١ - ابتداء مرضه ﵊:
أ - زيارته لأهل البقيع واستغفاره لهم:
٨٦٥ - من حديث أبي مويهبة مولى رسول الله - ﷺ - قال: "بعثني رسول الله - ﷺ - من جوف الليل، فقال: "يا أبا مويهبة، إني قد أمرت أن أستغفر لأهل هذا البقيع، فانطلق معي"، فانطلقت معه فلما وقف بين أظهرهم، قال: (السلام عليكم يا أهل المقابر، ليهنئ لكم ما أصبحتم فيه مما أصبح الناس فيه، أقبلت الفتن كقطع الليل المظلم، يتبع آخرها أولها، الآخرة شر من الأولى، ثم أقبل علي)، فقال: (يا أبا مويهبة، إني قد أوتيت مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي والجنة).
قال: فقلت: بأبي أنت وأمي، فخذ مفاتيح خزائن الدنيا والخلد فيها، ثم الجنة، قال: لا والله يا أبا مويهبة، لقد اخترت لقاء ربي والجنة"، ثم استغفر لأهل البقيع، ثم انصرف، فبدأ برسول الله - ﷺ - وجعه الذي قبضه الله فيه) (١).
ب - زيارته قتلى أحد وصلاته عليهم بعد ثماني سنين:
٨٦٦ - من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁: "أن رسول الله - ﷺ - صلى على قتلى أحد بعد ثماني سنين كالمودع للأحياء، والأموات، ثم طلع المنبر، فقال: (إني بين أيديكم فرط، وأنا عليكم شهيد، وإن موعدكم الحوض، وإني لأنظر إليه وأنا في مقامي هذا، وإني لست أخشى عليكم أن تشركوا،
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٣/ ٤٨٨، ٤٨٩، والبزار كما في الكشف: ٨٦٣، والطبراني في الكبير: ٢٢/ ٣٤٦ - ٣٤٧ أحاديث رقم: ٨٧١، ٨٧٢، وقال في المجمع: ٣/ ٥٩، وإسناد أحمد والبزار كلاهما ضعيف. وقال: ٩/ ٢٤، رواه أحمد والطبراني بإسنادين رجال أحدهما ثقات، إلا أن الإسناد الأول عن عبيد بن حنين عن عبد الله بن عمرو عن أبي مويهبة والثاني عن عبيد بن حنين عن أبي مويهبة. وقد أخرجه الدارمي: ١/ ٣٦ - ٣٧، وابن إسحاق في المغازي كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٤٢، والدولابي في الكنى والأسماء: ١/ ٥٧ - ٥٨ والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٥ - ٥٦، وصححه على شرط مسلم ووافقه الذهبي.
[ ٥٥٣ ]
ولكن أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوها). فقال عقبة: فكانت آخر نظرة نظرتها إلى رسول الله - ﷺ -" (١). وفي لفظ آخر عنه قال ﵁: "صلى رسول الله - ﷺ - على قتلى أحد، ثم صعد المنبر كالمودع للأحياء والأموات فقال: "إني فرطكم على الحوض. وإن عرضه كما بين أيلة إلى الجحفة. إني لست أخشى عليكم أن تشركوا بعدي. ولكني أخشى عليكم الدنيا أن تنافسوا فيها، وتقتتلوا، فتهلكوا، كما هلك من كان قبلكم" قال عقبة: فكانت آخر ما رأيت رسول الله - ﷺ - على المنبر".
٢ - استئذانه أن يمرض في بيت عائشة:
٨٦٧ - جاء من حديث عائشة ﵂ قالت: "أول ما اشتكى رسول الله - ﷺ - في بيت ميمونة، فاستأذن أزواجه أن يمرض في بيتها، وأذن له، قالت: فخرج ويد له على الفضل بن عباس، ويد له على رجل آخر. وهو يخط برجليه في الأرض. فقال عبيد الله بن عبد الله بن عتبة فحدثت به ابن عباس. فقال: أتدري من الرجل الذي لم تسم عائشة؟ هو علي" اللفظ لمسلم (٢).
٨٦٨ - ومن حديث عائشة ﵂ قالت: "رجع رسول الله - ﷺ - من البقيع، فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسي. وأنا أقول: وارأساه، فقال: (بل أنا والله يا عائشة وارأساه). قالت: ثم قال: (وما ضرك لو مت قبلي. فقمت عليك وكفنتك، وصليت عليك ودفنتك؟) قال: قلت: والله لكأني بك، لو قد فعلت ذلك. لقد رجعت إلى بيتي، فأعرست فيه ببعض نسائك، قالت: فتبسم رسول الله - ﷺ - وتتام به وجعه، وهو يدور على نسائه، حتى استعز به، وهو في بيت ميمونة، فدعا نساءه، فاستأذنهن في أن يمرض في بيتي، فأذنَّ له" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الجنائز باب الصلاة على الشهيد: ١٣٤٤، المناقب باب علامات النبوة في الإِسلام: ٣٥٩٦ وفي المغازي باب أحد جبل يحبنا ونحبه: ٤٠٨٥، وفي الرقاق باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها: ٦٤٢٦، وباب في الحوض: ٦٥٩٠، ومسلم في الفضائل باب إثبات حوض نبيبا حديث: ٢٢٩٦، وأحمد في المسند: ٤/ ١٤٩، ١٥٣، ١٥٤، والنسائي في الجنائز باب الصلاة على الشهداء: ٤/ ٦١ - ٦٢، حديث: ١٩٥٤.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته: ٤٤٤٢، ومسلم في صحيحه في الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر حديث: ٤١٨/ ٩١، ١/ ٣١٢، وأحمد في المسند: ٦/ ١١٧.
(٣) أخرجه ابن إسحاق بإسناد صحيح صرح فيه بالتحديث كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٤٢ - ٦٤٣، وأخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٦، بسند آخر عنها وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. =
[ ٥٥٤ ]
٣ - شدة المرض الذي نزل به ﵊:
٨٦٩ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (ما رأيت رجلًا أشد عليه الوجع من رسول الله - ﷺ -) (١).
٨٧٠ - ومن حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "دخلت على رسول الله - ﷺ - وهو يوعك فمسسته بيدي. فقلت: يا رسول الله! إنك لتوعك وعكًا شديدًا، فقال رسول الله - ﷺ - "أجل: إني أوعك كما يوعك رجلان منكم" قال: فقلت: ذلك، أن لك أجرين. فقال رسول الله - ﷺ -: "أجل" ثم قال رسول الله - ﷺ -: "ما من مسلم يصيبه أذى من مرض فما سواه، إلا حط الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها" (٢).
٨٧١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: (لما ثقل رسول الله - ﷺ - واشتد به وجعه استأذن أزواجه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج وهو بين الرجلين تخط رجلاه في الأرض، بين عباس بن عبد المطلب، وبين رجل آخر، قال عبيد الله فأخبرت عبد الله بالذي قالت عائشة، فقال لي عبد الله بن عباس: هل تدري من الرجل الآخر الذي لم تسم عائشة؟ قال: قلت: لا قال ابن عباس: هو علي" (٣).
وكانت عائشة زوج النبي - ﷺ - تحدث "أن رسول الله - ﷺ - لما دخل بيتي واشتد
_________________
(١) = وقد أخرجه من طريق ابن إسحاق أيضًا: ابن ماجة في الجنائز باب ما جاء في غسل الرجل امرأته حديث: ١٤٦٥، وأحمد: ٦/ ٢٢٨، والدارقطني: ٢/ ٧٤، والدارمي: ١/ ٣٧ - ٣٨، والبيهقي: ٣/ ٣٩٦، وابن حبان كما في الإحسان حديث: ٦٥٥٢.
(٢) أخرجه البخاري في المرض باب شدة المرض حديث: ٥٦٤٦، ومسلم في البر والصلة باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حديث: ٢٥٧٠، والترمذي في الزهد باب ما جاء في الصبر على البلاء: ٢٣٩٩، وابن ماجة في الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ -: ١٦٢٢، وأحمد في المسند: ٦/ ١٨١.
(٣) أخرجه البخاري في المرض باب شدة المرض حديث: ٥٦٤٧، باب أشد الناس بلاءً الأنبياء: ٥٦٤٨، وباب وضع اليد على المريض حديث رقم: ٥٦٦٠، وباب ما يقال للمريض وما يجيب حديث: ٥٦٦١، وباب ما رخص للمريض أن يقول إني وجع حديث: ٥٦٦٧، ومسلم في البر والصلة باب ثواب المؤمن فيما يصيبه من مرض أو حزن أو نحو ذلك حديث: ٢٥٧١، وأحمد في المسند: ١/ ٤٥٥.
(٤) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته حديث: ٤٤٤٢، ٤٤٤٥، وفي الطب: ٥٧١٤ في الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض أو سفر: ٤١٨، ٩١، ٩٢، ٩٣، ١/ ٣١٢، والحميدي برقم: ٢٣٣، وأحمد في المسند: ٦/ ١١٧، وقد مر جزء منه في حديث: ٨٦٧، وسيأتي تمام تخريجه رقم: ٨٧٤.
[ ٥٥٥ ]
به وجعه قال: "هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن، لعلي أعهد إلى الناس"، فأجلسناه في مخضب لحفصة زوج النبي - ﷺ -، ثم طفقنا نصب عليه من تلك القرب حتى طفق يشير إلينا بيده أن قد فعلتن. قالت: ثم خرج إلى الناس فصلى بهم وخطبهم.
٤ - خطبته ﵊ ناعيًا نفسه:
٨٧٢ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "خطب النبي - ﷺ - فقال: "إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عند الله"، فبكى أبو بكر ﵁. فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ، إن يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله؟ فكان رسول الله - ﷺ - هو العبد، وكان أبو بكر أعلمنا، قال: "يا أبا بكر لا تبك، إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر، ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا سد، إلا باب أبي بكر" لفظ البخاري (١).
وفي لفظ الدارمي بإسناد حسن جاء عن أبي سعيد ﵁ قوله: "خرج علينا رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه ونحن في المسجد عاصبًا رأسه بخرقة حتى أهوى نحو المنبر فاستوى عليه وابتغاه، قال: "والذي نفسي بيده إني لأنظر إلى الحوض من مقامي هذا"، ثم قال: "إن عبدًا عرضت عليه الدنيا وزينتها فاختار الآخرة". قال: فلم يفطن لها غير أبي بكر فذرفت عيناه فبكى. ثم قال: بل نفديك بآبائنا وأمهاتنا وأنفسنا وأموالنا يا رسول الله، قال: ثم هبط فما قام عليه حتى الساعة" (٢).
٨٧٣ - ومن حديث ابن عباس ﵄ قال: "خرج رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة باب الخوخة والممر في المسجد حديث: ٤٦٦، وفي فضائل الصحابة باب قول النبي - ﷺ -: "سدوا الأبواب غير باب أبي بكر" حديث: ٣٦٥٤، وفي المناقب باب هجرة النبي - ﷺ - وأصحابه إلى المدينة حديث: ٣٩٠٤، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل أبي بكر الصديق ﵁ حديث: ٢٣٨٢، والترمذي في المناقب باب من فضائل أبي بكر حديث: ٣٦٦١ من طرق عن أبي النضر عن عبيد بن حنين عن أبي سعيد.
(٢) أخرجه الدارمي في المقدمة باب وفاة النبي - ﷺ -: ١/ ٣٦.
[ ٥٥٦ ]
ثم قال: "إنه ليس من الناس أحد أمنَّ عليَّ في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة، ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن خلة الإِسلام أفضل، سدوا كل خوخة في المسجد غير خوخة أبي بكر" (١).
وفي لفظ آخر ذكر فيه الأنصار وفضلهم عن ابن عباس بلفظ آخر قوله: "خرج رسول الله - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه بملحفة قد عصب بعصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار، حتى يكونوا في الناس بمنزلة الملح في الطعام، فمن ولي منكم شيئًا يضر فيه قومًا وينفع آخرين، فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم" فكان آخر مجلس جلس فيه النبي - ﷺ -" (٢).
