الفصل الأول: إسم المعركة، وموقعها
المبحث الأول: إسم المعركة
المبحث الأوَّل: اسم المعركة:
اختلف الرواة والإخباريون والمؤرِّخون، ومَن نَقَلَ عنهم من المتأخرين مِمَّن كتب عن مؤتة في هذه المعركة العظيمة: هل هي غزوة، أو سرية؟ فبينما وردت تسميتها في بعض الروايات بغزوة جيش الأمراء١، أطلق عليها بعضهم وقعة مؤتة٢، فيما تردَّد آخرون بين كونها غزوة أو سرية٣، على أنَّ أكثر أهل المغازي والسير٤، ومَن تبعهم من
_________________
(١) ١ قال الزرقاني (شرح ٢/٢٦٧): وفي بعض الروايات تسميتها غزوة جيش الأُمراء، وذلك لكثرة جيش المسلمين فيها، وما لاقوه من الحرب الشديدة مع الكُفَّار. قلت: وردت هذه التسمية في رواية أبي قتادة ﵁ التي أخرجها أحمد، وغيره، وسوف يتم تخريجها لاحقًا إن شاء الله تعالى، كما عنْوَن ابن خلدون للمعركة بذلك في تاريخه ٢/٤٥٥. ٢ انظر (ابن خياط: تاريخ ٨٦، الذهبي: العبر ١/٩) . ٣ قال البنا (الفتح الرباني ٢١/١٣٦) باب ما جاء في سرية زيد بن حارثة إلى مؤتة، من أرض الشام، في جمادى الأولى سنة ثمان، ويقال لها غزوة مؤتة. وعنْوَن لها ابن كثير (البداية ٤/٢٤١) بغزوة مؤتة، ثُمَّ قال: وهي سرية زيد بن حارثة الخ. ٤ انظر (ابن هشام: سيرة ٢/٣٧٣، الواقدي: مغازي ٢/٧٥٥، الطبري: تاريخ ٣/٣٦، ابن عبد البر: درر٢٢٢،أبونعيم: دلائل٢/٥٢٨، البيهقي: دلائل٤/٣٥٨، ابن الأثير: الكامل٢/٢٣٤، ابن سيد النَّاس: عيون ٢/١٩٨، ابن حزم: جوامع ٢٢٠، السهيلي: الروض ٧/٣١، ابن القيم: زاد ٢/١٥٥، الأشخر اليماني: بهجة ١/٣٩٠) .
[ ٢٣٥ ]
المحدِّثين١ جزموا بأنَّها غزوة.
ربَّما لأنَّ الجيش الذي شارك فيها أكبر بكثير من العدد المتعارف عليه في مصطلح السرية٢، أو لأنَّ بعض شهود العيان من الصحابة الذين شاركوا فيها سموها بذلك٣.
وورد في بعض الروايات تسميتها بالسرية٤،وجزم بذلك الحلبي٥.
قلت: وتسميتها بالوقعة، أو جيش الأُمراء، يُعدّ خروجًا من النِّزاع، وحلًاّ وسطًا، إذ أنَّ تسميتها بالغزوة مخالف لاصطلاح أهل السير والمغازي، واللغة في ذلك، لأنَّه لم يحضرها النَّبِيُّ ﷺ،كذلك تسميتها بالسرية لا يتَّفِق مع اصطلاحهم في العدد المتعارف عليه فيها٦.
والله تعالى أعلم.
_________________
(١) ١انظر (ابن أبي شيبة: المصنَّف١٤/٥١٢،البخاري: الصحيح٥/٨٦،الهيثمي: مجمع٦/١٥٦) . ٢ انظر (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٦٣، بريك أبو مايلة: السرايا والبعوث النبوية حول المدينة ومكة ٤٤) . ٣ وقع ذلك في حديث عوف بن مالك الأشجعي عند مسلم (الصحيح ٤/٢٤)، وعند أبي داود (السنن ٣/١٦٣)، وفي حديث أُمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها عند الحاكم (المستدرك ٣/٤٥) . ٤ انظر: ابن سعد: طبقات ٢/١٢٨، البلاذري: أنساب ١/٣٨٠. ٥ قال الحلبي (سيرة ٢/٧٩٣): والحق أنَّها ليست من الغزوات، بل من السرايا، لأنه ﷺ لم يكن فيها. ٦ انظر: ابن الأثير: النهاية ٢/٣٦٣، الثعالبي: فقه اللغة ٢١٩ - ٢٢٠، يحي بن علي الخطيب: كنز الحُفَّاظ في كتاب تهذيب الألفاظ لابن السكيت ٥٠، ابن حجر: فتح ٨/٥٦، اللسان والقاموس، مادَّة (سرا) .
[ ٢٣٦ ]
ذلك الاستعداد الجيد، فإنَّ الخبر بمسير رسول الله ﷺ بالمسلمين من المدينة سريعًا لإمداد إخوانهم في مؤتة، ربَّما يكون قد وصل إلى مسامع الروم وحلفائهم أسرع مِمَّا كان متصوَّرًا في ذلك الوقت:
[٧٩] نظرًا للتأييد الإلهي للنَّبِيِّ ﷺ بتلك المعجزة النبوية التي خصَّه الله بها دون غيره من الأنبياء، وهي النَّصر بالرُّعب مسيرة شهر١.
والمسافة بين المدينة وبيت المقدس كانت تساوي مسيرة شهر في ذلك الوقت، فإذا علمنا أنَّ مؤتة كانت أقرب للمدينة من بيت المقدس، فإنه لا بُدَّ أن يكون الرعب قد دخل قلوب الروم وحلفائهم منذ اللحظة التي تحرَّك فيها النَّبيّ ﷺ مع المسلمين من المدينة، فآثروا السلامة، مكتفين بما حقَّقوه في بداية المعركة، وتجنَّبوا المغامرة الخطرة في تعقُّب المسلمين، خوفًا من الاصطدام بالمدد النَّبَويِّ المتحرِّك سريعًا من المدينة صَوْب منطقة العمليات في مؤتة.
ولم توضِّح الرواية، ما حدث بعد ذلك، وإن كان ابن أبي شيبة، قد زاد في روايته للخبر أحداثًا تفرَّد بها حول سير النَّبِيِّ ﷺ بالمسلمين، ولكنَّها قد تكون مدرجة من حديثٍ آخر٢.
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في الصحيح (فتح الباري ١/٤٣٦) عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عمهما قال: "إنَّ النَّبيّ ﷺ قال: "أُعطيت خمسًا لم يُعطَهُنَّ أحدٌ قبلي: نُصِرتُ بالرُّعب مسيرة شهر، وجُعِلَت لي الأرض مسجدًا وطهورًا، فأيُّما رجلٍ مِن أُمَّتي أدركته الصَّلاة فليُصَلِّ، وأُحِلَّت لي الغنائم ولم تُحَلّ لأحدٍ قبلي، وأُعطيت الشفاعة، وكان النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلى قومه خاصّة، وبُعِثْتُ إلى الناس عامة". ٢ انظر: (المصنَّف ١٤/٥١٢ - ٥١٦) .
[ ٢٣٦ ]
الشاهدُ أنَّ تلك الحركة من رسول الله ﷺ، قد تكون (مناورة تكتيكية) لإرهاب الأعداء، وإدخال الرُّعب في قلوبهم، وقد أدَّت مهمَّتها على الوجه المطلوب. والله تعالى أعلم.
[ ٢٣٧ ]
المبحث الثاني: موقع المعركة:
قال ابن حجر: "مُوْتة - بضم الميم وسكون الواو بغير همز لأكثر الرواة -، وبه جزم المبرد١، ومنهم من همزها، وبه جزم ثعلب، والجوهري، وابن فارس، وحكى صاحب الوافي الوجهين، وأمَّا الموتة التي ورد الاستعاذة منها وفُسِّرَت بالجنون فهي بغير همز٢".
وقال في الروض: "مؤتة - مهموزة الواو - قرية من أرض البلقاء بالشام، وأمَّا الموتة - بلا همز - فضربٌ من الجنون، وفي الحديث: "أنه ﷺ كان يقول في صلاته أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من همزه ونفخه ونفثه"، وفسَّره الراوي فقال: "نفثه الشعر، ونفخه الكبر، وهمزه الموتة٣".
وقال ابن حجر: "قال ابن إسحاق: هي بالقرب من البلقاء، وقال غيره: "هي على مرحلتين من بيت المقدس٤".
وقال ابن سعد: "هي بأدنى البلقاء، والبلقاء دون دمشق٥".
وقال البرهان: "موضع معروف عند الكرك٦".
_________________
(١) ١ قال مغلطاي (الزهر الباسم: الجزء الثاني والعشرين ص ٢٢) قال ابن قرقول: "أكثر الرواة لا يهمزونها، وفي أمالي الأخفش: قال أبو العباس المبرد: لا يهمز موتة. وفي الكتاب الوافي، والجامع: يهمز ولا يهمز". ٢ فتح الباري ٧/٥١٠ – ٥١١. ٣ السهيلي: الروض ٧/٣١. ٤ فتح الباري ٧/٥١١. ٥ الطبقات ٢/١٢٨. ٦ الحلبي: سيرة ٢/٧٩٣.
[ ٢٣٧ ]
الفصل الثاني: أسباب الغزوة، وتاريخها
المبحث الأول: أسباب الغزوة
المبحث الأول: أسباب الغزوة:
ينفرد الواقدي بذكر السبب المباشر لهذه الغزوة، وهو أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني قَتَل صبرًا الحارث بن عمير الأزدي١ الذي أرسله الرسول ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، وكانت الرسل لا تُقْتَل، فغضب رسول الله ﷺ، وأرسل الجيش إلى مؤتة، والواقدي ضعيف لا يُعْتَمَد عليه وبخاصّةً إذا انفرد بالخبر٢.
وقد تبعه في ذكر ذلك نقلًا عنه كُلٌّ من: ابن سعد٣، وابن
سيد الناس٤، والقسطلاني٥، وابن القيم٦، والذهبي٧. وذكره ابن حجر
_________________
(١) ١ الحارث بن عمير الأزدي، ثُمَّ اللِهْبِي - بكسر اللام، وسكون الهاء. روى الواقدي عن عمرو بن الحكم قال: "بعثه رسول الله ﷺ إلى ملك بصرى بكتابه، فلمَّا نزل مؤتة عرض له شرحبيل بن عمرو الغساني فأوثقه رباطًا، وضرب عنقه الخ. وذكره ابن شاهين من طريق محمَّد بن يزيد، عن رجاله بغير هذه القصة". (ابن حجر: إصابة ١/٢٨٦) . ٢ د. أكرم ضياء العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/٤٦٧. ٣ الطبقات ٢/١٢٨. ٤ عيون الأثر ٢/١٩٨. ٥ المواهب ١/٥٤٩. ٦ زاد المعاد ٣/٣٨١. ٧ تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٤٧٩.هذا وقد وقع تصحيف في رواية الذهبي في اسم أَحَد رواة الخبر، وهو شيخ ابن سعد، حيث ورد اسمه عنده محمَّد بن عثمان، مِمَّا يوهم بصحة الخبر، بينما هو في الحقيقة محمَّد بن عمر الواقدي شيخ ابن سعد المعروف، كما ورد في أصل الخبر في (الطبقات ٤/٣٤٣) .
[ ٢٤٧ ]
بصيغة التمريض١".
وقد اعتمد معظم المؤرخين المعاصرين هذه الرواية جازمين أنَّها هي سبب وقعة مؤتة٢، ومع أنَّ بعضًا منهم٣ ذكر لها سببًا آخر، وهي النتيجة التي آلت إليها سرية ذات أطلاح، بينما يستند بعضهم على رواية أُخرى ضعيفة٤، مفادها أنَّ صاحب مدينة بصرى٥ رفض ما جاء في
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١١. ٢ انظر: (با شميل: غزوة مؤتة ٢٥٢، خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٤-٣٠٥، وخالد بن الوليد ٧٠، ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٦٧-١٦٨، الجنرال أكرم: خالد بن الوليد ١٠٣، أبو زيد شلبي: سيف الله خالد ٦٢، الدويدار: صور من حياة الرسول ﷺ ٥١٥-٥١٦، عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٤، الغزالي: فقه السيرة ٣٦٥، البوطي: فقه السيرة ٣٥٠، الشريف: مكة والمدينة ٥٣٣، أبو زهرة: خاتم النبيين ﷺ ٢/١١٣٩) . ٣ انظر: (با شميل: غزوة مؤتة ٢٥٣، ياسين سويد: معارك خالد ١٦٨، احمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق ١٤٥) . ٤ أخرجها الطبري (تاريخ ٢/٦٥٢) عن الواقدي. ٥ مدينة بصرى: من أعمال دمشق، وهي قصبة كورة حوران، مشهورة عند العرب قديمًا وحديثًا، وهي في منتصف المسافة بين عمَّان ودمشق، وبصرى اليوم آثار قرب مدينة درعة التي احتلت محلها، حتى ظنَّ بعض الناس أنَّها هي، وبصرى، ودرعة، داخل حدود الجمهورية السورية على أكيال من حدود المملكة الأردنية الهاشمية. (انظر: ياقوت: معجم ١/٤٤١، البلادي: معجم ٤٣ - ٤٤) .
[ ٢٤٨ ]
رسالة النَّبيّ ﷺ له، وهدَّد بالمسير إلى المسلمين بجيوشه وغزوهم في عقر دارهم "فتهديده بالمسير إلى المسلمين يقتضي ردًّا على مستوى التحدي، فكانت غزوة مؤتة١.
ويذكر أبو زهرة، عن شيخ الإسلام ابن تيمية، أنه ذكر في رسالة القتال٢: "أنَّ النَّبيّ ﷺ ما بعث إلى حرب الروم في مؤتة إلاَّ بعد أن قَتَل الوالي الروماني مَن أسلم في الشام٣.
والحق أنَّ البحث عن الأسباب المباشرة لغزو القبائل العربية في أطراف الشام لا يؤثر على تفسير الأحداث كثيرًا، لأنَّ تشريع الجهاد يقتضي الاستمرار في إخضاع القبائل العربية وتوسيع رقعة الدولة الإسلامية بصرف النظر عن الأسباب المباشرة٤.
فهذه الغزوة كما يقول ابن كثير - رحمه الله تعالى - كانت إرهاصًا لِمَا بعدها من غزو الروم، وإرهابًا لأعداء الله ورسوله ﷺ ٥.
_________________
(١) ١ انظر: (منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٤) . ٢ لم أعثر على هذه الرسالة. ٣ خاتم النبيين ٢/١١٣٩. ٤ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيحة ٢/٤٦٧. ٥ الفصول في سيرة الرسول ﷺ ١٩٥.
[ ٢٤٩ ]
فقد كانت غزوة مؤتة، مقدمة تبوك، وما كان بعد وفاة النَّبيّ ﷺ من فتح الشام١.
ويرى بعض المستشرقين ومَن سار في فلكهم من القوميين العرب، أنَّ مؤتة كانت لإشعار العرب المتنصرة في الشام بقوة المسلمين، قوة تحفزهم على الانضمام إليهم بدافع العروبة، مِمَّا يوحّد العرب جميعًا، وضمهم إلى الدولة العربية، وإدخالهم في نطاقها.
كما أنَّ زوال ما كان لبيزنطة من الهيبة في نفوس العرب، هيأ الفرصة لقيام الوحدة بينهم، ثُمَّ مهاجمة الممتلكات البيزنطية فيما بعد٢.
وتلك استنتاجات بُنِيَت على أساس الفكر القومي الذي ساد الكتابات العربية وغيرها في الستِّينات، ذلك الفكر الذي أطلق شرارته الأولى أعداء الأُمة الإسلامية منذ نهاية القرن الأوَّل الهجري، وما زالوا يُغَذُّونه ويتلقَّفونه خَلَفًَا عن سَلَفٍ.
ولقد كان هذا الفكر العقيم ولا زال معول هدم لتفتيت وحدة الأُمة الإسلامية، تلك الوحدة العظيمة التي كان الجهاد لإعلاء كلمة الله - ﷿ - في الأرض، ونصرة الحق، والقضاء على الظُّلْم والظَّالمين، هو الوقود الذي يؤجِّجها ويحافظ عليها متماسكة قوية، وهو الأمر الذي
_________________
(١) ١ هيكل: حياة محمَّد (ﷺ) ٤١١. ٢ انظر: (العريني: الدولة البيزنطية ١١٩، الشريف: مكَّة والمدينة ٥٣٣) ونقله العريني عن: Vasiliev، A، The Byzantin، Empire: P: ١٩٥» .
[ ٢٥٠ ]
فطن له أعداء الأُمة فسارعوا إلى ترويج مثل هذه الأفكار المنحرفة لإبعاد المسلمين عن مصادر عزِّهم ومجدهم.
وما كانت غزوة مؤتة إلاَّ استجابة لنداء الباري - ﷿ - لقتال أهل الكتاب وإخضاعهم لسلطان المسلمين، إمَّا بالدخول في الإسلام، أو أداء الجزية عن يدٍ وهم صاغرون، قال الله ﵎: ﴿قَاتِلُواْ الَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلاَ يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَاب حَتَّى يُعْطُواْ الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُون﴾ . [سورة التوبة، الآية: "٢٩] ". لأنه اتَّضح بما لا يدع مجالًا للشَّك، من خلال الأحداث أنَّهم كانوا حجر عثرة في وجه نشر الدَّعوة الإسلامية، وأنَّهم شكَّلوا بقواهم السياسية والعسكرية، تهديدًا للمسلمين، وفتنةً لأتباعهم، جرَّدتهم من الحرية الكاملة في اعتناق ما يُحِبُّون، واتِّباع ما يريدون، قال تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُواْ نُورَ اللهِ بَأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كِرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّه وَلَوْ كِرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾ . [سورة التوبة، الآية:٣٢،٣٣] .
والعرب المتنصرة في الشام كانوا جزءًا لا يتجزأ من تلك القوى المعادية للإسلام، بدليل مشاركتهم الفعَّالة في جيش الحلفاء في مؤتة ضد المسلمين، وكأنَّهم يريدون إظهار استعدادهم وجاهزيَّتهم للقضاء على قوَّة المسلمين المتنامية في الجزيرة العربية، وهذا يفسِّره ذلك العدد الكبير من المتطوعين من القبائل العربية المتنصِّرة في جيش الروم في مؤتة، بل إنَّ
[ ٢٥١ ]
بعض الروايات أشارت إلى أنَّ الذين حاربوا المسلمين في مؤتة هم القبائل العربية النصرانية فقط، وربَّما شاركهم بعض الرُّوم١.
فكيف يُقال بعد ذلك أنَّ مؤتة حفَّزت على قيام الوحدة العربية بين المسلمين والقبائل العربية المتنصِّرة في الشام؟!.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك الزهري انظر: (الهيثمي، مجمع ٦/١٦٠)، وذكره موسى بن عقية انظر: (البيهقي: دلائل ٤/٣٦٤-٣٦٥) .
[ ٢٥٢ ]
المبحث الثاني: تاريخ الغزوة:
يُكاد يتَّفِق أهل المغازي، وأهل الحديث - مِمَّن روَى منهم أحداث وقعة مؤتة - على أنَّ تاريخ الوقعة كان في جمادى الأولى من السَّنة الثامنة من:
[٦] مهاجر النَّبِيِّ ﷺ ١.
[٧] ويختلف معهم ابن عبد البر بجعلها في جمادى الثانية من نفس السنة٢.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك عروة بن الزبير في روايته عن المعركة. (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٣، الطبري: تاريخ ٣/٣٦، البيهقي: دلائل ٤/٣٥٨، ابن حجر: فتح ٧/٥١١)، والزهري في روايته التي أخرجها الهيثمي (مجمع ٦/١٦٠) وعزاها للطبراني، وأخرجها الواقدي. (انظر: الشامي: سبل٦/٢٢٨)،وموسى بن عقبة (انظر: البيهقي: دلائل ٤/٣٦٤ - ٣٦٥)، وابن إسحاق (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٣،الطبري: تاريخ ٣/٣٦) . وذكره الواقدي (مغازي ١/٦) مجملًا مع تواريخ الغزوات والسرايا، وابن سعد (طبقات ٢/١٢٨) . وذكره بقية أهل المغازي نقلًا عنهم (انظر: ابن سيد الناس: عيون ٢/١٩٨، القسطلاني: المواهب ١/٥٤٩، ابن حزم: جوامع ٢٢٠، ابن القيم: زاد ٣/٣٨١، العامري: بهجة المحافل ١/٣٩٠، الحلبي: سيرة ٣/٧٨٦) . وذكره من المحدِّثين: أحمد بن حنبل (انظر: البنا: الفتح الرباني ٢١/١٣٦) . هذا وقد نقل ابن حجر (فتح ٧/٥١١) اتفاق أهل المغازي على ذلك، ما عدا خليفة ابن خياط. ٢ ابن عبد البر: درر ٢٢٢.
[ ٢٥٣ ]
[٨] بينما وردت عن خليفة بن خياط في ذلك روايتان، خالف في إحداهما أهل المغازي بجعلها في السَّنة السَّابعة١، ووافقهم في الرواية الثانية٢.
وقد احتجَّ ابن حجر على الترمذي - الذي ذكر أنَّ مؤتة كانت قبل عمرة القضاء٣ - مستغربًا ذهول الترمذي عن بعض الأحداث التي تتعارض مع ذلك٤".
_________________
(١) ١ ذكر ابن حجر (فتح ٧/٥١١) وتابعه الزرقاني (شرح ٢/٢٦٨)، والشامي (سبل ٦/٢٢٨): "أنَّ خليفة بن خياط ذكر في تاريخه أنَّها كانت سنة سبع، ولم أجد ذلك في كتاب التاريخ، وإنَّما وجدته في كتاب الطبقات له (في ترجمة عبد الله بن رواحة ٩٣) فلعلَّ ابن حجر ومتابعيه يقصدون ذلك. والله تعالى أعلم". ٢ انظر: تاريخ خليفة ٨٦-٨٧. ٣ ذكر ذلك الترمذي (سنن ٤/٢١٧، كتاب الأدب، باب إنشاد الشعر) حيث قال بعد إيراده حديث أنس رضي الله تعالى عنه: "أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وعبد الله بن رواحة بين يديه يمشي وهو يقول: خلوا بني الكُفَّار عن سبيله اليوم نضربكم على تنْزيله".. الخ الحديث. قال: "ورُوِيَ في غير هذا الحديث: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ دخل مكة في عمرة القضاء، وكعب بن مالك بين يديه. وهذا أصح عند بعض أهل الحديث، لأنَّ عبد الله ابن رواحة قُتِلَ يوم مؤتة، وإنَّما عمرة القضاء بعد ذلك". ٤ قال الحافظ (فتح ٧/٥٠٢): "وهو ذهول شديد، وغلط مردود، وما أدري كيف وقع الترمذي في ذلك مع وفور معرفته، ومع أنَّ في قِصَّة عمرة القضاء اختصام جعفر وأخيه علي، وزيد بن حارثة في بنت حمزة، وجعفر قُتِل هو وزيد، وابن رواحة في موطنٍ واحدٍ، وكيف يخفى عليه - أعني الترمذي - مثل هذا؟! ثُمَّ وجدت عن بعضهم أنَّ الذي عند الترمذي من حديث أنس: أنَّ ذلك كان في فتح مكة، فإن كان كذلك اتجه اعتراضه، لكن الموجود بخط الكروخي راوي الترمذي ما تقدَّم، والله أعلم". وقال الشامي (سبل ٥/٣٠٠) أيضًا: وكذلك رأيته في عِدَّة نسخ من جامع الترمذي. قلت: الترمذي رحمه الله تعالى لم يعترض من نفسه، وإنَّما أورد اعتراض بعض أهل الحديث على الرواية فهو بذلك يعتبر ناقلًا لا معترضًا - سيِّما وأنه وُجِدَ في بعض مخطوطات السُّنَن (٢/٤٩/٢): قيل: "إنَّ عمرة القضاء كانت في سنة سبع، وكانت مؤتة في سنة ثمان، والله أعلم وأحكم. وربَّما أنَّ الحافظ رحمه الله تعالى احتجَّ على عدم تعليق الترمذي على ذلك مع ما عُرِفَ عنه من العقلية الناقدة". والله تعالى أعلم.
[ ٢٥٤ ]
[٩] هذا وقد وقع في بعض الروايات أنَّ فصول الجيش١ من المدينة كان في يوم جمعة٢".
_________________
(١) ١ فصل من البلد، فصولًا: خرج منه. (القاموس: مادة الفصل) . ٢ أخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي٣٣/٦٥-٦٦)، وأحمد (المسند ١/٢٦٥) من حديث أبي معاوية عن الحجاج عن الحكم عن مقسم، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في سرية، فوافق ذلك يوم الجمعة، قال فقدم أصحابه، وقال: أتخلَّف فأصلي مع رسول الله ﷺ الجمعة، ثُمَّ ألحقهم. قال: فلما صلّى رسول الله ﷺ. رآه فقال: "ما منعك أن تقدو مع أصحابك؟ " قال: "أريت أن أُصلّي معك الجمعة ثُمَّ ألحقهم. فقال رسول الله ﷺ: "لو أنفقت ما في الأرض جميعًا ما أدركت غدوتهم". قال الترمذي: "هذا حديث لا نعرفه إلاّ من هذا الوجه. قال علي بن المديني: قال يحيى بن سعيد: قال شعبة: لم يسمع الحكم بن مقسم إلاّ خمسة أحاديث وعدّدها شعبة. وليس هذا الحديث فيما عدّها شعبة. وكأنّ هذا الحديث لم يسمعه الحكم من مقسم". وقال الهيثمي (المجمع ٦/١٥٦): "فيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلِّس، وبقية رجاله رجال الصحيح". وقال ابن كثير (البداية ٤/٢٤٢: "الحجاج بن أرطأة في روايته نظر". وقال المباركفوري (التحفة ٣/٦٦): "قال البيهقي: انفرد به الحجاج بن أرطأة، وهو ضغيف". انتهى. كذا في التلخيص. قلت: وحجاج بن أرطأة مدلِّس، وورد هذا الحديث عن الحكم بالعنعنة". قلت: ويخشى أيضًا من تدليس الحكم؛ لأن عنعنه عن مقسم، وهو ثقة كما ذكر الحافظ في التقريب ص ١٥٢، إلاّ أنه ربما دلَّس. والله تعالى أعلم. قال ابن كثير: (البداية ٤/٢٤٢): "والمقصود من إيراد هذا الحديث أنه يقتضي أنّ خروج الأمراء إلى مؤتة كان في جمعة". والله أعلم.
[ ٢٥٥ ]
أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه - قالها ثلاث مرَّات – ثُمَّ جاءت أُمّنا فذكرت يتمنا، وجعلت تُفَرِّح له١، فقال: العيلة تخافين عليهم وأنا وليُّهم في الدُّنيا والآخرة! "٢.
وهكذا كان المصطفى ﷺ عطوفًا رحيمًا، رقيق القلب، يواسي أُسَر الشهداء ويدعو لهم ولأبنائهم، ويكفلهم برعايته وحنانه.
[٩٤] فهذا أُسامة بن زيد - ﵄، يقف أمامه - ﵊، فيتذكَّر أباه، فتدمع عيناه ﷺ شوقًا إليه، وحنانًا وعطفًا به٣.
