[ ٢٤١ ]
الجهاد النبوي (المرحلة الثانية)
نشر الدعوة الإِسلامية:
صلح الحديبية سماه الله فتحا مبينا، وقد ساد الأمن بين القبائل زمن الصلح، وانفتح الباب للدعوة إِلى الإِسلام، فقد تفرغ النبي - ﷺ - لمراسلة الملوك والزعماء في داخل الجزيرة العربية وخارجها، فأرسل إِلى هرقل عظيم الروم رسالة مع دحية الكلبي ورد نصها في الصحيح "بسم الله الرحمن الرحيم من محمَّد عبد الله ورسوله إِلى هرقل عظيم الروم سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإِني أدعوك بدعاية الإِسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإِن توليت فإِن عليك إِثم الأريسيين (١). ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (٢) ومع الرد الحسن من هرقل إِلا أن حرصه على منصبه منعه أن يسلم.
كذلك أرسل - ﷺ - عبد الله بن حذافة السهمي إلى ملك البحرين، ومن ثم أوصلها إِلى كسرى الذي غضب ومزق الرسالة (٣)، وأرسل إِلى واليه على اليمن يأمره بإِرسال من يعتقل النبي - ﷺ - ويوصله إِليه. وبالفعل أرسل والي اليمن رجلين وصلا إِلى المدينة، فأخبرهما - ﷺ - بأن ربه أهلك ربهما (٤)، حيث استجاب الله دعاء النبي - ﷺ - على كسرى فوقعت ثورة قتل فيها، ثم ما زال أمرهم في نقص حتى تمزقت الدولة الفارسية وانمحت من الوجود فيما بعد في عهد الخلفاء الراشدين.
_________________
(١) الأريسيون، الفلاحون والرعية.
(٢) البخاري ح ٧ ومسلم ح ١٧٧٣، والآية ٦٤ من سورة آل عمران.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح ٤٤٢٤.
(٤) الطبري، التاريخ ٢/ ٦٥٥ - ٦٥٦. وقد حسن الألباني الخبر في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص ٣٨٩.
[ ٢٤٣ ]
وممن راسله - ﷺ - المقوقس ملك الإسكندرية الذي قابل الرسالة بالاحترام والتقدير الذي يليق بها، وأكرم حاملها حاطب بن أبي بلتعة ورده محملا بالهدايا مع أنه لم يسلم (١).
وكذلك أرسل - ﷺ - إِلى النجاشي أصحمه، وقد أسلم ومات في حياة النبي - ﷺ - ونعاه إِلى الصحابة وصلى عليه صلاة الغائب، ثم راسل مَنْ خَلَفَه ولم يكن مسلما (٢).
أما ملوك الجزيرة العربية الذين راسلهم رسول الله - ﷺ - ودعاهم إِلى الإِسلام فمنهم: المنذر بن ساوى أمير البحرين، الذي أسلم فأقره الرسول - ﷺ - على بلده. وهوذة بن علي الحنفي صاحب اليمامة أرسل له النبي - ﷺ - سليط بن عمرو - ﵁ - برسالة ولم يسلم. وملكا عمان جيفر وعمار ابنا الجلندي اللذان وصلهما العلاء بن الحضرمي فأسلما (٣).
دروس وعبر:
١ - الدلالة على عالمية الإِسلام.
٢ - احترام وتقدير الزعامات بعبارات الاحترام والتفخيم اللائقة.
٣ - انتشار الإِسلام في الجزيرة وخارجها حتى صار يُتحدث به، بل دخل فيه بعض الأفراد من خارج الجزيرة العربية.
٤ - كان النبي - ﷺ - يزاوج في نشر الإِسلام والدعوة إِليه بين السلم والحرب بحسب مواقف الدول والقبائل من الدعوة، فيقدم ﵊ الدعوة؛ لكن إِذا حصلت عقبة توجب المواجهة العسكرية فإِنه لا يتردد في المواجهة، كما في الغزوات التي وقعت بعد صلح الحديبية.
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية ٤/ ٢١٦، وابن سعد، الطبقات الكبرى ١/ ٢٦٠.
(٢) ابن حجر، فتح الباري ٨/ ١٢٩.
(٣) ابن كثير، البداية والنهاية ٤/ ٢٧٣.
[ ٢٤٤ ]
غزوة مؤتة
وقعت في شهر جمادى الأولى من السنة الثامنة للهجرة، وسميت غزوة خلافا لغيرها من السرايا بسبب كثرة عدد الجيش حيث بلغ ثلاثة الآف مقاتل، وتعدد الأمراء، وحصول القتال فيها. وسبب هذه الغزوة أن رسول الله - ﷺ - أرسل من ضمن رسله إِلى ملوك الأَّرض وأمرائها، الحارث بن عمير الأزدي رسولًا إِلى ملك بُصْرى، فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني واعتقله وضرب عنقه، فغضب المصطفى - ﷺ - وجهز جيشا أمّر عليه ثلاثة أمراء خلافا لسراياه، حيث جعل الأمير زيد بن حارثة، فإِن قُتِل فجعفر بن أبي طالب، فإن قُتل فعبد الله بن رواحة (١)، وأرسل الجيش إِلى المكان الذي قُتِل فيه رسوله الحارث بن عمير، وأمرهم بدعوة من هناك إِلى الإِسلام، فإن أجابوا وإِلا قاتلوهم، وخرج مودعا لهم حتى بلغ ثنية الوداع، وقال لهم "اغزوا باسم الله، فقاتلوا عدو الله وعدوكم، إِنكم ستدخلون الشام وستجدون رجالا في الصوامع معتزلين فلا تتعرضوا لهم، ولا تقتلوا امرأة، ولا صغيرا، ولا كبيرًا فانيا، ولا تقطعوا شجرة، ولا تهدموا بناءً" (٢)، وعندما وصل الخبر الروم جهز هرقل مائة ألف مقاتل، وتبعه مائة ألف أخرى من العرب، من لخم وجذام وبلقين وبهراء وبلي، فلما بلغ جيش المسلمين مَعّان تشاوروا في أمرهم وقالوا: نكتب إِلى رسول الله - ﷺ - فنخبره بعدد عدونا، فإِما أن يمدنا بالرجال، وإِما أن يأمرنا بأمره فنمضي، فشجعهم عبد الله بن رواحة قائلا: يا قوم إِن التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون، الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم إِلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإِنما هي إِحدى الحسنيين إما ظهور وإما شهادة. فقال الناس: قد صدق والله عبد الله بن رواحة (٣).
_________________
(١) صحيح البخاري حديث رقم ٤٢٦١.
(٢) ابن عساكر، تاريخ دمشق ١/ ٣٩١ وانظر: بريك أبو مايله، غزوة مؤتة ص ٢٦٩.
(٣) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ٣٧٥.
[ ٢٤٥ ]
وتحرك جيش المسلمين والتقى بالروم عند قرية مؤتة، وهناك دارت رحى معركة غير متكافئة في العَدد والعُدد، ولكن الله ثبت عباده ووفقهم، حيث أثخنوا في جيش العدو، قال خالد بن الوليد: انقطع في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف (١). فهذه الأسياف التي انقطعت في يده كم من الرقاب والدماء أزالت وأسالت؟ وقُتِل القائد الأول زيد بن حارثة برماح الأعداء، فأخذ الراية جعفر بن أبي طالب فاقتحم عن فرسه ثم عقرها حتى لا يستفيد منها العدو، وثبت ثبات الأبطال حتى قطعت يده التي تحمل الراية، فأخذ الراية باليسرى؛ وظل يقاتل فقطعت أيضًا فحملها بعضديه فصرعه أحد الفرسان، وقد عوضه الله بجناحين يطير بهما في الجنة (٢). وأخذ الراية عبد الله بن رواحة وتردد قليلًا ثم جالد الأعداء حتى سقط صريعا، ولما سقطت راية المسلمين حملها ثابت بن أقرم الأنصاري وقال: يا قوم اصطلحوا على رجل منكم. فقالوا: أنت، فقال: ما أنا بفاعل. ثم اصطلح الناس على خالد بن الوليد فدفعها إِليه (٣). وكان ذلك في آخر النهار، وقد بَرَد القتال، فاتخذ خالد خطة حربية محكمة حيث غير مواقع الجند، فجعل الميمنة ميسرة، والميسرة ميمنة، والمقدمة مؤخرة، والمؤخرة مقدمة، واختار عددًا من الفرسان وأمرهم بأن يثيروا الغبار فيظن العدو بأن هناك مددا قادما، فأوقع الله في قلوب الروم الرعب فانسحبوا وبذلك نصر الله جنده، ودليل النصر وهزيمه الكفار قوله - ﷺ -: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم (٤).
ومع ما حصل من قتل القادة والشدة على جيش المسلمين إِلا أن عدد القتلى من
_________________
(١) صحيح البخاري، ح ٤٠١٧.
(٢) المصدر السابق ح ٣٧٠٩، ٤٢٦٤.
(٣) ابن هشام ٢/ ٣٧٩.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة مؤتة ح رقم ٤٢٦٢.
[ ٢٤٦ ]
المسلمين كان من القلة بمكان. قال ابن كثير: وهذا عظيم جدًا أن يتقاتل جيشان متعاديان في الدين أحدهما وهو الفئة التي تقاتل في سبيل الله عدتها ثلاثة آلاف، وأخرى كافرة وعدتها مائتا ألف مقاتل، من الروم مائة ألف، ومن نصارى العرب مائة ألف أخرى، يتبارزون ويتصاولون ثم مع هذا كله لا يقتل من المسلمين إِلا اثنا عشر رجلًا، وقد قتل من المشركين خلق كثير (١).
دروس وعبر
١ - أن النصر ليس بالكثرة بل هو بالثبات والصبر وتقوى الله.
٢ - قتل الرسل والسفراء جريمة من الجرائم الشنيعة في عرف العقلاء.
٣ - ميزان التفاضل هو التقوى لا غير، ولذا وَلّى - ﷺ - زيد بن حارثة مولاه وقَدّمه على ابن عمه الشريف القرشي، وابن رواحة الأنصاري.
٤ - منزلة جعفر ومن معه من القادة وأنهم من أهل الجنة (٢).
٥ - خالد بن الوليد سيف من سيوف الله كما قال المصطفى - ﷺ -، وقد وهبه الله عبقرية عسكرية نادرة.
٦ - مؤتة أول لقاء بين المسلمين والروم، واكتسب المسلمون خبرة أفادتهم عند الفتوحات الإِسلامية لبلاد الشام.
٧ - الوصية النبوية للجيش تمثل الرحمة وقمة الإِنسانية واحترام الإِنسان، فلا تدمير للممتلكات، ولا قتل للضعفاء والعجزة وغير المقاتلين.
_________________
(١) البداية والنهاية ٤/ ٢٥٩.
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية ٤/ ٢٥٥.
[ ٢٤٧ ]
فتح مكة المشرفة
كان من شروط صلح الحديبية أن لكل قبيلة الحق في أن تتحالف مع من شاءت. فأعلنت خزاعة تحالفها مع محمَّد - ﷺ -، وأعلنت بنو بكر تحالفها مع قريش، وكان بين هاتين القبيلتين ثارات جاهلية، وآخرها تمكن خزاعة من قتل أشراف بني كنانة من بني الأسود بن رَزْن الدِّيلي عند أنصاب الحرم من جهة عرفة، وقد حجز الإِسلام بينهم حتى كانت السنة الثامنة للهجرة حيث حانت فرصة لبني الأسود بن رَزن الديلي للأخذ بثأرهم، حين اجتمعت خزاعة على ماء يقال له الوتير (١) بأسفل مكة فهجدوهم ليلًا، وكان الأمر مباغتا لخزاعة فلم تستعد لقتال، ولذا فروا من المكان باتجاه الحرم، وحينما دخلوا حدود الحرم قال أناس من بني الديل لزعيمهم نوفل بن معاوية الديلي: إِلاهك، إِلاهك، فقال كلمة عظيمة: "لا إِله له اليوم، يا بني بكر أصيبوا ثأركم" فقاتلوا في الحرم وانتهكوا حرمته.
وكان المفترض أن قريشا تمنع مثل هذا الاعتداء وتستنكره، ولكنها أعانت على خزاعة بالسلاح وقيل بل شارك بعضهم كسهيل بن عمرو، وصفوان بن أمية وغيرهما.
وأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إِلى المدينة ووقف أمام النبي - ﷺ - وقال منشدًا هذه الأبيات:
يا رب إِني ناشد محمدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتموا وُلدًا وبها والدا ثمة أسلمنا ولم ننزع يدا
فانصر، هداك الله، نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله، قد تجردا إِن سيم خسفا وجهه تربدا
_________________
(١) الوتير: ماء في أسفل حي الكعكية الحالي بعد أنصاب الحرم. وقد هربوا منه جهة عرفه ثم دخلوا الحرم من هناك. انظر: عاتق البلادي، معجم معالم السيرة النبوية (ص ٣٣١).
[ ٢٤٨ ]
إِن قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكدا
هم بيتونا بالوتير هجدا وقتلونا ركعا وسجدا
فقال رسول الله -ﷺ -: نصرت يا عمرو بن سالم. ونظر إِلى السماء فإِذا سحابُ فقال: إِن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب (١). وقد شعرت قريش بخطورة الأمر ولذا سار زعيمها أبو سفيان بن حرب إِلى المدينة مسرعا لاستجلاء الأوضاع، وقابل في الطريق بديل بن ورقاء الخزاعي في جماعة من خزاعة عند عسفان، فسأله: متى عهدكم بيثرب؟ فقال بديل: لا علم لنا بذلك، فعلم أنهم كتموا أمرهم، وحاول استجلاء الخبر فلم يصل إِلى شيء، وعند رحيلهم جاء مبرك نوقهم فوجد بعرها ففته فوجد نوى التمر فقال: أحلف بالله لقد جاء القوم محمدًا (٢) وعندما وصل المدينة اتجه لابنته أم حبيبة أم المؤمنين ودخل عليها وعندما هَمّ بالجلوس طوت الفراش عنه فقال: "يا بنية أراغبة بالفراش عني؟ أم بي عنه؟ "
فأجابته: "بل به عنك، لأنه فراش الرسول - ﷺ -، وأنت رجل مشرك، نجس".
فغضب منها، وقال: "والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر".
فقالت: "لا والله بل خير" (٣).
وحاول تجديد العقد (٤) ولكنه فشل في ذلك حيث حاول مع أبي بكر أن يكلم رسول الله فقال: ما أنا بفاعل. ثم سار إِلى عمر فقال له عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله؟ والله لو لم أجد إِلا الذر لجاهدتكم به.
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ٢٩٤.
(٢) الواقدي، المغازي ٢/ ٧٩٢، الصالحي، سبل الهدى والرشاد ٥/ ٢٠٦.
(٣) ابن هشام، السيرة ٢/ ٢٩٦ والذهبي، المغازي ٢٥٤.
(٤) في رواية أنه قال: يا محمد جدد العهد وزدنا في المدة. فقال رسول الله - ﷺ -: أو لذلك قدمت؟ هل كان من حدثٍ قبلكم؟ قال: معاذ الله. قال رسول الله - ﷺ -: فنحن على عهدنا وصلحنا.
[ ٢٤٩ ]
وأخيرا انتهى إِلى أن قام بالمسجد قائلا -أمام رسول الله - ﷺ - أيها الناس إِني قد أجرت بين الناس، ولا والله ما أظن أن يخفرني أحد.
فقال رسول الله - ﷺ -: "أنت تقول ذلك يا أبا حنظلة" وهذا عدم إِقرار لكلامه ورد له. ثم عاد إِلى مكة وأخبر قريشًا الخبر، فقالت: ما فعلت شيئًا (١).
وحرص رسول الله - ﷺ - عند التجهز إِخفاء أمره حتى يباغت قريشًا فلا تستعد للقتال حتى لا يحصل بمكة قتال لتعظيم الله ورسوله لها. ولكن حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - كتب لقريش يخبرهم بعزم الرسول الله - ﷺ - المسير إِليهم، وأخبر الله رسوله بخبر الرسالة، وأنها مع امرأة في روضة خاخ (٢)، فبعث عليا، والمقداد، والزبير بن العوام، فلما طلبوا منها الكتاب أنكرت فقال علي: إِني أحلف بالله ما كَذب رسول الله - ﷺ -، ولا كُذب ولتخرجن الكتاب أو لنكشفنك. فقالت: أعرضوا، وحَلّت قرون رأسها واستخرجت الكتاب، ودعا رسول الله - ﷺ - حاطبا، وقال له: ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله. إِني أمروء ليس لي في القوم من أصل ولا عشيرة وكان لي بين أظهرهم ولد وأهل، فصانعتهم عليه، ولم أفعله ارتدادًا عن ديني ولا رضًا بالكفر، فقال رسول الله - ﷺ -: إِنه قد صدقكم. فقال عمر: دعني يا رسول الله أضرب عنقه، فإِن الرجل قد نافق، فقال رسول الله - ﷺ -: وما يدريك يا عمر أن الله ﷿ اطلع على أصحاب بدر يوم بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم (٣).
_________________
(١) قال أكرم العمري: الخبر عند ابن حجر في المطالب العالية من مرسل محمد بن عباد بن جعفر بإِسناد إِليه صحيح.
(٢) روضة خاخ: موضع بقرب حمراء الأسد جنوب المدينة وهي من حدود وادى العقيق. محمَّد شراب، المعالم الأثيرة ص ١٠٧.
(٣) صحيح البخاري ح رقم ٣٠٠٧.
[ ٢٥٠ ]
وقد مَوّه - ﷺ - كعادته في الخروج للغزو فأرسل أبا قتادة بن ربعي إِلى بطن إِضم (١)، ليظن الظان أنه متوجه صوب تلك المنطقة، وخرج رسول الله - ﷺ - في العاشر من رمضان بعد العصر وخَيرّ الناس بين الصوم والفطر، وسار حتى كان بالعرج (٢)، وهو صائم فصب على رأسه ووجهه الماء من العطش، وعند الجحفه لقيه عمه العباس مسلمًا مهاجرًا بأهله، فأرسل أهله إِلى المدينة وسار هو مع رسول الله - ﷺ -. ولما بلغ قديدًا (٣) لقيته سُليم، وعقد الألوية والرايات ودفعها للقبائل في قديد.
