الفصل الأول: سرايا زيد بن حارثة ﵁
المبحث الأول: سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى وادى القرى
المطلب الأول: التعريف بوادى القرى
المطلب الأول: التعريف بوادي القرى:
وادي القُرَى - بضم أوَّله، وفتح ثانيه، والقصر - جمع قرية، وهو وادٍ بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، وهو بين تيماء وخيبر، فيه قرى كثيرة، وبها سُمّي وادي القُرى، والنسبة إليه "واديّ"، قال أبو المنذر: سُمّي وادي القُرى، لأنَّ الوادي من أوَّله إلى آخره قُرىً منظومة.
وقال أبو عبيد الله السكوني: "وادي القُرى والحِجْر والجناب، منازل قضاعة، ثُمَّ جهينة، وعذرة، وبلىّ، وهي بين الشام والمدينة، يمرُّ بها حاج الشام، وكانت قديمًا منازل ثمود وعاد١، وبها أهلكهم الله، وآثارها إلى الآن باقية، ونزلها بعدهم اليهود واستخرجوا كظائمها٢، وأساحوا عيونها، وغرسوا نخلها، فلمَّا نزلت بهم القبائل عقدوا بينهم حلفًا، وكان لهم فيها على اليهود طُعمة وأكل في كل عام ومنعوها لهم، ودفعوا عنها قبائلهم"٣.
_________________
(١) ١ المعروف أنَّها منازل ثمود، قوم نبي الله صالح - ﵇، الذين كانوا يسكنون الحجر الذي سُمِّيَ فيما بعد (مدائن صالح)، وذكر عاد هنا وَهَمٌ، فالمعروف أنَّهم كانوا يسكنون الأحقاف في حضرموت، وهي بعيدة جدًا عن هذه المنطقة، والله تعالى أعلم. ٢ الكظام: محابس المياه في الأودية والشعاب. (لسان العرب: مادة: كظم) . ٣ كان من القبائل التي نزلت بهم غطفان (فزارة، وبني مرة، وأشجع، وغيرها) .
[ ٤٥ ]
وكان النعمان بن الحارث الغساني ملك الشام أراد غزو وادي القرى، فحذَّره نابغة بن ذبيان، وذلك بقوله:
تجنَّب بني حُنَّ فإنَّ لقَاءَهُم كريهٌ وإنْ تلق إلاَّ بصابرٍ
في أبيات. و"حُنَّ" - هو بضم الحاء المهملة والنون المشدَّدة - ابن ربيعة بن حرام بن ضنَّة بن عبد بن كبير بن عُذرة١.
ولمَّا فرغ رسول الله ﷺ من خيبر في سنة سبع، امتدَّ إلى وادي القرى، وفتحها عنوة، ثُمَّ صُولِحُوا على الجزية.
وكان يسكن الوادي ناس من ولد جعفر بن أبي طالب - ﵁، وقد غلبوا عليه، ويُعْرَفون بالواديّين.
وقال الشاعر٢:
أَلاَ لَيْتَ شِعْرِي هَلْ أَبِيتَنَّ لَيْلَةً بِوَادِي القُرَى إنِّي إذًا لَسَعِيدُ
وقد نُسِب إلى وادي القُرى جماعة، منهم يحيى بن أبي عبيدة الوادي أصله من وادي القُرى، وكان مولى لقريش، ثقةً في الحديث، ذكره علي بن الحسين الحرَّاني الحافظ في تاريخ الجزري، ومنهم - أيضًا: عمر ابن داود بن زاذان مولى عثمان بن عفَّان - ﵁، المعروف بعمر الوادي المغني، وكان مهندسًا في أيَّام الوليد بن يزيد بن عبد الملك٣.
_________________
(١) ١ وذلك يعني أنَّ سكان تلك المنطقة كانوا من بني عُذرة من قضاعة. ٢ هو: جميل بن معمر، المعروف بجميل بثينة. ٣ انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان ٤/٣٣٨-٣٣٩، ٥/٣٤٥، والحميري: الروض المعطار ٦٠٢.
[ ٤٦ ]
ويُعْرَف وادي القُرى اليوم ب "العُلا" بضم العين ثُمَّ لام وألف من غير همزة، والنسبة إليه "عُلَوِيٌّ"، وهي مدينة عامرة شمال المدينة النبوية على قرابة "٣٥٠" ميلًا، كثيرة المياه والزرع والأهل، ويصُبُّ واديها في وادي الجزل، ثُمَّ يَصُبُّ الجزل في وادي الحمض "أضم"، وهي ملاصقة للحجر ديار ثمود، متَّصِلة بها اتِّصالًا تامًّا، لا يفصِلُ بينها وبين المدائن حدود ولا جبال.
وسبب تسميتها ب "العُلا" أنَّها قامت على أنقاض قصبة وادي القُرى المُسَمَّى "قُرح"، وهو موضع كان بالوادي من صدره، فغلب عليه اسم العُلا، لأنه أعلى الوادي، وكانت "قُرح" سوقًا مشهورة من أسواق العرب في الجاهلية، وفيها مسجد قُرح الذي بناه رسول الله ﷺ في مسيره إلى تبوك، وهو مسجد العُلا اليوم فيما يتوارث أهلها، وتنقسم العُلا إلى حارتين: الشِّقيق - بالشين المشددة المكسورة -، والحِلف - بكسر - الحاء وجوّها جميل، وسكانها خليط من عرب الشمال والحجاز، وبعض أهل القصيم وحائل، وبها محطَّة لسكة حديد الحجاز المعطَّلة.
وتُعدّ العُلا مِن أكبر محافظات المدينة الزراعية المتطورة، حيث يُزرع بها النخيل، والأترجّ، والليمون بأنواعه، والفواكه والخضروات، وأكثر صادراتها التمور، وهو أنواع، أجودها البرني، والسكري، وتربطها بالمدينة النبوية طريق معبدة، ويسكن بعض أهلها المدينة١.
_________________
(١) ١ انظر: محمد عبد الحميد مراد: مدائن صالح ٦١-٦٢، ١٥٣، والبلادي: معجم ٢٥، وانظر: مجلة الدارة، العدد الأول، السنة التاسعة ٣٩.
[ ٤٧ ]
المطلب الثاني: الخلاف في سبب السرية:
بالنظر إلى أقوال أهل المغازي في سبب السرية، نجد هنالك قولين:
- القول الأوَّل: لابن إسحاق، الذي ذكر أنَّ سببها كان سرية بعثها رسول الله ﷺ قبل هذه السرية مباشرةً، وبقيادة زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - نفسه إلى وادي القرى:
[١] "فلقي به بني فزارة١ وأصيب بها ناسٌ من أصحابه، وانفلت زيد من بين القتلى. فلمَّا قدم زيد بن حارثة، نذر أنْ لا يمس رأسه غسل من جنابة حتى يغزو فزارة"٢.
_________________
(١) ١ بفتح الزاي المعجمة: قبيلة كبيرة مشهورة من غطفان، يُنسبون إلى فزارة بن ذبيان ابن بغيض، وكانت مساكنهم بنجد، ووادي القرى. انظر: ابن قتيبة، المعارف ٨٣، القلقشندي، قلائد الجمان ١١٣. ٢ ذكره ابن سيد الناس (عيون الأثر ٢/١٤٢) عن ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر، من الخامسة (تقريب ٢٩٧)، كما ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٦١٧) عن ابن إسحاق الذي ساقه بلا سند عنده نحوه. وقد ورد موصولًا من طريق آخر. فقد أخرجه أبو نعيم (دلائل٢/٥٣٤) والمحاملي (الأمالي ١٨٣ رقم: ١٥٧)، كلاهما من حديث إبراهيم بن يحيى بن محمّد بن عباد بن هانئ الشجري عن أبيه عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة - رضي الله تعالى عنها، إلاَّ أنَّ فيه: "بلغ رسول الله ﷺ أنَّ امرأةً من بني فزارة يُقال لها أُم قِرفة قد جهَّزت ثلاثين راكبًا من ولدها وولد، ولدها. قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمَّدًا، فقال النَّبِيُّ ﷺ: اللهم اثكلها بولدها، وبَعَث إليهم زيد بن حارثة، فالتقوا بالوادي.." ثُمَّ ذكره نحوه. قلت: سنده فيه إبراهيم بن يحيى الشجري، لين الحديث (تقريب ٩٥)، وأبوه يحيى بن محمَّدضعيف كان يتلقَّن (تقريب٥٩٦)،وفيه عنعنةابن إسحاق فسند الحديث ضعيف. وذكر الحلبي (سيرة٢/١٨١)،والزرقاني (شرح ٢/١٦٤) عن بعضهم أنَّه خبر منكر.
[ ٤٨ ]
- القول الثاني: وقال به الواقدي، وابن سعد، حيث ذكرا أنَّ زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - خرج:
[٢] "في تجارة إلى الشام ومعه بضائع لأصحاب النبي ﷺ، فلمَّا كان دون وادي القرى لقيه ناس من فزارة، من بني بدر١، فضربوه وضربوا أصحابه، وأخذوا ما كان معهم، ثُمَّ استبلَّ زيد٢، وقدم على رسول الله ﷺ، فأخبره، فبعثه رسول الله ﷺ إليهم"٣.
_________________
(١) ١ هم بنو بدر بن عدي بن فزارة، وفيهم كانت رياسة بني فزارة في الجاهلية، وكانوا - أيضًا - يرأسون جميع غطفان وتدين لهم قيس، وإخوانهم ثعلبة بن عدي، ومنهم حذيفة بن بدر صاحب الفَرَس المعروفة بالغبراء التي هاجت - بسببها وسبب الفَرَس داحس - الحرب الشهيرة المعروفة باسميهما، ومن بني بدر بنو أُم قرفة التي ضُرِبَ بها المثل في العزَّة. (المعارف ٨٣، قلائد الجمان ١١٤) . ٢ استبلَّ: أي برأ. (الصحاح ١٦٤) . ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٤)، وابن سعد (طبقات ٢/٩٠)، وهذا لفظه عن شيوخه. قلت: ولكن ابن سعد (طبقات ٢/٨٩) ذكر سرية لزيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى وادي القرى، في رجب سنة ست، قبل الحديث عن هذه السرية، ولم يذكر أحداثها، وإنَّما ذكرها باختصار، ولم يُشِر إليها بعد ذلك، وكأنَّه يرى أنَّهما سريتان مختلفتان لزيد. والله تعالى أعلم.
[ ٤٩ ]
هذا وقد جمع ابن سيد الناس بين روايتي ابن إسحاق، وابن سعد وقال: "كذا ثبت عن ابن سعد، لزيد سريتان بوادي القُرى، إحداهما في رجب، والثانية في رمضان"١.
وقال الزرقاني معلّقًا: "وقد التبس سبب السرية الذي هو السير للتجارة بالسرية نفسها على مَن زعم أنَّ قول اليعمري٢، لشيخه الدمياطي٣، كذا ثبت عند ابن سعد لزيد سريتان بوادي القرى، إحداهما في رجب، والأخرى في رمضان، مشكل لاقتضائه أنه أُرسل غازيًا في المرَّتين لبني فزارة مع أنَّه إنَّما كان في الأولى تاجرًا اجتاز بهم، كما دلَّ عليه كلام ابن سعد، ففيه اطلاق السرية على الطائفة الخارجة للتجارة، ولا يختص ذلك بالخارجة للقتال أو تحسس الأخبار، وهو وهم فكلام ابن سعد كما علمت إنما هو في سبب غزوة زيد لهم في رمضان، مع أنَّ الثلاثة مع كونهم حُفَّاظًا متقنين لم ينفردوا بأنَّهما سريتان لزيد، بل سبقهم إلى ذلك الواقدي، وابن عائذ، وابن إسحاق، وإن خالفهم في سببها، ولم يذكر تاريخًا"٤.
_________________
(١) ١ ابن سيّد النَّاس، عيون ٢/١٤٥. ٢ هو: محمَّد بن محمَّد بن سيد الناس اليعمري، صاحب كتاب عيون الأثر في السيرة النبوية، توفي عام ٧٣٤ هـ. ٣ هو: عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، له كتاب في السيرة النبوية، وتوفي عام٧٠٥هـ. ٤ الزرقاني: شرح المواهب ٢/١٦٤.
[ ٥٠ ]
وقال في مكانٍ آخر محاولًا الجمع بين القولين: "ويجمع بتعدُّد السبب بأن يكون لما صحَّ١ ذهب للتجارة فنهبوه، فرجع وأخبره ﷺ"٢.
قلت: ذلك يقتضي أنَّ زيد بن حارثة - ﵁ - خرج ثلاث مرَّات خلال شهرين، وهو أمر متعذّر لصعوبة المواصلات في ذلك الوقت، ومشقة السفر خاصّةً وأنه قد ذكر أنَّ زيد قد جرح جراحًا بليغة في المرَّة الأولى حتى اعتقد بنو فزارة بأنَّه قد مات، وشفاؤه من تلك الجراح يتطلب وقتًا ليس بالقصير، كما أنه من المستبعد أن يخرج للتجارة مارًّا بديار أولئك القوم الذين بدت عداوتهم للمسلمين وخاصّةً أنَّ زيدًا - ﵁ - قد غزاهم في المرّة الأولى، فخروجه لمجرَّد التجارة يُعَدُّ مجازفة عظيمة، ما كان للنبي ﷺ أن يوافقه عليها أبدًا.
لذلك أرى أنه لا يمكن الجمع بين القولين، بل لابدَّ من ترجيح أحدهما على الآخر، وهو في نظري قول ابن إسحاق، فهو بالإضافة إلى كونه أقوى إسنادًا مدعومًا بالواقع، فالمسلمون في تلك الفترةلم يفرضوا سلطانهم على تلك المنطقة بَعْدُ، حتَّى تصبح طريقًا سالكةً لتجارتهم إلى الشام، بل كانوا في موقف المواجهة مع القبائل القاطنة في تلك المنطقة خاصّةً وأنَّها حليفة قوية ليهود
_________________
(١) ١ يعني: زيد بن حارثة ﵁. ٢ شرح المواهب ٢/١٦٤.
[ ٥١ ]
خيبر الذين كان المسلمون يعُدُّون العُدَّة السريعة لمواجهتهم بعد الحديبية، وتوقيع الهُدنة مع قريش، نظرًا لنشاطات زعمائهم المعادية للمسلمين ودورهم الكبير في تأليب الأحزاب في الخندق والذي شاركت فيه بعض تلك القبائل١ القاطنة في تلك المنطقة بفعالية كبيرة.
_________________
(١) ١ ذكرت الروايات التاريخية أنَّ من القبائل التي شاركت بقوة في غزوة الأحزاب: قبائل غطفان، وهي فزارة، وبنو مرة، وأشجع، وغيرها. انظر: ابن الجوزي: الوفا بأخبار المصطفى ٦٩٢. وهذه القبائل جميعها تسكن تلك المنطقة وتشارك بحلف قديم مع اليهود في خيبر وما حولها.
[ ٥٢ ]
المطلب الثالث: الخلاف في قائد السرية:
قلت: اختلف في هذه السرية، وقائدها على قولين:
ذكر أهل المغازي المتقدمين، كابن إسحاق، والواقدي، وابن سعد، وابن عائذ هذه السرية، وأنَّ قائدها زيد بن حارثة - ﵁، وأنَّ سلمة بن الأكوع - ﵁ - كان معهم في السرية، وأنه أصاب جارية جميلة من بني فزارة، ذكر أهل المغازي أنَّها بنت أُمّ قرفة، وأنَّ رسول الله ﷺ استوهبها من سلمة، فوهبها له، فأهداها رسولُ الله ﷺ لخاله حزن بن أبي وهب١.
- وأخرج أهل الحديث "مسلم، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وابن أبي شيبة" عن سلمة بن الأكوع - ﵁، قال:
[٣] "غزونا فزارة وعلينا أبو بكر، أمَّره رسول الله ﷺ علينا فذكر الحديث"٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦١٧، الواقدي: مغازي ٢/٥٦٤-٥٦٥، ابن سعد: طبقات ٢/٩٠-٩١، وابن سيد الناس: عيون ٢/١٤٢. وقال ابن سيّد الناس: "ذكر محمَّد بن إسحاق، ومحمَّد بن سعد: أنَّ أمير هذه السرية زيد بن حارثة، وقد رُوّينا في صحيح مسلم أنَّ رسول الله ﷺ بَعَثَ أبا بكر إلى بني فزارة". (عيون الأثر ٢/١٤٢) . ٢ أخرجه مسلم (الصحيح٤/٢٥-٢٦)،وأحمد (المسند، حديث رقم: ئ ١٦٥١٧)، وأبو داود (انظر: عون المعبود، حديث رقم:٢٦٨٠)،والنسائي (السنن الكبرى: ٥/٢٧١)، وابن ماجه (السنن، حديث رقم: ٢٨٤٦)، جمعيهم من حديث عكرمة ابن عمار، عن إياس بن سلمة، عن أبيه بن الأكوع. إلاّ أن البعض اختصر الحديث. والله تعالى أعلم.
[ ٥٣ ]
وذكر فيه قصة أسره لامرأةٍ من بني فزارة، ومعها ابنة لها من أحسن العرب، وأنَّ أبا بكر نفله إيَّاها، وأنه قدم بها المدينة، وأنَّ رسول الله ﷺ سأله إيَّاها فوهبها له، فبعَثَ بها رسولُ الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسرى بمكة١.وحاول المتأخرون من أهل المغازي الجمع، أو ترجيح إحدى الروايتين على الأُخرى، فقد نقل الحلبي، والزرقاني عن الشامي الجمع بين الروايتين حيث قال: "يُحتمل أنَّهما سريتان، اتَّفق لسلمة بن الأكوع فيهما ذلك، أي إحداهما لأبي بكر، والأخرى لزيد بن حارثة، ويؤيد ذلك أنَّ في سرية أبي بكر أنَّ رسول الله ﷺ بعَثَ ببنت أُمّ قرفة إلى مكة ففدى بها أسرى كانوا في أيدي المشركين، وفي سرية زيد وهبها لخاله حزن بمكة. قال: ولم أرَ من تعرَّض لتحرير ذلك"٢.
_________________
(١) ١ مِمَّا يجدر ذكره أنَّ أهل المغازي لم يذكروا سريَّة أبا بكر ﵁ لبني فزارة، ما عدا ابن سعد (الطبقات ٢/١١٨) الذي عَنْوَن لها ب (سرية أبي بكر الصِّدِّيق - ﵁ - إلى بني كلاب بنجد"، ثُمَّ يسوق بسنده عن سلمة بن الأكوع - ﵁ - حديثه عن سرية أبي بكر - ﵁ - إلى بني فزارة. ٢ انظر: الحلبي: سيرة ٣/١٨١، الزرقاني: شرح ٢/١٦٤.
[ ٥٤ ]
وتعقَّبه الحلبي، والزرقاني، بأنَّ في هذا الجمع نظرًا؛ لأنه يقتضي أنَّ أُمَ قرفة تعدَّدت، وأنَّ كُلَّ واحدة كانت لها بنت جميلة، وأنَّ سلمة بن الأكوع أسرهما، وأنَّه ﷺ أخذهما منه. وفي ذلك بعد، إلاَّ أن يُقال: لا تعدُّد لأُمّ قرفة وتسمية المرأة في سرية أبي بكر أُمّ قرفة وَهَمٌ مِن بعض الرواة، ويدل عليه أنَّ بعضهم أوردها ولم يسم المرأة أُمّ قرفة، بل قال: فيهم امرأة من بني فزارة معها ابنة لها من أحسن العرب١.
وفيه توهيم رواية الصحيح بلا حُجَّة، فإنَّ تسميتها فيه من زيادة الثقة، فما في الصحيح أصحَّ كما قال السهيلي٢.
قلت: رجَّح السُهيلي ما ورد في روايات أهل الحديث حول الجارية التي استوهبها رسول الله ﷺ من سلمة ففدى بها أسيرين من المسلمين كانوا بمكّة على روايات أهل المغازي، ومنهم ابن إسحاق، الذين ذكروا أنه - ﷺ - وهبها لخاله حزن بمكّة٣، ووافقه الزرقاني على ذلك مُعَمّمًا هذا الحكم على باقي الرواة وبخاصّةً كون القائد أبا بكر الصّدّيق - ﵁، وليس زيد ابن حارثة - ﵁، كما ذكرت روايات أهل المغازي٤.
_________________
(١) ١ الحلبي: سيرة ٣/١٨٢. ٢ الزرقاني: شرح ٢/١٦٤. ٣ السهيلي: الروض ٧/٥٢٨. ٤ الزرقاني: شرح ٢/١٦٤.
[ ٥٥ ]
وقد جمع ابن حجر بين ما ذكره أهل المغازي حول قيادة زيد ابن حارثة - ﵁ - للسرية، وما ذكره مسلم من رواية سلمة - ﵁، وكأنه - أي ابن حجر - معتبرٌ إيَّاها قصّةً واحدة١.
ولو أمعنا النَّظر في الروايتين: رواية أهل المغازي، ورواية أهل الحديث، لأمكن استنباط قرائن قوية تدل على اتّحاد القصة، وأنَّ أحداثها تدور حول سرية واحدة، فمن ذلك مثلًا:
- أنَّ كلتا الروايتين تشير إلى أنَّ السرية كانت موجهة لبني فزارة.
- أشارت روايات أهل الحديث أنَّ قائد السرية صبَّح القوم ثُمَّ أمر بشن الغارة عليهم دون سابق إنذار٢، ووقع مثل ذلك في روايات أهل المغازي٣.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر (فتح ٧/٤٩٨-٤٩٩، باب غزوة زيد بن حارثة) بعد أن ذكر حديث سلمة بن الأكوع ﵁: وغزوت مع زيد بن حارثة سبع غزوات يؤمره علينا - وقد تتبعت ما ذكره أهل المغازي من سرايا زيد بن حارثة فبلغت سبعًا. كما قاله سلمة، وإن كان بعضهم ذكر ما لم يذكره آخرون ثُمَّ ساق أسماء تلك السرايا إلى أن قال: والسابعة إلى ناس من بني فزارة ثُمَّ قال: ولعلَّ هذهالأخيرة مراد المُصَنِّف، وقد ذكر مسلم طرفا منها من حديث سلمة بن الأكوع. ٢ وقد جعل البيهقي هذا الحديث تحت باب جواز ترك دعاء مَن بلغته الدعوة. (السنن ٩/١٠٧) . ٣ وقع ذلك في رواية الواقدي، وابن سعد، والسبب أنهما ذكرا تفاصيل لم تذكرها الروايات الأخرى.
[ ٥٦ ]
مِمَّا يدل على أنَّ هدف السريتين كان هو المباغتة لتأديب أولئك الأعراب، والمباغتة لا تكون إلاَّ لقومٍ قد بلغتهم الدعوة فأصرُّوا واستكبروا، وبدت منهم العداوة للمسلمين، وتبليغ الدعوة يكون إمَّا بكتاب يبعثه رسول الله ﷺ، أو بعثة دعوية، أو سرية سابقة كما حدث بالنسبة إلى بني فزارة، حيث أُرسل إليهم زيد ابن حارثة - ﵁ - في سرية، فقاتلوه وأصابوا أصحابه، فكانت المباغتة في السرية الثانية لأجل تأديبهم لما كان منهم في السرية الأولى، والله تعالى أعلم.
- ذِكْر المرأة الفزارية وابنتها الجميلة اللتان أصابهما سلمة بن الأكوع - ﵁، ولو سمَّتهما المصادر الحديثية كما فعلت المصادر التاريخية، لَحُسِمَ النّزاع مبكرًا. وإن كان بعض أهل المغازي المتأخرين قد ذكر ورود التسمية في بعض روايات الصحيح١. ولكن رواية مسلم التي بين أيدينا لم تُسَمّ المرأة، وكذلك روايات أهل الحديث الأُخرى. كُلُّ هذه القرائن تقوي الاعتقاد أنَّها سرية واحدة أُرْسِلَت إلى بني فزارة، ولكن هذه المرّة بقيادة أبي بكر الصديق - ﵁، كماذكرت روايات أهل الحديث، ويمكن توهيم روايات أهل المغازي التي ذكرت أنَّ القائد كان زيد ابن حارثة - ﵁، فتوهيم روايات
_________________
(١) ١ انظر ما ذكره الحلبي (سيرة ٣/١٨٢)، والزرقاني (شرح ٢/١٦٤) .
[ ٥٧ ]
أهل المغازي أخف وطأة وأقل تبعية من توهيم روايات أهل الحديث بما فيها رواية الصحيح، لأنَّ روايات أهل المغازي على تخصصها فإنَّها جميعًا قد وردت من طرقٍ لا تخلو من مقال، وليس فيها رواية واحدة يمكن أن ترتقي إلى رواية الصحيح أو غيرها من الروايات الحديثية.
وربما وقع الوهم عند أهل المغازي بسبب ما ورد عندهم من خروج زيد ابن حارثة - ﵁ - في السريتين، وبما أنه كان قائدًا للسرية الأولى، ثُمَّ نذره بعد ذلك بسبب ما وقع له ولأصحابه من بني فزارة بغزوهم مرّةً ثانية، فجعلوه قائدًا للسرية الثانية، ربما يكون قد خرج معهم ولم يكن قائدًا، بل أُنيطت القيادة هذه المرَّة بالصّدّيق أبي بكر - ﵁، لكون زيد - ﵁ - قد أُصِيبَ في المرّة الأولى، فأراد النبيُّ - ﷺ - إراحته وإسناد القيادة لأبي بكر - ﵁، وسمح لزيد بالخروج وفاءً لنذره، فشارك بفعالية بأحداث السرية، فوهم أهل المغازي، وذكروا أنه قائد للسرية، ولكن ما في الصحيح أصح، والله تعالى أعلم.
[ ٥٨ ]
المطلب الرابع: تاريخ السرية:
تفرَّد الواقدي، وابن سعد من المتقدّمين من أهل المغازي بتحديد تاريخ هذه السرية، حيث أرَّخ لها الواقدي برمضان سنة ست من الهجرة١.
وكذلك فعل ابن سعد٢، ولكنَّه أرَّخ للسرية الأولى برجب سنة ست٣.
وقد مرَّ بنا قول ابن سيّد النَّاس: كذا ثبت عن ابن سعد، لزيد سريتان بوادي القُرى، إحداهما في رجب، والثانية في رمضان٤.
وقد تابعهما في ذلك البلاذري في الأنساب٥.
ولم يؤرّخ لها ابن إسحاق، وإنَّما ذكرها في سياق السرايا والبعوث حيث عدَّد سرايا زيد بن حارثة - ﵁، وذكر هذه السرية بعد سريته إلى الطرف من ناحية نخل من طريق العراق٦.
_________________
(١) ١الواقدي: مغازي ٢/٥٦٤. ٢ ابن سعد: طبقات ٢/٩٠. ٣ المصدر السابق ٢/٨٩. ٤ ابن سيد الناس: عيون ٢/١٤٥. ٥ البلاذري: أنساب الأشراف ١/٣٧٨. ٦ ابن هشام: سيرة ٤/٦١٧.
[ ٥٩ ]
ونقل بعض المتأخرين من أهل المغازي أمثال: ابن سيّد الناس، والقسطلاني، والمقريزي، والشامي، تاريخ السرية عن ابن سعد، وشيخه الواقدي١.
ولم يذكر البيهقي٢، وتبعه في ذلك ابن كثير٣ سرية زيد بن حارثة - ﵁ - إلى بني فزارة، وإنَّما ذكرا سرية أبي بكر الصديق - ﵁ - إليهم، حيث قال البيهقي: جماع أبواب السرايا التي تذكر بعد فتح خيبر، وقبل عمرة القضية، وإن كان تاريخ بعضها ليس بواضح عند أهل المغازي، ثُمَّ بدأ الحديث عن سرية أبي بكر - ﵁ ٤.
وكذلك فعل ابن القيم، حيث قال: "وأقام رسول الله ﷺ في المدينة بعد مقدمه من خيبر إلى شوال، وبعث في خلال ذلك السرايا، فمنها سرية أبي بكر الصديق - ﵁ - إلى نجد قبل بني فزارة"٥.
هذا بالنسبة لأهل السير والمغازي، أمَّا ما يفهم من روايات أهل الحديث فيفهم من قول سلمة - ﵁ - عندما سأله النَّبِيُّ ﷺ
_________________
(١) ١ ابن سيد الناس: عيون ٢/١٤٤، القسطلاني: المواهب اللدنية ١/٤٨١، المقريزي: إمتاع الأسماع ١/٢٦٩، الشامي: سبل الهدى ٦/١٤٨ – ١٥٧. ٢ البيهقي: دلائل ٤/٢٩٠. ٣ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٢٢١. ٤ البيهقي: دلائل ٤/٢٩٠. ٥ ابن القيم: زاد المعاد ٣/٣٥٩.
[ ٦٠ ]
الجارية – "يا رسول الله لقد أعجبتني - وما كشفت لها ثوبًا" وسكوت رسول الله ﷺ، وتركه الإنكار عليه، دليلٌ على أنَّهم يستبيحون إذ ذاك وطء الوثنيات، وذلك قبل نزول تحريمه بعد الحديبية١، ففي ذلك دليل على أنَّ السرية كانت قبل الحديبية.
وكذلك إرسال النَّبِيّ ﷺ الجارية إلى أهل مكة ليفتدي بها أسيرين من المسلمين كانوا عندهم، دليلٌ آخر على أنَّ السرية كانت قبل الحديبية، لأنَّ اتفاقية الحديبية كانت اتفاقية سلام ومعاهدة صلح بين المسلمين ومشركي مكة سوَّت الوضع القائم بينهما، وأعتقد أنه كان لا يمكن استثناء الأسرى من الاتفاقية لو وُجِدُوا، فذلك دليلٌ على أنَّ الأسرى قد سُوّيَ وضعهم قبل الحديبية حيث لم يرد في بنود المعاهدة٢ أيّ ذكرٍ عنهم، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ انظر: الخطابي: معالم السنن ٣/١٤٦ وهذه المسألة خلافية بين الفقهاء. ٢ انظر: مرويات الحديبية ١٦٦.
[ ٦١ ]
المطلب الخامس: سير الأحداث:
في شهر رجب من السنة السادسة من الهجرة النبوية المباركة،
كما يذكر ابن سعد١، وصلت إلى النَّبِيِّ ﷺ معلومات هامَّة عن تحركات مُعَادية تقوم بها امرأة من بني فزارة، ذات شأن فيهم، ومنْزلة ورئاسة يُقال لها أُمّ قرفة٢، يذكر الزهري عن عروة أنَّها:
[٤] "قد جهَّزت ثلاثين راكبًا من ولدها وولد ولدها، قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمَّدًا! فقال النَّبِيُّ ﷺ: اللهم اثكلها بولدها. وبعث إليهم زيد بن حارثة" ٣ - ﵁ - على رأس سرية، لم تذكر الروايات قوتها، ولكنها كانت على ما يبدو قليلة العدد.
[٥] "فالتقوا بالوادي٤،وقُتِلَ أصحاب زيد"٥ - ﵃ - منهم:
_________________
(١) ١ الطبقات ٢/٨٩. ٢ بكسر القاف، وسكون الراء وبالفاء، فاطمة بنت ربيعة بن بدر الفزارية، التي جرى فيها المثل: "أمنع من أُمّ قِرْفة" لأنه كان يُعَلَّق في بيتها خمسون سيفًا لخمسين فارسًا كلهم لها ذو محرم، كُنّيت بابنها قِرْفة، قتله النَّبِيُّ - ﵌ - فيما ذكر الواقدي، وذكر أنَّ سائر بنيها وهم تسعة قُتِلُوا مع طليحة يوم بزاخة. الروض الأنف ٧/٥٢٨، شرح المواهب ٢/١٦٣، مجمع الأمثال ٢/٣٩٢. ٣ سبق تخريجه برقم [١] . ٤ يعني وادي القرى. ٥ من رواية عروة عند أبي نعيم. وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٦٢ ]
[٦] "ورد بن مرداس١، وارتُثَّ٢ زيد بن حارثة من بين وسط القتلى"٣.
[٧] "فلمَّا قدم زيد بن حارثة، نذر ألاَّ يمس رأسه غُسل من جنابة حتى يغزو فزارة، فلمَّا استبلَّ من جراحه بعثه رسول الله ﷺ في جيشٍ إلى بني فزارة"٤ فيهم سلمة بن الأكوع - ﵁، ويقودهم أبو بكر الصّدّيق - ﵁ -، فكمنوا النهار وساروا الليل، ومعهم دليل لهم كما يذكر الواقدي٥.
قال سلمة - ﵁:
[٨] "فلمَّا دنونا من الماء٦أمرنا أبو بكر، فعرَّسنا٧، قال: فلمَّا صلَّينا الصُّبْح، أمرنا أبو بكر فشننا الغارة٨، فقتلنا على الماء
_________________
(١) ١ ورد بن مرداس: أحد بني سعد بن هذيم، كتب له النبي ﷺ في عسيب فعدا على العسيب فكسره، ثُمَّ إنَّه أسلم بعد ذلك، وغزا مع زيد بن حارثة -﵁- وادي القرى فاستشهد. طبقات ابن سعد١/٢٨٤، الإصابة٢/٨١. ٢ ارتُثَّ: بالبناء للمجهول، أي حمل من المعركة رثيثًا أي جريحًا وبه رمق. ٣ ذكره ابن سيد الناس (عيون ٢/١٤٢) من حديث ابن عائذ بسنده عن عروة، وهو مرسل. ٤ سبق تخريجه برقم [١] . ٥ مغازي: ٢/٥٦٤. ٦ الحاضر الذي كانت تقيم عليه بنو بدر من فزارة، ربما كان في وادي القرى. ٧ التعريس: النزول آخر الليل للراحة. ٨ شن الغارة: أي فرَّقها عليهم من كُلِّ جانب.
[ ٦٣ ]
مَن قتلنا"١.
[٩] "فكان شعارنا: أمت. أمت. قال: فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات من المشركين"٢.
[١٠] "وأنظر إلى عنق من الناس فيهم الذراري فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل، فرميت بسهم بينهم وبين الجبل، فلمَّا رأوا السهم وقفوا فجئت بهم أسوقهم، وفيهم امرأة من بني فزارة عليها قشع من أدم٣ معها ابنة لها من أحسن العرب، فسقتهم حتَّى أتيت بهم أبا بكر"٤.
