷺ ليزاح عنهم الغم والكرب، إلى الشفاعة في المؤمنين.
الشفاعة في إدخال أمته الجنة، وهي أنواع تبدأ من إدخال من لا حساب له من الباب الأيمن من الجنة، وتتدرج حتى تنتهي إلى إدخال من قال لا إله الله، لما ورد عند البخاري:
ثم أعود الرابعة فأحمده بتلك المحامد ثم أخر ساجدا فيقال: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فأقول: يا رب ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله، فيقول: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لآخرجنّ منها من قال: لا إله إلا الله، وهذا منتهى إكرام نبي هذه الأمة ﷺ، كما أن كثرة مرات سجوده تحت العرش وتكرار الثناء والمحامد على الله﷾- والإذن له كل مرة أن يخرج من النار طائفة من أمته كان
[ ١ / ٢٠٩ ]
لبيان شرفه، وعظيم منزلته عند ربه، لأنه لا يمكن أن يتردد على الملك ويكثر عليه في الطلب، إلا من يحبه الملك أشد الحب.
شفاعته ﷺ في عمه أبي طالب؛ لما ورد عند البخاري، عن أبي سعيد الخدريّ ﵁ أنّه سمع النّبيّ ﷺ وذكر عنده عمّه فقال: «لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النّار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه» «١» .
ط- ومن أتم الأمور التي تبين منزلة النبي ﷺ عند ربه، أنه أخبره في حياته بكل ما خبأه له يوم القيامة، من شرف ورفعة وسؤدد على الخلق كلهم جميعا، وذلك على وجه التفصيل لا الإجمال، وما كان هذا الإخبار ليحدث، لولا علم الله التام، بأدب النبي ﷺ، مع ربه، وبالغ خوفه وتقواه وخشيته لله﷿-، ومن فوائد ذلك الإخبار:
أن يزداد النبي ﷺ شكرا لله، على هذه المنزلة العظيمة، وتقرّ عينه في الدنيا، بعلمه القرب من خالقه، ومنزلته يوم القيامة.
أن تعلم الأمة منزلة نبيها، ﷺ، في الآخرة، كما علمت منزلته في الدنيا، فيزداد حبها واتباعها له، طمعا أن ينالها شفاعته في الآخرة.
٦- رحمة وشفقة النبي ﷺ بهذه الأمة، حيث كان أول سؤال له في أمته، قال:
«فأقول: أمتي يا رب أمتي يا رب»، فاجتهاده في السؤال والتوسل إلى الله، يدل على حبه لأمته، وكذا تكرار الشفاعة، حتى يرضى بخروج من قال لا إله إلا الله من النار، ويجب أن ننتبه إلى أنه ﷺ أضاف الأمة إلى نفسه، من باب التوسل إلى الله﷿- أن يرحمها، فبهذه الإضافة تتنزل رحمات الله المتتابعة، ولو كان هناك إضافة أعظم من نفسه، لأضاف الأمة إليها، كأن يقول مثلا: (يا رب أمة الإسلام) أو (يا رب خير أمة أخرجت للناس)؛ لأن الموقف يستلزم تأدبا مع الله أن يتوسل بأعظم الأمور حتى ينفرج الكرب والهم.
ومن دلائل شفقته ورحمته ﷺ، أنه خبأ دعوته شفاعة لأمته في هذا الموقف العظيم، فلكل نبي دعوة مستجابة، وقد استنفذ هذه الدعوة نوح، ولذلك اعتذر عن الشفاعة، وقد ورد عند البخاري، عن أبي هريرة: أنّ رسول الله ﷺ قال: «لكلّ نبيّ دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي شفاعة لأمّتي في الآخرة» «٢» .
_________________
(١) البخاري، كتاب: الدعوات، باب: لكل نبي دعوة مستجابة، برقم (٦٣٠٤) .
