[ ١٥ ]
الوثنيّة تسود الحضارة القديمة
إنّ تاريخ الحياة مؤسف!!.
منذ هبط ادم وبنوه في الأرض، ثم بعد أن شبّ بهم الزمن، واطّرد العمران، وتشعّبت الحضارات، وأدبرت أجيال، وأقبلت على أنقاضها أخرى، منذ ذلك الحين السحيق والناس أخلاط متنافرون، لا تستقيم بهم السّبل يوما إلا شردت أياما، ولا يشيمون «١» بوارق الحق حينا إلا أطبقت عليهم ظلمات الباطل أحيانا.
ولو تقصّينا تاريخ البشر- على ضوء الإيمان بالله والاستعداد للقائه- لوجدنا العالم أشبه بمخمور تربو فترات سكره على فترات صحوه، أو بمحموم غاب عنه في سورة الألم- رشده؛ فهو يهذي ولا يدري.
وقد كان في تجارب الناس مع أنفسهم ودنياهم مزدجر؛ يزع عن الشر، ويردّ إلى الخير، بيد أن الهوى الغالب لا تجدي معه معرفة.
كم سلخت الدنيا من عمرها قبل أن يظهر محمد ﷺ؟!.
لقد مرّت عليها قرون طوال أفادت فيها علما كثيرا، ووعت تجارب خطيرة، ونمت اداب وفنون، وشاعت فلسفات وأفكار.
ومع ذلك فقد غلب الطيش، واستحكم الزّيغ، وسقطت أمم شتى دون المكانة المنشودة لها.
فماذا كان مصير الحضارات في مصر واليونان، وفي الهند والصين، وفي فارس وروما؟ لا أقصد مصيرها من ناحية السياسة والحكم، بل من ناحية العاطفة والعقل.
إن الوثنية الوضيعة اغتالتها؛ وفرضت عليها السقوط في هذه الوهدة «٢»
_________________
(١) يشيمون: يرون. (ن) .
(٢) الوهدة: الهوة في الأرض. (ن) .
[ ١٧ ]
الزرية، فأمسى الإنسان الذي استخلفه الله ليكون ملكا في السموات والأرض، أمسى عبدا مسخرا لأدنى شيء في السموات والأرض.
وماذا بعد أن تقدّس العجول والأبقار، وتعبد الأخشاب والأحجار، وتطبق شعوب بأسرها على هذه الخرافة؟!.
إن الوثنية هوان يأتي من داخل النفس لا من خارج الحياة، فكما يفرض المحزون كابته على ما حوله، وكما يتخيل المرعوب الأجسام القائمة أشباحا جاثمة؛ كذلك يفرض المرء الممسوخ صغار نفسه وغباء عقله على البيئة التي يحيا فيها، فيؤلّه من جمادها وحيوانها ما يشاء.
ويوم ينفسح القلب الضيّق، ويشرق الفكر الخامد، وتثوب إلى الإنسان معانيه الرفيعة، فإن هذه الانعكاسات الوثنية تنزاح من تلقاء نفسها.
ومن ثمّ كان العمل الأول للدين داخل الإنسان نفسه، فلو ذبحت العجول المقدّسة، ونكّست الأصنام المرموقة، وبقيت النفس على ظلامها القديم، ما أجدى ذلك شيئا في حرب الوثنية! فيبحث العبّاد المفجوعون عن الهة أخرى غير ما فقدوا، يوفضون إليها من جديد! وما أكثر الوثنيين في الدنيا وإن لم يلتفّوا حول نصب، وما أسرع الناس إلى تجاهل الوجود الحق، وربّه الأعلى، والجري وراء وهم جديد!!.
والخرافة لا تأخذ مجراها في الحياة وهي تعلن عن باطلها، أو تكشف عن هرائها؛ كلّا، إنها تداري مجونها بثوب الجد، وتستعير من الحق لبوسه المقبول، وقد تأخذ بعض مقدماته وبعض نتائجه، ثم تتزين بعد ذلك للمخدوعين.
وكذلك فعلت الوثنية، لقد أغارت على الدين الصحيح، وحقائقه الناصعة، لا كما يغير النحل على أزهار الربيع، بل كما تغير الديدان وأسراب الجراد على الحدائق الغنّاء، فتحيلها قاعا بلقعا.
وهي إذا أفسدت ما تركت، لم تصلح ما أخذت، ولئن كان ما أخذته خيرا قبل أن تتصل به، لقد أصبح شرّا بعد ما تحوّل في جوفها إلى سموم.
وهذا هو السرّ في أنّ الوثنية التي لا تعرف الله تزعم أنها بأصنامها تتقرّب إليه وتبغي مرضاته.
[ ١٨ ]
جزء من الحق، في أجزاء من الباطل، في سياق يصرف الناس اخر الأمر عن الله، ويبعدهم عن ساحته.
وأعظم نكبة أصابت الأديان إثر عدوان الوثنيات عليها، ما أصاب شريعة عيسى ابن مريم ﵇ من تبدّل مروّع، ردّ نهارها ليلا، وسلامها ويلا، وجعل الواحدة شركة، وانتكس بالإنسان، فعلق همته بالقرابين، وفكره بالألغاز المعمّاة.
إن خرافة الثالوث والفداء تجددت حياتها بعد ما أفلحت الوثنية مرتين: الأولى في إقحامها إقحاما على النصرانية الجديدة، وبذلك انتصرت الوثنية مرتين: الأولى في تدعيم نفسها، والاخرى في تضليل غيرها.
فلما جاء القرن السادس لميلاد عيسى ﵇؛ كانت منارات الهدى قد انطفأت في مشارق الأرض ومغاربها؛ وكان الشيطان يذرع الأقطار الفيح، فيرى ما غرس من أشواك قد نما وامتد.
فالمجوسية في فارس طليعة عنيدة للشرك الفاشي في الهند والصين، وبلاد العرب وسائر المجاهل.
والنصرانية التي تناوئ هذه الجبهة قبست أبرز ماثرها من خرافات الهنود والمصريين القدامى، فهي تجعل لله صاحبة وولدا؛ وتغري أتباعها في (رومة) ومصر والقسطنطينية بلون من الإشراك أرقى مما ألف عبّاد النيران وعبّاد الأوثان، شرك مشوب بتوحيد يحارب شركا محضا.
ولكن ما قيمة هذه النقائض التي جمعت النصرانية بين شتاتها؟:
قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطانٍ بِهذا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتاعٌ فِي الدُّنْيا ثُمَّ إِلَيْنا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذابَ الشَّدِيدَ بِما كانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠) [يونس] .
ويظهر أنّ اصرة الشرك بين المجوسية والديانات السماوية المشوّهة هي التي جعلت هذه الأحزاب إلبا على المسلمين يوم بدؤوا يقيمون جماعتهم على عبادة الواحد الحق، وقد نبّأ الله هذه الأمة بأن الأذى سوف ينصبّ عليها من عبدة الأصنام، ومن أهل الكتاب في ان، ووصاها أن تتذرع بالصبر أمام هذا التحامل.
لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ
[ ١٩ ]
قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [ال عمران] .
والظلام الذي ران على الأفئدة والعقول في غيبة أنوار التوحيد، طوى في سواده أيضا تقاليد الجماعة وأنظمة الحكم، فكانت الأرض مذأبة يسودها الفتك والاغتيال، ويفقد فيها الضّعاف نعمة الأمان والسكينة.
وأيّ خير يرجى في أحضان وثنية كفرت بالعقل، ونسيت الله، ولانت في أيدي الدجّالين؟!.
لا غرابة إذا رفع الله عنها يده كما جاء في الحديث: «إن الله نظر إلى أهل الأرض فمقتهم، عربهم وعجمهم؛ إلا بقايا من أهل الكتاب » «١» .
وهذه البقايا هي التي ظلّت مستعصية على الشرك برغم طوفان الكفر الذي طمّ البقاع والتلاع.
لقد عمّت الدنيا قبل بعثة محمد صلى الله عليه وعلى اله وسلم حيرة وبؤس، ناءت بهما الكواهل:
أتيت والنّاس فوضى لا تمرّ بهم إلّا على صنم قد هام في صنم
فعاهل الرّوم يطغى في رعيّته وعاهل الفرس من كبر أصمّ عمي «٢»
حتّى تأذّن الله ليحسمنّ هذه الاثار، وليسوقنّ هدايته الكبرى إلى الأنام، فأرسل إلى الأمة محمدا ﵊.
_________________
(١) من حديث طويل رواه مسلم في صحيحه.
(٢) الأبيات لشوقي من قصيدته المشهورة (نهج البردة) . (ن) .
[ ٢٠ ]
طبيعة الرّسالة الخاتمة
وتمتاز بعثة محمد ﷺ بأنها عامة ودائمة.
والله ﷿ كان يستطيع أن يبعث في كلّ قرية نذيرا، ولكلّ عصر مرشدا، وإذا كانت القرى لا تستغني عن النّذر، والأعصار لا تستغني عن المرشدين، فلم استعيض عن ذلك كله برجل فذ؟.
الحقّ أن هذا الاكتفاء أشبه بالإيجاز الذي يحصّل المعنى الكثير في اللفظ اليسير؛ وبعثة محمد ﵊ كانت عوضا كاملا عن إرسال جيش من النبيين يتوزّع على الأعصار والأمصار، بل إنها سدّت مسدّ إرسال ملك كريم إلى كل إنسان تدبّ على الأرض قدماه، ما بقيت على الأرض حياة، وما تطلعت عين إلى الهدى والنجاة، ولكن كيف ذلك؟!.
في المزالق المتلفة قد يقول لك ناصح أمين: أغمض عينيك واتبعني، أو لا تسلني عن شيء يستثيرك، وربما تكون السلامة في طاعته؛ فأنت تمشي وراءه حتى تبلغ مأمنك، إنه في هذه الحال رائدك المعين، الذي يفكر لك، وينظر لك، ويأخذ بيدك؛ فإن هلك هلكت معه.
أمّا لو جاءك من أول الأمر رجل رشيد فرسم خطّ السير، وحذّرك مواطن الخطر، وشرح لك في إفاضة ما يطوي لك المراحل ويهوّن المتاعب، وسار معك قليلا ليدرّبك على العمل بما علمت؛ فأنت في هذه الحال رائد نفسك، تستطيع الاستغناء بتفكيرك وبصرك عن غيرك.
إن الوضع الأوّل أليق بالأطفال والسّذّج، وأما الوضع الأخير فهو المفروض عند معاملة الرجال وأولي الرأي من الناس.
والله ﷿ عند ما بعث محمدا ﵊ لهداية العالم، ضمّن رسالته الأصول التي تفتّق للألباب منافذ المعرفة بما كان ويكون.
والقران الذي أنزله على قلبه هو كتاب من ربّ العالمين إلى كلّ حيّ، ليوجهه إلى الخير ويلهمه الرشد.
[ ٢١ ]
لم يكن محمد ﵊ إماما لقبيل من الناس صلحوا بصلاحه، فلما انتهى ذهبوا معه في خبر كان، بل كان قوة من قوى الخير، لها في عالم المعاني ما لاكتشاف البخار والكهرباء في عالم المادة. وإن بعثته لتمثّل مرحلة من مراحل التطور في الوجود الإنساني، كان البشر قبلها في وصاية رعاتهم أشبه بطفل محجور عليه، ثم شبّ الطفل عن الطوق، ورشّح لاحتمال الأعباء واحده، وجاء الخطاب الإلهي إليه- عن طريق محمد ﷺ- يشرح له كيف يعيش في الأرض، وكيف يعود إلى السماء. فإذا بقي محمد ﷺ أو ذهب فلن ينقص ذلك من جوهر رسالته. إن رسالته تفتيح الأعين والاذان، وتجلية البصائر والأذهان، وذلك مودع في تراثه الضخم من كتاب وسنّة.