_________________
(١) ١ من أفرحه إذا غمَّه، وأزال عنه الفرح، وكأنَّما أرادت أنَّ أباهم توفي ولا عشيرة له. ٢ أخرجه النسائي، (السنن الكبرى ٥/١٨٠)، وأحمد، (المسند، حديث رقم: ١٧٤٩)، والطبراني، (المعجم ٢/١٠٥)، وابن سعد، (الطبقات ٤/٣٦-٣٧) . جميعهم من حديث وهب بن جرير، عن أبيه عن محمّد بن عبد الله بن أبي يعقوب عن الحسن بن سعد عن عبد الله بن جعفر. قلت: صحّح إسناده ابن حجر، (فتح الباري٧/٥١١)،وقال الهيثمي، (المجمع٦/١٥٧): رجاله رجال الصحيح. وقال الألباني في: (إرواء الغليل ٥/٢٨٥، وأحكام الجنائز٢١-١٦٦، وحاشية فقه السيرة للغزالي ٣٧٠): هو على شرط مسلم. ٣ أخرجه ابن أبي شيبة، (المصنّف١٤/٥١٩) .وهذا لفظه، وابن سعد، (الطبقات٤/٦٣)، كلاهما من حديث يزيد بن هارون، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي خازم، وسنده رجاله رجال الصحيح غير أنه مرسل. وقد أخرجه ابن عساكر، (تاريخ ٦/٥٩٦)، موصولًا من طريق البزّار، نا يحيى بن حبيب، نا أبو أسامة، نا إسماعيل، عن قيس، عن أسامة بن زيد، فذكره نحوه. قلت: وسنده حسن. يحيى بن حيب، صدوق (تقريب ٥٨٩) . وأبو أسامة صرَّح بالسماع من إسماعيل. وبقية رجاله ثقات. والله تعالى أعلم.
[ ٢٥٥ ]
ولا غرابة في ذلك، فهو نبيُّ الرحمة المهداة.
فها هو - أيضًا - ﵊، يخفِّفُ عن أصحابه لَمَّا اشتدَّ حزنهم على مَن أُصيب في مؤتة، وبكوا:
[٩٥] "وهم حوله، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: وما لنا لا نبكي وقد قُتِلَ خيارنا وأشرافنا وأهل الفضل مِنَّا، قال: لا تبكوا، فإنَّما مثل أُمَّتي مثل حديقة قام عليها صاحبها فاجتثَّ١ رواكبها، وهيأ مساكنها، وحلق سعفها٢،فأطعَمَت عامًا فوجًا، ثُمَّ عامًا فوجًا، ثُمَّ عامًا فوجًا، ولعلَّ آخرها طعمًا يكون أجودها قنوانًا، وأطولها شمراخًا، والذي بعثني بالحق ليجدنَّ ابن مريم في أُمَّتي خلفًا من حواريه ".
وفي رواية أخرى: "ليدركن المسيح من هذه الأُمَّة أقوام إنَّهم لمثلكم أو خير منكم - ثلاث مرَّات - ولن يخزي الله أُمةً أنا أولها والمسيح آخرها"٣.
_________________
(١) ١ اجتث: اقتلع. ٢ أي قصَّ سعف نخلها، والسعف من النخل بمثابة الورق من الشجر. ٣ أخرجه الحكيم الترمذي (نوادر الأصول ص ١٥٧) من حديث عبد الرحمن بن سمرة رضي الله تعالى عنه، بلا سند، والجزء الأخير من الحديث أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف ٤/٥١٧)، وحسَّن ابن حجر (فتح ٧/٦) إسناده. كما أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٣) وقال عنه: صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي: ذا مرسل، سمعه عيسى بن يونس عن صفوان، وهو منكر،.وصحَّحه المناوي (فيض القدير٥/٣٥٣) وعزاه إلى الترمذي في نوادر الأصول.
[ ٢٥٦ ]
وهكذا كان وَجْدُ الصَّحابة - رضي الله تعالى عنهم - على مَن أُصِيبوا بمؤتة شديدًا، وكان مِمَّا بُكِيَ به أهل مؤتة من أصحاب رسول الله ﷺ:
[٩٦] قول حسَّان بن ثابت١:
تَأَوَّبَنِي لَيْلٌ بِيَثْرِبَ أَعْسَرُ وَهَمٌّ إذا نُوِّمَ الناسُ مُسْهِرُ٢
لِذِكْرَى حَبِيبٍ هَيَّجت لِي عَبْرَةٌ سَفُوحًا وَأَسْبَابُ البُكَاءِ التَّذَكُّرُ٣
بَلَى! إنَّ فُقْدَانَ الْحَبِيبِ بَلِيَّةٌ وَكَمْ مِنْ كَرِيمٍ يُبْتَلَى ثُمَّ يَصْبِرُ
رَأَيْتُ خِيَارَ النَّاسِ تَوَارَدُواْ شَعُوبًا وخلفًا بعَدَهُم يَتأخَّرُ٤
فَلا يُبْعِدَنَّ اللهُ قَتْلَى تَتَابَعُواْ بِمُؤْتَةَ مِنْهُم ذُو الْجَناحَينِ جَعْفَرُ٥
وزَيْدٌ، وعبدُ اللهِ حِينَ تَتَابَعُوا جَمِيعًا وَأَسْبَابُ المَنِيَّة تَخْطُرُ
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٨٣-٣٨٤) عن ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند. وانظر ديوان حسان بن ثابت: ١٠٧-١٠٨. ٢ تأوَّبني: أي عاودني ورجع إليَّ. وأعسر: معناه عسير. ومسهر: أي مانع من النوم. ٣ عبرة: أي دمعة. والسفوح: السائلة. ٤ تواردوا شعوب - بفتح الشين - اسم للمنية، من قولك: شَعبت الشيء إذا مزَّقته. وخلفًا: يعني مَن يأتي بعد. ٥ أسباب المنية تخطر: يقال خطر في مشيته، إذا تبختر فيها وتحرَّك. ٦ ميمون النقيبة: أي مسعود ومنجح فيما يطلبه، وأزهر: أي أبيض. ٧ أبيٌّ: عزيزُ. سِيمَ: إذا كلَّف. مجسر: كثير الجسارة. ٨ المعترك: موضع الحرب. ٩ الحدائق: الجنات، واحدتها حديقة.
[ ٢٥٧ ]
الفصل الثالث: حشد القوات الإسلامية
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة
المبحث الأول: عدد الجيش، وتولية القيادة:
[١٠] "ندب رسول الله ﷺ النَّاس إلى مؤتة". كما يذكر الواقدي، وابن سعد١، فاستجاب له حوالي ثلاثة ألاف من الصحابة - ﵃، وذلك حسب: [١١] ما ذكره بعض أهل المغازي٢".
وهو أكبر جيش إسلامي يتم حشده حتى ذلك الوقت، فإنَّ جيش المسلمين في الحديبية، ثُمَّ في خيبر - وهما الغزوتان اللتان سبقتا مؤتة - لم يتجاوز حاجز الألفين٣، مِمَّا دلَّل على نجاح صلح الحديبية عمليًا، وأنَّ قوة المسلمين في تنامي وتزايد مستمر.
[١٢] بل إنَّ بعض الروايات ذكرت أنه تمَّ حشد ستَّة آلاف من المهاجرين والأنصار٤.
_________________
(١) ١ أخرجه الواقدي (مغازي ٢/٧٥٥)،وأخرجه ابن سعد. وقد سبق تخريجه برقم [٣] . ٢ ذكر ذلك عروة (انظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٣، الطبري: تاريخ ٣/٣٦، البيهقي: دلائل ٤/٣٥٨) وذكره ابن سعد (طبقات ٢/١٢٨) . ٣ انظر: عوض الشهري: مرويات غزوة خيبر ٢٠٦-٢٠٨، والحكمي: مرويات غزوة الحديبية ٥١. ٤ أخرجه ابن عساكر: تاريخ دمشق (المجلدة الأولى ص ٣٩٠) عن محمَّد بن عائذ، الذي رواه بسندٍ منقطعٍ، كما أنَّ في متنه شذوذًا، فالمحفوظ عن أهل المغازي أنَّهم كانوا ثلاثة آلاف. والله تعالى أعلم.
[ ٢٥٩ ]
وفي الجرف١، عسكر الجيش الإسلامي كالعادة، وكان القائد الأعلى رسول الله ﷺ قد أصدر أوامره الشريفة بإسناد قيادة الجيش لمولاه وحبِّه زيد بن حارثة - ﵁، وقال:
[١٣] "إنْ قُتِلَ زيد، فجعفر، وإن قُتِل جعفر، فعبد الله بن رواحة"٢".
وفي مرسل عروة عند البيهقي:
[١٤] "فإن أُصيب فليرتض المسلمون رجلًا، فليجعلوه عليهم٣".
قال أبو قتادة - رضي الله تعالى عنه:
_________________
(١) ١ الجُرْف - بالضم ثُمَّ السكون - ما تجرَّفته السيول فأكلته من الأرض، وهو موضع على ثلاثة أميال من المدينة، به كانت أموال لعمر بن الخطَّاب رضي الله تعالى عنه، ولأهل المدينة. وقيل: سُمِّيَ الجُرْف، لأنَّ تُبّعًا مرَّ به، فقال: هذا جرف الأرض، وكان يُسَمَّى: العرض، وكان الجرف في عهد النَّبِيِّ ﷺ بمثابة معسكر للجيوش النبوية. والجُرف اليوم من أحياء المدينة الشمالية الكبيرة، يمتد من مزارع العيون شرقًا، حتَّى طريق المدينة تبوك غربًا. (انظر: ياقوت: معجم ١/١٢٨، السمهودي: وفاء: ٤/١١٧٥) . ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ١/٨٧) . ٣ أخرجه البيهقي (الدلائل ٤/٣٥٩) بسنده من طريق يونس بن بكير، عن ابن إسحاق حدَّثنا محمَّد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير. قلت: سنده حسن إلى عروة، ولكنَّه مرسل، وقد تفرَّد يونس بن بكير بهذه العبارة من بين الرواة عن ابن إسحاق، وقد ذكر نحوه الواقدي (المغازي ٢/٧٥٦)، وابن سعد (الطبقات ٢/١٢٨) عن شيوخه.
[ ٢٦٠ ]
[١٥] "فوثب جعفر، فقال: " يا رسول الله! ما كنت أرهب أن تستعمل عليَّ زيدًا، فقال: "امض فإنَّك لا تدري أي ذلك خير١".
ويبدو أنَّ بعض الصحابة - ﵃ - قد تكلَّم في إمرة زيد وتقديمه على غيره:
[١٦] فوضَّح لهم رسول الله ﷺ مكانة زيد - رضي الله تعالى عنه - وأحقيته بالإمارة، وأنَّه مِن أحبّ الناس إليه٢،فسمعوا وأطاعوا".
ولكن يبدو أن رواة الشيعة لم يرق لهم ذلك، ولم يقتنعوا به، وأخذوا كعادتهم يتلاعبون بالروايات، يُقَدِّمون ويُؤخِّرون حسب أهوائهم، ويفاضلون بين الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - وفق ميولهم ونزعاتهم، ويظهر ذلك جليًا هنا من خلال:
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود (انظر: عون المعبود، حديث ٤٣٤)، وأحمد (المسند ٥/٣٧٦-٣٧٧)، والنسائي (السنن الكبرى ٥/٩٦)، وابن حبان (انظر: الإحسان في ترتيب صحيح بان حبان، حديث ٧٠٠٨)، والبيهقي (الدلائل ٢/٣٧٦)، والطبري (التاريخ ٣/٤٠)، كلّهم من طرق عن خالد بن سمير عن عبد الله بن رباح عن أبي قتادة ﵁. قال الهيثمي (المجمع ٦/١٥٦): "رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح غير خالد بن سمير وهو ثقة". قلت: قال الحافظ: هو صدوق يهم قليلًا. (التقريب ص ١٨٨)، إذًا فالإسناد حسن إن شاء الله تعالى. ٢ انظر: البخاري (الصحيح ٤/٢١٣)، وينصُّ ابن حجر (فتح ٧/٨٧) على أنَّ ذلك كان في مؤتة.
[ ٢٦١ ]
[١٧] محاولاتهم الحطّ من قدر زيد - رضي الله تعالى عنه، وتقديم جعفر ﵁ - باعتباره من آل البيت - حتى في سياق الوقعة١".
ومكانة زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - عظيمة في الإسلام لا تؤثر فيها تلك المحاولات الفاشلة، ويكفي في فضله ومكانته ذكر الباري ﷿ لاسمه صريحًا في القرآن، يُتْلَى في المحاريب، وبيوت الله ﷿ إلى يوم القيامة٢".
كما صحَّ عن الصِّدِّيقة بنت الصِّدِّيق - رضي الله تعالى عنهما - أنَّها قالت:
[١٨] "ما بعَثَ رسولُ الله ﷺ زيد بن حارثة في جيشٍ قَطُّ، إلاَّ أمَّره عليهم، ولو بقي بعده لاستخلفه"٣".
_________________
(١) ١ انظر حديث ثابت بن دينار (رافضي، ضعيف) عند الطبراني (معجم ١٩/١٦٧)، وحديث علي بن زيد التيمي (قال عنه ابن عدي: كان يغالي في التشيع) عند عبد الرَّزَّاق (مصنف ٥/٢٦٦) . وانظر: اليعقوبي (تاريخ ٢/٥٤)، وقد ضاهوا بذلك المستشرقين، إذ يقول أحدهم (إدوارد جيبون: إضمحلال الإمبراطورية ٧٥)، متحدِّثًا عن جيش مؤتة: "وقد بلغت دقة النظام، وشدَّة الحماس في هذا الدين الصَّاعِد، أن أنبل الزعماء عملوا دون تردُّدٍ كجنود تحت إمرة رجل كان مولى للنَّبِيِّ". ٢ وذلك في الآية ٣٧، من سورة الأحزاب. ٣ أخرجه النسائي (سنن ٥/٥٢) وقال عنه ابن كثير (البداية ٤/٢٥٤): إسناده جيد على شرط الشيخين، وهو غريب.
[ ٢٦٢ ]
ذلك هو مبلغ تقدير النَّبِيِّ ﷺ لكفاءة زيد القيادية، وثقته الكاملة به، وهو تقديرٌ عظيمٌ، وثقةٌ بالغةٌ، واعتمادٌ هائلٌ استحقَّه زيد بمزاياه القيادية أولًا وقبل كل شيء، فما كان النَّبيُّ ﷺ يولي ثقته الكاملة إلاَّ لمن يستحقها بجدارة، وقد لمسنا شجاعة زيد في الغزوات التي شهدها مع النَّبيِّ ﷺ، وفي سراياه التي قادها، ولمسنا شجاعته في الواجبات الأُخرى التي ألقاها على عاتقه النَّبِيُّ ﷺ في استصحاب بناته وزوجته في الهجرة، في وَسَطٍ يعُجّ بالأعداء والحاقدين والموتورين من المشركين".
لقد قضى الإسلام مع ما قضى عليه من تقاليد الجاهلية، على الأنفة
من تأمير مَن لم تُقَدِّمه السن، والاستمساك بِعُرَى التَّفاضُل بالأنساب والأحساب والعشائر والقبائل".. إنَّ التَّفَاضُلَ في الإسلام يخضع للتقوى وصالح الأعمال، بالإضافة إلى الكفايات المناسبة للعمل المناسب، وقد رفعت مزايا زيد القيادية، وإيمانه الراسخ العميق إلى الإمارة١".
كما أنَّ مكانة جعفر - رضي الله تعالى عنه - وفضله لا تحتاج إلى كل ذلك التهويل، ومحاولة لَيّ النُّصوص، واختراع فضائل له لكونه من آل بيت النَّبيّ ﷺ، فالعواطف الزائدة، والمحبَّة لآل البيت لا تجعلنا نعطيهم قدرًا أكبر مِمَّا جعله الله ﵎، ورسوله ﷺ لهم، ويكفي جعفرًا رضي الله تعالى عنه فخرًا ومكانةً أنه ابن عمّ المصطفى ﷺ، وقد قال له النَّبيّ ﷺ:
_________________
(١) ١ خطَّاب: القادة الشهداء في مؤتة: ٦٠ – ٦٤.
[ ٢٦٣ ]
[١٩] "أَشْبَهْت خَلْقِي وخُلُقِي"١، "وحسبه بذلك دليلًا على أنه كان على خُلُقٍ عظيم٢".
ولمَّا قدم - رضي الله تعالى عنه - في جماعة من المسلمين من أرض الحبشة بأثر فتح خيبر، التزمه رسول الله ﷺ وقبَّل ما بين عينيه واعتنقه، وقال:
[٢٠] "والله ما أدري بأيهما أنا أُسَرّ!! أبقدوم جعفر، أم بفتح خيبر؟! "٣.
[٢١] وكان - رضي الله تعالى عنه - أحد السابقين الأولين، وكان أَحَد أصحاب الهجرتين٤.
وقد وصفته زوجه أسماء بنت عميس - ﵂ - بقولها:
[٢٢] "ما رأيت شابًّا من العرب خيرًا من جعفر"٥.
وقال عنه أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه:
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (الصحيح ٤/٢٠٩) . ٢ خطَّاب: القادة الشهداء ١٢١. ٣ أخرجه ابن سعد (طبقات ٤/٣٥) عن الشعبي، وهو مرسل. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح ٧/٤٨٤-٤٨٥) . ٥ أخرجه ابن سعد: (الطبقات ٤/٤١) . من حديث زكريا ابن أبي زائدة. عن العامر، وسنده رجاله ثقات، لكه منقطع.
[ ٢٦٤ ]
[٢٣] "كان خير النَّاس للمساكين جعفر بن أبي طالب، وكان ينقلب بنا فيطعمنا ما كان في بيته، حتى إنه إن كان ليخرج لنا العكة١ التي ليس فيها شيء فنشقّها ونلعق ما فيها"٢.
وتجدرُ الإشارة أنه لأوَّل مرَّة في تاريخ غزوات النَّبيّ ﷺ وسراياه يتم تولية أُمراء بالترتيب، "وما ولَّى النَّبيّ ﷺ قبل وقعة مؤتة ولا ولَّى بعدها ثلاثة قادة أو قائدين على سرية واحدة، ولكن بُعْد نظره - ﵊ - وتقديره لأهمية هذه السرية وخطورتها هو الذي جعله يولِّي ثلاثة قادة على سرية واحدة، مرَّة واحدة فقط في حياته العسكرية كلها"٣.
وربَّما كان ذلك احتياطًا منه ﷺ لما كان متوقعًا أن تحُفَّ الأخطار هذه الحملة لوجهتها البعيدة، ولعدم وقوع احتكاك سابق بمناطق تخضع لنفوذ دولة قوية كالامبراطورية البيزنطية التي كانت قبائل الشام وأطرافها موالية لها سياسيًا٤.
ومِنَ السَّذاجة أن يتبادر إلى الأذهان أنه ﷺ كان يعلم مُسَبَّقًا المصير الذي كان ينتظر أعزَّ أصحابه٥، فلم يُعرف عنه أبدًا أنه ساق
_________________
(١) ١ العكة: زق صغير للسمن. وجمعه عكاك. ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ٢/٢٠٩) . ٣ خطَّاب: القادة الشهداء ١١٤-١١٥. ٤ أكرم العمري: السيرة النبوية الصحيح ٢/٤٦٧. ٥ ذكر الواقدي في روايته (مغازي ٢/٧٥٥-٧٥٧) أنَّ يهوديًا يُدْعى النعمان بن فنحص قال للنَّبِيِّ ﷺ - وهو يعهد لأمراء الجيش بالقيادة -: "أبا القاسم، إنْ كُنْتَ نبيًا فسمَّيْتَ مَن سَمَّيت قليلًا أو كثيرًا أُصيبوا جميعًا " الخ. وقد تفرَّد الواقدي بهذه الرواية، والواقدي ضعيف متروك عند المحدثين، خاصّةً إذا انفرد.
[ ٢٦٥ ]
أتباعه إلى حتوفهم، أو رمى بهم في عمليات ينتحرون فيها، كُلُّ ما هنالك أنَّ كثرة مشاغله منعته من قيادة الجيش بنفسه١.
وبما أنَّ الجيش لم يكن تحت قيادة النَّبيّ ﷺ، فقد جرت العادة أن يكون الانخراط فيه تطوعيًا حسب الاستطاعة، وذلك وفق التعليمات النبوية الكريمة، درءًا منه ﷺ للمشقة الحاصلة للمجاهدين وأُسَرِهِم، وإذا لم يكن الأمر نفيرًا عامًّا كان ﵊ يأمرهم بالتناوب في الخروج للجهاد، فكان يقول:
[٢٤] "ليخرج من كُلِّ رجلين، رجل، والأجر بينهما" ٢.
[٢٥] بل كان يحُضُّ على تخلُّف البعض لرعاية أُسَر المجاهدين، وأنَّ مَن يقوم بذلك له مثل أجر المجاهد والغازي٣".
وكان ﷺ بأبي هو وأُمِّي يعتذر عن الخروج على رأس بعض السرايا والبعوث حتى لا يشق على المسلمين".
_________________
(١) ١ عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٥. ٢ أخرجه مسلم (الصحيح، حديث رقم ١٣٨، ورقم ١٨٩٦) . ٣ أخرج البخاري (فتح الباري ٦/٤٩)، ومسلم (الصحيح ٣/١٥٠٣)، عن زيد بن خالد رضي الله تعالى عنه أنَّ رسول الله ﷺ قال: "مَنْ جَهَّزَ غازِيًا في سبيل الله فقد غزا، ومَن خَلَفَ غازيًا في سبيل الله بخيرٍ فقد غزا".
[ ٢٦٦ ]
أخرج مسلم في صحيحه، عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال:
[٢٦] "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لولا أن أشُقَّ على المؤمنين ما قعدت خلف سرية تغزو في سبيل الله، ولكن لا أجد سعة فأحملهم، ولا يجدون سعة فيتبعوني، ولا تطيب أنفسهم أن يقعدوا بعدي"١.
وهكذا فقد خلت قائمة الجيش من كبار الصحابة أمثال أبي بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وعلي بن أبي طالب، وأبي عبيدة، رضي الله تعالى عنهم، وغيرهم، بينما كان من المشاركين غير القادة الثلاثة: "عبد الله بن عمر، وأنس بن مالك، وأبو هريرة، وأبو قتادة، وخالد ان الوليد، وعوف بن مالك، وجابر بن عبد الله، وثابت بن أقرم، وأبو موسى الأشعري، وواقد بن عبد الله التميمي، وأبو سلمة بن هشام، وعقيل ابن أبي طالب، وعبد الرحمن بن سمرة، ويعلى بن منية، وأبو اليسر٢،
_________________
(١) ١ أخرجه مسلم (الصحيح ٤/١٤٥) . ٢ ترددت هذه الأسماء في الروايات التي تحدَّثت عن المعركة في المصادر المختلفة. كما ذكر ابن الأثير (أُسْد الغابة ٤/٣٣١)، وابن حجر (إصابة ٣/٥٥) في ترجمة عُيَيْنة بن عائشة المري: أنه كان مِمَّن شارك في مؤتة، وذلك نقلًا عن ابن ماكولا.
[ ٢٦٧ ]
وغيرهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، وكان معهم بعض المسلمين من اليمن من أمداد حمير١".
ويذكر ابن سعد أنَّ رسول الله ﷺ عقد لهم:
[٢٧] "لواءً أبيض ودفعه إلى زيد بن حارثة٢، فتجهَّز الناس، وتهيأوا للخروج".
_________________
(١) ١ أمداد حمير: قال في النهاية (٤/٣٠٨): الأمداد: جمع مدد، وهم الأعوان والأنصار الذين كانوا يمُدُّون المسلمين في الجهاد. قلت: وربَّما كان أولئك من الذين استنفرهم النَّبِيُّ ﷺ للحديبية، أولخيبر، أو كانوا من بقايا الوفود الذين قرَّروا البقاء في المدينة بجوار النَّبِيِّ ﷺ، حيث لم تذكر الروايات في جميع المصادر أنَّ النَّبِيَّ ﷺ استنفر القبائل لغزوة مؤتة. والله تعالى أعلم. ٢ سبق تخريجه برقم [٣] .
[ ٢٦٨ ]
المبحث الثاني: الوصايا التي تزوَّد بها الجيش، وتوديعه:
وخرج معهم رسول الله ﷺ حتَّى بلغ ثنية الوداع١، وهناك أوصاهم قائلًا:
[٢٨] "اخرجوا باسم الله، فقاتلوا في سبيل الله عدوّ الله وعدوّكم، إنَّكم ستدخلون الشام فستجدون رجالًا في الصَّوامِع٢ معتزلين النَّاس فلا تعرضوا لأحدٍ منهم إلاَّ بخيرٍ، وستجدون آخرين للشياطين في رؤوسهم مفاحص٣، فافلقوا هامهم٤ بالسيوف، لا تَقْتُلُنَّ كبيرًا ولا فانيًا، ولا صغيرًا ضرعًا٥، ولا تَقْتُلُنَّ امرأةً،
_________________
(١) ١ ثَنِيَّةُ الوَدَاعِ - بفتح الواو - وهي اسم من التوديع، وهي ثنية مشرفة على المدينة يطؤها مَن يريد الشام، واختلف في سبب تسميتها بذلك، والأشهر والصحيح أنه اسم جاهليّ قديم سُمِّيَ لتوديع المسافرين، وكان اسمها قديمًا ثنية الركاب، وكانت هذه الثنية بين مسجد الراية، وقبر النَّفْس الزكية جوار سلع، وقد هُدِمَت اليوم وأُزِيلَت بكاملها مع المسجد، وأُقِيمَ مكانها مدخل نفق المناخة من جهة الشمال. (العباسي: عمدة الأخبار ٢٨٣) . ٢ جمع صومعة، وهي مكان عبادة الرهبان من النصارى. ٣ أي أنَّ الشيطان قد استوطن رؤوسهم فجعلها له مفاحص، كما تستوطن القطا مفاحصها. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٨٥) . ٤ الهامة: رأس كُل شيء. والمعنى: اضربوا رؤوسهم بالسيوف. ٥ أي الصغير الضعيف.
[ ٢٦٩ ]
ولا تُعْزِقُنَّ١ نخلًا"٢.
