الفصل الأول الوحي
المبحث الأول: بدء الوحي
في سن الأربعين أوحي إلى نبينا محمد - ﷺ -، فنزل عليه الوحي في غار حراء بالرسالة السماوية الخالدة.
٤٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "أنزل على النبي - ﷺ - وهو ابن أربعين، وكان بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشرًا، فمات وهو ابن ثلاث وستين" (١).
٤٨ - ومن حديث ابن عباس ﵄ أن النبي - ﷺ - قال لخديجة ﵂: (إني أرى ضوءًا، وأسمع صوتًا، وإني أخشى أن يكون بي جنون).
قالت: "لم يكن الله ليفعل ذلك بك يا ابن عبد الله: ثم أتت ورقة بن نوفل، فذكرت ذلك له فقال: "إن يكن صادقًا فإنَّ هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعزره، وأنصره، وأؤمن به" (٢).
٤٩ - ومن حديث عائشة - ﵂ - قالت: "أول ما بدئ به رسول الله - ﷺ - من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح (٣)، ثم حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنَّث فيه "وهو تعبد الليالي ذوات العدد" قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى
_________________
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب هجرة النبي - ﷺ - والصحابة إلى المدينة، رقم: ٣٩٠٢، فتح الباري: ٧/ ٢٢٧، ومسلم في كتاب الفضائل، باب كم أقام النبي - ﷺ - بمكة رقم: ٢٣٥١، وأحمد في المسند، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٠٩، وانظر شرح السنة للبغوي: ٣٧٣٣.
(٢) رواه أحمد في المسند: ١/ ٣١٢، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٥٥: رواه أحمد متصلًا ومرسلًا، والطبراني بنحوه، وزاد: ورجال أحمد رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر برقم: ٢٨٤٦.
(٣) فلق الصبح: ضياء الصبح، وهذا يقال في الشيء الواضح البين.
[ ٤٩ ]
خديجة، فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق، وهو في غار حراء.
فجاءه الملك، فقال: اقرأ، قال: ما أنا بقارئ، قال: فأخذني فغطني (١) حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ، فقلت ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة، ثم أرسلني، فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ، خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ، اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ﴾ (٢) فرجع بها رسول الله - ﷺ - يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد فقال: زملوني (٣)، زملوني، فزملوه حتى ذهب عنه الروع (٤)، فقال لخديجة، وأخبرها الخبر: لقد خشيت على نفسي.
فقالت خديجة: كلا والله ما يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلَّ (٥)، وتكسب المعدوم (٦)، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق (٧)، فانطلقت به خديجة، حتى أتت به ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة، وكان امرأ تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العربي، فيكتب الإنجيل بالعربية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة: يا ابن أخي ما ترى؟ فأخبره رسول الله - ﷺ - خبر ما رأى: فقال له ورقة: هذا الناموس (٨) الذي نزل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعًا (٩)، ليتني أكون حيًّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله - ﷺ -: أو مخرجيَّ هم؟ قال: نعم، لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا (١٠)، ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي".
_________________
(١) غطني: عصرني وضمني، الجهد: المشقة.
(٢) (العلق: ١ - ٣).
(٣) زملوني: غطوني بالثياب ولفوني بها.
(٤) الفزع: الخوف.
(٥) تحمل الكل: تنفق على الضعيف واليتيم والعيال، والكل: أصله الثقل والإعياء.
(٦) تكسب المعدوم: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من نفائس الفوائد ومكارم الأخلاق.
(٧) تعين على نوائب الحق: أنك لا يصيبك مكروه لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق وكرم الشمائل.
(٨) الناموس: هو جبريل - ﵇ -، ومعنى الناموس: صاحب سر الخير.
(٩) الجذع: الشاب القوي.
(١٠) نصرًا مؤزرًا: قويًّا بالغًا.
[ ٥٠ ]
المبحث الثاني: فترة الوحي
وعند الإِمام أحمد زيادة لطيفة في شدة حزن النبي لفتور الوحي، تقول الزيادة "وفتر الوحي حتى حزن رسول الله - ﷺ - فيما بلغنا حزنًا غدا منه مرارًا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال، فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه، تبدى له جبريل - ﵇ - فقال له: يا محمَّد إنك رسول الله حقًّا، فيسكن ذلك جأشه، وتقرُّ نفسه ﵊، فيرجع، فإذا طالت عليه، وفتر الوحي غدا لمثل ذلك، فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل - ﵇ - فقال له مثل ذلك" (١).
٥٠ - من حديث جابر بن عبد الله الأنصاري قال: قال رسول الله - ﷺ - وهو يحدث عن فترة الوحي:
(بينما أنا واقف، فرفعت رأسي إلى السماء، فهذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسيه بين السماء والأرض، قال رسول الله - ﷺ -: فَجُئِثتُ منه فرقًا، فرجعت، فقلت: زملوني زملوني دثروني، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ (٢). ثم تتابع الوحي (٣).
فيكون أول ما أنزل من القرآن ابتداءً ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾، وأول ما نزل من القرآن بعد فترة الوحي وعودة جبريل للنزول على النبي - ﷺ - ﴿يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ﴾ والله أعلم.
٥١ - ومن حديث جندب بن عبد الله البجلي - ﵁ - قال: "اشتكى
_________________
(١) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب حدثنا يحيى بن بكير رقم: ٣ فتح الباري: ١/ ٢٢ في كتاب الأنبياء، باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى﴾، وفي التفسير، باب تفسير صورة: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾ رقم: ٤٩٥٣، فتح الباري: ٨/ ٧١٥، وفي التعبير، باب أول ما بدئ به رسول الله من الوحي الرؤيا الصادقة. ورواه مسلم في كتاب الإيمان، باب بدء الوحي رقم: ١٦٠، وأحمد في المسند: ٦/ ٢٣٣، وانظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٠٧ - ٢٠٩.
(٢) (المدثر ١ - ٥).
(٣) رواه البخاري في كتاب بدء الوحي، باب: ٤، حديث رقم: ٤، فتح البارى: ١/ ٢٧ وفي التفسير، باب تفسير سورة العلق، رقم: ٤٩٥٩ فتح الباري: ٨/ ٧١٥، ومسلم في صحيحه، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي، حديث رقم: ١٦١، وفي كتاب الفضائل باب عرق النبي - ﷺ - في البرد، وحين يأتيه الوحي، حديث رقم: ٢٣٣٣، وأحمد في المسند: ٣/ ٣٢٥، ٣٧٧، والموطأ: ١/ ٢٠٢،٢٠٣، في القرآن باب ما جاء في القرآن. جئثت: ذعرت.
[ ٥١ ]
رسول الله - ﷺ - فلم يقم ليلة أو ليلتين أو ثلاثًا فقالت امرأة: ما أرى شيطانك إلا تركك، فأنزل الله ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾ (١) (٢).
المبحث الثالث: كيف كان يأتي الوحي الرسول ﷺ
٥٢ - من حديث عائشة زوج النبي - ﷺ - أن الحارث بن هشام سأل رسول الله - ﷺ - فقال:
"يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟ " فقال رسول الله - ﷺ -: "أحيانًا يأتيني في مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليَّ، فينفصم عني، وقد وعيت ما قال: وأحيانًا يتمثل لي الملك رجلًا، فيكلمني فأعي ما يقول، قالت عائشة: ولقد رأيته ينزل عليه في اليوم الشاتي الشديد البرد، فينفصم عنه، وإن جبينه ليتفصد عرقًا" (٣).
المبحث الرابع: تصديق ورقة بن نوفل بالرسول ﷺ
٥٣ - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: قال رسول الله - ﷺ - (لا تسبوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين) (٤).
٥٤ - ومن حديث عائشة أن خديجة سألت النبي - ﷺ - عن ورقة بن نوفل فقال: (قد رأيته فرأيت عليه ثياب بياض، فأحسبه لو كان من أهل النار لم يكن عليه ثياب بياض) (٥).
_________________
(١) رواه البخاري، في فضائل القرآن، باب كيف نزل الوحي: ٤٩٨٣، ومسلم في الجهاد والسير، باب ما لقي النبي - ﷺ - من الأذى: ١٧٩٧، والترمذي في تفسير القرآن، باب سورة الضحى: ٣٣٤٩، والطيالسي: ٢/ ٢٥، وأحمد في المسند: ٤/ ٣١١، ٣١٢، ٣١٣، والحميدي في منده: ٢/ ٣٤٢، والطبراني في الكبير: ١٧٠٩ - ١٧١٢. الصلصة: صوت الحديد إذا وقع بعضه على بعض. ينفصم عنه: يقلع عنه.
(٢) سورة الضحى: ١ - ٣.
(٣) رواه البخاري، كتاب بدء الوحي، باب رقم: ٢، حديث رقم: ٢، ومسلم في الفضائل، باب عرق النبي - ﷺ - في البرد وحين يأتيه الوحي، رقم: ٢٣٣٣.
(٤) رواه الحاكم في المستدرك: ٢/ ٦٠٩، وقال: صحيح على شرط الشيخين، وواففه الذهبي وهو كما قالا، وقال ابن كثير في السيرة: ٤/ ٣٩٨ وإسناده جيد، وانظر صحيح الجامع الصغير: ٧١٩٧، والأحاديث الصحيحة: ٤٠٥، وقال: صحيح.
(٥) وقال ابن كثير في السيرة: ١/ ٣٩٧ هذا إسناد حسن، لكن رواه الزهري وهشام عن عروة مرسلًا.
[ ٥٢ ]
الفصل الثاني أول الناس إسلامًا
٥٥ - من حديث بريدة الأسلمي - ﵁ - قال: "أوحي إلى رسول - ﷺ - يوم الاثنين وصلى عليّ يوم الثلاثاء" (١).
٥٦ - ومن حديث عفيف الكندي - ﵁ - قال: "كنت امرءًا تاجرًا، فقدمت الحج، فأتيت العباس بن عبد المطلب لأبتاع منه بعض التجارة، وكان امرءًا تاجرًا، فوالله إني لعنده بمنى إذ خرج رجل من خباء قريب منه، فنظر إلى الشمس، فلما رآها مالت، قام يصلي، ثم خرجت امرأة من ذلك الخباء الذي خرج ذلك الرجل منه، فقامت خلفه تصلي، ثم خرج غلام حين ناهز الحلم من ذلك الخباء، فقام معه يصلي.
قال: فقلت للعباس: يا عباس ما هذا؟ قال: هذا محمَّد ابن أخي عبد الله بن عبد المطلب قال: قلت: من هذه المرأة قال: هذه امرأته خديجة ابنة خويلد. قال: فقلت من هذا الفتى قال: هذا علي بن أبي طالب ابن عمه.
قال: قلت: فما هذا الذي يصنع؟ قال: يصلي، وهو يزعم أنه نبي، ولم يتبعه على أمره إلا امرأته وابن عمه هذا الفتى، وهو يزعم أنه ستفتح عليه كنوز كسرى وقيصر.
قال: فكان عفيف وهو ابن عم الأشعث بن قيس يقول -وأسلم بعد فحسن إسلامه: لو كان الله رزقني الإِسلام يومئذ، فكون ثانيًا مع علي بن أبي طالب" (٢).
٥٧ - ومن حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "أول من صلى مع النبي
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك: ٣/ ١١٢، وصححه، وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
(٢) رواه أحمد: ١/ ٢٠٩ - ٢١٠، والحاكم في المستدرك: ٣/ ١٨٣، فقال صحيح الإسناد، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وابن سعد في الطبقات، والنسائي في الخصائص: ١٧ - ١٨، وذكره الحافظ في الإصابة، وعزاه للبغوي وأبي يعلى، ورواه الطبري في تاريخه: ٢/ ٢١٢ - ٢١٣، والبخاري في التاريخ الكبير: ٤/ ١ / ٧٤ - ٧٥، وابن عبد البر في الاستيعاب، وقال ابن عبد البر: حديث حسن جدًّا، وقال الهيثمي: ٩/ ١٠٣ رواه أحمد وأبو يعلى بنحوه، والطبراني ورجال أحمد ثقات: انظر أبا يعلى رقم: ١٥٤٧.
[ ٥٣ ]
- ﷺ - بعد خديجة علي" (١).
٥٨ - ومن حديث سلمان - ﵄ - قال: "أول هذه الأمة ورودًا على نبيها - ﷺ - أولها إسلامًا علي بن أبي طالب" (٢).
٥٩ - ومن حديث زيد بن أرقم - ﵄ - قال: "أول من صلى (وفي لفظ) أول من أسلم مع رسول الله - ﷺ - علي" (٣).
٦٠ - من حديث أبي الدرداء - ﵄ - في قصة ما حصل بين أبي بكر وعمر من الخصومة فقال رسول الله - ﷺ -: (إنَّ الله بعثني إليكم فقلتم كذبت، وقال أبو بكر صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟) (٤).
٦١ - من حديث عمار - ﵁ - قال: "رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه إلا خمس أعبد، وامرأتان، وأبو بكر". وفي هذا الحديث أن أبا بكر أول من أسلم من الأحرار مطلقًا (٥).
وهو قول ابن عباس، وإبراهيم النخعي، ومحمد بن كعب، ومحمد بن سيرين، وسعد بن إبراهيم، وهو المشهور عند جمهور أهل السنة (٦).
ولا منافاة في ذلك، "فإن أبا بكر أول من أسلم من الرجال، وعليًّا أول من أسلم من الصييان، وخديجة أول من أسلم من النساء، وزيد بن حارثة أول
_________________
(١) رواه الترمذي: ٣٧٣٤ في المناقب، باب مناقب علي، والطيالسي: ٢٧٥٣، وأحمد: ٣٣٠/ ١ - ٣٣١، وقال الساعاتي في الفتح: ٢٠/ ٢١٤، وسنده جيد.
(٢) قال الهيثمي: ٩/ ١٠٢: رواه الطبراني: ٦١٧٤ ورجاله ثقات، والحاكم في المستدرك: ٣/ ١٣٦.
(٣) رواه الترمذي: ٣٧٣٥ في المناقب، باب مناقب علي بن أبي طالب، وأحمد: ٤/ ٣٦٨ - ٣٧١، والطيالسي: ٦٧٨، والحاكم: ٣/ ١٣٦، وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي. قلت: وهو كما قالوا، وقد وقع في آخره عند الترمذي: "قال عمرو بن مرة: فذكرت ذلك لإبراهيم النخعي فأنكره، وقال: أول من أسلم أبو بكر الصديق". ويشهد له حديث ابن عباس السابق.
(٤) رواه البخاري في "فضائل الصحابة" باب قول النبي: (لو كنت متخذًا خليلًا) رقم: ٣٦٦١ فتح الباري: ٧/ ١٨.
(٥) رواه البخاري في "فضائل الصحابة" باب قول النبي: (لو كنت متخذًا خليلًا) رقم: ٧٦٦٠، فتح الباري: ٧/ ١٨.
(٦) سيرة ابن كثير: ١/ ٤٣٥، فتح الباري: ٧/ ٢٤.
[ ٥٤ ]
من أسلم من الموالي". وهذا قول أبي حنيفة - ﵁ - (١).
أما الأعبد الذين ذكروا في حديث عمار فهم بلال بن رباح، وزيد بن حارثة، وعامر بن فهيرة، مولى أبي بكر، فإنه أسلم قديمًا مع أبي بكر، وأبو فكيهة مولى صفوان بن أمية، وشقران مولى النبي - ﷺ -. والمرأتان فخديجة، والأخرى أم أيمن أو سمية (٢).
وقد كان من أوائل من آمن بالنبي - ﷺ - الصحابي عمرو بن عبسة - ﵁ - عنه.
٦٢ - عن عمرو بن عبسة - ﵁ -: قال: قلت: "يا رسول الله، من معك على هذا الأمر؟ قال: (حر وعبد) قال: ومعه يومئذ أبو بكر وبلال، ثم قال له: (ارجع إلى قومك حتى يمكن الله -﷿- لرسوله) قال: وكان عمرو بن عبسة يقول: "لقد رأيتني وإني لربع الإِسلام" (٣).
_________________
(١) سيرة ابن كثير: ١/ ٤٣٧، والترمذي في المناقب، باب مناقب علي رقم: ٣٧٣٥، وقال: كذا قال بعض أهل العلم.
(٢) فتح الباري: ٧/ ٢٤.
(٣) رواه مسلم في كتاب صلاة المسافرين وقصرها، باب إسلام عمرو بن عسة، رقم: ٨٣٢ مطولًا، والإمام أحمد في مناقب عمرو بن عبسة في "فضائل الصحابة" انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢١٥.
[ ٥٥ ]
الفصل الثالث الجهر بالدعوة
٦٣ - من حديث ابن عباس - ﵄ -: لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (١) خرج رسول الله - ﷺ - حتى صعد الصفا، فهتف: يا صباحا، فقالوا: من هذا؟ فاجتمعوا إليه، فقال: (أرأيتم إن أخبرتكم أن خيلًا تخرج من سفح هذا الجبل أكنتم مصدقي؟ قالوا: ما جَرَّبنا عليك كذبًا، قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد).
قال أبو لهب: تبا لك ما جمعتنا إلا لهذا؟ ثم قام، فنزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ (٢).
٦٤ - ومن حديث عائشة - ﵂ - قالت: لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾، قام رسول الله - ﷺ - فقال: (يا فاطمة بنت محمَّد، يا صفية بنت عبد المطلب، يا بني عبد المطلب، لا أملك لكم من الله شيئًا، سلوني من مالي ما شئتم) (٣).
٦٥ - ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قام رسول الله - ﷺ - حين أنزل عليه ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ قال: (يا معشر قريش، أو كلمة نحوها اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب، لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا صفية عمة رسول الله، لا أغني عنكم من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد، سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئًا) (٤).
_________________
(١) (سورة الشعراء: ٢١٤).
(٢) رواه البخاري في التفسير، سورة الشعراء، باب: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم: ٤٧٧٠ فتح الباري: ٨/ ٥٠١، وفي سورة تبت رقم: ٤٩٧١، ٤٩٧٢ فتح الباري: ٨/ ٧٣٧، وفي الأنياء، باب من انتسب إلى آبائه في الإِسلام والجاهلية، وفي الجنائز، باب ذكر شرار الموتي، ومسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم: ٢٠٨، أحمد في مسنده: ١/ ٢٨١، الفتح الرباني: ٢٠/ ٢١٦، وابن جرير في التاريخ: ٢/ ٢١٦.