إنه لم يبعث ليجمع حول اسمه أناسا قلّوا أو كثروا؛ إنما بعث صلة بين الخلق والحق الذي يصحّ به وجودهم، والنور الذي يبصرون به غايتهم.
فمن عرف في حياته الحق، وكان له نور يمشي به في الناس فقد عرف محمدا ﷺ، واستظلّ بلوائه، وإن لم ير شبحه أو يعش معه:
يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمْ بُرْهانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِراطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥) [النساء] .
فإذا رأيت بعض الناس يتناسى دروس الأستاذ، ويتشبّث بثيابه وهو حيّ، أو يتعلق برفاته وهو ميت، فاعلم أنه طفل غرير، ليس أهلا لأن يخاطب بتعاليم الرسالة بله أن يستقيم على نهجها.
في مسجد النبي ﷺ بالمدينة رأيت حشدا من الناس يتلمّس جوار الرّوضة الشريفة، ويودّ أن يقضي العمر بجانبها.
ولو خرج النبيّ ﷺ حيّا على هؤلاء؛ لأنكر مراهم وكره جوارهم.
إن رثاثة هيئتهم، وقلّة فقههم، وفراغ أيديهم، وضياع أوقاتهم، وطول غفلتهم، تجعل علاقتهم بنبيّ الإسلام أوهى من خيط العنكبوت.
قلت لهم: ما تفيدون من جوار النبي ﷺ؟ وما يفيد هو نفسه منكم؟
إنّ الذين يفقهون رسالته ويحيونها من وراء الرمال والبحار، أعرف بحقيقة
[ ٢٢ ]
محمد ﷺ منكم. إنّ القرابة الروحية والعقلية هي الرباط الوحيد بين محمد ﵊ ومن يمتّون إليه.
فأنّى للأرواح المريضة والعقول الكليلة أن تتصل بمن جاء ليودع في الأرواح والعقول عافية الدين والدنيا؟!.
أهذا الجوار اية حبّ ووسيلة مغفرة؟!.
إنك لن تحبّ لله إلا إذا عرفت أولا الله الذي تحبّ من أجله!! فالترتيب الطبيعيّ أن تعرف قبل كل شيء: من ربّك؟ وما دينك؟ فإذا عرفت ذلك- بعقل نظيف- وزنت- بقلب شاكر- جميل من بلّغك عن الله، وتحمّل العنت من أجلك، وذلك معنى الأثر: «أحبّوا الله لما يغذوكم به من نعمه، وأحبّوني بحبّ الله..» «١»، ومعنى الاية:
قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١) [ال عمران] .
ثم إن نبيّ الإسلام لم ينصّب نفسه (بابا) يهب المغفرة للبشر، ويمنح البركات، إنه لم يفعل ذلك يوما ما، لأنه لم يشتغل بالدجل قط.
إنه يقول لك: تعال معي؛ أو اذهب مع غيرك من الناس، لنقف جميعا في ساحة ربّ العالمين نناجيه: اهْدِنَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِراطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] .
_________________
(١) هذا حديث ضعيف الإسناد، أخرجه الترمذي: ٤/ ٣٤٣- ٣٤٤، بشرح التحفة؛ والحاكم: ٣/ ١٥٠؛ وأبو نعيم في حلية الأولياء: ٣/ ٢١١؛ والخطيب في تاريخه: ٤/ ١٦٠، من طريق هشام بن يوسف، عن عبد الله بن سليمان النوفلي، عن محمد بن علي بن عبد الله بن عباس، عن أبيه، عن ابن عباس مرفوعا به، وقال الترمذي: «حديث حسن غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه»، وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي. وهذا من تساهلهم جميعا لا سيما الذهبي، فقد أورد النوفلي هذا في (ميزان الاعتدال في نقد الرجال)، وقال فيه: «فيه جهالة. ما حدث عنه سوى هشام بن يوسف» ثم ساق له هذا الحديث، فأنّى له الصحة؟! وقد تفرّد به هذا المجهول، ولم يوثقه أحد، ولذا قال فيه الحافظ ابن حجر في (التقريب): إنه (مقبول)، يعني: عند المتابعة، فأنّى المتابع له؟! ولذلك فقد أصاب ابن الجوزي حين قال: «هو غير صحيح» كما نقله المناوي في (فيض القدير)، وتعقبه بما لا طائل تحته!. نقول: ومع نقد الأستاذ لهذا الحديث فنحن نقبله؛ لأنّ معناه يوافق الاية، ولأنه في الفضائل.
[ ٢٣ ]
فإذا رضي عنك هذا النبيّ- دعا الله لك، وإذا رضيت أنت عنه، ووقر في نفسك جلال عمله وكبير فضله؛ فادع الله كذلك له! فإنك تشارك بذلك الملائكة الذين يعرفون قدره ويستزيدون أجره: إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٥٦) [الأحزاب] .
وليس عمل محمد ﵊ أن يجرّك بحبل إلى الجنة، وإنما عمله أن يقذف في ضميرك البصر الذي ترى به الحق، ووسيلته إلى ذلك كتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ميسّر للذكر، محفوظ من الزيغ، وذاك سرّ الخلود في رسالته.
فلننظر كيف عالج الرسول ﵊ البيئة التي ظهر فيها على ضوء هذه الطبيعة المفروضة في رسالته، ولننظر قبل ذلك إلى أحوال هذه البيئة نفسها.
[ ٢٤ ]
العرب حين البعثة
كان أهل مكة ضعاف التفكير، أقوياء الشهوات.
إذ لا صلة بين نضج الفكر ونضح الغريزة، ولا بين تخلّف الجماعات من الناحية العقلية، وتخلّفها من ناحية الأهواء والمطامع.
إن عرام الشهوات الذي نسمع عنه في (باريس) و(هوليود) لا يزيد كثيرا عمّا وعته القرون الخالية من مفاسد الإنسان على ظهر الأرض.
وتقدّم الحضارة لا أثر له من هذه الناحية إلا في زيادة وسائل الإغراء فحسب.
أمّا الشهوات نفسها فهي هي من قبل الطوفان ومن بعده: الأثرة، والجشع، والرياء، والتهارش، والحقد، وغير ذلك من ذميم الخصال، ملأت الدنيا من قديم، وإن تغيرت الأزياء التي تظهر بها على مر العصور.
وإنّ الإنسان ليرى في القرية التافهة، وفي القبيلة الساذجة من التنافس على المال والظهور ما يراه في أرقى البيئات، وكثيرا من الناس تفوتهم أنصبة رائعة من العلم والفضل، ولكن لا تفوتهم أنصبة كبيرة جدا من الاحتيال والتطلّع والدّسّ، وقد تستغرب إذ ترى الشخص لا يحسن فهم مسألة قريبة من أنفه؛ ومع ذلك فهو يفهم جيدا ألا يكون فلان أفضل منه!!.
من عهد نوح ﵇ والحياة تجمع أمثلة شتى لهذا الغباء وهذا العناد؛ فعند ما دعي قوم نوح ﵇ إلى الإيمان بالله واحده، كانت إجابتهم لنوح ﵇ لا تهتم بموضوع الدعوة قدر اهتمامها بشخص الداعي، وما سيحرزه من فضل بهذه الرسالة!:
فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً [المؤمنون: ٢٤] .
ما أكثر منافذ الهوى إلى الأعمال والأحكام، وما أعقد مخلّفات الهوى في الأخلاق والأفكار، والسير والسياسات!!.
[ ٢٥ ]
وقد كانت (مكة) على عهد البعثة تموج بحركة عاصفة من الشهوات والماثم، وكان الرجال الذين يحيون فيها أمثلة قوية لنضج الأهواء، وشلل الأفكار، أو نمائها في ظلّ الهوى الجامح ولخدمته واحده.
كفر بالله واليوم الاخر، إقبال على نعيم الدنيا، وإغراق في التشبّع منه، رغبة عميقة في السيادة والعلو ونفاذ الكلمة، عصبيات طائشة تسالم وتحارب من أجل ذلك، تقاليد متوارثة توجه نشاط الفرد المادي والأدبي داخل هذا النطاق المحدود.
من الخطأ أن تحسب (مكة) يومئذ قرية منقطعة عن العمران في صحراء موحشة، لا تحس من الدنيا إلا الضرورات التي تمسك عليها الرمق، كلّا، إنها شبعت حتى بطرت، وتنازعت الكبرياء حتى تطاحنت عليها، وكثر فيها من تغلغل الإلحاد في أغوار نفسه حتى عزّ إخراجه منه؛ فهم بين عم عن الصواب، أو جاحد له، وفي هذا المجتمع الذي لم ينل حظا يذكر من الحضارة العقلية بلغ غرور الفرد مداه، ووجد من يسابق فرعون في عتوّه وطغواه.
قال عمرو بن هشام «١» - معلّلا كفره برسالة محمد ﷺ-: زاحمنا بنو عبد مناف في الشرف، حتّى إذا صرنا كفرسي رهان، قالوا: منا نبيّ يوحى إليه! والله لا نؤمن به، ولا نتّبعه أبدا إلا أن يأتينا وحي كما يأتيه!!.
زعموا أن الوليد بن المغيرة قال لرسول الله ﷺ: لو كانت النبوّة حقّا لكنت أولى بها منك! لأني أكبر منك سنا وأكثر منك مالا!.
وهذه السفاهات العاتية، لم تنفرد مكة بها، فما كان كفر عبد الله بن أبي في المدينة إلا لمثل هذه الأسباب.
ذهب رسول الله ﷺ- بعد الهجرة- يعود سعد بن عبادة في مرض أصابه قبل وقعة بدر، فركب حمارا وأردف وراءه أسامة بن زيد، وسارا حتى مرّا بمجلس فيه عبد الله بن أبي، وإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدّابّة خمّر ابن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبّروا علينا، فسلم رسول الله ﵊، ثم وقف ونزل، فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القران..
_________________
(١) هو أبو جهل.
[ ٢٦ ]
فقال عبد الله: أيها المرء، إنه لا أحسن مما تقول، إن كان حقّا فلا تؤذنا به في مجالسنا، وارجع إلى رحلك، فمن جاءك فاقصص عليه.
فقال ابن رواحة: بلى يا رسول الله! فاغشنا به في مجالسنا، فإنا نحبّ ذلك، فاستبّ المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون، فلم يزل الرسول ﵊ يخفّضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابّته وسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال النبي ﷺ: «ألم تسمع ما قال أبو حباب- يعني ابن أبيّ-؟» قال سعد: وما قال؟ قال رسول الله ﵊: «قال كذا وكذا» فقال سعد: اعف عنه واصفح يا رسول الله، فو الذي أنزل عليك الكتاب! لقد جاءك الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اجتمع أهل هذه البحرة- يعني المدينة- على أن يتوّجوه، ويعصّبوه بالعصابة، فلما أبى الله ذلك بالحق الذي أعطاك، شرق بذلك، فذلك الذي فعل به ما رأيت «١» .
إن ابن أبيّ غصّ بالإسلام؛ لأنه راه خطرا على زعامته، وكذلك فعل أبو جهل من قبل، ولئن كان هؤلاء قد ازورّوا عن الحق بعد ما تبينوه، إنّ هناك ألوفا غيرهم لا يدركون قيلا ولا يهتدون سبيلا، كرهوا الإسلام وحاربوه.