٥ - أمره أبا بكر أن يصلي بالناس ومراجعة عائشة له:
٨٧٤ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "ثقل النبي - ﷺ - فقال: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك، قال: (ضعوا لى ماء في المخضب). قالت: ففعلنا. فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال - ﷺ -: "أصلى الناس؟ " قلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله.
فقال: ضعوا لي ماءً في المخضب. فقعد فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمي عليه، ثم أفاق فقال: "أصلى الناس؟ " فقلنا: لا، هم ينتظرونك يا رسول الله -والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﵇ لصلاة العشاء الآخرة- فأرسل النبي - ﷺ - إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله - ﷺ - يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر -وكان رجلًا رقيقًا- يا عمر صلِّ بالناس، فقال عمر: أنت أحق بذلك. فصلى أبو بكر تلك الأيام.
ثم إن النبي - ﷺ - وجد من نفسه خفة، فخرج بين رجلين -أحدهما العباس- لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس- فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر، فأومأ إليه النبي - ﷺ - بأن لا يتأخر فقال: "أجلساني إلى جنبه"، فأجلساه إلى جنب أبي
_________________
(١) أخرجه البخاري في الصلاة باب الخوخة والممر في المسجد حديث رقم: ٤٦٧، وفي فضائل الصحابة باب قول النبي - ﷺ -: "لو كنت متخذًا خليلًا": ٣٦٥٦، ٣٦٥٧، وفي الفرائض باب ميراث الجد مع الأب والأخوة حديث رقم: ٦٧٣٨، وأحمد في المسند ١/ ٢٧٠، من طرق عن عكرمة عن ابن عباس.
(٢) أخرجه البخاري في الجمعة باب قول الخطيب أما بعد حديث: ٩٢٧، والمناقب باب علامات النبوة حديث: ٣٦٢٨، ومناقب الأنصار باب قول النبي: اقبلوا من محسنهم حديث: ٣٨٠٠.
[ ٥٥٧ ]
بكر، قال: فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي - ﷺ -، والناس بصلاة أبي بكر، والنبي - ﷺ - قاعد".
قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: "ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض النبي - ﷺ -؟ قال: هات: فعرضت عليه حديثها، فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسمت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال: هو علي" (١).
مراجعة عائشة للنبي ﷺ في إمامة أبي بكر:
٨٧٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف" (٢) وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس. فلو أمرت عمرًا فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف. وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس. فلو أمرت عمر! فقالت له: فقال رسول الله - ﷺ -: "إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس".
قالت فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ﷺ - من نفسه خفة فقام يهادي بين رجلين -ورجلاه تخطان في الأرض. قالت: فلما دخل المسجد سمع أبو بكر حسه ذهب يتأخر. فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - قم مكانك. فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر. قالت: فكان رسول الله - ﷺ - يصلي بالناس جالسًا وأبو بكر قائمًا يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - ﷺ - .. ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" واللفظ لمسلم (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان باب إنما جعل الإِمام ليؤتم به حديث: ٦٨٧، ومسلم في الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما حديث: ٤١٨/ ٩٠، والنسائي في الإمامة باب الإئتمام بالإمام يصلي قاعدًا: ٢/ ٦٠١، حديث: ٨٣٤، والبيهقي: ٣/ ٨٠، والدارمي في الصلاة باب فيمن يصلي خلف الإِمام والإمام جالس: ١/ ٢٨٧، وصححه ابن خزيمة: ٣/ ٥٥ برقم: ١٦٢١، من طرق عن زائدة بن قدامة حدثنا موسى بن أبي عائشة عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قالت عائشة.
(٢) أسيف: حزين وقيل سريع الحزن والبكاء.
(٣) أخرجه البخاري في الأذان باب حد المريض أن يشهد الجماعة حديث رقم: ٦٦٤، وباب من أسمع الناس تكبير الإمام حديث رقم: ٧١٢، وباب الرجل يأتم بالإمام حديث: ٧١٣، ومسلم في الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما حديث: ٤١٨، ٩٥، ٩٦، والنسائي في الإمامة باب الائتمام بالإمام يصلي قاعدًا: ٢/ ٩٩، حديث رقم: ٨٣٣، وابن ماجه حديث =
[ ٥٥٨ ]
سبب مراجعة عائشة للنبي ﷺ:
٨٧٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لقد راجعت رسول الله - ﷺ - في ذلك، وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أنه يحب الناس بعده رجلًا قام مقامه أبدًا، ولا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به، فأردت أن يعدل ذلك رسول الله - ﷺ - عن أبي بكر" (١).
٦ - نعيه نفسه إلى ابنته فاطمة ومسارته لها:
٨٧٧ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "اجتمع نساء النبي - ﷺ -، فلم يغادر منهن امرأة، فجاءت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله - ﷺ -. فقال: "مرحبًا بابنتي" فأجلسها عن يمينه أو عن شماله. ثم إنه أسر إليها حديثًا فبكت فاطمة. ثم إنه سارها فضحكت أيضًا. فقلت لها: ما يبكيك؟ فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - ﷺ -. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن. فقلت لها حين بكت: أخصك رسول الله - ﷺ - بحديثه دوننا ثم تبكين؟
وسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله - ﷺ -. حتى إذا قبض سألتها فقالت: إنه كان حدثني (أن جبريل كان يعارضه بالقرآن كل عام مرة. وإنه عارضه به في العام مرتين، ولا أراني إلا قد حضر أجلي. وإنك أولُ أهلي لحوقًا بي. ونعم السلف أنا لك فبكيت لذلك. ثم إنه سارني فقال: (ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين، أو سيدة نساء هذه الأمة فضحكت لذلك) (٢) اللفظ لمسلم.
_________________
(١) = رقم: ١٢٣٢، والبيهقي في الصلاة باب ما روي في صلاة المأموم قائمًا وإن صلى الإِمام جالسًا: ٣/ ٨١، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٤٠٦، وأحمد في المسند: ٦/ ٢١٠، ٢٢٤ من طرق عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة.
(٢) سبق تخريجه حديث رقم: ٨٧١، ٨٧٤، من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن عائشة.
(٣) أخرجه البخاري في الأنبياء باب علامات النبوة في الإِسلام حديث: ٣٦٢٣، ٣٦٢٥، وفي المناقب باب مناقب قرابة رسول الله - ﷺ - حديث: ٣٧١٥، وفي المغازي باب مرضه ووفاته حديث رقم: ٤٤٣٣، ٤٤٣٤، والاستئذان باب من ناجي بين يدي الناس ولم يخبر بسر صاحبه حديث: ٦٢٨٥، ٦٢٨٦، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضائل فاطمة بنت النبي ﵍ حديث: ٢٤٥٠، ٩٧، ٩٨، ٩٩، والنسائي في الكبرى كما في تحفة الأشراف حديث: ١٧٦١٥، ١٢/ ٣١٢، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في مرض رسول الله - ﷺ - حديث رقم: ١٦٢١، من طرق عن عامر عن مسروق عن عائشة.
[ ٥٥٩ ]
٧ - شدة تأثره بأكلة السم يوم خيبر:
٨٧٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - يقول في مرضه الذي مات فيه: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (١) لفظ البخاري.
٨ - آخر ما قرأه في صلاة الجماعة:
٨٧٩ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: "إن أم الفضل بنت الحارث سمعته وهو يقرأ: والمرسلات عرفًا (٢) فقالت: يا بني! لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة. إنها لآخر ما سمعت رسول الله - ﷺ - يقرأ بها في المغرب" اللفظ لمسلم (٣).
وفي لفظ البخاري عن أم الفضل بنت الحارث قالت: "سمعت النبي - ﷺ - يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله".
٩ - محاورة بين العباس وعلي في ولاية الأمر بعد الرسول ﷺ:
٨٨٠ - عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري -وكان كعب بن مالك أحد الثلاثة الذين تيب عليهم- أن عبد الله بن عباس ﵁ أخبره:
"أن علي بن أبي طالب ﵁ خرج من عند رسول الله - ﷺ - في وجعه الذي توفي فيه، فقال الناس: يا أبا الحسن، كيف أصبح رسول الله - ﷺ -؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا.
_________________
(١) سبق تخريج هذا الحديث تحت رقم: ٥٦٩، في غزوة خيبر.
(٢) ٧٧ / المرسلات / الآية ١.
(٣) أخرجه البخاري في الأذان باب القراءة في المغرب: ٧٣٦، والمغازي باب مرض النبي: ٤٤٢٩، ومسلم في الصلاة باب القراءة في الصبح: ٤٦٢، وأبو داود في الصلاة باب القراءة في المغرب: ٨١٠، والترمذي في الصلاة باب ما جاء في القراءة في المغرب: ٣٠٨، والنسائي في الافتتاح باب القراءة في المغرب بالمرسلات: ٢/ ١٦٨، وابن ماجه في الإقامة باب القراءة في صلاة المغرب: ٨٣١، والحميدي: ١/ ١٦٢، برقم: ٣٣٨، وأبو عوانة: ٢/ ١٥٣، والبيهقي في الصلاة باب من لم يضيق القراءة فيها بأكثر مما ذكرنا:٢/ ٣٩٢، وعبد الرزاق في المصنف: ٢٦٩٤، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٣٨، جميعًا من طرق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن عبد الله بن عباس به.
[ ٥٦٠ ]
فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب، فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا، وإني والله لأرى رسول الله - ﷺ - سوف يتوفى من وجعه هذا، إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت. اذهب بنا إلى رسول الله - ﷺ - فلنسأله فيمن هذا الأمر؟ إن كان فينا علمنا ذلك، وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله - ﷺ - فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده، وإني والله لا أسألها رسول الله - ﷺ -" (١).
١٠ - قوله ﵇ ايتوني بكتاب أكتب لكم:
٨٨١ - من حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: "يومُ الخميس! وما يوم الخميس! ثم بكى حتى بل دمعه الحصى. فقلت (٢): يا ابن عباس! وما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله - ﷺ - وجعه. فقال: "ائتوني أكتب لكم كتابًا لا تضلوا بعدي" فتنازعوا، وما ينبغي عند نبي تنازع. وقالوا: ما شأنه؟ أهَجَرَ؟ استفهموه. قال: "دعوني. فالذي أنا فيه خير، أوصيكم بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم". قال: وسكت عن الثالثة. أو قالها فنسيتها" (٣).
وفي رواية "لما حُضر رسول الله - ﷺ - وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب. فقال النبي - ﷺ - "هلمَّ أكتب لكم كتابًا لا تضلون بعده". فقال عمر: إن رسول الله - ﷺ - قد غلب عليه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله. فاختلف أهل البيت، فاختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب مرضه ووفاته - ﷺ - رقم: ٤٤٤٧، وفي الاستئذان باب المعانقة وقول الرجل: كيف أصبحت رقم: ٦٢٦٦، وقد أخرجه عبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٤٣٥ رقم: ٩٧٥٤، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٤٥، وعزاه الحافظ ابن حجر في الفتح: ٨/ ١٤٢، للإسماعيلي عن الزهري عن عبد الله بن كعب به، إلا أن عبد الرزاق وابن سعد لم يصرحا باسم ابن كعب بن مالك ﵁.
(٢) القائل: هو سعيد بن جبير.
(٣) أخرجه البخاري في العلم باب كتابة العلم: ١١٤، والجهاد باب هل يستشفع إلى أهل الذمة: ٣٠٥٣، والجزية باب إخراج اليهود من جزيرة العرب: ٣١٦٨، والمغازي باب مرض النبي ووفاته: ٤٤٣١، ٤٤٣٢، والمرض: ٥٦٦٩، والاعتصام باب كراهية الاختلاف: ٧٣٦٦، ومسلم في الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه: ١٦٣٧، وأبو داود في الخراج والإمارة والفيء باب إخراج اليهود من جزيرة العرب: ٣٠٢٩، وعبد الرزاق برقم: ٩٧٥٧، والحميدي: ٥٢٦، وأحمد في المسند: ١/ ٢٢٢، ٣٢٤ - ٣٢٥، ٣٥٥، جميعًا من طريق سعيد بن جبير عن ابن عباس به.
