(المرحلة الأول)
[ ١٨٥ ]
الجهاد النبوي (المرحلة الأولى)
السياسة النبوية تجاه قريش:
لقد جاء تشريع الجهاد بعد الهجرة متزامنًا مع استكمال المصطفى - ﷺ - بناء الجبهة الداخلية، واستقلال الأمة عن عدوها بأرض وسلطان، لذا فقد كان من الطبيعي أن يسعى المسلمون إِلى الانتصار ممن ظلمهم، وذلك برفع الجور والظلم الذي أنزله كفار قريش بالمسلمين، والمتمثل بمحاربة الدعوة ومصادرة الأموال والممتلكات والتهجير من أم القرى.
وقد عمل الرسول - ﷺ - على رفع الظلم الواقع على أمة الإِسلام استجابة لقول الحق ﷾: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ (١). وهي أول آيه نزلت في الإِذن بالقتال الذي كان ممنوعا في العهد المكي.
وقد ركز رسول الله - ﷺ - عمله على ضرب سببين عظيمين من أسباب قوة قريش هما: الرخاء الاقتصادي، والأمن الاجتماعي، وهما اللذان أمتن الله بهما على قريش، فلم يعبدوا الله رب البيت ويشكروه على نعمة الأمن، قال تعالى: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ (٢).
فالرخاء الاقتصادي الذي أنعم الله به على قريش زمن البعثة النبوية المباركة، والأمن الذي يتميز به أهل الحرم، لم يُقَابَلَ بالشكر للمنعم، بل قوبل بالكفر والجبروت من قبل أثرياء قريش الذين كذبوا رسول الله - ﷺ - وحاربوا دعوته (٣).
قال تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِلْهُمْ قَلِيلًا﴾ (٤).
_________________
(١) سورة الحج، آية ٣٩.
(٢) سورة قريش، الآيات ١ - ٤.
(٣) السعدي: تيسير الكريم الرحمن ٨٢٧؛ وانظر: د. عبد الرحمن السنيدي: المواجهة الاقتصادية بين المسلمين وقريش، ص ٣٧٥.
(٤) سورة المزمِّل، آية ١١.
[ ١٨٧ ]
من أجل ذلك نجد أن رسول الله - ﷺ - قد أخذ بالأسباب السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، لإِضعاف قريش وإِزاحتها عن طريق الدعوة، وقد شرع - ﷺ - في تنفيذ ذلك باتخاذ عدد من الخطوات والمواقف منها:
١ - السرايا والغزوات:
بدأ رسول الله - ﷺ - منذ استقراره بالمدينة إِعداد السرايا من أصحابه وقيادة الغزوات بنفسه الشريفة، وذلك للانتصار لهذا الدين ونشره، وإِعداد أصحابه للمواجهة الكبرى مع العدو إِذا لم يستجب للدعوة واستمر في عناده.
٢ - عقد المعاهدات:
لقد استطاعت قريش تأمين طرق قوافلها التجارية عن طريق عقد الإِيلاف والتحالف (١). لذا فقد حرص رسول الله - ﷺ - على تفكيك ذلك الإِيلاف وخاصةً مع القبائل الحجازية القاطنة غرب المدينة والتي تمر بأراضيها أضخم قوافل قريش التجارية قاطبة، والمتجهة إِلى بلاد الشام (٢).
وبعد جهود مضنية تمكن المسلمون من مهادنة وتحييد العديد من القبائل الحجازية التي تمر قوافل قريش بأراضيها مثل جهينة، وبني ضمرة، وبني مدلج، وغفار، وأسلم، وذلك عن طريق المعاهدات التي نظمت العلاقة بين المسلمين وتلك القبائل (٣).
_________________
(١) الإِيلاف: اتفاقيات أمان أقامتها قريش مع بعض القبائل التي تمر قوافلها التجارية بأراضي تلك القبائل، في مقابل أن يقوم تجار قريش بحمل بضائعها وتسويقها، ثم يردون إِليهم رأس مالهم وربحهم. عبد الرحمن السنيدي: المرجع السابق ٣٧٤.
(٢) صالح أحمد العلي: دولة الرسول في المدينة ٢١٩، ٢٢١.
(٣) ابن هشام: السيرة ١/ ٣٩٠، ٣٩٣، ٣٩٥، ابن سعد: الطبقات ١/ ٢٧٤، ٢/ ٨، حامد خليفة: مهاجري الحجاز ٩٤ - ٩٧. أكرم العمرى: السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٤٥.
[ ١٨٨ ]
هذا وقد أسهم قرب بعض هذه القبائل من المدينة التي هي سوقهم ومعاشهم إِلى السعي لأجل موادعة الدولة الإِسلامية الناشئة (١).
وهكذا نجد أن المسلمين قد استثمروا عامل المصالح المشتركة في تحييد تلك القبائل التي وجدت أن من مصلحتها الوقوف على الحياد وعدم الانحياز إِلى المسلمين أو قريش في المرحلة الراهنة، وهذا بحد ذاته مكسب عظيم للمسلمين.
أهداف السرايا والغزوات:
السرايا التي أرسلها النبي - ﷺ - والغزوات التي قادها كانت ذات أهداف محددة سعى المسلمون إِلى تحقيقها ومنها:
١ - الاستجابة لقول الحق ﷾ في الانتصار ممن ظلمهم وصادر أموالهم وأخرجهم من ديارهم: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢).
٢ - رفع الذل والضعف الذي أشاعته قريش عن المسلمين قبل الهجرة، وما ينتج عن ذلك من ردع المتربصين بالدعوة في موطنها الجديد.
٣ - الدعوة إِلى الله ونشر دينه.
٤ - حماية الدعوة ممن عاداها وحاربها حتى تبلغ جميع الناس، ومن ثم تكون لهم الحرية في تحديد موقفهم منها (٣).
_________________
(١) علي الصلابي: السيرة النبوية ١/ ٦٩٠.
(٢) سورة الحج، آية ٣٩ - ٤٠.
(٣) محمود العيساوي: فقه الغزوات ٦٢.
[ ١٨٩ ]
٥ - ضرب الاقتصاد القرشي المسخر لحرب الدعوة، وذلك من خلال التعرض لقوافل قريش التجارية في كل مكان (١).
٦ - إِقامة التحالفات السياسية والتجارية مع القبائل الحجازية التي تمر قوافل قريش بديارها، أو تحييدها على أقل تقدير (٢).
٧ - رفع جاهزية الجندي المسلم، وجعله في حالة استعداد دائم، لتفويت الفرصة أمام المتربصين بالدعوة، وكذللث اكتشاف الطاقات العسكرية للصحابة لاستثمارها والاستفادة منها على أكمل وجهَ (٣).
السرايا والغزوات قبل غزوة بدر
أولًا: السرايا الأولى:
١ - سرية حمزة بن المطلب (﵁)
في شهر رمضان من السنة الأولى من الهجرة النبوية المباركة خرجت أول سرايا رسول الله - ﷺ - بقيادة حمزة بن عبد المطلب - ﵁ -، في لواء (٤): أبيض عقده له رسول الله - ﷺ -، ومعه ثلاثون صحابيًا من المهاجرين، متجهين إِلى ناحية البحر الأحمر من أجل اعتراض قافلة قريش القادمة من الشام، بقيادة أبي جهل، ويحرسها قرابة ثلاثمائة رجل، فأدركوا القافلة عند العيص (٥) من بلاد جهينة، ومنعوها من التقدم، فتأهب الفريقان للمبارزة غير أن تدخل أحد زعماء جهينة الذي كان حليفًا للفريقين وهو مجدي بن عمرو الجهني، حال دون المواجهة، وانصرف الجميع دون قتال (٦)
_________________
(١) بريك العمري: السرايا والبعوث النبوية ٧٥.
(٢) المرجع السابق ٧٦.
(٣) محمَّد أبو فارس: السيرة النبوية ٣٣١.
(٤) اللواء: قطعة من القماش يكون مع قيادة الجيش أو السرية، وهو واحد لا يتعدد بخلاف الرايات.
(٥) العيص: بلدة تقع شرق مدينة ينبع.
(٦) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٣؛ ابن سعد، الطبقات ٦/ ٢.
[ ١٩٠ ]
٢ - سرية عبيدة بن الحارث (﵁).
في شهر شوال على رأس ثمانية أشهر من الهجرة بعث رسول الله - ﷺ - عبيدة بن الحارث - ﵁ - في ستين من المهاجرين إِلى رابغ لاعتراض عير قريش، فلقي أبا سفيان ومعه مائتا رجل، فكان بينهم الرمي بالسهام ولم يسلوا السيوف، وكان سعد بن أبي وقاص - ﵁ - في هذه السرية وهو أول من رمى بسهم في الإِسلام، وتعد هذه المواجهة أول اصطدام عسكرى بين الطرفين، لكنها كانت مواجهة محدودة اقتصرت على السهام دون السيوف، ثم انصرف الفريقان، غير أن اثنين من المسلمين كانا في قافلة قريش هما: عتبة بن غزوان، والمقداد الأسود - ﵃ - قد تمكنا من الفرار إِلى معسكر المسلمين وعادا معهم إِلى المدينة (١).
٣ - سرية سعد بن أبي وقاص (﵁).
خرجت في شهر ذي القعدة من السنة الأولى من الهجرة وكان هدفها اللحاق بقافلة لقريش عائدة من الشام عند ماء الخرار بالجحفة (٢) لكن القافلة أفلتت (٣)، ورجع سعد ولم يلق كيدا.
٤ - سرية عبد الله بن جحش الأسدي (﵁).
في شهر رجب من السنة الثانية من الهجرة بعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن جحش - ﵁ - قِبَلَ مكة ومعه ثمانية من المهاجرين يرصدون أخبار قريش، وكتب معه رسول الله - ﷺ - كتابًا، وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين، فلما سار يومين عن المدينة تجاه مكة
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٠؛ ابن سعد، الطبقات ٧/ ٢.
(٢) الجحفة: تقع شرق مدينة رابغ وهي أحد مواقيت الحج.
(٣) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٧؛ ابن سعد، الطبقات ٢/ ٧.
[ ١٩١ ]
فتح الكتاب، فإِذا فيه: أمر من رسول الله - ﷺ - بالتوجه إِلى نخلة (١) بين مكة والطائف، ليرصد أخبار قريش، ولا يستكره أحدًا من أصحابه على مرافقته في تلك المهمة، فلما علم أفراد السرية بذلك قالوا: سمعًا وطاعة لرسول - ﷺ -، ومضوا مع عبد الله بن جحش حتى وصلوا وادي نخلة، فرصدوا عيرًا لقريش، فتشاور عبد الله مع أصحابه وقالوا: نحن في آخر يوم من رجب الشهر الحرام، فإِن قاتلناهم انتهكنا الشهر الحرام، وإن تركناهم الليلة دخلوا الحرم، لكنهم عزموا على مهاجمة العير، فتم لهم ذلك وهجموا على المشركين فقتلوا أحدهم، وأسروا اثنين وأفلت الرابع، ثم قدموا بالعير والأسيرين على رسول الله -ﷺ -، فأنكر عليهم ما قاموا به في الشهر الحرام، ولما علمت قريش بذلك استغلت الحدث، وقالت: إِن محمدًا قد سفك الدم في الشهر الحرام، وأخذ فيه المال، وأسر فيه الرجال، واستحل الشهر الحرام.
لكن الله ﷾ أنزل في هذا الشأن قرآنًا يتلى إِلى يوم القيامة فيه رفع للحرج عن رسول الله - ﷺ - ومن معه من المؤمنين، وتضمنت الآية التعيير والتوبيخ لقريش التي تتبجح برعاية الحرمات (٢).
قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (٣).
_________________
(١) نخلة: هما نخلتان شرق مكة، نخلة الشامية، ونخلة اليمانية وطريق الطائف يمر عبر نخلة اليمانية وهي المقصودة هنا.
(٢) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٧ - ٤٠٠.
(٣) سورة البقرة ٤ آية ٢١٧.