لقد تضمنَّت تلك الوصية أرقى قانون للحرب العادلة، قانون عجزت حتى الآن كُلّ النُّظُم والتشريعات أن تصل إليه من حيث الإنصاف في معاملة الأعداء، واجتناب الأعمال اللاإنسانية من التعرُّض للنساء والأطفال والعَجَزَة، ورجال الدين المعتَزلين بأي نوعٍ من أنواع الأذى، لقد
_________________
(١) ١ أي: لا تقطعن. والعزق: القطع. ٢ أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق: المجلدة الأولى ص ٣٩١) من حديث ابن عائذ بسنده عن العطاف بن خالد المخزومي، وعن العطاف بن خالد، عن واقد بن محمَّد ابن زيد. كما رواه الواقدي (مغازي ٢/٧٥٨) من طريق العطاف، عن خالد بن يزيد. وأخرجه ابن عساكر: تاريخ دمشق (المجلدة الأولى ص ٣٩١) عنه، وقال تعليقًا على الخبرين: هذان إسنادان مرسلان، والمحفوظ أنَّ هذه وصية أبي بكر ﵁. قلت: وإن كان الخبران مرسلين، فإنَّهما يتعاضدان فيما بينهما بالمتابعة، وإن كان الخبر الثالث من طريق الواقدي، لكنَّه تابع فيه الثقات، ولا يمنع أن تُشابِه وصيَّة أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه، وصيَّة صاحبه ومعلِّمه الأوَّل رسول الله ﷺ، فالصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه تلميذٌ نجيبٌ مِن مدرسة المصطفى ﷺ. وقد أورد هاتين الوصيتين - وصية الرسول ﷺ، ووصية أبي بكر الصِّدِّيق رضي الله تعالى عنه - ابن الأثير في (النهاية ٣/٤١٥) في موضعٍ واحدٍ، مِمَّا يدُلُّ على كونهما حديثين متشابهين كما ذكرنا. كما يشهد للخبرين السابقين الأحاديث الصحيحة في وصايا النَّبِيِّ ﷺ للسرايا التي يبعث بها لتقاتل مَن كَفَر بالله. والله تعالى أعلم.
[ ٢٧٠ ]
كانت توصيات في الآداب الحربية، ودروس في الشرف العسكري، وأُسُس راسخة في المعاملة الإنسانية، والرأفة بغير المحاربين من النساء والشيوخ والأطفال، وتربيات عالية شريفة ما سمعت ولا دعت أُمة مثلها منذ فجر التاريخ حتى اليوم من غير سيد البشر محمَّد ﷺ ".
إنَّ أرقى الأُمم في العصر الحاضر لا تزال في مجال محاولاتها الالتزام بقانون الشرف العسكري، لا تزال تحبو حبوًا إذا ما قِسْنَا محاولاتها بما وضعه الرسول ﷺ في خطبته هذه من قواعد راسخة لقانون الشرف العسكري١".
[٢٩] "ثُمَّ ودَّع النَّاس أمراء رسول الله ﷺ، وسلَّموا عليهم، فلمَّا ودَّعوا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بكى، فقالوا: "ما يبكيك يا ابن رواحة؟ فقال: "أما والله ما بي حُب للدُّنيا، ولا صبابة إليها، ولكني سمعت الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلاَّ وَارِدُهُا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيَّا﴾ . [سورة مريم، الآية: "٧١] ". فلست أدري كيف لي بالصدر بعد الورود؟!
فقال المسلمون: "صحبكم الله، وردَّكم إلينا صالحين، ودفع عنكم". قال ابن رواحة:
لكنَّنِي أسأل الرحمن مغفرةً وضربةً ذات فرغ تقذف الزبدا٢
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦٢-٢٦٤. ٢ ذات فرغ: يعني ذات سعة. الزبدُ: رغوة الدم. (شرح السيرة للخشني ٣٥٤) .
[ ٢٧١ ]
أو طعنةً بيدى حران مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا١
حتى يقولوا إذا مروا على جدثي أرشده الله من غازٍ وقد رشدا٢
ثُمَّ أتى عبد الله بن رواحة رسول الله ﷺ فودَّعه، فقال:
وثبَّت الله ما آتاه من حسن تثبيت موسى ونصرًا كالذي نصرا
إني تفرَّسْتُ فيك الخير نافلة والله يعلم إني ثابت البصرا
أنت الرسول فمن يحرم نوافله والوجه منك فقد أزرى به القدرا٣
_________________
(١) ١ رجل حرَّان: عطشان، أي متعطِّش للقتل. مجهزة: سريعة القتل. (المصدر السابق) . ٢ الجدث: القبر. (المصدر السابق) . ٣ نافلة: هبة من الله. وأزرى به القدرا: أي قصد به. (شرح السيرة للخشني ٣٥٤) وهذا الخبر من رواية عروة عند البيهقي، وقد سبق تخريجها برقم [١٤] . كما أخرج حادثة بكاء عبد الله بن رواحة رضي الله تعالى عنه، وسببها: أبو نعيم في (الحلية ١/١١٨) من طريق محمَّد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب الزهري أيضًا.
[ ٢٧٢ ]
الفصل الرابع: حشد القوات الرومانية وحلفائها من القبائل المتنصرة
المبحث الأول: الخلاف في عددهم
المبحث الأوَّل: الخلاف في عددهم:
تحرَّكت القوات الإسلامية من المدينة صوب الشام في مسير اقترابي حَذِر.
[٣٠] ويذكر الواقدي أنَّهم نزلوا وادي القرى في طريقهم إلى الشام، وأقاموا أيَّامًا١، ولكن أنباء حركتهم وصلت إلى الروم قبل وصول المسلمين إليهم٢، فنذروا وجمعوا لهم جموعًا كثيرة من الروم وحلفائهم من القبائل العربية الشامية المتنصرة.
هذا وقد اختلفت الروايات فيهم، وفي عدَّتهم، ففي مرسل عروة: "ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من الروم:
[٣١] "وانضم إليهم من لخم٣، وجذام، والقين٤، وبَهْرَاء٥، وبلىّ،
_________________
(١) ١ الواقدي: مغازي ٢/٧٦٠. ٢ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٥، ٣٠٧. ٣ لَخْم - بفتح اللام وسكون الخاء المعجمة - وهم من بني كهلان بن سبأ، وكان لهم مُلْك بالحيرة، ثُمَّ كان لبقاياهم مُلك بأشبيلية، ومن لخم بني الدار، ومنهم تميم الداري الصحابي. (القلقشندي: قلائد الجمان ٦٩) . ٤ بنو القين قبيلة كبيرة من قضاعة، ينسبون إلى القين بن جسر، ووهم ابن التين، فقال: بنو القين قبيلة من تميم. (ابن حزم: جمهرة أنساب العرب٤٢٤، ابن حجر: فتح ٨/٧٤) . ٥ بَهْرَاء - بفتح الباء الموحدة، وسكون الهاء، وفتح الراء المهملة - وهم بنو بهراء بن الحافي بن قضاعة، والنسبة إليهم بَهْرَائي، ومنهم جماعة من الصحابة منهم المقداد بن الأسود رضي الله تعالى عنه، وكان بينهم وبين اللخميين ملوك الحيرة حروب. (القلقشندي: قلائد الجمان ٤٩) .
[ ٢٧٥ ]
مائة ألف منهم١".
وتابعه في ذلك ابن إسحاق في رواية يونس عنه٢، وابن الأثير٣، والطبري، والبيهقي، كلاهما بسنديهما إليه٤، وتابعه من المتأخرين كُلٌّ من: "ابن عبد البر، وابن سيد الناس، وابن القيم، وابن كثير، وابن حزم، والعامري، والحلبي، والذهبي٥".
[٣٢] وذكر السهيلي حكايةً عن ابن إسحاق: "أنَّهم كانوا خمسين ومائة ألف٦".
[٣٣] بينما يذكر الواقدي في روايته: "أنَّهم كانوا مائة ألف من القبائل العربية المتنصرة٧".
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (سيرة٤/٣٧٥) من حديث ابن إسحاق عنه، وسنده حسن إلىعروة. ٢ ذكر ذلك ابن كثير (البداية ٤/٢٤٢ - ٢٤٣) . ٣ ابن الأثير: الكامل ٢/٢٣٥. ٤ الطبري: تاريخ ٣/٣٧، البيهقي: دلائل ٤/٣٦٠. ٥ انظر: (ابن عبد البر: درر ٢٢٢، ابن سيد الناس: عيون ٢/١٩٨، ابن القيم: زاد٣/٣٨١، ابن كثير: البداية ٤/٢٤٣، ابن حزم: جوامع ٢٢٠، العامري: بهجة١/٣٩٠، الحلبي: سيرة ٢/٧٨٦، الذهبي: تاريخ، قسم المغازي ٤٨١) . ٦ السهيلي: الروض ٧/٤١. ٧ المغازي ٢/٧٦٠.
[ ٢٧٦ ]
وتابعه القسطلاني، إلاَّ أنّه ذكر أنَّهم كانوا مائة ألف من المشركين١، وكذلك المسعودي، إلاَّ أنه ذكر أنَّهم جموع الروم٢".
وكان هنالك اضطراب في رواية ابن سعد حيث ذكر أولًا أنَّ شرحبيل بن عمرو الغساني جمع أكثر من مائة ألف، ثُمَّ يعود فيذكر:
[٣٤] "أنَّ هرقل قد نزل مآبًا من أرض البلقاء في مائة ألف من بهراء الخ"٣.
ووردت أقوال أخرى حكاها بعض أهل المغازي، دون نسبتها إلى قائليها، حيث قال السهيلي: وقيل: "كان العدو مائتي ألف من الروم، وخمسين ألفًا من العرب، ومعهم من الخيول والسلاح ما ليس مع المسلمين٤". ونقل ذلك الحلبي أيضًا٥".
وقال الزرقاني، والشامي: "كانوا أكثر من مائتي ألف٦".
_________________
(١) ١ القسطلاني: مواهب ١/٥٤٩. ٢ المسعودي: التنبيه والإشراف ٢٦٥. ٣ سبق تخريجها برقم [٣] . ٤ السهيلي: الروض الأنف ٧/٤١. ٥ الحلبي: سيرة ٢/٧٨٧. ٦ انظر: (الزرقاني: شرح ٢/٢٧١، الشامي: سبل ٦/٢٥١) .
[ ٢٧٧ ]
وقال ابن حجر: "قيل: أكثر من مائة ألف١".
[٣٥] ولم تُحَدِّد روايات الزهري، وموسى بن عقبة، ومحمَّد بن عائذ العدد، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة من الروم، ونصارى العرب من قضاعة، وتنوخ، وبهراء، وغيرهم من نصارى العرب٢".
ووقع مثل ذلك في رواية أبي قتادة - رضي الله تعالى عنه ٣". ويصفهم خليفة بن خياط بأنَّهم جموع هرقل٤ دونما تحديد".
ويرى العقَّاد صعوبة جمع تلك الجيوش الجرَّارة وتسييرها في مثل تلك السرعة، ويرجِّح أنَّ "هرقل إنَّما كان في جموعه هنالك في زيارة الشكر التي نذر لله أن يؤدِّيها إذا هو ظفر بالفرس، وردَّ منهم صليب الكنيسة الكبرى الذي حملوه معهم يوم أَنْ فتحوا بيت المقدس، وربَّما كان هرقل قد بارح بيت المقدس في ذلك الحين، وتخلَّفت جيوش ركابه لأداء هذه الفريضة معه أو القيام بمراسم الحفاوة في تلك الزيارة التاريخية٥".
وذلك استنتاجٌ مبنيٌّ على رواياتٍ ضعيفة، فقد ذكرت المصادر أنَّ هرقل كان في الشام قبل مؤتة بخمسة أشهر على الأقل، حينما استقبل دحية الكلبي - رضي الله تعالى عنه - سفير رسول الله ﷺ إليه، ثُمَّ من بعده أبا سفيان بن حرب ومَن معه الذين سألهم عن النَّبيّ ﷺ أسئلةً دقيقةً وشخصيةً، وقد أظهر هرقل حينها احترامًا بالغًا للنَّبِيِّ ﷺ، بل وصدَّق
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح ٧/٥١٣. ٢ سبق تخريجها برقم [٢] . ٣ سبق تخريجها برقم [١٥] . ٤ سبق تخريجها برقم [٨] . ٥ محمود عباس العقاد: عبقرية خالد بن الوليد ٥٢-٥٣.
[ ٢٧٨ ]
به، ولكنَّه لم يُسلم خوفًا على ملكه، وكان ذلك بعد الحديبية، كما ذكر أبو سفيان راوي الخبر١".
وذهب الدويدار أبعد من ذلك حينما أكد على أنَّ الروايات تكاد تجمع على تلك الأعداد الضخمة التي استقبل بها الرومان المسلمين في مؤتة٢".
وتلك مبالغة لا تقل عن مبالغة بعض الروايات التي ذكرناها في تحديدها لعدد جيش الروم وحلفائهم في مؤتة".
ولا ريب أنَّ المبالغات التي أعقبت هذه المعركة، كثَّرت من عدد العدو وجعلته يبلغ هذا الرقم الخيالي٣، وإن كان بمستطاع القبائل العربية الضاربة في المنطقة أن تؤلِّف مع الجيش الروماني قوةً ضخمة، ولكنَّ الأمر لم يكن على تلك الدرجة البالغة من الخطورة، "فإنَّ الحملة الإسلامية كانت مكوَّنة من ثلاثة آلاف، وأنَّ أنباء مسيرها كانت معروفة، فلا يمكن أن يوجه إليها الروم مثل هذا العدد الحاشد من الجيوش، على أنَّ هذه الأعداد الضخمة لم تستخدمها بيزنطة في قتالها مع الفرس٤".
_________________
(١) ١ انظر: البخاري (الصحيح ١/٥)، وانظر: (أحمد عادل: الطريق إلى دمشق ١٣٠-١٣١، ١٤٨) . ٢ الدويدار: صور من حياة الرسول ﷺ ٥١٧. ٣ عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٦. ٤ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٤.
[ ٢٧٩ ]
[٣٦] فقد ذكرت المصادر أنَّ جيش هرقل الذي أعاد به كرامة الإمبراطورية البيزنطية عندما هزم جيوش كسرى، حتى استطاع دخول المدائن، كان لا يزيد عدده عن سبعين ألفًا١".
"ولم يستخدم الروم هذه الأعداد، إلاَّ فيما بعد عندما اشتبكوا مع الدولة الإسلامية اشتباكًا حقيقيًا خطيرًا٢".
لذلك فإنه من الأصوب الأخذ بروايات الزُّهري، وابن عقبة، وابن عائذ، التي لم تُحَدِّد القوَّات بعددٍ معيَّنٍ، وإنَّما ذكرت أنَّهم جموع كثيرة "وكُلّ ما يمكن تصوُّره أنَّ قوَّة العدو كانت أكبر من قوَّة المسلمين، أو أنَّها كانت أضعافها"٣".
ويعتقد الجنرال أكرم أنَّها رُبَّما كانت تتراوح بين عشرة آلاف، وخمسة عشر ألفًا٤.
إنَّ التحديد الذي ورد في بعض الروايات التي ذكرناها بتلك الأعداد الضخمة، ربَّما كان اجتهادًا من بعض الرواة والإخباريين، أو حتى بعض شهود العيان الذين ربَّما نقل عنهم عروة وغيره من المؤرِّخين.
_________________
(١) ١ انظر: "الطبري: تاريخ ٢/١٨٣، الكندي: فتوح مصر ٣٥، ابن عساكر: تاريخ دمشق: المجلدة الأولى ٥٣١، أحمد عادل كمال: الطريق إلى دمشق ٣٩". ٢ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٤. ٣ المصدر السابق. ٤ الجنرال أكرم: سيف الله خالد بن الوليد ١٠٥.
[ ٢٨٠ ]
كما لم تزودنا المصادر البيزنطية بمعلوماتٍ وافرة عن الأحداث التي كانت بين بيزنطة والمسلمين، بما في ذلك أحداث معركة مؤتة، فنستطيع من خلالها معرفة عدد الجيش البيزنطي والحلفاء فيها، حيث كان الاعتماد على المصادر الإسلامية في ذلك، والتي نادرًا ما تخطيء في وصف الأحداث، لاعتمادها على الإسناد الذي يصل في كثيرٍ من الأحيان إلى شهود العيان، أو حتَّى المشاركين في تلك الأحداث، وتلك عملية دقيقة ومرتَّبة لم يُسْبَق المسلمون فيها أبدًا، بل لم تعرفها أُمة من الأُمم على الإطلاق، غير الأُمة الإسلامية.
ولكن حتَّى شهود العيان والمشاركون في صميم الأحداث لا يستطيعون في بعض الأحيان التعرُّف بدقة على عدد جند العدوّ١.
بل يعتمدون أحيانًا على الحدس والتخمين في إحصاءاتهم لجيوش الأعداء، لأنه لم تكن هنالك إحصاءات دقيقة معلومة عن عدد الجند والجيوش، كما هو الحال اليوم٢.
_________________
(١) ١ في غزوة بدر العظمى ابتكر النَّبِيُّ ﷺ طريقة ذكية عَرَفَ من خلالها عدد جيش قريش، حيث سأل الأسرى الذي أمسك بهم المسلمون: كم ينحرون؟ قالوا: يومًا عشرة، ويومًا تسعة. قال القوم: ما بين الألف والتسعمائة. (أخرجه أحمد: المسند ٢/١٩٣، والواقدي: مغازي ١/٥٣) . وانظر: (العليمي: مرويات غزوة بدر ٩٩) . ٢ بل إنَّ الكثير من دول العالم اليوم لا تُعْطِي إحصاءات دقيقة وصحيحة لجيوشها لاعتبارات أمنية.
[ ٢٨١ ]
ورُبَّما أنَّ بعض شهود معركة مؤتة من المسلمين شاهدوا تلك الكثافة العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة من الجند الروماني المجهَّز بأحدث الأسلحة والعتاد، فهالهم ذلك المنظر الذي لم يتعوَّدوه من قبل، فقدَّروا عددهم اجتهادًا، ذلك التقدير الضخم.
روى الواقدي بسنده عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - قال:
[٣٧] "شهدت مؤتة، فلمَّا رأينا المشركين، رأينا ما لا قِبَل لنا به من العدد والسلاح والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري، فقال لي ثابت بن أقرم١: "يا أبا هريرة، مالك؟! كأنَّك ترى جموعًا كثيرة، قلت: "نعم". قال: "إنَّك لم تشهد بدرًا معنا، إنَّا لَم نُنْصَر بالكثرة٢".
ومهما قيل في مبالغة الذين سجَّلوا تعداد الروم وحلفائهم، فإنَّ الحقيقة تبقى واضحة للدارسين بأنَّ الرُّوم وحلفاءهم كانوا أضعاف تعداد المسلمين، كما أنَّهم يقاتلون في بلادهم دفاعًا عنها، بينما يقاتل المسلمون بعيدًا عن قاعدتهم الرئيسية المدينة، وبذلك تكون المزايا العسكرية في التفوُّق العَدَدِيّ والعُدَدِيّ، وفي قرب قواعد الروم إلى قوَّاتهم المقاتلة، هذه المزايا مع الروم على المسلمين بلا مراء٣.
_________________
(١) ١ في الأصل (أرقم)، والتصحيح من الإصابة. ٢ الواقدي: مغازي ٢/٦٧٠. ٣ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٠.
[ ٢٨٢ ]
المبحث الثاني: الخلاف في قادتهم:
وكما اختلفوا في عددهم، اختلفوا أيضًا في قوَّادهم.
[٣٨] ففي رواية عروة - وهي الرواية الأكثر شهرة بين روايات أهل المغازي في هذه الغزوة - يذكر أنَّ الروم كانوا بقيادة ملكهم هرقل، والحلفاء من القبائل العربية المتنصرة، كانوا بقيادة رجلٍ من بلى، ثُمَّ أحد أراشة يُقال له: "مالك بن زافلة١".
[٣٩] أمَّا رواية الواقدي فيشوبها بعض الاضطراب، حيث ذكر أنَّ الذي حشد الجموع رجلٌ من الأزد، يُقال له: "شرحبيل بن عمرو٢، وأنه قدَّم الطلائع أمامه بقيادة أخيه سدوس، فقتله المسلمون، فخاف شرحبيل وتحصَّن٣، وبعث أخًا له آخر، يُقال له: "وبر بن عمرو، ثُمَّ يذكر بعد ذلك أنَّ هرقل نزل مآب، من أرض البلقاء في بهراء، ووائل، وبكر، ولخم، وجذام، في مائة ألف، عليهم رجل من بلى، يُقال له: "مالك٤".
_________________
(١) ١ من رواية عروة عند ابن هشام، وقد سبق تخريجها برقم [٣١] . ٢ شرحبيل بن عمرو هذا هو أحد أمراء هرقل على الشام، وهو الذي قَتَل الحارث بن عمير الأزدي رضي الله تعالى عنه رسول رسول الله ﷺ، فكان ذلك سبب وقعة مؤتة، كما ذكر الواقدي ومتابعيه. ٣ تحصَّن: أي دخل موضعًا حصينًا لا يوصل إلى جوفه. ٤ المغازي ٢/٧٦٠.
[ ٢٨٣ ]
وتابعه في ذلك تلميذه ابن سعد، كما مرَّ في المبحث السابق١".
[٤٠] ويذكر الزهري، وموسى بن عقبة في روايتهما أنه كان عليهم ابن أبي سبرة الغساني٢".
[٤١] أمَّا ابن عائذ فلم تحدِّد روايته اسم القائد٣".
[٤٢] وكان للمسعودي رأي آخر، حيث يذكر أنَّ هرقل أنفذ الجيوش للقاء المسلمين من مكان إقامته في أنطاكية، وكان على الروم تيادوقس البطريق٤، وعلى متنصرة العرب من غسَّان وقضاعة وغيرهم شرحبيل بن عمرو الغساني٥".
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم [٣] . ٢ أعتقد - والله تعالى أعلم - أنَّ ذلك تصحيف (ابن أبي شمر الغساني) ملك بصرى والجولان، واسمه الحارث بن جبلة، حيث لم تذكر المصادر الأُخرى أنَّ هنالك حاكم آخر في المنطقة اسمه (ابن أبي سبرة)، كما أنَّ مشاركة ابن أبي شمر في الأحداث من حيث أنه هو الذي هدَّد بالمسير إلى المسلمين حينما وصله كتاب النَّبِيِّ ﷺ، ترجِّح ما ذكرناه. والله تعالى أعلم. ٣ أخرجه ابن عساكر (تاريخ دمشق، المجلدة الأولى ص ٣٩٦) من حديث ابن عائذ عن الوليد بن مسلم، ولكنه منقطع. ٤ البطريق: رتبة عسكرية بيزنطية تُمَاثل أمير الجيش عند المسلمين في ذلك الوقت. وهي تساوي رتبة لواء في الجيوش العربية الحديثة. انظر: (مجلة الأزهر، رقم ٤٣، الجزء السابع، ص ٦٤٤) . ٥ المسعودي: التنبيه والإشراف ٢٦٥.
[ ٢٨٤ ]
ويؤكِّد بروكلمان ما ذهب إليه المسعودي، مُصَحِّحًا اسم القائد البيزنطي وأنه (ثيودورس) ١.
وأعتقد أنَّ ما ذهب إليه المسعودي، وأكَّده بروكلمان من قيادة ثيودورس أخي الأمبراطور هرقل لجيوش الحلفاء في مؤتة هو الأصوب، لأنه لم يرد ذكر هرقل في أحداث المعركة رغم شهرته ومعرفة المسلمين له جيدًا، فلو كان هو القائد فعلًا لما أغفلت المصادر الإسلامية - ومنها التي ذكرت قيادته لجيوش الروم - أخباره في ميدان المعركة وأحداثها.
كما أنَّ القول بقيادته للمعركة يتعارض مع ما هو مألوف في نظام الحكم في بيزنطة في ذلك الحين، حيث لم يسبق لإمبراطور بيزنطي قاد جيشًا إلاَّ مرَّتين: "الأولى حينما قاد الإمبراطور موريس حملة لمحاربة الآفار، والثانية حينما قاد هرقل نفسه الجيش البيزنطي في محاولة منه لاسترداد هيبة الإمبراطورية البيزنطية التي فُقِدَت حينما دحرت القوات الفارسية القوات الرومانية في معركة فحل الفاصلة - التي ورد ذكرها في القرآن٢ - ثُمَّ خرَّبت بيت المقدس، واحتلَّت شطرًا كبيرًا من أرض الإمبراطورية، حتى أحدقت بالقسطنطينية، وقد قُوبِل كُلٌّ من الإمبراطوريين
_________________
(١) ١ انظر: عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٦، بروكلمان: تاريخ الشعوب الإسلامية ٥٩. وثيودورس: هو أخو الإمبراطور هرقل، وقد قُتِلَ في معركة اليرموك علي يد المسلمين (الطبري: تاريخ ٣/٤٠١) . ٢ في الآيتين ٢ - ٣ من سورة الروم.
[ ٢٨٥ ]
بمقاومة عنيفة ومعارضة شديدة من مستشاريهما حين قرَّرا قيادة جيشهما آنذاك١".
والأهم من ذلك كُلِّه هو أنَّ هرقل، بعد أن وصله كتاب النَّبيّ ﷺ بعد الحديبية، وعرف صدق نبوءته ﷺ، أصبح غير متحمسٍ للقاء المسلمين في ميادين القتال، لمعرفته التامَّة بأنَّهم سيظهرون على غيرهم من الأُمَم بما فيهم الرومان٢، عَرَفَ ذلك من خلال كُتُب النصارى التي بشَّرت بنبي الإسلام أحمد ﷺ ٣، ومن خلال المنجّمين الذين حذروه من أمة الختان التي ستسلب مكّة منه".
وهكذا، فإنه في معارك أُخرى جرت بعد ذلك بين المسلمين والبيزنطيين، لم يتولّ هرقل قيادة أي معركة منها، حتى المعارك الحاسمة الضخمة، كاليرموك مثلًا، والتي تُعدّ من حيث حشد القوَّات فيها مِن قِبَل الطرفين، والاستعدادات المبكرة لها، واستشعار الروم وملكهم بخطر المسلمين المستفحل عليهم٤، وما كان سيترتب عليها من نتائج في حال ظفر أو هزيمة أيٍّ من الفريقين، أكبر بكثر من مؤتة". والله تعالى أعلم".
_________________
(١) ١ ذكر ذلك (الباز، العريني: الدولة البيزنطية ١٢٤) نقلًا عن: Ostrogarowski. G. History of Byzantine State: ٩٠. ٢ في حديث أبي سفيان الذي أخرجه البخاري (الصحيح ١/٥) قال هرقل: «فإن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قدميَّ هاتين » الخ. ٣ انظر: سورة الصف، الآية: ٦. ٤ بدليل أنَّ هرقل ودَّع بعد المعركة سورية الوداع الأخير.
[ ٢٨٦ ]
الفصل الخامس: سير الأحداث
المبحث الأول: إحداث الطريق إلى مؤتة
المطلب الأول: تشاور المسلمين في معان
المطلب الأول: تشاور المسلمين في معان:
وفي مآب من البلقاء١، احتشدت جيوش الحلفاء من الروم والقبائل العربية المتنصرة، فلمَّا علم المسلمون بأمر جموعهم المتفوقة عليهم فواقًا ساحقًا، أقاموا على معان٢ ليلتين يفكرون في أمرهم، واستشار زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - أصحابه، فقال له بعضهم:
_________________
(١) ١ مآب - بعد الهمزة المفتوحة ألف، وباء موحدة - وهي مدينة في طرف الشام من نواحي البلقاء، افتتحها أبو عبيدة رضي الله تعالى عنه في خلافة أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه سنة ثلاث عشرة، وجاء في تقويم البلدان: أنَّ مآب مدينة قديمة قد بادت، وصارت قرية تُسَمَّى الربة، وهي من معاملة الكرك على أقل من نصف مرحلة إلى الشمال منها، وهي اليوم قرية صغيرة حيّة من محافظة الكرك. (انظر: الحموي: معجم ٥/٣١، الملك المؤيد: تقويم البلدان ٤٧، علي العتوم: تجربة مؤتة ٣٩) . ٢ معان - بالفتح، وآخره نون - وهي مدينة في أطراف الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء، وهي عاصمة إقليم الشراة، ومفترق طرق. ومعان اليوم إحدى مدن الأردن المزدهرة، ويبلغ عدد سكانها حوالي خمسةً وعشرين ألف نسمة، وجديرُ بالذِّكر أنَّ معان تبعد عن المدينة المنورة حوالي (٨١٠) كيلًا، وعن مؤتة حوالي (١٥٠) كيلًا. (انظر: البكري: معجم ٤/١١٧٢ - ١٢٤١، الحموي: معجم ٥/١٣٥، البلادي: معجم ٣٠٠، رحلات في بلاد العرب ١٤٧، علي العتوم: تجربة مؤتة ٢٨ نقلًا عن الدستور الأردنية ١٠/٩/١٩٨٤ م ص ٧) .
