[ ٣٢٣ ]
عمرة الحديبية
جاء تفكير المسلمين في زيارة المسجد الحرام بداية لمرحلة متميزة في تاريخ دعوتهم، أليسوا يعالنون بعزمهم على دخول مكة، وهم الذين طردوا منها بالأمس وحوربوا، حيث استقرّ بهم النوى؟ وظلّت حالة الحرب قائمة بينهم وبين قريش، لم تسفر عن نتيجة حاسمة؟ فكيف ينوون العمرة في هذه الظروف ؟.
والجواب أنّ النبيّ ﷺ أراد بهذا النسك المنشود إقرار حقّ المسلمين في أداء عبادتهم، وإفهام المشركين أنّ المسجد الحرام ليس ملكا لقبيل يحتكر القيام عليه ويمكنه الصدّ عنه، فهو ميراث الخليل إبراهيم، والحج إليه واجب على كلّ من بلغه أذان أبي الأنبياء من قرون:
وَإِذْ بَوَّأْنا لِإِبْراهِيمَ مَكانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجالًا وَعَلى كُلِّ ضامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) [الحج] .
ومن ثمّ فليس يجوز لأهل مكة أن يحجبوا المسلمين عنه، ولئن استطاعوا قديما إقصاءهم، إنهم- بعد ما وقع من قتال- لن يصرّوا على خطئهم القديم.
وإحرام النبي ﷺ وصحبه بالعمرة فحسب- وهم يريدون دخول مكة- اية على الرغبة العميقة في السلم، وعلى الرغبة في نسيان الخصومات السابقة، وتأسيس علائق أهدأ وأرقّ.
ومتى يحدث هذا؟ بعد أن استفرغت قريش جهدها في إيذاء المسلمين، وبعد ما بدا فشلها الذريع في ذلك. لقد استمرّت بضع سنين تقاتل وتبذل من دمها ومالها لتهزم الإسلام، فلم ترجع اخر الأمر إلا بالخسائر الفادحة، والأزمات العضوض، على حين رسخت أقدام المسلمين، وعلت راياتهم، وانكمش عدوّهم، وها هم أولاء يخرجون إلى مكة عبّادا مخبتين، لا غزاة منتقمين.
أجل إنهم لا يبغون إلا أن ينالوا مثل ما لغيرهم من حق الاعتمار والحج،
[ ٣٢٥ ]
ولا يسوغ أن يحرموا من ذلك أبدا. وبذلك القصد السمح المهذب، استنفر رسول الله ﷺ جمهور المسلمين وأعراب البوادي، واذنهم أنه يريد العمرة ولا يريد قتالا، وساق أمامه الهدي الذي سيذبح ليطعمه فقراء مكة، الفقراء الذين حشدوا لاستئصاله يوم الأحزاب
أكان الكافرون برسالة محمد ﵊ يفقهون هذه النية ويقدّرون مكانة صاحبها؟.
لا إنهم بقوا على العهد بهم من فساد الضمير ونية السوء.
فالأعراب المنتشرون حول يثرب ومن على شاكلتهم من المنافقين، عرفوا أنّ أهل مكة سوف يقاتلون محمدا ﵊ أمرّ قتال، وأنه إذا أبى إلا زيارة البيت- كما أعلن- فلن تدعه قريش حتى تهلكه أو تهلك هي دون إبلاغه مأربه فهي عمرة محفوفة بالأخطار في نظرهم، والفرار منها أجدى!!.
ولو فرض أن الرسول ﵊ نجح في مقصده هذا، فالاعتذار إليه بعد عودته سهل:
سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرابِ شَغَلَتْنا أَمْوالُنا وَأَهْلُونا فَاسْتَغْفِرْ لَنا يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرادَ بِكُمْ نَفْعًا بَلْ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١١) بَلْ ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَنْقَلِبَ الرَّسُولُ وَالْمُؤْمِنُونَ إِلى أَهْلِيهِمْ أَبَدًا وَزُيِّنَ ذلِكَ فِي قُلُوبِكُمْ وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢) [الفتح] .
وخرج المؤمنون الواثقون مع رسول الله ﵊ وعددهم قريب من ألف وأربعمئة، وذلك في ذي القعدة من السنة السادسة للهجرة. وساروا ملبّين يطوون الطريق إلى البيت العتيق، فلمّا بلغوا (عسفان) - على مرحلتين من مكة- جاء الخبر إلى المسلمين أنّ قريشا خرجت عن بكرة أبيها، قد أقسمت ألّا يدخل بلدهم مسلم، وأنّ جيشهم استعدّ للنضال، يقود خيله خالد بن الوليد.
وبدأ شبح الحرب أمام الأعين يملأ هذه البقاع المحرمة بالدماء والأشلاء، والمسلمون لم يجيئوا لهذا، وما كان لأهل مكة أن يلجئوهم إليه. فقال رسول الله ﷺ: «يا ويح قريش لقد أكلتهم الحرب، ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا! وإن أظهرني الله عليهم دخلوا في الإسلام وافرين، وإن لم يفعلوا قاتلوا وبهم قوة، فما تظنّ قريش؟ فو الله
[ ٣٢٦ ]
لا أزال أجاهد على الّذي بعثني الله به حتى يظهره الله أو تنفرد هذه السالفة» .
يعني: الموت- «١» .
[عدم الرغبة في القتال]:
ومضيّا مع الرغبة عن القتال، وتخليصا للنسك المقصود من شائبة تحدّ سأل رسول الله ﵊: «من رجل يخرج بنا على طريق غير طريقهم الّتي هم بها؟» «٢» .
فجاء رجل من أسلم، فسلك بهم طريقا وعرا أجرد شقّ على المسلمين اجتيازه، ثم أفضى بهم إلى أرض سهلة عند منقطع الوادي، انثنى المسلمون عندها يمينا ليهبطوا عند الحديبية أسفل مكة!.
ولم تخف هذه الحركة عن فرسان قريش، فتراكضوا راجعين إلى مكة كي يحولوا بين المسلمين ودخولها.
[مفاوضات]:
ومضى النبي ﵊ بأصحابه في وجهتهم المحددة، فإذا بناقته تبرك ولا تجاوز مكانها! ودهش النّاس لما عراها فقالوا: خلأت القصواء! فقال النبيّ ﷺ: «ما خلأت، وما هو لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل عن مكّة! لا تدعوني قريش اليوم إلى خطة يسألونني فيها صلة الرّحم إلا أعطيتهم إيّاها»، ثم أمر الناس أن يحلّوا حيث انتهى بالناقة المسير «٣» .
ونزل المسلمون كما أمروا، ينتظرون من الغد القريب أن تفتح لهم أبواب مكة فيطوفوا ويسعوا، ثم يعودوا وافرين رابحين، إنّهم واثقون من إدراك بغيتهم،
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن إسحاق بسند صحيح، عن مسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، ومن طريقه أخرجه أحمد: ٤/ ٣٢٣- ٣٢٦؛ وابن هشام: ٢/ ٢٢٦، وهو قطعة من حديث طويل في صلح الحديبية؛ وقد أخرجه البخاري: ٥/ ٣٥١- ٣٧١؛ وأحمد: ٤/ ٣٢٨- ٣٣١، من طريق أخرى عنهما بطوله. لكن عند البخاري وكذا أحمد: أنّ هذا القول صدر منه ﷺ بعد قصة الناقة الاتية عند مجيء بديل بن ورقاء إليه ﷺ وإخباره إياه أنه لم يأت لحرب، وهذا صحّ قطعا من رواية ابن إسحاق.
(٢) حديث صحيح، رواه ابن إسحاق في حديث الحديبية المشار إليه انفا.
(٣) حديث صحيح من حديث الحديبية عند البخاري وغيره.
[ ٣٢٧ ]
ولماذا يشكّون، وقد سمعوا من رسول الله ﷺ بشريات كثيرة بأنهم سيدخلون المسجد الحرام امنين، محلّقين رؤوسهم ومقصّرين؟.
أما قريش فقد ذعرت لهذا الزحف المباغت، وفكّرت جادّة في إبعاده عن مكة مهما كلّفها من مغارم، وذلك أنّها نظرت إلى الأمر من زاوية ضيقة، فرأت أنّ مهابتها ستنزع من أفئدة الناس قاطبة إذا دخل المسلمون بلدهم على هذا النحو بعد ما وقع من حروب طاحنة.
غير أنّ قريشا تعرف حروجة موقفها إن نشب قتال جديد.
فحجّتها فيه أمام نفسها وأمام أحلافها داحضة، وقد ينتهي بكارثة تودي بكيانها كلّه، ولهذا سيّرت الوسطاء يفاوضون محمّدا ﷺ، علّهم ينتهون معه إلى مخلص من هذه الورطة!!.
وكان أول من جاءه (بديل بن ورقاء) في رجال من خزاعة، فكلّموه وسألوه: ما الذي جاء به؟ فأخبرهم أنه لم يأت يريد حربا، وإنما جاء زائرا للبيت ومعظّما حرمته.
فرجعوا إلى قريش يقولون: يا معشر قريش! إنّكم تعجلون على محمد، إن محمدا لم يأت لقتال، وإنّما جاء زائرا لهذا البيت. فاتّهموهم وجبّهوهم، وقالوا:
وإن كان جاء لا يريد قتالا فو الله لا يدخلها علينا عنوة أبدا، ولا تحدّث بذلك عنا العرب؟.
ثم بعثت قريش (مكرز بن حفص) فعاد بما عاد به بديل الخزاعي.
ثم بعثوا سيّد الأحابيش (الحليس بن علقمة) فلمّا راه رسول الله ﷺ قال:
«إنّ هذا من قوم يتألّهون، فابعثوا الهدي في وجهه حتّى يراه» «١» .
فلمّا رأى الهدي يسيل عليه من عرض الوادي، عاد إلى قريش قبل أن يصل إلى رسول الله ﷺ إعظاما لما شاهد، فقال لهم ذلك، فأجابوه: اجلس إنّما أنت أعرابيّ لا علم لك، فاستشاط الحليس وصاح: يا معشر قريش! والله ما على هذا حالفناكم، ولا على هذا عاقدناكم، أيصدّ عن بيت الله من جاء معظّما له؟ والذي نفس الحليس بيده، لتخلّنّ بين محمّد وبين ما جاء له، أو لأنفرنّ بالأحابيش نفرة رجل واحد.. فقالوا: مه، كفّ عنا يا حليس حتى نأخذ لأنفسنا ما نرضى به.
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن إسحاق في حديث الحديبية.
[ ٣٢٨ ]
ثم بعثوا إلى رسول الله ﷺ (عروة بن مسعود)، وكره عروة أن يعود من مفاوضة المسلمين فيسمعه رجال قريش ما يسوءه فقال: يا معشر قريش! إنّي قد رأيت ما يلقى منكم من بعثتموه إلى محمد من التعنيف وسوء اللفظ، وقد عرفتم أنّكم والد وأني ولد، وقد سمعت بالذي نابكم، فجمعت من أطاعني من قومي، ثم جئتكم حتى اسيتكم بنفسي. قالوا: صدقت ما أنت عندنا بمتّهم.
فخرج حتى أتى رسول الله ﷺ، فجلس بين يديه، ثم قال: يا محمد! أجمعت أوشاب الناس، ثم جئت إلى بيضتك لتفضّها- إلى قومك لتجتاحهم-؟ إنّها قريش خرجت معها العوذ المطافيل- يقصد النساء والأطفال- قد لبسوا جلود النمور، يعاهدون الله لا تدخلها عليهم أبدا، وايم الله، لكأنّي بهؤلاء قد انكشفوا عنك غدا!!.
وكان أبو بكر خلف رسول الله ﷺ يسمع، فلمّا وصل في حديثه إلى التعريض بالمسلمين قال له هازئا: امصص بظر اللات! أنحن ننكشف عنه؟!.
فقال عروة: من هذا يا محمد؟ قال: «هذا ابن أبي قحافة» ! فردّ عروة على أبي بكر يقول: أما والله لولا يد كانت لك عندي لكافأتك بها، ولكن هذه بهذه.
وعاود عروة حديثه مع رسول الله ﷺ، وجعل يتناول لحيته وهو يكلّمه- كأنّه ينبهه إلى خطورة ما سيقع بقومه- إلا أنّ المغيرة بن شعبة كان يقرع يده كلّما فعل ذلك، وهو يقول: اكفف يدك عن وجه رسول الله قبل ألاتصل إليك، فقال عروة له: ويحك ما أفظّك وأغلظك!! ثم سأل النبيّ: من هذا يا محمد؟.
فأجاب الرسول ﷺ وهو يبتسم: «هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة!!» فقال عروة للمغيرة: أي غدر، هل غسلت سوءتك إلا بالأمس «١»؟!.
وقد ردّ النبيّ ﵊ على عروة بما يقطع اللجاجة وينفي الشبهة: (إنّه لا يبغي حربا، وإنما يريد أن يزور البيت كما يزوره غيره، فلا يلقى صادّا ولا رادّا) .
ورجع عروة ينوّه بإجلال الصحابة لرسول الله ﷺ، ويقول: إني والله ما رأيت ملكا في قومه قطّ مثل محمد في أصحابه، لقد رأيت قوما لا يسلمونه لشيء أبدا، فروا رأيكم «٢» .
_________________
(١) كان المغيرة قبل إسلامه داهية فاتكا، قتل نفرا، فوداهم عروة إطفاء للفتنة.
(٢) هذا كله من تمام قصة الحديبية عند ابن إسحاق. وهو عند البخاري بنحوه.
[ ٣٢٩ ]
[محاولات للاعتداء]:
إنّ الرجال الذين تكلموا باسم قريش في هذه المفاوضات لم تنهض لهم حجة، بل إنهم عادوا إلى أهل مكة وهم أميل إلى ملاينة المسلمين، وتمكينهم من أداء نسكهم، ولم يلحف بعضهم في التصريح بذلك إلا لما لمسه من كبرياء قريش وعزوفها عن الحق بعد ما تبيّن. إنّ النزق استبدّ بهم، وأطاش ألبابهم، فقرّروا ألّا يدخل المسلمون البلد الحرام، وليكن ما يكون..
وبقي المسلمون في أماكنهم، يلتمسون للمشكلة حلولا أخرى أفضل من اقتحام مكة في هجوم عام، وحاول فريق من السفهاء أن يشعل المعركة، لكنّ المسلمين لزموا الهدوء وملكوا أعصابهم.
فعن ابن عباس أن قريشا بعثوا أربعين رجلا منهم أو خمسين، وأمروهم أن يطيفوا بعسكر رسول الله ﷺ ليصيبوا لهم من أصحابه أحدا، فأخذوا، وأتي بهم إلى النبي ﵊، فعفا عنهم، وخلّى سبيلهم، وكانوا رموا في العسكر بالحجارة والنبل «١» .
وفي فظاظة قريش وسماحة المسلمين نزل قوله ﷿:
إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى وَكانُوا أَحَقَّ بِها وَأَهْلَها وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٢٦) [الفتح] .
ومن السكينة التي تنزلت على المسلمين أنّ رسل قريش كانت تغدو على رسول الله ﷺ وتروح فلا يعترضها أحد، أما رسل المسلمين إلى قريش فقد تعرّضت للهلاك، كاد خراش بن أمية الخزاعي يقتل، لولا أن أنقذه الأحابيش، فرجع وقد عقر جمله، وكان النبي ﵊ أرسله ليبلّغ أهل مكة حقيقة مجيئه، وأنّه يريد العبادة لا الحرب..
والرسل لا تقتل، بيد أنّ غليان قريش أفقدها الوعي.
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٢٨، عن ابن إسحاق، وفيه رجل لم يسم، ورواه نحوه مختصرا أحمد: ٤/ ٨٦- ٨٧، من حديث عبد الله بن مغافل بسند صحيح وفيه: أنّ عدد المشركين ثلاثون شابا؛ وفيهم نزل قول تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الاية [الفتح: ٢٤] .
[ ٣٣٠ ]
والرّجل إذا فقد وعيه لا يبالي أن ينتحر، وقد انحرف كبراء مكة عن الصراط السوي، ولم يكترثوا للمصير القائم الذي ينتظرهم إذا ركبوا رؤوسهم، فلو اصطدم المسلمون بهم ما قامت لهم قائمة، ولأصيبت حرمات مكة في صميمها.
وَلَوْ قاتَلَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوَلَّوُا الْأَدْبارَ ثُمَّ لا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا (٢٢) سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلُ وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا (٢٣) [الفتح] .
لكنّ رسول الله ﷺ كره أن تجري الأمور على هذا النحو، ورأى أن يعيد محاولاته لإقناع أهل مكة، بتركه يزور البيت ثم يعود لشأنه. فدعا «١» عمر بن الخطاب ليذهب إلى القوم يحدّثهم بما خرج المسلمون فيه، فقال عمر:
يا رسول الله! ليس بمكة أحد من بني عدي يغضب لي إن أوذيت، فأرسل عثمان بن عفان، فإنّ عشيرته لا تزال بمكة، وإنه مبلّغ عنك ما أردت.
ودخل (عثمان) مكة في جوار قريبه (أبان بن سعيد بن العاص) واستطاع أن يبلغ رسالته كاملة، وأن يفهم من لقيه الحقيقة الكريمة التي جاء المسلمون قاطبة بها، فكان الردّ الذي حظي به عثمان: إن شئت أن تطوف بالبيت فطف.
فقال: ما كنت لأفعل حتّى يطوف به رسول الله ﷺ!!.
ومما يذكر هنا أنّ مكة لم تخل من رجال مؤمنين ونساء مؤمنات.
كانت قلوبهم معلّقة بالمسلمين المحجوزين خارج مكة.
لقد انتشر الإسلام سرا في بيوت كثيرة، طالما تشوّقت إلى اليوم الذي تستطيع فيه أن تظهر إيمانها، وتتخلّص من سطوة الكفر عليها.
ويظهر أنّ عثمان اتصل بأولئك النفر المؤمن، وبشّرهم بقرب الفتح، فرأت قريش أنّ عثمان قد عدا الحدود المعهودة، وأمرت باحتباسه عندها، وشاع- لدى المسلمين- أنّ عثمان قتل.
[بيعة الرضوان]:
وحين بلغت هذه الشائعة مسامع النبي ﵊ قال: لا نبرح حتى نناجز القوم «٢» .
_________________
(١) من تمام القصة عند ابن إسحاق.
(٢) ضعيف، أخرجه ابن إسحاق؛ وعند ابن هشام: ٢/ ٢٢٩، عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا.
[ ٣٣١ ]
ودعا الناس إلى مبايعته، وكان تحت شجرة متشابكة الغصون، فهرع أصحابه إليه يبايعونه على الموت، أو على ألايفروا.
حدّث جابر بن عبد الله بعد ما كفّ بصره قال: قال لنا رسول الله ﷺ يوم الحديبية: «أنتم خير أهل الأرض»، وكنّا ألفا وأربعمئة، ولو كنت أبصر اليوم لأريتكم مكان الشجرة «١» .