[ ١٩٢ ]
قال العلامة ابن سعدي ﵀: (هذه الآية نازلة بسبب ما حصل لسرية عبد الله بن جحش، وعيَّرهم المشركون بالقتال في الأشهر الحرم، وكانوا في تعييرهم ظالمين، إِذ فيهم من القبائح، ما بعضه أعظم مما عيَّروا به المسلمين ثم أخبر تعالى أنهم لن يزالوا يقاتلون المؤمنين، وليس غرضهم في أموالهم وقتلهم، وإِنما غرضهم أن يرجعوهم عن دينهم، ويكونوا كفارًا بعد إِيمانهم حتى يكونوا من أصحاب السعير وهذا الوصف عام لكل الكفار، لا يزالون يقاتلون غيرهم -أي من السلمين- حتى يردوهم عن دينهم، وخصوصًا أهل الكتاب، من اليهود والنصارى، ألَّفوا الجمعيات، ونشروا الدعاة وبثوا الأطباء، وبنوا المدارس لجذب الأمم لدينهم، وإِدخالهم عليهم كل ما يمكنهم من الشُّبه التي تشككهم في دينهم، ولكن المرجو من الله تعالى الذي مَنَّ على المؤمنين بالإِسلام أن يخذل كل من أراد أن يطفئ نوره وتكون هذه الآية صادقة على هؤلاء الموجودين من الكفار، كما صدقت على من قبلهم) (١).
ثانيًا: الغزوات:
١ - غزوة ودَّان (٢) (الأبواء)
هي أول غزوة يقودها رسول الله -ﷺ - بنفسه، وقد كانت في شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة، وحمل لواءه عمه حمزة بن عبد الطلب - ﵁ -، واستخلف على المدينة سعد بن عبادة - ﵁ -، وخرج في جمع من المهاجرين يطلب قافلة لقريش، لكن القافلة تمكنت من الإِفلات، وفي هذه الغزوة وادع رسول الله -ﷺ - مخشي بن عمرو الضمري سيد بني ضمرة، ثم عاد إِلى المدينة (٣).
_________________
(١) تيسير الكريم الرحمن ص ٨٠.
(٢) ودَّان: اسم للوادي الذي تقع فيه الأبواء، وهي اليوم بلدة عامرة تقع شمال رابغ.
(٣) ابن هشام، السيرة ١/ ٣٩٠ ابن سعد، الطبقات ٢/ ٨.
[ ١٩٣ ]
٢ - غزوة بُوَاط (١)
في شهر ربيع الأول من السنة الثانية من الهجرة خرج رسول الله - ﷺ - غازيًا إِلى بُوَاط، يعترض قافلةً لقريش، واستخلف على المدينة سعد بن معاذ - ﵁ -، وحمل لواءه، سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، لكن القافلة أفلتت، فعاد ﵊ إِلى المدينة (٢).
٣ - غزوة بدر الأولى
خرج رسول الله - ﷺ - في طلب كرز بن جابر الفهري الذي أغار على سرح المدينة، فاستخلف على المدينة زيد بن حارثة - ﵁ -، وحمل لواءه، علي بن أبي طالب - ﵁ -، وتمت مطاردة كرز الفهري حتى وادي سفوان قرب بدر لكنه تمكن من الفرار، فعاد رسول الله - ﷺ - إِلى المدينة. (٣)
٤ - غزوة العُشَيْرَة. (٤)
في جمادى الآخرة من السنة الثانية من الهجرة النبوية، خرج رسول الله - ﷺ - في طلب قافلة لقريش ذاهبة إِلى الشام، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي - ﵁ -، وحمل لواءه، حمزة بن عبد الطلب - ﵁ -، في خمسين ومائة، ويقال مائتين من المهاجرين، فبلغ العُشيرة بناحية ينبع فوجد القافلة قد فاتته، وفي هذه الغزوة وادع ﵊ بني مدلج وحلفاءهم، ثم رجع إِلى المدينة. وقد كانت تلك القافلة من أعظم قوافل قريش، وهي التي كانت بسببها غزوة بدر الكبرى عندما عادت من الشام (٥).
_________________
(١) بواط: موقع ديار جهينة بناحية رضوى شرق ينبع. (محمَّد شراب، المعالم الأثيرة ص ٥٤).
(٢) الواقدي، المغازي ١/ ٧؛ ابن سعد، الطبقات ٢/ ٨.
(٣) الواقدي، المغازي ١/ ٧، ١٢، ابن سعد، الطبقات ٢/ ٩.
(٤) العشيرة، تصغير عشرة، ويقال: ذو العشيرة، وهي قرية في أسفل ينبع النخل من جهة البحر، وقد كانت في ما مضى محطة للحاج المصري (محمَّد شراب، العالم الأثيرة في السنة والسيرة ص١٩٢).
(٥) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٩؛ ابن القيم، زاد العاد ٣/ ١٦٦.
[ ١٩٤ ]
دروس وعبر
١ - جواز التعرض لأموال الكفار الحربيين دون غيرهم من المعاهدين أو المستأمَنين. لقد كانت السرايا والغزوات السابقة موجهة لضرب القوافل التجارية القرشية دون غيرها من القبائل، لأن قريشًا قد كفرت بربها، وكذبت رسوله - ﷺ -، وأخرجته ومن معه من المسلمين من مكة، واستولت على دورهم وأموالهم، ووقفت في سبيل الدعوة، فهم في حالة حرب مع المسلمين، لذا فقد كان من الحكمة ضرب الاقتصاد القرشي الذي ازداد نموًا بعد الاستيلاء على أموال وممتلكات المسلمين في مكة، وفي ذلك إِضعاف لقوة ظالمة تقف في سبيل الدعوة، والمقصود الأعظم من الجهاد هو إِعلاء كلمة الله، والذب عن الملة، وأما الغنائم فتابعة له (١).
٢ - جواز الانصراف عن العدو من غير قتال إِذا ضعف المسلمون عن قتال عدوهم، أو لمصلحة يراها أميرهم، كما حصل في سرية حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - (٢).
٣ - وجوب اتخاذ أمير للسرية قلَّت أو كثرت، وكذلك جواز اتخاذ الألوية في الحرب (٣).
٤ - أُسْنِدت قيادة معظم السرايا السابقة إِلى أهل بيت رسول الله - ﷺ - وأقاربه، ليكونوا أول من يضحي في سبيل الدعوة، حتى لا يقال؛ إِن رسول الله - ﷺ - ضن بأهل بيته عن القتل وضحى بغيرهم من الناس، وليعطي بذلك القدوة الحسنة للدعاة في كل زمان ومكان (٤).
_________________
(١) وهبة الزحيلي: آثار الحرب في الفقه الإِسلامي ٥٥٠؛ محمود العيساوي: فقه السرايا ص ٦٣.
(٢) محمود العيساوي، فقه السرايا ص ٦٣.
(٣) المرجع السابق نفسه، ص ٦٠، ٦٢.
(٤) بريك العمري: السرايا والبعوث النبوية ص ٨٢.
[ ١٩٥ ]
٥ - اقتصرت السرايا والغزوات السابقة على المهاجرين دون الأنصار من أجل إِحياء قضيتهم في نفوسهم وفي نفوس غيرهم، لأن المهاجرين أصحاب حق سليب، أخوجوا من ديارهم ظلمًا وعدوانًا، وهم أولى الناس بالانتصار ممن ظلمهم (١)، قال الله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ (٢). ولأن البيعة مع الأنصار مختصة بالحماية في المدينة.
٦ - حرص الرسول - ﷺ - على اكتشاف قدرات أصحابه العسكرية والسياسية والإدارية، من خلال تنويعه في اختيار قادة السرايا، ومن خلال تعدد نوابه الذين يستخلفهم على المدينة عند خروجه غازيًا - ﷺ -.
٧ - جواز قتال الكفار المحاربين في الأشهر الحرم، وهذا ما دلت عليه سرية عبد الله بن جحش - ﵁ -، وما تلاها من غزوات رسول الله - ﷺ -، لكن تعظيم حرمة تلك الأشهر باقٍ وإِن أبيح فيها القتال (٣).
غزوة بدر الكبرى
كانت في شهر رمضان من السنة الثانية من الهجرة، حيث جاءت الأخبار إِلى رسول الله - ﷺ - أن قافلة قريش التي أفلتت من المسلمين في غزوة العشيرة -وهي ذاهبة إِلى الشام- قد بدأت رحلة العودة إِلى مكة بقيادة أبي سفيان، فندب رسول الله - ﷺ - من كان
_________________
(١) محمَّد عبد القادر أبو فارس: السيرة النبوية دراسة تحليلية ٣٢٧.
(٢) سورة الحج، آية ٣٩ - ٤٠.
(٣) محمود العيساوى، فقه الغزوات ٧٠؛ بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية ١٠٦.
[ ١٩٦ ]
حاضرًا من أصحابه للخروج لتلقي القافلة، وقال ﵊: (هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إِليها لعل الله ينفلكموها) (١)، وكان أبو سفيان لما اقترب من مناطق نفوذ المسلمين غربي المدينة، جعل يتحسس الأخبار حتى علم بخروج المسلمين لأخذ القافلة، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفاري وبعثه إِلى مكة يستنفر قريشًا، لنجدة القافلة، فتجهزت قريش وخرجت لملاقاة المسلمين وهي تقول: أيظن محمَّد وأصحابه أن تكون كعير ابن الحضرمي (٢)، كلَّا والله ليعلمن غير ذلك (٣). لقد خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة يريد قافلة قريش ومعه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا من أصحابه رضوان الله عليهم، كما ثبت عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إِلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا ) (٤).
لقد كان هدف المسلمين هو قافلة قريش لكن الله ﷾ أراد لهم أمرًا آخر، أراد لهم التمكين في الأرض، والانتصار ممن حادَّ الله ورسوله، فعن كعب بن مالك - ﵁ - قال: ( إِنما خرج رسول الله - ﷺ - يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد) (٥). قال تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ (٥) يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَمَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٦) وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ (٧) لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾ (٦).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ١/ ٤٠١.
(٢) هو الذي قتله المسلمون في سرية عبد الله بن جحش - ﵁ - إلى وادي نخلة.
(٣) ابن هشام، السيرة ١/ ٤٠٣.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٢٨٥.
(٦) سورة الانفال، الآيات ٥ - ٨.
[ ١٩٧ ]
وعند علم رسول الله - ﷺ - فوات عير قريش أراد الاستيثاق من أمر الأنصار الذين كانوا قد وعدوه في بيعة العقبة أن ينصروه داخل المدينة، فكان يقول: أشيروا علي أيها الناس، وهو يريد الأنصار، فقال له سعد بن معاذ - ﵁ -: (والله لكأنك تريدنا يا رسول الله؟ قال أجل، قال: فقد آمنا بك وصدقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا، على السمع والطاعة، فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، وما تخلف منا رجل واحد وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإِنا لَصُبُرٌ في الحرب، صُدُقٌ في اللقاء. لعل الله يريك منا ما تقر به عينك، فسر بنا على بركة الله.
فَسُرَّ رسول الله -ﷺ - بقول سعد ونشَّطَهُ. ثم قال: سيروا وأبشروا، فإِن الله تعالى قد وعدني إِحدى الطائفتين، والله لكأني الآن انظر إِلى مصارع القوم (١).
فسار رسول الله - ﷺ - وأصحابه إِلى بدر وهناك علم أن عير قريش قد نجت وأن جيشهم قد نزل ببدر، وفي ذلك يقول الحق ﷾: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (٢).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ١/ ٤٠٨، وانظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٤٢، وعنده: أن القائل سعد بن عبادة.
(٢) سورة الأنفال، آية ٤٢.
[ ١٩٨ ]
خريطة موقعة بدر
وعن ليلة السابع عشر من رمضان، وهي ليلة بدر يحدثنا علي - ﵁ - فيقول: (لقد رأيتنا يوم بدر، وما منا إِلا نائم، إِلا رسول الله - ﷺ -، فإِنه كان يصلي إِلى شجرة ويدعو حتى أصبح، فلما طلع الفجر نادى، الصلاة عباد الله، فجاء الناس فصلى بنا رسول الله - ﷺ - وحرض على القتال (١).
_________________
(١) البنا، الفتح الرباني في ترتيب مسند الإِمام أحمد ٢١/ ٣٩.
[ ١٩٩ ]
ومِن دعاء رسول الله - ﷺ - يوم بدر ما رواه عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: (لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إِلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا، فاستقبل نبي الله - ﷺ - القبلة ثم مَدّ يديه فجعل يهتف بربه: اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم آت ما وعدتني، اللهم إِن تهلك هذه العصابة من أهل الإِسلام لا تعبد في الأرض، فمازال يهتف بربه مادًا يديه مستقبلًا القبلة حتى سقط رداءه عن منكبيه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله كفاك مناشدتك ربك فإِنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ (١). فأمده الله بالملائكة (٢).