[ ٥٦١ ]
- ﷺ - كتابًا لن تضلوا بعده. ومنهم من يقول ما قال عمر، فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله - ﷺ -، قال رسول الله - ﷺ -: "قوموا".
قال عبيد الله: فكان ابن عباس يقول: إن الرزية كل الرزية ما حال بين رسول الله - ﷺ - وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، من اختلافهم ولغطهم".
وقال النووي في شرح صحيح مسلم: ١١/ ٩٠ ما نصه: "اعلم أن النبي معصوم من الكذب، ومن تغيير شيء من الأحكام الشرعية في حال صحته، وحال مرضه، ومعصوم من ترك بيان ما أمر ببيانه وتبليغ ما أوجب الله عليه تبليغه، وليس معصومًا من الأمراض والأسقام العارضة للأجسام ونحوها. مما لا نقص فيه لمنزلته، ولا فساد لما تمهد من شريعته، وقد سُحِر - ﷺ - حتى صار يخيل إليه أنه فعل الشيء ولم يكن فعله، ولم يصدر منه - ﷺ - في هذا الحال كلام في الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها، فإذا علمت ما ذكرناه، فقد اختلف الأحكام مخالف لما سبق من الأحكام التي قررها، فإذا علمت ما ذكرناه فقد اختلف العلماء في الكتاب الذي هم النبي - ﷺ - به. فقيل: أراد أن ينص على الخلافة في إنسان معين لئلا يقع فيه نزاع وفتن، وقيل: أراد كتابًا يبين فيه مهمات الأحكام ملخصة ليرتفع النزاع فيها، ويحصل الاتفاق على المنصوص عليه.
وكان النبي - ﷺ - هم بالكتاب حين ظهر له أنه مصلحة، أو أوحي إليه بذلك ثم ظهر أن المصلحة تركه، أو أوحي إليه بذلك ونسخ ذلك الأمر الأول.
وأما كلام عمر ﵁ فقد اتفق العلماء المتكلمون في شرح الحديث على أنه من دلائل فقه عمر وفضائله ودقيق نظره. لأنه خشي أن يكتب - ﷺ - أمورًا ربما عجزوا عنها، واستحقوا العقوبة عليها، لأنها منصوصة لا مجال للاجتهاد فيها. فقال عمر: حسبنا كتاب الله، لقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾.
وقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، فعلم أن الله تعالى أكمل دينه، فأمن الضلال على الأمة.
وأراد الترفيه على رسول الله - ﷺ -، فكان عمر أفقه من ابن عباس وموافقيه".
قال الخطابي: "ولا يجوز أن يحمل قول عمر على أنه توهم الغلط على
[ ٥٦٢ ]
رسول الله - ﷺ -، أو ظن به غير ذلك مما لا يليق به بحال. لكنه لما رأى ما غلب على رسول الله - ﷺ - من الوجع وقرب الوفاة، مع ما اعتراه من الكرب خاف أن يكون ذلك القول مما يقوله المريض مما لا عزيمة له فيه، فيجد المنافقون بذلك سبيلًا إلى الكلام في الدين. وقد كان أصحابه - ﷺ - يراجعونه في بعض الأمور قبل أن يجزم فيها بتحتيم، كما راجعوه يوم الحديبية في الخلاف، وفي كتاب الصلح بينه وبين قريش. فأما إذا أمر النبي - ﷺ - بالشيء أمر عزيمة فلا يراجعه فيه أحد منهم).
وقال القاضي عياض: قوله: " (أهجر رسول الله - ﷺ -)، هكذا هو في صحيح مسلم وغيره: أهجر؟ على الاستفهام وهو أصح من رواية من روى هجر يهجر. لأن هذا كله لا يصح منه - ﷺ -. لأن معنى هجر هذى. وإنما جاء هذا من قائله استفهامًا للإنكار على من قال: لا تكتبوا. أي لا تتركوا أمر رسول الله - ﷺ - وتجعلوه كأمر من هجر في كلامه، لأنه - ﷺ - لا يهجر. وقول عمر ﵁: حسبنا كتاب الله، رد على من نازعه، لا على أمر النبي - ﷺ -".
١١ - توجيه الرسول ﷺ إلى أحقية أبي بكر بالخلافة من بعده:
٨٨٢ - من حديث محمَّد بن جبير بن مطعم عن أبيه ﵄: "أن امرأة سألت رسول الله - ﷺ - شيئًا، فأمرها أن ترجع إليه. فقالت: يا رسول الله! أرأيت إن جئت فلم أجدك؟ قال أبي: كأنها تعني الموت -قال: "فإن لم تجديني فأتي أبا بكر" (١) اللفظ للبخاري ومسلم.
٨٨٣ - من حديث ابن أبي مليكة "سمعت عائشة، وسئلت: من كان رسول الله - ﷺ - مستخلفًا لو استخلف؟ قالت: أبو بكر، فقيل لها: ثم من بعد أبي بكر؟ قالت: عمر. ثم قيل لها: من بعد عمر؟ قالت: أبو عبيدة بن الجراح. ثم انتهت إلى هذا" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب لو كنت متخذًا خليلًا حديث: ٣٦٥٩، والأحكام باب الاستخلاف حديث: ٧٢٢٠، والاعتصام باب الأحكام التي تعرف بالدلائل: ٧٣٦٠، ومسلم في فضائل الصحابة باب في فضائل أبي بكر الصديق ﵁ حديث: ٢٣٨٦، والترمذي في المناقب باب: ١٧، حديث رقم: ٣٦٧٦، والحميدي رقم: ٥٥٩، وأحمد في المسند: ٤/ ٨٢ / ٨٣، والطبراني في المعجم الكبير: ١٥٥٧، والطيالسي: ٢/ ١٦٩ حديث رقم: ٢٦٣٢.
(٢) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق ﵁ حديث رقم: ٢٣٨٥، وأحمد في المسند: ٦/ ٦٣، وفضائل الصحابة حديث رقم: ٢٠٣، ٢٠٤، وابن سعد: ٣/ ١٨١، والدولابي في الكنى: ٢/ ٣٩.
[ ٥٦٣ ]
٨٨٤ - ومن حديث عائشة قالت: (قال لي رسول الله - ﷺ - في مرضه: "ادع لي أبا بكر، وأخاك، حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى. ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر) (١).
وفي لفظ البخاري: "قالت عائشة: وارأساه، فقال رسول الله - ﷺ -: "ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك". فقالت عائشة: واثكلياه، والله إني لأظنك تحب موتي، ولو كان ذلك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك.
فقال النبي - ﷺ -: "بل أنا وارأساه، لقد هممت -أو أردت- أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد، أن يقول القائلون، أو يتمنى المتمنون، ثم قلت: يأبى الله، ويدفع المؤمنون. أو يدفع الله، ويأبى المؤمنون".
وفي لفظ للإمام أحمد، قالت عائشة: "لما مرض رسول الله - ﷺ - في بيت ميمونة، فاستأذن نساءه أن يمرض في بيتي، فأذن له، فخرج رسول الله - ﷺ - معتمدًا على العباس وعلى رجل آخر، رجلاه تخطان في الأرض -وقال عبيد الله فقال ابن عباس: أتدري من ذلك الرجل هو علي بن أبي طالب، ولكن عائشة لا تطيب لها نفسًا.
قال الزهري: فقال النبي - ﷺ - وهو في بيت ميمونة لعبد الله بن زمعة: "مر الناس فليصلوا"، فلقي عمر بن الخطاب فقال: يا عمر صل بالناس. فصلى بهم، فسمع رسول الله - ﷺ - صوته فعرفه، وكان جهير الصوت، فقال رسول الله - ﷺ -: "أليس هذا صوت عمر؟ " قالوا: بلى، قال: "يأبى الله جلَّ وعزَّ ذلك والمؤمنون، مروا أبا بكر فليصل بالناس".
قالت عائشة: يا رسول الله - ﷺ - إن أبا بكر رجل رقيق لا يملك دمعه، وإنه إذا قرأ القرآن بكى. قالت: وما قلت ذلك إلا كراهية أن يتأثم الناس بأبي بكر، أن يكون أول من قام مقام رسول الله - ﷺ -، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، فراجعته. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس، إنكن صواحب يوسف".
_________________
(١) أخرجه البخاري في المرض باب ما يرخص للمريض أن يقول إني وجع حديث: ٥٦٦٦، والأحكام باب الاستخلاف: ٧٢١٧، ومسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر: ٣٢٨٧، والطيالسي: ٢/ ١٦٨ - ١٦٩، حديث رقم: ٢٦٣١، وأحمد في المسند: ٦/ ٣٤، ٤٧، ١٤٤، وفضائل الصحابة ٢٠٥، ٢٢٦، ٦٠٠، وابن سعد في الطبقات: ٣/ ١٨٠، وابن أبي عاصم في السنة: ١١٥٦، ١١٦٣.
[ ٥٦٤ ]
١٢ - صلاة الصحابة خلف النبي ﷺ في مرضه وهو جالس:
٨٨٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "اشتكى رسول الله - ﷺ -، فدخل عليه ناس من أصحابه يعودونه. فصلى رسول الله - ﷺ - جالسًا. فصلوا بصلاته قياما، فأشار إليهم: أن اجلسوا، فجلسوا. فلما انصرف قال: "إنما جعل الإِمام ليؤتم به، فإذا ركع فاركعوا، وإذا رفع فارفعوا، وإذا صلى جالسًا فصلوا جلوسًا" (١).
١٣ - قصة اللدود:
٨٨٦ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لددنا (٢) رسول الله - ﷺ - في مرضه، وجعل يشير إلينا لا تلدوني، فقلنا كراهية المريض بالدواء، فلما أفاق قال: "ألم أنهكن أن تلدوني! " قال: قلنا كراهية للدواء، فقال رسول الله - ﷺ -: "لا يبقى منكم أحد إلا لُد، وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم" اللفظ للبخاري.
وفي لفظ للإمام أحمد ما نصه: عن هشام بن عروة قال أخبرني أبي أن عائشة قالت له: "يا ابن أختي لقد رأيت من تعظيم رسول الله - ﷺ - عمه "أي العباس" أمرًا عجيبًا، وذلك أن رسول الله - ﷺ - كانت تأخذه الخاصرة، فيشتد به جدًّا، فكنا نقول أخذ رسول الله - ﷺ - عرق الكلية، لا نهتدي أن نقول الخاصرة، ثم أخذت رسول الله - ﷺ - يومًا ما، فاشتدت به جدًّا حتى أغمي عليه، وخفنا عليه وفزع الناس إليه.
فقلنا: إن به ذات الجنب فلددناه، ثم سرى عن رسول الله - ﷺ - وأفاق وعرف أنه قد لد ووجد أثر اللدود فقال: "ظننتم أن الله -﷿- سلطها عليّ؟ ما
_________________
(١) أخرجه البخاري في الأذان باب إنما جعل الإمام ليؤتم به: ٦٨٨، وفي تقصير الصلاة باب صلاة القاعد: ١١١٣، وفي السهو باب الإشارة في الصلاة: ١٢٣٦، والمرضى باب إذا عاد مريضًا فحضرت الصلاة فصلى بهم جماعة: ٥٦٥٨، ومسلم في الصلاة باب إئتمام المأموم بالإمام حديث رقم: ٤١٢، وأبو داود في الصلاة باب الإمام يصلي من قعود: ٦٠٥، ومالك في الموطأ في صلاة الجماعة باب صلاة الإمام وهو جالس: ١/ ١٣٥، والبيهقي: ٣/ ٧٩، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٤٠٤، وابن خزيمة: ١٦١٤، وأحمد في المسند: ٦/ ٥١، ٥٧ - ٥٨، ٦٨، ١٤٨، ١٩٤، من طريق هشام بن عروة عن أبيه به.
(٢) لددناه: صببنا الدواء في أحد جانبي فمه، واللدود بفتح اللام -هو الدواء الذي يصب في أحد جانبي الفم. وبضم اللام: هو الفعل، أي فعل ذلك.
[ ٥٦٥ ]
كان الله ليسلطها عليَّ، والذي نفسي بيده لا يبقى في أحد في البيت إلا لد، إلا عَمي".