(٣) مسلم في الصحيح، كتاب الإيمان، باب قوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم: ٢٠٥.
(٤) البخاري في التفسير، سورة الشعراء باب ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ رقم:٤٧٧١ فتح الباري: ٨/ ٥٥١، وفي الأنبياء، باب من انتسب إلى آبائه في الإسلام والجاهلية، وفي الوصايا، باب هل يدخل النساء والولد في الأقارب.
[ ٥٦ ]
الفصل الرابع موقف قريش مما جاءهم به الرسول - ﷺ -
المبحث الأول: قريش تطلب من أبي طالب الحد من نشاط الرسول
٦٦ - من حديث عقيل بن أبي طالب - ﵁ - قال: "جاءت قريش إلى أبي طالب فقالوا: إنَّ ابن أخيك هذا قد آذانا في نادينا ومسجدنا فانهه عنا، فقال: يا عقيل، انطلق فأتني بمحمد، فاستخرجته من كنس، أو قال خنس، يقول: بيت صغير، فجاء به في الظهيرة في شدة الحر.
فلما أتاهم قال: إنَّ بني عمك هؤلاء زعموا أنك تؤذيهم في ناديهم ومسجدهم، فاتته عن أذاهم.
فحلق رسول الله - ﷺ - ببصره إلى السماء فقال: (ترون هذه الشمس).
قالوا: نعم، قال: (فما أنا بأقدر أن أدع ذلك منكم على أن تشعلوا منه بشعلة) وفي رواية: (والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحد من هذه الشمس شعلة من نار).
فقال أبو طالب: "والله ما كذب ابن أخي قط، فارجعوا راشدين" (١).
_________________
(١) المطالب العالية: ٤٢٧٨، ورواه أبو يعلى وإسناده صحيح، والطبراني في الأوسط والكبير. وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ١٥: رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
[ ٥٧ ]
المبحث الثاني: الوليد بن المغيرة وقوله في القرآن
٦٧ - من حديث عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -: "أن الوليد بن المغيرة جاء رسول الله - ﷺ -، فقرأ عليه القرآن، فكأنه رقد له، فبلغ ذلك أبا جهل فأتاه فقال: يا عم، إنَّ قومك يريدون أن يجمعوا لك مالًا فقال: لِمَ؟ قال: ليعطوكه، فإنك أتيت محمدًا لتعرض ما قبله.
قال: قد علمت قريش أني من أكثرها مالًا.
قال: فقل فيه قولًا يبلغ قومك إنك منكر له.
قال: وماذا أقول؟ فوالله ما منكم رجل أعرف بالأشعار مني، ولا أعلم برجزه، ولا بقصيده مني، ولا بأشعار الجنَّ، والله ما يشبه الذي يقول شيئًا من هذا، والله إنَّ لقوله الذي يقول لحلاوة، وإن عليه لطلاوة، وإنه لمثمر أعلاه، مغدق أسفله؛ لأنه ليعلو ولا يعلى؛ لأنه ليحطم ما تحته. قال: لا يرض عنك قومك حتى تقول فيه.
قال: قف عني حتى أفكر فيه، فلما فكَّر، قال: إن هذا إلا سحر يؤثر. يأثره عن غيره، فنزلت: ﴿ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيدًا (١١) وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا (١٢) وَبَنِينَ شُهُودًا (١٣) وَمَهَّدْتُ لَهُ تَمْهِيدًا﴾ (١) (٢).
المبحث الثالث: صور من أذى قومه له
وسيأتي تفصيل أكثر ولكن نذكر بعضه هنا لمناسبته للأحداث في هذا المبحث.
٦٨ - من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال:
"حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحِجْر، فذكروا رسول الله - ﷺ - فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، لقد صرنا منه على أمر عظيم أو كما قالوا.
_________________
(١) سورة المدثر: (١١ - ١٣).
(٢) رواه الحاكم في المستدرك: ٢/ ٥٠٧، وقال صحيح على شرط البخاري، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وانظر: البداية والنهاية: ٣/ ٦٠، والبيهقي في دلائل النبوة: ١/ ٥٥٦.
[ ٥٨ ]
قال. فبينما هم كذلك إذ طلع عليهم رسول الله - ﷺ -، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، ثم مرَّ بهم طائفًا بالبيت، فلما أن مر بهم غمزوه ببعض ما يقول، قال: فعرفت ذلك في وجهه، ثم مضي، فلما مرَّ بهم الثالثة فغمزوه بمثلها، فقال: (تسمعون يا معشر قريب، أما والذي نفس محمَّد بيده لقد جئتكم بالذبح)، فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع، حتى إن أشدَّهم فيه وصاة من قبل ذلك ليرفأه بأحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم، انصرف راشدًا، فوالله ما كنت جهولًا.
قال: فانصرف رسول الله - ﷺ - حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحجر وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم، وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينما هم في ذلك إذ طلع رسول الله - ﷺ - فوثبوا إليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا، كما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم، قال: فيقول رسول الله - ﷺ -، (نعم أنا الذي أقول ذلك)، قال: فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجمع ردائه، قال: وقام أبو بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه - دونه يقول وهو يبكي: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله؟ ثم انصرفوا عنه، فإن ذلك لأشدُّ ما رأيت قريشًا بلغت منها" (١).
وقوله "فإن ذلك لأشد ما رأيت قريشًا بلغت منه" لا يعني أن النبي لم يؤذ أشد من ذلك، ولكن قال ذلك لما رأى هو، وليس لما رأى غيره.
_________________
(١) رواه أحمد في المسند: ٢/ ٢١٨ بإسناد صحيح، صرح فيه ابن إسحاق بالتحديث، وأخرجه البخاري في كتاب فضائل الصحابة، باب لو (كنت متخذًا خليلًا) رقم: ٣٦٧٨ فتح الباري: ٧/ ٢٢ مختصرًا، وأشار البخاري إلى رواية ابن إسحاق هذه، وقال: وصله أحمد من طريق إبراهيم بن سعد، والبزار من طريق بكر بن سليمان، كلاهما عن ابن إسحاق بهذا السند، وانظر أطرافه عند البخاري: ٣٨٥٦، ٤٨١٥، وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٦ رواه أحمد، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وبقية رجاله رجال الصحيح وقال أيضًا: في الصحيح، طرف منه.
[ ٥٩ ]
المبحث الرابع: الدخول في الإسلام على الرغم من الأذى
١ - إسلام حمزة - ﵁ -
جاء في قصة إسلامه عليه رضوان الله عليه آثار مرسلة بأسانيد رجالها ثقات:
٦٩ - عن محمَّد بن كعب القرظي قال: "كان إسلام حمزة بن عبد المطلب - ﵁ - حَمِيَّةً، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مر بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا، وصنعت كذا وكذا، ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رميه ذات يوم، فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عمارة، ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام! شتمه، وتناوله، وعمل وفعل.
فقال: هل رآه أحد؟
قالت: أي والله، لقد رآه ناس.
فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم.
فاتكأ على قوسه، وقال: رميت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا، ثم جمع يديه بالقوس، فضرب بها بين أذني أبي جهل فوق سنتها، ثم قال: خذها بالقوس، وأخرى بالسيف: وأشهد أنه رسول الله - ﷺ -، وأنه جاء بالحق من عند الله. قالوا: يا أبا عمارة إنه سبَّ آلهتنا، وإن كنت أنت، وأنت أفضل منه، ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا" (١).
وقد جاء من حديث ابن إسحاق عن رجل من أسلم، فذكر القصة أطول مما ذكرت هنا (٢).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٦٧، رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله رجال الصحيح، وقد جاء بنحوه عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زهرة، وقال الهيثمي: ٩/ ٢٦٧ رواه الطبراني مرسلًا، ورجاله ثقات. ومجموع الطرق المرسلة تفيد الحديث قوة وصحة.
(٢) رواه الحاكم في المستدرك:٣/ ١٩٢ - ١٩٣، وابن كثير في السيرة: ١/ ٤٤٥ - ٤٤٦، وقال: وهكذا رواه البيهقي عن الحاكم، عن الأصم، عن أحمد بن عبد الجبار، عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق فذكره، انظر دلائل النبوة للبيهقي: ٢/ ٢١٣ - ٢١٤ والسيرة النبوية لابن هشام:١/ ٣٦٠.
[ ٦٠ ]
٢ - إسلام أبي ذر الغفاري - ﵁ -
٧٠ - من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "لما بلغ أبا ذر مبعث النبي - ﷺ - قال لأخيه: اركب إلى هذا الوادي، فاعلم لي علم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي يأتيه الخبر من السماء، واسمع من قوله، ثم ائتني. فانطلق الأخ حتى قدمه وسمع من قوله، ثم رجع إلى أبي ذر فقال له: رأيته يأمر بمكارم الأخلاق، وكلامًا ما هو بالشعر. فقال: ما شفيتني مما أردت. فتزود، وحمل سنة له فيها ماء، حتى قدم مكة، فأتى المسجد، فالتمس رسول الله - ﷺ - ولا يعرفه، وكره أن يسأل عنه، حتى أدركه بعض الليل (اضطجع)، فرآه علي فعرف أنه غريب، فلما رآه تبعه، فلم يسأل واحدًا صاحبه عن شيء حتى أصبح، قام احتمل قربته وزاده إلى المسجد، وظلَّ ذلك اليوم، ولا يراه النبي - ﷺ - حتى أمسى، فعاد إلى مضجعه، فمر به عليٌّ فقال: أما آن للرجل أن يعلم منزله؟ فأقامه، فذهب به معه، لا يسأل واحد منهما صاحبه عن شيء، حتى إذا كان يوم الثالث فعاد علي على مثل ذلك، فأقام معه، فقال: ألا تحدثني ما الذي أقدمك؟
قال: إن أعطيتني عهدًا وميثاقًا لترشدني فعلت. ففعل، فأخبره. قال: فإنه حقٌّ، وهو رسول الله - ﷺ -، فإذا أصبحت فاتبعني، فإني إن رأيت شيئًا أخاف عليك قمت كأني أريق الماء، فإن مضيت فاتبعني حتى تدخل مدخلي.
ففعل، فانطلق يقفوه (١)، حتى دخل على النبي - ﷺ -، ودخل معه، فسمع من قوله، وأسلم مكانه.
فقال له النبي - ﷺ -: ارجع إلى قومك فأخبرهم حتى يأتيك أمري. قال: والذي نفسي بيده لأصرخن بها بين ظهرانيهم.
فخرج حتى أتى المسجد، فنادى بأعلى صوته: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ثم قام القوم فضربوه حتى أوجعوه. وأتى العباس فأكب علي، قال: ويلكم ألستم تعلمون أنه من غفار، وأن طريق تجارتكم إلى الشام؟ فأنقذه منهم.
_________________
(١) يقفو: يتبعه.
[ ٦١ ]
ثم عاد من الغد لمثلها، فضربوه وثاروا إليه، فأكب العباس عليه" (١).
وقد جاءت قصة إسلامه مبسوطة أكثر عند مسلم (٢) من حديث عبد الله بن الصامت، وفيها زيادات كثيرة، فانظر التوفيق بين الروايتين في فتح الباري (٣) للحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
٣ - إسلام ضماد الأزدي
٧١ - من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "إن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءه، وكان يرقى من هذه الريح، فسمع سفهاء من أهل مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني رأيت هذا الرجل لعل الله يشفيه على يدي، قال: فلقيه، فقال: يا محمَّد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء، فهل لك؟
فقال رسول الله - ﷺ -: (إنَّ الحمد لله، نحمده ونستعينه، من يهده الله فلا مضلَّ له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا عبده ورسوله. أما بعد)
قال: "فقال: أعد عليَّ كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله - ﷺ - ثلاث مرات قال: فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، ولقد بلغن قاموس البحر. قال: فقال: (هات يدك أبايعك على الإِسلام)، قال: فبايعه، فقال رسول الله - ﷺ -: (وعلى قومك)، قال: وعلى قومي.
قال: فبعث رسول الله - ﷺ - سرية فمروا بقومه، فقال صاحب السرية للجيش: هل أصبتم من هؤلاء شيئًا؟ فقال: رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة، فقال: ردها فإنَّ هؤلاء قوم ضماد (٤).
_________________
(١) رواه البخاري في مناقب الأنصار، باب إسلام أبي ذر، رقم: ٣٨٦١، فتح البارى: ٧/ ١٧٣، ورواه مسلم في كتاب "فضائل الصحابة" باب فضائل أبي ذر رقم: ٢٤٧٤.
(٢) رواه مسلم كتاب "فضائل الصحابة" باب فضائل أبي ذر، رقم: ٢٤٧٤.
(٣) فتح الباري: ٧/ ١٧٤ - ٢٧٥، مناقب الأنصار، باب إسلام أبي ذر، رقم: ٣٨٦١.
(٤) رواه مسلم في كتاب الجمعة، باب تخفيف الصلاة والخطبة، رقم: ٨٦٨، ورواه أحمد في المسند: ١/ ٣٠٢، ٣٥٠،٣٩٣، ٤٣٢، ٣/ ٣٧١، والحاكم: ٣/ ٥٤ - ٥٥ وصححه، ووافقه الذهبي، وابن سعد: ١/ ٢٩٩، وسنده قوي، وابن هشام: ٢/ ٥٧٣ - ٥٧٥، والفتح الرباني: ٢١/ ٢٠٨. =
[ ٦٢ ]
المبحث الخامس: عتبة يعرض على الرسول ﷺ المناصب والمال والنساء
٧٢ - من حديث جابر بن عبد الله: قال: "اجتمعت قريش للنبي - ﷺ - يومًا، فقالوا: انظروا أعلمكم بالسحر والكهانة والشعر، فليأت هذا الرجل الذي قد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وعاب ديننا، فليكلمه، ولينظر ما يرد عليه.
قالوا: ما نعلم أحدًا غير عتبة بن ربيعة.
قالوا: أنت يا أبا الوليد، فأتاه عتبة، فقال: يا محمَّد أنت خير أم عبد الله؟
فسكت النبي - ﷺ -، قال: أنت خير أم عبد المطلب؟ فسكت رسول الله - ﷺ -، قال: فإن كنت تزعم أن هؤلاء خير منك، قد عبدوا الآلهة التي عبت، وإن كنت تزعم أنك خير منهم فتكلم حتى نسمع قولك، أما والله ما رأينا سخطة أشأم على قومك منك، فرقَّت جماعتنا، وشَتَّتتَ أمرنا، وعبت ديننا، وفضحتنا في العرب، حتى طار فيهم أنَّ في قريش ساحرًا، وأن في قريش كاهنًا، ما ينتظر إلا مثل صيحة الحبلى بأن يقوم بعضنا لبعض بالسيوف حتى نتفانى.
أيها الرجل، إن كان إنما بك الحاجة جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أغنى قريش رجلًا، وإن كان إنما بك الباءة فاختر أي نساء قريش فنزوجك عشرًا.
فقال رسول الله - ﷺ -: أفرغت، قال: نعم، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ حتى بلغ: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ﴾ فقال عتبة: حسبك ما عندك غير هذا. قال: لا.
فرجع إلى قريش، فقالوا: ما وراءك. فقال: ما تركت شيئًا أرى أنكم تكلمونه به إلا كلمته، قالوا: هل أجابك، قال: نعم، قال: والذي نصبها بنية ما فهمت شيئًا مما قال غير أنه قال: أنذرتكم صاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، قالوا: ويلك يكلمك بالعربية، فلا تدري ما قال.
_________________
(١) = ومعنى يرقي: من الرقية، وهي العوذة التي يرقى بها صاحب الآفة. والمراد بالريح هنا: الجنون، ومس الجنون ومس الجن. وقوله فهل لك؟: أي فهل لك رغبة في رقيتي، وهل تميل إليها؟ قاموس البحر: وسطه، وقال ابن دريد: لجته.
[ ٦٣ ]
قال: لا والله، ما فهمت مما قال غير ذكر الصاعقة (١).
المبحث السادس: قريش وطلبهم الآيات والمعجزات
وقال تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا﴾ (٢).
٧٣ - عن ابن عباس - ﵄ - قال: (قالت قريش للنبي - ﷺ - ادع لنا ربك أن يجعل لنا الصفا ذهبًا ونؤمن بك. قال: وتفعلون؟ قالوا: نعم.
قال فدعا: فأتاه جبريل فقال: إن ربك -﷿- يقرأ عليك السلام، ويقول: إن شئت أصبح لهم الصفا ذهبًا، فمن كفر بعد ذلك منهم عذبته عذابًا لا أعذبه أحدًا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم أبواب التوبة والرحمة. فقال: بل باب التوبة والرحمة.
فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إلا تَخْوِيفًا﴾ (٣) (٤).
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى في مسنده: ١٨١٨، وابن هشام في السيرة: ١/ ٢٩٣ - ٢٩٤، والبيهقي في الدلائل: ١/ ٢٣٠ - ٢٣١، وأبو نعيم في دلائل النبوة برقم: ١٨٢، وابن أبي شيبة في المصنف: ١٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦، وعبد بن حميد كما في المنتخب: ١١٢٣، والحاكم، في المستدرك: ٢/ ٢٥٣. وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٩ - ٢٠ رواه أبو يعلى، وفيه الأجلح الكندي، وثقه ابن معين وغيره وضعفه النسائي وغيره، وبقية رجاله ثقات. قلت: الأجلح ضعفه أبو حاتم، والنسائي وأحمد، ووثقه ابن معين والعجلي، ورضيه ابن عدي فهو حسن الحديث إن شاء الله.
(٢) (سورة الإسراء: ٩٠ - ٩٣).
(٣) (سورة الإسراء: ٩٥).