ووسط هذه الجهالات البسيطة أو المركبة، والعداوات المقصودة أو المضللة، وسط نماذج لا حصر لها من الضلال والغافلة، أخذ الإسلام رويدا رويدا ينشر أشعته، فأخرج أمة من الظلام إلى النور؛ بل جعلها مصباحا وهّاجا يضيء ويهدي، والدروس التي أحدثت هذا التحول الخطير والتي رفعت شعوبا وقبائل من السفوح إلى القمم ليست دواء موقوتا أو مخصوصا، بل هي علاج أصيل لطبيعة الإنسان إذا التاثت، وستظل ما بقي الإنسان وبقيت الحياة تكرم الإنسان وتجدد الحياة.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ١٨٥- ١٨٦، بشرح فتح الباري؛ ومسلم: ٥/ ١٨٢ ١٨٣؛ وأحمد: ٥/ ٢٠٣، من حديث أسامة بن زيد.
[ ٢٧ ]
رسول معلم
كانت الإشاعات قد فاضت بين أهل الكتاب الأولين أن نبيّا قد اقترب ظهوره، ولهذه الإشاعات ما يبرّرها، فإن عهد الناس بالرسل أن يتتابعوا فلا تطول فترة الانقطاع بين أحدهم والاخر، وكثيرا ما تعاصر المرسلون فجمعتهم أقطار واحدة أو متجاورة، ولكن الأمر تغيّر بعد عيسى ﵇ فكادت المئة السادسة تتم بعد بعثته، ولما يأت نبي جديد.
فلما اكتظّت الأرض بالمفاسد والضلالات زاد التطلّع إلى مقدم هذا المصلح المرتقب، وكان هناك رجال ممن ينكرون الجهالة السائدة يستشرفون للمنصب الجليل، ويتمنّون لو اختيروا له؛ منهم: (أمية بن أبي الصلت) الذي حفل شعره بالتحدّث عن الله وما يجب له من محامد، حتى قال الرسول ﷺ فيه:
«كاد أمية أن يسلم» «١» . وعن عمرو بن الشريد، عن أبيه: ردفت رسول الله ﷺ يوما، فقال: «هل معك من شعر أمية بن أبي الصلت شيء؟» قلت: نعم؟ قال:
«هيه»، فأنشدته بيتا، فقال: «هيه»، حتى أنشدته مئة بيت «٢» .
غير أن القدر الأعلى تجاوز أولئك المتطلّعين من شعراء وناثرين، وألقى بالأمانة الكبرى على رجل لم يتطلّع إليها ولم يفكر فيها:
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيرًا لِلْكافِرِينَ (٨٦) [القصص] .
إن الاصطفاء للرسالات العظيمة ليس بالأمل فيها، ولكن بالطاقة عليها.
وكم في الحياة من طامحين لا يملكون إلا الجرأة على الأمل، وكم من راسخين يطويهم الصّمت، حتى إذا كلّفوا أتوا بالعجب العجاب.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ٧/ ٤٩؛ وابن ماجه: ٢/ ٤١٠، من حديث أبي هريرة، وأخرجاه أيضا من حديث ابن الشريد، وهو تمام الحديث الاتي بعده.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم وابن ماجه.
[ ٢٨ ]
ولا يعلم أقدار النفوس إلا بارئها، والذي يريد هداية العالم أجمع يختار للغاية العظيمة أنفسا عظيمة، وقد كان العرب في جاهليتهم يرمقون محمدا ﷺ بالإجلال، ويحترمون في سيرته شارات الرجولة الكاملة، إلّا أنهم لم يتخيّلوا قط أن مستقبل الحياة قد ارتبط بمستقبله، وأن الحكمة ستتفجّر من ذلك الفم الطّهور، فتطوي السهوب والجدوب، وتثب الوهاد والنّجاد.
إنهم لا يرون منه إلا ما يراه الطفل من سطح البحر، تشغله الصفحة الهادئة عن الغور البعيد.
كان اصطفاء الله لمحمد ﷺ مفاجأة لم تلبث روعتها أن تكشفت عنه، ثم ثبت الكاهل الجلد لما ألقي عليه، ومضى على النهج مسددا مؤيدا.
ومكث الوحي ينزل ثلاثا وعشرين سنة كانت الايات تنزل خلالها حسب الحوادث والأحوال، وهذه الفترة الطويلة الحافلة هي فترة تعلّم وتعليم.
الله ﷿ يعلّم رسوله، والرسول ﷺ يتلقى هذه المعارف الحية، فيديرها في نفسه حتى يحيلها جزا من كيانه، ثم يعلّمها الناس ويأخذهم بها أخذا.
ونزول القران على هذه الوتيرة مقصود للشارع الحكيم، فإن الزمن جزء من علاج النفوس، وسياسة الأمم، وتقرير الأحكام.
واتساق القران في أغراضه ومعانيه- على طول المدة التي استغرقها في تجمّعه- يعتبر من وجوه إعجازه؛ فإن خواتيمه- بعد ربع قرن- جاءت مطابقة مساوقة لفواتحه، يصدق بعضها بعضا ويكمله، كأنما أرسلت في نفس واحد.
وقد تساءل العرب: لم نزل القران كذلك؟ وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ وَرَتَّلْناهُ تَرْتِيلًا (٣٢) وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْناكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣) [الفرقان] .
إنّ القران يشرح حقيقة الدين عند الله وتاريخ هذه الحقيقة، وهو- في دعوته العامة- يبسط الشبهات العارضة ويفنّدها، ويسوق أدلته وهو على بينة من اراء خصومه، ويتتبع أقصى ما يثار ضدّه، ثم يكرّ عليه بالحجة فيمحقه، وقد بدأ القران بين قوم تشعّب الكفر في نفوسهم، ومرنت على الجدل ألسنتهم، وكأنّ القدر تخيّر هذه البيئة لتكون مجتمعا يمثل اخر ما يحيك في القلوب من ريبة، واخر ما يبذله الباطل من التحدي، فإذا أفلح الإسلام في
[ ٢٩ ]
تبديد هذه الريب، وتذليل هذه العوائق، فهو على ما دونها أقدر.
والأسئلة التي توجّه للنبي ﷺ، أو التي ينتظر أن توجّه إليه في مختلف العقائد والأحكام؛ وجدت إجابتها الشافية في القران، باعتبار أن السؤال لا يمثل حاجة صاحبه واحدها، بل حاجات الناس على مر الأيام.
وفي هذا الجوّ المليء بالتساؤل استفهاما أو استنكارا؛ كان الإلهام يلاحقّ الرسول ﷺ: قل كذا، قل كذا.
وما أكثر الايات التي صدرت بهذا الأمر إجابة لسؤال ورد أو سؤال مفترض.
وأنت تحسّ- إذ تقرأ هذه الأجوبة المستفيضة- فيضا من اليقين ينساب إلى قلبك، كأنها حسمت وساوس عرضت لك أو في الإمكان أن تعرض، والرسالة الخالدة هي التي تصلها بضمائر الناس هذه الأواصر المتينة.
إنّ القران رسول حي، تسائله فيجاوبك، وتستمع إليه فيقنعك.
انظر: كيف يؤسس عقيدة البعث والجزاء، وينوّه بشمول الإرادة والقدرة في ثنايا إجابة على سؤال موجّه، وكيف صيغت المعاني في أخذ وردّ، واعتراض ودفع، كأنها حوار سيّال، يتعدّى أصحابه حتى يجمع الناس إلى اخر الدهر:
أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نارًا فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠) أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١) إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢) فَسُبْحانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٣) [يس] .
إنّ هذا مثل للاستدلال القائم على النّظر الصائب، لا يختص به زمان دون زمان، ولا مكان دون مكان، فهو خطاب للعقل العام في البشر أجمعين، وهو بيان لحكمة نزول القران منجّما إذ جاءت الايات للرسول ﷺ: قل كذا، ردّا على ما عرض له من أسئلة في أثناء تطوافه هنا وهناك يدعو إلى الله، ثم ثبت السؤال والجواب ليكون منهما علم ينفع الناس اخر الدهر.
[ ٣٠ ]
وقد استوقف الأمر ب قالَ نظر العلماء؛ إنه تعليم من الله لرسوله ﷺ؛ وتعليم من الرسول للناس، وقد سيقت بعد هذا الأمر الأقوال التي تضمّنت ما شاء الله من النصائح والعظات والأحكام.
فعند ما أحبّ المشركون- على عادتهم- أن ينقلوا ميدان الجدل من حقيقة الدين، إلى شخص الرسول ﷺ وأتباعه؛ نزلت الايات:
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) [الملك] .
فانظر كيف يستخلص اللّباب وسط غبار الجدل! ما يجديكم تنقّص الرسول ﷺ ومن معه؟ فكّروا في أنفسكم كيف أهلكتها الخرافات، وشردت بها عن الجادة! إنه ليس لرسول الله ﷺ ومن معه تفكير في أنفسهم وحظوظها، إنهم دعاة للرحمن، آمنوا به، وتوكّلوا عليه فإن شئتم فالطريق إلى الرحمن ميسرة.
وليس من الضروري أن يقع سؤال ما لتأتي الإجابة عليه من لدن الله قالَ!! فربما يجيء السياق على هذا النحو ابتداء عند عرض أصول الدعوة وادابها، وتكون الغاية منه التعريف بالإسلام ونبيّه تعريفا مشبعا مقنعا، يستأصل الرّيب قبل أن تولد:
قُلْ إِنَّنِي هَدانِي رَبِّي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفًا وَما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١) قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْها وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام] .
فالخطاب للرسول ﷺ هنا يتضمّن أمرا إلى كل حيّ وجد في عهده، أو يوجد من بعده: أن يتدبّر- بعقله- ما يلقى إليه، وأن يحكم- بضميره- على مدى صحته وإخلاصه.
فإذا تعلّق بقلبه إيمان فهو إيمان بربّ كل شيء، وعمل الرسول ﷺ ينتهي عند هذا الحدّ، عند وصل العقول والقلوب ببارئها، وإيضاح الصراط المستقيم لها، وعلى كلّ إنسان تحمّل تبعته في فعل الخير أو الشرّ بعد ذلك.
فليس الرسول ﷺ وسيطا يحمل لك خيرا قدمته، ولا قربانا يحمل عنك
[ ٣١ ]
عقابا استحققته، لأنه لا تكسب كل نفس إلا عليها، ولا تزر وازرة وزر أخرى، وهنا يبدو بعد الشّقة بين المسيحية والإسلام.
الإسلام يغالي بقدر الإنسان، ويعطيه جزاءه الحق على الرفعة والضّعة.
أما النصرانية فالمرء عندها أنزل قدرا من أن يتّصل برب العالمين من تلقاء نفسه، لا بد من اخر يحمل قربته ويقبل توبته، ومن ذلك الاخر؟ شخص دعيّ! فإذا اقترف ذنبا فليس هو الذي يلقى قصاصه، إن القربان ذبح قديما من أجل خطيئته تلك، وعليه أن يصدق بذلك لينجو إن أراد النجاة، وهذا الخبط يحتاج إلى جرارات ثقيلة ليسير في الحياة مراغما للمنطق والعدالة.
أما إلاسلام فإن الله يقول لنبيّه ﵊ قولا تتفتّح له الأعين والأفهام:
قُلْ مَنْ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءَ لا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْواحِدُ الْقَهَّارُ (١٦) [الرعد] .