وروي عن جابر: أنّ عبد الحاطب جاء يشكوه إلى رسول الله ﷺ ويقول:
ليدخلنّ حاطب النار، فقال له الرسول ﷺ: «كذبت، لا يدخلها، شهد بدرا والحديبية «٢»»، وتسمّى هذه البيعة (بيعة الرضوان) إشارة لقول الله في أصحابها:
لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا (١٨) [الفتح] .
وقد قطعت الشجرة ونسي مكانها، وذلك خير، فلو بقيت لضربت عليها قبة وشدّت إليها الرحال، فإنّ الرعاع سراع التعلق بالمواد والاثار التي تقطعهم عن الله.
عن طارق بن عبد الرحمن: انطلقت حاجّا، فمررت بقوم يصلّون، فقلت:
ما هذا المسجد؟ قالوا: هذه الشجرة حيث بايع النبيّ ﵊ بيعة الرضوان. فأتيت سعيد بن المسيّب فأخبرته، فقال سعيد: حدثني أبي أنّه كان فيمن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة، قال: فلمّا كان العام المقبل نسيناها، فلم نقدر عليها، ثم قال سعيد: إنّ أصحاب محمد لم يعلموها! وعلمتموها أنتم؟! فأنتم أعلم!.
وعند أخذ البيعة من المسلمين ضرب رسول الله ﷺ بإحدى يديه على الاخرى وقال: «هذه لعثمان» «٣» .
على أنّ عثمان لم يطل احتباسه، فإنّ قريشا جزعت أن تصيبه بأذى وهو من سرواتها بمكان، وسارعت إلى بعث (سهيل بن عمرو) ليعقد مع محمّد صلحا.
ولم يكن يعنيها في هذا الصلح إلا أن يرجع المسلمون هذا العام، على أن
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٥٧.
(٢) صحيح، أخرجه مسلم: ٧/ ١٦٩، وتصديره ب (روي) يشعر بضعفه؛ فليحذف.
(٣) صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٢٩١.
[ ٣٣٢ ]
يعودوا بعد إذا شاؤوا، وذلك إبقاء على مكانة قريش في العرب!!.
[شروط صلح الحديبية]:
واستقبل رسول الله ﷺ مفاوض قريش وهو أرغب ما يكون في موادعة القوم، وإن كان قادرا على تحكيم السّيف، وإنزال خصومه على منطقه الذي اثروه مذ صدّوه عن البيت، وتكلّم (سهيل) فأطال، وعرض الشروط التي يتمّ في نطاقها الصلح، ووافق عليها النبيّ ﷺ، ولم يبق إلا أن تسجّل في وثيقة يمضيها الفريقان.
وحدثت في معسكر المسلمين دهشة عامة للطريقة التي سلكها رسول الله ﷺ مع أوليائه ومع أعدائه.
فأمّا مع أعدائه، فقد ذهب في ملاينتهم إلى حدود بعيدة، وأولى به أن يقسو عليهم.
وأما مع أصحابه- فإنّه على غير ما ألفوا منه- لم يستشرهم في هذا الاتفاق المقترح.
مع أنّه في شؤون الحرب والسلم التي سلفت كان يرجع إليهم، وربما نزل على رأيهم وهو له كاره، لكنّه اليوم ينفرد بالعمل، ويقرّ ما يكرهون على غير ضرورة ملجئة..
وقد شرحنا في غير هذا المكان «١» موقف النبي ﵊ في عمرة الحديبية خاصّة، وأبنّا أنّ تقدير الأمور لم يترك للنظر المعتاد، بل كان للإلهام الأعلى توجيهه الصائب.
إنّ الله الذي عقل الناقة أن تتابع سيرها لا يأذن لهذه الكتائب أن توالي زحفها، وتشرع رماحها، وقد تحرز نصرا أقلّ على الإسلام- في جدواه- من سلم مبارك النتائج.
قال الزهري: فلما التأم الأمر، ولم يبق إلا الكتاب، وثب عمر بن الخطاب فأتى أبا بكر فقال: يا أبا بكر! أليس برسول الله؟ قال: بلى. قال:
أولسنا بالمسلمين؟ قال: بلى. قال: أوليسوا بالمشركين!. قال: بلى. قال:
فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟!.
_________________
(١) في كتابنا: (الإسلام والاستبداد السياسي)، وهو من منشورات دار القلم- دمشق.
[ ٣٣٣ ]
قال أبو بكر: يا عمر! الزم غرزه- أمره- فإنّي أشهد أنّه رسول الله. قال عمر: وأنا أشهد أنه رسول الله!.
ثم أتى رسول الله ﷺ فقال: ألست برسول الله! قال: «بلى» . قال: أولسنا بالمسلمين! قال: «بلى» . قال: أوليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» . قال: فعلام نعطي الدنيّة في ديننا؟!.
قال: «أنا عبد الله ورسوله، ولن أخالف أمره، ولن يضيّعني» «١» .
ثم دعا رسول الله ﷺ عليّ بن أبي طالب، فقال: «اكتب بسم الله الرّحمن الرّحيم» . فقال سهيل: لا أعرف هذا، ولكن اكتب: باسمك اللهم، فقال رسول الله ﷺ: «اكتب باسمك اللهمّ»، فكتبها، ثم قال: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد رسول الله سهيل بن عمرو» . فقال سهيل: لو شهدت أنك رسول الله لم أقاتلك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك! فقال رسول الله ﷺ: «اكتب: هذا ما صالح عليه محمّد بن عبد الله سهيل بن عمرو»:
اصطلحا على وضع الحرب عن النّاس عشر سنين، يأمن فيها النّاس، ويكفّ بعضهم عن بعض، على أنه من أتى محمّدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليهم، ومن جاء قريشا ممّن مع محمّد لم يردوه عليه!.
وإنّ بيننا عيبة مكفوفة- صدورا منطوية على ما فيها من خير- وأنّه لا إسلال ولا إغلال- لا سرقة ولا خيانة- وأنّه من أحبّ أن يدخل في عقد محمّد وعهده دخل فيه، ومن أحبّ أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه.
وأنّك ترجع عنّا عامك هذا، فلا تدخل علينا مكة، وأنّه إذا كان عام قابل خرجنا عنك، فدخلتها بأصحابك، فأقمت بها ثلاثا معك سلاح الراكب السيوف في القرب لا تدخلها بغيرها.
فبينا رسول الله ﷺ يكتب الكتاب، إذ جاء ابن المفاوض عن قريش نفسه! ..
جاء أبو جندل بن سهيل بن عمرو يريد الالتحاق بالمسلمين، فقد دخل في دين الله، ولقي العذاب من أهله، وها هو ذا يرسف في الحديد، وتثقل به قيوده.
_________________
(١) حديث صحيح، وهو من تمام قصة الحديبية، والزهريّ أحد رجال إسناده، وليس من مرسلاته، خلافا لما يبدو من السياق. وقد رواه موصولا أحمد من طريق ابن إسحاق. وهو عند البخاري وأحمد من طريق أخرى بنحوه.
[ ٣٣٤ ]
ما كان المسلمون يشكّون في دخول مكة؛ فإنّ الرسول ﷺ قصّ عليهم رؤيا أنّه دخلها، وطوّف بالبيت العتيق فيها، فلمّا رأوا ما رأوا من شروط الهدنة، وأمر الصلح والعودة، وتعنّت سهيل مع النبي ﷺ، وافتياته على شخصه، دخل عليهم من ذلك كلّه أمر عظيم، حتى كادوا يهلكون! ثم جاءت قصة أبي جندل فزادت الطين بلّة.
ورأى سهيل ابنه، فقام إليه يضرب وجهه، وأخذ بتلبيبه، ثم قال: يا محمد! قد لجّت القضية بيني وبينك قبل أن يأتيك هذا!! قال: «صدقت» . فجعل سهيل ينتر ابنه بتلبيبه ويجرّه ليردّه إلى قريش، وجعل أبو جندل يصرخ بأعلى صوته:
يا معشر المسلمين! أردّ إلى المشركين يفتنونني في ديني!.
فزاد ذلك النّاس إلى ما بهم!.
وقال رسول الله ﷺ: «يا أبا جندل! اصبر واحتسب، فإنّ الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، إنا قد عقدنا بيننا وبين القوم صلحا، وأعطيناهم على ذلك وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم» .
ونفذت القضية، وأعلنت خزاعة دخولها في عقد المسلمين، وأعلنت بنو بكر دخولها في عقد قريش، ومضت شروط الهدنة «١» ..!.
[ردة فعل المسلمين على الشروط]:
والنظرة الأولى لهذه الشروط تدل على أنها مجحفة بحقوق المسلمين، مرضية لكبرياء قريش وحميتها الجاهلية، وقد تساءل أصحاب رسول الله ﷺ مستنكرين:
لماذا يردون إلى قريش من جاء منهم مسلما، ولا تردّ قريش من جاءها من المسلمين مرتدّا؟.
وفسّر رسول الله ﷺ هذا الشرط بأنّ من ذهب إليهم كافرا فلا ردّه الله، وقد وقي المسلمون خبثه، أما المستضعفون من المسلمين، فستعيى قريش بأمرهم، كما عجزت عن سابقيهم، وستكون العقبى لهم.
ألم يكن النبي ﷺ ومن معه مستضعفين؟ ثم نصرهم الله، وخذل قريشا أمامهم؟!.
_________________
(١) هذا كله من تمام قصة الحديبية عند ابن إسحاق، والسياق له، والبخاري وأحمد.
[ ٣٣٥ ]
ثم هاجت في نفوس المسلمين مرة أخرى خيبة الأمل، لقد حدّثوا أنهم داخلون في المسجد الحرام، وها هم أولاء قد ارتدوا عنه، لكنّ رسول الله ﷺ بيّن أنهم عائدون إلى دخوله كما وعدوا، فهو لم يذكر لهم أنّهم سيطوفون به هذا العام.
وعرا المسلمين وجوم ثقيل لهذه النهاية الكئيبة، وزاغت نظراتهم لما ركبهم من الحرج المفاجئ، فلمّا فرغ الرسول ﷺ من قضية الكتاب، قال لهم: «قوموا فانحروا ثمّ احلقوا» - ليتحللوا من عمرتهم، ويعودوا إلى المدينة- فلم يقم منهم رجل! حتى قال ذلك ثلاث مرات! فلمّا لم يقم منهم أحد دخل على أم سلمة، فذكر لها ما لقي من النّاس، فقالت أم سلمة: يا رسول الله! أتحبّ ذلك؟ اخرج، ثمّ لا تكلّم أحدا منهم كلمة حتى تنحر بدنك، وتدعو حالقك فيحلقك.
فخرج، فلم يكلّم أحدا منهم حتى فعل ذلك.
فلمّا رأى المسلمون ما صنع النبي ﷺ زاح عنهم الذهول، وأحسوا خطر المعصية لأمره، فقاموا- عجلين- ينحرون هداهم، ويحلق بعضهم بعضا، حتى كاد بعضهم يقتل الاخر لفرط الغمّ «١» .
[أحداث ما بعد الحديبية]:
ليت نيات الخير والشر تؤتي ثمارها الحلوة والمرة بالسرعة التي ظهرت في عهد الحديبية الانف، إنّه لم تمر أيام طوال على إبرامه حتى كان تشدد المشركين فيه وبالا عليهم، فأخذوا يتشكون من النصوص التي فرضوها أو فرضتها حميتهم الغليظة.
ونظر المسلمون كذلك مبهورين إلى عواقب التسامح البعيد الذي أبداه النبي ﷺ، فوجدوا من بركاته ما ألهج ألسنتهم بالحمد!.
لقد انفرط عقد الكفار في الجزيرة منذ تمّ هذا العقد، فإنّ قريشا كانت تعتبر رأس الكفر وحاملة لواء التمرد والتحدي للدين الجديد، وعند ما شاع نبأ تعاهدها مع المسلمين خمدت فتن المنافقين الذين يعملون لها، وتبعثرت القبائل الوثنية في أنحاء الجزيرة؛ وخصوصا لأنّ قريشا جمدت على سياستها النفعية واهتمت
_________________
(١) صحيح، وهو من تمام قصة الحديبية عند البخاري وأحمد.
[ ٣٣٦ ]
بشؤونها التجارية، فلم تجتهد في ضمّ أحلاف لها، في الوقت الذي اتسع فيه نشاط المسلمين الثقافي والسياسي والعسكري، ونجحت دعايتهم في تألف قبائل غفيرة، وإدخالها في الإسلام.
وكثيرون من المؤرّخين يعدّ صلح الحديبية فتحا، بل إنّ الزهري يقول فيه:
ما فتح في الإسلام فتح قبله كان أعظم منه، إنما كان القتال حيث التقى الناس، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، والتقوا فتفاوضوا في الحديث والمنازعة، لم يكلّم أحد بالإسلام يعقل شيئا إلا دخل فيه، ولقد دخل في تيناك السنتين- بعد الحديبية- مثل ما كان في الإسلام قبل ذلك أو أكثر.
قال ابن هشام: والدليل على قول الزهري أنّ رسول الله ﷺ خرج إلى الحديبية في ألف وأربعمئة، ثم خرج عام فتح مكة- بعد ذلك بسنتين- في عشرة الاف.
أما المسلمون المعذّبون في مكة، فقد فرّ منهم أبو بصير عبيد بن أسيد، وهاجر إلى المدينة يبغي المقام فيها مع المسلمين، فأرسلت قريش وراءه اثنين من رجالها يرجعان به إليها تنفيذا لنصوص المعاهدة، فقال رسول الله ﷺ: «يا أبا بصير! إنّا قد أعطينا هؤلاء القوم ما قد علمت، ولا يصلح لنا في ديننا الغدر! وإنّ الله جاعل لك ومن معك من المستضعفين فرجا ومخرجا، فانطلق إلى قومك» . وحزن أبو بصير، وقال: يا رسول الله! أتردني إلى المشركين ليفتنونني في ديني؟ فلم يزد النبي عن تكرار رجائه في الفرج القريب. ثم أرسل أبا بصير مع القرشيّين، ليعودوا جميعا إلى مكة «١» .
ورفض أبو بصير أن يستسلم لهذا المصير، فاحتال أثناء الطريق على سيف أحد الحارسين، وقتله به، ففرّ الاخر مذعورا، وقفل راجعا إلى المدينة يخبر رسول الله ﷺ بما وقع لصاحبه، وإذا أبو بصير يطلع متوشّحا السيف، يقول: يا رسول الله! وفّت ذمتك، وأدّى الله عنك، أسلمتني بيد القوم وامتنعت بديني أن أفتن فيه أو يعبث بي.
_________________
(١) رواه ابن إسحاق بدون إسناد، وعنه ابن هشام: ٢/ ٢٢٣؛ وقد أخرجه البخاري مختصرا على قوله: فجاءه أبو بصير رجل من قريش وهو مسلم فأرسلوا في طلبه رجلين، فقالوا: «العهد الذي جعلت لنا»، فدفعه إلى الرجلين.
[ ٣٣٧ ]
فقال الرسول ﵊: «ويل أمّه، مسعر حرب لو كان معه رجال» «١» .
وأدرك أبو بصير أنّه لا مقام له في المدينة، ولا مأمن له في مكة، فانطلق إلى ساحل البحر، في ناحية تدعى العيص، وشرع يهدّد قوافل قريش المارة بطريق الساحل، وسمع المسلمون بمكة عن مقامه، وعن كلمة الرسول ﷺ فيه: «مسعر حرب لو كان معه رجال» . فتلاحقوا بأبي بصير، يشدّون أزره، حتى اجتمع إليه قريب من سبعين ثائرا، فيهم أبو جندل بن سهيل بن عمرو.
وألّف أولئك المعذّبون الناقمون جيشا، ضيّق الخناق على قريش، فلا يظفر بأحد منهم إلا قتله، ولا تمرّ بهم عير إلا اقتطعوها.
وإذا قريش ترسل إلى رسول الله ﷺ تناشده الرّحم أن يؤوي إليه هؤلاء فلا حاجة لها بهم.
وبذلك نزلت قريش عن الشرط الذي أملته تعنتا، وقبله المسلمون كارهين.
وقصة أبي بصير وأبي جندل وإخوانهما لها دلالة مثيرة، فهي قصة العقيدة المكافحة في لؤم من الأعداء، ووحشة من الأصحاب! وهي توضّح أنّ الإيمان بالله أخذ طريقه إلى قلوب أولئك النفر مجرّدا من كل شيء إلا سلامة جوهره.
إنّهم قد فقدوا الأمداد الروحية التي تجيئهم من مخالطة الرسول ﷺ، والإصغاء إليه، وهو يتلو وينصح، بيد أنهم عوّضوا عنها من الاتصال بكتابه والاقتباس من ادابه، فكانوا- في اهتدائهم للحق، وإبائهم للضيم، وإيثارهم للمغامرة- مثلا حسنى للإسلام المكافح العزيز.
ولم يعد أبو بصير إلى رسول الله ﷺ، ذلك أن الإذن بالمقام معه جاء وهو يحتضر، وروى موسى بن عقبة أنّ رجال أبي بصير صادروا قافلة كان فيها أبو العاص بن الربيع صهر النبي ﷺ- وهو لما يدخل الإسلام بعد- وأسروا من فيها ما عدا أبا العاص- لمكانته- فذهب أبو العاص إلى زينب امرأته، وشكا لها ما وقع لأصحابه، وما ضاع لهم من أموال، وحدّثت زينب رسول الله ﷺ في ذلك، فقام رسول الله ﷺ فخطب النّاس قائلا: «إنّا صاهرنا أناسا، وصاهرنا أبا العاص، فنعم الصّهر وجدناه، وإنّه أقبل من الشام في أصحاب له من قريش، فأخذهم أبو
_________________
(١) صحيح: وهو من تمام القصة عند البخاري وأحمد.
[ ٣٣٨ ]
جندل وأبو بصير، وأخذوا ما كان معهم؛ وإنّ زينب بنت رسول الله سألتني أن أجيرهم، فهل أنتم مجيرون أبا العاص وأصحابه؟» فقال المسلمون: نعم «١» .
وبلغ هذا الحوار أبا جندل، فأفرجوا عن الأسرى، وردّوا عليهم كلّ شيء أخذ منهم حتى العقال.
ثم جاء كتاب رسول الله ﷺ إلى أبي بصير ليترك مكانه، ويرجع حيث يحبّ، وكان أبو بصير يجود بأنفاسه الأخيرة، فمات والكتاب على صدره، ودفنه أبو جندل. أمّا أبو العاص بن الربيع فارتحل ببضائع قريش حتى قدم مكة، فأدى إلى الناس أموالهم حتى إذا فرغ قال: يا معشر قريش! هل بقي لأحد منكم عندي مال لم أردّه عليه؟ قالوا: لا، فجزاك الله خيرا، قد وجدناك وفيا كريما.
قال: والله ما منعني أن أسلم قبل أن أقدم عليكم إلا أن تظنّوا أنّي أسلمت لأذهب بأموالكم، فإنّي أشهد ألاإله إلا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله.