وعن الحكمة من اشتراك الملائكة في القتال يوم بدر بهذا العدد الكبير، مع أن جبريل -﵇- قادرٌ على إِهلاك المشركين بريشة من جناحه يقول الشيخ تقي الدين السبكي: (سُئلت عن الحكمة في قتال الملائكة مع النبي - ﷺ -، مع أن جبريل قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: وقع ذلك لإِرادة الله أن يكون الفعل من النبي - ﷺ - وأصحابه، وتكون الملائكة مددًا على عادة الجيوش، رعايةً لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله تعالى في عباده، والله تعالى هو مالك الجميع، والله أعلم) (٣).
ولما بدأ القتال كان رسول الله - ﷺ - يباشر القتال بنفسه وفي ذلك يقول علي - ﵁ -: (لقد رأيتنا يوم بدر ونحن نلوذ برسول الله - ﷺ -، وهو أقربنا إِلى العدو، وكان من أشد الناس بأسًا) (٤).
_________________
(١) سورة الأنفال، آية ٩.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٥.
(٣) ابن حجر: فتح البارى ٧/ ٣٦٤.
(٤) أحمد بن حنبل، المسند (تحقيق أحمد شاكر) ٢/ ٢٢٨.
[ ٢٠٠ ]
وكعادة القتال في ذلك العصر فقد بدأت المعركة بالمبارزة، حيث خرج من قريش عتبة بن ربيعة وأخوه شيبة وابنه الوليد بن عتبة، فتصدى لهم من المسلمين حمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب وعبيدة بن الحارث - ﵃ -، فقتلوهم وكبَّر المسلمون، ثم التحم الجيشان، ودارت الدائرة على قريش فُقتل أبو جهل بعد أن انقض عليه غلامان من الأنصار هما أبناء عفراء، معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخوه معوذ ﵄، بعد أن دلهما عليه عبد الرحمن بن عوف - ﵁ -، حيث أخبراه أنهما يريدان قتل أبي جهل لأنه كان يسب رسول الله - ﷺ - (١) وأخذ المشركون يتساقطون في أرض المعركة، حتى قُتِل منهم سبعون، وأسر سبعون، وفرّ الباقون تاركين خلفهم غنائم كثيرة (٢).
هذا وقد أشكل موضوع الأسرى والغنائم على المسلمين، وفي ذلك يقول عبد الله بن عباس ﵄: (فلما أسروا الأسارى قال رسول الله - ﷺ - لأبي بكر وعمر ما ترون في هؤلاء الأسارى: فقال أبو بكر: يا نبي الله هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله - ﷺ -: ما ترى يا ابن الخطاب. قال: لا والله يا رسول الله، ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكني أرى أن تمكنَّا فنضْرب أعناقهم، هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها. فهوي رسول الله - ﷺ - ما قال أبو بكر (٣) وأخذ رسول الله - ﷺ - الفداء، لكن القرآن نزل موافقًا لرأي عمر - ﵁ - في الأسرى (٤)، وأجاز تصرف النبي - ﷺ - في أخذ الفداء.
_________________
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٦٢.
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٦؛ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٦٦.
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٦.
(٤) صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٧.
[ ٢٠١ ]
قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١)، ثم إِن الله ﷾ بمنِّه ولطفه بهذه الأمة أحل لها الغنائم، ولم تحل لأمة قبلها، قال تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (٢)، وقال رسول الله - ﷺ -: أُعطيتُ خمسًا لم يعطهن أحد قبلي وذكر منها وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي (٣)، وكانت الأمم السابقة من أتباع الرسل يجمعون الغنائم في مكان ولا يأخذون منها شيئًا، فتأتي نار بقدر الله فتحرقها (٤). وقد أمر رسول الله - ﷺ - بسحب قتلى المشركين إِلى إِحدى الآبار، فقُذفوا فيها. وكان رسول الله - ﷺ - إِذا ظهر على قوم أقام بساحتهم ثلاثة أيام، فلما كان اليوم الثالث مشى إِلى البئر الذي طُرِح فيه قتلى المشركين (فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإِنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا. فقال عمر: يا رسول الله، ما تكلم من أجساد لا أرواح لها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: والذي نفسي بيده، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم) (٥)، أما شهداء المسلمين وعدتهم أربعة عشر شهيدًا فقد دُفنوا في مصارعهم كما هي السنة في ذلك (٦). ثم ارتحل رسول الله - ﷺ - مؤيدًا منصورًا قرير العين بنصر الله، ومعه الأسرى والمغانم، ودخل المدينة، وقد خافه كل عدو بالمدينة وحولها، فأسلم كثير من الناس،
_________________
(١) سورة الأنفال، آية ٦٧ - ٦٨.
(٢) سورة الأنفال، آية ٦٩.
(٣) صحيح البخاري، كتاب التيمم ح ٣٣٥، ومسلم كتاب المساجد ومواضع الصلاة ح ٥٢١.
(٤) ابن سعدي، تيسير الكريم الرحمن ص ٢٨٦.
(٥) صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٥١،
(٦) ابن القيم: زاد المعاد ٣/ ٢١٤، ٢١٧؛ د. أحمد العليمي: مرويات غزوة بدر ٤٣٥.
[ ٢٠٢ ]
وظهر النفاق، حيث دخل عبد الله بن أُبي المنافق وأصحابه في الإِسلام ظاهرًا (١). وقد نزلت في قصة بدر سورة الأنفال بتمامها، وقد تضمنت ذكر مشاهد من المعركة وتوجيهات تربوية، ونداءات للمؤمنين، كما تضمنت جملة من البشارات والمؤيدات التي أيد الله بها رسوله - ﷺ - والمؤمنين، على طريقة القرآن في التربية بالأحداث، وفيها بيان لحكم الغنيمة وأنها من الحلال الطيب.
دروس وعبر:
١ - لقد كانت غزوة بدر معركة من معارك العقيدة التي فرق الله فيها بين الحق والباطل، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (٢)، وانتصار الحق على الباطل سُنّة جارية، ووعد دائم لا يخلف إِلا إِذا أخلف الناس؛ ذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ (٣).
٢ - إِن الانتصار في معارك العقيدة لا تحكمه الحسابات المادية وحدها، بل يخضع لتطبيق المسلمين لشروط النصر الواردة في القرآن والسنة، من إِقامة الدين، والأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر، والصبر والثبات، ولزوم الطاعة، والاجتماع وعدم الفرقة، والاعداد بما يستطاع من القوة؛ قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥) وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) ابن القيم: زاد المعاد ٣/ ١٨.
(٢) سورة الأنفال، آية ٤١.
(٣) سورة الرعد، آية ١١.
(٤) سورة الأنفال، آية ٤٥ - ٤٦.
[ ٢٠٣ ]
وقال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ الآية﴾ (١).
٣ - ظهور عقيدة الولاء والبراء بأوضح صورها، حيث تقابل أبناء القبيلة الواحدة، والأسرة الواحدة، بل الإِخوة والآباء والأبناء، بأسيافهم، لأن قيم الإِيمان جعلت ولاءهم لله ﷾ ولرسوله - ﷺ -، وأصبحت رابطة العقيدة بين أفراد المجتمع المسلم تعلو فوق كل الروابط الأخرى، فهي ليست معركة اقتصادية على مصالح مادية، ولا معركة قومية، وإِنما كانت معركة عقيدة، وفي هذا رد على الذين يفسرون تاريخ المسلمين تفسيرا قوميا أو اقتصاديا.
٤ - في استشارة الرسول - ﷺ - لأصحابه تربية للأمة من بعده على هذا المبدأ العظيم الذي ينبغي أن يتجذّر في ثقافة الأمة (٢).
٥ - في قضاء الرسول - ﷺ - ليلة بدر في الدعاء والاستغاثة والتضرع إِلى الله، بيان لأهمية الفزع إِلى الله واللجوء إِليه وخاصة في الشدائد، مع اتخاذ الوسائل المادية والمعنوية (٣).
٦ - في وقوف رسول الله - ﷺ - على البئر ومخاطبته قتلى المشركين، إِثبات للحياة البرزخية للأموات، وما فيها من النعيم والعذاب (٤).
٧ - استثمار النصر وتثبيته والانتقال إِلى مواقع متقدمة، فبعد رجوعه - ﷺ - من بدر بسبعة أيام خرج لغزو بني سُلَيم فلم يقم له أحد، وفي ذي الحجة خرج لقتال
_________________
(١) سورة الأنفال، آية ٦٠.
(٢) زيد عبد الكريم المزيد، فقه السيرة ٤١٩؛ محمَّد البوطي، فقه السيرة ٢١٨.
(٣) زيد عبد الكريم الزيد، فقه السيرة ٤٢٤.
(٤) محمود العيساوي، فقه الغزوات ١٢٢.
[ ٢٠٤ ]
أبي سفيان في غزوة السويق، وفي آخر ذي الحجة خرج إلى نجد يريد غطفان في غزوة ذي أمر.
غزوة بني قينقاع
لما عاد رسول الله - ﷺ - من غزوة بدر مؤيدًا منصورًا، شرقت بذلك نفوس يهود بني قينقاع، فذهب إِليهم رسول الله - ﷺ -، وجمعهم في سوقهم وقال لهم: أسلموا قبل أن يصيبكم ما أصاب قريشًا يوم بدر، فقالوا: إِنهم كانوا لا يعرفون القتال، ولو قاتَلتْنَا لعرفت أنَّا الرجال!، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ (١).
لقد أظهر يهود بني قينقاع روحًا عدائية تجاه المجتمع المسلم، ثم توجوا ذلك بما حصل في سوقهم من كشف عورة إِمرأة مسلمة، وقتل الصحابي الذي انتصر لتلك الصحابية (٢).
لقد أدت تلك الأقوال والأعمال العدائية من قبل يهود بني قينقاع إِلى تماديهم في غيهم، ونقضهم العهد مع رسول الله - ﷺ - (٣)، ووقوعهم في الخيانة العظمى حيث اتضح أنهم كانوا عينًا لكفار قريش، ينقلون إِليهم أخبار المسلمين ويدلونهم على عوراتهم (٤).
فسار إليهم رسول الله - ﷺ - في منتصف شهر شوال من السنة الثانية، وحاصرهم في حصونهم خمس عشرة ليلة، فنزلوا على حكمه، ثم شفع فيهم المنافق عبد الله بن أبي
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٣٨٦. والآية ١٢ من سورة آل عمران.
(٢) ابن هشام، السيرة ٢/ ٣٢.
(٣) ابن التيم، زاد المعاد ٣/ ١٩٠.
(٤) محمد الجميل، النبي ويهود المدينة ص١٤١، هامش (١).
[ ٢٠٥ ]
بن سلول عن القتل، وكان حليفًا لهم، فأجلاهم رسول الله - ﷺ - عن المدينة، وقد كان عبادة بن الصامت - ﵁ - حليفًا لبني قينقاع، لكنه تبرأ منهم ومن حلفهم، وقال لرسول الله - ﷺ -: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله والمؤمنين، وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم (١).
فأنزل الله ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (٢). وقد رحلوا إِلى أذرعات من أرض الشام، فأهلكهم الله ولم يعد لهم ذكر في التاريخ.
دروس وعبر:
١ - إن السيطرة على الاقتصاد هي مفتاح السيطرة على المجتمعات، وهذا ما يفعله اليهود قديمًا وحديثًا، لذا فحريٌ بنا أن نقتدي برسول الله - ﷺ -، في حماية اقتصاد الأمة من الارتهان للشرق أو الغرب.
٢ - مع أن يهود بني قينقاع من الذين وقَّعوا على وثيقة المدينة، فإِن ذلك لم يردهم عن الخيانة ونقض العهد، وهذا ما ينبغي أن يكون حاضرًا في ذهن الأمة المسلمة في كل زمان.
٣ - بالنسبة لمعاملة المنافق في الإِسلام، مثل عبد الله بن أبي بن سلول، ومن على شاكلته من أصحاب المذاهب والأفكار الإِلحادية، فإِنه يعامل في الدنيا من قبل المسلمين على أنه مسلم، إِلا إِذا ظهر منه دليل واضح يدل على كفره وخيانته للأمة، فعند ذلك تطبق عليه أحكام الإِسلام (٣).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ٢/ ٣٢.