(٤) رواه أحمد في المسند: ١/ ٢٥٨، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٣٦٢، وقال: صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في تفسيره: رواه الإِمام أحمد، وابن مردويه، والحاكم في مستدركه من حديث سفيان الثوري، وعزاه في البداية والنهاية: ٣/ ٥٢، للنسائي، وقال: إن سنده جيد، وذكر في السيرة: ١/ ٤٨٣ إسنادين له: ثم قال: هذان إسنادان جيدان. وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ٥٠: بعد ذكر روايتين للإمام أحمد: ورجال الروايتين رجال الصحيح، إلا أنه وقع في أحد طرقه عمران بن الحكم، وهو وهم، وفي بعضها عمران أبو الحكم وهو ابن الحرث، وهو الصحيح =
[ ٦٤ ]
٧٤ - من حديث ابن عباس - ﵄ - أيضًا قال: "قالت قريش لليهود أعطونا شيئًا نسأل عنه الرجل، فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إلا قَلِيلًا﴾.
قالوا: نحن لم نؤت من العلم إلا قليلًا، وقد أوتينا التوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التوراة، فقد أوتي خيرًا كثيرًا، فنزلت: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا﴾ (١) (٢).
المبحث السابع: اشتداد إيذاء قريش للنبي
١ - أبو جهل بن هشام يزعم أنه يطأ عنق الرسول
٧٥ - من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: "قال أبو جهل: هل يعفر محمَّد وجهه بين أظهركم؟. قال: فقيل: نعم.
فقال: واللات والعزى! لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته أو لأعفرنَّ وجهه في التراب. قال فأتى رسول الله - ﷺ - وهو يصلي، زعم ليطأ على رقبته، قال: فما فجأهم منه إلا وهو ينكص على عقبيه ويتقي بيديه. قال: فقيل له: ما لك؟ فقال: إن بيني وبينه لخندقًا من نار وهولا وأجنحة.
فقال رسول الله - ﷺ -: (لو دنا مني لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا) (٣).
٧٦ - ومن حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "قال أبو جهل لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطأ على عنقه، قال: فقال - ﵇ -: (لو فعل لأخذته الملائكة عيانًا، ولو أن اليهود تمنوا الموت لماتوا، ورأوا مقاعدهم في
_________________
(١) = وابن جرير الطبري في التفسير:١٥/ ١٠٨ وصححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند برقم: ٢٣٣٣.
(٢) سورة الكهف: ١٠٩.
(٣) رواه أحمد في المسند: ١/ ٢٥٥، والترمذي في التفسير، باب سورة بني إسرائيل رقم: ٣١٤٠، وقال: حسن صحيح غريب، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٥٣١، وقال: صحيح الإسناد، وأقره الذهبي، وصححه أحمد شاكر برقم: ٢٣٠٩.
(٤) رواه مسلم في كتاب صفات المنافقين، باب قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى﴾ رقم: ٢٧٩٧، وأحمد: ٢/ ٣٧٠، وابن كثير في تفسيره: ٤/ ٥٢٩، وقال: رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن أبي حاتم، وابن جرير في التفسير: ٣٠/ ٢٥٦، والبيهقي دلائل النبوة: ١/ ٤٣٨. يعفر وجهه: أي يسجد ويلصق وجهه بالعفر وهو التراب. فجأهم: بغتهم. ينكص على عقبيه: رجع يمشي إلى ورائه.
[ ٦٥ ]
النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله لرجعوا لا يجدون مالًا ولا أهلًا) (١).
٧٧ - ومن حديث ابن عباس قال: كان النبي - ﷺ - يصلي فجاء أبو جهل: فقال: "ألم أنهك عن هذا؟ ألم أنهك عن هذا؟ فانصرف النبي - ﷺ - فزبره، فقال: أبو جهل: إنك لتعلم ما بها ناد أكثر مني، فأنزل الله تعالى ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ﴾. قال ابن عباس: لو دعا ناديه لأخذته زبانية الله" (٢).
٢ - فعل أبي لهب
٧٨ - من حديث ربيعة بن عباد الديلي: وكان جاهليًّا أسلم قال:
"رأيت رسول الله - ﷺ - بصر عيني بسوق ذي المجاز يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، ويدخل في فجاجها والناس متقصفون عليه، فما رأيت أحدًا يقول شيئًا، وهو لا يسكت يقول: يا أيها الناس، قولوا لا إله الله تفلحوا، إلا أن وراءه رجلًا أحول وضيء الوجه ذو غديرتين يقول: إنه صابىء كاذب، فقلت من هذا؟ قالوا: محمَّد بن عبد الله، وهو يذكر النبوة. قلت: ومن هذا الذي يكذبه، قالوا عمه أبو لهب. قلت: "يعني ابن أبي الزناد إنك كنت يومئذ صغيرًا؟ قال: لا والله، إني يومئذ لأعقل".
وفي رواية أخرى: "قال: إني لمع أبي، رجل شاب أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يتبع القبائل، ووراءه رجل أحول وضيء ذو جمة، يقف رسول الله - ﷺ - على القبيلة ويقول: (يا بني فلان، إني رسول الله إليكم آمركم، أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئًا، وأن تصدقوني حتى أنفذ عن الله ما بعثني به).
فإذا فرغ رسول الله - ﷺ - من مقالته قال الآخر من خلفه: يا بني فلان، إن هذا يريد منكم أن تسلخوا اللات والعزى، وحلفاءكم من الجن بني مالك بن أقيش إلى ما جاء به من البدعة والضلالة، فلا تسمعوا له، ولا تتبعوه. فقلت لأبي من هذا؟ قال: عمه أبو لهب" (٣).
_________________
(١) رواه البخاري في التفسير: تفسير سورة العلق، باب: ﴿كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾، رقم: ٤٩٥٨، فتح الباري: ٨/ ٧٢٤ والترمذي: ٣٣٤٨ في التفسير: تفسير سورة العلق، وقال: حسن صحيح غريب، وأحمد، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٣، وقال الهيثمي: ٨/ ٢٢٨: رواه أحمد وأبو يعلى، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح.
(٢) رواه الترمذي في التفسير، باب تفسير سورة العلق رقم: ٣٣٤٩، وقال حسن صحيح غريب، وابن جرير في التفسير:٣٠/ ٢٥٦، وقال الهيثمي في المجمع: ٧/ ١٣٩ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
(٣) رواه أحمد في المسند:٣/ ٤٩١ - ٤٩٢،٤٩٣، ٤/ ٣٤١، وسنده حسن، وقال الشيخ الساعاتي في الفتح =
[ ٦٦ ]
وقد سبق ذكر حديث الجهر بالدعوة، وإيذاء أبي لهب للنبي أمام قريش بقوله: تبًّا لك، ألهذا جمعتنا؟ فانظره هناك.
٣ - إيذاء عقبة بن أبي معيط للرسول ﷺ
٧٩ - من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال:
"بينما رسول الله - ﷺ - يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس، فقال أبو جهل: أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فظل في كتفي محمَّد إذا سجد.
فانبعث شقي القوم فأخذه، فلما سجد النبي - ﷺ - وضعه بين كتفيه، قال فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله - ﷺ -، والنبي ساجد، ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة.
فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه، ثم أقبلت تشتمهم، فلما قضى النبيُّ صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم. وكان إذا دعا، دعا ثلاثًا، وإذا سأل، سأل ثلاثًا، ثم قال: (اللهم عليك بقريش) ثلاث مرات.
فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته، ثم قال:
(اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة (١)، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط). وذكر السابع ولم أحفظه، فوالذي بعث محمدًا - ﷺ - بالحق! لقد رأيت الذين سمَّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب: قليب بدر) (٢).
_________________
(١) = الرباني: ٢٠/ ٢١٦ - ٢١٧ سنده جيد، رواه البيهقي والطبراني. وله شاهد من حديث طارق به عبد الله المحاربي، أخرجه أبو بكر بن شيبة، انظر المطالب العالية: ٤٢٧٧، قال البوصيري: رواه ابن أبي شيبة بسند صحيح، وأبو يعلى وابن حبان والحاكم والنسائي وابن ماجه مختصرًا، صحيح ابن حبان موارد: ١٦٨٣، والطبراني في الكبير: ٤٥٨٣، وعبد الله بن أحمد في زوائد المسند: ٤/ ٣٤٢ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٢، رواه أحمد وابنه، والطبراني في الكبير نحوه، والأوسط باختصار وبأسانيد، وأحد أسانيد عبد الله بن أحمد رجاله ثقات.
(٢) في صحيح مسلم: الوليد بن عقبة، وصوابه ما أثبتناه، انظر فتح الباري: ٧: ١٦٥.
(٣) رواه مسلم في الجهاد والسير، باب ما لقي النبي من أذى المشركين والمنافقين، رقم: ١٧٩٤، والبخاري في كتاب الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلى شيئًا من الأذى، رقم: ٥٢٠ فتح الباري: ١/ ٥٩٤، وكتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من المشركين، رقم: ٣٨٥٤ فتح الباري: ٧/ ١٦٥ وأحمد، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢١٨. =
[ ٦٧ ]
وأما السابع ففي رواية البخاري: (عمارة بن الوليد) (١).
٨٠ - ومن حديث عبد الله بن مسعود أيضًا قال:
"بينما رسول الله - ﷺ - في المسجد وأبو جهل بن هشام، وشيبة وعتبة ابنا ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وأمية بن خلف، ورجلان آخران كانوا سبعة، وهم في الحجر، ورسول الله - ﷺ - يصلي، فلما سجد وأطال السجود، فقال أبو جهل: أيكم يأتي جزور بني فلان فيأتينا بفرثها، فنكفئه على محمد - ﷺ -، فانطلق أشقاهم عقبة بن أبي معيط، فأتى به فألقاه على كتفيه، ورسول الله - ﷺ - ساجد قال ابن مسعود: وأنا قائم لا أستطيع أن أتكلم، ليس عندي منعة تمنعني، فأنا أذهب إذ سمعتُ فاطمة بنت رسول الله - ﷺ -، فأقبلت حتى ألقت ذلك عن عاتقه، ثم استقبلت قريشًا تسبهم، فلم يرجعوا إليها شيئًا.
ورفع رسول الله - ﷺ - رأسه كما كان يرفع عند تمام السجود، فلما قضى رسول الله - ﷺ - صلاته قال: (اللهم عليك بقريش ثلاثًا، عليك بعتبة وعقبة وأبي جهل وشيبة)، ثم خرج من المسجد، فلقيه أبو البختري بسوط يتخصر به، فلما رأى النبي - ﷺ -، وأنكر وجهه، فقال النبي - ﷺ -: خل عني، قال: علم الله لا أخلي عنك أو تخبرني ما شأنك، فلقد أصابك شيء، فلما علم النبي - ﷺ - أنه غير مخلّ عنه أخبره، فقال: (إن أبا جهل أمر فطرح عليّ فرث)، قال أبو البختري: هلَّم إلى المسجد.
فأتى النبي - ﷺ - وأبو البختري فدخلا المسجد، ثم أقبل أبو البختري إلى أبي جهل فقال: يا أبا الحكم أنت الذي أمرت بمحمد - ﷺ -، فطرح عليه الفرث قال: نعم. قال فرفع السوط فضرب به رأسه، قال: فثار الرجال بعضها إلى بعض، قال: وصاح أبو جهل: ويحكم هي له، إنما أزاد محمَّد أن يلقي بيننا العداوة،
_________________
(١) = جزور: ناقة. سلا: اللفافة: التي يكون فيها الولد في بطن الناقة، وسائر الحيوان، وهي من الآدمي المشيمة. أشقى القوم: عقبة بن أبي معيط. استضحكوا: حملوا أنفسهم على الضحك والسخرية، ثم أخذهم الضحك جدًّا، فجعلوا يضحكون، ويميل بعضهم على بعض. جويرية: شابة لم تكبر بعد. القليب: هي البئر التي لم تطو.
(٢) رواه البخاري في كتاب الصلاة، باب المرأة تطرح عن المصلي شيئًا من الأذى، رقم: ٥٢٠، فتح الباري: ١/ ٥٩٤.
[ ٦٨ ]
وينجو هو وأصحابه" وفي رواية: فلما رفع رسول الله - ﷺ - رأسه: (حمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد اللهم عليك الملأ من قريش) (١).
٤ - اجتماع الملأ من قريش وضربهم الرسول
٨١ - من حديث أسماء بنت أبي بكر أنهم قالوا لها:
ما أشد ما رأيت المشركين بلغوا من رسول الله - ﷺ -؟ فقالت: "كان المشركون رفعوا في المسجد عمدًا ليروا رسول الله - ﷺ - وما يقول في آلهتهم، فبينما هم كذلك، إذ أقبل رسول الله - ﷺ - فقاموا إليه بأجمعهم، فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقالوا: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا، وإن له لغدائر أربع، وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلًا يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم؟ قال: فَلهَوْا عن رسول - ﷺ -، وأقبلوا على أبي بكر - ﵁ -، قالت: فرجع إلينا أبو بكر، فجعل لا يمس من غدائره إلا جاء معه، وهو يقول: تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٢).
٨٢ - من حديث ابن عباس - ﵄ -، قال:
"إن الملأ من قريش اجتمعوا في الحجر، فتعاقدوا باللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، ونائلة وإساف، لو قد رأينا محمدًا لقد قمنا إليه قيام رجل واحد، فلم نفارقه حتى نقتله، فأقبلت ابنته فاطمة - ﵂ - تبكي حتى دخلت على رسول الله - ﷺ - فقالت: هؤلاء الملأ من قريش قد تعاقدوا عليك لو قد رأوك لقد قاموا إليك فقتلوك، فليس منهم رجل إلا قد عرف نصيبه من دمك، فقال: يا بنية أريني وَضُوءًا، فتوضأ ثم دخل عليهم المسجد، فلما رأوه قالوا: ها هوذا، وخفضوا أبصارهم، وسقطت أذقانهم في صدورهم، وعقروا في مجالسهم، فلم يرفعوا إليه بصرًا، ولم يقم إليه رجل، فأقبل رسول الله - ﷺ - حتى قام على رؤسهم، فأخذ قبضة من التراب، فقال: شاهت الوجوه، ثم
_________________
(١) قال الهيثمي: ٦/ ١٨: حديث ابن مسعود في الصحيح باختصار قصة أبي البختري، رواه البزار والطبراني في الأوسط، وفيه الأجلح بن عبد الله الكندي، وهو ثقة عند ابن معين وغيره، وضعفه النسائي وغيره، وحديثه حسن إن شاء الله، انظر التعليق على حديث رقم: ٧٥.
(٢) رواه الحميدي في مسنده رقم: ٣٢٤، وقال الحافظ في الفتح: رواه أبو يعلى بإسناد حسن: ٧/ ١١٧. وقال البوصيري رواه الحميدي وأبو يعلى بإسناده رواته ثقات، وأخرجه أبو نعيم في الحلية من طريق الحميدي: ١/ ٣١ انظر المطالب العالية رقم: ٤٢٧٩، وله شاهد حديث: ٦٨.
[ ٦٩ ]
حصبهم بها فما أصاب رجلًا منهم من ذلك الحصى حصاة إلا قتل يوم بدر كافرًا" (١).
المبحث الثامن: عدوان المشركين على مستضعفي المسلمين
٨٣ - من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال:
"أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد" (٢).
٨٤ - من حديث عثمان بن عفان قال: "أقبلت مع رسول الله - ﷺ - آخذًا بيدي نتمشى بالبطحاء، حتى أتى على آل عمار بن ياسر، فقال أبو عمار: يا رسول الله الدهر هكذا؟ فقال له النبي - ﷺ -: اصبر، ثم قال: اللهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت" (٣).
وفي رواية قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول لأبي عمار وأم عمار وعمار: (اصبروا آل ياسر، فإن موعدكم الجنة) (٤).
٨٥ - ومن حديث جابر - ﵁ -: أن النبي - ﷺ - مر بعمار بن ياسر وبأهله
_________________
(١) رواه أحمد في المسند: ١/ ٣٠٣،٣٦٨ وابن حبان في صحيحه: موارد: ١٦٩١، وقال الهيثمي في المجمع: ٨/ ٢٢٨ أخرجه أحمد بإسنادين، ورجال أحدهما رجال الصحيح، وصححه أحمد شاكر برقم:٢٧٦٢.
(٢) ابن ماجه: المقدمة، فضل سلمان وأبي ذر والمقداد رقم: ١٥٠، وقال البوصيري في زوائد ابن ماجه: إسناده ثقات، ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٨٤ من طريق عاصم بن أبي النجود، وحدثيه حسن، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأخرجه أبو نعيم في الحلية: ١/ ١٣٩، وابن سعد في الطبقات:٣/ ١ / ١٦٦، وإسناده حسن.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٩٣ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، وانظر المسند: ١/ ٦٢ وابن سعد في الطبقات:٣١/ ١ / ١٧٧، وله شاهد من الحديث الذي يليه.
(٤) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٩٣ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
[ ٧٠ ]
يعذبون في الله -﷿- فقال: (أبشروا آل ياسر، موعدكم الجنة) (١).
٨٦ - عن خباب بن الأرت - ﵁ -: "قال أتينا رسول الله - ﷺوهو في ظل الكعبة متوسدًا بردة له، فقلنا: يا رسول الله، ادع الله -﵎- لنا، واستنصره. قال: فاحمر لونه أو تغير، فقال: (لقد كان من كان قبلكم يحفر له حفرة ويجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه، فيشق، ما يصرفه عن دينه، ويمشي بأمشاط من الحديد ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه عن دينه، -وليتمَّن الله -﵎- هذا الأمر حتى يسير الراكب ما بين صنعاء إلى حضر موت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تعجلون) (٢).
٨٧ - من حديث خباب بن الأرت - ﵁ - قال: (كنت رجلًا قينًا، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أتقاضاه، فقال لي: لا أقضيك حتى تكفر بمحمد، قال: قلت: لن أكفر به حتى تموت، ثم تبعث. قال: وإني لمبعوث من بعد الموت؟ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد. قال فنزلت: ﴿أفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ " (٣).
٨٨ - من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: "لقد ضربوا رسول الله - ﷺ - مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر - ﵁ - فجعل ينادي ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله! فقالوا: من هذا؟ فقالوا: أبو بكر المجنون".
وزاد البزار في رواية: "فتركوه، وأقبلوا على أبي بكر" (٤).
_________________
(١) رواه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٣٨٨، وقال صحيح على شرطهما ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٩٣ رواه الطبراني في الأوسط، ورجاله رجال الصحيح غير إبراهيم بن عبد العزيز المقدم وهو ثقة.