وعاد إلى المدينة، فردّ عليه رسول الله امرأته زينب «٢»، وكان اختلاف الدين قد فرّق بينهما، ولم ينشئ في ذلك عقدا جديدا.
وقد أبى المسلمون عقيب صلح الحديبية أن يردّوا النسوة المهاجرات بدينهنّ إلى أوليائهنّ، إما لأنّهم فهموا أن المعاهدة خاصة بالرجال فحسب، أو لأنهم خشوا على النساء اللاتي أسلمن أن يضعفن أمام التعذيب والإهانة، وهنّ لا يستطعن مضطربا في الأرض وردّا للكيد، كما فعل أبو جندل وأبو بصير وأضرابهما.
_________________
(١) لا يصحّ، لأن ابن عقبة رواه عن الزهري مرسلا. كما في (الفتح): ٥/ ٣٦٩؛ و(الاستيعاب) لابن عبد البر في ترجمة أبي بصير، غير أنّ ابن إسحاق أخرج القصة بسياق اخر، ومن طريقه أخرجه ابن هشام في (السيرة): ٢/ ٨٢- ٨٣، مرسلا، وقد وصله الحاكم في (المستدرك): ٣/ ٢٣٦- ٢٣٧، من حديث عائشة وإسناده جيد، فالأولى الاعتماد على هذا السياق دون ما في الكتاب. وله شاهد من حديث أم سلمة عند البيهقي في سننه: ٩/ ٩٥.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ١/ ٢٥٠؛ والترمذي (١٩٦)؛ والحاكم: ٣/ ٢٣٧؛ وأحمد، رقم (١٨٧٦، ٢٣٦٦، ٣٢٩٠)؛ وابن هشام في السيرة: ٢/ ٨٣، من حديث ابن عباس. وإسناده جيد، وقال الترمذي: «ليس به بأس»، وصحّحه أحمد.
[ ٣٣٩ ]
وأيّا ما كان الأمر؛ فإنّ احتجاز من أسلم من النساء تمّ بتعليم القران، وكلف المسلمون أن يدفعوا لأزواجهنّ المشركين عوضا يستعينون به على زواج اخر إذا لم يشاؤوا الدخول في الإسلام، والعودة إلى أزواجهم الأوليات.
قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِناتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ [الممتحنة: ١٠] .
والاية تشير- بجانب ما فيها من أحكام- إلى ما كانت تستمتاع به المرأة من استقلال فكريّ، وكيان أدبيّ محترم.
ولو حدث ذلك اليوم لتساءل فريق كبير من المسلمين: من الذي يمتحن؟
أهو رجل أم امرأة، وإن كان رجلا، فهل يكون شابا أو شيخا؟ وهل تمتحن المرأة مباشرة أو من وراء حجاب؟.
[ ٣٤٠ ]
مع اليهود مرة أخرى (يهود خيبر)
بقي أمام المسلمين فريقان من الخصوم الألداء:
أعراب البادية الذين يسيحون في عرض الصحراء، كالإبل السائمة، لا يعقلون شيئا، فإذا لاح مغنم طاروا وراءه، وقلّما يلفتهم حديث الإيمان بالله واليوم الاخر.
وبنو إسرائيل الذين ظنوا النبوة حكرا عليهم، فهم لا يفتؤون يجبّهون المسلمين، ويكذّبون محمدا ﷺ ويجحدون رسالته، وقد أغرتهم القشور التي ورثوها من التوراة، فجادلوا المسلمين جدالا طويلا، وحرصوا أشد الحرص ألّا يعترفوا بهم، ثم ذهبوا إلى حدّ التأليب عليهم كما رأيت، فكانت سيرتهم مزيجا غريبا من الحقد والكبر والدّس، ومع ما ألهب جلودهم من سياط كاوية في صراعهم مع المسلمين، فإنّهم لم يتحولوا عن خطتهم المريبة قيد أنملة.
وجمعت عداوة الإسلام بين الأعراب البله، وأهل الكتاب اليهود، وعند ما فشلت الأحزاب في اقتحام يثرب، وجنت قريظة عقبى غدرها، لم يهدأ يهود خيبر، أو يحاولوا إصلاح شؤونهم مع المسلمين، كلا إنّهم شرعوا يصلون حبالهم بغطفان والأعراب الضاربين حولهم، ليؤلفوا ضدّ الإسلام جبهة أخرى تكيد من جديد لمحمّد ﷺ وصحبه. لكنّ المسلمين كانوا أيقاظا لهذه المؤامرات، فما إن عادوا من عمرة الحديبية اخر السنة السادسة، حتى توجّهوا في المحرم من السنة السابعة إلى خيبر لكسر شوكة بني إسرائيل بها.
ولم يفت المسلمين قبل مسيرهم أن يفصموا الجبهة المؤلّفة ضدّهم من يهود وغطفان، فأوهموا غطفان أنّ الهجوم متجه إليهم، وأنّ قوة المسلمين توشك أن تلتفّ بهم، قال ابن إسحاق: بلغني أنّ غطفان لما سمعت بمنزل رسول الله ﷺ من خيبر جمعت له، ثم خرجوا ليظاهروا يهودا عليه، حتى إذا ساروا مرحلة
[ ٣٤١ ]
سمعوا خلفهم في أموالهم وأهليهم حسا، فظنّوا أنّ القوم خالفوهم إليهم، فرجعوا على أعقابهم، وأقاموا في أهليهم وأموالهم، وخلّوا بين رسول الله ﷺ وبين خيبر!!.
وهكذا نجحت الخطة في عزل يهود خيبر عن حلفائهم المشركين.
فلمّا أشرف رسول الله ﷺ على القرية المحصّنة، وتهيأ لمنازلة أهلها، قال لأصحابه: «قفوا»، ثمّ تضرّع إلى الله بهذا الدعاء:
«اللهمّ ربّ السموات وما أظللن، وربّ الأرضين وما أقللن، وربّ الشّياطين وما أضللن، وربّ الرّياح وما أذرين. فإنّا نسألك خير هذه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرّها وشرّ أهلها وشرّ ما فيها»» .
ثم قال: «أقدموا باسم الله» «٢» .
ويظهر أنّ اليهود ظنّوا- أول وهلة- أنّ زحف المسلمين صوب غطفان، فلم يعيروا الأمر التفاتا، بل أصبحوا غادين إلى حقولهم بمساحيهم ومكاتلهم، حتى فوجئوا بالمسلمين يسيرون نحوهم، فارتدوا إلى حصونهم فزعين، وهم يقولون: محمد والخميس!.
إنّ اليهود- على ما ألف المسلمون من حروبهم- لا يعتمدون على تسيير الجيوش في الفضاء الرحب، تصيب ويصاب منها.. إنّهم يكرهون اللقاء في تلك الميادين المكشوفة، وديدنهم الذي لا ينفكّون عنه هو الكفاح من وراء الجدران.
_________________
(١) حديث حسن؛ أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٣٦، عن ابن إسحاق، عن أبي معتب بن عمرو، وفيه رجل لم يسمّ؛ وسماه البيهقي في روايته: «صالح بن كيسان»، كما في (البداية): ٤/ ١٨٣، لكنّ الراوي عنه إبراهيم بن إسماعيل بن مجمع ضعيف، ولذلك صرّح البيهقي في السنن: ٥/ ٢٥٢، بتضعيف هذا الطريق، لكن يشهد له ما أخرجه هو والحاكم: ١/ ٤٤٦ و٢/ ١٠١؛ وابن السني رقم (٥١٨)، من حديث صهيب رضي الله تعالى عنه، قال: إنّ النبيّ ﷺ لم ير قرية يريد دخولها إلا قال حين يراها فذكره. وقال الحاكم: «صحيح الإسناد» ووافقه الذهبي، وفيه نظر، لكن له شاهدا اخر من حديث أبي لبابة بن عبد المنذر رواه الطبراني في الأوسط، وإسناده حسن كما قال الهيثمي في (المجمع): ١٠/ ١٣٤.
(٢) ضعيف؛ وهو تمام حديث أبي معتب المخرّج انفا، وقد عرفت علته؛ ولم أجد لهذا المصدر منه شاهدا؛ فبقي على ضعفه.
[ ٣٤٢ ]
أذلك بقية من حرصهم على الحياة، وتوقّيهم الموت؟.
فلما راهم النبيّ ﵊ يهرعون إلى حصونهم أراد أن يقذف في قلوبهم الرعب فصاح: «الله أكبر! هلكت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة قوم، فساء صباح المنذرين» «١» .
والقرى الفاجرة تجرّ على نفسها الهلاك إن عاجلا وإن اجلا، روي عن رسول الله ﷺ أنه قال: «إذا شاع الزّنى والرّبا في قرية فقد أحلّت بنفسها غضب الله» «٢» .
واليهود يشيع فيهم هذا الفساد المزدوج، فهم إلى اليوم دهاقين الرّبا في العالم، وهم قادة التبرّج والعهر، ونسوتهم لا يرددن يد لامس، ولا ينفي هذا أنّ فيهم فئة تعرف الخلق والعفّة، ولكنّهم قليل:
وَمِنْ قَوْمِ مُوسى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩) [الأعراف] .
والكثرة- لا القلّة- هي التي تحدد مصائر الشعوب.
[حصون اليهود تتداعى]:
وشنّ المسلمون هجومهم على الحصون المشيّدة، فبدأت تتداعى تحت وطأتهم حصنا بعد حصن، ودافع اليهود عنها دفاع المستميت، فإنّ خيبر أخصب أرضهم وأمنع بقاعهم.
ولما بدأ الحصار يمتدّ؛ وبنو إسرائيل إذا سقطت لهم قلعة تمسكوا بأخرى، قال رسول الله ﷺ: «لأعطينّ الراية غدا رجلا يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله!» فبات الناس يذكرون أيّهم يعطاها.
فلمّا أصبحوا غدوا إليه متطلّعين إلى أخذها، فنادى النبيّ ﷺ عليّ بن أبي طالب فأعطاها إياه، فقال علي: يا رسول الله! أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ قال:
«انفذ على رسلك حتّى تنزل بساحتهم، ثم ادعهم إلى الإسلام، وأخبرهم بما يجب عليهم من حقّ الله، فو الله لأن يهدي الله بك رجلا واحدا خير من أن يكون لك
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٧٦- ٣٧٧، عن أنس.
(٢) حديث صحيح أخرجه الحاكم: ٢/ ٣٧، من حديث ابن عباس، وقال: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي. وهو كما قالا، ورواه أبو يعلى عن ابن مسعود، وإسناده جيّد، كما في الترغيب: ٣/ ٥١.
[ ٣٤٣ ]
حمر النعم» «١» .
وإنما ساق رسول الله ﷺ هذا النصح الرشيد، حتى يقطع تطلّع النفوس إلى المغانم المعجلة، فإنّ ثروة يهود- إذا هزموا- ضخمة، ولكنّ ثواب مقاتليهم- إذا اهتدوا- أضخم.
ولو نزل القوم على أحكام الله، وتركوا الخلال الدنيئة التي عاشوا بها، وعاملوا الناس بسوئها لأراحوا واستراحوا، غير أنّهم أبوا إلا الحرب، فهاجمهم عليّ، وشدّد النكير، حتى سقط الحصن، واحتله المسلمون.
وكان الشعار يوم خيبر: يا منصور! أمت أمت.
وخرج من حصون اليهود فارس يدعى (مرحبا) فنادى في المسلمين: من يبارز؟ وهو ينشد:
قد علمت خيبر أنّي مرحب شاكي السّلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا، وحينا أضرب إذا اللّيوث أقبلت تحرّب
فقيل: فتك به عليّ بن أبي طالب، وقيل: بل قتله محمّد بن مسلمة «٢»، وكان محمود بن مسلمة أخوه قد ألقيت عليه في أثناء الحصار رحى فصرعته، فثأر محمد له بقتل مرحب، وبرز بعد قتل مرحب أخوه ياسر، فتصدّى له الزبير، وكانت صفية أمّ الزبير بين النسوة اللائي خرجن مع الجيش معاونات في قتال بني إسرائيل، فخشيت على ابنها أن يقتل، فقال لها النبي ﷺ: «بل ابنك يقتله إن شاء الله»، فصرع الزبير ياسرا «٣» .
وتشبّث اليهود بما بقي من حصونهم، يذودون عنها ذياد الييئس، وشدّد المسلمون عليهم الحصار، يريدون الانتهاء من هذا القتال مسرعين، فقد أجهداهم الجوع وضاق بهم المقام، وأصيب كثير منهم بعلل شتى لرداءة الجوّ ووخامة
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٣٨٤- ٣٨٥؛ ومسلم: ٧/ ١٢١- ١٢٢، عن سهل بن سعد.
(٢) قلت: والصحيح الأول؛ لأنه ثابت في صحيح مسلم: ٥/ ٩٥؛ والمستدرك للحاكم: ٤/ ٣٩، من حديث سلمة بن الأكوع، وقد قال الحاكم (٣/ ٤٣٧): «إنّ الأخبار كثيرة متواترة أن قاتل مرحب هو علي» .
(٣) ضعيف، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٣٩، من طريق ابن إسحاق، عن هشام بن عروة معضلا.
[ ٣٤٤ ]
المستنقعات، ثم جاء إلى النبي ﷺ من أخبره أنّ اليهود لن يبالوا هذا الحصار، فإنّ لهم مشارب خفية يخرجون إليها ليلا، فيستقون ويعودون، فأمر النبيّ ﷺ بقطع مشاربهم «١»؛ ليكرههم على القتال أو التسليم، فخرجوا واشتبكوا مع المسلمين في صراع شديد، استشهد فيه عدد من المسلمين بعد أن مهدوا الطريق لسقوط الحصن، ويسمى حصن (الزبير) وهو نهاية سلسلة من القلاع تسمى (النطاة)، استولى المسلمون عليها جميعا بعد ما دخلوا حصون (ناعم)، و(الصعب)، و(الوطيح)، و(السلالم) .
وبقيت هناك سلسلة أخرى تهيأ المسلمون لمهاجمتها، فقام رسول الله ﷺ على قلعة يقال لها: (سموان)، فقاتل عليها أشدّ القتال، وخرج منها رجل يسمى (عزولا)، يبغي المبارزة، فهجم عليه (الحباب بن المنذر) فضربه بالسيف ضربة أطاحت يده اليمنى بنصف ذراعه، ثم وقع السيف من يده، وفرّ اليهودي راجعا، فأدركه الحباب فقطع عرقوبه.
وبرز اخر، فقام إليه رجل من المسلمين، فقتله اليهودي، فلحق به (أبو دجانة) فقتله وثأر لصاحبه، ثم كبّر المسلمون وتحاملوا على الحصن، وأمامهم (أبو دجانة)، فاقتحموه بعد لأي، ووجدوا به أثاثا وطعاما وغنما ومتاعا.
وأفلت بعض المحصورين، فانضموا إلى إخوانهم بحصن (البزاة) وزحف المسلمون إليهم، وتراشق الفريقان بالنبل، فأصيب بنان النبيّ ﷺ في المعركة، ولكن المسلمين استبسلوا في الكرّ على العدوّ، حتى افتتحوا هذا الحصن الاخر، وأخذوا من فيه باليد. ثم همّ المسلمون بنصب المنجنيقات، ليهدموا الحصون الباقية على من اعتصم فيها، فأيقن اليهود بالهلكة، ولم يروا محيصا من الاستسلام، فنزل ابن أبي الحقيق، وعرض الصلح على أن يجلوا من أرض خيبر، ولهم ما حملت ركابهم، وللمسلمين سائر ما بقي، فقبل الصلح، واشترط عليهم رسول الله ﷺ ألا يكتموا ولا يغيبوا شيئا، فإن فعلوا فلا ذمّة لهم ولا عهد «٢»، فلما ثبت على بعضهم الغدر بما تمت عليه شروط الصلح قتل.
وخضعت سائر يهود، ثم جاءت تعرض على رسول الله ﷺ أن يعاملهم
_________________
(١) لا يصحّ، رواه الواقدي معضلا كما في (البداية): ٤/ ١٩٨؛ والواقدي متروك.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البيهقي في سننه: ٩/ ١٣٧، عن ابن عمر بسند صحيح، وكذلك رواه أبو داود: ٢/ ٣٨.
[ ٣٤٥ ]
بالنصف في زراعة الأرض، فقبل، ولم يجعل ذلك على الأبد مخافة عبثهم، بل قال لهم: «إن شئنا أن نخرجكم أخرجناكم» «١» .
[نماذج من الشهادة]:
وحدث في إبّان المعركة أن عبدا حبشيا أسود كان يرعى لسيده اليهودي غنمه، فلما رأى أهل خيبر يحملون السلاح، ويتأهّبون للحرب سألهم: ما تريدون؟ قالوا: نقاتل هذا الذي يزعم أنه نبي، فوقع في نفس الرجل ذكر النبوة وصاحبها، فأقبل على رسول الله ﷺ وسأله: ماذا تقول؟ وإلام تدعو الناس؟
فأجابه: «أدعو إلى الإسلام، وأن تشهد ألاإله إلا الله، وأنّي رسوله، وألاتعبد غيره» . قال: فما لي إن شهدت وامنت؟ قال: «لك الجنة إن متّ على ذلك»، فأسلم، ثم قال: يا نبي الله! إنّ هذه الغنم عندي أمانة. فقال رسول الله ﷺ:
«أخرجها من عندك، وارمها بالحصباء، فإنّ الله سيؤدّي عنك أمانتك» . ففعل، فرجعت الغنم إلى صاحبها، فعلم اليهوديّ أنّ غلامه أسلم، ثم قام رسول الله ﷺ وقد تهيّأ الناس للقتال، فوعظهم، وحضّهم على الجهاد، والتحم الفريقان، فقتل العبد الأسود بين من قتل من المسلمين، وحملت جثته إلى المعسكر، فرووا أنّ رسول الله ﷺ اطّلع في الفسطاط الذي ضمّ جثمان الشهيد، ثم أقبل على أصحابه يقول: «لقد أكرم الله هذا العبد، وساقه إلى خير، رأيت عند رأسه ثنتين من الحور العين ولم يصلّ لله سجدة قط» «٢» .
وفي هذه الغزاة أذن النبيّ ﷺ لمن تطوعن من النساء أن يخرجن معه.
قال ابن إسحاق: شهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من نساء المسلمين، فرضخ لهنّ رسول الله من الفيء- أعطاهنّ يسيرا- ولم يضرب لهنّ بسهم «٣» .
وروى الإمام أحمد عن حشرج بن زياد عن جدّته أمّ أبيه قالت: خرجنا مع
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٥/ ١٧؛ ومسلم: ٥/ ٢٧؛ وأبو داود: ٢/ ٣٩، وغيرهم، من حديث ابن عمر بمعناه.