(٢) ابن هشام، السيرة ٢/ ٣٢. والآية ٥١ من سورة المائدة.
(٣) محمد البوطي، فقه السيرة ٢٣٣.
[ ٢٠٦ ]
٤ - أهمية تحرير عقيدة الولاء والبراء، وخطورة موالاة المشركين (١).
٥ - إِن الأسواق من مواطن الشر التي ينبغي على الأسرة المسلمة أخذ الحيطة والحذر عند النزول إِليها.
غزوة أُحُد
في شهر شوال من السنة الثالثة من الهجرة توجهت قريش في ثلاثة آلاف مقاتل إِلى المدينة لقتال المسلمين انتقامًا لهزيمتها في غزوة بدر، واستعادةً لهيبتها ومكانتها التي اهتزت بين القبائل العربية في أعقاب بدر، وكذلك من أجل تأمين طريق تجارتها إلى الشام (٢).
وجاءت الأخبار إِلى رسول الله - ﷺ - فاستشار أصحابه في أن يتم قتال قريش داخل المدينة، فقالت الأكثرية: ما دُخل علينا فيها في جاهلية فكيف يدخل علينا في الإِسلام؟ ورغبوا في ملاقاتهم خارج المدينة، فدخل رسول الله - ﷺ - بيته ولبس عدة الحرب، فلما خرج قالت الأنصار: ما كان لنا أن نخالفك، فاصنع ما شئت، فقال: (ما ينبغي لنبي إِذا لبس لأمته (٣) أن يضعها حتى يحكم الله بينه وبن عدوه) (٤).
ولما وصل كفار قريش إِلى المدينة عسكروا عند جبل أحد فخرج لهم رسول الله - ﷺ - في جيش عدته ألف مقاتل، وفي الطريق إِلى أحد تظاهر المنافق عبد الله بن أبي بن سلول بالغضب، وقال: أطاعهم وعصاني؛ لأنه كان من المؤيدين للقتال داخل المدينة، ورجع معه ثلث الجيش ممن كانوا على شاكلته من النفاق والشك (٥).
_________________
(١) المرجع السابق ٢٣٤؛ محمد أبو فارس، السير النبوية ٥٣٠.
(٢) ابن هشام، السيرة ٢/ ٤٠.
(٣) اللأمة، عدة الحرب.
(٤) انظر: ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ١٩٣، والحديث أخرجه أحمد في السند ٣/ ٣٥١ وقال الهيثمي في المجمع ٦/ ١٠٧: رواه أحمد ررجاله رجال الصحيح.
(٥) ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٤٠١.
[ ٢٠٧ ]
وفي ميدان المعركة جعل رسول الله - ﷺ - جبل أحد خلفه، ووضع قوةً من الرماة بقيادة عبد الله بن جبير - ﵁ - على جبل عينين والذي عرف فيما بعد بجبل الرماة، لتأمين الحماية للجيش، ومنع المشركين من اقتحام صفوف المسلمين، وقال لهم: لا تبرحوا، إِن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإِن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا (١).
خريطة موقعة أحد
_________________
(١) البخاري، الصحيح مع الفتح ٧/ ٤٠٥.
[ ٢٠٨ ]
وبدأت المعركة بالمبارزة ثم التحم الجيشان، فدارت الدائرة على المشركين أول النهار فولوا مدبرين حتى انتهوا إِلى نسائهم في مؤخرة الجيش، فلما رأى الرماة هزيمة قريش، قالوا: الغنيمة، الغنيمة، فنهاهم أميرهم وذكرهم عهد رسول الله - ﷺ -، فلم يستجيبوا له، وحسبوا أن ليس للمشركين رجعة، فذهبوا في طلب الغنيمة، وعندما رأى خالد بن الوليد ما فعل الرماة، استغل هذا الأمر وجاء إِلى من بقي من الرماة فقتلهم، ثم التف على المسلمين، وعند ذلك كرَّ كفار قريش على المسلمين من كل اتجاه، فاضطرب المسلمون، واختل نظامهم، وثبت رسول الله - ﷺ - في مكانه، وأصيب - ﷺ -، وسالت الدماء من وجهه الشريف وأشيع أنه قُتل، فتراجع بعض المسلمين إلى المدينة، وقعد بعضهم عن القتال، واستُشهد سبعون صحابيًا منهم، حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير حامل اللّواء، وسعد بن الربيع رضوان الله عليهم جميعًا (١).
ولما برد القتال أشرف أبو سفيان على المسلمين ونادى: (أفي القوم محمَّد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ قال: - ﷺ - لا تجيبوه، فقال: أفي القوم ابن الخطاب؟ فقال: إِن هؤلا قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا. فلم يملك عمر نفسه فقال: كذبت يا عدو الله أبقى الله لك ما يخزيك. قال أبو سفيان: اعلُ هُبل. فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله أعلى وأجل. قال أبو سفيان: لنا العُزَّى ولا عُزَّى لكم. فقال النبي - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، وتجدون مُثلةً، لم آمر بها ولم تسؤني فقال رسول الله - ﷺ -: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال قولوا: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار) (٢). ثم انسحبت قريش عائدة إِلى مكة دون أن تستثمر نتيجة المعركة فلم تأخذ أسيرًا ولا غنيمة.
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٤١، ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ١٩٦.
(٢) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٥.
[ ٢٠٩ ]
وقد أنزل الله ﷾ في هذه الغزوة آيات مباركات من سورة آل عمران فيها وصف لهذه الغزوة وتبيان لما فيها من الأحكام والحكم والغايات المحمودة، وقد أشار الله ﷾ إِلى أمهاتها وأصولها، حيث افتتح القصة بقوله تعالى: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ (١). إِلى تمام ستين آية من سورة آل عمران (٢).
دروس وعبر:
١ - أن الشدائد تطهر الصف المسلم وتنقيه من الخبث، ويتضح ذلك من انسحاب المنافق ابن أبي بن سلول بثلث الجيش، وانكشاف المنافقين المندسين داخل الصف المسلم، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ (٣).
٢ - الحذر من الحرص على الدنيا، وكيف أن فرحة بعض الرماة بالغنائم جعلتهم يتركون أماكنهم وينسون وصية رسول الله - ﷺ - لهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٤).
_________________
(١) سورة آل عمران، آية ١٢١.
(٢) ابن القيم، زاد العاد ٣/ ٢١٨.
(٣) المصدر السابق ٣/ ٢١٩. والآية ١٧٩ من سورة آل عمران.
(٤) د. زيد المزيد، فقه السيرة ٤٥٠. والآية ١٥٢ من سورة آل عمران.
[ ٢١٠ ]
٣ - معرفة سوء عاقبة المعصية، والفشل، والتنازع، وأن الذي أصاب المسلمين يوم أحد إِنما هو بشؤم ذلك، فلما ذاقوا عاقبة معصيتهم للرسول، وتنازعهم، وفشلهم، كانوا بعد ذلك أشد حذرًا ويقظةً، وتحرزًا من أسباب الخذلان (١).
٤ - إِن ما نتج من خبر إِشاعة مقتل رسول الله - ﷺ -، وتردد بعض المسلمين في القتال، ورجوعهم إِلى المدينة، يبين لنا أهمية التثبت في قبول الأخبار، كما يوضح خطورة الإِشاعة على الصف المسلم (٢).
٥ - أن دين الله لا يتعلق بالأشخاص، وهذا ما نبه الله ﷾ المسلمين إِليه، عندما أشيع أن رسول الله - ﷺ - قد قتل، قال تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ (٣).
٦ - أهمية الرجوع إِلى أهل العلم فيما يشكل من الأمور، وهذا واضح من قول الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله - ﷺ -: ما نقول؟ في ردهم على أبي سفيان (٤).
٧ - تحذير الجماعة المؤمنة من الهزيمة النفسية في كل زمان ومكان، وأنها أشد فتكًا بالأمة من الهزيمة المادية، قال تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ﴾ (٥).
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٢١٨.
(٢) زيد الزيد، فقه السيرة ٤٥٢.
(٣) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٢٢٤. والآية ١٤٤ من سورة آل عمران.
(٤) زيد الزيد، فقه السيرة ٤٥٥.
(٥) سورة آل عمران، آية ١٣٩ - ١٤٠.
[ ٢١١ ]
فجمع لهم في الخطاب بين تشجيعهم وتقوية نفوسهم، وإحياء عزائمهم، وبين حسن التسلية، وذكر الحكم الباهرة التي اقتضت إِدالة الكفار عليهم، فأنتم وإن استويتم معهم في القرح والألم، فإِنكم قد تباينتم في الرجاء والثواب، فما بالكم تهنون وتضعفون لما أصابكم يوم أُحد وأنتم قد أُصبتم في سبيلي وابتغاء مرضاتي، في حين أن ما أصاب الكفار يوم بدر كان في سبيل الشيطان (١).
من آثار غزوة أحد:
لقد كان من نتائج غزوة أحد وما حصل فيها من نكسة واستشهاد عدد من المسلمين تضعضع هيبة المسلمين في نفوس المشركين، فتجرأ الأعراب عليهم، وبدأوا في التجمع لغزو المدينة، ومن ذلك ما ظهر من تحركات عسكرية وتجميع للمقاتلة من قبل طليحة الأسدي في نجد، وخالد بن سفيان الهذلي في قبائل هذيل وحلفائهم، ولكن المسلمين تمكنوا من وأد تلك التحركات في مهدها.
حيث أغارت خيل رسول الله - ﷺ - بقيادة أبي سلمة بن عبد الأسد - ﵁ - علي جموع طليحة الأسدي فتفرقوا لهول المفاجأة، وغنم المسلمون معسكرهم وماشيتهم (٢).
وأما خالد بن سفيان الهذلي، فقد أرسل له رسول الله - ﷺ - أحد مغاوير الصحابة وهو عبد الله بن أنيس الجهني - ﵁ -، فتمكن من قتله وإِخماد فتنته (٣).
لقد كانت الدعوة إِلى الله في ظل تلك الظروف العدائية محفوفة بالمخاطر، لا سيما أن قريشًا لم تتوقف لحظةً واحدة عن تأليب القبائل العربية على المسلمين، ومع ذلك فقد كانت الدعوة إِلى الله هي الشغل الشاغل لرسول الله - ﷺ - رغم كثرة المعوقات، وكان
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٢٢٢.
(٢) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٥٠؛ أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣٩٨.
(٣) المصدر نفسه.
[ ٢١٢ ]
بعثين للدعوة إلى الله ونشر الإسلام.
رسول الله - ﷺ - على يقين أن طريق الدعوة إلى الله ملئ بالتضحيات بالأموال والأنفس، لكن عاقبته نجاح في الدنيا والآخرة، قال تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ (١). أي إِما النصر والغنيمة، وإما الموت والشهادة (٢).
لقد كان رسول الله - ﷺ - حريصًا على استثمار كل مناسبة في الدعوة إِلى الله، ومهما كانت التضحيات عظيمة وجسيمة، وقد حاول المشركون المخادعة والغدر بالمسلمين فطلبوا من رسول الله - ﷺ - إِرسال بعوث من قبله للدعوة بين الأعراب عسى أن يستجيبوا للحق، فبعث رسول الله - ﷺ - بعثين للدعوة إِلى الله ونشر الإِسلام.
الأول: بعث الرجيع.
في أواخر السنة الثالثة من الهجرة، وقيل في أوائل السنة الرابعة، فقد سعت قبيلة هذيل للانتقام لقتل زعيمها خالد بن سفيان الهذلي، فاتفقت مع قبيلتين من مضر هما: عضل والقارة، على إِرسال وفد من هاتين القبيلتين إِلى المدينة ليحتالوا في إِحضار بعض الصحابة ليقتلوهم انتقامًا لزعيمهم، ويبيعوا البعض الآخر لقريش (فإنهم ليسوا لشيء أحب إِليهم من أن يؤتوا بأحد من أصحاب محمَّد، يمثلون به ويقتلونه بمن قُتِل منهم ببدر) (٣). فجاء رهط من عضل والقارة إِلى المدينة فقالوا: (يا رسول الله، إِن فينا إِسلامًا، فأبعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهوننا في الدين، ويقرئوننا القرآن، ويعلموننا شرائع الإِسلام) (٤).
فبعث معهم رسول الله - ﷺ - نفرًا من أصحابة بقيادة عاصم بن ثابت الأنصاري - ﵁ -، فلما اقترب الصحابة من عسفان ثار عليهم بطن من هذيل يقال لهم لحيان،
_________________
(١) سورة التوبة، آية ٥٢.