فرأيتهم يلدونهم رجلًا رجلًا.
قالت عائشة: ومن في البيت يومئذ يذكر فضلهم.
فلد الرجال أجمعون، وبلغ اللدود أزواج النبي - ﷺ - فلددن امرأة امرأة حتى بلغ اللدود امرأة منا قالت: إني والله صائمة، فقلنا: بئسما ظننت أن نتركك، وقد أقسم رسول الله - ﷺ -، فلددناها والله يا ابن أختي وإنها لصائمة" (١).
اشتداد المرض على النبي ﷺ:
٨٨٧ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما ثقل النبي - ﷺ - جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب" (٢).
٨٨٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "كان رسول الله - ﷺ - إذا مرض أحد من أهله، نفث عليه بالمعوذات، فلما مرض مرضه الذي مات فيه، جعلت، أنفث عليه وأمسحه بيد نفسه، لأنها كانت أعظم بركة من يدي" (٣).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي - ﷺ - ووفاته: ٤٤٥٨، والطب باب اللدود: ٥٧١٢، والديات باب القصاص بين الرجال والنساء في الجراحات: ٦٨٨٦، وباب إذا أصاب قوم من رجل هل يعاقب أن يقتص منهم كلهم: ٦٨٩٧، ومسلم في السلام باب كراهية التداوي باللدود: ٢٢١٣، والطحاوي في مشكل الآثار: ٢/ ٣٨٠، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ١ / ٣٠، وأحمد في المسند: ٦/ ٥٣، ١١٨.
(٢) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي ووفاته حديث: ٤٤٦٢، والترمذي في الشمائل حديث: ٣٧٩، والنسائي في الجنائز باب البكاء على الميت: ٤/ ١٢ - ١٣، وابن ماجه في الجنائز باب ذكره وفاته ودفنه حديث: ١٦٢٩، ١٦٣٠، والدارمي في المقدمة باب وفاة النبي: ١/ ٤٠ - ٤١، والبيهقي في الجنائز: ٤/ ٧١، وأحمد في المسند: ٣/ ١٤١، ١٩٧، وابن حبان كما في الإحسان رقم: ٦٥٧٩، ٦٥٨٨.
(٣) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي ووفاته رقم: ٤٤٣٩، ومسلم في السلام باب رقية المريض بالمعوذات والنفث: ٢١٩٢، والنسائي في وفاة النبي - ﷺ -: ١٠ وابن حبان: ٦٥٥٦.
[ ٥٦٦ ]
١٤ - دعاء النبي صلى اله عليه وسلم لأسامة بن زيد:
٨٨٩ - من حديث أسامة بن زيد بن حارثة ﵁ قال: "لما ثقل رسول الله - ﷺ - هبطت وهبط الناس المدينة، فدخلت على رسول الله - ﷺ - وقد أصمت فلم يتكلم، فجعل رسول الله - ﷺ - يضع يديه عليَّ ويرفعهما فأعرف أنه يدعو لي" (١) اللفظ للترمذي.
١٥ - من آخر وصاياه ﵊:
٨٩٠ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: "كشف رسول الله - ﷺ - الستارة، والناس صفوف خلف أبي بكر. فقال: "أيها الناس! إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلَّا الرؤيا الصالحة يراها المسلم، أو ترى له. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا، فأما الركوع فعظموا فيه الرب ﷿، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمن يستجاب لكم" اللفظ لمسلم.
وفي لفظ قال: "كشف رسول الله - ﷺ - الستر، ورأسه معصوب في مرضه الذي مات فيه. فقال: "اللهم! هل بلَّغتُ؟ " ثلاث مرات "إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا يراها العبد الصالح أو ترى له" ثم ذكر بقية الحديث. (٢)
٨٩١ - ومن حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "كان آخر كلام رسول الله - ﷺ -: "الصلاة الصلاة، اتقوا الله فيما ملكت أيمانكم" (٣).
_________________
(١) أخرجه الترمذي في المناقب باب مناقب أسامة: ٣٨١٧، وأحمد: ٥/ ٢٠١، والطبراني في المعجم الكبير: ٣٧٧، والطبراني في تاريخه: ٣/ ١٩٥، وابن هشام في السيرة: ٢/ ٦٥١، جميعًا من طريق ابن إسحاق، وإسناده صحيح لأن ابن إسحاق قد صرح بالتحديث في رواية الإِمام أحمد وفي سيرة ابن هشام فزالت تهمة التدليس.
(٢) أخرجه مسلم في الصلاة باب النهي عن قراءة القرآن في الركوع والسجود: ٤٧٩، وأبو داود في الصلاة باب في الدعاء في الركوع والسجود: ٨٧٦، والنسائي في الافتتاح باب تعظيم الرب في الركوع والسجود: ٢/ ١٨٩ - ١٩٠، وابن ماجه في تعبير الرؤيا باب الرؤيا الصالحة: ٣٨٩٩، والحميدي: ٤٨٩، وعبد الرزاق: ٢٨٣٩، والدارمي في الصلاة باب النهي عن القراءة في الركوع والسجود: ١/ ٣٠٤، وأبو عوانة: ٢/ ١٧٠، والبيهقي في الصلاة: ٢/ ٨٧ - ٨٨، والطحاوي في شرح معاني الآثار: ١/ ٢٣٤، وأحمد: ١/ ٢١٩، وصححه ابن خزيمة: ٥٤٨.
(٣) أخرجه أبو داود في الأدب باب في حق المملوك: ٥١٥٦، وابن ماجه في الوصايا باب هل أوصى رسول الله - ﷺ -: ٢٦٩٨، وأحمد: ١/ ٧٨، والبيهقي في سننه: ٨/ ١١، وهو صحيح لشواهده فقد جاء عن أنس وأم سلمة وسيأتي تخريج هذين الحديثين فيما يلي هذا الحديث.
[ ٥٦٧ ]
٨٩٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "كان عامة وصية رسول الله - ﷺ - وهو يغرغر بنفسه: "الصلاة، وما ملكت أيمانكم" (١).
١٦ - خروج النبي ﷺ وائتمام أبي بكر به وائتمام الناس بأبي بكر:
٨٩٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما ثقل رسول الله - ﷺ - جاء بلال يؤذنه بالصلاة، فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس"، قالت: فقلت: يا رسول الله! إن أبا بكر رجل أسيف وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر. فقال: "مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فقلت لحفصة: قولي له: إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر! فقالت له، فقال رسول الله - ﷺ - "إنكن لأنتن صواحب يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس" قالت: فأمروا أبا بكر يصلي بالناس".
قالت: فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله - ﷺ - من نفسه خفة، فقام يهادي بين رجلين، ورجلاه تخطان في الأرض، قالت: فلما دخل المسجد، سمع أبو بكر حسه. ذهب يتأخر فأومأ إليه رسول الله - ﷺ - قم مكانك. فجاء رسول الله - ﷺ - حتى جلس عن يسار أبي بكر. قالت: فكان رسول الله - ﷺ - يصلي بالناس جالسًا، وأبو بكر قائمًا، يقتدي أبو بكر بصلاة النبي - ﷺ -، ويقتدي الناس بصلاة أبي بكر" (٢) اللفظ لمسلم.
١٧ - نهيه عن اتخاذ القبور مساجد:
٨٩٤ - من حديث جندب بن عبد الله البجلي ﵁ أنه سمع النبي - ﷺ - قبل أن يموت بخمس وهو يقول:
_________________
(١) أخرجه ابن ماجه في الوصايا باب هل أوصى رسول الله - ﷺ -: ٢٦٩٧، وأحمد: ٣/ ١١٧، وابن حبان كما في الإحسان: ٦٥٧١، والنسائي كما وفاة النبي - ﷺ -: ١٨، ١٩، والحاكم: ٣/ ٥٧، وسقط من إسناده عند الحاكم قتادة وإسناده صحيح لغيره، لشواهد من حديث علي وأم سلمة، وأما حديث علي فقد سبق إخراجه وأما حديث أم سلمة فأخرجه ابن ماجه في الجنائز حديث: ١٦٢٥، وأحمد: ٦/ ٣١١ - ٣٢١، وقال البوصيري: إسناده صحيح على شرط الصحيحين.
(٢) سبق تخريجه برقم: ٨٧٥.
[ ٥٦٨ ]
(قد كان لي فيكم إخوة وأصدقاء، وإني أبرأ إلى الله أن يكون لي فيكم خليل، وإن الله -﷿- اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك) (١) اللفظ لأبي عوانة.
٨٩٥ - من حديث عائشة وابن عباس ﵃: "أن رسول الله - ﷺ - لما حضرته الوفاة جعل يلقي على وجهه طرف خميصة له، فإذا اغتم كشفها عن وجهه وهو يقول: "لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد". تقول عائشة: يحذر مثل الذي صنعوا" (٢).
٨٩٦ - من حديث أبي عبيدة بن الجراح ﵁ قال: "آخر ما تكلم به النبي - ﷺ -: "أخرجوا يهود أهل الحجاز، وأهل نجران من جزيرة العرب، واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبورهم أنبيائهم مساجد" (٣).
١٨ - البحة التي أصابته ﷺ وتخييره بين الدنيا والآخرة:
٨٩٧ - من حديث عائشة قالت: "كنت أسمع أنه لن يموت نبي حتى يخير بين الدنيا والآخرة. قالت: فسمعت النبي - ﷺ - في مرضه الذي مات فيه، وأخذته بُحَّةٌ، يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ (٤).
_________________
(١) أخرجه مسلم في المساجد ومواضع الصلاة باب النهي عن بناء المساجد على القبور: ٥٣٢، وأبو عوانة: ١/ ٤٠١، والطبراني في المعجم الكبير: ١٦٨٦، وابن سعد: ٢/ ٢٤٠، إلا أن ابن سعد أخرجه مختصرًا.
(٢) أخرجه البخاري في الصلاة باب ٥٥ حديث رقم: ٤٣٥، وانظر الأحاديث: ١٣٣٠، ١٣٩٠، ٣٤٥٣، ٤٤٤١، ٤٤٤٣، ٥٨١٥، مسلم في المساجد باب النهي عن بناء المساجد على القبور: ٥٣١، والنسائي في المساجد باب النهي عن اتخاذ القبور مساجد: ٢/ ٤٠، وأبو عوانة: ١/ ٣٩٩، والدرامي: ١/ ٣٢٦، وأحمد في المسند: ١/ ٢١٨، ٦/ ٣٤، ٢٢٩، ٢٧٥، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٥٨.
(٣) أخرجه أحمد: ١/ ١٩٥، والطحاوي في مشكل الآثار: ٤/ ١٣، وأبو يعلى: ٨٧٢، بسند صحيح، وقال الهيثمي في المجمع: ٥/ ٣٢٥، رواه أحمد بأسانيد ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما، ورواه أبو يعلى، وقال في المجمع: ٢/ ٢٨: رواه البزار ورجاله ثقات".
(٤) النساء آية: ٦٩.
[ ٥٦٩ ]
قالت: فظننته خير حينئذ" (١).
وفي رواية قالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يقول وهو صحيح "إنه لم يقبض نبي قط، حتى يرى مقعده في الجنة ثم يخير" قالت عائشة: فلما نزل برسول الله - ﷺ -، ورأسه على فخذي، غشي عليه ساعة ثم أفاق فأشخص بصره إلى السقف، ثم قال: "اللهم! الرفيق الأعلى".
قالت عائشة: قلت: إذًا لا يختارنا.
قالت عائشة: وعرفت الحديث الذي يحدثنا به وهو صحيح في قوله: "إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يخير".
قالت عائشة: فكانت تلك آخر كلمة تكلم بها رسول الله - ﷺ - قوله: "اللهم الرفيق الأعلى".
١٩ - تسوكه قبيل موته:
٨٩٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن من نعم الله عليّ أن رسول الله - ﷺ - توفي في بيتي، وفي يومي، وبين سحري ونحري، وأن الله جمع بين ريقي وريقه عند موته.