وكان قد لقيه ابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابن عمته عبد الله ابن أبي أمية بن المغيرة بنيق العقاب (٤). فردهما فتوجهت لهم أم المؤمنين أم سلمة وقالت: لا يكون ابن عمك وصهرك أشقى الناس بك، فقبلهما وأسلما (٥)، وعندما بلغ الكديد (٦) أفطر وقت العصر وهو على دابته حتى يراه الناس، وبقي مفطرًا حتى آخر الشهر (٧).
_________________
(١) قال عاتق البلادي في معجم المعالم الجغرافية ص ٢٩، إِضم، هو وادي المدينة إِذا اجتمعت أوديتها الثلاثة -بطحان وقناة والعقيق- بين أحد والشرثاء يسمى الوادي "الخُليل" إِلى أن يتجاوز كتانة التي يذكرها "كُثيِّر" -وهي غير كتانة غيقة- فيسمى الوادي "وادي الحمض" إِلى أن يصب في البحر بين الوجه وأملج. هذه أسماؤه اليوم، أما اسمه قديما، فكان يسمى إِضمًا منذ اجتماع تلك الروافد إِلى أن يصب في البحر.
(٢) العرج: وادي من أودية الحجاز يمر به طريق الحاج وهو على بعد ١١٣ كم من المدينة، المرجع السابق ص ٢٠٣.
(٣) قديد: بضم القاف وفتح الدال المهمله وهو من أودية الحجاز التهامية يأخذ مياهه من حرة ذرة، ويسمى أعلاه وادي ستارة، ويقطعه طريق المدينة عند الكيلو ١٢٠، ويصب في البحر عند بلدة القضيمة (المرجع السابق ص ٢٤٩).
(٤) نيق العقاب موضع قرب الجحفة. معجم البلدان ٥/ ٣٣٣.
(٥) ابن هشام ٢/ ٤٠٠.
(٦) الكديد: بفتح الكاف وكسر الدال، يقع بين عسفان وخليص على مسافة ٩٠ كم من مكة (البلادي المرجع السابق)
(٧) صحيح البخاري، كتاب الصوم ح١٩٤٤، ١٩٤٨.
[ ٢٥١ ]
وعسكر جيش الرسول - ﷺ - في مر الظهران (١)، وأمر الناس بإِيقاد النيران، واستأذن العباس رسول الله - ﷺ - أن يأخذ بغلته لعله يجد أحدًا من الحطَّابة أو غيرهم حتى يُبلِّغوا أهل مكة بالسارعة إِلى لقاء رسول الله - ﷺ - ويطلبوا الأمان، فسار على بغلة الرسول - ﷺ -، وإِذا بصوت أبي سفيان يحادث بُديل بن ورقاء قائلا: ما رأيت كالليلة نيرانًا قط ولا عسكرا!. فقال بديل: هذه والله خزاعة حمشتها الحرب. فقال أبو سفيان: خزاعة أقل وأذل من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها، وهنا سمع العباس الصوت وعرفه. فقال: يا أبا حنظلة، فقال: لبيك يا أبا الفضل. فقال العباس: ويلك هذا رسول الله - ﷺ - في عشرة الآف، فقال: واصباح قريش والله، بأبي أنت وأمي فما تأمرني هل من حيلة؟ قال: نعم اركب عجز هذه البغلة فأذهب بك إلى رسول الله - ﷺ - فأستأمنه لك.
فحمله العباس وسار وكلما مر بنار، قال الناس: من هذا؟ حتى مر بنار عمر بن الخطاب فعرفه عمر فقال: أي عدو الله!! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد فأسرع العباس يركض البغلة حتى دخل على رسول الله - ﷺ - عليه، وقبل أن يتكلم وإِذا بعمر يقول: يا رسول الله: هذا أبو سفيان قد أمكن الله منه بغير عقد ولا عهد، فدعنى فلأضرب عنقه. قال العباس: يا رسول الله إِني قد أجرته، ولكن عمر كان يلح، فغضب العباس وقال: مهلًا ياعمر، فوالله لو كان من رجال بني عدي بن كعب ما قلت هذا، ولكنك عرفت أنه من رجال بني عبد مناف، فقال: مهلا يا عباس، فوالله لإِسلامك يوم أسلمت كان أحب إِلي من إِسلام الخطاب لو أسلم، وما بي إِلا أني قد عرفت أن إِسلامك كان أحب إِلى رسول الله من إِسلام الخطاب لو أسلم (٢). واستأذن العباس بأن يأخذ أبا سفيان في رَحْلِه، وفي الصباح جاء به إِلى رسول الله -ﷺ - فأسلم، وأوقفه العباس بأمر
_________________
(١) بلدة الجموم اليوم.
(٢) ابن هشام، المصدر نفسه ٢/ ٤٠٣ وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٧٥، الصالحين، سبل الهدى ٥/ ٢١٦.
[ ٢٥٢ ]
رسول الله في عرجة الوادي حتى يرى قوة جيش المسلمين وسارت أمامه الكتائب حتى مَرّ به سعد بن عبادة فقال: اليوم يوم الملحمة اليوم تستحل الحرمة، اليوم أذل الله قريشًا، فاشتكى أبو سفيان للرسول - ﷺ - فقال - ﷺ -: بل اليوم تعظم الكعبة، اليوم أعز الله قريشًا، وعزل سعدًا وولى ابنه قيس (١). وقال أبو سفيان للعباس: لقد عظم ملك ابن أخيك اليوم، فقال العباس: إِنها النبوة. قال: نعم.
وأعطى الرسول - ﷺ - سفيان فضلا وشرفًا حيث قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل داره وأغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد الحرام فهو آمن (٢).
وقسم رسول الله - ﷺ - الجيش إِلى كتائب: منها كتيبة عليها الزبير وأمرها أن تدخل مكة من كَداء (الحجون). وكتيبة يقودها خالد بن الوليد وأمرها أن تدخل مكة من أسفلها من كُدَى (جبل الكعبة). وقد جمع بعض زعماء مكة قوة صغيرة عليها عكرمة، وصفوان، وسهيل، عند جبل خندمه، ومعهم شاب يقال له حماس بن قيس، رأته امرأته يصلح سلاحه فقالت: لمن تفعل هذا؟ قال: لمحمد وأصحابه. قالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء. قال: إِني والله أرى أني سأخدمك بعض أصحابه، فخرج وبعد وقت ليس بالطويل عاد وَجِلًا خائفا، وأغلق الباب، وقال لامرأته: أحكمي غلق الباب. قالت: أين الخدم؟ فقال:
إِنك لو شهدت يوم الحندمه إِذ فر صفوان وفر عكرمة
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كل ساعد وجمجمه ضربًا فلا يُسمع إِلا غمغمه
لهم نهيت خلفنا وهمهمه لم تنطقي باللوم أدنى كلمة (٣)
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ٢/ ٤٠٢.
(٢) ابن هشام المصدر نفسه ٢/ ٤٠٥.
(٣) ابن هشام المصدر نفسه ٢/ ٤٠٨، والصالحين، سبل الهدى ٥/ ٢٢٩.
[ ٢٥٣ ]
ودخل رسول الله - ﷺ - من أذاخر (ريع ذاخر) ورأى السيوف تلمع فقال: ما هذا ألم أنه عن القتال؟ فقالوا: يا رسول الله، خالد بن الوليد قوتل ولو لم يُقَاتل ما قَاتَل، وما كان يا رسول الله ليعصيك، ولا ليخالف أمرك، فقال رسول الله - ﷺ -: قضاء خير. ودخل رسول الله -ﷺ - مكة ومن تواضعه وشكره لله على نعمته أن فتح الله عليه البلد الحرام، كانت لحيته تكاد تمس رحله.
وسار حتى وصل البيت الحرام وفي يده قوس فصار كلما مر بصنم أشار إِليه وطعنه في عينيه؛ والأصنام تتساقط وهي ثلاثمائة وستون صنمًا وهو يقول: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١). ثم دخل دار أم هانيء بنت أبي طالب فقدمت له كسر خبز يابس فكسرهن بالماء والخل، وصلى في دارها ثماني ركعات (٢). قال بعض العلماء إِنها صلاة الشكر وقد فعلها سعد بن أبي وقاص يوم دخل المدائن، وقال بعضهم بل هي صلاة الضحى.
وكان قد أمر برجال ونساء أن يقتلوا أينما وجدوا، منهم:
عبد الله بن خطل، وجد متعلقا بأستار الكعبة فَقُتِل وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية وقد فَرّا بعد الهزيمة جهة اليمن كل على حده، فأسلمت أم حكيم امرأة عكرمة، وطلبت الآمان لزوجها، فوهبه لها رسول الله - ﷺ -، فلحقت به حتى أعادته إِلى مكة، واستقبله رسول الله - ﷺ -، وأوصى أصحابه قائلا: يأتيكم عكرمة بن أبي جهل مؤمنا مهاجرا، فلا تسبوا أباه فإِن سب الميت يؤذي الحي، ولا يبلغ الميت (٣). ولما أقبل على النبي - ﷺ - قال له: مرحبا بالراكب المهاجر.
_________________
(١) سورة الإِسراء: ٨١.
(٢) صلاته ثابتة في صحيح البخاري ح رقم ٤٢٩٢.
(٣) الصالحي، سبل الهدى ٥/ ٢٥٣.
[ ٢٥٤ ]
وأما صفوان فطلب صاحبه عمير بن وهب الجمحي من رسول الله - ﷺ - أن يؤمنه شهرين، وسار عمير حتى لحق به، وأخبره الخبر، وعاد صفوان ولا زال الخوف والوجل في قلبه فلما وقف على الرسول الله - ﷺ - وقد صلى بالناس العصر في المسجد، قال له صائحًا: يا محمد، إِن عمير بن وهب جاءني ببردك، وزعم أنك دعوتني إِلى القدوم عليك، فإِن رضيتُ أمرًا وإِلا سيرتني شهرين، فقال: إِنزل أبا وهب، قال: لا والله حتى تبين لي، قال: بل لك تسيير أربعة أشهر، فنزل صفوان (١).
وكان ممن أهدر دمه عبد الله بن سعد بن أبي السرح وكان قد أسلم ثم ارتد. وجاء به أخوه من الرضاعة عثمان بن عفان ورسول الله - ﷺ - في جماعة، وصار يستشفع له ويطلب الصفح عنه ورسول الله - ﷺ - لا يتكلم، حتى طال الوقت فأعطاه الآمان، فخرج مع عثمان، فقال - ﷺ -: أما فيكم رجلٌ رشيد يقوم إِلى هذا حين رأى أني قد صَمَتُّ فيقتله. فقالوا: يا رسول الله، هَلّا أومأت إِلينا بم فقال: إِنه لا ينبغي لنبي أن تكون له خائنة الأعين (٢).
وأمر - ﷺ - بلالًا أن يصعد على الكعبة ليؤذن لصلاة الظهر؛ وليغيظ المشركين، وبالفعل حصل هذا فقال أحدهم: لقد أكرم الله أبي أن لا يكون سمع هذا فيسمع ما يغيظه، وقال الآخر: أما والله لو أعلم أنه مُحِقّ لاتبعته. وقال أبو سفيان: لا أقول شيئًا، لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصاة، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: "قد علمت الذي قلتم" (٣) وخطب رسول الله -ﷺ - بمكة خطبة عظيمة أبانت عن كرم خلقه وحلمه وعفوه وتجاوزه، حيث قال فيها: يا معشر قريش ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيرًا أخ كريم وابن
_________________
(١) الصالحي، سبل الهدى ٥/ ٢٥٤.
(٢) الحديث في صحيح سنن أبي داود ح (٢٣٣٤).
(٣) الواقدي، المغازي ٢/ ٨٤٦، الصالحي، سبل الهدى والرشاد ٥/ ٣٧٣.
[ ٢٥٥ ]
أخ كريم وقد قَدِرْتَ فقال رسول الله - ﷺ - "فإِني أقول كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، اذهبوا فأنتم الطلقاء" (١).
وكان - ﷺ - قد أخذ مفتاح الكعبة فدخلها بعد أن طُهِّرت من الصور التي بداخلها وكَبّر في نواحيها وصلى ركعتين، ثم سَلّم مفتاح الكعبة لعثمان بن طلحة وقال له: خذوها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إِلا ظالم (٢).
وأرسل رسول الله -ﷺ - السرايا لهدم الأصنام ودعوة القبائل المحيطة بمكة، فأرسل خالد بن الوليد لهدم العزى، وخالد بن سعيد بن العاص إلى عُرَنه، وهشام بن العاص قِبَل يلملم، وسعد بن زيد الأشهلي إِلى مناة الطاغية عند المشلّل من قديد، وعمرو بن العاص إِلى رهاط لهدم الصنم سواع.
وبقي رسول الله - ﷺ - بمكة خمس عشرة ليلة يقصر فيها الصلاة (٣). وفي البخاري روايتان: الأولى، عن أنس: أنهم أقاموا عشرًا، والثانية، عن ابن عباس: تسع عشرة ليلة (٤).
وقد رتب رسول الله - ﷺ - أمور مكة فعين عليها عتاب بن أسيد أميرًا عندما خرج إِلى حنين، كما عين أبا محذورة مؤذنًا للمسجد الحرام، وأمر معاذ بن جبل بتعليم الناس السنن والفقه والتدريس في المسجد الحرام، وأضاف معه بعد رجوعه من الطائف أبا موسى الأشعري.
_________________
(١) المسند ٢/ ١١ و٣/ ٤١٠ بإِسناد ضعيف، ولم يثبت لفظ الطلقاء من قول النبي - ﷺ -، لكن ورد لفظ الطلقاء في صحيح البخاري ح رقم ٤٣٣٣ ومسلم ح رقم ١٨٠٩ وصفًا لمسلمة الفتح، وهو ليس وصف تحقير، وإنما هو بيان واقع وحال.
(٢) ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/ ١٣٧، وهو عند الصالحي في سبل الهدى ٥/ ٣٦٧.
(٣) ابن هشام السيرة النبوية ٢/ ٤٣٧.
(٤) رقم ٤٢٩٧ و٤٢٩٨ على التوالي.
[ ٢٥٦ ]
وبعث تميم بن أسد الخزاعي فجدد أنصاب الحرم (١). وخطب - ﷺ - في الناس موضحا حرمة مكة، وقال: إِن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، وقد أذن الله له بالقتال فيها ساعة من نهار ثم عادت حرمتها كما كانت (٢).
دروس وعبر:
١ - كان فتح مكة من أهم الإِنجازات التي قام بها رسول الله - ﷺ - حيث كانت قريش تمثل القيادة للعرب وبسقوطها سقطت بقية البلاد بسهولة، فقد روى البخاري عن عمرو بن سلمة قال: كانت العرب تتلوم بإِسلامها الفتح، فيقولون: اتركوه وقومه، فإِنه إِن ظهر عليهم فهو نبي صادق، فلما كانت وقعة أهل الفتح؛ بادر كل قوم بإِسلامهم، وبدر أبي قومه بإِسلامهم (٣).
٢ - حرمة مكة وتأكيد الرسول الله -ﷺ - على ذلك بفعله وقوله.
٣ - تواضع الرسول - ﷺ - عند دخوله مكة فاتحًا وهذه من أخلاق الأنبياء.
٤ - العصببية والتفاخر باللون والنسب من سمات أهل الجاهلية.
٥ - قوة إِيمان عمر - ﵁ - حيث يقدم ما يحب رسول الله - ﷺ - على ما تحبه نفسه.
٦ - تحطيم الأصنام التي حول الكعبة وطمس الصور التي على جدرانها، وإِزالة الأصنام الكبار حول مكة مثل العزى، وسواع، ومناة، مما أزال عن الناس الرهبة والخوف من تلك الأصنام الذي سيطر على قلوبهم زمنًا طويلًا مما جعلهم يدخلون في دين الله أفواجًا.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/ ١٣٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازى ح ٤٣١٣.
(٣) المصدر نفسه ح ٤٣٠٢.
[ ٢٥٧ ]
غزوة حنين
لما علمت هوازن بدخول النبي - ﷺ - مكة وفتحها صارت تجمع القبائل استعدادًا للحرب، للمبادرة قبل أن يغزوها رسول الله - ﷺ -، واجتمع لها من القبائل، ثقيف، ونصر، وجشم كلها، وسعد بن بكر، وغيرهم. وغاب عنها من هوازن فرعا كعب وكلاب. وقادهم شاب في الثلاثين من عمره هو مالك بن عوف النصري.
وكان في جشم دُريد بن الصِّمة وهو يومئذ ابن ستين ومائة، وهو شيخ قد عمي، ليس فيه إِلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجرِّبا.
واجتمع الناس بأوطاس (١)، فسمع دريد الأصوات فسأل: بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس. قال: نِعمَ مجال الخيل، لا حَزْن ولا ضَرْس، ولا سَهْل دهِس، ما لي أسمع بكاء الصغير، ورغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وخوار البقر؟ قالوا: ساق مالك مع الناس أبناءهم، ونساءهم، وأموالهم، فاستدعى مالكًا واستنكر عليه إِحضار الأموال والذرية، فقال مالك: أردت أن أجعل خلف كل إِنسان أهله وماله يقاتل عنهم؛ فانقض (٢) به، وقال: راعي ضأن والله، ما له وللحرب، ثم قال: هل يرد المنهزم شيء؟ إِنها إِن كانت لك لم ينفعك إِلا رجل بسيفه ورمحه، وإِن كانت عليك فُضِحت في أهلك ومالك. وأصر مالك على رأيه وهدد بقتل نفسه إِن لم تطعه القبائل، فأطاعوه فقال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده ولم يفتني
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع
_________________
(١) سهل يقع على طريق الحاج العراقي شمال بلدة عشيرة: البلادي، مصدر سابق ص ٣٤.
(٢) أي زجره زجرًا شديدًا.
[ ٢٥٨ ]
وأرسل رسول الله -ﷺ - عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي ليتأكد من جمعهم وخروجهم، واستطاع - ﵁ - الدخول فيهم، فرجع وأخبر النبي - ﷺ - بالخبر، وقد احتاج - ﷺ - سلاحًا فاستعار من صفوان بن أمية أدرعا، وقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية مضمونة حتى نردها إِليك. فأعطاهم مائة درع، وحملها لهم (١)، واستعار - ﷺ - من نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة الآف رمح (٢).