(٢) البخاري، كتاب: أحاديث الأنبياء، باب: قول الله تعالى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْراهِيمَ خَلِيلًا، برقم (٣٣٥٨) .
[ ١ / ٢١٠ ]
الفائدة الثانية: مظاهر إكرام أمته
، وهو فرع من إكرام الله له ﷺ.
١- أنها أول أمة، تدخل الجنة، ولا تفتح الأبواب لأمة قبلها.
٢- أن طائفة كبيرة منهم تدخل الجنة، بلا حساب، لقوله تعالى: «أدخل من أمتك من لا حساب عليهم من الباب الأيمن من أبواب الجنة» .
٣- تخصيص باب لهذه الطائفة في الجنة، لا يشاركهم فيه أحد، وهو الباب الأعظم من الأبواب، لوصفه أنه الأيمن من الأبواب، ومعلوم في الدين، أن الأيمن من الأشياء هو المكرم، أما اختصاصهم بهذا الباب فيعلم من قوله تعالى: «وهم شركاء الناس فيما سوى ذلك من الأبواب» .
٤- عدم تخليد أحد من هذه الأمة في النار، شريطة أن يكون مات على التوحيد الخالص.
الفائدة الثالثة: في منزلة الأنبياء المذكورين في الحديث
، وهم آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى، عليهم جميعا الصلاة والسلام، يتبين ذلك من:
١- عصمة الله﷾- لهم، ودليله: أن كلّا منهم، قد ذكر في هذا الموقف العظيم، أكبر ما فعله ويلام عليه، ليعتذر إلى الناس عن عدم قدرته على الشفاعة، ولو كان بدر منه ما هو أكبر من ذلك لذكره، لأنه مقام ذل وخضوع لله﷾-، فماذا فعلوا:
أ- أكل آدم من الشجرة وكان هذا قبل أن يكون نبيّا، وقد تاب وقبل الله﷿- توبته.
ب- دعا نوح ﵇ على قومه، قال تعالى ذاكرا دعاءه: وَقالَ نُوحٌ رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦]، وقد جاء دعاؤه بعد أن أعلمه الله بعدم إيمان أحد من قومه، قال تعالى: وَأُوحِيَ إِلى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلا تَبْتَئِسْ بِما كانُوا يَفْعَلُونَ [هود: ٣٦]، فلم يصدر الدعاء إلى على من يئس من إيمانه، فضلا أنه لم ينه عن الدعاء على قومه.
ج- ذكر إبراهيم ﵇، أنه كذب ثلاث كذبات، تمنعه من الشفاعة، ومعلوم أنه لم يصرح فيهن بالكذب ولكنه استخدم المعاريض، وفيها مندوحة عن الكذب، وكانت اثنتان منهن في الله، والثالثة ليحفظ عرضه ﷺ، روى البخاري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال
[ ١ / ٢١١ ]
رسول الله ﷺ: «لم يكذب إبراهيم ﵇ إلّا ثلاث كذبات ثنتين منهنّ في ذات الله﷿- قوله: إِنِّي سَقِيمٌ، وقوله: بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هذا. وقال: بيننا هو ذات يوم وسارة إذ أتى على جبّار من الجبابرة فقيل له: إنّ ها هنا رجلا معه امرأة من أحسن النّاس فأرسل إليه فسأله عنها فقال: من هذه؟ قال: أختي» «١» .
د- أما موسى ﵇، فقد ذكر أنه قتل نفسا لم يؤمر بقتلها، وهو في الحقيقة، لم يقتلها عمدا، لقوله تعالى: فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ [القصص: من الآية ١٥]، فكان القتل خطأ، وعموم المؤمنين يعذرون فيما بدر منهم على سبيل الخطأ.
هـ- أما عيسى ﵇، فلم يذكر شيئا، ولو بدر منه أقل شيء، لذكره في هذا الموقف العظيم.