ويجزم أهل المغازي أنَّ تلك المرأة هي أُم قرفة٥، وأنَّها قُتِلَت، وقُتِلَ بعض ولدها٦، وذكرت بعض الروايات أنَّها قُتِلَت قتلًا
_________________
(١) ١ من رواية سلمة عند أحمد. وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٢ أخرجه أبو داود. (انظر: عون المعبود، حديث رقم: ٢٦٢١)، وابن سعد، (الطبقات ٢/١١٨)، واللفظ له، والنسائي (السنن الكبرى ٥/٢٧١)، وابن ماجه (السنن، حديث رقم: ٢٨٤)، وأحمد (المسند، حديث رقم: ١٦٥١٦)، كلّهم من حديث عكرمة بن عمار، نحوه. ٣ القشع: بقاف ثُمَّ شين معجمة ساكنة: النطع، وهو الفَرْو الخَلِق. ٤ من رواية سلمة عند مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٥ انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦١٧،الواقدي: مغازي٢/٥٦٥،ابن سعد: طبقات ٢/٩١، أبو نعيم: دلائل ٢/٥٣٥، الحلبي: سيرة ٣/١٨٠، الزرقاني: شرح٢/١٦٤. ٦ انظر: رواية الزهري عن عروة عند أبي نعيم: دلائل ٢/٥٣٥، والسهيلي: الروض ٧/٥٢٨.
[ ٦٤ ]
عنيفًا١.
[١١] "وأنه بُعِثَ برأسها إلى رسول الله ﷺ، فأمر به فديرَ به في المدينة ليُعلم قتلها"٢.
وهذه الروايات إسنادها ضعيف، وتعارضها الأحاديث الصحيحة التي تأمر بإحسان القتل، وتنهى عن المُثْلَة، كما أنه لم يثبت أنه حُمِلَ رأس أحد من الرجال أو من النساء إلى رسول الله ﷺ.
قال سلمة بن الأكوع - ﵁:
[١٢] "فنفلني أبو بكر ابنتها، فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبًا٣، فلقيني رسول الله ﷺ في السوق فقال: يا سلمة هب لي المرأة. فقلت: يا رسول الله! والله لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبًا. ثُمَّ لقيني رسول الله ﷺ من الغد في السوق فقال لي: يا سلمة هب لي المرأة، لله أبوك٤، فقلت: هي لك يا رسول الله، فو الله ما
_________________
(١) ١ المصادر السابقة، وذكر السهيلي، وابن سيد الناس نقلًا عن الدولابي أنَّها قتلت كذلك لسَبِّها رسول الله - ﷺ. ٢ ذكر ذلك المقريزي (إمتاع ١/٢٧٠)، وهي زيادة منكرة تفرَّد بها، ولا أدري مِن أين جاء بها. ٣ كناية عن الجماع. ٤ كلمة مدح وثناء، مثل قولهم: لله درك، فإنَّ الإضافة إلى العظيم تشريف، فإذا وُجِدَ من الولد ما يحمد فعله قيل له: لله أبوك، أي أبوك لله خالصًا حيث أتى بمثلك. وقد تكون الكلمة في حكم القسم أيضًا.
[ ٦٥ ]
كشفت لها ثوبًا، فبعث بها رسول الله ﷺ إلى أهل مكة ففدى بها ناسًا من المسلمين كانوا أسرى بمكة"١.
ويذكر عروة أنَّ زيد بن حارثة ﵁ لمَّا قدم المدينة مع أهل السرية أقبل إلى رسول الله ﷺ [١٣] "قالت عائشة - ﵂، ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب، فخرج إليه يجر ثوبه حتى اعتنقه، وقبَّله رسول الله ﷺ" ٢.
_________________
(١) ١ من رواية سلمة عند مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٢ من رواية عروة عند أبي نعيم، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٦٦ ]
المطلب السادس: الأحكام المستنبطة، والدروس والعبر المستفادة:
اشتملت هذه السرية على بعض الأحكام الفقهية، وبعض الدروس والعظات المفيدة التي يمكن استنباطها والإفادة منها.
أولًا: الأحكام الفقهية المستنبطة:
- حكم التنفيل من أصل الغنيمة:
قال النووي: قوله: "فنفلني أبو بكر ﵁ ابنتها" فيه جواز التنفيل، وقد يحتج به مَن يقول التنفيل من أصل الغنيمة، وقد يجيب عنه الآخرون بأنه حسب قيمتها، ليعوض أهل الخُمس عن حصَّتهم١.
وقد فصَّل ابن قدامة الحديث في النَّفل وأقسامه، وجعل هذا من القسم الثاني من أقسام النَّفل حيث قال: "القسم الثاني: أن ينفل الإمام بعض الجيش لغنائه وبأسه وبلائه، أو لمكروه تحمّله دون سائرالجيش، قال أحمد: في الرَّجُل يأمره الأميرُ يكونُ طليعةً، أو عندَه، يدفَعُ إليه رأسًا من السَّبْي أو دابةً، قال: إذا كان رجلٌ له غَناءٌ، ويقاتل في سبيل الله، فلا بأس بذلك، ذلك أنفعُ لهم، يُحَرَّضُ هو وغيرُه، يُقاتلون ويَغْنَمون. وقال: إذا نفَّذ الإمامُ صَبِيحةَ المَغَارِ الخيْلَ، فيُصِيبُ بعضُهم، وبعْضُهم لا يأتي بشيءٍ، فللوالي أنْ يَخُصَّ بعضَ هؤلاء الذين جاءوا بشيءٍ دونَ هؤلاء. وظاهرُ هذا أنَّ له إعطاءَ مَن هذه حالُه من غيْرِ شرطٍ. وحُجَّةُ هذا حديث
_________________
(١) ١ النووي على مسلم: ١٢/٦٨.
[ ٦٧ ]
سلمة بن الأكوَع، أنَّه قال: أغارَ عبدُ الرحمن بنُ عُيَيْنَة على إبلِ رسول الله ﷺ، فتَبِعْتهُم - فذكرَ الحديثَ - فأعطاني رسولُ اللهِ ﷺ سهمَ الفارِسِ والرَّاجلِ. رواه مسلم، وأبو داود. وعنه أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أمَّرَ أبا بكرٍ، قال: فبيَّتنا عَدُوَّنا، فقَتَلْتُ لَيْلَتئِذٍ تسعةَ أهل أبياتٍ، وأخذتُ منهم امرأةً، فنفَّلَنيها أبو بكرٍ، فلمَّا قَدِمْتُ المدينةَ، استوهبها منّي رسولُ اللهِ ﷺ، فوهبتها له. رواه مسلم بمعناه١.
- حكم التفريق بين الوالدة وولدها البالغ:
قال الخطابي: "فيه دليلُ على جواز التفريق بين الأُمّ وولدها الكبير"٢.
وقال النووي: "ولا خلاف في جوازه عندنا"٣.
وقال ابن قدامة: "أجمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ التفريق بين الأُمّ وولدِها الطّفل غيرُ جائزٍ، هذا قول مالك في أهل المدينة، والأوزاعي في أهل الشام، والليث في أهل مصر، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي فيه. والأصل فيه ما رَوَى أبو أيوب قال: سمعتُ رسولَ الله ﷺ يقول: "مَنْ فرَّق بَيْنَ والِدَةٍ ووَلَدِها، فرَّق الله بَيْنَه وبَيْنَ أحِبَّته يومَ القيامةِ". أخرجه
_________________
(١) ١ المغني: ١٣/٥٦. ٢ معالم السنن، حاشية سنن أبي داود: ٣/١٤٦. ٣ صحيح مسلم بشرح النووي: ١٢/٦٩.
[ ٦٨ ]
الترمذي، وقال: حديثٌ حسنٌ غريبٌ١. وقال النَّبِيُّ ﷺ: "لا تُوَلَّهُ والِدَةٌ عن وَلَدِها"٢. قال أحمد: "لا يُفَرَّقُ بيْن الأُمّ وولدِهَا وإنْ رَضِيَت. وذلك - والله أعلم - لِمَا فيه من الإضرار بالولَدِ، ولأنَّ المرأة قد تَرْضَى بما فيه ضَرَرُها، ثُمَّ يَتَغَيَّرُ قلبُها بعد ذلك فتندم"٣.
- وقال النووي: "وفيه جواز استيهاب الإمام أهل جيشه بعض ما غنموه ليفادي به مسلمًا أو يصرفه في مصالح المسلمين، أو يتألَّف به مَن في تألُّفه مصلحة، كما فعل ﷺ هُنا، وفي غنائم حنين"٤.
- وقال أيضًا: "وفيه جواز قول الإنسان للآخر: للهِ أبوك، ولله درُّك"٥.
_________________
(١) ١ أخرجه الترمذي، (انظر: تحفة الأحوذي ٤/١٨٤)، والحاكم (المستدرك ٢/٥٥)، والبيهقي في السنن الكبرى (٩/١٢٦)، وأحمد (المسند ٥/٤٠٢)، كلّهم من طريق حُيّ بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الجبلي، وفيه حُيّ بن عبد الله قال فيه أحمد: أحاديثه مناكير. وقال البخاري: فيه نظر. ولكن تابعه عبد الله بن خباءة عند الدارمي (٢/٢٢٧) . فلعلّ الترمذي حسّنه من أجل المتابعة. ٢ أخرجه البيهقي في باب الأم تتزوج فيسقط حقها من حضانة الولد من كتاب النفقات. السنن الكبرى ٨/٥. ومعنى (لا تولّه) أي: لا يفرّق بينهما في البيع. وكلّ أنثى فارقت ولدها فهي واله. (النهاية في غريب الحديث ١٥/٢٢٧) . ٣ المغني: ١٣/١٠٨-١٠٩. ٤ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٦٩. ٥ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٦٩.
[ ٦٩ ]
ثانيًا: الدروس والعبر المستقاة:
- أدب النَّبِيُّ ﷺ مع أصحابه، وعدم إرغامهم على فعل شيء أو بذل شيء دون طيبة نفس.
- طاعة الصحابة - ﵃ - لنبيهم - ﵊، وإيثاره على أنفسهم، وتجردهم من مغانم الدنيا ولذَّاتها في سبيل ذلك.
- حرص النَّبِيّ ﷺ البالغ على المسلمين جميعًا، ورأفته بهم، ومحاولة التخفيف من معاناتهم، وفك أسرهم بأسرع وقت ممكن وبالسبل الممكنة والكفيلة.
[ ٧٠ ]
المبحث الثاني: سرية زيد بن الحارث ﵁ إلى حسمى (جذام)
المطلب الأول: التعريف بحسمى
المطلب الأول: التعريف بحسمى:
حِسْمَى - بكسر الحاء المهملة، وسكون السين المهملة، وفتح الميم - مقصور على بناء فِعْلي، يجوز أن يكون أصله من الحسم، وهو المنع. قال ابن سيده: حِسْمَى موضع باليمن، وقيل: قبيلة جذام. وقال البكري: قال عنترة:
سيأتيكم عني وإن كنت نائيًا دخان العلندي دون١ بيتي مذود
قصائد من قيل امرئ يحتديكم٢ وأنتم بحُسمى فارتدوا وتقلَّدوا
يخاطب بني فزارة، فدلَّ على أنَّ حسمى من ديارهم، وفي رسم ومران: إنَّ حسمى من الجزيرة في شعر ابن أحمر:
فلله من يسرى ونجران دونه إلى دير حسمى أو إلى دير ضمضم
قال: ودير "حسمى"، ودير ضمضم بالجزيرة، فدل هذا التفسير، ودلَّ قول عنترة أنَّ حسمى موضع آخر في غير ديار جذام. وقال ابن السكيت: حسمى لجذام جبال وأرض بين أيلة، وجانب تيه بني إسرائيل
_________________
(١) ١ العلندي: جبل لم يُر قط إلاَّ والدخان خارج من رأسه. معجم ما استعجم: ٢/٤٤٧ ٢ يحتديكم: يريد يطلبنكم. المصدر السابق.
[ ٧٣ ]
الذي يلي أيلة وبين أرض بني عذرة من ظهر حرة نِهْيا، فذلك كله حسمى، قال كثير:
سيأتي أمير المؤمنين، ودونه جماهير حسمى قورها وحزونها١
وقال ابن الأعرابي: "إذا لم يذكر كثير غيقة فحسمى، وإذا ذكر غيقة فحسنا؟ "٢.
وذكر ابن دريد وغيره: "أنَّ آخر ماء نضب من ماء الطوفان حِسْمى، ويُقال: إنَّ الماء بقي بحسمى بعد نضوب ماء الطوفان ثمانين سنة، وبقيت منه بقية إلى اليوم فهو أخبث ماء، فهو من مياه جذام، وهو الصحيح، وفيه أغار الهُنَيْد الصَّلعيُّ، وصليع بطن من جذام، على دحية الكلبي، وقد نزل واديًا من أوديته، يُقال له: شِيَار، وهو منصرف من عند قيصر، حين بعثه النَّبِيُّ ﷺ، فكان ذلك سبب بعثه رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في سرية إلى حِسْمى، فأصاب من جذام، وقتل الهنيد بالفضافض"٣ من ديارهم.
_________________
(١) ١ يعني: جبلها وسهلها. ٢ قال ابن حبيب: "حسنا جبل يقع قرب ينبع".معجم البلدان ٢/٢٥٩. ٣ الفضافض - بفتح أوله وثانيه، بعدهما مثلهما، على لفظ الجمع: أرض لجذام. معجم ما استعجم: ٣/١٠٢٥.
[ ٧٤ ]
وفي حديث أبي هريرة: "لتخرجنكم الروم منها كفرًا كفرًا إلى سُنْبُك١ من الأرض، قيل: وما ذاك السُّنْبُك؟ قال: حِسْمى جذام".
وفي الحديث: "بشِّر ركيب السُعاة بقطعٍ من جهنَّم مثل قور حِسْمى " قال القتبي: وحسمى: بلد جذام.
وقال في الصحاح: "حِسْمى أرض بالبادية غليظة لا خير فيها، تنْزلها جذام، وفيها جبال شواهق ملس الجوانب، لا يكاد القتام٢ يُفارقها".
وفي أخبار المتنبي وحكاية سيره من مصر إلى العراق قال: حسمى أرض طيبة تؤدى لين النخلة من لينها، وتنبت جميع النبات، مملوءة جبالًا في كبد السماء متناوحة٣ملس الجوانب، إذا أراد الناظر النظر إلى قُلَّة أحدها قلَّ عنقه حتَّى يراها بشدة، ومنها ما لا يقدر أحد أن يراه ولا يصعده، ولا يكاد القتام يفارقها، ولهذا قال النابغة:
فأصبح عاقلًا بجبال حسمى دقاق التُّرب محتزم القتام
قال ياقوت: "واختلف الناس في تفسيره ولم يعلموه، ويكون
مسيرة ثلاثة أيام في يومين، يعرفها مَنْ رآها مِن حيث يراها، لأنَّها لا مثل لها في الدنيا، ومن جبال حِسمى يُعرف ب "إرم" عظيم العلو، تزعم أهل
_________________
(١) ١ السُّنْبُك: الأرض الغليظة القليلة الخير، شبه الأرض في غلظها بسُنْبُك الدَّابة وهو طرف حافرها. القاموس المحيط، مادة (سنبك)، والنهاية: ٢/١٩٤. ٢ القتام: الغبار. القاموس، واللسان، مادة (قتم) . قلت: والمقصود به هنا السحاب، أو الضباب، لأنه يكثر في الجبال المرتفعة. ٣ التناوح: التقابل، ومتناوحة أي متقابلة. القاموس: تنح.
[ ٧٥ ]
البادية أنَّ فيه كرومًا وصنوبرًا، وأهل تبوك يرون جبل حسمى في غربيهم وشرقيهم، وأرض حسمى بينها وبين وادي القرى ليلتان.
قال ابن سعد: هي وراء وادي القرى.
وقال محمَّد مرداد: "هي موضع وراء وادي القرى، متصل بالحجر تمامًا من طريق الإبل، ولا يزال موجودًا للآن ومعروفًا، ومن تسلق أعلا نخلة في تبوك يرى جبل حسمى، وكذلك المتسلق لأعلى شجرة في العُلا أو المتسنم لأعلى ذروة في جبال وادي القرى يرى حسمى، وقد مررنا به في رحلتنا ولكننا لم نستطع تسلقه مع أننا أقمنا ب "حقل"، وأيلة أيامًا عديدة، والسبب في ذلك راجع إلى كثرة العجاج وشدَّة الريح، إذ كلَّما عزمنا على تسنمه تشتد بنا الريح فنهبط قسرًا، وقد ذكر حسمى أكثر من أربعين مؤرخًا ورحَّالة، ويزعم البدو الرُّحَّل وأهل الماشية هناك أنَّ بقمَّته وحشرجه مياه متعفّنة لا يقرب منها أحد"١.
_________________
(١) ١ انظر: الصحاح، ولسان العرب، والقاموس، مادة (حسم) . والبكري: معجم ٢/٤٤٦-٤٤٨، والحموي: معجم ٢/٢٥٨-٢٥٩، ومحمَّد عبد الحميد مرداد: مدائن صالح: ٤٨ – ٤٩.
[ ٧٦ ]
المطلب الثاني: سبب السرية:
أجمع أهل المغازي على أنَّ السبب الذي هاج هذه السرية إلى جذام هو ذلك الاعتداء السافر الذي تعرَّض له سفير النَّبِيّ ﷺ إلى هرقل وحامل كتابه إليه دحية بن خليفة الكلبي - ﵁، بينما كان مقبلًا من عند هرقل الذي أجازه بمالٍ وكساه
[١] "حتَّى إذا كان بوادي من أوديتهم، يُقال له: شِنَار١، أغار على دحية بن خليفة، الهنيد بن عوص، وابنه عوص بن الهنيد الضُّلعيَّان ٢، فأصابا كل شيء كان
_________________
(١) ١ اختلف في اسم هذا الوادي، ففي رواية الطبراني (المعجم:٢٠/٣٤٠) يُقال له: شنان. وفي رواية ابن هشام (سيرة: ٤/٦١٢) شنار. ولم يذكره الواقدي ولا ابن سعد، أمَّا البكري (معجم: ٢/٤٤٧) فقال: شِيَار. وقال الحموي (معجم: ٣/٣٦٦): شِنان بالكسر وآخره نون جمع شَن، وهي الأسقية والقِرَب الْخَلِقَان. وهو في كتاب نصر: شَنار - بفتح الشين وآخره راء. وقال: وهو وادٍ بالشام أغير فيه على دحية بن خليفة الكلبي لمَّا رجع من عند قيصر الخ. قلت: أيضًا ربما تصحَّف الاسم مبكرًا فوقع فيه الخلاف، والله تعالى أعلم. ٢ اختلف أيضًا في اسم أبي الهنيد، ونسبته. ففي رواية ابن حجر (إصابة: ٣/٤٤١) الهنيد بن العريض. وفي الطبراني (معجم: ٢٠/٣٤٠) ابن عويص الضّبعي. وفي رواية ابن إسحاق عند ابن هشام (سيرة: ٤/٦١٢) الهُنَيْد بن عوص الضُليعي. وفي رواية ابن سعد (طبقات: ٢/٨٨) الهُنيد بن عارض، ولم ينسبه، وكذلك عند الواقدي (مغازي: ٢/٥٥٦)، وعند البكري (معجم: ٢/٤٤٧) الهنيد الصُّلعيُّ، وصليع بطن من جذام، وكذلك ذكره الشامي (سبل: ٦/١٤٤)، وقال ابن سيد الناس (عيون ٢/١٤١): عوض قيده بعض الناس عوص، وقال النمري: ليس عوض إلاَّ في حمير، أو عوض بن أرم بن سام بن نوح، وفي غيرهما عُوص. قلت: ربما قد تصحَّف الاسم والنسبة مبكرًا، فكان الاختلاف، والله تعالى أعلم.
[ ٧٧ ]
معه"١. فلمَّا قدم دحية بن خليفة - رضي الله تعالى عنه - على رسول الله ﷺ أخبره الخبر
_________________
(١) ١ أخرجه الأموي في مغازيه، عن ابن إسحاق من حديث عمير بن معبد بن فلان الجذامي، عن أبيه، (انظر: الإصابة لابن حجر: ٣/٤٤١-٤٤٢) . وعمير لم أجد ترجمته. وأبوه معبد ذكره الطبراني وغيره في الصحابة، (انظر: المعجم: ٢٠/٣٤٠، وأسد الغابة ٥/٢١٦، والإصابة: ٣/٤٤١) . وأخرجه الطبراني (المعجم: ٢٠/٣٤٠-٣٤١) مطوَّلًا بسنده عن الأموي، عن ابن إسحاق من حديث بعجة بن زيد الجذامي، ومختصرًا عن ابن إسحاق موقوفًا عليه. قال الهيثمي (المجمع: ٥/٣١٠): رواه الطبراني متّصلًا هكذا، ومنقطعًا مختصرًا عن ابن إسحاق لم يجاوزه، وفي المتصل جماعة لم أعرفهم، وإسنادهما إلى ابن إسحاق جيد. وهو كما قال، كما روى الحديث ابن شاهين. انظر: (الإصابة:١/٥٢١-٥٢٢) من طريق الأموي عن ابن إسحاق، عن حميد بن رومان بن بعجة، عن أبيه، وسنده فيه رومان بن بعجة لم أعثر على ترجمته، وبقية رجاله ثقات، ما عدا ابن إسحاق (صدوق) وقد عنعنه. وعزاه ابن حجر (الإصابة: ٣/٤٤٢) للمحاملي في أماليه، ولم أجده في المطبوع منها. كما ذكره ابن هشام (سيرة: ٤/٦١٢-٦١٦) عن ابن إسحاق الذي رواه بأطول مِمَّا رواه الطبراني عنه، عن مبهمين من رجال جذام. وذكر البيهقي (دلائل: ٥/٤٦٣-٤٦٤) خبر السرية مقتضبًا بأسانيده عن عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، في أثناء سياقه لسرايا النبي ﷺ.
[ ٧٨ ]
[٢] "فبعث رسول الله ﷺ إليهم زيد بن حارثة، وذلك الذي هاج غزوة زيد جذام"١.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام. وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٧٩ ]
المطلب الثالث: تاريخ السرية:
أرَّخ لها الواقدي، وابن سعد بأنَّها كانت في جمادى الآخرة سنة ست من الهجرة١.
وقطع به اليعمري٢، وقال به المقريزي٣، والشامي٤.
وذكرها ابن خياط في سراياه ﷺ أنها كانت سنة سبع٥.
وقال الحلبي: "وسببها أنَّ دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - أقبل من عند قيصر ملك الروم، أي وكان ﷺ وجَّهه إليه بغير كتاب، وإلاَّ فإرساله إليه بالكتاب كان بعد هذه السرية، لأنه كان بعد الحديبية"٦.
ولعلَّ الحلبي - رحمه الله تعالى - قال ذلك اعتمادًا على روايتي الواقدي وابن سعد في تاريخ السرية، وقد ثبت من روايات أهل المغازي جميعًا، بما فيهم الواقدي، وابن سعد، أنَّ ذلك كان فعلًا هو سبب السرية، كذلك لم يذكر أحد من أهل المغازي أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أرسل دحية - رضي الله تعالى عنه - إلى هرقل ملك الروم مرَّتين، مرَّة بكتاب، وأُخرى بغير كتاب، بل الثابت كما هو في صحيح مسلم، وغيره:
_________________
(١) ١ المغازي: ٢/٥٥٦، والطبقات: ٢/٨٨. ٢ عيون الأثر: ٢/١٤٠. ٣ إمتاع: ١/٢٦٦. ٤ سبل الهدى: ٦/١٤٠. ٥ خليفة بن خياط: تاريخ: ٨٥. ٦ الحلبية: ٣/١٧٩.
[ ٨٠ ]
[٣] "أنَّ نبيَّ الله ﷺ كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كُلِّ جبار، يدعوهم إلى الله تعالى"١. وبعث تلك الكتب مع نفر من أصحابه - رضي الله تعالى عنهم، وكان منهم دحية بن خليفة الكلبي - رضي الله تعالى عنه، الذي بعثه إلى قيصر ملك الروم، وقد يكون ما ذكره الواقدي، وابن سعد في تاريخ هذه السرية، وَهَمًا منهما - رحمهما الله تعالى - حيث جزم ابن القيم - رحمه الله تعالى - بأنَّها بعد الحديبية بلا شك٢.
قال الزرقاني: "فتكون هذه السرية سنة سبع"٣.
وقال العامري: "وذكر البخاري بعد غزوة خيبر غزوة زيد بن حارثة، وهي التي أغار فيها على جذام"٤.
وقد مرَّ بنا في سرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى وادي القرى ما ذكره ابن حجر - رحمه الله تعالى - في اعتقاده أنَّها هي مراد البخاري.
_________________
(١) ١ الصحيح: ٤/٤٣-٤٧ باب كتاب النبي ﷺ إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وباب كتب النبي ﷺ إلى ملوك الكفَّار يدعوهم إلى الله ﷿. وانظر: أسماء سفراء رسول الله ﷺ ورسله إلى الملوك والزعماء (ابن هشام: سيرة: ٤/٣٣٧-٣٣٩) . ٢ زاد المعاد: ٣/٢٨٤. ٣ شرح المواهب: ٢/١٥٨. ٤ بهجة المحافل: ١/٣٦٢.
[ ٨١ ]
ولعلَّ ما جزم به ابن القيم - رحمه الله تعالى - في كون هذه السرية بعد الحديبية، وما رجَّحناه سابقًا في سرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى وادي القرى بأنَّها قبل الحديبية، وكذلك ترتيب البخاري لذكر سرية زيد - رضي الله تعالى عنه - بعد خيبر، وأيضًا قصة وفادة رفاعة إلى النَّبِيّ ﷺ، وإهداؤه غلامًا له يُسمَّى مُدعم، والذي وقع في الصحيح أنه قُتِلَ في أثناء غزوة النَّبِيّ ﷺ إلى وادي القرى١.
كُلُّ ذلك يؤيد رأي خليفة، والزرقاني، والعامري في كون هذه السرية بعد خيبر، أي: سنة سبع، والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ فتح الباري: ٧/٤٨٧ - ٤٨٨، ١١/٥٩٣.
[ ٨٢ ]
المطلب الرابع: سير الأحداث:
[٤] "قدم على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر رفاعة بن زيد الجذامي ثُمَّ الضبيبي"١ في وفد من قومه بني الضبيب ومعه أخاه بعجة٢
[٥] "وأنيف٣، وحبان٤، ابنا ملة في اثنى عشر
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري (تاريخ: ٣/١٤٠) عن محمَّد بن إسحاق، عن يزيد بن أبي حبيب مصرحًا بالتحديث عنه، لكنه مرسل، فيزيد من الخامسة. كذلك ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٥٩٦) عن ابن إسحاق الذي رواه بلا سند، فهو معضل، ورفاعة بن زيد الجذامي، ذكر ابن إسحاق أنه وفد على النبي ﷺ في هدنة الحديبية، قبل خيبر، فأسلم وحسن إسلامه، وأهدى إلى رسول الله ﷺ غلامًا يقال له مدعم. وذكره ابن منده في الصحابة. (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٥٩٦، وابن حجر: إصابة: ١/٥١٨) . ٢ بعجة بن زيد الجذامي. ذكره ابن إسحاق فيمن وفد على النبي ﷺ، وذكره ابن حجر في القسم الأوّل حرف الباء من كتاب الصحابة، وروى عن ابن منده حديث خروجه مع رفاعة في اثني عشر رجلًا إلى النبي ﷺ. انظر: ابن هشام: سيرة:٦١٣، وابن حجر: إصابة:١/٧٨،١٤٥،١٦٢. ٣ أنيف بن ملة الجذامي، من بني الضبيب، له صحبة، سكن الرملة ومات ببيت جبرين من كورة فلسطين، ذكره ابن حبان في الصحابة، وقال ابن السكن: ذكره ابن إسحاق فيمن وفد على النبي ﷺ من جذام، وهو أخو حبان. (الإصابة: ١/٧٨) . ٤ حبان بن ملّة الجذامي، ثُمَّ الضبيبي. ذكره ابن حجر في ترجمة أخيه أنيف. قال: وهو أخو حبان الآتي ذكره في الحاء. وذكر أنه وفد مع أخيه إلى النبي ﷺ، ولم أجده في حرف الحاء، فربما سقط اسمه سهوًا من بعض النساخ، والله تعالى أعلم. انظر: الإصابة: ١/٧٨.
[ ٨٣ ]
رجلًا"١.
[٦] "فأهدى رفاعة بن زيد لرسول الله ﷺ غلامًا يُقال له مدعم٢"٣. وأسلم وحَسُنَ إسلامه، وأسلم مَن كان معه، وعقد له رسول الله ﷺ على قومه وكتب له كتابًا فيه:
[٧] "بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمَّد رسول الله، لرفاعة بن زيد. إني بعثته إلى قومه عامَّة، ومَن دخل فيهم، يدعوهم
_________________
(١) ١ ذكره ابن حجر (إصابة: ١/٧٨) عن ابن منده من طريق معروف بن طريف، حدَّثتني عمتي ظبية بنت عمرو بن حزابة عن نهيشة مولاة لهم، فذكرت الحديث. ولم أعثر على تراجم هذا الإسناد. ٢ مدعم الأسود، مولى رسول الله ﷺ، كان مولَّدًا من حسمى أهداه رفاعة بن زيد الجذامي لرسول الله ﷺ. ثبت ذكره في الموطأ والصحيحين من طريق سالم بن مطيع عن أبي هريرة في فتح خيبر، فذكر الحديث وفيه إنَّ مدعمًا أصابه سهم عائر فقتله. (إصابة: ٣/٣٩٤) . قلت: الثابت من روايات الصحيح أنه قتل أثناء محاصرة النبي - ﷺ - لوادي القرى وليس خيبر. انظر: فتح الباري: ٧/٤٨٧ – ٤٨٨. ٣ أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري ٧:٤٨٧-٤٨٨، ١١/٥٩٣)، كتاب المغازي غزوة خيبر، وكتاب الأيمان والنذور، باب هل يدخل الإيمان الأرض والغنم.
[ ٨٤ ]
إلى الله وإلى رسوله، فمَن آمن ففي حزب الله، وفي حزب رسوله ﷺ، ومَن أدبر فله أمان شهرين"١.
فلمَّا قدم رفاعة على قومه أجابوا وأسلموا٢، وسألوا الوفد عن بعض ما أمرهم به رسول الله - ﷺ، فقال أنيف ابن ملّة:
[٨] "أمرنا أن نضجع الشاة على شقها الأيسر ثُمَّ نذبحها ونتوجه للقبلة ونُسمي الله"٣. ثُمَّ ساروا إلى الحرَّة حرَّة الرجلاء٤ فنَزلوها٥.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني (معجم:٢/٣٤٠) وقد سبق تخرجها برقم [١] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند الطبري، وابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ من رواية نهيشة عند ابن منده، وقد سبق تخريجها برقم [٥] . ٤ قال ابن الأعرابي: "الحرة الرجلاء الصلبة الشديدة. وقال غيره: هي التي أعلاها أسود وأسفلها أبيض، والرجلاء الصلبة الخشنة لا تعمل فيها خيل ولا إبل ولا يسلكها إلاَّ راجل، وهو علم لحرَّة في ديار بني القين بن جسر، بين المدينة والشام. قال الأخنس: وكلبٌ لها خبت فرملة عالج إلى الحرَّة الرجلاء حيث تحارب قال البلادي: "والنص الذي في السيرة، ورواية ياقوت يجعلانها قريبًا من حرة ليلى، ولعلَّها كانت جزءًا منها، لأنَّك إذا سرت في حرَّة ليلى من جهة المدينة باتجاه بلاد بلقين فإنَّك تسير في هذه الحرَّة، ولها عِدَّة نعوف وشماريخ، فإذا انقطعت من جهة الجناب انقطعت كل الحرار، فالحرَّة الرجلاء لا شك من تلك النعوف". (الحموي: معجم: ٢/٢٤٦، ٣/٢٨، والبلادي: معجم: ٩٧) . ٥ من رواية ابن إسحاق عند الطبري، وابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٨٥ ]
ثُمَّ إنَّ حبَّان بن ملة:
[٩] "صحب دحية الكلبي لما مضى بكتاب رسول الله ﷺ إلى قيصر"١. فتعلَّم منه أُم الكتاب٢.
[١٠] "ثُمَّ لم يلبث أن أقبل دحية الكلبي من عند قيصر حين بعثه رسول الله ﷺ حتى إذا كان بوادٍ من أوديتهم، يُقال له شنان٣ ومعه تجارة له"٤ - وكان هرقل قد أجازه بمالٍ وكساه كسىً، كما يذكر الواقدي، وابن سعد - ٥ أغار عليه الهنيد بن عارض الضُليعي، وابنه عارض في ناس من جذام، فقطعوا عليه الطريق، وأصابوا كل شيء معه:
[١١] "فبلغ ذلك قومًا من الضبيب رهط رفاعة بن زيد مِمَّن كان أسلم وأجاب، فنفروا إلى الهنيد وابنه فيهم من بني الضبيب النعمان بن أبي جعال"٦.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند الأموي، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ أو شنار. وقد سبق الحديث عن الخلاف في اسم هذا الوادي ص٧٠حاشية رقم (١) . ٤ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٥ الواقدي: مغازي: ٢/٥٦، وابن سعد: طبقات: ٢/٨٨. ٦ من رواية ابن إسحاق، عند ابن هشام (سيرة: ٤/٦١٣) وقد سبق تخريجها برقم [١] . والنعمان بن أبي جعال الضبيبي من رهط رفاعة بن زيد، ذكره ابن إسحاق فيمن أسلم منهم ووفد على النَّبِيّ - ﷺ - بعد أن غزاهم زيد بن حارثة حين غزا بني جذام من أرض حسمى. (إصابة: ٣/٥٦٠) .
[ ٨٦ ]
[١٢] "في عشرة نفر، وكان نعمان رجل الوادي ذا الجلد والرماية"١ حتى لقوا الهنيد ومن معه فاقتتلوا، وكان قتالًا خاطفًا بالسهام والحجارة حيث:
[١٣] "رمى قرة بن أشقر الضليعي النعمان بن أبي جعال بحجر فأصاب كعبه وأدماه، وقال: أنا ابن أثالة، ثُمَّ رماه النعمان بن أبي جعال فأصاب ركبته"٢ إصابة بالغة أثبتته.
[١٤] "فاستنقذوا ما في أيديهم فردوه إلى دحية، وساعده حبَّان بن ملَّة"٣.
[١٥] "ثُمَّ إنَّ دحية قدم على النبي ﷺ فأخبره خبرهم"٤.
[١٦] "فبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة، وبعث معه جيشًا"٥.
يذكر الواقدي، وابن سعد أنَّهم كانوا حوالي خمسمائة
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي (مغازي: ٢/٥٥٦) . ٢ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٤ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني. ٥ من رواية ابن إسحاق عند الطبراني.