(٢) ضعيف، ذكره ابن كثير ٤/ ١٩٠- ١٩١، عن عروة مرسلا؛ ورواه البيهقي عن شرحبيل بن سعد، عن جابر نحو هذه القصة، وشرحبيل كان اختلط؛ ومن طريقه أخرجه الحاكم: ٢/ ١٣٦، وصحّحه، وتعقبه الذهبي بقوله: «بل كان شرحبيل متّهما» .
(٣) ذكره ابن إسحاق بدون إسناد؛ كما ذكره ابن هشام: ٢/ ٢٤٢ عنه؛ غير أنّه استدل على ذلك بحديث النسوة من بني غفار الاتي، وهو ضعيف كما سنبيّنه.
[ ٣٤٦ ]
رسول الله في غزاة خيبر، وأنا سادسة ستّ نسوة، قالت: فبلغ النبيّ ﷺ أنّ معه نساء، فأرسل إلينا فدعانا. قال: فرأينا في وجهه الغضب، قال: «ما أخرجكنّ؟
وبأمر من خرجتنّ؟» قلنا: خرجنا نناول السّهام، ونسقي السويق، ومعنا دواء للجرحى، ونغزل الشعر، فنعين به في سبيل الله. قال: «فانصرفن» .
قالت: فلمّا فتح الله عليه خيبر، أخرج لنا سهاما كسهام الرجال. فقلت لها: يا جدّة! ما الذي أخرج لكنّ؟ قالت: تمرا «١» .
ويرى ابن كثير أن الرسول ﷺ أعطاهنّ من ثمرات الأرض كالرجال، فأما أنّه أسهم لهنّ في الأرض نفسها كالرّجال فلا. وهذا حق.
وفي حديث أبي داود أنّ نسوة من بني غفار قلن: يا رسول الله! قد أردنا أن نخرج معك في وجهك هذا- وهو يسير إلى خيبر- نداوي الجرحى، ونعين المسلمين ما استطعنا. فقال: «على بركة الله» «٢» .
[أحداث ما بعد المعركة]:
وكانت صفية بنت حيي بن أخطب زعيم اليهود بين من أسرن من نساء خيبر، وقعت في يد أحد الصحابة، فاستردّها منه الرسول ﷺ ثم أعتقها، وبنى بها، وجعل مهرها عتقها «٣» .
فلمّا اطمأنّ به المقام، أهدت له امرأة سلّام بن مشكم شاة مشويّة مسموته، وأكثرت من السمّ في ذراع الشاة، لما عرفته أنّ الرسول ﷺ يؤثرها.
وقد تناول النبيّ ﷺ مضغة منها، فلاكها، ثم لفظها، وهو يقول: «إنّ هذا العظم ليخبرني أنّه مسموم»، وكان معه (بشر بن البراء) فأساغ اللحم وازدرده.
وجيء بالمرأة الجانية، فاعترفت بما صنعت، وقالت للنبيّ ﷺ: بلغت من
_________________
(١) ضعيف، وهو في المسند: ٦/ ٣٧١؛ وكذا أبو داود: ١/ ٤٢٩؛ وعلّته حشرج هذا، فإنّه لا يعرف كما قال الذهبي، وأشار لذلك الحافظ في التقريب، وسكت عن الحديث في (الفتح): ٦/ ٥٩- ٦٠.
(٢) ضعيف أخرجه أبو داود: ١/ ٥١؛ وأحمد: ٦/ ٣٨٠؛ وابن هشام: ٢/ ٢٤٣، كلّهم من طريق ابن إسحاق بإسناده عن امرأة من بني غفار، وفيه أمية بنت أبي الصلت لا يعرف حالها كما قال الحافظ.
(٣) حديث صحيح، أخرجه البخاري ومسلم عن أنس.
[ ٣٤٧ ]
قومي ما لم يخف عليك، فقلت: إن كان ملكا استرحت منه، وإن كان نبيّا فسيخبر، فتجاوز عنها النبيّ ﷺ، ثم مات (بشر) بعد ما سرى السّم في جسمه «١»، فقيل: اقتصّ له منها، وقيل: بل أسلمت وعفا عنها.
ومكث يهود خيبر يزرعون الأرض على النصف من نتاجها، إلا أنّ بغضاءهم للمسلمين حملتهم على اقتراف بعض الجرائم، فقد اغتيل رجل من الأنصار، وفدعت يدا عبد الله بن عمر أيام خلافة أبيه، فخطب عمر الناس قائلا: إنّ رسول الله ﷺ كان قد عامل يهود خيبر على أن نخرجهم إذا شئنا، وقد عدوا على عبد الله بن عمر ففدعوا يديه كما قد بلغكم، مع عدوهم على الأنصاري قبله، لا نشكّ أنهم أصحابه، ليس لنا هناك عدوّ غيرهم.. فمن كان له مال بخيبر فليلحق به، فإنّي مخرج يهود، فأخرجهم «٢» .
ولا ريب أنّ الهزيمة التي أصابت بني إسرائيل في خيبر، قضت على كيانهم العسكري في الجزيرة قضاء تاما، فجاء يهود (فدك) يطلبون الأمان.
وقاتل يهود وادي القرى بعد ما دعوا إلى الإسلام، وأخبرهم رسول الله ﷺ أنّهم إن أسلموا أحرزوا أموالهم، وحقنوا دماءهم، وحسابهم على الله «٣»، فلما أبوا نشبت بين الفريقين معركة محدودة، انتهت مع الصباح بسقوط الوادي اليهودي عنوة.
واستسلم يهود تيماء.
_________________
(١) حديث صحيح، رواه هكذا ابن هشام: ٢/ ٢٤٠- ٢٤١، عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ وقد رواه البخاري: ٥/ ١٧٦؛ ومسلم: ٧/ ١٤- ١٥، من حديث أنس: أن يهودية أتت النبيّ ﷺ بشاة مسمومة، فأكل منها، فجيء بها فقيل: ألا تقتلها؟ قال: لا. والبخاري: ٧/ ٢٠٨، ١٠/ ٢٠٠- ٢٠١، وغيره من حديث أبي هريرة نحوه، وفيه إقرار اليهود بوضع السم في الشاة، وقولهم: «أردنا إن كنت كاذبا نستريح منك، وإن كنت نبيا لم يضرّك» . ومثله عند أحمد رقم (٢٧٨٥) من حديث ابن عباس وسنده حسن، كما قال ابن كثير: ٤/ ١٠٩؛ وعزاه الحافظ: ١٠/ ٢٠٢، لابن سعد بسند صحيح؛ ومثله عند أبي داود: ٢/ ٢٤٦؛ والدارمي: ١/ ٣٣، عن جابر، وهو منقطع، لكن يقوّيه مرسل أبي سلمة عندهما. وفي حديثهما إخبار الذراع إياه، بأنّ الشاة مسمومة، وفي الثاني منهما موت بشر مسموما، وقد وصله الحاكم وصحّحه عن أبي هريرة، وسنده حسن، وفيه أنه ﷺ قتلها.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الشيخان عن ابن عمر، وقد تقدم قريبا.
(٣) رواه الواقدي بدون سند، كما في (البداية): ٤/ ٢١٨.
[ ٣٤٨ ]
ومدّ الإسلام رواقه على هذه الأرض بعد أن ظلّت حينا من الدهر في أيدي اليهود، يعيشون عليها كما يشتهون.
[الأرض لله يورثها من يشاء]:
والعظة التي نستخلصها من هذه المعارك وما أعقبها من جلاء أنّ الأرض لله يورثها من يشاء، وهو لا ينتزعها من قوم ويعطيها اخرين محاباة. كلا، ولكنّ الأمة التي تفسد على النعمة تسلبها، ثم تساق النعمة إلى من يقدّرها، ويشكر الله عليها. والأمة التي تتكبّر مع الحرية وتتبطّر، تفقد امتلاكها لنفسها وحقّها وأمرها، لتقع في إسار الاخرين فيصرّفون شؤونها كما يشتهون.
وقد طبّق هذا القانون على بني إسرائيل بقسوة عند ما أهدروا أحكام التوراة وتبعوا الهوى، وطبّق بعد ذلك على المسلمين يوم سدروا في الغواية وجحدوا ما لديهم من هداية.
وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود] .
إنّ الحياة كرّ وفرّ، وإقبال وإدبار، والنظرة العجلى إلى تاريخ البشر توحي بأنّ مكان الصدارة لم يثبت لأمّة من الأمم إلّا ريثما تتهيأ أمة أخرى لانتزاعه.
والدول التي سادت أشبه بلجج البحر، التي ترتفع حينا ثم لا تلبث أن تضمحل رويدا رويدا حتى تنداح على الشاطئ ضعيفة متطامنة، ولا مانع من أن تعود مرة أخرى مع المد لتبلغ الأوج، ثم تنفك عنها أسباب القوة، فتهبط مستكينة من جديد.
وقد ملك بنو إسرائيل وعزّوا بقدر حكيم، ثم سلبوا الملك والعزّة بقدر كذلك، لترثهما دولة الإسلام الفتيّ الناهض، وتمّ هذا التحول لخير البشر قاطبة.
لماذا تظاهرت اليهودية الوثنية ضدّ الإسلام؟ ولمصلحة من يقع هذا؟ إنّ بني إسرائيل ينظرون إلى الدنيا والدين من خلال منافعهم الخاصة، وذلك ما حدا بهم إلى مقاومة الإسلام بعنف، أمّا القدر الأعلى، فيريد أن يجعل من الأمة الجديدة رسالة تغيير شامل، لما شاع في العالم أجمع من مفاسد، ولما عرا حضارته من تعفّن وركود. فإذا وقفت حفنة من الأعراب أو حفنة من اليهود لتعترض هذا
[ ٣٤٩ ]
التحول الهائل بدوافع من الحقد الرخيص أو المطامع الدنيا، فهي التي جنت على نفسها إذا غرقت في الطوفان.
لو ظلّ اليهود ألف سنة أخرى في جزيرة العرب ما زادوها إلا انقساما، وما اكتسبت أقطار الأرض من بقائهم شيئا، ربّما نالت مزيدا من الحبوب والفواكه التي يتقنون زراعتها، بيد أنّها لن تظفر بهذه الزيادة إلا ومعها كفل من الفساد الذي يصدّره بنو إسرائيل إلى العالم مع معاملات الربا، وأخلاق العهر والتحلل.
أما الإسلام فقد خرج من الجزيرة يوم خرج رسالة إيمان وإصلاح، ومما يحمله في طواياه من حق ونفع استحقّ الانتصار والانتشار.
فلمّا جرى على أمته من أسباب البلى والخمول ما جرى على اليهود الأولين تعرضت للطرد من أوطانها، والتشرّد هنا وهناك، كما تعرّض غيرهم، حذو النّعل بالنّعل.
[ ٣٥٠ ]
عودة مهاجري الحبشة
ووافق فتح (خيبر) قدوم (جعفر بن أبي طالب) ومن معه من المهاجرين إلى الحبشة. وقد سرّ رسول الله ﷺ أيّما سرور لمجيء هؤلاء الصحابة الكرام.
إنّهم خرجوا من مكة فارّين بدينهم من الفتّان، واليوم يعودون وأمر الإسلام يعلو، وسلطانه يمتدّ شمالي الجزيرة وجنوبيها، فلا خوف من غشم أو ظلم.
وعند ما حلوا بالمدينة قال رسول الله ﷺ مبتهجا: «والله ما أدري بأيّهما أفرح؟! بفتح خيبر أم بقدوم جعفر «١»؟!» .
وجعفر وإخوانه مكثوا في الحبشة بضعة عشر عاما، نزل خلالها قران كثير، ودارت معارك شتّى مع الكفار، وتقلّب المسلمون قبل الهجرة العامة وبعدها في أطوار متباينة، حتى ظنّ البعض أنّ مهاجري الحبشة- وقد فاتهم هذا كله- أنزل قدرا من غيرهم، فعن أبي موسى الأشعري: «.. كان أناس يقولون لنا: سبقناكم بالهجرة، ودخلت أسماء بنت عميس على حفصة زوج النبي ﷺ زائرة- وكانت هاجرت إلى النجاشي فيمن هاجر- فدخل عمر على حفصة وأسماء عندها، فقال حين رأى أسماء: من هذه؟ قالت: أسماء بنت عميس. قال عمر: الحبشية هذه؟
البحرية هذه؟ قالت أسماء: نعم! قال عمر: سبقناكم بالهجرة، فنحن أحقّ برسول الله ﷺ منكم! فغضبت وقالت: كلا والله! كنتم مع رسول الله ﷺ يطعم جائعكم، ويعظ جاهلكم. وكنّا في أرض البعداء البغضاء بالحبشة! وذلك في الله
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه الحاكم: ٤/ ٢١١؛ والطبراني في الكبير، عن الشعبي مرسلا، وسنده صحيح، وقد وصله الحاكم من طريق أخرى عن الشعبي عن جابر، وفي سنده ضعف، ولذلك قال الذهبيّ في (التلخيص): «الصواب مرسل»، وله طريق اخر، رواه البيهقيّ، كما في (البداية): ٤/ ٢٠٦، من طريق أبي الزبير عن جابر، وفي سنده من لا يعرف، وله شاهد من حديث أبي جحيفة، أخرجه الطبراني في (المعجم الصغير)، ص ٨، وسنده ضعيف؛ لكن أخرجه في الكبير من طريق اخر، كما يستفاد من (المجمع): ٩/ ٢٧٢. وبالجملة فالحديث قويّ بهذه الطرق، وقد صحّحه الحاكم.
[ ٣٥١ ]
وفي رسول الله، وايم الله لا أطعم طعاما ولا أشرب شرابا حتى أذكر ما قلت لرسول الله وأسأله، وو الله لا أكذب ولا أزيغ ولا أزيد عليه. فلمّا جاءت النبيّ ﷺ قالت: يا نبي الله! إنّ عمر قال كذا وكذا، قال: «فما قلت له؟» قالت: كذا وكذا. قال: «ليس بأحقّ بي منكم، وله ولأصحابه هجرة واحدة، ولكم أنتم- أهل السفينة- هجرتان «١»» .
ولم يمض كبير وقت على أولئك العائدين، حتى اكتسبوا ما فاتهم من علم بالقران والسنّة، وانتظموا في مواكب الجهاد مع من سبقوهم بإحسان.
وقد أشركهم النبي ﷺ في مغانم خيبر «٢» مع أهل الحديبية «٣» ولم يقسم لأحد غيرهم معهم. فإنّ الله جعل خيبر مكافأة سخية لمن ساروا إلى مكة، وبايعوا على الموت تحت شجرة الرضوان.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الشيخان في صحيحيهما.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٣٩٢، من حديث أبي موسى.
(٣) حديث حسن، أخرجه أبو داود في سننه: ٢/ ٤٠؛ والحاكم: ٢/ ١٣١؛ والبيهقي: ٦/ ٣٢٥؛ وأحمد: ٣/ ٤٢٠، من حديث مجمع بن جارية: أنّ خيبر قسمت على أهل الحديبية، لم يدخل معهم فيها أحد وقال الحاكم: «صحيح الإسناد»، ووافقه الذهبي، وله شاهد من حديث أبي هريرة، أخرجه الطيالسي: ٢/ ١٠٥؛ والبيهقي: ٦/ ٣٣٤، وسنده حسن في الشواهد، وقد قال ابن إسحاق في (سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٤٦): «وقسمت خيبر على أهل الحديبية، من شهد خيبر ومن غاب عنها، ولم يغب عنها إلا جابر بن عبد الله..» .
[ ٣٥٢ ]
تأديب الأعراب
أما عبدة الأصنام من البدو، فإنّ المسلمين شرعوا يتعقبونهم مذ خلصوا من مشكلات اليهود، وقد أشرنا إلى أنّ شمل هؤلاء الأعراب انتكث بعد الموادعة التي تمّت في الحديبية بين قريش والمسلمين، كانوا أمس يحاصرون دار الإسلام أحزابا متحدة، لكن الحال تبدّلت اليوم؛ تمزّق بنو إسرائيل، وانسحب أهل مكة، وأمكن للمسلمين أن ينفردوا بأولئك القوم قبيلة إثر قبيلة، ولن يعجز المسلمون عن حسم شرورهم ووقف فوضاهم.
إنّ البدو جنس جاف غليظ، ولن ننسى أنهم حتى القرن الأخير كانوا يستمرئون الفتك بقوافل الحجاج، وقد يذبحون الحاجّ لدراهم معدودة.
وعلمهم بشؤون الدنيا وحقوق الاخرة يعيي المدرسين، وقد بذل الإسلام جهودا جبارة في رفع مستواهم المادي والأدبي، إلا أنّ اغتيال الدعاة من القراء المربين جعل الإسلام يظاهر رجاله هؤلاء بالقوة التي تمنع الشغب، وتقطع دابر الفساد.
وكان بث السرايا في فيافي (نجد) من أهمّ ما شغل المسلمين بعد ما رجعوا من خيبر في صفر من السنة السابعة، حتى شدّوا الرحال إلى مكة لعمرة القضاء، كما نصّ على موعدها في عهد الحديبية.
ولا يعنينا كثيرا أن نتبع هذه السرايا في مسيرها، فهي- وإن وطدت هيبة المسلمين العسكرية- أقرب إلى فرق الشرطة منها إلى الجيوش المعبأة.
والهدف الأكبر من بعثها توطيد الأمن، ومنع الغارات على المدينة، وتمكين الدعاة إلى الله من أن يجوبوا الافاق بتعاليم الرسالة دون غدر أو خيانة.
إن أحوال هذه القبائل قريبة الشبه بأحوال قرانا في عهد الإقطاع القريب، كان العمدة يملك ألف صوت ناخب في قريته، فالحديث عن الحرية السياسية في هذا الجوّ (حديث خرافة) . كذلك كان رؤساء القبائل الأولون، تلتفّ حولهم
[ ٣٥٣ ]
عشائرهم وبطونهم ليتناصروا في الحرب والسلم على ما يهوى السادة.
فإذا كثر في أولئك الحاكمين من يوصف بالأحمق المطاع، وإذا اشتغل أولئك الحمقى بالكرّ والفرّ على نحو ما قال دريد بن الصمة:
يغار علينا واترين فيشتفى بنا إن أصبنا، أو نغير على وتر!
قسمنا بذاك الدّهر شطرين بيننا فما ينقضي إلّا ونحن على شطر!
أفترى أنّ الدّعاة يسيرون عزّلا في هذه البيئة التي تخطف الأموال والعقائد؟.
إنّ العمل على توطيد الأمن شيء غير إكراه الناس على الإيمان، هدف الأول إقصاء الضغط والفتنة عن المجتمع، حتى إذا امن فرد في قبيل لم يجد من يصبّ عليه سوط عذاب. أما الاخر فيريد بالسوط أن يحمل الناس على عقيدة معينة.
والسرايا التي كان الرسول ﵊ يسيّرها إلى كلّ فج كانت تحمل معها كلام الله لتقرأ منه:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّما أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩) فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آياتِنا مُعاجِزِينَ أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (٥١) [الحج] .