وخرج رسول الله في عشرة الآف قدموا معه من المدينة وما حولها، وألفان ممن أسلم بمكة وذلك في شوال من السنة الثامنة.
ومر بمن معه على شجرة يعظمها أهل الجاهلية تسمى ذات أنواط (٣) يعلقون بها أسلحتهم، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، فقال بعض حدثاء الإِسلام: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فقال - ﷺ -: الله أكبر، قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ (٤) إِنها السنن، لتركبن سنن من كان قبلكم (٥).
وقال بعض من خرج في جيش المسلمين: لن نغلب اليوم من قِلّة؛ إِعجابا بكثرتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (٦).
_________________
(١) ابن هشام ٤/ ٨٤.
(٢) ابن عبد البر، الاستيعاب ١/ ٣٨٥ والإِصابة ٣/ ٣٢١.
(٣) ذات أنواط: شجرة سدر عظيمة، يأتونها في الجاهلية ويعلقون بها أسلحتهم، وقيل يعلقون بها أرديتهم قبل دخولهم الحرم تعظيما للبيت، وهي قريبة من مكة. محمد شراب، المعالم الأثيرة ص ٢٣.
(٤) سورة الأعراف، آية ١٣٨.
(٥) السيرة النبوية ٤/ ٨٦ بإسناد صحيح، ورواه الترمذي في السنن، كتاب الفتن، ح ٢١٨٠ وقال: حسن صحيح.
(٦) سورة التوبة، آية ٢٥.
[ ٢٥٩ ]
وتقدم المشركون من سهل أوطاس نحو مكة، والتقى الجيشان في وادي حنين (١) -وهو وادي أجرد حطوط ذو شعاب ومضايق- وكان قائد المشركين قد عبأ أصحابه من آخر الليل وفرقهم في الشعاب، وأوعز إِليهم أن يحملوا على رسول الله - ﷺ - حملة واحدة.
ورتب - ﷺ - أصحابه وصفهم صفوفا بالسَّحَر، ثم ساروا في الوادي في عَماية الصبح (٢) فما راع الناس إِلا الكتائب تشد عليهم شدة رجل واحد، فانكشفت مقدمة جيش المسلمين؛ فولوا الأدبار، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين ما يلوون على أحد، وارتفع الغبار، وانحاز رسول الله -ﷺ - ذات اليمين ثم قال: أيها الناس هلم إِليّ، هلم إِلي أنا رسول الله، أنا محمَّد بن عبد الله. وأمر العباس أن ينادي بصوته الجهوري: يا أهل السمرة، يا أهل سورة البقرة وآل عمران، وأخذ رسول الله - ﷺ - يركض بغلته تجاه العدو وهو يقول: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب (٣)، ولما رأى بعض أهل مكة الهزيمة تكلموا وقالوا: لا تنتهى هزيمتهم دون البحر، وقال أحدهم: ألا بَطَل السحر اليوم. فقال صفوان بن أمية وهو مشرك يومئذ: اسكت فظ الله فاك، والله لئن يَربّني رجل من قريش أحب إِلي من أن يربني رجل من هوازن (٤). وصار من يسمع صوت النبي - ﷺ - وصوت العباس يُردِّد، ومن يسمع وهو منهزم يعود سريعا، حتى إِن بعضهم نزل عن دابته خشية أن يتأخر في الاستجابة، ومن بقي على دابته ما عاد إِلا وقد انتهى الأمر وهزم الله المشركين، فمنهم من فرّ، ومنهم من قُتِل، ومنهم من كُتِّف وأُسِرَ، وجيء بالنساء والإِبل والغنم والبقر والأموال.
_________________
(١) هو وادي الشرائع العليا -شرائع النخل- وأعلاه يسمى الصدر، والخبر أخرجه البيهقي في "الدلائل" ٥/ ١٢٤ من طريق يونس بن بكير.
(٢) عماية الصبح: أي ظلمته وغلسه قبل انتشار النور.
(٣) متفق عليه؛ صحيح البخاري ح ٢٨٦٤، ومسلم ح ١٧٧٦.
(٤) ابن هشام، السيرة النبوية ٤/ ٨٧.
[ ٢٦٠ ]
وكان - ﷺ - قد تعرض لمحاولة اغتيال من قبل شيبة بن عثمان (١)، فقد استغل ارتداد مقدمة جيش المسلمين أمام هوازن فقال في نفسه: اليوم أدرك ثأري، وكان أبوه قتل يوم أحد مشركًا، فاقترب من الرسول - ﷺ -، فالتفت إِليه وقال: يا شيب ادن مني، قال شيبة: فدنوت منه، فوضع يده على صدري، وقال: اللهم أذهب عنه الشيطان، فرفعت إِليه رأسي وهو أحب إِلي من سمعي وبصري وقلبي (٢).
وثبت مع النبي - ﷺ - يومئذ عمه العباس، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب في ثمانين رجلًا من المهاجرين والأنصار. ونظر رسول الله - ﷺ - إلى قتال الناس فقال: هذا حين حمي الوطيس، ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: انهزموا ورب محمد (٣). وأمد الله رسوله الكريم - ﷺ - بالسكينة ونزول الملائكة. وذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ (٤).
وجمع رسول الله - ﷺ - الغنائم وأمر بها أن توضع بالجعرانة (٥) وبقيت بها حتى عاد من الطائف. وكان السبي ستة آلاف رأس، والإِبل أربعة وعشرين ألف بعير، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة. وجعل عليها مسعود بن عمرو الغفاري. ولما انهزمت هوازن انقسمت فرقتين؛ فرقة رجعت إِلى أوطاس، والأخرى ذهبت إِلى الطائف، فأرسل رسول الله -ﷺ - سرية بقيادة أبي عامر الأشعري لمطاردة فلول هوازن بأوطاس فقاتلهم، وقُتل - ﵁ - فأخذ الراية أبو موسى الأشعري وهو ابن أخيه فقاتلهم ففتح الله على يديه وهزمهم (٦).
_________________
(١) المصدر نفسه.
(٢) البيهقي، دلائل النبوة ٥/ ١٤٥، وانظر الصالحي سبل الهدى ٥/ ٣٢٠ - ٣٢١.
(٣) صحيح مسلم، كتاب الجهاد ح ١٧٧٥.
(٤) الآية ٢٦ من سورة التوبة. وانظر: تفسير ابن كثير ٤/ ١٢٨.
(٥) الجعرانة: بلدة معروفة تقع شمال مخططات الشرائع وهي من الحل، وبها مسجد يحرم منه بعض الحجاج بالعمرة.
(٦) الذهبي، المغازي ص ٥٨٩. وانظر: صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، ح رقم ٤٣٢٣.
[ ٢٦١ ]
غزوة الطائف وحصارها
وسار - ﷺ - من حنين إِلى الطائف على طريق نخلة اليمانية، ثم على قرن المنازل، وسلك على المليح (١)، ثم على بحرة الرغاء، حيث التف على الطائف حتى خرج عليها من جنوبها جهة لِيه (٢). وهدم حصن مالك بن عوف في لِيّة، ووصل الطائف وحاصرها، وعسكر بجيشه قرب حصنهم فآذتهم السهام والسكك المحمية بالنار، حتى أن أبا سفيان بن حرب أصيبت عينه فجاء بها في يده، فخيره بها أو بمثلها في الجنة، فاختار ما في الجنة ورمى بعينه (٣)، فابتعد - ﷺ - عن الحصين ودعاهم إِلى المبارزة فلم يخرج منهم أحد، ودعا الموالي للخروج ومن خرج فهو حر، فأتاه بضعة عشر، وقيل: ثلاثة وعشرون، منهم أبو بكرة نفيع بن الحارث بن مسروح الثقفي، وسمي بذلك لأنه تَدلىّ من الحصين ببكرة (٤).
واستخدم رسول الله في حصار الطائف أسلحة يستخدمها لأول مرة، مثل المنجنيق التي أشار بها سلمان الفارسي، وكذلك حاول اقتحام الحصن بما يسمى بالدبابة وهي عبارة عن ما يشبه الصندوق الخشبي مغلق من ثلاث جهات ومغطى من الأعلى بالخشب أو الجلد يحمله الجند ويسيرون إِلى الحصين في محاولة لإِحداث ثغرة فيه، ولكن أهل الطائف أرسلوا عليهم سكك الحديد المحماة بالنار، ففر من تحت الحصون، فرموهم بالنبل فَقُتِل من قُتِل منهم، ولما طال الحصار أمر - ﷺ - بقطع أعنابهم وتحريقها وهي أحد مصادر رزقهم. فسألوه الله والرحم أن يدعها لهم فتركها.
_________________
(١) المُلَيح: وادٍ يصب في وادي قرن من الشرق وأعلاه يسمى السيل الصغير (البلادي، معجم المعالم ص ٢٥٤).
(٢) ليه: بكسر اللام وتشديد الياء، وادي من أودية الطائف يسير من السراة ويمر جنوب الطائف ويدفع في سهل ركبه شرق الطائف (المصدر السابق ص ٢٧٤ وبحرة الرغاء في طرف لِيّة من الجنوب والمراد المكان المتسع (الصدر نفسه ص ٢٥٤).
(٣) انظر الإصابة ٢/ ٢٧٩، والسيوطي، الخصائص الكبرى ٢/ ٩٢.
(٤) قصة أبي بكرة في صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، ح ٤٣٧١.
[ ٢٦٢ ]
ثم إِنه - ﷺ - عزم على تركهم والعودة إِلى مكة، وقال له نوفل بن معاوية الديلي لما استشاره: يا رسول الله، ثعلب في جُحر إِن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك (١).
وبعد حصار استمر ما يقارب الشهر أعلن عزمه على الرحيل، فشق ذلك على أفراد من الجيش وقالوا: لا نبرح أو نفتحها، فقال النبي - ﷺ -: فاغدوا على القتال، قال: فغدوا فقاتلوهم قتالًا شديدًا وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله - ﷺ -: إِنا قافلون غدًا إِن شاء الله، فسكتوا، فضحك رسول الله - ﷺ - (٢). ثم أمر عمر أن ينادي بالرحيل فلما ركب
- ﷺ - دعا لثقيف قائلا: اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم (٣).
تقسيم غنائم حنين
عاد - ﷺ - من الطائف إِلى الجعرانة ثم بدأ في توزيع الغنائم وكان يعطي زعماء مكة، وزعماء القبائل ويجزل لهم في ذلك، يتألفهم على الإِسلام، فأعطى أبو سفيان بن حرب أربعين أوقية من الفضة، ومائة من الإِبل، وأعطى إِبنيه يزيد، ومعاوية، فقال أبو سفيان: بأبي أنت وأمي يا رسول الله، لقد حاربتك فنعم المحارب كنت، وسالمتك فنعم المسالم أنت، هذا غاية الكرم جزاك الله خيرًا (٤).
وأعطى حكيم بن حزام مائة، ثم سأله فأعطاه مائة أخرى، ثم سأله فأعطاه مائة، وقال له: يا حكيم، هذا المال خَضِرة حلوة من أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإِشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد
_________________
(١) ابن كثير، السيرة ٣/ ٦٦٢ والصالحي، سبل الهدى ٥/ ٣٨٧.
(٢) البخاري، ح ٤٣٢٥، ٦٠٦٨.
(٣) ابن كثير، المصدر السابق ٣/ ٦٦٣ والحديث أخرجه الترمذي بلفظ (اللهم أهد ثقيفًا) سنن الترمذي، كتاب المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة ح ٣٩٣٧ وقال: صحيح غريب.
(٤) الواقدي، المغازي ١/ ٩٤٤، أبو نعيم الأصبهاني، معرفة الصحابة ١٠/ ٤٩٣.
[ ٢٦٣ ]
السفلى، فيقال: فأخذ حكيم المائة الأولى وترك ما عداها، وقال حكيم: والله يا رسول الله، والذي بعثك بالحق نبيا لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا حتى أفارق الدنيا، فكان أبو بكر - ﵁ - يدعو حكيما ليعطيه العطاء فيأبى أن يقبل منه شيئًا، وكذلك رفض العطاء من عمر (١).
وأعطى رسول الله - ﷺ - الأقرع بن حابس مائة من الإِبل، وأعطى عيينة بن حصن بن بدر مثله، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أربعين، فقال شعرًا يعاتب الرسول في نقص عطائه عمن سبقه:
أتجعل نَهْبي ونَهْبَ العُبيـ ـد بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس في المجمع
وما كنتُ دون امرئ منهما وهن تخفض اليوم لا يُرفع
فأكمل له المائة (٢).
وكان صفوان بن أمية ينظر إِلى شعب مملوء فيه غنم وإبل ورعاؤها، فأعجب صفوان وجعل ينظر إِليه، فقال رسول الله - ﷺ -: أعجبك هذا الشعب يا أبا وهب؟ قال: نعم. قال: هو لك بما فيه. فقال صفوان: أشهد أنك رسول الله ما طابت بهذا نفس أحد قط إِلا نبي (٣).
ووقع في نفوس الأنصار أن رسول الله - ﷺ - يعطي الناس ويوزع الغنائم ويدعهم، خاصة أنه يعطي من أسلم حديثا، أو من لم يسلم بعد، أما هم فلم يُعط أحدٌ منهم
_________________
(١) أخرجه البخاري ح ١٤٧٢.
(٢) صحيح مسلم، كتاب الزكاة ح ١٠٦٠، ١٣٧، وانظر: ابن هشام، السيرة ٤/ ١٣٣.
(٣) الواقدي في المغازي ٣/ ٩٤٦ وفي صحيح مسلم، أن رسول الله أعطى صفوان مائة من النعم ثم مائة ثم مائة (ح ٢٣١٣).
[ ٢٦٤ ]
بعيرًا ولا شاة، حتى كثر فيهم الحديث، وقال قائلهم: يغفر الله لرسول الله، إِن هذا لهو العجب؛ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم، إِذا كانت شديدةٌ فنحن نُدْعَى ويعطى الغنيمةَ غيرُنا؟ وددنا أن نعلم ممن كان هذا، فإِن كان من أمر الله تعالى صبرنا، وإن كان من رأي رسول الله - ﷺ - استعتبناه (١).
وجاءه سعد بن عبادة فأخبره الخبر، وأن الأنصار وجدوا في أنفسهم من توزيع الغنائم حيث يعطي زعماء بعضهم لم يسلم بعد، وبعضهم أسلم قريبا، ويترك الأنصار، فأمر بجمعهم في مكان وخطب فيهم قائلا: أما ترضون أن يرجع الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله؟ فقالوا: رضينا يا رسول الله. فقال: أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تألفت بها قومًا أسلموا، ووكلتكم إِلى ما قسم الله لكم من الإِسلام، فوالله لمن تنقلبون به خير مما ينقلبون به، فوالذي نفسي بيده لو أن الناس سلكوا شعبا وسلكتِ الأنصار شعبا لسلكتُ شعب الأنصار، اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار (٢).
وفي لفظ لابن إِسحاق قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا بالله ربًا ورسوله قَسْمًا (٣).
وفي حنين اعترض ذو الخويصرة التميمي الأعرابي الجافي على قسمة رسول الله -ﷺ - قائلا: يا محمَّد اعدل. فغضب - ﷺ - وتغير وجهه وقال: ويحك إِذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق. فقال - ﷺ -:
_________________
(١) البخاري ح ٣١٤٧ و٤٣٣٧.
(٢) البخاري ح ٣١٤٦ و٤٣٣١.
(٣) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٣٨ وابن كثير، السيرة النبوية ٣/ ٣٧٩ وقال: رواه أحمد من حديث ابن إِسحاق، وهو صحيح.
[ ٢٦٥ ]
دعه يا عمر فإِن له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (١). وكان - ﷺ - قد أعلن أن من جاء من هوازن مسلما رَدّ إِليه ماله وأهله، وانتظر بضع عشرة ليلة، ثم وزع الغنائم فجاء من جاء منهم بعد توزيع الغنائم، وقالوا: يا رسول الله، إِنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك فامنن علينا مَنّ الله عليك يا رسول الله، وإِن ما في الحظائر من السبايا عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك، ولو أنا ملحنا للحارث بن أبي شمر، أو النعمان بن المنذر، ثم أصابنا مثل الذي أصابنا منك رجونا عائدتهما وعطفهما علينا، وأنت خير المكفولين (٢).
فخيرهم بين أهلهم أو أموالهم. فاختاروا الأهل فقال: ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم. وعندما سمع الناس ذلك ردوا ما معهم إِلا ما كان من عيينة بن حصن الذي وقعت في سهمه عجوز، فأبى ردها حتى وعَدِ بست من الإِبل.
ومن اهتمامه -﵇- بالقادة أنه سأل عن مالك بن عوف فقالوا بحصن الطائف، فقال: أخبروه إِنه إِن أتاني مسلما رددت عليه أهله وماله، وأعطيته مائة من الإِبل.
وعندما سمع بذلك أسرع ليلا حتى لحق برسول الله - ﷺ - فرد عليه أهله وماله، وأعطاه مائة من الإِبل فحسن إِسلامه (٣).
وبعد فراغه من أمر الغنائم أحرم - ﷺ - بالعمرة من الجعرانة فأداها ليلًا، ثم عاد وبات بالجعرانة. ثم عاد إِلى المدينة، وسلك على وادي سَرِف، ثم على مَرّ الظهران (الجموم) ولحق به في الطريق أحد الزعماء الكبار لثقيف عروة بن مسعود، فأسلم، وعاد إِلى الطائف فقتلته ثقيف.
_________________
(١) ابن هشام، المصدر السابق ٣/ ١٣٦ وأصل الخبر في الصحيحين، وانظر: الصالحي، سبل الهدى ٥/ ٤٠٥.
(٢) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٢٨ ومعنى ملحنا: أي أرضعنا، وانظر: الصالحي، سبل الهدى ٥/ ٣٩٠ - ٣٩١.
(٣) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٣٠ والصالحي، سبل الهدى ٥/ ٤٠٦.