(٢) رواه البخاري في كتاب مناقب الأنصار، باب ما لقي النبي وأصحابه من المشركين بمكة رقم: ٣٨٥٢ فتح الباري: ٧/ ١٦٥ وأبو داود: ٢٦٤٩ في الجهاد، باب في الأسير يكره على الكفر، والفتح الرباني ٢٠/ ٢٢٢.
(٣) رواه البخاري في التفسير: تفسير سورة مريم، باب: ٣، ٤، ٥، ٦ وأرقام الأحاديث:٤٧٣٢ - ٤٧٣٥، ومسلم في كتاب صفات المنافقين، باب سؤال اليهود عن الروح رقم: ٢٧٩٥، وأحمد في المسند: ٥/ ١١١ والترمذي في التفسير: تفسير سورة مريم، حديث رقم: ٣١٦٢، وقال: حسن صحيح، والطيالسي: ٢/ ٢١، وابن جرير في تفسيره: ١٦/ ١٢١.
(٤) أخرجه أبو يعلى في مسنده رقم: ٣٦٩١، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٦٧، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي، وانظر المطالب العالية رقم: ٣٩٠٥، وصححه ابن حجر في المطالب وفي الفتح: ٧/ ١٦٩، وقال الهيمثي في المجمع: ٦/ ١٧: رواه أبو يعلى والبزار، ورجاله رجال الصحيح.
[ ٧١ ]
المبحث التاسع: ما فعله الرسول وأصحابه بأصنام المشركين
٨٩ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كنت أنطلق أنا وأسامة بن زيد إلى أصنام قريش التي حول الكعبة، فنأتي بالعذرات، فنأخذ (حريراق) بأيدينا، فننطلق به إلى أصنام قريش فنلطخها، فيصيحون، يقولون: من فعل بآلهتنا؟ فينطلقون إليها، ويغسلونها باللبن والماء" (١).
٩٠ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "انطلقت أنا والنبي - ﷺ - حتى أتينا الكعبة، فقال: لي رسول الله - ﷺ -: اجلس، وصعد على منكبي، فذهبت لأنهض به، فرأى مني ضعفًا، فنزل وجلس لي رسول الله - ﷺ - فقال: اصعد على منكبي. قال: فنهض بي، قال: فإنه يخيل إليَّ أني لو شئت لنلت أفق السماء، حتى صعدت على البيت، وعليه تمثال صفر أو نحاس، فجعلت أزاوله عن يمينه وعن شماله وبين يديه ومن خلفه، حتى استمكنت منه، فقال لي رسول الله: - ﷺ - اقذف به، فقذفت به، فتكسر كما تتكسر القوارير، ثم نزلت، فانطلقت أنا ورسول الله - ﷺ - نستبق، حتى توارينا بالبيوت، خشية أن يلقانا أحد من الناس).
وفي رواية: (كان على الكعبة أصنام، فذهبت أحمل النبي - ﷺ - فلم أستطع، فحملني فجعلت أقطعها، ولو شئت لنلت السماء).
وزاد البزار (بعد قوله حتى استترنا بالبيوت، فلم يوضع عليها بعد يعني شيئًا من تلك الأصنام) (٢).
٩١ - من حديث أسامة بن زيد - ﵄ - قال: (دخلت مع رسول الله - ﷺ - الكعبة، فرأى فيها تصاوير، فقال لي: ابتغ لي ماء، فأتيته بماء في دلو، فجعل يبل به الثوب، ثم يضرب به الصور، يقول: قاتل الله أقوامًا يصورون ما لا يخلقون) (٣).
_________________
(١) المطالب العالية: ٤٢٧٥: وعزاه لإسحاق بن راهويه وقال الحافظ: إسناده صحيح، وتابعه البوصيري.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٣ رواه أحمد وابنه وأبو يعلى والبزار ورجال الجميع ثقات. انظر مسند أحمد: ١/ ٨٤ وزوائد المسند: ١/ ١٥١ وأبو يعلى: ٢٩٢.
(٣) المطالب العالية: ٤٢٧٦ وعزاه لإسحاق بن راهويه، وقال الحافظ: وإسناده حسن.
[ ٧٢ ]
الفصل الخامس الهجرة إلى الحبشة
٩٢ - من حديث عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: (بعثنا رسول الله - ﷺ - إلى النجاشي، ونحن نحوًا من ثمانين رجلًا، فيهم عبد الله بن مسعود، وجعفر، وعبد الله بن عرفطة، وعثمان بن مظعون، وأبو موسى، فأتوا النجاشي) (١).
٩٣ - ومن حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة عن أمه ليلى قالت: "كان عمر ابن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة، فأتى عمر بن الخطاب، وأنا على بعيري، وأنا أريد أن أتوجه، فقال: أين أم عبد الله؟ فقلت: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى، فقال: صحبكم الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة فأخبرته بما رأيت من رقة عمر، فقال: ترجين أن يسلم؟ والله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب" (٢).
٩٤ - من حديث أم سلمة ابنة أبي أمية بن المغيرة زوج النبي - ﷺ - قالت: "لما نزلنا أرض الحبشة جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله وحده، لا نؤذى، ولا نسمع شيئًا نكرهه، فلما بلغ ذلك قريشًا، ائتمروا أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا النجاشي هدايا ما يستطرف من متاع مكة، وكان أعجب ما يأتيه منها الأدم، فجمعوا له أدمًا كثيرًا، ولم يتركوا من بطارقته بطريقًا إلا أهدوا له هدية، وبعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، وأمروهما أمرهم، وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا
_________________
(١) الفتح الرباني ٢٠/ ٢٢٤ - ٢٢٥، وقال الهيثمي: ٦/ ٢٤: رواه الطبرني وفيه حديج بن معاويه وثقه أبو حاتم وقال في بعض حديثه ضعف وضعفه ابن معين وغيره وبقية رجاله ثقات وقال الحافظ في التقريب: ١/ ١٥٦ صدوق يخطيء- وقال ابن كثير في السيرة:٢/ ١٠ - ١١ وعزاه للإمام أحمد وقال: هذا إسناد جيد قوي وسياق حسن، انظر مسند أحمد: ١/ ٤٦١.
(٢) قال الهيثمي: ٦/ ٢٤ رواه الطبراني، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع فهو صحيح. والبطريق: الحاذق بالحرب وأمورها بلغة الروم، وهو ذو نصب عندهم.
[ ٧٣ ]
للنجاشي هداياه، ثم اسألوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم.
قالت: فخرجا، فقدما على النجاشي، ثم قالا: لكل بطريق منهم: إنه قد ضوى إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينكم، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم ليردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه أن يسلمهم إلينا، ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم.
فقالوا لهما: نعمًا، ثم قربوا هداياهم إلى النجاشي، فقبلها منهم، ثم كلماه.
فقالوا له: أيها الملك، قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأبنائهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فلهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، وعايبوهم فيه.
ولم يكن أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامهم.
فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك قومهم أعلم بهم عيبًا، وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهم، فليردهم إلى بلادهم وقومهم.
فغضب النجاشي وقال: لا هيم الله إذ لا أسلمهم إليهما ولا أكاد، قومًا جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَنْ سواي، حتى أدعوهم فأسالهم عما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما، ورددتهم إلى قومهم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما، وأحتسب جوارهم ما جاوروني.
قالت: ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله - ﷺ - فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا فقالوا: بعضهم لبعض ما تقولون في الرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما علمنا، وما أمرنا به نبينا - ﷺ - كائن في ذلك ما هو كائن، فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته، فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم: فقال: ما هذا الدين الذي قد فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من هذه الأمم؟
قالت: وكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب - ﵁ -، قال: أيها الملك، كنا قومًا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش،
[ ٧٤ ]
ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولًا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله -﷿- لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دون الله من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وشهادة الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله لا نشرك به شيئًا، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة.
قالت: فعدد عليه أمور الإِسلام، فصدقناه وآمنا به، واتبعناه على ما جاء به، فعبدنا الله وحده لا نشرك به شيئًا، وحرمنا ما حرم علينا، وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا، فعذبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله -﷿-، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا، وظلمونا وضيقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك.
قال: فقال النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟
قالت: فقال له جعفر: نعم قالت: فقال له النجاشي: فاقرأه، فقرأ عليه صدرًا من (كهيعص) قالت: فبكى النجاشي، حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلي عليهم.
ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، فوالله لا أسلمهم إليكم، ولا أكاد".
قالت أم سلمة: فلما خرجا من عنده، قال: عمرو بن العاص: والله لأتينه غدًا أعيبهم عنده بما أستاصل به خضراءهم.
فقال له عبد الله بن أبي ربيعة وكان أتقى الرجلين فينا: لا تفعل، فإن لهم أرحامًا، وإن كانوا قد خالفونا.
قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى بن مريم - ﵇ - عبد.
قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى بن مريم قولًا عظيمًا، فأرسل إليهم فسلهم عما يقولون فيه.
[ ٧٥ ]
قالت: فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، واجتمع القوم، فقال بعضهم لبعض، ما تقولون في عيسى بن مريم؟ فقال جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا - ﷺ -، هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
قال: فضرب النجاشي بيده إلى الأرض، فأخذ منها عودًا، ثم قال: ما عدا عيسى بن مريم ما قلت هذا العود، فتناخرت بطارقة حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي -والسيوم الآمنون- من سبكم غرم، ثم من سبكم غرم، ثم من سَبكُم غرم، ما أحب أن لي دبرًا ذهبًا وإني آذيت رجلًا، "والدبر: بلسان الحبشة: الجبل" ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لي منهما، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد عليَّ ملكي، فآخذ فيه الرشوة، وما أطاع الناس فيَّ فأطيعهم فيه.
فخرجا من عنده مقبوحين مردودًا عليهما ما جاءا به، وأقمنا عنده في خير دار مع خير جار.
فوالله إنه لعلى ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، قالت: والله ما علمنا حزنًا قط كان أشد من حزن حزناه عند ذلك، تخوفًا أن يظهر ذلك على النجاشي، فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف.
قالت: وسار النجاشي، وبينهما عرض النيل، قالت: فقال: أصحاب رسول الله - ﷺ - مَنْ رجل يخرج حتى يحضر وقيعة القوم ثم يأتينا؟ فقال: الزبير بن العوام: أنا. قالت: وكان من أحدث القوم سنًّا. قالت: فنفخوا له قربة، فجعلوها في صدره، فسبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم.
قالت: ودعونا - الله ﷿ - للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين في بلاده، واستوسق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل حتى قدمنا على رسول الله - ﷺ - وهو بمكة" (١).
_________________
(١) رواه أحمد: ٥/ ٢٩٠، ١/ ٢٠٢ - ٢٩٢ من طريق ابن إسحاق بسند صحيح عن زوجة رسول الله - ﷺ -، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٤ - ٢٧ "رواه أحمد، ورجاله رجال الصحيح غير ابن إسحاق، وقد صرح بالسماع". فالحديث بهذا صحيح، وأخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٣٤٤ وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١١٥ وسنده صحيح، وقد صححه أحمد شاكر في تعليقه على المسند، حديث رقم: ١٧٤٠ =
[ ٧٦ ]
وقد جاء عند أبي نعيم في الدلائل، أن قريشًا بعثت إلى النجاشي في أمر المهاجرين مرتين.
الأولى: مع عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، والثانية: مع عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة، وكانت البعثة الثانية بعد وقعة بدر، قال الزهري: لينالوا من هناك ثأرًا، فلم يجبهم النجاشي - ﵁ - إلى شيء مما سألوا.
فالبعثة الثانية: هي ما جاء في حديث أم سلمة الطويل السابق، وهي بعثة عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة.
والبعثة الأولى: هي ما جاء في حديث أبي موسى الأشعري اللاحق، وهي بعثة عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد.
٩٥ - من حديث أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: (أمرنا رسول الله - ﷺ - أن ننطلق مع جعفر بن أبي طالب إلى النجاشي، فبلغ ذلك قريشًا، فبعثوا عمرو بن العاص وعمارة بن الوليد، وجمعا للنجاشي هدية، وقدما على النجاشي فأتياه بالهدية فقبلها وسجدا له، ثم قال عمرو بن العاص: إن ناسًا من أرضنا رغبوا عن ديننا وهم في أرضك، فقال لهم النجاشي: في أرضي قالوا: نعم. فبعث إلينا، فقال لنا جعفر: لا يتكلم أحد منكم أنا خطيبكم اليوم.
فانتهينا إلى النجاشي وهو جالس في مجلس وعمرو بن العاص عن يمينه وعمارة عن يساره والقسيسون والرهبان جلوس سماطين، وقد قال له عمرو وعمارة إنهم لا يسجدون لك، فلما انتهينا بدرنا من عنده من القسيسين والرهبان: اسجدوا للملك.
فقال جعفر: إنا لا نسجد إلا لله. قال له النجاشي: وما ذاك؟ قال إن الله بعث إلينا رسولًا، وهو الرسول الذي بشرنا به عيسى - ﵇ - ﴿مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فأمرنا أن نعبد الله ولا نشرك به شيئًا، وأمرنا أن نقيم الصلاة، وأن نؤتي الزكاة، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر.
فأعجب النجاشي قوله، فلما رأى ذلك عمرو قال: أصلح الله الملك، إنهم يخالفونك في ابن مريم. فقال النجاشي: ما يقول صاحبكم في ابن مريم؟ قال:
_________________
(١) = والطيالسي: ٢/ ٨٩ - ٩٠.
[ ٧٧ ]
يقول فيه قول الله، هو روح الله وكلمته، أخرجه من العذراء البتول التي لم يقربها بشر، ولم يفترضها ولد.
فتناول النجاشي عودًا من الأرض فرفعه فقال: يا معشر القسيسين والرهبان، ما يزيد هؤلاء على ما يقولون في ابن مريم ما يزن هذه، مرحبًا بكم وبمن جئتم من عنده، وأشهد أنه رسول الله، وأنه الذي بشر به عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتى أقبل نعليه، امكثوا في أرضي ما شئتم، وأمر لنا بطعام وكسوة.
وقال: ردوا على هذين هديتهما، وكان عمرو بن العاص رجلًا قصيرًا؛ وكان عمارة رجلًا جميلًا، وكانا أقبلا إلى النجاشي فشربوا -يعني خمرًا- ومع عمرو بن العاص امرأته، فلما شربوا من الخمر قال عمارة لعمرو: مر امرأتك فلتُقَبِّلني فقال له عمرو: ألا تستحي، فأخذ عمارة عمرًا فرمى به في البحر، فجعل عمرو يناشد عمارة حتى أدخله السفينة، فحقد عمرو على ذلك، فقال عمرو للنجاشي: إنك إذا خرجت خلفت عمارة في أهلك، فدعا النجاشي عمارة فنفخ في إحليله فطار مع الوحش) (١).
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٠ - ٣١ قلت: روى أبو داود منه مقدار سطر في الجنائز - رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح.
[ ٧٨ ]
الفصل السادس وقائع مهمة بين الهجرة إلى الحبشة والإسراء
المبحث الأول: إسلام عمر بن الخطاب
دعاء النبي لعمر بن الخطاب قبل إسلامه وقصة إسلامه:
شدته على المسلمين قبل الإِسلام
٩٦ - من حديث سعيد بن زيد - ﵁ - قال:
(والله! لقد رأيتني وأن عمر - ﵁ - لموثقي على الإِسلام، قبل أن يسلم عمر - ﵁ -) وفي رواية أخرى (لو رأيتني موثقي عمر على الإِسلام أنا وأخته وما أسلم) (١).
٩٧ - عن ابن عمر - ﵄ - قال: إن رسول الله - ﷺ - قال:
(اللهم أعز الإِسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل أو بعمر بن الخطاب، فكان أحبهما إلى الله -﷿- عمر بن الخطاب) (٢).
دعاء النبي لعمر بعد إسلامه:
٩٨ - عن ابن عمر - ﵄ -: أن رسول الله - ﷺ - ضرب صدر عمر بيده من أسلم ثلاث مرات وهو يقول:
(اللهم أخرج ما في صدر عمر من غل وأبدله إيمانًا) يقول ذلك ثلاث مرات (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب إسلام سيد بن زيد وباب إسلام عمر بن الخطاب رقم: ٣٨٦٢، ٣٨٦٧ فتح الباري: ٧/ ١٧٧، ١٧٩.
(٢) أخرجه أحمد انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٣٠ والمسند:٢/ ٩٥، الترمذي: ٣٦٨٢ - ٣٦٨٤ المناقب باب اللهم أعز الإِسلام بأبي جهل أو بعمر، ابن ماجه المقدمة: باب فضائل الصحابة: رقم ١٠٥، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢١٥ - ٢١٦، وقال الترمذي حسن صحيح غريب من حديث ابن عمر، ورواه ابن سعد في الطبقات ٣/ ٢٦٧، الحاكم في المستدرك: ٣/ ٨٣ وقال صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي وذكره الحافظ في الفتح: صححه ابن حبان برقم:٦٨٤٢.
(٣) قال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٦٥ رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات.
[ ٧٩ ]
٩٩ - ومن حديث شريح بن عبيد قال: قال عمر بن الخطاب:
خرجت أبغي رسول الله - ﷺ - قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال فقرأ ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾ قلت كاهن قال ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ إلى آخر السورة، قال فوقع الإِسلام من قلبي كل موقع) (١).
قلت: وأما الروايات الأخرى في قصة إسلام عمر فلم أجد فيها رواية صحيحة غير مطعون فيها، فمنها الشاذ والمنكر، ومنها ما في إسنادها ضعفاء وغير ذلك، وهذه الرواية التي ذكرت أقرب الروايات إلى الصحة، ومع ذلك فهي مرسلة وإسنادها كل رجاله ثقات وشريح بن عبيد الذي أرسل هذه القصة ثقة كما جاء في ترجمته في (تهذيب التهذيب، والتقريب) (٢).
عمر يشهر إسلامه والعاص يجيره من أذى قريش
١٠٠ - من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - قال:
(لما أسلم عمر قال: أي قريش أنقل للحديث؟ فقيل له: جميل بن معمر الجمحي، فغدا عليه. قال عبد الله: وغدوت أتبع أثره وأنظر ما يفعل، وأنا غلام أعقل كل ما رأيت.
