إن الحمد لله، نحمده ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، أما بعد؛
فالتاريخ الإسلامي يتميز بميزة خاصة عن بقية تاريخ الأمم، إذ أن كل شيء مهما بلغ من شأن يظل دائما مرتبطا بنقطة البداية التي انطلق منها أولًا.
ونقطة البداية في التاريخ الإِسلامي مرتبطة بحياة نبي الإسلام وسيرته، فسيرة النبي - ﷺ - هي المدخل الطبيعي لدراسة تاريخ الاسلام، وبقدر ما يحيط الدارس علمًا بهذه السيرة، ويفهم أسرارها وأخبارها بقدر ما يستطيع أن يفهم التاريخ الإسلامي في جميع مراحله في كل زمان ومكان.
وأضرب مثلًا لتوضيح هذا الأمر: فشخصية النبي محمد - ﷺ - الفذة لا تقاس بالإنجازات التي تمت في عصره فقط، ولكن بما نتج عن هذه الإنجازات وما تحقق بعده، بقيام الفتوحات الكبرى التي تمت في عهد الخلفاء، وتأسيس دولة الإسلام العظمى الممتدة من حدود الصين شرقا إلى جبال فرنسا غربا.
ولقد كان أثر هذا وما زال كبيرًا للغاية على البشر وحضاراتهم وثقافاتهم وأوضاعهم الاجتماعية والعقدية والسياسية والحربية.
ولقد بنى النبي محمد - ﷺ - أمة جديدة، فتربية محمد - ﷺ - تظهر جلية واضحة في أستاذيته حين أخرج العرب الممزقين الغارقين في ظلام الجهل، وعبادة غير الله، إلى نور التوحيد الذي جمعهم به بعد تمزق، ووحدهم به بعد تفرق، وأخرج من هذه الأمة قادة عظامًا، وجعل من الإنسان المسلم متحضرًا بعقله وإيمانه وحسن أخلاقه ومثله وأمانته، لقد صبر النبي - ﷺ - على تربية أصحابه حتى هيأ
[ ٩ ]
مجموعة من الناس عندهم القدرة على إدارة الدولة الكبرى التي ستقام بعد وفاته.
إن الدارس والمتعرف على الإسلام وتاريخه وحضارته، بشكل علمي ونزيه، سيلاحظ بكل إكبار وإعجاب التأثير البالغ لمحمد ﵊ في كل خلجة وحركة تمت في تاريخ المسلمين، وسيسلم بداهة -مع الأخذ بعين الاعتبار والتقدير تفاوت الأزمان والنوايا والإخلاص مع درجة الفهم- أن المحرض الأساس المسبب لكل حادث في هذا التاريخ هو الإسلام، وأن كل شيء قام بعد قيام الإسلام، إنما قام باسمه وبسببه.
وما دامت سيرة محمد - ﷺ - مفتاحا للتاريخ الإسلامي فهي أجدر العلوم بالاهتمام والتوثيق لتقديمها في أنصع صورة وأجملها، في وقت كثرت فيه الدعوات الأرضية، واشتد فيه الظلام وظهر الباطل على الحق ظهورا آنيا، وسيطرت المادية على الإنسان فغيرت كثيرا من قيمه وجعلته لا يستقر على حال، وحتى يجد الإنسان في سيرة هذا النبي السلوك المثالي الذي تتساقط عنده دعاوى المغرضين والزائفين، ولعله يجد فيها الصورة المشرقة الحية للإنسانية الحقة، وليجد فيها الصورة المشرقة للإنسان الذي يمارس إنسانيته بكل أبعادها، ويتفاعل مع الواقع بكل معطياته، وليدرك الإنسان أيضًا إن محمدا - ﷺ - الذي وصل إلى قمة الكمال الإنساني كان في كل أحواله غير بعيد عن بشريته، بل عاش مشاعر هذه البشرية، شابًّا مستقيمًا في سلوكه، داعيا إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة، وأبا حانيًا، وزوجًا مثاليًا، وقائدًا حربيًّا، فقيرًا وغنيًّا، إمامًا وحكمًا مسلمًا جامعًا بين العبادة والتبتل لربه، والمعاشرة لأهله وأصحابه.