(٢) محمد أبو شهبة، السيرة النبوية ٢/ ٢٤٢.
(٣) الواقدي، المغازي ١/ ٣٥٠.
(٤) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٢٠.
[ ٢١٣ ]
فلجأ الصحابة إِلى مرتفع ليتحصنوا به، فأحاط بهم المشركون وقالوا لهم: (لكم العهد والميثاق إِن نزلتم إِلينا أن لا نقتل منكم رجلًا. فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قَتَلوا عاصمًا في سبعة نفر بالنبل، وبقي خُبيب بن عَدِي، وزيد بن الدِّثنة، وعبد الله بن طارق، فأعطوهم العهد والميثاق أن لا يقتلوهم فنزلوا إِليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قِسِّيهم فربطوهم بها، فقال عبد الله بن طارق: هذا أول الغدر، فأبى أن يصحبهم فقتلوه، وانطلقوا بخبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو حارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيبًا قد قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا، حتى إِذا أجمعوا على قتله، استعار موسى من بعض بنات الحارث ليستحد بها، فأعارته، قالت: فغفلتُ عن صبي لي، فدرج إِليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذاك منى، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟! ما كنت لأفعل ذاك إِن شاء الله. وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب وما في مكة يؤمئذ ثمرة، وإِنه لموثق في الحديد، وما كان إِلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه (١)، فقال: دعوني أصلي ركعتين. ثم انصرف إِليهم بعد أن صلّى فقال: لولا أن تروا أن ما بي جزع من الموت لزدتُ، فكان أول من سَنّ الركعتين عند القتل، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، واقتلهم بِدَدَا ولا تغادر منهم أحدا. ثم قال:
ولست أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا على أي شق كان لله مصرعي
وذلك في ذات الإِله وإِن يشأ يبارك على أوصال شلوٍ مُمَزَّعِ
ثم قام إِليه عقبة بن الحارث فقتله بعد أن رفعوه على خشبة.
_________________
(١) وذلك أنهم خرجوا به إِلى التنعيم، بعد انقضاء الأشهُر الحرُم. ابن هشام، المصدر السابق ٢/ ١٢٢، ١٢٣.
[ ٢١٤ ]
وبعثت قريش إِلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قَتَلَ عظيمًا من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظُّلَّة من الدَّبْرِ فحمته من رُسُلهِم، فلم يقدروا منه على شيء) (١).
وأما زيد بن الدثنة - ﵁ - فقد اشتراه صفوان بن أمية ليقتله بأبيه أمية بن خلف، وبعث به صفوان إِلى التنعيم ليقتل خارج الحرم! فلما اجتمعت إِليه قريش قبيل قتله قال له أبو سفيان: (يا زيد، أَتُحب أن محمدًا عندنا الآن في مكانك نضرب عنقه وأنك في أهلك؟ قال: والله ما أحب أن محمدًا الآن في مكانه الذي هو فيه تصيبه شوكة تؤذيه وأنا جالس في أهلي قال أبو سفيان: ما رأيت من الناس أحدًا يحب أحدًا كَحُبِّ أصحاب محمدٍ محمدًا) (٢).
الثاني: بعث بئر معونة
في شهر صفر من السنة الرابعة من الهجرة بعث رسول الله -ﷺ - سبعين صحابيًا من القُرَّاء في بعثة تعليمية بقيادة المنذر بن عمرو الساعدي - ﵁ -، مع عامر بن مالك الملقب بملاعب الأسنة، إِلى أهل نجد ليعلموهم أمور دينهم، فلما وصلوا بئر معونة، وهي بين أرض بني عامر بن صعصعة من هوازن وأرض بني سُليم، اعترضهم عدو الله عامر بن الطفيل العامري الهوزني، فندبوا له حرام بن ملحان - ﵁ - ليكلمه، فبينما هو يكلمه أشار عامر بن الطفيل إِلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه غدرًا - ﵁ - (٣)، فقام حرام بن ملحان بنضح الدم على وجهه ورأسه وقال: (الله أكبر، فزت ورب الكعبة) (٤).
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٣٧، ٤٤٤، وابن هشام السيرة ٢/ ١٢٠ - ١٢٣.
(٢) ابن هشام، المصدر السابق ٢/ ١٢٢.
(٣) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٤٥؛ ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ١٢٩.
(٤) البخاري، الصحيح ح رقم ٤٠٩٢.
[ ٢١٥ ]
ثم استصرخ عدو الله عامر بن الطفيل قبائل من بني سُليم (رِعْل وذَكْوان وعُصَيّة) على بعث رسول الله - ﷺ -، فقاتلوهم حتى قُتلوا إِلا كعب بن زيد الأنصاري الذي تُرك وبه رمق، فعاش حتى قُتِل في غزوة الخندق، ورجلين كانا في رحالهم هما: المنذر بن محمَّد بن عقبة الأنصاري، وعمرو بن أمية الضمري، فلما علما بقتل أصحابهم، قاتلهم الأنصاري حتى قُتِل، وأُسِر عمرو بن أمية، ثم أطلقه عامر بن الطفيل لمّا علم أنه من مضر برقبة كانت على أم عامر -كما زعم- فرجع عمرو الضمري إِلى المدينة، وقتل في الطريق رجلين من بني عامر بن كلاب وكان معهما أمان من رسول الله - ﷺ - ولم يعلم به، ولذا وداهما رسول الله - ﷺ - ووفىّ بذمته وعهده (١).
وقد كان في القتلى عامر بن فهيرة، مولى أبي بكر ورفيقه في الهجرة، وحصلت له كرامة بعد استشهاده فقد قال عامر بن الطفيل لعمرو بن أمية لما أسره: من هذا؟ وأشار إِلى أحد القتلى. قال عمرو: هذا عامر بن فهيره، قال: لقد رأيته بعد ما قتل رُفع إِلى السماء حتى إِني لأنظر إِلى السماء بينه وبين الأرض ثم وضع (٢).
وقد وصل خبرهم إِلى رسول الله - ﷺ - من طريق الوحي، فقال: (إِن أصحابكم قد أصيبوا، وأنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إِخواننا بما رضينا عنك، ورضيت عنا. فأخْبَرهَم عنهم) (٣).
لقد كان القراء من خيرة الصحابة رضوان الله عليهم، وأنفعهم للناس، حيث كانوا يقومون الليل، ويتدارسون القرآن ويتعلمون، وكانوا يحتطبون بالنهار، ويشترون بثمنه
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ١٢٩، وخبر السرية في صحيح البخاري كتاب المغازي باب غزوة الرجيع وبئر معونة الأحاديث ٤٠٨٨ - ٤٠٩٦.
(٢) البخاري، الصحيح ح ٤٠٩٣.
(٣) البخاري، الصحيح ح رقم ٤٠٩١ و٤٠٩٣.
[ ٢١٦ ]
الطعام لفقراء الصحابة من أهل الصفة (١). فحزن عليهم رسول الله - ﷺ - والصحابة حزنًا عظيمًا، وتزامنت هذه الحادثة مع التي قبلها (سرية الرجيع) وقنت ﵊ شهرًا كاملًا ثلاثين صباحًا يدعو على رِعل، وذكوان، وبني لحيان، وعُصَيّة، الذين عصوا الله ورسوله (٢).
دروس وعبر:
١ - أن مسؤولية الدعوة إِلى الإِسلام يشترك فيها جميع المسلمين وليست محصورة بالأنبياء والرسل ﵈ (٣).
٢ - أن أفعال الغدر مما يتميز به المشركون قديمًا وحديثًا، وينبغي أن يترفع عنها أتباع رسول الله - ﷺ - ولنا عبرة في قصة خبيب - ﵁ - الذي تخرج من مدرسة النبوة، وترفعه عن مقابلة الغدر بالغدر، فلم يقتل الطفل الذي درج إِليه في بيت بنت الحارث وقد تمكن منه لو أراد.
٣ - إِثبات كرامة الله ﷾ لأوليائه، وهذا ظاهرُ من إكرام الله ﷾ لخبيب - ﵁ - بإِطعامه العنب في غير زمانه (٤)، وكذلك حفظ الله ﷾ لعاصم بن ثابت - ﵁ - من المشركين وإرسال الدَّبْر لمنع المشركين من أخذ جثمانه - ﵁ -.
٤ - شدة محبة الصحابة رضوان الله عليهم لرسول الله - ﷺ - ويظهر ذلك من خلال الحوار بين أبي سفيان، وزيد بن الدثنة - ﵁ -، وهذا المستوى العظيم من المحبة لرسول الله - ﷺ - ينبغي أن يحرص عليه المسلم في كل عصر ومصر.
_________________
(١) ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٤٤٧.
(٢) البخاري، الصحيح ح رقم ٤٠٩٠ و٤٠٩١و ٤٠٩٤.
(٣) محمد البوطي، فقه السيرة ٢٥٥.
(٤) بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية ٢٣٤.
[ ٢١٧ ]
٥ - إِن للمسلم أن يمتنع عن قبول أمان الكافر، وعدم النزول على حكمه، وإِن أدى ذلك إِلى قتله، وهذا ظاهرٌ من صنيع عاصم بن ثابت - ﵁ - (١).
٦ - جواز الدعاء على المشركين عند وجود مناسبته.
٧ - مشروعية الصلاة عند القتل، وهذا مأخوذ من صنيع خبيب - ﵁ - والذي أقره عليه رسول الله -ﷺ - (٢).
٨ - شدة يقين الصحابة، وعمق إِيمانهم بما أخبر به المصطفى - ﷺ - عما أعد الله للشهداء من النعيم المقيم، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ (٣).
وهذا ظاهرٌ من قول حرام بن ملحان - ﵁ -: فزت ورب الكعبة.
٩ - مشروعية القنوت عند النوازل اقتداءً برسول الله - ﷺ - عندما جاءه خبر استشهاد القُرَّاء رضوان الله عليهم، وأهل الرجيع!
غزوة بني النضير
وقعت في السنة الرابعة من الهجرة النبوية، وسببها أن رسول الله -ﷺ - قد أتى إِليهم في جمع من أصحابه لطلب المعونة في دية الرجلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري -وكان معهما كتاب أمان من رسول الله - ﷺ- وهذا حسب العهد الذي كتبه النبي - ﷺ - مع اليهود أول قدومه المدينة، لكن اليهود غلب عليهم طبعهم في الخيانة والغدر، فرحبوا برسول الله - ﷺ - وأصحابه وأجلسوهم في ظل أطم من أطامهم، ثم تآمروا على الغدر واغتيال النبي - ﷺ - وذلك بأن يعلوا رجل منهم الحصن ثم يلقي
_________________
(١) وهبه الزحيلي، آثار الحرب ٤٦٣.
(٢) بريك العمري، السرايا والبعوث النبوية ٢٣٤، ٢٣٦.
(٣) سورة التوبة، آية ١١١.
[ ٢١٨ ]
عليه حجرا فيقتله. لكن الله أطلع رسوله على غدرهم فقام - ﷺ - كأنما يقضي حاجته، فرجع إِلى المدينة، ثم لحق به أصحابه، فعزم - ﷺ - على غزوهم لنقضهم العهد والميثاق ولعزمهم على اغتيال رسول الله -ﷺ - (١).
فسار إِليهم رسول الله - ﷺ -، فتحصنوا في حصونهم، فحاصرهم خمس عشرة ليلة وقطع بعض نخيلهم حتى نزلوا على حكمه، وهو الجلاء من المدينة، وأن لا يحملوا من متاعهم إِلا ما حملت الإِبل دون السلاح، فخرج أشرافهم إِلى خيبر، ومنهم من سار إِلى الشام (٢).
وقد نزل في شأنهم سورة الحشر، وهي التي تسمى سورة بني النضير (٣)، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ (٤).
دروس وعبر:
١ - عناية الباري ﷾ برسوله - ﷺ - وعصمته من كيد الخائنين (٥).
٢ - أن الحكم الشرعي في أشجار العدو وإِتلافها منوط بما يراه الإِمام أو القائد من مصلحة النكاية بالأعداء، لأنها داخلة في باب السياسة الشرعية. وإن كان الأصل عدم الإتلاف (٦).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٣٢؛ محمَّد مهدي رزق الله، السيرة النبوية ٤١٧.
