[ ٩٥ ]
[محمد ﷺ يحمل أعباء الدعوة إلى الله]
تقلّصت ظلال الحيرة، وثبتت أعلام الحقيقة، وعرف محمد ﵊ معرفة اليقين أنّه أضحى نبيّا لله الكبير المتعال، وأنّ ما جاءه سفير الوحي ينقل إليه خبر السماء.. إلا أنّ الروعة التي انتابته من هذه الصلة بين إنسان وملك، تركت في نفسه أثرا من الجهد، كأنّما كان يعالج عملا مرهقا صعبا.
ولا عجب! فقد ظلّ يعاني من التنزيل شدّة أمدا طويلا، وشاء الله أن يفتر الوحي بعد ابتدائه على النحو الذي أسلفنا، حتى يكون تشوّف الرسول ﷺ، وارتقابه لمجيئه؛ سببا في ثباته واحتماله عند ما يعود، ومع ذلك فإنّ الطاقة البشرية ناءت أمام وطأته.
جاء جبريل ﵇ للمرة الثانية، قال جابر بن عبد الله ﵄: سمعت رسول الله ﷺ يحدّث عن فترة الوحي، فقال لي في حديثه: «فبينا أنا أمشي، سمعت صوتا من السماء، فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالسا على كرسيّ بين السماء والأرض، ففزعت منه حتى هويت على الأرض، فجئت إلى أهلي، فقلت: زمّلوني، زمّلوني، فدثّروني » . فأنزل الله ﷿:
يا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥) [المدثر] «١» .
كانت هذه الأوامر المتتابعة القاطعة إيذانا للرسول ﷺ بأنّ الماضي قد انتهى بمنامه وهدوئه وسلامه، وأنّه أمام عمل جديد يستدعي اليقظة والتشمير، والإنذار والإعذار، فليحمل الرسالة، وليوجه الناس، وليأنس بالوحي، وليقو على عنائه، فإنه مصدر رسالته ومدد دعوته.
والوحي إلهام ينضح على القلب بمراد الله في صورة واضحة لا تحتمل الريبة، وله مراتب شتّى بعضها أيسر من بعض؛ فعن عمر ﵁: «كان
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٨/ ٥٤٩- ٥٥١؛ ومسلم: ١/ ٩٨.
[ ٩٧ ]
رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي، يسمع عند وجهه دويّ كدوي النحل» «١» .
وكان أحيانا يأتي في مثل صلصة الجرس- وكان أشدّه عليه- فيلتبس به الملك، حتى إنّ جبينه ليتفصّد عرقا في اليوم الشديد البرد «٢»، وحتى إنّ راحلته لتبرك به على الأرض إذا كان راكبها «٣»، ولقد جاءه الوحي مرة كذلك وفخذه إلى فخذ زيد بن ثابت، فثقلت عليه حتى كادت ترضّها «٤»، وقد يأتي أيسر من ذلك وأخفّ.
وربما قيل: لماذا كانت أوائل الوحي بهذه المثابة من الشدة؟ ولماذا لم يبدأ نزول القران إلهاما في منام، أو إلهاما في يقظة على نحو ما قال رسول الله ﷺ:
«إن روح القدس نفث في روعي أنه لن تموت نفس حتى تستكمل رزقها، فاتقوا الله، وأجملوا في الطلب » «٥»؟ أو ليس هذا أبعد عن دواعي الفزع والإعياء؟.
_________________
(١) حديث ضعيف أخرجه الترمذي: ٢/ ١٥١- ١٥٢، وذكر أن في سنده اختلافا. ومداره على يونس بن سليم، رواه عنه عبد الرزاق، ويونس هذا مجهول، ومن طريقه أخرجه أحمد، رقم (٢٢٣)؛ والحاكم: ١/ ٥٣٥ و٢/ ٣٩٢؛ والنسائي «كما نقلوا عنه، وقال: هذا حديث منكر لا نعلم أحدا رواه غير يونس، ويونس لا نعرفه»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» وهذا من تساهله، وأما الذهبي فتناقض، فإنه في الموضع الأول وافق الحاكم على تصحيحه، واغترّ بذلك الشيخ أحمد شاكر، وأما في الموضع الاخر فقد تعقّبه بقوله: قلت: «سئل عبد الرزاق عن شيخه ذا، فقال: أظنه لا شيء»، وفي (الميزان) أقرّ النسائي على قوله: «هذا حديث منكر»، وتوثيق ابن حبان لابن سليم هذا، مما لا يعتدّ به، لا سيما وتلميذه عبد الرزاق أدرى به من ابن حبان.
(٢) روى معنى هذا البخاري: ١/ ١٤- ١٧، من حديث عائشة.
(٣) أخرج معناه أحمد والحاكم: ٢/ ٥٠٥، من حديث عائشة، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وله شاهد من حديث أسماء بنت يزيد عند أحمد: ٦/ ٤٥٥- ٤٥٨؛ واخر عنده، رقم (٦٦٤٣) من حديث ابن عمرو.
(٤) أخرجه البخاري: ٥/ ١٨٢، من حديث زيد بن ثابت.
(٥) حديث صحيح جاء من طرق: الأول: عن ابن مسعود، أخرجه الحاكم (٢/ ٤) . الثاني: عن أبي أمامة، أخرجه الطبراني في الكبير؛ وأبو نعيم في (حلية الأولياء): ١٠/ ٢٨. الثالث: عن حذيفة، أخرجه البزار كما في (الترغيب): ٣/ ٧؛ والهيثمي في (مجمع الزوائد): ٤/ ٧١. -
[ ٩٨ ]
والجواب: أن نزول القران اتخذ هذه الطريقة أول الأمر، ونزل الملك به في هذا المظهر «١»؛ قطعا لكل شبهة، في أنه ألفاظ ومعاني من عند الله، وأنّ محمدا ﷺ حمّله تحميلا بعد أن اصطفي له، واختصّ به، فهو ليس افتعال عابد منقطع تخيّل فخال، ولا صناعة فيلسوف ماهر يجيد سوق الأدلة، وتنميق المقال، إنما هو كلام الأحد، الحق الكبير المتعال:
إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوى (٥) ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوى (٦) وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلى (٧) ثُمَّ دَنا فَتَدَلَّى (٨) فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنى (٩) فَأَوْحى إِلى عَبْدِهِ ما أَوْحى (١٠) ما كَذَبَ الْفُؤادُ ما رَأى (١١) أَفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى (١٢) [النجم] .
_________________
(١) - فهذه طرق يقوّي بعضها بعضا، ولهذا- والله أعلم- جزم ابن القيم في (زاد المعاد) بنسبة الحديث إليه ﷺ.
(٢) إن اتصال الأبدان بعالم الغيب يرهق الطبيعة البشرية، واعتبر لذلك بما يعانيه الوسطاء مثلا في حالات التنويم المغناطيسي مع بعد الفارق.
[ ٩٩ ]
إلام يدعو الناس؟
شرع محمّد ﷺ يكلّم الناس في الإسلام، ويعرض عليهم الأخذ بهذا الدين الذي أرسله الله به.
وسور القران الذي نزل بمكة تبيّن العقائد والأعمال التي كلّف الله بها عباده، وأوصى رسوله ﷺ أن يتعهّد قيامها ونماءها، وأول ذلك:
١- الواحدانية المطلقة:
فالإنسان ليس عبدا لكائن في الأرض، أو عنصر في السماء، لأنّ كل شيء في السماء والأرض عبد الله، يعنو لجلاله، ويذلّ في ساحته، ويخضع لحكمه، وليس هناك شركاء ولا شفعاء ولا وسطاء، ومن حقّ كلّ امرئ أن يهرع إلى ربّه رأسا، غير مستصحب معه خلقا اخر، كبر أو حقر، وحقّ على كلّ امرئ أن ينكر من أقاموا أنفسهم، أو أقامهم غيرهم زلفى إلى الله، وأن ينزل بهم إلى مكانهم المحدود؛ إن كانوا بشرا، أو حجارة، أو ما سوى ذلك، ويجب أن تبنى جميع الصلات الفردية والجماعية على أساس تفرّد الله في ملكوته بهذه الواحدانية التامة.
ونتيجة هذه العقيدة أن الحجارة التي يعبدها العرب، أصبحت لا تزيد عن الحجارة التي تبنى بها البيوت، أو ترصف بها الطّرق، وأنّ البشر الذين ألّهوا في ديانات أخرى صحّحت أوضاعهم، فعرفوا على أنهم عبيد لمن خلقهم ورزقهم، يتقدّمون عنده بالطاعة، ويتأخّرون بالمعصية، ولا شأن لهم في خلق أو رزق.
٢- الدار الاخرة:
فهناك يوم لا شكّ في قدومه، يلقى الناس فيه ربّهم، فيحاسبهم حسابا دقيقا على حياتهم الأولى: فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨) [الزلزلة]؛ فإمّا نعيم ضاحك، يمرح فيه الأخيار ويستريحون، وإما جحيم مشؤومة، يشقى فيها الأشرار ويكتئبون
[ ١٠٠ ]
والنظر إلى الدّار الاخرة في كلّ عمل يأتيه المرء أو يذره من أصول السلوك الصحيح في الإسلام، فكما أنّ راكب القطار موقن بأنه سينزل في محطّ قادم، فكذلك المسلم يعلم أن الأيام الجارية به ستقف- حتما- لترده إلى مولاه، حيث يلقى جزاء العمر، ويجني ما غرست يداه..
٣- تزكية النفس:
وذلك بلزوم عبادات معينة شرعها الله ﷿، وترك أمور أخرى حذرا من مغبّتها:
قُلْ تَعالَوْا أَتْلُ ما حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلا تَقْرَبُوا الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٥١) وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها وَإِذا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كانَ ذا قُرْبى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢) وَأَنَّ هذا صِراطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) [الأنعام] .
قال أكثم بن صيفيّ: «إن ما جاء به محمد ﵊ لو لم يكن دينا لكان في خلق الناس حسنا» .
٤- حفظ كيان الجماعة المسلمة:
باعتبارها واحدة متماسكة تقوم على الأخوة والتعاون، وذلك يقتضي نصرة المظلوم، وإعطاء المحروم، وتقوية الضعيف. وفي سورة (المدثر) - وهي أول سورة أمر الرسول ﷺ فيها بالبلاغ- تقرأ قول الله ﵎:
كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إِلَّا أَصْحابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَساءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١) ما سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتانَا الْيَقِينُ (٤٧) فَما تَنْفَعُهُمْ شَفاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨) [المدثر] .
وكان أبو بكر لا يرى مستضعفا يعذّب من المسلمين، إلا بذل جهده وماله في سبيل فكّ إساره، وإنقاذه ممّا به، وذلك حقّ الفرد على الجماعة.
[ ١٠١ ]
الرعيل الأوّل
أخذت الدعاية للإسلام تنتشر في مكة، وتعمل عملها في أصحاب الأفئدة الكبيرة، فسرعان ما يطرحون جاهليتهم الأولى، ويخفّون إلى اعتناق الدين الجديد، وكانت ايات القران تنزل على القلوب التي استودعت بذور الإيمان، كما ينزل الوابل على التربة الخصبة:
فَإِذا أَنْزَلْنا عَلَيْهَا الْماءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ [الحج: ٥] .
كان أصحاب العقائد يتجمّعون- في تؤدة- حول عقائدهم، ويلتفّون- في حبّ وإعجاب- حول إمامهم، ويشرحون- في حذر- أصول فكرتهم.
والإيمان قوة ساحرة، إذا استمكنت من شعاب القلب، وتغلغلت في أعماقه، تكاد تجعل المستحيل ممكنا.
ولقد رأينا شبابا وشيوخا يلتقون عند فكرة من الفكر، ويحلّونها من أنفسهم محلّ العقائد الراسخة، ومع أنها فكرة مادية بحتة، إلا أنّهم يجعلون من حياتهم وقود حركتها، ويتحمّلون أقبح الأذى في سبيل نصرتها.
وفي السجون- الان- رجال تخرّجوا من جامعات الغرب، يقضون شطرا من أعمارهم مع القتلة وتجّار المخدّرات ! ويرون ذلك بعض الجهد الواجب لإنجاح مبادئهم، ودفعها إلى الأمام، فكيف إذا كان الإيمان الذي ظهر في صدر الإسلام إيمانا بالله ربّ السموات والأرض، وإيمانا بالدار الاخرة حيث ينفلت الإنسان من هذه الدنيا لتستقبله في جوار الله الحدائق الغنّاء، والقصور الزهر، من تحتها الأنهار الجارية، والنعيم المقيم؟ إنّ الرعيل الأوّل أخذ يتكوّن ويتزايد على الأيام.
ومن الطبيعي أن يعرض الرسول ﷺ- أولا- الإسلام على ألصق الناس به من ال بيته وأصدقائه، وهؤلاء لم تخالجهم ريبة قطّ في عظمة محمد ﵊، وجلال نفسه، وصدق خبره، فلا جرم أنهم السابقون إلى مؤازرته واتّباعه.
[ ١٠٢ ]
امنت به زوجته (خديجة)، ومولاه (زيد بن حارثة)، وابن عمه (علي بن أبي طالب) - وكان صبيّا يحيا في كفالة الرّسول ﷺ-، وصديقه الحميم أبو بكر، ثم نشط أبو بكر في الدعوة إلى الإسلام، فأدخل فيه أهل ثقته ومودته: عثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وامن القسّ ورقة بن نوفل.
وقد روي «١» أنّ الرسول ﷺ راه في المنام- بعد مماته- في هيئة حسنة تشهد بكرامته عند الله، وأسلم الزبير بن العوام، وأبو ذر الغفاري، وعمرو بن عبسة، وخالد بن سعيد بن العاص، وفشا الإسلام في مكة بين من نوّر الله قلوبهم؛ مع أن الإعلام به كان يقع في استخفاء، ودون مظاهرة من التحمّس المكشوف، أو التحدي السافر
وترامت هذه الأنباء إلى قريش فلم تعرها اهتماما، ولعلّها حسبت محمدا ﵊ أحد أولئك الديّانين الذين يتكلّمون في الألوهية وحقوقها، كما صنع أمية بن أبي الصلت، وقس بن ساعدة، وزيد بن عمرو بن نفيل وأشباههم، إلا أنّها توجّست خيفة من ذيوع خبره، وامتداد أثره، وأخذت ترقب على الأيام مصيره ودعوته.
واستمرّ هذا الطور السّرّي للدعوة ثلاث سنين، ثم نزل الوحي يكلف الرسول ﷺ بمعالنة قومه، ومجابهة باطلهم، ومهاجمة أصنامهم جهارا.