وإذا كانت هذه الدراسة للسيرة ضرورية للإنسان بشكل عام، فإنها اشتد ضرورة للإنسان المسلم المعذب الحائر بين القيم التي تغزو عقله وفكره ومجتمعه، لأن السيرة إنما هي تجسيد حي لتعاليم الإسلام كما أرادها الله أن تطبق في عالم الواقع، لأن تعاليم الإسلام إنما أنزلت لتطبق في واقع الإنسان ومجتمعه، هذه الأوامر والتعاليم هي التي ينشأ الإنسان في ظلها في بحبوحة من العيش، واعتراف كامل بإنسانيته حيث تهديه هذه التعاليم في كل جانب من جوانب حياته وترشده إلى ما فيه خيره وصلاحه.
ومحمد - ﷺ - هو الذي كان يجسد تعاليم الإسلام في كل حادثة وظرف في شخصه حتى يكون قدوة لأصحابه ولمن يأتون بعده ﴿لقد كان لكم في رسول الله
[ ١٠ ]
أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا﴾.
من أجل كل ما سبق ذكره كانت هذه الدراسة التوثيقية عن سيرته - ﷺ - من خلال مصدر رئيسي من مصادر السيرة، هذا المصدر هو كتب الحديث ومصنفاته التي عرضت جوانب كبيرة من سيرته العطرة - ﷺ -.
مصادر السيرة النبوية المطهرة:
إن كل من كتب في السيرة النبوية اعتمد في كتابته على مصدر أو أكثر من المصادر التالية:
١ - القرآن الكريم.
٢ - كتب الحديث ومصنفاته.
٣ - كتب المغازي والسير والدلائل والشمائل.
٤ - كتب الأدب واللغة والشعر.
ولقد أعتمدتُ في جمع هذه الدراسة على المصدر الثاني كمصدر رئيسي وأصيل في كل الأحداث. وعلى المصدر الثالث حين يتعذر عليّ أن أجد في كتب الحديث ومصنفاته ما يسد ثغرة الحديث الذي أبحث عنه.
قاعدة: ما جاء في كتب الحديث الصحيحة من روايات للسيرة مقدمٌ على ما جاءَ في كتب المغازي:
إن المطلوب هو اعتماد الروايات الصحيحة وتقديمها في بناء الصورة الناصعة لسيرة النبي - ﷺ -، ثم الروايات الحسنة، ثم ما يعضدها من الضعيف، وعند التعارض يقدم الأقوى دائما، أما الروايات الضعيفة فيمكن الاعتماد عليها في إثبات حوادث تاريخية لا ينبني عليها أي حكم شرعي أو أمر في جانب العقيدة، لأن الأحكام الشرعية والأمور العقدية لا تثبت إلا بالأحاديث الصحيحة.
إن السيرة النبوية مليئة بالأحكام الشرعية والتي يستفاد منها في كثير من جوانب الحياة، ولذا فيجب أن تكون ثابته بالأحاديث الصحيحة حتى يعتمد عليها، وكتب الحديث تحتوي على مادة السيرة الموثقة حسب منهج المحدثين، فلذلك يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والسير والتواريخ العامة،
[ ١١ ]
وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة، لأنها ثمرة جهود جبارة قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنا، هذا النقد والتدقيق الذي حظي به الحديث لم تحظ به الكتب التاريخية، والمعلوم أن للمحدثين مناهج وطرقًا في نقد الأحاديث ومعرفة الصحيح من الضعيف من حيث التدقيق في عدالة الرواة الذين رووا الأحاديث أو أي حادثة من الحوادث التي يعتمدونها، ويشترطون في الرواة شروطا محددة لابد من توفرها حتى تثبت عدالة الرواة فتصح روايتهم.
وهذه الشروط لا تتوفر في مناهج المؤرخين في رواياتهم التاريخية فهم يتساهلون في تعاملهم مع الروايات التاريخية، ولذلك نجدهم يروون عن رواة لم تثبت عدالتهم عند المحدثين من أمثال الكلبي، وسيف بن عمر التميمي والواقدي وغيرهم من الضعفاء عند المحدثين.
لذلك فقد اعتمدت هذه الدراسة على أصح الروايات، ومصنفات الحديث تحتوي على ثروة كبيرة من الأحاديث الصحيحة تكوِّن عند قارئها صورة كاملة من سيرة النبي - ﷺ -، لذلك كنت أقدم الرواية الموجودة في كتب الحديث على الرواية الموجودة في كتب المغازي والسير وما في الصحيح أصح.