دخل علي عبد الرحمن وبيده السواك، وأنا مسندة رسول الله - ﷺ -، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يحب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه أن نعم، فتناولته فاشتد عليه، وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن "نعم"، فلينته فأمره، وبين يديه ركوه -أو علبة يشك عمر- فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول: "لا إله إلا الله، إن للموت سكرات"، ثم نصب يده فجعل يقول: "في الرفيق الأعلى"، حتى قبض ومالت يده" (٢).
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي - ﷺ -: ٤٤٣٥، وانظر: ٤٤٣٦، ٤٤٣٧، ٤٤٦٣، ٤٥٨٦، ٦٣٤٨، ٦٥٠٩، ومسلم في فضائل الصحابة باب فضل عائشة: ٢٤٤٤، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ -: ١٦٢٠، الطيالسي: ٢/ ١١٣ - ١١٤ حديث: ٢٣٩٠، وأحمد في المسند: ٦/ ٤٨، ١٧٦، ٢٠٠، ٢٠٥، ٢٧٤، من طرق عن عائشة.
(٢) أخرجه البخاري في الجمع باب من تسوك بسواك غيره: ٨٩٠، وانظر الأرقام التالية: ١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠، والنسائي في الجنائز باب شدة الموت: ٤/ ٦ - ٧، وأحمد في المسند: ٦/ ٤٨، ١٢١، ٢٠٠ من طرق عنها.
[ ٥٧٠ ]
٢٠ - آخر ابتسامة ابتسمها النبي ﷺ:
٨٩٩ - من حديث أنس بن مالك ﵁ "أن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع رسول الله - ﷺ - الذي توفي فيه. حتى إذا كان يوم الإثنين. وهم صفوف في الصلاة. كشف رسول الله - ﷺ - ستر الحجرة فنظر إلينا وهو قائم، كأن وجهه ورقة مصحف (١)، ثم تبسم رسول الله - ﷺ - ضاحكًا.
قال: فبهتنا ونحن في الصلاة، من فرح بخروج رسول الله - ﷺ -، ونكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أنّ رسول الله - ﷺ - خارج للصلاة. فأشار إليهم رسول الله - ﷺ - بيده: "أن أتموا صلاتكم". قال: ثم دخل رسول الله - ﷺ - ثمّ فأرخى الستر. قال: فتوفي رسول الله - ﷺ - من يومه ذلك" (٢).
٢١ - متى توفي ﷺ:
٩٠٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "دخلت على أبي بكر ﵁ فقال: في كم كفنتم النبي - ﷺ -؟ قالت: في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة.
وقال لها: في أي يوم توفي رسول الله - ﷺ -؟ قالت: يوم الإثنين.
قال: فأي يوم هذا؟ قالت: يوم الإثنين قال: أرجو فيما بيني وبين الليل. فنظر إلى ثوب عليه كان يمرض فيه، به ردع من زعفران فقال: اغسلوا ثوبي هذا، وزيدوا عليه ثوبين فكفننوني فيهما. قلت: إن هذا خلق. قال: إن الحي أحق بالجديد من الميت، إنما هو للمهلة. فلم يتوف حتى أمسى من ليلة الثلاثاء، ودفن قبل أن يصبح" (٣) اللفظ للبخاري.
_________________
(١) كأن وجهه ورقة مصحف: عبارة عن الجمال البارع وحسن البشرة وصفاء الوجه واستنارته.
(٢) أخرجه البخاري في الأذان باب أهل العلم والفضل أحق بالإمامة: ٦٨٠، وانظر الأرقام: ٦٨١، ٧٥٤، ١٢٠٥،٤٤٤٨، مسلم في الصلاة باب استخلاف الإِمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما: ٤١٩، والنسائي في الجنائز باب الموت يوم الإثنين: ٤/ ٧، الترمذي في الشمائل: ٣٦٧، ابن ماجة في الجنائز باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله - ﷺ -: ١٦٢٤، والحميدي: ١١٨٨، والبيهقي في السنن: ٣/ ٧٥، وأحمد في المسند: ٣/ ١١٠، ١٦٣، ١٩٦، ٢١١ جميعًا من طريق عن أنس.
(٣) البخاري في الجنائز باب موت يوم الإثنين: ١٣٨٧، والبيهقي في الجنائز باب جماع أبواب وقت الصلاة على الجنائز: ٤/ ٣١، وابن سعد في الطبقات: ٣/ ١ / ١٤٣، وأحمد في المسند ٦/ ١١٨، ١٣٢، من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة.
[ ٥٧١ ]
٢٢ - خطبة عمرو وأبي بكر بعد وفاة النبي ﷺ:
٩٠١ - من حديث عائشة ﵂ قالت: " ولم أمرض أحدًا قبله. فبينما رأسه ذات يوم على منكبي، إذ مال رأسه نحو رأسي، فظننت أنه يريد من رأسي حاجة، فخرجت من فيه نطفة باردة، فوقعت على ثغرة نحري، فاقشعر لها جلدي، فظننت أنه غشي عليه، فسجيته ثوبًا.
فجاء عمر والمغيرة بن شعبة فاستأذنا، فأذنت لهما وجذبت إليّ الحجاب، فنظر عمر إليه فقال: واغشياه ما أشد غشي رسول الله - ﷺ - ثم قاما، فلما دنوا من الباب، قال المغيرة: يا عمر مات رسول الله - ﷺ -، قال: كذبت، بل أنت رجل تحوسك فتنة. إن رسول الله - ﷺ - لا يموت حتى يفني الله ﷿ المنافقين.
ثم جاء أبو بكر فرفعت الحجاب، فنظر إليه وقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، مات رسول الله - ﷺ -، ثم أتاه من قبل رأسه فحدر فاه، وقبل جبهته ثم قال: وانبياه، ثم رفع رأسه ثم حدر فاه وقبل جبهته، ثم قال: واصفياه، ثم رفع رأسه وحدر فاه وقبل جبهته وقال: واخليلاه مات رسول الله - ﷺ -.
فخرج إلى المسجد، وعمر يخطب الناس ويتكلم ويقول: إن رسول الله - ﷺ - لا يموت حتى يفني الله -﷿- المنافقين، فتكلم أبو بكر: فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إن الله ﷿ يقول ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ حتى فرغ من الآية. ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ﴾ حتى فرغ من الآية فمن كان يعبد الله غز وجل، فإن الله حي لا يموت، ومن كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، فقال عمر: وإنها لفي كتاب الله ما شعرت أنها في كتاب الله، ثم قال عمر: يا أيها الناس هذا أبو بكر وهو ذو شيبة المسلمين فبايعوه فبايعوه" (١).
٩٠٢ - من حديث عائشة وابن عباس ﵄: "أن أبا بكر رضي الله
_________________
(١) أخرجه أحمد: ٦/ ٣١، مختصرًا: ٦/ ٢١٩ - ٢٢٠، مطولًا والترمذي في الشمائل برقم: ٣٧٣، وأبو يعلى: ٤٨، وابن سعد: ٢/ ٢٦٧، وفيه يزيد بن بابنوس ما روى عنه غير أبي عمران الجوني، وقال الدارقطني: (لا بأس به) وذكره ابن حبان في الثقات فهو حسن الإسناد إن شاء الله تعالى.
[ ٥٧٢ ]
عنه قبل النبي - ﷺ - بعد موته" (١).
٩٠٣ - من حديث عائشة ﵂: "أن أبا بكر ﵁ أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل فدخل المسجد فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة، فتيمم رسول الله - ﷺ - وهو مغشي بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتين، أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها" (٢).
٩٠٤ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄: "أن أبا بكر خرج وعمر يكلم الناس، فقال: اجلس يا عمر، فأبى عمر أن يجلس، فأقبل الناس إليه وتركوا عمر. فقال أبو بكر: "أما بعد من كان منكم يعبد محمدًا - ﷺ - فإن محمدًا قد مات، ومن كان منكم يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت، قال الله ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ -إلى قوله- الشَّاكِرِينَ﴾ (٣).
وقال: والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها منه الناس كلهم، فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها.
فأخبرني سعيد بن المسيب أن عمر قال: والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى ما تقلني رجلاي، وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها، علمت أن النبي - ﷺ - قد مات" (٤).
٢٣ - قصة سقيفة بني ساعدة:
٩٠٥ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين منهم عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى وهو عند عمر بن
_________________
(١) أخرجه البخاري في المغازي باب مرض النبي ووفاته: ٤٤٥٥، وفي الطب باب اللدود: ٥٧٠٩، والنسائي في الجنائز باب تقبيل الميت: ٤/ ١١، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في تقبيل الميت: ١٤٥٧، وأحمد في المسند: ٦/ ٥٥.
(٢) أخرجه البخاري في الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه:١٢٤١ وأطرافه: ٣٦٦٧، ٣٦٦٩، ٤٤٥٢، ٤٤٥٥، ٥٧١٠، والنسائي في الجنائز باب تقبيل الميت: ٤/ ١١، وابن ماجة في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه - ﷺ - رقم: ١٦٢٧.
(٣) آل عمران: آية: ١٤٤.
(٤) البخاري في الجنائز باب الدخول على الميت بعد الموت إذا أدرج في أكفانه: ١٢٤٢، وأطرافه: ٣٦٦٨، ٣٦٧٠، ٤٤٥٣، ٤٤٥٤، ٤٤٥٧، ٥٧١١.
[ ٥٧٣ ]
الخطاب في آخر حجة حجها، إذ رجع إليَّ عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين، فقال: يا أمير المؤمنين، هل لك في فلان يقول: والله لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. قال عبد الرحمن: فقلت: يا أمير المؤمنين لا تفعل، فإن الموسم يجمع رعاع (١) الناس وغوغائهم، فإنهم هم الذين يغلبون على قربك حين تقوم في الناس. وأنا أخشى أن تقوم فتقول مقالة يطيرها عنك كل مُطيِّر. وأن لا يعوها، وأن لا يضعوها على مواضعها، فأمهل حتى تقدم المدينة فإنها دار الهجرة والسُّنة فتخلص بأهل الفقه وأشراف الناس، فتقول ما قلت متمكنًا، فيعي أهل العلم مقالتك، ويضعونها على مواضعها. فقال عمر: أما والله -إن شاء الله- لأقومن بذلك أول مقام أقومه بالمدينة.
قال ابن عباس: فقدمنا المدينة في عقب ذي الحجة، فلما كان يوم الجمعة عجلت الرواح حين زاغت الشمس حتى أجد سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل جالسًا إلى ركن المنبر، فجلست حوله تمس ركبتي ركبته، فلم أنشب أن خرج عمر بن الخطاب فلما رأيته مقبلًا قلت لسعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: ليقولن العشية مقالة لم يقلها منذ استخلف. فأنكر علي وقال: ما عسيت أن يقول ما لم يقل قبله! فجلس عمر على المنبر، فلما سكت المؤذنون قام، فأثنى على الله بما هو أهله ثم قال: "أما بعد: فإني قائل لكم مقالة قد قدر لي أن أقولها،لا أدري لعلها بين يدي أجلي، فمن عقلها ووعاها فليحدث بها حيث انتهت به راحلته، ومن خشي أن لا يعقلها فلا أحل لأحد أن يكذب علي، إن الله بعث محمدًا - ﷺ - بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف. ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله: (لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم) - (أو إن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) - ألا ثم إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تطروني كما
_________________
(١) الرعاع: أساقط الناس.
[ ٥٧٤ ]
أطري عيسى بن مريم وقولوا عبد الله ورسوله".
ثم إنه بلغني أن قائلًا منكم يقول والله لو قد مات عمر بايعت فلانًا، فلا يغترن امرؤ أن يقول إنما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمت، ألا وإنها قد كانت كذلك، ولكن الله وقى شرها، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر.
من بايع رجلًا من غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا (١)، وإنه قد كان من خبرنا حين توفي الله نبيه - ﷺ -، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم. فقلت: والله لنأتينهم. فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل (٢) بين ظهراينهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك.
فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإِسلام، وأنتم معشر المهاجرين رهط، وقد دفت دافة من قومكم (٣)، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يخصنونا من الأمر. فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زورت مقالة (٤) أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد (٥)، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رسلك. فكرهت أن أغضبه. فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت.
فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا
_________________
(١) تغرة أن يقتلا: أي جميعًا.
(٢) رجل مزمل: أي ملتف يقال تزمل الرجل إذا التف في كساء أو غيره.
(٣) وقد دفت دافة: الدافة: الجماعة تأتي من البادية إلى الحاضرة والدافة أيضًا: الجماعة تسير في رفق.
(٤) وقد زورت مقالة: زور الكلام إذا أصلحه وحسنه.
(٥) أداري منه بعض الحد: أي أنه كان في خلقه حده، فكان عمر ﵁ يداريه.
[ ٥٧٥ ]
الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبًا (١) ودارًا (٢)، وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم- فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا. فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول لي نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك (٣). وعذيقها المرجب (٤). منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش. فأكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، فبايعته، وبايعه المهاجرون، ثم بايعته الأنصار، ونزونا على سعد بن عبادة (٥)، فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة، قلت: قتل الله سعد بن عبادة.
قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة، أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا، فإما بايعناهم على ما لا نرضى، وإما نخالفهم فيكون فسادًا، فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا" (٦).
_________________
(١) أوسط العرب نسبًا: يعني أشرفهم، قال الله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾.
(٢) ودارًا: يعني مكة لأنها أشرف البقاع.
(٣) جذيلها المحكك وعذيقها المرجب: الجذيل تصغير جذل، وهو العود يكون في وسط مبرك الإبل تحتك به وتستريح إليه، فتضرب به العرب المثل للرجل يستشفي برأيه وتوجد الراحة عنده، وعذيق تصغير عذق وهو النخلة بنفسها.
(٤) المرجب: الذي تبنى إلى جانبه دعامة ترفده لكثرة حمله ولعزه على أهله، وتضرب به المثل في الرجل الشريف الذي يعظمه قومه واسم الدعامة التي تدعم بها النخلة الرجبية وفيه اشتقاق شهر رجب، لأنه يعظم في الجاهلية والإِسلام.
(٥) ونزونا على سعد بن عبادة: ارتفعنا ووطئنا عليه.
(٦) أخرجه البخاري في المظالم باب ما جاء في السقائف: ٢٤٦٢، وانظر أطرافه: ٣٤٤٥، ٣٩٢٨، ٤٠٢١، ٦٨٢٩، ٦٨٣٠، ٧٣٢٣، ومسلم في الحدود باب رجم الثيب في الزنا: ١٦٩١، وأبو داود في الحدود باب في الرجم: ٤٤١٨، والترمذي في الحدود باب ما جاء في تحقيق الرجم: ١٤٣٢، وابن ماجة في الحدود: ٢٥٥٣، والدارمي: ٢/ ١٧٩، وابن الجارود: ٨١٢، والبيهقي: ٨/ ٢١١، وعبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٤٣٩ - ٤٤٥، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٦٩، وأحمد في المسند: ١/ ٢٩، ٤٠، ٥٠، ٥٥، ٥٦، من طريق عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس تارة مطولًا وتارة مختصرًا. وقد جاء من حديث ابن سعود قوله: لما قبض رسول الله - ﷺ - قالت الأنصار: منا أمير وفيكم أمير، فأتاهم عمر فقال: يا معشر الأنصار ألستم تعلمون أن رسول الله - ﷺ - أمر أبا بكر أن يصلي بالناس فأبكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر؟ قالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر". أخرجه الحاكم: ٣/ ٦٧، وأحمد: ١/ ٣٩٦، ٤٠٥، وابن سعد: ٣/ ١٧٨ - ١٧٩، وقال الحاكم صحيح الإسناد ووافقه الذهبي.
[ ٥٧٦ ]
٢٤ - خطبة عمر وأبي بكر قبل وبعد البيعة:
٩٠٦ - ومن حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد، جلس أبو بكر على المنبر، فقام عمر، فتكلم قبل أبي بكر، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال:
"أيها الناس إني كنت قلت لكم بالأمس مقالة، ما كانت مما وجدتها في كتاب الله، ولا كانت عهدًا عهده إلى رسول الله - ﷺ -، ولكني قد كنت أرى أن رسول الله - ﷺ - سيدبر أمرنا، يقول: يكون آخرنا -وإن الله قد أبقى فيكم كتابه الذي به هدى الله رسوله - ﷺ -، فإن اعتصمتم به هداكم الله لما كان هداه له، وإن الله قد جمع أمركم على خيركم، صاحب رسول الله - ﷺ - ثاني اثنين إذ هما في الغار، فقوموا فبايعوه".
فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة، بعد بيعة السقيفة.
فتكلم أبو بكر، فحمد الله، وأثنى عليه بالذي هو أهله، ثم قال: "أما بعد أيها الناس، فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم، فإن أحسنت فأعينوني، وإن أسأت فقوموني، الصدق أمانة، والكذب خيانة، والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله، والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله، لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل، ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله، فإذا عصيت الله ورسوله، فلا طاعة لي عليكم، قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (١).
٢٥ - قصة مبايعة علي والزبير:
٩٠٧ - من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: "لما توفي رسول الله - ﷺ - قام خطباء الأنصار فجعل الرجل منهم يقول: يا معشر المهاجرين إن رسول
_________________
(١) أخرجه عبد الرزاق في المصنف: ٥/ ٤٣٧ - ٤٣٨، وسنده صحيح، وابن إسحاق في السيرة كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٦٦٠ - ٦٦١، وسنده صحيح، وصرح ابن إسحاق بالتحديث، ومن طريقه في تاريخ الطبري: ٣/ ٢٠٣، وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٧١، مرسلًا عن الزهريّ، وابن حبان في صحيحه كما في الموارد: ص ٥٣٣ - ٥٣٤، وفي سنده محمَّد بن أبي السري وفيه كلام انظر الميزان: ٤/ ٢٣ - ٢٤، فيكون الحديث صحيحًا من طريق ابن إسحاق وعبد الرزاق، وصححه ابن كثير في السيرة: ٤/ ٤٩٢ - ٤٩٣ وهذا إسناد صحيح.
[ ٥٧٧ ]
الله ﵌ كان إذا استعمل رجلًا منكم قرن معه رجلًا منا فنرى أن يلي هذا الأمر رجلان أحدهما منكم، والآخر منا.
قال: فتتابعت خطباء الأنصار على ذلك فقام زيد بن ثابت فقال: إن رسول الله - ﷺ - كان من المهاجرين، وإن الإِمام يكون من المهاجرين، ونحن أنصاره كما كنا أنصار رسول الله - ﷺ -. فقام أبو بكر ﵁ فقال: جزاكم الله خيرًا يا معشر الأنصار وثبت قائلكم ثم قال: أما لو فعلتم غير ذلك لما صالحناكم، ثم أخذ زيد بن ثابت بيد أبي بكر فقال: هذا صاحبكم فبايعوه.
ثم انطلقوا، فلما قعد أبو بكر على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًّا فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به. فقال أبو بكر: ابن عم رسول الله ﵌ وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين؟
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله - ﷺ - فبايعه. ثم لم ير الزبير بن العوام فسأل عنه حتى جاءوا به.
فقال: ابن عمة رسول الله - ﷺ - وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله - ﷺ - فبايعاه" (١).
٢٦ - قصة تغسيله ﷺ:
٩٠٨ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما أرادوا غسل النبي - ﷺ - قالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله - ﷺ - من ثيابه، كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه، فلما اختلفوا، ألقى الله ﷿ النوم حتى ما فيهم رجل إلا وذقنه في صدره، ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو، أن اغسلوا النبي - ﷺ - وعليه ثيابه فقاموا إلى رسول الله - ﷺ -، فغسلوه وعليه قميصه، يصبون الماء فوق القميص، ويدلكونه بالقميص دونه أيديهم، فكانت عائشة تقول:
_________________
(١) أخرجه الحاكم في المستدرك: ٣/ ٧٦، ومن طريقه أخرجه البيهقي في قتال أهل البغي باب الأئمة من قريش: ٨/ ١٤٣، وقال البيهقي: قال أبو علي الحافظ: سمعت محمَّد بن إسحاق بن خزيمة يقول: جاءني مسلم بن الحجاج فسألني عن هذا الحديث، فكتبته له في رقعة وقرأته عليه فقال: هذا حديث يسوي بدنة. فقلت: يسوى بدنه بل يسوي بدرة. وقال الحاكم صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، وقال ابن كثير في السيرة: ٤/ ٤٩٥ هذا إسناد صحيح محفوظ من حديث أبي نضرة المنذر بن مالك بن نطعة، عن أبي سعيد بن مالك بن سنان الخدري.
[ ٥٧٨ ]
لو استقبلت من أمري، ما استدبرت، ما غسله إلا نساؤه" اللفظ لأبي داود (١).
٩٠٩ - من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "غسلت رسول الله - ﷺ - فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﵌ حيًّا وميتًا. ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي والعباس والفضل وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد رسول الله ﵌ لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا" (٢).
٢٧ - صفة كفنه ﷺ:
٩١٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: كفن رسول الله - ﷺ - في ثلاثة أثواب بيض سحولية (٣)، من كرسف (٤)، ليس فيها قميص، ولا عمامة. أما الحلة، فإنما شبه على الناس فيها، أنها اشتريت له ليكفن فيها، فتركت الحلة، كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية. فأخذها عبد الله بن أبي بكر. فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسي، ثم قال: لو رضيها الله ﷿ لنبيه لكفنه فيها. فباعها وتصدق بثمنها" (٥) اللفظ لمسلم.
_________________
(١) أخرجه أبو داود في الجنائز باب في ستر الميت عند غسله: ٣١٤١، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في غسل الرجل امرأته: ١٤٦٤، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٩، والبيهقي في الجنائز باب غسل المرأة زوجها: ٣/ ٣٩٨، وصححه الحاكم وأقره الذهبي وابن حبان كما في الإحسان ٦٥٩٣، ٦٥٩٤، وقال البوصيري في مصباح الزجاجة: ٢/ ٢٥: هذا إسناد صحح رجاله ثقات، ومحمد بن إسحاق وإن كان مدلسًا ورواه بالعنعنة في هذا الإسناد فقد رواه ابن الجارود، وابن حبان والحاكم في المستدرك من طريق ابن إسحاق مصرحًا بالتحديث فزالت تهمة تدليسه، ورواه الإمام الشافعي في مسنده من هذا الوجه، ورواه البيهقي من طريق الحاكم ورواه أبو يعلى الموصلي في مسنده من طريق محمَّد بن إسحاق، حدثنا يحيى بن عباد، قد كره بزيادة طويلة كما بينته في زوائد المسانيد العشرة).
(٢) أخرجه الحاكم: ١/ ٣٦٢، والبيهقي: ٤/ ٥٣، وإسناده صحيح، وقد صححه الحاكم ووافقه الذهبي، وأخرجه ابن ماجه في الجنائز، باب ما جاء في غسل النبي - ﷺ - رقم: ١٤٦٧.
(٣) سحولية: بفتح السين وضمها: هي ثياب بيض نقية لا تكون إلا من القطن. وقال آخرون: هي منسوبة إلى سحول مدينة باليمن تحمل منها هذه الثياب.
(٤) الكرسف: القطن.
(٥) أخرجه البخاري في الجنائز باب الثياب البيض للكفن: ١٢٦٤، وانظر: ١٢٧١، ١٢٧٢، ١٢٧٣، ١٣٨٧، ومسلم في الجنائز باب ما جاء في كفن الميت: ٩٤١، وأبو داود في الجنائز باب في الكفن: ٣١٥١ - ٣١٥٢ الترمذي في الجنائز باب ما جاء في كفن النبي: ٩٩٦، والنسائي في الجنائز باب كفن النبي: ٤/ ٥٣، وابن ماجه في الجنائز باب ما جاء في كفن النبي: ١٤٦٩، وعبد الرزاق: ٦١٧١، وابن سعد: ٣/ ١ / ١٤٣، ومالك: ١/ ٢٢٣، الشافعي في الأم: ١/ ٢٦٦، وفي المسند: ص ٣٥٦ والطيالسي: ١٤٥٣، والبيهقي: ٣/ ٣٩٩ - ٤٠٠، وأحمد في المسند: ٦/ ٤٠، ٩٣، ١١٨، ١٣٢، ١٦٥، ١٩٢، ٢٠٤، ٢١٤، ٢٣١، ٢٦٤، من طرق عن عائشة.