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ١٣٣.
(٣) عبد الرحمن السعدي، تيسير الكريم الرحمن ٧٨٧.
(٤) سورة الحشر، آية ٢.
(٥) محمد أبو فارس، السيرة النبوية ٥٣٨.
(٦) محمد البوطي، فقه السيرة ٢٦٢.
[ ٢١٩ ]
٣ - أن ما غنمه المسلمون من أعدائهم بدون قتال -وهو الفيء- يعود النظر والتصرف فيه إِلى ما يراه الإِمام من المصلحة، وأنه لا يجب عليه تقسيمه بين الجيش كما تقسم عليهم الغنائم التي غنموها بعد قتال وحرب، وهو ما بينته سورة الحشر (١).
غزوة ذات الرقاع
بعد ما حصل للمسلمين في أُحد تجرأ الأعراب على المسلمين بتحريض من قريش، فكان لزامًا على الدولة الإِسلامية تدارك النتائج السلبية لغزوة أحد، واستعادة هيبة أمة الإِسلام، لذا فقد جاءت هذه الغزوة لكسر شوكة الأعراب، وقذف الرعب في قلب من تسول له نفسه غزو المدينة النبوية (٢).
وقد كانت غزوة ذات الرقاع (٣) موجهة إِلى بعض جموع قبيلة غطفان في بلاد نجد، لكن لم يقع فيها قتال حيث آثر المشركون الانسحاب، بعد أن تواقفوا واستعدوا للقتال، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وفي هذه الغزوة صلى رسول الله - ﷺ - بالمسلمين صلاة الخوف، ثم انصرف بالصحابة إِلى المدينة عندما انسحبت جموع غطفان دون قتال (٤).
دروس وعبر:
١ - أن الباطل إِذا ترك انتفش وتطاول على أهل الحق، لذا فقد حرص رسول الله - ﷺ - على كسر شوكة الأعراب قبل أن يتجمعوا ويهاجموا المدينة النبوية.
_________________
(١) المرجع السابق ٢٦٣.
(٢) أكرم العمري، ٢/ ١٤١.
(٣) سميت بذلك لأن المسلمين رقعوا فيها راياتهم، وقيل نسبة لاسم شجرة في ذلك المكان. ابن هشام، السيرة ٢/ ١٤١.
(٤) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٤١.
[ ٢٢٠ ]
٢ - أهمية الصلاة وجلالة قدرها، وأن المسلم مأمورٌ بالحفاظ عليها وأدائها جماعة مع المسلمين، حتى في حال الخوف ومواجهة العدو.
٣ - أن من أنواع النعم، وأنواع النصر، التي قد تغيب عن بعض المسلمين، كف أيدي المشركين، ورد كيدهم في نحورهم (١)، ومن ذلك عدم وقوع القتال في هذه الغزوة. وعن جنس هذه النعمة يقول الحق ﷾: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ (٢).
غزوة بدر الصغرى
وتسمى غزوة بدر الموعد، حيث أن أبا سفيان قبل انصرافه من أُحد قال: يا محمَّد موعدكم بدر حيث قتلتم أصحابنا، فكان ذلك من العام القابل، وقد خرج المسلمون بقيادة رسول الله - ﷺ - إِلى بدر الموعد في السنة الرابعة من الهجرة، ومكثوا هناك ثمانية أيام، لكن قريشًا بقيادة أبي سفيان، نكصوا وأخلفوا الموعد بحجة أن العام عام جدب، وأن الخروج للقتال لا يصلح إِلا في عام خصيب، فرجع الناس مع أبي سفيان بعد أن بلغوا عسفان، فسماهم أهل مكة جيش السويق، تهكمًا بهم، وقالوا: إِنما خرجتم تشربون السويق (٣).
وقد كان توقيت المسلمين في الحضور إِلى بدر يوافق سوقًا تجتمع فيه العرب للبيع والشراء، فجلب المسلمون معهم من المدينة شيئًا من السِّلع لبيعها في ذلك السوق، فربحوا ثم رجعوا إِلى المدينة ولم يلقوا كيدًا (٤).
_________________
(١) عبد الرحمن بن سعدي، تيسير الكريم الرحمن ١٨٧.
(٢) سورة المائدة، آية ١١.
(٣) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٤٤.
(٤) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٦٠.
[ ٢٢١ ]
دروس وعبر:
١ - أسفرت هذه الغزوة عن استعادة المسلمين لهيبتهم بين القبائل في أعقاب غزوة أحد، وجردت قريشًا من كل مكاسبها السياسية التي نالتها عقب غزوة أحد (١).
٢ - أهمية استثمار الإِعلام في بسط هيبة الدولة الإِسلامية، ويظهر ذلك جليًا في اختيار رسول الله -ﷺ - المجيء لبدر الموعد، زمن سوق عظيم من أسواق العرب.
غزوة بني المصطلق
بنو المصطلق: فرع من قبيلة خزاعة، وهي من القبائل التي تجرأت على المسلمين في أعقاب غزوة أحد، لا سيما أنهم ممن عاون قريشًا على المسلمين، وقد أدى ذلك إِلى تأليبهم القبائل من أجل الإِغارة على المدينة، فلما جاءت الأخبار إِلى رسول الله - ﷺ -، تهيأ لغزو بني المصطلق فسار إِليهم في شهر شعبان من السنة الخامسة من الهجرة، فلما وصل المسلمون إِلى ديار بني المصطلق عند ماء لهم يسمى المريسيع (٢)، قذف الله الرعب في قلوب المشركين، من هول المفاجأة، وأصبحوا بين قتيل وأسير (٣). وتزوج رسول الله - ﷺ - بعد هذه الغزوة من جويرية بنت الحارث زعيم بني المصطلق والتي أخذت في السبي، وكان هذا الزواج سبب خير وبركة على قومها، حيث أطلق المسلمون أسراهم (٤).
_________________
(١) أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤٠٢.
(٢) هو ماء يقع في وادي ستارة وهو أعلى وادي قديد. انظر: البلادي، معجم المعالم الجغرافية في السيرة ص ٢٩٠.
(٣) مسلم: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٣٦؛ ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٣؛ أكرم العمري، السيرة النبوية ٢/ ٤٠٥.
(٤) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٢٥٧.
[ ٢٢٢ ]
وفي هذه الغزوة ظهر كيد المنافقين من خلال حدثين عظيمين:
الأول: إِثاوة العصبية الجاهلية والتطاول على رسول الله (ﷺ).
وابتداء هذا الأمر، أن غلامين أحدهما من الأنصار والآخر من المهاجرين تشاجرا على الماء، فصرخ الأنصاري: يا معشر الأنصار. وصرخ المهاجري: يا معشر المهاجرين. فغضب المنافق عبد الله بن أبي بن سلول، وكان ممن حضر الغزوة، فقال: أوقد فعلوها، قد نافرونا، وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب قريش إِلا كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إِلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ثم أقبل على من حضره منْ قومه فقال لهم: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إِلى غير داركم (١) فسمع ذلك زيد بن أرقم - ﵁ -، فأبلغ رسول الله -ﷺ - به، فأشار عمر على رسول الله -ﷺ - بقتل هذا المنافق، فقال له رسول الله: فكيف يا عمر إِذا تحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه، لا. ولكن أذِّن بالرحيل حتى ينشغل الناس عن حديث ابن سلول (٢).
ثم أنزل الله ﷾ سورة المنافقين في طريق عودة المسلمين إِلى المدينة، تفضح ابن سلول ومن كان على شاكلته من المنافقين، فجاء عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، إِلى رسول الله يستأذنه في قتل أبيه فقال له نبي الرحمة - ﷺ -:بل نترفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا (٣).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٣٩.
(٢) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٦٥، ابن هشام، السيرة ٢/ ١٣٩.
(٣) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٩٤.
[ ٢٢٣ ]
الثاني: حديث الإفك على أم المؤمنين عائشة (﵂).
وقصة هذه الحادثة أن عائشة - ﵂ - كانت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة بني المصطلق، فلما انتهت الغزوة أذن رسول الله - ﷺ - بالرحيل، وفي إِحدى مراحل الطريق رَحَل القوم ليلًا، فجاء الرجال الموكلون برحلها فحملوا الهودج ويظنوها به بينما هي قد ذهبت تقضي حاجتها، وفقدت عقدًا لها فأخذت تبحث عنه، فلما عادت عائشة - ﵂ - وجدت الناس قد ارتحلوا، فجلست في مكانها لعلمها أنهم إِذا فقدوها سيرجعون إِليها، فجاء الصحابي الأمين صفوان بن المعطل السلمي في الصباح، على راحلته، وكان قد أخذه النوم فتأخر عن الجيش، فلما رأى أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، قال: إِنا لله وإِنا إِليه راجعون، ثم قرب إِليها راحلته فركبت وسار بها حتى لحق الجيش، فلما رأى المنافقون -قاتلهم الله- هذا المنظر، تكلموا في عِرض رسول الله - ﷺ - واستطالوا في ذلك وزَلَّت بعض الأقدام، واهتم رسول الله - ﷺ - لذلك، واحتبس عنه الوحي في هذا الشأن شهرًا كاملًا، ثم نزل الوحي ببراءة أم المؤمنين عائشة - ﵂ -، فاضحًا المنافقين الذين تطاولوا على عرض رسول الله - ﷺ - قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (١).
وقد بينت الآيات في سورة النور حقيقة ما حصل، والآداب التي ينبغي للمسلمين أن يتأدبوا بها في مثل هذه الحوادث (٢).
_________________
(١) سورة النور آية ١١.
(٢) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٩٦.
[ ٢٢٤ ]
دروس وعبر:
١ - لقد عززت هذه الغزوة مكانة المسلمين وهيبتهم بين القبائل العربية الأخرى التي كانت تفكر في غزو المدينة النبوية (١).
٢ - زواج رسول الله - ﷺ - من أم المؤمنين جويرية بنت الحارث، ابنة زعيم بني المصطلق، فيه من الحِكم الدعوية العديدة، ومن ذلك حفظ كرامة هذه القبيلة العربية التي تعرضت للأسر، وما ترتب على ذلك من تسابق الصحابة في إِطلاق سراح أسرى بني المصطلق، أصهار رسول الله -ﷺ -، وما نتج عن ذلك من إِسلام هذه القبيلة، بسبب هذا الزواج المبارك (٢).
٣ - حكمة رسول الله -ﷺ - في التعامل مع الشجار الذي حصل حول ماء المريسيع، وأَمْرُهُ النَّاسَ بالمسير، حتى ينشغلوا عن الحديث، وتوليد الكلام، في أمرٍ من أمور الجاهلية، والعصبية القبلية إِلى الاشتغال بأنفسهم (٣).
٤ - أن عقيدة الولاء والبراء هي التي تحكم تصرفات المسلم، وعلاقته مع الآخرين، ويظهر ذلك في موقف الصحابي الكريم عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول، من والده المنافق، وفيه بيان أن رابطة العقيدة مقدمة على جميع الروابط الأخرى.
٥ - أما حادثة الإِفك فإِنها حلقة فريدة من سلسلة فنون الإِيذاء والمحن التي لقيها رسول الله - ﷺ - (٤)، ذلك من أجل تحطيم شخص رسول الله - ﷺ - وصرفه عن الدعوة بأي وسيلة، حتى ينشغل عن الدعوة إِلى الله بأهل بيته.
_________________
(١) زيد الزيد، فقه السيرة ٤٧٧.
(٢) محمَّد أبو شهبه، السيرة النبوية ٢/ ٢٥٣؛ إِبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق ٣٥١.
(٣) محمَّد البوطي، فقه السيرة ٢٨٤.
(٤) المرجع السابق ٢٨٥.
[ ٢٢٥ ]
٦ - وفي حادثة الإِفك بيان لبشرية الرسول - ﷺ -، إِذا يجري عليه من الابتلاء ما يجري على سائر الناس (١). قال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ (٢).
٧ - في الحادثة بيان أن الوحي الإِلهي ليس شعورًا نفسيًا، أو أمرًا خاضعًا لإِرادته - ﷺ - كما يدعي الذين لا يعلمون، وإِلا لكان من السهل على المصطفى - ﷺ - أن ينهي تلك المعاناة في مهدها، دون أن ينتظر شهرًا كاملا من الألم هو وأهل بيته عليه الصلاة السلام (٣).