ضرورة الإسناد في قبول الرواية التاريخية وخاصة في روايات السيرة النبوية:
الإسناد لا بد منه في كل أمر من أمور الدين، وعليه الاعتماد في الأحاديث النبوية وفي الأحكام الشرعية وفي المناقب والفضائل والمغازي والسير، وغير ذلك من أمور الدين المتين والشرع المبين، فشيء من هذه الأمور لا ينبغي عليه الاعتماد، ما لم يتأكد بالإسناد لا سيما بعد القرون المشهود لها بالخير.
والإسناد: -هو سلسلة الرواة إلى المتن، والمتن: ما ينتهى إليه من الكلام.
وقد شدد سلفنا الصالح رضوان الله عليهم، على ضرورة الإسناد، وأنه مطلوب في الدين، وأنه من خصائص أمة الإسلام.
أخرج مسلم في مقدمة صحيحه "١/ ٨٧" عن عبد الله بن المبارك قوله: "الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".
وعن ابن المبارك أيضًا قال: "مثل الذي يطلب أمر دينه بلا إسناد كمثل الذي يرتقي السطح بلا سلم" ذكره الخطيب البغدادي في كتابه الكفاية ص "٣٩٣".
[ ١٢ ]
ولهذا وصف الإمام الشافعي الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب الليل" يقول ﵀:
"مثل الذي يطلب الحديث بلا إسناد كمثل حاطب الليل" جاء هذا في شرح المواهب اللدنية "٥/ ٤٥٣".
وحاطب الليل لا يعمل على بصيرة من أمره، وإنما يسير على غير هدى، فلا يدري ما الذي يجمعه، وهذا الأمر كان موجودا في رواة الأمم السابقة الذين كانوا يفتقدون الأمانة في النقل، وينقلون الأحداث بلا إسناد، وإذا كان هذا الأمر مقبولا عند الأمم السابقة، فإنه لا يقبل في تاريخ أمتنا التي ميزها الله ﷿ بميزة نقل الثقات عن الثقات، حتى الوصول إلى تاريخ الحدث والذين شاهدوه مشاهدة عيانية.
جاء في خلاصة الطيبي "ص ٥٥": "الإسناد خصيصة هذه الأمة، وسنة من السنن البالغة، وطلب العلو فيه سنة أيضًا ولذلك استحبت فيه الرحلة".
ولو قايسنا تاريخ أمة الإسلام بتاريخ الأمم الأخرى مثل اليهود والنصارى في النقل عن أنبيائهم لوجدنا فرقا واضحا وجليًّا، يقول ابن حزم الظاهري في كتابه "الفصل في الملل والأهواء والنحل" "٢/ ٨١ - ٨٢":
"نقل الثقة عن الثقة يبلغ به النبي - ﷺ - مع الاتصال، خص الله به المسلمين دون سائر الملل، وأما مع الإرسال والإعضال فيوجد في كثير من اليهود، ولكن لا يقربون فيه من موسى قربنا من محمد - ﷺ -، بل يقفون بحيث يكون بينهم وبين موسى أكثر من ثلاثين عصرًا، وإنما يبلغون إلى شمعون ونحوه" ثم يقول: "وأما أقوال الصحابة والتابعين فلا يمكن أن يبلغ اليهود إلى صاحب نبي أصلًا، ولا إلى تابع له، ولا يمكن النصارى أن يصلوا إلى أعلى من شمعون وبولص".
فإذا كان هذا الامر مقبولا عند الأمم السابقة في نقلهم للأحداث التاريخية دون ذكر أسانيدها، أو مجرد التأكد من صحة الحدث أو كذبه، فإن هذا الأمر لا يقبل البتة في أمة الإسلام، وإن الإنسان أو الكاتب الذي يقبل الأحداث التاريخية دون التأكد من وجود أسانيد لها يدخل عند المحدثين في طائفة الزمنى "المرضى" على حد تعبير عبد الله بن طاهر.
[ ١٣ ]
جاء عن إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال: "كان عبد الله بن طاهر إذا سألني عن حديث فذكرته له بلا إسناد، سألني عن إسناده وقال: رواية الحديث بلا إسناد من عمل الزمنى، فإن إسناد الحديث كرامة من الله تعالى لأمة محمد - ﷺ -" شرح المواهب اللدنية للزرقاني "٥/ ٤٥٣".