_________________
(١) هذا حديث حسن، فتصديره بصيغة (روي) غير حسن؛ لأنه يشير إلى تضعيفه وليس بضعيف، فقد جاء من طريقين حسّنهما الحافظ ابن كثير في (البداية): ٣/ ٩، أخرج أحدهما أحمد من حديث عائشة، والاخر أبو يعلى من حديث جابر، فلا أقل من كون الحديث حسنا بمجموع الطريقين، ويشهد له قوله ﷺ: «لا تسبّوا ورقة، فإني رأيت له جنة أو جنتين» . أخرجه البزار والحاكم: ٢/ ٦٠٩؛ وابن عساكر من حديث عائشة أيضا، وقال الحاكم: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي: «وهو كما قالا»، وقال ابن كثير: «وإسناده جيد» .
[ ١٠٣ ]
إظهار الدعوة
قال ابن عباس ﵄: لما نزلت الاية وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء]، صعد النبي ﷺ على الصّفا، فجعل ينادي: «يا بني فهر، يا بني عدي» لبطون قريش- حتى اجتمعوا، فجعل الذي لم يستطع أن يخرج، يرسل رسولا لينظر ما هو؟ فجاء أبو لهب وقريش، فقال النبي ﷺ: «أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلا بالوادي تريد أن تغير عليكم أكنتم مصدّقي؟» قالوا: ما جرّبنا عليك كذبا.
قال: «فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد!!»، فقال أبو لهب: تبّا لك سائر اليوم! ألهذا جمعتنا؟! فنزل قوله تعالى: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١)
[المسد] «١» .
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قام رسول الله ﷺ، حين أنزل الله عليه: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء] فقال: «يا معشر قريش! اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئا، يا بني عبد المطلب! لا أغني عنكم من الله شيئا، يا عباس بن عبد المطلب! لا أغني عنك من الله شيئا، يا صفية عمة رسول الله! لا أغني عنك من الله شيئا، يا فاطمة بنت رسول الله سليني ما شئت من مالي، لا أغني عنك من الله شيئا» «٢» .
هذه الصيحة العالية هي غاية البلاغ، فقد فاصل الرسول ﵊ قومه على دعوته، وأوضح لأقرب الناس إليه أن التّصديق بهذه الرسالة هو حياة الصلة بينه وبينهم، وأن عصبيّة القرابة التي يقوم عليها العرب ذابت في حرارة هذا الإنذار الاتي من عند الله.
لقد كان محمد ﵊ كبير المنزلة في بلده، مرموقا بالثقة
_________________
(١) حديث صحيح أخرجه البخاري: ٨/ ٤٠٦- ٤٠٨، ٥٠٩- ٥١٠؛ ومسلم ١/ ١٣٤.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٤٠٨؛ ومسلم ١/ ١٣٣، من طريقين عن أبي هريرة.
[ ١٠٤ ]
والمحبة، وها هو ذا يواجه مكة بما تكره، ويتعرّض لخصام السفهاء والكبراء، وأول قوم يغامر بخسران مودّتهم هم عشيرته الأقربون، لكنّ هذه الالام تهون في سبيل الحق الذي شرح الله به صدره، فلا عليه أن يبيت بعد هذا الإنذار ومكة تموج بالغرابة والاستنكار، وتستعدّ لحسم هذه الثورة التي اندلعت بغتة، وتخشى أن تأتي على تقاليدها وموروثاتها.
وبدأت قريش تسير في طريقها، طريق اللّدد، ومجانبة الصواب، ومضى محمد ﷺ كذلك في طريقه، يدعو إلى الله، ويتلطّف في عرض الإسلام، ويكشف النقاب عن مخازي الوثنية، ويسمع ويجيب، ويهاجم ويدافع.. غير أن حرصه على هداية اله الأقربين، جعله يجدّد مسعاه محاولا عرض الإسلام عليهم مرة أخرى، فإنّ منزلتهم الكبيرة في العرب تجعل كسبهم عظيم النتائج.
وهم- قبل ذلك- أهله الذين يودّ لهم الخير، ويكره لهم الوقوع في مساخط الله.
روى ابن الأثير: قال جعفر بن عبد الله بن أبي الحكم «١»: لما أنزل الله على رسوله: وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤) [الشعراء]، اشتد ذلك عليه، وضاق به ذرعا، فجلس في بيته كالمريض، فأتته عمّاته يعدنه، فقال: «ما اشتكيت شيئا، ولكن الله أمرني أن أنذر عشيرتي» . فقلن له: فادعهم، ولا تدع أبا لهب فيهم، فإنه غير مجيبك، فدعاهم، فحضروا ومعهم نفر من بني المطلب بن عبد مناف، فكانوا خمسة وأربعين رجلا، فبادره أبو لهب وقال: هؤلاء هم عمومتك وبنو عمك، فتكلم ودع الصّباة! واعلم أنه ليس لقومك بالعرب قاطبة طاقة! وأنا أحق من أخذك! فحسبك بنو أبيك. وإن أقمت على ما أنت عليه فهو أيسر عليهم من أن يثب بك بطون قريش، وتمدّهم العرب، فما رأيت أحدا جاء على بني أبيه بشرّ مما جئتهم به.
فسكت رسول الله ﷺ ولم يتكلّم في ذلك المجلس، ثم دعاهم ثانية، وقال: «الحمد لله، أحمده وأستعينه، وأومن به وأتوكل عليه، وأشهد ألاإله إلا الله
_________________
(١) لم أجد في الرواة هذا الراوي، وإنما فيهم «جعفر بن عبد الله بن الحكم» وهو أنصاري أوسي تابعي صغير، يروي عن أنس والتابعين، فإذا كان هو هذا، فالإسناد مرسل ضعيف، ولم أقف على إسناده إليه، وإن كان غيره فلم أعرفه.
[ ١٠٥ ]
واحده لا شريك له» . ثم قال: «إن الرائد لا يكذب أهله، والله الذي لا إله إلا هو، إني رسول الله إليكم خاصة، وإلى الناس عامة، والله لتموتنّ كما تنامون، ولتبعثنّ كما تستيقظون، ولتحاسبنّ بما تعملون، وإنها للجنة أبدا، أو النار أبدا» .
فقال أبو طالب: ما أحبّ إلينا معاونتك، وأقبلنا لنصيحتك، وأشدّ تصديقنا لحديثك!! وهؤلاء بنو أبيك مجتمعون، وإنما أنا أحدهم، غير أني أسرعهم إلى ما تحب فامض لما أمرت به، فو الله لا أزال أحوطك وأمنعك؛ غير أن نفسي لا تطاوعني على فراق دين عبد المطلب.
فقال أبو لهب: هذه والله السّوءة!! خذوا على يديه قبل أن يأخذكم غيركم.
فقال أبو طالب: والله لنمنعنه ما بقينا.
[ ١٠٦ ]
أبو طالب
إن أبا طالب- برغم بقائه على الشرك، واستمساكه بدين الاباء- ظلّ حيّ العاطفة، ظاهر الحدب على ابن أخيه؛ وهو مدرك كل الإدراك ما سوف تجره هذه الدعوة من متاعب عليه وعلى أسرته، بيد أن إعزازه لمحمد ﷺ وتأذّيه من مواجهته بما يكره، حملاه على ضمان الحرية له، بل على التعهّد بحمايته وهو يبلّغ عن ربه!!.
وأبو طالب من رجالات مكة المعدودين، كان معظّما في أهله، معظّما بين الناس، فما يجسر أحد على إخفار ذمته، واستباحة بيضته، وكان بقاؤه مع أهل مكة- محترما للأوثان- من أسباب امتداد نفوذه ورعاية حقوقه
أمّا أبو لهب فصورة لأرباب الأسر المتهالكين على مصالحهم وسمعتهم من غير نظر إلى حق أو باطل، فأيّ عمل يعرّض مصالحه للبوار، أو يخدش ما لاسمه من منزلة يهيج ثائرته، ويدفعه لاقتراف الحماقات
وفي طبيعة أبي لهب قسوة تغريه باقتراف الدنايا، كان أبناؤه متزوّجين ببنات محمد ﷺ، فأمرهم بفراقهنّ، فطلق عتبة وعتيبة رقية وأم كلثوم..
ولعلّ أبا لهب كان متأثّرا في هذه البغضاء المتنزّية بزوجته أم جميل بنت حرب أخت أبي سفيان، وهي امرأة سليطة، تؤزها على كراهية محمد ﷺ ودينه علل شتى، ولذلك بسطت فيه لسانها، وأطالت عليه الافتراء والدسّ.
وإذا كانت أهواء الجاهلية تدفع عمّ محمد ﷺ إلى الإغلاظ معه على هذا النحو الوضيع؛ فكيف يكون مسلك الأباعد الذين يتمنّون العثار للسليم والتهمة للبريء؟!.
ولكن ما أبو لهب؟ وما قريش؟ وما العرب؟ وما الدنيا كلها؟ بإزاء رجل يحمل رسالة من الله الذي له ملك السموات والأرض، يريد أن يعيد بها الرّشد
[ ١٠٧ ]
لعالم فقد رشده، وأن يمحو بها الأوهام من حياة مرّغتها الأوهام في الرغام، ما تجدي وقفة جهول أو غضبة مغرور في منع هذه الرسالة الكبيرة من المضي إلى هدفها البعيد؟!.
إن الطحالب العائمة لا توقف السفن الماخرة، ولئن نقم الجاهليون على المسلمين مروقهم من بين قومهم بهذه الدعوة- حتى ليسمّونهم الصّباة- فإنّ المسلمين لأشدّ نقمة عليهم؛ أن سفّهوا أنفسهم، وحقّروا عقولهم، وتشبثوا بخرافات ما أنزل الله بها من سلطان.
إن الدعوة التي بدأ بها محمد ﷺ من بطن مكة لم تكن لبناء وطن صغير، بل كانت إنشاء جديدا لأجيال وأمم، تظل تتوراث الحق، وتندفع به في رحاب الأرض، إلى أن تنتهي من فوق ظهر الأرض قصة الحياة والأحياء.
فماذا تصنع خصومة فرد أو قبيلة لرسالة هذا شأنها في حاضرها ومستقبلها؟! ومن أولئك الخصوم؟!:
*.. متعصبون، تحجّرت عقولهم، تزيّن لهم سطوتهم البطش بمن يخالفهم:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [الحج: ٧٢] .
*.. أم مترفون، سرّتهم ثروتهم، يحبون الباطل؛ لأنه على أرائك وثيرة، ويكرهون الحقّ، لأنه عاطل عن الحلي والمتاع:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) [مريم] .
*.. أم متعنّتون، يحسبون هداية الرحمن عبث صبية، أو أزياء غانية، فهم يقولون: دع هذا وهات هذا:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ قالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هذا أَوْ بَدِّلْهُ [يونس: ١٥] .
*.. أم مهرّجون، يتواصون بينهم بافتعال ضجّة عالية، وصياح منكر عند ما تقرأ الايات، حتى لا تسمع فتفهم فتترك أثرا في عقل نقي وقلب طيب:
وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) [فصلت] .
لو أنّ أهل مكة تردّدوا في تصديق محمد ﷺ حتى يبحثوا أمره، ويمحّصوا
[ ١٠٨ ]
رسالته، ويزنوا- على مهل- ما لديهم، وما جاء به، لما عابهم على هذا عاقل.
ولكنّهم نفروا من الإسلام نفور المذنب من ساحة القضاء بعد ما انكشفت جريمته، وثبتت إدانته.
وقد حزن رسول الله ﷺ لهذا الإعراض المقرون بالتكذيب والتحدّي، ومن حقّ كل رجل صدوق نبيل أن يأسف ويألم إذا ألفى نفسه مكذبا مهجورا.
إلا أنّ الله واساه، فأبان له بواطن أولئك المكاذبين المتألّبين:
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) [الأنعام] .
إنّ المعتوه إذا اعترض طريقك، ووقع في عرضك بلسان حادّ، سمعت من يقول لك: هذا لا يقصد العدوان عليك، ولكنه يستجيب لنوازع الجنون في دمه، وكذلك أولئك المشركون، إن فظاظتهم وإنكارهم تمشّ مع دواعي الجحود في طباعهم، قبل أن تكون انتقاصا للرجل الذي يحدّثهم، أو طعنا في خلقه: فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
ومن ثمّ فعلى محمد ﷺ أن يمضي في سبيل البلاغ، وأن يجتاز ما يلقى أمامه من صعاب وعقاب، وعلى المؤمنين برسالته أن يثبتوا، وليس ثباتهم لمصلحتهم الخاصة فقط، ولا حق الإيمان عليهم وكفى، بل هو لمصلحة الأجيال المقبلة.
إن البنيان الشامخ الذّرى لا يرتكز على سطح الأرض، وإنما يرتكز على دعائم غائرة في الثرى، وهي التي تحمل ثقله وترفع عمده، وقد كان أصحاب محمد ﷺ الأول- بصلابة يقينهم، وروعة استمساكهم- دعائم رسالته، وأصول امتدادها من بعد، في المشارق والمغارب.
[ ١٠٩ ]
الاضطهاد
قرر المشركون ألا يألوا جهدا في محاربة الإسلام، وإيذاء الدّاخلين فيه، والتعرّض لهم بألوان النّكال والإيلام، ومنذ جهر الرسول ﷺ بالدعوة إلى الله، وعالن قومه بضلال ما ورثوه عن ابائهم؛ انفجرت مكة بمشاعر الغضب، وظلّت عشرة أعوام تعدّ المسلمين عصاة ثائرين، فزلزلت الأرض من تحت أقدامهم، واستباحت في الحرم الامن دماءهم وأموالهم وأعراضهم، وجعلت مقامهم تحمّلا للضيم، وتوقّعا للويل.
صاحبت هذه السخائم المشتعلة حرب من السخرية والتحقير؛ قصد بها تخذيل المسلمين، وتوهين قواهم المعنوية؛ فرمي النبي ﷺ وصحابته بتهم هازلة، وشتائم سفيهة، وتألّفت جماعة للاستهزاء بالإسلام ورجاله على نحو ما تفعل الصحافة المعارضة عند ما تنشر عن الخصوم نكتا لاذعة، وصورا مضحكة، للحطّ من مكانتهم لدى الجماهير.
وبهذين اللونين من العداوة وقع المسلمون بين شقّي الرحى.
فرسولهم ينادى بالجنون:
وَقالُوا يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) [الحجر] .
ويوصم بالسحر والكذب:
وَعَجِبُوا أَنْ جاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقالَ الْكافِرُونَ هذا ساحِرٌ كَذَّابٌ (٤) [ص] .