٨ - في حادثة الإِفك درسٌ في أهمية التثبت والتعامل مع الإشاعات، والتي لم ينج منها ومن شرها أي مجتمع على مر التاريخ (٤)، قال تعالى: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ (١٢) لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ (٥).
٩ - يلاحظ اهتمام القرآن بذكر أوصاف المنافقين والإِعراض عن أسمائهم، وفي هذا إِشارة إِلى أن هذا النوع من البشر يتجدد وجوده في كل عصر (٦).
١٠ - وعن تأخر الوحي شهرًا كاملًا يقول ابن القيم ﵀: (لتتم العبودية المرادة من الصِّدِّيقة، وأبويها، وتتم نعمة الله عليهم، لتشتد الفاقة والرغبة منها ومن أبويها، والافتقار إِلى الله والذل له، وحسن الظن به، والرجاء له، ولينقطع
_________________
(١) إبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق ٣٥٣.
(٢) سورة الكهف، آية ١١٠.
(٣) محمَّد البوطي، فقه السيرة ٢٨٧.
(٤) زيد الزيد، فقه السيرة ٤٨٦.
(٥) سورة النور، آية ١٢ - ١٣.
(٦) زيد الزيد، المرجع السابق ٤٨٢.
[ ٢٢٦ ]
رجاؤها من المخلوقين، وتيأس من حصول النُصرة والفرج على يد أحد من الخلق وأيضًا فإِن الله سبحانه أحب أن يظهر منزلة رسوله وأهل بيته عنده وكرامته عليهم، وأن يخرج رسوله عن هذه القضية، ويتولى هو بنفسه الدفاع والمنافحة، والرد على أعدائه، وذمهم وعيبهم بأمر لا يكون لرسول الله فيه عمل، ولا ينسب إِليه، بل يكون هو وحده المتولي لذلك وأيضًا فإِن رسول الله - ﷺ - كان هو المقصود بالأذى الذي رميت به زوجته، فلم يكن يليق به أن يشهد ببراءتها) (١).
١١ - إِجماع العلماء على كفر من قذف عائشة - ﵂ - مما برأها الله ﷾ منه؛ لأن القرآن نزل ببراءتها، فمن قذفها فقد كذب بشيء من القرآن، والعياذ بالله. (٢).
غزوة الأحزاب (الخندق)
في شهر شوال من السنة الخامسة من الهجرة وقعت غزوة الأحزاب، وسببها أن قريشًا، وزعماء اليهود في خيبر، أثارت مخاوفهم النجاحات التي أحرزها المسلمون، وأدت إِلى فرض هيبتهم على القبائل العربية، وحضورهم في كل الأحداث المهمة، مما أدى إِلى تضييق الخناق على قريش سياسيًا واقتصاديًا، فجاء وفد من يهود بني النضير الذين استقروا في خيبر بعد إِجلائهم من المدينة بزعامة حيي بن أخطب، وتفاهموا مع قريش على تنسيق الجهود وتأليب القبائل لاستئصال المسلمين بجهد جماعي يضم كل القبائل الموتورة والمتوجسة من دولة الإِسلام بقيادة رسول الله - ﷺ - (٣).
_________________
(١) ابن القيم، زاد المعاد ٣/ ٢٦٢.
(٢) إِبراهيم قريبي، مرويات غزوة بني المصطلق ٣٢٩.
(٣) انظر: ابن هشام، السيرة ٢/ ١٤٦، وابن سعد، الطبقات ٢/ ٦٥.
[ ٢٢٧ ]
وكان من حديث يهود أن قريشا سألوا يهود: أديننا خير أم دين محمَّد، فقالوا لهم: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، وفي ذلك يقول الله ﷾: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠) أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا (٥١) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢) أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ (١).
ففرحت قريش بذلك الثناء من قبل اليهود (٢)، لا سيما أنهم كانوا أهل كتاب، وما ذلك إِلا لتستخدمه في دعايتها ضد رسول الله - ﷺ -.
وبعد أن عزمت قريش على الحرب انضمت إِليها بنو سُليم، وغطفان، وأسد، وفزارة، ومُرَّة، وأشجع، وبذلك شكَّلوا قوة الأحزاب (٣).
ولما جاءت الأخبار إِلى رسول الله - ﷺ - بعزم الأحزاب على مهاجمة المدينة واستئصال المسلمين، استشار الصحابة، فأشار عليه سلمان الفارسي - ﵁ - بالبقاء في المدينة وأن يحفر خندقًا في الجهة الشمالية من المدينة وهي المنطقة الوحيدة المكشوفة أمام الأحزاب (٤).
وشرع المسلمون بحفر الخندق بجدٍ ونشاطٍ ومعهم رسول الله - ﷺ -، ووقع في أثناء الحفر بعض دلائل نبوته - ﷺ -، ومن ذلك: البشارة بفتح الشام، والبشارة بفتح فارس،
_________________
(١) سورة النساء، الآيات ٥٠ - ٥٥.
(٢) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ١٤٧.
(٣) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٦.
(٤) المرجع السابق ٢/ ٦٦؛ أكرم العمري، السيرة النبوية ٢/ ٤٢٠.
[ ٢٢٨ ]
والبشارة بفتح اليمن، وكذلك تكثير الطعام القليل الذي لا يكفي أهل بيت واحد، فإِذ به يشبع جيشًا كاملًا (١).
استطاع رسول الله - ﷺ - حشد ثلاثة آلاف مقاتل، وتم وضع النساء والذراري في أحد الحصون، فلما وصلت قريش والأحزاب فوجئوا بالخندق ومن خلفه المسلمون بقيادة رسول الله - ﷺ -، فقرروا حصار المدينة، ومراسلة يهود بني قريظة الذين كانوا داخل المدينة فمالت يهود بني قريظة إِلى الأحزاب (٢). واشتعل النفاق، وقد وصف الله ﷾ هذا الموقف العصيب بقوله: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ (٣).
وقد طال أمد الحصار، ونزل بالمسلمين من الكرب ما لا يعلمه إِلا الله، حتى أنهم شُغلوا عن أداء الصلاة في وقتها، فدعا عليهم رسول الله -ﷺ -: (اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، أهزم الأحزاب. اللهم اهزمهم وزلزلهم) (٤)، فأرسل الله ﷾ على الأحزاب جندًا من جنده لنصرة عباده الموحدين، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ (٥).
ونزل الرعب في قلوب الأحزاب، وأصبح هَمُّ كلُّ واحد منهم العودةَ إِلى دياره،
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٥٦.
(٢) ابن سعد: الطبقات ٢/ ٦٧.
(٣) سورة الأحزاب، آية ١٠ - ١١.
(٤) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٦٨، ٤٦٧.
(٥) سورة الأحزاب، آية ٩.
[ ٢٢٩ ]
فانصرفوا مخذولين خائفين لم ينالوا شيئًا (١)، وعند ذلك قال رسول الله - ﷺ - مبشرًا أصحابه رضوان الله عليهم: (الآن نغزوهم ولا يغزونا، ونحن نسير إليهم) (٢).
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات ٢/ ٧١؛ البيهقي، دلائل النبوة ٣/ ٤٤٩ - ٤٥٥.
(٢) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٦٧.
[ ٢٣٠ ]
غزوة بني قريظة
بعد رحيل الأحزاب، وضع رسول الله - ﷺ - سلاحه واغتسل، فجاءه جبريل -﵇- وقال له: قد وضعت السلاح!، والله ما وضعناه، فاخرج. قال: فإِلى أين؟ قال: ها هنا، وأشار إِلى بني قريظة (١).
وسبب ذلك أن بني قريظة ارتكبوا الخيانة العظمى، واتفقوا مع الأحزاب على الغدر بالمسلمين من الداخل، لكن الله خذلهم وكبتهم، فسار إِليهم رسول الله - ﷺ - وحاصرهم، فنزلوا ورضوا أن يحكم فيهم سعد بن معاذ - ﵁ - فجىء بسعد، وكان يعالج من جراحه فقال سعد: (فإِني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وتسبى النساء والذرية، وأن تقسم أموالهم) (٢). فقال له رسول الله - ﷺ -: (قضيت فيهم بحكم الله) (٣).
دروس وعبر:
١ - الكفر ملة واحدة في كل زمان ومكان، ويظهر ذلك من تَحزُّب المشركين واليهود لحرب المسلمين، وأن ذلك هو ديدنهم في كل عصر، وهذا ما نعيشه اليوم من التحالف الدولي من الكفار ضد المسلمين ومصالحهم.
٢ - أهمية الأخذ بالأسباب المادية في قتال الأعداء، مثل حفر الخندق، وأن الاستفادة مما لدى المشركين من أسباب مادية، يعد من الأمور المباحة ما لم يتعارض مع ثوابت الإِسلام، أو يكون سببًا لهدم الدين (٤).
٣ - على الداعية والقائد المطاع إِذا أمر بخير أن يكون أول المبادرين إِليه والمسهمين فيه، ويظهر ذلك من اشتراك الرسول - ﷺ - مع أصحابه في حفر الخندق (٥).
_________________
(١) البخاري، المصدر نفسه ٧/ ٤٧٠.
(٢) المصدر نفسه ٧/ ٤٧٥.
(٣) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٩٤.
(٤) محمد البوطي، فقه السيرة ٢٩٦.
(٥) زيد الزيد، فقه السيرة ٤٩٩.
[ ٢٣١ ]
٤ - الثقة بنصر الله، وأن جند الله هم الغالبون، رغم المخذلين والمرجفين، ويظهر ذلك من تبشير المصطفى - ﷺ - لأصحابه بفتح الشام، وفارس، واليمن، وهم في تلك الحالة من الكرب العظيم، وفي ذلك تحذير للأمة من الخذلان والشك في نصر الله، والواجب على الدعاة تحذير الأمة من الخذلان، والعمل على تثبيت الناس في الشدائد التي قد تطيش فيها العقول (١).
٥ - إِن أسباب انتصار المسلمين في غزوة الأحزاب هي نفسها التي كانت سببًا للنصر في غزوة بدر، ألا وهو التضرع إِلى الله، والإِقبال عليه بالدعاء والاستغاثة، وإِخلاص العبودية لله ﷾، مع الأخذ بالأسباب والاستعداد بالمستطاع من القوة المادية (٢).
٦ - وجوب قضاء الصلاة الفائته، وهو ما فعله رسول الله - ﷺ - وأصحابه عندما شغلهم الأحزاب عن الصلاة (٣)، عن جابر بن عبد الله - ﵁ -: أن عمر بن الخطاب - ﵁ - جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، وجعل يسب كفار قريش، وقال: يا رسول الله، ما كدت أن أصلي حتى كادت الشمس أن تغرب، قال النبي - ﷺ -: والله ما صليتها. فنزلنا مع النبي - ﷺ - بُطحان (٤)، فتوضأنا لها، فصلى العصر بعد ما غربت الشمس، ثم صلى بعدها المغرب (٥).
٧ - جواز قتال من نقض العهد وخان الأمة (٦).
_________________
(١) المصدر نفسه، ٤٩٩، ٥٠٠.
(٢) محمد البوطي، فقه السيرة ٣٠٢.
(٣) محمود العيساوي: فقه الغزوات ٣٢٠.
(٤) اسم وادي بالمدينة.
(٥) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٦٨.
(٦) مسلم، صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ٩٢؛ محمد البوطي، فقه السيرة ٣٠٧.
[ ٢٣٢ ]
٨ - جواز تحكيم أهل العلم والعدالة والصلاح في أمور المسلمين ومهامهم العظام، وهذا مأخوذٌ من جعل رسول الله - ﷺ - أَمْر بني قريظة إِلى سعد بن معاذ - ﵁ -.
٩ - أن يهود بني قريظة عُوقبوا بجنس ما كانوا يريدون فعله بالمسلمين لو انتصر الأحزاب، وهذا الحكم موافق لما صرحت به توراتهم، في حق العدو المهزوم، ففي سفر التثنية، الإِصحاح ١٣، فقرة ١٣، ١٤: (وإذا دفعها الرب إِلهك إِلى يدك فاضرب جميع ذكورهم بالسيف، وأما النساء والأطفال والبهائم، وكل ما في المدينة، كل غنيمتها لنفسك، وتأكل غنيمة أعدائك التي أعطاك الرب إِلهك). وهكذا فإِن ما حكم به سعد - ﵁ - لم يخرج عما حكمت به التوراة، وهم ليسوا أعداء مهزومين فحسب، بل خائنون غادرون، غير وافين بالعهد (١). وقد أقره النبي - ﷺ - وأخبره أنه موافق لحكم الله.