٢- شدة تقوى الأنبياء، عليهم الصلاة والسلام، لله﷿-، وخوفهم العظيم منه﷾- وعلمهم الكامل بقدره﷿-، حيث لما بدر منهم مثل هذه الأمور البسيطة في نظر عموم المسلمين، استعظموها في حق الله، فكانت بالنسبة إليهم كالجبال، وتظهر مظاهر هذا الخوف من:
أ- عدم تجرئهم على الشفاعة العظمى، وقولهم جميعا: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله» .
ب- قولهم جميعا: «نفسي نفسي نفسي»، مما يدل على استعظامهم ما فعلوه.
يتفرع على ذلك، علمنا بكمال عصمة نبينا ﷺ، فقد ثبت أنه لم يفعل شيئا يلام عليه قبل النبوة، مثل آدم، ولم يفعل شيئا عن طريق الخطأ يلام عليه، مثل موسى، وأنه لم يستخدم حتى المعاريض في كلامه، مثل إبراهيم، عليهم جميعا الصلاة والسلام.
الفائدة الرابعة: عظيم أهوال يوم القيامة
، يتبين ذلك من:
١- دنوّ الشمس من الخلائق، حتى يغرق الناس في عرقهم، لقوله ﷺ: «وتدنو الشمس فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحتملون» .
يتفرع على ذلك، أن أمور الآخرة، تختلف عن أمور الدنيا، فلو أن الشمس دنت، في الدنيا من الناس قليلا، لاحترقوا، أما في الآخرة، فيكون بينها وبين الرؤس شبرا، ولا
_________________
(١) مسلم، كتاب: الصلاة، باب: حجة من قال: البسملة آية من أول كل سورة، برقم (٤٠٠) .
[ ١ / ٢١٢ ]
يموتون، وهكذا يقال عن عذاب القبر وعذاب النار، أعاذنا الله من ذلك بفضله وكرمه.
٢- من أعظم دلائل وجود الأهوال يوم القيامة، أن الرب﵎-، يغضب غضبا شديدا، قال ﷺ على لسان جميع الأنبياء: «إن ربي غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله» .
ويتفرع على هذا أمران هما:
الأول: ثبوت صفة الغضب لله﵎- قال تعالى عن قوم فرعون: فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ [الزخرف: ٥٥]، ومعنى آسفونا: أغضبونا، فما دامت الصفة قد ثبتت لله﷿- في القرآن والسنة، علمنا أنها صفة كمال، لأن كل صفات العزيز الحميد صفات كمال، وأقول: كيف ننفي عن الله ما أثبته لنفسه من صفات، وتزول الشبهة عن المنكرين لهذه الصفات إذا نزهوا الله﵎- عن مشابهة الخلق، وإذا علموا أن تشابه الصفات بين الله وخلقه، كالضحك والغضب والفرح، لا يستلزم تشابه الخالق مع الخلق، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، قال تعالى:
لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ [الشورى: ١١] .
الثاني: الخوف من هذا اليوم العظيم، الذي يغضب فيه الرب مثل هذا الغضب الشديد، وذلك بكثرة التوبة والاستغفار وتجنب المعاصي، والإكثار من الطاعات، وفعل كل ما يحبه الله ويرضاه، فكيف يأمن الإنسان المسلم مهما بلغ من التقوى والعلم والصلاح يوما يغضب فيه الرب، وعجبت ممن يسرف على نفسه من المعاصي والكبائر، مع قلة الطاعات أو انعدامها، بحجة أن الله غفور رحيم، ماذا يفعلون مع هذا الحديث الشريف، كيف يأمنون يوما يقول فيه الأنبياء المقربون: نفسي نفسي نفسي.
ومن علامات الخوف الذي سينتاب الخلائق يوم القيامة، أنهم سيذهلون عن كون النبي ﷺ هو صاحب الشفاعة العظمى، وأن الأنبياء كلهم سيعتذرون عنها ودليله، أن المؤمنين من هذه الأمة يعلمون بالأخبار المتواترة من صاحب الشفاعة، ومع ذلك لا يذهبون إليه ابتداء وقد أشار إلى هذا المعنى صاحب الفتح.