إن هذه الاستفهامات المترادفة سياط تلدغ الباطل، وتجعل العقل النائم يصحو من سباته، وتحفز الإنسان إلى اعتناق الحقيقة والتسامي بها.
وذلك ما يعلنه ويعمل له رسول الإسلام محمد ﷺ.
وقد لقي الإسلام مقاومة عنيفة أشدّ العنف من الوثنية السائدة، فهي لم تلفظ أنفاسها في معركة أو معركتين؛ بل قاتلت ببأس شديد على كلّ شبر من الأرض، وكان الظنّ أن قواها خارت وانماعت عند ما أدّى الرسول ﷺ أمانته وذهب إلى الرفيق الأعلى، بيد أن الجزيرة انتفضت بأسرها في عهد أبي بكر ﵁، وانحصر المسلمون وسط طوفان من الردة العمياء، شرعوا يكافحونه مرة أخرى، فما استطاعوا كسر شوكته إلا بعد ما تكبّدوا من الخسائر أكثر مما فقدوا على عهد النبي ﵊ في مقاتلة أولئك المشركين «١» .
_________________
(١) قال الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى في كتابه (السيرة النبوية، دروس وعبر)، ص ١٦٧: «ولقد قامت بعد وفاة الرسول ﷺ حروب وفتن، وادّعى النبوة من ادّعاها، وعارض القران من عارضه، ولكنّا لم نسمع أن عربيا واحدا فكّر في العودة إلى الوثنية والهتها» . (ن) .
[ ٣٢ ]
إنّ الرجال الذي ثبتوا على الحق بعد رحيل نبيهم ﷺ عنهم هم المسلمون حقّا، فإن الإسلام رباط بمبادئ لا بأشخاص، وقد علّم الله نبيّه وعلّم المسلمين في شخصه أن يلتزموا الحقّ الذي عرفوا، وأن يتشبثوا به مهما غولبوا وحوربوا.
والدنيا طافحة بأسباب الزيغ، وهي تحاول أولا ألا تبقي للإيمان مكانا بها، فإذا ظفر بكسب بعد طول عناء، حاولت أن تلاينه حتى ينزل عن شيء ويكتفي بشيء، ولو أفلحت في استدراجه إلى هذه المنزلة لأمكنها الإجهاز عليه، ولذلك جاءت أوامر الله في كتابه حاسمة تقضي بأن الإيمان كلّ لا يتجزأ، وأن مناجزة الكافرين، على هذه الحقيقة لا يجوز أن تهدأ، فلا بد من الاستمساك بهذه التعاليم المترابطة! والحبّ والبغض عليها، والمسالمة أو المحاربة دونها، فإن نصيب العاطفة في خدمة العقيدة، لا يقل عن نصيب العقل.
والايات الواردة في ذلك هي أوامر للمسلمين تنزلت في شكل خطاب للرسول ﷺ:
يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكافِرِينَ وَالْمُنافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (١) وَاتَّبِعْ ما يُوحى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢) وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣) [الأحزاب] .
فليس الرسول ﷺ مظنة أن يطيع الكافرين والمنافقين حتى ينبّه إلى التحرّز منهم، ولكننا نحن المعنيون بهذا الإرشاد.
ومن ذلك: وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهًا آخَرَ [القصص] .
لقد كان الرسول ﷺ من بدء دعوته حربا على الشرك، وعلى الالهة الاخرى، ومنه تعلّم الناس هذه الخصومة، ويستحيل أن يتوقّع منه غيرها.
ومن ذلك: لا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨) [الحجر] .
وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا وَاتَّبَعَ هَواهُ وَكانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ [الكهف] .
فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ المُمْتَرِينَ (٩٤) وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ فَتَكُونَ مِنَ الْخاسِرِينَ (٩٥) [يونس] .
[ ٣٣ ]
قال المفسّرون: خوطبت الأمة في شخص رسولها كما تصدر الأوامر إلى القائد، مع أنّ الجند هم المنفّذون.
وقيل: بل الخطاب للرسول ﵊ على طريق الإهاجة واستثارة الهمّة، يقال للقوي البادي العزم: لا تهن، وللعاقل الصحيح الذهن: لا تغافل، وليس يخاف عليهما وهن ولا غفلة، ولكن الأمر تحريض على استدامة القوة والذكاء، والشجاع يزداد على الموت إقبالا إذا قيل له: لا تجبن.
وسواء كان هذا أم ذاك فإنّ الرسول ﵊ مناط الأسوة الحسنة، ومن سلوكه يأخذ الناس مثلهم الأعلى، وقد أمر وأمرنا معه بالتوجس من الضالين، والتنائي عن خلقهم وعملهم، وازدراء متاعهم وغرورهم؛ وذلك لأن هناك أحيانا شتى يضعف فيها الحقّ، ويعزّ التمسّك به، ويقوى فيها الباطل، وتكثر المغريات على مصادقته، أو مهادنته.
ومن حقّ العقائد على أصحابها أن يتشدّدوا في تدعيم جانبها، وأن يتنكّروا لما يمسّها من بعيد.
والأوامر التي تنظّم هذه المشاعر لن تنقصها الصّرامة، وماذا بعد أن يقول الله لنبيه ﷺ: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) [الزمر] .
إن هذا الخطاب يقرع اذاننا، وله مغزاه، كما قيل: «إياك أعني واسمعي يا جارة» «١»، وقد كان لهذا الأسلوب أثره في تأليب المسلمين على الفساد، وترهيبهم من الرّكون إليه، بله الوقوع فيه.
وأقوال المفسّرين التي سردناها تنطبق أيضا على الاية: فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ فَسْئَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُنَ الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكَ [يونس: ٩٤] .
الخطاب للقارئ، أو السامع، أو للرسول ﵊ نفسه على جهة التهييج والتحريض كما علمت: إذ إنّ الرسول ﵊ لن يقع
_________________
(١) مثل يضرب للتعريف بالشيء يبديه الرجل، وهو يريد غيره، وأول من قاله سهل بن مالك الفزاري في أخت حارثة بن لأم الطائي: يا أخت خير البدو والحضاره كيف ترين في فتى فزاره أصبح يهوى حرّة معطاره إياك أعني واسمعي يا جاره انظر: الأمثال، لأبي عبيد الميداني: ١/ ٤٩. (ن) .
[ ٣٤ ]
منه شك في أمر نبوّته، والكلام هنا، فرض للمستحيل كما قيل في سورة أخرى:
قُلْ إِنْ كانَ لِلرَّحْمنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعابِدِينَ (٨١) [الزخرف]، ولكن ما معنى سؤال أهل الكتاب؟!.
قالوا: المراد: الثقات المنصفون منهم، فهم لن يكتموا شهادة الحق إذا طلبت إليهم.
وعندي: أن العدول الصادقين من أهل الكتاب قلة لا يعوّل على حكمها، وما أظن الاية تعني ذلك.
ولكن المرء يزداد تبصّرا بنفاسة ما عنده من خير إذا رأى ما عند غيره من خلط، ولو ارتبت لحظة في أن القران من عند الله، ثمّ تصفحت كتب العهدين القديم والجديد، لعدت- على عجل- إلى كتابك تتشبّث به، وتحمد الله ألف مرة أن هديت إليه!!.
وأحسب أن هذا ما تشير إليه الاية، فإنّ تبيّن ما في الإسلام من حقّ يزداد قوة عند اكتشاف ما طرأ على الأديان الأولى من تشويه، وهذا يتفق مع قوله تعالى: وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْواءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ما لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ [البقرة: ١٢٠]، ويزكي فهمنا هذا في الاية الكريمة ما أخرجه البخاري عن ابن عباس قال: «يا معشر المسلمين، كيف تسألون أهل الكتاب؟! وكتابكم الذي أنزل على نبيّكم أحدث الكتب بالله، تقرؤونه محضا لم يشب، وقد حدّثكم الله أنّ أهل الكتاب بدّلوا كتاب الله وغيّروه، وكتبوا بأيديهم الكتاب، وقالوا: هو من عند الله لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ألا ينهاكم ما جاءكم من العلم عن مسألتهم؟! ولا، والله ما رأينا منهم رجلا قطّ يسألكم عن الذي أنزل عليكم!» .
إن الإسلام من الناحية العقلية معرفة للحقيقة، ومن الناحية العاطفية حبّ لها وإعزاز، وكراهية للباطل وعداء صريح.
إن هناك أناسا في مشاعرهم برودة يلقون بها الرأي وضدّه! وقد يتصوّر هذا في بعض المسائل التافهة، أما أن يتعلّق الأمر بالإيمان والإلحاد، والفجور والعفاف، فلا.
[ ٣٥ ]
إن الله علّم رسوله ﷺ الكتاب، والإيمان، فكان من عرفان الرسول ﷺ بهذا الفضل الإلهي أن غالى بإيمانه واعتزّ بقرانه، فعاش بهما وعاش لهما، وخاصم وسالم فيهما، وطالما تمنّى عداته أن يركن إليهم شيئا قليلا، ولكن هيهات! وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم]، والأمة الجديرة بالانتماء إليه هي الأمة التي تناضل على الحق؛ فلا تسمح بانتقاص له، ولا حيف عليه، ومن خصائصها أنها أمة فكر ومنهاج، يقوم كيانها المادي والأدبي على ما تبذل في ذلك من جهد وتثمر من نتاج.
[ ٣٦ ]
منزلة السنّة من الكتاب الكريم
من حقّ المسلم أن يرتّب المصادر التي يأخذ عنها دينه، وأن يدرك الوضع الصحيح للمحفوظ من قول النبيّ ﵊ وفعله، إلى جوار السّجل الثابت للوحي الإلهي الذي خصّت به الرسالة الخاتمة.
إن القران روح الإسلام ومادته، وفي آياته المحكمة شرع دستوره، وبسطت دعوته، وقد تكفّل الله بحفظه فصينت به حقيقة الدين، وكتب لها الخلود أبد الابدين، والرجل الذي اصطفاه الله لإبلاغ آياته وحمل رسالاته، كان (قرانا) حيّا يسعى بين الناس، كان مثالا لما صوّره القران من إيمان وإخبات، وسعي وجهاد وحق وقوة، وفقه وبيان، فلا جرم أن قوله وفعله وتقريره وأخلاقه وأحكامه، ونواحي حياته كلها؛ تعدّ ركنا في الدين، وشريعة للمؤمنين.
إن الله اختاره ليتحدّث باسمه ويبلّغ عنه، فمن أولى منه بفهم مراد الله فيما قال؟! ومن أولى منه بتحديد المسلك الذي يتواءم مع دلالات القران القريبة والبعيدة؟!.
إن تطبيق القانون لا يقلّ خطرا عن صياغته، وللقانون نصّ وروح، وعند علاج الأحداث المختلفة لتسير وفق القانون العتيد، تجدّ فتاوى وتدوّن نصائح وتحفظ تجارب وعبر، وتثبت أحكام بعضها أقرب إلى حرفية النص وبعضها أدنى إلى روحه، وهكذا.
والقران هو قانون الإسلام، والسنّة هي تطبيقه، والمسلم مكلّف باحترام هذا التطبيق تكليفه باحترام القانون نفسه، وقد أعطى الله نبيّه حقّ الاتباع فيما يأمر به وينهى عنه؛ لأنه- في ذلك- لا يصدر عن نفسه، بل عن توجيه ربه، فطاعته هي طاعة الله، وليست خضوعا أعمى لواحد من الناس.
قال الله ﷿: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠) [النساء] .
[ ٣٧ ]
وقال: وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ [النحل: ٤٤] .