[ ٢٦٦ ]
دروس وعبر:
١ - الحذر من الغرور والفرح بالكثرة، وأن النصر من الله ﷾.
٢ - شجاعة رسول الله - ﷺ - وثباته، عندما انكشف عنه الناس.
٣ - أهمية التوحيد والتعلق بالله وحده.
٤ - زهد النبي - ﷺ - في الدنيا وأموالها، فلم يأخذ من غنائم حنين شيئًا مع كثرتها.
٥ - الرحمة من سمات أهل الإِسلام، وجواز الدعاء لن يرجى إِسلامه من الكفار؛ كما دعا رسول الله - ﷺ - لثقيف بالهداية.
٦ - الحنكة النبوية والقدرة على احتواء المشكلات وتسويتها.
٧ - الاعتراض على حكم الله ورسوله من صفات المنافقين والخوارج.
٨ - جواز الاستفادة من أدوات الحرب التي يملكها المشركون.
٩ - جواز إِعطاء المؤلفة قلوبهم من الغنائم، تأليفًا لهم على الإِسلام، أو لكف أذاهم وشرهم، تحقيقا لمصلحة الإِسلام والمسلمين.
١٠ - حرصه - ﷺ - على إِنقاذ المشركين من النار، ودخولهم الإِسلام ولو بالمال.
١١ - فضل الأنصار ومكانتهم ومنزلتم من رسول الله - ﷺ -.
[ ٢٦٧ ]
غزوة تبوك
في السنة التاسعة للهجرة وفي شهر رجب منها في وقت الصيف اللاهب، حيث يحلو للناس الظل، ويبدأ نضوج الثمر، كانت غزوة تبوك، وهي الغزوة التي سميت بالعسرة، لاجتماع الشدة في الطقس، والشدة في المال والدواب، وبُعْد الشُّقة والمسافة.
وسبب الغزوة كما ذكر ابن كثير، هو تحقيق قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ (١) فقصد رسول الله - ﷺ - دعوة الروم إِلى الإِسلام، وقتالهم إِن لم يستجيبوا، حيث بلغه أنهم يجمعون له، ويؤلبون القبائل العربية الخاضعة لهم على غزو المسلمين كما فعلوا من قبل في مؤته.
وعندما أعلن رسول الله - ﷺ - عزمه على التوجه إِليها دعا إِلى الصدقة، ووضع رداءه فكان كل مسلم يأتي بما يستطيع، فمنهم من يأتي بالكثير، ومنهم من يأتي بالقليل، والمنافقون يسخرون من صاحب الكثير والقليل (٢). وجاء عمر بنصف ماله قائلا: ما أظن أحدًا يسبقني إِلى ما فعلت، وجاء أبو بكر بكل ماله، فقال عمر: والله لا أسابقك أبدًا (٣).
وأنفق العباس، وعبد الرحمن بن عوف، وطلحة، وسعد بن عبادة، وعاصم بن عَدِي نفقات كثيرة، وجهز عثمان ثلث الجيش، فَسُرّ بذلك رسول الله -ﷺ - وقال: مَا ضَرّ عثمان ما فعل بعد اليوم) (٤).
_________________
(١) ابن كثير، البداية والنهاية ط/هجر، ٧/ ١٤٤. والآية ١٢٣ من سورة التوبة.
(٢) صحيح البخاري، كتاب التفسير ح ٤٦٦٨.
(٣) أخرجه الترمذي في سننه ح ٣٦٧٥ وقال: هذا حديث حسن صحيح، وأبو داود في كتاب الزكاة، باب الرجل يخرج من ماله ٢/ ١٧٣.
(٤) أخرجه البخاري معلقًا، كتاب "فضائل الصحابة" باب فضائل عثمان - ﵁ - وأخرجه الترمذي رقم ٢٧٠٠ وأحمد في المسند ٤/ ٧٥.
[ ٢٦٨ ]
وكان عدد الجيش يزيد على ثلاثين ألفا، بينما كان عدد الجيش في حنين في آخر السنة الثامنة اثنا عشر ألفا، مما يؤكد نجاح خطة النبي - ﷺ - في نشر الإِسلام، وازدياد الدخوك فيه بعد صلح الحديبية، وفتح مكة.
وتخلف عن الخروج مع رسول الله - ﷺ - في هذه الغزوة طوائف من المنافقين، فقد جاء أحد المنافقين إِلى رسول الله -ﷺ - فاستأذنه في التخلف والقعود وقال: ائذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي ما أحد أشد عُجْبًا بالنساء مني، وإِني أخشى إِن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن (١)، فأنزل الله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنِّي أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾ (٢).
وقال بعضهم لابنه: يا بني مالي وللخروج في الريح والحر الشديد والعسرة إِلى بني الأصفر، وقال آخر: لا تنفروا في الحر، فرد الله عليهم بقوله: ﴿ وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ﴾ (٣).
كما تخلف عن الخروج مع رسول الله -ﷺ - قوم معذورون، وبكوا حسرة أن لا يجدوا ما ينفقون، وتخلف من المسلمين من لم يكن له عذر، منهم كعب بن مالك، ومرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية، وتخلف أبو خيثمة الأنصاري، ولما سار الجيش خل بستانه وفيه امرأتان لكل منهما عريش قد رَشّته وَبّردت له فيه الماء، وهيأت له فيه طعامًا، فلما دخل وقف على الباب فقال: سبحان الله! رسول الله قد غفر الله ما تقدم من ذنبه وما تأخر في الضّح والريح والحر يحمل سلاحه على عنقه، وأبو خيثمة في ظل بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسنة، في ماله مقيم؟!! ما هذا بالنّصف! والله لا أدخل عريش واحدة منكما، وأمرهما بتجهيز راحلته، ولحق برسول الله -ﷺ -.
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ٤/ ١٥٦.
(٢) سورة التوبة، آية ٤٩.
(٣) سورة التوبة، آية ٨١.
[ ٢٦٩ ]
فأقبل على الجيش وهم قريبا من تبوك فرآه الناس وقالوا: هذا راكب مقبل، فقال رسول الله - ﷺ -: كن أبا خيثمة. ثم دعا له بخير (١). وخرج أبو ذر على بعير فتأخر به، فقال الناس: أبطأ فلان، فقال - ﷺ -: إِن يكن به خير فسيلحقه الله بكم، وإِن كان غير ذلك فقد أراحكم الله تعالى منه، فلما آذاه بعيره حمل متاعه على ظهره ولحق بهم. فقال رجل: يا رسول الله هذا رجل يمشي على الطريق وحده، فقال - ﷺ -: كن أبا ذر. ثم قال: رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده (٢). وكان ذلك بالفعل حيث تحقق ما قاله - ﷺ -، فمات وحده - ﵁ - بالربذة شرقي المدينة، واستخلف النبي - ﷺ - على المدينة محمَّد بن مسلمة الأنصاري، وخَلّف عليَّ بن أبي طالب في أهله خاصة، فقال المنافقون: استثقله فخلّفه، فلحق به بالجرف (٣)، وأخبره بقولهم. فقال - ﷺ -: كذبوا، لكني خلفتك لما تركتُ ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ إِلا أنه لا نبي بعدي. والحديث متفق عليه (٤). وقد بني عليه بعض أهل الفرق الضالة بناءً كبيرًا واهيًا في موضوع الخلافة ولا حجة لهم في ذلك.
وسار رسول الله - ﷺ - بالجيش حتى مر بالحِجْر وهي ديار ثمود فأسرع فيها ولم ينزل، فاستسقى أناس من آبار ثمود وعجنوا وطبخوا، فجمعهم وأمرهم قائلا: لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إِلا أن تكونوا باكين، لا يصيبكم ما أصابهم، ولا تشربوا من مائها ولا تتوضئوا منه للصلاة، وأعلِفوا العجين الإِبل، وإِنه ستهب عليكم ريح فلا يخرجن أحد منكم الليلة إِلا ومعه صاحب له. ثم ارتحل حتى نزل على بئر الناقة (٥). فامتثل الناس الأمر إِلا رجلين من بني ساعدة خرج أحدهما لحاجته، والآخر في طلب
_________________
(١) ابن هشام، المصدر السابق ١٤/ ١٦٠.
(٢) المصدر نفسه ٤/ ١٦٤ وانظر: البيهقي، دلائل النبوة ٥/ ٢٢١ وقال ابن كثير: إِسناده حسن.
(٣) الجرف: موضع شمال المدينة يتخذه النبي - ﷺ - قاعدة ومعسكرًا للجيش.
(٤) البخاري كتاب فضائل الصحابة ح ٣٧٠٦، ومسلم ح ٢٤٠٤.
(٥) البخاري، كتاب المغازي ح ٤٤١٩، وكتاب الأنبياء ح (٣٣٧٨ و٣٣٨١) ومسلم في الزهد ح (٢٩٨٠).
[ ٢٧٠ ]
بعيره، فأما الذي ذهب لحاجته فقد خنقته الجن، وأما الآخر فاحتملته الريح حتى طرحته بجبلي طيء، فدعا رسول الله - ﷺ - للذي أصيب فشفي، وأما الآخر فإن طيئًا أهدته لرسول الله - ﷺ - حين قدم المدينة (١).
واجتمع بعض المنافقين في مجلس سخرية واستهزاء من النبي - ﷺ - وصحابته، منهم مخشي بن حمير، وقال بعضهم لبعض: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟ والله لكأنكم غدًا مقرنين في الحبال، إِرجافًا وترهيبًا للمؤمنين. وندم مخشي ندمًا شديدًا، وأرسل رسول الله - ﷺ - عمار بن ياسر وقال: أدرك القوم فقد احترقوا، فسلهم عما قالوا، فجاؤا يعتذرون، وقال أحدهم -وديعة بن ثابت- إِنما كنا نخوض ونلعب، فأنزل الله فيهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ الآية﴾ (٢).
وقال مخشي: والله يا رسول الله قعد بي اسمي واسم أبي، وقيل إِنه تاب وقُتِل يوم اليمامة (٣). وظلت ناقة للنبي - ﷺ - فقال أحد المنافقين وهو زيد بن اللصيت القينقاعي: أليس محمَّد يزعم أنه نبي ويخبركم عن خبر السماء، وهو لا يدري أين ناقته؟ فقال رسول الله - ﷺ -: إِن رجلًا قال كذا وكذا. وإني والله ما أعلم إِلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في هذا الوادي في شعب كذا، وقد حبستها شجرة بزمامها. ولما علم عمارة بن حزم الأنصاري - ﵁ - وكان عُقْبِيًا بدريًا- ما قال زيد بن اللصيت طرده من رحله وهو يضرب في عنقه ويقول: أي عباد الله، إِن في رحلي لداهية وما أشعر!! أخرج أي عدو الله من رحلي فلا تصحبني (٤).
_________________
(١) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٦١ وهو مرسل، وله شاهد عند البخاري ح رقم ١٤٨١.
(٢) سورة التوبة، آية ٦٥ - ٦٦.
(٣) ابن سيد الناس، عيون الأثر ٢/ ٢٩٦، الذهبي، المغازي ٦٤٢.
(٤) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٦٣ وإسناده حسن، وقد صرح ابن إِسحاق بالتحديث، وذكره الذهبي في المغازي ٦٤١.
[ ٢٧١ ]
الوصول إلى تبوك:
وعندما اقترب - ﷺ - من تبوك قال لهم: إِنكم ستأتون غدًا -إِن شاء الله- عين تبوك، وإِنكم لن تأتوها حتى يضحي النهار، فمن جاءها فلا يمس من مائها شيئًا حتى آتي. فوصلها قبله رجلان فسألهما: هل مسستما من مائها شيئًا؟ قالا: نعم. فسبهما، وغرف الصحابة من الماء حتى اجتمع في إِناء فغسل فيه وجهه ويديه وأعاده فيها فجرت العين بماء كثير، فاستسقى الناس. فقال - ﷺ -: يوشك يا معاذ إِن طالت بك حياة أن ترى ما ها هنا قد ملىءَ جِنانًا (١). وخطب - ﷺ - بتبوك خطبة عظيمة، ووفد عليه صاحب أيلة يُوحنّا بن رؤبة، وصالحه وأعطاه الجزية، وأتاه أهل جرباء وأذرح، فأعطوه الجزية (٢).
وفي تبوك تخلف رسول الله - ﷺ - يومًا عن صلاة الفجر لحاجة، فأقام المسلمون الصلاة وقدموا عبد الرحمن بن عوف إِمامًا لهم، وجاء رسول الله وهم في الصلاة، وصلى مأمومًا خلف عبد الرحمن بن عوف، وهي من مناقبه - ﵁ - (٣).
بعث خالد إِلى دُومة الجندل:
وبعت - ﷺ - وهو في تبوك خالد بن الوليد إِلى أكيدر صاحب دُومة الجندل، وقال له: إِنك ستجده يصيد البقر الوحشي، وكان أكيدر في سطح حصنه مع امرأته، فأتت البقر الوحشي تحك رأسها وقرونها بباب الحصن. فقالت أمرأته: هل رأيت مثل هذا قط؟ قال: لا والله. قالت: فمن يترك مثل هذا. قال: لا أحد، فخرج ومعه نفر من أهل بيته منهم أخوه حسان، فتلقتهم خيل المسلمين، فَقُتِل حسان، وأخذ أكيدر أسيرًا، وجيء
_________________
(١) رواه مسلم، كتاب الفضائل، باب من معجزات النبي - ﷺ - ح ٦٠٨٦.
(٢) ابن كثير، البداية والنهاية ط/هجر٧/ ١٧٧. وأيلة مدينة العقبة الحالية. وأذرح وجرباء قريتان في جنوب الأردن حاليا.
(٣) صحيح مسلم ح ٢٧٤ وليس فيه أنه كان في تبوك ولكن ذكره غيره. وانظر: مهدي رزق الله، السيرة النبوية ص ٦٢٩.
[ ٢٧٢ ]
به للرسول الله -ﷺ - فأمنّه وصالحه على الجزية (١). وكان عليه قِبَاء فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم ويعجبون منه. فقال - ﷺ -: أتعجبون من هذا؟ فوالذي نفسي بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا (٢). وقد بقي - ﷺ - في تبوك قرابة عشرين يومًا ولم يجد كيدا من العدو بل خافوا وانشمروا في أرضهم، فقرر العودة إِلى المدينة، وفي طريق عودته - ﷺ - تآمر عدد من المنافقين لقتله، حيث أرادوا أن يلقوه عن دابته من عقبة يمر بها الجيش، فكشف الله له ذلك، وكان حذيفة آخذًا بزمام الناقة يقودها، وعمار يسوقها، وإِذا هم بإِثني عشر ملثمين فصرخ بهم، فهربوا (٣).
_________________
(١) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٧١ والذهبي، المغازي ص ٦٤٥، ابن كثير، البداية والنهاية ٧/ ١٧٩.
(٢) أخرجه البخاري في مواضع من صحيحه ح رقم ٣٢٤٩، ٣٨٠٢.
(٣) رواه مسلم في صفات المنافقين ح (٢٧٧٩)، والبيهقي في الدلائل ٥/ ٢٥٦، ٢٥٧.
[ ٢٧٣ ]
مسجد الضرار:
وقد بني المنافقون بالمدينة قرب مسجد قباء مسجدًا، ودعو الرسول الله -ﷺ - للصلاة فيه، فاستمهلهم حتى يعود من تبوك. فأنزل الله فيه: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٠٧) لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَةَرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ (١٠٨) أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (١).
ولهذا أمر - ﷺ - عند رجوعه بهدم وإخراب ذلك المسجد، فقام بتلك المهمة مالك بن الدخشم، ومعن بن عدي (٢).
استقبال المدينة لرسول الله (ﷺ):
ولما دنا رسول الله -ﷺ - من المدينة قال: إِن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرًا ولا قطعتم واديًا إِلا كانوا معكم، قالوا: يا رسول الله وهم بالمدينة؟ قال: وهم بالمدينة حبسهم العذر (٣). وعندما أشرف على المدينة قال: "هذه طابة، وهذا أحد جبل يحبنا ونحبه" (٤). واستقبله الناس والصبيان عند ثنية الوداع يرحبون بهم (٥) وهم يقولون:
طلع البدر علينا من ثنيات الوداع
وجب الشكر علينا ما دعا لله داع
_________________
(١) سورة التوبة، الآيات ١٠٧ - ١١٠.
(٢) ابن هشام، المصدر السابق ٤/ ١٧١.
(٣) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح ٤٤٢٣.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازى ح ٤٤٢٢.
(٥) صحيح البخاري كتاب المغازي ح ٤٤٢٧ لكن ليس ذكر النشيد.
[ ٢٧٤ ]
أصناف الذين تخلفوا عن غزوة تبوك:
كان الذين تخلفوا عن غزوة تبوك أربعة أصناف:
١ - مأمورون بالتخلف منه - ﷺ -، مثل محمَّد بن مسلمة، وعلي بن أبي طالب، وهؤلاء مأجورون.
٢ - معذورون، وهم الضعفاء والمرضى، وهم مأجورون أيضًا لأنهم قد حبسهم العذر.
٣ - عصاة مذنبون، مثل الثلاثة الذين خُلِّفُوا.
٤ - ملومون مذمومون، وهم الأعراب والمنافقون.