[ ٥٧٩ ]
٢٨ - كيفية الصلاة عليه ﷺ:
٩١١ - من حديث سالم بن عبيد ﵁ قال: "أغمي علي رسول الله - ﷺ - في مرضه فأفاق، فقال: "حضرت الصلاة؟ ". فقالوا: نعم. فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر أن يصلي بالناس" أو قال: "الناس".
قال: ثم أغمي عليه فأفاق فقال: "حضرت الصلاة؟ ". فقالوا: نعم، فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، ومروا أبا بكر فليصل بالناس". فقالت عائشة: إن أبي رجل أسيف، إذا قام ذلك المقام بكى فلا يستطيع، فلو أمرت غيره.
قال: ثم أغمي عليه فأفاق، فقال: "مروا بلالًا فليؤذن، مروا أبا بكر فليصل بالناس، فإنكن صواحب أو صواحبات يوسف". قال فأمر بلالُ فأذَّن، وأمر أبو بكر فصلى بالناس، ثم إن رسول الله - ﷺ - وجد خفة، فقال: "انظروا لي من أتكيء عليه" فجاءت بريرة ورجل آخر فاتكأ عليهما، فلما رآه أبو بكر ذهب لينكص فأومأ إليه أن يثبت مكانه، حتى قضى أبو بكر صلاته.
ثم إن رسول الله - ﷺ - قبض. فقال عمر: والله لا أسمع أحدًا يذكر أن رسول الله - ﷺ - قبض إلا ضربته بسيفي هذا. قال: وكان الناس أميين لم يكن فيهم نبي قبله. فأمسك الناس، فقالوا: يا سالم انطلق إلى صاحب رسول الله - ﷺ - فادعه، فأتيت أبا بكر وهو في المسجد، فأتيته أبكي دهشًا.
فلما رآني قال لي: أقبض رسول الله - ﷺ -؟ قلت: إن عمر يقول: لا أسمع أحدًا يذكر رسول الله - ﷺ -. قبض إلا ضربته بسيفي هذا! فقال لي: انطلق. فانطلقت معه، فجاء والناس قد دخلوا على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا أيها الناس أفرجوا لي. فأفرجوا له، فجاء حتى أكب عليه، ومسه، فقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ (١)، ثم قالوا: يا صاحب رسول الله - ﷺ - أقبض رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، فعلموا أن قد صدق.
قالوا: يا صاحب رسول الله - ﷺ -: أيصلى على رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم، قالوا: وكيف؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، ثم يدخل قوم فيكبرون ويصلون ويدعون، ثم يخرجون، حتى يدخل الناس،
_________________
(١) الزمر: آية: ٣٠.
[ ٥٨٠ ]
قالوا: يا صاحب رسول الله! يدفن رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم. قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب. فعلموا أن قد صدق.
ثم أمرهم أن يغسله بنو أبيه، واجتمع المهاجرين يتشاورون، فقالوا: انطلق بنا إلى إخواننا من الأنصار ندخلهم معنا في هذا الأمر، فقالت الأنصار: منا أمير، ومنكم أمير، فقال عمر بن الخطاب: من له مثل هذه الثلاثة ﴿ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ من هما؟ قال: ثم بسط يده فبايعه، وبايعه الناس بيعة حسنة جميلة" (١).
٢٩ - اختيار اللحد لدفنه ﷺ:
٩١٢ - من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال في مرضه الذي هلك فيه: "الحدوا لي لحدًا، وانصبوا عليَّ اللبن نصبًا، كما صنع برسول الله - ﷺ -" (٢).
٩١٣ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما مات رسول الله - ﷺ - اختلفوا في اللحد والشق، حتى تكلموا في ذلك. وارتفعت أصواتهم.
فقال عمر: لا تصخبوا عند رسول الله - ﷺ - حيًّا ولا ميتًا. أو كلمة نحوها. فأرسلوا إلى الشقاق واللاحد. فجاء اللاحد، فلحد لرسول الله - ﷺ -. ثم دفن - ﷺ -" (٣).
_________________
(١) أخرجه ابن ماجة في الصلاة باب صلاة رسول الله في مرضه: ١٢٣٤، مقتصرًا على بعضه، وأخرجه بطوله الترمذي في الشمائل: ٣٧٨، والطبراني في المعجم الكبير: ٦٣٦٧، وقال البوصيري في الزوائد: ١/ ٤٠٦، هذا إسناد صحيح رجاله ثقات، وأخرجه النسائي في وفاة النبي: ٤٢ وقال الهيثمي في المجمع: ٥/ ١٨٣: روى ابن ماجة بعضه ورواه الطبراني ورجاله ثقات وأخرجه ابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢٧٥، والبيهقي في دلائل النبوة: ٧/ ٢٥٩.
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز باب في اللحد ونصب اللبن على الميت: ٩٦٦، والنسائي في الجنائز باب اللحد والشق: ٤/ ٨٠، وابن ماجة في الجنائز باب ما جاء في استحباب اللحد: ١٥٥٦، والطحاوي في مشكل الآثار: ٤/ ٤٦.
(٣) أخرجه ابن ماجة في الجنائز باب ما جاء في الشق حديث رقم: ١٥٥٨، وقال البوصيري في الزوائد: ١/ ٥٠٧، إسناد صحيح ورجاله ثقات.
[ ٥٨١ ]
٣٠ - مكان دفنه ﷺ:
٩١٤ - من حديث سالم بن عبيد ﵁ "قالوا: يا صاحب رسول الله - ﷺ - أيدفن رسول الله - ﷺ - قال: نعم. قالوا: أين؟ قال: في المكان الذي قبض فيه روحه، فإن الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب " (١).
٩١٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "لما قبض رسول الله - ﷺ - اختلفوا في دفنه. فقال أبو بكر: سمعت من رسول الله - ﷺ - شيئًا ما نسيته. قال: "ما قبض الله نبيًّا إلا في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه" ادفنوه في موضع فراشه" (٢).
٣١ - من ولي دفنه ونزل في قبره ﷺ:
٩١٦ - من حديث علي بن أبي طالب كرم الله وجهه قال: "غسلت رسول الله - ﷺ - فذهبت أنظر ما يكون من الميت، فلم أر شيئًا، وكان طيبًا ﵌ حيًّا وميتًا، ولي دفنه وإجنانه دون الناس أربعة: علي، والعباس، والفضل، وصالح مولى رسول الله - ﷺ -، ولحد رسول الله - ﷺ - لحدًا، ونصب عليه اللبن نصبًا" (٣).
٩١٧ - من حديث ابن عباس ﵄ قال: "دخل قبر رسول الله - ﷺ - العباس وعلي والفضل، وشق لحده رجل من الأنصار، وهو الذي يشق لحود قبور الشهداء" (٤).
_________________
(١) سبق تخريجه حديث رقم: ٩١١.
(٢) أخرجه الترمذي في الجنائز باب: ٣٣، حديث رقم: ١٠١٨، وفي الشمائل حديث رقم: ٣٧١، وقال الترمذي: هذا حديث غريب وعبد الرحمن بن أبي بكر يضعف من قبل حفظه" لكن الحديث صحيح لشواهده فقد جاء من حديث ابن عباس وأخرجه ابن ماجه: ١٦٢٨، والبيهقي: ٣/ ٤٠٧، وأحمد في المسند: ١/ ٢٦٠، وأبو يعلى: ٢٢، ٢٣، وفيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله ابن عباس وهو ضعيف، وحديث سالم بن عبيد الذي سبق تخريجه: ٩١١.
(٣) سبق تخريجه حديث رقم: ٩٠٩.
(٤) ابن الجارود في المنتقى حديث: ٥٤٧، وابن حبان كما في الموارد: ٢١٦١، والإحسان حديث: ٦٥٩٩، والبيهقي في دلائل النبوة: ٧/ ٢٥٤، وإسناده صحيح.
[ ٥٨٢ ]
٣٢ - ماذا فرش للرسول ﷺ في قبره:
٩١٨ - من حديث عبد الله بن عباس ﵄ قال: "جعل في قبر رسول الله - ﷺ - قطيفة حمراء (١) " (٢).
٩١٩ - جاء من طريق محمَّد بن جعفر عن أبيه قال: "الذي ألحد قبر رسول الله - ﷺ - أبو طلحة، والذي ألقى القطيفة تحته شقران مولى رسول الله - ﷺ -. قال جعفر: وأخبرني عبيد الله بن أبي رافع قال: سمعت شقران يقول: أنا والله طرحت القطيفة تحت رسول الله - ﷺ - في القبر" (٣).
٣٣ - متى دفن النبي ﷺ:
٩٢٠ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "توفي رسول الله - ﷺ - يوم الإثنين ودفن ليلة الأربعاء" (٤).
٣٤ - آخر الناس عهدًا برؤية النبي ﷺ:
٩٢١ - من حديث عبد الله بن الحارث قال: "اعتمرت مع علي بن أبي طالب رضوان الله عليه في زمان عمر، أو زمان عثمان، فنزل على أخته أم هانئ بنت أبي طالب، فلما فرغ من عمرته رجع فسكب له غسل، فاغتسل، فلما فرغ من غسله دخل عليه نفر من أهل العراق، فقالوا: يا أبا حسن جئناك نسألك عن أمر نحب أن تخبرنا عنه؟ قال: أظن المغيرة بن شعبة يحدثكم أنه كان أحدث الناس عهدًا برسول الله - ﷺ -. قالوا: أجل، عن ذلك جئنا نسألك، قال:
_________________
(١) القطيفة: كساء له خمل.
(٢) أخرجه مسلم في الجنائز باب جعل القطيفة في القبر: ٩٦٧، والترمذي في الجنائز باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: ١٠٤٨، والنسائي في الجنائز باب وضع الثوب في اللحد: ٤/ ٨١، وابن أبي شيبة في المصنف: ٣/ ٣٣٦، وابن حبان في الإحسان: ٦٥٩٣، وأحمد في المسند: ١/ ٢٢٨، ٣٥٥، وابن الجارود في المنتقى حديث رقم: ٥٤٩.
(٣) أخرجه الترمذي في الجنائز باب ما جاء في الثوب الواحد يلقى تحت الميت في القبر: ١٠٤٧، وقال حسن غريب.
(٤) رواه أحمد في المسند انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٢٥٧، وانظر السيرة النبوية لابن كثير: ٤/ ٥٣٩ حيث عزاه للإمام أحمد وقال: وقد تقدم مثله في غير ما حديث. وهو الذي نص عليه غير واحد من الأئمة سلفًا وخلفًا، منهم سليمان بن طرخان التيمي، وجعفر بن محمَّد الصادق، وابن إسحاق، وموسي بن عقبة وغيرهم.
[ ٥٨٣ ]
أحدث الناس عهدًا برسول الله - ﷺ - قثم بن عباس" (١).
٣٥ - قول فاطمة لأنس أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله التراب:
٩٢٢ - من حديث أنس ﵁ قال: "لما ثقل النبي - ﷺ - جعل يتغشاه، فقالت فاطمة ﵍: واكرب أباه، فقال لها: "ليس على أبيك كرب بعد اليوم"، فلما مات قالت: يا أبتاه أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه إلى جبريل ننعاه، فلما دفن قالت فاطمة ﵍: يا أنس، أطابت نفوسكم أن تحثوا على رسول الله - ﷺ - التراب" (٢).
٣٦ - آثار وفاة النبي ﷺ على الصحابة:
٩٢٣ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه النبي - ﷺ - المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه النبي - ﷺ - أظلم منها كل شيء، وما نفضنا عن النبي - ﷺ - الأيدي -إنا لفي دفنه- حتى أنكرنا قلوبنا" (٣).