وقال: وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا [الحشر: ٧] .
على أن الإلهام الأعلى لا يعطّل مواهب الإنسان الراقي، فمن الخطأ أن نتصور المرسلين أناسا مسخّرين تنطقهم الملائكة أو تسكتهم، إنهم لو لم يكونوا أنبياء لكانوا رجالا يرمقون باحترام، ويقدّمون عن جدارة.
إنّ الوحي لا يصيب الناس اتفاقا، بل يرشّح له أكمل الناس رشدا، وأسبقهم فضلا، وأنبلهم خلقا، وأنضجهم رأيا. وسيرة هؤلاء في الحياة ليست مما ينبذ، وكلمهم ليس مما يهمل، فكيف إذا تأيّدت هذه العراقة بالعصمة، وهذا الذكاء بالتسديد؟!.
إنّ السّير في ركاب المرسلين هو الخير كله، ومن ثمّ كانت سنّة محمد ﵊ مصدرا لشريعته، مع الكتاب الذي شرّفه الله به، وجمهور المسلمين على هذا الفهم، إلا أن السّنن المأثورة عرض لها ما يوجب اليقظة في تلقيها، فليس كل ما ينسب إلى الرسول ﵊ سنّة تقبل، ولا كلّ ما صحت نسبته صح فهمه، أو وضع موضعه!!
والمسلمون لم يؤذوا من الأحاديث الموضوعة قدر ما أوذوا من الأحاديث التي أسيء فهمها، واضطربت أوضاعها؛ حتى جاء أخيرا من ينظر إلى السنن جمعاء نظرة ريبة واتهام، ويتمنّى لو تخلّص المسلمون منها.
وهذا خطأ من ناحيتين: إهمال الحقيقة التاريخية أولا، فإن الدنيا لم تعرف بشرا أحصيت اثاره، ونقدت بحذر، ومحّصت بدقة كما حدث ذلك في اثار محمد بن عبد الله ﷺ «١»، فكيف ترمى بعد ذلك في مطارح الإهمال؟!.
والناحية الاخرى أن في السنّة كنوزا من الحكمة العالية، لو نسب بعضها إلى أحد من الناس لكان من عظماء المصلحين، فلماذا تضيع على صاحبها ويحرم الناس خيرها؟!.
عند ما درسنا تراث محمد ﵊ في الأخلاق، وذاكرنا أحاديثه التي تربو على الألوف في شتى الفضائل؛ خيّل إلينا لو أن جيشا من
_________________
(١) قد تكفّل المحدّثون ﵃ بتتبع الأحاديث النبوية، وتمييزها، وشرحها، ووضعها في موضعها، فجزاهم الله عن المسلمين خيرا. (ن) .
[ ٣٨ ]
علماء النفس والتربية اجتمع ليسوق للعالم مثل هذا الأدب لعجز، والأخلاق شعبة واحدة من رسالة محمد ﵊ الضخمة، إلا أنّ الاشتغال بالسنّة مع هذا- يجب أن يحظر على من لم يستجمع الشروط التي تجعل مثل هذا الاشتغال مفيدا للإسلام والمسلمين.
١- فلا يجوز أن يشتغل بالسنّة من لم يدرس علوم القران، ويضرب فيها بسهم وافر، فإن القران هو الدستور الأصيل للإسلام، وهو الذي يحدّد للمسلم بدقة تامة واجباته وحقوقه، ويرتّب التكاليف المنوطة به، ويوزّع العبادات على حياته، فلا تطغى عبادة على أخرى، ولا تطغى كلها على عمله للحياة ومكانه فيها، والمرء الذي يعجز عن تحصيل هذه الحقائق من القران لن يعوضه عن فقدانها شيء اخر، والصورة التي تستقر في نفسه للإسلام- من غير القران- تضطرب فيها النّسب والألوان، وربما لحقها اختلاف كبير.
ولذلك حرص أئمة الصّحابة على أن يخلوا الطريق للقران الكريم ليحتلّ مكانته الأولى في القلوب، وحرصوا على ألّا يزاحمه في موضع الصّدارة شيء.
روى ابن عبد البر في كتابه (جامع العلم وفضله) بأسانيده التي ذكرها، قال: عن جابر بن «١» عبد الله بن يسار قال: سمعت عليّا يقول: أعزم على كل من كان عنده كتاب إلا رجع فمحاه، فإنما هلك الناس حيث اتبعوا أحاديث علمائهم وتركوا كتاب ربهم.
وعن الزهري عن عروة «٢»: أن عمر بن الخطاب ﵁ أراد أن يكتب السنن، فاستفتى أصحاب النبي ﵊ في ذلك، فأشاروا عليه بأن يكتبها، فطفق عمر يستخير الله فيها شهرا، ثم أصبح يوما، وقد عزم الله له، فقال: «إني كنت أريد أن أكتب السنن، وإني ذكرت قوما كانوا قبلكم كتبوا كتبا فأكبوا عليها وتركوا كتاب الله، وإني- والله- لا أشوب- وفي رواية: لا أنسي- كتاب الله بشيء أبدا» .
_________________
(١) كذا هو في (جامع بيان العلم): ١/ ٦٢، وهو خطأ من الناسخ أو الطابع، ومثله فيه كثير! والصواب: «عن جابر، عن عبد الله بن يسار»، وجابر هذا- هو الجعفي- هو ضعيف جدا، وقد كذبه الجوزجاني وغيره.
(٢) عروة: هو ابن الزبير، لم يسمع من عمر بل لم يدركه، فهذا الأثر منقطع ضعيف، كذلك رواه الخطيب في (تقييد العلم)، ص ٤٩- ٥١، من طرق عن عروة. اللهم إلا رواية راشد عن الزهري، فإنه وصله بذكر عبد الله بن عمر بين عروة وعمر، وهي شاذة كما أشار إلى ذلك الخطيب نفسه.
[ ٣٩ ]
وعن ابن سيرين قال: إنما ضلّ بنو إسرائيل بكتب ورثوها عن ابائهم.
ودخل علقمة والأسود على عبد الله بن مسعود، ومعهما صحيفة فيها حديث حسن، فقال عبد الله بن مسعود: يا جارية هاتي بطشت واسكبي فيه ماء، فجعل يمحوها بيده ويقول: نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ [يوسف: ٣] . فقالا له: انظر فيها حديثا عجيبا، فجعل يمحوها ويقول: إن هذه القلوب أوعية، فاشغلوها بالقران ولا تشغلوها بغيره- كانت الصحيفة تضم طرفا من علوم أهل الكتاب-.
وعن عامر الشعبي «١» عن قرظة بن كعب «٢» قال: خرجنا نريد العراق، فمشى معنا عمر إلى (صرار)، ثم قال: أتدرون لم مشيت معكم؟ قالوا: نعم، نحن أصحاب رسول الله ﷺ، مشيت معنا تريد أن تشيّعنا وتكرمنا. فقال: إنكم تأتون أهل قرية لهم دويّ بالقران كدويّ النحل، فلا تصدوهم بالأحاديث فتشغلوهم، جوّدوا القران، وأقلّوا الرواية عن رسول الله ﷺ، امضوا وأنا شريككم. فلما قدم (قرظة) قالوا: حدثنا، قال: نهانا عمر بن الخطاب.
وعمر وعلي وغيرهما من الأئمة لا يجحدون السنة، ولكنهم يريدون إعطاء القران حظّه الأوفر من الحفاوة والإقبال. وذلك هو الترتيب الطبيعي فلا بد من معرفة القانون كله معرفة سليمة قبل الخوض في شروح وتفاصيل لبعض أجزائه، إذ إن هذه التفاصيل والشروح لا يحتاج إليها كل أحد، وربما شحنت الأذهان فلم تترك بها فراغا للأصول اللازمة والقواعد الهامة.
وخصوصا لأن الطريقة التي تروى بها الأحاديث تجمع في صعيد واحد ما صدر عن الرسول ﵊ متناثرا في أمكنة شتى، وأزمنة شتى، وملابسات شتى.
عن عروة بن الزبير، عن عائشة، قالت: ألا يعجبك أبو هريرة؟! جاء يجلس إلى جانب حجرتي يحدّث عن رسول الله ﵊، يسمعنى وكنت أسبح، فقام قبل أن أقضي سبحتي- أنهي صلاتي- ولو أدركته لرددت
_________________
(١) هو عامر بن شراحيل، أبو عمرو، أحد أعلام التابعين، أدرك خمسمئة من الصحابة، توفي سنة ثلاثمئة. انظر: الكاشف: ١/ ٥٢٢. (ن) .
(٢) هو قرظة بن كعب الأنصاري ﵁، صحابي، ولي الكوفة لعلي بن أبي طالب ﵁. انظر: الكاشف: ٢/ ١٣٦. (ن) .
[ ٤٠ ]
عليه. إن رسول الله ﵊ لم يكن يسرد الحديث كسردكم «١» ..!!.
٢- ويجيء بعد رسوخ القدم في فهم القران فهم ما يروى من السنن على وجهه الحق، فخير لمن يقصّر عن فهم السنن أن يحبس لسانه في فمه فلا يقول:
قال رسول الله ﵊، ثم يسوق حديثا لا يعرف ما المقصود منه؟!. وإن كان يفهم عبارته الظاهرة واحدها.
وقد بليت السنّة من قديم بمن يحفظ منها الكثير ولا يعي إلا اليسير، وتعجب السيدة عائشة من أبي هريرة حين جلس يروي، ليس لأنّها تتهمه بكذب، بل لأن أسلوب تحديثه يهدر الملابسات التي قيلت فيها هذه الأحاديث بعد ما طويت طيا في سرده الموصول. وقد روى مسلم في صحيحه: أن عمر ضرب أبا هريرة لمّا سمعه يحدّث عن رسول الله ﵊: «من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة»، ولعلّ عمر فعل ذلك لأنه وجد أبا هريرة يذكر الحديث لمن لا يعي منه إلا أن الإسلام كلمة تقال باللسان ولا عمل وراءها [٢]، ومنع الحديث- ولو صحّ- إذا أوحى بهذه الجهالة، أفضل من إباحة روايته.
وروى ابن عبد البر عن أبي هريرة نفسه قال: لقد حدّثتكم بأحاديث لو حدّثت بها زمن عمر بن الخطاب لضربني عمر بالدرة!!.
وفقه عمر في هذا المنع: أنه يريد- كما علمت- بناء المجتمع على تعاليم القران، وشغل الأفكار بتدبرها والاستنباط منها، فإذا رويت السنن بعدئذ تلقفتها أذهان نيّرة، فلم تعد بها معناها الصحيح.
يستطيع أبو هريرة- لجودة حفظه- أن يسرد مئة حديث في الصلاة مثلا، وعمر ربما لا يرى حرجا من سرد هذه السنن في مدرسة خاصة، ولكنه يكره أن يشغل جمهور المسلمين بأمر يكفيهم منه القليل، ثم ينصرفون بعده إلى عمل أجدى على الإسلام وأهله.
_________________
(١) أخرجه الشيخان في صحيحيهما؛ وأبو داود: ٢/ ١٢٥، طبع التازي؛ وابن عبد البر: ٢/ ١٢١.
(٢) قلت: هذا الاحتمال بعيد، بل باطل، فإن في الحديث نفسه عند مسلم: ١/ ٤٤- ٤٥: أن عمر ﵁ كان أول من لقيه أبو هريرة، وأول من حدّثه هذا الحديث، فلعلّ الأستاذ المؤلف يعيد النظر فيه! *. * الحق ما قلنا، وليس للشيخ وجه في اعتراضه.