فالسعي لمعاجزة الايات أمر خطير، ولو كانت معاجزة باللسان ما اكترث لها أحد، فهيهات أن تغلب الخرافة الحقّ في معرض جدل حر، إنّها معاجزة بالسوط والقهر:
وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا بَيِّناتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آياتِنا [الحج: ٧٢] .
فإذا تأهّب التالي حتى لا يروح ضحيّة هذا السّطو، فهو يؤدي واجبه، وإذا سخّرت القوة لتطهير الحياة من أسباب هذا السطو، فأيّ غبار على هذا العمل؟.
وقد مضى المسلمون في نشر الدعوة داخل جزيرة العرب على ذلك الأساس العادل، ومنذ أمضوا عهد الحديبية، وهم دائبون على البلاغ والتبصرة، ولذلك نجحوا نجاحا ملحوظا في هذا المضمار، فدخلت قبائل كثيرة في عهداهم، على حين انصرفت جموع الأعراب عن قريش، فلم يدخل في عهداهم أحد،
[ ٣٥٤ ]
وسير الأمور في هذا الاتجاه كان التمهيد الفعّال لغلبة الإسلام، ثم لفتح مكة نفسها فيما بعد.
والدعوة إلى الإسلام داخل الجزيرة لم تشغل النبيّ ﷺ عن حقّ اخر من حقوق الله عليه، وهو إعلام الناس كافة بما اتاه الله من بينات.
فليرفع السراج إلى أعلى لتصل أشعته الهادية إلى مواطن أبعد، مواطن غرقت في الظلام دهرا:
وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَإِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى قُلْ لا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّما هُوَ إِلهٌ واحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [الأنعام: ١٩] .
فليتجه إلى المجوس وإلى النصارى، يدعوهم إلى توحيد الله والإسلام له والخضوع لأحكامه.
[ ٣٥٥ ]
مكاتبة الملوك والأمراء
كان الفرس يحتلون أجزاء كبيرة من جنوب الجزيرة، وكان الرومان يحتلون أجزاء أخرى من شمالها، وقد انتشرت ديانة المحتلّين في الأقاليم التي أخضعوها لنفوذهم، ومن العبث إرجاع هذا الانتشار للحرية العقلية المحضة، وعلى أية حال فإنّ المجوسية سادت الأقاليم التابعة لفارس، والنصرانية سادت الأقاليم التابعة للرومان، وكان أمراء هذه الأقاليم يعيّنون من قبل الدول الحاكمة، وينصاعون لأوامرها.
وقد رأى النبي ﷺ أن يرسل بكتبه إلى رؤساء الدول الكبرى، وإلى أمراء الولايات المحتلة على سواء، يدعوهم إلى الله، ويعرض عليهم الإسلام.
روى مسلم عن أنس ﵁: أن رسول الله ﷺ كتب إلى كسرى وقيصر وإلى النجاشي- وهو غير الذي صلّى عليه- وإلى كل جبّار؛ يدعوهم إلى الله ﷿.
[كتابه إلى قيصر ملك الروم]:
بعث رسول الله ﷺ (دحية بن خليفة) بكتابه إلى قيصر الروم، وليس الوصول إلى قيصر بدعوة غريبة على مسامعه أمرا سهلا، فكيف وهي- في نظر الرومان- من أعرابي ساذج ينتمي إلى قوم تحت سلطانهم!!.
وتقديرا لهذه الأوضاع اختار النبي ﷺ لتلك المهمة من يقوم بها إيمانا واحتسابا غير مبال بعواقبها عليه ولا نتائجها عند من يدعوه.
فعن ابن عباس ﵄: أن رسول الله ﷺ قال: «من ينطلق بصحيفتي هذه إلى قيصر، وله الجنّة؟» فقال رجل: وإن لم يقبل؟ قال: «وإن لم يقبل!» فأخذ دحية الكتاب، وسافر به إلى أرض الروم، فوافق هرقل وهو مقبل على بيت المقدس، يزوره عقب انتصاره على الفرس قربى إلى الله.
وتناول قيصر الكتاب، فقرأ فيه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد
[ ٣٥٦ ]
رسول الله إلى هرقل عظيم الرّوم، سلام على من اتّبع الهدى، أمّا بعد:
فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم، يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين:
ويا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [ال عمران: ٦٤]» «١» .
وقد هاجت حاشية هرقل لاكتراث القيصر بهذه الرسالة، وازدادوا هياجا عند ما عرض عليهم- لا ندري جادا أم هازلا- أن يعتنقوا هذا الدّين!.
وهرقل- في نظرنا- رجل سياسيّ، وأمر الدين لا يعنيه إلا بقدر ما يدعم ملكه، وينمّي قوته، وقد تولّى شؤون الدولة في وقت كانت الخلافات الكنسيّة حول طبيعة المسيح تغلي غليان المرجل، وتثير في الأمة انقسامات مخيفة، وقد حاول التقريب بين وجهات النظر المتباينة، وجمع الكنائس المتخاصمة على مذهب واحد فعجز، وتمرّد عليه اليعاقبة وغيرهم في مصر والشام.
فالكلام في الإلهيات ليس غريبا عليه، والتقريب بين وجهات النظر لمصلحة الدولة- ديدنه، ولعلّه في أعماق قلبه يحسّ سخف أولئك المختلفين جميعا.
وربّما تألقت في نفسه لوقت محدود فكرة الخروج من عقيدة التثليث إلى بساطة التوحيد ثم انطفأت؛ لما ستجرّه على الدولة من خلاف أشقّ في وهمه، وأمر المملكة- عنده- أهمّ من أي شيء اخر.
وشاءت لباقة قيصر السياسي أن يستدعي دحية، وأن يحاول إيهامه بأنّه مسلم! ثم أعطاه قدرا من الدنانير.. وصرفه!.
وعاد دحية إلى رسول الله ﷺ بالنبأ، فقال النبي ﷺ: «كذب عدوّ الله، ليس بمسلم»، وأمر بالدنانير فقسمت على المحتاجين «٢» .
_________________
(١) حديث صحيح من قوله: «وتناول قيصر » إلى هنا، أخرجه البخاري: ٣/ ٣١- ٣٢؛ ومسلم: ٥/ ١٦٥- ١٦٦، عن ابن عباس.
(٢) أخرجه أبو عبيد في الأموال، ص ٢٥٥، عن بكر بن عبد الله المزني، وإسناده صحيح، لكنه مرسل، بيد أن الزرقاني نقل في (شرح المواهب): ٣/ ٢٤٠، عن «الفتح»: أنه في مسند أحمد أيضا، فلينظر فإنه لم يذكر صحابيه.
[ ٣٥٧ ]
[ردّ ملك غسان]:
أما الولايات العربية التابعة للرومان، فإن النبي ﷺ أرسل إلى أمرائها يعرض عليهم الإسلام، فكانت إجاباتهم أخشن وأقسى من ردّ القيصر نفسه!.
قرأ أمير دمشق خطاب الرسول ﷺ له: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى الحارث بن أبي شمر، سلام على من اتّبع الهدى وامن بالله وصدّق، وإنّي أدعوك أن تؤمن بالله واحده لا شريك له، يبقى ملكك» «١» .
فلمّا قرأه رمى به الأرض، وقال: من ينزع ملكي منّي؟ وأخذ يعدّ العدّة لقتال المسلمين.
والحارث ليس بالملك الأصيل حتى يشمخ بملكه على هذا النحو، إنه مولّى من قبل الرومان الغالبين؛ ليخدم أهواءهم، ويمشي في ركابهم، فهو كنفر من ملوك الشرق في عصرنا هذا، صنعهم المستعمرون ليكونوا حبالا تنجرّ بها الأمم المستضعفة وراء غاصبيها.
والهدية التي ردّها هي الأمل الوحيد لجعله حاكما شريفا لو أنّه قبلها وأشاعها.
وبعث النبي ﷺ إلى أمير بصرى- من ولايات الروم- مثل ما بعث به إلى أمير دمشق، وحمل الكتاب الحارث بن عمير الأزدي، فاعترضه في الطريق شرحبيل بن عمرو الغسّانيّ وسأله: أأنت من رسل محمّد؟ قال: نعم، فأمر به شرحبيل فقتل.
وترامت هذه الأخبار إلى المسلمين في المدينة، فجرحت كرامتهم، وأبانت لهم أنّ علائقهم بالرومان لن تندفع في طريق العدل والاحترام إلا بعد جهود شاقة.
[ردّ المقوقس ملك القبط]:
وردّ (المقوقس) على النبيّ ﷺ ردّا حسنا، فلم يؤمن به، ولم يتهجّم عليه، ولمّا تسلّم كتابه من حاطب بن أبي بلتعة قال له: ما منعه إن كان نبيا أن يدعو على من خالفه وأخرجه من بلده؟ فقال حاطب: ما منع عيسى- وقد أخذه قومه
_________________
(١) ذكره الواقدي بدون إسناد كما في (البداية): ٤/ ٢٦٨.
[ ٣٥٨ ]
ليقتلوه- أن يدعو الله عليهم فيهلكهم؟ فقال المقوقس: أحسنت. أنت حكيم جاء من عند حكيم!!.
وكتب إلى رسول الله ﷺ يقول: «لمحمّد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط سلام عليكم، أمّا بعد: فقد قرأت كتابك، وفهمت ما ذكرت فيه وتدعو إليه؛ وقد علمت أنّ نبيا قد بقي، وكنت أظنّ أنّه يخرج بالشّام، وقد أكرمت رسولك وبعثت لك بجاريتين لهما مكان عظيم في القبط، وبثياب، وأهديت لك بغلة تركبها» .
وماذا يفعل محمّد رسول الله ﷺ بهذا؟ لقد قبل الهدية تقديرا للعاطفة التي أملت بها، وإن كان يرى أنّ الإيمان بالله واحده أفضل ما يهدى إليه وخير ما ينتظره ويهش له.
وجدير بنا أن نذكر كلام حاطب للمقوقس؛ حتى يعرف القارئ أنّ هذه البعوث بلغت حدّا من الفقه والحصافة يستحقّ الإعجاب البالغ.
قال حاطب: إنّ هذا النبيّ دعا الناس، فكان أشدّهم عليه قريش، وأعداهم له اليهود، وأقربهم منه النصارى، ولعمري ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمّد، وما دعاؤنا إياك إلى القران، إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل.
وكلّ نبي أدرك قوما فهم أمته، فحقّ عليهم أن يطيعوه، وأنت ممّن أدرك هذا النبيّ، ولسنا ننهاك عن دين المسيح، ولكننا نأمرك به.
وكان أثر هذه الدعوة الحارة الخطاب الذي سقناه انفا.
[ردّ فعل كسرى ملك فارس]:
تلك مثل لرسائله إلى رجالات النصرانية ومواقفهم منها. وقد ساق النبي ﷺ كذلك مبعوثيه إلى رؤساء المجوسية، يدعونهم إلى الله، ويحدّثونهم عن الدين الذي لو تبعوه نقلهم من الغي إلى الرشاد.
وقد تفاوتت ردودهم، بين العنف واللطف، والإيمان والكفر.
كتب رسول الله ﷺ إلى (كسرى أبرويز) ملك فارس، يقول: «بسم الله الرّحمن الرّحيم. من محمّد رسول الله إلى كسرى عظيم فارس. سلام على من اتّبع الهدى، وامن بالله ورسوله، وشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنّ محمّدا
[ ٣٥٩ ]
عبده ورسوله. أدعوك بدعاية الله، فإنّي أنا رسول الله إلى النّاس كافّة لينذر من كان حيا ويحقّ القول على الكافرين. أسلم تسلم، فإن أبيت فعليك إثم المجوس» «١» .
ومزق كسرى الكتاب وهو محنق.
ولعلّه حسب الجرأة على مكانته السامية بعض ما رماه به القدر من مصائب، فقد هزمه الروم هزيمة منكرة، وها قد جاء العرب يعلّمونه ما لم يكن يعلم.
وأصدر كسرى أمره إلى والي اليمن- وكانت لمّا تزل في حكمه- يأمره أن يرسل اثنين من رجاله الأشداء ليأتيا إليه بالرّجل الذي تجرأ على مكاتبته.
و(أبرويز) هذا رجل أحمق، ومنصبه يضفي عليه لقب ملك الملوك، والوثنية السياسية إذا ظاهرتها وثنية دينية أمست ظلمات بعضها فوق بعض، وقد غلب على الرجل السفه في تصريفه شؤون الدولة وحكمه على الأشخاص والأشياء، حتى ضاق قومه أنفسهم به، بل ضاق به أقرب الناس إليه وهو ابنه (شيرويه) فوثب عليه فقتله.
ويروى أن النبيّ ﷺ لما بلغه ما صنع كسرى أبرويز بكتابه قال: «مزّق الله ملكه» «٢» .
والطريف أن والي اليمن لما صدر إليه أمر كسرى سارع إلى تنفيذه، فأرسل اثنين من لدنه إلى المدينة، يعرضان على النبي ﵊ أن ينطلق معهما ليسأل عما فعل..!!.
ونظر النبيّ ﷺ إلى الرجلين، فوجدهما من ذلك النوع الذي تربيه الملوك في القصور، كما تربي النسوة في بلادنا الديكة الرومية.. مناظر فارهة، وبواطن تافهة.
فلمّا رأى شواربهما مفتولة، وخدودهما محلوقة، أشاح عنهما وقال «٣»:
_________________
(١) حديث حسن، رواه ابن جرير في تاريخه: ٢/ ٢٩٥- ٢٩٦، عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا، وأبو عبيد في (الأموال)، ص ٢٣، عن سعيد بن المسيب مرسلا نحوه.
(٢) حديث صحيح، رواه البخاري في صحيحه: ٨/ ١٠٤؛ وأبو عبيد عن سعيد بن المسيب مرسلا ومرفوعا؛ وروي من وجوه أخر مرسلا، فليرجع إليها من شاء في (البداية والنهاية): ٤/ ٢٦٨.
(٣) حديث حسن، أخرجه ابن جرير: ٢/ ٢٦٦- ٢٦٧، عن يزيد بن أبي حيبيب مرسلا، -
[ ٣٦٠ ]
«ويحكما! من أمركما بهذا؟» قالا: أمرنا ربّنا!! يعنيان كسرى..
إن تأليه الملوك ضلال قديم، وبعد أن انتشر الإسلام ذهبت حقيقة التأليه، ثم عادت الان اثاره وخصائصه، فالملك يلقّب صاحب جلالة، ولا يسأل عمّا يفعل، ويبطل شرائع الله ليقيم شرائع الهوى، ويمتد هو وبطانته لتنكمش أمامهما أمته.
ولما سمع النبيّ ﵊ كلام الرجلين أمرهما أن يعودوا من حيث أتيا إلى والي اليمن، وقال: «أخبروه أنّ ربّي قد قتل ربّه الليلة» . وكان رسول الله ﷺ قد علم قبلهما بمصرع كسرى.
وقد وقع الإسلام في قلب والي اليمن ورجاله بعد هذه القصة، وانتشر انتشارا عظيما في الجنوب بين الطائفتين جميعا من نصارى ومجوس.
[ردّ أمير البحرين]:
وأرسل النبيّ ﵊ إلى أمير البحرين كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، ونبذ المجوسية، حمله إليه العلاء بن الحضرميّ «١» وكان (المنذر بن ساوى) أمير البحرين رشيدا موفقا، فرحّب بالدعوة، وانشرح صدره لقبولها.
وقد أبلغ العلاء في ترغيبه وإبراز محاسن الإسلام له:
فمما قاله: «.. يا منذر! إنّك عظيم العقل في الدنيا، فلا تصغرنّ عن الاخرة، إنّ هذه المجوسية شرّ دين.. ليس فيها تكرّم العرب، ولا علم أهل الكتاب، ينكحون ما يستحيى من نكاحه، ويأكلون ما يتنزّه عن أكله، ويعبدون في الدنيا نارا تأكلهم يوم القيامة ولست بعديم عقل ولا رأي، فانظر: هل ينبغي لمن لا يكذب في الدنيا ألّا نصدقه؟ ولمن لا يخون ألّا نأمنه؟ ولمن لا يخلف ألّا نثق به؟.
_________________
(١) - وابن سعد في (الطبقات): ١/ ٢/ ١٤٧، عن عبيد الله بن عبد الله مرسلا أيضا، وسنده صحيح؛ ووصله ابن بشران في الأمالي من حديث أبي هريرة بسند واه، وفيه من الطرق الثلاث زيادة كان يحسن إيرادها، وهي: «لكنّي أمرني ربّي ﷿ أن أعفي لحيتي، وأن أحفي شاربي» .
(٢) رواه الواقدي في اخر كتاب (الردة) بسنده، عن أبي حنتمة كما في (نصب الراية) للزيلعي: ٤/ ٤١٩- ٤٢٠.
[ ٣٦١ ]
هذا هو النبي الأمي الذي- والله- لا يستطيع ذو عقل أن يقول: ليت ما أمر به نهى عنه، أو ما نهى عنه أمر به! أو ليته زاد في عفوه، أو نقص من عقابه؛ إذ كلّ ذلك منه على أمنية أهل العقل، وفكر أهل النظر » .
وقد أسلم (المنذر)، وعرض على قومه الإسلام، فمنهم من أعجبه فدخل فيه، ومنهم من كرهه وبقي على مجوسيته أو على يهوديته، فلما استشار رسول الله ﷺ ما يفعل بإزائهم كتب له: «.. من أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية» «١» .
إنّ توسيع ميدان الدعوة بحيث تشمل المعروف المعمور من أرض الله يومئذ أمر يثير التأمّل، لقد كان العرب يستكثرون النبوّة على واحد منهم، ويوسعونه جحودا وكنودا!:
وَإِذا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) [الفرقان] .
فما يكون شأن الروم والعجم، وهم يرون العرب دونهم منزلة وحضارة، وثقافة وسياسة! ألا يكونون أسرع إلى السخرية وأدنى إلى الكفران؟!.
بيد أن أصحاب الرسالات لا ينظرون إلى الأمور على ضوء الحاضر الضيق المنكور، فإنّ ثقتهم العميقة في سيادة فكرتهم، وامتداد نطاقها تصغّر العقبات المفروضة في الطريق، وتجعلها- ولو كانت الشم الرواسي- هباء منثورا.
ولو انحصر (كارل ماركس) في حدود مذهبه- وهو فكرة مطاردة تصل بذويها إلى السجون- لأصابه الشلل، وقضى عليه وعلى أفكاره، لكنّه مضى في سبيله، وهو على أمل بالغ أن تقوم بتوجيهها دول كبرى، فإن كان هذا شأن الماديين من أصحاب الأفكار الضالّة؛ فلا جرم أنّ المرسلين المؤيّدين بالوحي يكاتبون الملوك والأمراء، وهم موقنون بأنّ ما لديهم من حق سيعلو ما عداه، وذلك ما كان يجول في نفس الرسول الكريم ﷺ وهو يعالج هداية الأعراب الشاردين في الصحراء، طورا باللين، وطورا بالشدة، ثم هو- في الوقت نفسه- ينصح لقادة الشعوب الاخرى أن يفكّروا في هذا الدين الجديد، وأن يعتنقوه وافرين.