وعند عودته - ﷺ - إلى المدينة قدم عليه من تخلف عن الغزوة، وصاروا يعتذرون وهو يعذرهم، حتى جاء كعب بن مالك فقال له: مما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟ قال كعب فقلت: لا والله ما كان لي من عذر، والله ما كنتُ أقوى ولا أيسر مني حين تخلفتُ عنك. فقال - ﷺ -: أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك، وعندما قام أسرع إِليه أناس يؤنبونه على صدقه حتى هَمّ بالعودة والبحث عن عذر، ولكنه سأل: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت. فقال: من هما؟ قالوا: مرارة ابن الربيع، وهلال بن أمية. قال: فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا، فيهما أسوة، فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله -ﷺ - المسلمين عن كلام أولئك الثلاثة، فاجتنبهم الناس حتى تنكرت لهم الأرض. قال كعب: فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشبَّ القوم وأجلَدَحم، فكنت أخرج فأشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد. وآتي رسول الله -ﷺ - فأسلم عليه فأقول في نفسي: هل حرك شفتيه برد السلام علي أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلتُ على
[ ٢٧٥ ]
صلاتي أقبل عَليّ، وإِذا التفتُ نحوَه أعرض عني، حتى إِذا طال عليَّ ذلك من جفوة الناس، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي وأحبُّ الناس إِلي، فسلمتُ عليه، فوالله ما ردَّ عليَّ السلام. فقلت: يا أبا قتادة، أنشدك بالله هل تعلمني أُحِبُّ الله ورسوله؟ فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم. ففاضت عيناي وتوليت حتى تسورت الجدار. وبينما أنا أمشي بسوق المدينة إِذا نبطيٌّ من أنباط الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلني على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له، حتى إِذا جاءني دفع إِلي كتابًا من ملك غسان، فإِذا فيه: أما بعد، فإِنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوانٍ ولا مضيعة، فالحق بنا نواسِك. فقلت لما قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. فتيممت بها التنور فسجرته بها، حتى إِذا مضت أربعون ليلة وإِذا برسول رسول الله -ﷺ - يأمره باعتزال امرأته، فقال: أُطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: لا. بل اعتزلها ولا تقربها، وأرسل إِلى صاحبي بمثل ذلك، فقلت لامرأتي: إِلحقي بأهلك فتكوني عندهم، حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال كعب: فجاءت إِمرأة هلال بن أمية إِلى رسول الله - ﷺ -. فقالت: يا رسول الله، إِن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: لا، ولكن لا يقربك. قالت: إِنه والله ما به حركة إِلى شيء، والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إِلى يومه هذا.
قال كعب: فلما كملت لنا خمسون ليلة وأنا على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله ﷿، قد ضاقت عليَّ نفسي، وضاقت عليّ الأَّرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سَلْع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر، فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، وآذن (١) رسولُ الله - ﷺ - بتوبة الله
_________________
(١) آذن: أخبر.
[ ٢٧٦ ]
علينا حين صلى الفجر. حيث نزل عليه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ الآية﴾ (١) ورَكّضَ إِلي رجُلُ فرسًا، وسعى ساع فأوفى على الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس، فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيَّ فكسوته إِياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما يومئذٍ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت إِلى رسول الله - ﷺ -، فتلقاني الناس فوجًا فوجا يهنئوني بالتوبة يقولون: ليهنك توبة الله عليك، قال: حتى دخلت المسجد فإِذا برسول الله - ﷺ - جالس حوله الناس، فقام إِليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إِليّ رجل من المهاجرين غيره ولا أنساها لطلحة.
قال كعب: فلما سلمت على رسول الله - ﷺ - قال -وهو يبرق وجهه من السرور-: أبشر بخير يوم مرَّ عليك منذ ولدتك أمك قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: لا. بل من عند الله.
قال كعب: إِن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إِلى الله وإِلى رسوله، قال رسول الله - ﷺ -: أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك).
ثم قال كعب: يا رسول الله، إِن الله إِنما نجاني بالصدق، وإِن من توبتي ألا أحدث إِلا صدقا ما بقيت (٢).
_________________
(١) سورة التوبة، آية ١١٨.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حديث كعب بن مالك ح (٤٤١٨) وانظر: ابن كثير، البداية والنهاية ط/ هجر، ٧/ ١٩٦ - ١٩٧.
[ ٢٧٧ ]
دروس وعبر:
١ - فضل أبي بكر وعمر وعثمان ﵃ ومسابقتهم إِلى الإِنفاق في سبيل الله وتجهيز المجاهدين، وفضل علي - ﵁ - حيث استخلفه في أهله وجعله بمنزلة هارون من موسى إِلا أنه لا نبي بعد محمد - ﷺ -.
٢ - فضل أبي ذر الغفاري - ﵁ - وحرصه على مشاهد الخير مع رسول الله - ﷺ -.
٣ - فضل عبد الرحمن بن عوف وصلاة النبي - ﷺ - خلفه.
٤ - الحذر من دخول ديار المعذبين إِلا معتبرًا خائفًا وجلًا، وتحريم الإِقامة في أمكنة العذاب.
٥ - خير أيام العبد يوم توبته وهداية الله له.
٦ - فضل كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، بعد توبة الله عليهم، ونجاتهم بسبب الصدق، وخطر التسويف الذي كان سبب محنتهم، ووجوب المبادرة للطاعة والمسابقة في الخيرات.
٧ - انضباط الصحابة مع أوامر النبي - ﷺ -.
٨ - القوي في الدين يؤاخذ بأشد مما يؤاخذ الضعيف.
٩ - في أمره - ﷺ - بتحريق مسجد الضرار دلالة على أهمية حسم ما فيه ضرر على المسلمين وتفريق كلمتهم حتى لا يعود مرة أخرى، قال القرطبي: قال علماؤنا، كل مسجد بني ضرارًا أو رياءً وسمعة فهو في حكم مسجد الضرار لا تجوز الصلاة فيه (١).
_________________
(١) الجامع لأحكام القرآن ٨/ ٢٥٧.
[ ٢٧٨ ]
عام الوفود
العام التاسع يسمى عام الوفود لكثرة وفود القبائل فيه على رسول الله - ﷺ -، وإِن كانت بعض الوفود قد قدمت على رسول الله في وقت مبكر (١)، غير أنه منذ فتح النبي - ﷺ - مكة أخذت وفود العرب تفد عليه مبايعة مسلمة، وذلك في العام التاسع، فقد وفد عليه غالب وفود العرب في العامين التاسع والعاشر، وعدد الوفود يقارب المائة وفد، وقد اعتنى بذكر الوفود محمَّد بن سعد في كتاب الطبقات الكبرى (٢)، وعدهم مهدي رزق الله، ستة وتسعين وفدا (٣)، ويختلف عدد الأفراد في كل وفد كثرة وقلة، من أكثر من المائة إِلى الواحد، وأول الوفود بعد الهجرة وفد مزينة الذي قدم على النبي - ﷺ - في رجب من العام الخامس وهم أربعمائة فجعل الهجرة لهم في دارهم (٤).
ومن أسباب كثرة الوفود في العام التاسع وما بعده:
١ - فتح مكة وهزيمة المشركين في حنين، مما قرر عند قبائل العرب الأخرى عدم القدرة على مواجهة النبي - ﷺ -.
٢ - هدم النبي - ﷺ - للطواغيت والأصنام الكبيرة حول مكة والتي كانت تشكل ضغطًا نفسيًا وخوفًا منها عند العرب، فلما أزالها انفتح الباب لهم في دخول الإِسلام وزال الخوف عنهم.
٣ - يسر التعاليم الإِسلامية وموافقتها للفطرة.
٤ - العدل والأمن الذي أقامه النبي - ﷺ - وتحقق للمسلمين في الواقع.
_________________
(١) مثل ضمام بن ثعلبة، وافد بني سعد بن بكر، ووفد عبد القيس من ربيعة، ووفد جذام.
(٢) ١/ ٢٩١ - ٣٥٩.
(٣) انظر: السيرة النبوية في ضوء المصادر الأصلية ص ٦٤٠ - ٦٧٢.
(٤) بن سعد، الطبقات الكبرى ١/ ٢٩١.
[ ٢٧٩ ]
نماذج من الوفود:
١ - وفد بني تميم
قدا هذا الوفد في أول العام التاسع، وهم الذي نزل فيهم ما نزل من آداب الاستئذان وكيفية مخاطبة الرسول الله - ﷺ -، في أول سورة الحجرات، وجاءوا معهم بشاعر وخطيب يفاخرون به رسول الله - ﷺ -، وخطيبهم عطارد بن حاجب، وشاعرهم الزبرقان بن بدر، وكان خطيب رسول الله - ﷺ - ثابت بن قيس، وشاعره حسان بن ثابت (١). فغلب خطيب النبي - ﷺ - خطيبهم وشاعره شاعرهم.
٢ - وفد عبد القيس
عبد القيس هم سكان جواثا وهي بلدة بالأحساء الآن، وقريتهم هي أول قرية أقيمت بها الجمعة بعد المدينة (٢). وكان لهم وفادتان: الأولى، في العام الخامس.
والثانية، في العام التاسع.
الوفد الأول: وعددهم ثلاثة عشر رجلًا، وفيهم الأشج الذي قال فيه النبي - ﷺ -: إِن فيك خصلتين يحبهما الله ورسوله: الحلم والأناة (٣).
الوفد الثاني: وكانوا أربعين رجلًا، وفيهم الجارود العبدي وكان نصرانيا فأسلم وحسن إِسلامه. وقد رحب بهم رسول الله - ﷺ - قائلا: مرحبا بالقوم غير خزايا ولا ندامى (٤).
٣ - وقد ثقيف
سبق إِلى الإِسلام من ثقيف عروة بن مسعود، الذي لحق رسول الله - ﷺ - وهو في طريق
_________________
(١) مهدي رزق الله، المصدر نفسه ص ٦٤٠، وقد ذكر البخاري وفد تميم الأحاديث ٤٣٦٥ - ٤٣٦٧.
(٢) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح ٤٣٧١.
(٣) البخاري، كتاب الأدب المفرد ح ٦٨٥٠، والبيهقي في "الدلائل" ٥/ ٣٢٧.
(٤) مهدي رزق الله، المصدر السابق ص ٦٤١ وقد ذكر البخاري وفد عبد القيس الأحاديث ٤٣٦٨ - ٤٣٧١.
[ ٢٨٠ ]
عودته بعد الفتح وتوزيع غنائم حنين، فأسلم وسأل النبي - ﷺ - أن يعود ويدعو قومه للإِسلام، فقال له رسول الله -ﷺ -: إِنهم قاتلوك، فقال: يا رسول الله، أنا أحب إِليهم من أبكارهم، وكان فيهم محببًا مطاعًا، وعندما عاد رماه رجل من بني مالك يقال له أوس ابن عوف، بسهم فقتله، ثم ندمت ثقيف على هذا العمل وسارع زعماؤها؛ عبد ياليل ابن عمرو ومن معه إِلى الرسول الله - ﷺ - بعد عودته من تبوك، فاسلموا وأعلموه بإسلام قومهم، واشترطوا على الرسول الله -ﷺ - أن يترك لهم صنمهم اللات ثلاث سنين فرفض ذلك، وبعث معهم أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدمها (١).
وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، ومن كسر أصنامهم بأيديهم، فقال: أما كسر أصنامكم بأيديكم فسنعفيكم من ذلك، وأما الصلاة فلا خير في دين لا صلاة فيه. واشترطوا إعفاءهم من الزكاة والجهاد، فوافقهم على ذلك وهو يقول: سيتصدقون ويجاهدون إِذا أسلموا (٢). وسألوه أن يعفيهم من الوضوء لبرودة بلادهم، وأن يسمح لهم بنبيذ القرع، وأن يعيد لهم من مواليهم أبا بكرة الثقفي، فرفض كل ذلك، وأمّرَ عليهم عثمان بن أبي العاص وكان أصغرهم سنا؛ لكنه كان أحرصهم على تعلم الدين والتفقه فيه (٣).
وبعد خمسة عشر يوما قضوها بالمدينة عادوا إِلى الطائف، وأرسل رسول الله - ﷺ - أبا سفيان والمغيرة بن شعبة لهدم صنم ثقيف، وعند هدم اللات اجتمع النساء يبكين حول الصنم فهُدِم وأُخذِ ذهبه وماله (٤).
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات الكبرى ١/ ٣١٣.
(٢) أخرجه أبو داود في سننه، كتاب الخراج والإماره ح ٣٠٢٥ وصححه الألباني.
(٣) المصدر نفسه، كتاب الصلاة ح ٥٣١ وصححه الألباني.
(٤) انظر: مهدي رزق الله، المصدر السابق ص ٦٥٩ - ٦٦٠.
[ ٢٨١ ]
٤ - وفد بني حنيفة:
سبق هذا الوفد أسر ثمامة بن آثال وربطه بسارية المسجد ثلاثة أيام، ثم فُكّ أسره ومَنّ عليه رسول الله، فاغتسل وأسلم وعاد إِلى بلده (١). وفي العام التاسع قدم بضعة عشر رجلًا ومعهم مسيلمة بن حبيب، وكان يقول: إِن جعل محمَّد لي الأمر من بعده اتبعته، وعندما التقى بالنبي - ﷺ - قال له: لو سألتني هذه القطعة -وهي جريدة في يده- ما أعطيتكها ولن تعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله وإِني لأراك الذي أريت فيه ما رأيتُ (٢).
ومقصده - ﷺ - قوله: بينما أنا نائم رأيت في يَدَيّ سوارين من ذهب فنفختهما فطارا فأولتهما كذابين يخرجان بعدي، أحدهما: العنسي، والآخر مسيلمة (٣).
وقد قتل الله مسيلمة الكذاب في معركة اليمامة في عهد أبي بكر الصديق - ﵁ -.
٥ - وفد نجران
قدم هذا الوفد وهم ستون راكبًا، منهم أربعة وعشرون من أشرافهم. ورؤساؤهم ثلاثة: العاقب أمير القوم، والسيد، وأبو حارثة أحد بني بكر بن وائل، وهو أسقفهم وصاحب مدراسهم، وكانت ملوك الروم قد شَرّفوه ومَوّلوه وأخدموه، وبسطوا عليه الكرامات، وبنوا له الكنائس لِمَا بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، وكان الوفد كلهم على النصرانية، فدعاهم الرسول الله - ﷺ - إِلى الإِسلام وتلا عليهم القرآن، فأبوا قبول الإِسلام، فطلب منهم المباهلة، فتشاوروا ثم عادوا يطلبون الصلح، فصالحهم، ورفضوا المباهلة خوفا من العقوبة (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري ح ٤٣٧٢.
(٢) صحيح البخاري ح رقم (٤٣٧٣).
(٣) صحيح البخاري ح رقم (٤٣٧٤).
(٤) ابن هشام، السيرة ١/ ٥٧٣ وخبر المباهلة في صحيح البخاري ح ٤٣٨٠.
[ ٢٨٢ ]
وبعث معهم أبو عبيدة بن الجراح -حسب رغبتهم في رجل أمين- ووصفه بأنه أمين هذه الأمة (١).
وكانوا يعلمون أنه رسول الله حقا، كما في خبر أبي حارثة وأخوه كوز بن علقمة عندما عثرت بغلة أبي حارثة، فقال كوز: تعس الأبعد -يريد رسول الله -ﷺ - فقال له أبو حارثة: بل أنت تسعت، فقال كوز: لم يا أخي؟ فقل: والله إِنه للنبي الذي كنا ننتظره، فقال له كوز: وما يمنعك وأنت تعلم هذا؟ فقال له: ما صنع بنا هؤلاء القوم، شرَّفونا وموَّلونا وأخدمونا، وقد أبوا إِلا خلافه، ولو فعلتُ نزعوا منا كلَّ ما ترى قال: فأضمر عليها منه أخوه كوز حتى أسلم بعد ذلك (٢).
٦ - وفد بني عامر بن صعصعة
وفد على رسول الله - ﷺ - بنو عامر بن صعصعة من هوازن، وفيهم من أشرافهم عامر بن الطفيل، وأربد بن قيس، وجَبّار بن سَلْمى، وكان هؤلاء الثلاثة رؤساء القوم وشياطينهم.
وأضمر عامر الغدر برسول - ﷺ -، وقال له قومه: إِن الناس قد أسلموا فأسلم. قال: والله لقد كنت آليتُ ألا أنتهي حتى تَتْبع العربُ عَقِبي فأنا أتبع عَقِب هذا الفتى من قريش، واتفق مع أربد على أن يشاغل الرسول الله - ﷺ - وأربد يقتله بالسيف، فطلب عامر من النبي - ﷺ - أن يخليه (أي يساره) فأبى أن يخلي مشركا، فلما قاما قال لأربد: أين ما كنتُ أمرتك به؟ قال أربد: والله ما هممتُ بالذي أمرتني به إِلا دخلتَ بيني وبن الرجل حتى ما أرى غيرك، أفأضربك بالسيف؟! (٣)
_________________
(١) صحيح البخاري ح رقم ٤٣٨١.
(٢) ابن هشام، المصدر نفسه ١/ ٥٧٣ قال ويقال: اسمه كرز.
(٣) ابن هشام، المصدر نفسه ٢/ ٥٦٨.
[ ٢٨٣ ]
وكان عامر خَيّر النبي - ﷺ - بين ثلاث خصال: يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك من بعدك، أو أغزوك بغطفان، بألفٍ وألفٍ، فدعا النبي - ﷺ - الله أن يكفيه شره. وعند عودته إِلى بلاده خرجت في عنقه غُدّة طاعون وكان في بيت امرأة سلولية فقال: أغدة كغدة البعير وموت في بيت امرأة سلولية؟ فركب فرسه فمات عليه (١).
أما أربد فسأله قومه: ما وراءك يا أربد؟ قال: لا شيء، والله لقد دعانا إِلى عبادة شيء لوددت لو أنه عندي الآن فأرميه بالنبل حتى أقتله، فخرج بعد مقالته بيوم أو يومين معه جمل له يتبعه، فأرسل الله عليه صاعقة أحرقته وجمله (٢).
٧ - وفد طيء
وكان سيدهم زيد الخيل، فسماه الرسول الله - ﷺ - زيد لخير، وبعد حوار مع النبي - ﷺ - أسلم وفد طيء، فكتب لهم رسول الله - ﷺ - كتابًا فيه إِقطاع زيد أرض فَيدْ، وأَرَضِين أخرى معه، فأصابته حُمّى المدينة فمات، وحرقت امرأته ما معه من الكتب جهلًا منها (٣).
٨ - وفد دوس
أسلم سيدهم الطفيل بن عمرو قبل الهجرة، ثم عاد إِلى قومه ودعاهم إِلى الإِسلام فلم يجيبوه، فقدم على الرسول الله - ﷺ - وطلب منه أن يدعو الله عليهم. ولكن رسول الله - ﷺ - قال: اللهم اهد دوسًا وائت بهم (٤). ثم قال له: ارجع إِلى قومك فادعهم وارفق بهم. فرجع وجعل يدعوهم حتى هداهم الله، وقدم بهم ورسول الله - ﷺ - بخيبر وهم نحو سبعين أو ثمانين بيتا (٥).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح ٤٠٩١.