[ ٤١ ]
وذلك سرّ تضييقه على الرواة المكثرين!.
لقد روى ابن حزم قرابة ألف صفحة من الأحاديث في الوضوء، ولمن شاء أن يتوفر على هذا اللون من العلم، لكن شغل عامة المسلمين به حمق! فماذا يبقى بعدئذ للقران نفسه؟! بل إن شغل المسلمين بالقران على هذا النحو ليس من الدين، قال رسول الله ﷺ: «اقرؤوا القران، ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به» «١» .
وإن يكن لهؤلاء الحفّاظ فضل فلأنهم حملوا العلم إلى من يحسن الإفادة منه. على نحو ما قال الرسول ﵊: «ربّ حامل فقه ليس بفقيه، ربّ حامل فقه إلى من هو أفقه منه» «٢»، عن أبي يوسف قال: سألني الأعمش عن مسألة وأنا وهو لا غير، فأجبته، فقال له: من أين قلت هذا يا يعقوب؟ فقلت:
بالحديث الذي حدثتني أنت! ثم حدّثته! فقال لي: يا يعقوب، إني لأحفظ هذا الحديث من قبل أن يجتمع أبواك، ما عرفت تأويله إلا الان!!.
وقد يبصر أبو يوسف «٣» الفقيه ما يغيب عن الأعمش «٤» الحافظ، ولكن المحذور ليس في الحفظ بلا فهم، بل أن يفهم الأمر على غير وجهه.
والترتيب الفني للسنن- كما دوّنت وتلقيناها- يجعل ما ورد في الإيمان بابا، وما ورد في القضاء بابا وهكذا
ولما كان الإسلام جملة هذه الحقائق، فإنّ السنّة أصبحت كمتجر كبير للملابس وزعت فيه أنواعها على مختلف الجوانب، هنا أغطية الرأس، وهنا سراويل، وهنا قمصان، وهنا حلل سابغة إلخ.
والطبيعي أن من يريد كسوة كاملة يمرّ بهذه الجوانب كلها ليأخذ ما يغطيه
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٣/ ٤٢٨- ٤٤٤؛ والطحاوي في شرح معاني الاثار: ٢/ ١٠، من حديث عبد الرحمن بن شبل مرفوعا، وسنده صحيح، وقوّاه الحافظ في الفتح: ٩/ ٨٢.
(٢) حديث صحيح، رواه ابن عبد البر: ١/ ٣٩؛ وكذا أصحاب السنن، والدارمي، وأحمد في حديث لزيد بن ثابت، وسنده صحيح، وصحّحه ابن حبان، وابن حجر وغيرهم.
(٣) هو يعقوب بن إبراهيم، أبو يوسف القاضي، قاضي الرشيد، وأجلّ تلاميذ الإمام أبي حنيفة رحمه الله تعالى، توفي سنة (١٨٢ هـ)، له كتاب (الخراج)، و(الاثار) . مقدمة الخراج. (ن) .
(٤) هو أبو محمد سليمان بن مهران الكاهلي، أحد الأئمة الأعلام، توفي سنة (١٤٨ هـ) . الكاشف: ١/ ٤٦٤. (ن) .
[ ٤٢ ]
من رأسه إلى قدمه، ولكن يحدث كثيرا أن ترى من يشتري قلنسوتين ويخرج حافيا، أو من يشتري منديلا ويخرج عاريا!.
إنّ هذا مثل طوائف اشتغلت بالسنّة، ثم- بعد طول تطواف- خرجت على الناس، وفي يديها من السنن سواك، وعمامة مقطوعة الذنب اعتبروها شعار الإسلام، وسرّ ذلك أنهم دخلوا المعرض الحافل، ثم خرجوا منه بعد أن ظنوا الدين كله في حديث أو سنّة محدودة، فأساؤوا بذلك إلى القران والسنّة جميعا.
٣- إن قصر الباع في السنة- على كثرة الاشتغال بها- أضرّ بتوجيه المسلمين، وأشاع بينهم طائفة من الأحكام المبتسرة «١»، والتقاليد الضيقة، تنبو عنها روح القران والسنّة، وإن اعتمدت على حديث لم يفهم، أو أثر لم يفقه.
وذلك أن الإسلام- في الشؤون الهامة- جاء بطائفة من الأحكام، ذكرت في الكتاب العزيز، أو وردت على لسان النبي ﷺ، وهي جميعا متكاملة؛ يصل بعضها بعضا ويوثقه، فإذا ظهر في دليل منها ما يعارض سائر الأدلة، بحث في تأويله حتى يتم الجمع بينها كلها، أو قبل الأرجح سندا، وردّ الاخر «٢» .
ولذلك يرى المحققون «٣» أن سنن الاحاد ترفض إذا خالفت ظواهر الاي، وعموم النص، أو خالفت قياسا يعتمد على أحكام القران نفسه، وهم يفرقون بين الأحاديث التي يرويها رجال فقهاء، والتي يرويها رجال حفاظ فحسب.
ولنضرب لك مثلا يكشف عمّا يصيب الأمم من عقم وضياع، نتيجة فهمها الخاطئ لأثر وارد.
كثير من المسلمين يحكمون على المرأة ألا ترى أحدا ولا يراها أحد، وفي المدينة تسيح النسوة في الطرق، يرتدين خياما مغلقة طامسة، بها خرقان من أعلى لإمكان الرؤية، وقد تختفي هذه الخروق وراء قطع من الزجاج أو الباغة..
وهذا التقليد السائد يعتمد على حديث سمعت إمام الحرم النبوي يردده من فوق المنبر في خطبة الجمعة، أن رسول الله ﷺ كره لنسوته أن يرين عبد الله بن
_________________
(١) المبتسرة: المتسرعة التي لم يبذل في تحصيلها جهد وتتبع واستقصاء. (ن) .
(٢) وهذا داخل في نقد المتن. (ن) .
(٣) من الحنيفة فقط، أما الجمهور فلا. (ن) .
[ ٤٣ ]
أم مكتوم، فلما احتججن بأنه أعمى لا يراهما! قال لهما: «أفعمياوان أنتما؟!» «١» .
وقد استنكرت على الخطيب إيراده لهذا الحديث، فإن علماء السنّة تكلّموا في معناه، ومن الجهل بالسنّة تقريره عند بيان وظيفة المرأة، وأسلوب حياتها، وقواعد اتصالها بالمجتمع العام، ولم لا نذكر السنن التي رواها البخاري في ذلك، وهي أدق وأصح؟!.
أثبت البخاري تحت عنوان (باب غزو النساء وقتالهن مع الرجال)، عن أنس ﵁، قال: «لما كان يوم (أحد) انهزم الناس عن النبي ﷺ، قال: ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر وأم سليم، وإنهما لمشمّرتان أرى خدم سوقهما، تنقلان القرب على متونهما- ظهورهما-، ثم تفرغانه- الماء- في أفواه القوم، ثم ترجعان فتملأانها، ثم تجيئان فتفرغانها في أفواه القوم» .
وذكر تحت (باب غزوة المرأة في البحر) سمعت أنسا ﵁، يقول:
دخل رسول الله ﷺ على (ابنة ملحان)، فاتكأ عندها، ثم ضحك. فقالت: لم تضحك يا رسول الله؟ فقال: «ناس من أمتي يركبون البحر الأخضر في سبيل الله، مثلهم مثل الملوك على الأسرّة» . فقالت: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم. قال: «اللهم اجعلها منهم»، ثم عاد فضحك، فقالت له: ممّ ذلك؟ فقال لها مثل ذلك. فقالت: ادع الله أن يجعلني منهم! قال: «أنت من الأولين، ولست من الاخرين» . قال أنس: فتزوجت عبادة بن الصامت، فركبت البحر مع بنت قرظة، فلما قفلت ركبت دابتها، فوقعت بها فسقطت عنها فماتت.
_________________
(١) أخرجه أبو داود: ٢/ ١٨٣؛ والترمذي: ٤- ١٥؛ وابن سعد في الطبقات الكبرى: ٨/ ١٢٦، ١٢٨؛ والبيهقي: ٧- ٩١، من طريق الزهري، قال: حدثني نبهان مولى أم سلمة، عن أم سلمة، قالت: كنت عند رسول الله ﷺ وعنده ميمونة، فأقبل ابن أم مكتوم، وذلك بعد أن أمر بالحجاب، فقال ﷺ: «احتجبا منه» فقلنا: يا رسول الله! أليس أعمى لا يبصرنا ولا يعرفنا؟! فقال: «أفعمياوان أنتما؟! ألستما تبصرانه؟!» . وقال الترمذي: «هذا حديث حسن صحيح» . وقوى الحافظ إسناده في (الفتح)، وفيه نظر؛ فإن نبهان هذا لم يوثقه غير ابن حبان، وهو معروف بتساهله في التوثيق كما بيّنه الحافظ نفسه في مقدمة (لسان الميزان)، ولهذا نراه في (التقريب) لم يوثق نبهان هذا، بل قال فيه: «مقبول»؛ أي: عند المتابعة «وليس له متابع على هذا الحديث»، فكلامه يقتضي أن هذا الحديث غير مقبول. وقد قال ابن عبد البر: إنه ليس ممن يحتج بحديثه، وإن حديثه هذا منكر، كما نقله ابن التركماني في (الجوهر النقي) .
[ ٤٤ ]
وذكر تحت عنوان (باب حمل النساء القرب إلى الناس في الغزو): أن عمر بن الخطاب قسم مروطا بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين! أعط هذا ابنة رسول الله ﵊ التي عندك- يريدون أم كلثوم بنت علي- فقال عمر: أمّ سليط أحق (وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﵊) قال عمر: فإنها كانت تزفر لنا القرب يوم (أحد)، أي تخيطها.
وذكر تحت عنوان (باب مداواة النساء الجرحى في الغزو)، عن الرّبيّع بنت معوّذ قالت: كنا مع النبي ﵊ نسقي، ونداوي الجرحى، ونرد القتلى إلى المدينة إلخ.
ولنفرض أنّ البخاري لم يرو هذه الأحاديث الصحيحة؛ أفكان حديث العمياوين يسلط على المجتمع، ويحجر به على النساء في دورهن فلا يخرجن من هذا السجن أبدا؟ إن حكما مثل هذا لا يعرف من القران؛ بل إن القران يجعل هذا الحكم عقوبة للنسوة اللاتي يرتكبن الفواحش.
وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفاحِشَةَ مِنْ نِسائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥) [النساء] .
لكنّ المسلمين لما استوعروا سبل التربية المهذّبة للذكور والإناث- بسبب انحرافهم عن القران- لجؤوا إلى السجن والقصر، فكان ما كان.
هجر المسلمون القران إلى الأحاديث.
ثم هجروا الأحاديث إلى أقوال الأئمة.
ثم هجروا أقوال الأئمة إلى أسلوب المقلّدين.
ثم هجروا المقلّدين وتزمّتهم إلى الجهّال وتخبّطهم.
وكان تطوّر الفكر الإسلامي على هذا النحو وبالا على الإسلام وأهله.
روى ابن عبد البر عن الضحاك بن مزاحم: «يأتي على الناس زمان يعلّق فيه المصحف حتى يعشش عليه العنكبوت، لا ينتفع بما فيه، وتكون أعمال الناس بالروايات والأحاديث» . وسبيل الرشد في هذه العماية أن نعود إلى القران، فنجعله دعامة حياتنا العقلية والروحية، فإذا وصلنا إلى درجة التشبّع منه، نظرنا في
[ ٤٥ ]
السنّة فانتفعنا بحكمة رسول الله ﵊ وسيرته وعبادته، وخلقه وحكمه، ولا يجوز أن يتكلّم في السنّة رجل قليل الخبرة بالقران، أو قليل الخبرة بالمرويات أو ضعيف البصر بمواقعها ومناسباتها.