ويشيّع ويستقبل بنظرات ملتهمة ناقمة، وعواطف منفعلة هائجة:
وَإِنْ يَكادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصارِهِمْ لَمَّا سَمِعُوا الذِّكْرَ وَيَقُولُونَ إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ (٥١) [القلم] .
وليس حظّ سائر المسلمين بأفضل من هذه المعاملة، فهم- في غدوّهم ورواحهم- محلّ التندّر واللّمز:
إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغامَزُونَ (٣٠)
[ ١١٠ ]
وَإِذَا انْقَلَبُوا إِلى أَهْلِهِمُ انْقَلَبُوا فَكِهِينَ (٣١) وَإِذا رَأَوْهُمْ قالُوا إِنَّ هؤُلاءِ لَضالُّونَ (٣٢) وَما أُرْسِلُوا عَلَيْهِمْ حافِظِينَ (٣٣) [المطففين] .
وانقلبت هذه الحرب إلى تنكيل وسفك دم بالنسبة إلى المستضعفين من المؤمنين، فمن ليست له عصبية تدفع عنه لا يعصمه من الهوان والقتل شيء، بل يحبس على الالام حتى يكفر أو يموت أو يسقط إعياء.
عمار بن ياسر ﵁:
من هؤلاء عمار بن ياسر، وهو من السابقين الأولين في الإسلام، وكان مولى لبني مخزوم، أسلم وأبوه وأمه، فكان المشركون يخرجونهم إلى الأبطح إذا حميت الرمضاء، فيعذبونهم بحرّها، ومرّ بهم النبيّ ﵊ وهم يعذّبون فقال: «صبرا ال ياسر، فإن موعدكم الجنة» «١»، فمات ياسر في العذاب، وأغلظت امرأته (سميّة) القول لأبي جهل فطعنها في قبلها بحربة في يديه، فماتت؛ وهي أول شهيدة في الإسلام، وشدّدوا العذاب على عمار بالحرّ تارة، وبوضع الصخر على صدره أخرى، وبالتغريق أخرى، وقالوا: لا نتركك حتى تسبّ محمدا، أو تقول في اللات والعزّى خيرا، ففعل، فتركوه، فأتى النبيّ ﷺ يبكي فقال: «ما وراءك؟» قال: شرّ يا رسول الله! كان الأمر كذا وكذا!! قال:
«فكيف تجد قلبك؟» قال: أجده مطمئنا بالإيمان. فقال: «يا عمار إن عادوا فعد» . فأنزل الله تعالى: إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ [النحل:
١٠٦] «٢»، وقد حضر المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
_________________
(١) حديث حسن صحيح، رواه ابن إسحاق في السيرة: ١/ ٢٠٣، بلاغا، ووصله الحاكم: ٣/ ٣٨٨- ٣٨٩؛ والطبراني في الأوسط، كما في (المجمع): ٩/ ٢٩٣، عن جابر بن عبد الله، وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي. وأخرجه أحمد والحاكم كما في (الإصابة) من طريق عقيل، عن الزهري، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر، عن أبيه. وهذا سند صحيح من مراسيل الصحابة، وهي مقبولة عند العلماء؛ وأخرجه أحمد، رقم (٤٣٩)؛ وأبو نعيم في الحلية: ١/ ١٤٠، عن عثمان بن عفان، ورجاله ثقات، إلا أنه منقطع كما قال الحافظ. فهذه طرق تشهد لصحة الحديث.
(٢) في ثبوت هذا السياق نظر، وعلته الإرسال، أخرجه ابن جرير في تفسيره: ١٢/ ١١٣؛ وأبو نعيم: ٩/ ١٤٠؛ وأبو بكر الجصاص في أحكام القران: ٣/ ٢٣٦، عن طريق أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر. قال: أخذ المشركون عمارا، فلم يتركوه حتى سبّ-
[ ١١١ ]
بلال ﵁:
ومن هؤلاء (بلال بن رباح)، كان سيده أمية بن خلف- إذا حميت الشمس وقت الظهيرة- يقلّبه على الرمال الملتهبة ظهرا لبطن، ويأمر بالصخرة الجسيمة فتلقى على صدره، ثم يقول له: لا تزال هكذا حتى تموت، أو تكفر بمحمد، وتعبد اللات والعزى، فما يزيد بلال عن ترديد: أحد، أحد
خباب ﵁:
ولما اشتدّت ضراوة قريش بالمستضعفين، ذهب أحدهم- خبّاب بن الأرت- إلى رسول الله ﷺ يستنجد به، قال خباب: شكونا إلى رسول الله ﷺ وهو متوسّد بردة في ظلّ الكعبة، فقلنا: ألا تستنصر لنا؟! ألا تدعو لنا؟! فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها، ثم يؤتى بالمنشار فيوضع على رأسه، فيجعل نصفين، ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه، ما يصدّه ذلك عن دينه، والله ليتمّنّ الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، فلا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون» .
ماذا عسى يفعل محمد ﷺ لأولئك البائسين؟! إنه لا يستطيع أن يبسط حمايته على أحد منهم، لأنّه لا يملك من القوة ما يدفع به عن نفسه، وقد كان في صلاته يرمى عليه- وهو ساجد- بكرش الجزور أو رحم الشاة المذبوحة، وكانت الأنجاس تلقى أمام بيته، فلا يملك إلا الصبر.
إن محمدا صلوات الله وسلامه عليه لم يجمع أصحابه على مغنم عاجل أو اجل، إنه أزاح الغشاوة عن الأعين، فأبصرت الحقّ الذي حجبت عنه دهرا،
_________________
(١) - رسول الله ﷺ، وذكر الهتهم بخير الحديث؛ وأخرجه الحاكم: ٢/ ٣٥٧، عن أبي عبيدة هذا عن أبيه. ثم قال: «صحيح على شرط الشيخين» ووافقه الذهبي. كذا قالا، وقد كنت قديما اغتررت بقولهما، والان تبين لي خطؤهما إذ إن الجماعة رووه عن أبي عبيدة. وهب أن قوله: «عن أبيه» صحيح، فأبوه تابعي وليس بصحابي، فالحديث مرسل إن لم يكن معضلا، ثم إن أبا عبيدة وأباه لم يخرج لهما الشيخان شيئا، بل إن الأول قال فيه ابن أبي حاتم (٤/ ٤٠٢- ٤٠٥) عن أبيه: «منكر الحديث»، ووافقه ابن معين وغيره؛ فأنى للحديث الصحة؟! بله على شرطهما!. نعم إنما يصح منه نزول الاية في عمار لمجيء ذلك من طرق ساقها ابن جرير. والله أعلم.
[ ١١٢ ]
ومسح الران عن القلوب، فعرفت اليقين الذي فطرت عليه، وحرمتها الجاهلية منه، إنه وصل البشر بربهم، فربطهم بنسبهم العريق، وسببهم الوثيق، وكانوا قبلا- حيارى محسورين، إنه وازن للناس بين الخلود والفناء، فاثروا الدار الاخرة على الدار الزائلة، وخيّرهم بين أصنام حقيرة وإله عظيم، فازدروا الأوثان المنحوتة، وتوجّهوا للذي فطر السموات والأرض.
حسب محمّد ﷺ أن قدّم هذا الخير الجزيل، وحسب أصحابه أن ساقته العناية لهم، فإذا أوذوا فليحتسبوا، وإذا حاربهم عبيد الرجس من الأوثان، فليلزموا ما عرفوا، والحرب القائمة بين الكفران والإيمان سينجلي غبارها يوما ما، ثم تنكشف عن شهداء وعن هلكى، وعن مؤمنين قائمين بأمر الله ومشركين مدحورين بإذن الله:
وَقُلْ لِلَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ إِنَّا عامِلُونَ (١٢١) وَانْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٢٢) وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَما رَبُّكَ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٢٣) [هود] .
وكان رسول الله ﷺ يبثّ عناصر الثقة في قلوب رجاله، ويفيض عليهم ما أفاضه الله على فؤاده من أمل رحيب في انتصار الإسلام، وانتشار مبادئه، وزوال سلطان الطغاة أمام طلائعه المظفّرة في المشارق والمغارب، وقد اتخذ المستهزئون من هذه الثقة مادة لسخريتهم وضحكهم؛ كان الأسود بن المطّلب وجلساؤه إذا رأوا أصحاب النبي ﵊ يتغامزون بهم، ويقولون:
قد جاءكم ملوك الأرض الذين سيغلبون غدا على ملك كسرى وقيصر، ثم يصفّرون ويصفقون!!.
وتواصى المشركون بعد مصادرة الدعوة بهذا الأسلوب أن يمنعوا الوافدين إلى مكة من الاستماع إليها، قال الوليد بن المغيرة لرجالات قريش: إن الناس يأتونكم أيام الحج، فيسألونكم عن محمد، فتختلف فيه أقوالكم، يقول هذا:
ساحر، ويقول هذا: كاهن، ويقول هذا: شاعر، ويقول هذا: مجنون، وليس يشبه واحدا مما يقولون، ولكن أصلح ما قيل فيه: ساحر؛ لأنه يفرق بين المرء وأخيه وزوجته، وقد اقتسم هؤلاء المتامرون مداخل مكة أيام الموسم، يحذّرون الناس من الداعية الخارج على قومه، وينعتونه بما تواصوا به من سحر مفرّق!.
[ ١١٣ ]
ولكن الرسول ﵊ كان يذهب إلى الحجيج في مجامعهم، ويحدّثهم عن الإسلام، ويطلب منهم النصرة.
عن جابر بن عبد الله ﵄: كان رسول الله ﷺ يعرض نفسه بالموقف فيقول: «ألا رجل يحملني إلى قومه! فإنّ قريشا منعوني أن أبلّغ كلام ربي» «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ٢/ ٢٧٨؛ والترمذي: ٤/ ٥٧؛ وابن ماجه: ١/ ٧٨، بإسناد صحيح عنه، وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» . وأخرجه الحاكم: ٢/ ٦١٢- ٦١٣، وقال: «صحيح على شرط الشيخين»، ووافقه الذهبي.
[ ١١٤ ]
مفاوضات
ظنّ المشركون أن بطشهم بالمستضعفين، ونيلهم من غيرهم سوف يصرف الناس عن الاستجابة لداعي الله، وظنّوا أن وسائل السخرية والتهكّم التي جنحوا إليها ستهدّ قوى المسلمين المعنوية، فيتوارون خجلا من دينهم، ويعودون كما كانوا إلى دين ابائهم، غير أن ظنونهم سقطت جميعا، فإنّ أحدا من المسلمين لم يرتد عن الحقّ الذي شرفه الله به، بل كان المسلمون يتزايدون! ولم تفلح طرق الاستهزاء في الصدّ عن سبيل الله، أو تشويه معالمها، إنها زادت شعور المسلمين بما تزخر به الوثنية من معرّات ومخاز، تستحق الفضيحة والاستئصال، ما تصنع سخرية الجهول بالعالم؟!.
إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَما تَسْخَرُونَ (٣٨) فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ (٣٩) [هود] .
رأت قريش أن تجرّب أسلوبا اخر تجمع فيه بين الترغيب والترهيب، فلترسل إلى محمد ﷺ تعرض عليه من الدنيا ما يشاء، ولترسل إلى عمه الذي يحميه تحذره مغبة هذا التأييد، حتى يكلّم هو الاخر محمدا أن يسكت، فلا يجرّ المتاعب على كافله ووليه.
أرسلت قريش (عتبة بن ربيعة) - وهو رجل رزين هادئ- فذهب إلى رسول الله ﷺ يقول: يا بن أخي! إنك منا حيث قد علمت من المكان في النسب، وقد أتيت قومك بأمر عظيم؛ فرّقت به جماعتهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا لعلّك تقبل بعضها:
إن كنت إنما تريد بهذا الأمر مالا، جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا.
وإن كنت تريد شرفا، سوّدناك علينا، فلا نقطع أمرا دونك.
[ ١١٥ ]
وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا.
وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع ردّه عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى تبرأ.
فلما فرغ من قوله، تلا رسول الله ﵊ عليه صدر سورة فصّلت:
حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ (٤) وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى إِلَيَّ أَنَّما إِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ (٧) .
حتى وصل إلى قوله تعالى: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) «١» .
تخيّر رسول الله ﷺ هذه الايات من الوحي المبارك، ليعرّف محدّثه حقيقة الرسالة والرسول؛ إنّ محمدا ﵊ يحمل كتابا من الخالق إلى خلقه يهداهم من ضلال، وينقذهم من خبال، وهو- قبل غيره- مكلّف بتصديقه، والعمل به، والنزول عند أحكامه، فإذا كان الله يطلب من عباده أن يستقيموا إليه ويستغفروه، فمحمد ﵊ ألهج الناس بالاستغفار، وألزمهم للاستقامة، وما يطلب ملكا، ولا مالا، ولا جاها، لقد أمكنه الله من هذا كله فعفّ عنه، وترفّع أن يمدّ يده إليه، وبسط العطاء مما سيق إليه من خيرات، فأنفق واديا من المال في ساعة من نهار، وترك الحياة غير معقّب لذريته درهما.
إن عتبة- باسم قريش- يريد أن يترك محمد ﵊ الدعوة إلى الله، وإقامة العدالة بين الناس! ماذا تصير إليه الحياة لو أن صخرة من الأرض انخلعت عنها وصعدت إلى دارات الفلك تطلب من الشمس أو أي
_________________
(١) هذه القصة أخرجها ابن إسحاق في المغازي: ١/ ١٨٥، من سيرة ابن هشام، بسند حسن عن محمد بن كعب القرظي مرسلا، ووصله عبد بن حميد، وأبو يعلي، والبغوي من طريق أخرى من حديث جابر ﵁، كما في تفسير ابن كثير: ٤/ ٩٠- ٩١، وسنده حسن إن شاء الله.
[ ١١٦ ]
كوكب اخر أن يقف مسيره وإشعاعه، ويحرم الوجود من ضيائه وحرارته؟!.
ألا ما أغرب هذا الطلب! وما أجدر صاحبه أن يرتدّ إلى مكانته لا يعدوها! ولذلك بعد ما استمع عتبة إلى ايات القران توقظ ما كان نائما من فكره، استمع إلى الوعيد يهدر، فيحرك ما كان هاجعا من عاطفته: فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صاعِقَةً مِثْلَ صاعِقَةِ عادٍ وَثَمُودَ (١٣) [فصلت] . لقد وضع عتبة يده على جنبه، وقام كأن الصواعق ستلاحقه، وعاد إلى قريش يقترح عليها أن تدع محمدا وشأنه!!.