(٢) ابن هشام، المصدر السايق (٢/ ٥٦٩) وانظر: تهذيب سيرة ابن كثير ص ٥٦٠.
(٣) ابن هشام، المصدر نفسه (٢/ ٥٧٧) وانظر: تهذيب سيرة ابن كثير ص ٥٦٢ وفيد: موضع بديار طىء.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح (٤٣٩٢).
(٥) مهدي رزق الله، السيرة النبوية ص ٦٥١.
[ ٢٨٤ ]
٩ - وفد الأشعريين من اليمن
قدم الأشعريون في ثلاثة وخمسين رجلا ومعهم أبو موسى الأشعري، وأخوان له هما: أبو بردة، وأبو رُهم، من بلادهم في اليمن مهاجرين، فألقت بهم السفينة إِلى الحبشة، ووجدوا جعفر بن أبي طالب وأصحابه عند النجاشي، فبقوا هناك حتى قدموا جميعًا على رسول الله - ﷺ - يوم فتح خيبر، فأسهم لهم من غنائم خيبر (١).
١٠ - وفادة فروة بن مُسِيك المرادي
قدم فروة من اليمن مفارقًا لملوك كِنْده فأسلم، فاستعمله الرسول الله - ﷺ - على مُراد، وزُبيد، ومَذْحج، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتى توفي رسول الله - ﷺ -. وأخرج الإِمام أحمد في مسنده عن فروة أنه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: يا رسول الله، أقاتل بمقبل قومي مدبِرَهم؟ قال: نعم، فقاتِل بمقبل قومِك مدبِرَهم، فلما وَلَّيت دعاني فقال: لا تقاتلهم حتى تدعوهم للإِسلام الحديث (٢).
١١ - جرير بن عبد الله البجلي
قال جرير: لما دنوت من المدينة أنخت راحلتي ثم حللت عيبتي ثم لبست حُلتي، ثم دخلت فإِذا رسول الله - ﷺ - يخطب، فرماني الناس بالحدق، فقلت لجليسي: يا عبد الله هل ذكرني رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم ذكرك بأحسن الذكر، بينما هو يخطب إِذ عُرض له في خطبته وقال: يدخل عليكم من هذا الباب أو من هذا الفَجِّ من خير ذي يمن إِلا أن على وجهه مَسْحة مَلَكٍ.
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب فرض الخمس ح (٣١٣٦) وانظر: تهذيب سيرة ابن كثير ص ٥٦٩، ومهدي رزق الله، المصدر السابق ص ٦٥٣ - ٦٥٤.
(٢) المسند ح رقم ٢٤٣٠٦ ص ١٧٦٧ من طبعة بيت الأفكار الدولية. وأخرجه الترمذي، وقال: حسن صحيح وصححه الألباني في صحيح الترمذي، ح رقم ٣٤٥٢.
[ ٢٨٥ ]
قال جرير: فحمدت الله ﷿ على ما أبلاني (١).
وكان له مكانة عند رسول الله - ﷺ - قال جرير: ما حجبني رسول الله - ﷺ - منذ أسلمت، ولا رآني إِلا تبسم في وجهي (٢). وأكرمه رسول الله وألبسه حلته وقال: إِذا أتاكم كريم قوم فأكرموه) (٣) وأسلم معه قَومَه وعددهم مائة وخمسون وقد كلفهم رسول الله - ﷺ - بهدم صنم ذي الخلصة في ديار خثعم ودعا له ولقومه (٤).
١٢ - وفد بَلِيّ
قدم وفد بليّ في ربيع الأول من سنة تسع، فأنزلهم رويفع بن ثابت البلوي عنده، وقدم بهم على رسول الله -ﷺ - وقال: هؤلاء قومي، فقال رسول الله: مرحبًا بك وبقومك، فأسلموا وقال لهم رسول الله - ﷺ -: (الحمد لله الذي هداكم للإِسلام، فكل من مات على غير الإِسلام، فهو في النار) فقال له أبو الضبيب شيخ الوفد: يا رسول الله إِن لي رغبة في الضيافة، فهل لي في ذلك أجر؟ قال نعم، وكل معروف صنعته إِلى غني أو فقير فهو صدقة، قال: يا رسول الله، ما وقت الضيافة؟ قال ثلاثة أيام، فما كان بعد ذلك فهو صدقة، ولا يحل للضيف أن يقيم عندك فيحرجك، قال: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الغنم أجدها في الفلاة من الأرض؟ قال هي لك أو لأخيك أو للذئب، قال: فالبعير؟ قال مالك وله، دعه حتى يجده صاحبه، قال رويفع: ثم رجعوا إِلى منزلي، فجاء رسول الله إِلى منزلي ومعه تمر فقال: استعن بهذا التمر، وكانوا يأكلون منه ومن غيره، وأقاموا ثلاثة أيام، ثم وَدّعوا رسول الله - ﷺ - وأجازهم كما هي عادته مع الوفود (٥).
_________________
(١) مسند أحمد ٤/ ٣٦٠ ح ١٩١٨٠ وقال شعيب: صحيح.
(٢) صحيح البخاري، ح ٣٠٣٥ ومسلم، ح ٢٤٧٥ وانظر: تهذيب سيرة ابن كثير ص ٥٧٢.
(٣) البيهقي، دلائل النبوة ٥/ ٣٤٧.
(٤) صحيح البخاري، ح رقم (٣٠٢٠).
(٥) انظر: ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٦٥٧ وما بعدها، وقد تضمن هذا الحوار جملة من الآداب والأحكام، وله شواهد صحيحة عند البخاري، ح ٦٠١٩و ٦١٣٥ ومسلم ٣/ ١٣٥٢ وأبو داوود ح ٣٧٤٨.
[ ٢٨٦ ]
دروس وعبر:
١ - هذه النماذج من وفود العرب على رسول الله - ﷺ - مُسلِمين، توضح مدى نجاح دعوة النبي - ﷺ - وانتشار الإِسلام في أرجاء الجزيرة العربية، وتوحيدها تحت راية الإيمان وتوحيد الله.
٢ - أن النبي - ﷺ - أُعطي من حسن الخلق ما جعله يستوعب النماذج المختلفة، من الرجال والمواقف والأقوال، ويكسب حبها جميعًا، ويحسن التعامل معها، ويُقَدِّر رجالاتها، ويهيء لهم الضيافة والاستقبال، ويمكنهم من التعلم والفقه في الدين، ثم يحسن صلتهم وجوائزهم إِذا رجعوا إِلى بلدانهم، ويزودهم بالوصايا والآداب الإِسلامية التي جعلت منهم نماذج حية لمن وراءهم، في قبول الإِسلام والعمل بأحكامه وآدابه.
٣ - مدح صفة الحلم والآناة وأن الله يحبهما، وضدهما الطيش والعجلة وهما خلقان مذمومان (١).
٤ - التأني والصبر في الدعوة إِلى الله، وأن لا يعجل بالعقوبة والدعاء على العصاة (٢).
٥ - قال ابن القيم: وإِقرار الكاهن الكتابي لرسول الله - ﷺ - أنه نبي لا يدخله في الإِسلام ما لم يلتزم طاعته ومتابعته. قال: ومن تأمل ما في السير والأخبار الثابتة من شهادة كثير من أهل الكتاب والمشركين للنبي بالرسالة وأنه صادق، فلم تدخلهم هذه الشهادة في الإِسلام، علم أن الإِسلام أمر وراء ذلك، وأنه ليس هو المعرفة والإِقرار، بل المعرفة والإِقرار، والانقياد والتزام طاعته ودينه ظاهرا وباطنا (٣).
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٦٠٨.
(٢) المصدر نفسه ٣/ ٦٢٧.
(٣) المصدر نفسه ٣/ ٦٣٨.
[ ٢٨٧ ]
حج أبي بكر الصديق (﵁)
كان المشركون قد تولوا الحج في السنة الثامنة بعد الفتح، وعتاب بن أسيد أمير رسول الله على مكة حج بالمسلمين، وفي السنة التاسعة أمّرَ الرسول الله - ﷺ - على الحج الصديقَ، وبعد مسيره أرسل في أثره علي بن أبي طالب، ولما رآه الصديق رحّب به وقال: أمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور. وقد أمر الله رسوله - ﷺ - أن يعلن للناس في الحج أنه لا يدخل الجنة كافر، ولا يحج بعد هذا العام مشرك، وأن لا يطوف بالبيت عريان، وأن مَن بينه وبين رسول الله - ﷺ - عهد أو ميثاق محدد فهو إِلى مدته، ومن كان عهده غير محدد فإِن نهايته بعد أربعة أشهر. فأرسل رسول الله عليًا بها ليبلغ أبا بكر، فكان أبو بكر وعلي ﵄ يعلنان ذلك للناس يوم الحج ويأمرون من ينادي (١) به ليصفو الحج بعد ذلك للمسلمين.
حجة الوداع
سميت حجة الوداع لأن النبي - ﷺ - ودع الناس فيها، وسميت حجة الإِسلام لأنه لم يحج من المدينة غيرها، وسميت حجة البلاغ لأنه بَلّغ الناس فيها شرع الله في الحج قولًا وعملًا وأشهدهم على ذلك.
خرج - ﷺ - من المدينة لخمس بقين من ذي القعدة في السنة العاشرة، وبات في الوادي المبارك وادي العقيق، فلما كان بذي الحليفة صلى الظهر وأحرم من مصلاه، ثم لبىّ عندما استوى على راحلته راكبًا، فلما أخذت به في البيداء لَبّى بالحج، وساق معه الهدي.
وسار حتى وصل مكة لخمس خلون من ذي الحجة، وعندما وصل مكة بات بذي
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب حج أبي بكر بالناس في سنة تسع ح ٤٣٦٣.
[ ٢٨٨ ]
طوى (١) حتى أصبح، فاغتسل ودخل مكة من ثنية كداء (الحجون) ثم دخل الحرم من باب بني شيبة (٢)، ثم طاف بالبيت وسعى بين الصفا والمروة.
وفي اليوم الثامن من ذي الحجة توجه إِلى مني فصلى بها الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء، والفجر، ثم مكث قليلًا حتى طلعت الشمس، ثم سار إِلى عرفه وخطب خطبة عظيمة بعرفه جاء فيها: إِن دماءكم وأموالكم حرام عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا، ألا كل شيء من أمر الجاهلية تحت قدمي موضوع، ودماء الجاهلية موضوعة، وإِن أول دم أضع من دمائنا دم ابن ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب -كان مسترضعا في بني سعد فقتلته هذيل- وربا الجاهلية موضوع، وأول ربا أضعه من ربانا ربا العباس بن عبد الطلب فإِنه موضوع كله، واتقوا الله في النساء، فإِنكم أخذتموهن بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يوطئن فرشكم أحدًا تكرهونه، فإِن فعلن ذلك فاضربوهن ضربا غير مُبرِّح، ولهن عليكم رزقهن وكسوتهن بالمعروف، وقد تركت فيكم ما لن تَضِلّوا بعده إِن اعتصمتم به: كتابُ الله، وأنتم تسألون عني فما أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد بلغت ونصحت وأديت. فقال: اللهم اشهد ثلاثًا (٣).
ثم صلى الظهر والعصر جمعًا وقصرًا، ووقفى بعرفة حتى غربت الشمس، ونزل عليه في موقفه ذلك قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٤).
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الحج ح رقم ١٥٧٤ ومسلم ح ١٢٥٩.
(٢) تهذيب سيرة ابن كثير ص ٦١٣.
(٣) صحيح مسلم من حديث جابر ح رقم ١٢١٨.
(٤) سورة المائدة، آية ٣.
[ ٢٨٩ ]
قال عمر: نزلت على رسول الله عشية عرفة يوم الجمعة (١)، ثم سار حتى وصل مزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء، ثم نام حتى الفجر، ثم استقبل القبلة ودعا وحمد الله وكَبّره وهلّله ووحّده حتى أسفر جدًا.
ثم انطلق إِلى منى، والتُقِطت له سبع حصيات مثل حصى الخذف، ورمى بهن جمرة العقبة، ثم انصرف إِلى المنحر، فنحر ثلاثًا وستين بدنة بيده، ثم أعطى عليًّا فنحر ما غبر، وأشركه في هديه وهو مائة بدنة، ثم أمر من كل بدنة ببضعة فجعلت في قِدْر فطبخت، فأكلا من لحمها وشربا مِن مرقها (٢)، ثم أمر الحلاق فحلق رأسه، ثم أفاض من يومه وطاف بالبيت سبعًا، ثم عاد إِلى منى فبات بها ليالي أيام التشريق، يرمي الجمرات إِذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة.
وقد خطب يوم النحر خطبة عظيمة كرر فيها بعض ما جاء في خطبته يوم عرفه وزاد مثل قوله: لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض. وقوله: إِن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم، ثلاث متواليات، ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان (٣).
وقوله: إن أمِّر عليكم عبدٌ مُجدَّع يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له وأطيعوا.
وقال: إِنما هن أربع، لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إِلا بالحق، ولا تزنوا، ولا تسرقوا.
وقال: أمك وأباك، وأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك. وقال: ولا يجنى جان على
_________________
(١) صحيح البخاري كتاب الإيمان ح رقم (٤٥) ومسلم ح رقم (٣٠١٧).
(٢) صحيح مسلم ح رقم (١٢١٨).
(٣) صحيح البخاري ح رقم ٤٤٠٥ و٤٤٠٦.
[ ٢٩٠ ]
ولده، إلا إِن الشيطان قد يئس أن يُعبد في بلدكم هذا، ولكن سيكون له طاعة في بعض ما تحتقرون من أعمالكم فيرضى.
وقال: اعبدوا ربكم، وصلوا خمسكم، وصوموا شهركم وأطيعوا ذا أمركم، تدخلوا جنة ربكم.
وقال: إِن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث، والولد للفراش، وللعاهر الحجر، وحسابهم على الله، ومن ادعى إِلى غير أبيه أو انتمى إِلى غير مواليه فعليه لعنة الله متتابعة إِلى يوم القيامة، لا تنفق امرأة شيئًا من بيتها إِلا بإِذن زوجها. وقال: العارية مؤداة والمنحة مردودة، والدَّين مَقْضِيّ، والزعيم (١) غَارِمٌ (٢).
دروس وعبر:
١ - فضيلة أبي بكر الصديق - ﵁ - وأنه أول أمير للحج، وبهذا مضت السنة بتأمير من يقيم للناس الحج ويقود الحجيج في هذه الشعيرة العظيمة.
٢ - إِبلاغ النبي - ﷺ - ما أنزل الله إِليه من وجوب منع المشركين من قربان المسجد الحرام، وأن يكون الحج ومشاعره خالصا للمسلمين لا يشركهم فيه أحد من المشركين، ولذا أرسل بها عليًا بعد خروج الصديق إِلى مكة، فناديا بذلك طيلة أيام الحج حتى تم البلاغ وقامت الحجة بذلك.
٣ - بيان هدي النبي - ﷺ - في أداء نسك الحج وهو القائل: خذوا عني مناسككم.
٤ - التأكيد على أصول الدين وثوابته، وإعلان الحقوق الشرعية للإِنسان رجلًا أو امرأة.
_________________
(١) الزعيم: الكفيل.
(٢) انظر: حجة الوداع لابن كثير، تحقيق خالد أبو صالح، دار الوطن ط/١، ١٤١٦ هـ.
[ ٢٩١ ]
٥ - تحريم التقاليد والعادات الجاهلية والالتزامات المترتبة عليها، وأنها كلها موضوعة.
٦ - التأكيد على حرمة الدماء والأموال والأعراض.
٧ - وجوب طاعة ولي الأمر، ولزوم الجماعة، والتحذير من التفرق، والاختلاف، والحرص على الوحدة والائتلاف والتعاون على البر والتقوى.
[ ٢٩٢ ]
وفاة الرسول (ﷺ) ووصاياه وشمائله وخصائصه وزوجاته
مقدمات الوفاة:
الأحداث الكبيرة يجعل الله لها مقدمات وإرهاصات، وقد كان من علامات دنو أجل النبي - ﷺ -:
١ - فتح مكة قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (١).
قال ابن عباس: هو أجل رسول الله أعلمه إِياه (٢) وقال قتادة عن ابن عباس: هذه السورة عَلَمٌ وحَدّ حَدّه الله لنبيه - ﷺ - ونَعَى له نفسه، أيضًا أنك لن تعيش بعدها إِلا قليلًا (٣).
٢ - تتابع الوحي عليه في العام الذي قُبِض فيه (٤).
٣ - عرض جبريل القرآن عليه مرتين في آخر رمضان صامه - ﷺ - (٥).
٤ - اعتكافه - ﷺ - عشرين ليلة من رمضان في العام الذي قُبِض فيه (٦).
٥ - تخييره - ﷺ - بين الخلد في الدنيا ثم الجنة، وبين لقاء الله، كما في حديث أبي مويهبه (٧). وقد أخبر رسول الله - ﷺ - أصحابه بذلك تعريضًا في أخر خطبة خطبها حين اشتد به المرض ففهمها الصديق وبكى (٨).
_________________
(١) سورة النصر، الآيات ١ - ٣.
(٢) رواه البخاري ح ٣٦٢٧ وقد وافقه عمر على ذلك فقال: ما أعلم منها إِلا ما تعلم.
(٣) ابن جرير، جامع البيان ٣٠/ ٣٣٥.
(٤) صحيح البخاري ح (٤٩٨٢).
(٥) صحيح البخاري، كتاب فضائل القرآن ح ٤٩٩٨.
(٦) صحيح البخاري، كتاب الصوم ح ٢٠٤٤.
(٧) رواه أحمد ٣/ ٤٨٩، والبيهقي في الدلائل ٧/ ١٦٢ - ١٦٣، والحاكم في المستدرك ٣/ ٥٥ - ٥٦.
(٨) صحيح البخاري ح (٤٦٦) ومسلم ح ٢٣٨٢.
[ ٢٩٣ ]
مرض النبي (ﷺ).