[ ٤٦ ]
النبي ﷺ وخوارق العادات
جرت حياة الرسول ﵊- الخاصّة والعامة- على قوانين الكون المعتادة؛ فلم تخرج- في جملتها- عن هذه السنن القائمة الدائمة.
هو- من حيث إنه بشر- يجوع ويشبع، ويصحّ ويمرض، ويتعب ويستريح، ويحزن ويسر، ولكن الناس أنفسهم في هذه النواحي صنوف لا تجمعها قاعدة عامة، منهم المتهالك على ضروراته، فلو نقص حظه منها قليلا طاش لبّه، وخارت قواه، ومنهم الجلد الصبّار، يجزئه النزر اليسير، ويمضي لغايته رافع الرأس موطد العزم.
إن الالات التي تدار بالزيوت تتفاوت؛ منها الرديء الذي يستهلك أثقال الوقود ولا يجدي فتيلا، ومنها الجيد الذي يروع إنتاجه على قلة إمداده.
والبشر كذلك مع أبدانهم وضروراتها ومرفهاتها.
والمطالع لسيرة محمد بن عبد الله ﷺ يرى من طبيعة حياته الخاصة صلابة المعدن الذي صيغ منه بدنه صياغة أعجزت العمالقة، وأمكنت صاحبه من أن يحمل أعباء الحياة ومشاقّ الجهاد، ولأواء العيش، وهو منتصب مقدام.
نعم: هناك من العباقرة عمي، وصمّ، وممعودون، ومصدورون، غير أن العبقرية «١» شأن دون النبوة، ومن تمام نعمة الله على امرئ ما أن يرزق العافية من هذه الأدواء كلها، لتتم بهذه العافية السابغة العناصر التي تصحح نظرته إلى الحياة ومسلكه فيها.
وقد كان محمد ﵊- من هذه الناحية- بشرا كاملا.
وكانت حياته متسقة مع سنن الله الكونية في البطولات الممتازة.
_________________
(١) راجع كتابنا (عقيدة المسلم)، ص ١٩٩، دار القلم- دمشق.
[ ٤٧ ]
أما حياته العامة- رسولا يبلّغ عن الله ويربّي المؤمنين، ويقاوم الكافرين، ويدأب على نشر دعوته، حتى تؤتي ثمارها في الافاق، فلا شكّ أن القران العزيز هو مهادها وبناؤها.
ومع أن القران كتاب معجز، إلا أنه يقوم على إيقاظ المواهب العليا في الإنسان، فهو أشبه بالأحداث الجليلة التي تعرض لك فتحملك على التفكير بأصالة وبصر، ومن ثمّ فهو كتاب إنساني يعين الوعي العام على النضج والسداد.
إِنَّا جَعَلْناهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) [الزخرف] .
كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا [فصلت] .
والفارق بين توجيه العرب بالقران وتوجيه اليهود بنتق الجبل كالفارق بين صوت الإرشاد يهدي العاقل إلى الطريق، وسوط العذاب يلسع الدابة البليدة لتمضي إلى الأمام، فلا تسير خطوة إلا رمت بعجزها إلى الوراء خطوات.
وكان عبد الله بن رواحة ينشد:
وفينا رسول الله يتلو كتابه إذا انشقّ مكنون من الفجر ساطع
أرانا الهدى بعد العمى فقلوبنا به موقنات أنّ ما قال واقع
يبيت يجافي جنبه عن فراشه إذا استثقلت بالمشركين المضاجع
ومن المحققين من يرى أنّ القران هو المعجزة الفريدة لرسول الله ﵊، وهم يلحظون في هذا الحكم التعريف اللفظي للمعجزة، من أنها خارق للعادة مقرون بالتحدي، ولم يعرف هذا التحدي إلا بالقران «١» .
وقد ملنا إلى قريب من هذا الرأي «٢»، لا بالنظر إلى التعريف اللفظي للمعجزة، بل بالنظر إلى القيامة الذاتية للخوارق الاخرى بالنسبة إلى الأهداف الرفيعة التي جاء بها الإسلام.
على ألاصلة للعقيدة ولا للعمل بهذه البحوث، فالرجل الفاسد لا يغفر
_________________
(١) أما انشقاق القمر، والإسراء والمعراج، وتكثير الطعام، ونبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ، وحنين الجذع إليه، وغير ذلك من الخوارق، فسمّاها من لم يعتبر التحدي قيدا (معجزات)، وسماها من اعتبره قيدا (دلائل النبوة) وهو اختلاف في التسمية فقط، وقديما قالوا: لا مشاحّة في الاصطلاح. (ن) .
(٢) راجع كتابنا (عقيدة المسلم)، مبحث النبوّات، ص ١٨١، دار القلم- دمشق.
[ ٤٨ ]
له فساده إيمانه بأن الرسول ﵊ أظلته غمامة، أو كلّمه جماد، والرجل الصالح لا يغمز مكانته إنكاره لهذه الخوارق؛ فإن هذه البحوث ترجع إلى التقدير العلمي لأدلة الإثبات «١»، والتقويم المحض لما في الوقائع نفسها من معان، وليس للخطأ والصواب فيها مساس بإيمان.
وقد سرت في المسلمين لوثة شنعاء في نسبة الخوارق إلى الصالحين منهم، حتى كادت جمهرتهم تقرن بين علو المنزلة في الدين وخرق قوانين الأسباب والمسببات، وحتى جاء من المؤلفين في علم التوحيد من يقول:
وأثبتن للأوليا الكرامه ومن نفاها فانبذن كلامه!!
وصلة هذا الإثبات بعلم التوحيد كصلته بعلم النحو أو علم الفلك!! أي أنّ حقيقة الدين بعيدة عن هذه البحوث، سواء انتهت بالسلب أو بالإيجاب.
والخوارق التي يتهامس بها المفتونون لأوليائهم؛ هي تعبير سيّئ عن رذائل الكسل والحمق التي تكمن في طواياهم، كما أن الأحلام الطائشة التي تعتري النائم تعبير عن الاضطراب الذي يملأ نفسه، ويرهق أعصابه.
هذا فتح الباب الموصد من غير مفتاح، وهذا طار في الهواء بغير جناح، وهذا بال على حجر فانقلب ذهبا، وهذا اطّلع الغيب واتخذ عند الرحمن عهدا!.
وأمثال هذه السخافات كثير وهي تدلّ على جهل بحقيقة الدين وحقيقة الدنيا، وتدل على أن مروّجيها أضل عقولا وقلوبا من أن يعرفوا سيرة رسول الله ﵊، وسيرة أصحابه.
ما كان محمد ﵊ رجل خيال يتيه في مذاهبه، ثم يا بني حياته ودعوته على الخرافة. بل كان رجل حقائق؛ يبصر بعيدها كما يبصر قريبها، فإن أراد شيئا هيّأ له أسبابه وبذل في تهيئتها- على ضوء الواقع المر- أقصى ما في طاقته من حذر وجهد، وما فكّر قط ولا فكّر أحد من صحابته أن السماء تسعى له حيث يقعد، أو تنشط له حيث يكسل، أو تحتاط له حيث يفرّط، ولم تكن خوارق العادات ونواقض الأسباب والمسببات أساسا، ولا طلاء في بناء رجل عظيم أو أمة عظيمة.
_________________
(١) الخوارق نوعان: منها ما ثبت بالقران والسنّة المتواترة؛ فهذا إنكاره كفر، ومنها ما ثبت بدليل ظني، وهذا إن أنكره المنكر لعدم ثبوته عنده فلا يكفر. (ن) .
[ ٤٩ ]
إن محمدا وصحبه تعلّموا وعملوا، وخاصموا وسالموا، وانتصروا وانهزموا، ومدّوا شعاع دعوتهم إلى الافاق، وهم على كل شبر من الأرض يكافحون، لم ينخرم لهم قانون من قوانين الأرض، ولم تلن لهم سنة من سنن الحياة، بل إنهم تعبوا أكثر مما تعب أعداؤهم، وحملوا المغارم الباهظة في سبيل ربهم؛ فكانوا في ميدان تنازع البقاء أولى بالرسوخ والتمكين.
وقد لقّنهم الله ﷿ هذه الدروس الحازمة حتى لا يتوقّعوا محاباة من القدر في أيّ صدام، وإن كانوا أحصف رأيا من أن يتوقعوا هذا «١» .
قال الله لرسول ﷺ: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرائِكُمْ وَلْتَأْتِ طائِفَةٌ أُخْرى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً واحِدَةً وَلا جُناحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ [النساء: ١٠٢] .
فانظر: كيف يكلّفون- وهم في الصلاة وبين يدي الله- بأشدّ الحذر والانتباه! إن الله لم يدع أملا يخامر أنفسهم بأن الملائكة سوف تنزل لعونهم! إن لم يخدموا أنفسهم فلن يخدمهم أحد! ذلك هو خطاب الله لمحمد ﷺ وصحبه.
وعند ما ذهل المسلمون عن هذا الدرس في غزوة (أحد)؛ لطموا لطمة موجعة جندلت من أبطالهم سبعين، وأمضّهم خزي الهزيمة، فوقف زعيم الكفر يومئذ- أبو سفيان- يقول: اعل هبل
وأبلى النبي ﵊ بلاء شديدا لينقذ الموقف، وقاتل وقتل، وأصيب في نفسه.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم أحد: «اشتدّ غضب الله على قوم فعلوا بنبيّه هكذا- ويشير إلى رباعيته-، اشتدّ غضب الله على رجل يقتله
_________________
(١) الكرامة كأصل ثابتة بالكتاب والسنّة، كما حصل لأصحاب الكهف، وعزير وغيرهم، أما ما يحكيه بعض المتصوفة من كرامات تنسب لشيوخهم كالتي قصّ كثيرا منها الشعراني في طبقاته، فهذه ينطبق عليها قول الشيخ الغزالي. (ن) .
[ ٥٠ ]
رسول الله ﷺ في سبيل الله» «١» .
وعن أنس ﵁ أن رسول الله ﷺ كسرت رباعيته يوم أحد وشجّ رأسه، فجعل يسلت الدم عن وجهه ويقول: «كيف يفلح قوم شجّوا نبيّهم وكسروا رباعيته وهو يدعوهم إلى الله؟!»، فأنزل الله ﷿ قوله: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [ال عمران] «٢» .
أرأيت التفريط في أسباب النصر جلب شيئا غير الهزيمة؟! أو لو كان الذين انهزموا هم ممثلي التوحيد الحق؟! أو لو كان الذين انتصروا هم سدنة الوثنية المحضة؟!.
وكان النبي ﵊ إذا أراد غزوة ورّى بغيرها، ويقول:
«الحرب خدعة» «٣»، ومع قيامه بالأسباب على ما أوجب الله، واحترامه للقوانين الطبيعية التي تنظّم حياة البشر؛ مع ذلك فقد استطاعت بعض قبائل العرب أن تخدعه، وأن تستدرج طائفة من القرّاء من أفضل أصحابه ليقتلوهم عن اخرهم في بئر معونة «٤»، فما دلّت على مصارعهم إلا الطيور تحلّق في الجو مرفوفة على أشلاء الشهداء
إنّ هؤلاء الرجال الذي ذهبوا ضحية الغدر من أحب خلق الله إلى الله، ومع ذلك فما أذن لأحد منهم أن يطير بغير جناح، أو يتحول عن هذا القدر المتاح كما يفكّر متأخّرة المسلمين اليوم.