[ ٢٩١ ]
[٤٣] "نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإمَّا أن يُمدَّنا بالرجال، وإمَّا أن يأمرنا بأمره فنمضي له"١.
ويذكر الوليد بن مسلم٢ أنَّ بعض المسلمين نصح زيد بالانصراف، مكتفيًا بما حقَّقه من مكاسب معنوية، قائلًا له:
[٤٤] "قد وطئت البلاد، وأخفت أهلها، فانصرف، فإنه لا يعدل العافية شيء، وعبد الله بن رواحة ساكت، فسأله زيد عن رأيه فقال: "إنَّا لم نسر إلى هذه البلاد ونحن نريد الغنائم، ولكنَّا خرجنا نريد لقاءهم، ولسنا نقاتلهم بعددٍولاعُدَّة، فالرأي المسير إليهم"٣.
[٤٥] "فشجَّع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: "يا قوم، والله إنَّ التي تكرهون للتي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدد ولا قوة وكثرة، ما نقاتلهم إلاَّ بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنَّما هي إحدى الحسنيين، إمَّا ظهور، وإمَّا شهادة، قال: "فقال الناس: "قد والله صدق ابن رواحة، فمضى الناس"٤. وقبل زيد رأيه وسار إليهم.
_________________
(١) ١ من مرسل عروة عند ابن هشام، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] . ٢ الوليد بن مسلم القرسي، مولاهم، أبو العباس الدمشقي (ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية) من الثامنة. مات آخر سنة أربع، أو أوَّل سنة خمس وتسعين. (تقريب ٥٨٤) . ٣ من رواية ابن عائذ عن الوليد بن مسلم، وقد سبق تخريجها برقم [٤١] . ٤ من مرسل عروة عند ابن هشام، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] .
[ ٢٩٢ ]
"إنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة المسلمين على قتال الروم وحلفائهم، واستجابة المسلمين لهذا التشجيع، له دلالة لا يُمكن أن يختلف فيها اثنان، هي أنه كان يثق ثقةً عالية برجاله، وأنَّ رجاله كانوا يثقون به ثقةً مُطْلَقة، والثقة المتبادلة بين القائد ورجاله من أهمِّ مزايا القائد المتميِّز، ولا يمكن أن يثق الرجال بقائدهم ثقةً مُطلَقة عفوًا وبدون أسباب، كما أنَّ النَّبيَّ ﷺ كان لا يولي المراكز القيادية إلاَّ لأشخاص لهم مؤهلات عالية، ومزايا واضحة المعالم، فقد كان - ﵊ - يحرِصُ أعظم الحِرْص على تولِّي الرجل المناسب للعمل المناسب، تطبيقًا لتعاليم الإسلام في الولاية، وثقة النَّبيّ ﷺ بعبد الله بن رواحة، وثقة رجال عبد الله بن رواحة به، أسبابها وحوافزها واحدة، وهي تَمَتُّع عبد الله بن رواحة بالإضافة إلى عمق إيمانه، بمزايا قيادية أهَّلته لأن يكون أحد قادة النَّبيّ ﷺ ١".
ويعتقد بعض المحلِّلين والمنَظِّرين العسكريين، وغيرهم من المؤرِّخين المعاصرين، أنَّ تشجيع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - للمسلمين، واندفاعه بهم نحو العدوّ، رغم تفوقهم العددي، وقُرْب قواعدهم، كان مغامرة خطرة، ومجازفة مهلكة، وخطأً عسكريًا فادحًا، وذلك بموجب المقاييس المادية٢".
_________________
(١) ١ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٢-١٨٣. ٢ انظر: خطَّاب: القادة الشهداء ١٨١، الغزالي: فقه السيرة ٣٦٦، باشميل: غزوة مؤتة ٢٨٤-٢٨٥.
[ ٢٩٣ ]
ولكن المقاييس المادية تُطَبَّق على الذين يعتمدون الوسائل المادية وحدها في حروبهم، أمَّا الذين يحاربون حربًا عقديَّة، جهادًا في سبيل الله، ودفاعًا عن عقيدتهم، وعن حُرِّية انتشارها، فلا تُطَبَّق عليهم المقاييس المادية وحدها، التي تُطَبَّق على غيرهم في حروبٍ استثماريَّةٍ أو توسُّعِيَّةٍ من أجل أمجادٍ شخصيةٍ، وأحقاد عنصرية أو طائفية، وعلى ذلك فلا تُطَبَّق هذه المقاييس المادية على أمثال عبد الله بن رواحة، لأنَّهم كانوا يخوضون حربًا عقديَّة لا دخل للمادَّة فيها من قريبٍ أو بعيد، وإلاَّ فماذا يمكن أن يُقال في غزوة بدر الكبرى الحاسمة، بالنسبة للمقاييس المادية وحدها، وكان تفوُّق المشركين على المسلمين بنسبة ثلاثة على واحد في الأشخاص، وبنسبة مائة على واحد بالخيل، والخيل أنجح سلاح في الحروب القديمة؟!
لقد حرَّض عبد الله بن رواحة المسلمين على القتال لأغراضٍ عقديَّة، فكان تحريضه خطأً بالنسبة للمقاييس المادية، ولكنه كان عين الصَّواب بالنسبة للجهاد والحرب العادلة التي كان يخوضها المسلمون حينذاك١.
ولكي نعرف مدى اندفاع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - وحماسه لخوض حرب عقائدية إيمانية هدفها إعلاء كلمة الله ﷿، وإعزاز دينه، وأقصى ما يتمناه فيها هو نيل شرف الشهادة، وبذل روحه رخيصة في سبيل الله ﷿، يحدِّثُنا زيد ابن أرقم - رضي الله تعالى عنه - وكان من المشاركين في مؤتة - قال:
_________________
(١) ١ خطَّاب: القادة الشهداء ١٨٢-١٨٣.
[ ٢٩٤ ]
[٤٦] "كنت يتيمًا لعبد الله بن رواحة في حجره، فخرج بي في سفره ذلك مردفي على حقيبة رحله، فوالله إنه ليسير ليلة إذ سمعته وهو يُنشِد أبياته هذه:
إذا أويتني وحملت رحلي مسيرة أربعٍ بعد الحساء١
فشأنك أنعم وخلاك ذم ولا أرجع إلى أهلي ورائي٢
وجاء المسلمون وغادروني بأرض الشام مشتهى الثواء٣
في أبيات" قال: "فلمَّا سمعتهنَّ منه بكيت". قال: "فخفقني بالدرة٤، وقال: "ما عليك يا لُكع٥ أن يرزقني الله الشهادة، وترجع بين شعبتي الرحل٦"٧".
_________________
(١) ١ الحساء: جمع حسى، وهو ماء يغور في الرمل، وإذا بُحِثَ عنه وُجِد. (شرح السيرة للخشني ٢٨) . ٢ قوله: ولا أرجع، فهو مجزوم على الدعاء، دعا على نفسه أن يستشهد ولا يرجع إلى أهله. (المصدر السابق) . ٣ الثواء: الإقامة. (المصدر السابق) . ٤ خفقني: أي ضربني. والدرة: السوط. (أبو ذر: شرح السيرة ٢٩) . ٥ اللكع: اللئيم. (المصدر السابق) . ٦ شعبتا الرحل: طرفاه المقدّم والمؤخّر. والحقيبة: ما يجعله الراكب وراءه إذا ركب. (المصدر السابق) . ٧ ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٧٦) من حديث ابن إسحاق، حدّثني عبد الله بن أبي بكر أنه حُدّث عن زيد بن أرقم وسنده فيه مبهم. وقد أخرج ابن عساكر (تاريخ دمشق، عبد الله بن جابر، وعبد الله بن زيد ص ٣٤٨) بسنده عن الزهري بعضه. وأخرج البعض الآخر بسنده عن ابن إسحاق موصولًا ومختصرًا، إلى زيد، وسنده حسن.
[ ٢٩٥ ]
وكما اندفع عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - بفورة حماس إيمانية زخمة، اندفع - أيضًا - بفورة حماس شاعرية رائعة، راح يُصَوِّر فيها مقام المسلمين في معان، ثُمَّ انطلاقهم بقوة وحماس إيماني نحو عدوهم المتربص في مآب:
[٤٧] جلبنا الخيل من أجام قرح١ تغر من الحشيش لهاالعكوم٢
حذوناها من الصوان سبتًا٣ أزل كأنَّ صفحته أديم٤
أقامت ليلتين على معان فأعقب بعد فترتها جموم٥
فرحنا والجياد مسومات تنفس في مناخرها السموم٦
فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم
_________________
(١) ١ قرح: هو موضع كان بوادي القرى من صدره، فغلب عليه اسم العُلا لأنه أعلى الوادي، وكان سوقًا مشهورة في الجاهلبة، وهو اليوم مدينة العُلا. (البلادي: معجم المعالم ٢٥٠، ومرداد: مدائن صالح ٦٤) . ٢ العكوم: جمع عكم. وهو الجنب. (أبو ذر: شرح السيرة ٢٧) . ٣ حذوناها: أي جعلنا لها حذاءً وهو النَّعل. والصوان: حجارة مُلْس، واحدتها: صوانة. والسبت: النعال التي تُصْنَع من الجلود المدبوغة. ٤ أزل: أملس. صفحته ظاهرة. والأديم: الجلد. (المصدر السابق) . ٥ الجموم: استراحة الفرس. (المصدر السابق) . ٦ مسومات: أي مرسلات. والسموم: الريح الحارَّة. (المصدر السابق) .
[ ٢٩٦ ]
عبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم١
_________________
(١) ١ البريم: الحزام. وأصل البريم خيط تنظمه المرأة ثُمَّ تشده على وسطها. (المصدر السابق) . وهذا الشعر ذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٧٥-٣٧٦) عن ابن إسحاق الذي رواه معضلًا بلا سند.
[ ٢٩٧ ]
المطلب الثاني: التحرشات العائية التى تعرض لها المسلمون في طريقهم إلى مؤتة
المطلب الثاني: التحرُّشات العدائية التي تعرَّض لها المسلمون في طريقهم إلى مؤتة:
ومضى زيد - رضي الله تعالى عنه - بالجيش، فسار بهم في مناطق تخضع لنفوذ الدولة البيزنطية، فكان من الطبعي أن يتعرَّضوا لبعض التحرُّشات العدائية من أهل تلك البلاد الذين كانوا يدينون بولائهم سياسيًا، وعقائديًا، للدولة البيزنطية، وإن كانت بينهم خلافات مذهبية متأصلة١، ولكنَّهم اتَّحدوا ضد المسلمين.
فيذكر ابن عائذ بسندٍ منقطعٍ ساقه إلى بعض أهل تلك المنطقة من بني سلامان أنَّ زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - سار بالمسلمين:
[٤٨] "على جبال بين الشراة والبلقاء، على ريفها وعمارتها، فمر بقرية من قرى الجبال، يُقال لها: "أكثب٢، فشدَّ أهلها على ساقة٣ المسلمين فأصابوهم بجراحة، وقتلوا رجلًا من المسلمين، فبلغ ذلك جماعة الجيش، فاستأذنوا زيد بن حارثة في الرجعة إليهم والانتقام منهم، فقال زيد: "لا أرى ذلك، لأنَّ عدوَّكم أمامكم قد جمعوا لكم، ودنوا منكم، فأكره أن تفلّوا حدَّكم٤ ونشاطكم
_________________
(١) ١ كان نصارى الشام يعاقبة، ونساطرة، وهم يخالفون مذهب الدولة البيزنطية الملكاني. ٢ لم أجد لها ترجمة في كتب البلدان. ٣ الساقة: مؤخرة الجيش. ٤ أي تضيِّعوا نشاطكم وقوَّتكم.
[ ٢٩٨ ]
بقتال غيرهم، ثُمَّ لا آمن أن يجمعوا لكم فيكونوا من ورائكم، فتكونوا بين عسكرين"١.
لقد كان رأي زيد - رضي الله تعالى عنه: "المضي قُدُمًا، وعدم استنْزاف قوة المسلمين في قتالٍ قد يُعيق تقدُّمهم نحو عدوّهم، وربَّما كان ذلك سببًا لوقوع المسلمين بين فكَّي كمَّاشة".
وقد مرَّ بنا سابقًا في روايتي الواقدي، وابن سعد، تلك التحرُّشات العدائية التي قام بها شرحبيل بن عمرو الغساني - الذي جمع جموع العرب المتنصرة - وذلك بإرساله الطلائع لتعيق تقدم المسلمين، ولكن محاولاته باءت بالفشل الذريع، حيث قَتَل المسلمون أخاه سدوس، قائد الطليعة الأولى، مِمَّا أثار الذُّعْر والهلع في قلب شرحبيل، فتحصَّن٢".
_________________
(١) ١ أي تضيِّعوا نشاطكم وقوَّتكم. ٢ سبق تخريجهما برقمي [٣]، [١٠] .
[ ٢٩٩ ]
المبحث الثاني: وصف المعركة
المطلب الأول: تعبئة المسلمين
المطلب الأول: تعبئة المسلمين:
تحرَّك المسلمون نحو جيوش الروم، وحلفائهم من القبائل، فحصل التماس الأوَّل في تخوم البلقاء "ولكن المسلمين رأوا أنَّ منطقة قرية مؤتة، بين الكرك١ والطفيلة٢، أنسب لقبول المعركة فيها، وذلك لوجود العوارض الطبيعية التي يستطيعون التحصُّن بها، نظرًا لقلَّة قوتهم بالنسبة إلى الأعداء"٣.
فما "مِن شكٍّ أنَّ قوة العدو كانت أضخم كثيرًا من قوة الجيش الإسلامي، وإن لم تبلغ العدد الذي ذكره الإخباريون، وكان التكافؤ منعدمًا بين القوتين من حيث العدد، ومن حيث عُدَّة الحرب"٤.
_________________
(١) ١ الكَرَك - بفتح أوَّله وثانيه، وهي مدينة تاريخية تقوم على مجموعة من الجبال التي يتخلَّلها وادٍ عميقٍ، وفيها القلعة الحصينة المشهورة، وهي على سن جبل عالٍ تحيط بها أودية إلاَّ من جهة الربض، وكان الصليبيون احتلُّوها فأخافوا الحجَّاج المارِّين بهذا الطريق، وقد هاجمها صلاح الدِّين حتَّى فُتِحَت صُلْحًا عام ٥٨٤ هـ، وهي اليوم في المملكة الأردنية الهاشمية. انظر: (ياقوت: معجم ٤/٤٥٣، البلادي: رحلات ١٥١-١٨٥، لانكستر هاردنج: آثار الأردن ١٢٩-١٣٠) . ٢ بلدة الطفيلة بلدة رائعة الجمال ببساتينها ومناظرها الخلاَّبة، تبعد خمسين كيلًا عن مؤتة، ولها طريق يذهب جنوبًا إلى أذرح، فمعان، وطريق يذهب شمالًا إلى مؤتة، فالكَرَك. (علي العتوم: تجربة مؤتة ٨٥، البلادي: رحلات ١٥١) . ٣ خطَّاب: الرسول القائد ﵁ ٣٠٧، وانظر: ابن هشام: سيرة ٤/٣٧٧. ٤ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٥.
[ ٣٠٣ ]
وفي مؤتة تعبأ المسلمون، ونظَّموا صفوفهم، كما يذكر ابن إسحاق:
[٤٩] "فجعلوا على ميمنتهم رجلًا من بني عذرة، يُقال له: قطبة بن قتادة١، وعلى ميسرتهم رجلًا من الأنصار، يُقال له: عباية بن مالك٢، ثُمَّ التقى الناس"٣.
وقد لاحظ المسلمون تفوّق الروم وحلفائهم عليهم، ولكنَّهم لم يكترثوا بذلك٤.
_________________
(١) ١ قطبة بن قتادة العذري. ذكره ابن إسحاق فيمن شهد مؤتة، وأنشد له فيها شعرًا، وجوَّز ابن الأثير أن يكون هو قطبة بن قتادة السدوسي، وفيه بُعْد (ابن حجر: إصابة ٣/٢٣٨) . ٢ قال ابن هشام (سيرة ٤/٣٧٧): ويُقَال: عبادة بن مالك. ولم أعثر على ترجمته. ٣ من رواية ابن إسحاق، وقد سبق تخريجها برقم [١] . ٤ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٧.
[ ٣٠٤ ]
المطلب الثاني: وصف حي لقتال القادة الثلاثة واستشهادهم:
وبدأ هجوم المسلمين باندفاع قائدهم زيد بن حارثة - رضي الله تعالى عنه - بلواء رسول الله ﷺ نحو صفوف العدو "فحارب مستقتلًا مستميتًا حتَّى مزَّقته رماح العدو"١ وذلك وفق وصف رواية عروة:
[٥٠] "حتى شاط في رماح القوم"٢.
إنَّ ذلك الوصف يدل على قوة اندفاع زيد - رضي الله تعالى عنه - واستماتته في القتال، مع عدم اكتراثه بقوة العدو، وكثافته العَدَدِيَّة والعُدَدِيَّة، وهو أمر يدل على فرط شجاعته وجرأته واستهانته بالموت ما دام في سبيل الله - ﷿.
وكلمة (شاط) ٣ تعطي عمقًا بعيدًا عن مدى شراسة الحملات التي قام بها ذلك البطل المغوار في العمق داخل صفوف العدو، وما تمزيق جسده الطَّاهر برماحهم إلاَّ نتيجة حتمية لتلك الجرأة العظيمة التي كان يتمتع بها، ويحمل بها على العدو، معطيًا من نفسه القدوة الصالحة لجنده، وما ذلك إلاَّ لعلو نفسه، وقوة رباطة جأشه.
_________________
(١) ١ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٧. ٢ سبق تخريجها برقم [٣١] . ٣ أصل الإشاطة: الإحراق، أي كأنه احترق برماح الأعداء من شدَّة تمزيقها له، وكأنَّهم حنقوا عليه نتيجة الحملات الشرسة والقوية التي كان يحمل بها عليهم في العُمْق.
[ ٣٠٥ ]
نعم! لَمَّا كانت نفس زيد بن حارثة الكلبي - رضي الله تعالى عنه - حِبِّ رسول الله ﷺ كبيرةً توَّاقةً للمعالي، دفَعَ جسده الطاهر الزكي الثَّمَن غاليًا في أحضان رماح العدو وحرابهم١، وما كاد يسقط القائد البطل شهيدًا في سبيل الله تعالى، حتَّى تلقَّف منه اللواء، ومِن ثَمَّ خلفه في القيادة - حسب أمر القائد الأعلى رسول الله ﷺ - بطل آخر شاب من آل بيت النَّبيّ ﷺ موئل البطولات، وأركان الشجاعة، ولا غَرْوَ في ذلك، فهو جعفر ابن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ابن عمّ رسول الله ﷺ بطل الأبطال، وقائد الشجعان.
وتقدَّم البطل الشاب بفرسه يصول ويجول براية رسول الله ﷺ، حتى إذا ما ألحمه القتال، ترجَّل عن فرسه، كما يذكر أَحَد شهود العيان:
[٥١] "والله لكأني أنظر إلى جعفر حين اقتحم عن فرسٍ له شقراء، فعقرها، ثُمَّ قاتل القوم"٢، راجلًا، وهو يرتجز:
_________________
(١) ١ يذكر ابن دريد (الاشتقاق ٥٥١) أنَّ الذي باشر قتل زيد رضي الله تعالى عنه، هو مالك بن رافلة قائد العرب المتنصِّرة. ولم أر أحدًا قال به غيره. والله تعالى أعلم. ٢ أخرجه أبو داود (السنن ٣/٦٢-٦٣)، وذكره ابن هشام (السيرة ٤/٣٧٨)، من حديث ابن إسحاق، قال: حدَّثَني ابن عبَّاد، عن أبيه عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، حدَّثني أبي الذي أرضعني، وهو أحد بني مرة بن عوف وكان في تلك الغزوة. وقال أبو داود: "هذا الحديث ليس بالقوي". وقال الزرقاني (شرح المواهب ٢/٢٧٢) مُعَقِّبًا: "وكأنه يريد ليس بصحيح، وإلاَّ فهو حسن، كما جزم به الحافظ، وتبعه المصنِّف". وقال مغلطاي (الزهر الباسم، الجزء الثاني والعشرين ص ٢٤): "على أنَّ لقائلٍ أن يقول: ليس الحديث بضعيف، بل هو صحيح على رسم مسلم في ابن إسحاق، ومحمَّد بن سلمة، وأمَّا يحي بن عباد فوثَّقه غير واحد، وأبوه حديثه في الصحيحين، وجهالة اسم الصحابي لا تضر". وقال أحمد شاكر (حاشية سنن أبي داود ٣/٦٣): "صرَّح ابن إسحاق بسماعه من يحي بن عباد، والإسناد صحيح". قلت: الإسناد حسن كما جزم بذلك الحافظ (فتح٧/٥١١)، والقسطلاني (المواهب ١/٥٥١)، والألباني (صحيح سنن أبي داود ٢/٤٨٩) وذلك لأنَّ ابن إسحاق صدوق. والله تعالى أعلم.
[ ٣٠٦ ]
يا حبَّذا الجنَّة واقترابها طيبة وبارد شرابها
والروم روم قددنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها
عليَّ إذا لاقيتها ضرابها
ثُمَّ اندفع يقاتل بشجاعة نادرة، وجرأة لا مثيل لها، ورباطة جأش عظيمة، والضربات تنهال عليه من كُلِّ جانبٍ ما بين طعنة رمح، وضربة سيف، ورميل نبل، دون أن تثنيه عن الاستمرار، أو تعيق تقدمه بلواء رسول الله ﷺ الذي كان يمثل رمزًا عظيمًا للمسلمين في معاركهم، لأجل ذلك كان تركيز العدوّ على إسقاطها شديدًا، فلمَّا أعياهم البطل جعفر - رضي الله تعالى عنه - بقوة تماسُكه، ورباطة جأشه العظيمة، ورأوا أنَّ الضربات على جسده لم تزده إلاَّ إمعانًا وتقدُّمًا نحو صفوفهم، عندها حوَّلوا ضرباتهم إلى اليد العظيمة التي كانت تمسك اللواء بقوة، وتقاتل به
[ ٣٠٧ ]
بلا هوادة، فقطعوها، وظنَّ الأعداءُ أنَّها النهاية، وأنَّ اللواء سوف يسقط، فتسقط معه معنويات المسلمين، ولكنَّ القائد العظيم تلقَّفه:
[٥٢] "بشماله، فقُطِعَت، فاحتضنه بعضديه"١، ولكن "ورغم استبسال جعفر وثباته هذا، فقد انتهى صموده الرائع بأن سقط شهيدًا بعد أن اعتورته سيوف الرومان، وهو يحتضن اللواء في إصرارٍ وتصميمٍ، حتَّى صعدت روحه الطاهرة، ليأخذ مكانه بين الصِّدِّيقين والشُّهداء"٢.
بل بين الملائكة:
_________________
(١) ١ ذكره ابن هشام (السيرة ٤/٣٧٨) روايةً عن مبهم، ولكن له شاهد، أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٢٣٢) من حديث عطاء، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وقال فيه حكايةً عن جعفر رضي الله تعالى عنه: ”ثُمَّ أخذت اللواء بيدي اليُمنى فقُطِعَت، ثُمَّ أخذت بيدي اليُسرى فقُطِعَت " الخ. وقد سكت عنه الحاكم، والذهبي، وأخرجه الطبراني كما في (المجمع للهيثمي ٩/٢٧٣) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين، وأحدهما حسن. وقال عنه ابن حجر (فتح الباري ٧/٧٦): إسناده جيد. وقال ابن كثير (البداية ٤/٢٤٦): ومِمَّا يشهد لِمَا ذكره ابن هشام مِن قطع يمينه وهي مُمْسِكة باللواء، ثُمَّ شماله، ما رواه البخاري: ثنا محمَّد بن أبي بكر ثنا عمر ابن علي، عن إسماعيل بن أبي خلاَّد، عن عامر قال: "كان ابن عمر إذا حَيِّا ابن جعفر قال: السَّلام عليك يا ابن ذي الجناحين". ٢ با شميل: غزوة مؤتة ٢٩٦.