الفائدة الخامسة: ثبوت دخول طائفة من أهل التوحيد النار
، يعذبون فيها على ما اقترفوا من المعاصي والذنوب، وهذا رد على المرجئة.
الفائدة السادسة: عظيم قدرة الله﷾- التي تذهل العقول
، وتحير
[ ١ / ٢١٣ ]
الألباب، ومن دلائلها في الحديث:
١- أن الله تعالى يجمع الناس، كلهم جميعا، في هذا اليوم العظيم، من لدن آدم حتى آخر نفس منفوسة عند قيام الساعة، لا يغيب منهم أحد نسيانا أو سهوا من الله، ولا يهرب منهم أحد عجزا من الله، قال تعالى: لَقَدْ أَحْصاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا [مريم: ٩٤]، فأيّ قدرة هذه التي تقدر على ذلك، بغير تعب ولا تكلف، وإنما بكلمة كن.
وتدبر أخي القارئ وتأمل قوله﷾-: قَدْ عَلِمْنا ما تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنا كِتابٌ حَفِيظٌ [ق: ٤]، فلم يقتصر علمه﷿-، على ما يحدث فوق الأرض للأحياء، بل نفذ بصره ووسع علمه فيما يحدث للكائنات تحت الثرى والتراب، فالأمر بالنسبة إليه سواء ودليله من الحديث: «يجمع الله الناس الأولين والآخرين» .
٢- أن الجمع سيكون، في صعيد واحد، فأي صعيد يتسع لهذا الجمع العظيم، فلن يكون الجمع، على فترات وكذا الحساب، وقد يظن ظان، أن أحدا قد يخفى على الله﷾-؛ لكثرة الخلق، الذي لا يحصي عددهم إلا هو﷿-، فيقول ﵎: يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لا تَخْفى مِنْكُمْ خافِيَةٌ [الحاقة: ١٨]، ولم يقل لا يخفى منكم أحد، فمن لا يخفى عليه أدنى الأمور التي ستكون في الصدور يوم القيامة، كيف يغيب عنه شخص بأكمله؟!
٣- قدرة الله تعالى في الخلق ويتبين ذلك من قوله ﷺ: «يسمعهم الداعي» . والداعي ملك، إذا تكلم أسمع الأولين والآخرين، وهي قدرة عجيبة خارقة، وعظم المخلوق يدل على عظم الخالق وبديع صنعه وإحكام خلقه.
٢- الكوثر:
قال تعالى: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ.
وورد عند مسلم عن أنس قال: بينا رسول الله ﷺ ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثمّ رفع رأسه متبسّما فقلنا: ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «أنزلت عليّ آنفا سورة»، فقرأ:
بسم الله الرّحمن الرّحيم إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (١) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢) إِنَّ شانِئَكَ هُوَ الْأَبْتَرُ (٣) [الكوثر: ١- ٣] ثمّ قال: «أتدرون ما الكوثر؟» فقلنا: الله ورسوله أعلم. قال: «فإنّه نهر وعدنيه ربّي﷿- عليه خير كثير، هو حوض ترد عليه أمّتي يوم القيامة، آنيته عدد النّجوم، فيختلج العبد منهم فأقول: ربّ إنّه من أمّتي!! فيقول: ما تدري ما أحدثت بعدك» .