[ ٨٧ ]
رجل١، وردَّ معه دحية:
[١٧] "فكان زيد يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عُذْرة٢، فأقبل بهم الدليل من ناحية الأولاج٣، حتى هجم بهم مع الصبح على القوم فأغاروا عليهم، فقتلوا فيهم فأوجعوا، وقتلوا الهنيد وابنه، وأغاروا على ماشيتهم ونعمهم٤ونسائهم، فأخذوا من النعم ألف بعير، ومن الشاء خمسة آلاف شاة، ومن السبي مائة من النساء والصبيان"٥.
[١٨] "فلمَّا سمعت بذلك بنو الضُّبيب، والجيش بفيفاء مدان٦، ركب نفر منهم، وكان فيمن ركب معهم: حبّان بن ملّة على فرسٍ لسويد بن زيد، يُقال لها العجاجة، وأنيف بن ملّة على فرسٍ لملّة يُقال لها رغال، وأبو زيد بن عمرو على فرس يُقال لها شمر،
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي: ٢/٥٥٦، وابن سعد: طبقات: ٢/٨٨. ٢ بنو عذرة - بضم العين المهملة، وسكون الذال المعجمة - قبيلة كبيرة من قضاعة، ينسبون إلى عذرة بن سعد، وكانوا معروفين بشدَّة العشق، وغلبة الهوى. (القلقشندي: قلائد الجمان: ٤٩، ابن حجر: فتح: ٨/٧٤) . ٣ الأولاج: جمع ولجة، وهي معطف الوادي. (القاموس: ولج) . ٤ النعم: الإبل. ٥ أخرجه ابن سعد (طبقات: ٢/٨٨) عن شيوخه. ٦ فيفاء مدان: الفيف: المفازة التي لا ماء فيها من الاستواء والسعة، فإذا أُنِّث فهي الفيفاء. والمدان: وادٍ في بلاد قضاعة بناحية حرة الرجلاء يسيل مشرقًا من الحرَّة. (الحموي: معجم البلدان: ٤/٢٨٥، ٥/٧٤) .
[ ٨٨ ]
انطلقوا حتى إذا دنوا من الجيش، قال أبو زيد، وحبان، لأنيف ابن ملّة: كُفَّ عنا وانصرِف فإنَّا نخشى لسانك، فوقف عنهما، فلم يَبْعُدا منه حتى جعلت فرسه تبحث بيديها وتوثب، فقال: لأنا أضنّ بالرجلين منك بالفرسين، فأرخى لها حتى أدركهما، فقالا له: أما إذا فعلت ما فعلت فكُفَّ عنَّا لسانك، ولا تشأمنا اليوم، فتواصوا ألاّ يتكلَّم منهم إلاَّ حبَّان بن ملّة، وكانت بينهم كلمة في الجاهلية قد عرفها بعضهم من بعض، إذا أراد أحدهم أن يضرب بسيفه قال: بُورِي أو ثُورِي؛ فلمَّا برزوا على الجيش، أقبل القوم يبتدرونهم، فقال لهم حبان: إنَّا قومٌ مُسلمون، وكان أوَّل مَن لقيهم رجل على فرسٍ أدهم، فأقبل يسوقهم، فقال أُنيف: بُوري، فقال حبَّان: مَهْلًا، فلمَّا وقفوا على زيد بن حارثة قال حبان: إنَّا قومٌ مسلمون، فقال له زيد: فاقرءوا أُمّ الكتاب، فقرأها حبَّان، فقال زيد بن حارثة: نادوا في الجَيْش أنَّ الله قد حرَّم علينا ثُغْرَة١ القوم التي جاءوا منها إلاَّ مَن خَتَر٢. وإذا أخت حبان بن ملَّة، وهي امرأة أبي وَبْر بن عدي ابن أُميَّة ابن الضبيب في الأُسارى، فقال له زيد: خُذْها، وأخَذَت بحقويه٣، فقالت أُم الفِزر الضُّلعية: أتنطلقون ببناتكم وتَذَرون
_________________
(١) ١ ثغرة القوم: ناحيتهم التي يحمونها. ٢ خَتَرَ: نقضَ العهد. ٣ بحقويه: بخصريه.
[ ٨٩ ]
أُمَّهاتكم؟ فقال أحد بني الخصيب: إنَّها بنو الضبيب وسحر ألسنتهم سائرَ اليوم، فسمعها بعض الجيش، فأخبر بها زيد بن حارثة، فأمر بأُخت حبَّان ففُكَّت يداها من حِقْوَيه، وقال لها: اجلسي مع بنات عمك حتَّى يحكم الله فيكُنَّ حُكْمَه، فرجعوا، ونَهَى الجيش أن يهبطوا إلى واديهم الذي جاءوا منه، فأمسوا في أهليهم، واستعتموا ذودًا١ لسويد بن زيد، فلمَّا شربوا عتمتهم٢، ركبوا إلى رفاعة بن زيد، وكان مِمَّن ركب إلى رفاعة بن زيد تلك الليلة: أبو زيد بن عمرو، وأبو شماس بن عمرو، وسويد بن زيد، وبعجة بن زيد، وبرذع بن زيد، وثعلبة ابن زيد، ومُخْرَبة بن عدي، وأُنَيْف بن ملَّة، وحبان بن ملة، حتَّى صبَّحوا رفاعة بن زيد بكراع رَبة٣، بظهر الحرَّة، على بئر هنالك من حرَّة ليلى٤؛ فقال له حبَّان بن ملَّة: إنَّك لجالس
_________________
(١) ١ الذود: ما بين الثلاث إلى العشرمن الإبل. واستمتعواذودًا: انتظروه إلىعتمة من الليل. ٢ عتمتهم: لبنهم الذي انتظروه إلى ذلك الوقت. ٣ كراع ربة - بالراء وتشديد الباء - بلفظ ربَّة البيت أو ربَّة المال، أي صاحبته، في ديار جذام. والكراع هو: الجانب المستطيل من الحرَّة. (انظر: الحموي: معجم: ٤/٤٤٣، وابن الأثير: نهاية: ٤/١٥) . ٤ حرَّة ليلى: لبني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن ريث بن غطفان، يطؤها الحاج في طريقهم إلى المدينة. وعن بعضهم: أنَّ حرَّة ليلى من وراء وادي القرى من جهة المدينة فيها نخل وعيون. قلت: قد تكون هي نفسها التي لبني مرّة، لأنَّ ديارهم تقع في نفس المنطقة. قال البلادي: تُعْرَف اليوم بحرَّة خيبر، وحرَّة هتيم، ومنها حرَّة أو اثنان في نهايتها الشمالية الشرقية، وهي تسايرك إذا تجاوزت خيبر على يمينك حتى تصير في الجناب (الجهراء اليوم) . (ياقوت: معجم البلدان: ٢/٢٤٧-٢٤٨، والسمهودي: وفاء الوفاء:٢/٢٨٨، والبلادي: معجم: ٩٧) .
[ ٩٠ ]
تحلب المعزى ونساء جذام أُسارى قد غَرَّها كتابك الذي جئت به، فدعا رفاعة بن زيد بجملٍ له، فجعل يَشُدّ عليه رحله وهو يقول:
هل أنت حي أو تنادي حيّا
ثُمَّ غدا وهم معه، مبكرين من ظهر الحرَّة، فساروا إلى جوف المدينة ثلاث ليال؛ فلمَّا دخلوا المدينة، وانتهوا إلى المسجد، نظر إليهم رجلٌ من الناس، فقال: لا تنيخوا إبلكم، فتُقَطَّع أيديهنَّ، فنزلوا عنهنَّ وهُنَّ قيام؛ فلمَّا دخلوا على رسول الله ﷺ ورآهم ألاح١ إليهم بيده: أن تعالوا من وراء الناس؛ فلمَّا استفتح رفاعة بن زيد المَنْطِق، قام رجلٌ من الناس فقال: يا رسول الله، إنَّ هؤلاء قوم سحرة، فردَّدَها مرَّتين، فقال رفاعة بن زيد: رحم الله مَن لم يحذُنا٢ في يومه هذا إلاَّ خيرًا، ثُمَّ دفع رفاعة بن زيد
_________________
(١) ١ ألاح: أشار. ٢ لم يحذنا: لم يُعطِنا. وتُرْوَى: (لم يجدنا): لم ينفعنا.
[ ٩١ ]
كتابَه إلى رسول الله ﷺ الذي كان كتبه له. فقال: دونك يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: اقرأه يا غلام، وأعْلِنْ؛ فلمَّا قرأ كتابه استخبره، فأخبروهم الخبر، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: كيف أصنع بالقتلى؟ - ثلاث مرَّات -. فقال رفاعة: أنت يا رسول الله أعلم، لا نحرِّم عليك حلالًا، ولا نُحَلّل لك حرامًا، فقال أبو زيد بن عمرو: أطلِق لنا يا رسول الله مَنْ كان حيًّا، ومَا قُتِلَ فهو تحت قَدَمي هذه. فقال له رسول الله ﷺ: صدق أبو زيد، اركب معهم يا عليّ. فقال له عليٌّ - ﵁: إنَّ زيدًا لن يُطِيعني يا رسول الله، قال: فخُذ سيفي هذا، فأعطاه سيفه. فقال عليٌّ: ليس لي يا رسول الله راحلة أركبها، فحملوه على بعير لثعلبة بن عمرو، يُقال له مِكْحَال، فخرجوا، فإذا رسولٌ لزيد بن حارثة على ناقة من إبل أبي وبر، يُقال لها الشمر، فأنزلوه عنها، فقال: يا عليّ! ما شأني؟ فقال: ما لهم عرفوه فأخذوه، ثُمَّ ساروا فلقوا الجيش بفيفاء الفحلتين"١.
فقال علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - لزيد بن حارثة:
[١٩] "إنَّ رسول الله ﷺ يأمرك أن تردَّ على هؤلاء القوم ما كان بيدك من أسير أو سبي أو مال. فقال زيد: علامة من رسول الله! قال علي: هذا! فعرف زيد السيف، فنَزل فصاح بالنَّاس، فاجتمعوا
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٩٢ ]
فقال: مَن كان بيده شيء من سبي أو مال فليرده، فهذا رسول رسول الله، فردَّ إلى النَّاس كُلَّ ما أُخِذَ منهم، حتَّى إن كانوا ليأخذون المرأة من تحت فخذ الرجل"١.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١٢] .
[ ٩٣ ]
المبحث الثالث: سرية زيد بن حارثة ﵁ إلى مدين
المطلب الأول: التعريف بمدين
المطلب الأول: التعريف بمدين:
مَدْيَنُ: "بفتح أوَّله، وسكون ثانيه، وفتح الياء المثناة من تحت، وآخره نون، بلد بالشام معلوم، تِلقاء غزَّة، وهو المذكور في كتاب الله تعالى١".
وقال الحازمي: "بين وادي القرى والشام".
وقيل: "مَدْيَن تجاه تبوك بَيْنَ المدينة والشام على ست مراحل، وبها استقى موسى - ﵇ - لبنات شعيب، وبها بئر قد بُنِيَ عليها بيت".
قال أبو زيد: "مدين على بحر القلزم محاذية لتبوك، وبها البئر التي استقى منها موسى - ﵇ - لسائمة شعيب قال: "ورأيت هذه البئر مغطاة قد بُنِيَ عليها بيت، وماء أهلها من عين تجري".
وقال محمَّد بن سهل الأحول: "ومَدْيَن من أعراض المدينة أيضًا مثل فدك والفُرع ورهاط".
وقيل: "مَدْيَن هي كفر مَنْده من أعمال طبرية، وعندها أيضًا البئر والصخرة".
ومَدْيَن: "منازل جذام، وشعيب النَّبِيّ - ﵇، المبعوث إلى أهل مَدْين أحد بني وائل بن جذام، وقال النَّبِيُّ ﷺ لوفد جذام: "مرحبًا بقوم شعيب وأصهار موسى"٢.
_________________
(١) ١ ورد ذكر مَدْيَن في عشرة مواضع من القرآن الكريم: (الأعراف ٨٥، التوبة ٧٠، هود ٨٤، ٩٥، طه ٤٠، الحج ٤٤، القصص ٢٢، ٢٣، ٤٥، العنكبوت ٣٦) . ٢ البكري: معجم ٤/١٢٠١.
[ ٩٧ ]
فهي مدينة قوم شعيب، سُمِّيَت بِمَدْين بن إبراهيم - ﵇ ".
وقيل: "مَدْيَن اسم القبيلة". ولهذا قال الله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ
شُعَيْبًا﴾ . [سورة هود، الآية: "٨٤] ".
قال البلادي: "أمَّا موقع مَدْيَن فهو بلا خلاف غرب تبوك، بينها وبين خليج العقبة، فإذا كان المقصود مدينة شعيب فهي تُعْرَف اليوم باسم البدع، وتقع على (٢٢٠) كيلًا من تبوك، يصل بينهما طريق معبَّد، أمَّا إذا كان المقصود ديار القبيلة فإنَّ الموقع والحدود تتأثر بسعة انتشار تلك القبيلة وتقلُّصها، فإذا ثبت أنَّهم من جذام كانت تمتد من ساحل البحر إلى قُرب تبوك، ثُمَّ تدخل في الشراة شمالًا، وتقرب من ضبة جنوبًا".
وإذا طبَّقنا نظرية الحدود الجغرافية التي تشمل مسمىً واحدًا في الغالب، نستطيع القول بأنَّ أرض مدين تُحَدُّ من الشرق بسراة حسمى، ومن الغرب بالبحر، ومن الشمال حقل أو العقبة، أمَّا من الجنوب فلا تتجاوز ضِبة أو دونها والبِدع، قرية تتوسط أرض خالية من العمران، فأقرب قرية تبعد عنها قرابة ستين كيلًا، وهي - أيضًا - تتوسط وادي عفال الخالي من الزراعة والحياة إلاَّ من هذه القرية، وهي ذات زراعة لا بأس بها على آبار ضخ، وفيها سكان وحوانيت ومقاهٍ، وسكانها الحويطات، وجُلُّهم من المساعيد".
وهذا البلد يسميه الباحثون المحدِّثون "مَدْيَن" بينما عرَّفه الرحَّالون الحُجَّاج كالجزيري، وابن عبد السلام الدرعي باسم "مغائر شعيب"
[ ٩٨ ]
ومغائر شعيب: "جمع مغارة، وهي الغار العميق في الجبل، وهي مغائر في صفراء شعيب التي تظلل البدع من الغرب، وفي هذه الصفراء من الميل الشمالي مكان يُقال إنه مُصَلَّى شعيب ﵇، والإجماع من زمن متقدِّم على أنَّ هذه مغائر شعيب، وأنَّ البلد هو بلد شعيب سواء كان اسمه مدين أو الأيكة، فقد مرَّ الرَحَّالون من حُجَّاج مصر من هنا منذ بداية القرن التاسع أو قبلها، فذكروا أنَّ الاسم هو مغائر شعيب وأنَّها مَدْيَن".
ويقول المساعيد - أهل هذه الديار -: "إن اسم البدع ناتج عن أنَّ هذه الأرض قد دُثِرَت، ثُمَّ بُدعت فيها آبار ومزارع، فسُمِّيَت بذلك١".
قلت: "هذا تعريف شامل بمَدْيَن الذي سُمِّيَت به هذه السرية، ولكن هناك إشارات وردت في روايات الخبر تشير إلى أنَّ المكان الذي توجَّهت إليه السرية هو مكان آخر، ربما يكون قريبًا من مَدْيَن".
ففي رواية محمَّد بن إسحاق عند سعيد بن منصور في سننه قال: "
[١] "بَعَث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا". قال سعيد: "مقنا هي مَدْيَن"٢".
_________________
(١) ١ انظر: البكري: معجم ٤/١٢٠١، الحموي: معجم ٥/٧٧ - ٧٨، البلادي: رحلات في بلاد العرب، في شمال الحجاز والأردن ١٢٣،١٣١،١٣١،١٣٨. ٢ أخرجه سعيد بن منصور (سنن ٢/٢٤٨) من حديث ابن إسحاق. وبه أخرجه ابن سعد نحوه (طبقات، الجزء المتمم لتابعي المدينة ٤٥٢) . وقال عنه ابن حجر (الإصابة ٢/٢١٤): سنده منقطع. قلت: كذلك فيه عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلّس. ولعلّ سبب الانقطاع هو أن فاطمة بنت الحسين لم تدرك النّبيّ ﷺ.
[ ٩٩ ]
وفي رواية ابن هشام بسنده عن فاطمة بنت الحسين بن علي قالت:
[٢] "إنَّ رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن، ومعه ضميرة مولى علي بن أبي طالب١ ﵁، وأخ له". قالت: "فأصاب سبيًا من أهل ميناء، وهي الساحل، وفيها جُمَّاع٢من النَّاس"٣".
هذا ولم أجد في المعاجم الجغرافية مدينة باسم ميناء، وأظنّها والله تعالى أعلم تصحيف مقنا، لِعِدَّة قرائن:
١) لا توجد مدينة أو قرية في المنطقة باسم ميناء".
٢) مشابهة لفظ (ميناء) للفظ (مقنا) خاصّةً وأنه ورد في بعض الروايات (مينا) بغير همز٤".
_________________
(١) ١ ضميرة بن أبي ضميرة، مولى رسول الله ﷺ، له ولأبيه صحبة، وهو جدّ حسين بن عبد الله بن ضميرة، يُعَد في أهل المدينة. وقيل: إنَّه ابن سعيد الحميري. وقال ابن حبان: ضميرة بن أبي ضميرة الضمري الليثي، وزعم عبد الغني المقدسي في العمدة أنَّ ضميرة هذا هو اليتيم الذي صلَّى مع أنس لمَّا صلَّى النَّبِيُّ ﷺ في بيتهم، قال: فقمت أنا واليتيم وراءه والعجوز خلفنا. ابن حبان: الثقات ٣/١٩٩، ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة ٢/٢١٤، ابن حجر: الإصابة ٢/٢١٤. ٢ الجماع: من الأضداد، ويكون تارة المجتمعين، وتارة المفترقين. وأراد به هنا جماعات من الناس مختلطين. ٣ رواه ابن هشام (سيرة ٤/٦٣٥) مُعَلَّقًا عن عبد الله بن حسن بن حسن. ٤ انظر: الديار بكري: تاريخ ٢/١٥.
[ ١٠٠ ]
٣) ورد في الرواية أنَّها مكان ساحلي، وبلدة مقنا تقع على الساحل".
٤) ورد في الرواية أنَّها كان فيها جُمَّاع من الناس، أي جماعات من الناس مختلطين، ومن عادة المناطق الساحلية أن يكون سكانها من جماعاتٍ شتَّى، وقد ورد في بعض الروايات أنّ سكان مقنا كانوا خليطًا من العرب بني حبيبة١، ومن اليهود". والله تعالى أعلم".
وقال ياقوت: "مقنا قُرْب أيلة، صالحهم النَّبِيُّ ﷺ على ربع عروكهم، والعروك خشب يُصطاد عليه٢".
وقال الواقدي: "صالحهم على عروكهم وربع ثمارهم، وكانوا يهودًا".
وقال البلادي: "وكانت مقنا بلدة عامرة عندما غزا رسول الله ﷺ تبوك، وكان أهلها بني حبيبة، فصالحهم وأدخلهم في ذِمَّة المسلمين، وسكانها اليوم بنو عقبة والفوائدة، وهي وادٍ من نواحي البدع، يسيل من الصفر الواقعة غرب البدع، فيصب في خليج العقبة من الشرق، وعند مصبه قرية مقنا المشهورة بنخلها وزراعتها، وتقع غرب البدع عند الدرجة (٢٥/٢٨) شمالًا، (٤٥/٤٤) شرقًا تقريبًا، وتبعد عن البدع بما يقرب من (٣٧) كيلًا، وتوجد حولها آثار وبقايا مبانٍ قديمة٣".
_________________
(١) ١ انظر: البلاذري: فتوح ٨٠، الحموي: معجم ٥/١٧٨، الحميري: الروض ٥٢٦. ٢ العروك: خشبة تُلْقَى في البحر يركبون عليها فيُلْقُون شباكهم يصيدون السمك. انظر: (ابن سعد: طبقات ١/٢٧٧) . ٣ انظر: الواقدي: مغازي٣/١٠٣٢،الحموي: معجم٥/١٧٨،البلادي: رحلات١٤٠.
[ ١٠١ ]
المطلب الثاني: راوي الخبر وسياقه:
روى ابن هشام خبر السرية على أنه من زياداته على سيرة ابن
إسحاق فقال: "ومِمَّا لم يذكره ابن إسحاق من بعوث رسول الله ﷺ وسراياه، سرية زيد بن حارثة إلى مدين". ذكر ذلك عبد الله بن حسن بن حسن١، عن أُمِّه فاطمة٢ بنت الحسين بن علي - عليهم رضوان الله: "
[٣] "أنَّ رسول الله ﷺ بعث زيد بن حارثة نحو مَدْيَن" الحديث٣.
قلت: "ولعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى، وهم في عدم نسبة الحديث إلى ابن إسحاق، أو لعلَّ الحديث سقط من رواية البكائي، وهي الرواية التي هذَّبها ابن هشام من سيرة ابن إسحاق، ولم يطَّلِع ابن هشام على روايات الحديث الأُخرى، فالحديث أخرجه سعيد بن منصور من طريق "أبي شهاب"٤ عن محمَّد بن إسحاق، عن عبد الله بن الحسن، عن أُمِّه فاطمة بنت حسين، قالت:
_________________
(١) ١ عبد الله بن الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب الهاشمي، المدني، أبو محمَّد (ثقةٌ جليل القدر) من الخامسة، مات أوائل سنة خمسٍ وأربعين. (تقريب ٣٠٠) . ٢ فاطمة بنت الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمية المدنية، زوج الحسن بن الحسن بن علي (ثقةٌ) من الرابعة، ماتت بعد المائة وقد أسنَّت. (تقريب ٧٥١) . ٣ من رواية ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [٢] . ٤ عبد ربه بن نافع الكناني، الحنَّاط - بمهملة ونون - نزيل المدائن، أبو شهاب الأصغر (صدوق يهم) من الثامنة، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين. (تقريب ٣٣٥) .
[ ١٠٢ ]
[٤] "بعَثَ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة إلى مدينة مقنا"..١". الحديث.
وأخرجه ابن سعد كذلك من طريق "أبي شهاب" به نحوه٢".
وعزاه لابن إسحاق كُلٌّ من: "ابن سيد النَّاس٣، والشامي٤، وتابعهما في ذلك الحلبي٥".
أمَّا سياق الخبر ففيه اختلاف جوهري بين رواية سعيد، وابن سعد، ورواية ابن هشام، ففي رواية ابن هشام، ذكر أنَّ ضميرة وأخاه كانا من جنود السرية، بينما وقع في روايتي سعيد، وابن سعد أنَّ زيدَ بن حارثة - ﵁، أصاب ضميرة فيمن أصاب من السَّبْي، ووقع مثل ذلك في روايات أُخَر، منها ما هو متابع، ومنها ما هو شاهد لروايتي سعيد، وابن سعد، وهي بالتأكيد أقوى سندًا من رواية ابن هشام".
فقد أخرج عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، من طريق الثوري٦، عن عبد الله بن حسن عن أُمِّه فاطمة بنت حسين:
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وعند ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ عيون الأثر ٢/١٤٣. ٤ سبل الهدى ٦/١٥٣. ٥ السيرة ٣/١٨٥. ٦ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، أبو عبد الله الكوفي (ثقةٌ، حافظٌ، فقيهٌ، عابدٌ إمامٌ، حُجَّة) من رؤوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلَّس. مات سنة إحدى وستين. (تقريب ٢٤٤) .
[ ١٠٣ ]
[٥] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ بعث زيد بن حارثة في سرية فأصاب سبيًا فجاء بهم" ثُمَّ ذكر الحديث". إلاَّ أنَّه قال فيه: ""فاحتاج إلى ظهر١ فباع غلامًا منهم، فجاءت أُمّه فرآها النَّبِيُّ ﷺ تبكي، فسأله". فقال: "احتجت إلى بعض ظهر فبعت ابنها". فقال له النَّبِيُّ ﷺ: "ارجع فردَّه أو اشتره". فقال: "فوهبه بعد ذلك لعلي". قال: "فكان خازنًا له". قال: "وولد له"٢".
أمَّا الشاهد، كما ذكر ابن حجر٣، فقد أخرجه البخاري في تاريخه من طريق ابن أبي ذئب٤، عن حسين بن عبد الله بن ضميرة٥، عن أبيه٦، عن جده ضميرة:
_________________
(١) ١ الظهر: المراد به الراحلة، يُكَنَّى به عنها لأنه هو المقصود بالاستعمال منها. ٢ أخرجه عبد الرَّزَّاق (المصنف٨/٣٠٧) وسنده منقطع. لأن فاطمةلم تسمع من النّبيّ ﷺ. ٣ إصابة ٢/٢١٤. ٤ محمَّد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن أبي ذئب القرشي العامري، أبو الحارث المدني (ثقةٌ، فقيهٌ، فاضلٌ) من السابعة، مات سنة ثمانٍ وخمسين، وقيل: سنة تسع. (تقريب ٤٩٣) . ٥ الحسين بن عبد الله بن أبي ضميرة، سعيد الحميري المدني، روى عن أبيه، وعنه زيد ابن الحباب وغيره (متروك الحديث) كذَّبه مالك وغيره، وقال عنه البخاري: (منكر الحديث ضعيف) . انظر: (البخاري: الضعفاء الصغير ٦٩، التاريخ الكبير ٢/٣٨٨، الذهبي: ميزان ١/٥٣٨، ابن حجر: لسان ٢/٢٨٩) . ٦ لم أعثر على ترجمته.
[ ١٠٤ ]
[٦] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ بأُمِّ ضميرة وهي تبكي". فقال: "ما يُبْكِيكِ؟ قالت: "يا رسول الله! فُرِّق بيني وبين ابني، فأرسل إلى الذي عنده ضميرة فابتاعه منه ببكر"١٢".
_________________
(١) ١ البكَر: بالفتح، ولد الناقة، والفتى منها. (القاموس: بكر) . ٢ أخرجه البخاري (التاريخ ٢/٣٨٨ - ٣٨٩)،وعزاه إليه ابن حجر (إصابة ٢/٢١٤) وقال: "رويناه بعلو في الأول من حديث المخلّص، قال ابن صاعد: غريب تفرَّد به ابن وهب عن ابن أبي ذئب. قلت: ذكر ابن منده أنَّ زيد بن الحباب تابع ابن أبي ذئب فرواه عن حسين أيضًا، وأخرجه ابن منده من طريق ورَّاد". قلت: والحديث مداره على الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وهو متروك الحديث، كما مرَّ، ولكنَّ الحديث جاء من طُرُق، فقد أخرج أبو داود (كتاب الجهاد، باب في التفريق بين السبي، حديث رقم ٢٦٧٩) من حديث ميمون بن أبي شبيب، عن علي ﵁ "أنه فرَّق بين جارية وولدها، فنهاه النَّبِيُّ ﷺ عن ذلك، وردَّ البيع". وأخرجه الحاكم (مستدرك ٢/١٣٦) بسنده عن ميمون به مثله، وقال: صحيح على شرط الشيخين، ووافقه الذهبي في التلخيص. قلت: ولكنَّ أبا داود قد أعلَّ الحديث بالانقطاع، بأنَّ ميمون لم يدرك عليًّا (انظر: عون المعبود ٧/٣٦٣) . كما أخرج الحاكم من حديث شعبة عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن علي - ﵁ - قال: "أمرني رسول الله - ﷺ - أن أبيع أخوين من السبي فبعتهما، ثُمَّ أتيت رسول الله - ﷺ - فأخبرته ببيعهما، فقال: فرَّقت بينهما؟ قلت: نعم. قال: فارتجعهما، ثُمَّ بِعْهُما ولا تفرِّق بينهما". قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي (المستدرك ٢/١٣٦) . وهذا الحديث بهذا اللفظ أخرجه الترمذي (أبواب البيوع، باب ما جاء في كراهية أن يفرق بين الأخوين، أو بين الوالدة وولدها في البيع، حديث رقم ١٣٠٢) من حديث ميمون، عن علي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وذكر الشوكاني (نيل الأوطار ٥/١٦٢) الحديثين عن علي رضي الله تعالى عنه ثُمَّ قال: وحديث علي الأول رجال إسناده ثقات كما قال الحافظ، وقد صحَّحه ابن خزيمة، وابن الجارود، وابن حبان، والحاكم، والطبراني، وابن القطَّان. وحديثه الثاني هو من رواية ميمون بن أبي شبيب عنه، وقد أعلَّه أبو داود بالانقطاع بينهما. وأخرجه الحاكم وصحَّح إسناده، ورجَّحه البيهقي لشواهده.
[ ١٠٥ ]
وأخرجه ابن عبد البر من طريق ابن وهب١به نحوه٢".
فكُلُّ هذه الروايات الأقوى سندًا من رواية ابن هشام، ذكرت أنَّ ضميرة كان من سبي تلك السرية، ولم يكن من جنودها". فلعلَّ ابن هشام - رحمه الله تعالى - وهم في ذلك أيضًا". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمَّد المصري، الفقيه (ثقةٌ، حافظٌ عابدُ) من التاسعة، مات سنة سبعٍ وتسعين وله اثنتان وسبعون. (التقريب ٣٢٨) . ٢ الاستيعاب، هامش الإصابة٢/٢١٤،وقال فيه:"ما يُبْكِيكِ، أجائعةٌ أنتِ أم عارية؟ ".
[ ١٠٦ ]
المطلب الثالث: تاريخ السرية:
لم تُحَدِّد الروايات التي ساقت خبر السرية تاريخًا محدَّدًا لها بما فيها رواية ابن هشام في السيرة، حيث ذكرها ابن هشام في آخر كتاب المغازي مشيرًا إلى أنَّها من زياداته على سيرة ابن إسحاق، وذكرها بعد سرية عمرو بن أُمَيَّة الضمري إلى أبي سفيان١".
وخبر السرية كما لاحظنا قد تفرَّد به ابن إسحاق من بين أهل المغازي ولكن لم يذكر لها تاريخًا".
ولكنه يمكن أن نستنبط لها تاريخًا تقريبيًا من خلال سير أحداث السرية النبوية المباركة، حيث يمكننا الجزم بأنَّ هذه السرية كانت قبل غزوة مؤتة بلا شك، وذلك في فترة هدنة الحديبية، وهي الفترة التي زاد فيها نشاط السرايا والبعوث النبوية في المنطقة الشمالية من الجزيرة".
إذ أنَّ قائد السرية زيد بن حارثة - ﵁، كان من قادة مؤتة الذين استشهدوا بها، لأجل ذلك قدَّمتها هنا في باب السرايا والبعوث النبوية الشمالية قبل مؤتة". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ السيرة ٤/٦٣٥.
[ ١٠٧ ]
المطلب الرابع: سير الأحداث:
قبل معركة مؤتة الشهيرة، بعث رسول الله ﷺ حِبَّه ومولاه زيد ابن حارثة - رضي الله تعالى عنه - إلى منطقة مَدْيَن، وبالتحديد إلى بلدة مقنا على ساحل البحر الأحمر، في سرية لم تذكر الروايات قوَّتها".
واستطاع زيد - رضي الله تعالى عنه - التوغُّل في تلك المنطقة البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم، ونجح - رضي الله تعالى عنه - في الإغارة عليهم:
[٧] "فأصاب منهم سبايا، منهم ضميرة"١ وأخوه، وأُمُّه، وأبوه، فجاء بهم زيد - رضي الله تعالى عنه - إلى رسول الله ﷺ ".
[٨] "فأمر رسول الله ﷺ ببيعهم، فخرج إليهم وهم يبكون، فقال لهم: "مِمَّ تبكون؟ قالوا: "فرّقنا بينهم وهم إخوة". فقال رسول الله ﷺ: "لا تفرِّقوا بينهم، بيعوهم جميعًا"٢. كما
[٩] "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ مرَّ بأُمّ ضميرة وهي تبكي، فقال: "ما يبكيكِ؟ قالت: "يُفَرَّق بيني وبين ابني". فقال: "لا يُفَرَّق بين الوالدة وولدها، ثُمَّ أرسل إلى الذي ضُمَيرة عنده فدعاه فابتاعه منه ببكر"٣.
[١٠] "فوهبه بعد ذلك لعلي، قال: "فكان خازنًا له، قال: "وولد له"٤.
_________________
(١) ١ من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ من رواية ابن إسحاق عند سعيد بن منصور، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٣ من رواية البخاري في التاريخ، وقد سبق تخريجها برقم [٦] . ٤ من رواية عبد الرَّزَّاق في المصنَّف، وقد سبق تخريجها برقم [٥] .
[ ١٠٨ ]
هذا وقد أخرج ابن سعد، وابن منده، والبغوي حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة حول:
[١١] "الكتاب الذي كتبه رسول الله ﷺ إلى ضميرة، وفيه: "أنَّهم كانوا أهل بيت من العرب، وكان مِمَّن أفاء الله على رسوله (فأعتقهم) ١، ثُمَّ خيَّر أبا ضميرة إن أحب أن يلحق بقومه فقد أمَّنه رسول الله ﷺ، وإنَّ أحبَّ أن يمكث مع رسول الله ﷺ فيكون مع أهل بيته، فاختار أبو ضميرة الله ورسوله، ودخل في الإسلام، فلا يعرض لهم أحد إلاَّ بخير، ومَن لقيهم من المسلمين، فليستوصِ بهم خيرًا، وكتب٢ أُبَيُّ بن كعب"٣".
_________________
(١) ١ في الإصابة: فاعتذر، وهو تصحيف، وما أثبته مناسب للسياق. ٢ في الإصابة: وكتب (إلى) أُبَي بن كعب، وهي زائدة. ٣ عزاه ابن حجر (إصابة ٢/٢١٤) إلى ابن سعد، وابن منده، والبغوي، وقال: «أخرجه ابن منده من طريق ورَّاد، قال ابن أبي ذئب: أقرأني حسين كتابًا فيه: مِن مُحَمَّد رسول الله لأبي ضميرة وأهل بيته، أنَّ رسول الله ﷺ أعتقهم. قلت: وللحديث شاهد عند ابن إسحاق بسندٍ منقطعٍ، وقد تابع ابن أبي ذئب أيضًا إسماعيل بن أبي أويس، أخرجه محمَّد بن سعد، وأورده البغوي عنه عن إسماعيل بن أبي أويس، أخبرني حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبي ضميرة، أنَّ الكتاب الذي كتب رسول الله ﷺ إلى ضميرة فذكره كما تقدَّم". قلت: الحديث مداره على الحسين بن عبد الله بن ضميرة، وهو ضعيف، متروك الحديث، كما تقدَّم. والله تعالى أعلم.