بعد عودته - ﷺ - من الحج بقي في المدينة النبوية شهري محرم وصفر، وفي أواخر صفر وأوائل شهر ربيع الأول ابتدأ به المرض بعد أن زار البقيع مع مولاه أبي مويهبة، وسَلّم عليهم ودعا لمن دفن فيه من المسلمين؛ واستغفر لهم.
وقد مرّ مرض النبي - ﷺ - بمراحل مختلفة: بدأ بالصداع في بيت عائشة، ثم اشتد عليه المرض في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه في أن يمرض في بيت عائشة، فبقي في بيتها حتى وفاته - ﷺ -، وكان في أول الأمر يخرج إِلى المسجد فيصلي بالصحابة، وقد خطب بهم خطبة أوصى فيها ببعض الوصايا، ثم لما عجز عن الخروج استخلف أبا بكر على الصلاة (١).
وكان من أسباب مرضه أثر السُّم من الشاة التي قَدّمتها له إِمرأة من يهود خيبر، وقد اعترفت بذلك هي وقومها فقال: ما حملكم على ذلك؟ قالوا: أردنا إِن كنت كاذبًا نستريح، وإِن كنت نبيًا لم يضرك (٢)، وقالت هي: أردت لأقتلك. قال: ما كان الله ليسلطك على ذلك (٣)، فلم يقتله السم في وقت تناوله كما قتل بشر بن البراء الأنصاري (٤)، ليكون دليلًا من دلائل نبوته، ولكن اليهود لم ينتفعوا بذلك فلم يُسْلِمُوا وقد رأوا الآية والبرهان على نبوته، غير أن أثر السم بقي معه، فقال لعائشة في مرضه الذي مات فيه: (يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلتُ بخيبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك السم) (٥) فأراد الله ﷾ أن يجمع له بين النبوة والشهادة مبالغة في الترفيع والكرامة، وكان عبد الله بن مسعود يقسم على أن النبي - ﷺ - مات شهيدا (٦).
_________________
(١) انظر: عادل حسن، الأيام الأخيرة من حياة رسول الله - ﷺ - ص ٢٧.
(٢) صحيح البخاري ح ٣١٦٩.
(٣) صحيح البخاري ح ٢٦١٧ ومسلم ح ٢١٩٠.
(٤) أبو داود، كتاب الديات ح ٤٥١١.
(٥) صحيح البخاري تعليقًا، كتاب المغازي، باب مرض النبي ح ٤٤٢٨.
(٦) مسند أحمد ١/ ٣٨٢ وصحح إِسناده الشيخ أحمد شاكر في تحقيقه للمسند ٥/ ٣٣٤.
[ ٢٩٤ ]
خطبة النبي (ﷺ) الأخيرة (سببها ومضمونها):
وقد حزن الأنصار ﵃ لمرض رسول الله - ﷺ - فمر بهم العباس وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ قالوا: ذكرنا مجلس النبي - ﷺ - منا، فدخل العباس على رسول الله فأخبره بذلك، فقال النبي - ﷺ -: صُبّوا عليّ من سبع قِرَب من سبع آبار شتى، حتى أخرج إِلى الناس فأعهد إِليهم، فصبوا عليه فوجد راحة فخرج -وذلك قبل أن يموت بخمس- عاصبًا رأسه بخرقة حتى أهوى إِلى المنبر، وكان آخر مجلس جلسه، فحمد الله وأثنى عليه واستغفر للشهداء من أصحاب أحد ودعا لهم ثم قال: أيها الناس ثوبوا (١) إِلي، فثابوا إِليه ثم قال:
أما بعد: أوصيكم بالأنصار خيرا فإِنهم كرشي وعيبتي (٢)، فأكرموا كريمهم وتجاوزوا عن مسيئهم إِلا في حَدّ (٣)، وإِن عبدًا خَيّره الله بين أن يؤتيه من زهرة الدنيا ما شاء وبين ما عنده فاختار ما عنده، فلم يفطن لها أحدُ غير أبي بكر فبكى وقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا -يقول أبو سعيد الخدري- فعجبنا له وقلنا ما لهذا الشيخ يبكي، فكان رسول الله هو المخَيّر وكان أبو بكر أعَلَمنَا، وقال رسول الله: يا أبا بكر لا تبك، إِن من أمَنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن أخوة الإِسلام ومودته، لا يبقين في المسجد باب إِلا سُدّ إِلا بابَ أبي بكر (٤).
وإِني بين أيديكم فرط (٥)، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإِني لأنظر إِليه من مقامي هذا. وإن عرضه كما بين أيلة إِلى الجحفة.
_________________
(١) ثوبوا إلي: اجتمعوا واقتربوا حتى يسمعوا ما يقول.
(٢) كرشي وعيبتي: خاصتي وموضع سري.
(٣) صحيح البخاري ح ٣٧٩٩، ومسلم ح ٢٥١٠.
(٤) صحيح البخاري ح ٣٦٥٤.
(٥) فرط: متقدم وسابق إِلى الحوض.
[ ٢٩٥ ]
وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها وتقتتلوا فتهلكوا كما هلك من كان قبلكم (١).
ألا وإِن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إِني أنهاكم عن ذلك (٢).
هذه الخطبة خطبها النبي - ﷺ - وهو متألم متوجع، ولم يمنعه المرض أن يقول ما أمر الله به أن يبلّغه لأمته وفي هذا دلالة على عظيم شفقته على الأمة، ولذلك فإِنها بحاجة إِلى دراسة وتأمل واهتمام بما تضمنته. مثل الوصية بالأنصار، وبيان فضائل أبي بكر وأنه أعلم الصحابة، وفيها تبشير الأمة بحوضه الشريف، وأن موعدهم معه الورود على الحوض وبيان سعته، وشهادته على الأمة، وفيها التحذير من الدنيا والتنافس فيها والاقتتال عليها، وكذا التحذير من طرائق اليهود والنصارى واتخاذ قبور الأنبياء والصالحين مساجد والنهي الصريح عن ذلك.
آخر وصايا النبي (ﷺ):
من رحمة النبي - ﷺ - بأمته وخشيته عليهم من الشهوات والشبهات ونصحه لهم، أنه أوصاهم بجملة من الوصايا في أيام مرضه، وكرّر بعضها أكثر من مرة وهو في تلك الحالة، وأكد عليها قبل موته مما يوجب العناية بها، فمن تلك الوصايا:
١ - الوصية بالأنصار - ﵃ - وإِكرام كريمهم والتجاوز عن مسيئهم إِلا في حدود الله.
٢ - الوصية بإِخراج المشركين من جزيرة العرب.
٣ - الوصية بالصلاة، وبملك اليمين من العبيد والخدم وما شابههم من الضعفاء.
_________________
(١) صحيح البخاري ح ١٣٤٤، ومسلم ٢٢٩٦.
(٢) رواه مسلم ح ٥٣٢، وانظر نص الخطبة وتخريجها في كتاب الأيام الأخيرة من حياة رسول الله - ﷺ - ص ٤٣ - ٧٥.
[ ٢٩٦ ]
٤ - إِحسان الظن بالله، قال - ﷺ - قبل موته بثلاثة أيام: لا يموتن أحدكم إِلا وهو يحسن الظن بالله ﷿ (١)، وفائدة حسن الظن بالله عند الممات بينها النبي بقوله: يبعث كل عبد على ما مات عليه (٢).
٥ - التحذير من التنافس في الدنيا والاقتتال عليها فإِن ذلك من أسباب الهلاك.
٦ - أوصى أن يصلي بالناس أبو بكر، فراجعته عائشة وقال: إِن أبا بكر رجل رقيق متى يقم مقامك لا يستطيع يصلي بالناس، فقال - ﷺ -: "إِنكن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فصار أبو بكر يصلي بهم.
وفي فجر يوم الإِثنين الذي توفي فيه رسول الله - ﷺ - كشف ستر الحجرة ونظر إِليهم وهم صفوف خلف أبي بكر فتبسم يضحك، فهمّ الصحابة أن يفتتنوا من الفرح برؤية النبي - ﷺ -، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف وظن أن النبي - ﷺ - خارج إِلى الصلاة، فأشار النبي أن أتموا صلاتكم وأرخى الستر (٣)، فتوفي من يومه، وفي لفظ: فلم يُقْدَر عليه حتى مات.
وقد أعتق - ﷺ - قبل وفاته غلمانه وتصدق بمال كان عنده، وجاءته ابنته فاطمة في يوم وفاته فحدثها سِرًا فبكت، ثم حدثها فضحكت، وعند سؤالها بعد ذلك قالت: إِنه أخبرها أنه يقبض من وجعه فبكت، ثم أخبرها أنها أول أهله لحاقًا به فضحكت (٤).
اللحظات الأخيرة:
لما أخذه - ﷺ - غشي الموت كان بجواره إِناء فيه ماء فكان يدخل يديه في الماء ويمسح بهما وجهه ويقول: لا إِله إِلا الله إِن للموت سكرات (٥).
_________________
(١) صحيح مسلم ح (٢٨٧٧).
(٢) صحيح مسلم ح (٢٨٧٨).
(٣) صحيح البخاري ح (٤٤٤٨).
(٤) صحيح البخاري ح (٤٤٣٣ - ٤٤٣٤).
(٥) صحيح البخاري ح ٤٤٤٩.
[ ٢٩٧ ]
ثم ثَقُل واشتدّ وجعه حتى لم يستطع النطق، فدخل عليه أسامة بن زيد فكان يدعو له بالإِشارة (١).
ودخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك فنظر إِليه فأخذته عائشة وأصلحته فاستاك به، ثم رفع يده وبصره وشخص ببصره نحو السقف، وتحركت شفتاه. فكان يقول: مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى، فكان آخر ما قاله: اللهم بالرفيق الأعلى ثلاثًا (٢).
ووصل الخبر إِلى الصحابة بالمسجد وفيهم عمر بن الخطاب، فكان ذلك صدمة شديدة تأبى النفوس المحبة أن تصدقها، ولذا وقف - ﵁ - يقول: إِن رسول الله - ﷺ - لم يمت ولكن ربه أرسل إِليه كما أرسل إِلى موسى فمكث عن قومه أربعين ليلة، والله إِني لأرجو أن يعيش رسول الله - ﷺ - حتى يقطع أيدي رجال من المنافقين وألسنتهم يزعمون -أو قال يقولون- إِن رسول الله - ﷺ - قد مات (٣).
وكان أبو بكر - ﵁ - قد خرج من بعد صلاة الفجر إِلى زوجته حبيبة بنت خارجة بن زيد الأنصاري في ضاحية السِّنح، ووصله الخبر بوفاة النبي - ﷺ - ضحى، فأسرع إِلى المدينة ودخل على النبي - ﷺ - فكشف عن وجهه وقَبّله وبكى ثم قال: بأبي أنت وأمي، لا يجمع الله عليك موتتين، أما الموتة التي كتب الله عليك فقد مُتّها (٤). ثم خرج إِلى الناس في المسجد وهم بين منكر ومصدق، لهول وعظم المصيبة، ورأى عمر يتحدث فطلب منه أن يجلس فأبى، فبدأ أبو بكر بالحديث فالتفت الناس إِليه. فقال: أما بعد:
_________________
(١) المصدر نفسه ح ٤٤٣٦.
(٢) صحيح البخاري ح ٤٤٣٨، ٤٤٤٠.
(٣) رواه أحمد، وابن سعد ٢/ ٢٩٦، وعبد الرزاق، المصنف ٥/ ٤٣٣ - ٤٣٤ بإسناد صحيح.
(٤) صحيح البخاري، كتاب المغازي ح ٤٤٥٢، ٤٤٥٣.
[ ٢٩٨ ]
من كان منكم يعبد محمدًا فإِن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإِن الله حي لا يموت، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (١). فهدأ الناس وكأنهم لم يسمعوا الآية من قبل من هول الفاجعة.
قال عمر: والله ما هو إِلا أن سمعت أبا بكر تلاها فَعَقِرْت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إِلى الأرض حين سمعته تلاها، أن النبي - ﷺ - قد مات (٢).
وكانت وفاته يوم الاثنين الثاني عشر من ربيع الأول من السنة الحادية عشرة من هجرته - ﷺ -، وعمره ثلاث وستون سنة، وفي يوم الثلاثاء اجتمع أهله لغسله ومنهم العباس، وعلي بن أبي طالب، والفضل، وقثم ابنا العباس، وشقران مولى رسول الله - ﷺ -، وأسامة بن زيد، وأشرعوا معهم أوس بن خولى الأنصاري لخبرته. وغَسّلُوه في ثيابه، وكفنوه في ثياب بيض ثلاث سُحولية من قطن، ليس فيها قميص ولا عمامة.
وعندما أرادوا حفر قبره أرسل العباس إِلى أبي طلحة الأنصاري، وأبي عبيدة عامر ابن الجراح، وكان أبو عبيدة يضرح لأهل مكة، وأبو طلحة يلحد لأهل المدينة، وقال العباس: اللهم خر لرسولك، فجاء أبو طلحة فلحد لرسول الله - ﷺ -، وتشاوروا أين يدفن؟ فقال أبو بكر: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "لم يقبر نبيٌّ إِلا حيث يموت" (٣) فأخروا فراشه وحفروا تحته، وصلّى الناس عليه أرسالا يدخل قوم فيصلون ثم يخرجون ولا يؤمهم أحد. ثم دفن - ﷺ - وتولّى إِنزاله في قبره علي، والفضل، وقثم، وشقران، وأوس بن خولى (٤).
_________________
(١) سورة آل عمران، آية ١٤٤.
(٢) صحيح البخاري ح ٤٤٥٤.
(٣) رواه أحمد في المسند، وصححه الألباني في صحيح الجامع (٣/ ٥٥).
(٤) انظر: الصالحي، سبل الهدى والرشاد (١٢/ ٣٣٦).
[ ٢٩٩ ]
هل أوصى رسول الله (ﷺ) بالخلافة لأحد؟
لم يستخلف - ﷺ - بعده أحدًا بعينه، ولم يوص إِلى أحد بعينه فقد روى البخاري بسنده عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: إِن أستخلف فقد استخلف من هو خير مني -يعني أبا بكر- وإن أترك فقد ترك من هو خير مني، يعني رسول الله - ﷺ - (١).
وروى البيهقي أن عليًا - ﵁ - قال يوم الجمل: إِن رسول الله - ﷺ - لم يعهد إِلينا في هذه الإِمارة شيئًا، حتى رأينا من الرأى أن نستخلف أبا بكر فأقام واستقام حتى مضى لسبيله، ثم إِن أبا بكر رأى أن يستخلف عمر فأقام واستقام حتى ضرب الديِّن بجرانه (٢).
فهذه النصوص وغيرها تدل على أنه لم يعهد لأحد بالخلافة بعده - ﷺ -، لكنه أشار إِلى استخلاف أبي بكر إِشارات مفهمة، منها:
١ - أمره أن يصلي بالناس إِماما.
٢ - سد الأبواب الشارعة إِلى المسجد إِلا باب أبي بكر.
٣ - قوله للمرأة التي سألته فقال: تعودين. فقالت: إِن لم أجدك. فقال: إِئت أبي بكر.
٤ - قوله لعائشة في مرض موته: لقد هممت أن أرسل إِلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى متمنون. ثم قال: يدفع الله ويأبى المؤمنون (٣).
اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعده:
اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة، ودار بينهم الحوار والمشاورة حول من يخلف نبي الله - ﷺ -. وعلم بذلك أبو بكر وعمر فسارعا إِليهم؛ وفي الطريق قابلهم أبو عبيدة
_________________
(١) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ح ٧٢١٨، ومسلم ٣/ ١٤٥٤.
(٢) دلائل النبوة ٧/ ٢٢٣.
(٣) صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب الاستخلاف ح ٧٢١٧، ومسلم ح ٢٣٨٧.
[ ٣٠٠ ]
فتوجه معهم إِلى السقيفة، وقبل وصولهم لقيهم رجلان صالحان من الأنصار، فسألاهم إِلى أين؟ فقالوا: إِلى إِخواننا من الأنصار فقالا: اقضوا أمركم يا معشر المهاجرين لا يختلف عليكم اثنان، ثم كان الحوار في السقيفة والذي تحدث فيه أبو بكر ووضّح فضل الأنصار ومكانتهم وبين أحقية قريش لهذا الأمر بقوله: إِن رسول الله قال: الأئمة من قريش، وذَكّر سعد بن عبادة بذلك فذكر (١)، وتمت البيعة في السقيفة بتوفيق الله للمؤمنين في اختيار الصديق. وفي اليوم التالي بايعه الناس في المسجد ممن لم يبايع يوم الاثنين، وبايع علي بن أبي طالب، والزبير بن العوام، ولم يتخلف أحد من المهاجرين والأنصار (٢).
وبعد انتشار خبر وفاة المصطفى - ﷺ - ارتدت قبائل من العرب، واجتمع الصحابة بزعامة أبي بكر، وجرت المشاورة بينهم فرأى بعضهم أن لا يسير جيش أسامة خوفا من هتك حرمة المدينة، ولكن الصديق أصر على بعثه، وقال قولته المشهورة: لا أحل راية عقدها رسول الله - ﷺ - (٣).
_________________
(١) الفتح الرباني بترتيب مسند أحمد ٢٣/ ٦٢ وصححه الألباني بشواهده في سلسلة الأحاديث الصحيحة ح رقم (١١٥٦).
(٢) البيهقي، السنن الكبرى ٨/ ١٤٣.
(٣) البداية والنهاية ٦/ ٣٠٤.
[ ٣٠١ ]
صفات الرسول (ﷺ) الخلقية وأخلاقه وشمائله:
تقدم في الحديث عن الهجرة النبوية ذكر وصف أم معبد لرسول الله - ﷺ - وما فيه من الدقة في الوصف، ونذكر هنا بعض الأحاديث الواردة عن الصحابة ﵃ الذين وصفوا رسول الله - ﷺ -.
قال الإِمام البخاري: باب صفة النبي - ﷺ - ثم ساق حديث أنس بن مالك - ﵁ - في وصف النبي - ﷺ - وقال: كان ربعة من القوم، ليس بالطويل ولا بالقصير، أزهر اللون، ليس بأبيض أمهق ولا آدم. ليس بجعد قَطِطٍ ولا سَبْطٍ رَجِلٍ الحديث (١).