_________________
(١) ضعيف، أخرجه الواقدي بإسناده عن عكرمة، قال: وجدت في كتب ابن عباس.. فذكره.
[ ٣٦٢ ]
إن الخرافة التي أفسدت عقل بدويّ تترّب إهابه وثيابه رياح (نجد) هي بعينها الخرافة التي تفسد فكر كسرى عاهل الفرس العظيم.
ما الفارق بين الحمّى تصيب ملكا أو تصيب صعلوكا؟ إنّ الطبيب يصف لها على الحالين- دواء واحدا، ويتخذ ضد عدواها حصانات واحدة!.
وقد أراد النبيّ ﷺ أن يشفي الكبار والصغار من أمراض نفوسهم، وأن يناولهم جميعا الدواء الذي يصحّون به:
وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسارًا (٨٢) [الإسراء] .
فلا غرو إذا جمع في مصحّه بين الأحمر والأسود، والسادة والعبيد.
أجل، قد يكون أولئك الملوك محجّبين وراء أسوار مشيدة، وحولهم من الأتباع والجند والأبهة والرياش ما يبهر العين، لكن أي عين تنبهر لهذه المظاهر؟
إنّ الطبيب المعالج لا يعنيه من مريضه إلا جسده الشاحب العليل، والأنبياء لا يرون في القوم إلا أنهم جهّال يجب أن يتعلّموا، سفهاء يجب أن يسترشدوا، وأنّ ما حولهم من الدنيا يجعل تبعتهم أخطر، وجزاءهم على الهدى والضلال أضخم.
على أنّ هذه القوى المسخّرة في حماية الباطل لن يطول أمدها إلا كما يطول الليل على المؤرق، ثم تطلع الشمس، ويمحو الله بالاية المبصرة سدول الظلام.
ولذلك قال النبي ﷺ لرسل والي اليمن حين جاؤوه: «أخبراه أنّ ديني وسلطاني سيبلغ ما بلغ كسرى، وينتهي إلى الخفّ والحافر، وقولا له: إن أسلمت أعطيتك ما تحت يديك، وملكتك على قومك» «١» .
إنّه- وهو في المدينة- يولّي ويعزل، عن حق لا عن غرور، أليس موصولا بمالك الملك، مبعوثا من رب السموات والأرض؟!.
ومن الطبيعي أن يعرف مشركو العرب أنباء هذه البعوث النبوية، وأن يرقبوا نتائجها عن كثب، وقد استبشروا أول الأمر حين بلغهم صنيع كسرى بن هرمز، وقال بعضهم لبعض: كفيتم الرجل، فقد نصب له كسرى ملك الملوك! وشاعت هذه القالة في مكة والطائف.
_________________
(١) ضعيف، أخرجه ابن جرير في تاريخه: ٢/ ٢٩٧، عن يزيد بن أبي حبيب مرسلا.
[ ٣٦٣ ]
ثم مرت الأيام، وطاح كسرى، وبقي الإسلام يغزو الأفئدة والبلاد..
وجاءت الأنباء أنّ بعوث محمد ﷺ في بعض الأرجاء أمكنها نشر الإسلام، وتثبيت هدايته، حتى دخلت فيه اليمن وعمان والبحرين، فارتد استبشار المشركين خذلانا، وفكرت قبائل شتى في الانقياد لحكمه، خصوصا ورقعة الكفر تنكمش يوما بعد يوم أمام موجات الوحي الجارف، وإن بقيت أخرى مصرّة على جاهليتها:
بَلْ مَتَّعْنا هؤُلاءِ وَآباءَهُمْ حَتَّى طالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ أَفَلا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُها مِنْ أَطْرافِها أَفَهُمُ الْغالِبُونَ (٤٤) قُلْ إِنَّما أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ وَلا يَسْمَعُ الصُّمُّ الدُّعاءَ إِذا ما يُنْذَرُونَ
(٤٥) [الأنبياء] .
[ ٣٦٤ ]
عمرة القضاء
أوشكت السنة السابعة أن تنقضي، وحقّ للمسلمين أن يعودوا إلى مكة ليؤدّوا مناسك العمرة، التي حرموا من أدائها قبلا، لقد تأخّروا عاما وهم كارهون، لكنّ مكاسبهم للدعوة في هذه الفترة أربت على الأماني، وها هم أولاء يسوقون الهدي إلى الحرم مرة أخرى، ويجرّون وراءهم أذيال نصر عريض.
وأحبّ أهل مكة أن يعزّوا أنفسهم وهم يجلون عنها- وفق الاتفاق المبرم- ليدخلها النبي ﷺ وصحابته معتمرين، فأشاعوا أن المسلمين يعانون عسرة وجهدا.
قال ابن عباس: صفّوا له عند (دار الندوة) لينظروا إليه وإلى أصحابه، فلمّا دخل رسول الله ﷺ المسجد اضطبع بردائه، وأخرج عضده اليمنى ثم قال:
«رحم الله امرأ أراهم اليوم من نفسه قوّة» «١»، ثم استلم الركن وأخذ يهرول، ويهرول أصحابه معه حتى واراه البيت عنهم.
والتّطواف بهذه السرعة إظهار لبأس المسلمين، وتكذيب لإشاعات الضعف، وقد مضت السّنّة به بعد ذلك.
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٣٥٤، عن ابن إسحاق: حدثني من لا أتّهم عن ابن عباس مرفوعا؛ ورواه ابن جرير: ٢/ ٣٠٩، عن ابن إسحاق، فقال: عن الحسن بن عمارة، عن الحكم بن عتيبة، عن مقسم، عن ابن عباس؛ فإن صحّت هذه الرواية فهي نقل عن الطريق الأولى؛ لأنّ الحسن بن عمارة متهم بالوضع، وإن لم يصح ففي الطريق الأولى من لم يسم. ويغني عنه ما في المسند، رقم (٣٥٣٦) عن ابن عباس: أن قريشا قالت: إنّ محمدا وأصحابه قد وهنتهم حمى يثرب، فلمّا قدم رسول الله ﷺ لعامه الذي اعتمر فيه قال لأصحابه: «ارملوا بالبيت، ليرى المشركون قوّتكم» فلما رملوا قالت قريش: ما وهنتهم، وسنده صحيح، علّقه البخاري: ٨/ ٤١١.
[ ٣٦٥ ]
وروي «١»: أن رسول الله ﷺ لما دخل مكة كان عبد الله بن رواحة اخذا بخطام ناقته، وهو ينشد:
خلّوا بني الكفّار عن سبيله خلّوا فكلّ الخير في رسوله!
يا ربّ إنّي مؤمن بقيله أعرف حقّ الله في قبوله
وأقام الرسول ﷺ ثلاثة أيام، جاء في نهايتها نفر من قريش يذكّرونه بانقضاء الأجل المضروب، ويقولون له: اخرج عنّا، فقال لهم الرسول ﷺ: «لو تركتموني فأعرست بين أظهركم، وصنعنا لكم طعاما، فحضرتموه؟» «٢» .
قالوا: لا حاجة لنا في طعامك، فاخرج عنا.
وكان العبّاس عمّ رسول الله ﷺ قد زوّجه من ميمونة بنت الحارث، خالة عبد الله بن عباس، فعقد عليها في مكة، وبنى بها في سرف، وفي هذه العمرة نزل قوله تعالى:
لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخافُونَ فَعَلِمَ ما لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا (٢٧) [الفتح] .
_________________
(١) عند ابن هشام: ٢/ ٢٥٥، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر مرسلا، لكن رواه عبد الرزاق من وجهين عن أنس، والأول صحيح على شرط الشيخين، والاخر على شرط مسلم كما قال الحافظ في (الفتح): ٧/ ٤٠٣- ٤٠٤؛ ومن الوجه الثاني أخرجه الترمذي وحسنه؛ والنسائي: ٢/ ٣٠.
(٢) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٥٥، عن ابن إسحاق بغير إسناد؛ والقصة في البخاري: ٧/ ٤٠٣- ٤٠٧، من حديث البراء: ٧/ ٤١٠، عن ابن عمر، وليس في روايتيهما: «لو تركتموني » . وإنما فيها: فلمّا أن أقام بها ثلاثا أمروه أن يخرج فخرج.
[ ٣٦٦ ]
غزوة مؤنة
عزّ على المسلمين مصرع رسولهم إلى أمير بصرى، والطريقة الشائنة التي عومل بها، فقد أوثق شرحبيل بن عمرو رباطه، ثم قدّمه فضرب عنقه، ولم يقتل أحد غيره من بعوث الرسول ﷺ الكثيرة إلى الافاق، والرّسل لا يقتلون، لذلك كان وقع هذه الإهانة شديدا على المسلمين، فعزموا على الاقتصاص لرجلهم، وعلى زلزلة الوالي الأثيم الذي صنع ما صنع لحساب الرومان.
وتجهّز المسلمون في جيش يعتبر بالنسبة لهم كبيرا، إذ بلغت عدّته ثلاثة الاف، وخرج أهل المدينة يودّعون الجيش الزاحف، وهم يقولون: صحبكم الله بالسلامة ودفع عنكم، وردكم إلينا صالحين، فقال عبد الله بن رواحة يردّ على هذا الوداع:
لكنّني أسأل الرّحمن مغفرة وضربة ذات فرع تقذف الزّبدا!
أو طعنة بيدي حرّان مجهزة بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا!
حتّى يقال- إذا مرّوا على جدثي- يا أرشد الله من غاز وقد رشدا!
ورتب النبيّ ﷺ قادة الجيش، فجعل الأمير زيد بن حارثة، وقال: «إن أصيب فجعفر بن أبي طالب، فإن أصيب جعفر، فعبد الله بن رواحة» «١» .
وانطلق الجيش إلى مشارف الشام.
إلا أنّ أخباره سبقته إلى الروم، ولا بدّ أن تهاويل كثيرة أحاطت بسمعة المسلمين وطاقاتهم الحربية، مما جعل القوم يستعدون للقتال بجيش كثيف.
فلمّا وصل المسلمون إلى (معان) عرفوا أنّ في انتظارهم مئة ألف من الروم، ومئة ألف أخرى من نصارى العرب.
والهجوم على جيش تلك عدته مجازفة مخوفة، فأقام المسلمون ليلتين
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٤١٢، وغيره عن ابن عمر؛ وأحمد: ٥/ ٢٩٩- ٣٠٠- ٣٠١، عن أبي قتادة، وسنده صحيح.
[ ٣٦٧ ]
ب (معان) يتدبّرون أمرهم، وقال نفر منهم: نكتب إلى رسول الله، نخبره بعدد عدونا، فإمّا أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمره فنمضي له، ولم يرق لعبد الله بن رواحة فشجّع الناس قائلا: يا قوم! والله إنّ التي تكرهون للّتي خرجتم تطلبون الشهادة! - وما نقاتل النّاس بعدد ولا قوّة ولا كثرة، ما نقاتلهم إلا بهذا الدّين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا، فإنّما هي إحدى الحسنيين: إما ظهور وإما شهادة.
وكان لهذه الكلمة الملتهبة أثرها، فاختفت من صفوف المسلمين مشاعر التردد وقرروا القتال مهما كانت النتائج.
وابن رواحة شاعر حادّ العاطفة، وقد أحسّ منذ خروجه أن الاستشهاد مقبل عليه، فهو يتهيأ له بقلبه ولسانه، وقد تكون العسكرية في تصرف غير ما أوحى به، غير أنّ المسلمين ما إن سمعوا حديث الفداء والموت في سبيل الله حتى جاشت بأنفسهم محبة الاخرة، ثم ذكروا أنهم نصروا في معارك سابقة باستعداد أقل من عدوهم، فأقدموا مطمئنين.
عن أبي هريرة قال: شهدت مؤتة، فلمّا دنا المشركون رأينا ما لا قبل لأحد به من العدّة والسّلاح، والكراع، والديباج، والحرير، والذهب، فبرق بصري!! فقال لي ثابت بن أقرم: يا أبا هريرة! كأنّك ترى جموعا كثيرة؟ قلت: نعم- وأبو هريرة ممّن أسلموا بعد الحديبية- فقال له ثابت: إنّك لم تشهد بدرا معنا، إنّا لم ننصر بالكثرة.
والتقى الجمعان، وعبث أن ننتظر من ثلاثة الاف بطل أن يصاولوا في ميدان مكشوف فيالق تربو عليهم سبعين ضعفا.
قاتل زيد بن حارثة براية رسول الله ﷺ حتى شاط في رماح القوم.
وتلقّف الراية جعفر بن أبي طالب، فأقبل على الروم يجالدهم بعنف.
روى أبو داود حديث شاهد عيان يقول: لكأنّي أنظر إلى جعفر حين اقتحم على فرس له شقراء ثم عقرها، ثم قاتل القوم حتى قتل، وهو ينشد:
يا حبّذا الجنّة واقترابها! طيّبة، وباردا شرابها!
والرّوم روم قد دنا عذابها كافرة بعيدة أنسابها!
عليّ إن لاقيتها ضرابها!
[ ٣٦٨ ]
قيل: إنّ رجلا من الروم ضربه ضربة قطعه نصفين.
وقيل: أخذ اللواء بيمينه فقطعت، فأخذه بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل، وقد رزق جعفر هذه الشهادة وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.
فلما قتل حمل عبد الله بن رواحة الراية، ثم تقدّم بها وهو على فرسه، فلمّا أحسّ دقّة الموقف، وشدة الضغط، عراه بعض التردد، ثم أقنع نفسه بورود المصير الذي ذاق صاحباه، فأقبل على الساحة المضطرمة وهو يقول:
يا نفس إن لا تقتلي تموتي! هذا حمام الموت قد صليت!
وما تمنّيت فقد أعطيت! إن تفعلي فعلهما هديت!
ثم أقدم، وجاءه ابن عم له بقطعة لحم فناولها إياه وهو يقول: شدّ بها صلبك، فإنك قد لقيت في أيامك هذه ما لقيت، فما كاد يقطع منها مضغة حتى سمع الحطمة في ناحية من الجبهة استعرت بها الحرب، فقال لنفسه: وأنت في الدنيا؟ ورمى بالطعام من يده.. ثم انتضى سيفه، وتقدّم حتى قتل.
وأخذ الراية التي تداولتها أيدي الأمراء الثلاثة ثابت بن أقرم، وصاح:
يا معشر المسلمين! اصطلحوا على رجل منكم! قالوا: أنت. قال: ما أنا بفاعل! فاصطلح الناس على (خالد بن الوليد)، وثابت أبى القيادة لا نكوصا عن الموت، بل شعورا بوجود الأكفأ منه في الجماعة، وحملانه الراية خشية أن تسقط من ايات الجرأة في هذا الموقف العصيب. وليت كلّ امرئ يعرف أقدار الناس، ينزلهم منازلهم التي يستحقونها، فلا يكلف أمته أن تحمل عجزه وأثرته.
وأخذ الراية (خالد) فشرع يقاتل ويحتال للخلوص بالجيش من هذا المأزق المتضايق، وقتال الانسحاب شاقّ مرهق، خصوصا وخالد لا يريد إشعار الروم بهذه الخطة.
روى البخاري عن خالد: اندقّت في يدي يوم (مؤتة) تسعة أسياف، وما ثبت في يدي إلا صفيحة يمانية.
ودخل الليل على المتحاربين، فكان هدنة مؤقتة، فلما طلع الصبح كان خالد قد أعاد تنظيم قواته القليلة، فجعل المقدمة ساقة والميمنة ميسرة.
وجعل هدفه مناوشة الرومان بحيث يلحق بهم أفدح الخسائر، دون أن يعرّض كتلة الجيش لالتحام عام، وقد أفلحت هذه الخطة في إنقاذ الالاف القليلة
[ ٣٦٩ ]
التي معه، وإنقاذ سمعة المسلمين في أول معركة لهم مع الدولة الكبرى.
والعجيب أنّ الرومان أعياهم هذا القتال، وأصيبوا فيه بخسائر كبيرة؛ بل إنّ بعض فرقهم انكشف، وولّى مهزوما. واكتفى خالد بهذه النتيجة، واثر الانصراف بمن معه.
عن أنس بن مالك أنّ رسول الله ﷺ نعى زيدا وجعفرا وابن رواحة للناس قبل أن يأتيه خبرهم، فقال: «أخذ الراية زيد فأصيب، ثم أخذها جعفر فأصيب، ثم أخذها ابن رواحة فأصيب- وعيناه تذرفان- قال: ثم أخذ الراية سيف من سيوف الله حتى فتح الله عليهم» «١» .
وروى ابن إسحاق «٢»، عن رسول الله ﷺ: «لقد رفعوا إلى الجنة- فيما يرى النائم- على سرر من ذهب، فرأيت في سرير عبد الله بن رواحة ازورارا عن سريري صاحبيه، فقلت: ممّ هذا؟ فقيل لي: مضيا، وتردّد عبد الله بعض التردد، ثم مضى» .
[التربية الجهادية للمجتمع المسلم]:
والدلالة التي تعلو على الريب في هذه المعركة أن شجاعة المسلمين وبسالتهم بلغتا حدّا لم تعرفه أمة معاصرة، وقد أكسبهم هذا الروح العالي إقداما حقّر أمامهم كبرياء الأمم التي عاشت مع التاريخ دهرا تصول وتجول لا يقفها شيء.
إن الاستهتار بالخطر والطيران إلى الموت ليسا فروسية احتكرها الرجال المقاتلون واحدهم، بل هي قوة غامرة قاهرة، تعدّت الرجال إلى الأطفال، فأصبحت الأمة كلها أمة كفاح غال عزيز، وحسبك أن جيش (مؤتة) لما عاد إلى المدينة قابله الصبية بصيحات الاستنكار يقولون: يا فرّار!، فررتم في سبيل الله؟
إنّ أولئك الصغار الأغرار يرون انسحاب خالد ومن معه فرارا، يقابل بحثو التراب. أيّ جيل قويّ نابه هذا الجيل الذي صنعه الإيمان بالحق؟! أيّ نجاح بلغته رسالة الإسلام في صياغة أولئك الأطفال العظام؟ من اباؤهم؟ من أمهاتهم؟
كيف كان الاباء يربون؟ وكيف كانت الأمهات يدللن؟.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٧/ ٤١٣، وغيره.
(٢) رواه بلاغا كما في سيرة ابن هشام: ١/ ٢٥٨- ٢٥٩، وغيرها، فهو ضعيف الإسناد.
[ ٣٧٠ ]
إن مسلمة اليوم بحاجة ماسّة إلى أن تعرف هذه الدروس.
[مكانة القادة الثلاثة في الجنة]:
تحدث النبي ﷺ عن قادة الجيش الذين قتلوا، فقال لأصحابه: «ما يسرّهم أنّهم عندنا» «١» . أجل، إنّ الجوار الذي صاروا إليه أحبّ لنفوسهم، وأقرّ لعيونهم من الدنيا وما فيها ومن فيها. أما أسرهم ففي كفالة الله، وهو نعم المولى ونعم النصير.