[ ٣٠٨ ]
[٥٣] "فقد صحَّ أنَّ الله قد عوَّضه من يديه جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنة١، ويأكل من ثمارها حيث شاء، فلذلك سُمِّيَ
_________________
(١) ١ أحاديث الجناحين كثيرة، منها الصحيح، والحسن، والضعيف. وهي بمجموعها تُدَلِّل وتؤكد صحَّة الخبر: أ - أخرج البخاري (الصحيح ٥/٨٧) حديث ابن عمر من طريق الشعبي قال: "كان ابن عمر إذا حيَّا ابن جعفر قال: السلام عليك با ابن ذي الجناحين". قال ابن حجر (فتح الباري ٧/٧٦): كأنه يشير إلى حديث عبد الله بن جعفر. ب- قال لي رسول الله ﷺ: "هنيئًا لك أبوك يطير مع الملائكة في السماء". أخرجه الطبراني بإسنادٍ حسنٍ. انتهى. ج- وأخرج الطبراني، كما في (مجمع الزوائد ٩/٢٧٣) بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما حديثًا طويلًا عن المعركة، قال في آخره: "ذا جناحين يطير بهما حيث شاء، مخضوبة قوادمه بالدماء". قال الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن. د- وأخرج ابن سعد (الطبقات ٤/٣٩) بسنده من حديث حمَّاد بن زيد، عن عبد الله ابن المختار قال: قال رسول الله ﷺ: "مرَّ بِيَ جعفر بن أبي طالب الليلة في ملأٍ من الملائكة له جناحان ". وقد وصله الحاكم بإسناده عن محمَّد بن سيرين، عن أبي هريرة، فذكر نحوه. وقال الحاكم (المستدرك ٣/٢٣٤): هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي في التلخيص. وابن حجر (فتح الباري ٧/٧٦) . هـ- وأخرج ابن سعد أيضًا (الطبقات ٤/٣٩) بسنده عن الحسن البصري أنه قال: "إنَّ لجعفر جناحين يطير بهما في الجنَّة ". وسنده إلى الحسن لا بأس به، إلاَّ أنه مرسل. أخرجه ابن سعد (الطبقات٤/٣٩) من حديث حسين بن عبد الله ابن ضمير، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن أبي طالب ﵁. فذكر مثله مرفوعًا. وحسين كذَّبه مالك وغيره. ووأخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي، مناقب جعفر بن أبي طالب، حديث رقم ٣٨٥٢) بسنده عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول اللهﷺ-: "رأيت جعفرًا يطير في الجنَّة مع الملائكة". قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعَّف يحي بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي ابن المديني. وأخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٢٣١) بسنده من طريق علي بن عبد الله بن جعفر المديني به نحوه، إلاَّ أنه قال فيه: "ملكًا يطير مع الملائكة بجناحين". وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي في التلخيص: المديني واهٍ. وقال ابن حجر (فتح الباري ٧/٧٦) في إسناده ضعف. وصحَّحه الألباني في ثلاثة مواضع (الأحاديث الصحيحة ١٢٢٦، ومشكاة المصابيح ٦١٥٣، وصحيح سنن الترمذي ٢٩٦٣) . قلت: والصحيح أنه ضعيف لضعف عبد الله بن المديني، كما ذكر الذهبي، وابن حجر. والله تعالى أعلم. ز- وأخرج الطبراني (المعجم ٢/١٠٧)، والحاكم (المستدرك ٣/٢٣١) بسنديهما من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "دخلت البارحة الجنَّة فرأيت فيها جعفرًا يطير مع الملائكة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال مصطفى عبد القادر عطا (حاشية المستدرك ٣/٢٣١) حذفه الذهبي من التلخيص لضعف سلمة بن وهرام. قال أحمد: روى مناكير أخشى أن يكون ضعيفًا. وقال أبو داود: ضعيف. قلت: ولكنَّ ابن حجر (التقريب ٢٤٨) قال عنه: صدوق، وقال في التهذيب ٢/٣٨٤: وثَّقه أبو زرعة، وابن معين. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برويايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة. انتهى. ولكن في إسناده زمعة ابن صالح، قال عنه ابن حجر (التقريب ٢١٧): ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون. ح -وأخرج ابن عساكر: تاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص ٢٧) بسنده من طريق عمر بن هارون البلخي، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "لَمَّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب دخل النَّبِيُّ ﷺ على أسماء بنت عميس، فوضع عبد الله ومحمَّدًا ابني جعفر على فخذه، ثُمَّ قال: "إنَّ جبريل أخبرني أنَّ الله ﷿ استشهد جعفرًا، وإنَّ له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنَّة ". وأخرجه الطبراني كما ذكر الهيثمي (المجمع ٩/٣٧٣) وقال عنه: فيه عمر بن هارون، وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وبقية رجاله ثقات. قلت: عمر بن هارون قال عنه ابن حجر (تقريب ٤١٧): متروك. ط -وقال السيوطي (الخصائص ٧٤): أخرج الدارقطني في غرائب مالك عن ابن عمر قال: "كُنَّا مع رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله ما هذا؟ قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأٍ من الملائكة فسلَّم عليَّ". قال عنه ابن حجر (الإصابة ١/٢٣٨): ضعيف. ي -وأخرج ابن سعد (الطبقات٤/٣٩) بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجلٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لقد رأيته في الجنَّة - يعني جعفرًا - له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغُ القوادم". قلت: سنده ضعيف لجهالة الراوي عن النَّبِيِّ ﷺ، ولانقطاع السند إسماعيل بن أبي خالد من الرابعة. والله تعالى أعلم. ك -وأخرج ابن سعد أيضًا (الطبقات ٤/٣٩) من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنَّة مع الملائكة". قلت: سنده ضعيف، حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبه مالك وغيره، ولجهالة أبيه. والله تعالى أعلم. ل -كما أخرج الطبري (التاريخ ٣/٤١) بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر قال: لَمَّا أُتِيَ رسول الله ﷺ مصاب جعفر، قال رسول الله ﷺ: "قد مرَّ جعفر البارحة في نفرٍ من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم، يريدون بيشة أرضًا باليمن". قلت: سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر، من الخامسة، كما أنَّ في متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
[ ٣٠٩ ]
_________________
(١) ابن ضمير، عن أبيه، عن جده، عن عليّ بن أبي طالب ﵁. فذكر مثله مرفوعًا. وحسين كذَّبه مالك وغيره. ووأخرج الترمذي (انظر: تحفة الأحوذي، مناقب جعفر بن أبي طالب، حديث رقم ٣٨٥٢) بسنده عن أبي هريرة-رضي الله تعالى عنه-قال: قال رسول اللهﷺ-: "رأيت جعفرًا يطير في الجنَّة مع الملائكة". قال الترمذي: هذا حديث غريب من حديث أبي هريرة، لا نعرفه إلاَّ من حديث عبد الله بن جعفر، وقد ضعَّف يحي بن معين وغيره عبد الله بن جعفر، وهو والد علي ابن المديني. وأخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٢٣١) بسنده من طريق علي بن عبد الله بن جعفر المديني به نحوه، إلاَّ أنه قال فيه: "ملكًا يطير مع الملائكة بجناحين". وقال عنه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال الذهبي في التلخيص: المديني واهٍ. وقال ابن حجر (فتح الباري ٧/٧٦) في إسناده ضعف. وصحَّحه الألباني في ثلاثة مواضع (الأحاديث الصحيحة ١٢٢٦، ومشكاة المصابيح ٦١٥٣، وصحيح سنن الترمذي ٢٩٦٣) . قلت: والصحيح أنه ضعيف لضعف عبد الله بن المديني، كما ذكر الذهبي، وابن حجر. والله تعالى أعلم. ز- وأخرج الطبراني (المعجم ٢/١٠٧)، والحاكم (المستدرك ٣/٢٣١) بسنديهما من طريق زمعة بن صالح، عن سلمة بن وهرام، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: "دخلت البارحة الجنَّة فرأيت فيها جعفرًا يطير مع الملائكة". قال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرِّجاه. وقال مصطفى عبد القادر عطا (حاشية المستدرك ٣/٢٣١) حذفه الذهبي من التلخيص لضعف سلمة بن وهرام. قال أحمد: روى مناكير أخشى أن يكون ضعيفًا. وقال أبو داود: ضعيف.
[ ٣١٠ ]
_________________
(١) قلت: ولكنَّ ابن حجر (التقريب ٢٤٨) قال عنه: صدوق، وقال في التهذيب ٢/٣٨٤: وثَّقه أبو زرعة، وابن معين. وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس برويايات الأحاديث التي يرويها عنه غير زمعة. انتهى. ولكن في إسناده زمعة ابن صالح، قال عنه ابن حجر (التقريب ٢١٧): ضعيف، وحديثه عند مسلم مقرون. ح -وأخرج ابن عساكر: تاريخ دمشق (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص ٢٧) بسنده من طريق عمر بن هارون البلخي، عن عبد الملك بن عيسى الثقفي، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "لَمَّا جاء نعي جعفر بن أبي طالب دخل النَّبِيُّ ﷺ على أسماء بنت عميس، فوضع عبد الله ومحمَّدًا ابني جعفر على فخذه، ثُمَّ قال: "إنَّ جبريل أخبرني أنَّ الله ﷿ استشهد جعفرًا، وإنَّ له جناحين يطير بهما مع الملائكة في الجنَّة ". وأخرجه الطبراني كما ذكر الهيثمي (المجمع ٩/٣٧٣) وقال عنه: فيه عمر بن هارون، وهو ضعيف، وقد وُثِّق، وبقية رجاله ثقات. قلت: عمر بن هارون قال عنه ابن حجر (تقريب ٤١٧): متروك. ط -وقال السيوطي (الخصائص ٧٤): أخرج الدارقطني في غرائب مالك عن ابن عمر قال: "كُنَّا مع رسول الله ﷺ فرفع رأسه إلى السماء فقال: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. فقال الناس: يا رسول الله ما هذا؟ قال: مرَّ بي جعفر بن أبي طالب في ملأٍ من الملائكة فسلَّم عليَّ". قال عنه ابن حجر (الإصابة ١/٢٣٨): ضعيف. ي -وأخرج ابن سعد (الطبقات٤/٣٩) بسنده عن إسماعيل بن أبي خالد، عن رجلٍ، أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قال: "لقد رأيته في الجنَّة - يعني جعفرًا - له جناحان مضرجان بالدماء مصبوغُ القوادم ".قلت: سنده ضعيف لجهالة الراوي عن النَّبِيِّ ﷺ، ولانقطاع السند إسماعيل بن أبي خالد من الرابعة. والله تعالى أعلم. ك -وأخرج ابن سعد أيضًا (الطبقات ٤/٣٩) من حديث حسين بن عبد الله بن ضميرة، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، أنَّ رسول الله ﷺ قال: "إنَّ لجعفر بن أبي طالب جناحين يطير بهما في الجنَّة مع الملائكة". قلت: سنده ضعيف، حسين بن عبد الله بن ضميرة، كذَّبه مالك وغيره، ولجهالة أبيه. والله تعالى أعلم. ل -كما أخرج الطبري (التاريخ ٣/٤١) بسنده من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله ابن أبي بكر قال: لَمَّا أُتِيَ رسول الله ﷺ مصاب جعفر، قال رسول الله ﷺ: "قد مرَّ جعفر البارحة في نفرٍ من الملائكة له جناحان مختضب القوادم بالدم، يريدون بيشة أرضًا باليمن". قلت: سنده ضعيف لعنعنة ابن إسحاق، ولإرساله، عبد الله بن أبي بكر، من الخامسة، كما أنَّ في متنه نكارة. والله تعالى أعلم.
[ ٣١١ ]
الطيَّار في الجنَّة"١.
_________________
(١) ١ أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٢٣٢) من حديث سعدان بن الوليد، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس، وسكت عنه. وأخرجه الطبراني في الأوسط، كما ذكر (الهيثمي: مجمع ٩/٢٧٣) وقال الهيثمي: وفيه سعدان بن الوليد لم أعرفه، وبقية رجاله ثقات. قلت: قال عنه ابن حجر (فتح ٧/٧٦): إسناده جيِّد. انتهى. أمَّا سعدان بن الوليد، فهو سعيد بن يحي، ولقبه سعدان، كما تبيَّن في رواية الحاكم الثانية للخبر (٣/٢٣٤-٢٣٥) وهو صدوق، له حديث واحد عند البخاري (تقريب ٢٤٢)، وبذلك يستقيم قول ابن حجر في إسناده. والله تعالى أعلم. كما أخرجه الطبراني، كما في (المجمع) وقال عنه الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين وأحدهما حسن.
[ ٣١٢ ]
"ويكون أوَّل من حاز على لقب طيَّار في التاريخ الإسلامي، ويتفرَّد به دون النَّاس أجمعين"١. ولكنَّه في ذات الوقت ليس طيَّارًا عاديًا، أو حتى رائد فضاء، بل طيَّارًا في الجنَّة مع الملائكة المقرَّبين، يطير مع جبريل، وميكائيل، وقد ميَّزه الله - ﷾ - عن الملائكة بأن جعل جناحيه مضرجين، مخضوبةً قوادمه بالدماء٢. وذلك علامة على أنَّهما وسام شرف علوي مُنِحَ له مكان يديه اللتين ضحَّى بهما بإصرارٍ في سبيل الله تعالى، وهو يقاوم بقوة وعنادٍ عجيبين ألاَّ تسقط راية رسول الله ﷺ أرضًا.
نعم! سقط القائد الشاب شهيدًا، وفي جسده بضعٌ وتسعون ما بين طعنة ورمية، منها:
[٥٤] "خمسون بين طعنة وضربة ليس منها شيء في دبره، يعني في ظهره"٣.
وفي ذلك "بيان فرط شجاعته وإقدامه"٤.
_________________
(١) ١ منير غضبان (فقه السيرة ٥٤٨) . ٢ سبق تخريجه برقم [٥٣] . انظر الحديث رقم (ج) . ٣ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٦) . ٤ ابن حجر (فتح ٧/٥١٢) .
[ ٣١٣ ]
فلمَّا قُتِلَ جعفر، أخذ عبد الله بن رواحة الراية، ثُمَّ تقدَّم بها، وهو على فرسه، وكان لمقتل صاحبيه الواحد تلو الآخر على ذلك النحو المؤثِّر، أثره في نفسه، فيذكر ابن إسحاق بسندٍ حسنٍ عن شاهد عيان من بني مرة، أنه:
[٥٥] "جعل يستنْزل نفسه ويتردَّد، بعض التردُّد، ويرتجز:
أقسمت يا نفس لتنزلنَّه لتنزلن أو لتكرهنَّه
إن أجلب الناس وشدُّوا الرنَّة١ مالي أراك تكرهين الجنَّة
قد طال ما كنت مطمئنة هل أنت إلاَّ نطفة في شنَّة٢
وقال أيضًا:
يا نفس إلاَّ تُقْتَلي تموتي هذا حمام الموت قد صليت
وما تمنيتِ فقد أُعْطِيتِ إنْ تفعلي فعلهما هُدِيتِ
يريد صاحبيه زيدًا، وجعفرًا، ثُمَّ نزل، فلمَّا نزل أتاه ابن عم له بعرق٣ من لحم، فقال: شُدَّ بهذا صُلبك، فإنَّك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فأخذه من يده، ثُمَّ انتهس منه نهسة٤، ثُمَّ سمع الحطمة٥ في
_________________
(١) ١ أجلب الناس: يُقَال: أجلب القوم إذا صاحوا واجتمعوا. والرَّنة: صوت فيه ترجيع شبه البكاء. ٢ النطفة: الماء القليل الصافي. والشَّنة: القربة القديمة. ٣ العرق: العظم الذي عليه بعض لحم. ٤ انتهس: أي أخذ منه بفمه يسيرًا. ٥ الحطمة: الكسرة. والمراد بها هنا اشتداد القتال بين الطرفين.
[ ٣١٤ ]
ناحية النَّاس، فقال: وأنت في الدُّنيا! ثُمَّ ألقاه من يده، ثُمَّ أخذ سيفه، فتقدَّم، فقاتل حتَّى"١.
[٥٦] "طُعِنَ، فاستقبل الدم بيده، فدلك به وجهه، ثُمَّ صُرِعَ بين الصَّفين، فجعل يقول: يا معشر المسلمين، ذُبُّوا٢ عن لحم أخيكم، فجعل المسلمون يحملون حتَّى يحوزوه٣، فلم يزالوا كذلك حتَّى مات مكانه"٤.
وينفي بعض المعاصرين رواية تردُّد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، كونها تتعارض مع موقفه قبل ذلك من تشجيعه للمسلمين لملاقاة الروم، وتحرُّقه للشهادة في سبيل الله٥.
بينما يربط بعضهم هذا الموقف بما عُرِفَ من تقلبات نفسية الشُّعراء وحساسيتهم٦.
_________________
(١) ١ سبق تخريجه برقم [٥١] . ٢ الذَّبُّ: الدفع، والمنع. (القاموس: ذَبَّ) . ٣ الحوز: الجمع وضم الشيء، كالحيازة والاحتياز. (القاموس: الحوز) . ٤ أخرجه ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر، عبد الله بن زيد ص ٣٥٧) من طريق أبي إسحاق الفزاري بسنده عن مصعب بن شيبة. وكذلك ذكره الذهبي (تاريخ الإسلام، قسم المغازي ٤٩٧-٤٩٨)، وابن الأثير (أُسْد الغابة ٣/٢٣٨) تعليقًا عن مصعب. قلت: وهو منقطع، مصعب بن شيبة العبدري لم يدرك الوقعة. ٥ انظر: (الدويدار: صور من حياة الرسول ﷺ ٥٢١-٥٢٣) . ٦ انظر: (عماد الدين خليل: دراسة في السيرة ٢٩٧) .
[ ٣١٥ ]
بينما ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - لا يعدو كونه أمرًا طبعيًا، وموقفًا من مواقف ضعف النفس البشرية يعتريها أوقات الشدة والأزمات، وهو بالتالي لا يُدلِّل على خَوَرِ عبد الله رضي الله تعالى عنه وجُبْنَه، كما يفهمه البعض من ظاهر الرواية، فذلك أمرٌ مفروغٌ منه، فعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - مشهودٌ له بالشجاعة، والجرأة، ورباطة الجأش، وليس اختيار النَّبيّ ﷺ - وهو الخبير في أصحابه - له قائدًا من قوَّاد هذه الموقعة العظيمة التي كانت في عمق الأراضي الخاضعة لنفوذ الدولة البيزنطية، وبعيدًا عن قاعدة المسلمين، وانتدابه له سابقًا في أقوى سراياه وبعوثه، وأصعبها مهمّة وجُرأة، وهي سرايا المغاوير، إلاَّ دليلًا من الأدلة القاطعة على ذلك.
والصحابة - رضي الله تعالى عنهم، وإن كانوا مشهورين بالشجاعة والجرأة وحُب الموت في سبيل الله تعالى، فهم في النهاية ليسوا ملائكة، بل بشر يعتريهم الخوف والضَّعْف في مواطنهما، بل ربَّما مغادرة ميدان المعركة، كما حدث من بعضهم في بعض المواقع، وقد سوَّغ لهم الشرع التحيُّز إلى فئة، وعدم الاستقتال.
إنَّ ما حدث من عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - أمرٌ طبعي يمكن أن يحدث لكُلِّ إنسان في مثل تلك الظروف الصعبة والمواقف المحرجة.
ولكن معالجة الموقف بمثل تلك القوة، والشجاعة، ورباطة الجأش، لا تحدث من كُلِّ إنسان، فما قام به عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يقوم به إلاَّ رجال أبطال مؤمنون أمثاله، ولو كان غير ذلك لأطلَقَ لنفسه العنان، ولما استطاع مصابرتها والتغلُّب على فلتاتها.
[ ٣١٦ ]
وكان يمكن أن يمر ذلك الموقف دون أن يحس به أحد من الناس، ولكنَّ رجلًا شجاعًا، شاعرًا، مؤمنًا، مرهف الحسّ، صادقًا مع نفسه، كعبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، لا يمكن أن يدعه يمر عليه هكذا بسهولة، دون أن يُصَوِّر أحاسيسه تجاهه تصويرًا صادقًا قويًا، ويُعَبِّر عن خلجات نفسه نحوه تعبيرًا دقيقًا رائعًا بصوتٍ عالٍ مرتفعٍ، استطاع معه شهود العيان، ومِن ثَمَّ الرواة تسجيله بمدادِ العزَّةِ والكرامة، لتتطلَّع عليه الأجيال الإسلامية تلو الأجيال، فتعتبر، ولعلَّه أراد ذلك فعلًا، وبالإضافة إلى ما ذكرناه، فإنَّ سند الرواية التي نقلت الخبر، ساقه ابن إسحاق بطريق حسن إلى شاهد عيان١، شارك في المعركة، وقد يعتضد بالمتابعات إلى درجةٍ أعلى، كما أنه لم يصح حديث السرير الذي ذكره ابن إسحاق بلاغًا بلا سند
[٥٧] وذُكِرَ فيه أنَّ النَّبيّ ﷺ رأى في المنام أنَّ منْزلة عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - دون منْزلة صاحبيه في الجنَّة نتيجة تردُّده"٢.
_________________
(١) ١ سبق تخريجها برقم [٥٥] . ٢ أخرجه الهيثمي (مجمع ٦/١٥٩-١٦٠) وعزاه للطبراني من حديث ابن إسحاق، وقال عنه: رواه الطبراني ورجاله ثقات. قلت: أُدْخِل هذا الحديث في حديث عبَّاد بن عبد الله بن الزبير، الذي رواه عن أبيه الذي أرضعه من بني مرّة. والدليل على ذلك أنَّ ابن إسحاق روى هذا الحديث بلاغًا، ووقع ذلك في السيرة عند ابن هشام (٤/٣٨٠)، وعند البيهقي (دلائل ٢/٣٦٨)،وعند ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر، عبد الله بن زيد ص ٣٤٩) .
[ ٣١٧ ]
وقد حكم عليه ابن كثير رحمه الله تعالى بالانقطاع، وعارضه بحديثٍ الصحيح١.
[٥٨] كما أنَّ الأحاديث الأُخرى المماثلة، جاءت من طُرُق واهية لا يُعْتَدُّ بها٢.
_________________
(١) ١ ابن كثير (البداية ٤/٢٤٥) . ٢ أخرج عبد الرزَّاق (المصنَّف ٥/٢٦٦) عن ابن عيينة، عن ابن جدعان، عن ابن المسيب قال: قال النَّبِيُّ ﷺ: "مثّلوا لي في الجنَّة في خيمة من دُرّ، كُلّ واحد منهم على سرير، فرأيت زيدًا، وابن رواحة في أعناقهما صدودًا، وأمَّا جعفر فمستقيم ليس فيه صدود الخ". قلت: سنده ضعيف آفته ابن جدعان علي بن زيد التيمي، ضعَّفوه. وذكر ابن أبي حاتم، والعجلي أنه يتشيَّع. وقال ابن عدي: كان يغالي في التشيُّع. وذكر حمَّاد بن زيد أنه كان يقلب الحديث. قلت: وهذه الرواية التي ذكرها تفوح منها رائحة التشيُّع بقوَّة. والله تعالى أعلم. كما أخرج الطبراني (معجم ١٩/١٦٧-١٦٨) من طريق ثابت بن دينار، عن أبي اليسر، حديث أبي عامر الأشعري الذي ذكر فيه عن رسول الله ﷺ قال: "دخلت الجنَّة فرأيت جعفرًا ذا جناحين مضرجين بالدماء، وزيد مقابله، وابن رواحة معهما، كأنه يعرض عنهما، وسأخبركم عن ذلك، إنَّ جعفرًا حين تقدَّم فرأى القتل لم يصرف وجهه، وزيد كذلك، وابن رواحة صرف وجهه". قال الهيثمي (مجمع ٦/١٦١): فيه ثابت بن دينار، أبو حمزة، وهو ضعيف. وقال عنه ابن حجر (تقريب ١٣٢): رافضيٌّ ضعيف. قلت: ويظهر التشيُّع في روايته بذكره حديث جعفر رضي الله تعالى عنه فقط من بين أُمراء الوقعة في بداية حديثه عنها. والله تعالى أعلم.
[ ٣١٨ ]
المطلب الثالث: اشتعال المعركة بين الجيشين:
هذا وقد أشعلت الحملات والاختراقات البطولية - التي قام بها القادة الثلاثة في العمق داخل صفوف العدو رغم تفوقه العَدَدِي والعُدَدِي - أشعلت حماس المسلمين جميعًا، واشتعل القتال على طول الجبهة، وأبدى المسلمون من صنوف البطولات الجماعية، والفردية، أسوة بقوَّادهم ما أذهل الروم وحلفاءَهم.
[٥٩] فهذا عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - كما يذكر الأوزاعي في رواية - وفي مجلس من مجالس الأنصار في المدينة، ومعهم نفر منهم، حين نزل قول الله - ﵎: ﴿إنَّ الله يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنهُمْ بُنْيانٌ مَرْصُوصٌ﴾ . [سورة الصّفّ، الآية ٤:] . يعاهدون الله - ﵎ - على الجهاد في سبيله حتى الموت، فلمَّا أخذ عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - الراية، فصاح بأولئك النَّفر الذين حضروا ذلك المجلس، فتلا عليهم الآية وقال لهم: إنَّ ما كنتم عاهدتم الله عليه قد جاء مصداقه، "اصدقوا الله يصدقكم، فجاءوا يخبُّون١ كأنَّهم
_________________
(١) ١ الخَبَب - محرَّكة - ضرب من العدو، أو كالرمل، أو أن ينقل الفرس أيامنه جميعًا، وأياسره جميعًا، أو أن يراوح بين يديه، والسرعة خب خبًا وخبيبًا وخببًا. (القاموس: خبب) .
[ ٣١٩ ]
بقر نُزِعَت من تحتها أولادها، فتقدَّموا بين يديه، فلمَّا شدَّ على الروم شدُّوا معه حتى شُدِخُوا١ جميعًا"٢.
وهذا عوف بن مالك الأشجعي٣ - رضي الله تعالى عنه -، أحد شهود العيان والمشاركين في مؤتة، يُحَدّثنا عن إحدى تلك البطولات، فيقول:
_________________
(١) ١ الشدخ: الكسر في كل شيء رطب أو يابس، وقيل: هو التهشيم. وقال الليث: الشدخ كسرك الشيء الأجوف، كالرأس ونحوه. وفي الحديث: فشدخوه بالحجارة. (اللسان، والقاموس: شدخ) . ٢ أخرجه ابن عساكر: تاريخ (عبد الله بن جابر - عبد الله بن زيد ص ٣٥١-٣٥٢) من حديث ابن عائذ بسندٍ صحيحٍ عن الأوزاعي، لكنَّه منقطع، الأوزاعي من السابعة، والمجلس الذي ورد ذكره في الحديث أخرجه ابن عساكر (تاريخ ٥/٣١٤- ٣١٥) من طريق ابن المبارك، عن ابن جريج، عن مجاهد قال: قوله تعالى: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُون﴾ إلى قوله تعالى: ﴿صَفًّا كَأَنهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ [الصف: ٢-٤]، نزلت في نفرٍ من الأنصار منهم عبد الله بن رواحة، قالوا في مجلسِ من المجالس: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله ﷿ لعملنا به حتى نموت. قال ابن رواحة: لا أزال حبيسًا في سبيل الله ﷿ حتى أموت، فَقُتِلَ شهيدًا ﵀. وأخرجه ابن المبارك في (الجهاد: ١٦) به نحوه، وسنده فيه عنعنة ابن جريج، وهو ثقة لكنَّه كان يدلِّس. كما أخرجه الطبري (تفسير ٢٨/٨٤) بسنده عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد نحوه، وفيه أيضًا عنعنة ابن أبي نجيح، وهو ثقة ربَّما دلَّس. ٣ عوف بن مالك الأشجعي، أبو حمَّاد، ويقال: أبو عبد الرحمن. ذكر ابن حجر في التقريب أنه من مسلمة الفتح. قلت: وأظنه سبق قلم منه ﵀، حيث ذكر في الإصابة والتهذيب عن الواقدي أنه شهد خيبر، أو كأنَّ ابن حجر لم يأخذ بقول الواقدي لضعفه، ولكن يشهد له هذا الحديث الصحيح كما جزم بذلك أبو عمر، وكانت معه راية أشجع يوم الفتح وسكن الشام وعمَّر، ومات في خلافة عبد الملك بن مروان سنة ثلاثٍ وسبعين. انظر: (ابن سعد: طبقات ٤/٢٨٠-٢٨١، ابن عبد البر: الاستيعاب هامش الإصابة ٣/١٣١، ابن حجر: إصابة ٣/٤٣، تهذيب ٤/٤٢٤، تقريب ٤٣٣) .
[ ٣٢٠ ]
[٦٠] "خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، فرافقني مدَدِّيُّ١ من أهل اليمن ليس معه غير سيفه، فنحر رجلٌ من المسلمين جزورًا٢، فسأله المدَدِّيُّ طائفة من جلده٣، فأعطاه إيَّاه، فاتَّخذه كهيئة الدرق٤، ومضينا، فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له أشقر عليه سرج مذهب، فجعل الرومي يفري٥ بالمسلمين، فقعد له المدَدِّيُّ خلف صخرة، فمرَّ به الرومي فعرقب فرسه٦، فخرَّ٧ وعلاه فقتله، وحاز فرسه وسلاحه"٨.