حتى جاءه فقال له: أعلمت يا جميل أني أسلمت، ودخلت في دين محمَّد - ﷺ -؟
قال: فوالله ما راجعه حتى قام يجر رداءه، واتبعه عمر، واتبعته أنا، حتى إذا قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، وهم في أنديتهم حول الكعبة. ألا أن ابن الخطاب قد صبا.
قال: يقول عمر من خلفه: كذب، ولكني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله
_________________
(١) قال الهيثمي: ٩/ ٦٢: رواه الطبراني في الأوسط ورجاله ثقات إلا أن شريح بن عبيد لم يدرك عمر أحمد في المسند.
(٢) التقريب: ١/ ٣٤٩ التهذيب: ٤/ ٣٢٨.
[ ٨٠ ]
إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وثاروا إليه، فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رؤوسهم، قال: وطلع فقعد، وقاموا على رأسه وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا.
قال: فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخ من قريش عليه حلة حبرة وقميص موشى، حتى وقف عليهم. فقال: ما شأنكم به؟ فقالوا: صبأ عمر.
قال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا فما تريدون؟ أترون بني عدي يسلمون لكم صاحبكم هكذا؟ خلوا عن الرجل.
قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه. قال: فقلت لأبي بعد أن هاجر إلى المدينة: يا أبت، من الرجل الذي زجر القوم عنك بمكة يوم أسلمت وهم يقاتلونك. قال: ذاك أي بني، العاص بن وائل السهمي) (١).
١٠١ - عن ابن عمر - ﵄ - قال: (لما أسلم عمر اجتمع الناس إليه عند داره وقالوا: صبأ عمر وأنا غلام فوق ظهر بيتي، فجاء رجل عليه قباء من ديباج، فقال: صبأ عمر فما ذاك فأنا له جار، قال: فرأيت الناس تصدعوا عنه. فقلت: من هذا؟ قالوا: هذا العاص بن وائل) (٢).
عزة المسلمين بإسلام عمر - ﵁ -:
١٠٢ - من حديث ابن مسعود - ﵁ -: قال:
(ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر بن الخطاب - ﵁ -) (٣).
_________________
(١) أخرجه عبد الله بن أحمد في زيادته على فضائل الصحابة: ٣٧٢، وابن حبان كما في الإحسان رقم: ٦٨٤٠، وابن هشام في السيرة: ١/ ٣٧٣ - ٣٧٤، وأخرجه مختصرًا كل من البزار رقم: ٢٤٩٤، والحاكم: ٣/ ٨٥، وصححه ووافقه الذهبي. وانظر السيرة النبوية الذهبي: ص ١٠٤، ١٠٥ وقال: رواه ابن حبان في صحيحه: ٦٨٧٩ من حديث جرير بن حازم عن ابن إسحاق، ابن كثير في سيرته:٢/ ٣٨ - ٣٩ وقال: وهذا إسناد جيد قوي وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٦٥ رواه البزار والطبراني باختصار، ورجاله ثقات إلا أن ابن إسحاق مدلس، قلت وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث وإسناده صحيح. * طلح: تعب وأعيي.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب إسلام عمر بن الخطاب رقم: ٣٨٦٤، ٣٨٦٥، فتح الباري: ٧/ ١٧٧.
(٣) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب مناقب عمر رقم: ٣٦٨٤ فتح الباري:٧/ ٤١ مناقب الأنصار =
[ ٨١ ]
المبحث الثاني: المقاطعة
١٠٣ - من حديث أسامة بن زيد - ﵄ - قال:
قلت يا رسول الله أين تنزل غدًا؟ في حجته قال: وهل ترك لنا عقيل منزلًا، ثم قال: نحن نازلون غدًا -إن شاء الله بخيف بني كنانة (يعني المحصب) حيث قاسمت قريش على الكفر، وذلك أن بني كنانة حالفت قريشًا علي بني هاشم، أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم ولا يؤوهم، ثم قال عند ذلك: (لا يرث الكافر المسلم ولا المسلم الكافر) واللفظ لأحمد.
قال الزهري: الخيف: الوادي (١).
١٠٤ - ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - قال:
"قال لنا رسول الله - ﷺ - ونحن بمنى (نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة،
حيث تقاسموا على الكفر) وذلك إن قريشًا وبني كنانة تحالفت علي بني هاشم وبني المطلب، أن لا يناكحوهم، ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم رسول الله - ﷺ -، يعني بذلك المحصب) (٢).
وقال الحافظ في الفتح: (٧/ ١٩٣) ولما لم يثبت عند الإِمام البخاري شيء من هذه القصة اكتفى بإيراد حديث أبي هريرة لأن فيه دلالة على أصل القصة، لأن الذي أورده أهل المغازي من ذلك كالشرح لقوله في الحديث (تقاسموا على الكفر) (٣).
_________________
(١) = باب إسلام عمر رقم: ٣٨٦٣ فتح الباري: ٧/ ١٧٧ ابن أبي شيبة: ١٢/ ٢٢، وابن سعد: ٣/ ٢٧٠، والطبراني في الكبير:٨٨٢١، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٢١٥، وأبو نعيم في الحلية: ٨/ ٢١١ والحاكم: ٣/ ٨٤، وابن حبان رقم:٦٨٤١".
(٢) أخرجه البخاري في الفرائض باب لا يرث المسلم الكافر رقم: ٦٧٦٤ فتح الباري: ١٢/ ٥٠ مسلم الفرائض: ١٦١٤ أول كتاب الفرائض، أبو داود: ٢٩٠٩كتاب الفرائض باب هل يرث المسلم الكافر، الترمذي كتاب الفرائض باب ما جاء في إبطال الميراث بين المسلم والكافر: ٢١٠٧، ابن ماجه كتاب الفرائض حديث: ٢٧٢٩،٢٧٣٠ والدارمي: ٢/ ٣٧٠ أحمد:٥/ ٢٠٠، ٢٠٢، ٢٠٨، ٢٠٩.
(٣) أخرجه البخاري في الحج باب نزول النبي مكة رقم: ١٥٨٩،١٥٩٠، فتح الباري: ٣/ ٢٥٢ وفي مناقب الأنصار باب تقاسم المشركين على النبي رقم:٣٨٨٢، فتح الباري: ٧/ ١٩٢، مسلم كتاب الحج باب استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة فيه رقم: ١٣١٤.
(٤) أخرجه البخاري في الحج باب نزول النبي مكة رقم: ١٥٨٩، ١٥٩٠ فتح الباري:٣/ ٢٥٢، وفي مناقب الأنصار باب تقاسم المشركين على النبي رقم:٣٨٨٢ فتح الباري: ٧/ ١٩٢، مسلم كتاب الحج باب =
[ ٨٢ ]
المبحث الثالث: انتقام الله لرسوله من المستهزئين
١٠٥ - من حديث ابن عباس - ﵄ - قال:
في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وأبو زمعة الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبد العزى، والحارث بن عيطل السهمي، والعاص بن وائل، فأتاه جبريل فشكاهم النبي - ﷺ - إليه، فأراه الوليد وأومأ جبريل إلى أبجله فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه الأسود فأومأ جبريل إلى عينه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته، ثم أراه أبا زمعة فأومأ إلى رأسه فقال: ما صنعت؟ قال: كفيته ثم أراه الحارث فأومأ إلى رأسه أو بطنه وقال: كفيته، ومر به العاص فأومأ إلى أخمصه وقال: كفيته.
فأما الوليد فمر برجل من خزاعة وهو يريش نبالًا، فأصاب أبجلة فقطعها، وأما الأسود فعمي، وأما ابن عبد يغوث فخرج في رأسه تروح فمات منها، وأما الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه حتى خرج خرؤه من فيه فمات منها، وأما العاص فدخل في رأسه شبرقة حتى امتلات فمات منها، وقال غيره: أنه ركب إلى الطائف حمارًا فربض به على شوكة، فدخلت في أخمصه فمات منها) (١).
صور من استهزاء المشركين بالنبي - ﵇ -
١٠٦ - من حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "إن العاص بن وائل أخذ عظمًا من البطحاء ففته بيده، ثم قال لرسول الله - ﷺ -: أيحيي الله هذا بعد ما أرم؟ فقال: رسول الله - ﷺ -: (نعم، يميتك الله ثم يحييك ثم يدخلك جهنم)
_________________
(١) = استحباب النزول بالمحصب يوم النفر والصلاة فيه: ١٣١٤.
(٢) الذهبي في السيرة النبوية: ص ١٤٣ وقال: حديث صحيح، السيرة النبوية ابن كثير: ٢/ ٨٥، ونسبه إلى البيهقي، وانظر الببهقي في الدلائل: ٢/ ٣١٦، وفي السنن: ٩/ ٨، ورجاله ثقات إلا عمر بن عبد الله بن رزين وهو صدوق. والأبجل: عرق في باطن الذراع وقيل هو عرق غليظ في الرجل فيما بين العصب والعظم. شبرقة: نبت حجازي له شوك.
[ ٨٣ ]
قال: ونزلت الآيات من آخر يس" (١).
١٠٧ - من حديث ابن عباس - ﵄ -:
(أن أبا معيط كان يجلس مع النبي - ﷺ - بمكة لا يؤذيه، وكان رجلًا سليمًا، وكان بقية قريش إذا جلسوا معه آذوه، وكان لأبي معيط خليل غائب عنه بالشام، فقالت قريش: صبأ أبو معيط، وقدم خليله من الشام ليلًا فقال لامرأته: ما فعل محمَّد مما كان عليه؟ فقالت: أشد مما كان أمر، فقال: ما فعل خليلي أبو معيط؟ فقالت: صبأ. فبات بليلة سوء، فلما أصبح أتاه أبو معيط فحياه فلم يرد عليه التحية.
فقال: ما لك لا ترد عليَّ تحيتي؟ فقال: كيف أرد عليك تحيتك وقد صبوت؟
فقال: أو قد فعلتها قريش؟ قال: فما يبرئ صدورهم إن أنا فعلت؟
فقال: تأتيه في مجلسه وتبزق في وجهه، وتشتمه بأخبث ما تعلمه من الشتم، ففعل فلم يزد النبي - ﷺ - أن مسح وجهه من البزاق، ثم التفت إليه فقال: إن وجدتك خارجًا من جبال مكة، أضرب عنقك صبرًا.
فلما كان يوم بدر وخرج أصحابه، أبي أن يخرج، فقال له أصحابه: اخرج معنا.
قال: قد وعدني هذا الرجل، إن وجدني خارجًا من جبال مكة أن يضرب عنقي صبرًا".
فقالوا: لك جمل أحمر، لا يُدرك، فلو كانت الهزيمة طرت عليه، فخرج معهم فلما هزم الله المشركين، وحَّل به جمله في جدد من الأرض. فأخذه رسول الله - ﷺ - أسيرًا في سبعين من قريش، وقدم إليه أبو معيط فقال: تقتلني من بين هؤلاء؟ قال: نعم بما بزقت في وجهي، فأنزل الله في أبي معيط ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا﴾ (٢).
_________________
(١) أخرجه الحاكم: ٢/ ٤٢٩ من طريق عمرو بن عون عن هُشيم وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقال ابن كثير في التفسير: ٣/ ٥٨١، أخرجه ابن أبي حاتم.
(٢) الدر المنثور: ٥/ ٦٨ وقال أخرجه ابن مردويه وأبو نعيم في الدلائل رقم: ٤٠١ بسند صحيح من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي رواية عبد الرزاق المرسلة- عقبة أبي معيط. والوحل: الطين الرقيق ووحل الرجل أي وقع في الوحل.
[ ٨٤ ]
المبحث الرابع: قصة الأعمى ابن أم مكتوم
١٠٨ - من حديث عائشة - ﵄ -: (أنزلت عبس وتولى في ابن أم مكتوم الأعمى، أتى رسول الله - ﷺ - فجعل يقول: يا رسول الله أرشدني، وعند رسول الله - ﷺ - رجل من عظماء المشركين، فجعل رسول الله - ﷺ - يعرض عنه، ويقبل على الآخر ويقول: ترى بما أقول بأسًا، ففي هذا نزلت ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾) (١).
المبحث الخامس: دعاء النبي - ﵇ - على قريش
١٠٩ - عن مسروق قال: قال عبد الله بن مسعود - ﵁ -:
(إنما كان هذا لأن قريشًا لما استعصوا على النبي - ﷺ - دعا عليهم بسنين كسنين يوسف، فأصابهم قحط وجهد حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾.
قال: فأتي رسول الله - ﷺ - فقيل: يا رسول الله: استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت، قال: (لمضر؟ إنك لجريء) فاستسقى فسقوا فنزلت ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾.
فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم، حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله -﷿- ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ﴾ قال يعني يوم بدر) (٢).
المبحث السادس: قصة الرهان بين أبي بكر وقريش
١١٠ - من حديث ابن عباس - ﵄ - في قوله تعالى ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ﴾ قال: غلبت وغُلبت، كان المشركون يحبون أن يظهر أهل فارس على الروم؛ لأنهم وإياهم أهل أوثان، وكان المسلمون يحبون أن يظهر الروم
_________________
(١) أخرجه الترمذي في تفسير القرآن ومن سورة عبس رقم: ٣٣٣١ وقال: حديث حسن غريب، وروى بعضهم هذا الحديث عن هشام بن عروة، عن أبيه، قال: نزل عبس وتولى في ابن أم مكتوم ولم يذكر عائشة، وقال العراقي في تخريج الأحياء: ٤/ ٢٤٤ رجاله رجال الصحيح، وابن حبان رقم: ١٧٦٩، وابن جرير تفسير: ٣٠/ ٥٠، والحاكم: ٢/ ٥٤ وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، فقد أرسله جماعه عن هشام بن عروة، قال الذهبي: وهو الصواب. وله شاهد من حديث أنس أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وأبو يعلى انظر في ذلك فتح القدير للشوكاني: ٥/ ٣٨٦.
(٢) أخرجه البخاري في التفسير سورة الدخان باب يغشى الناس هذا عذاب أليم رقم: ٤٨٢١، ٤٨٢٢ فتح الباري ٨/ ٥٧١، ٥٧٢، مسلم كتاب صفات المنافقين وأحكامهم باب الدخان رقم: ٢٧٩٨، أحمد:١/ ٣٨١. والسنة: الجدب والقحط.
[ ٨٥ ]
على فارس لأنهم أهل كتاب، فذكروه لأبي بكر، فذكره أبو بكر لرسول الله - ﷺ - وقال: أما أنهم سيغلبون، فذكره أبو بكر لهم، فقالوا: اجعل بيننا وبينك أجلًا، فإن ظهرنا كان لنا كذا وكذا، وإن ظهرتم كان لكم كذا وكذا، فجعل أجل خمس سنين فلم يظهروا. فذكر ذلك للنبي - ﷺ - قال: ألا جعلته إلى دون (قال) أراه العشر، قال أبو سعيد: والبضع ما دون العشر، قال: ثم ظهرت بعد. قال: فذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ﴾، إلى قوله ﴿يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ قال سفيان: سمعت أنهم ظهروا عليهم يوم بدر) (١).
المبحث السابع: وفاة أبي طالب
١١١ - من حديث المسيب - ﵁ - قال: "لما حضرت أبا طالب الوفاة، جاءه رسول الله - ﷺ - فوجد عنده أبا جهل، وعبد الله بن أبي أمية ابن المغيرة. فقال رسول الله - ﷺ - (يا عم قل لا إله إلا الله. كلمة أشهد لك بها عند الله).
فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب! ترغب عن ملة عبد المطلب! فلم يزل رسول الله - ﷺ - يعرضها عليه، ويعيد له تلك المقالة، حتى قال أبو طالب آخر ما كلمهم، هو على ملة عبد المطلب، وأبى أن يقول: لا إله إلا الله.
فقال رسول - ﷺ - (أما والله! لأستغفرن لك ما لم أنه عنك) فأنزل الله تعالى ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ﴾ (٢) وأنزل الله تعالى في أبي طالب فقال لرسول الله - ﷺ - ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (٣) (٤).
١١٢ - ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ - لعمه
_________________
(١) أخرجه الترمذي كتاب التفسير باب من سورة الروم حديث رقم: ٣١٩٣ وقال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح غريب إنما نعرفه من حديث سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة. قلت: وإسناد الترمذي رجاله رجال الصحيح.
(٢) سورة التوبة: ١١٣.
(٣) سورة القصص: ٥٦.
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب حديث رقم: ٣٨٨٤، فتح الباري:٧/ ١٩٣، مسلم كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم: ٢٤، النسائي: ٤/ ٩٠ - ٩١ الجنائز باب النهي عن الاستغفار للمشركين، أحمد:٥/ ٤٣٣ ابن جرير في التفسير: ١١/ ٤١.
[ ٨٦ ]
(قل لا إله إلا الله، أشهد لك بها يوم القيامة).
قال: لولا أن تعيرني قريش، يقولون: إنما حمله على ذلك الجزع، لأقررت بها عينك، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ (١) (٢).
١١٣ - ومن حديث علي بن أبي طالب: "أنه أتى النبي - ﷺ - فقال: إن أبا طالب مات فقال له - ﷺ -: (اذهب فواره). فقال: إنه مات مشركًا فقال: (اذهب فواره)، فلما واريته رجعت إلى النبي - ﷺ - فقال لي: (اغتسل) (٣).
مصير أبي طالب
١١٤ - ومن حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ -:
أنه سمع النبي - ﷺ - وذكر عنده عمه فقال: (لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه يغلي منه دماغه) (٤).
١١٥ - ومن حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ -:
قال للنبي - ﷺ -: ما أغنيت عن عمك فإنه كان يحوطك ويغضب لك؟ قال (هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار) (٥).
_________________
(١) سورة القصص: ٥٦.
(٢) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت حديث رقم: ٢٥، الترمذي في كتاب التفسير باب ومن سورة القصص حديث رقم: ٣١٨٨ وقال حسن غريب لا نعرفه إلا من حديث، يزيد بن كيسان، أحمد: ٢/ ٤٤١ ابن خزيمة: ٣٤٣ - ٣٤٤ البيهقي في شعب الإيمان: ١/ ١٠٦ رقم: ٩١.