عن عبد الله بن جعفر- ابن الشهيد- جاءنا النبيّ ﷺ بعد ثلاث من موت جعفر فقال: «لا تبكوا على أخي بعد اليوم، وادعوا لي بني أخي» .
قال عبد الله: فجيء بنا كأننا أفراخ، فقال: «ادعوا إليّ الحلّاق»، فجيء بالحلّاق، فحلق رؤوسنا، ثم قال الرسول ﵊- مداعبا-: «أمّا محمّد فشبيه عمنا أبي طالب، وأمّا عبد الله فشبيه خلقي وخلقي»، ثم أخذ بيدي فأشالها، وقال: «اللهمّ اخلف جعفرا في أهله، وبارك لعبد الله في صفقة يمينه» .
قالها ثلاث مرات.
قال عبد الله: وجاءت أمّنا فذكرت له يتمنا، وجعلت تحزّنه، فقال لها النبي ﷺ: «العيلة تخافين عليهم وأنا وليّهم في الدّنيا والاخرة؟!» «٢» .
ولم ير المسلمون في نتائج (مؤتة) ما يسكن ثائرتهم، فإن القبائل المنتصرة بالشمال استظهرت بالرومان على مقاتلتهم، واستطاعت بذلك النجاة من عدوانها على الحارث بن عمير، ولا بدّ من قذف الرعب في قلوبها، وإشعارها بأنّ بعوث الإسلام لا تلقى هذا الهوان. وهكذا اتجه نشاط المسلمين العسكري إلى ميدان جديد بعيد.
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ١٣٥، من حديث أنس المتقدم في رواية له، لكن بلفظ: «ما يسرني؛ أو قال: ما يسرهم..» على الشك.
(٢) حديث صحيح، أخرجه أحمد، رقم (١٧٥٠) بإسناد صحيح على شرط مسلم، وبعضه عند أبي داود والنسائي والحاكم وصحّحه ووافقه الذهبي.
[ ٣٧١ ]
ذات السلاسل
كانت (مؤتة) في جمادى الأولى من السنة الثامنة، ولم يلبث المسلمون طويلا بعدها حتى عادوا إلى مشارف الشام؛ يلاحقون خصومهم قبل أن يستريحوا، فخرج (عمرو بن العاص) ليؤدّب القبائل الضاربة هناك إلا أنه خشي من كثرة عدوه، فأرسل إلى النبيّ ﷺ يطلب مددا، وانحاز إلى ماء يسمّى السلاسل حتى يجيئه العون.
وبعث رسول الله ﷺ جيشا من المهاجرين الأولين- فيهم أبو بكر وعمر- يقوده أبو عبيدة بن الجراح. ووصّاه رسول الله ﷺ حين وجّهه لنجدة (عمرو) فقال: لا تختلفا «١» .
فلما وصل أبو عبيدة قال له عمرو: إنما جئت مددا لي، فقال له أبو عبيدة: لا، ولكني على ما أنا عليه وأنت على ما أنت عليه! فقال عمرو: أنت مدد لي! - وكان أبو عبيدة رجلا لينا سهلا، هينا عليه أمر الدنيا- فقال: يا عمرو! إن رسول الله ﷺ قال لي: «لا تختلفا»، وإنك إن عصيتني أطعتك! قال عمرو: فإني أمير عليك، وإنما أنت مدد لي. قال: فدونك، فصلّى عمرو بالناس، وتولى قيادهم جميعا.
وأخذ عمرو يطارد القبائل الموالية للروم، فتوغّل في بلاد بليّ وعذرة وبلقين وطيّئ. وكلما انتهى إلى موضع قيل له: كان هنا (جمع) فلما سمعوا بك تفرّقوا! وظفر مرة بواحد من هذه الجموع فاقتتلوا، وحمل عليهم المسلمون فهزموا، وأعجزوهم هربا في البلاد.
ومع أنّ عمرا دوّخ أولئك الأعراب، وشتّت شملهم؛ إلا أنّه لم يلقهم في معركة حاسمة، وعلى أية حال فإنّ سمعة المسلمين انزاح عنها غبار كثير بهذه الغزوة.
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن إسحاق عن محمد بن عبد الرحمن بن عبد الله بن الحصين التميمي مرسلا.
[ ٣٧٢ ]
[فقه عمرو]:
وحدث أنّ عمرو بن العاص احتلم في ليلة باردة، وخشي على نفسه إن اغتسل أن يعتلّ، فتيمم، وصلّى بالنّاس، وكأنّ بعض الصحابة شكّ في هذا الصنيع من عمرو، فذهب إلى النبي ﷺ يقول له: إن عمرا صلّى بنا وهو جنب! فقال الرسول ﷺ: «يا عمرو! صليت بأصحابك وأنت جنب؟» . فأخبره بالذي منعه من الاغتسال. لقد خاف على نفسه قسوة البرد، والله يقول:
وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيمًا [النساء: ٢٩] .
فضحك الرسول ﷺ ولم يقل شيئا «١» .
وفقه عمرو في هذه المسألة صحيح، فإنّ التيمّم يجوز إذا كان استعمال الماء مظنة الضرر.
_________________
(١) صحيح، أخرجه أبو داود والدارقطني والحاكم والبيهقي بإسناد صحيح عن عمرو بن العاص، وقد تكلمات على الحديث في (صحيح سنن أبي داود)، رقم (٣٦٠، ٣٦١) .
[ ٣٧٣ ]
الفتح الأعظم
شغل المسلمون بعد عهد الحديبية بنشر الدعوة، وعرض تعاليم الإسلام على كل ذي عقل، وكان وفاؤهم لقريش أمرا مقررا فيما أحبوا وفيما كرهوا.
ورأى الناس من ذلك الايات البينات!!.
لكنّ قريشا ظلّت على جمودها القديم في إدارة سياستها، غير واعية للأحداث الخطيرة التي غيّرت مجرى الأحوال في الجزيرة العربية، وتوشك أن تغيره في العالم كله.
وقد جرها فقدان هذا الوعي إلى حماقة كبيرة، أصبح بعدها عهد الحديبية لغوا، وذلك أنها مع حلفائها من بني بكر هاجموا خزاعة- وهي مع المسلمين في حلف واحد- وقاتلوهم، فأصابوا منهم رجالا، وانحازت خزاعة إلى الحرم إذ لم تكن متأهبة لحرب، فتبعهم بنو بكر يقتلونهم، وقريش تمدّهم بالسلاح، وتعينهم على البغي.
وأحسّ نفر من بني بكر أنّهم دخلوا الحرم- حيث لا يجوز قتال- فقالوا لرئيسهم نوفل بن معاوية: إنّا قد دخلنا الحرم، إلهك إلهك. فقال نوفل: لا إله اليوم يا بني بكر.. أصيبوا ثأركم..!!.
وفزعت خزاعة لما حلّ بها، فبعثت إلى رسول الله ﷺ (عمرو بن سالم) يقصّ عليه نبأها، فلمّا قدم المدينة وقف على النبي ﷺ وهو جالس في المسجد بين ظهراني الناس يقول:
يا ربّ إنّي ناشد محمّدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
قد كنتم ولدا وكنّا والدا ثمّت أسلمنا فلم ننزع يدا
فانصر هداك الله نصرا أعتدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فيهم رسول الله قد تجرّدا أبيض مثل البدر يسمو صعدا
إن سيم خسفا وجهه تربّدا في فيلق كالبحر يجري مزيدا
[ ٣٧٤ ]
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وجعلوا لي في كداء رصدا وزعموا أن لست أدعو أحدا
وهم أذلّ وأقلّ عددا هم بيّتونا بالوتير هجّدا
وقتلونا ركّعا وسجّدا
فقال رسول الله ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» «١» ..
[أبو سفيان يحاول إصلاح ما أفسده قومه]:
وأحست قريش- بعد فوات الأوان- خطأها، فخرج أبو سفيان إلى المدينة يصلح ما أفسده قومه، ويحاول أن يعيد للعقد المهدر حرمته!.
وبلغ المدينة، فذهب إلى ابنته أمّ حبيبة، وأراد أن يجلس على الفراش؛ فطوته دونه. فقال: يا بنية! ما أدري، أرغبت بي عن هذا الفراش أم رغبت به عنّي؟!.
فقالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ وأنت مشرك نجس! قال: والله! لقد أصابك بعدي شرّ! ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ فكلّمه، فلم يرد عليه شيئا «٢» .
واستشفع أبو سفيان بأبي بكر ليحدّث النبي ﷺ في هذا الشأن فرفض، فتركه إلى عمر، فقال عمر: أنا أشفع لكم عند رسول الله! والله لو لم أجد إلا الذّرّ لجاهدتكم به.
فتركهما إلى عليّ فردّ عليه: والله يا أبا سفيان لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلّمه فيه، ثم نصحه أن يعود من حيث جاء.. فقفل أبو سفيان إلى قومه، يخبرهم بما لقي من صدود.
وأمر النبيّ ﷺ النّاس أن يتجهزوا، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة، وأوصاهم بالجد والبدار. وقال: «اللهمّ خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٦٥؛ وابن جرير: ٢/ ٣٢٤- ٣٢٥، عن ابن إسحاق بدون إسناد، ووصله الطبراني في (المعجم الصغير)، ص ٢٠٢، وكذا في الكبير من حديث ميمونة بنت الحارث رضي الله تعالى عنها بإسناد ضعيف.
(٢) ضعيف، رواه ابن إسحاق بدون إسناد، كما في سيرة ابن هشام: ٢/ ٢٦٥؛ وابن جرير: ٢/ ٣٢٥- ٣٢٦.
[ ٣٧٥ ]
في بلادها» «١» !.
واستمع المسلمون لأمر نبيّهم، فمضوا يعبّئون قواهم للّقاء المنتظر، وهم مدركون أنّ الساعة الفاصلة مع أهل مكة قد دنت.
[إنه شهد بدرا..]:
ووقع في هذه الفترة الدقيقة حادث مستغرب؛ فإنّ رجلا من أهل السابقة في جهاد المشركين تطوّع بإرسال كتاب إلى قريش يخبرهم فيه أن محمدا ﷺ سائر إليهم بجيشه.
وقد رأيت أنّ المسلمين حراص على إخفاء خطة الغزو، أليس مما يقرّب نجاحهم ويخفف خسائرهم؟ ولعلّه يدفع قريشا إلى التسليم دون أن تسفك الدماء عبثا.
وما معنى الكتابة إليهم إلا التحريض على حرب الله ورسوله ﷺ، والاستكثار من أسباب المقاومة؟.
عن علي بن أبي طالب: بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد فقال:
«انطلقوا حتّى تأتوا روضة (خاخ)، فإنّ بها ظعينة معها كتاب، فخذوه منها» .
فانطلقنا تعادى بنا خيلنا، حتى أتينا الروضة، فإذا نحن بالظعينة. فقلنا: أخرجي الكتاب. فقالت: ما معي! فقلنا: لتخرجنّ الكتاب أو لنلقينّ الثياب! فأخرجته من عقاصها، فأتينا به رسول الله ﷺ.
فإذا فيه: من حاطب بن أبي بلتعة إلى ناس بمكّة من المشركين يخبرهم ببعض أمر رسول الله. فقال: «يا حاطب، ما هذا؟!» فقال: يا رسول الله! لا تعجل عليّ، إنّي كنت امرأ ملصقا في قريش- كنت حليفا لها، ولم أكن من صميمها- وكان من معك من المهاجرين لهم قرابات يحمون بها أهليهم وأموالهم، فأحببت إذ فاتني ذلك من النسب فيهم- أن أتخذ عندهم يدا يحمون بها قرابتي، ولم أفعله ارتدادا عن ديني، ولا رضا بالكفر بعد الإسلام.
فقال رسول الله ﷺ: «أما إنّه قد صدقكم» ! فقال عمر: يا رسول الله! دعني أضرب عنق هذا المنافق! فقال: «إنه شهد بدرا، وما يدريك؟ .. لعلّ الله
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن إسحاق بدون إسناد، ومعناه في حديث ميمونة المخرّج انفا.
[ ٣٧٦ ]
قد اطّلع على من شهد بدرا فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم؟!» .
ونزل قول الله ﵎: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهادًا فِي سَبِيلِي وَابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وَما أَعْلَنْتُمْ وَمَنْ يَفْعَلْهُ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ (١) [الممتحنة] «١» .
إن حاطبا خرج عن جادّة الصواب بهذا العمل.
وما كان له أن يوادّ المشركين، وهم الذين تبجّحوا بالكفران، وتظاهروا على العدوان، وصنعوا بالمسلمين ما حاطب أعلم به من غيره.
لكنّ الإنسان الكبير تعرض له فترات يصغر فيها، والله أبرّ بعباده من أن يؤاخذهم بسورات الضعف التي تعرو نورهم فيخبو، وسعيهم فيكبوا.
وقد استكشف النبيّ ﷺ خبيئة حاطب، فعرف أنّه لم يكذبه في اعتذاره، إنّهم مقبلون على معركة كبيرة، قد ينهزمون فيها، فتقوم العصبيات القديمة بحماية الأقارب الشاردين، ويبقى حاطب لا حمى له، فليتخذ تلك اليد عند قريش حيطة للمستقبل.
ذلك ما فكر فيه حاطب، وهو خطأ، فإنّ المشركين لم يذكروا في عداوة الإسلام رحما ولا أهلا، وما ينبغي- ولو دارت علينا الدوائر- أن نبقي لهم ودّا، وقد خاصمناهم في ذات الله، وأخذ علينا العهد أن نبذل في حربهم أنفسنا وأموالنا
ولو جاز اتخاذ يد عندهم فكيف يتوسّل لذلك بعمل يعدّ خيانة كبيرة فادحة الإضرار بالإسلام وأهله؟!.
على أنّ حاطبا شفع له ماضيه الكريم، فجبرت عثرته، وأمر النبي ﷺ المسلمين أن يذكروا الرجل بأفضل ما فيه، وبهذا التقدير السمح علّمنا الإسلام ألا ننسى الحسنات والفضائل لمن يخطئون حينا بعد أن أصابوا طويلا.
[إسلام العباس ﵁]:
سرى القلق في ربوع مكة عقب أوبة أبي سفيان، ورأى العباس بن
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما.
[ ٣٧٧ ]
عبد المطلب أن يسلم هو وعياله، وأن يهجروا مكة إلى المدينة، فقابلوا رسول الله ﷺ في الطريق مقبلا بجيشه على مكة، وخرج كذلك أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبي أمية، فلقيا النبي ﷺ بالأبواء- وهما ابن عمه وابن عمّته- وكانا من أشدّ الناس إيذاء له بمكة، فأعرض عنهما لما ذكر من مساءتهما.
لكنّ عليّ بن أبي طالب أشار إلى ابن عمه أبي سفيان بوسيلة يترضّى بها رسول الله ﷺ. قال له: ائته من قبل وجهه، وقل ما قال إخوة يوسف: تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ [يوسف: ٩١] فإنه لا يرضى أن يكون أحد أحسن منه جوابا. ففعل ذلك أبو سفيان، فقال له رسول الله ﷺ: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ [يوسف: ٩٢] .
وأنشده أبو سفيان أبياتا جاء فيها:
لعمرك إنّي حين أحمل راية لتغلب خيل اللّات خيل محمّد
لكالمدلج الحيران أظلم ليله فهذا أواني حين أهدى فأهتدي
هداني هاد غير نفسي ودلّني على الله من طرّدته كلّ مطرد
فضرب الرسول ﷺ على صدره وهو يقول له: «أنت طردتني كلّ مطرد» «١» .
[تعمية أخبار الجيش]:
وسار الجيش يطوي الوهاد والنجاد مسرعا إلى مكة حتى بلغ «مرّ الظهران» قريبا منها في العشاء، فنزل الجيش، ونصبت الخيام، وأوقدت النيران في معسكر يضمّ عشرة الاف، حتى أضاء منها الوادي، وأهل مكة في عماية من أمرهم، لا يدرون عن القضاء النازل بهم شيئا وعزّ على العباس أن تجتاح مكة في أعقاب قتال تتنافى فيه، ولا يغنيها فتيلا.
فخرج يبحث عن وسيلة تقنع قريشا بمسالمة النبي ﷺ وتدخلها في أمانه.
وصادف ذلك أن ثلاثة من كبراء مكة خرجوا يتعرّفون الأخبار، ويتسمعون ما يقال، فلمّا اقتربوا من الوادي راعهم ما به.
_________________
(١) حديث حسن، أخرجه ابن جرير: ٢/ ٢٢٩، والحاكم: ٣/ ٤٣- ٤٤، من حديث ابن عباس، وقال: «صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي، وإنما هو حسن فقط.
[ ٣٧٨ ]
قال أبو سفيان زعيم مكة: ما رأيت كالليلة نيرانا قطّ ولا عسكرا!!.
فقال بديل بن ورقاء: هذه- والله- خزاعة، حمشتها الحرب.
فردّ أبو سفيان: خزاعة أقلّ وأذلّ من أن تكون هذه نيرانها وعسكرها.
وكان المسلمون على خطتهم المرسومة، يبثون العيون حولهم، حتى يأخذوا قريشا على غرّة، فلا ترى من التسليم بدّا، فعثرت خيالتهم على رجال قريش أولئك، ومعهم حكيم بن حزام، فأخذتهم، وعادت بهم مسرعة إلى رسول الله ﷺ، ولحق العباس بالأسرى وهو يعلن أنّهم في جواره، فلما دخلوا على النبي ﷺ حادثهم عامّة الليل، فانشرحت صدورهم بالإسلام، وإن كان أبو سفيان قد تأخّر إسلامه حتى طلع الصبح
ثم سألوه الأمان لقريش، فقال رسول الله ﷺ: «من دخل دار أبي سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق بابه فهو امن» «١» .
وإنما أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان هذه الميزة إرضاء لعاطفة الفخر في نفسه، وقد أرضاه بما لا يضرّ أحدا، ولا يكلّف جهدا، ولا عليه أن يتحبّب إلى نفس بمثل هذا الثمن الميسور. وأراد رسول الله ﷺ أن يستوثق من سير الأمور بعيدا عن الحرب والضرب، فضمّ إلى ذلك المسلك مع أبي سفيان أن أوصى العبّاس باحتجازه في مضيق الوادي، حتى يستعرض القوى الزاحفة كلّها، فلا تبقى في نفسه أثارة لمقاومة، وهو سيد مكة المتبوع، قال العباس: فخرجت بأبي سفيان حتى حبسته بمضيق الوادي، حيث أمرني رسول الله ﷺ، ومرّت القبائل على راياتها، كلّما مرت قبيلة قال: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: سليم! فيقول:
ما لي ولسليم؟ ثم تمرّ به القبيلة، فيقول: يا عباس! من هؤلاء؟ فأقول: مزينة!