[ ١٠٩ ]
الفصل الثاني: السرايا والبعوث النبوية إلى فدك
المبحث الأول: سرية على بن أبي طالب ﵁ إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تعريف بفدك
المطلب الأول: التعريف بفدك:
فدك - بفتح أوَّله، وثانيه، وقيل: "بالفتح". وقيل: "بالتحريك، وآخره كاف، قال ابن دريد: "فدَّكت القطن تفديكًا إذا نفشته، وفدك: "قرية بالحجاز". قال عياض: "هي على يومين، وقيل: "ثلاثة من المدينة، وأقرب الطُّرُق من المدينة إليها من النَّقرة مسيرة يوم على جبل، يُقَال له الحِبَالَة والقذال، ثُمَّ جبل يُقَال له: "جُبار، ثُمَّ يَرْبغ، وهي قرية لولد الرِّضا، وهي كثيرة الفاكهة والعيون، ثُمَّ تركب الحرَّة عشرة أميال، فتهبط إلى فدك، قال الأصمعي: "حرَّة النَّار فدك". وطريق أُخرى، وهي طري مُصَدِّق بني ذبيان وبني محارب من المدينة إلى القصة، وهناك تُصدّق بنو عوال من بني ثعلبة بن سعد، ثُمَّ ينْزل نخلًا، فتصدّق الخضر خضر محارب، ثُمَّ ينْزل المغيثة فتصدّق سائر بني محارب، ثُمَّ الثَّامِلِيَّة لأشجع، ثُمَّ الرقمتين لبني الصَّادر، ثُمَّ مرتفقًا لبني قتَّال بن يربوع، ثُمَّ فدك، ثُمَّ الخُراضة، ثُمَّ خيبر، وفي فدك عين فوَّارة ونخيل كثيرة، وحصن فدك يُقال له: "الشمروخ، وقيل: "سُمِّيَت بفدك بن حام لأنه أوَّل من نزلها". وذكر البكري أنَّ أكثر أهلها أشجع".
وقال ياقوت: "كان أهلها يهود١، فلمَّا فتحت خيبر طلبوا من النَّبِيِّ ﷺ الأمان على أن يتركوا له البلد، فكانت له خاصّةً، لأنَّها مِمَّا لم يُوجف
_________________
(١) ١ ربَّما كان يسكنها اليهود، وقبيلة أشجع، معًا، أو أنَّ اليهود كانوا هم سُكَّان المدينة، وقبيلة أشجع كانوا يسكنون حول المدينة ويشتركون مع يهودها بحلف مثل بقية القبائل الغطفانية الأخرى.
[ ١١٥ ]
عليه بخيل ولا ركاب، فكان يصرف ما يأتيه منها في أبناء السبيل، وفي رواية: "أنَّهم صالحوه على النصف، ولم يزل أهلها بها حتى أجلى عمر - ﵁ - اليهود فوجَّه إليهم من قوّم النصف، وعوَّضهم عنه، وأجلاهم إلى الشام".
ولمَّا قُبِضَ رسول الله ﷺ قالت فاطمة - رضي الله تعالى عنها: "إنَّ رسول الله ﷺ نحلنيها١، فقال أبو بكر الصِّدِّيق - ﵁: "أريد لذلك شهودًا، ولها قِصّة، ثُمَّ أدَّى اجتهاد عمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه - بعده لمَّا فُتِحَت الفُتُوح واتَّسعت على المسلمين أن يرُدَّها إلى ورثة رسول الله ﷺ، فكان عليُّ بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، والعبَّاسُ بن عبد المطلب - رضي الله تعالى عنه - يتنازعان فيها، ويتخاصمان إلى عمر - رضي الله تعالى عنه، فيأبى أن يحكُم بينهما، ويقول: "أنتُما أعرف بشأنكما، ولمَّا ولي معاوية - رضي الله تعالى عنه - أقطعها مروان بن الحكم، ووهبها مروان لابنيه عبد الملك، وعبد العزيز، ثُمَّ صارت للوليد بن عبد الملك، وعمر بن عبد العزيز، ولمَّا ولي الوليد استوهبا منه عمر بن عبد العزيز، فكانت له خالِصَةً تغُل له عشرة آلاف دينار، وكانت مِن أحبّ ماله إليه، ولكنَّه حينما ولي الخلافة، كتَبَ إلى عامله بالمدينة يأمره برد فدك إلى ولد فاطمة - رضي الله تعالى عنها، فلمَّا ولي يزيد بن عبد الملك قبضها، فلم تزل في أيدي بني أُمَيَّة حتى ولي السَّفَّاح
_________________
(١) ١ النَّحْلُ: هو العَطَاءُ بِلا عِوَض.
[ ١١٦ ]
الخلافة فدفعها إلى الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب، فكان هو القَيِّم عليها يُفَرِّقُها في بني علي بن أبي طالب، فلمَّا ولي المنصور وخرج عليه بنو الحسن قبضها عنهم، فلمَّا ولي المهدي أعادها عليهم، ثُمَّ موسى الهادي ومَن بعده إلى أيام المأمون، فجاءه رسول بني علي بن أبي طالب فطالب بها، فأمر أن يُسجل لهم بها، فكُتِبَ السجل وقُرِئَ على المأمون، فقام دعبل الشاعر وأنشد:
أصبح وجه الزمان قد ضحكا برد مأمون هاشم فدكا
ولمَّا استخلف جعفر المتوكل ردَّها إلى ما كانت عليه في عهد رسول الله ﷺ، وأبي بكر الصديق - رضي الله تعالى عنه ".
وفدك: "قرية مشهورة، وقد استغرب مجد الدين الفيروزآبادي الذي عاش في القرن الثامن، والسمهودي في القرن التاسع، عدم معرفة أهل المدينة لها في ذلك الوقت على شهرتها، فربَّما كان ذلك بسبب خرابها، فقد ذكر الحلبي الذي عاش في القرن العاشر أنَّها كانت خرابًا في عهده، أو ربَّما لتغيُّر اسمها ففدك اليوم تُعْرَف بالحائط، وتقع ضمن نطاق منطقة حائل الإدارية بين محافظة الحليفة ومحافظة خيبر، وجُلّ أهلها اليوم هم من قبيلة الرشايدة١".
_________________
(١) ١ انظر: البكري: معجم ٣/١٠١٥ - ١٠١٦ - ياقوت الحموي: معجم ٤/٢٣٨ - ٢٤٠، الحميري: الروض ٤٣٨، السمهودي: وفاء ٤/١٢٨٠ - ١٢٨١، الحلبي: سيرة ٣/١٨٥، البلادي: معجم ٢٣٥.
[ ١١٧ ]
هذا ومن الملاحظ أنَّ منطقة عمليات السرايا لم تكن قرية فدك ذاتها، وإنَّما المنطقة المحيطة بها، والتي كانت تسكنها قبيلة بني مرّة، وقبيلة بني سعد بن بكر، ولكن باعتبار قربها من فدك تجوَّز أهل المغازي بنسبتها إليها".
قال الحلبي، والزرقاني، تعليقًا على أنَّ بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - قائد السرية، تحامل على نفسه - حينما أُصيب هو ومَن معه - حتَّى أتى فدك فأقام بها أيّامًا حتَّى ارتفع من الجراح، قالا: "وهذا يدل على أنَّ بني مرّة الذين توجَّه إليهم بشير لم يكونوا بفدك، بل بالقرب منها، فتسمَّحوا في قولهم إلى بني مرّة بفدك لمجاورتها وكونها من أعمالها١". وكذلك الأمر بالنسبة لسرية علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه - إلى بني سعد".
_________________
(١) ١ الحلبي: سيرة ٣/١٩٢، الزرقاني: شرح ٢/٣٥٠.
[ ١١٨ ]
المطلب الثاني: تاريخ السرية، وسببها١:
أولًا: تاريخ السرية:
ذكر ابن إسحاق خبر السرية مقتضبًا في جملة السرايا، لذلك لم يذكر لها تاريخًا محدَّدًا، وإنَّما ذكرها بعد سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوح٢".
وانفرد الواقدي، وابن سعد، بالإسهاب في الحديث عن خبر السرية كعادتهما، نقلًا عن شيوخهما، فكان من الطبعي أن يذكرا لها تاريخًا محدَّدًا حيث ذكرا أنها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم٣".
وذكرها خليفة بن خياط كذلك ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر الذي أُرسِلَت فيه٤".
ونقل الطبري٥، وابن القيم٦، وابن كثير٧، حديث الواقدي
_________________
(١) ١ نظرًا لما أشارت إليه الروايات من العلاقة الوثيقة بين تاريخ السرية، وسببها، لأجل ذلك أدمجت الاثنين في مطلبٍ واحدٍ حتَّى لا يتكرَّر الكلام، وحتَّى يكون التعليق عليهما منسجمًا ومتوافقًا. ٢ ابن هشام: سيرة ٤/٣٤٤. ٣ المغازي ٢/٥٦٢ - ٥٦٣، الطبقات ٢/٨٩ – ٩٠. ٤ تاريخ ٧٩. ٥ تاريخ ٢/٦٤٢. ٦ زاد المعاد ٢/٢٨٤. ٧ البداية والنهاية ٤/١٨١.
[ ١١٩ ]
عنها في أحداث السنة السادسة، دون تعليق منهم على ذلك".
وكذلك ابن سيد النَّاس نقلًا عن ابن سعد١.
واقتصر الشامي على رواية الواقدي، لكنَّه لم يذكر شيئًا في شرحه عن تاريخ السرية٢".
أمَّا القسطلاني٣، والمقريزي٤، فإنَّهما تابعا الواقدي، وابن سعد في روايتيهما".
ثانيًا: "سبب السرية:
ذكر خليفة بن خياط أنَّ السرية كانت إلى فدك، وأنَّ علي بن أبي طالب - ﵁ - أخذها٥".
بينما ذكر الواقدي، وابن سعد، وهما مَن حَدَّدا تاريخ السرية بدقة أنَّها كانت بسبب المعلومات التي بلغت رسول الله ﷺ عن بني سعد بن بكر بأنَّ لهم تحرُّكات وحشودًا استعدادية لإمداد يهود خيبر٦".
_________________
(١) ١ عيون ٢/١٤٤. ٢ سبل ٦/١٥٤ – ١٥٦. ٣ المواهب ١/٤٨٠. ٤ امتاع ١/٢٦٨. ٥ تاريخ ٧٩. ٦ المغازي ٢/٥٦٢، الطبقات ٢/٨٩ قال الحلبي (سيرة ٣/١٨٦) معلقًا على ذلك: قوله يريدون أن يمدوا يهود خيبر يقتضي بظاهره أنَّ ذلك كان عند محاصرة خيبر أو عند إرادة ذلك، وفيه ما لا يخفى لما تقدَّم، والله تعالى أعلم. قلت: الذي لا يخفى ولم يذكره الحلبي هو أنَّ خيبر كانت في شهر جمادى الأولى سنة سبع كما يذكر ابن سعد (طبقات ٢/١٠٦)، وفي شهر صفر أو بداية شهر ربيع الأول كما يذكر الواقدي (مغازي ٢/٦٣٣)، وما ذكراه من تاريخ هذه السرية وأنه شعبان سنة ست يتنافى مع سياق الأحداث، حيث أنَّ بين الغزوة والسرية ثمانية أشهر أو تسعة أشهر بحسب ما ذكراه، وذلك وقت طويل جدًا حدثت فيه أحداث مهمة من غزوات وسرايا وبعوث، وغير ذلك، فهل يمكن بعد ذلك القول بأنَّ سبب هذه السرية هو منع أولئك الأعراب من بني سعد بن بكر من التحشد لنصرة أو إمداد يهود خيبر ضد المسلمين في ذلك الوقت المبكر؟! والذي ربما لم يعقد فيه رسول الله ﷺ العزم بعد لغزو خيبر، لأنَّ الاستراتيجية العسكرية في ذلك الوقت كانت موجهة وبتركيز أكبر نحو قريش وحلفائها، ولم تتغير تلك الاستراتيجية وتتحول نحو اليهود وحلفائهم في خيبر وما حولها إلاَّ بعد الحديبية وعقد الهدنة مع قريش وحلفائها. وإذا فرضنا جدلًا وسلَّمنا بصحة هذا التوجه، وأنَّ ذلك فعلًا هو سبب هذه السرية، فلا يمكن حينها التسليم بصحة التاريخ المذكور للسرية لعدم التوافق والانسجام بينهما كما ذكرنا سلفًا. فلابدَّ أن يكون تاريخها متأخرٌ عمَّا ذكره الواقدي وابن سعد.
[ ١٢٠ ]
فيمكن أن تكون هذه السرية قبيل خيبر، وذلك ضمن الجهود المبذولة من النَّبِيِّ ﷺ لتحطيم الحلف الخيبري الذي كان قائمًا بين يهودها والقبائل المحيطة بخيبر، والذين كان لهم دورٌ بارزٌ في غزوة الأحزاب، وذلك
[ ١٢١ ]
ضمن الاستراتيجية العسكرية التي وضحها بعد هزيمة الأحزاب بقوله: " (الآن نغزوهم ولا يغزونا".
وما قيل في سبب السرية يؤكِّد أنَّها قبل خيبر بقليل، أو في أثناء توجُّه النَّبِيِّ ﷺ إليها، وهو الأرجح، ويؤيده قول الرجل لوبر بن عليم قائد بني سعد حينما رآه منهزمًا مع قومه من أمام المسلمين:
[١] "إني أرى أمر محمَّدٍ أمرًا قد أمن وغلظ، أوقع بقريشٍ فصنع بهم ما صنع، ثُمَّ أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينقاع وبني النضير وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر١".
فذلك دليل قوي على أنَّ السرية كانت في أثناء مسير النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر، حيث وردت إليه معلومات استخبارتية أنَّ أولئك الأعراب من بني سعد في تحشُّدٍ سريعٍ لإمداد يهود خيبر، فسارع ببعث السرية إليهم قبل أن تستكمل استعداداتهم لذلك".
والغريب أنَّ الواقدي ساق هذه الرواية ولم يُعَلِّق عليها على الرغم من أنَّها تخالف ما ذكره من تاريخ السرية وأنه في شعبان سنة ست، فلعلَّه رحمه الله تعالى وَهِمَ في ذكر هذا التاريخ".
والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي (مغازي٢/٥٦٣) بسنده عن عيسى بن عليلة، عن أبيه، عن جده.
[ ١٢٢ ]
المطلب الثالث: سير الأحداث١:
بينما كان النَّبِيُّ ﷺ في طريقه إلى خيبر - كما يُفهم من رواية الواقدي٢ - وصلت إليه معلومات مفادها أنَّ هناك تحرُّكات تحشديَّة معادية للمسلمين، يقوم بها رجل من بني سعد بن بكر يُدْعَى: "وبَر بن عُليم، في جمعٍ من قومه بني سعد، بالقرب من فدك، وذلك لمناصرة يهود خيبر ضد المسلمين، وأنَّهم بصدد الاتفاق معهم على إمدادهم بقوَّةٍ منهم مقابل جزء من تمر خيبر يُجْعَل لهم".
وكعادته ﷺ في استرتيجيته المتبعة دائمًا مع أعدائه وبخاصّةً الأعراب، في مباغتتهم وضربهم قبل استكمال تحشُّدهم، وتطوُّر استعداداتهم، سارع ﷺ في تجهيز سرية، عبارة عن دورية قتال تعرُّضية٣ قوَّتها مائة رجل بقيادة علي بن أبي طالب - ﵁ ".
_________________
(١) ١ بما أنَّ الواقدي، وابن سعد، هما مَن أسهبا في الحديث عن أحداث هذه السرية، بينما ذكرها ابن إسحاق بشكلٍ مقتضبٍ وموجزٍ، لذلك فسوف يكون الاعتماد بعد الله ﷿ إن شاء الله تعالى، على روايتيهما في سرد الأحداث على ما فيهما من الضعف، لحاجتنا إليهما، لأنَّهما تكملان الإطار التاريخي للواقعة. والله تعالى أعلم. ٢ انظر ص ١٠٥. ٣ التعرُّض: هو التوجه بصورة عامَّة إلى طلب الخصم بقصد ملاقاته ومقاتلته في ساحات القتال. (العقيد محمَّد صفاء: الحرب ٢١) .
[ ١٢٣ ]
[٢] "فسار الليل، وكمن النَّهار، حتَّى انتهى إلى الهمج"١، فأصاب عينًا، فقال: "ما أنتَ؟ هل لك علم بما وراءك من جمع بني سعد؟ قال: "لا علم لي به، فشدُّوا عليه فأقرَّ أنه عين لهم بعثوه إلى خيبر، يعرض على يهود خيبر نصرهم على أن يجعلوا لهم من تمرهم كما جعلوا لغيرهم، ويقدمون عليهم، فقالوا له: "فأين القوم؟ قال: "تركتهم وقد تجمَّع منهم مائتا رجل، ورأسهم وبَر ابن عُلَيْم". قالوا: "فسر بنا حتى تدُلَّنا". قال: "على أن تُؤَمِّنوني". قالوا: "إن دللتنا عليهم وعلى سرحهم أمَّنَّاك، وإلاَّ فلا أمَانَ لك". قال: "فذاك، فخرج بهم دليلًا لهم"٢". بعد أن كان عينًا عليهم، فسار بهم في فدافد٣، وآكام٤، حتى ساء ظنهم به، واعتقدوا أنه ربَّما كان يخدعهم، حتى أفضى بهم إلى سهلٍ من الأرض".
[٣] "فإذا نعَم كثير، وشاء٥، فقال: "هذه نَعمهم وشاؤهم، فأغاروا عليه فضموا النعم والشاء، قال: "أرسلوني". قالوا: "حتى نأمن
_________________
(١) ١ الهَمَج - بالتحريك، والجيم -: ماء وعيون عليه نخل. (الحموي: معجم ٥/٤١٠، السمهودي: وفاء ٤/١٣٢٧) . ٢ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٣ الفدفد: الفلاة، والمكان الصّلب الغليظ والمرتفع. (قاموس: الفدفد) . ٤ الأكمة - محرَّكة: التل من القف من حجارة واحدة، أو هي دون الجبال، أو الموضع يكون أشدّ ارتفاعًا مِمَّا حوله، وهو غليظ لا يبلغ أن يكون حجرًا. (القاموس: الأكمة) . ٥ الشاء: جمع شاة.
[ ١٢٤ ]
الطلب، ونذر بهم الراعي رعاء الغنم والشاء، فهربوا إلى جمعهم فحذَّروهم فتفرَّقوا"١".
[٤] "وهربت بنو سعد بالظَّعن، ورأسهم وَبَر بن عُلَيْم"٢".
فقال الدليل للقائد علي بن أبي طالب - ﵁: "علامَ تحبسني؟ قد تفرَّقت الأعراب وأنذرهم الرعاء، قال علي - ﵁: "ليس بعد، فإنَّا لم نبلغ معسكرهم".
[٥] "فانتهى بهم إليه فلم ير أحدًا، فأرسلوه وساقوا النعم والشاء، النعم خمسمائة بعير، وألفا شاة"٣".
[٦] "فعزل علي صفيّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم٤ لقوحًا٥ تُدْعَى الحفذة، ثُمَّ عزل الخُمُس، وقسَّم سائر الغنم على أصحابه"٦، ثُمَّ مكث ثلاثًا أوقَعَ أثناءَها الرُّعْبَ في قلوب الأعراب".
يُحَدِّثنا أحد شهود العيان، كما يروي الواقدي، فيقول:
[٧] "إني لبوادي الهَمَج، إلى يديع٧، ما شعرت إلاَّ ببني سعد يحملون
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٢ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠)، عن شيوخه. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٢) . ٤ الصَّفِيُّ: ما كان خالصًا للنبيّ ﷺ. ٥ اللقوح: الناقة الحلوب. (القاموس: لقوح) . ٦ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠)، عن شيوخه. ٧ يديع: أرض من فدك، وهي مال للمغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث المخزومي، ويذكر البلاذري أنّها تُسَمَّى اليوم: (الحويط) . (البكري: معجم ٤/١٤٤، البلاذري: رحلات ١٩) .
[ ١٢٥ ]
الظُّعُن وهم هاربون، فقلت: "ما دهاهم اليوم؟ فدنوت إليهم فلقيت رأسهم وبَر بن عُلَيم، فقلت: "ما هذا المسير؟ قال: "الشرُّ، سارت إلينا جموع محمَّد، وما لا طاقة لنا به، قبل أن نأخُذَ للحرب أُهبتها، وقد أخذوا رسولًا لنا بعثناه إلى خيبر، فأخبرهم خبرنا، وهو صنَعَ بنا ما صَنَع". قلت: "ومَن هو؟ قال: "ابن أخي، وما كُنَّا نعُدّ في العرب فتىً واحدًا أجمع قلب منه".
فقلت: "إني أرى أمر محمَّد قد أمن وغلظ، أوْقَعَ بقريش فصنع بهم ما صنع ثُم أوقع بأهل الحصون بيثرب، قينُقَاع، وبني النَّضِير، وقريظة، وهو سائرٌ إلى هؤلاء بخيبر". فقال لي وبَر: "لا تخش ذلك". إنَّ بها رجالًا، وحُصُونًا منيعة، وماءً واتنًا١ لا دنا منهم محمَّدٌ أبدًا، وما أحراهم أن يغزوه في عُقْرِ داره". فقلت: "وترى ذلك؟ قال: "هو الرأي لهم"٢".
وهكذا نجح عليّ - ﵁ - في مهمَّته نجاحًا باهرًا".
[٨] "وقدم المدينة ولم يلق كيدًا"٣".
_________________
(١) ١ وتن الماء: أي: دام ولم ينقطع. (الصحاح ٢٢١٢) . ٢ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٥٦٣) . ٣ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/٩٠) .
[ ١٢٦ ]
المطلب الرابع: الدروس والعبر المستقاة من أحداث السرية:
أوضحت هذه السرية، والسرايا السابقة بعض الاستراتيجيات العسكرية التي كان يطبقها الرسول القائد ﷺ مع أعدائه، وهي:
ما ورد أنَّ سبب السرية هو تلك الأخبار التي بلغت النَّبِيَّ ﷺ عن تحرُّكات بني سعد بن بكر المعادية للمسلمين، ذلك يعطينا دلالة واضحة أنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يتتبع أخبار الأعداء أولًا بأول".
ومثل هذه الروايات تؤكِّد لنا أنَّ رسول الله ﷺ كانت لديه شبكة شبه منظَّمة من العيون، مبثوثة بين أعدائه، جعلته دائمًا وأبدًا في الصورة معهم، يعرف سكناتهم وحركاتهم أولًا بأول، مِمَّا مكَّنه كثيرًا من القضاء على مخطَّطاتهم العدوانية ضد المسلمين ووئدها في مهدها قبل أن تستفحل، مِمَّا وفَّر على المسلمين الكثير من الجهد، وحقن الكثير من الدماء التي كانت ستسيل لو تمكَّن أولئك الأعداء من استكمال مخطَّطاتهم تلك وتنفيذها ضد المسلمين، وذلك ما كان يصبو إليه المصطفى ﷺ في جهاده مع أعدائه، لأنه ﵊ كان حريصًا أشدَّ الحِرْصِ على بلوغ أهدافه السامية من ذلك الجهاد المُقَدَّس بأقلِّ قدرٍ ممكنٍ من الخسائر، ودونما إراقة دماء كثيرة".
إلاَّ ما كان من بعض أولئك الأعداء الذين كانوا يشكلون تهديدًا قويًا ومستمرًا للمسلمين بقواهم العسكرية والسياسية، والتي كانت تشكل حاجزًا قويًا أمام الناس لاعتناق ما يريدون بحرِّية، فكان لابُدَّ
[ ١٢٧ ]
من الإثخان في تلك القوى المسيطرة لإضعافها والقضاء على هيمنتها في المنطقة".
إنَّ نظام المخابرات تفتخر به اليوم الدول المتقدمة ماديًا، وله أولوية كبيرة في جيوشها المتطورة، وتمارسه بأساليب غير حضارية ارتبطت بالظلم والعدوان والغدر".
ولكنَّ الرسول القائد ﷺ كان له قصب السَّبْق فيه، كما أنه مارسه في نطاق الحرب الفروسية المشرفة، دون المساس بالأخلاقيات والمُثُل العُليا".
تحرَّكت هذه السرية كما ورد في رواية الواقدي، وابن سعد، في مسيرٍ ليلي إلى أرض العدو، وقد كانت تلك استراتيجية ذكية تزوَّد بها قائدالسرية من مُبْتَكِر الاستراتيجيات العسكرية، رسولِ الله ﷺ التي استطاع بها تحقيق مبدأ الكتمان مع أعدائه، حرمهم من معرفة نواياه، واتجاه حركة قوَّاته".
لقد كانت معظم القبائل التي غزاها النَّبِيُّ ﷺ، وبعث إليها سراياه قبائل "قوية ولها حلفاء وأنصار، فلو أنها عرفت بمسيره لسارعت بالاستعداد للقائه ولاستعانت عليه بحلفائها وأنصارها لمعاونتها يوم اللقاء، ولكن عناية الله أولًا، ثُمَّ المسير الليلي حال بينها وبين ذلك كله، فاستطاع النَّبِيُّ ﷺ بقواته القليلة بالنسبة لقوات تلك القبائل، أن يتغلَّب عليها ويقضي على نياتها العدوانية، ويُلْقِي الرُّعْبَ في نفوسها ونفوس القبائل الأخر التي سمعت بانتصار المسلمين"١".
_________________
(١) ١ خطّاب: الرسول ﷺ القائد ٢١٦ - ٢١٧.
[ ١٢٨ ]
أيضًا ما ورد في هذه السرية والسرايا قبلها من شن الغارة على الأعداء ومباغتتهم في ديارهم في غفلةٍ منهم، وتلك استراتيجيةٌ اتَّبعها الرسول ﷺ مع نوعٍ معيَّنٍ من الأعداء، وهم الأعراب، حيث كان دائمًا يترصَّد أخبارهم من خلال شبكة العيون المبثوثة في ديارهم، فكان دائمًا يباغتهم في ديارهم قبل استكمال جاهزتهم واستعدادهم، فالأعراب أشداء إذا ما استعدوا جيدًا للقتال، وانتظمت صفوفهم فيه، عندها تكون مقاومتهم أكبر، وقتالهم أشرس، كما أنَّهم يستطيعون وبسرعة فائقة حشد قوَّة إمدادات كبيرة يتمكنون بها من الإطباق على أعدائهم وحصرهم من كُلِّ الجهات، وقد عرف رسول الله ﷺ ذلك من خلال تجارب سابقة معهم في الرجيع، وبئر معونة، وسرية زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - الأولى إلى بني فزارة، وغيرها".
لذلك فإنَّ في شَنِّ الغارة عليهم ومباغتتهم قبل ذلك، ولو من قوة مهاجمة صغيرة تُفْقِدهم اتزانهم، وتبُثُّ الرُّعْبَ في قلوبهم١، وتثير الاضطراب والفوضى في صفوفهم، فيسهل حين ذاك السيطرة عليهم وهزيمتهم، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم".
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصاديًا، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيرًا، كما أنَّ في ذلك تحفيزًا للمسلمين وتشجيعًا لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعًا وهدفًا من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشيًا مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ المباغتة أقوى العوامل وأبعدها أثرًا في الحرب، وتأيرها المعنوي عظيم جدًا، وتأثيرها من الناحية النفسية يكمن فيما تحدثه من شللٍ متوقّعٍ في تفكير القائد الخصم. (خطّاب: الرسول القائد ﷺ ٤٥١) .
[ ١٢٩ ]
وفي الاستيلاء على أموال الأعراب التي كانت في غالبها من الماشية والإبل، إضعافٌ لهم اقتصاديًا، لأنَّها تعدّ عصب حياتهم اليومية، لاعتمادهم عليها كثيرًا، كما أنَّ في ذلك تحفيزًا للمسلمين وتشجيعًا لهم للغزو في سبيل الله لإصابة الغنائم الدنيوية العاجلة، إضافةً لما رُصِدَ لهم من الأجر العظيم عند الله، ولكن ذلك لا يعني بالضرورة أنَّ ذلك يعدّ دافعًا وهدفًا من أهداف الجهاد في سبيل الله بقدر ما هو ممارسة المسلمين لحقهم المشروع في الغنائم التي أحلَّها الله لهذه الأُمَّة واختصَّها به دون غيرها من الأُمم السابقة".
كما أنَّ ذلك يُعَدُّ تمشيًا مع عادة قديمة متَّبعة لدى العرب في حروبهم في الجاهلية أبقى عليها الإسلام بعد تنظيمها وتقنينها وفق أنظمة الشريعة الإسلامية". والله تعالى أعلم".
[ ١٣٠ ]
المبحث الثاني: سرية بشير بن سعد ﵁ إلى بني مرة بفدك
المطلب الأول: تاريخ السرية
المطلب الأول: "تاريخ السرية:
أرَّخ لها الواقدي، وابن سعد، بشعبان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وذكرها خليفة بن خياط ضمن السرايا التي كانت سنة خمس، ولم يُحَدِّد الشهر الذي كانت فيه٢.
وأخرج البيهقي خبر السرية مقتضبًا بسنده عن عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، ولم يذكر لها تاريخًا، لأنه سردها ضمن السرايا والبعوث دون الخوض في التفاصيل، وإنَّما رتبها بعد بعث علي بن أبي طالب - ﵁ - نحو اليمن، وقبل بعث عبد الله بن عتيك إلى أبي رافع٣.
كما أخرجه أيضًا بسنده عن ابن إسحاق، الذي رواه مختصرًا في جملة السرايا والبعوث، حيث رتبها بعد سرية محمَّد بن سلمة إلى موضع بهوازن، وقبل سرية بشير بن سعد - أيضًا - إلى موضع كداء٤.
_________________
(١) ١ الواقدي (مغازي ٢/٧٢٣)، وابن سعد (طبقات ٢/١٨٨ - ١١٩) . ٢ تاريخ: ٧٨. ٣ دلائل ٥/٤٦٤. ٤ المصدر السّابق ٥/٤٦٧.
[ ١٣٣ ]
المطلب الثاني: سبب السرية:
لم توضِّح روايتا الواقدي، وابن سعد - وهما مَن تحدَّثا بتفصيل عن هذه السرية - سبب بعث هذه السرية".
وأعتقد - والله تعالى أعلم - أنَّ هذه السرية تدخل في نطاق جهود النَّبِيِّ ﷺ في تحطيم وتمزيق الحلف الخيبري المكوَّن من يهود خيبر، وفدك، وتيماء، ووادي القرى، والقبائل الغطفانية، وغيرها، المحيطة بهذه المدن والقاطنة في باديتها، وبما أنَّ المبعوث إليهم هذه المرَّة هم بنو مرَّة١، وهي قبيلة غطفانية، ذات شأن في المنطقة، بل إنَّها قدَّمت للحلفاء في غزوة الأحزاب أربعمائة مقاتل٢، فذلك يعني أنَّ النَّبِيَّ ﷺ أراد بهذه السرية التي كانت عبارة عن دورية قتال صغيرة، إضعاف هذه القبيلة اقتصاديًا بأخذ أموالهم ومواشيهم في غفلةٍ منهم، تأديبًا لهم على مشاركتهم في حلف الأحزاب، ومنعًا لهم من الاستمرارية في الحلف مع اليهود".
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ قبيلة مشهورة من غطفان، ينتسبون إلى مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض ابن ريث بن غطفان، منهم هرم بن سنان الذي مدحه زهير بن أبي سلمى، وخارجة ابن سنان - الذي أخرج من بطن أُمِّه بعد أن ماتت، وخُرَيم الناعم. (جمهرة أنساب العرب ٤١٦ - ٤١٨) . ٢ انظر: ابن الجوزي: الوفاء ٧١٣.
[ ١٣٤ ]
المطلب الثالث: سير الأحداث:
ضِمْنَ الجهود المبذولة من النَّبِيِّ ﷺ في إضعاف وتحطيم حلف الأحزاب وبخاصّةً الحلف الخيبري منه، وتأديبًا لقبيلة بني مرّة الغطفانية التي شاركت بفعالية في غزوة الأحزاب:
[١] "بعث رسول الله ﷺ بشير بن سعد الأنصاري، أخا بني الحارث ابن الخزرج، نحو بني مرَّة بفدك"١، في دورية قتال صغيرة، قوتها ثلاثون رجلًا، كما يذكر الواقدي، وابن سعد٢".
[٢] "فخرج، فلقي رعاء٣ الشاء، فسأل: "أين الناس؟ فقالوا: "هم بواديهم، والناس يومئذٍ شاتون لا يحضرون الماء، فاستاق النعم والشاء وعاد منحدرًا إلى المدينة، فخرج الصريخ٤ فأخبرهم"٥".
_________________
(١) ١ أخرجه البيهقي (دلائل ٥/٤٦٢، ٤٦٤)، بسنده، من طريق أبي الأسود، عن عروة. ومن طريق محمّد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن الزهري. ومن طريق إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، ومحمّد بن فليح، عن موسى بن عقبة. وهو من مراسيل عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، وهم من أئمة المغازي الثقات المشهورين. كما أنه يتقوّى ببعضه. والله أعلم. ٢ المغازي ٢/٧٢٣، الطبقات ٢/١١٨. ٣ جمع راعٍ. ٤ الصريخ: المستغيث. ٥ أخرجه الواقدي (مغازي ٢/٧٣٢) .
[ ١٣٥ ]
وبسرعةٍ استطاع بنو مرّة تكوين قوة مطاردة تعقُّبيَّة كبيرة أدركت السرية عند الليل، فاشتبكوا معهم في قتالٍ تراشقي بالنبال استمرَّ طوال الليل".
[٣] "حتى فنيت نبل أصحاب بشير، وأصبحوا، فحمل المُرِّيون عليهم"١، في قتالٍ قوي غير متكافئٍ بين الطرفين، إذ أطبق المرِّيون على بشير وأصحابه فيما لا قبل لهم به، حيث سقط أصحاب بشير الواحد تلو الآخر بعد أن قاوموا ببسالة وقاتلوا بشجاعة، ولكن كثرة المرِّيين لم تتح لهم الفرصة".
[٤] "وولَّى منهم مَن ولَّى، وقاتل بشير قتالًا شديدًا"٢، أبدى فيه شجاعة فائقة، وبسالة نادرة، حتى أثخنته الجراح، وسقط مغشيًا عليه من شدَّتها، حتى إنَّ المرِّيّين ظنوا أنه قد مات، حينما ضربوا كعبه٣ فرأوه بلا حراك، فرجعوا بنعمهم وشائهم، وقدم علبة بن زيد الحارثي٤ - الذي ربما كان من الذين تحيَّزوا من ميدان المعركة - بخبر السرية ومصابها على رسول الله ﷺ".