أما وفد قريش إلى أبي طالب، فقد أخذ يقول: يا أبا طالب! إن ابن أخيك قد سبّ الهتنا، وعاب ديننا، وسفّه أحلامنا، وضلّل اباءنا، فإمّا أن تكفّه عنا، وإما أن تخلّي بيننا وبينه، فإنك على مثل ما نحن عليه من خلافه، فقال لهم أبو طالب قولا جميلا، وردّهم ردّا رفيقا، فانصرفوا عنه.
ومضى رسول الله ﷺ بما هو عليه، ثم استشرى الأمر بينه وبينهم، حتى تباعد الرجال فتضاغنوا، وأكثرت قريش ذكر رسول الله ﷺ، وتامروا فيه فمشوا إلى أبي طالب مرة أخرى، فقالوا: يا أبا طالب إن لك فينا سنّا وشرفا، وإنا قد استنهيناك أن تنهى ابن أخيك فلم تفعل، وإنا- والله- لا نصبر على هذا من شتم الهتنا وابائنا، وتسفيه أحلامنا حتى تكفّه عنا، أو ننازله وإياك في ذلك؛ إلى أن يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا عنه.
عظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم له، ولم تطب نفسه بإسلام رسول الله ﷺ وخذلانه، وبعث إلى رسول الله ﷺ، فأعلمه ما قالت قريش، وقال له: أبق على نفسك وعليّ، ولا تحمّلني من الأمر ما لا أطيق، فظنّ رسول الله ﷺ أنه قد بدا لعمه رأي، وأنه خذله، وضعف عن نصرته، فقال رسول الله صلوات الله وسلامه عليه: «يا عماه، والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في شمالي، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه؛ ما تركته» «١» .
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه ابن إسحاق: ١/ ١٧٠، ومن طريقه ابن جرير: ٢/ ٦٧، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس به. وهذا إسناد معضل، يعقوب هذا لم يدرك أحدا من الصحابة، فهو من أتباع التابعين. وقد أخرج هذه القصة مختصرا الطبراني في الأوسط والكبير من حديث عقيل بن أبي طالب، وفيه مكان قوله: «لو وضعوا-
[ ١١٧ ]
ثم بكى رسول الله ﷺ وقام، فلما ولّى ناداه عمه أبو طالب، فأقبل عليه وقال: اذهب يا بن أخي فقل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا، وأنشد:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم حتى أوسّد في التّراب دفينا
وهكذا أخفق الإغراء والإرهاب في تعويق الدعوة، وأدركت قريش أن ما تصبوا إليه بعيد المنال، فعادت سيرتها الأولى، تصبّ جام غضبها على المؤمنين، وتبذل اخر ما في وسعها للتنكيل بهم، ومحاولة فتنهم عن دينهم.
وحزن الرسول الكريم ﷺ للماسي التي تقع لأصحابه، وهو عاجز عن كفّها، فأوعز إلى من قلّ نصيره، ونبا به المقام في مكة أن يهجرها إلى الحبشة، وكان ذلك لخمس سنين من مبعثه، أو بعد سنتين من جهره بالبلاغ.
_________________
(١) - الشمس » ما نصه: «والله ما أنا بأقدر أن أدع ما بعثت به من أن يشعل أحدكم من هذه الشمس شعلة من نار»، وفيه عقب هذا: فقال أبو طالب: والله ما كذب ابن أخي قط، ارجعوا راشدين. قال الهيثمي في (المجمع: ٦/ ١٥): «رواه أبو يعلى باختصار يسير من أوله، ورجال أبي يعلى رجال الصحيح» .
[ ١١٨ ]
الهجرة إلى الحبشة
كان الرحيل إلى الحبشة تسلّلا في الخفاء، حتى لا تستيقظ قريش للأمر فتحبطه، ولم يبدأ كذلك على نطاق واسع، بل كان الفوج الأول مكوّنا من بضع أسر، فيهم رقية ابنة النبيّ ﵊ وزوجها عثمان بن عفان، ونفر اخر من المهاجرين لم يزيدوا جميعا عن ستة عشر، وقد يمّموا شطر البحر؛ حيث قيّضت لهم الأقدار سفينتين تجاريتين أبحرتا بهم إلى الحبشة، فلما خرجت قريش في اثارهم إلى الشاطئ، كانوا قد انطلقوا امنين، ولم يمكث أولئك المهاجرون طويلا حتى ترامت إليهم الأخبار بأن المشركين هادنوا الإسلام، وتركوا أهله أحرارا، وأن الإيذاء القديم انقطع، فلا بأس عليهم إن عادوا.
وتركت هذه الإشاعة أثرها في قلوب المؤمنين، فقرروا العودة إلى وطنهم، حتى إذا اقتربوا من مكة تبيّنات لهم الحقيقة المحزنة، وعرفوا أن المشركين أشد ما يكونون خصاما لله ورسوله والمؤمنين، وأن عدوانهم لم ينقطع يوما
ويزعم بعض المغفّلين أنه وقعت هدنة حقّا بين الإسلام والوثنية، أساسها أنّ محمدا ﷺ تقرب إلى المشركين بمدح أصنامهم والاعتراف بمنزلتها! وأن هذه الهدنة الواقعة هي التي أعادت المسلمين من الحبشة
وماذا قال محمد ﵊ في مدح الأصنام؟ يجيب هؤلاء المغفّلون بأنه قال: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى!!.
وأين وضع هذه الكلمات؟ وضعها في سورة (النجم) مقحمة وسط الايات التي جاء فيها ذكر هذه الأصنام، فأصبحت هكذا: أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠) تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢) إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى (٢٣)
[النجم] .
[ ١١٩ ]
ويكون معنى الكلام على هذا: خبّروني عن أصنامكم: أهي كذا وكذا؟ إن شفاعتها مرجوة، إنها أسماء لا حقائق لها، إنّها خرافات ابتدعت واتبعت، ما لكم جعلتموها إناثا ونسبتموها لله وأنتم تكرهون نسبة الإناث لكم؟! تلك قسمة جائرة!.
فهل هذا كلام يصدر عن عاقل فضلا عن أن ينزل به وحي حكيم؟!.
ولكن هذا السخف وجد من يكتبه وينقله!.
إن محمدا ﷺ لو كذب على الله باختلاق كلام عليه، لقطع عنقه بنصّ الكتاب الذي جاء به، قال الله جل شأنه: وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ (٤٧) [الحاقة] .
[التحذير من الإسرائيليات]:
بيد أنّ كتب التاريخ والتفسير التي تركت للورّاقين والزنادقة يشحنونها المفتريات، اتسعت صفحاتها لذكر هذا اللغو القبيح؛ ومع أن زيفه وفساده لم يخفيا على عالم، إلا أنه ما كان يجوز أن يدوّن مثله
إنك تفتح (الخازن) في تفسير القران (سورة هود) فتقرأ ما يلي: لما كثرت الأرواث في سفينة نوح، أوحى الله إليه أن اغمز ذنب الفيل، فغمزه فوقع منه خنزير وخنزيرة، ومسح على الخنزير فوقع منه الفأرة، فأقبلوا على الروث فأكلوه، فلما أفسد الفأر في السفينة، وجعل يقرضها ويقطع حبالها، أوحى الله إليه أن اضرب بين عيني الأسد، فضرب فخرج من منخره قط وقطة، فأقبلا على الفأر فأكلاه.
أرأيت هذا الكلام الفارغ؟! أرأيت من قبله حديث الغرانيق؟! إن كثيرا من هذه الخرافات الصغيرة توجد في كتب شتى عندنا، ولا ندري متى تنظف هذه الكتب القديمة منها، فهي لا ريب مدخولة عليها أيام غفلة المسلمين، وغلبة الدسائس اليهودية على أفكارهم ومخطوطاتهم.
والذي ورد في الصحيح: أن الرسول ﵊ قرأ سورة (النجم) في محفل يضمّ مسلمين ومشركين، وخواتيم هذه السورة قوارع تطير لها القلوب. فلما أخذ صوت الرسول ﷺ يهدر بها ويرعد بنذرها حتى وصل إلى قول الله ﷿:
[ ١٢٠ ]
.. وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوى (٥٣) فَغَشَّاها ما غَشَّى (٥٤) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكَ تَتَمارى (٥٥) هذا نَذِيرٌ مِنَ النُّذُرِ الْأُولى (٥٦) أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَها مِنْ دُونِ اللَّهِ كاشِفَةٌ (٥٨) أَفَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩) وَتَضْحَكُونَ وَلا تَبْكُونَ (٦٠) وَأَنْتُمْ سامِدُونَ (٦١) فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢) [النجم] .
كانت روعة الحقّ قد صدعت العناد في نفوس المستكبرين والمستهزئين، فما تمالكوا أن يخرّوا لله ساجدين، مع غيرهم من المسلمين.
فلما نكسوا على رؤوسهم، وأحسوا أنّ جلال الإيمان لوى زمامهم، ندموا على ما كان منهم، وأحبّوا أن يعتذروا عنه، بأنهم ما سجدوا مع محمد ﷺ إلا لأن محمدا ﷺ عطف على أصنامهم بكلمة تقدير «١» ! (كذا)، وليس يستغرب هذا من قوم كانوا يؤلّفون النكت للضحك من المسلمين، ولا يستحيي أحدهم- وهو ابن خال النبي ﵊- أن يقول له ساخرا: أما كلّمت اليوم من السماء يا محمد؟!.
وليس أسمج من اعتذار المشركين عن سجودهم إلا تصديق هذا الاعتذار، وقد حاول المشركون أن ينشروا فريتهم هذه ليعكروا على الرسول ﵊، ويشوّشوا على الوحي، وليوهموا بأن محمدا ﷺ في بعض أحيانه مال إليهم، وهيهات، فإن الحرب التي شنّها محمد ﷺ على الوثنية لم تزدها الليالي إلا ضراما، ولم تزده من عبيدها إلا خصاما.
[الهجرة الثانية إلى الحبشة]:
عاد من هاجر إلى الحبشة ليباغت بأن الاضطهاد الواقع على الإسلام أحدّ وأشدّ، فدخل بعضهم مكة مستجيرا بمن يعرف من كبرائها، وتوارى الاخرون، لكن قريشا أبت إلا أن تنكّل بالقادمين، وأن تغري سائر القبائل بمضاعفة الأذى للمسلمين، فلم ير الرسول ﷺ بدّا من أن يشير على أصحابه بالهجرة مرة أخرى
_________________
(١) أين الدليل النقلي على هذا الاعتذار، وأنّ المشركين هم الذين اختلفوا فريتهم هذه وحاولوا نشرها؟ مثل هذه الأمور لا بدّ لها من دليل منقول، وما المانع أن تكون هذه الفرية حدثت من بعد؟! وهذا هو الأقرب، فإنها- أعني هذه الفرية- لم ترو بسند معتبر عن صحابي، بل كل طرقها مرسلة لا يدرى من الذي حدّث بها ممن يمكن أن يدرك عصر النبوة والرسالة، وقد فصّلت القول في بطلان هذه القصة من الوجهة الحديثية في كتابي (نصب المجانيق لنسف قصة الغرانيق) .
[ ١٢١ ]
إلى الحبشة، وكانت هذه الهجرة الثانية أشق من سابقتها، فقد تيقّظت لها قريش، وقررت إحباطها، بيد أن المسلمين كانوا أسرع، فخرج منهم في هذا الفوج ثلاثة وثمانون رجلا وتسع عشرة امرأة، ويسّر الله لهم السفر، فانحازوا إلى نجاشي الحبشة. ووجدوا عنده ما يبغون من أمان وطيب جوار وكرم وفادة.
والظاهر أنّ هذا النجاشيّ كان رجلا راشدا، نظيف العقل، حسن المعرفة لله، سليم الاعتقاد في عيسى عبد الله ورسوله ﵇، وكانت مرونة فكره سرّ المعاملة الجميلة التي وفّرها لأولئك اللاجئين إلى مملكته، فارّين بدينهم من الفتن.
عزّ على المشركين أن يجد المهاجرون مأمنا لأنفسهم ودينهم، وأغرتهم كراهيتهم للإسلام أن يبعثوا إلى النجاشيّ وفدا منهم، محمّلا بالهدايا والتّحف، كي يحرم المسلمين ودّه، ويطوي عنهم بشره.
وكان الوفد من عمرو بن العاص، وعبد الله بن أبي ربيعة- قبل أن يسلما-.
واستعان الوفد على النجاشي برجال حاشيته، بعد أن ساقوا إليهم الهدايا، وزوّدوهم بالحجج التي يطرد بها أولئك المسلمون! قالوا: إنّ ناسا من سفهائنا، فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دين الملك، وجاؤوا بدين مبتدع، لا نعرفه نحن ولا أنتم
واتفقوا معهم أن يشيروا على النجاشي بإقصائهم.
فلما فوتح النجاشي في الأمر، وأشير عليه بإبعاد القوم، رأى ألابد من تمحيص القضية، وسماع أطرافها جميعا.
ثم أرسل إلى أصحاب النبي ﷺ فدعاهم، فحضروا، وقد أجمعوا على صدقه، فيما ساءه وسرّه.
وكان المتكلّم عنهم جعفر بن أبي طالب، فقال لهم النجاشي:
ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم، ولم تدخلوا في ديني، ولا في دين أحد من الناس؟.
فقال جعفر: أيها الملك! كنّا أهل جاهلية، نعبد الأصنام، ونأكل الميتة، ونأتي الفواحش، ونقطع الأرحام، ونسيء الجوار، ويأكل القويّ منا الضعيف.
[ ١٢٢ ]
حتى بعث الله إلينا رسولا منا، نعرف نسبه وصدقه، وأمانته وعفافه، فدعانا لتوحيد الله، وألانشرك به شيئا، ونخلع ما كنّا نعبد من الأصنام، وأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكفّ عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وأمرنا بالصلاة والصيام.. وعدّد عليه أمور الإسلام. قال جعفر: فامنا به، وصدقناه، وحرّمنا ما حرم علينا، وحللنا ما أحل لنا، فتعدّى علينا قومنا فعذّبونا، وفتنونا عن ديننا، ليردّونا إلى عبادة الأوثان، فلما قهرونا وظلمونا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلادك، واخترناك على من سواك، ورجونا ألانظلم عندك
فقال النجاشيّ: هل معك ممّا جاء به عن الله شيء؟ قال: نعم. فقرأ عليه صدرا من سورة مريم، فبكى النجاشيّ وأساقفته، وقال النجاشيّ: «إنّ هذا والذي جاء به عيسى يخرج من مشكاة واحدة، انطلقا، والله لا أسلمهم إليكما أبدا» يخاطب عمرو بن العاص وصاحبه- فخرجا، وقال عمرو لعبد الله بن أبي ربيعة: والله لاتينّه غدا بما يبيد خضراءهم.