[ ١ / ٢١٤ ]
مما أفاض الله﵎- على نبيه ﷺ من النعم العظيمة المتوالية والآلاء الجسيمة المتتابعة- ليرضيه كما وعده﵎- في الدنيا والآخرة- والتي يغبطه عليها الأنبياء والمرسلون والخلق كلهم أجمعون: نعمة الكوثر، الذي لا يعلم جمال منظره وصفاء لونه وحلاوة طعمه وكثرة أكوابه وعظم اتساعه إلا الله﵎-، وإذا كانت أقصى أماني الخلق يوم القيامة هو عفو الله وصفحه ومقعد في الجنة، فإن الله﵎- لم يضمن لنبيه ﷺ ذلك فحسب، بل أعطاه الدرجة العالية الرفيعة في الجنة والشفاعة العظمى والكوثر، وهي كلها عطايا لا تنبغي إلا له ﷺ، قال الشيخ السعدي ﵀: (يقول الله تعالى لنبيه محمد ﷺ: إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ أي: الخير الكثير والفضل الغزير الذي من جملته ما يعطيه الله لنبيه ﷺ من النهر الذي يقال له: الكوثر ومن الحوض طوله شهر وعرضه شهر، ماؤه أشد بياضا من اللبن وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء في كثرتها واستنارتها، من شرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدا) «١» .
بعض فوائد الحديث:
الفائدة الأولى:
حب الله﷾- لنبيه ﷺ (وهي فائدة مشتركة في جميع نعم الله على خير عباده ﷺ) وتظهر صور هذا الحب من تنوع عطاياه﷾- لنبيه ﷺ يوم القيامة أبلغ تنويع، فقد رفع شأنه عند الخلق كلهم جميعا بسؤاله الشفاعة، ورفع قدره ومكانه في الجنة فجعل له الوسيلة، ورفع شأن زيارته والورود عليه فقصده المؤمنون طمعا في الشراب الهنيء والطعم اللذيذ والكفاية من الظمأ أبد الآبدين.
وصدق من قال:
وأنت حقّا حبيب باريكا يا صاحب الحوض من يدانيكا
الفائدة الثانية:
بلغت عناية الله﷾- بحوض نبيه ﷺ أتم العناية وأكملها فقد روى البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو:
قال النّبيّ ﷺ: «حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللّبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه كنجوم السّماء من شرب منها فلا يظمأ أبدا» «٢» .
وعند مسلم عن ابن أبي مليكة قال: قال عبد الله بن عمرو بن العاص: قال
_________________
(١) انظر «تيسير الكريم الرحمن»، (٩٣٥) .
(٢) البخاري، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، برقم (٦٥٧٩) .
[ ١ / ٢١٥ ]
رسول الله ﷺ: «حوضي مسيرة شهر وزواياه سواء وماؤه أبيض من الورق وريحه أطيب من المسك وكيزانه كنجوم السّماء فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا» «١» .
وعنده أيضا عن أبي ذرّ قال: قلت: يا رسول الله، ما آنية الحوض؟ قال: «والّذي نفس محمّد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السّماء وكواكبها ألا في اللّيلة المظلمة المصحية آنية الجنّة من شرب منها لم يظمأ آخر ما عليه، يشخب فيه ميزابان من الجنّة، من شرب منه لم يظمأ، عرضه مثل طوله ما بين عمّان إلى أيلة، ماؤه أشدّ بياضا من اللّبن وأحلى من العسل» «٢» .
وبذلك تكون مظاهر اعتناء المولى﵎- بكوثر رسوله ﷺ قد شملت الأوجه التالية:
١- اللون: فهو أبيض من اللبن، لما ورد عند مسلم: «أشد بياضا من اللبن»، واللون الأبيض يعطي منظرا أجمل للشراب، كما أنه يوضح صفاء الشراب ونقاءه.
٢- الريح: فهو أطيب من ريح المسك، وإذا كان النبي ﷺ قد أخبر أن ريح المكلوم «٣» في سبيل الله هي ريح مسك، كما ورد في صحيح البخاري «٤»، إلا أن الله ﷾- فضل شراب الكوثر بأن جعل ريح مائه أجمل من ريح المسك.
٣- الطعم: هو أحلى مذاقا من العسل، فعند مسلم: «لهو أشد بياضا من الثلج وأحلى من العسل» .