_________________
(١) ١ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/١١٩)، عن شيوخه. ٢ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [٢] . ٣ الكعب: هو العظم الناشز فوق القدم من جانبيها. وضربه هنا هو للاستدلال على حياة الجريح من عدمها، فإذا تحرّك بعد الضرب عرفوا أنّ به حياةً، والعكس صحيح. ٤ عُلْبَة - بضم أوّله، وسكون اللام، بعدها موحدة - ابن زيد بن عمرو بن زيد ابن جشم بن حارثة، الأنصاري الأوسي، ذكر ابن إسحاق، وابن حبيب في المحبر في البكائين في غزوة تبوك، وإنّه تصدّق بعرضه على كلّ مسلمٍ ناله. (ابن حجر: إصابة ٢/٤٩٩ - ٥٠٠) .
[ ١٣٦ ]
أمَّا قائد السرية بشير بن سعد - رضي الله تعالى عنه - فإنَّه لمَّا
[٥] "أمسى تحامل حتى انتهى إلى فدك، فأقام عند يهودي١ بفدك أيامًا حتى ارتفع من الجراح، ثُمَّ رجع إلى المدينة"٢".
_________________
(١) ١ ربّما كان هذا اليهودي صديقًا له، أو كان بينهما علاقات سابقة أيام الجاهلية. وذلك للعلاقة الوثيقة التي كانت تربط الأوس والخزرج باليهود قبل الإسلام. والله أعلم. ٢ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم: [٢] .
[ ١٣٧ ]
المبحث الثالث: سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك (الحرقات)
المطلب الأول: الخلاف في السرية
المطلب الأول: الخلاف في السرية:
اختلف في هذه السرية، في قائدها، وفي سببها، وفي الوجهة التي أُرْسِلَت إليها، في عِدَّة أقوال بين روايات أهل المغازي، وروايات أهل الحديث، حيث:
يرى ابن إسحاق، والواقدي: "أنَّ هذه السرية هي سرية غالب ابن عبد الله الليثي - ﵁ - إلى أرض بني مُرَّة بفدك، وأنَّ أُسامة ابن زيد - رضي الله تعالى عنه - خرج فيها، وأنَّه قتل مرداس بن نهيك بعد أن قال: "لا إله إلاَّ الله".
وأضاف الواقدي: "أنَّ سبب السرية هو تأديب المرِّيين الذين أصابوا أصحاب بشير بن سعد في السرية السابقة١".
أمَّا ابن سعد فعنون لها بـ"سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك". وذكر خروج أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنه - فيها، ولكن دون أن يشير إلى أنه قَتَل فيها المتعوِّذ، وذلك لأنه يرى أنَّ أُسامة لم يقتل ذلك الرجل في هذه السرية، وإنَّما في سرية أُخرى لغالب بن عبد الله الليثي كانت لبني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة٢".
_________________
(١) ١ ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٢، والواقدي: مغازي ٢/٧٢٣. ٢ ابن سعد: طبقات ٢/١١٩، ١٢٦.
[ ١٤١ ]
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس١، والقسطلاني٢، والقطب الحلبي في المورد العذب٣".
وقد أخذ ابن حجر برأي ابن سعد هذا ونسبه خطئًا إلى أهل المغازي٤ حيث لم يذكر ذلك غير ابن سعد، ومَن تابعه كما أسلفنا".
وعَنْوَنَ الطبريُّ للسرية بقوله: "وفيها "سرية غالب بن عبد الله في شهر رمضان إلى الميفعة"". ثُمَّ ذكر بسنده عن ابن إسحاق أحداث سرية غالب بن عبد الله الكلبي، إلى أرض بني مرَّة٥".
ومعلومٌ عند أهل المغازي أنَّ الميفعة ليست أرض بني مرّة، بل أرض
بني عوال، وبني عبد ثعلبة، وهي وراء بطن نخل إلى النقرة، قليلًا بناحية نجد٦، أمَّا بنو مرَّة فكانوا يسكنون بالقرب من فدك".
كما أخرج ابن سعد قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - في مكانٍ آخر، فساق بسنده إلى الحضرمي، رجلٌ من أهل اليمامة قال:
[١] "بلغني أنَّ رسول الله ﷺ بعث أُسامة بن زيد، وكان يحبه ويحب أباه قبله، فبعثه على جيش".".". فذكر الحديث"٧".
_________________
(١) ١ عيون الأثر ٢/١٩٦. ٢ المواهب اللدنية ١/٥٤٨. ٣ ذكر ذلك الشامي: سبل ٦/٢١١. ٤ فتح الباري ٧/٥١٨. ٥ تاريخ الأمم والملوك ٣/٢٢. ٦ انظر: ابن سعد: طبقات ٢/١١٩. ٧ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٦٩) وسنده منقطع، وفيه جهالة الحضرمي.
[ ١٤٢ ]
فقوله: "فبعثه على جيش" يُشْعِر أنه كان قائدًا لذلك الجيش، وكأنَّ الحاكم يرى ذلك - أيضًا - حيث ذكر في الإكليل، كما نقل عنه القسطلاني:
[٢] "أنَّ أُسامة فعل ذلك في سرية كان هو أميرًا عليها في سنة ثمان"١".
وكذلك بوَّب لها البخاري في الصحيح بما يفيد أنه كان أميرًا عليها حيث قال: ""باب بعث النَّبِيِّ ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة"٢، ثُمَّ ساق بسنده الحديث إلى أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - فقال:
[٣] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى الحرقة"٣٤".
وقد نفى ابن حجر وبناءً على قول أسامة - رضي الله تعالى عنه
_________________
(١) ١ عزاه القسطلاني (المواهب ١/٥٣٨) للحاكم في الإكليل، وكتاب الإكليل مفقود. ٢ البخاري: الصحيح ٣/٨٨، ابن حجر: فتح ٧/٥١٧. ٣ قال ابن هشام: الحُرَقة فيما ذكر أبو عبيدة. وقال السهيلي: قال ابن حبيب: في يشكر، حرقة بن ثعلبة، وحرقة بن مالك، كلاهما من بني حبيب بن كعب بن يشكر، وفي قضاعة: حرقة بن جذيمة بن نهد، وفي تميم حرقة بن زيد بن مالك بن حنظلة. وقال القاضي أبو الوليد: هكذا وقعت هذه الأسماء كلها بالقاف، وذكرها الدارقطني كلها بالفاء. وقال السويدي في نسبة الحميس: بنو الحميس بطن من جهينة ويسمون الحرقة، سُمُّوا بذلك لأنَّهم أحرقوا بني مرّة بن عوف بن سعد بن ذبيان بالنبل، أي قتلوهم. انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦٢٣، السهيلي: الروض ٧/٥٢٧، السويدي: سبائك الذهب ٩١. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح ٣/٨٨)، وأخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٣) .
[ ١٤٣ ]
- "بعثنا" أن يكون دليلًا على إمارته للجيش١".
وكذلك أخرج الحديث مسلم بسنده عن أُسامة - رضي الله تعالى عنه - إلاَّ أنه قال فيه:
[٤] "فصبَّحنا الحرقات من جهينة"".٢٣".
والسؤال هنا هو هل هذه السرية التي خرج فيها أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - وقَتَل فيها ذلك الرجل المتعوِّذ: "سرية غالب ابن عبد الله الليثي - ﵁ - إلى بني مرّة بفدك، كما ذكر ابن إسحاق والواقدي؟ أم سرية غالب بن عبد الله الليثي - أيضًا - إلى بني عوال، وبني عبد ثعلبة بالميفعة كما ذكر ابن سعد ومتابعوه؟ أم هي سرية أخرى كان أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما هو قائدها، كما أشار لذلك البخاري، والحاكم؟!
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح ٧/٥١٨ وقال في مكان آخر: وترجم البخاري في المغازي " بعث النَّبِيّ ﷺ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة "، فجرى الداودي في شرحه على ظاهره فقال فيه: " تأمير مَن لم يبلغ ". وتُعُقِّبَ من وجهين: أحدهما: ليس فيه تصريح بأنَّ أُسامة كان الأمير، إذ يُحتمل أن يكون جعل الترجمة باسمه لكونه وقعت له تلك الواقعة لا لكونه كان الأمير. والثاني: أنها كانت سنة سبع أو ثمان، فما كان أُسامة يومئذٍ إلاَّ بالغًا، لأنَّهم ذكروا أنه كان له لمَّا مات النَّبِيُّ ﷺ ثمانية عشر عامًا. (فتح ١٢/١٩٤) . ٢ قال الزرقاني (شرح المواهب ٢/٢٥١)، والجمع في الترجمة باعتبار بطون تلك القبيلة. ٣ أخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٤) . وأخرجه أبو داود (سنن ٣/١٠٢ - ١٠٣) .
[ ١٤٤ ]
وأيضًا هل كانت وجهة هذه السرية إلى بني مرة، أو إلى بني عوال
وبني عبد ثعلبة، أو إلى الحرقات من جهينة؟!
وكما وقع هذا الخلاف بين أهل المغازي، كذلك وقع خلاف آخر بين أهل التفسير في تفسير قوله ﵎ ﴿يَا أَيُّها الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلًا تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاة الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللهِ مَغَانِمَ كَثِيرَة كَذَلِكَ كُنْتُم مِنْ قَبْل فَمَنَّ اللهُ عَلَيْكُم﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".
فقد أخرج الطبري بسنده عن السدّي١. والثعلبي٢ من طريق الكلبي٣، عن أبي صالح٤، عن ابن عباس".
وهذا حديث ابن جرير بسنده من طريق أسباط٥،عن السدّي قال:
_________________
(١) ١ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السُدِّي - بضم المهملة وتشديد الدال - أبو محمَّد الكوفي (صدوق يهم، ورُمِيَ بالتشيُّع) من الرابعة، مات سنة سبعٍ وعشرين. (تقريب ١٠٨) . ٢ أحمد بن محمَّد بن إبراهيم النيسابوري الثعلبي، شيخ التفسير، كان أحد أوعية العلم، وكان صادقًا موثقًا بصيرًا في العربية، توفي سنة سبعٍ وعشرين وأربعمائة. (الذهبي: سير ١٧/٤٣٦ - ٤٣٧) . ٣ محمَّد بن السائب بن بشر الكلبي، أبو النضر، الكوفي، النسابة، المفسر (متَّهم بالكذب، ورُمِيَ بالرَّفْض) من السادسة، مات سنة ستٍ وأربعين. (تقريب ٤٧٩) . ٤ باذام - بالذال المعجمة - ويقال: آخره نون، أبو صالح، مولى أُمّ هانئ (ضعيف، يرسل) من الثالثة. (تقريب ١٢٠) . ٥ أسباط بن نصر الهمْداني - بسكون الميم - أبو يوسف، ويقال: أبو نصر (صدوق، كثير الخطأ، يغرب) من الثامنة. (تقريب ٩٨) .
[ ١٤٥ ]
[٥] "بعث رسول الله ﷺ سرية عليها أُسامة بن زيد إلى بني مرة١، فلقوا رجلًا يُدْعَى مرداس بن نهيك، معه غنيمة له وجمل أحمر، فلمَّا رآهم أوى إلى كهف جبل، واتَّبعه أُسامة، فلمَّا بلغ مرداس الكهف وضع فيه غنمه، ثُمَّ أقبل إليهم، فقال: "السلام عليكم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، فشدَّ عليه أسامه فقتله من أجل جمله وغنيمته" فذكر الحديث ٢.
وأخرج الطبري - أيضًا - بسنده عن قتادة في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنواْ﴾ الآية". قال: "هذا الحديث في شأن مرداس، رجل من غطفان، ذكر لنا:
[٦] "أنَّ نَبِيَّ الله ﷺ بعث جيشًا عليهم غالب الليثي إلى أهل فدك وبه ناس من غطفان، وكان مرداس منهم، ففرَّ أصحابه، فقال مرداس إني مؤمن، وإني غير متبعكم، فصبَّحته الخيل غدوة، فلمَّا لقوهسلَّم عليهم مرداس، فتلقاه أصحاب رسول الله ﷺ فقتلوه
_________________
(١) ١ في الأصل: (بني ضمرة) وهو تصحيف. ٢ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٤) من حديث أسباط عن السُدِّي، والثعلبي (الجزء الثاني / لوحة ١٨) من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. وسند الطبري مرسل ضعيف، السُدِّي صدوق يهم، وأسباط كثير الخطأ والاغراب، وذلك واضح في متنه حيث الاغراب والوهم والخلط بحديث عامر بن الاضبط. أمَّا متابعة الكلبي عن أبي صالح فلا يُعتد بها، لأنه متَّهم بالكذب، وابو صالح ضعيف. وقد ذكر الزرقاني (شرح ٢/٢٥١) أنه أخرجه ابن أبي حاتم، عن جابر، وأبو نعيم عن أبي سعيد نحوه.
[ ١٤٦ ]
وأخذوا ما كان معه من متاع، فأنزل الله جلَّ وعزَّ في شأنه ﴿وَلاَ تَقُولُواْ لِمَن أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلام لَسْتَ مُؤمِنًا﴾ . [سورة النساء، الآية: "٩٤] ".لأنَّ تحية المسلمين السلام بها يتعارفون، وبها يُحَيِّي بعضهم بعضا"١".
وقد رُوِيَ من وجهٍ آخر عن قتادة، وأخرجه الطبري من حديث عبد الرزَّاق بسنده عنه وقال فيه:
[٧] "بلغني أنَّ رجلًا من المسلمين أغار على رجلٍ من المشركين فحمل عليه، فقال له المشرك: "إني مسلم، أشهد أن لا إله إلاَّ الله، فقتله المسلم بعد أن قالها، فبلغ ذلك ﷺ، فقال للذي قتله: "أقتلته وقد قال لا إله إلاَّ الله؟ فقال وهو يعتذر: "يا نبي الله إنَّما قالها متعوِّذًا وليس كذلك، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "فهلاَّ شققت عن قلبه؟ ثُمَّ مات قاتل الرجل فقُبِرَ، فلفظته الأرض، فذُكِرَ ذلك للنَّبِيِّ ﷺ فأمرهم أن يقبروه، ثُمَّ لفظته الأرض، حتى فُعِلَ به ذلك ثلاث مرَّات، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "إنَّ الأرض أبت أن تقبله، فألقوه في غارٍ من الغيران".
قال معمر: "وقال بعضهم: "إنَّ الأرض تقبل من هو شر منه، ولكن الله جعله لكم عبرة٢".
_________________
(١) ١ أخرجه الطبري: (تفسير٤/٢٢٤) بسنده عن قتادة، وسنده حسن إليه، لكنَّه مرسل. ٢ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٤) من حديث عبد الرزَّاق بسنده عن قتادة، وسنده صحيح، لكنَّه مرسل.
[ ١٤٧ ]
قلت: "هذه القصة هي بعينها قصة محلم بن جثامة مع عامر بن الأضبط المشهورة عند أهل المغازي التي حدثت في سرية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه - إلى إضم، وهي تعتبر أحسن ما رُوِيَ في سبب نزول الآية، كما قال الشوكاني١".
وهذه القصة أخرجها ابن جرير من حديث ابن إسحاق بسنده عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[٨] "بعث النَّبِيُّ ﷺ محلم بن جثامة٢ مبعثًا، فلقيهم عامر بن الأضبط فحيَّاهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة٣ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ، فتكلَّم فيه عيينة٤،
_________________
(١) ١ الشوكاني: فتح القدير ١/٥٠٢. ٢ قال ابن حجر: "محلم بن جثامة الليثي، أخو الصعب بن جثامة، قال ابن عبد البر: يُقال: إنه الذي قتل عامر بن الأضبط، وقيل: إنَّ محلمًا غير الذي قتل، وأنَّه نزل حمص ومات بها أيام ابن الزبير، ويقال: إنه الذي مات في حياة رسول الله ﷺ ودُفِنَ فلفظته الأرض مرّة بعد أُخرى، وجزم بالأول ابن السكن". (ابن حجر: إصابة ٣/٣٦٩) . ٣ الإحنة - بالكسر - الحقد، والغضب. (القاموس: الإحنة) . ٤ عيينة بن حصن بن حذيفة بن زيد الفزاري، أبو مالك، يقال: كان اسمه حذيفة فلُقِّبَ عُيَيْنَة لأنه أصابته شجة فجحظت عيناه. قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلَّفة، ولم يصِحّ له رواية، أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنين والطائف، ثُمَّ كان مِمَّن ارتد في عهد أبي بكر ومال إلى طليحة فبايعه، ثُمَّ عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء البوادي، وكان من الجرارين في الجاهلية، يقود عشرة آلاف. وقد قال عنه النَّبِيُّ ﷺ: (هذا الأحمق المطاع - يعني في قومه) . عاش إلى خلافة عثمان. (ابن الأثير: أُسْد ٤/٣٣١ - ابن حجر: إصابة ٣/٥٤ - ٥٥) .
[ ١٤٨ ]
والأقرع١، فقال الأقرع: "يا رسول الله سُنَّ اليوم وغَيِّر غدًا، فقال عيينة: "لا والله حتَّى تذوق نساؤه من الثُّكل٢ ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال النَّبِيُّ ﷺ: "لا غفر الله لك، فقام وهو يتلقى دموعه ببرديه، فما مضت سابعة حتَّى مات ودفنوه، فلفظته الأرض، فجاءوا إلى النَّبِيِّ ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إنَّ الأرض تقبل مَن هو شرّ من صاحبكم، ولكنَّ الله جلَّ وعزَّ أراد أن يعظكم، ثُمَّ طرحوه بين صدفي جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت آية ﴿يا أَيُّهَا الذينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ الآية". [سورة النساء، الآية: "٩٤] ٣".
_________________
(١) ١ الأقرع بن حابس بن عقال التميمي المجاشعي الدارمي، سُمِّي الأقرع لقرع كان في رأسه، وكان شريفًا في الجاهلية وفي الإسلام. قال ابن إسحاق: وفد على النَّبِيِّ ﷺ وشهد فتح مكَّة، وحنينًا، والطائف، وهو من المؤلَّفة، وقد حسُنَ إسلامه. وقال الزبير في النسب: "كان الأقرع حكمًا في الجاهلية، وقد ذكر أنه كان في وفد بني تميم الذين نزلت فيهم سورة الحجرات، وشهد الأقرع مع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه اليمامة وغيرها، واستعمله عبد الله بن عامر على جيش سيَّره إلى خراسان فأُصيبَ هو والجيش بالجوزجان، وذلك في زمن عثمان". (ابن الأثير: أُسْد ١/١٢٨ - ١٣٠، ابن حجر: إصابة ١/٥٨ - ٥٩) . ٢ الثُّكل - بالضم - الموت والهلاك، وفقدان الحبيب أو الولد (القاموس: الثكل) . ٣ وقد أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٢) وسنده فيه أبو وكيع (صدوق يهم) كما في التقريب ص ١٣٨ وفيه أيضًا عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلِّس.
[ ١٤٩ ]
وقد أخرجه الطبري أيضًا من حديث ابن إسحاق أيضًا بسنده عن عبد الله بن أبي حدرد١ قال:
[٩] "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم، فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي٢، ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي، فخرجنا حتى إذا كنا ببطن إضم٣، مرَّ بنا عامر بن
_________________
(١) ١ عبد الله بن أبي حدرد، له ولأبيه صحبة. وقال ابن منده: لا خلاف في صحبته. وقال ابن سعد: أوَّل مشاهده الحديبية، ثُمَّ خيبر. وقال ابن عساكر: "روى عن النَّبِيِّ ﷺ، وعن عمر، وشهد الجابية مع عمر. وقال ابن البرقي: جاءت عنه أربع أحاديث، وتوفي سنة إحدى وسبعين". (ابن سعد: طبقات ٤/٣١٠، ابن حجر: إصابة ٢/٢٩٥) . ٢ أبو قتادة الأنصاري، هو الحارث، ويقال: عمرو، أو النعمان، بن رِبْعِي - بكسر الراء وسكون الموحدة - السَّلَمي - بفتحتين - المدني، شهد أُحُدًا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرًا، وكان يقال له: فارس رسول الله ﷺ، ثبت ذلك في صحيح مسلم، ومات سنة أربعٍ وخمسين. (ابن حجر: إصابة ٤/١٥٨، تقريب ٦٦٦) . ٣ إضم: قال البكري: وادٍ دون المدينة. وقال أبو عمرو الشيباني، وابن الأعرابي: إضم جبل لأشجع وجهينة، وقيل: وادٍ لهم، وذكر الشريف: أنَّ وادي إضم من أعظم أودية الحجاز، ويُسَمَّى اليوم وادي الحمض، وهو يسيل من الجنوب الشرقي لحرَّة خيبر، ويسير نحو الجنوب الغربي حتَّى يقارب المدينة، حيث تتصل به أودية فرعية منها وادي العقيق، ويبلغ طوله زهاء ٩٠٠ كيلو متر. وقال البلادي: إضم هو وادي المدينة إذا اجتمعت أوديتها الثلاثة: بطحان، وقناة، والعقيق، بين أُحُد والشرثاء، يُسَمَّى الوادي الخليل إلى أن يتجاوز كتانة فيُسَمَّى وادي الحمض، إلى أن يَصُبَّ في البحر بين الوجه وأملج. (البكري: معجم١/١٦٥ - ١٦٦،الشريف: مكَّة والمدينة٢٦، البلادي: معجم ٢٩) .
[ ١٥٠ ]
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود - ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلًا عن سعيد، وقد ورد مطولًا موصولًا عند البزار من حديث سعيد أيضًا عن ابن عباس، حيث قال فيه:
_________________
(١) ١ الوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه. (القاموس: الوطب) . ٢ أخرجه الطبري (تاريخ ٥/٢٢٣)، وسنده مداره على ابن إسحاق الذي عنعنه عند الطبري في روايتي سلمة، والمحاربي عنه، ولكنَّه صرَّح بالتحديث في الروايات الأخرى عند كُلٍّ من أحمد، والطبراني، وابن هشام، والبيهقي. (انظر: بريك بن محمَّد أبو مايلة: السرايا والبعوث النبوية بين مكَّة والمدينة ٢٧٦) فهو حسن وإن كان الهيثمي قال عنه: رجاله ثقات. ٣ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٥) مرسلًا عن سعيد. وسعيد لم يدرك النّبيّ ﷺ.
[ ١٥١ ]
الأضبط الأشجعي على قعودٍ له معه متيع له ووطب من لبن١، فلمَّا مرَّ بنا سلَّم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة الليثي لشيءٍ كان بينه وبينه، فقتله وأخذ بعيره ومتيعه، فلمَّا قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا القرآن"٢".
كما ورد عن المفسرين أنَّ الآية نزلت في المقداد بن الأسود - ﵁، أخرج ذلك الطبري من حديث سعيد بن جبير قال:
[١٠] "خرج المقداد بن الأسود في سرية بعثه رسول الله ﷺ، قال: "فمرَّوا برجلٍ في غنيمةٍ له، فقال: "إني مسلم، فقتله المقداد، فلمَّا قدموا ذكروا ذلك للنَّبِيِّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"٣".
هكذا أخرجه مرسلًا عن سعيد، وقد ورد مطولًا موصولًا عند البزار من حديث سعيد أيضًا عن ابن عباس، حيث قال فيه:
_________________
(١) ١ الوطب: سقاء اللبن، وهو جلد الجذع فما فوقه. (القاموس: الوطب) . ٢ أخرجه الطبري (تاريخ ٥/٢٢٣)، وسنده مداره على ابن إسحاق الذي عنعنه عند الطبري في روايتي سلمة، والمحاربي عنه، ولكنَّه صرَّح بالتحديث في الروايات الأخرى عند كُلٍّ من أحمد، والطبراني، وابن هشام، والبيهقي. (انظر: بريك بن محمَّد أبو مايلة: السرايا والبعوث النبوية بين مكَّة والمدينة ٢٧٦) فهو حسن وإن كان الهيثمي قال عنه: رجاله ثقات. ٣ أخرجه الطبري (تفسير ٥/٢٢٥) مرسلًا عن سعيد. وسعيد لم يدرك النّبيّ ﷺ.
[ ١٥٢ ]
[١٢] "مرَّ رجلٌ من بني سليم بنفر من أصحاب النَّبِيِّ ﷺ يرعى غنمًا له، فسلَّم عليهم، فقالوا: "لا يسلِّم علينا إلاَّ ليتعوَّذ منا، فعمدوا إليه فقتلوه، وأتوا بغنمه النَّبِيَّ ﷺ، فنزلت هذه الآية"١".
وأخرج الطبري بسنده عن ابن زيد٢ قال:
[١٣] "نزل ذلك في رجلٍ قتله أبو الدرداء".. فذكرمن قصة أبي الدرداء نحو القصة التي ذُكِرَت عن أُسامة"٣".
وذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة جزء بن الجدرجان، أنَّ ابن منده أخرج بسنده عنه:
[١٤] "أنَّ أخاه فداد بن الجدرجان وفَدَ على رسول الله فلقيته سرية له فقتلوه بعد أن قال لهم: "إنه مؤمن، فنزلت فيه الآيات"٤".
قال ابن عبد البر: ""والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جدًا، قيل: "نزلت في أُسامة بن زيد، وقيل: "في محلم بن جثامة، وقال ابن عباس: "نزلت في سرية ولم يسمّ أحدًا، وقيل: "نزلت في غالب
_________________
(١) ١ انظر: المسند، حديث رقم: ٢٠٢٢، وسنن الترمذي ٨/٣٨٦، والمستدرك للحاكم ٢/٢٣٥. ٢ محمَّد بن زيد بن المهاجر بن قُنْفُذ - بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة - التميمي المدني (ثقة) من الخامسة. (تقريب ٢٧٩) . ٣ أخرجه الطبري (التفسير ٥/٢٢٥) وسنده إلى ابن زيد صحيح لكنَّه منقطع، محمَّد ابن زيد من الخامسة. ٤ عزاه ابن حجر (إصابة ١/٢٣٣) لابن منده، ثُمَّ قال عن إسناده: هذا إسنادٌ مجهول.
[ ١٥٣ ]
الليثي، وقيل: "نزلت في رجل من بني ليث يقال له: "فليت، كان على سرية، وقيل: "نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جدًا"١".
وقال القرطبي: "واختلف في تعيين القاتل، والمقتول في هذه النازلة، فالذي عليه الأكثر وهو في سيرة ابن إسحاق، ومصنَّف أبي داود، والاستيعاب لابن عبد البر: "أنَّ القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط، ولا خلاف أنَّ الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم بن جثامة الذي ذكرناه، ولعلَّ هذه الأحوال جرت في زمان متقارب، فنزلت الآية في الجميع"٢".
وقال القريبي: "والأحاديث مجموعها تدل على أنَّ هذه القصة حصلت لمحلم بن جثامة الليثي في قتله عامر بن الأضبط الأشجعي، بعد أن ظهر منه ما يدل على أنه مسلم، وأنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَتَبَيَّنُواْ﴾ ٣".
وقال ابن حجر: "وإن ثبت الاختلاف في تسمية من باشر القتل مع الاختلاف في المقتول احتمل تعدُّد القِصَّة٤".
وقال الزرقاني: "يُحْتَمَل تعدُّد القِصَّة، وتكرير نزول الآية٥".
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: الاستيعاب، هامش الإصابة لابن حجر ٣/٤٩٧ – ٤٩٨. ٢ الجامع لأحكام القرآن ٥/٣٣٦ – ٣٣٨. ٣ مرويات غزوة حنين وحصار الطائف ٢/٦٢٧. ٤ إصابة ٣/٤٠١. ٥ شرح المواهب ٢/٢٨٦.
[ ١٥٤ ]
وقال المراغي: "ولا مانع من تعدُّد الوقائع قبل نزول الآية، وأنَّ النَّبِيَّ ﷺ كان يقرأها على أصحاب كُلّ واقعة، فيرون أنَّهم سبب نزولها١".
قلت: "إن ثبت تعدُّد هذه القصة، فإنَّ الآية لا يمكن أن تكون نصًّا عليها جميعها، فإنَّ هنالك اختلافًا بيِّنًا في بعض عناصرها، وإن بدت وكأنَّ نتيجتها واحدة، وهي زجر رسول ﷺ عن قتل مَن بدت منه شبهة تدرأ عنه ذلك حتَّى يتم التأكد من حقيقته، فمثلًا قصة أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما، لا تنطبق عليها هذه الآية من عِدَّة وجوه:
- الأحاديث التي أوردت قصة أُسامة - رضي الله تعالى عنه، ومنها أحاديث الصحيحين لم تتطرَّق لذكر نزول آية في قصَّته، ولو كانت الآية نزلت فيه فعلًا لما أغفلتها تلك الأحاديث نظرًا لأهمية الآية فيموضوع القصة وتدعيمًا لها، ونظرًا لاستقصاء المحدثين وتتبعهم الشديد والمتقن لمثل هذه الأمور".
- الآية نفسها لا تنطبق على أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، لأنه لم يك مشركًا في يومٍ من الأيام، بل إنه وُلِدَ في الإسلام، كما شبَّ وترعرع في عزه ودولته في المدينة، فلم يك هنالك داعٍ لكتمان إيمانه، كما أوضحت بعض الروايات قصة المقداد".
_________________
(١) ١ تفسير المراغي ٥/١٢٦.
[ ١٥٥ ]
- التقريع والتوبيخ الوارد في الآية لا يتناسب - أيضًا - مع ما صحَّ في قصَّة أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما، من أنه قتل ذلك الرجل المتعوِّذ اجتهادًا منه في أنه لم ينطق بالشهادة إلاَّ خوفًا من السيف، بخلاف ما وقع في قصَّة محلم بن جثامة، فالدوافع التي جعلته يقتل عامر ابن الأضبط تختلف عنها في قصَّة أسامة حيث إنَّ قتله لعامر لم يكن اجتهادًا منه بقدر ما كان طمعًا في ماله، وبسبب ما كان بين الاثنين من إحن وتخاصُم في الجاهلية".
الأمر الآخر، وهو الذي يهمنا هنا بالدرجة الأولى هو عدم إمكان تعدُّد قصَّة أُسامة - رضي الله تعالى عنه - في عِدَّة مواطن، كما أشار بذلك الحلبي١". بل هي قصَّة واحدة حدثت في موطنٍ واحدٍ". ولكنَّ السؤال هو: "أين حدثت؟ ".
فالذي في الصحيحين، وكتب الحديث الأخر: "أنَّ البعث كان إلى الحرقات من جهينة، والذي في المغازي أنه كان لبني مرة بالقرب من فدك، وأنَّ المقتول كان حليفًا لهم من الحرقة".
فهل يُعد ذلك تباينًا بين الروايتين، رواية أهل الحديث، ورواية أهل المغازي؟ ".
_________________
(١) ١ سيرة ٣/١٩٤.
[ ١٥٦ ]
فالذي تشير إليه كتب الأنساب أنَّ ديار الحرقات كانت قريبة من ديار بني مرة، بدليل أنَّ الحرقة، وهم بنو الحميس لُقِّبوا بالحرقة لأنهم أحرقوا بني مرّة قتلًا بالنبل في حربٍ دارت بينهما، ومعلومٌ بداهةً أنَّ كلتا القبيلتين غطفانيتان، ومنازل غطفان تمتد حول منطقة خيبر، ووادي القرى، وفدك".
كما أنَّ ما ذكر في روايات أهل المغازي من أنَّ المقتول كان حليفًا لبني مرة، وما أخرجه البخاري في التاريخ، والبيهقي بسندٍ لا بأس به، عن أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - قال:
[١٥] "أدركت أنا ورجل من الأنصار - يعني مرداس بن نهيك - ثُمَّ ذكر الحديث" ١.
فالنَّص على تسمية الرجل هنا، وموافقة ذلك لروايات أهل المغازي السابقة، كُلُّ ذلك يعدّ قرائن على اتحاد قصَّة أهل الحديث بقصة أهل المغازي، وأنَّهما قصة واحدة، رويت بأسانيد مختلفة، وسياق مختلف نوعًا ما". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (تاريخ ١/٢٠)، والبيهقي (دلائل ٤/٢٩٧) من حديث محمَّد بن أُسامة بن محمَّد بن أُسامة، عن أبيه، عن جده أُسامة بن زيد.
[ ١٥٧ ]
المطلب الثاني: "تاريخ السرية:
أرَّخ ابن سعد لسرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في شهر صفر سنة ثمان من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١".
وأرَّخ لسرية غالب بن عبد الله إلى الميفعة التي ذكر فيها أنَّ أسامة ابن زيد - ﵄ - أصاب فيها الذي قال: "لا إله إلاَّ الله، بشهر رمضان سنة سبع من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
وتابعه في ذلك ابن سيد الناس٣، والقسطلاني٤، والحلبي٥".
ولم يذكر لها الواقدي تاريخًا - وذلك خلاف عادته -، وذكرها مباشرةً بعد سرية بشير بن سعد إلى فدك، بل إنه لم يجعل لها عنوانًا مستقلًا، وإنَّما تحدَّث عنها بعد فراغه من سرية بشير، وكأنه يرى أنَّها متعلِّقة بها، وأنَّها كانت في نفس التاريخ٦. وتابعه في ذلك ابن كثير٧.
_________________
(١) ١ طبقات ٢/١٢٦. ٢ المصدر السابق ٢/١١٩. ٣ عيون ٢/١٩٠، ١٩٧. ٤ المواهب ١/٥٣٨. ٥ سيرة ٣/١٩٢ - ١٩٣، ١٩٧. ٦ مغازي ٢/٧٢٣. ٧ بداية ٤/٢٢٢.
[ ١٥٨ ]
أمَّا ابن إسحاق فلم يذكر لها تاريخًا حيث ذكرها في جملة السرايا والبعوث، ورتَّبها بعد غزوة مؤتة، وسرية عيينة بن حصن الفزاري إلى بني العنبر، وقبل ذات السلاسل١.
وذكر البيهقي رواية ابن إسحاق بعد رواية الواقدي، بعد سرية بشير ابن سعد إلى بني مرَّة بفدك، وقبل سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوّح، وسريته أيضًا إلى الميفعة٢.
وجمع الطبري بين رواية ابن إسحاق حول السرية، وبين عنوان سرية غالب الأخرى إلى الميفعة، وهو وهم كما ذكرنا سابقًا، لكنَّه أرَّخ لها بشهر رمضان من السنة الثامنة٣.