_________________
(١) ١ أي: من أمداد اليمن، وقد سبق التعريف بهم. ٢ الجزور: البعير، أو الناقة المجزورة، أي المنحورة. ٣ طائفة من جلده: أي قطعة من جلده. ٤ الدرق: ضرب من الترسة، الواحدة: درقة، تُتَّخذ من الجلود. ٥ كناية عن المبالغة في القتل. ٦ عرقب فرسه: أي قطع عرقوبه، وهو عصب غليظ في رجل الدَّابة بمنْزلة الركبة في يدها. ٧ خرَّ: أي سقط من علو. ٨ أخرجه مسلم (الصحيح ٤/٢٤)، وأبو داود (سنن ٣/١٦٣) وهذا لفظه. وأحمد (المسند، حديث رقم: ٢٣٩٩٦٠) . كلّهم من حديث الوليد بن مسلم، حدَّني صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف بن مالك ﵁. كما أخرجه ابن حبان (انظر: الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان حديث ٤٨٢٢) به نحوه. إلاَّ أنه قال فيه: "إنَّ مَدَدِيًّا في غزوة تبوك رافقهم " فذكر باقي الحديث نحوه. قلت: قوله: "في غزوة تبوك" وهم، فالثابت أنَّ ذلك كان في غزوة مؤتة كما مرَّ. والله تعالى أعلم.
[ ٣٢١ ]
[٦١] ويتصدَّى عقيل بن أبي طالب١ - رضي الله تعالى عنه - لرجلٍ آخر فيقتله بعد مبارزةٍ بالسيوف٢.
ولكن، ومع تلك البطولات التي أبداها المسلمون قُوَّادًا وأفرادًا، إلاَّ أنه بمقتل عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، آخر قائد مُعَيَّن في المعركة، انفرط عِقد المسلمين و"صار المسلمون لا قائد لهم يحفظ نظامهم"٣.
"وأصبح الموقف الآن خطيرًا، ومن الممكن أن يتحوَّل بسهولة إلى ما هو أسوأ، ويؤدي إلى هزيمة تامة للمسلمين"٤.
_________________
(١) ١ عقيل بن أبي طالب الهاشمي، أخو عليّ وجعفر، وكان الأسنّ. (صحابي، عالمٌ بالنّسب)، مات سنة ستّين. وقيل: بعدها. (تقريب ٣٦٩) . ٢ ذكره الطبراني في (المعجم الأوسط ١/٢٦٥-٢٦٦) من حديث جابر بن عبد الله، وقال عنه الهيثمي: فيه عبد الله بن محمَّد بن عقيل، وهو حسن الحديث، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات. قلت: قال عنه ابن حجر: (تقريب ٣٢١): صدوق، في حديثه لين. ٣ أبو زيد، شلبي: سيف الله خالد بن الوليد ٦٣. ٤ الجنرال أكرم: سيف الله ١٠٥.
[ ٣٢٢ ]
المطلب الرابع: تولي خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - القيادة وانسحابه بالمسلمين:
ويدرك ثابت بن أقرم، أخو بني العجلان - رضي الله تعالى عنه١ - هذه الحقيقة، فيحاول تدارك الموقف، ويحتوي خطورته قبل تفاقمها، فيخطف اللواء من يد عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه - قبل أن يسقط أرضًا:
[٦٢] "ثُمَّ سعى به حتى إذا كان أمام الناس ركزه، ثُمَّ قال: إليَّ أيها الناس فاجتمع إليه الناس"٢.
[٦٣] "فقال: يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجلٍ منكم. قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل. فاصطلح الناس على خالد بن الوليد"٣ - رضي الله تعالى عنه.
_________________
(١) ١ ثابت بن أقرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان البلوي، حليف الأنصار، ذكره موسى ابن عقبة في البدريين، واتَّفق أهل المغازي على أنَّ ثابت بن أقرم قُتِل في عهد أبي بكر قتله طليحة بن خويلد الأسدي. (إصابة ١/١٩٠) . ٢ أخرجه ابن سعد (طبقات ٢/١٣٠) من حديث أبي عامر الأشعري رضي الله تعالى عنه. وسنده ضعيف. كما مرَّ في ص ٢٧٢، حاشية رقم: (٣) . ٣ من رواية ابن إسحاق بسندٍ حسن إلى شاهد العيان من بني مرَّة. وقد سبق تخريجها برقم [٥٥] .
[ ٣٢٣ ]
"وثابت أبى القيادة، لا نُكُوصًا١ عن الموت، بل شعورًا بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من آيات الجرأة في هذا الموقف العصيب"٢.
"ولقد كان خالد عند ظن أصحابه، لمعت عبقريته القتالية في لحظة الامتحان الخطير هذه، فجعل هدفه أن ينسحب بالمسلمين"٣.
فقد "كانت المهمَّة الأساس المنوطة بخالد في تلك الساعة العصيبة من القتال أن ينقذ المسلمين من الهلاك الجماعي، فبعد أن قدَّر الموقف واحتمالاته المختلفة قدرًا دقيقًا، ودرس ظروف المعركة درسًا وافيًا، وتوقع نتائجها، اقتنع بأنَّ الانسحاب بأقل خسارة ممكنة هو الحل الأفضل"٤.
ولأنَّ "قتال الانسحاب شاق مرهق، وبخصاصة وأنَّ خالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة"٥، "لاحتمال انقلاب الانسحاب إلى هزيمة، والهزيمة كارثة تؤدي إلى خسائر فادحة بالمنهزمين"٦.
من أجل ذلك رأى القائد الذكي المحنَّك، أنه حتى يؤَمِّن انسحابه من ميدان المعركة بقوَّةٍ وانتظام، وبأقل خسائر، لا بدَّ أن يستخدم
_________________
(١) ١ نَكَصَ عن الأمر نُكُوصًا، ونَكْصًا ومنكصا: تكأكأ عنه وأحجم. ٢ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٨. ٣ خليل: دراسة في السيرة ٢٩٨. ٤ ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٧١. ٥ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٩. ٦ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٨.
[ ٣٢٤ ]
أُسلوب (الهجوم أفضل وسيلة للدفاع)، فبدأ في "تحقيق هدفه، بأن رسم خطَّةً سعى فيها إلى إيهام العدو أنَ المسلمين لازالوا في أماكنهم يقاتلون، فدفع مقدمتهم إلى مناوشة العدو"١. بينما تحرَّك ببقية الجيش، وأعاد تنظيم قوَّاته، وألَّف مؤخرة قوية لحماية الانسحاب من ميدان المعركة.
"لقد كان خالد قائدًا ماهرًا، محرِّكًا للجيوش لا نظير له، أُلْهِمَ القيادة إلهامًا، فهو يستعين في مواقفها بكُلِّ ما عرفت الحرب من فنٍّ يستخدمه على السليقة٢، وعلى البصيرة الملهمة، فدار بالجيش دورةً ضمَّ بها صفوفه، ثُمَّ قاتل به في غير اندفاع، ومع ذلك في غير تراجع، وكان بذاته قدوةً للمسلمين"٣.
يقول - رضي الله تعالى عنه - واصفًا قوَّة الانسحاب الذي نفَّذه مع المسلمين، وشِدَّة القتال، وضراوته في أثناء الانسحاب، نتيجة ضغط العدوِّ عليهم -:
[٦٤] "لقد انقطعت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف، فما بقي في يدي إلاَّ صفيحة يمانية"٤.
ولمَّا رأى المسلمون ما يصنعه خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه، ازدادت حميتهم للقتال، واشتعل حماسهم، فهاجموا بعنف على طول
_________________
(١) ١ خليل: دراسة في السيرة ٢٩٩. ٢ السليقة: يعني على الفطرة والطبيعة. ٣ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٦. ٤ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٧) .
[ ٣٢٥ ]
الجبهة، فالمثل الذي ضربه خالد - رضي الله تعالى عنه - لهم قد أثار الحميَّة والشجاعة في صفوف المسلمين، وازدادت المعركة عنفًا١، لدرجة أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: وهو يصف أحداث المعركة للصحابة - رضي الله تعالى عنهم - في المدينة:
[٦٥] "الآن حمي الوطيس " ٢.٣.
نعم! لقد حمي وطيس المعركة بين الطرفين، حتى إنَّ المسلمين نسوا ما أصابهم بفقدان قادتهم الثلاثة في بداية المعركة:
[٦٦] فيندفع قطبة بن قتادة العذري، قائد ميمنة المسلمين، إلى الأمام، فيطعن مالك بن رافلة الأراشي، قائد العرب المتنصرة، حلفاء الروم في المعركة، برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم، كما وصف ذلك في شعره الذي قاله مفتخرًا بقتله:
طعنت ابن رافلة بن الأراشي برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم
ضربتُ على جِيدِه ضربةً فمال كما مال غصن السلم٤
_________________
(١) ١ الجنرال أكرم: سيف الله ١٠٦. ٢ الوطيس: الضراب في الحرب، ولم يُسمع هذا الكلام من أحد قبل النَّبيّ ﷺ، وهو من فصيح الكلام عبَّر به عن اشتباك الحرب وقيامها على ساق. (الشامي: سبل ٦/٢٥٩-٢٦٠) . ٣ أخرجه ابن عساكر (تاريخ ٥/٥٤٤) من رواية ابن عائذ بسنده عن العطَّاف بن خالد وهو منقطع. ٤ من رواية ابن إسحاق، وقد سبق تخريجها برقم [٥] .
[ ٣٢٦ ]
المطلب الرابع: تولى خالد بن الوليد ﵁ القيادة وانسحابه بالمسلمين
ثُمَّ بدأ خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - بعد ذلك عملية الانسحاب الشاملة من ميدان المعركة، عندما قامت مؤخِّرة المسلمين بقتال التعويق لإحباط مطاردة العدو للمسلمين، وإنقاذ القسم الأكبر من قوات المسلمين من التطويق١.
وانتشرت المؤخِّرة على جبهةٍ واسعة، واستطاع خالد - رضي الله تعالى عنه - قطع التماس القريب مع العدوِّ، ولكنه لم يكن بعيدًا عن مدى النبال، وكان تراجع المسلمين تحت حماية وابلٍ من سهام النَبَّالة الذين كان على رأسهم النبَّال الإسلامي المشهور
[٦٧] "واقد بن عبد الله التميمي٢، وكان من أرمى الناس، وقد كبَّر وقال: ارفعوني على ترس٣، فرفعوه، فقال: انظروا إلى مواقع نبلي، فإن رضيتم أخبروني، فرمى المشركين حتَّى ردَّهم الله"٤.
_________________
(١) ١ خطَّاب: الرسول القائد ﷺ ٣٠٨. ٢ واقد بن عبد الله بن عبد مناف التميمي، حليف بني عدي بن كعب، ذكره موسى وابن إسحاق فيمن شهد بدرًا، وكان واقد هو الذي قتل ابن الحضرمي في نخلة، وكانت بنو يربوع تفتخر بذلك. قال ابن أبي حاتم: مات واقد في أوَّل خلافة عمر رضي الله تعالى عنه. (إصابة ٣/٦٢٨) . ٣ الترس: الدرقة، جمعها درق، وتُتَّخذ من الحديد أو المعدن، ويستخدمها المحارب في ميدان المعركة كوقاية من ضربات العدو. ٤ أخرجه سعيد بن منصور (السنن ٢/٢٩٧-٢٩٨) بسندٍ صحيحٍ عن سعيد بن أبي هلال، الذي رواه بلاغًا، وهو منقطع، سعيد بن أبي هلال لم يدرك الواقعة.
[ ٢٢٧ ]
وعندما تراجع المشركون "جمع خالد قوَّاته، وقطع التماس مع العدوِّ، وانسحب مع قوَّاته بعيدًا إلى الخلف، وأصبح الجيشان يواجهان بعضهما خارج مدى النبال، وكان كلاهما يلتمس الراحة وإعادة التنظيم"١.
ويذكر ابن الديبع الشيباني، أنَّ خالد بن الوليد - رضي الله تعالى - عنه:
[٦٨] "قاتل قتالًا شديدًا ودافع عن المسلمين حتى انحاز بهم إلى جبل"٢.وكانت تلك فرصة للمسلمين لدفن شهدائهم في المعركة. قال سعيد بن أبي هلال٣:
[٦٩] "بلغني أنَّهم دفنوا يومئذٍ زيدًا، وجعفرًا، وابن رواحة في حُفْرَةٍ واحدةٍ"٤ كما تمَّ تقسيم أسلاب القتلى من العدوِّ على مقاتليهم، إلاَّ أنَّ خالدًا - رضي الله تعالى عنه - استكثر سلب الرومي الذي قتله المَدَدِّيّ، فبعث إليه:
[٧٠] "خالد بن الوليد، فأخذ من السلب. قال عوف: فأتيته، فقلت: يا خالد! أما علمت أنَّ رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟!.
_________________
(١) ١ الجنرال أكرم: سيف الله ١٠٦-١٠٧. ٢ وجيه الدين عبد الرحمن بن علي: حدائق الأنوار ٢/٦٥٦. ٣ سعيد بن أبي هلال الليثي، مولاهم، أبو العلاء المصري، "صدوق، لم أر لابن حزم في تضعيفه سلفًا، إلاَّ أن الساجي حكى عن أحمد أنه اختلط"، من السادسة، مات بعد الثلاثين، وقيل: قبلها. (تقريب ٢٤٢) . ٤ سبق تخريجه برقم [٦٧] .
[ ٢٢٨ ]
الفصل السادس: نتائج المعركة
المبحث الأول: نقل النبي ﷺ لأصحابه في المدينة أحداث المعركة
المبحث الأوَّل: نقل النَّبِيّ ﷺ لأصحابه في المدينة أحداث المعركة:
كُلُّ تلك الأحداث كانت تجري على أرض المعركة بعيدًا في مؤتة، ورسول الله ﷺ ينقلها بتفاصيلها أولًا بأوَّل مباشرةً لمن كان بالمدينة من الصحابة - رضي الله تعالى عنهم:
[٧٣] "فقال: أخذ الراية زيد فأصيب، ثُمَّ أخذ جعفر فأُصيب، ثُمَّ أخذ ابن رواحة فأُصيب - وعيناه تذرفان - حتَّى أخذ الراية سيفٌ من سيوف الله، حتَّى فتح الله عليهم"١.
وفي حديث أبي قتادة:
[٧٤] "ثُمَّ أخذ اللواء خالد بن الوليد، ولم يكن من الأُمراء، هو أمَّر نفسه، ثُمَّ قال رسول الله ﷺ: اللَّهُمَّ إنه سيفٌ من سيوفك فأنت تنصره، فَمِن يومئذٍ سُمِّيَ سيف الله"٢.
وتلك كانت معجزة نبوية، أطلع الله ﷾ من خلالها رسوله الكريم ﷺ على أحداث المعركة، وهو على بُعْد آلاف الكيلومترات عنها عيانًا، وكأنه حاضرٌ معهم.
يذكر موسى بن عقبة في روايته أنَّ رسول الله ﷺ قال:
[٧٥] "إنَّ الله - ﵎ - رفع لي الأرض، حتَّى رأيت معتركهم"٣.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٧) . ٢ سبق تخرجه برقم [١٥] . ٣ سبق تخريجها برقم [٢] .
[ ٢٣٣ ]
وإذا كانت هذه الرواية فيها بعض الضَّعف باعتبار أنَّها مرسلة، فهناك بعض الوقائع المماثلة التي قد تؤيد وقوعها، فهذه المعجزة نظير ما وقع في قصَّة الإسراء، حيث قال النَّبِيُّ ﷺ:
[٧٦] "لَمَّا كذَّبتني قريش قمت في الحِجْر، فجلَّى الله ليَ بيت المقدس، فطفقت أُخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه"١.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في الصحيح، من حديث جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما. انظر (فتح الباري ٨/٣٩١) .
[ ٢٣٤ ]
المبحث الثاني: تحرُّك النَّبِيّ ﷺ بالمسلمين سريعًا لإمداد أهل مؤتة:
كان الروم وحلفاؤهم قد أحجموا عن مطاردة المسلمين نتيجة تلك المناورة الذكية التي قام بها خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - في ميدان المعركة، ولكنَّ الذي زادهم إحجامًا ورعبًا، تلك المناورة الأذكى من مبتكر المناورات الذكية الذي سمَّى:
[٧٧] "الحربَ خدعة"١. القائد الأعلى للقوات الإسلامية، رسول الله ﷺ، الذي ما أن وصله الخبر مباشرةً عن أحداث المعركة بواسطة الوحي الإلهي، حتَّى أمر المسلمين في المدينة - بعد أن قصَّ عليهم الخبر - كما أسلفنا - بالتحرُّك سريعًا لإمداد المسلمين في مؤتة، حيث قال - كما في حديث أبي قتادة ﵁ -:
[٧٨] "انفروا، فأمدُّوا إخوانكم ولا يتخلَّفَنَّ منكم أَحَد، فنفروا في حَرٍّ شديدٍ، مشاةً وركبانا، وذلك في حَرٍّ شديدٍ"٢.
وإذا كان خبر تحرُّك المسلمين سابقًا من المدينة نحو مؤتة، قد وصل إلى مسامع الروم وحلفائهم بسرعة فائقة، مكَّنتهم من الاستعداد لهم
_________________
(١) ١ حديث صحيح. أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة، وجابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهم. انظر: (فتح الباري ٦/١٥٨) . قال النووي (صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٤٥): واتَّفقوا على جواز خداع الكُفَّار في الحرب كيفما أمكن، إلاَّ أن يكون فيه نقض عهد أو أمان فلا يجوز. ٢ سبق تخريجه برقم [١٥] .
[ ٢٣٥ ]
المبحث الثالث: شهداء المسلمين في المعركة، وقتلى العدو:
وهكذا أُسدِل الستار على تلك المعركة العظيمة، وفقد المسلمون من رجالهم بضعة عشر شهيدًا، بالإضافة إلى القادة الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم - أجمعين.
هذا وقد اختلفت المصادر في تسمية بعضهم، بينما اتَّفقت في تسمية الأغلبية منهم، وهذه تسمية مَن اتَّفق عليه أصحاب المغازي منهم: من قريش، ثُمَّ من بني هاشم: جعفر بن أبي طالب - رضي الله تعالى عنه، ثُمَّ زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه.
ومن بني عدي بن كعب: مسعود بن الأسود بن حارثة بن نضلة - رضي الله تعالى عنه.
ومن بني عامر بن لؤي، ثُمَّ من بني مالك بن حسيل: وهب بن سعد بن أبي السرح - رضي الله تعالى عنه.
ومن الأنصار، ثُمَّ من بني الحارث بن الخزرج: عبد الله بن رواحة - رضي الله تعالى عنه، وعباد بن قيس - رضي الله تعالى عنه.
ومن بني مازن بن النجار: سراقة بن عمرو بن عطية بن خنساء - رضي الله تعالى عنه.
ومن بني غنم بن مالك بن النجار: الحارث بن النعمان بن أسامة بن نضلة بن عبد عوف - رضي الله تعالى عنه ١.
_________________
(١) ١ ذكر ذلك كُلٌّ من: ابن إسحاق (ابن هشام: سيرة٤/٣٨٨)،والواقدي (مغازي٢/٧٦٩)، وموسى بن عقبة (ابن عساكر: تاريخ، السيرة النبوية، المجلدة الأولى، ص ٣٩٢) .
[ ٣٣٨ ]
هؤلاء هم الذين اتفق عليهم أهل المغازي، أمَّا المختلف فيهم فهم كالتالي:
زاد ابن هشام، نقلًا عن ابن شهاب الزهري: أبا كليب، أو كلاب، وأخاه جابر، ابنا عمرو بن زيد بن عوف بن مبذول، وهما لأب وأم. وهما من بني مازن بن النجار.
ومن بني مالك بن أفصى: عمرو، وعامر ابنا سعد بن الحارث بن عباد بن سعيد بن عامر بن ثعلبة١.
وزاد موسى بن عقبة٢، وابن سعد٣، وابن الكلبي٤، والزبير بن بكار٥: هبار بن سفيان بن عبد الأسد المخزومي٦.
_________________
(١) ١ ابن هشام (سيرة ٤/٣٨٩) . ٢ أخرجه ابن عساكر (تاريخ، السيرة النبوية، المجلدة الأولى ص ٣٩٢) . ٣ ذكره الشامي (سبل ٦/٢٤٥) نقلًا عنه. ٤ ذكره الشامي (سبل ٦/٢٤٥) وعزاه إليه. ٥ ذكره الشامي (سبل ٦/٢٤٥) نقلًا عنه. ٦ قال الشامي (سبل ٦/٢٤٥): وقال عروة، وابن شهاب الزهري، وابن إسحاق، وابن سعد: استشهد بأجنادين. وقال سيف بن عمر: استشهد باليرموك. وقال ابن عبد البر (الاستيعاب، هامش الإصابة ٣/٦٠٩) قيل: "إنه قُتِلَ يوم مؤتة، وقال الحسن بن عثمان: وقال الواقدي أيضًا: إنه استشهد يوم أجنادين، وهو عندي أشبه، لأنه لم يذكره ابن عقبة فيمن قُتلَ يوم مؤتة". قلت: ولكن في الرواية التي أخرجها ابن عساكر عن موسى بن عقبة، ذكره فيمن استشهد بمؤتة، فليتأمل ذلك. والله تعالى أعلم.
[ ٣٣٩ ]
وزاد موسى بن عقبة أيضًا: عبد الله بن الربيع الأنصاري. ومن بني رزيق: معاذ بن ماعص. وقال الشامي: ووقع في نسخة من مغازي موسى بن عقبة: أنَّ الذي استشهد بمؤتة، أخاه عبَّاد١.
وزاد ابن سعد، والعدوي، وابن جرير الطبري٢: زيد بن عبيد بن المعلَّى الأنصاري٣.
[٨٠] وزاد ابن إسحاق، كما في الإصابة، وجزم به في الزَّهر٤: عبد الله بن سعيد بن العاص بن أُمية٥.
[٨١] وزاد البلاذري، والكلبي: الهوبجة بن بجير بن عامر بن سفيان بن أُسيد بن زائدة بن حصين، الضبِّي٦.
"أمَّا العدو فلا توجد معلومات عن مقدار خسارته، ولكنَّها لا شكَّ كانت جسيمة، لأنَّ كُلَّ قائدٍ من قادة المسلمين الذين تولَّوا القيادة
_________________
(١) ١ هذه النسخة هي التي نقل منها ابن عساكر. ٢ ذكره الطبري في كتاب الصحابة له، وهو مفقود. ٣ ذكر ذلك عنهم الشامي (سبل ٦/٢٤٤) . ٤ قال مغلطاي "الزهر الباسم: الجزء الثاني والعشرين، ص ٢٧): قيل: إنَّ اسمه كان قبل الإسلام الحكم، فسمَّاه رسول الله ﷺ لمَّا أسلم: عبد الله". وانظر: مصعب الزبيري: نسب قريش ١٧٤. ٥ انظر: (ابن حجر: إصابة ١/٣٤٤، ٢/٣١٩، ومغلطاي: الزهر الباسم، الجزء الثاني والعشرين، ص ٢٧) . ٦ انظر: (البلاذري: أنساب: اللوحة٢/٤١٤/ أ، والكلبي: جمهرة النسب ٢٩٦) وفيه: فيقال إنَّ جسده فُقِد.
[ ٣٤٠ ]
المبحث الرابع: الخلاف في نتيجة المعركة:
اختلف أهل المغازي حول نتيجة مؤتة اختلافًا كبيرًا، وثمرة هذا الخلاف ثلاثة أقوال:
[٨٣] القول الأوَّل: إنَّ المسلمين هَزموا الروم هزيمة منكرة في مؤتة.
وهذا القول أشار إليه الزهري، فيما رواه عنه الطبراني١، ونقله عنه ابن هشام بلاغًا٢، وهو اختيار موسى بن عقبة٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن العطَّاف بن خالد٤، ورجَّحه البيهقي٥، وابن كثير٦.
_________________
(١) ١ سبق تخريج رواية الزهري برقم [٢] . ٢ انظر: (ابن هشام: سيرة ٤/٣٨٣) . ٣ سبق تخريج رواية موسى بن عقبة برقم [٢]، ويلاحظ على رواية موسى أنَّها مطابقة تمامًا لرواية الزهري، مِمَّا يُعْطِي انطباعًا أنه رواها عنه. والله تعالى أعلم. ٤ سبق تخريجه برقم [٧١] . ٥ قال البيهقي (دلائل ٤/٣٧٥): قد اختلف أهل المغازي في فرارهم وانحيازهم، منهم مَن ذهب إلى ذلك، ومنهم مَن زعم أنَّ المسلمين ظهروا على المشركين وانهزم المشركون، وحديث أنس بن مالك عن النَّبيّ ﷺ: "ثُمَّ أخذها خالد ففتح عليه"، يدل على ظهوره عليهم. والله تعالى أعلم بالصواب. ٦ قال ابن كثير (البداية ٤/٢٤٩-٢٥٠) بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الأشجعي رضي الله تعالى عنه: "وهذا يقتضي أنَّهم غنموا منهم وسلبوا من أشرافهم، وقتلوا من أمرائهم، وقد تقدَّم فيما رواه البخاري أنَّ خالدًا ﵁ قال: اندقَّت في يدي يوم مؤتة تسعة أسياف وما ثبت في يدي إلاَّ صفحة يمانية. وهذا يقتضي أنَّهم أثخنوا فيهم قتلًا، ولو لم يكن كذلك لما قدروا على التخلُّص منهم. هذا وحده دليلٌ مستقلٌّ، وقد ذكر ابن إسحاق: أنَّ قطبة بن قتادة العذري – وكان رأس ميمنة المسلمين - حمل على مالك بن زافلة، ويقال: رافلة، وهو أمير أعراب النصارى فقتله، وقال يفتخر بذلك: طعنت بن رافلة الأراشي برمحٍ مضى فيه ثُمَّ انحطم فذكر شعره إلى أن قال: وسقنا نساء بني عَمِّه غداة رقوقين س وق النعم وهذا يؤيد ما نحن فيه، لأنَّ مِن عادة أمير الجيش إذا قُتِلَ أن يفرَّ أصحابه، ثُمَّ إنه صرَّح في شعره بأنَّهم سبوا من نسائهم. وهذا واضح فيما ذكرناه. والله أعلم.
[ ٣٤٢ ]
٨٤] القول الثاني: إنَّ الروم هم الذين هَزموا المسلمين.
وجزم به الواقدي١، وكاتبه ابن سعد٢، وقال به طائفة من المستشرقين٣، ومن تبعهم من المستغربين وغيرهم من بعض الباحثين
_________________
(١) ١ ذكر الواقدي (مغازي ٢/٧٦٣-٧٦٤) خمس روايات تُدَلِّل على هزيمة خالد بالناس. ثُمَّ قال - مُعَلِّقًا على روايةٍ ذكرها حول اشتداد المعركة حينما أخذ خالد ابن الوليد رضي الله تعالى عنه الراية-:والأول أثبت عندنا أنَّ خالدًا انهزم بالناس. قلت: وهذا خلاف ما نقله عنه ابن كثير (البداية ٤/٢٤٩) من أنه اختار الرأي الأوَّل. والله تعالى أعلم. ٢ قال ابن سعد (الطبقات ٢/١٢٩) في روايته: "فاصطلح الناس على خالد بن الوليد فأخذ اللواء، وانكشف الناس، فكانت الهزيمة". ٣ انظر مثلًا ما قاله (لانكستر هاردنج: آثار الأردن ١٣٣، وجان جلوب: الفتوحات العربية ١٣٦) . وانظر: East Of The Jordan، By: Fr.Eng - Enehoade، Page: ١٨٥
[ ٣٤٣ ]
[المعاصرين١.