٤- سعته: لما رواه مسلم في صحيحه: «حوضي مسيرة شهر» . وسعة الحوض هكذا يدل على سعة ملكه﵎-، ويدل على إكرامه نبيه ﷺ.
٥- وفرة آنيته: وأعتقد أن كثرتها تكفي كل الأمة لو وفدت عليه ﷺ دفعة واحدة، ونرى في الدنيا أن الملك الكريم إذا صنع طعاما وأعد مأدبة فإنه يجهزها بحيث لو ورد عليه كل من دعاه كفتهم المأدبة، ورد عند مسلم: «والذي نفس محمد بيده لآنيته أكثر من عدد نجوم السماء وكواكبها» .
قال الإمام النووي ﵀ «٥»: (المختار الصواب أن هذا العدد للآنية على ظاهره
_________________
(١) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ، برقم (٢٢٩٢) .
(٢) مسلم، كتاب: الفضائل، باب: إثبات حوض نبينا ﷺ، برقم (٢٣٠٠) .
(٣) المكلوم: أي المجروح.
(٤) البخاري، كتاب: الذبائح والصيد، باب: المسك، برقم (٥٥٣٣)، من حديث أبي هريرة ﵁.
(٥) انظر شرح النووي (١٥/ ٥٦) .
[ ١ / ٢١٦ ]
وأنها أكثر عددا من نجوم السماء ولا مانع عقلي أو شرعي يمنع من ذلك، بل ورد الشرع به مؤكدا)، يقصد بذلك قسم النبي ﷺ في رواية مسلم.
٦- جمال آنيته: فجمال الآنية وتزيينها للكوثر كان بمثابة تزيين النجوم للسماء ورد عند مسلم: «كأن الأباريق فيه النجوم» فقد تكون كثرة الشيء- في الدنيا- تعيب منظره، ولكن كثرة الآنية ستعطي الحوض جمالا خلابا كما تعطي النجوم للسماء منظرا جميلا.
٧- نفاسة آنيته: حيث إنها مصنوعة من الذهب والفضة، ورد عند مسلم: «ترى فيه أباريق الذهب والفضة كعدد نجوم السماء» .
٨- مصدر مائه: ينبع ماؤه من جنات عدن، ورد في الحديث: «يشخب فيه ميزابان من الجنة» .
٩- زينته الخارجية: اعتنى الله﷾- بالشكل الخارجي للكوثر حتى يتمتع المؤمن يوم القيامة وهو يشرب منه بمنظره الجميل، حتى تشبع الروح كما يشبع الجسد، فقد جعل﷾- على حافتي الكوثر قبابا مصنوعا من اللؤلؤ المجوف وهو أغلى المعادن وأنفسها، ورد عند البخاري عن أنس ﵁ قال: لمّا عرج بالنّبيّ ﷺ إلى السّماء قال: «أتيت على نهر، حافتاه قباب اللّؤلؤ مجوّفا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر» «١» .
١٠- طيب طينته: إذا كان أصحاب البساتين والجنات في الدنيا لا يستطيعون أن يجملوا طينة البستان فهي دائما سيئة المنظر سيئة اللون وكذا الرائحة، إلا أن الله﷿- من عنايته بكوثر الحبيب ﷺ جعل طينته مسكا أذفر، روى البخاري في صحيحه عن أنس بن مالك عن النّبيّ ﷺ قال: «بينما أنا أسير في الجنّة إذا أنا بنهر حافتاه قباب الدّرّ المجوّف، قلت: ما هذا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الّذي أعطاك ربّك فإذا طينه أو طيبه مسك أذفر» «٢» .