(٣) أخرجه أحمد:١/ ٩٥، ١٠٣، ١٣٠، ١٣١ أبو داود رقم:٣٢١٤ الجنائز باب الرجل يموت له قرابة مشرك، النسائي في الطهارة باب الغسل من مواراة المشرك: ١/ ١١٠، الجنائز باب مواراة المشرك: ٤/ ٧٩ - ٨٠ - وقال الذهبي في السيرة النبوية: ١٥٠، هذا حديث حسن متصل. وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٣٥: أخرجه أحمد والنسائي وأبو بكر بن أبي شيبة والبزاز، والبيهقي. قال الحافظ رواته ثقات: وقال الساعاتي: وإن تكلم فيه بعضهم فكلامه لا يؤثر فقد قال: الشوكاني: ذكر الماوردي أن بعض أصحاب الحديث خرج هذا الحديث مائة وعشرين طريقًا. ولا يخفى أن كثرة الطرق تقوي الحديث الضعيف فما بالك بحديث رواته ثقات.
(٤) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب رقم:٣٨٨٥، فتح الباري: ٧/ ١٩٣ مسلم كتاب الإيمان باب شفاعة النبي لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه رقم: ٢١٠.
(٥) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب قصة أبي طالب رقم:٣٨٨٥ فتح الباري:٧/ ١٩٣، مسلم كتاب الإيمان باب شفاعة النبي لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه رقم: ٢٠٩.
[ ٨٧ ]
المبحث الثامن: وفاة خديجة وزواج الرسول بعائشة وسودة
١١٦ - من حديث هشام بن عروة عن أبيه قال:
(توفيت خديجة قبل مخرج النبي - ﷺ - إلى المدينة بثلاث سنين، فلبث سنتين أو قريبًا من ذلك، ونكح عائشة وهي بنت ست سنين، ثم بنى بها وهي بنت تسع سنين) (١).
١١٧ - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: "لما توفيت خديجة قالت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون: يا رسول الله ألا تزوج؟
قال: (نعم، فما عندك؟) قالت: بكر وثيب. البكر بنت أحب خلق الله إليك عائشة، والثيب سودة بنت زمعة.
فدخلت على أبي بكر فقال: إنما هي ابنة أخيه، قال: (قولي له أنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي فجاءه فأنكحه) ثم دخلت على سودة فقالت لها: أخبري أبي، فذكرت له فزوجه" (٢).
١١٨ - وقد جاء من سياق آخر أطول من حديث عائشة - ﵂ - قال أبو سلمة ويحيى: (لما هلكت خديجة جاءت خولة بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون فقالت: يا رسول الله ألا تزوج قال: (من؟) قالت: إن شئت بكرًا، وإن شئت ثيبًا".
قال: (فمن البكر؟) قالت: ابنة أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر.
قال: (ومن الثيب؟) قالت: سودة بنت زمعة قد آمنت بك واتبعتك.
قال: (فاذهبي فاذكريهما علي).
فدخلت بيت أبي بكر فقالت: يا أم رومان ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب تزويج النبي عائشة وقدومها المدينة، وبنائه بها رقم: ٣٨٩٦ فتح الباري: ٧/ ٢٢٣.
(٢) قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٢٥: رواه أحمد والطبراني: ٢٣/ ٢٣، رقم: ٥٧، وإسناد حسن. وانظر السيرة النبوية ابن كثير: ٢/ ١٤٢ - ١٤٣ - وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٥، رجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث.
[ ٨٨ ]
قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة قالت: انظري أبا بكر حتى يأتى.
فجاء أبو بكر فقلت: يا أبا بكر ماذا أدخل عليك من الخير والبركة! قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطب عليه عائشة. قال: وهل تصلح له؟ إنما هي ابنة أخيه.
فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فذكرت ذلك له قال: ارجعي إليه فقولي له:
(أنا أخوك، وأنت أخي في الإِسلام، وابنتك تصلح لي) فرجعت فذكرت ذلك له قال: انتظري، وخرج. قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد ذكرها على ابنه، ووالله ما وعد أبو بكر وعدًا فأخلفه.
فدخل أبو بكر - ﵁ - على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الصبي فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصبئ صاحبنا تدخله في دينك الذي أنت عليه أن تزوج إليك؟.
فقال أبو بكر للمطعم بن عدي: "أقول هذه تقول!
قال: إنها تقول ذلك. فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعد.
فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله - ﷺ -، فدعته فزوجها إياه، وعائشة يومئذ بنت ست سنين.
ثم خرجت فدخلت على سودة بنت زمعة فقالت: ما أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله - ﷺ - أخطبك إليه.
قالت: وددت، ادخلي إلى أبي فاذكري ذلك له. وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السنن قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية.
فقال: من هذه؟ قالت: خولة بنت حكيم. قال: فما شأنك؟
قالت: أرسلني محمَّد بن عبد الله أخطب عليه سودة.
فقال: كفء كريم، ما تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذلك. قال: ادعيها
[ ٨٩ ]
إلي.
فدعتها قال: أي بنيه، إن هذه تزعم أن محمَّد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم. قال ادعيه لي، فجاء رسول الله - ﷺ - فزوجها إياه.
فجاء أخوها عبد بن زمعة من الحج، فجاء يحثي على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب، أن تزوج رسول الله - ﷺ - سودة بنت زمعة.
قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحارث بن الخزرج في السنح.
قالت: فجاء رسول الله - ﷺ - فدخل بيتنا، واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء، فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين يرجح لي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة، ففرقتها ومست وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب، وإني لأنهج حتى سكن من نفسي، ثم دخلت بي، فهذا رسول الله - ﷺ - جالس على سرير في بيتنا، وعنده رجال ونساء من الأنصار فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك، فبارك الله لك فيهم، وبارك لهم فيك، فوثب الرجال والنساء فخرجوا، وبنى بي رسول الله في بيتنا ما نحرت جزور، ولا ذبحت علي شاة، حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله - ﷺ - إذا دار إلى نسائه، وأنا يومئذ ابنة تسع سنين" (١).
_________________
(١) أحمد في المسند: ٦/ ٢١٠،٢١١ وقال ابن كثير في سيرته: ٢/ ١٤٢ هذا السياق كأنه مرسل وهو متصل، وقال الذهبي في السيرة: ١٨٤، إسناده حسن. وقال الساعاتي في الفتح:٢٠/ ٢٣٧ - ٢٣٩، أورده الهيثمي وقال في الصحيح طرف منه رواه أحمد بعضه فيه الاتصال عن عائشة وأكثره مرسل وفيه محمَّد بن عمرو بن علقمة وثقه غير واحد ورجاله رجال الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري: ٧/ ١٧٦ إسناده حسن. وقال الهيثمي في المجمع: ٩/ ٢٢٥ رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير محمَّد بن عمرو بن علقمة وهو حسن الحديث. وأخرجه ابن سعد في الطبقات: ٨/ ٥٧.
[ ٩٠ ]
المبحث التاسع: رد أبي بكر وعثمان بن مظعون جوار من أجارهما من أهل الشرك
١١٩ - من حديث عائشة - ﵂ - قالت:
(لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا رسول الله - ﷺ - طرفي النهار: بكرة وعشية، فلما ابتلي المسلمون، فخرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى بلغ برك الغماد لقيه ابن الدُغنة وهو سيد القاره، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي، فأريد أن أسيح في الأرض، وأعبد ربي.
قال ابن الدغنة: فإن مثلك -يا أبا بكر- لا يَخرج، ولا يُخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق، فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع، وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يَخرج مثله، ولا يُخرج. أتخرجون رجلًا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟
فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر، فليعبد ربه في داره، فليصل فيها، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك، ولا يستعلن به، فأنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا.
فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته، ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدًا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم يعجبون منه، وينظرون إليه، وكان أبو بكر رجلًا بكاءً لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم، فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى ألا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمتك، فإنا قد كرهنا أن نخفرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان.
[ ٩١ ]
قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك، وإما أن ترجع إلى ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له.
فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله، ﷿ (١).
وقد كان عثمان بن مظعون - ﵁ - فيمن رجع من مؤمني قريش الذين هاجروا إلى الحبشة فلم يستطع دخول مكة لاشتداد المشركين فيها على من آمن بالإِسلام، فدخل في جوار الوليد بن المغيرة، فلم يستطع أحد إيذاءه.
١٢٠ - من حديث ابن إسحاق قال: حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن ابن عوف عمن حدثه عن عثمان قال:
"لما رأى عثمان بن مظعون ما فيه أصحاب رسول الله - ﷺ - من النبلاء، وهو يغدو ويروح في أمان من الوليد بن المغيرة، قال: والله إن غدوي ورواحي آمنًا بجوار رجل من أهل الشرك، وأصحابي وأهل ديني يلقون من البلاء والأذى في الله ما لا يصيبني لنقص كبير في نفسي.
فمشى إلى الوليد بن المغيرة، فقال له: يا أبا عبد شمس، وفت ذمتك، قد رددت إليك جوارك، فقال له: لم يا ابن أخي؟ لعله آذاك أحد من قومي، قال: لا، ولكني أرضى بجوار الله، ولا أريد أن أستجير بغيره.
قال: فانطلق إلى المسجد، فاردد علي جواري علانية كما أجرتك علانية.
قال: فانطلقا فخرجا حتى أتيا المسجد فقال الوليد: هذا عثمان قد جاء يرد علي جواري، قال: صدق، قد وجدته وفيًّا كريم الجوار، ولكني قد أحببت أن لا أستجير بغير الله، فقد رددت عليه جواره، ثم انصرف عثمان، ولبيد بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب في مجلس من قريش ينشدهم فجلس معهم عثمان، فقال لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل.
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة رقم: ٣٩٠٥، فتح الباري: ٧/ ٢٣٠ - ٢٣١ وعبد الرزاق في المصنف: ٩٧٤٣ والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٧١ - ٤٧٢ وأحمد في المسند: ٦/ ٣٤٦ وابن سعد في الطبقات: ٨/ ٢٥٠ والطبري في تاريخه: ٢/ ٣٧٥ - ٣٧٨.
[ ٩٢ ]
قال عثمان: صدقت. قال لبيد: وكل نعيم لا محالة زائل.
قال عثمان: كذبت نعيم الجنة لا يزول. قال لبيد بن ربيعة: يا معشر قريش، والله ما كان يؤذى جليسكم فمتى حدث هذا فيكم؟
فقال رجل من القوم: إن هذا سفيه في سفهاء معه، قد فارقوا ديننا، فلا تجدن في نفسك من قوله، فرد عليه عثمان حتى شري أمرهما، فقام إليه ذلك الرجل فلطم عينه فخضرها، والوليد بن المغيرة قريب يرى ما بلغ من عثمان، فقال: أما والله يا ابن أخي إن كانت عينك عما أصابها لغنية، لقد كنت في ذمة منيعة، قال: يقول عثمان: بل والله إن عيني الصحيحة لفقيرة إلى مثل ما أصاب أختها في الله، وإني لفي جوار من هو أعز منك وأقدر يا أبا عبد شمس، فقال له الوليد: هلم يا ابن أخي إن شئت فعد إلى جوارك، فقال: لا" (١).
١٢١ - ومن حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -:
(أصدق كلمة قالها شاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل، وكاد أمية بن أبي الصلت أن يسلم) (٢).
وقال الحافظ في الفتح معلقًا على هذا الحديث: وفي إيراد البخاري هذا الحديث في هذا الباب تلميح بما وقع لعثمان بن مظعون بسبب هذا البيت مع ناظمه لبيد بن ربيعة قبل إسلامه والنبي يومئذ بمكة وقريش في غاية الأذية للمسلمين".
ثم ذكر الحافظ رواية ابن إسحاق الآنفة الذكر عن صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٣٧٠ - ٣٧١ وقد صرح ابن إسحاق بالسماع وسنده منقطع وأخرجه أبو نعيم في الحلية: ١/ ١٠٣ - ١٠٤من طريق ابن إسحاق، وأخرجه البيهقي في الدلائل: ٢/ ٢٩٢ من طريق موسى بن عقبة والطبراني في الكبير: ٩/ ٢١ - ٢٤ مرسلًا، من طريق عروة وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٢ - ٣٤ وفيه ابن لهيعة. وصالح بن عبد الرحمن بن عوف، هو أبو عبد الرحمن المدني ثقه من الخامسة التقريب: ١/ ٣٥٨ شري: زاد وعظم.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب أيام الجاهلية رقم: ٣٨٤٩ فتح الباري: ٧/ ١٤٩، ومسلم في كتاب الشعر رقم: ٢٢٥٦، والترمذي في الأدب باب في إنشاد الشعر: ٢٨٤٩ وقال حسن صحيح، وابن ماجه في الأدب باب الشعر رقم: ٣٧٥٧، وأحمد: ٢/ ٢٤٨، ٢٩١، ٢٩٣، ٤٤٤، ٤٥٨،٤٧٠، ٤٨١.
(٣) الفتح: ٧/ ١٥٣.
[ ٩٣ ]
الفصل السابع الإسراء والمعراج وآياتهما
١٢٢ - من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (أتيت بالبراق "وهو دابة أبيض طويل فوق الحمار ودون البغل يضع حافره عند منتهى طرفه" قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس قال: فربطه بالحلقة (١) التي يربط بها الأنبياء. قال: ثم دخلت المسجد فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت فجاءني جبريل - ﵇ - بإناء من خمر وإناء من لبن فاخترت اللبن، فقال جبريل - ﵇ -: اخترت الفطرة (٢) (فذكر الحديث) (٣).
١٢٣ - من حديث مالك بن صعصعة - ﵁ - والذي رواه عنه أنس - ﵁ -: قال مالك: إن نبي الله - ﷺ - حدثهم عن ليلة أسري به، قال: (بينما أنا في الحطيم -وربما قال في الحجر- مضطجعًا إذ أتاني آت، فقد قال: وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود -وهو إلى جنبي-: "ما يعني به؟ " قال: "من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: (من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانًا، فغسل قلبي، ثم حشي، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض) فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟
قال أنس: نعم، يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه.
(فانطلق بي جبريل حتى أتيت السماء الدنيا فاستفتح. قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟
_________________
(١) الحلقة: المراد باب مسجد بيت المقدس.
(٢) الفطرة: الإِسلام، والاستقامة.
(٣) أخرجه مسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله وفرض الصلوات رقم الحديث: ١٦٢، وقد جاء اختيار النبي - ﵇ - من حديث أبي هريرة - ﵁ - عند البخاري في كتاب الأشربة باب شرب اللبن وفي الأنبياء باب هل أتاك حديث موسى، وصحيح مسلم الإيمان باب الإسراء برسول الله إلى السموات رقم: ١٦٨.
[ ٩٤ ]
قال: نعم. قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فهذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح.
ثم صعد لي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح: قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما. فسلمت، فردا، ثم قالا: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد لي إلى السماء الثالثة، فاستفتح: قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعبم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة فاستفتح: قيل: من هذا؟ قال: جبريل.
قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: أوقد أرسل إليه قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح فلما خلصت فهذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة فاستفتح: قيل: من هذا، قال: جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد - ﷺ -. قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت فإذا هارون، قال: هذا هارون، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح والنبي الصالح.
ثم صعد بي حتى أتى السماء السادسة فاستفتح: قيل: من هذا؟
قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟
قال: نعم، قال: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء. فلما خلصت: فهذا موسى، قال: هذا موسى فسلم عليه، فرد ثم قال: مرحبًا بالأخ الصالح، والنبي الصالح. فلما تجاوزت بكى. قيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممن يدخلها من أمتي.
[ ٩٥ ]
ثم صعد إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل: قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبًا به ونعم المجيء جاء، فلما خلصت فهذا إبراهيم، قال: هذا أبوك فسلم عليه، قال فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح والنبي الصالح.
ثم رفعت لي سدرة المنتهى فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذه سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار، نهران باطنان ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما الباطنان فنهران في الجنة، وأما الظاهران فالنيل والفرات.
ثم رفع لي البيت المعمور.
ثم أتيت بإناء من خمر، وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك.
ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بما أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم. قال: إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم، وإني والله قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فأرجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله فرجعت. فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى فقال مثله، فرجعت فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فرجعت فقال مثله، فرجعت فأمرت بخمس صلوات كل يوم.
فرجعت إلى موسى فقال: بما أمرت؟ قلت: أمرت بخمس صلوات كل يوم قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك.
قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكن أرضى وأسلم. قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي) (١).
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب في المعراج حديث رقم: ٣٨٨٧، فتح الباري: ٧/ ٢٠١ - ٢٠٢، مسلم في الصحيح كتاب الإيمان باب الإسراء حديث رقم: ١٦٤، أحمد في المسند: ٤/ ٢٠٨، ٢١٠، النسائي في الصلاة باب فرض الصلاة: ١/ ٢١٧.
[ ٩٦ ]
١٢٤ - من حديث أنس - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: (لما عرج بي إلى السماء بينما أنا أسير في الجنة إذ أنا بنهر حافتاه قباب الدر المجوف. قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعده ربك، فهذا طينه مسك أذفر) (١).
١٢٥ - ومن حديث سليمان الشيباني قال: سألت زرًّا عن قوله -﷿- ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ (٢). قال: أخبرنا عبد الله: أن محمدًا - ﷺ - رأى جبريل له ستمائة جناح (٣).
١٢٦ - من حديث عبد الله بن مسعود: قال: "لما أسري برسول الله - ﷺ - انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾، قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله - ﷺ - ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطي خواتم سورة البقرة، وغفر لمن لم يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات" (٤).
١٢٧ - من حديث ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إلا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾ (٥).
قال: هي رؤيا عين أريها رسول الله - ﷺ - ليلة أسري به إلى بيت المقدس قال: (والشجرة الملعونة في القرآن) قال: هي شجرة الزقوم.