وذكرها خليفة بن خياط في سرايا سنة خمس، مباشرةً بعد سرية
بشير بن سعد إلى فدك٤.
وذكرها البلاذري - أيضًا - بعد سرية بشير، دون أن يجعل لها تاريخا٥، وكذلك فعل ابن القيم، ولكنه اقتصر على رواية المحدثين حول سرية الحرقات٦.
_________________
(١) ١ ابن هشام: سيرة ٤/٦٢١ – ٦٢٣. ٢ دلائل ٤/٢٩٦ – ٢٩٧. ٣ تاريخ ٣/٢٢. ٤ تاريخ ٧٨. ٥ أنساب الأشراف ٣٧٩. ٦ زاد المعاد ٣/٣٦١.
[ ١٥٩ ]
وجمع الشامي كعادته بين رواية ابن إسحاق، ورواية الواقدي، وأرَّخ لها في صفر سنة ثمان١.
ونقل القسطلاني عن الحاكم في الإكليل أنَّها كانت في سنة ثمان٢.
قال الزرقاني: "وفي البخاري ما يوافقه، فإنه قال بعد غزوة مؤتة (باب بعث النَّبِيِّ ﷺ أُسامةَ بن زيد إلى الحرقات) ٣.
قال ابن حجر: "وقد ذكر أهل المغازي سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة - بتحتانية ساكنة وفاء مفتوحة - وهي وراء بطن نخل، وذلك في رمضان سنة سبع، وقالوا: "إنَّ أُسامة قَتَلَ الرَّجُلَ في هذه السرية، فإن ثبت أنَّ أُسامة كان أمير الجيش فالذي صنعه البخاري هو الصواب، لأنه ما أُمِّرَ إلاَّ بعد قتل أبيه بغزوة مؤتة، وذلك في رجب سنة ثمان، وإن لم يثبت أنه كان أميرها رجَّح ما قال أهل المغازي٤".
وذكر الزرقاني، عن بعض شُرَّاح البخاري، أنه "لعلَّ المصير إلى
ما في البخاري هو الراجح، بل الصواب"٥". انتهى".
قال الزرقاني: "وليس الترجي من وجوه الترجيح، نَعَم! روى ابن جرير عن السُدّي بعث ﷺ سرية عليها أُسامة بن زيد فذكر القصَّة،
_________________
(١) ١ سبل الهدى ٦/٢٢١. ٢ المواهب اللدنية ١/٥٣٨. ٣ شرح المواهب ٢/٢٥١. ٤ فتح الباري ٧/٥١٨. ٥ شرح المواهب ٢/٢٥٢.
[ ١٦٠ ]
وروى ابن سعد عن جعفر بن برقان قال: "حدَّثني الحضرمي". قال: "بلغني أنه ﷺ بعث أسامة بن زيد على جيش فذكر القِصَّة، فإن ثبتتا ترجَّح صنيع البخاري١".
قلت: "كل ما ذكروه لا يثبت إمارة أسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - للجيش. والروايتان اللتان ذكرهما الزرقاني ضعيفتان كما وضَّحنا سابقًا٢".
أمَّا صنيع البخاري - رحمه الله تعالى - فقد أوَّله ابن حجر بغير ما ذكروه، كما مرَّ بنا سابقًا".
والذي يترجَّح عندي هو أنَّ هذه السرية كانت بعد سرية بشير بن سعد مباشرةً، لأنَّها أُرْسِلَت لتأديب الأعراب الذين أصابوا سريته، وأنَّ أُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما - خرج فيها، فأصاب ذلك الرجل المتعوِّذ، فهي في سنة سبع من مهاجر رسول الله ﷺ، ربما في رمضان منه، كما أشار إلى ذلك ابن حجر، وعزاه إلى ابن سعد عن شيخه الواقدي٣".
وإن كان هنالك خلاف بين الاثنين حول سريتي غالب بنعبد الله الليثي، وأيهما التي قتل فيها أسامة رضي الله تعالى عنه المتعوِّذَ، وقد وضَّحنا ذلك فيما سبق".
_________________
(١) ١ المصدر السّابق. ٢ سبق تخريجهما فيما مرَّ برقم [١]، ورقم [٥] . ٣ فتح الباري ١٢/١٩٥.
[ ١٦١ ]
المطلب الثالث: سير الأحداث:
عندما قدم علبة بن زيد الحارثي الأوسي بخبر سرية بشير بن سعد، ومصابها على رسول الله ﷺ".
[١٦] "هيأ رسول الله ﷺ الزبير بن العوام، وقال له: "سِر حتَّى تنتهي إلى مُصاب أصحاب بشير بن سعد، فإن أظفرك الله بهم فلا تبق فيهم، وهيأ معه مائتي رجل، وعقد له لواء"١.
[١٧] "فقدم غالب بن عبد الله من سرية قد ظفَّره الله عليهم، فقال رسول الله ﷺ للزبير بن العوام: "اجلس، وبعث غالب بن عبد الله في مائتي رجل٢، فخرج أُسامة بن زيد في السرية حتى انتهى إلى مصاب بشير وأصحابه، وخرج معه علبة بن زيد"٣". و[١٨] "عقبة بن عمرو أبو مسعود٤، وكعب بن
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/١٢٦) من حديث شيخه محمَّد بن عمر الواقدي. ٢ ذكر خليفة بن خياط (تاريخ ٧٨) أنهم كانوا ستين فقط. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٧٢٣) . ٤ عقبة بن عمرو بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري، أبو مسعود البدري، مشهورٌ بكنيته، اتَّفقوا على أنه شهد العقبة، واختلفوا في شهوده بدر، وجزم البخاري بأنه شهدها، ونزل الكوفة، وكان من أصحاب عليّ، مات بالكوفة بعد سنة أربعين. (ابن حجر: إصابة ٢/٤٩١) .
[ ١٦٢ ]
عجرة"١٢". وأبو سعيد الخدري٣".
[١٩] "فلمَّا دنا غالب منهم بعث الطلائع، فبعث علبة بن زيد في عشرة ينظر إلى جماعة محالهم، حتى أوفى على جماعة منهم، ثُمَّ رجع إلى غالب، فأخبره فأقبل غالب يسير حتَّى إذا كان منهم بمنظر العين ليلًا، وقد اجتلبوا وعطَّنوا٤، وهدأوا، قام فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثُمَّ قال: "أمَّا بعد، فإني أوصيكم بتقوى الله وحده لا شريك له، وأن تطيعوني ولا تخالفوا لي أمرًا، فإنَّه لا رأي لمن لا يُطاع، ثُمَّ ألَّف بينهم٥ فقال: "يا فلان أنت وفلان، يا فلان أنت وفلان، لا يفارق كُلّ رجل زميله"٦".
_________________
(١) ١ كعب بن عجرة بن أُمَيَّة البلوي، وقيل: القضاعي، حليف الأنصار. قال البخاري: مدنيٌّ له صحبة، روى عن النَّبِيِّ ﷺ أحاديث، وشهد عمرة الحديبية، ونزلت فيه قصة الفدية. وأخرج ابن سعد بسندٍ جيدٍ عن ثابت بن عبيد أنَّ يد كعب قُطِعَت في بعض المغازي، ثُمَّ سكن الكوفة. قيل: مات بالمدينة سنة إحدى، وقيل: ثنتين، وقيل: ثلاثٍ وخمسين. (إصابة ٣/٢٩٨) . ٢ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/١٢٦) عن شيخه الواقدي. ٣ سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، أبو سعيد الخدري، له ولأبيه صحبة، واستُصْغِر بأُحُد، ثُمَّ شهد ما بعدها، وروى الكثير، مات بالمدينة سنة ثلاثٍ أو أربعٍ أو خمسٍ وستين، وقيل: سنة أربعٍ وسبعين. (تقريب ٢٣٢) . ٤ أي سقوا الإبل ثُمَّ أناخوها وحبسوها عن الماء. (لسان العرب ١٧/١٥٨) . ٥ في رواية أُخرى للواقدي (مغازي ٢/٧٢٥) ذكر فيها أنَّ أمير السرية آخى بينهم. ٦ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٧٢٤) .
[ ١٦٣ ]
فلمَّا كان قرب الفجر انقضوا عليهم في هجوم فجري خاطف، وهم يتصايحون بشعارهم المُتَّفَق عليه مسبقًا: "أمت! أمت! ١".
وارتبك الأعراب بادئ الأمر، إلاَّ أنَّهم تمالكوا أنفسهم بعضًا من الوقت حيث أبدوا بعض المقاومة، فخرج الرجال فقاتلوا ساعة، وكان منهم رجل من أشدِّهم، فكان:
[٢٠] إذا شاء أن يقصد إلى رجل من المسلمين، قصد له فقتله٢، حتَّى أوجع في المسلمين، غير أنَّ قوة وتنظيم المسلمين في هجومهم المباغت، وهول المفاجأة من ذلك الهجوم الفجري غير المتوقَّع أفقد الأعراب توازنهم، فانهزموا هاربين، ووضع المسلمون سيوفهم فيهم حيث شاءوا٣.
يقول أُسامة - رضي الله تعالى عنه - في وصف ذلك:
[٢١] فصبَّحنا القوم فهزمناهم٤.
[٢٢] فكان منهم رجلٌ إذا أقبل القوم كان من أشدِّهم، وإذاأدبروا كان حاميتهم، قال: "فغشيته أنا ورجلٌ من الأنصار٥.
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٧٢٤) . ٢ أخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٦) من حديث جندب بن عبد الله البجلي. ٣ انظر: الواقدي: مغازي ٢/٧٢٤. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح٣/٨٨)، من رواية عمرو بن محمَّد. ٥ أخرجه أحمد (المسند، حديث رقم: ٢١٧٣٩) . وسنده رجاله رجال الصحيح.
[ ١٦٤ ]
[٢٣] "فلمَّا غشيناه قال: "لا إله إلاَّ الله، فكفَّ الأنصاري، فطعنته برمحي١".
[٢٤] "فوقع في نفسي من ذلك"٢".
ثُمَّ تمكَّن المسلمون من السيطرة على الأعراب بسرعة، حيث استحوذوا على حاضر القوم بعد أن قتلوا منهم مَن قتلوا، وهَرَبَ الباقون أمامهم فاستاقوا:
[٢٥] "النَّعم والشاء والذرية، وكانت سهامهم عشرة أبعرة لكل رجل، أو عدلها من الغنم، وكان يحسب الجزور بعشرة من الغنم"٣". وكان ذلك القتال يعدّ أوَّل تجربة عسكرية قتالية لأُسامة بن زيد - رضي الله تعالى عنهما٤، حِبِّ رسول الله ﷺ، فلمَّا جاء البشير بخبر النَّصر والفتح إلى رسول الله ﷺ تهلَّل وجهه فرحًا، وازداد فرحه ﷺ حينما أخبره البشير عن شِدَّة بأس أُسامة، واستبساله في القتال، ولكنَّه حينما أخبره بخبر الرجل الذي قتله أُسامة تغيَّر وجه رسول الله ﷺ، وبعث إلى أُسامة".
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري من رواية عمرو بن محمَّد، وقد سبق تخريجها برقم [٢١] . ٢ أخرجه مسلم (الصحيح ١/١٣٤) من حديث أبي ظبيان عن أُسامة. ٣ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٧٢٥) . ٤ من رواية ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [١٨] .
[ ١٦٥ ]
[٢٦] "فدعاه فسأله، فقال: "لِمَ قتلته؟ قال: "يا رسول الله! أوجَعَ في المسلمين، وقتل فلانًا وفلانًا، وسمَّى له نفرًا، وإني حملت عليه، فلمَّا رأى السيف قال: "لا إله إلاَّ الله". قال رسول الله ﷺ: "أقتلته؟ قال: "نعم". قال: "كيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: "يا رسول الله استغفر لي". قال: "وكيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة؟ قال: "فجعل لا يزيده على أن يقول: "كيف تصنع بلا إله إلاَّ الله إذا جاءت يوم القيامة" ١.
قال أُسامة:
[٢٧] "فما زال يكررها حتى تمنيت أني لم أكن أسلمت قبل ذلك اليوم٢".
_________________
(١) ١ من رواية جندب عند مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٢٠]، وفي رواية أخرى لمسلم (الصحيح ١/١٣٣) قال: " قلت: يا رسول الله إنَّما قالها خوفًا من السلاح. قال: أفلا شققت عن قلبه حتَّى تعلم أقالها أم لا؟ ". وفي رواية البخاري (الصحيح ٣/٨٨): "فقال: يا أسامة، أقتلته بعدما قال لا إله إلاَّ الله؟ قلت: كان متعوِّذًا". ٢ من رواية عمرو بن محمَّد عند البخاري، وقد سبق تخريجها برقم [٢١] .
[ ١٦٦ ]
المطلب الرابع: "الأحكام المستنبطة والعبر والدروس المستفادة:
أولًا: "الأحكام المستنبطة:
قال الخطابي: "فيه من الفقه أنَّ الكافر إذا تكلَّم بالشهادة وإن لم يصف الإيمان وَجَبَ الكَفُّ عنه والوقوف عن قتله سواء أكان بعد القدرة أم قبلها١".
وقال ابن التين تعليقًا على قول النَّبِيِّ ﷺ لأُسامة: ""أقتلته بعدما قال؟ "". في هذا اللوم تعليم وإبلاغ في الموعظة حتى لا يقدم أحَد على قتلِ مَنْ تلفَّظ بالتوحيد٢".
وقال القرطبي: "تكريره ذلك والإعراض عن قبول العذر زجر شديد عن الإقدام على مثل ذلك٣".
وقال النووي: "وقوله ﷺ: "أفلا شققت عن قلبه"، فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأُصول أنَّ الأحكام يعمل فيها بالظواهر، والله يتولَّى السرائر٤".
وقال ابن حجر: "وفيه دليل على ترتُّب الأحكام على الأسباب الظاهرة دون الباطنة٥".
_________________
(١) ١ الخطابي: حاشية سنن أبي داود ٣/١٠٢. ٢ انظر: ابن حجر: فتح ١٢/١٩٥. ٣ المصدر السابق ١٢/١٩٦. ٤ النووي على مسلم ٢/١٠٧. ٥ فتح الباري ١٢/١٩٦.
[ ١٦٧ ]
وقال الخطابي: "وفيه أنه لم يلزمه - مع إنكاره عليه - الدية، ويشبه أن يكون المعنى فيه، أنَّ أصل دماء الكُفَّار الإباحة، وكان عند أُسامة أنه إنَّما تكلَّم بكلمة التوحيد مستعيذًا لا مُصَدِّقًا به، فقتله على أنه كافرٌ مبَاح الدَّم، فلم تلزمه الدية، إذ كان في الأصل مأمورًا بقتاله، والخطأ عن المجتهد موضوع، ويحتمل أن يكون قد تأوَّل قول الله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُم إِيمَانهُم لَمَّا رَأَواْ بَأْسَنَا﴾ . [سورة غافر، الآية: "٨٥]، وقوله في قِصَة فرعون: ﴿ءالآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ . [سورة يونس، الآية: "٩١] ".
فلم يُخلِّصهم إظهار الإيمان عند الضرورة والإرهاق من نزول العقوبة بساحتهم ووقوع بأسه بهم١".
قال ابن حجر: "كأنه حمل نفي النفع على عمومه دنيا وآخرة، وليس ذلك المراد، والفرق بين المقامين أنه في مثل تلك الحالة ينفعه نفعًا مقيَّدًا بأنْ يجب الكفّ عنه حتَّى يختبر أمره، هل قال ذلك خالِصًا من لبه، أو خشيةً من القتل؟ وهذا بخلاف ما لو هجم عليه الموت ووصل خروج الروح إلى الغرغرة وانكشف الغطاء، فإنه إذا قالها لم تنفعه بالنسبة لحكم الآخرة، وهو المراد من الآية، وأمَّا كونهلم يلزمه دية ولا كَفَّارة فتوقَّف فيه الداودي وقال: "لعلَّه سكت عنه لعلم السامع أو كان ذلك قبل نزول آية الدية والكَفَّارة".
_________________
(١) ١ الخطابي: حاشية سنن أبي داود ٣/١٠٣.
[ ١٦٨ ]
وقال القرطبي: "لا يلزم من السكوت عنه عدم الوقوع، لكن فيه بُعْد لأنَّ العادة جرت بعدم السكوت عن مثل ذلك إن وقع، قال: "فيحتمل أنه لم يجب عليه شيء، لأنه كان مأذونًا له في أصل القتل، فلا يضمن ما أتلف من نفسٍ ولا مال كالخاتن والطبيب، أو لأنَّ المقتول كان من العدوِّ ولم يكن له وليٌّ من المسلمين يستحق ديته، قال: "وهذا يتمشى على بعض الآراء، أو لأنَّ أُسامة أقرَّ بذلك، ولم تقم بذلك بيِّنة فلم تلزم العاقلة الدية، وفيه نظر١".
وقال النووي: "أمَّا كونه ﷺ لم يوجب على أُسامة قصاصًا ولا دية ولا كَفَّارة، فقد يُستدَلُّ به لإسقاط الجميع، ولكن الكَفَّارة واجبة والقصاص ساقط للشبهة فإنه ظَنَّه كافرًا، وظَنَّ أنَّ إظهاره كلمة التوحيد في هذه الحال لا يجعله مسلمًا".
وفي وجوب الدية قولان للشافعي، وقال بكل واحد منهما بعض من العلماء.
ويجاب عن عدم ذكر الكَفَّارة بأنَّها ليست على الفور، بل هي على التراخي وتأخير البيان إلى وقت الحاجة جائز على المذهب الصحيح عند أهل الأصول، وأمَّا الدية على قول من أوجبها فيحتمل أنَّ أُسامة كان في ذلك الوقت معسرًا بها فأُخِّرَت إلى يساره٢.
_________________
(١) ١ فتح الباري: ١٢/١٩٦. ٢ النووي على مسلم ٢/١٠٦.
[ ١٦٩ ]
وقال الزرقاني: "روى ابن أبي حاتم عن ابن عباس: "أمر ﷺ لأهل مرداس بديته وردّ ماله إليهم". وقيل: "قال له: "اعتق رقبة". والله أعلم ٣".
قلت: "بالإضافة إلى ما ذكروه، فإنَّ أسامة - رضي الله تعالى عنه - كان في ذلك الوقت صغيرًا في السنِّ، وأنَّ ما حمله على قتل ذلك الرجل هو قِلَّة خبرته الفقهية، وبخاصّةً فقه الجهاد، باعتبار أنَّها أوَّل مشاركة جهادية، كما ورد في رواية ابن سعد السابقة١، ولأجل ذلك عذره النَّبِيُّ ﷺ، ولكنَّه أبلغ في اللوم والعتاب عليه سدًّا للذريعة، والتثبُّت، وبخاصّةً وأنَّ الأمر يتعلَّق بحياة إنسان بدت منه شبهة تدرأ عنه القتل". والله تعالى أعلم".
ثانيًا: "العبر والدروس المستفادة: "
إنَّ حُبَّ النَّبِيِّ ﷺ لأسامة بن زيد - ولأبيه من قبله - رضي الله تعالى عنهما - لم يشفع له عند رسول الله ﷺ عندما أخطأ، فكان اللوم والتقريع والمحاسبة الشديدة على الخطأ".
وفي ذلك دليل على أنه لا محاباة، ولا محسوبيات في دين الإسلام، فالكل سواسية أمام الشارع، يحاسبهم على أخطائهم، لا فرق بين قريب أو بعيد، ولا غني أو فقير".
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم [١٨] .
[ ١٧٠ ]
استمرار سياسة النَّبِيِّ ﷺ العسكرية ضد الأعراب مِمَّا أدَّى إلى حصد النتائج السريعة المتوخاة من تلك السياسة العسكرية المتبعة ضدَّهم، نصر، وغنائم، وتأديب، ورعب".
كان الشعار في المعركة من مبتكرات النَّبِيِّ ﷺ في غزواته وبعوثه وسراياه وتتضح أهمية الشعار في القتال الليلي، أو الفجري الخاطف، وبخاصّةً إذا علمنا أنَّ العرب في ذلك الوقت يتشابهون فيما بينهم في اللباس والملامح، حيث لم تكن هنالك بزَّات١ عسكرية خاصّةً لكل جيش كما هو الحال اليوم في المؤسسات العسكرية الحديثة، فكان الشعار ينوب مناب اللباس الخاص للتفريق بين المسلمين وأعدائهم في ميدان المعركة، كما أنَّه يبث روح الحماس في نفوس الجند وهم يتصايحون به أثناء الانقضاض على العدوّ، كما حدث في هذه السرية". والله تعالى أعلم.
اتَّبع المسلمون الهجوم الفجري ضد الأعراب "فكان هذا الهجوم مباغتة كاملة أثَّرت على معنوياتهم، وأجبرتهم على الفرار".
"إنَّ الهجوم فجرًا يؤَمِّن المباغتة، لأنَّ العدوَّ يكون بين نائم لا يفيد في القتال، أو مستيقظٍ غير مُتَهَيئٍ له، وهؤلاء جميعًا غير متهيئين للقتال، ولا جدوى منهم للنهوض بأعباء الحرب".
_________________
(١) ١ جمع بزة: وهي البدلة العسكرية.
[ ١٧١ ]
ولكن الهجوم فجرًا يحتاج إلى قوة مددية تستطيع معرفة أهدافها، فلا يصطدم بعضها ببعض، فيؤدي ذلك إلى خسائر في الأرواح دون مبرر، مِمَّا يدل على تدريب المسلمين تدريبًا متميزًا على فنون القتال، كما يحتاج الهجوم فجرًا إلى قيادة مسيطرة وإلى ضبط شديد لتنفيذالأوامر"١".
وذلك واضح في الخطاب الذي ألقاه قائد السرية عليهم، وتأكيده على الضبط العسكري، ومبدأ طاعة الأوامر، ثُمَّ في تأليفه بين الجند ومؤاخاته بينهم، والحثّ على الاجتماع وعدم التفرُّق، وترك الإمعان في العمق دون مبرِّر".
"إنَّ نجاح المسلمين بهذا الهجوم معناه وصولهم إلى درجة عالية في التدريب والضبط، وهما أهمّ عناصر الجيش القوي الرصين"٢".
_________________
(١) ١ خطَّاب: الرسول - ﷺ - القائد ٢١٧. ٢ خطَّاب: الرسول - ﷺ - القائد ٢١٧.
[ ١٧٢ ]
الفصل الثالث: بقية السرايا والبعوث النبوية الشمالية قبل غزوة مؤتة
المبحث الأول: سرية عبد الرحمن بن عوف ﵁ إلى دومة الجندل
المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل
المطلب الأول: التعريف بدومة الجندل:
قال في القاموس: "دومة الجندل، ويقال: "دوماء الجندل، كلاهما بالضم١".
وقال الجوهري: "أصحاب اللغة يقولونه بضم الدال، وأصحاب الحديث يفتحونها٢".
وقال ابن الأثير: "تُضَمُّ دالُها وتُفْتَح٣".
وقال ياقوت: "وقد أنكر ابن دريد الفتح، وعدَّه من أغلاط
المحدثين٤".
قال الهجري: "كُلُّ العرب على فتح الراء من رضوى، وضم الدال من دومة الجندل٥".
قال في المقتطف: "والصواب في كُلِّ ذلك أنَّها تقال بالضم أو بالفتح على السواء، والسبب هو أنَّ اللفظة أعجمية، وهي تُلْفَظ فيها بحركة بين الضم والفتح، فلمَّا عرَّبها العرب مال بعضهم إلى ضمها وآخرون إلى فتحها، واللغويون في مثل هذا المثال يضمون الحرف، والنقلة يميلون إلى
_________________
(١) ١ القاموس، مادة (دام) . ٢ الصحاح، مادة (دوم) . ٣ النهاية ٢/١٤١. ٤ معجم البلدان ٢/٤٨٧. ٥ هامش معجم ما استعجم للبكري ٢/٥٦٤.
[ ١٧٧ ]
الفتح، والمحققون يروون اللفظ على أصله، ونظن أنَّ هذه الطريقة الأخيرة هي المخيرة في عصرنا لأنها هي الصحيحة لقربها من الأصل المأخوذة عنه١".
واختلف العلماء واللغويون والمحدّثون في معنى هذا الاسم:
قال ابن الفقيه: "دومة الجندل من أعمال المدينة، سُمِّيَت بدوم بن إسماعيل بن إبراهيم٢".
وقال الزجاجي، والبكري: "سُمِّيَت بدومان بن إسماعيل، كان ينْزلها٣".
وقال ابن الكلبي: "دوماء بن إسماعيل، قال: "لمَّا كثر ولد إسماعيل - ﵇ - بتهامة، خرج دوماء بن إسماعيل حتى نزل موضع دومة وبنى بها حصنًا، فقيل: "دوماء، ونُسِبَ الحصن إليه٤".
وقيل: "كان لإسماعيل ولد اسمه دُما أو دوما أو دمة، والظاهر أنَّ الحكاية ملفقة لفَّقها بعضهم إثباتًا لمدَّعاه، وأمَّا الذي عرفه النسابة بهذا الاسم دوم بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان، إلاَّ السيد مرتضى صاحب التاج قال عنه: "لم أره عند النسابة٥".
_________________
(١) ١ مجلة المقتطف، مجلد ٥٩/ جزء ٢/١٥. ٢ انظر: الحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٣ انظر: البكري: معجم ٢/٥٦٥، والحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٤ انظر: الحموي: معجم ٢/٤٨٧. ٥ مجلة المقتطف: مجلد ٥٩ / جزء ٢ / ١١٣.
[ ١٧٨ ]
ومعنى اسمها الحقيقي: "أنَّها كلمة يونانية معناها (الحصن)، وعند الرومان دوما: "السطح". والظاهر أنَّ العرب الأولين الذين اقتبسوا اللفظة عن اليونان كانوا يعرفون أنَّ معنى دوما: "الحصن، ثُمَّ تُنُوسِيَ مع الزمن، والدليل أنَّنا نجد في معجم البلدان لياقوت الحموي ما نصه: "قال أبو سعد: "دومة الجندل في غائط من الأرض خمسة فراسخ، قال: "ومن قبل مغربه عين تثجّ فتسقي ما به من النَّخل والزرع، وحصنها مارد، وسُمِّيَت دومة الجندل، لأنَّ حصنها مبني بالجندل"١، فكأنه قال: "الدومة: "الحصن، وأضيفت إلى الجندل لأنه مبني به".
وقال أبو عبيد السكوني: "دومة الجندل: "حصن وقرى بين الشام والمدينة قرب جبل طئ كانت به بنو كنانة من كلب، قال: "ودومة من القريات من وادي القرى إلى تيماء أربع ليال، والقريات: "دومة، وسكاكة، وذو القارة، فأما دومة فعليها سور يتحصن به، وفي داخل السور حصنٌ منيعٌ يقال له مارد، وهو حصن أكيدر الملك" ٢. وهذا - أيضًا - كلام يشعر منه بأنَّ العرب الأقدمين كانوا يعرفون معنى الدومة، وأنها الحصن الحصين أو المنيع، ومن الأدلة على أنَّ الدومة بمعنى الحصن أنها أُضيفت إلى عِدَّة مواضع بُنِيَت فيها حصون، منها دومة الكوفة، أو دومة النجف، ودومة الحيرة، ودومة خبت، ودومة دمشق وغيرها٣".
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٢/٤٨٧ – ٤٨٨. ٢ المصدر السابق. ٣ المقتطف، مجلد ٥٩ / جزء ٢ /١١٤-١١٥.
[ ١٧٩ ]
وذكر البلاذري في فتوح البلدان عن الواقدي قال: "سمعت بعض أهل الحيرة يذكر أنَّ أُكيدر وإخوته كانوا ينْزلون دومة الحيرة، وكانوا يزورون أخوالهم من كلب فيتغربون عندهم، فإنَّهم لمعهم وقد خرجوا للصيد إذ رفعت لهم مدينة متهدمة لم يبق إلاَّ بعض حيطانها، وكانت مبنية بالجندل، فأعادوا بنائها، وغرسوا فيها الزيتون وغيره، وسموُّها دومة الجندل تفرقةً بينها وبين دومة الحيرة١".
أمَّا موقعها، فقال البكري: "ودومة هذه على عشرة مراحل من المدينة، وعشر من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتي عشرة من مصر٢".
وقال ياقوت: "هي على سبع مراحل من دمشق، بينها وبين مدينة الرسول صلى الله عليه وسلم٣".
وقال الحميري: "ودومة الجندل حصنٌ منيعٌ، ومعقلٌ حصينٌ، وبه عمارة وتَتَّصِل به عين التمر٤".
وقال الواقدي: "كان النَّبِيُّ ﷺ غزا دومة الجندل في سنة خمس، فلم يلق كيدًا، ووجَّه خالد بن الوليد إلى أُكَيْدِر في شوَّال سنة تسع بعد إسلام خالد بن الوليد بعشرين شهرًا، وهي أرض نخل وزرع يسقون على
_________________
(١) ٢ معجم ما استعجم ٢/٥٦٥. ٣ معجم البلدان ٢/٤٨٧. ٤ الروض المعطار ٢٤٥.
[ ١٨٠ ]
النواضح، وحولها عيون قليلة، وزرعهم الشعير، وهي مدينة عليها سور ولها حصن عال مشهور في العرب يُدْعَى مارد١".
قلت: "وكذلك بعث إليها عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - على رأس هذه السرية".
قال البكري: "وكان افتتاح دومة صلحًا، وهي من بلاد الصُّلْح التي أدَّت إلى رسول الله ﷺ الجزية٢".
وقد تعرَّض أصحاب معلمة الإسلام، وهم جماعة من المستشرقين لذكر دومة الجندل، فقالوا: "جوف السرحان أرض ديار العرب، واقعة في شمال نجد وأنت تتجه إلى سورية على وادي سرحان، وجوف السرحان وتيماء هما الروضتان الكبريان من ديار جزيرة العرب، وأكبر مدينة من مدن جوف السرحان كانت دومة الجندل (ويسميها بطليموس دوميثا) مع حصنها المارد، وقد أقام برخرد في جوف السرحان سنة ١٨١٢م، وزارها أوتنك بعده بسبعين سنة، وهي اليوم عبارة عن طائفة قرى ضخمة تطوف بها بساتين وحدائق وغيطان نخل يسمونها (أسواقًا) فيها من ٨٠ إلى ١٢٠ بيتًا، وجملة سُكَّانها نحو ١٢٠٠٠، والقرى على اختلاف أنواعها تنقاد لأمور شيوخ خاصَّة بهم، وفي عهد إقامة برخرد في الجوف كان أغلب
_________________
(١) ١ انظر قول الواقدي في: البلاذري: فتوح البلدان ٨٤، وابن عساكر: (تاريخ دمشق، المجلدة الأولى ص٣٨٥) . ٢ معجم ما استعجم ٢/٥٦٥.
[ ١٨١ ]
قطَّانها تُجَّارًا صغارًا، وأصحاب مهن، منهم الخفَّاف، والحدَّاد، والنَّجَّار، وكانوا يبدلون أمتعتهم وتجاراتهم مع الأعراب بأباعر، أمَّا اليوم فالتِّجارة والاحتراف في سقوطٍ ليس وراءَه سقوط، وكان أصحاب تلك الربوع من الوهابيين، وكانت أرضهم داخلة في إحدى كور مملكة الوهابيين التي كان على رأسها اثنان من الأُمراء، وبعد انحلال الدولة الوهابية بقي أهلها مستقلين مدَّة مديدة، وفي سنة ١٨٥٥م خضعوا لشمر الذين في حائل١" ومنطقة الجوف اليوم تعدّ من أكبر المناطق الزراعية المتميزة في المملكة، حيث تشتهر بزراعة الفواكه والخضروات، وتتميَّز بزراعة الزيتون الذي نجحت زراعته في المنطقة بكميات اقتصادية تُبَشّر بالخير".
ودومة الجندل تعتبر ثاني أكبر مدينة في المنطقة، وهي اليوم مدينة متطورة شملتها النهضة العمرانية الواسعة في العهد الميمون، ولكنَّها احتفظت أيضًا بتراثها التاريخي القديم".
_________________
(١) ١ المقتطف: مجلد ٥٩ / جزء ٢/١١٥ عام ١٩٢١ م. قلت: ذلك يدل على تمكن الدولة السعودية الأولى والثانية من بسط نفوذها على أرض الجزيرة العربية منذ تلك الفترة المبكرة، وإنَّ البلاد كانت تشهد حالة من الركود الاقتصادي في مرحلة اضمحلال نفوذ الدولة، وهي فترة قصيرة لا تقاس بفترة الاستقرار الأمني، والرخاء الاقتصادي الغالِب على المنطقة في ظِلِّ حكم هذه الدولة العظيمة التي حباها الله من فضله وأسبغ عليها نعمه، كونها كانت ولا تزال الرائدة في نشر العقيدة الإسلامية الصحيحة بين النَّاس، وتُحَكِّم شرع الله القويم في أرضها المباركة.
[ ١٨٢ ]
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
تفرَّد الواقدي، وعنه ابن سعد، في ذكر تاريخ هذه السرية، وأنَّها كانت في شعبان سنة ست من مهاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
وتابعهما في ذ لك كل من الطبري، والبلاذري، والبيهقي، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، والقسطلاني، والشامي، والمقريزي، والذهبي٢.
ولم يذكر لها ابن إسحاق تاريخًا، وإنَّما ذكرها في جملة السرايا والبعوث، بعد سرية ابن أبي حدرد لقتل رفاعة بن قيس الجُشمي، وقبل سرية أبي عبيدة بن الجراح - رضي الله تعالى عنه - إلى سيف البحر٣.
وذكرها خليفة ضمن السرايا التي كانت سنة ست من الهجرة، دون أن يحدِّد الشهر٤.
ولا يمكن القطع بصحة التاريخ الذي ذكره الواقدي وتلميذه ابن سعد، لأنَّ غالب ما يذكران من تواريخ للسرايا والبعوث تخالف كثيرًا من الأحداث والوقائع في السيرة.
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي ٢/٥٦٠، وابن سعد: طبقات ٢/٨٩. ٢ تاريخ ٢/٦١٢، أنساب الأشراف ٣٧٨، الدلائل ٤/٨٥، عيون الأثر ٢/١٤٣، زاد المعاد ٣/٢٨٤، البداية والنهاية ٤/١٨١، سبُل الهدى ٦/١٤٩، إمتاع الأسماع ١/٢٦٧، تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٣٥٥. ٣ ابن هشام: سيرة ٤/٦٣١. ٤ تاريخ ٧٩.
[ ١٨٣ ]
ولو نظرنا إلى بعض أحداث هذه السرية التي وردت عنهما لاستنتجنا تأخرها عن التاريخ الذي جعلاه لها.