والإسناد فرض من فروض الكفاية التي لا بد منها كما يقول الشيخ علي القاري في شرحه على شرح النخبة "١٩٤": "أصل الإسناد خصيصة فاضلة من خصائص هذه الأمة، وسنة بالغة من السنن المؤكدة، بل من فروض الكفاية وطلب العلو فيه أمر مطلوب وشأن مرغوب".
وقد اهتمت كتب ومصنفات الحديث عظيم الاهتمام بالأسانيد واتصالها وعدالة رجالها، وجاءت مادة السيرة من مضمون هذه الكتب والمصنفات الحديثية بنفس الطرق والأسانيد الموثقة التي جاءت بها الأحكام الشرعية في الفقه والعبادات والمعاملات وغيرها من محتوى كتب الحديث.
إن أهمية الإسناد في نقل الروايات التاريخية وخاصة السيرة النبوية عظيمة، لا ينكرها إلا غر جاهل، فلولاه لما تميز الصادق المستقيم عن الأفاك الأثيم، وإذا كان الإسناد مجموعة من الرجال، والرجال يعتريهم الخطأ والنسيان والغلط، وأحيانا تعمد الكذب والاختلاق والتزوير والافتراء، فإن علم الجرح والتعديل قد عرض لكل ما يخطر في البال من هذه الأمور التي تتعلق بأحوال الرواة، والتي يمكن أن تقدح في صحة الرواية أو الإسناد، وكما وضع علماء الجرح والتعديل شروطا لصحة وعدالة الرواة في أسانيدهم، فقد وضعوا شروطا يسبرون من خلالها صحة المتون وعدم شذوذها، فقد يصح الإسناد إلا أن المتن يكون ضعيفا، فلا تعتبر الرواية، فنشأ من كل هذه الأمور ومجموعها ما يسمى بنقد المتن.
إن الإسناد الصحيح وموازينه الدقيقة يعتبر من المرتكزات الأساسية لتصحيح الخبر والرواية التاريخية، وليس هناك خبر جاء بإسناد صحيح غير معلول، لا يقبله أو يرفضه الواقع، اللهم إلا عقول أولئك الذين أغلقوها ووضعوا مفاتيحها في صناديق يملكها آخرون.
[ ١٤ ]
أهمية كتب المغازي والسير:
ومع كل الاهتمام بمصادر الحديث ومصنفاته وما تحتويه من ثروة عظيمة من أحاديث السيرة فإنه لا ينبغي التقليل من دور كتب المغازي والسير، فإنها تلي القرآن الكريم والحديث الشريف، مما يعطيها قيمة علمية كبيرة، إن أوائل مصنفات السيرة قد كتب في عصر مبكر، الصحابة لا زال الكثير منهم على قيد الحياة، والصحابة على علم دقيق وواسع بالسيرة النبوية، لأنهم عاشوا أحداثها وشاركوا فيها، هذا التبكير في الكتابة قلل -إلى حد كبير- من احتمال تعرضها للتحريف أو المبالغة والتهويل أو الضياع.
فسيرة موسى بن عقبة الذي توفي في عام "١٤٠" هـ وهو محدث ثقة من تلاميذ الزهري أثنى الإمام مالك رحمه الله تعالى على كتابة السيرة النبوية واعتبره أصح كتاب في المغازي يقول ﵀ "عليكم بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي"، "سير أعلام النبلاء: ٦/ ١١٥" ويقول أيضًا: "عليكم بمغازي موسى، فإنه رجل ثقة طلبها على كبر السنن، ليقيد من شهد مع رسول الله - ﷺ -، ولم يكثر كما أكثر غيره".
ويقول الذهبي ﵀ في سير أعلام النبلاء" ٦/ ١١٦": "وأما مغازي موسى بن عقبة، فهي في مجلد ليس بالكبير، سمعناها وغالبها صحيح، ومرسل جيد، لكنها مختصرة تحتاج إلى زيادة وتتمة".
وقال يحيى بن معين: "كتاب موسى بن عقبة عن الزهري أصح هذه الكتب" يعني في المغازي، انظر سير أعلام النبلاء "٦/ ١١٧".