١١- كفايته من الظمأ: وهي مزية لشراب الكوثر لا يشترك معه فيها أي شراب آخر في الدنيا والآخرة- فيما نعلم- ورد في الصحيحين: «فمن شرب منه فلا يظمأ بعده أبدا»، ويستفاد من ذلك أن كل شراب أهل الجنة بعد هذه الشربة الهنية لن يكون عن ظمأ، إنما سيكون الشرب على سبيل التفكه والتلذذ فقط، ويستفاد منه أيضا قدرة الله- سبحانه
_________________
(١) البخاري، كتاب: تفسير القرآن، برقم (٤٩٦٤) .
(٢) البخاري، كتاب: الرقاق، باب: في الحوض، برقم (٦٥٨١) .
[ ١ / ٢١٧ ]
وتعالى- العجيبة الذي وضع في هذه الشربة من الكوثر ما يقطع عن الإنسان الإحساس بالظمأ طوال حياته الأبدية في الجنة.
١٢- سلامة معتقدات وارديه: قد يكون الملك الداعي إلى الطعام في الدنيا تقيّا ورعا لا يحب أن يأكل طعامه إلا الأخيار من الناس فيدعوهم إلى مأدبته، ولكن لا يأمن أن يدخل معهم المنافقون وأصحاب الأهواء ومرضى القلوب، ولكن الله﷾- من بالغ عنايته لكوثر نبيه حرسه وأمر ملائكته أن يردوا تلك الأصناف فلا يردون الكوثر، ورد عند البخاري عن سهل بن سعد يقول: سمعت النّبيّ ﷺ يقول: «أنا فرطكم على الحوض، فمن ورده شرب منه، ومن شرب منه لم يظمأ بعده أبدا، ليرد عليّ أقوام أعرفهم ويعرفوني ثمّ يحال بينني وبينهم، فأقول: إنّهم منّي!! فيقال: إنّك لا تدري ما بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا لمن بدّل بعدي» «١» .
ويتفرع عليه: شؤم الابتداع في الدين حيث يحرم من ابتدع بركة الشرب من الكوثر، بل يحرم من ورود الحوض أصلا، ويا ليتهم حرموا الشراب من الكوثر فحسب، وإن كانت هذه مصيبة، ولكنهم حملوا معها المصيبة الأعظم، وهي دعاء النبي ﷺ عليهم.
١٣- اختيار الاسم: من أوجه عناية الله﷾- لكوثر حبيبه ﷺ وجه قد يغافل عنه الكثير، ولكني أعتقد أنه ذروة الاعتناء، هو الاعتناء باسم النهر، فقد أكرم الله ﷾- تسميته، حين جعل له اسما كريما يتضمن معاني كثيرة، فإن الكوثر معناه في اللغة: الخير الكثير، قال الإمام القرطبي: (والكوثر فوعل من الكثرة: مثل النوفل من النفل والجوهر من الجهر، والعرب تسمي كل شي كثير في العدد والقدر والخطر كوثرا، قال سفيان: قيل لعجوز رجع ابنها من السفر: بم آب ابنك؟ قالت: بكوثر، أي:
بمال كثير. والكوثر من الرجال: السيد الكثير الخير) «٢» . وبعد أن ذكر ﵀ ستة عشر قولا لمعاني الكوثر الذي أعطاه الله لنبيه ﷺ ختمها بقوله: (وجميع ما قيل بعد ذلك في تفسيره قد أعطيه رسول الله ﷺ زيادة على حوضه ﷺ تسليما كثيرا) «٣» . انتهى.
١٤- ذكره في القرآن العظيم: أختم أوجه اعتناء الله﷾- لكوثر نبيه ﷺ بأعظم هذه الأوجه وأعلاها منزلة ألا وهي ذكر الكوثر في القرآن الكريم، بل نزول سورة باسمه، وهذا أبلغ التشريف للنبي ﷺ.
_________________
(١) سبق تخريجه.
(٢) انظر «الجامع لأحكام القرآن»، (٢٠/ ٢١٦) .
(٣) انظر المصدر السابق، (٢٠/ ٢١٨) .
[ ١ / ٢١٨ ]