[٨٥] القول الثالث: انسحاب خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه بالمسلمين - بعد تولِّيه القيادة - من ميدان المعركة بعد قتالٍ قويّ ومرير، ثُمَّ إحجام الروم عن مهاجمة المسلمين بعد خطَّته الإيهامية الذكية بتغييره مراكز الجيش، ومِن ثَمَّ انسحاب كُلّ طرف عن الآخر دون قتال.
وهذا القول وردت به رواية حسنة إلى شاهد عيان من المعركة٢، وهو اختيار محمَّد بن إسحاق٣، ورواه ابن عائذ بسنده عن
_________________
(١) ١ انظر: بولس سلمان: خمسة أعوام في شرق الأردن ٢١٠، وجورجي زيدان: تاريخ التمدُّن الإسلامي ٦١، ومحمَّد لطفي جمعة: ثورة الإسلام ١٠١٦، وإبراهيم العدوي: الامبراطورية البيزنطية ٣٧، وعمر فرُّوخ: تاريخ صدر الإسلام ٦٩، ورشيد الجميلي: تاريخ العرب في الجاهلية ٣٢٤ نقلًا عن الدكتور العتوم، تجربة مؤتة: ١٥٩-١٦١. ٢ من رواية عبَّاد بن عبد الله، عن أبيه من بني مرَّة، وقد سبق تخريجها برقم [٥١] . ٣ استدلَّ ابن إسحاق على رأيه بشعر أحد شهود المعركة، وهو قيس بن المسحر اليعمري، الذي قال فيه: وقفت بها مستجيرًا فنافذًا ولا مانعًا من كان حُمَّ به القتلُ على أنَّني آسيت نفسي بخالدٍ ألا خالدٌ في القومِ ليس له مثلُ قال ابن إسحاق: فبيَّن قيس ما اختلف فيه الناس من ذلك في شعره، أنَّ القوم حاجزوا وكرهوا الموت، وحقَّق انحياز خالد بمن معه. انظر (ابن هشام: سيرة ٤/٣٨٣) .
[ ٣٤٤ ]
رجلٍ من بني سلامان١، وابن عبد البر٢، وابن حزم٣، وابن سَيّد النَّاس٤، ورجَّحه ابن القيم٥، واعتمده معظم المؤرِّخين المعاصرين. وهذا القول وسط بين القولين السابقين، وهو الراجح فيما يبدو لي لعدَّة اعتبارات، فهو قول غالبية أهل المغازي كما رأينا.
كما أنَّ القول بهزيمة المسلمين غير صحيح لثلاثة أُمور:
أولًا: الروايات في ذلك ضعيفة، فهي عن الواقدي، وتلميذه ابن سعد الذي يعدّ في غالب الظَّن ناقلًا عن شيخه، والواقدي متروك خاصّةً إذا انفرد. ورواية أبي موسى التي ذكرها ابن سعد ضعيفة أيضًا.
ثانيًا: مخالفة هذه الروايات لرواية الصحيح، وقول النَّبيّ ﷺ فيه: ففتح الله عليهم.
ثالثًا: قلة قتلى المسلمين في المعركة، وعدم وقوع أسرى منهم في أيدي العدو، وكل ذلك يخالف ما يكون عليه المنهزم عادةً في المعركة.
أيضًا القول بهزيمة الروم وحلفائهم في المعركة، غير صحيح، لثلاثة أسباب:
_________________
(١) ١ سبق تخريجه برقم [٤] . ٢ الدرر ٢٢٣. ٣ جوامع السيرة ٢٢٢. ٤ عيون الأثر ٢/٢٠١. ٥ قال ابن القيم (زاد ٢/١٥٦): والصحيح ما ذكره ابن إسحاق أنَّ كُلَّ فئة انحازت عن الأُخرى.
[ ٣٤٥ ]
أولًا: لو أنَّ المسلمين هَزموا الروم وحلفاءهم في مؤتة، لاشتهر ذلك، وذاع صيته، ولتواتر تواترًا يُؤمن بجانبه الكذب، وبخاصّةً أنَّ أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والروم كما كانت بدر أوَّل مواجهة قتالية بين المسلمين والمشركين، وقد تواترت نتيجتها، وذاع صيتها، وبلغ صداها أرجاء الجزيرة العربية.
ثانيًا: وقوع عدد كبير من الأسرى في أيدي المسلمين، وذلك ما لم تذكره الروايات.
ثالثًا: طرد الروم وحلفائهم من المناطق التي كانت خاضعة لسلطانهم في منطقة مؤتة، وما حولها، وإخضاعها لنفوذ المسلمين، وذلك لم يحدث، حيث استمر الروم وحلفاؤهم في المنطقة يُشَكِّلون تهديدًا للمسلمين، بدليل بَعْث النَّبِيِّ ﷺ سرايا وبُعُوث إلى تلك المنطقة بعد مؤتة، ثُمَّ مسيره ﷺ بنفسه على رأس جيش العُسْرة إلى تبوك.
إذًا القول الراجح: هو أنَّ سيف الله المسلول، خالد بن الوليد ﵁ قام "بعملية انسحاب بارعة دلَّت على مهارته الحربية الفائقة"١.
ولقد "كانت عملية التراجع والانسحاب التي قام بها خالد بن الوليد في أثناء معركة مؤتة من أكثر العمليات في التاريخ العسكري مهارةً ونجاحًا"٢.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٢ ياسين سويد: معارك خالد بن الوليد ١٧١.
[ ٣٤٦ ]
"ومثل هذا التدبير من خالد، ليس بالعمل الميسور الذي يستطيعه كُلّ قائد، بل هو عمل عظيم جسيم يتطلَّب مهارةً وحزمًا، ورباطة جأش، وثقةً بنصر الله، وكثيرًا ما عرف التاريخ قُوَّادًا عِظامًا كان السر في شهرتهم إنجاء جيوشهم من مثل هذا الموقف الحرج الذي لو اختلَّ أقل تدبير فيه لفني الجيش"١، ولكن خالد بن الوليد - رضي الله تعالى عنه - كان له قصب السِّبْق في ذلك، فعلى الرغم من ضغط القوَّات المتحالفة على المسلمين بشدَّة، وكثرة كاثرة، استطاع ذلك البطل أن ينظم انسحابًا قويًا ناجحًا دون أدنى خسائر تُذْكَر، مع الإثخان في العدو، وهو أمر يخالف ما جرت به العادة من أنَّ المنسحِب هو الذي في الغالب يتكبَّد الخسائر، فلمَّا صار العكس وأفلت خالد - رضي الله تعالى عنه - بجيشه من قبضة العدوّ رغم تشديدهم الضغط عليهم، اعتبره المصطفى ﷺ فتحًا، بل نصرًا مؤزَّرًا، استحق عليه اللقب الذي قلَّده إياه القائد الأعلى للقوَّات الإسلامية، وهو الذي شاهد أحداث المعركة عِيانًا بواسطة النقل الإلهي.
"ولقد عرف له الرسولُ ﷺ حسن تدبيره"٢، "ونجاحه في الانسحاب بجيشه بانتظام دونما خسارة تذكر"٣، "فلقَّبه سيف الله وهو وسام لم يمنحه أحَد من الصحابة"٤، "بل هو أوَّل وسام يمنح لقائد في
_________________
(١) ١ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٢ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٣ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٤ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤.
[ ٣٤٧ ]
تاريخ الإسلام"١، بل في التاريخ البشري عامة، "ولعلَّ الرسولَ ﷺ كان أسبق من غيره، في تقدير القوَّاد العِظام"٢. "ولعمري مهما أجاد الإنسان في وصفه ومدحه، فلن يصفه بأحسن ولا بأوفى مِمَّا وصفه به رسولُ الله ﷺ "٣.
لقد "مضى خالد بلقب سيف الله في مؤتة، والذين يدَّعون ذلك كثيرون، أمَّا الذي يملك الشهادة من رسولِ الله ﷺ وحده في الدُّنيا هو خالد بن الوليد"٤. أخرج الحاكم، وصحَّحه، عن الشعبي، عن عبد الله بن أبي أوفى: "أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: لا تُؤذوا خالدًا، فإنه سيفٌ من سيوفِ الله صبَّه على الكُفَّار"٥.
"إنَّ الجماعة المسلمة بحاجةٍ أنْ تُفْقَه معادن الرجال، وتضع الرجال في مواضعهم وهي تخوض معركتها مع العدوّ"٦.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٦١. ٢ أبو زيد شلبي: خالد بن الوليد ٦٤. ٣ المصدر السابق. ٤ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٦. ٥ المستدرك ٣/٣٣٨. ٦ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٦.
[ ٣٤٨ ]
المبحث الخامس: ردة فعل أهل المدينة لنتيجة المعركة:
"لقد صمد المسلمون في معركة مؤتة صمودًا هو أروع ما يصنع الإيمان الصادق، وقد دفع المسلمون الثمن غاليًا دونما شك، تمثَّل هذا الثمن الغالي بصورةٍ رئيسية في مصرع قادة الجيش الرئيسيين الثلاثة، الواحد بعد الآخر، وبأُسلوبٍ تمثَّلت فيه أرقى معاني البطولة، واسترخاص الأرواح في سبيل الله"١.
وهذا رسولُ الله ﷺ يصف بطولتهم، واسترخاصهم أرواحهم في سبيل الله، ومدى غبطتهم وسرورهم بمصيرهم بما "رأوا من فضل الشهادة"٢ بقوله:
[٨٦] "وما يسرهم أنَّهم عندنا"٣.
"إنَّ روعة المقاومة الإسلامية في معركة مؤتة التاريخية، والتي يسرت للمسلمين انسحابًا منظَّمًا مشرفًا بعد ذلك الصدام الهائل، انسحابًا يمثِّل في واقعه أعلى درجات الانتصار بالنسبة لظروف المعركة الصعبة"٤.
وتكفينا هنا شهادة رسول الله ﷺ الذي وصف ذلك الانسحاب القوي بالفتح والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة.
_________________
(١) ١ با شميل: غزوة مؤتة ٢٨٦-٢٨٧. ٢ ابن حجر: فتح ٧/٥١٣. ٣ أخرجه البخاري. (انظر: فتح الباري ٦/١٨٠) . ٤ با شميل: غزوة مؤتة ٢٨٨.
[ ٣٤٩ ]
إنَّ شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدًا كبيرًا، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقدامًا حقَّر أمامهم كبرياء الأُمم التي عاشت مع التاريخ دهرًا تصول وتجول لا يوقفها شيء١.
"إنَّ الاستهتار بالخطر، والطيران إلى الموت ليس فروسية احتكرها الرجال المقاتلون وحدهم، بل هي قوَّة غامرة قاهرة تعدَّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أُمة كفاح غالٍ عزيز، وحسبك أنَّ جيش مؤتة لَمَّا عاد إلى المدينة قابله الصبيان بصيحات الاستنكار، يقولون: يا فُرَّار، فررتم في سبيل الله؟! إنَّ أولئك الصِّغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومَن معه فِرارًا يُقابل بحثو التراب.
أي جيل قوي نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟!.. أي نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟!.. مَن آباؤهم؟!.. مَن أُمَّهاتهم؟!.. كيف كان الآباء يُرَبُّون؟!.. وكيف كانت الأمَّهات يُدَلِّلْن؟!.. إنَّ مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس"٢.
"وحين ترتفع الوتيرة الإيمانية لدى الفتيان الناشئين في الجيل الإسلامي إلى هذا المستوى، فلا شك أنَّ هذا التغيير هو الكفيل بتغيير حال المسلمين ﴿إنَّ الله لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِم﴾، [سورة الرعد: الآية: ١١] "٣.
_________________
(١) ١ الغزالي: فقه السيرة ٣٦٩. ٢ المصدر السابق. ٣ منير غضبان: فقه السيرة ٥٤٨.
[ ٣٥٠ ]
وتعيير أهل مؤتة بالفُرَّار لم يكن من الصبيان وحدهم، بل تعدَّاهم
إلى بقية النَّاس مِمَّن لم يخرج، وبقي في المدينة مع رسول الله ﷺ، فقد "استنكر المسلمون على الجيش أن يعود من غير أن ينتصر، وعيَّروا رجاله حتى أحرجوا بعضهم"١.
أخرج الحاكم بسندٍ صحيحٍ عن أُمِّ سلمة - رضي الله تعالى عنها -:
[٨٧] " أنَّها قالت لامرأة سلمة بن هشام بن المغيرة: ما لي لا أرى سلمة يحضر الصَّلاة مع رسول الله ﷺ، ومع المسلمين؟ قالت: والله ما يستطيع أن يخرج، كُلَّما خرج صاح به النَّاس: يا فُرَّار، أفررتم في سبيل الله ﷿! حتَّى قعد في بيته فما يخرج، وكان في غزوة مؤتة مع خالد بن الوليد"٢.
وفي اللحظة المناسبة، يتدخَّل القائدُ البصيرُ المُحَنَّك الذي يدرك معنى النَّصر الحقيقي، ويدرك ظروف وملابسات معركة مؤتة، وما أبداه المسلمون فيها من بسالةٍ، وبطولاتٍ حقيقيةٍ أذهلت أعداءهم.
_________________
(١) ١ الشريف: مكة والمدينة ٥٣٧. ٢ أخرجه الحاكم (المستدرك ٣/٤٥) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرِّجاه. ووافقه الذهبي. وذكره ابن هشام (سيرة ٤/٣٨٢-٣٨٣) من حديث ابن إسحاق بسنده، عن بعض آل الحارث بن هشام، عن أُمِّ سلمة رضي الله تعالى عنها، وسنده فيه مبهم. وقد وضَّح الواقدي (مغازي ٢/٧٦٥) في روايته ذلك المبهم، وهو أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وهو فقيه، ثقة، يروي عن أُمِّ سلمة. (تقريب ٦٢٣) .
[ ٣٥١ ]
ويدرك ما قام به خالد والمسلمون من تنظيم انسحابٍ رائعٍ ومنظَّمٍ. يتدخَّل رسولُ الله ﷺ بقوةْ ليرُدَّ عن الجيش البطل الشجاع، ويرُدَّ على تعيير أهل المدينة لهم بالفُرَّار قائلًا:
[٨٨] "ليسوا بالفُرَّار، ولكنَّهم الكُرَّار إن شاء الله تعالى"١.
ويأمر سلمة وغيره مِمَّن تحرَّج من تعيير المسلمين بالخروج إلى الصَّلاة دون حرج، ودون وجل، فهم أبطال كُرَّار على العدوِّ إن شاء الله تعالى، وليسوا فُرَّارًا.
وحتَّى يُرَسِّخ هذه الحقيقة في نفوس الجميع، اجتمع رسولُ الله ﷺ مع الجيش وقائده البطل خالد بن الوليد ﵁، فقام عوف بن مالك الأشجعي ﵁، فقصَّ على النَّبيِّ ﷺ:
[٨٩] "قصة المددي، وما فعل خالد. فقال رسولُ الله ﷺ: "يا خالد! ما حملك على ما صنعت؟ " قال: يا رسول الله! لقد استكثرته. فقال رسولُ الله ﷺ: "يا خالد! رُدَّ عليه ما أخذت منه". قال عوف: فقلت له: دونك يا خالد، ألم أفِ لك؟ فقال رسولُ الله ﷺ: وما ذلك؟ فأخبرته. فغضب رسولُ الله ﷺ: "٢.
[٩٠] "فقال: لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أُمرائي؟ إنما مثلكم ومثلهم كمثل رجلٍ استرعى إبلًا وغنمًا فرعاها ثُمَّ تحيَّن سقيها، فأوردها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صفوه وتركت كدره، فصفْوُهُ لكم، وكَدَره عليهم"٣.
_________________
(١) ١ من مرسل عروة، وقد سبق تخريجه برقم [٣١] . ٢ من رواية عوف عند أبي داود، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] . ٣ من رواية عوف عند أبي داود، وقد سبق تخريجها برقم [٦٠] .
[ ٣٥٢ ]
المبحث السادس: حزن النَّبِيِّ ﷺ وأصحابه على قتلى مؤتة:
وهكذا دافع النَّبيّ ﷺ عن خالد وأصحابه، وكرَّمهم في أكثر من مناسبة، ولكنَّه مع ذلك قد وَجِدَ على مَن استشهد منهم، فكما رأينا سابقًا كيف وَصَفَ للنَّاس حادث استشهادهم، وعيناه تذرفان بأبي هو وأُمِّي، - صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وسلَّم.
كذلك تُحَدِّثنا أُم المؤمنين، أم عبد الله، عائشة - رضي الله تعالى عنها - فتقول:
[٩١] "لَمَّا جاء قتل زيد بن حارثة، وجعفر بن أبي طالب، وعبد الله بن رواحة، - ﵃، جلس رسول الله ﷺ يُعْرَفُ فيه الحُزْن، قالت عائشة: وأنا أطَّلِع من صائر الباب - تعني مِن شِقّ الباب - فأتاه رجل، فقال: إي رسول الله! إنَّ نساء جعفر١.. وذكر بكاءهُنَّ، فأمره أن ينهاهُنَّ "٢.
ثُمَّ إنَّ رسولَ الله ﷺ أمر أهله، فقال:
[٩٢] "اصنعوا لأهل جعفر طعامًا فإنَّهم قد جاءهم ما يشغلهم"٣.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر (فتح ٧/٥١٤): يُحتمل أنه يريد زوجاته، ويحتمل أن يريد من يُنسب إليه من النساء في الجملة. وهذا الثاني هو المعتمد، لأنا لا نعرف لجعفر زوجة غير أسماء بنت عميس. ٢ أخرجه البخاري (الصحيح ٥/٨٧) . ٣ أخرج أبو داود، (انظر: عون المعبود، حديث: ٣١١٦) . والترمذي، (انظر: تحفة الأحوذي، حديث: ١٠٠٣) . وابن ماجه، (السنن، حديث: ١٦١٠) . والحاكم، (المستدرك ١/٥٢٧) . والدارقطني، (٢/٧٨-٧٩) . والبيهقي، (السنن ٤/٦١) . والطبراني، (المعجم ٢/١٠٨) . جميعهم من حديث سفيان بن عيينة، عن جعفر بن خالد، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر. وقال الترمذي: "هذا حديث حسن". وذكر المنذري عن الترمذي أنه قال: "هذا حديث حسن صحيح". قلت: ربما كان ذلك من اختلاف نسخ الترمذي. والله تعالى أعلم. وصحّحه الحاكم، ووافقه الذهبي. وصحّحه ابن السكن كما في التعليق المغني. (حاشية سنن الدارقطني ٢/٧٩) .
[ ٣٥٣ ]
غَداة مَضَواْ بِالْمُؤْمِنِينَ يَقُودُهُم إلى المَوْتِ مَيْمُون النَّقِيبَةِ أَزْهَرُ٦
أغرٌّ كَضَوْءِ البَدْرِ مِن آلِ هَاشِمٍ أَبِيٌّ إذَا سِيمَ الظَّلامَةَ مُجْسِرُ٧
فَطَاعَنَ حَتَّى مَالَ غَيْرَ مُوَسَّدٍ بِمُعْتَرَكٍ فِيهِ القَنَا مُتَكَسِّرُ٨
فَصَارَ مَعَ المْسْتَشْهِدِينَ ثَوَابه جِنَانٌ وَمُلْتَفُّ الْحَدَائِقِ أَخْضَرُ٩
[ ٣٥٨ ]
المبحث السادس: حزن النبي ﷺ وأصحابه على قتلى مؤتة
قال عبد الله بن جعفر - ﵄:
[٩٣] "ثُمَّ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، فقال: لا تبكوا على أخي بعد اليوم، ثُمَّ قال: ائتوني ببني أخي، فجيء بنا، كأنَّا أفراخ١، فقال: ادعوا إليَّ الحلاَّق، فجيء بالحلاَّق فحلق رؤوسنا، ثُمَّ قال: أمَّا مُحَمَّدٌ فشبيه عمنا أبي طالب، وأمَّا عبد الله فشبيه خَلْقِي وخُلُقي، ثُمَّ أخذ بيدي فأشالها٢، فقال: اللَّهُمَّ اخلف جعفرًا في
_________________
(١) ١ أفراخ: جمع فرخ، وهو ولد الطائر. ٢ أشالها: أي رفعها بيده.
[ ٢٥٤ ]
الفصل السابع: الأحكام المستنبطة والدروس المستفادة من الغزوة
المبحث الأول: الأحكام المستنبطة
المبحث الأوّل: الأحكام المستنبطة:
قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز تعليق الإمارة بشرط"١".
وقال العامري، قال في التوشيح: "يؤخذ منه جواز ولاية الوظائف تعليقًا، وهو دليلٌ قويٌّ جدًا٢".
وقال ابن حجر: "وفيه جواز تولية عدّة أمراء بالترتيب، وقد اختلف: "أتنعقد الولاية الثانية في الحال أم لا؟ والذي يظهر أنها في الحال تنعقد، ولكن بشرط الترتيب". وقيل: "تنعقد للأول فقط، وأما الثاني فبطريق الاختيار". واختيار، الإمام مقدم على غيره لأنه أعرف بالمصلحة العامّة٣".
وفيه جواز التأمّر في الحرب بغير تأمير. قال البيهقي: "وفيه دلالة على أنّ الناس إذا لم يكن عليهم أمير، ولا خليفة أمير، فقام بإمارتهم مَنْ هو صالح للإمارة، وانقادوا له، انعقدت ولايته٤".
وذكر البغوي - نقلًا عن الخطّابي: "أنّ خالد بن الوليد تأمّر عليهم بعد ما أصيب الأمراء، من غير تأمير من النبيّ ﷺ لمكان الضرورة، وذلك أنه نظر فإذا هو في ثغر مخوف لم يأمن فيه ضياع المسلمين، فأخذ
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١٣. ٢ بهجة المحافل ١/٣٩٠ -٣٩١، وانظر: "البغوي: "شرح السنة ١١/٥. ٣ فتح الباري ٧/٥١٣. ٤ السنن الكبرى ٨/١٥٤.
[ ٣٦١ ]
الراية، وتولّى أمر المسلمين، ورضيه رسول الله ﷺ، فصار هذا أصلًا في كلّ أمر حدث ممّا سبيله أن يتولاّه الأئمّة، ولم يشهدوه، وخيف عليه الضياع، إنّ القيام به واجبٌ على من شهده من جماعة المسلمين، وإن لم يتقدّم منهم في ذلك، وكذلك إن وقع ذلك في واحدٍ خاصٍّ، نحو أن يموت رجلٌ بفلاة، فإنّ على من شهده حفظ ماله وإيصاله إلى أهله، وإن لم يوص به، كما يجب تكفينه وتجهيزه، لأنّ أمر الدّين على التّعاون والتّناصح١".
وفيه جواز الاجتهاد في زمن النّبيّ ﷺ ٢".
وفيه فضيلة ظاهرة لخالد بن الوليد ﵁، حيث سمّاه رسول الله ﷺ، سيف الله، ولم يزل يعرف بهذا الاسم فيما بعد٣".
أمّا عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه، فاختلف في حكمه، فقد علّق أبو داود على حديث عقر جعفر - رضي الله تعالى عنه - لفرسه في المعركة بقوله: "ليس هذا الحديث بالقوي٤، وقد جاء نهي كثير من أصحاب رسول الله ﷺ عن تعذيب البهائم وقتلها عبثًا٥".
_________________
(١) ١ شرح السنة ١١/٥، وفتح الباري ٧/٥١٣. ٢ فتح الباري ٧/٥١٣. ٣ انظر: " (العامري: "بهجة المحافل ١/٣٩٣، ابن حجر: "فتح ٧/٥١٣) . ٤ سبق تخريج الحديث ومعرفة حكمه برقم [٥١] . ٥ السّنن ٣/٦٢-٦٣.
[ ٣٦٢ ]
قال السّهيلي: "وأمّا عقر جعفر فرسه، ولم يعب ذلك عليه أحد، فدلّ على جواز ذلك إذا خيف أن يأخذها العدو، فيقاتل عليها المسلمين، فلم يدخل هذا في باب النهي عن تعذيب البهائم وقتلها١".
وقال الشامي: "واختلف العلماء في الفرس يعقره صاحبه لئلًا يظفر به العدوّ، فرخّص فيه مالك، وكره ذلك الأوزاعي، والشافعي واحتجّ الشافعي بحديث النبي ﷺ: "من قتل عصفورًا فما فوقه بغير حقّه، يسأله الله تعالى عن قتله".
واحتجّ بنهيه ﷺ عن قتل الحيوان إلاّ لمأكله، قال: "وأمّا أن يعقر الفرس من المشركين فله ذلك، لأن ذلك أمر يجد به السبيل إلى قتل مَن أمر بقتله٢".
وقال ابن كثير: "وقد استدل من جواز قتل الحيوان خشية أن ينتفع به العدوّ - كما يقول أبو حنيفة - في الأغنام إذا لم تتبع في السير، ويُخشى من لحوق العدوّ وانتفاعهم بها أنّها تُذبح وتحرق ليُحال بينهم وبين ذلك". والله أعلم٣".
وقال ابن قدامة: "ويقوى عندي أنّ ما عجز المسلمون عن سياقه وأخذه، إن كان مِمَّا يستعين به الكُفّار في القتال، كالخيل، جاز عقره وإتلافه، لأنّه مِمَّا يحرم إيصاله إلى الكُفّار بالبيع، فتركه لهم بغير عِوَض أولى
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٧/٣٦-٣٧. ٢ سبل الهدى والرشاد ٦/٢٤٩. ٣ البداية والنهاية ٤/٢٤٤.
[ ٣٦٣ ]
بالتحريم، وإن كان مِمَّا يصلح للأكل فللمسلمين ذبحه والأكل منه مع الحاجة وعدمها، وما عدا هذين القسمين لا يجوز إتلافه؛ لأنّه مجرّد إفساد وإتلاف، وقد نهى النبيّ ﷺ عن ذبح الحيوان لغير مأكله١".
وفي الحديث: "الحكم باستشهاد القادة الثلاثة - رضي الله تعالى عنهم، فهم مِمَّن يقطع لهم بالجنّة، وذلك بشهادة رسول الله ﷺ لهم، وذكر ذلك ابن كثير٢".
وفي حديث الجناحين اللذين أثابهما الله ﷿ جعفرًا ﵁ عنه بدلًا من يديه اللتين قُطِعَتا، اختلف في معنى الجناحين، أهما على الحقيقة أم لا؟ ".
قال ابن حجر: "روى النسفي عن البخاري أنه يقال لكلّ ذي ناحيتين جناحان، وأنّه أشار إلى أنّ الجناحين في هذه القصّة ليسا على ظاهرهما٣".
وقال السهيلي: "وممّا ينبغي الوقوف عليه في معنى الجناحين أنّهما ليسا كما يسبق إلى الوهم على مثل جناحي الطّائر وريشه، لأنّ الصورة الآدمية أشرف الصور وأكملها، وفي قوله - ﵇:"إنّ الله خلق آدم على صورته"، تشريف له عظيم، وحاشا لله من التّشبيه والتّمثيل، ولكنها عبارة عن صفة ملكية، وقوة روحانية، أعطيها جعفر كما أعطيتها
_________________
(١) ١ المغني ١٣/١٤٦. ٢ البداية والنهاية ٤/٢٥٥. ٣ فتح الباري ٧/٥١٥.