ولئن كان الحذر والحيطة من سنن النبوة؛ فإن الإعداد واستنفاد الجهد فيه من اكد هذه السنن، وبماذا تحسب محمدا ﵊ انتصر على الناس؟.
لقد أنضج رجاله بالإيمان كما ينضج الصيف بلهبه البطيء أطايب ثماره، فلمّا أرسلهم إلى أنحاء الدنيا طوّفوا بها، ولهم زئير كزئير العاصفة المكتسحة المهتاجة.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٩٨؛ ومسلم: ٥/ ١٧٩، في صحيحيهما.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الشيخان فيما تقدم أيضا.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ١/ ٤١١، بسند صحيح من حديث كعب بن مالك، وهو في الصحيحين بنحوه.
(٤) انظر: ص ٢٧٩ وما بعدها، من هذا الكتاب. (ن) .
[ ٥١ ]
بل إن الإسلام- من يوم بدئه- كان معركة يقودها الوحي، ولذلك شبّه الله بوادره الهامية بعاصفة ذات صواعق ورعود:
أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ مِنَ الصَّواعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكافِرِينَ (١٩) [البقرة] .
أترى للتراخي والتواكل ثغرة في هذه الصفوف المتزاحفة؟.
يا ويل مسلمي اليوم من انتظارهم لخوارق العادات في دنيا كشّرت عن أنيابها لاستئصال شأفتهم.
نحن لا ننكر أن هناك عجائب خارقة تقع للناس، بيد أنها تقع للمؤمن والكافر، والبر والفاجر؛ فلو أنّ رجلا سار على الماء دون أن تبتلّ قدماه؛ ما دلّ ذلك على صلاحه، لأنّ مناط الصلاح بما شرع الله من عمل وإيمان فحسب، وإثبات هذه الخوارق لأصحابها مسألة تاريخية بحتة لمن شاء تقصي العجائب، ولا ارتباط لها بأصل الإيمان والتكليف، وذلك- بداهة- غير المعجزات المشاهدة للمرسلين بصحة التبليغ عن الله، على أن النبوّات بما قارنها من خوارق قد انتهت مع الماضي البعيد، فليس للتحكك بها من جدوى- وقد علمت أنّ معجزة محمد بن عبد الله ﷺ لم تكن على غرار ما سبقها، بل كانت معجزة إنسانية عقلية دائمة، ثم نظم الله له حياته ودعوته وفق قوانين الأسباب والمسببات كما رأيت.
ولم يكن محمد ﷺ يعرف الغيب؛ كان كأيّ بشر اخر لا يدري ماذا يكسب غدا؟!.
ولا ينبغي أن ينتظر منه شيء من ذلك بعد أن انتهى إليه أمر الله:
قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَما مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١٨٨) [الأعراف] .
وربما اقترب منه من يضمر الشر ويظهر الود- وهو لا يعلم به- حتى تفضحه التجارب.
وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ [التوبة: ١٠١] .
وسيفاجأ يوم القيامة برجال تركهم وهو يعدّهم مؤمنين ثابتين، ثم تكشّفت
[ ٥٢ ]
الفتن عن سواد باطنهم وسوء عقباهم «١»، فيقول ما قال عيسى من قبل:
وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا ما دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ [المائدة: ١١٧] «٢» .
وقد يطلعه الله على بعض الغيوب لحكم خاصة، كما جاء في التنزيل الإنباء بهزيمة الفرس أمام الروم، بعد النصر الكبير الذي سبق لهم أن أحرزوه، وسارت بحديثه الركبان، وشمت له الوثنيون، وحزن له المسلمون مظاهرة منهم لأهل الكتاب.
وقد وردت أحاديث صحاح تحسب على ظاهرها كأنّ الرسول ﷺ يعرف ما يكون، مثل ما ورد عن عدي بن حاتم قال: بينما أنا عند رسول الله ﷺ إذ أتاه رجل، فشكا إليه الفاقة، ثم أتاه اخر فشكا إليه قطع السبيل، فقال: «يا عدي! هل رأيت الحيرة؟» قلت: لم أرها، وقد أنبئت عنها، فقال: «إن طالت بك حياة لترين الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالكعبة لا تخاف أحدا إلا الله» قلت في نفسي: فأين دعّار طيئ الذين سعروا في البلاد؟! «ولئن طالت بك حياة لتفتحن كنوز كسرى»، قلت: كسرى بن هرمز؟! قال: «كسرى بن هرمز!!» .
قال عدي: فرأيت الظعينة ترتحل من الحيرة حتى تطوف بالبيت لا تخاف إلا الله، وكنت فيمن افتتح كنوز كسرى بن هرمز «٣» .
والحق أن هذه الأحاديث وأشباهها لم تكن إخبارا بغيب «٤»، إنما كانت تصديقا لوعد الله بأن المستقبل للإسلام، وبأن هذا الدين سيسود المشارق والمغارب، فكانت تفسيرا من رسول الله ﷺ لقول الله في كتابه:
هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ [الفتح: ٢٨] .
_________________
(١) إشارة إلى حديث أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: «ليذادنّ رجال عن حوضي كما يذاد البعير الضال، فأناديهم: ألا هلم، فيقال: إنهم قد بدّلوا بعدك، فأقول: سحقا سحقا» . وللحديث روايات في الصحيحين عن ابن مسعود وأنس وأبي سعيد الخدري وسهل بن سعد ﵃. (ن) .
(٢) معنى هذا في (صحيح البخاري) في كتاب التفسير، من حديث ابن عباس ﵄.
(٣) أخرجه البخاري: ٦/ ٤٧٧- ٤٧٩، وغيره عن عدي.
(٤) بل هي من الإخبار بالغيب بإعلام الله تعالى إياه، والتأويل المذكور لا مبرر له ما دام أن المؤلف حفظه الله يسلّم بأصل الإعلام كما ذكر انفا، وفي هذا الحديث ما يشير إلى ذلك؛ إذ إنه قال: «إن طالت بك حياة » فهل هذا التحديد الدقيق للزمن يمكن أن يعرفه (الخبير)، إلا بإعلام اللطيف الخبير ﷾.
[ ٥٣ ]
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا [النور: ٥٥] .
وقريب من ذلك الأحاديث المنبئة عن الفتن.
إنّ الرجل الخبير بالأسواق لا يلبث- بعد استعراض يسير لأحوالها- حتى يصدر حكما صائبا عليها، والخبير بطوايا النّفوس يستطيع من نظرة خاطفة أن يستشف ما وراءها، ويستكشف خباياها، ومن ذلك قول الشاعر:
والألمعيّ الذي يظنّ بك الظنّ كأن قد رأى وقد سمعا
وكان محمد ﵊ خبيرا بالنفوس ومعادنها، والدنيا وأطوارها، والزمان وتقلّبه، والأديان الأولى وما عانت وعانى رجالها وهم يشقون طريقهم في الحياة، وعقول الأنبياء من ورائها فطر مجلوة، وإلهام لمّاح، فكيف بشيخ الأنبياء الذي تعهده القدر من نشأته ليحمل رسالة معجزتها في أسلوبها، وأسلوبها يقوم على ترقية الفطر وتفتيق الألباب!!.
إنّ هذا يجعله أشد الناس تقديرا للواقع، وانتظارا لما يفد به، هل يستطيع السائر في مناطق الشمال أن يقدّر خلوّ الجوّ من الضباب الداكن؟! أو هل يستطيع السائر في مناطق خط الاستواء ألا يتوقع عواصف القيظ؟! فكيف يليق بصاحب دين خطير أن يتناسى الفتن العارضة لتعاليم دينه ولرجاله، ما قرب منها وما بعد، ما ظهر منها وما بطن؟!.
لذلك كثر كلام الرسول ﷺ عن الفتن، وليس القصد الإخبار عنها، بل التحذير منها؛ تحدّث عن الفتن التي تلحق الأشخاص من اختلاف أفكارهم وتنافر أمزجتهم، وتحدّث عن الفتن التي تصيب القلوب من إقبال الدنيا والتحاسد عليها، وتحدّث عن الفتن التي تصيب الأمّة بعد أن يثوب الكفر من هول الهزائم التي مني بها، ويتماسك مرة أخرى بعد ما انحلّت عراه، فكان أن خوّف أصحابه من ذلك كله في أحاديث يطول سردها.
وأخطر هذه الفتن ما يصيب تعاليم الإسلام نفسها من ذبول واضمحلال.
فالصلاة تفقد روحها، وهو الخشوع، ثم يتاكل جسمها فتتحوّل نقرا سخيفا.
[ ٥٤ ]
والجهاد يفقد روحه، وهو الإخلاص، ثم يتحول انتهابا للغنائم، واستعبادا للأحرار. ثم تفتر حدته، ثم يبطل
والصيام ينتهي من صبر على الحرمان، وتأديب الغرائز المتطلّعة، إلى استعداد للولائم، ومضاعفة للنفقة
والحكم يتطوّر من خدمة الجمهور برضاه، إلى تألّه عليه عن بغي واستكراه، ثم يسقط ويضيع الحاكم والمحكوم معا.
وحتى محبة المسلمين لرسولهم ﷺ تتحوّل بعد موته إلى سوق حول قبره تضج بالصياح المنكر والهمهمة الحائرة.
عند ما زرت المدينة توجّهت إلى قبر الرسول الجليل ﷺ، وكانت المشاعر التي تنبعث من قلبي تطنّ في أذني، فلما تبيّنات لي معالم الضريح يمّمت شطره وأنا أتضاءل في نفسي، وكأني كرة تتدحرج تحت أقدام عملاق
وسلمت بالعبارة التي شرع الله، لم أزد عليها إلا بيتا من الشعر لم أدر ما وراءه، لما عراني من اضطراب غمغمت به شفتاي ولم تسمعه أذناي:
يا خير من دفنت في التّرب أعظمه فطاب من طيبهنّ القاع والأكم
ثم انصرفت
بيد أني لاحظت أمواجا تفد فتصرخ بكلام طويل؛ هذا يقرأ في كتاب، وهذا يسمع من حافظ، وهذا يشوّش على ذلك، والكلّ يشوش على المصلّين، وتتواكب هذه الوفود في هرج ومرج لا ينقطعان.
ألم يكن الرسول ﷺ يعني تلك الحال عند ما قال: «اللهم لا تجعل قبري بعدي وثنا يعبد»؟! «١» .
وما أن تعرفت أحوال العاكفين في المسجد والبادين، حتى كدت أدع الصلاة فيه، فإنّي أكره أشدّ الكراهية البدع والفوضى والجهل.
وتذكّرت قصة عروة بن الزبير لما بنى قصرا بوادي العقيق، وابتعد عن المدينة، فقال له الناس: قد جفوت مسجد رسول الله ﷺ!! فقال: إني رأيت
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٢/ ٢٤٦؛ وابن سعد في الطبقات: ٢/ ٢/ ٣٦، من حديث أبي هريرة، وسنده صحيح.
[ ٥٥ ]
مساجدكم لاهية، وأسواقكم لاغية، والفاحشة في فجاجكم عالية، وكان فيما هنالك عما أنتم فيه عافية. وقيل: إنه لما عوتب في ذلك، قال: وما بقي؟ إنما بقي شامت بنكبة، أو حاسد على نعمة!!.
نسأل الله العفو والعافية.
[ ٥٦ ]
٢