ومن حديث البراء بن عازب - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - أحسن الناس وجهًا وأحسنهم خَلْقًا، ليس بالطويل البائن، ولا بالقصير (٢).
وعنه أيضًا قال: كان مربوعًا بَعيدَ ما بين المنكبين، له شعر يبلغُ شحمة أُذُنه، رأيته في حلة حمراء، لم أرَ شيئًا قطّ أحسن منه، وجهه مثل القمر (٣).
ومن حديث كعب بن مالك - ﵁ - قال: كان رسول الله إِذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قَمر وكنا نعرف ذلك منه (٤).
وفي حديث أنس - ﵁ -: ما مسست حريرًا ولا ديباجًا ألين من كفّ النبي - ﷺ - ولا شممت ريحًا قط أو عَرقًا قط أطيبَ من ريح أو عَرقِ النبي - ﷺ - (٥).
وهذه الأوصاف التي ذكرها أصحابه - ﵃ - تجتمع كلها في كمال الهيئة وجمال الصورة وغاية الحسن الذي وهبه الله لرسوله - ﷺ -.
_________________
(١) صحيح البخاري ح ٣٥٤٧ و٣٥٤٨.
(٢) المصدر نفسه ح ٣٥٤٩.
(٣) المصدر نفسه ح ٣٥٥١ و٣٥٥٢.
(٤) المصدر نفسه ح ٣٥٥٦.
(٥) المصدرنفسه ح ٣٥٦١.
[ ٣٠٢ ]
أما أخلاقه
فإِن رسول الله - ﷺ - أفضل الخلق وأكملهم وهو قدوة المسلمين، وقد اتصف بجميع صفات الكمال البشري، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ (١). ولخصت أم المؤمنين عائشة - ﵂ - خلقه بقولها: كان خلقه القرآن. ومن أخلاقه - ﷺ - الصدق حيث لم يكن يتهم بخلافه حتى عند من يعاديه، وكان مثالًا للأمانة حتى لُقِّب بالصادق الأمين من قبل النبوة والرسالة، وكانت قريش تضع أموالها عنده.
وكان - ﷺ - مثالا للحلم والصبر، فمع كل الأذى الذي لحقه منهم إِلا أنه قال: اللهم اغفر لقومي فإِنهم لا يعلمون (٢).
وكان - ﷺ - حييًا أشد حياءً من العذراء في خدرها (٣).
ولم ينتقم - ﷺ - لنفسه، ولم يغضب لها إِلا أن تنتهك حرمات الله تعالى، وإِذا غضب لله لم يقم لغضبه أحد، وما خير - ﷺ - بين أمرين إِلا اختار أيسرهما ما لم يكن إِثما، فإن كان إِثمًا كان أبعد الناس منه. (٤) وما عاب - ﷺ - طعامًا قط إِن اشتهاه أكله، وإِن لم يشتهه تركه (٥). وكان لا يأكل متكئًا (٦). قال أبو هريرة - ﵁ -: خرج - ﷺ - من الدنيا ولم يشبع من خبز الشعير، هو وأهل بيتة (٧). وكان يأتي عليه الشهر والشهران لا يوقد في بيت من بيوته نار، كان قوتهم الماء والتمر، قالت عائشة - ﵂ -: إِلا أن حولنا أهل دور
_________________
(١) سورة القلم، آية ٤.
(٢) رواه البخاري ح ٦٩٢٩، ومسلم ح ١٧٩٢.
(٣) المصدر نفسه ح٣٥٦٢.
(٤) المصدر نفسه ح ٣٥٦، ومسلم ح ٢٣٢٧.
(٥) المصدر نفسه ح ٥٤٠٩، ومسلم ٢٠٦٤.
(٦) المصدر نفسه ح ٥٣٩٨.
(٧) المصدر نفسه ح ٥٤١٤.
[ ٣٠٣ ]
من الأنصار يبعثون بشياههم فنصيب من ذلك اللبن (١). وكان - ﷺ - يخصف النعل، ويرقع الثوب، ويخدم في مهنة أهله (٢).
وكان - ﷺ - يجيب من دعاه من غني أو فقير ويحب المساكين، ويشهد جنائزهم، ويعود مرضاهم.
ولا يحقر فقيرًا لفقره، ولا يهاب مَلِكًا لملكه، يركب الفرس، والبعير، والبغلة، والحمار، ويردف خلفه عبده أو غيره.
وكان - ﷺ - لا يدع أحدًا يمشي خلفه، أحب اللباس إِليه الحبرة (٣)، ويحب البياض من الثياب، وأحب الطعام إِليه الحلو البارد. وأصابه في الخندق جهد فعصب على بطنه حجرًا من الجوع مع ما آتاه الله من خزائن الأرض.
وكان - ﷺ - يكثر الذِّكر، ويُقِلُّ اللغو، ويُطيل الصلاة، ويُقَصِّر الخطبة، ويحب الطيب، ويكره الرائحة الكريهة.
يألف أهل الشرف، ويكرم أهل الفضل، ولا يطوي بِشْرَه عن أحد، ولا يجفو عنه، يرى اللعب المباح فلا ينكره، يمزح ولا يقول إِلا حقا، يقبل معذرة المعتذر إِليه.
خصائصه (ﷺ).
أفاض الله ﷿ على رسوله - ﷺ - بخصائص وأكرمه بإِكرامات جليلة ومن ذلك أنه خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وأمته أفضل الأمم وهي معصومة من الإِجماع على ضلالة، وأصحابه خير القرون، وشريعته مؤبدة، وناسخة لجميع الشرائع.
نُصِر بالرعب مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدًا وطهورًا، وأحلّت له الغنائم،
_________________
(١) متفق عليه. وانظر: كتاب الإشارة للعلامة مغلطاي.
(٢) رواه البخاري ح٦٧٦.
(٣) متفق عليه؛ البخاري ح٣٥٦١، مسلم ٢٣٣٠.
[ ٣٠٤ ]
وأعطي الشفاعة، والمقام المحمود، وأرسل إِلى الناس كافة، وهو سيد ولد آدم، وأول من تنشق الأرض عنه، وأول شافع، وأول مشفع، وأول من يقرع باب الجنة.
وأكثر الناس تبعًا، وأعطي جوامع الكلم، وكان لا ينام قلبه وتنام عيناه.
ومن رآه في المنام فقد رآه حقًا، فإِن الشيطان لا يستطيع أن يتمثل به.
وإِنَّ كَذِبًا عليه ليس ككذب على غيره (١). فمن كذب عليه متعمدا فقد كفر، وأن الاستهزاء به كفر يوجب القتل، وأن العبد لا يؤمن حتى يكون رسول الله -ﷺ - أحب إِليه من والده وولده والناس أجمعين، بل ومن نفسه التي بين جنبيه.
بيوته وأدواته (ﷺ):
عندما سكن - ﷺ - المدينة بني المسجد ثم بني حجرتين في طرف المسجد، واحدة لعائشة والأخرى لسودة، وكان كلما تزوج إِمرأة بني حجرة، وحُجرُه في شرق المسجد على يسار المصلي إِلى الكعبة، وهي مبنية من اللبن، وسقفها من جذوع النخل والجريد، وأثاثه بسيط. ومن أثاثه قَدَح مضبب في ثلاثة مواضع، وقدح من عيدان، وتَوْر من حجارة لغسل الملابس، وقصعة، وجفنة لها أربع حلق. وكان له سرير قوائمه من خشب الساج، وفراش جِلْد حَشوُه ليف، وكساء أسود، وآخر من شَعَر (٢).
زوجاته (ﷺ) الطاهرات ﵅:
أباح الله لرسوله - ﷺ - الجمع بين أكثر من أربع زوجات، وتحرم زوجاته على غيره، بل هن أمهات المؤمنين، وهذا من خصائصه. وقد تزوج - ﷺ - إِحدى عشرة امرأة ست من قريش، ومات عن تسع، وتسَرّى بمارية القبطية فولدت له إِبراهيم.
_________________
(١) انظر: مغلطاي، الإشارة إِلى سيرة المصطفى - ﷺ - ص ٤٥٦ - ٤٦١.
(٢) المصدر نفسه ٣٩٥ - ٤٠١.
[ ٣٠٥ ]
١ - خديجة بنت خويلد القرشية الأسدية (﵂).
تزوجها بمكة وعمره خمس وعشرون سنه، وعمرها أربعون سنة، وكانت قد تزوجت برجلين قبله، ورزقه الله منها الولد، وأسلمت منذ بدأ دعوته، وبَلّغ جبريل السلام لها من الباري جل وعلا، وبَشّرها ببيت في الجنة. وماتت بمكة في السنة العاشرة من البعثة، وبقي - ﷺ - وفيًا لها بعد وفاتها.
٢ - سودة بنت زمعة القرشية، العامرية (﵂).
كانت تحت ابن عمها السكران بن عمرو، وكانت من المهاجرات إِلى الحبشة، وعندما مات عنها زوجها ذكرتها خولة بنت حكيم لرسول الله - ﷺ -، وكان ذلك بعد وفاة خديجة، فتزوجها بمكة، وعُمِّرت - ﵂ - حيث كانت وفاتها بالمدينة النبوية في شوال سنة أربع وخمسين في خلافة معاوية - ﵁ -، ولما كبر سنها وهبت يومها لعائشة ﵄.
٣ - عائشة بنت أبي بكر الصديق القرشية التيمية (﵂).
تزوجها بمكة، وبنى بها بالمدينة، وهي ابنة تسع سنين، ولم يتزوج بكرا غيرها، وكانت من أحب الناس إِليه، وابتلاها الله برمي المنافقين لها بالإفك وبرأها الله من فوق سبع سماوات، وهي من أعلم النساء، روت حديثًا كثيرًا عن رسول الله - ﷺ -، ومسندها عند أحمد ٢٤٠٩ أحاديث، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في شهر رمضان سنة ثمان وخمسين.
٤ - حفصة بنت عمر بن الخطاب القرشية العدوية (﵂).
تزوجت خنيس بن حذافة السهمي، وهاجرت معه إِلى المدينة، وشهد بدرًا وأحدًا فأصيب في الأخيرة ومات من جراحته، فعرضها عمر على أبي بكر، وعلى عثمان، ثم
[ ٣٠٦ ]
تزوجها رسول الله - ﷺ -، روت عن رسول الله أحاديث، وكانت عندها صحف القرآن التي نسخت منها المصاحف، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في شعبان سنة خمس وأربعين.
٥ - زينب بنت خزيمة الهلالية من هوازن (﵂).
تزوجها الطفيل بن الحارث بن عبد الطلب فطلقها، ثم تزوجها أخوه عبيدة بن الحارث، فجرح ببدر جراحة مات منها، فتزوجها عبد الله بن جحش الذي استشهد في أحد، ثم تزوجها رسول الله - ﷺ - وأصدقها أربعمائة درهم. وماتت في حياة النبي - ﷺ - بعد أشهر من زواجها به، فصلى عليها ودفنها في البقيع سنة ثلاث من الهجرة.
٦ - أم سلمه هند بنت أبي أمية القرشية المخزومية (﵂).
هي هند بنت أبي أمية المعروف بزاد الراكب، تزوجها ابن عمها عبد الله بن عبد الأسد المخزومي، وهاجرت معه إِلى الحبشة، ثم حاولت الهجرة برفقته إِلى المدينة فمنعها أهلها، ونزع أهل أبي سلمة ابنها سلمة منها حتى خلعوا كتفه، فبقيت سنة تخرج تبكي في طريق المدينة حتى شفع فيها أحد الرجال، فلحقت بزوجها، وفي غزوة أحد أصيب زوجها بإِصابة شديدة مات بعدها بشهور، فخطبها رسول الله - ﷺ - وتزوجها مع وجود أيتام لديها وغَيْرة فيها، وكانت امرأة عاقلة حكيمة، وروت حديثًا كثيرًا عن رسول الله - ﷺ -، وكانت وفاتها بالمدنية النبوية في ذي القعدة سنة تسع وخمسين وهي آخر زوجات النبي - ﷺ - وفاة.
٧ - زينب بنت جحش من بني أسد بن خزيمة (﵂).
هي أخت عبد الله بن جحش، وأمها أميمه بنت عبد المطلب، زَوَّجَها رسول الله - ﷺ - لزيد بن حارثة، وعندما طلقها تزوجها - ﷺ -، بأمر الله، قال تعالى:
[ ٣٠٧ ]
﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (١)، وتوفيت بالمدينة النبوية سنة عشرين، وهي أول زوجات النبي - ﷺ - وفاة بعده. وكانت تفاخر زوجات النبي - ﷺ - بقولها: زوجكن أهليكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات.
٨ - جويرية بنت الحارث الخزاعية المصطلقية (﵂).
هي ابنة زعيم بني المصطلق الحارث بن أبي ضِرَار، وقعت بعد نهاية غزوة بني المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شَمّاس فكاتبته على نفسها، وجاءت النبي - ﷺ - تستعينه على ذلك فقال لها: فهل لك في خير من ذلك؟ قالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدي عنك كتابتك وأتزوجك. قالت: نعم يا رسول الله. قال: قد قبلت. وعندما علم الناس بذلك أطلقوا من معهم من الأسرى، ولذا قالت عائشة: ما رأيت امرأة كانت أعظم بركة على قومها منها، وتوفيت بالمدينة النبوية سنة ست وخمسين في خلافة معاوية - ﵁ -.
٩ - أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان القرشية الأموية (﵂).
كانت تحت عبيد الله بن جحش فهاجر معها إِلى الحبشة فتنصر زوجها فصبرت، فكتب - ﷺ - إِلى النجاشي ليزوجه إِياها، ففرحت فرحًا شديدًا، وأمهرها أربعة آلاف درهم وبعث بها إِليه مع شرحبيل بن حسنة وذلك سنة ست من الهجرة، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية سنة أربع وأربعين في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵁.
١٠ - صفية بنت حيي بن أخطب النضرية الإِسرائيلية (﵂).
كانت تحت سَلّام بن مِشْكم فطلقها، وتزوجها كنانة بن أبي الحقيق فقتل يوم خيبر، وسبيت ضمن سبي خيبر، فجيء بها إِلى رسول الله - ﷺ -، فخيرها بين عتقها
_________________
(١) سورة الأحزاب، آية ٣٧.
[ ٣٠٨ ]
وزواجه بها، أو عتقها وتلحق بأهلها، فاختارت العتق وزواج الرسول - ﷺ - بها، وهي من سلالة الأنبياء هارون وموسى ﵉، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية سنة اثنتين وخمسين ودفنت بالبقيع.
١١ - ميمونة بنت الحارث الهلالية من هوازن (﵂).
كانت عند مسعود بن عمرو الثقفي، ففارقها، فتزوجها أبو رهم بن عبد العزى، فمات عنها، فخطبها النبي - ﷺ -، وكانت قد جعلت أمرها إِلى أختها لبابة زوج العباس بن عبد المطلب ووكّلَت لُبَابةُ زوجَها العباسَ، وهو الذي زوجها رسول الله - ﷺ -، وكان ذلك بمكة أثناء عمرة القضاء في السنة السابعة، لكن قريشًا أعجلته فخرج - ﷺ - إلى وادي سَرِف (حي النوارية اليوم) فأقام، ودخل بزوجته، وماتت ميمونة - ﵂ - في نفس المكان بعد رجوعها من الحج سنة إِحدى وخمسين، وقيل تسع وأربعين، وقبرها في وادي سرف معلوم وهي أخت لبابة الكبرى أم عبد الله بن عباس، وأخت لبابة الصغرى أم خالد بن الوليد، وأخت لأسماء بنت عميس الخثعمية لأمها.
١٢ - مارية القبطية المصرية (﵂).
كانت من قرية انصنا بصعيد مصر، أرسلها مقوقس مصر مع أختها سيرين، وهدايا أخرى إِلى النبي - ﷺ -، منها: عَبْدُ، وألف مثقال ذهب، وعسل وعشرون ثوبًا، وبغلة تسمى الشهباء، وحمار، يسمى عفير.
وقد تسَرّى النبي - ﷺ - بمارية. وولدت له ابنه إِبراهيم، ومات وهو صغير بعد ثمانية عشر شهرًا، وكانت وفاتها بالمدينة النبوية في محرم سنة ست عشرة من الهجرة، في خلافة عمر، ودفنت بالبقيع.
[ ٣٠٩ ]
الحكمة من تعدد زوجات النبي (ﷺ):
ذكر أهل العلم الحكمة من تعدد زوجات النبي - ﷺ - (١)، نذكر بعضها:
١ - كان - ﷺ - يكثر التزوج لمصلحة تبليغ الأحكام الشرعية التي لا يطلع عليها الرجال.
٣ - أن يكثر من يشاهد أحوال النبي - ﷺ - الباطنة فينتفي عنه ما يظن به المشركون من أنه ساحر أو كاهن.
٣ - لتتشرف قبائل العرب بمصاهرته فيهم مما يدعوهم إِلى الإِسلام.
٤ - الاطلاع على محاسن أخلاق النبي - ﷺ - الباطنة.
٥ - كثرة النكاح صفة مدح عند العرب لدلالته على كمال الرجولة، ومع هذا لم يشغله ذلك عن عبادة ربه ﷿.
٦ - الرحمة والعطف على من وقعت لها مصيبة كوفاة زوج، أو وقوع في الأسر، فجبر - ﷺ - مصيبتها وأكرمها بأن كانت من أمهات المؤمنين.
٧ - تقرير الحكم الشرعي، واقتلاع العادات التي رسخت في قلوب الناس يإِبطال التبني، بالتزوج من زوجة من كان إِبنًا بالتبني قبل إِبطال الله للتبني. قال تعالى ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤) ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ الآية﴾ (٢).
وقال تعالى ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ (٣) والمراد زيد بن حارثة، وقد كان النبي - ﷺ - تبناه قبل النبوة، وقد أمر الله رسوله - ﷺ - كما في الآية بالزواج من مطلقته زينب بنت جحش، ليكون ذلك أبلغ في إبطال عادة التبني.
_________________
(١) انظر: ابن حجر، فتح الباري ٩/ ١١٥ وما بعدها.
(٢) سورة الأحزاب، آية ٣ - ٤.
(٣) سورة الأحزاب، آية ٣٧.
[ ٣١٠ ]