غزوة بني لحيان
في شهر جماد الأولى من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله - ﷺ - لغزو بني لحيان الذين غدروا بخبيب - ﵁ - وأصحابه من القراء في السنة الرابعة من الهجرة، فلما وصل المسلمون ديار بني لحيان (قرب عسفان) وجدوهم قد حَذِرُوا المسلمين، وتفرقوا في رؤوس الجبال، فعاد ﵊ إِلى المدينة (٢).
ومن فوائد هذه الغزوة: أن المسلمين لا ينسون شهداءهم الذين ضحوا في سبيل الدعوة إِلى الله، بل يثأرون لهم ولو بعد حين.
_________________
(١) محمد أبو شهبة، السيرة النبوية ٢/ ٤٠٩.
(٢) ابن هشام، السيرة ٢/ ١٨٦؛ أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٣١٨.
[ ٢٣٣ ]
غزوة الغابة
وقعت في السنة السادسة من الهجرة، حيث أغار الأعراب على سرح رسول الله - ﷺ - فأخذوا الإِبل وقتلوا راعيها، فطاردهم المسلمون حتى استنقذوها منهم، واضطروهم للهرب (١).
ويظهر في إِصرار المسلمين على مطاردة الأعراب وتأديبهم الحرص على ترسيخ هيبْة الدولة الإِسلامية ومعاقبة كل من يعمل على الانتقاص من سيادة أمة الإِسلام.
صلح الحديبية
في شهر ذي القعدة من السنة السادسة من الهجرة خرج رسول الله - ﷺ - في ألف وخمسمائة من أصحابه إِلى مكة معتمرًا، حيث أحرم وساق الهدي وأشعره، فلما علمت قريش بذلك تهيأت لحرب المسلمين وصدهم (٢)، وحين بلغ رسول الله - ﷺ - ذلك تفادى الصدام معهم وحَوّل طريقه عن مقاتليهم حتى وصل الحديبية، وبركت ناقته فقال الناس: خلأت القصواء. فقال النبي - ﷺ - ما خلأت القصواء وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل. ثم قال: (والذي نفسي بيده لا يسألوني خطة يعظمون فيها حرمات الله إِلا أعطيتهم إِياها) (٣).
ثم عسكر رسول الله - ﷺ - في الحديبية، فقامت قريش بإِرسال عدة رسل لمفاوضة رسول الله - ﷺ -، حتى انتهى الأمر إِلى سهيل بن عمرو الذي عقد مع رسول الله - ﷺ - صلح الحديبية نيابة عن قريش، وقد تم الاتفاق على البنود التالية (٤):
_________________
(١) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٥٢٦. والغابة: اسم مكان به أشجار الطرفاء وغيرها، شمال المدينة عند اجتماع أودية المدينة: قناة، وبطحان، والعقيق، ويسمى الوادي بعد اجتماعها بالخُلَيل -مصغرًا- انظر: البلادي، المعالم الجغرافية ٢٢٣.
(٢) ابن هشام، السيرة ٢/ ٢٠٤. ومعنى أشهر الهدي: وضع علامة وشارة تدل عليه.
(٣) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٥/ ٣٢٩.
(٤) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ٢١١.
[ ٢٣٤ ]
١ - تضع الحرب أوزارها بين المسلمين وقريش مدة عشر سنين، يأمن فيها الناس ويكف بعضهم عن بعض.
٢ - أنه من أتى رسول الله - ﷺ - من قريش بغير إِذن وليه يرده على قريش، ومن أتى قريشًا ممن مع رسول الله - ﷺ - لم يردوه عليه.
٣ - أنه من أحب أن يدخل في عقد محمَّد وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش دخل فيه.
٤ - أن يرجع المسلمون هذا العام دون أن يدخلوا مكة على أن يأتوها معتمرين العام القادم.
بيعة الرضوان
حصلت هذه البيعة في أثناء غزوة الحديبية وذلك أن رسول الله - ﷺ -، أرسل عثمان بن عفان - ﵁ - إِلى قريش ليستطلع أخبارهم، فأشيع أنه قد قتِل، فدعا رسول الله - ﷺ - الصحابة إِلى قتال قريش انتصارًا لعثمان - ﵁ - فبايعوه على مناجزة قريشٍ، وهذه البيعة تسمى بيعة الرضوان، أو بيعة الشجرة (١)، قال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ (٢).
دروس وعبر:
تضمنت صلح الحديبية حكمًا وفوائد جمة، قال عنها ابن القيم: هي أكبر وأجل من أن يحيط بها إِلا الله الذي أحكم أسبابها، فوقعت الغاية على الوجه الذي اقتضته حكمته وحمده (٣).
_________________
(١) ابن هشام، السيرة النبوية ٢/ ٢١٠، ٢١٣. محمد البوطي، فقه السيرة ٣١٩.
(٢) سورة الفتح، آية ١٨ - ١٩.
(٣) زاد المعاد ٣/ ٣٠٩.
[ ٢٣٥ ]
ومن تلك الدروس والحكم:
١ - توجه رسول الله - ﷺ - إِلى مكة معتمرًا وهي بأيدي الكفار وتحت سلطانهم هو من باب السياسة الشرعية، ويعرف في السياسة المعاصرة بقلب الطاولة على العدو وإِحراجه في المفاوضات، فإِن قريشًا تدعي حماية البيت واحترام من جاءه حاجًا ومعتمرًا فكيف تصد المسلمين وهم جاءوا عمارًا؟
٢ - ذهب أكثر أهل العلم إِلى أن مقدار المدة التي تجوز بها مهادنة المشركين لا تزيد على عشر سنين، وتجدد إِن كان هناك ضرورة أو مصلحة عليا للأمة يراها الإِمام (١).
٣ - في معارضة بعض الصحابة لصلح الحديبية في أول الأمر، نأخذ منه اتهام العقل أمام النصوص الشرعية، والحذر من معارضة نصوص الشرع بالعقل والرأي (٢).
٤ - من فوائد الصلح اعتراف قريش بالدولة الإِسلامية، حيث جلست معهم وعاملتهم معاملة الند للند (٣).
٥ - تحييد قريش وتوقيف الصراع معها، وتفرغ الرسول - ﷺ - للدعوة، ومراسلة ملوك الأرض، وكذلك تفرغه - ﷺ - لتصفية وكر التآمر اليهودي في خيبر (٤).
٦ - لقد كانت الحديبية ابتداء الفتح المبين على المسلمين، لما ترتب على الصلح الذي وقع بين الطرفين من الأمن ورفع الحرب، فتمكن من يخشى قريشًا من الدخول في الإِسلام الوصول إِلى المدينة، ثم تتابعت الأسباب إِلى أن كمل الفتح بفتح مكة (٥). قال تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ (٦).
_________________
(١) حافظ حكمي، مرويات غزوة الحديبية ٢٨٣.
(٢) حافظ حكمي، مرويات غزوة الحديبية ٣٠١، زيد الزيد، فقه السيرة ٥٣٩.
(٣) أكرم العمري، السيرة النبوية الصحيحة ٢/ ٤٥٠.
(٤) زيد الزيد، فقه السيرة ٥٤٤.
(٥) ابن حجر، فتح الباري ٧/ ٥٠٦.
(٦) سورة الفتح، آية ١.
[ ٢٣٦ ]
٧ - فضل من شهد بيعة الرضوان، وفضل عثمان - ﵁ - الذي حصلت لأجله تلك البيعة (١).
غزوة خيبر
بعد رجوع رسول الله -ﷺ - من الحديبية إِلى المدينة، مكث فيها إلى دخول شهر محرم من السنة السابعة من الهجرة ثم خرج إِلى خيبر لتصفية وكر التآمر اليهودي الذي طالما حال الدسائس والمؤامرات على أمة الإِسلام. فخرج رسول الله ومعه الذين حضروا الحديبية من الصحابة متوجهين إِلى خيبر واستخدم - ﷺ - خطتين:
الأولى: المفاجأة للعدو، فما علمت اليهود إِلا وقد نزل بهم.
الثانية: قطع الإِمداد عنهم، حيث أظهر أنه يريد غطفان، فخافت غطفان ولم تتمكن من إِمداد اليهود. ولما نزل بهم حاصرهم في حصونهم حتى تمكن من فتحها جميعًا عنوة، وقد قسم أرضها بين الفاتحين. (٢) وتبع ذلك تسليم فدك من غير قتال، ثم غزا - ﷺ - تيماء، ووادي القرى، وهي من مراكز تجمعاتهم، واستسلمت له، وبهذا تمكن رسول الله - ﷺ - من القضاء على قواهم السياسية وإِن عاشوا في المجتمع المسلم أهل ذمة وعهد. وقد استعمل النبي - ﷺ - يهود خيبر عمالًا في المزارع على شطر ما يخرج منها (٣). وذلك لخبرتهم في الزراعة، ولما رأى فيه من المصلحة بعدم اشغال الصحابة بالزراعة مما يؤثر على تفرغهم للجهاد والدعوة، وكانت أرض خيبر خصبة غنية بالزراعة، ووفيرة الإِنتاج، تقول عائشة - ﵂ -: لما فتحت خيبر قلنا: الآن نشبع من التمر (٤).
_________________
(١) زيد الزيد، فقه السيرة ٥٤٥.
(٢) البخاري، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٥٢٩؛ زيد الزيد، فقه السيرة ٥٥٣.
(٣) البخاري، الصحيح ح ٤٢٤٨.
(٤) المصدر نفسه ح ٤٢٤٢.
[ ٢٣٧ ]
ويقول عبد الله بن عمر ﵄: ما شبعنا حتى فتحنا خيبر (١).
وقد تزوج النبي - ﷺ - صفية بنت حيي بن أخطب حيث وقعت في الأسر فأعتقها - ﷺ - وتزوجها، فجعل عتاقها صداقها (٢). وبنى بها في طريق عودته إِلى المدينة (٣). وعند فتح خيبر قدم عليه جعفر بن أبي طالب عائدًا من هجرته إِلى الحبشة ومعه جمع من المهاجرين فيهم أبو موسى الأشعري وجماعته، وقد قسم لهم رسول الله - ﷺ - من الغنيمة (٤). وقد استعمل النبي - ﷺ - سواد بن غزية من بني عدي بن النجار أميرًا على خيبر (٥).
دروس وعبر:
١ - تأمين الحدود الشمالية لدولة الإِسلام من عدو طالما حاك المؤامرات والدسائس على الإِسلام والمسلمين.
٢ - التفرغ للدعوة ونشر الإِسلام ومخاطبة ملوك الأرض.
٣ - أخذ الحيطة والحذر من اليهود وعدم الاغترار والانخداع بهم، مع الحزم في التعامل معهم.
٤ - أهمية المباغتة للعدو وحصاره وقطع الإمداد عنه.
٥ - في هذه الغزوة وقعت بعض دلائل النبوة مثل، نعي النبي - ﷺ - لعامر بن الأكوع قبل استشهاده (٦)، وتفله في عين علي - ﵁ - لما أصابه الرمد فشفي مباشرة (٧)،
_________________
(١) المصدر نفسه ح ٤٢٤٣.
(٢) المصدر نفسه ح ٤٢٠١.
(٣) المصدر نفسه ح ٤٢١١، ٤٢١٢، ٤٢١٣.
(٤) المصدر نفسه ح٤٢٣٠.
(٥) المصدر نفسه ح ٤٢٤٦، ٤٢٤٧، وانظر فتح الباري ٧/ ٤٩٦.
(٦) المصدر نفسه ح ٤١٩٦.
(٧) المصدر نفسه ح ٤٢١٠.
[ ٢٣٨ ]
وإخبار ذراع الشاة المسمومة له أن بها سُمًا (١)، وكانت قد أهدتها له إِحدى نساء اليهود، وهي من دسائسهم وكيدهم.
٦ - الحرص على هداية الناس إِلى دين الحق وإن كانوا أعداءً ومجرمين كما في وصية النبي - ﷺ - لعلي - ﵁ - عندما أعطاه الراية وقال له: أُنفذ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إِلى الإِسلام وأخبرهم بما يجب عليهم من حق الله فيه، فوالله لئن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم (٢).
_________________
(١) المصدر نفسه ح ٥٧٧٧.
(٢) المصدر نفسه ح ٤٢١٠.
[ ٢٣٩ ]