فلما كان الغد قال للنجاشيّ: إنّ هؤلاء يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما. فأرسل النجاشيّ يسألهم عن قولهم في المسيح. فقال جعفر: نقول فيه الذي جاءنا به نبينا، هو عبد الله ورسوله وروحه، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فأخذ النجاشي عودا من الأرض وقال: ما عدا عيسى ما قلت قدر هذا العود «١»، فنخرت بطارقته! فقال: وإن نخرتم! وقال للمسلمين: اذهبوا فأنتم امنون، ما أحبّ أنّ لي جبلا من ذهب، وأنني اذيت رجلا منكم! وردّ هدية قريش، وقال: ما أخذ الله الرشوة مني حتى اخذها منكم، ولا أطاع الناس فيّ حتى أطيعهم فيه «٢»، وأقام المسلمون عنده بخير دار.
_________________
(١) اختلف النصارى قديما في طبيعة المسيح على مذاهب شتى. وكان هناك مذهب يقوم على اعتباره بشرا مرسلا، وليس إلها ولا ندا لله. ولا يزال في الغرب المسيحي أناس يعتنقون هذا المذهب الموحّد، ونعتقد أنّ نجاشيّ الحبشة على هذا الرأي. وإن كان بطارقة الكنيسة يستنكرونه أشدّ الاستنكار.
(٢) أخرج هذه القصة محمد بن إسحاق في المغازي: (١/ ٢١١- ٢١٣، من ابن هشام)؛-
[ ١٢٣ ]
أخفقت حيلة عمرو، وعاد الوفد إلى مكة، يجرّ أذيال الخيبة، وعرفت قريش أنها لن تشبع ضغينتها على الإسلام وأهله إلا في حدود سلطانها، فعزمت أن تشفي غيظها ممن يقع تحت أيديها.
_________________
(١) - وأحمد، رقم (١٧٤٠)، من طريق ابن إسحاق بسند صحيح، من حديث أم سلمة زوج النبي ﷺ.
[ ١٢٤ ]
إسلام حمزة وعمر ﵄
إنّ الأفق المتلبّد بالسحب قد يتولّد منه برق يضيء، لقد غبرت على المسلمين في مكة أيام غلاظ، اضطرت بيوتا عديدة أن تفرّ بدينها، وبقي من بقي منهم يكابد العنت من شطط المشركين وكيدهم، إلا أنّ عناصر جديدة دخلت في الإسلام جعلت قريشا تتروّى في أمرها، قبل أن تقدم على إسااتها المبيتة.
أسلم حمزة بن عبد المطلب، عمّ النبي ﵊ وأخوه من الرضاع، وهو رجل أيّد جلد، قويّ الشكيمة، وسبب إسلامه الغضب لما بلغه من تهجم أبي جهل على رسول الله ﷺ تهجّما بذيئا، قالت له أمة لعبد الله بن جدعان: يا أبا عمارة! لو رأيت ما لقي ابن أخيك (محمد) من أبي الحكم بن هشام، فإنه سبه واذاه، ثم انصرف عنه، ولم يكلّمه محمد- وكانت المرأة قد شهدت هذا الحادث من مسكن قريب- فأسرع حمزة محنقا، لا يلوي على شيء، وأقبل على أبي جهل وهو في مجلسه من قومه، ثم ضرب رأسه بالقوس، فشجه شجة منكرة وقال: أتشتمه وأنا على دينه؟!.
وكما يقول البعض: طلبنا العلم للدنيا، فأبى الله إلا أن يكون للدين! كان إسلام حمزة أول الأمر أنفة رجل أبى أن يهان مولاه، ثم شرح الله صدره، فاستمسك بالعروة الوثقى، واعتزّ به المسلمون أيّما اعتزاز
أما عمر بن الخطاب فكان أول الفتانين المستهزئين بالإسلام، وكان معروفا بحدة الطبع، وقوة الشكيمة، وطالما لقي المسلمون منه ألوان الأذى.
روت زوجة عامر بن ربيعة قالت: إنّا لنرحل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر لبعض حاجته؛ إذ أقبل عمر- وهو على شركه- حتى وقف عليّ، وكنا نلقى منه البلاء، فقال: أتنطلقون يا أمّ عبد الله؟ قالت: نعم والله لنخرجنّ في أرض الله، فقد اذيتمونا، وقهرتمونا، حتى يجعل الله لنا فرجا. قالت: فقال عمر: صحبكم الله، ورأيت له رقة وحزنا !! قالت: فلما عاد عامر أخبرته،
[ ١٢٥ ]
وقلت له: لو رأيت عمر ورقته وحزنه علينا قال: أطمعت في إسلامه؟ قلت:
نعم. فقال: لا يسلم حتى يسلم حمار الخطّاب!! - لما كان يراه الرجل من شدته وغلظته على المسلمين.
ولكنّ قلب المرأة كان أصدق من رأي الرجل، فإنّ غلظة عمر كانت قشرة خفيفة، تكمن وراءها ينابيع من الرّقة والعطف والسماحة.
والظاهر أنّ عمر كانت تصطرع في نفسه مشاعر متناقضة: احترامه للتقاليد التي سنّها الاباء والأجداد، واسترساله مع شهوات السّكر واللهو التي ألفها
ثم إعجابه بصلابة المسلمين، واحتمالهم البلاء في سبيل عقيدتهم، ثم الشكوك التي تساوره- كأيّ عاقل- في أنّ ما يدعو إليه الإسلام قد يكون أجلّ وأزكى من غيره، ولهذا ما إن يثور حتى يخور، ذهب ليقتل محمدا ﷺ ثم ثنته عن عزمه كلمة. ولما علم بإسلام أخته وزوجها اقتحم عليهما البيت صاخبا متوعّدا، وضرب أخته فشجّها، وأعاده منظر الدم المراق إلى صوابه، فرجحت نواحي البر والخير في نفسه، وتناول ورقة كتبت فيها بعض الايات، وتلاها، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!!.
واستكان عمر للحق، فمشى إلى رسول الله ﷺ يعلن إسلامه.
فلما خلصت نفسه من شوائبها، وتمحّضت للإسلام، كان مددا عظيما لجند الله، فازداد المسلمون به منعة، ووقعت في نفوس الكافرين منه حسرة.
ورأت قريش أنّ أمر الإسلام ينمو ويعلو، وأنّ وسائلها الأولى في محاربته لم تمنع انتشاره، أو تنفّر أنصاره، فأعادت النظر في موقفها كلّه، لترسم خطة جديدة أقسى وأحكم، وأدق وأشمل..
[ ١٢٦ ]
المقاطعة العامة
وتمخّض حقد المشركين عن عقد معاهدة تعتبر المسلمين ومن يرضى بدينهم؛ أو يعطف عليهم؛ أو يحمي أحدا منهم- حزبا واحدا دون سائر الناس، ثم اتفقوا ألا يبيعوهم، أو يبتاعوا منهم شيئا، وألا يزوجوهم، أو يتزوّجوا منهم، وكتبوا ذلك في صحيفة علّقوها في جوف الكعبة، توكيدا لنصوصها.
ولا شكّ أنّ المتطرفين من ذوي النزق والحدّة، نجحوا في فرض رأيهم، وإشباع ضغنهم، فاضطر الرسول ﷺ ومن معه إلى الاحتباس في شعب بني هاشم، وانحاز إليهم بنو المطلب، كافرهم ومؤمنهم على سواء، ما عدا أبا لهب، فقد ازر قريشا في خصومتها لقومه.
وضيّق الحصار على المسلمين، وانقطع عنهم العون، وقلّ الغذاء حتى بلغ بهم الجهد أقصاه، وسمع بكاء أطفالهم من وراء الشّعب، وعضتهم الأزمات العصبية، حتى رثى لحالهم الخصوم، ومع اكفهرار الجو في وجوههم، فقد تحملوا في ذات الله الويلات.
ولم تفتر حدة الوثنيين في الحملة على الإسلام ورجاله، وفي تأليب العرب عليهم من كل فج.
قال السهيلي: كانت الصحابة إذا قدمت عير إلى مكة، يأتي أحدهم السوق ليشتري شيئا من الطعام قوتا لعياله، فيقوم أبو لهب فيقول: يا معشر التجار! غالوا على أصحاب محمد، حتى لا يدركوا معكم شيئا، وقد علمتم مالي ووفاء ذمتي، فأنا ضامن ألاخسار عليكم. فيزيدون عليهم السلعة قيمتها أضعافا، حتى يرجع أحدهم إلى أطفاله، وهم يتضاغون من الجوع، وليس في يده شيء يطعمهم به، ويغدو التجار على أبي لهب، فيربحهم فيما اشتروا من الطعام واللباس، حتى جهد المؤمنون ومن معهم جوعا وعريا.
وروى يونس عن سعد بن أبي وقاص، قال: خرجت ذات ليلة لأبول
[ ١٢٧ ]
فسمعت قعقعة تحت البول، فإذا قطعة من جلد بعير يابسة، فأخذتها وغسلتها، ثم أحرقتها، ورضضتها، وسففتها بالماء، فقويت بها ثلاثا.
فانظر كيف انتهى الحصار بالمسلمين؟! وكيف أضناهم الحرمان، وألجأهم أن يطعموا ما لا مساغ له؟!. وقد أحزنت تلك الالام بعض ذوي الرحمة من قريش، فكان أحدهم يوقر البعير زادا، ثم يضربه في اتجاه الشعب ويترك زمامه ليصل إلى المحصورين، فيخفّف شيئا مما بهم من إعياء وفاقة..
كم بقيت هذه الضائقة؟ ثلاث سنين كالحة، كان رباط الإيمان واحده هو الذي يمسك القلوب، ويصبّر على اللأواء..
ومن الطبيعي أن يستعجل المسلمون الخروج من هذه المازق، لطالما وعدوا بالنصر والتمكين، فما وجدوا إلا الرّوع والسّغب! وها هم أولاء محرجون في أرض تنكرت لهم، واقشعرّت تحت أقدامهم، ولا ريب أنّ قلوبهم امتلأت غيظا على أولئك المشركين، الذين سخروا من جميع القيم الفاضلة، وكفروا بانتصارها في الدنيا كفرهم بمجيء اليوم الاخر، ولو لم يطلب أولئك المعذّبون النصر لينقذهم من بأسائهم، لطلبوه كي يخزوا به المكذّبين ويؤدّبوا المتوقحين، بيد أنّ الوحي كان ينزل فيطالب المسلمين باليقين والثبات، دون ارتقاب لهذه النتائج المتوقعة، يجب أن يجمدوا على حقائق الإيمان التي عرفوها، وأن يستمدّوا من سموّها وصدقها ما يراغمون به الأيام والأحداث:
وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ اللَّهُ شَهِيدٌ عَلى ما يَفْعَلُونَ (٤٦) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذا جاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ (٤٧) [يونس] .
وكان المشركون أيضا يتعجّلون خاتمة الصراع بينهم وبين أولئك المسلمين؛ يتعجّلون لأنّهم يضحكون منها، فما يثقون ببعث أو جزاء، ولا يظنّون أبدا أن يوما قريبا أو بعيدا سينشق فجره، فإذا مكة خالية من الأصنام، وإذا أذان التوحيد يرنّ في أرجائها، وإذا المحصورون في الشّعب هم أصحاب الأمر والنهي، والسادة الحاكمون بأمرهم اليوم أسرى يرجون العفو!! وكان يقينهم من أنّ اليوم والغد لهم يزين لهم الاستهزاء بهذا الوعد والتعريض به:
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٤٨) قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرًّا وَلا نَفْعًا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذا جاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩) قُلْ
[ ١٢٨ ]
أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتاكُمْ عَذابُهُ بَياتًا أَوْ نَهارًا ماذا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذا ما وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١) [يونس] .
وكان الدخول في الإسلام والبقاء عليه أبعد ما يكون عن التهمة، ربما اعتنق فريق من الناس مبدأ ما- عن صدق وإقناع-، وليس يمنعهم ذلك من التماس النفع به، والتقدّم من ورائه.
أما أولئك السابقون الأولون، فقد علموا أنّ فقدان المنافع وهلاك المصالح الخاصة أول ما يلقون من تضحية في سبيل عقيدتهم.
ولا أحسب شيئا يربّي النفوس على التجرّد كهذا التفاني في الحق، للحق ذاته، ثم إنّ القران كان صارما في قمع المتاجرة بالعقائد، والإثراء على حسابها، والعلوّ في الأرض باسمها:
مَنْ كانَ يُرِيدُ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمالَهُمْ فِيها وَهُمْ فِيها لا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ ما صَنَعُوا فِيها وَباطِلٌ ما كانُوا يَعْمَلُونَ (١٦) [هود] .
وقد أفاد الصحابة من ذلك عفّة ونقاء وإخلاصا، لا يعرف لها في التاريخ نظير؛ فلمّا تعثّرت تيجان الملوك بأقدامهم، واستسلمت الأقطار المكتظّة بالخير لجيوشهم، كانت دوافع العقيدة وأهدافها هي التي تشغل بالهم قبل الفتح وبعده، فلم يكترثوا لذهب أو فضة.. إنّما عناهم- أولا واخرا- إقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.
وفي أيام الشّعب، كان المسلمون يلقون غيرهم في موسم الحج، ولم تشغلهم الامهم عن تبليغ الدعوة، وعرضها على كل وافد؛ فإنّ الاضطهاد لا يقتل الدعوات، بل يزيد جذورها عمقا، وفروعها امتدادا؛ وقد كسب الإسلام أنصارا كثرا في هذه المرحلة، وكسب- إلى جانب ذلك- أنّ المشركين قد بدؤوا ينقسمون على أنفسهم، ويتسائلون عن صواب ما فعلوا، وشرع فريق منهم يعمل على إبطال هذه المقاطعة، ونقض الصحيفة التي تضمنتها.
وأول من أبلى في ذلك بلاء حسنا هشام بن عمرو؛ فقد ساءته حال المسلمين، ورأى ما هم فيه من عناء؛ فمشى إلى زهير بن أبي أمية؛ وكان شديد
[ ١٢٩ ]
الغيرة على النبي ﷺ والمسلمين، وكانت أمه عاتكة بنت عبد المطلب، فقال: يا زهير! أرضيت أن تأكل الطعام، وتلبس الثياب، وتنكح النساء وأخوالك حيث قد علمت؟!.