وكانت حادثة الإسراء والمعراج قبل هجرته - ﵇ - بسنة" هكذا قال القاضي عياض في الشفا (٦) (٧).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الرقاق باب في الحوض رقم: ٦٥٨١ فتح الباري: ١١/ ٤٦٣ وفي التفسير سورة إنا أعطيناك الكوثر باب رقم: ٤٩٦٤ فتح الباري: ٨/ ٧٣١ أو الترمذي كتاب التفسير باب ومن سورة الكوثر رقم: ٣٣٦٠ وقال حسن صحيح.
(٢) سورة النجم: ٩.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير، تفسير سورة النجم باب قوله تعالى فأوحى إلى عبده ما أوحى، رقم: ٤٨٥٦، فتح الباري: ٨/ ٦١٠ ومسلم: ١٧٤.
(٤) أخرجه مسلم في كتاب الإيمان باب في ذكر سدرة المنتهى حديث رقم:١٧٣. والمقحمات: الذنوب العظام التي تقحم أصحابها في النار.
(٥) سورة الإسراء: ٦٠.
(٦) الشفا بحقوق المصطفى: ١/ ١٠٨.
(٧) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب في المعراج حديث رقم: ٣٨٨٨ فتح الباري: ٧/ ٢٠٢ - ٢٠٣.
[ ٩٧ ]
الفصل الثامن وقائع مهمة بين الإسراء والهجرة النبوية
المبحث الأول: ذهابه - ﵇ - إلى الطائف
١٢٨ - من حديث محمَّد بن كعب القرظي: قال: لما انتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف، عمد إلى نفر من ثقيف، هم يومئذ سادة ثقيف وأشرافهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عمرو بن عمير، ومسعود بن عمرو بن عمير، وحبيب بن عمرو بن عمير بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن ثقيف، وعند أحدهم امرأة من قريش من بني جمح، فجلس إليهم رسول الله - ﷺ - فدعاهم إلى الله، وكلمهم بما جاءهم له من نصرته على الإِسلام، والقيام على من خالفه من قومه، فقال له أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، وقال الآخر: أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك! وقال الثالث: والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله، ما ينبغي لي أن أكلمك.
فقام رسول الله - ﷺ - من عندهم وقد يئس من خير ثقيف، وقال لهم فيما ذكر لي: إذا فعلتم ما فعلتم فاكتموا عني، وكره رسول الله - ﷺ - أن يبلغ قومه عنه فيذئرهم ذلك عليه، فلم يفعلوا، وأغروا به سفهاءهم وعبيدهم، يسبونه ويصيحون به، حتى اجتمع عليه الناس، وألجؤوه إلى حائط لعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وهما فيه، ورجع عنه من سفهاء ثقيف من كان يتبعه، فعمد إلى ظل حبلة من عنب، فجلس فيه، وابنا ربيعة ينظران إليه، ويريان ما لقي من سفهاء أهل الطائف، وقد لقي رسول الله - ﷺ - فيما ذكر المرأة التي من بني جمح فقال لها: ماذا لقينا من أحمائك؟) (١).
_________________
(١) أخرج القصة بطولها ابن هشام: ١/ ٤١٩ والطبري في التاريخ: ٢/ ٣٤٤ - ٣٤٦ والطبراني كما في مجمع الزوائد: ٦/ ٣٥، بسند صحيح عن ابن إسحاق عن محمَّد بن كعب القرظي مرسلًا- مضافًا إليها قصة عداس وانكبابه على يدي الرسول بدون الدعاء فقد جاء بغير سند، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤١٥ - ٤١٧ من مرسل الزهري، فيتقوى به، وله شاهد من الحديث الذي يليه برقم: ١٢٩. ويذئرهم عليه: يثيرهم عليه ويجرئهم.
[ ٩٨ ]
١٢٩ - من حديث خالد العدواني: "أنه أبصر رسول الله - ﷺ - في مشرق ثقيف وهو قائم على قوس، أو عصا حين أتاهم يبتغي عندهم النصر، قال: فسمعته يقرأ: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ حتى ختمها، قال: فوعيتها في الجاهلية: وأنا مشرك، ثم قرأتها في الإِسلام قال: فدعتني ثقيف فقالوا: ماذا سمعت من هذا الرجل؟ فقرأتها عليهم، فقال من معهم من قريش: نحن أعلم بصاحبنا لو كنا نعلم ما يقول حقًّا لاتبعناه" (١).
التوجه إلى الله بالشكوى:
١٣٠ - من حديث عبد الله بن جعفر - ﵁ - قال: "لما توفي أبو طالب خرج النبي - ﷺ - إلى الطائف ماشيًا على قدميه، يدعوهم إلى الإِسلام فلم يجيبوه، فانصرف فأتى ظل شجرة فصلى ركعتين ثم قال:
(اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وهواني على الناس، أنت أرحم الراحمين، إلى من تكلني إلى عدو يتجهمني، أم إلى قريب ملكته أمري، إن لم تكن غضبان علي فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بوجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن ينزل بي غضبك، أو يحل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى ولا قوة إلا بالله) (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٣٣٥ وقال الساعاتي: ٢٠/ ٢٤٣ في الفتح: وسنده جيد. وقال الحافظ في الإصابة: ١/ ٤٠٢ رواه أحمد وابن أبي شيبة وابن خزيمة في صحيحه والطبراني رقم: ٤١٢٦، وابن شاهين فذكر الحديث وقال الهيثمي: ٧/ ١٣٦، رواه أحمد والطبراني وعبد الرحمن ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه أحد وبقية رجاله ثقات.
(٢) قال الهيمثي في المجمع: ٦/ ٣٥ رواه الطبراني وفيه ابن إسحاق مدلس ثقة وبقية رجاله ثقات، وأخرجه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي: ٢/ ٢٧٥ رقم: ١٨٣٩. وله شاهد في ذهابه إلى الطائف من الحديثين السابقين.
[ ٩٩ ]
المبحث الثاني: قصة عداس النصراني
من حديث محمَّد بن كعب القرظي السابق
قال: "فلما رآه ابنا ربيعة عتبة وشيبة، وما لقي، تحركت له رحمهما، فدعوا غلامًا لهما نصرانيًّا يقال له عداس، فقالا له: خذ قطفًا من هذا العنب، فضعه في هذا الطبق، ثم اذهب به إلى ذلك الرجل، فقل له يأكل منه، ففعل عداس، ثم أقبل به حتى وضعه بين يدي رسول الله - ﷺ - ثم قال له: كل.
فلما وضع رسول الله عليه وسلم فيه يده، قال: باسم الله، ثم أكل، فنظر عداس في وجهه، ثم قال: والله إن هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلاد، فقال له رسول الله - ﷺ -: ومن أهل أي البلاد أنت يا عداس؟ وما دينك؟ قال: نصراني، وأنا رجل من أهل نينوى.
فقال رسول الله - ﷺ -: من قرية الرجل الصالح يونس بن متى، فقال له عداس: وما يدريك ما يونس بن متى؟ فقال رسول الله - ﷺ -: ذاك أخي، كان نبيًّا وأنا نبي، فأكب عداس على رسول الله - ﷺ - يقبل رأسه ويديه وقدميه.
قال: يقول ابنا ربيعة أحدهما لصاحبه: أما غلامك فقد أفسده عليك. فلما جاءهما عداس قالا له: ويلك يا عداس! ما لك تقبل رأس هذا الرجل ويديه وقدميه؟ قال: يا سيدي ما في الأرض شيء خير من هذا، لقد أخبرني بأمر ما يعلمه إلا نبي، قالا له: ويحك يا عداس، لا يصرفنك عن دينك، فإن دينك خير من دينه".
شدة الأذى الذي لقيه - ﵇ - من أهل الطائف
١٣١ - من حديث عائشة - ﵂ - قالت: "قلت للنبي - ﷺ -: هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد؟
قال: نعم لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل فناداني، فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت منهم،
[ ١٠٠ ]
فناداني ملك الجبال، فسلم علي، ثم قال: يا محمَّد إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ قال: النبي - ﷺ - (بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده لا يشرك به شيئًا) (١).
المبحث الثالث: استماع الجن القرآن
١٣٢ - من حديث ابن عباس ﵄: قال: "ما قرأ رسول الله - ﷺ - على الجن وما رآهم، انطلق رسول الله - ﷺ - في طائفة من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطن وبين خبر السماء، وأرسلت عليها الشهب، فرجعت الشياطن إلى قومهم فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب.
قال: وما ذاك إلا من شيء حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها، فمر النفر الذين أخذوا نحو تهامة برسول الله - ﷺ - وهو بنخلة، وهو عامد إلى سوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له، وقالوا: هذا الذي حال بيننا وبين خبر السماء، فرجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرآنًا عجبًا يهدي إلى الرشد فآمنا به، فأوحى الله إلى نبيه ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٢) (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في كتاب بدء الخلق باب إذا قال أحدكم آمين والملائكة في السماء ووافقت إحداهما الأخرى رقم: ٣٢٣١ فتح الباري: ٦/ ٣١٢،٣١٣، مسلم في الصحيح كتاب الجهاد والسير باب ما لقي النبي - ﷺ - وأصحابه من أذى المشركين والمنافقين رقم: ١٧٩٥. الأخشبين: الأخشب من الجبال: الخشن الغليظ.
(٢) سورة الجن: ١.
(٣) أخرجه البخاري في التفسير باب سورة قل أوحي إلى حديث: ٤٩٢١، وفي الأذان باب الجهر بالقرآن في صلاة الفجر: ٧٣٣، مسلم في الصلاة باب الجهر بالقراءة في الصبح: ٤٤٩، والترمذي في التفسير باب ومن سورة الجن: ٣٣٤٠، وأحمد في المسند: ١/ ٢٧٤ وأبو يعلى: ٢٣٦٩ والطبري في التفسير: ٢٩/ ١٠٢.
[ ١٠١ ]
المبحث الرابع: عرض الرسول - ﷺ - نفسه على القبائل
من حديث ربيعة بن عباد الديلي:
وقد سبق ذكره رقم (٧٨)
١٣٣ - من حديث الحارث بن الحارث: قال: قلت لأبي: ما هذه الجماعة؟ قال: هؤلاء القوم الذين اجتمعوا على صابئ لهم، قال: فنزلنا فإذا رسول الله - ﷺ - يدعو الناس إلى توحيد الله -﷿- والإيمان، وهم يردون عليه ويؤذونه حتى انتصف النهار، وانصدع الناس عنه، أقبلت امرأة قد بدا نحرها، تحمل قدحًا ومنديلًا، فتناوله منها فشرب وتوضأ، ثم رفع رأسه فقال: يا بنية خمري عليك نحرك، ولا تخافي على أبيك، قلنا: من هذه؟ قالوا: هذه زينب بنته" (١).
١٣٤ - من حديث مدرك قال: "حججت مع أبي فلما نزلنا مني إذا نحن بجماعة فقلت لأبي: ما هذه الجماعة، قال: هذا الصابئ فإذا رسول الله - ﷺ - يقول: (يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا) (٢).
١٣٥ - عن رجل من بني مالك بن كنانة قال: رأيت رسول الله - ﷺ - بسوق ذي المجاز يتخللها يقول: (يا أيها الناس تولوا لا إله إلا الله تفلحوا)، قال: وأبو جهل يحثي عليه التراب ويقول: لا يغوينكم هذا عن دينكم، فإنما يريد لتتركوا آلهتكم، وتتركوا اللات والعزى، وما يلتفت إليه رسول الله - ﷺ - قلت: انعت لنا رسول الله - ﷺ - قال: بين بردين أحمرين، مربوع كثير اللحم، حسن الوجه، شديد سواد الشعر، أبيض شديد البياض، سابغ الشعر" (٣).
١٣٦ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: كان رسول الله - ﷺ - يعرض نفسه على الناس بالموقف فيقول: هل من رجل يحملني إلى قومه،
_________________
(١) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢١ رواه الطبراني ورجاله ثقات، انظر الطبراني في الكبير: ٣٣٧٢، ٢٢/ ٤٢٢، رقم: ١٠٥٢، والبخاري في التاريخ: ٢/ ٢٦٢ وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني رقم: ٢٤٠٣.
(٢) أخرجه الطبراني في الكبير: ٢٠/ ٣٤٣ رقم: ٨٠٦، وأبو نعيم في معرفة الصحابة: ٢/ ٢٠٨، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني: ٢٤٠٤، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢١ رواه الطبراني ورجاله ثقات.
(٣) أخرجه أحمد في المسند: ٤/ ٦٣، ٥/ ٣٧٢، وقال الساعاتي في الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٦٥ - ٢٦٦، سنده جيد. قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٢٢ رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح.
[ ١٠٢ ]
فإن قريشًا منعوني أن أبلغ كلام ربي، ﷿، فأتاه رجل من همذان فقال: ممن أنت؟ فقال الرجل: من همذان. فقال: هل عند قومك من منعة؟ قال: نعم، ثم إن الرجل خشي أن يخفره قومه. فأتى رسول الله - ﷺفقال: آتيهم أخبرهم، ثم آتيك من قابل، قال: نعم، فانطلق وجاء وفد الأنصار في رجب) (١).
قدوم الأنصار وعرض الإِسلام عليهم:
١٣٧ - من حديث محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل: قال:
"لما قدم أبو الحيسر أنس بن رافع مكة، ومعه فتية من بني عبد الأشهل، منهم إياس بن معاذ، يلتمسون الحلف من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسول الله - ﷺ -، فأتاهم فجلس إليهم فقال: هل لكم إلى خير مما جئتم إليه؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله بعثني إلى العباد، أدعوهم إلى أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا، وأنزل علي كتابًا ثم ذكر الإِسلام وتلا عليهم القرآن. قال: فقال إياس بن معاذ، وكان غلامًا حدثًا أي قومي، هذا والله خير مما جئتم إليه.
قال: فأخذ أبو الحيسر أنس بن رافع حفنة من البطحاء، فضرب بها وجه إياس بن معاذ، وقام رسول الله - ﷺ - وانصرفوا إلى المدينة، فكانت وقعة بعاث بين الأوس والخزرج، قال: ثم لم يلبث إياس بن معاذ أن هلك قال محمود بن لبيد: فأخبرني من حضره من قومي أنهم لم يزالوا يسمعونه يهلل الله ويكبره ويحمده ويسبحه حتى مات، فما كانوا يشكون أنه قد مات مسلمًا، لقد كان استشعر الإِسلام في ذلك المجلس، حين سمع من رسول الله - ﷺ - ما سمع" (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٢٢، ٣٣٩، أبو داود كتاب السنة باب في القرآن رقم الحديث: ٤٧٣٧، والترمذي فضائل القرآن باب: ٢٤ حديث رقم: ٢٩٢٥، وقال حديث غريب، ابن ماجه في المقدمة باب فيما أنكرت الجهمية رقم: ٢٠١، الدارمي ص: ٤٢٨، الحاكم: ٢/ ١١٣ وصححه على شرط سلم، وابن حبان في صحيحه: ١٦٨٦، موارد الظمآن، والبخاري في أفعال العباد ص: ٧٧ وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٥ رواه أحمد ورجاله ثقات.
(٢) أخرجه أحمد: ٥/ ٤٢٧، ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٢٧، ٤٢٨، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٣٦ رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات وسنده حسن، انظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٦٦، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٢٠ - ٤٢١، والطبري في التاريخ: ٢/ ٣٥٢ - ٣٥٣، جميعًا من طريق ابن إسحاق وقد صرح بالتحديث، وقال ابن حجر في الإصابة: ١/ ١٠٢ رواه جماعة عن ابن إسحاق هكذا وهو صحيح من حدثه.
[ ١٠٣ ]
المبحث الخامس: إسلام الأنصار واستجابتهم لله ولرسوله
١ - بدء إسلام الأنصار
١٣٨ - عن عائشة ﵂ قالت: "كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله - ﷺ -، فقدم رسول الله - ﷺ - وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم وجرحوا، فقدمه الله لرسوله - ﷺ - في دخولهم في الإِسلام" (١)
قال ابن إسحاق: (فلما أراد الله -﷿- إظهار دينه، وإعزاز نبيه - ﷺ -، وإنجاز موعده له، خرج رسول الله - ﷺ - في الموسم الذي لقيه فيه النفر من الأنصار، وهم فيما يزعمون ستة فيهم جابر بن عبد الله بن رئاب" (٢).
١٣٩ - قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قالوا: "لما لقيهم رسول الله - ﷺ - قال لهم: (من أنتم؟) قالوا: نفر من الخزرج قال: (أمن موالي يهود؟) قالوا: نعم قال: (أفلا تجلسون أكلمكم؟) قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى الله ﷿، وعرض عليهم الإِسلام وتلا عليهم القرآن.
قال: وكان مما صنع الله بهم في الإِسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عَزُّوهم ببلادهم (٣)، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًّا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم.
فلما كلم رسول الله - ﷺ - أولئك النفر ودعاهم إلى الله. قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه، فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإِسلام.
وقالوا: إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك، فسنقدم عليهم، فندعوهم إلى أمرك، ونعرض عليهم الذي
_________________
(١) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب مناقب الأنصار حديث رقم: ٣٧٧٧ فتح الباري: ٧/ ١١٠ أحمد في المسند: ٦/ ٦١ وانظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٦٧.
(٢) قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٤٢ رواه الطبراني ورجاله ثقات، السيرة النبوية: ٢/ ٨١.
(٣) عَزّوهم: معناه: غلبوهم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ﴾ (ص: آية ٢٣).
[ ١٠٤ ]
أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك. ثم انصرفوا عن رسول الله - ﷺ - راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا" (١).
٢ - بيعة العقبة الأولى
١٤٠ - من حديث عبادة بن الصامت ﵁ قال: (كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلًا فبايعنا رسول الله - ﷺ - على بيعة النساء، وذلك قبل أن يفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتي ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا، ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله إن شاء عذبكم، وإن شاء غفر لكم" (٢).
٣ - إرسال الرسول مصعبًا إلى المدينة وانتشار الإِسلام فيها
١٤١ - من طريق ابن إسحاق قال: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة: "أن رسول الله - ﷺ - إنما بعث مصعبًا حين كتبوا إليه أن يبعثه إليهم، وكان يصلي بهم، وذلك أن الأوس والخزرج كره بعضهم أن يؤمه بعض ﵃ أجمعين" (٣).