فمثلًا ذكرا أنَّ عبد الرحمن بن عوف - رضي الله تعالى عنه - قائد هذه السرية تزوَّج ابنة ملك الدومة في ذلك الوقت الأصبغ بن عمرو الكلبي بناءً على مشورة النَّبِيِّ ﷺ، وذكرا أنَّها هي أُم (أبي سلمة بن عبد الرحمن) الفقيه المشهور.
وبالنَّظر في ترجمة أبي سلمة وجدت أنَّ ميلاده كان سنة بضعٍ وعشرين، وأنه توفي سنة أربعٍ وتسعين على الراجح، وله اثنتان وسبعون سنة١، وبإجراء عملية حسابية بسيطة تبيَّن أنه وُلِدَ سنة اثنين وعشرين تقريبًا".
فإذا أخذنا بروايتي الواقدي، وابن سعد، حول تاريخ السرية وأنَّها كانت سنة ست، يكون أبو سلمة لم يولد إلاَّ بعد ستَّة عشر عامًا من زواج أبويه، وإذا علمنا أنه كان وحيد أبويه - حيث لم تنجب أُمه من عبد الرحمن سواه - كما ذكر الواقدي٢ - ترجَّح ما ذكرته سابقًا.
_________________
(١) ١ انظر: ابن سعد: طبقات ٥/١٥٥، الذهبي: سير ٤/٢٨٧ - ٢٨٩، ابن حجر: تهذيب ٦/٣٧٠. ٢ نقل ذلك عنه الزرقاني (شرح ٢/١٦٢) .
[ ١٨٤ ]
أيضًا ذكر الذهبي عن ابن سعد، وابن حجر في ترجمة أبي سلمة أنَّ أُمه تماضر بنت الأصبغ أدركت حياة النَّبِيِّ ﷺ، وأنَّ أباه توفي وهو صغير، فلم يستطع أن يروي عنه، فكل ذلك يعطينا إشارات ولو غير مباشرة على تأخُّر هذه السرية.
والله تعالى أعلم".
[ ١٨٥ ]
المطلب الثالث: سير الأحداث:
كانت الأجواء التي تمَّ فيها إرسال هذه السرية تفيض علمًا، وتفوح عبقًا مباركًا، وقد كانت فرصة مناسبة للتعرُّف على مجالس العلم التي كانت تُعقد في المسجد النبوي، وكذلك معرفة المراسم التي يتم من خلالها بعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، وذلك من خلال راوي الحديث الذي كان شاهد عيان يصف لنا ذلك كُلّه بأدقّ عبارة، وأسهل جملة، يقول عبد الله ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما:
[١] "كنت عاشر عشرة رهط١ من أصحاب رسول الله ﷺ في مسجده: "أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، ومعاذ بن جبل، وحذيفة بن اليمان، وأبو سعيد الخدري، وأنا مع رسول الله ﷺ"٢".
_________________
(١) ١ رهط: جماعة. ٢ ذكره ابن هشام: (سيرة ٤/٦٣١ - ٦٣٢) عن ابن إسحاق الذي رواه بسند فيه مبهمان عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما. وأخرجه البزَّار كما في (كشف الأستار، حديث رقم: ١٦٧٦)، بإسناده عن الهيثم ابن حميد بن حفص بن غيلان، وأخرجه بان ابن ماجه (السنن ٢/١٣٣٢-١٣٣٣) . بعضه باختصار عن ابن أبي مالك عن أبيه، كلاهما عن عطاء بن أبي رباح عنه. قال عنه الهيثمي (المجمع ٥/٣١٨):وابن حجر (مختصر مسند البزّار١/٧١١) .رجاله ثقات. قلت: الهيثم وشيخه حفص بن غيلان صدوقان، وابن أبي مالك هو: خالد بن يزيد ابن عبد الرحمن ضعيف. كما قال الحافظ وأبوه صدوق. فيكون الإسناد حسنًا إن شاء الله. وقد يرتفع إلى الصحيح لغيره بالمتابعة. والله تعالى أعلم. وقال عنه الألباني (صحيح سنن ابن ماجه ٢/٣٧٠): حسن.
[ ١٨٦ ]
[٢] "فجاء فتى من الأنصار، فسلَّم على رسول الله ﷺ ثُمَّ جلس، فقال: "يا رسول الله! أي المؤمنين أفضل؟ قال: "أحسنهم خُلُقًا". قال: "أي المؤمنين أكيس؟ ١ قال: "أكثرهم للموت ذكرًا، وأكثرهم له استعدادًا قبل أن ينْزل بهم - أو قال: "ينْزل به - أولئك الأكياس، ثُمَّ سكت"٢ الفتى٣
و[٣] "أقبل علينا رسول الله ﷺ فقال: "يا معشر المهاجرين! ٤، خمسٌ إذا ابتليتُم بهنَّ، وأعوذ بالله أن تدركوهنَّ: "لم تظهر الفاحشة في قومٍ
_________________
(١) ١ أي أعقل. والكَيِّس هو العاقل الفطن. ٢ زيادة من البزَّار. انظر: كشف الأستار، حديث رقم: ١٦٧٦، ومختصر مسند البزَّار حديث رقم: ١٣١٧) . قلت: لكن في إسناده الهيثم، وحفص بن غيلان (صدوقين، ورُميا بالقدر) . والله تعالى أعلم. ٣ زيادة من ابن إسحاق (ابن هشام: سيرة ٤/٦٣١) . ٤ هكذا وقع في رواية ابن ماجه، وكذلك رواية ابن إسحاق، ولعلَّه دعاهم بذلك تغليبًا لأنَّ أكثرهم في ذلك المجلس كانوا من المهاجرين، وإلاَّ فإنه كان فيهم من الأنصار أيضًا. ووقع في رواية الواقدي: "يا أيها النَّاس"، بينما في رواية البزَّار لم يعين أحدًا في خطابه، وإنَّما قال مباشرةً: "لم تظهر الفاحشة في قومٍ " الخ.
[ ١٨٧ ]
قطّ حتَّى يعلنوا بها، إلاَّ فشا فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن مضت في أسلافهم الذين مضوا، ولم ينقصوا المكيال والميزان إلاَّ أُخِذُوا بالسنين وشِدَّة المؤونة وجَوْر السلطان عليهم، ولم يَمْنَعُوا زكاة أموالهم إلاَّ مُنِعُوا القَطر من السماء، ولولا البهائم لم يُمْطَروا. ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلاَّ سلَّط الله عليهم عدوًا من غيرهم، فأخذوا بعض ما في أيديهم، وما لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتخيَّروا١ مِمَّا أنزل الله إلاَّ جعل الله بأسهم بينهم"٢".
[٤] "قال: "ثُمَّ أمر عبد الرحمن بن عوف يتجهَّز لسريةٍ أمَّره عليها، فأصبح قد اعتمَّ بعمامة كرابيس٣ سوداء، فدعاه النَّبِيُّ ﷺ فنقضها وعمَّمه وأرسل مِن خلفه أربع أصابع، ثُمَّ قال: "هكذا يا ابن عوف، فاعتمَّ بها فإنه أعرب٤ وأحسن"٥".
_________________
(١) ١ هكذا وقعت في رواية ابن ماجه. وفي رواية ابن إسحاق: "وتجبَّروا فيما أنزل الله". ولعلَّه حصل تصحيف في اللفظة. وفي رواية البزَّار قال: "ولم يحكم أئمتهم كتاب الله إلاَّ جعل بأسهم بينهم". ٢ هكذا في رواية ابن ماجه (سنن ٢/١٣٣٢ - ١٣٣٣) . ٣ عمامة من قطن غليظة. ٤ هكذا وقعت في رواية البزَّار، بينما وقعت في رواية ابن إسحاق: "فإنه أحسن وأعرف".وربما تصحَّفت اللفظة عند أحدهما. أمَّا في رواية الواقدي فإنَّه لم يعلِّق شيئًا. ٥ من رواية البزَّار، وقد سبق تخريجها برقم [٢] .
[ ١٨٨ ]
ثُمَّ بدأت مراسم تولية عبد الرحمن بن عوف-رضي الله تعالى عنه- على الجيش، وهي مراسم بسيطة جدًا ولكنَّها ذات مغزى عظيم ومؤثّر".
حيث أمر النَّبِيُّ ﷺ بلالًا أن يدفع إليه اللواء، فدفعه إليه، فحمد الله تعالى، ثُمَّ قال: "خذه يا ابن عوف:
[٥] "اغزوا جميعًا في سبيل الله، فقاتلوا مَن كفر بالله، لا تَغُلُّوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا، فهذا عهد رسول الله ﷺ وسنَّته فيكم"١".
فأخذ عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه اللواء، وعقد له رسول الله ﷺ على سبعمائة رجل - كما يذكر الواقدي٢- وأمره بالمسير إلى دومة الجندل، فيدعوهم إلى الإسلام، وأشار عليه النَّبِيُّ ﷺ قائلًا:
[٦] "إن استجابوا لك فتزوَّج ابنة ملكهم، فسار عبد الرحمن حتى قدم دومة الجندل٣".
[٧] "فلمَّا حلَّ بها دعاهم إلى الإسلام، فمكث بها ثلاثة أيام يدعوهم إلى الإسلام، وقد كانوا أبوا أوَّل ما قدم يعطونه إلاَّ السيف، فلمَّا كان اليوم الثالث أسلم الأصبغ بن عمرو الكلبي، وكان نصرانيًا، وكان رأسهم"٤".
_________________
(١) ١ من رواية البزَّار، وقد سبق تخريجها برقم [٢] . ٢ مغازي: ٢/٥٦٠ – ٥٦١. ٣ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/٨٩) عن شيوخه بلفظ: قالوا. ٤ أخرجه الواقدي (مغازي ٢/٥٦٠ - ٥٦٢)، وعزاه ابن حجر (إصابة ١/١٠٨) للدارقطني في الافراد، من طريق محمَّد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، عن سعيد بن مسلم بن فاتك (مالك) شك النَّاسخ، وهي تصحيف (قمارين) كما وردت عند الواقدي، عن عطاء، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، وقال الدارقطني: تفرَّد به محمَّد الحسن عن سعيد، ولم يروه عنه غير أبي سليمان. قال ابن حجر: رواية الواقدي له عن سعيد ترد على هذا الإطلاق. والله أعلم. قلت: قال ابن أبي حاتم (الجرح ٧/٢٢٧): سمعت أبي يقول: وجدت في كتاب السير لمحمَّد بن الحسن صاحب الرأي، عن الواقدي أحاديث، فلم يضبطوا عن محمَّد ابن الحسن، فرووا عن محمَّد بن الحسن، عن الواقدي، أحاديث، ورووا الباقي عن مشايخ الواقدي، وهذا كُلّه عن الواقدي، فجعلوه عن محمَّد ابن الحسن عن هؤلاء المشايخ. انتهى. قلت: أخشى أن يكون هذا الحديث منها، لأنه مطابقٌ تمامًا لرواية الواقدي في المغازي. والله تعالى أعلم. وذكر السيوطي (خصائص ٢/٢٣) أنَّ ابن عساكر أخرجه من طريق الزبير ابن بكار، حدَّثني عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد العزيز الزهري، عن عمومته: موسى، وعمران، وإسماعيل نحوه. قلت: هذا مرسل، وعبد الرحمن بن عبد الله الزهري، ذكره ابن أبي حاتم (الجرح ٥/٢٠٥) ولم يذكر فيه جرحًا ولا تعديلًا.
[ ١٨٩ ]
[٨] "وأسلم معه ناس كثير من قومه، وأقام مَن أقام على إعطاء الجزية، وتزوَّج عبد الرحمن تماضر بنت الأصبغ، وقدم بها إلى المدينة، وهي أُم أبي سلمة بن عبد الرحمن"١".
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد، وقد سبق تخريجها برقم [٦] .
[ ١٩٠ ]
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله تعالى عنه قد بعث قبله رافع ابن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ بشيرًا، يخبره بما فتح الله عليهم، وبإسلام الأصبغ وقومه".
[ ١٩١ ]
المطلب الرابع: الدروس والعظات المستفادة:
تضمنَّت هذه السرية بعض الدروس والعظات المستفادة وهي:
تحذير النَّبِيِّ ﷺ أُمَّته من الوقوع في أسباب المهلكات الموجبة لعذاب الله - ﷿، واجتناب المحظورات".
بيان خشيته ﷺ، ورفقه بأُمَّته وخوفه عليهم مِمَّا يهلكهم في الدُّنيا والآخرة".
بلاغة وقوَّة الخطاب التحذيري الذي وجَّهه المصطفى ﷺ إلى أصحابه وأُمَّته مُحَذِّرًا إياهم من المهلكات الخمس بأسلوب سنن الله الكونية التي لابدَّ من وقوعها إذا ما توفرت شروطها، وتهيأت أسبابها، فظهور الفاحشة والإعلان بها بين الناس مَدْعاة لظهور الأمراض الخطيرة، وانتشار الأوبئة المستعصية وغير المعروفة من قبل".
والغش في الكيل والوزن والنقص فيهما، عقوبته تكون بالجدب والغلاء وظلم السلطان".
وتعطيل الزكاة ومنعها يؤدي إلى منع سقوط الأمطار، وبالتالي الجفاف والجدب".
ونقض العهد والميثاق والخيانة والغدر، مدعاة لتسلُّط الأعداء واستبدادهم وظلمهم وغصبهم للحقوق".
وترك الحكم بكتاب الله والحكم بغيره من القوانين والأنظمة الوضعية، عقوبته وقوع الفتنة، وسفك الدماء، واشتعال الحرب الأهلية".
[ ١٩٢ ]
بيان أنَّ العقوبة تكون من جنس العمل".
إنَّ ما ذكره وأخبر به رسول الله ﷺ من تلك العقوبات المستحقة لمن تلبَّس بأسبابها، ووقع في محظوراتها، نؤمن به، ونتيقن وقوعه، لصدق المُخْبِر به الذي لا ينطق عن الهوى، ولكننا نذكر وعلى سبيل الاستئناس بعض ما وقع في هذا الزمان من أمور، ربما تدخُل ضِمن إطار هذا الحديث، فقد شاع قبل مُدَّة وذاع خبر انتشار مرض خطير، وداء عضال، ووباء معدٍ، حار الأطباء - رغم البحث المتواصل والدراسات المتعددة والمكثفة - في التوصُّل إلى علاجٍ ناجع له، أو حتى مصل واقٍ منه".
هذا الداء العضال نشأ أول الأمر في الدول الغربية الإباحية - رغم محاولاتهم اليائسة وادّعاءاتهم الكاذبة بأنَّ منشأَهُ كان بعيدًا عنهم في أدغال أفريقية، متناسين البيئة الخصبة التي نشأ فيها المرض وترعرع، وهي بيئة الشذوذ الجنسي والإباحية المطلقة التي كانوا يشجعونها - ثُمَّ انتشر انتشار النار في الهشيم بطول الأرض وعرضها، وبخاصّة في الدول التي تشجع الإباحية في مجتمعاتها بطريقٍ مباشرٍ، وغير مباشر".
هذا المرض الخطير الذي أصبح مجرَّد النُّطْقُ باسمه يثير الفزع، ويبث الرعب في النفوس، هو مرض نقص المناعة المكتسبة، المسمَّى طبيًا (بالإيدز)، وهو مرض ثبت طبيًا أنَّ سببه المباشر كان من انتشار الشذوذ الجنسي (عمل قوم لوط) في تلك المجتمعات، وتفشيه بينهم
[ ١٩٣ ]
حتَّى أعلنوا به إعلانًا عظيمًا، لدرجة تبني بعض الحكومات والهيئات والشخصيات المؤثرة في تلك المجتمعات الدفاع عن حقوق الشاذّين جنسيًا١ في ممارسة عملهم القذر بحريَّةٍ تامَّة، وسن قوانين اجتماعية رسمية تبيح زواج الرجل بالرجل، والمرأة بالمرأة، ودعم المحاولات المستميتة منهم لوضع هذه الأُمور موضع التنفيذ على شكل مراسيم حكومية رسمية حتَّى تصبح ممارساتهم الشاذَّة ذات صبغة رسمية شعبية".
لقد كان انتشار هذا القذر في تلك المجتمعات بعد أن ملُّوا وسئموا الممارسات الجنسية الطبيعية - بالطبع غير الشرعية – بين الرجال والنساء التي كثرت، وأصبحت أمرًا حتميًا لا مفرَّ منه نتيجة الاختلاط والإباحية والتبرُّج والسُّفُور، والدعايات المركَّزة بشكل مباشر وغير مباشر لممارسة الجنس في كُلِّ وسائل الإعلام بأنواعها، وانتشار النوادي الليلية الحمراء، ونوادي العراة، والمنتجعات الساحلية السياحية، وغير ذلك من دواعي الإباحة ونشر الفاحشة والإعلان بها، ومع توالي الأمراض الوبائية الخطيرة عليهم، التي بدأت بمرض السيلان، ثُمَّ الزهري، إلاَّ أنَّهم لم يرتدعوا، واستمروا
_________________
(١) ١ في الحقيقة تسميتهم بهذا الاسم فيه نوعٌ من التعمية والتدليس، ومحاولة تلطيف حقيقة ممارساتهم البشعة والقذرة المنافية للدين والأخلاق والقيم الإنسانية، بل فيه منافاة شديدة للفطرة الإنسانية السليمة.
[ ١٩٤ ]
في غيهم، حتى بَعَثَ الله عليهم هذا الفيروس القاتل الذي يهاجم الجهاز المناعي في جسم الإنسان فيحطمه ويقضي عليه، فيصبح عندها الجسم نهبة لمختلف الأمراض التي تفتك بالإنسان دون أن تجد ما يقاومها".
ورغم ذلك كله، ورغم النداءات المتوالية من عُقَلاء القوم، والمؤتمرات المتعدِّدة للتحذير من ازدياد انتشار وشيوع هذا الوباء الفتَّاك في المجتمعات، إلاَّ أنَّنا نرى ونسمع في المقابل مؤتمرات أُخرى مشبوهة تُقَام بين حين وآخر بأسماء وشعارات زائفة، ودعايات برَّاقة، تدعو بشكلٍ مبطنٍ وغير مباشر لمزيد من الإباحية، والحرِّية المطلقة، وتشجيع ارتكاب الفواحش بعلاج نتائجها بالإجهاض، وغير ذلك من دَسِّ السُّمّ في العَسَلِ مِمَّن يُحبون شيوع الفاحشة وانتشارها بين النَّاسلإشباع غرائز بهيمية في نفوسهم، غير مدركين أو متعامِين عن الخطر الدَّاهِم، بتعدُّد الأمراض الوبائية وتجدُّدها، والتي كان آخرها ذلك المرض القاتل السريع الذي ظهر في بعض بلدان أفريقيا قبل أشهر، والمسمَّى (بفيروس أيبولا القاتل) الذي لا يمهل ضحاياه إلاَّ أيامًا معدودة ليقضي عليهم، حمى الله أُمَّتنا وبلادنا من شرور الأمراض والأوبئة الفتَّاكة، ومن أسبابها التي حذَّرنا منها رسول الله ﷺ".
بيان هديه ﷺ في لبس العمامة، والاعتمام.
[ ١٩٥ ]
معرفة صفة مجالس العلم التي كانت تعقد في مسجد النَّبِيِّ ﷺ، التي كان فيها ﷺ المعلِّم الأوَّل، والموجِّه النَّاصح، والمُفْتِي الفقيه.
لقد كان المسجد النَّبَويُّ في ذلك الوقت بمثابة جامعة بمعلِّمٍ واحدٍ يتلقَّى فيه الصحابة العلم والوعظ والفتوى والتوجيه والإرشاد، من مُعَلِّم البشرية النَّبِيّ محمَّد ﷺ، كما كان - أيضًا - بمثابة القاعدة العسكرية التي تنطلق منها الجيوش والسرايا والبعوث.
لقد كانت مراسم بَعْث السرايا، وتولية الأُمراء عليها، تتم في المسجد بشكلٍ مبسَّطٍ، لكنَّه متقن ومنظَّم، وبانضباطية مدهشة".
كان من أهم مراسم تولية القادة والأمراء على السرايا والبعوث، الوصايا التي كان القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية ﷺ يُزَوِّدُ بها القادةَ والأُمراءَ كُلَّما بعثهم في بَعْثٍ، أو أرسلهم في سريةٍ، وصايا الحرب تلك كانت بمثابة تشريعات للحرب المقدَّسة التي كان يخوضها المسلمون ضد أعدائهم، والتي توضِّح بجلاء أي نوع من الحرب كان المسلمون يمارسونها ضد الأعداء باختلاف مشاربهم، وتعدُّد عداواتهم". لقد كانت بشهادة الأعداء قبل الأصدقاء - حربًا فروسيةً بمعنى الكلمة، لم يشهد، ولن يشهد التاريخ لها مثيلًا -، إنَّ التأكيد في تلك الوصايا بالالتزام بالأخلاق الإسلامية السامية في التعامل مع الأعداء لأمر يثير الدهشة حقًا.
فالنهي عن الغدر، والتمثيل بالأعداء، والنهي عن التعدي على الأبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ، وحُسْن التعامل مع أهل
[ ١٩٦ ]
المبحث الثاني: سرية بشير بن سعد ﵁ إلى الجناب (يمن، وجبار)
المطلب الأول: التعريف بالجناب، ويمن، وجبار
المطلب الأوَّل: التعريف بالجناب، ويمن، وجبار:
قال البكري: "الجِنَاب - بكسر أوّله، وبالباء المعجمة بواحدة١".
وقال الحموي: "يقال فرسٌ طوع الجِناب - بكسر الجيم - إذا كان سلس القياد، ويُقال: "لجَّ فلانٌ في جِنَابٍ قبيحٍ، إذا لجَّ في مجانبة أهله٢".
وقال ابن سعد: "والجِناب يعارض سلاح، وخيبر، ووادي القرى٣".
وقال البكري: "أرض لغطفان". هكذا قال أبو حاتم الأصمعي". وقال في موضعٍ آخر: "الجِنَاب: "أرض لفزارة وعُذْرَة". وقال إبراهيم بن محمَّد بن عرفة: "الجِنَاب أرض بين فزارة وكلب، ويدُلُّ أنَّ لِعُذْرَة فيها شركة قول جميل لبثينة: "ما رأيت عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفَّان على البلاط إلاَّ غِرْتُ عليكِ وأنتِ بالجِنَاب، وكان فائق الجمال٤".
وقال ياقوت: "وقيل: "هو مِن منازل بني مازن، وقال نصر: "الجِناب من ديار بني فزارة بين المدينة وفَيْد، وقال ابن حبيب: "الجناب مِن بلاد فزارة، والحضارم من ناحية اليمامة٥".
_________________
(١) ١ معجم ما استعجم ٢/٣٩٥. ٢ معجم البلدان ٢/١٦٤. ٣ طبقات ٢/١٢٠. ٤ معجم ما استعجم ٢/٣٩٦. ٥ معجم البلدان ٢/١٦٤ – ١٦٥.
[ ٢٠١ ]
وقال البلادي: "الجناب أرض واسعة تقع شمال خَيْبَر، وتمتد إلى تيماء، يُعْرَف جُلّها اليوم باسم (الجهراء)، كانت منازل قضاعة، وهي اليوم لعنْزة بن أسد١".
وقال في موضعٍ آخر: "صحراء تمتد من حفيرة الأيدا٢، إلى تيماء٣".
أمَّا يمن وجبار، فقال ياقوت: "جُبَار - بالضم - وهو في كلام العرب الهدر، ذهب دمه جُبَارًا كما تقول هدرًا، وهو ماء لبني حُمَيس بن عامر بن ثعلبة بن مودعة بن جهينة بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة، بين المدينة وفيد، قال:
ألا مِن مُبَلِّغ أسماء عني إذا حلَّت بيمنٍ أو جُبَار٤
وقال في موضعٍ آخر: "يمن - بالفتح، ويروى بالضم - ثُمَّ السكون، ونون، ماء لغطفان بين بطن قوٍّ ورُؤاف على الطريق بين تيماء وفيد، وقيل: "هو ماء لبني صرمة بن مرَّة، وسمَّاه بعضهم: "أمْن، وينشد قول زهير:
عفا من آل فاطمة الجواء فيُمن فالقوادم فالحِساء
_________________
(١) ١ معجم المعالم الجغرافية في السيرة ٨٦. ٢ هي بئر حفرها فرحان الأيدا أمير ولد علي من عنْزة في وادٍ صغير هو أحد روافد وادي الزهيراء من أودية خيبر، من أعلاه، فاتخذها قاعدةً له وحصَّنها. (انظر: البلادي: رحلات في بلاد العرب ٢٨) . ٣ رحلات في بلاد العرب (في شمال الحجاز والأردن) ٦٤. ٤ معجم البلدان ٢/٩٨.
[ ٢٠٢ ]
وقال: ولو حلَّت بيمنٍ أو جُبار١
وقال ابن سعد: "هي نحو الجناب٢".
وقال البكري: "يُمْن - بضم أوَّله، وإسكان ثانيه - ماء، قال عامر ابن الطفيل:
ألا مِن مُبَلِّغ أسماء عنِّي ولو حلَّت بيمنٍ أو جُبَار
قال ابن دريد: "يمن وجبار من الحجاز٣".
وقال الحلبي: "جَبار - بفتح الجيم - وادٍ قريب من خيبر٤".
وقال البلادي: "جبار وادٍ تراه من مشراف العشاش٥ (سلاح) شمالًا شرقيًا، والاسم لماء هناك".
ويمن ماء - أيضًا - في نفس الوادي، وسيل الوادي يصب في وادي العشاش من أعلاه، والمكانان شمالًا شرقيًا من العشاش يُريان بالعين٦".
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٤٤٩. ٢ الطبقات ٢/١٢٠. ٣ معجم ما استعجم ٤/١٤٠٠ – ١٤٠١. ٤ تاريخ ١/١٩٤. ٥ العشاش: قرية من قرى محافظة خيبر، بُنِيَت في طرف أنقاض قرية سلاح القديمة. ٦ رحلات في بلاد العرب ٢٦ – ٢٧.
[ ٢٠٣ ]
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
أرَّخها الواقدي بسنة سبع من الهجرة، ولم يحدِّد الشهر الذي انطلقت فيه١.
وتابعه نقلًا عنه كُلٌّ من: الطبري٢،والبيهقي، وابن كثير، والذهبي٣.
أمَّا ابن سعد فحدَّدها بشهر شوَّال من نفس السنة٤.
وتابعه في ذلك البلاذري، وابن سيد الناس، والقسطلاني، والشامي٥.
وذكر ابن خياط - في سياقه لسرايا النَّبِيِّ ﷺ سنة ست - بَعْث بشير بن سعد إلى خيبر٦".
_________________
(١) ١ مغازي ٢/٧٢٨. ٢ تاريخ ٣/٢٣ وقال الطبري: "قال الواقدي: وفيها سرية بشير بن سعد إلى يمن وجناب، في شوال من سنة سبع". قلت: فلا أدري هل اطَّلَع ابن جرير على نسخة أُخرى لمغازي الواقدي فيها هذا التحديد بشهر شوَّال، أم إنه اقتبسه من طبقات ابن سعد، والأوَّل أرجح. والله تعالى أعلم. ٣ انظر: البيهقي: دلائل ٤/٣٠١، ابن كثير: بداية ٤/٢٢٣، الذهبي: تاريخ، قسم المغازي ٤٥١. ٤ طبقات ٢/١٢٠. ٥ انظر: البلاذري: أنساب ٣٧٩، ابن سيد الناس: عيون ٢/١٩١، القسطلاني: المواهب ١/٥٣٩، الشامي: سبل ٦/٢١٣. ٦ تاريخ ٧٩.
[ ٢٠٤ ]
وأظنّه يقصد هذه السرية حيث لم يُذكر غيرها لبشير في نفس المنطقة سوى سريته السابقة إلى فدك، كما أنَّ يمن وجبار والجناب قريبة من خيبر، كما وضَّحنا سابقًا، والله تعالى أعلم".
أمَّا ابن القَيّم، فساق الحديث عن هذه السرية ضمن الجدول الذي وضعه لسرايا النَّبِيِّ ﷺ بعد مقدِمِه من خيبر إلى شوَّال، حيث رتَّبها بعد سرية غالب بن عبد الله الكلبي إلى بني الملوّح بالكُدَيْد، وساق الخبر عنها دون أن ينسبه إلى أحَد، وإنْ كان لفظه هو لفظ الواقدي١".
وإذا استعرضنا بعض ما ورد في رواية الواقدي الأكثر تفصيلًا للأحداث من رواية ابن سعد، لوجدنا قرائن تُقوّي تحديد ابن سعد لها بشهر شوَّال من السَّنة السابعة أي بعد غزوة خيبر".
فقوله مثلًا في بداية روايته: "قدم رجل من أشجع، يُقال له حُسَيْل ابن نويرة٢، وقد كان دليل النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر".".". الخ"٣".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٥٩، ٣٦٣. ٢ حُسَيل - بالتصغير - ويقال بالتكبير، ابن خارجة، وقيل: ابن نويرة الأشجعي، وحكى ابن منده أنه يُقال فيه: حُسَيْن - بالنون أيضًا - والذي يظهر أنه آخر، وروى الطبراني وغيره من طريق إبراهيم بن خويصة الحارثي، عن خاله معن بن حَوِية - بفتح الحاء المهملة، وكسر الواو، وتشديد التحتانية - عن حُسَيل بن خارجة الأشجعي قال: قدمت المدينة في جلب أبيعه، فأُتي بي النَّبِيّ ﷺ، فقال: يا حُسَيْل! هل لك أن أُعطيك عشرين صاعًا تمرًا على أنْ تَدُلَّ أصحابي على طريق خيبر؟ ففعلت. قال: فأعطاني. قال: فذكر القصة. قال: فأسلمت. (انظر: الطبراني: معجم ٤/٣٣، ابن حجر: إصابة ١/٣٣٢) . ٣ الواقدي: مغازي ٢/٧٢٨.
[ ٢٠٥ ]
ثُمَّ قوله في آخر الرواية: "قال الحارث: "أيها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرًا بَيِّنًا في بني النَّضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر: "أنَّهم كانوا أعزَّ يهود الحجاز كلّه، يقرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حصون منيعة وأهل نخل، والله إن كانت العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كانت بهم وبين قومهم ما كانوا، فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة، وكيف أُديل عليهم". قال عُيَيْنَة: "هو والله ذاك، ولكن نفسي لا تُقرّني" الخ١".
كُلُّ ذلك يُعدّ قرائن قوية على أنَّ هذه السرية كانت بعد خيبر". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي ٢/٧٣٠.
[ ٢٠٦ ]
المطلب الثالث: سبب السرية:
ذكر أهل المغازي الذين رووا أخبار هذه السرية أنَّ السبب الذي أهاج هذه السرية، هو ذلك التقرير المهم الذي جاء به عين النَّبِيِّ ﷺ في منطقة خيبر وما جاورها، ودليله إليها من قبل، حُسَيْل بن نويرة الأشجعي، عن التحرُّكات العدوانية التي يقوم بها زعيم قوي ومؤثِّر من زعماء قبيلة غطفان، هو عُيَيْنة بن حصن الفزاري، ومحاولته حشد جمعٍ من غطفان في منطقة الجناب القريبة من خيبر، استعدادًا للزَّحف إلى رسول الله ﷺ، أو الإغارة على بعض أطراف الدولة الإسلامية١.
وبما أنَّ عُيَيْنَة بن حصن قد كانت له سابقة من قبل مع المسلمين، كانت سببًا في غزوة ذي قَرَد٢، لذلك أخذ رسولُ الله ﷺ تقرير حُسَيْل مأخذ الجد، وسارع ببعث هذه السرية لضرب ذلك الحشد في عُقْرِ داره، قبل أن تستكمل استعداداتهم للتحرُّك ثُمَّ الهجوم، كما فعلوا من قبل".
والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ انظر: الواقدي: مغازي ٢/٧٢٨، ابن سعد: طبقات ٢/١٢٠، الطبري: تاريخ ٣/٢٣. ٢ في السنة السادسة أغار عُيَيْنَة بن حصن، وابنه عبد الرحمن في فوارس من غطفان على لقاح النَّبِيِّ ﷺ التي كانت في الغابة، فقتلوا أحَد الرّعاة، واستاقوا اللقاح، فنذر بهم رسول الله ﷺ وبعض الصحابة، ولحقوا بهم واستنقذوا اللقاح.
[ ٢٠٧ ]
المطلب الرابع: سير الأحداث:
في شهر شوَّال من السنة السابعة من مُهَاجر رسول الله ﷺ:
[١] "قدم رجل من أشجع، يُقال له، حُسَيْل بن نويرة، وقد كان دليل النَّبِيِّ ﷺ إلى خيبر، فقال له رسول الله ﷺ: "من أين يا حُسيل؟ قال: "قدمت من الجناب، فقال رسول الله ﷺ: "ما وراءك؟ قال: "تركت جمعًا من غطفان بالجناب، وقد بعث إليهم عُيَيْنة يقول لهم: "إمَّا تسيروا إلينا وإمَّا نسير إليكم، فأرسلوا إليه أن سِرْ إلينا حتَّى نزحف إلى محمَّدٍ جميعًا، وهم يريدونك، أو بعض أطرافك"١".
وكعادته ﷺ في استباق الأحداث، وسياسته المتبعة مع الأعداء عامَّة، والأعراب خاصَّة، بالتحرُّك سريعًا للقضاء على قُوَّة العدو، ووئدها في مهدها، قبل أن تستفحل وتنتشر، ولأنَّ لِعُيَيْنَة سابقة من هذا النوع من قبل، سارع النَّبِيُّ ﷺ باستدعاء صاحبيه، ووزيريه (أبي بكر الصديق، وعمر الفاروق ﵄)، وشاورهما في الأمر:
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي (مغازي ٢/٧٢٨)، عن يحيى بن عبد العزيز عن بشير بن محمّد عن عبد الله بن زيد، وسنده فيه رجال غير معروفين. كما أنّ فيه انقطاعًا بين بشير بن محمّد وبين قوله: قدم رجل من أشجع. فإنه لم يدرك النّبيّ ﷺ. ورواه نقلًا عن الواقدي كُلّ من الطبري (التاريخ ٣/٢٣)، والبيهقي (الدلائل ٤/٣٠١)، وابن كثير (البداية ٤/٢٢٣)، والذهبي (التاريخ ٤٥١) .
[ ٢٠٨ ]
[٢] "فقالا جميعًا: "ابعَث بشير بن سعد! فدعا رسول الله ﷺ بشيرًا، فعقد له لواء، وبعث معه ثلاثمائة رجل، وأمرهم أن يسيروا الليل، ويكمنوا النَّهار، وخرج معهم حُسيل بن نويرة دليلًا١".