أما إنّي أحلف بالله: لو كانوا أخوال أبي الحكم- يعني أبا جهل- ثم دعوته إلى مثل ما دعاك إليه ما أجابك أبدا! فقال: فماذا أصنع وإنّما أنا رجل واحد؟! والله لو كان معي رجل اخر لنقضتها! فقال: قد وجدت رجلا، قال:
ومن هو؟ قال: أنا، قال زهير: ابغنا ثالثا، فذهب إلى المطعم بن عدي فقال له:
أرضيت أن يهلك بطنان من بني عبد مناف، وأنت شاهد ذلك موافق فيه؟! أما والله لو أمكنتموهم من هذه لتجدنّهم إلى مثلها منكم أسرع!! قال: ما أصنع؟ إنّما أنا رجل واحد. قال: قد وجدت ثانيا، قال: من هو؟ قال: أنا. قال: ابغنا ثالثا، قال: قد فعلت. قال: من هو! قال زهير بن أبي أمية. قال: ابغنا رابعا، فذهب إلى أبي البختري بن هشام؛ وقال له نحوا مما قال للمطعم. قال: وهل من أحد يعين على هذا؟ قال: نعم. قال: من هو؟ قال: أنا وزهير والمطعم، قال: ابغنا خامسا، فذهب إلى زمعة بن الأسود، فكلّمه، وذكر له قرابته، قال:
وهل على هذا الأمر معين؟ قال: نعم. وسمّى له القوم.
فاتعدوا (خطم الحجون) الذي بأعلى مكة، فاجتمعوا هنالك، وتعاقدوا على القيام في نقض الصحيفة، فقال زهير: أنا أبدؤكم، فلما أصبحوا غدوا إلى أنديتهم، وغدا زهير فطاف بالبيت، ثم أقبل على الناس فقال: يا أهل مكة! أنأكل الطعام، ونلبس الثياب، وبنو هاشم هلكى، لا يبتاعون، ولا يبتاع منهم؟! والله لا أقعد حتى تشقّ هذه الصحيفة القاطعة الظالمة!! قال أبو جهل: كذبت والله لا تشقّ، قال زمعة بن الأسود: أنت والله أكذب، ما رضينا بها حين كتبت! وقال أبو البختري: صدق والله زمعة، لا نرضى ما كتب فيها، وقال المطعم بن عدي: صدقتما، وكذب من قال غير ذلك!! وقال هشام بن عمرو نحوا من هذا، فقال أبو جهل: هذا أمر قضي بليل! فقام المطعم إلى الصحيفة ليشقّها، فوجد الأرضة قد أكلتها إلّا كلمة: «باسمك اللهم» .
وكانت العرب تفتتح بها كتبها..
[ ١٣٠ ]
عام الحزن
انطلق المسلمون من الشعب، يستأنفون نشاطهم القديم، بعد ما قطع الإسلام في مكة قرابة عشرة أعوام مليئة بالأحداث الضخمة، وما إن تنفس المسلمون من الشدة التي لاقوها، حتى أصيب الرسول ﷺ بوفاة زوجته خديجة، ثم بوفاة عمّه أبي طالب.
أي أنه نكب في حياته الخاصة والعامة معا.
إنّ خديجة من نعم الله الجليلة على محمد ﵊، فقد ازرته في أحرج الأوقات، وأعانته على إبلاغ رسالته، وشاركته مغارم الجهاد المر، وواسته بنفسها ومالها، وإنك لتحسّ قدر هذه النعمة عند ما تعلم أنّ من زوجات الأنبياء من خنّ الرسالة، وكفرن برجالهنّ، وكنّ مع المشركين من قومهن والهن حربا على الله ورسوله:
ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كانَتا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبادِنا صالِحَيْنِ فَخانَتاهُما فَلَمْ يُغْنِيا عَنْهُما مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠) [التحريم] .
أما خديجة فهي صدّيقة النساء، حنّت على رجلها ساعة القلق، وكانت نسمة سلام وبر، رطّبت جبينه المتصبّب من اثار الوحي، وبقيت ربع قرن معه، تحترم قبل الرسالة تأمّله وعزلته وشمائله، وتتحمّل بعد الرسالة كيد الخصوم، والام الحصار، ومتاعب الدعوة، وماتت والرسول ﷺ في الخمسين من عمره، وهي تجاوزت الخامسة والستين، وقد أخلص لذكراها طول حياته.
أما أبو طالب، فإنّ المرء يحار في أمره! وبقدر ما يهتزّ إعجابا لنبله في كفالة محمد ﷺ، ثم لبطولته في الدفاع عنه حين نبّئ، وحين صدع بأمر ربه، وأنذر عشيرته الأقربين.
إنّه- بقدر ذلك- يستغرب المصير الذي ختم حياته، وجعله يصرّح- قبل موته- أنّه على ملّة الأشياخ من أجداده.
[ ١٣١ ]
وقد حزن رسول الله ﷺ لموت أبي طالب حزنا شديدا، ألم يكن الحصن الذي تحتمي به الدعوة من هجمات الكبراء والسفهاء؟! وها قد ولّى الرجل الذي سخّر جاهه وسلطانه في الذود عن ابن أخيه وكفّ العوادي أن تناله.
إن قريشا أصبحت لا تهاب في محمّد ﵊ أحدا بعده.
روي أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما نالت منّي قريش شيئا أكرهه حتى مات أبو طالب» «١»، وذلك أنّهم تجرؤوا عليه، حتى نثر بعضهم التراب على رأسه.
وعن ابن مسعود قال: بينا رسول الله ﷺ يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحابه جلوس، وقد نحرت جزور بالأمس؛ فقال أبو جهل: أيّكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيضعه بين كتفي محمد إذا سجد؟ فانبعث أشقى القوم فأخذه، فلما سجد النبيّ ﷺ وضعه بين كتفيه، فاستضحكوا، وجعل بعضهم يميل على بعض، وأنا قائم أنظر، لو كانت لي منعة طرحته عن ظهره، والنبيّ ﷺ ساجد ما يرفع رأسه، حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة، فجاءت- وهي جويرية- فطرحته عنه، ثم أقبلت عليهم تشتمهم.
فلمّا قضى رسول الله ﷺ صلاته؛ رفع صوته، ثم دعا عليهم، وكان إذا دعا دعا ثلاث مرات، وإذا سأل سأل ثلاثا، ثم قال: «اللهم عليك بقريش» ثلاثا.
فلمّا سمعوا، ذهب عنهم الضحك، وخافوا دعوته.
ثم قال: «اللهم عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة بن ربيعة، والوليد بن عتبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط» وذكر السابع ولم أحفظه.
فو الذي بعث محمدا ﷺ بالحق، لقد رأيت الذين سمّى صرعى يوم بدر، ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر «٢» .
لقد مضت مكة في طريق الكفر حتى أوغلت فيه، وبلغت نهايته، فهي الان تستمرئ تلويث الساجدين بالأقذار، وتتمايل- ضحكا- من منظر الأنجاس وهي
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه ابن إسحاق: ١/ ٢٥٨، بسند صحيح عن عروة بن الزبير مرسلا.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ١/ ٢٧٨- ٢٨٠، ٤٧١؛ ومسلم: ٥/ ١٨٠؛ والنسائي: ١/ ٥١؛ وأحمد، رقم (٣٧٢٢، ٢٧٢٣، ٣٧٧٥، ٣٩٦٢) والقائل: (وذكر السابع ولم أحفظه) هو أبو إسحاق، وهو السبيعي كما صرّح بذلك مسلم في روايته، وقد سمّي السابع (عمارة بن الوليد) في رواية البخاري وأحمد، راجع فتح الباري.
[ ١٣٢ ]
تسيل على كتفي المصلي، لم يبق في هذه القلوب مكان لذرة من الخير.
والبنت- في المجتمع العربي- تعيش في كنف أبيها، وتفخر بقوته، وتأنس بحمايته. وممّا يحزّ في قلب الرجل أن يرى نفسه في وضع تدفع عنه ابنته، وتشعر بالعجز وقلّة الناصر، وقد كظم محمّد ﷺ على ألمه، وتحمّل في ذات الله ما لقي، إلا أنّه أخذ يفكّر في التوجّه برسالته إلى قرية أخرى، علّها تكون أحسن قبولا، وأقرب استجابة؛ فاستصحب معه زيد بن حارثة، وولّى وجهه شطر (ثقيف) يلتمس نصرتها..
[ ١٣٣ ]
في الطائف
ذهب رسول الله ﷺ إلى الطائف حيث تقطن ثقيف، وهي تبعد عن مكة نحو الخمسين ميلا، سارها محمد ﷺ على قدميه جيئة وذهابا، فلمّا انتهى إليها قصد إلى نفر من رجالاتها، الذين ينتهي إليهم أمرها، ثم كلّمهم في الإسلام، ودعاهم إلى الله، فردوه- جميعا- ردّا منكرا، وأغلظوا له الجواب، ومكث عشرة أيام، يتردّد على منازلهم دون جدوى.
فلمّا يئس الرسول ﵊ من خيرهم، قال لهم: «إذا أبيتم، فاكتموا عليّ ذلك» - كراهية أن يبلغ أهل مكة، فتزداد عداوتهم وشماتتهم- لكنّ القوم كانوا أخسّ مما ينتظر، قالوا له: اخرج من بلدنا، وحرّشوا عليه الصبيان والرعاع، فوقفوا له صفين يرمونه بالحجارة، وزيد بن حارثة يحاول- عبثا- الدفاع عنه، حتى شجّ في ذلك رأسه.
وأصيب الرسول ﵊ في أقدامه، فسالت منها الدماء، واضطره المطاردون إلى أن يلجأ إلى بستان لعتبة وشيبة ابني ربيعة، حيث جلس في ظل كرمة يلتمس الراحة والأمن.
وكان أصحاب البستان فيه، فصرفوا الأوباش عنه، واستوحش الرسول ﵊ لهذا الحاضر المرير، وثابت إلى نفسه ذكريات الأيّام التي عاناها مع أهل مكة، إنه يجرّ وراءه سلسلة ثقيلة من الماسي المتلاحقة، فهتف يقول:
«اللهم إليك أشكو ضعف قوّتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.. أنت أرحم الراحمين، أنت ربّ المستضعفين، وأنت ربّي..
إلى من تكلني؟! إلى بعيد يتجهّمني، أم إلى عدوّ ملّكته أمري؟! إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي، غير أنّ عافيتك هي أوسع لي..!!.
أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا
[ ١٣٤ ]
والاخرة، أن يحلّ عليّ غضبك، أو أن ينزل بي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوّة إلا بك » .
وتحرّكت عاطفة القرابة في قلوب ابني ربيعة، فدعوا غلاما لهما نصرانيا، يدعى (عدّاسا) وقالا له: خذ قطفا من العنب، واذهب به إلى الرجل.
فلما وضعه بين يدي رسول الله ﷺ مد يده إليه قائلا: «باسم الله» ثم أكل.
فقال عدّاس: إنّ هذا الكلام ما يقوله أهل هذه البلدة! فقال له النبي ﷺ:
«من أيّ البلاد أنت؟» قال: أنا نصراني من نينوى، فقال رسول الله ﷺ: «أمن قرية الرّجل الصّالح يونس بن متّى؟» قال له: وما يدريك ما يونس؟ قال رسول الله ﷺ: «ذلك أخي، كان نبيّا وأنا نبيّ» . فأكبّ عدّاس على يدي رسول الله ﷺ ورجليه يقبلهما.
فقال ابنا ربيعة أحدهما للاخر: أمّا غلامك فقد أفسده عليك! فلمّا جاء عدّاس قالا له: ويحك ما هذا؟ قال: ما في الأرض خير من هذا الرجل «١» .
فحاول الرجلان توهين أمر محمد، وتمسيك الرجل بدينه القديم، كأنّما عزّ عليهما أن يخرج محمد ﷺ من الطائف بأيّ كسب.
[في جوار المطعم بن عدي]:
وقفل الرسول ﵊ عائدا إلى مكة، إلى البلد الذي لفظ خيرة أهله، فهاجر بعضهم إلى الحبشة، وأكره الباقي على معاناة العذاب الواصب، أو الفرار إلى شعف الجبال.
وقال زيد بن حارثة: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟.
فقال الرسول ﵊: «يا زيد، إنّ الله جاعل لما ترى فرجا » .
_________________
(١) أخرج هذه القصة ابن إسحاق: ١/ ٢٦٠- ٢٦٢، بسند صحيح عن محمد بن كعب القرظي مرسلا، لكن قوله: «إن أبيتم فاكتموا عليّ ذلك» وقوله: «اللهم إليك أشكو » إلخ، الدعاء، ذكرهما بدون سند، وكذلك رواه ابن جرير: ٢/ ٨٠- ٨١، من طريق ابن إسحاق، وروى هذه القصة الطبراني في الكبير من حديث عبد الله بن جعفر مختصرا، وفيه الدعاء المذكور بنحوه، قال الهيثمي (٦/ ٣٥): «وفيه ابن إسحاق وهو مدلّس ثقة، وبقية رجاله ثقات» فالحديث ضعيف.
[ ١٣٥ ]
ولا بدّ أنّ أخبار ثقيف قد سبقته إلى قريش، ومن ثمّ رأى رسول الله ﷺ ألا يدخل مكة حتى يستوثق لنفسه ودعوته، فبعث إلى (المطعم بن عدي) يعرض عليه أن يجيره حتّى يبلّغ رسالة ربّه! فقبل (المطعم) واستنهض أبناءه، فحملوا أسلحتهم، ووقفوا عند أركان البيت الحرام، وتسنّم المطعم ناقته، ثم نادى: يا معشر قريش! قد أجرت محمدا، فلا يهجه أحد منكم! فلما انتهى رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلّى ركعتين، ثم انصرف إلى بيته، ومطعم وأهله يحرسونه بأسلحتهم «١»
وقيل: إنّ أبا جهل سأل مطعما: أمجير أم متابع- مسلم-؟ قال: بل مجير، قال: قد أجرنا من أجرت !.
وحفظ رسول الله ﷺ للمطعم هذا الصنيع، فقال يوم أسرى بدر: لو كان المطعم حيّا لتركت له هؤلاء النّتنى.
كان المطعم- كأبي طالب- على دين أجداده، وكان كذلك مثله في المروءة والنجدة، وقد أراد أبو جهل أن يتهكّم بنبيّ يحتاج إلى جوار، وكأنّه يتساءل: لم لم تنزل كوكبة من الملائكة لحفظه؟!.
ولذلك قال- لما راه-: هذا نبيّكم يا بني عبد مناف؟!.
فرد عليه عتبة بن ربيعة: وما ينكر أن يكون منا نبي وملك؟!.
فلما أخبر رسول الله ﷺ بسؤال أبي جهل وردّ عتبة قال:
«أما أنت يا عتبة فما حميت لله، وإنّما حميت لنفسك- وذلك أنه قالها عصبية لا إيمانا-.