١٤٢ - قال ابن إسحاق: حدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقيب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل، ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان
_________________
(١) أخرجه ابن هشام في السيرة: ١/ ٤٢٨، ٤٢٩، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٣٣، ٤٣٥، وأبو نعيم في الدلائل رقم: ٣٢٣، وإسناده حسن رجاله ثقات، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، وابن كثير في السيرة: ٢/ ١٧٦ - ١٧٧، ورواه ابن سعد في الطبقات: ١/ ٢١٨ - ٢١٩، من طريق فيها الواقدي وأسامة بن زيد من غير طريق ابن إسحاق والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٣٣ - ٤٣٥ من طريق ابن إسحاق، ورواها الطبراني مرسلة وفي سندها ابن لهيعة وفيه ضعف، وهو حسن الحديث، وبقية الرجال ثقات انظر المجمع: ٦/ ٤٠ - ٤٢ ورواه أبو نعيم في الدلائل ص: ١٠٤.
(٢) أخرجه البخاري في مناقب الأنصار باب وفود الأنصار وبيعة العقبة رقم: ٣٨٩٣ فتح الباري: ٧/ ٢١٩، مسلم كتاب الحدود باب الحدود كفارات لأهلها رقم الحديث: ١٧٠٩، أحمد في المسند: ٥/ ٣٢٣، وانظر الفتح الرباني: ٢٠/ ٢٦٩، وابن هشام في السيرة: ١/ ٤٣٣ عن ابن إسحاق بسند صحيح، وابن كثير في السيرة: ٢/ ١٧٩، وانظر النسائي في البيعة باب البيعة على الجهاد: ٧/ ١٤١ - ١٤٢.
(٣) ابن كثير: ٢/ ١٨٠ ونسبه إلى البيهقي وسنده حسن رجاله ثقات، سيرة ابن هشام: ١/ ٤٣٤ - انظر دلائل النبوة للبيهقي: ٢/ ٤٣٧ - ٤٣٨. * عبد الله بن المغيرة بن معيقب؛ قال في التقريب: ١/ ٥٣٩ صدوق من الرابعة. عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: قال في التقريب: ١/ ٤٠٥ ثقة من الخامسة.
[ ١٠٥ ]
ابن امرئ القيس بن زبير بن عبد الأشهل ابن خالة أسعد ابن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر يقال لها: بئر مرق.
فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممن أسلم، وسعد بن معاذ وأسيد ابن حضير يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبالك، انطلق إلى هذين الرجين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وأنههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي ولا أجد عليه مقدمًا.
قال: فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما، فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه؛ قال مصعب: إن يجلس أكلمه.
قال: فوقف عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة. فقال له مصعب: أو تجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره، قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإِسلام وقرأ عليه القرآن، فقالا: فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم، في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام، وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟
قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي، فقام فاغتسل، وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه، وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا وقد نهيتهما فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك.
قال: فقام سعد مغضبًا مبادرًا، تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما
[ ١٠٦ ]
رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشمتًا، ثم قال لأسعد ابن زرارة: يا أبا أمامة، (أما والله) لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره -وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب، جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان- قال: فقال له مصعب: أو تقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره.
قال سعد: أنصفت، ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين؟ قالا: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه، ومعه أسيد بن حضير.
قال: فلما رآه قومه مقبلًا: قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل كيف تعلمون أمري فيكم؟
قالوا: سيدنا (وأوصلنا) وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة، قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
قالا: فوالله ما أمسى في دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام، حتى لم يتبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمه، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنهم كان فيهم أبو قيس ابن الأسلت، واسمه صيفي، وكان شاعرًا لهم قائدًا يستمعون فيه ويطيعونه فوقف بهم عن الإِسلام حتى كان بعد الخندق" (١).
_________________
(١) أخرجه ابن إسحاق في السيرة انظر سيرة ابن هشام: ١/ ٤٣٥ - ٤٣٧ والطبري في التاريخ: ٢/ ٣٥٧، ٣٥٩، وسنده حسن، وهو مرسل، وانظر ابن كثير في السيرة: ٢/ ١٨١ - ١٨٥، السيرة النبوية للذهبي: ١٩٨ - ٢٠٠، وقد جاء من طريق عروة بن الزبير في المجمع: ٦/ ٤٠ - ٤١ وقال الهيثمي: رواه الطبراني مرسلًا وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف وهو حسن الحديث وبقية رجاله ثقات، والبيهقي في الدلائل: ٢/ ٤٣٨ - ٤٤٠ من طريق موسى بن عقبة مرسلًا فيكون الحديث بمجموع هذه الطرق حسنًا.
[ ١٠٧ ]
٤ - بيعة العقبة الثانية
١٤٣ - من حديث جابر بن عبد الله ﵁ قال:
"مكث رسول الله - ﷺ - عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي الموسم بمنى يقول: من يؤويني، من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة، حتى إن الرجل ليخرج من اليمن أو من مصر كذا قال: فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش، لا يفتنك، وهو يمشي بين رحالهم، وهم يشيرون إليه بالأصابع، حتى بعثنا الله من يثرب فآويناه، وصدقناه، فيخرج الرجل منا فيؤمن به، ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه، حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين، يظهرون الإِسلام، ثم ائتمروا جميعًا.
فقلنا: حتى متى نترك رسول الله - ﷺ - يطرد في جبال مكة ويخاف. فرحل إليه سبعون رجلًا منا حتى قدموا عليه في الموسم، فواعدنا شعب العقبة، فاجتمعوا عندها من رجل ورجلين، حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله على ما نبايعك؟ قال: (تبايعوني على السمع والطاعة في المنشط والكسل، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن تقولوا لله، لا تخافوا في الله لومة لائم، وعلى أن أن تنصروني فتمنعوني، إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة) قال: فقمنا إليه فبايعناه.
وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب، فإنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم، وأن تعضكم السيوف، إما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وإما أنتم تخافون من أنفسكم خبيئة فتبينوا ذلك فهو أعذر لكم عند الله. قالوا: أمط عنا يا أسعد، فوالله لا ندع هذه البيعة أبدًا، ولا نسلبها أبدًا، فبايعناه فأخذ علينا، وشرط، ويعطينا على ذلك الجنة" (١).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٣٩٤،٣٢٩،٣٢٢ والبيهقي في السنن: ٩/ ٩، من طريق ابن خيثم عن أبي الزبير ورجاله ثقات، ابن حبان: ١٦٨٦، الحاكم: ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥ وصححه ووافقه الذهبي، كشف الأستار عن زوائد البزار: ١٧٥٦ ورجاله رجال الصحيح، قال الحافظ في الفتح: ٧/ ٢٢٠ رواه أحمد بإسناد حسن وصححه الحاكم، وقال ابن كثير في السيرة: ٢/ ١٩٦، هذا إسناد جيد على شرط مسلم، وانظر المطالب العالية باخصار: ٤٢٩٠، وقال رواه أبو بكر بن أبي شيبة وهو صحيح، وأبو يعلى وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٤٦ رواه أحمد والبزار ورجال أحمد رجال الصحيح، واللفظ لأحمد.
[ ١٠٨ ]
١٤٤ - ومن حديث كعب بن مالك ﵁ وسياقه أطول وتفصيله أكثر: وكان ممن شهد العقبة وبايع رسول الله قال: "خرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد صلينا وفقهنا، معنا البراء بن معرور، كبيرنا وسيدنا، فلما توجهنا لسفرنا، وخرجنا من المدينة، قال البراء لنا: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، وإني والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ قلنا له: وما ذاك؟
قال: إني قد رأيت أن أدع هذه البنية حتى تظهر، يعني الكعبة، وأن أصلي إليها، قال: فقلنا والله بلغنا أن نبينا - ﷺ - يصلي إلا إلى الشام، وما نريد أن نخالفه، قال: فقال: إني لمصل إليها. قال: فقلنا له: لكنا لا نفعل قال: فكنا إذا حضرت الصلاة صلينا إلى الشام وصلى هو إلى الكعبة، حتى قدمنا مكة.
قال: وكنا قد عتبنا عليه، وأبي إلا الإقامة عليه، فلما قدم مكة قال لي: يا ابن أخي انطلق بنا إلى رسول الله - ﷺ -، حتى نسأله عما صنعت في سفري هذا، فإنه والله لقد وقع في نفسي منه شيء، لما رأيت من خلافكم إياي فيه.
قال: فخرجنا نسأل عن رسول الله - ﷺ -، وكنا لا نعرفه، ولم نره قبل ذلك فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله - ﷺ - فقال: هل تعرفانه؟ فقلنا: لا قال: فهل تعرفان العباس بن عبد المطلب عمه؟
قال: قلنا: نعم، قال: وقد كنا نعرف العباس -كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الجالس مع العباس. قال: فدخلنا المسجد فهذا العباس جالس، ورسول الله - ﷺ - جالس معه، فسلمنا ثم جلسنا إليه، فقال رسول الله - ﷺ - للعباس: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟
قال: نعم، هذا البراء بن معرور سيد قومه، وهذا كعب بن مالك.
قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله - ﷺ -: الشاعر؟ قال: نعم، فقال له البراء بن معرور: يا نبي الله إني خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله للإسلام، فرأيت أن لا أجعل هذه البنية مني بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟
قال: قد كنت على قبلة لو صبرت عليها. قال: فرجع البراء إلى قبلة رسول الله - ﷺ -، وصلى معنا إلى الشام. قال: وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة
[ ١٠٩ ]
حتى مات، وليس ذلك كما قالوا، نحن أعلم به منهم.
قال: وخرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله - ﷺ - بالعقبة من أوسط أيام التشريق، قال: فلما فرغنا من الحج، وكانت الليلة التي واعدنا رسول الله - ﷺ - لها، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام أبو جابر، سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، أخذناه معنا، وكنا نكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه وقلنا له: يا أبا جابر، إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت فيه أن تكون حطبًا للنار غدًا، ثم دعوناه إلى الإِسلام وأخبرناه بميعاد رسول الله - ﷺ - إيانا العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا العقبة، وكان نقيبا.
قال: فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول الله - ﷺ -، نتسلل تسلل القطا مستخفين، حتى إذا اجتمعنا في الشعب عند العقبة، ونحن ثلاث وسبعون رجلًا، ومعنا امرأتان من نسائنا نسيبه بنت كعب أم عمارة -إحدى نساء بني مازن بن النجار، وأسماء بنت عمرو بن عدي بن نابي، إحدى نساء بني سلمة، وهي أم منيع.
قال: فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول الله - ﷺ -، حتى جاءنا ومعه (عمه) العباس بن عبد المطلب، وهو يومئذ على دين قومه، إلا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له، فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب، فقال: يا معشر الخزرج -وكانت العرب، إنما يسمون هذا الحي من الأنصار: الخزرج خزرجها وأوسها- إن محمدًا منا حيث قد علمتم، وقد منعناه من قومنا، ممن هو على مثل رأينا فيه، فهو في عز من قومه، ومنعة في بلده، وإنه قد أبى إلا الانحياز إليكم، واللحوق بكم، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه، ومانعوه ممن خالفه، فأنتم وما تحملتم من ذلك، وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم، فمن الآن فدعوه، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده.
قال: فقلنا له: قد سمعنا ما قلت، فتكلم يا رسول الله، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت.
قال: فتكلم رسول الله - ﷺ -، فتلا القرآن، ودعا إلى الله ﷿، ورغب
[ ١١٠ ]
في الإِسلام، ثم قال: (أبايعكم على أن تمنعوني مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم).
قال: فأخذ البراء بن معرور بيده، ثم قال: نعم، والذي بعثك بالحق نبيًّا، لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا، فبايعنا يا رسول الله - ﷺ -، فنحن والله أبناء الحروب وأهل الحلقة (١)، ورثناها كابرا عن كابر.
قال: فاعترض القول، والبراء يكلم رسول الله - ﷺ - أبو الهيثم بن التيهان، فقال: يا رسول الله، إن بيننا وبين الرجال حبالًا، وإنا قاطعوها -يعني اليهود- فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك، ثم أظهرك الله أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟
قال فتبسم رسول الله - ﷺ - ثم قال: (بل الدم الدم، والهدم الهدم أنا منكم وأنتم مني، أحارب من حاربتم، وأسالم من سالمتم).
وقال رسول الله - ﷺ -: (أخرجوا لي اثنى عشر نقيبًا منكم يكونون على قومهم، فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا منهم تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس).
- وأما معبد بن مالك حديثه عن أخيه عن أبيه كعب بن مالك -قال: كان أول من ضرب على يد رسول الله - ﷺ - البراء بن معرور، ثم بايع بعد القوم، فلما بايعنا رسول الله - ﷺ - صرخ الشيطان من رأس العقبة بأنفذ صوت سمعته قط: يا أهل الحباحب -المنازل- هل لكم في مذمم والصباة معه، قد اجتمعوا على حربكم، فقال رسول الله - ﷺ -: (هذا أزب العقبة، هذا ابن أزيب -أتسمع أي عدو الله، أما والله لأفرغن لك).
ثم قال رسول الله - ﷺ -: (ارفضوا إلى رحالكم). قال: فقال له العباس بن عبادة بن فضله: والله الذي بعثك بالحق: إن شئت لنميلن على أهل منى غدًا بأسيافنا؟
قال: فقال رسول الله - ﷺ -: (لم نؤمر، بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم).
قال: فرجعنا إلى مضاجعنا، فنمنا عليها حتى أصبحنا.
_________________
(١) الحلقة: السلاح. الهدم الهدم: أي ذمتي ذمتكم، وحرمتي حرمتكم. مذمم: المذموم جدًّا، الصباة: جمع صابئ، وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي صابئ أزب العقبة: اسم شيطان. ارفضوا: تفرقوا.
[ ١١١ ]
قال: فلما أصبحنا غدت علينا جلة قريش، حتى جاءونا في منازلنا، فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه قد بلغنا أنكم قد جئتم إلى صاحبنا هذا تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا، لأنه والله ما من حي من أحياء العرب أبغض إلينا، إن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم.
قال: فانبعث من هناك من مشركي قومنا يحلفون بالله ما كان من هذا شيء، وما علمناه، قال: وقد صدقوا، لم يعلموه.
قال: وبعضنا ينظر إلى بعض. قال: ثم قام القوم، ومنهم الحارث بن هشام ابن المغيرة، وعليه نعلان جديدان، قال: فقلت كلمة كأني أشرك القوم بها فيما قالوا: ما تستطيع يا أبا جابر، وأنت سيد من ساداتنا أن تتخذ نعلين مثل نعلي هذا الفتى من قريش، قال: فسمعها الحارث، فخلعهما من رجليه، ثم رمى بهما إلى، وقال: والله لتنتعلنهما. قال: يقول أبو جابر: أحفظت والله الفتى، اردد عليه نعليه، قال: فقلت: والله لا أردهما قال: قال والله صالح، لئن صدق الفأل لأسلبنه" (١).
١٤٥ - من حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: "حملني خالي جد ابن قيس في السبعين راكبًا الذين وفدوا على رسول الله - ﷺ - من قبل الأنصار ليلة العقبة، فخرج علينا رسول الله - ﷺ -، ومعه عمه العباس بن عبد المطلب فقال: يا عم خذ على أخوالك، فقال له السبعون: يا محمَّد سل لربك، ولنفسك ما شئت.
فقال: (أما الذي أسألكم لربي فتعبدوه ولا تشركوا به شيئًا، وأما الذي أسألكم لنفسي فتمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم).
قالوا فما لنا إذا فعلنا ذلك؟ (قال: الجنة) (٢).
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٤٦٠، ٤٦٢، الطيالسي: ٢/ ٩٠ - ٩٤ رقم الحديث: ٢٣٣٣، من طريق ابن إسحاق، السيرة النبوية ابن هشام: ١/ ٤٤٠، ٤٤٨ ابن جرير في التاريخ: ٢/ ٩٠ - ٩٣ بسند صحيح، وصححه ابن حبان كما في الفتح: ٥/ ٤٢٥ الموارد ص: ٤٠٨، السيرة النبوية ابن كثير: ٢/ ١٩٢ - ١٩٤، السيرة النبوية للذهبي: ٢٠٣ - ٢٠٦، وقال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٤٢ - ٤٥: رواه أحمد والطبراني بنحو. ورجال أحمد رجال الصحيح غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. ورواه البيهقي في الدلائل: ٥/ ٤٤٥ - ٤٤٩ وفي السنن: ٩/ ٩، والحاكم في المستدرك: ٢/ ٦٢٤ - ٦٢٥، وقال حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه وقال الذهبي صحيح.
(٢) الطبراني في الكبير: ١٧٥٧ والصغير: ٢/ ١١٠ والأوسط قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٤٨ - ٤٩ ورجاله ثقات.
[ ١١٢ ]
١٤٦ - عن أنس عن ثابت عن قيس ﵁: خطب مقدم النبي - ﷺ - فقال: إنا نمنعك مما نمنع منه أنفسنا وأولادنا فما لنا يا رسول الله؟
قال: (لكم الجنة). قالوا: رضينا" (١).
أسماء النقباء على الأنصار:
كما في رواية كعب بن مالك السابقة: "زادهم الطبراني في روايته": كان نقيب بني النجار أسعد بن زرارة، وكان نقيب بني سلمة البراء بن معرور وعبد الله ابن عمرو بن حرام، وكان نقيب بني ساعدة سعد بن عبادة والمنذر بن عمرو، وكان نقيب بني زريق رافع بن مالك بن العجلان، وكان نقيب بني الحارث بن الخزرج عبد الله بن رواحة، وسعد بن الربيع، وكان نقيب بني عوف بن الخزرج عبادة بن الصامت، ونقيب بني عبد الأشهل أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التيهان، وكان نقيب بني عمرو بن عوف سعد بن خيثمة.
_________________
(١) أخرجه أبو يعلى برقم: ٣٧٧٢، قال الهيثمي في المجمع: ٦/ ٤٨ رواه أبو يعلى ورجاله رجال الصحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٤/ ٢٣٤، وصححه على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي، وعزاه الحافظ في الإصابة: ٢/ ١٤ لابن السكن.
[ ١١٣ ]