[٣] "فساروا الليل، وكمنوا النهار، حتَّى أتوا إلى يمن وجبار، وهي نحو الجناب، والجناب يعارض سلاح، وخيبر ووادي القرى، فنزلوا بسلاح٢، ثُمَّ دنوا من القوم٣".
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ قال ياقوت: "سلاح كأنه على وزن قطام، موضع أسفل من خيبر، وسلاح - أيضًا، ماء لبني كلاب شبكة ملحة لا يشرب منه أحد إلاَّ سلح" (معجم ٣/٢٣٣) . وقال العباسي: "أخرج أبو داود، والطبراني بسندٍ جيِّدٍ حديث ابن عمر "يوشك المسلمون أن يخلصوا إلى المدينة حتى يكون أدنى مسالحهم بسلاح". قلت: أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود ١١/٣٢١) . قال: "حدّتُ عن ابن وهب، قال: أخبرنا جرير بن حازم عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر، قال: قال سول الله ﷺ: ، ثُمَّ ذكره نحوه. قال المنذري: فيه مجهول؛ لأنَّ أبا داود قال: حُدِّثت، ولم يبيِّن مَنْ حدَّث به. ويقول البلادي: تقع سلاح إلى طرف قرية العشاش من الجنوب. وهي من قرى بلدة خيبر. وهي على ربوة ترتفع عن مجرى السيل. فُقْر عين سلاح القديمة مجصَّصة ظاهرة. وظلّت سلاح محطَّة للحُجَّاج حتّى تحوَّل الطريق الشامي إلى تبوك. فالعُلا، فاندثرت. ثُمَّ بنى بعض العنَزيين عشاشًا بجوار البلد القديم فسُمِّيَت العشاش. ولمَّا عُبِّدَ طريقُ الحجاز أخذت العشاش في الانتعاش وحفر أهلها آبارًا على فُقُر عين سلاح القديمة. ولكنَّ الماء ليس غزيرًا. وعليها اليوم زراعة وبها مقاهٍ ومحطَّات محروقات. (رحلات في بلاد العرب٢٦-٢٨) . ٣ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/١٢٠) مُعَلَّقًا بلفظ: قالوا، عن شيوخه.
[ ٢٠٩ ]
[٤] "فقال لهم الدَّليل: "بينكم وبين القوم ثُلُثا نهار أو نصفه، فإن أحببتم كمنتم١، وخرجت طليعة لكم حتى آتيكم بالخبر، وإن أحببتم سرنا جميعًا". قالوا: "بل نقدِّمك، فقدَّموه فغاب عنهم ساعة، ثُمَّ كرَّ٢ عليهم، فقال: "هذا أوائل سرحهم، فهل لكم أن تغيروا عليهم؟ فاختلف أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فقال بعضهم: "إنْ أغرنا الآن حذِرَنَا الرجال والعَطَن٣". وقال آخرون: "نغنم ما ظهر لنا ثُمَّ نطلب القوم٤".
ثُمَّ إنَّهم أغاروا على سرح القوم، فأصابوا نعمًا كثيرة ملأوا منها أيديهم:
[٥] "وتفرَّق الرعاء فحذَّروا الجمع، فتفرَّقوا ولحقوا بعلياء بلادهم، وخرج بشير بن سعد في أصحابه حتَّى أتوا محالّهم فيجدها وليس فيها أحد"٥".
[٦] "فرجع بالنعم حتَّى إذا كانوا بسلاح راجعين لقوا عَيْنًا٦ لعُيينة فقتلوه، ثُمَّ لقوا جمع عيينة، وعيينة لا يشعر بهم، فناوشوهم، ثُمَّ
_________________
(١) ١ كمن له: استخفى، والكمين: القوم يكمنون في الحرب. (القاموس: كمن) . ٢ كرَّ عليه: عطف. (القاموس: كرَّ) . ٣ العَطَن - محرَّكة - وطن الإبل ومبركها حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء. ٤ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٥ من رواية ابن سعد عن شيوخه، وقد سبق تخريجها برقم [٣] . ٦ العين: الجاسوس.
[ ٢١٠ ]
انكشف جمع عيينة، وتبعهم أصحاب النَّبِيِّ ﷺ فأصابوا منهم رجلًا أو رجلين فأسروهما أسرًا١".
ونفَّذ عُيينة بجلده هاربًا، بعد أن دخله الرعب من المسلمين، فانهزم
على فرس له عتيق يعدو به عدوًا سريعًا، لا يلوي على شئ، حتَّى إنَّ حليفة الحارث بن عوف المري لمَّا استوقفه ليسأله عن شأنه، ردَّ عليه:
[٧] "لا ما أقدرُ! الطلب خلفي! أصحاب محمَّد! وهو يركض". قال الحارث بن عوف: "أما لك بعد أن تبصر ما أنت عليه؟ إنَّ محمَّدًا قد وطئ البلاد وأنت مُوضِعٌ في غير شيء". قال الحارث: "فتنحيت عن سَنن٢ خيل محمَّد حتَّى أراهم ولا يروني، فأقمت من حين زالت الشمس إلى الليل، ما أرى أحدًا - وما طلبوه إلاَّ الرعب الذي دخله". قال: "فلقيته بعد ذلك، فقال الحارث: "فلقد أقمت في موضع حتى الليل، ما رأيت من طلب". قال عيينة: "هو ذاك، إني خفتُ الإسار، وكان أثري عند محمَّدٍ ما تعلم في غير موطن". قال الحارث: "أيُّها الرجل، قد رأيت ورأينا معك أمرًا بيِّنًا في بني النضير، ويوم الخندق، وقريظة، وقبل ذلك قينقاع، وفي خيبر، إنَّهم كانوا أعزّ يهود الحجاز كُلِّه، يُقِرُّون لهم بالشجاعة والسَّخاء، وهم أهل حُصون منيعة، وأهل نخل، واللهِ إن كانت
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٢ سَنَنُ الطريق، مثلثة وبضمتين: نهجه وجهته. (القاموس: سن) .
[ ٢١١ ]
العرب لتلجأ إليهم فيمتنعون بهم، لقد سار حارثة بن الأوس حيث كان بينهم وبين قومهم ما كان فامتنعوا بهم من النَّاس، ثُمَّ قد رأيت حيث نزل بهم كيف ذهبت تلك النجدة وكيف أُديل عليهم". فقال عيينة: "هو واللهِ ذاك، ولكنَّ نفسي لا تُقِرّني". قال الحارث: "فادخل مع محمَّد، قال: "أصير تابعًا! قد سبق قومٌ إليه فهم يزرُون١ بمن جاءَ بعدهم يقولون: "شهدنا بدرًا وغيرها". قال الحارث: "وإنَّما هو على ما ترى، فلو تقدَّمنا إليه لكُنَّا من عِليَة أصحابه، قد بقي قومُه بعدهم منه في مُوادعَة وهو مُوقِعٌ بهم وقعةً، ما وُطِئَ له الأمْرُ". قال عُيينة: "أرى واللهِ! فاتَّعدا يُريدان الهجرة والقُدوم على النَّبِيَّ ﷺ إلى أن مرَّ بهما فروة بن هبيرة القُشَيْري يُريد العُمرة وهما يتقاولان، فأخبراه بما كانا فيه وما يُريدان". قال فروة: "لو استأنيتم حتى تنظروا ما يصنع قومه في هذه المُدَّة التي هُم فيها وآتيكم بخبرهم! فأخَّروا القدوم على رسول الله ﷺ، ومضى فَرْوَة حتَّى قدم مكَّة فتحسَّب من أخبارهم، فإذا القوم على عداوة النَّبِيِّ ﷺ، لا يريدون أن يدخلوا طائعين أبدًا، فخبَّرهم بما أوقع محمَّد بأهل خيابر٢". قال فروة:
_________________
(١) ١ زرى عليه زريًا وزراية ومزرية ومزراة وزُريانًا بالضم: عابه، وعاتبه. (القاموس: زرى) . ٢ خيبر.
[ ٢١٢ ]
"وقد تركت رؤساء الضاحية على مثل ما أنتم عليه من العداوة لمُحَمَّد". قالت قريش: "فما الرأي، فأنت سيِّد أهل الوبر؟ قال: "نقضي هذه المدَّة التي بينكم وبينه، ونستجلب العرب، ثُمَّ نغزوه في عُقْرِ داره، وأقام أيامًا يجول في مجالس قريش، ويسمع به نَوْفَل ابن معاوية الدِّيَلِيِّ، فنَزل من باديته فأخبره بما قال لقُرَيْش، فقال نَوْفَل: "إذًا لأجِدُ عندكم شيئًا! قدمت الآن لمقدمك حيث بلغني، ولنا عدوٌّ قريبٌ دارُه، وهم عَيْبَة نُصْح محمَّد لا يغيبون عليه حرفًا من أُمورنا، قال: "من هُم؟ قال: "خُزاعة، قال: "قَبُحَت خزاعة؛ قعدت بها يمينها! قال فروَة: "فماذا؟ قال: "استنصرْ قُرَيْشًا أن يعينونا عليهم، قال فروة: "فأنا أكفيكم". فلقي رؤساءَهم، صفوان ابن أُمَيَّة، وعبد الله بن أبي ربيعة، وسُهَيْل بن عمرو، فقال: "ألا ترون ماذا نزل بكم! إنَّكم رضيتم أن تدافعوا مُحَمَّدًا بالراح". قالوا: "فما نصنع؟ قال: "تُعينون نَوْفَل بن مُعاوية على عدوِّه وعدوِّكم". قالوا: "إذًا يغزونا محمَّدٌ فيما لا قِبَلَ لنا به فيوطئنا غَلَبَةً، وننْزِل على حُكْمِهِ، ونحن الآن في مُدَّة وعلى ديننا". فلقي نوفل ابن معاوية، فقال: "ليس عند القوم شيء، ورجع فلقي عيينة والحارث فأخبرهم، وقال: "رأيت قومه قد أيقنوا عليه فقاربوا الرجل وتدبَّروا الأمر، فقدَّموا رِجْلًا وأخَّروا أُخرى١".
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٢١٣ ]
المطلب الخامس: الأحكام المستنبطة والدروس المستفادة:
مشروعية اتخاذ الأدلاَّء من غير المسلمين وإغرائهم بالمال لمساعدة المسلمين، وفي قصة الهجرة، وقصة هذه السرية، وفتح خيبر دليلٌ على ذلك.
مشروعية اتخاذ العيون للتجسس على الأعداء، وتزويد المسلمين بأخبارهم وتحركاتهم ضد المسلمين، وقصة هذه السرية، وفتح مكَّة، وغير ذلك من قصص السرايا والغزوات والأخبار التي تصل تباعًا إلى النَّبِيّ ﷺ عن تحرُّكات الأعداء وحشودهم دليلٌ على ذلك.
إنَّ استخدام المسير الليلي كمسير اقترابي١ إلى أرض العدو، واتخاذ الدليل طليعةً في أرض العدو، يُعَدُّ من الأُسس العملية المهمَّة للمباغتة، وهي أساليب تُعَدُّ من مبتكرات الرسول القائد ﷺ.
استمرار نجاح سياسة النَّبِيّ ﷺ العسكرية الهجومية في حربه مع أعدائه من الأعراب بضرب حشودهم في قواعدها، والإغارة عليهم قبل استكمال استعداداتهم، مِمَّا كان له أبلغ الأثر في تلك النتائج المدهشة من إدخال الرعب في قلوبهم، والقضاء على مخططاتهم العدوانية - التي كانت موجَّهة ضد المسلمين - في مهدها، وبسط نفوذ المسلمين على أراضيهم، وبالتالي التمهيد للانطلاق فيما وراء ذلك لتحقيق أهداف المسلمين واستراتيجياتهم بعيدة المدى من نشر
_________________
(١) ١ المسير الاقترابي هو الحركة من القاعدة إلى الهدف. (خطَّاب: الرسول القائد ١١٦) .
[ ٢١٤ ]
الإسلام خارج نطاق الجزيرة العربية فيما وراء مناطق نفوذ الأعراب.
وضح من خلال هذه السرية، والسرايا قبلها، ذلك الترتيب الذكي الذي كان يتبعه القائد الملهم، الخبير بخبايا الحرب وأمورها الرسول ﷺ وذلك من خلال اختياره الرجل المناسب للمهمَّة المناسبة في المنطقة المناسبة، ذلك الاختيار كان يتم وفق معايير خاصّة تتعلَّق بقدرات الرجل المختار، وخبرته في المنطقة المبعوث إليها، ومعرفته التامة بها وبأهلها". فكما رأينا في هذه السرية وما قبلها من السرايا في منطقة خيبر وما حولها، كان المبعوث على رأسها في غالب الأحيان هو بشير بن سعد الأنصاري، - رضي الله تعالى عنه، - فالتركيز على بشير دون غيره من الصحابة". وغالب بن عبد الله الليثي - رضي الله تعالى عنه، وغيرهما من القادة لم يكن من فراغ، وإنَّما كان بناءً على ما كان يتمتع به أولئك من قدرات أهليتهم لذلك مِمَّا ذكرنا، والله تعالى أعلم.
إنَّ في استشارة النَّبِيِّ ﷺ لصاحبيه أبي بكر الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنه، وعمر بن الخطَّاب - رضي الله تعالى عنه، لها أكثر من دلالة!. فمن كون ذلك يدل على فضلهما ومكانتهما ومنْزلتهما الرفيعة عند النَّبِيِّ ﷺ، حتَّى إنَّهما كانا بمثابة وزيرين له، وكانا من ألصق النَّاس به في كُلِّ أموره، في سفره وإقامته، في سلمه وحربه، وكان دائم الاستشارة لهما، المصاحب لهما في كُلِّ الأوقات، وكان
[ ٢١٥ ]
دائم الحديث عنهما، كما يقول علي بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه: "وحسبت أني كثيرًا أسمع النَّبِيّ ﷺ يقول: "ذهبت أنا وأبو بكر وعمر، ودخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر"١ ". وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - ذلك لهما، فكان أن قدَّموهما على غيرهما في الخلافة.
أيضًا يدل ذلك على مكانة الشورى في الإسلام، باعتبار أنَّ المُشَرِّع ﷺ كان يُطَبِّقها في كل زمان ومكان، وذلك تنفيذٌ لأمر الباري - ﷿ - له ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ . [سورة آل عمران، الآية: ١٥٩] . وتعليمٌ لأمَّته من بعده بتطبيق هذا المبدأ الهام والحيوي في حياتهم بمختلف شؤونها، وما أصاب المسلمين من الضياع وتسلُّط الأعداء إلاَّ عندما تركوا هذا المبدأ، واستبدَّ قادتهم بالرأي دونهم، فكان ذلك وبالًا على الأُمةِ بأسرها.
كذلك يدل على ما كان يتمتَّع به الشيخان الجليلان - رضي الله تعالى عنهما، من الحنكة والمعرفة بأمور الحرب والسياسة، حيث نصحا النَّبِيَّ ﷺ بالإسراع بإرسال سرية إلى تلك المنطقة، يقودها رجلٌ مُحَنَّكٌ ذو خبرة ومعرفة بأحوالها وأهلها.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (الصحيح: ٤/١٩٩) .
[ ٢١٦ ]
المبحث الثالث: سرية كعب بن عمير الغفاري ﵁ إلى أطلاح
المطلب الأول: التعريف بذات أطلاح
المطلب الأوَّل: التعريف بذات أطلاح:
قال ياقوت: "أطلاح - بالحاء المهملة - موضع من وراء ذات القرى إلى المدينة١".
وقال البكري: "من أرض الشام٢".
وقال ابن سعد: "وهي وراء وادي القرى٣".
وقال الواقدي: "ذات أطلاح من أرض الشام٤".
وذكر موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبي الأسود، عن عروة
قالا: "ذات أطلاح من البلقاء٥".
وأخرج البيهقي، عن موسى بن عقبة، وعن ابن شهاب، وعن عروة قالوا: "ذات أباطح من البلقاء٦".
قال البلادي - تعليقًا على قولهم: "ذات أطلاح من أرض الشام": "كذا قال: "من أرض الشام"، وكان الأقدمون يرحمهم الله يلجأون إلى مثل هذا التحديد الواسع إذا غُمَّ عليهم المكان، وكانت أرض الشام عندهم ما تجاوز تيماء شمالًا، - أي على بعد نيِّف وستمائة - كيل شمال
_________________
(١) ١ معجم البلدان ١/٢١٨. ٢ معجم ما استعجم ٣/٨٩٣. ٣ طبقات ٢/١٢٧. ٤ مغازي ٢/٧٥٢. ٥ انظر: ابن حجر: إصابة ٣/٣٠١. ٦ الدلائل ٥/٤٦٢ – ٤٦٤.
[ ٢١٩ ]
المدينة، وهي باتِّفاق الجغرافيين من أرض الحجاز لا من أرض الشام حيث عدَّ بعضهم معان من الحجاز، ولم أجد من يعرف ذات أطلاح اليوم١".
قلت: "كأنَّ البلادي لم يطَّلِع على رواية عروة، والزهري، موسى بن عقبة عند البيهقي، وعند ابن حجر، حيث حددوا مكانها بالبلقاء، والبلقاء كما هو معروف عند الجغرافيين والبلدانيين، ومنهم البلادي نفسه٢، أنَّها من أرض الشام".
قال أحمد عادل كمال: "ذات أطلاح موقع بأطراف الشام من وراء وادي القرى لم نستطع تحديد مكانه بدقَّة على الخريطة، غير أنه بلا ريب كان في نواحي مؤتة كما يُفْهَم من الأحداث٣".
قلت: "وهو كذلك، حيث ذكر بعض المؤرخين أنَّ هذه السرية كانت من الأسباب المباشرة لغزوة مؤتة، ورُبَّما كان المكان الذي التقى به أصحاب السرية بجمع قضاعة، وكانت عنده تلك الملحمة التي راح ضحيتها أولئك الدُّعاة الأبرار، أقول ربَّما كان المكان غير مأهول قديمًا، أو رُبَّما تغيَّر اسمه مع الزمن، فأصبح لا يُعْرَف بالاسم القديم". والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ معجم ٣١. ٢ يقول البلادي في (المعجم ٤٩): البلقاء، إقليم من أرض الشام في المملكة الأردنية الهاشمية، وهو الإقليم الذي تتوسطه مدينة عمان عاصمة الأردن، ومن أشهر مدن هذا الإقليم: عمان، والسَّلْط ومادبا والزرقاء والرصيفة، يتَّصِل به في الجنوب إقليم الشراة الذي قاعدته معان، وفي الشمال إقليم حوران. ٣ الطريق إلى دمشق ١٤٤.
[ ٢٢٠ ]
المطلب الثاني: تاريخ السرية:
أرَّخها الواقدي، وابن سعد، بشهر ربيع الأوَّل سنة ثمانٍ من الهجرة١.
وتبعهما في ذلك نقلًا عنهما كُلٌّ من: "ابن سيد الناس، والذهبي، والشامي٢".
وذكرها الطبري نقلًا عن الواقدي في أحداث السنة الثامنة، ولكن دون تحديد الشهر٣".
وذكرها ابن كثير - أيضًا - عن الواقدي دون تحديد تاريخها، ولكنَّه ذكرها قبل غزوة مؤتة مباشرةً٤".
أمَّا البلاذري، والقسطلاني، فتبعا الواقدي، وابن سعد، ولكن دون الإشارة إلى مصدر معلوماتهما٥، وإن كانت في الغالب نقلًا عنهما.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١ مغازي ٢/٧٥٢، طبقات ٢/١٢٧. ٢ عيون ٣/١٩٧، تاريخ - قسم المغازي ٤٧٧، سبل ٦/٢٢٧. ٣ تاريخ ٣/٢٩. ٤ بداية ٤/٢٤٠ – ٢٤١. ٥ أنساب ٣٨٠، المواهب ١/٥٤٨.
[ ٢٢١ ]
ولم يذكر عروة، والزهري، وموسى بن عقبة، وابن إسحاق لها تاريخًا، كونهم ذكروها عرضًا في سياق أخبار السرايا والبعوث، ورتَّبها ابن إسحاق بعد غزوة مؤتة مباشرةً١.
وشذَّ خليفة بن خياط مِن بين أهل المغازي، فذكرها ضمن السرايا والبعوث التي كانت في سنة ستٍ من الهجرة٢.
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٦٢١، البيهقي: دلائل ٥/٤٦٨. ٢ تاريخ ٧٩.
[ ٢٢٢ ]
المطلب الثالث: سبب السرية:
قال الحلبي: "لم أقف على السبب الذي اقتضى البعث إلى ذلك المحل١".
قلت: "لم تُصَرِّح الروايات التي نقلت خبر هذه السرية بالسبب الذي مِن أجله أُرسلت إلى تلك المنطقة التي تقع في عمق المناطق الخاضعة لنفوذ القبائل الحليفة والموالية للروم من قضاعة وغيرها".
ولكن يمكن أن نستشِفَّ السبب من خلال بعض أحداثها: "فمثلًا ما ورد في الروايات حول قوَّة السرية، وأنَّها كانت بقوَّة خمسة عشر رجلًا فقط، يثير لدينا تساؤلًا مفاده: "كيف تكون سرية قتالية مبعوثة إلى تلك المناطق البعيدة عن قاعدة المسلمين، ومناطق نفوذهم بقوة خمسة عشر رجلًا فقط؟!
إلاَّ إذا كانت لغرضٍ آخر غير القتال، إذًا ما هو ذلك الغرض؟ ".
قال في الخبر: "فوَجَدُوا جَمْعًا من جمعهم كثيرًا، فدعوهم إلى الإسلام فلم يستجيبوا لهم" الخ٢".
فقوله: "فدعوهم إلى الإسلام"، يعطينا دلالة قوية أنَّ السرية كانت عبارة عن بعثة دعوية لأهل تلك المنطقة، وربَّما يقول قائل: "إنَّ مِن سُنَّة القتال في الإسلام أن تكون الدَّعوة قبل القتال". وذلك
_________________
(١) ١ السيرة ٣/١٩٨. ٢ انظر: الواقدي: مغازي ٢/٧٥٣، ابن سعد: طبقات ٢/١٢٧.
[ ٢٢٣ ]
اعتراضٌ وجيهٌ يمكن أن نُسَلِّم به، لولا القرينة التي ذكرناها سابقًا، وهي عدم التسليم بفرضية بعث النَّبِيِّ ﷺ سرية قتالية إلى ذلك العمق من أراضي العدو بهذه القوَّة الضئيلة جدًا، لأنَّ ذلك يعد مغامرة عسكرية غير محسوبة، وهو الأمر الذي لم نعهده من الرسول ﷺ وهو القائد العسكري المُحَنَّك الذي كانت خطواته العسكرية ضد أعدائه على اختلاف نوعياتهم محسوبةً بدقةٍ، ومنَظَّمَةٌ ومُخَطَّطٌ لها تخطيطًا مسبقًا ﷺ".
إذًا كانت البعثة دعوية بحتة، ولكن الأعراب الذين كانت تمتلئ قلوبهم غِلًاّ وحِقْدًا ضد المسلمين، لم يكونوا ليدعوا هذه الفرصة بالبطش والفتك بالمسلمين تفلت من أيديهم، فاستفزُّوهم وألجأوهم للقتال، دفاعًا عن أنفسهم، ليكون في ذلك ذريعةً للفتك بهم وهم قِلَّة، وحَدَثَ ما حَدَثَ، والله تعالى أعلم".
يقول أحمد عادل كمال: "ولم يكن بَعْث كعب وأصحابه للغزو، وإنَّما كان للدعوة، وقُوبِلَ الدُّعاة بالسيف والنبل حتى اسْتُشْهِدُوا١".
_________________
(١) ١ الطريق إلى دمشق ١٤٥.
[ ٢٢٤ ]
المطلب الرابع: سير الأحداث:
[١] "في شهر ربيع الأوَّل سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ"١".
[٢] "بعث النَّبِيُّ ﷺ كعب بن عمير الغفاري٢، نحو ذات أطلاح من البلقاء"٣ في بعثة دعوية، مكونة من:
[٣] "خمسة عشر رجلًا، حتَّى انتهوا إلى ذات أطلاح من أرض الشام، فوجدوا جمعًا من جمعهم كثيرًا"٤".
[٤] "وكانوا من قضاعة٥، ورأسهم رجل يُقال له: "سدوس"٦.
_________________
(١) ١ من رواية ابن سعد (طبقات ٢/١٢٧) عن شيخه الواقدي بسنده عن الزهري. ٢ كعب بن عمير الغفاري. قال أبو عمر: من كبار الصحابة، بعثه رسول الله ﷺ مرَّة بعد مرَّة أميرًا على السرايا. وذكر ابن إسحاق أنه أُصيب هو وأصحابه في سريته إلى ذات أطلاح. وذكره ابن سعد في الطبقة الثالثة. (انظر: ابن عبد البر: استيعاب، هامش الإصابة٣/٢٩٢،وابن حجر: إصابة ٣/٣٠١) . ٣ من رواية موسى بن عقبة، عن ابن شهاب، وأبي الأسود عن عروة. (انظر: ابن حجر، الإصابة ٣/٣٠١) . ٤ من رواية ابن سعد عن الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٥ قُضَاعة - بضم القاف وفتح الضاد المعجمة - قال الجوهري: هو قضاعة بن مالك ابن حمير، هذا هو المشهور في نسبه أنه من قحطان، وعليه جرى ابن الكلبي، وابن إسحاق، وغيرهما. وذهب بعض النَّسَّابين إلى أنَّ قُضَاعة من عدنان دون قحطان، وقال: هو قُضَاعة بن معد بن عدنان. قال ابن عبد البر: وعليه الأكثرون. وقُضَاعة قبيلة كبيرة البطون المشهورة من قبائل العرب. (القلقشندي: قلائد الجمان٤١-٤٢) . ٦ من رواية الواقدي عند الطبري (تاريخ ٣/٢٩) .
[ ٢٢٥ ]
[٥] "فدعوهم إلى الإسلام، فلم يستجيبوا لهم، ورشقوهم بالنبال"١ استفزازًا لهم، واستدراجًا للقتال غير المتكافئ بين الطرفين، نظرًا لكثرة القضاعيين، واستعدادهم المبكر٢".
ولكن الصحابة - ﵃ - اضطروا في النهاية للدِّفاع عن أنفسهم، فقاتلوا قتالًا شديدًا مريرًا، ولكن كثرة القضاعيين لم تتح لهم الفرصة في قتالٍ متكافئٍ فسقطوا شهداء على أرض ذات الطلح بعد أن سطَّروا بدمائهم الزكية ملحمة جهادية رائعة".
[٦] "وأفلت منهم رجل جريح في القتلى، فلمَّا برد عليه الليل تحامل٣ حتَّى أتى رسول الله ﷺ فأخبره الخبر، فشقَّ ذلك عليه، وهمّ بالبعث إليهم، فبلغه أنَّهم قد ساروا إلى موضع آخر فتركهم٤".
_________________
(١) ١ من رواية الواقدي (مغازي ٢/٧٥٣) بسنده عن الزهري. ٢ يذكر الواقدي في رواية أخرى، أنه حينما دنا كعب وأصحابُه من القوم، رآهم عينًا لهم، فأخبرهم بقلَّة أصحاب النَّبِيِّ ﷺ، فجاءوا على الخيول فقاتلوهم (مغازي ٢/٧٥٣) . ٣ تحامل: تكلَّف ما لا يطيق. (القاموس: حمل) . ٤ من رواية ابن سعد عن الواقدي، وقد سبق تخريجها برقم [١] .
[ ٢٢٦ ]
المطلب الخامس: الدروس المستفادة:
لقد كشفت هذه السرية عمَّا تخبئه الوثنية مِن غِلٍّ وحقدٍ دفينٍ على الإسلام وأهله، غِلّ عصف بكُلِّ المبادئ، وحقد ألغى القِيَم الإنسانية.
فهؤلاء قوم هداة جاءوا لنشر الخير والسلام بين مَن قتلوهم، فكان جزاؤهم الغدر بهم، وقتلهم جميعًا بلا هوادة ولا رحمة.
وقد يقول القائل: "إذا كان الأمر كذلك، فلِمَ لمَ يتوقَّف النَّبِيُّ ﷺ عن دعوة الأعراب إلى الإسلام، طالما أنَّهم لا يحترمون القيم والمبادئ، ولا يمكن الوثوق بهم؟ ".
قلنا: "الدعوة إلى الله لا يمكن أن تقف في أرضٍ ما، أو تتعثر بسبب
ما يعترض طريقها من بعض الحوادث التي تعيق تقدمها".
وهناك حقيقة يجب ألاّ تغيب عن أذهاننا، وهي أنَّ طريق الدعوة
إلى الله تعالى منذ بدأت حتى يرث الله الأرض ومَن عليها، لم يكن في يومٍ من الأيام مفروشًا بالورود، فكان لابدَّ من تقديم التضحيات في طريقها الطويل الشاق".
وقد وضَّح النَّبِيُّ ﷺ هذه الحقيقة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - حاثًّا إياهم على الصبر والتحمُّل، وتقديم التضحيات، وذلك منذ فترة مبكرة جدًا، وبالتحديد في مكة حينما أثقلت قريش من وطئتها على المسلمين المستضعفين في مكة، فجاءوا يستنجدون بالنَّبِيِّ ﷺ".
[ ٢٢٧ ]
يقول خبَّاب بن الأرت - رضي الله تعالى عنه: "أتيت النَّبِيَّ ﷺ وهو متوسِّد بردَةً وهو في ظِلّ الكعبة - وقد لقينا من المشركين شِدَّة - فقلت:
يا رسول الله! ألا تدعو لنا؟ فقعد وهو محمَّرٌ وجهه، فقال: "لقد كان من قبلكم ليمشط بمشاطِ الحديد، ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق اثنتين، ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمَّن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت ما يخاف إلاَّ الله"١.
وقد عرف الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - فيما بعد هذا الأمر، وفقهوه جيدًا، لذلك نجدهم كانوا يتسابقون للانخراط في البعثات الدعوية كما في الرجيع، وبئر معونة، وغيرها من البعثات والسرايا النبوية التي كانت أهدافها جميعًا نشر الدعوة إلى الله - ﷿، وذلك دون خوف أو وجل من العواقب التي كانوا يتوقعونها، بل كانوا يتحرَّقون لملاقاتها باندفاعٍ أدهش الأعداء قبل الأصدقاء، مِمَّا كان له أكبر الأثر في نجاح مسيرة الدَّعوة وانتشارها بسرعةٍ مذهلة فاقت كُلّ التوقعات، وصدق الله القائل في مُحْكَمِ كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُون﴾ . [سورة الصّف، الآية: ٩] .
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (انظر: فتح الباري ٧/١٦٥) .
[ ٢٢٨ ]
وهكذا فقد بيَّنت هذه السرية مقدار ضخامة التضحيات الجِسَام التي كان يُقَدِّمها سلفنا الصالح - رضي الله تعالى عنهم، في سبيل نشر الدعوة إلى الله - ﷿، تلك التضحيات العظيمة تكرَّرت في أكثر من مناسبة، وعلى أكثر من موقع، فبالأمس فقدت الدَّعوة فرسانًا لها أبرارًا في الرجيع، وبئر معونة، واليوم في ذات أطلاح، وغدًا في مكانٍ آخر".. وهكذا دواليك دون أن تتوقَّف الدَّعوة، إذ لابدَّ من تبليغ الدَّعوة إلى الله - ﷿ - مهما كانت التضحيات".
والله تعالى أعلم".
[ ٢٢٩ ]
قال: بلى، ولكني استكثرته. قلت: لتردَّنه عليه، أو لأُعَرِّفَنَّكها عند رسول الله ﷺ، فأبى أن يردَّ عليه"١.
وهكذا استطاع خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه، بتوفيقٍ من الله، ثُمَّ بحنكته وتدبيره، أن يحتفظ بتوازن المعركة حتى الليل.
[٧١] "ثُمَّ أصبح غازيًا، قد جعل مقدّمته ساقه، وساقته مقدمة، وميمنته ميسرة، وميسرته ميمنة، فأنكروا ما جاء به من خلاف ما كانوا يعرفون من راياتهم وهيئتهم وقالوا: قد جاءهم مدد"٢.
فرعبوا، ولسان حالهم يقول: "إذا كان المسلمون على قلَّتهم، قد فعلوا ما فعلوا بالأمس، فكيف وهم اليوم قد جاءهم المدد، وازداد العدد؟!.
لقد أحجم الروم عن الهجوم، وكذلك لم يهاجمهم خالد، فقد كان يريد أن يخرج من المعركة غير المتكافئة بجيشه سليمًا، ويُرْعِب العدوَّ حتى لا يلاحقه في تراجعه، فلمَّا اطمأنَّ إلى نجاح خطته تراجع بقوَّاتِه، وبَعُدَ بها حتَّى صارت في مأمنٍ"٣.
وهكذا:
[٧٢] "انحاز الفريقان كُلٌّ عن كُلٍّ قافلًا عن غير هزيمة، فقفل المسلمون على طريقهم التي أبدوا منها، حتَّى مرُّوا بتلك القرية،
_________________
(١) ١ من رواية عوف بن مالك الأشجعي، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] . ٢ أخرجه ابن عساكر: تاريخ (المجلد الأول ص ٣٩٧) من رواية ابن عائذ بسندٍ صحيحٍ إلى العطَّاف بن خالد، لكنَّه منقطع. ٣ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٧.
[ ٢٢٩ ]
والحصن الذي كانوا شدوا على ساقهم، وقتلوا رجلًا منهم، فحاصروهم في حصنهم حتى فتحه الله عليهم عنوة، فقتل خالد مقاتلتهم في نقيعٍ١ إلى جانب حصنهم صبرًا فيها، فَسُمِّى ذلك النقيع، نقيع الدم إلى اليوم، وهدموا حصنًا هدمًا لم يعمر بعده إلىاليوم"٢. ثُمَّ رجع خالد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين سالمين إلى المدينة.
وبذلك استطاع سيف الله بث الرُّعب في قلوب حلفاء الروم، وأعوانهم من العرب المتنصِّرة، الذين يمرّ المسلمون في طريق عودتهم عبر أراضيهم، فلم تذكر الروايات أنَّهم تعرَّضوا للمسلمين بأي أذى كما فعلوا بالأمس.
_________________
(١) ١ النَّقيع: البئر الكثيرة الماء. (القاموس: نقيع) . ٢ من رواية محمَّد بن عائذ، عن رجلٍ من بني سلامان. وقد سبق تخريجها برقم [٤] .
[ ٢٣٠ ]