إضافة إلى أهميتها التي ذكرنا، يضاف إليها ميزة أخرى، وهي أنها أوردت الكثير من الأحداث والروايات يتقدمها الأسانيد، ومعظم رواة السيرة هم من الرواة والمحدثين الذين نجد تراجم لهم في كتب الرجال، وأوضحت هذه الكتب أحوالهم، وبينت ما قيل فيهم من جرح وتعديل مما يسهل على الباحث معرفة قوة الرواية أو الحدث التاريخي أو ضعف هذا الحدث، ولذلك جاء اعتمادي على هذه الكتب في الدرجة الثانية، حين لا أجد الحدث التاريخي في كتب الحديث ومصنفاته.
[ ١٥ ]
منهجي في جمع وتصنيف هذه الدراسة:
وضعت لنفسي خطة في أثناء جمعي لهذه الدراسة ألخصها في النقاط التالية:
١ - ترتيب الأحداث التاريخية للسيرة النبوية: اعتمدت في ترتيب الأحداث التاريخية للسيرة النبوية على ترتيب إمام المغازي ابن إسحاق لها في مغازيه، كما أورد ذلك ابن هشام في اختصاره لها كمصدر رئيسي، إلا إنني قد أخالف ابن إسحاق في ترتيب الأحداث التاريخية حين يثبت لي ما يخالف هذا الترتيب في مصنفات الحديث، ولتوضيح هذا الأمر أضرب مثلًا على ذلك:
غزوة ذات الرقاع جاء في سيرة ابن إسحاق وجماعة من أهل المغازي أنها كانت في جمادى الأولى بعد غزوة بني النضير بشهرين، وذلك في السنة الرابعة للهجرة كما جاء في سيرة ابن هشام "٣/ ١٥١"، إلا أنني رجحت ما جاء في صحيح البخاري أن غزوة ذات الرقاع كانت بعد غزوة خيبر كما في فتح الباري ٧/ ٤١٦ كتاب المغازي، باب غزوة ذات الرقاع، وأيده في ذلك ابن كثير في سيرته "٣/ ١٦١"، وابن حجر كما في الفتح "٧/ ٤١٨"، وابن القيم في زاد المعاد "٣/ ٢٥٣".
٢ - رتبت الأحداث التاريخية تحت عناوين جانبية تسهل على القارئ الوصول إلى ما يريد بسرعة وسهولة.
٣ - اعتمدت في نقل نص الحدث التاريخي لفظ الحديث الأكثر فائدة والأجمع للمعاني الغزيرة من خلال انتقاء هذا اللفظ من روايات الحديث الكثيرة، فبعض هذه الروايات قد يكون مختصرًا، وبعضها مطولا حسب مراد المصنف الذي أورد ذلك اللفظ.
وكنت إذا وجدت هذا اللفظ في صحيح البخاري لم أتعداه إلى غيره من المصنفات، وإلا فمسلم وأصحاب السنن.
٤ - خرَّجت كل الأحاديث التي ذكرتها في هذه الدراسة، وهي تزيد على التسعمائة حديث، فما كان في الصحيحين أكتفي بتخريج الحديث منهما، وقد أزيد في التخريج إذا وجدت سعة من الوقت، فأخرج الحديث من غيرهما من المصادر.
[ ١٦ ]
٥ - ما لم يكن من هذه الروايات في الصحيحين فإني أخرجه من المصنفات الحديثية الأخرى، وأحكم عليه صحة أو ضعفا بناء على قواعد المحدثين، هذا إن لم أجد حكما على هذا الحديث لأحد من الأئمة السابقين، فإذا وجدت ذلك الحكم فإنني أكتفي به، ولا اتعداه مخالفا له إلا إذا تبين لي غير ذلك الحكم.
٦ - إذا لم أجد الحدث التاريخي في مصادر السنة، فإني أبحث عنه في كتب المغازي والسير وأبين صحته بناء على قواعد المحدثين.
٧ - في بعض الأحداث التاريخية التي لا يثبت بها حكم شرعي والتي لم أجد فيها إلا مرسل تابعي كنت أثبت ذلك النص المرسل، وأحكم عليه صحة وضعفا إلى التابعي.
٨ - كنت أذكر الفوائد المستنبطة من بعض الأحاديث كما ذكرها العلماء في شروحاتهم على المصنفات الحديثية.
٩ - كنت أشرح الغريب من الألفاظ الصعبة مما يسهل فهمها على القارئ في غالب الأحيان.
[ ١٧ ]