[ ٣٦٤ ]
الملائكة، وقد قال الله تعالى لموسى: ﴿اضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جِنَاحِكَ﴾ [سورة طَه، الآية: ٢] . فعبّر عن العضد بالجناح توسعًا، وليس ثَمَّ طيران، فكيف بمن أعطي القوة على الطيران مع الملائكة أخليق إذًا أن يوصف بالجناح مع كمال الصّورة الآدمية، وتمام الجوارح البشريّة، وقد قال أهل العلم في أجنحة الملائكة: "ليست كما يتوهم من أجنحة الطير، ولكنّها صفات ملكية لا تفهم إلاّ بالمعاينة، واحتجوا بقوله تعالى: ﴿أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاع﴾ . [سورة فاطر، الآية: ١] . فكيف تكون كأجنحة الطير على هذا، ولم ير طائر له ثلاثة أجنحة ولا أربعة، فكيف بستمائة جناح كما في صفة جبريل - ﵇، فدلّ على أنّها صفات لا تنضبط كيفيتها للفكر، ولا ورد - أيضًا - في بيانها خبر، فيجب علينا الإيمان بها، ولا يفيدنا علمًا إعمال الفكر في كيفيتها، وكلّ امرئ قريب من معاينة ذلك١".
قال ابن حجر: "هذا الذي جزم به في مقام المنع، والذي نقله عن العلماء، ليس صريحًا في الدلالة لما ادعاه، ولا مانع من الحمل على الظاهر إلاّ من جهة ما ذكره من المعهود، وهو من قياس الغائب على الشاهد، وهو ضعيف، وكون الصورة البشرية أشرف الصور لا يمنع من حمل الخبر على ظاهره، لأنّ الصورة باقية، وقد روى البيهقي في الدلالة من مرسل عاصم ابن عمر بن قتادة: "أنّ جناحي جعفر من ياقوت، وجاء في جناحي جبريل أنهما من لؤلؤ، أخرجه ابن منده في ترجمة ورقة٢".
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٧/٣٨-٣٩. ٢ فتح الباري ٧/١٦٥.
[ ٣٦٥ ]
وفي حديث المدديّ، وقصَّته مع خالد ﵁، من الفقه، كما ذكر الخطابي: "أنَّ الفَرَس مِن السَّلْب، وأنّ السَّلْبَ قليلًا كان أو كثيرًا؛ فإنّه للقاتل لا يُخَمَّس، ألا ترى أنّه أمر خالدًا بردّه عليه مع استكثاره إيَّاه، وإنَّما كان ردّه إلى خالد بعد الأمر الأوّل بإعطائه القاتل نوعًا من النكير على عوف١، وردعًا له وزجرًا لئلاَّ يتجرأ الناس على الأئمة، ولئلاَّ يتسرعوا إلى الوقيعة فيهم، وكان خالد مجتهدًا في صنيعه ذلك، إذ كان قد استكثر السَّلْبَ، فأمضى له رسول الله ﷺ اجتهاده لِمَا رأى في ذلك من المصلحة العامّة بعد أن كان خطَّأَه في الرأي الأوّل، والأمر الخاصّ مغمور بالعامّ، واليسير من الضرر محتمل للكثير من النفع والصلاح، ويشبه أن يكون النبيّ ﷺ قد عوَّض المَدَدِيَّ من الخُمُس الذي هو له، وترضَّى خالدًا بالصَّفْحِ عنه، وتسليم الحكم له في السَّلب٢".
وقال النووي: "وهذا الحديث قد يستشكل من حيث إنّ القاتل قد استحقّ السلب، فكيف منعه إيّاه؟! ". ويجاب عنه بوجهين:
أحدهما: "لعلّه أعطاه بعد ذلك للقاتل، وإنّما أخّره تعزيزًا له، ولعوف بن مالك، لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد ﵁، وانتهكا حرمة الوالي ومن ولاّه".
_________________
(١) ١ في شرح السنن (٣/١٦٤): "نوعًا من التكبُّر على معروف" وهو لا يستقيم مع السياق. والتصحيح من شرح السنة للبغوي (٣/١١) . ٢ الخطابي: شرح سنن أبي داود، حاشية٣/١٦٤،وانظر: (البغوي: "شرح السنة٣/١١) .
[ ٣٦٦ ]
الوجه الثّاني: "لعلّه استطاب قلب صاحبه فتركه صاحبه باختياره، وجعله للمسلمين، وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد ﵁ للمصلحة في إكرام الأمراء١".
وفي الحديث - أيضًا - دليلٌ على أنّ نسخ الشيء قبل الفعل جائز، ألا ترى أنّ النّبيّ ﷺ أمره بإمساكه، قبل أن يردّه، فكان في ذلك نسخ لحكمه الأوّل، ذكره الخطّابي٢".
ويستفاد من حديث أنس بن مالك ﵁: "أنّ النّبيّ ﷺ نعى زيدًا، وجعفرًا، وابن رواحة، قبل أن يأتيهم الخبر" الحديث. جواز الإعلام بموت الميت، ولا يكون ذلك من النعي المنهي عنه، قال ابن المرابط: "النعي الذي هو إعلام الناس بموت قريبهم مباح، وإن كان فيه إدخال الكرب والمصائب على أهله، لكن في تلك المفسدة مصالح جمّة لما يترتّب على معرفة ذلك من المبادرة لشهود جنازته، وتهيئة أمره، والصلاة عليه، والدّعاء له، والاستغفار، وتنفيذ وصاياه وما يترتّب على ذلك من الأحكام".
وأمّا نعي الجاهليّة: "فقال سعيد بن منصور: "أخبرنا ابن علية، عن ابن عون قال: "قلت لإبراهيم: "أكانوا يكرهون النعي؟ قال نعم".
_________________
(١) ١ النووي على مسلم ١٢/٦٤. ٢ حاشية سنن أبي داود ٣/١٦٤.
[ ٣٦٧ ]
قال ابن عون: "كانوا إذا توفي الرجل ركب رجل دابة، ثُمَّ صاح في النّاس: "أنعى فلانًا"، وبه إلى ابن عون قال: قال ابن سيرين: "لا أعلم بأسًا أن يؤذن الرجل صديقه وحميمه".
وحاصله أنّ محض الإعلام بذلك لا يكره، فإن زاد على ذلك فلا، وقد كان بعض السلف يُشَدِّد في ذلك حتى: "كان حذيفة إذا مات له الميّت يقول: "لا تؤذنوا به أحدًّا، إنّي أخاف أن يكون نعيًا، إني سمعت رسول الله ﷺ بأُذُنَيَّ هاتين ينهى عن النعي". أخرجه الترمذي، وابن ماجه بإسنادٍ حسنٍ".
قال ابن العربي: "يؤخذ من مجموع الأحاديث ثلاث حالات:
الأولى: إعلام الأهل والأصحاب وأهل الصلاح، فهذا سُنة.
الثانية: دعوة الحفل للمفاخرة، فهذه تكره.
الثالثة: الإعلام بنوعٍ آخر كالنياحة ونحو ذلك فهذا يَحْرُم١.
وفي إخبار النبي ﷺ النّاس بمصاب أهل مؤتة، علم ظاهر من أعلام النُّبوّة٢".
وفي حديث عائشة - ﵂ - الذي ذكرت فيه ظهور الحزن على رسول الله ﷺ حينما عرف بمصاب أصحابه في مؤتة من الفوائد:
بيان ما هو الأولى بالمصاب من الهيئات، ومشروعية الانتصاب للعزاء على هيئته، وملازمة الوقار والتثبُّت".
_________________
(١) ١ انظر: " (ابن حجر: "فتح الباري ٣/١١٦-١١٧، ٧/٥١٣) . ٢ فتح الباري ٧/٥١٣.
[ ٣٦٨ ]
ويؤخذ منه - أيضًا: "أنّ ظهور الحزن على المصاب إذا أصيب بمصيبة لا يخرجه عن كونه صابرًا راضيًا إذا كان قلبه مطمئنًا، بل قد يُقال: "إنّ مَن كان ينْزعج بالمصيبة ويعالج نفسه على الرضا والصبر أرفع مرتبة مِمَّن لا يبالي بوقوع المصيبة أصلًا، أشار إلى ذلك الطبري١".
وفي حديث أمر النبي ﷺ بصنع طعام لآل جعفر، فيه ندب تهيئة طعام لأهل الميّت، والإلحاح عليهم في أكله لئلا يضعفوا بتركه٢".
قال السهيلي: "وهذا أصل في طعام التعزية، وتسميه العرب الوضيعة"٣".
قال ابن إسحاق: "سمعت عبد الله بن أبي بكر يقول: "لقد أدركت الناس بالمدينة إذا مات لهم ميّت، تكلّف جيرانهم يومهم ذلك طعامهم، فلكأني أنظر إليهم قد خبزوا خبزًا صغارًا، وصنعوا لحمًا، فجُعِل في جفنة، ثُمّ يأتون به أهل الميّت، وهم يبكون على ميِّتهم، مشتغلين، فيأكلونه لقول رسول الله ﷺ لأهله حين أُصيب جعفر: "لا تغفلوهم أن تصنعوا لهم طعامًا يومهم هذا، ثُمَّ إنّ الناس تركوا ذلك"٤.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥١٤-٥١٥. ٢ انظر: " (العامري: "بهجة ١/٣٩٠-٣٩١) . ٣ الروض ٧/٤٢. ٤ انظر: " (البيهقي: "دلائل ٤/٣٧٠) . قلت: "وقد كانت هذه العادة، وهي صُنْع الخبز الصغار لأهل الميّت موجودة في بعض المدن والقرى، أخبرني بذلك الوالد - رحمه الله تعالى - كما ذكر لي بعض الأخوة المصريّين أنّها ما زالت في معظم قرى مصر". والله تعالى أعلم.
[ ٣٦٩ ]
قال ابن الهمام في فتح القدير شرح الهداية: "يُستحب لجيران أهل الميّت والأقرباء الأباعد تهيئة طعام لهم يشبعهم ليلتهم ويومهم، ويكره اتّخاذ الضيافة من أهل الميّت، لأنّه شرع في السرور لا في الشرور، وهي بدعة مستقبحة". انتهى.
ويؤيّده حديث جرير بن عبد الله البجلي قال: "كُنّا نرى الاجتماع إلى أهل الميت وصنعه الطعام من النياحة". أخرجه ابن ماجه، وبوّب له باب ما جاء في النهي عن الاجتماع إلى أهل الميّت وصنعة الطعام".
وهذا الحديث سنده صحيح ورجاله على شرط مسلم، قاله السندي".وقال - أيضًا -:قوله:"كُنّا نرى" هذا بمنْزلة رواية إجماع الصحابة أو تقرير من النبيّ ﷺ، وعلى الثاني فحكمه الرفع، وعلى التقديرين فهو حُجّة".
وبالجملة فهذا عكس الوارد، إذ الوارد أن يصنع الناس الطعام لأهل الميّت، فاجتماع الناس في بيتهم حتّى يتكلّفون لأجلهم الطعام قلب لذلك، وقد ذكر كثيرٌُ من الفقهاء أنّ الضيافة لأهل الميّت قلب للمعقول١
_________________
(١) ١ قلت: "انقلب هذا المعقول اليوم انقلابًا جذريًا، فأصبح الناس يقومون بإجراءات في المآتم أشبه ما تكون بالأفراح السعيدة، فمنْزل الميّت صار يُزَيَّن بمصابيح الكهرباء، وتُفْرَش الأرض بأنواع الزّل والمفارش، وتوضع الكراسي والصوانات خارج المنْزل لاستقبال وفود المُعَزِّين، وتًصْنَع الولائم ليل نهار لمدّة ثلاثة أيام، ويكلّف أهل الميّت ضيافة الوافدين والوافدات للعزاء، والمقيمين من الأقارب والأصدقاء، والجيران، وقد وصل بهم الأمر إلى التفاخر في مراسم المآتم، والاحتفال بها في صالات الأفراح". فالله المستعان.
[ ٣٧٠ ]
لأنّالضيافة حقًّا أن تكون للسرور لا الحزن١".
في حديث عبد الله بن جعفر - ﵄ -، وقوله: "ثُمَّ أمهل آل جعفر ثلاثًا أن يأتيهم، ثُمّ أتاهم فقال: "لا تبكوا على أخي بعد اليوم".
قال ابن كثير: "وهذا يقتضي أنّه - ﵊ - أرخص لهم في البكاء ثلاثة أيام، ثُمَّ نهاهم عنه بعدها٢".
أمّا بالنسبة للمراثي٣ التي قيلت في أهل مؤتة، فيؤخذ منه جواز رثاء الميّت، وقد رثت فاطمة - ﵂ - أباها ﷺ، ورثاه غيرها، وفعله كثيرٌ من الصحابة - ﵃ -، وغيرهم من العلماء - ﵏ -، وما ورد من النهي عنها محمول على ما يظهر فيه تبرم أو على فعله مع الاجتماع له، أو على الإكثار، أو على ما يجدد الحزن٤".
_________________
(١) ١ عون المعبود، شرح سنن أبي داود ٨/٤٠٦-٤٠٧. ٢ البداية والنهاية ٤/٢٥٢. قلت: "كانت الرخصة في البكاء العادي، وليس النياحة المنهي عنها ابتداءً. ٣ جمع مرثية، وهي عدّ محاسن الميّت نظمًا ونثرًا. ٤ العامري: "بجهة المحافل ١/٣٩٥.
[ ٣٧١ ]
قلت: "ومما يدلّ على جوازه أيضًا هو فعل الصحابة له في حياة النبيّ ﷺ، حيث رثى الشعراء من الصحابة أمثال حسَّان بن ثابت ﵁، وغيره شهداء بدر، وأُحُدٍ، وغيرهما من الغزوات والسرايا دون اعتراض من النبيّ ﷺ، مِمَّا يعدّ تقريرًا لذلك". والله تعالى أعلم".
[ ٣٧٢ ]
المبحث الثّاني: الدروس المستفادة:
الوصايا التي تزود بها جيش مؤتة:
لقد كانت التوصيات التي تزوّد بها جيش مؤتة من القائد الأعلى للقوات الإسلامية ﷺ تُعَدُّ من أعظم وأرقى قوانين حرب الفروسية المشرفة على مدى التاريخ الإنساني قاطبةً، فلَمْ ولن تعرف أُمّة من الأُمَم السابقة واللاحقة مثل تلك الآداب الحربية التي كان المسلمون يطبّقونها في حروبهم ضدّ أعدائهم، والتي تُعدّ بحقّ وثيقة فعلية تطبيقية لحقوق الإنسان على أرض الواقع، لا على واقع الحبر والورق، وأرفف المنظّمات والهيئات، لقد كان الجندي المسلم يسير بانضباطٍ عجيبٍ، مطَبِّقًا الأوامر والتعليمات الصادرة إليه من رؤوسائه بصورةٍ تلقائية عفوية، لأنّه يعتبر ذلك جزءٌ حيويٌّ من دينه الذي يسعى ويحرص كُلِّ الحرص على تقديم الصورة الصحيحة عنه".
وهكذا كان كُلّ جندي من جنود الإسلام الأوائل عبارة عن قدوة صالحة تمثّل الإسلام أصدق تمثيل في كُلّ مكانٍ حلّ به.
"لقد أدهشت النتائج السريعة الإيجابية لحركة الفتوح الإسلامية جميع المحلّلين على اختلاف مشاربهم ودياناتهم، ولكن المُحَلِّل المُنْصِف ستزول دهشته حتمًا عندما يقرأ تلك التعاليم والوصايا النبوية لقوَّاد وجنود السرايا والبعوث، والتي هي نواة حركة الفتوح الإسلامية، وأصبح الذين شاركوا بالأمس في السرايا والبعوث مشاركين اليوم على رأس تلك الجيوش الفاتحة، مقتدين نفس النهج، سائرين على نفس الطريق الذي رسمه
[ ٣٧٣ ]
لهم قائد الأمة المصطفى ﷺ، حتى تلك الأوامر والتعاليم النبوية صارت تتكرّر على ألسنة الخلفاء، وقادة جيوش الفتح فيما بعد"١.
"لقد كان تطبيق صحابة محمّد ﷺ هذا الدستور الحربي من أعظم الأسباب التي حبَّبت الإسلام إلى نفوس غير المسلمين، فدخلوا فيه طائعين مختارين مستبشرين، لأنّهم رأوا حقيقة الإسلام متمثلة في سلوك أولئك الأصحاب الكرام الذين ربّاهم القرآن، وأدّبهم الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم٢".
تقدم المسلمين لملاقاة عدوّهم رغم معرفتهم المسبقة بكثافتهم العددية والعددية:
إنّ تقدُّم المسلمين لملاقاة عدوّهم المتفوِّق عليهم في العدد والعتاد، لأمرٌ يُثير الدهشة فعلًا، وهو إن دلّ على شيء فإنما يدل على ما كان يتمتّع به أولئك القوم من إيمانٍ عظيمٍ وقويٍّ، ذلك الإيمان الذي جعلهم يستصغرون معه عدوّهم، وتنقلب معه موازين المعركة، فأصبح وقودًا أشعل نار الشجاعة والإقدام في نفوسهم، وأوقد الحماس في قلوبهم، وأيقظ كوامن قواهم البشرية المكنونة".
نعم! لقد كان الإيمان المتّقِد في جوانح أولئك القوم يجعلهم أُناسًا آخرين، فتراهم يطيرون في ساحات الوغى إلى الموت طيرانًا، وينقضّون
_________________
(١) ١ بريك أبو مايلة: "السرايا والبعوث حول المدينة ومكّة ٥٣. ٢ باشميل: "غزوة مؤتة ٢٦٤.
[ ٣٧٤ ]
على أعدائهم، وكأنهم عقبان تُلاحِق فرائسها، كيف لا!؟ وهم يتحسّسون الجنّة ونعيمها، وكأنّهم يرونها أمامهم رأين العين، فيندفعون إليها جارفين أمامهم سدود الأعداء، جاعلين منها طُرُقًا مُمَهَّدة للدخول إليها".
لقد تمَّلت هذه الحقيقة واضحة العيان في قتال القادة الثلاثة واندفاعهم بالمسلمين صوب أعدائهم في العمق، حتى أصبحت قصص استشهادهم صورًا رائعة للبطولة، يمكن أن يؤلّف في كلّ واحدةٍ منها كتابٌ مستقلّ".
إنّهم فعلًا لا يقاتلون الناس بعددٍ ولا عدّة، كما ذكر عبد الله بن رواحة ﵁ - القائد الثالث، وإنما يقاتلون بتأييد الله ﷿ لهم، ووعده إيّاهم بالنصر والتمكين، وسواء قُتِلُوا أم غَلَبُوا، فهم في كِلا الحالين فائزون بِرِضَى الله ﷿ عنهم، وموعودون بالأجر العظيم يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ الله الَّذِينَ يَشْرُونَ الحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ الله فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نَأْتِيْهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ . [سورة النساء، الآية: ٧٤] .
تموين الجيش الإسلامي، وتسليحه:
وضَّحت رواية عوف بن مالك الأشجعي ﵁ أنّ تموين جيش المسلمين كان يعتمد أحيانًا على تبرعات الموسرين من المشاركين فيه، وتلك عادة حسنة للعرب في جاهليتهم١، زادها الإسلام قوّةً وتماسكًا حيث كان الصحابة - رضي الله تعالى عنهم - يتسابقون في الإنفاق في
_________________
(١) ١ انظر: (ابن كثير: البداية والنهاية ٣/٢٥٩) .
[ ٣٧٥ ]
سبيل الله تعالى باعتبار أنّه جهاد في سبيل الله بالإضافة إلى مجاهدتهم بأنفسهم، وذلك طاعة لله ﵎ ولرسوله ﷺ، وطلبًا للأجر والمثوبة العظيمة من الباري ﷿.
كما وضحّت الرواية كذلك مدى بساطة تسليح المسلمين بالمقارنة مع ما كان عليه الروم وحلفاؤهم من البهرجة والغطرسة والغرور، وتوضح أيضًا مدى بسالة جند الإسلام الأوائل، ومحاولتهم التواؤم مع الظروف، وعدم التسليم للنقص الواضح في عدّتهم وعتادهم، ولكن حسب إمكاناتهم، كما فعل ذلك المَدَدِيّ بصنعه درقة له من جلد الجزور".
يقول أبو١ أمامة ﵁: "لقد فتح الفتوح قوم ما كانت حلية سيوفهم الذهب والفضّة، وإنما كانت حلية سيوفهم العُلابي، والآنك٢ والحديد٣".
_________________
(١) ١ صدّي بن عجلان، أبو أمامة الباهلي. (صحابي مشهور) . سكن الشام ومات بها سنة ستّ وثمانين. (تقريب ٢٧٦) . ٢ العلابي: "الجلود الخام غير المدبوغة. وقيل: "العصب تؤخذ رطبة فيشد بها جفون السيف وتلوى عليها فتحف. والآنك: "الرصاص. (ابن حجر: "٦/٩٦) . ٣ أخرجه البخاري (انظر: "فتح الباري ٦/٩٥) .
[ ٣٧٦ ]
التقدير والإكرام والإعجاب الذي حظي به جيش مؤتة من رسول الله ﷺ:
لقد كان التقدير والإعجاب والإكرام الذي حظي به أهل مؤتة من القائد الأعلى رسول الله ﷺ من العوامل التي جعلت جيش المسلمين من أنجح جيوش العالم في ذلك الوقت، وأعظمها وأرفعها معنوية".
فحين يُقَدِّرُ القائد الجهدَ المبذول، ويعطيه حقّه من التقدير والإعجاب، بل ويُصَحِّح ردود الفعل الخاطئة التي كانت لدى بعضهم تجاه الجيش، لا شكّ أن ذلك يعطي أفراده الراحة النفسية التامّة، بل ويدفعهم إلى مزيدٍ من البذل، ومزيدٍ من العطاء بلا حدود، ومواصلة المشوار بلا تردد".
لقد كان المصطفى ﷺ وسيظل للأبد، من أنجح القادة العالميّين على الإطلاق، وستظل مكافآته المعنوية سنية عظيمة، والتي كانت عبارة عن أوسمة رفيعة المستوى والشأن، على صدور حامليها غير مسبوقة، ولا ملحوقة بإذن الله ﵎ إلى أن يرث الله الأرض ومَن عليها".
وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁:
"نلاحظ تأكيد الشارع ﷺ على مراعاة حُرمة الأمير، والقائد، والإمام ومكانته بين الناس وترك التطاول عليه، وأنّ ذلك مِمَّا يفسد القلوب، ويؤدي بالتالي إلى التنازع المؤدّي للفشل، وفيه من الحض والتأكيد على السمع والطاعة لولاة الأمر مهما كانوا ومهما فعلوا ما لم يأمروا بمعصية".
[ ٣٧٧ ]
وأنّهم يستحقون هذا الأمر لكونهم يكابدون مشقّة التّصدّي للأمور الخاصّة بالرّعية من السهر على راحتهم، والدفاع عنهم، يقول النووي: "ومعنى الحديث، أنّ الرعية يأخذون صفو الأمور، فتصلهم أعطياتهم بغير نكد، وتبتلى الولاة بمقاساة الأمور، وجمع الأموال على وجوهها، وصرفها في وجوهها، وحفظ الرعية، والشفقة عليهم، والذّبّ عنهم، وإنصاف بعضهم من بعض، ثُمَّ متى وقع علقة أو عتب في بعض ذلك توجَّه على الأمراء دون الناس"١.
لقد كان المصطفى ﷺ دائمًا وأبدًا حريصًا على أمّته، رؤوفًا بهم، وفي تحذيره إياهم من منازعة أهل الأمر ومخالفتهم، فيه من المصلحة العامّة للأمّة ما لا يخفى إلاّ على المكابر المعاند، أو الجاهل المغرور، لأنّ ذلك مِمَّا يوقع الفتن المهلكة التي تهلك الحرث والنسل، وتكون وبالًا على الأمّة، تُدَمِّر اقتصادها، وتعصف بمجتمعاته الآمنة، ويذهب ضحيتها الأبرياء".
مواساته ﷺ لأسر الشّهداء:
كانت مواساة النّبيّ ﷺ لأسر شهداء مؤتة، ورعايته وعطفه على أبنائهم، لفتةً أبويّةً حانية عطوفة من أبٍ رحيم عطوفٍ مشفقٍ، لا يأل جهدًا في التخفيف عن معاناة أولئك وغيرهم من أفراد المجتمع الإسلامي بأسره".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٦٥.
[ ٣٧٨ ]
كيف لا! وهو الذي كان يفيض حنانًا، وشفقةً، ورحمةً". كيف لا! وهو الذي كانت حياته ﷺ بأبي هو وأُمّي تكريسًا لهذه الحقيقة".
ألم يصفه الباري ﷿ بذلك في القرآن بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُم رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُم عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّم حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ . [سورة التوبة، الآية: ١٢٨] . وكفى بالقرآن دليلًا وشاهدًا".
الفوائد التي اكتسبها المسلمون من نتائج غزوة مؤتة:
لقد "كانت معركة مؤتة استطلاعية أفادت المسلمين كثيرًا في معرفة خواص قوّات الروم، وأساليب قتالها، وخواص حلفائها من القبائل، وأساليب قتالهم وقوّتهم، فأفادوا من هذه المعلومات في قتالهم بعد ذلك ضدّ الروم، ولا تعدّ خسائر المسلمين الطفيفة شيئًا يُذْكَر بجانب الفائدة العسكرية التي أفادت من الاطلاع على خواص قوات الروم وحلفائها، وتنظيمهما، وتسليحها، وأساليب قتالها، مِمَّا سترى أثره في المعارك التي خاضها المسلمون فيما بعد١".
"وإذا كانت الأمور بنتائجها، والأعمال بخواتيمها، فقد كفى المسلمين ظهورًا على عدوّهم، أنهم تركوا في نفوسهم أثرًا من الرهبة، جعلهم يحجمون عن قتالهم، وينكلون عن متابعتهم"٢.
_________________
(١) ١ خطاب: "الرسول القائد ٣٠٩. ٢ الدويدار: "صور ٥٢٧.
[ ٣٧٩ ]
"ومهما تكن الخاتمة التي لقيتها غزوة مؤتة فإن نتائجها وآثارها كانت بعيدة المدى، فبينما رأى الروم تلك الغزوة غارة من الغارات التي اعتاد البدو شنّها بين حين وآخر، كانت سرية زيد بن حارثة إلى مؤتة في الحقيقة غزوة من نوع آخر، لم تقدر إمبراطورية الروم أهميتها، فهي حرب منظّمة كانت لها مهمّة جديدة خاصّة، جعلت المسلمين يتطلّعون جدّيًا إلى فتح أرض الشام"١.
وحقيقةً - كما ذكر ابن كثير رحمه الله تعالى، قد كانت مؤتة إرهاصًا لما بعدها من غزو الروم، وإرهابًا لأعداء الله ورسوله٢.
_________________
(١) ١ خطاب: "وعبد العزيز زائد: "دروس من السيرة النبوية ١٠٥-١٠٦. ٢ ابن كثير: "الفصول في سيرة الرسول ﷺ ١٩٥.
[ ٣٨٠ ]