وأما أنت يا أبا جهل، فو الله لا يأتي عليك غير بعيد حتى تضحك قليلا وتبكي كثيرا.
وأما أنتم يا معشر قريش، فو الله لا يأتي عليكم غير كثير، حتى تدخلوا فيما تنكرون» «٢» .
_________________
(١) لم أجد له سندا وقد ذكره بنحوه ابن جرير: ٢/ ٨٢- ٨٣، بدون سند، بقوله: «وذكر بعضهم » ولعلّ هذا البعض هو الأموي في مغازيه فقد عزاه إليه الحافظ ابن كثير: ٣/ ١٣٧، بدون سند أيضا.
(٢) ابن جرير: ٢/ ٨٢- ٨٣، بدون سند كما تقدم في تخريج الحديث السابق.
[ ١٣٦ ]
وفي هذا التعليق ما يدلّ على ثقة الرسول ﵊ من المستقبل مهما اكتنفه- في الحاضر- من الالام.
عاد الرسول ﷺ إلى مكة ليستأنف خطته الأولى في عرض الإسلام وإبلاغ رسالة الله.
وبينا هو ماض في جهاده، إذ وقعت له قصة الإسراء والمعراج
[ ١٣٧ ]
الإسراء والمعراج
يقصد بالإسراء الرحلة العجيبة التي بدأت من المسجد الحرام بمكة إلى المسجد الأقصى بالقدس، ويقصد بالمعراج ما عقب هذه الرحلة من ارتفاع في طباق السموات حتى الوصول إلى مستوى تنقطع عنده علوم الخلائق، ولا يعرف كنهه أحد، ثم الأوبة- بعد ذلك- إلى المسجد الحرام بمكة. وقد أشار القران الكريم إلى كلتا الرحلتين في سورتين مختلفتين، وذكر قصة الإسراء وحكمته بقوله:
سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آياتِنا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١) [الإسراء] .
وذكر قصة المعراج وثمرته بقوله:
وَلَقَدْ رَآهُ يعني: جبريل نَزْلَةً أُخْرى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهى (١٤) عِنْدَها جَنَّةُ الْمَأْوى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ ما يَغْشى (١٦) ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى (١٧) لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى (١٨) [النجم] .
فتعليل الإسراء- كما نصّت الاية- أنّ الله يريد أن يري عبده بعض آياته.
ثم أوضحت ايات المعراج أنّ الرسول ﵊ شهد- بالفعل- بعض هذه الايات الكبرى.
وقد اختلف العلماء من قديم: أكان هذا السّرى الخارق بالروح واحده، أم بالروح والجسد جميعا؟ والجمهور على القول الأخير.
وللدكتور هيكل رأي غريب، فقد اعتبره استجماعا ذهنيا ونفسيا لواحدة الوجود من الأزل إلى الأبد، في فترة من فترات التألّق النفساني الفذّ، الذي اختص به بشر نقيّ جليل مثل محمد ﷺ، وفي إبّان هذا التألّق، الذي استعالى به على كلّ شيء استعرض حقائق الدين والدنيا، وشاهد صور الثواب والعقاب
إلخ.
[ ١٣٨ ]
فالإسراء حقّ.. وهو- عنده- روحيّ لا مادي، ولكنه في اليقظة لا في المنام، فليس رؤيا صادقة كما يرى البعض، بل هو حقيقة واقعة على النحو الذي صوّره، ثم قال فيه بعدئذ: «وليس يستطيع هذا السمو إلا قوة فوق ما تعرف الطبائع الإنسانية» .
والحق أن الحدود بين القوى الروحية والقوى المادية أخذت تضمحلّ وتزول، وأن ما يراه الإنسان ميسورا في عالم الروح ليس بمستوعر في عالم المادة.
وأحسب أنه بعد ما مزّق العلم من أستار عن أسرار الوجود؛ فإنّ أمر المادة أضحى كأمر الروح، لا يعرف مداه إلا قيوم السموات والأرض.
وإنّ الإنسان ليقف مشدوها، عند ما يعلم أنّ الذرة تمثل في داخلها نظام المجموعة الشمسية الدوّارة في الفلك، وأنها- وهي هباءة تافهة- تكمن فيها حرارة هائلة عند ما أطلقت أحرقت الأخضر واليابس.
إنّ الرسول ﷺ أسري به وعرج؛ كيف؟ هل ركب الة تسير بأقصى من سرعة الصوت كما اخترع الناس أخيرا؟.
لقد امتطى البراق، وهو كائن يضع خطوه عند أقصى طرفه، كأنّه يمشي بسرعة الضوء، وكلمة (براق) يشير اشتقاقها إلى البرق، أي أنّ قوة الكهرباء سخّرت في هذه الرحلة.
لكنّ الجسم- في حالته المعتادة- يتعذّر عليه التنقّل في الافاق بسرعة البرق الخاطف، لا بدّ من إعداد خاصّ، يحصّن أجهزته ومسامّه لهذا السفر البعيد.
وأحسب أنّ ما روي عن شقّ الصدر، وغسل القلب وحشوه، إنّما هو رمز هذا الإعداد المحتوم.. وقصة الإسراء مشحونة بهذه الرموز، ذات الدلالة التي تدقّ على السّذّج.
إنّ الإسراء والمعراج وقعا للرسول ﵊ بشخصه في طور بلغت الروح فيه قمة الإشراق، وخفّت فيه كثافة الجسد حتى تفصّى من أغلب القوانين التي تحكمه.
واستكناه حقيقة هذه الرحلة، وتتبّع مراحلها بالوصف الدقيق، مرتبط بإدراك العقل الإنساني لحقيقة المادة والروح، وما أودع الله فيهما من قوى وخصائص.
[ ١٣٩ ]
ولذلك سنتجاوز هذا البحث «١» إلى ما هو أيسر وأجدى، أي إلى تسجيل المعالم المتصلة بالإسلام باعتباره رسالة عامة وتشاريع محددة.
وقصة الإسراء والمعراج تهمّنا من هذه الناحية.
ألم تر أنّ (علم النفس) لم يستبحر وينطلق إلا يوم تحرّر من البحث في الروح والخبط في مدلولها؟!.
[لماذا المسجد الأقصى؟]:
لماذا كانت الرحلة إلى بيت المقدس، ولم تبدأ من المسجد الحرام إلى سدرة المنتهى مباشرة؟.
إنّ هذا يرجع بنا إلى تاريخ قديم، فقد ظلّت النبوّات دهورا طوالا وهي وقف على بني إسرائيل، وظلّ بيت المقدس مهبط الوحي، ومشرق أنواره على الأرض، وقصبة الوطن المحبب إلى شعب الله المختار «٢» .
فلما أهدر اليهود كرامة الوحي، وأسقطوا أحكام السماء، حلّت بهم لعنة الله، وتقرّر تحويل النبوة عنهم إلى الأبد! ومن ثمّ كان مجيء الرسالة إلى محمد ﷺ؛ انتقالا بالقيادة الروحية في العالم من أمة إلى أمة، ومن بلد إلى بلد، ومن ذرية إسرائيل إلى ذرية إسماعيل.
وقد كان غضب اليهود مشتعلا لهذا التحوّل، مما دعاهم إلى المسارعة بإنكاره:
بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِما أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فَباؤُ بِغَضَبٍ عَلى غَضَبٍ [البقرة: ٩٠] .
لكنّ إرادة الله مضت، وحمّلت الأمة الجديدة رسالتها، وورث النبيّ العربيّ تعاليم إبراهيم وإسماعيل ويعقوب، وقام يكافح لنشرها، وجمع الناس عليها، فكان من وصل الحاضر بالماضي، وإدماج الكلّ في حقيقة واحدة أن يعتبر
_________________
(١) انظر البحث مفصلا في كتاب: السيرة النبوية، للشيخ محمد محمد أبو شهبة: ١/ ٤٠٧- ٤٢٨، وفيه ردّ على أوهام الدكتور محمد حسين هيكل. (ن) .
(٢) كل أمة أو شعب تحمّل عبء تبليغ رسالة نبيّه، فهو شعب مختار، فإن أدى الأمانة، فهو من خير أمم الأرض، وإن خانها، فهو من شر أمم الأرض، أما بنو إسرائيل فقد خانوا، وقتلوا النبيّين، فكان أن ضربت عليهم الذلة والمسكنة، وباؤوا بغضب من الله. (ن) .
[ ١٤٠ ]
المسجد الأقصى ثالث الحرمين في الاسلام، وأن ينتقل إليه الرسول ﷺ في إسرائه، فيكون هذا الانتقال احتراما للإيمان الذي درج- قديما- في رحابه..
ثم يجمع الله المرسلين السابقين من حملة الهداية في هذه الأرض وما حولها؛ ليستقبلوا صاحب الرسالة الخاتمة، إنّ النبوات يصدّق بعضها بعضا، ويمهّد السابق منها للّاحق، وقد أخذ الله الميثاق على أنبياء بني إسرائيل بذلك:
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) [ال عمران] .
وفي السنة الصحيحة أن الرسول ﷺ صلّى بإخوانه الأنبياء ركعتين في المسجد الأقصى، فكانت هذه الإمامة إقرارا مبينا بأنّ الإسلام كلمة الله الأخيرة إلى خلقه، أخذت تمامها على يد محمد ﷺ بعد أن وطّأ لها العباد الصالحون من رسل الله الأولين.
والكشف عن منزلة محمد ﷺ ودينه ليس مدحا يساق في حفل تكريم، بل هو بيان حقيقة مقرّرة في عالم الهداية منذ تولّت السماء إرشاد الأرض، ولكنه جاء في إبّانه المناسب.
فإنّ جهاد الدعوة الذي حمله محمد ﷺ على كواهله، عرّضه لعواصف عاتية من البغضاء والافتراء، ومزّق شمل أتباعه، فما ذاقوا- مذ آمنوا به- راحة الركون إلى الأهل والمال، وكان اخر العهد بمشاق الدعوة، طرد (ثقيف) له، ثم دخوله البلد الحرام في جوار مشرك، إنّ هوانه على الناس- منذ دعاهم إلى الله- جعله يجأر إلى ربّ الناس شاكيا راجيا.
فمن تطمين الله له، ومن نعمائه عليه: أن يهيّئ له هذه الرحلة السماوية؛ لتمسّ فؤاده المعنّى ببرد الراحة، وليشعر أنه بعين الله مذ قام يواحده ويعبده، ويعلّم البشر توحيده وعبادته.
كان يقول: «إن لم يكن بك غضب عليّ فلا أبالي» «١»، فالليلة علم أنّ حظّه من رضوان الله جزيل، وأن مكانته بين المصطفين الأخيار موطّدة مقدمة.
إنّ الإسراء والمعراج يقعان قريبا من منتصف فترة الرسالة التي مكثت ثلاثة
_________________
(١) تقدّم في خبر الطائف أنه حديث ضعيف.
[ ١٤١ ]
وعشرين عاما، وبذلك كانا علاجا مسح متاعب الماضي، ووضع بذور النجاح للمستقبل.
إنّ رؤية طرف من ايات الله الكبرى في ملكوت السموات والأرض له أثره الحاسم في توهين كيد الكافرين، وتصغير جموعهم، ومعرفة عقباهم.
وقد عرف محمّد ﷺ في هذه الرحلة أنّ رسالته ستنساح في الأرض، وتتوطّن الأودية الخصبة في النيل والفرات، وتنتزع هذه البقاع من مجوسية الفرس وتثليث الروم.
بل إنّ أهل هذه الأودية سيكونون حملة الإسلام جيلا في أعقاب جيل؛ وهذا معنى رؤية النيل والفرات في الجنة، وليس أنّ مياه النهرين تنبع من الجنة كما يظن السذّج والبله.
لقد روى الترمذيّ مثلا أنّ رسول الله ﷺ قال: «إذا أعطي أحدكم الريحان فلا يردّه، فإنّه خرج من الجنة» «١»؛ فهل ذلك يدلّ على أنّ الريحان من الجنة، ونحن نقطف أزهاره من الحقول والحدائق؟!.
حكمة الإسراء:
ذلك والله ﷿ يتيح لرسله فرص الاطّلاع على المظاهر الكبرى لقدرته، حتى يملأ قلوبهم ثقة فيه، واستنادا إليه، إذ يواجهون قوى الكفار المتألّبة، ويهاجمون سلطانهم القائم.
فقبل أن يرسل الله موسى شاء أن يريه عجائب قدرته، فأمره أن يلقي عصاه، قال: أَلْقِها يا مُوسى فَأَلْقاها فَإِذا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعى (٢٠) قالَ خُذْها وَلا تَخَفْ
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه الترمذي: ٣/ ١٨، من طريق حنان عن أبي عثمان النهدي مرسلا، وهذا مع إرساله فيه جهالة حنان هذا، ولم يوثقه غير ابن حبان، ولو صح الحديث لكان اللائق حمله على ظاهره وهو أن الريحان أصله من الجنة، ولا يلزم منه أن ما نقطفه منه من الحقول هو من الجنة أيضا كما ظن المؤلف. ألا ترى أنه إذا قال إنسان لماء في كأس: هذا من السماء؛ لكان صادقا، وكان قصده معروفا؟ فليتأمل. ونحو هذا يقال فيما صح عنه ﷺ: «إن أربعة أنهار من الجنة» أي: أصلها من الجنة، لا أنها تنبع الان منها. قلت: ألا ترى أنا نقول: إن الإنسان خلق من طين، وإن الذي خلق من طين هو أصل الإنسان (آدم)، أما أفراد هذا الجنس فقد توالدوا من ماء مهين. (ن) .
[ ١٤٢ ]
سَنُعِيدُها سِيرَتَهَا الْأُولى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلى جَناحِكَ تَخْرُجْ بَيْضاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرى (٢٢) لِنُرِيَكَ مِنْ آياتِنَا الْكُبْرى (٢٣) [طه] .
فلمّا ملأ قلبه إعجابا بمشاهد هذه الايات الكبرى، قال له بعد: اذْهَبْ إِلى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغى (١٧) [النازعات] .
وقد علمت أنّ ثمرة الإسراء والمعراج إطلاع الله نبيّه على هذه الايات الكبرى، وربّما تقول: إنّ ذلك حدث بعد الإرسال إليه بقريب من اثني عشر عاما، على عكس ما وقع لموسى! وهذا حق، وسرّه ما أسلفنا بيانه من أنّ الخوارق في سير المرسلين الأولين قصد بها قهر الأمم على الاقتناع بصدق النبوة؛ فهي تدعيم لجانبهم أمام اتّهام الخصوم لهم بالادّعاء، وسيرة محمد ﷺ فوق هذا المستوى.