٩٢٤ - من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: "ذهب رسول الله - ﷺ - إلى أم أيمن زائرًا، وذهبت معه، فقربت إليه شرابًا، فإما كان صائمًا، وإما كان لا يريده، فرده فأقبلت على رسول الله - ﷺ - بصاحبه، فقال أبو بكر بعد وفاة رسول الله - ﷺ - لعمر: انطلق بنا إلى أم أيمن نزورها، فلما انتهينا إليها، بكت، فقال لها: ما يبكيك؟ ما عند الله خير لرسوله، قالت: والله ما أبكي، أن لا أكون أعلم ما عند الله خير لرسوله، ولكن أبكي، أن الوحي انقطع من السماء، فهيجتهما على البكاء، فجعلا يبكيان" (٤).
_________________
(١) أخرجه أحمد في المسند، انظر الفتح الرباني: ٢١/ ٢٥٤ - ٢٥٥، والطبري في تاريخه: ٣/ ٢٠٥، السيرة النبوية لابن هشام: ٢/ ٦٦٤ - ٦٦٥، والبيهقي في دلائل النبوة: ٧/ ٢٥٧، وقد صرح ابن إسحاق بالسماع، وسنده متصل، وقال الساعاتي: الحديث صحيح ورجاله ثقات.
(٢) سبق تخريجه حديث رقم: ٨٧٧.
(٣) أخرجه الترمذي في المناقب باب رسول الله - ﷺ - خاتم النبيين: ٣٦٢٢، وفي الشمائل برقم: ٣٧٤، وابن ماجة في الجنائز باب ذكر وفاته ودفنه: ١٦٣١، وابن حبان كما في الموارد: ٢١٦٢، والدرامي في المقدمة باب في وفاة النبي - ﷺ -: ١/ ٤١، والحاكم في المستدرك: ٣/ ٥٧، وابن سعد: ٢/ ٢٧٤، وأحمد في المسند: ٣/ ١٢٢، ٢٢١، ٢٤٠، ٢٦٨، ٢٨٧.
(٤) أخرجه مسلم في فضائل الصحابة باب من فضائل أم أيمن حديث رقم: ٢٤٥٤، وابن ماجة في الجنائز =
[ ٥٨٤ ]
٣٧ - مقدار عمره ﷺ حين مات:
٩٢٥ - من حديث عائشة ﵂ قالت: "إن رسول الله - ﷺ - قبض وهو ابن ثلاث وستين" (١).
وقال الحافظ في الفتح: ٨/ ١٥١: والحاصل أن كل من روى عنه من الصحابة ما يخالف المشهور -وهو ثلاث وستون- جاء عنه المشهور، وهم ابن عباس وعائشة وأنس ولم يختلف على معاوية أنه عاش ثلاثًا وستين، وبه جزم سعيد بن المسيب والشعبي ومجاهد، وقال أحمد: وهو المثبت عندنا).
وقال الحافظ ابن كثير في السيرة: ٤/ ٥١٥ "ورواية الجماعة عن ابن عباس في ثلاث وستين أصح، فهم أوثق وأكثر، وروايتهم توافق الرواية الصحيحة عن عروة عن عائشة، وإحدى الروايتين عن أنس، والرواية الصحيحة عن معاوية، وهو قول سعيد بن المسيب وعامر الشعبي وأبي جعفر محمَّد بن علي ﵃، قلت: وعبد الله بن عقبة والقاسم بن عبد الرحمن، والحسن البصري وعلي ابن الحسن وغير واحد".
ولمن يريد المزيد فليراجع السيرة النبوية لابن كثير فقد فصل الروايات هناك وعرضها عرضًا جيدًا.
٣٨ - ميراث النبي ﷺ:
٩٢٦ - من حديث عائشة ﵂: "أن فاطمة بنت رسول الله - ﷺ - أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله - ﷺ - مما أفاء الله عليه بالمدينة وفدك. وما بقي من خمس خيبر.
فقال أبو بكر: إن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نورث ما تركنا صدقة، إنما
_________________
(١) = باب ذكر وفاته ودفنه - ﷺ -: ١٦٣٥، والبيهقي في دلائل النبوة: ٧/ ٢٦٦، وأبو يعلى: ٦٩، وابن سعد: ٨/ ٢٢٦، وأبو نعيم في الحلية: ٢/ ٦٨.
(٢) أخرجه البخاري في المناقب باب وفاة النبي - ﷺ -: ٣٥٣٦، ومسلم في الفضائل باب كم سن النبي - ﷺ - يوم قبض: ٢٣٤٩، والترمذي في المناقب باب في سن النبي - ﷺ - وابن كم حين مات: ٣٦٥٥، وعبد الرزاق في المصنف: ٦٧٩١، وأحمد في المسند: ٦/ ٩٣، وقد جاء هذا الحديث من حديث ابن عباس وأخرجه مسلم ٢٣٥١، والترمذي: ٢٦٥٣، والطيالسي: ٢/ ١١٥، رقم: ٢٣٩٧، ومن حديث أنس وقد أخرجه مسلم برقم: ٢٣٤٨، ومن حديث معاوية أخرجه مسلم: ٢٣٥٢، والترمذي في المناقب باب في سن النبي: ٣٦٥٣، والنسائي في وفاة النبي: ٣٨.
[ ٥٨٥ ]
يأكل آل محمد - ﷺ - في هذا المال" وإني والله لا أغير شيئًا من صدقة رسول الله - ﷺ - عن حالها التي كانت عليها في عهد رسول الله - ﷺ -، ولأعملن فيها، بما عمل به رسول الله - ﷺ -.
فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئًا، فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك، قال: فهجرته. فلم تكلمه حتى توفيت، وعاشت بعد رسول الله - ﷺ - ستة أشهر، فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلًا، ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلى عليها علي، وكان لعلي من الناس وجهة حياة فاطمة، فلما توفيت استنكر علي وجوه الناس، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايع تلك الأشهر فأرسل إلى أبي بكر: أن ائتنا. ولا يأتنا معك أحد (كراهية محضر عمر بن الخطاب) فقال عمر لأبي بكر: والله! لا تدخل عليهم وحدك. فقال أبو بكر: وما عساهم أن يفعلوا بي، إني والله لآتينهم. فدخل عليهم أبو بكر. فتشهد علي بن أبي طالب. ثم قال: إنا قد عرفنا يا أبا بكر! فضيلتك وما أعطاك الله. ولم ننفس عليك خيرًا ساقه الله إليك. ولكنك استبددت علينا بالأمر. وكنا نحن نرى لنا حقًّا لقرابتنا من رسول الله - ﷺ -. فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر.
فلما تكلم أبو بكر قال: والذي نفسي بيده! لقرابة رسول الله - ﷺ - أحب إلي أن أصل من قرابتي. وأما الذي شجر بيني وبينك من هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الحق. ولم أترك أمرًا رأيت رسول الله - ﷺ - يصنعه فيها إلا صنعته. فقال علي لأبي بكر: موعدك العشية للبيعة. وعذره بالذي اعتذر إليه، ثم استغفر. وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر، وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر، ولا إنكارًا للذي فضله الله به. ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبًا، فاستبد علينا به، فوجدنا في أنفسنا، فسر المسلمون، وقالوا: أصبت، فكان المسلمون إلى علي قريبًا. حين راجع الأمر المعروف" (١).
٩٢٧ - من حديث مالك بن أوس قال: "أرسل إليّ عمر بن الخطاب، فجئته
_________________
(١) أخرجه البخاري في فضائل الصحابة باب غزوة خيبر: ٣٧١١، والمغازي باب غزوة خيبر: ٤٢٤٠ رقم: ٣٠٩٢، مسلم في الجهاد باب قول النبي: لا نورث ما تركنا فهو صدقة: ١٧٥٩، وأحمد في المسند: ١/ ٦، ٩.
[ ٥٨٦ ]
حين تعالى النهار (١) قال: فوجدته في بيته جالسًا على سرير، مفضيًا إلى رماله (٢) متكئًا على وسادة من أدم. فقال لي: يا مال (٣) إنه قد دف أهل أبيات من قومك (٤)، وقد أمرت فيهم برضخ (٥) فخذه فاقسمه بينهم. قال: قلت: لو أمرت بهذا غيري؟.قال: خذه يا مالُ!
قال: فجاء يرفأ (٦) فقال: هل لك يا أمير المؤمنين في عثمان وعبد الرحمن بن عوف والزبير وسعد؟ فقال عمر: نعم. فأذن لهم، فدخلوا، ثم جاء فقال: هل لك في عباس وعليّ؟ قال: نعم. فأذن لهما.
فقال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا الكذاب الآثم الغادر الخائن، فقال القوم: أجل. يا أمير المؤمنين! فاقض بينهم وارحهم. (فقال مالك بن أوس: يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك).
فقال عمر: اتئدا. أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نورث ما تركنا صدقة" قالوا: نعم. ثم أقبل على العباس وعلي فقال: أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمان أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا نورث ما تركناه صدقة" قالا: نعم.
فقال عمر: إن -الله ﷿- كان خص رسوله - ﷺ - بخاصته لم يخصص بها أحد غيره. قال: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ (٧) (ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا) قال: فقسم رسول الله - ﷺ - بينكم أموال بني النضير، فوالله ما استأثر عليكم، ولا أخذها دونكم، حتى بقي هذا المال، فكان رسول الله - ﷺ - يأخذ منه نفقة سنة. ثم يجعل ما بقي أسوة المال. ثم قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض! أتعلمون ذلك؟ قالوا:
_________________
(١) تعالى النهار: ارتفع.
(٢) مفضيًا: ليس بينه وبين رماله شيء.
(٣) يا مال: ترخيم لمالك.
(٤) دف أهل أبيات: جاءوا مسرعين للضر الذي نزل بهم.
(٥) رضخ: عطية قليلة.
(٦) يرفأ: حاجب أمير المؤمنين عمر بن الخطاب.
(٧) سورة الحشر: ٧.
[ ٥٨٧ ]
نعم. ثم نشد عباسًا وعليًّا بمثل ما نشد به القوم: أتعلمان ذلك؟ قالا: نعم.
قال: فلما توفي رسول الله قال أبو بكر: أنا ولي رسول الله - ﷺ - فجئتما، تطلب ميراثًا من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها. فقال أبو بكر: قال رسول الله - ﷺ - "ما نورث. ما تركنا صدقة" فرأيتماه كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق.
ثم توفي أبو بكر، وأنا ولي رسول الله - ﷺ - وولي أبي بكر، فرأيتماني كاذبًا آثمًا غادرًا خائنًا، والله يعلم إني لصادق بار راشد تابع للحق فوليتها. ثم جئتني أنت وهذا، وأنتما جميع، وأمركما واحد (١): فقلتما: ادفعها إلينا. فقلت: إن شئت دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله - ﷺ -، فأخذتماها بذلك. قال: أكذلك؟ قالا: نعم. قال ثم جئتماني لأقضي بينكما. ولا والله! لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما عنها فرداها إلي (٢).
هذا آخر ما تيسر جمعه من صحيح مرويات سيرته ﵊ من كتب السنة المشرفة، أسأل الله العلي العظيم أن ينفع بسيرته عباده، وأن يجعل ذلك في ميزان أعمالي يوم القيامة، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
كتبه: إبراهيم محمَّد العلي
_________________
(١) وأنتما جميع وأمركما واحد: أي متحد غير متنازع، وأمركما أي مطلوبكما واحد. وهو دفعي إياها إليكما.
(٢) أخرجه البخاري في الخمس باب فرض الخمس: ٣٠٩٤، والفرائض باب قول النبي لا نورث ما تركنا صدقة: ٦٧٢٨، مسلم في الجهاد باب حكم الفيء: ١٧٥٧، وأبو داود في الخراج والإمارة باب في تدوين العطاء: ٢٩٦٣، ٢٩٦٤، ٢٩٦٥، والترمذي في السير باب ما جاء في تركة رسول الله - ﷺ -: ١٦١٠، والنسائي في الفيء: ٧/ ١٣٥ - ١٣٧، والحميدي برقم: ٢٢، وأحمد في المسند: ١/ ٤٧، ٤٨، ٤٩، ٦٠، ١٦٢، ١٦٤، ١٩١، ٢٠٨.
[ ٥٨٨ ]