فقد تكفّل القران الكريم بإقناع أولي النهى من أول يوم، وجاءت الخوارق في طريق الرسول ﷺ ضربا من التكريم لشخصه، والإيناس له، غير معكرة، ولا معطلة للمنهج العقلي العادي الذي اشترعه القران «١» .
وقد اقترح المشركون على النبي ﷺ أن يرقى في السماء، فجاء الجواب من عند الله: قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا [الإسراء: ٦٣] .
فلمّا رقي في السماء بعد، لم يذكر قط أن ذلك ردّ على التحدي، أو إجابة على الاقتراح السابق؛ بل كان الأمر- كما قلنا- محض تكريم، ومزيد إعلام من الله لعبده.
إكمال البناء:
وفي قصّة الإسراء والمعراج تلمح أواصر القربى بين الأنبياء كافة، وهذا المعنى من أصول الإسلام:
آمَنَ الرَّسُولُ بِما أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقالُوا سَمِعْنا وَأَطَعْنا غُفْرانَكَ رَبَّنا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (٢٨٥) [البقرة] .
والتحيات المتبادلة بين النبي ﷺ وإخوته السابقين توثّق هذه الاصرة.
_________________
(١) انظر كتابنا: عقيدة المسلم، ص ١٩٣، الطبعة العاشرة، دار القلم- دمشق.
[ ١٤٣ ]
ففي كلّ سماء أحلّ الله فيها أحد رسله، كان النبي ﷺ يستقبل فيها بهذه الكلمة: مرحبا بالأخ الصالح، والنبيّ الصالح!.
والخلاف بين الأنبياء وهم صنعته الأمم الجائرة عن السبيل السويّ، أو بالأحرى صنعه الكهان والمتاجرون بالأديان.
أمّا محمّد ﷺ فقد أظهر أنّه مرسل لتكملة البناء الذي تعهّده من سبقوه، ومنع الزلازل من تصديعه، قال رسول الله ﷺ: «مثلي ومثل الأنبياء قبلي كمثل رجل بنى بيتا، فأحسنه، وأجمله، إلّا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون به، ويعجبون له! ويقولون: هلّا وضعت هذه اللبنة؟! فأنا تلك اللبنة، وأنا خاتم النبيين» «١» .
والأديان المعتمدة على الوحي السماوي معروفة، وليس منها- بداهة- ما اصطنعه الناس لأنفسهم من أوثان وطقوس كالبرهمية، والبوذية، وغيرهما.
وليس منها كذلك ما ابتدع- أخيرا- من نحل احتضنها الاستعمار الغربي، وكثر الأنصار حولها؛ ليشدّد الخناق على مقاتل الشرق، ويعوق المسلمين الأحرار عن حطم قيوده، وإنقاذ عبيده، وذلك كالبهائية والقاديانية.
ومن الممكن- لو خلصت النيّات ونشد الحق- أن توضع أسس عادلة لواحدة دينية تقوم على احترام المبادئ المشتركة «٢»، وإبعاد الهوى عن استغلال الفروق الاخرى، إلى أن تزول على الزمن، أو تنكسر حدتها.
والإسلام الذي يعدّ تعاليمه امتدادا للنبوات الأولى، ولبنة مضافة إلى بنائها العتيد أول من يرحب بهذا الاتجاه ويزكيه.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٤٣٧؛ ومسلم: ٧/ ٦٤- ٦٥، من حديث أبي هريرة.
(٢) إن كانت هذه المبادئ المشتركة هي قوله تعالى: قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ [ال عمران: ٦٤]؛ فقد سبق أن دعا رسول الله ﷺ أهل الكتاب إلى ذلك. وإن كانت هذه المبادئ هي ما سمّي في مؤتمر برنستون التبشيري بالصعيد المشترك؛ وهي أن يدعو المسلمون والنصارى واليهود إلى ما اتفقوا عليه، ويدعوا ما اختلفوا فيه؛ فهو ردة عن دين الله تعالى، قال رسول الله ﷺ: «أنا بريء من المسلم والمشرك تتراءى نارهما» . (ن) .
[ ١٤٤ ]
سلامة الفطرة:
وفي ليلة الإسراء والمعراج تأكّدت الصفة الأولى لهذا الدين، وهي أنه دين الفطرة.
ففي الحديث: «.. ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، فأخذت اللبن فقال: هي الفطرة التي أنت عليها وأمتك» «١» .
إنّ سلامة الفطرة لبّ الإسلام، ويستحيل أن تفتح أبواب السماء لرجل فاسد السريرة، عليل القلب، إنّ الفطرة الرديئة كالعين الحمئة، لا تسيل إلا قذرا وسوادا.
ربّما أخفي هذا السواد الكرية وراء ألوان زاهية، ومظاهر مزوّقة، بيد أنّ ما ينطلي على الناس، لا يخدع به ربّ الناس !!.
ويوم تكون العبادات- نفسها- ستارا لفطرة فاسدة، فإنّ هذه العبادات الخبيثة، تعتبر أنزل رتبة من المعاصي الفاجرة.
والناس كلّما تقدّمت بهم الحضارات، أمعنوا في التكلّف والمصانعة، وقيّدوا أنفسهم بعبادات وتقاليد قاسية.
وأكثر هذه التكلّفات حجب تطمس وهج الفطرة «٢»، وتعكّر نقاوتها وطلاقتها.
وليس أبغض إلى الله من أن تفترى هذه القيود باسم الدين، وأن تترك النفوس في سجونها مغلولة كئيبة.
فرض الصلاة:
وفي المعراج شرعت الصلوات الخمس، شرعت في السماء؛ لتكون معراجا يرقى بالناس كلّما تدلّت بهم شهوات النفوس وأعراض الدنيا.
والصلوات التي شرع الله غير الصلوات التي يؤدّيها- الان- كثير من الناس.
_________________
(١) حديث صحيح، وهو قطعة من حديث صعصعة بن مالك الطويل في الإسراء، وقد مضى تخريجه (ص ٦٥)، ورواه ابن حبان في صحيحه أيضا، ص ١٩٢- ١٩٨، وأخرجه ثلاثتهم من حديث أبي هريرة أيضا.
(٢) انظر: خلق المسلم، ص ٧، الطبعة الثالثة عشرة، دار القلم- دمشق. والإسلام والمناهج الاشتراكية، للمؤلف.
[ ١٤٥ ]
وعلامة صدق الصلاة أن تعصم صاحبها من الدنايا، وأن تخجله من البقاء عليها إن ألمّ بشيء منها.
فإذا كانت الصلاة- مع تكرارها- لا ترفع صاحبها إلى هذه الدرجة؛ فهي صلاة كاذبة.
«الصلاة طهور» «١»، كما جاء في السنّة: إلا أنّها طهور للإنسان الحيّ، لا للجثة العفنة.
إنّ التطهير يزيل ما يعلق بالقلب الحيّ من غبار عارض، والأعراض التي تلحق المرء في الحياة فتصدئ قلبه كثيرة، ومطهّراتها أكثر!.
وفي الحديث: «فتنة الرّجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفّرها الصيام، والصّلاة، والصدقة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر» «٢» .
أمّا أصحاب القلوب الميتة فالصلاة لا تجديهم فتيلا.. ولن يزالوا كذلك حتى تحيا قلوبهم أو يواريها الثرى..
[صور شتى لأجزية الصالحين والطالحين]:
وقد رويت سنن أن رسول الله ﷺ رأى في هذه الرحلة صورا شتى لأجزية الصالحين والطالحين، وتناقلت كتب السيرة رواية هذه الصور الجليلة على أنّها وقعت ليلة الإسراء والمعراج.
والحقّ أنّ ذلك كان رؤيا منام في ليلة أخرى من الليالي المعتادة، كما ثبت ذلك في الصحاح «٣» .
_________________
(١) لا أعرفه بهذا اللفظ، وكأن المؤلف ذكره بالمعنى، ومما جاء فيه قوله ﷺ: «أرأيتم لو أن نهرا بباب أحدكم يغتسل منه كلّ يوم خمس مرات؟ هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء، قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا» أخرجه البخاري: ٢/ ٩؛ ومسلم: ٢/ ١٣١- ١٣٢، من حديث أبي هريرة؛ ومسلم والبخاري في (أفعال العباد)، ص ٩٤، من حديث جابر.
(٢) حديث صحيح، من رواية حذيفة بن اليمان، أخرجه البخاري: ٢/ ٦؛ ومسلم: ٧/ ١٧٢.
(٣) يشير إلى حديث سمرة بن جندب عند البخاري في أماكن من صحيحه؛ منها: (الجنائز) و(الرؤيا)؛ وأحمد أيضا في المسند: ٥/ ١٤٠٨، ولكن هذا لا ينفي أن يكون ﷺ رأى ليلة الإسراء بعض الأجزية، بل هذا هو الواقع كما في حديث أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «لما عرج بي ربي ﷿ مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون وجوههم-
[ ١٤٦ ]
قريش والإسراء:
فلمّا كانت صبيحة هذه الليلة المشهودة حدّث رسول الله ﷺ الناس بما تمّ له، وما شهد من ايات ربّه الكبرى.
والذين كذّبوا أن يقع وحي على الأرض أتراهم يصدّقون به في السماء؟!.
لقد طاروا يجمع بعضهم بعضا؛ ليسمعوا هذه الأعجوبة، فيزدادوا إنكارا لرسالة محمد ﷺ، وريبة من أمره، وتحدّاه بعضهم أن يصف بيت المقدس، إن كان راه هذه الليلة حقا!.
عن جابر ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «لمّا كذّبتني قريش، قمت في الحجر، فجلّى الله لي بيت المقدس، فطفقت أخبرهم عن آياته، وأنا أنظر إليه» !! «١» .
ويقول الدكتور هيكل: «أحسبك لو سألت الذين يقولون بالإسراء بالروح في هذا؛ لما رأوا فيه عجبا، بعد الذي عرف العلم في وقتنا الحاضر من إمكان التنويم المغناطيسي للتحدّث عن أشياء واقعة في جهات نائية
فما بالك بروح يجمع واحدة الحياة الروحية في الكون كله؟! ويستطيع- بما وهب الله له من قوة- أن يتّصل بسر الحياة من أزل الكون إلى أبده!» .
ونحن لا نعلّق كبير اهتمام لمعرفة الطريق التي تمّ بها الإسراء والمعراج، كلا الأمرين حق ترك ثماره في نفس الرسول ﷺ، فاستراح إلى حمد الخالق، وقلّ اكتراثه لذمّ الهمل من الجاحدين والجاهلين، ثم نشط إلى متابعة الدعوة، موقنا أنّ كلّ يوم يمرّ بها هو خطوة إلى النصر القريب..
ويزعم بعض الكتّاب أنّ فريقا من المسلمين ارتدّ عقب الإسراء والمعراج
_________________
(١) - وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم» أخرجه أحمد: ٣/ ٢٢٤؛ وأبو داود: ٢/ ٢٩٨، وسنده صحيح، وقد روي مرسلا. ولكن المسند أصح كما قال العراقي في تخريج الإحياء: ٣/ ١٢٣، ولأنس حديث اخر في رؤيته ﷺ ليلة الإسراء الخطباء الذين يقولون ما لا يفعلون، أخرجه ابن حبان في صحيحه، رقم (٥٢)، وغيره، وفي الباب أحاديث أخرى عن جماعة من الصحابة ذكر بعضها ابن كثير في تفسير سورة الإسراء، فليراجعها من شاء.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ١٥٧- ١٥٩؛ ومسلم: ١/ ١٠٨؛ وابن حبان، رقم (٥٤) وغيرهم، وله شاهد مفصل من حديث ابن عباس أخرجه أحمد، رقم (٢٨٢٠)، بسند صحيح.
[ ١٤٧ ]
إنكارا لهما، بل يزيد الدكتور هيكل أنّ المسلمين تضعضعوا على أثر انتشار القصة على الأفواه، واستبعاد المشركين لوقوعها، وهذا كلّه خطأ، فلا الاثار التاريخية تدلّ «١» عليه، ولا الاستنتاج الحصيف ينتهي به، ولا ندري كيف يقال هذا؟!.
[عرض الإسلام على القبائل]:
مضى رسول الله ﷺ على نهجه القديم، ينذر بالوحي كلّ من يلقى، ويخوض- بدعوته- المجامع، ويغشى المواسم، ويتبع الحجيج في منازلهم، ويغبّر قدميه إلى أسواق (عكاظ) و(مجنة) و(ذي المجاز) داعيا الناس إلى نبذ الأوثان، والاستماع إلى هدي القران، وكان يسأل عن منازل القبائل قبيلة قبيلة، ويعرض عليهم نفسه ليؤمنوا به، ويتابعوه ويمنعوه
وكان عمّه أبو لهب يمشي وراءه ويقول: لا تطيعوه، فإنّه صابئ كذّاب!.
فيكون جواب القبائل: أسرتك وعشيرتك أعلم بك! ثم يردّونه أقبح الردّ.
ومن القبائل التي أتاها الرسول ﵊ ودعاها إلى الله فأبت الاستجابة له: (فزارة)، و(غسان)، و(مرة)، و(حنيفة)، و(سليم)، و(عبس)، و(بنو النضر)، و(كندة)، و(كلب)، و(عذرة)، و(الحضارمة)، و(بنو عامر بن صعصعة)، و(محارب بن حفصة) إلخ.
ما وجد في هؤلاء قلبا مفتوحا، ولا صدرا مشروحا، بل كان الراحلون والمقيمون يتواصون بالبعد عنه، ويشيرون إليه بالأصابع.
وكان الرجل يجيء من الافاق البعيدة، فيزوده قومه بهذه الوصاة: احذر غلام قريش لا يفتنك!!.
مع ذلك فإنّ الرسول ﵊- في هذا الجو القابض- لم يخامر اليأس قلبه، واستمرّ مثابرا في جهاد الدعوة، حتى تأذّن الحقّ- أخيرا- بالفرج.
_________________
(١) يرد هذا ما في المسند، رقم (٤٥٤٦) من حديث ابن عباس، قال: أسري بالنبي ﷺ إلى بيت المقدس، ثم جاء من ليلته فحدّثهم بمسيره إلى بيت المقدس، وبعيرهم، فقال ناس: نحن نصدّق محمدا بما يقول؟! فارتدوا كفارا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل الحديث. وإسناده حسن، وقال الحافظ ابن كثير في (تفسيره: ٣/ ١٥): «ورواه النسائي، وإسناده صحيح» قلت: وهذا من الأدلة الكثيرة التي تبين أن الإسراء كان بالروح والجسد، الأمر الذي لا يعلّق عليه حضرة المؤلف كبير اهتمام!.
[ ١٤٨ ]
(٤)