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٦٨، عن ابن إسحاق معضلا؛ لكن وصله عند ابن جرير: ٢/ ٣٣٠- ٣٣٢، عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة، عن ابن عباس، وحسين هذا ضعيف، لكن قال الهيثمي في (المجمع: ٦/ ١٦٥- ١٦٧): رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح، فالظاهر أنّه عنده من غير هذا الطريق الضعيف؛ ورواه أبو داود: ٢/ ٤١، عن ابن إسحاق بإسناد اخر له عن ابن عباس وفيه رجل لم يسم، وله عنده إسناد ثالث ورجاله ثقات. لكن لم يصرح فيه ابن إسحاق بالسماع ثم أخرجه هو ومسلم: ٥/ ١٧٢- ١٧٣، من حديث أبي هريرة، إلا أنه قال: «ومن ألقى السلاح فهو امن»، بدل: «ومن دخل المسجد فهو امن» .
[ ٣٧٩ ]
فيقول: ما لي ولمزينة؟! حتى نفذت القبائل، ما تمرّ به قبيلة إلا سألني عنها، فإذا أخبرته قال: ما لي ولبني فلان؟. حتى مرّ رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء، وفيها المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، فقال:
سبحان الله! يا عباس! من هؤلاء؟.
قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار.
قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة! والله با أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك الغداة عظيما!!.
قال العباس: يا أبا سفيان، إنّها النبوة. قال: فنعم إذن «١» .
[دعوة أبي سفيان إلى الاستسلام]:
ودخل أبو سفيان مكة مبهورا مذعورا، وهو يحسّ أنّ من ورائه إعصارا، إذا انطلق اجتاح ما أمامه، فما يقف دونه شيء، ورأى أهل مكة الجيش الفاتح يقبل من بعيد رويدا رويدا، فاجتمعوا على سادتهم، ينتظرون الأوامر بالقتال، فإذا بصوت أبي سفيان ينطلق عاليا واضحا: يا معشر قريش! هذا محمد جاءكم فيما لا قبل لكم به، فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن، وشدهت امرأته هند بنت عتبة وهي تسمع من زوجها هذا الكلام، فوثبت إليه، وأخذت بشاربه تلويه وصاحت:
اقتلوا الحميت الدسم الأحمش- أي هذا الزقّ المنتفخ- قبّحت من طليعة قوم.
ولم يكترث أبو سفيان لسباب امرأته فعاود تحذيره: ويلكم لا تغرنّكم هذه من أنفسكم، فإنّه قد جاءكم ما لا قبل لكم به. فمن دخل دار أبي سفيان فهو امن.
قالوا: قاتلك الله؟ وما تغني عنّا دارك؟ قال: ومن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد.
وأصبحت (أم القرى) وقد قيّد الرعب حركاتها، واسترخت تجاه القدر المنساق إليها، فاختفى الرجال وراء الأبواب الموصدة، أو اجتمعوا في المسجد الحرام يرقبون مصيرهم وهم واجمون.
_________________
(١) حديث صحيح، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٦٨- ٢٦٩، عن ابن إسحاق بدون إسناد. لكن رواه عنه ابن جرير والطبراني موصولا عن ابن عباس كما تقدم انفا. وبعضه في صحيح البخاري: ٨/ ٤- ٦؛ وابن جرير: ٢/ ٣٣٢- ٣٣٣، عن عروة مرسلا فهو شاهد قوي.
[ ٣٨٠ ]
على حين كان الجيش الزاحف يتقدّم ورسول الله ﷺ على ناقته تتوج هامته عمامة دسماء، ورأسه خفيض من شدة التخشّع لله، لقد انحنى على رحله، وبدا عليه التواضع الجمّ، حتى كاد عثنونه «١» يمسّ واسطة الرحل «٢» .
إنّ الموكب الفخم المهيب الذي ينساب به حثيثا إلى جوف الحرم، والفيلق الدارع الذي يحفّ به ينتظر إشارة منه، فلا يبقى بمكة شيء امن، إنّ هذا الفتح المبين ليذكّره بماض طويل الفصول كيف خرج مطاردا؟ وكيف يعود اليوم منصورا مؤيدا..! وأيّ كرامة عظمى حفّه الله بها في هذا الصباح الميمون! وكلّما استشعر هذه النعماء ازداد لله على راحلته خشوعا وانحناء ويبدو أنّ هناك عواطف أخرى كانت تجيش في بعض الصدور.
فإنّ (سعد بن عبادة) زعيم الخزرج ذكر ما فعل أهل مكة، وما فرّطوا في جنب الله، ثم شعر بزمام القوة في يده فصاح: اليوم يوم الملحمة.. اليوم تستحلّ الحرمة، اليوم أذلّ الله قريشا.
وبلغت هذه الكلمة مسامع الرسول ﷺ فقال: «بل اليوم يوم تعظّم فيه الكعبة «٣» . اليوم يوم أعزّ الله فيه قريشا»، وأمر أن ينزع اللواء من سعد، ويدفع إلى ابنه مخافة أن تكون لسعد صولة في الناس.
[دخول جيش المسلمين مكة]:
وسار رسول الله ﷺ فدخل مكة من أعلاها «٤» . وأمر قادة جيشه ألا يقاتلوا
_________________
(١) ما فضل من اللحية بعد العارضين. (ن) .
(٢) ضعيف؛ رواه ابن هشام: ٢/ ٢٦٩، عن ابن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر مرسلا. ووصله الحاكم: ٣/ ٤٧، وكذا أبو يعلى من حديث أنس بنحوه. وقال الحاكم: «صحيح على شرط مسلم»، وأقرّه الذهبي! وهو من أوهامهما؛ فإنّ في سنده عبد الله بن أبي بكر المقدمي وهو ضعيف، كما قال ابن عدي، ثم ساق له هذا الحديث كما في الميزان، وهذا المقدمي غير عبد الله بن أبي بكر شيخ ابن إسحاق؛ فإن هذا متأخّر من طبقة الإمام أحمد؛ وذاك تابعي صغير، يروي عن أنس ﵁ وهو ثقة.
(٣) ضعيف، أخرجه البخاري وغيره من حديث عروة مرسلا؛ وقد سبق تخريجه قريبا؛ وأمّا باقي الحديث فقد رواه يحيى بن سعيد الأموي، كما في (شرح المواهب) للزرقاني: ٢/ ٣٠٦، ولم يتكلم على سنده بشيء ولا ساقه لينظر فيه؛ وقد أشار ابن كثير في (البداية: ٤/ ٢٩٥)، لضعفه.
(٤) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ١٤- ١٥، عن ابن عمر وعائشة.
[ ٣٨١ ]
إلا من قاتلهم «١» فدخلت سائر الفرق من أنحاء مكة الاخرى.
ودخل (خالد بن الوليد) من أسفل مكة. وكان هناك نفر من قريش غاظهم هذا التسليم، فتجمّعوا عند (الخندمة) يقودهم (عكرمة بن أبي جهل) و(سهيل بن عمرو) و(صفوان بن أمية)، إلا أنّ الحقيقة الكبيرة صدمت غرورهم فبددته، فإن خالدا حصدهم حصدا، حتى لاذ القوم بالفرار، ومن طريف ما وقع أنّ (حماس بن خالد) من قبيلة بني بكر، كان قد أعدّ سلاحا لمقاتلة المسلمين، وكانت امرأته إذا رأته يصلحه ويتعهده تسأله: لماذا تعدّ ما أرى؟ فيقول: لمحمد وأصحابه، وقالت امرأته له يوما: والله ما أرى أنّه يقوم لمحمد وصحبه شيء! فقال: إنّي والله لأرجو أن أخدمك بعضهم ثم قال:
إن يقبلوا اليوم فما علي علّه هذا سلاح كامل وألّه «٢»
وذو غرارين سريع السّله
فلما جاء يوم الفتح ناوش حماس هذا شيئا من قتال مع رجال عكرمة.
ثم أحسّ بالمشركين يتطايرون من حوله أمام جيش خالد، فخرج منهزما حتى بلغ بيته فقال لامرأته: أغلقي عليّ الباب..!.
فقالت المرأة لفارسها المعلم: فأين ما كنت تقول؟ فقال- يعتذر- لها:
إنّك لو شهدت يوم الخندمه إذ فرّ صفوان وفرّ عكرمه
وأبو يزيد قائم كالمؤتمه «٣» واستقبلتهم بالسيوف المسلمه
يقطعن كلّ ساعد وجمجمه ضربا فلا تسمع إلا غمغمه
لهم نهيت «٤» خلفنا وهمهمه لم تنطقي باللّوم أدنى كلمه!!
وسكنت مكة، واستسلم سادتها وأتباعها، وعلت كلمة الله في جنباتها، ثم نهض رسول الله إلى البيت العتيق فطوّف به، وأخذ يكسّر الأصنام المصفوفة حوله، ويضربها بقوسه ظهرا لبطن، فتقع على الأرض مهشمة متناثرة.
كانت هذه الحجارة- قبل ساعة- الهة مقدسة، وهي- الان- جصّ وتراب
_________________
(١) ذكره ابن هشام: ٣/ ٢٧٣، عن ابن إسحاق بدون إسناد.
(٢) ألّة: حربة.
(٣) المؤتمة: الأسطوانة، وأبو يزيد: سهيل بن عمر.
(٤) النهيت: صوت الصدر.
[ ٣٨٢ ]
وأنقاض، يهدمها نبيّ التوحيد وهو يقول: جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقًا [الإسراء: ٨١] «١» .
[مشاهد بعد الفتح]:
ثم أمر بالكعبة ففتحت، فرأى الصّور تملؤها، وفيها صورتان لإبراهيم وإسماعيل يستقسمان بالأزلام! فقال- ساخطا على المشركين-: «قاتلهم الله، والله ما استقسما بها قطّ» «٢»، ومحا ذلك كلّه «٣» . حتى إذا طهّر المسجد من الأوثان، أقبل على قريش، وهم صفوف صفوف، يرقبون قضاءه فيهم، فأمسك بعضادتي الباب- باب الكعبة- وهم تحته، فقال: «لا إله إلا الله واحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده» .
ثم قال: «يا معشر قريش! ما ترون أنّي فاعل بكم؟» .
قالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم!
قال: «فإنّي أقول لكم ما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ، اذهبوا فأنتم الطلقاء» «٤» .
وعند ما كان رسول الله ﷺ بالمسجد يجهز على الوثنية في عاصمتها الكبرى، اقترب منه (فضالة بن عمير) يريد أن يجد له فرصة ليقتله.
فنظر إليه النبيّ ﷺ نظرة عرف بها طويته إلا أنّه في غمرة النصر الذي أكرمه الله به، لم يجد في نفسه على الرجل، بل استدعاه ثم سأله: «ماذا كنت تحدّث به نفسك؟» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن مسعود؛ ومسلم من حديث أبي هريرة.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري عن ابن عباس.
(٣) حديث صحيح، أخرجه أحمد: ٣/ ٣٣٥- ٣٣٦- ٣٨٣- ٣٩٦، من حديث جابر بسند صحيح؛ والطيالسي: ١/ ٣٥٩، من حديث أسامة بن زيد وسنده جيد كما قال الحافظ في (الفتح): ٣/ ٢٦٨.
(٤) ضعيف، رواه ابن إسحاق معضلا كما في (ابن هشام): ٢/ ٢٧٤؛ وقد ذكره الغزالي في (الإحياء): ٣/ ١٥٨، من حديث أبي هريرة دون قوله: «اذهبوا» . وقال الحافظ العراقي في تخريجه: «رواه ابن الجوزي في (الوفاء) من طريق ابن أبي الدنيا وفيه ضعف»، ثم ذكره الغزالي من حديث سهيل بن عمرو. فقال العراقي: «لم أجده» .
[ ٣٨٣ ]
قال: لا شيء! كنت أذكر الله!! فضحك النبيّ ﷺ ثم قال: «استغفر الله» .
وتلطّف معه الرسول ﷺ، فوضع يده على صدره، فانصرف الرجل وهو يقول: ما رفع يده عن صدري حتى ما من خلق الله شيء أحبّ إليّ منه «١» .
وكانت لفضالة في جاهليته هنات، فمرّ- وهو راجع إلى أهله- بامرأة لها معه شأن. فلما رأته قالت: هلمّ إلى الحديث! فانبعث يقول:
قالت: هلمّ إلى الحديث، فقلت: لا يأبى عليك الله والإسلام
لو ما رأيت محمّدا وقبيله بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت دين الله أضحى بيّنا والشرك يغشى وجهه الإظلام
وصعد بلال فوق ظهر الكعبة، فأذّن للصلاة، وأنصت أهل مكة للنداء الجديد على اذانهم كأنهم في حلم، إنّ هذه الكلمات تقصف في الجوّ فتقذف بالرعب في أفئدة الشياطين، فلا يملكون أمام دويّها إلا أن يولوا هاربين، أو يعودوا مؤمنين.
الله أكبر الله أكبر، الله أكبر الله أكبر.
هذه الصيحات المؤكدة تذكّر الناس بالغاية الأولى من محياهم، وبالمرجع الحق بعد مماتهم، فكم ضلّلت البشر غايات صغيرة، أركضتهم على ظهر الأرض ركض الوحوش في البراري، واجتذبت انتباههم كلّه، فاستغرقوا في السعي وراء الحطام! وامتلكت عواطفهم كلها، فالحزن يقتلهم للحرمان، والفرح يقتلهم بالامتلاء، ولم يسفّه المرء نفسه بالغيبوبة في هذه التوافه؟.
إنّ صوت الحق يستخرجه من وراء هذه الحجب المتراكمة ليلقي في روعه ما كان ينساه، وهو تكبير سيّد الوجود، ورب العالمين، سيده ومولاه.
أشهد ألاإله إلا الله، أشهد ألاإله إلا الله.
لقد سقط الشركاء جميعا، طالما تضرّع الناس للوهم، واعتزّوا بالهباء، وأمّلوا الخير فيمن لا يملك لنفسه نفعا، وانتظروا النجدة ممن لا يدفع عن نفسه عدوان ذبابة. ولم الخبط في هذه المتاهات؟ إن كان المغفّلون يشركون مع الله بعض خلائقه أو يؤلهونها دونه؟ فالمسلمون لا يعرفون إلا الله ربّا، ولا يرون غيره موئلا.
والتوحيد المحض، هو المنهج العتيد للغاية التي استهدفوها.
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٢٧٦، بإسناد معضل.
[ ٣٨٤ ]
ولكن من الأسوة؟ من الإمام في هذه السبيل؟ من الطليعة الهادية المؤنسة؟
إنّ المؤذن يستتلي ليذكر الجواب:
أشهد أنّ محمدا رسول الله، أشهد أنّ محمدا رسول الله.
سيرة هذا الرجل النبيل هي المثل الكامل لكل إنسان يبغي الحياة الصحيحة، إنّ محمدا إنسان، يرسم بسنّته الفاضلة السلوك الفريد لمن اعتنق الحق وعاش له.
وهو يهيب بكل ذي عقل أن يقبل على الخير، وأن ينشط إلى مرضاة وليّ أمره، ووليّ نعمته، فيحثّ الناس أولا على أداء عبادة ميسورة رقيقة:
حيّ على الصّلاة، حيّ على الصّلاة.
هذه الصلوات هي لحظات التأمل في ضجيج الدنيا، هي لحظات الماب كلّما انحرف الإنسان عن الجادة، هي لحظات الخضوع لله كلّما هاج بالمرء النزق، وطغت على فكره الأثرة، فنظر إلى ما حوله وكأنّه إله صغير، هي لحظات الاستمداد والإلهام.
وما أفقر الإنسان- برغم غروره- إلى من يلهمه الرشد فلا يستحمق، ويمده بالقوة فلا يعجز ويستكين.
ثم يحث الناس- أخيرا- على تجنب الخيبة في شؤونهم كلها.
والخيبة إنما تكون في الجهد الضائع سدى، في العمل الباطل لأنه خطأ، سواء كان الخطأ في الأداء أو في المقصد.. وهو يحذّر من هذه الخيبة عند ما يدعو: حيّ على الفلاح، حيّ على الفلاح.
ويوم يخرج العمل من الإنسان وهو صحيح في صورته ونيته، فقد أفلح، ولو كان من أعمال الدنيا البحتة، ألم يعلّم الله نبيّه أن يجعل شؤون حياته، بعد نسكه وصلاته خالصة لله؟:
قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيايَ وَمَماتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٦٢) لا شَرِيكَ لَهُ وَبِذلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣) [الأنعام] .
ولا سبيل إلى ذلك إلا بإصغار ما عدا الله من غايات، والتزام توحيده أبدا، ومن ثمّ يعود إلى تقرير الغاية والمنهج مرة أخرى.
الله أكبر الله أكبر لا إله إلا الله
[ ٣٨٥ ]
إنّ كلمات الأذان تمثّل العناوين البارزة لرسالة كبيرة في الإصلاح، ولذلك جاء في السنن الثابتة أنّ المسلم عند ما يسمعها يقول:
«اللهمّ ربّ هذه الدعوة التامّة، والصلاة القائمة، ات سيدنا محمدا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقاما محمودا الذي وعدته، إنّك لا تخلف الميعاد» «١» .
[ذكريات الشهداء]:
وفي يوم الفتح قد ترجع بنا الذكريات إلى رجال لم يشهدوا هذا النصر المبين، ولم يسمعوا صوت بلال يرنّ فوق ظهر الكعبة بشعار التوحيد، ولم يروا الأصنام مكبوبة على وجوهها مسوّاة بالرغام، ولم يروا عبّادها الأقدمين، وقد ألقوا السلم واتجهوا إلى الإسلام.
إنهم قتلوا أو ماتوا إبّان المعركة الطويلة التي نشبت بين الإيمان والكفر.
ولكنّ النصر الذي يجني الأحياء ثماره اليوم لهم فيه نصيب كبير، وجزاؤهم عليه مكفول عند من لا يظلم مثقال ذرة.
إنه ليس من الضروري أن يشهد كلّ جندي النتائج الأخيرة للكفاح بين الحق والباطل، فقد يخترمه الأجل في المراحل الأولى منه، وقد يصرع في هزيمة عارضة كما وقع لسيد الشهداء (حمزة) ومن معه.
والقران الكريم ينبّه أصحاب الحق إلى أنّ المعوّل في الحساب الكامل على الدار الاخرة، لا على الدار الدنيا، فهناك الجزاء الأوفى للمؤمنين والكافرين جميعا:
فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنا يُرْجَعُونَ (٧٧) [غافر] .
ودخل رسول الله ﷺ مكة في رمضان، وظلّ بها سائر الشهر يقصر، ويفطر أكثر من خمسة عشر يوما، وكان قد خرج من المدينة صائما، ثم أفطر هو وصحبه في الطريق «٢» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري في (صحيحه)، وفي (أفعال العباد)؛ وأصحاب السنن الأربعة؛ والطبراني في (الصغير)؛ وابن السني في (عمل اليوم والليلة)؛ وأحمد والبيهقي من حديث جابر مرفوعا به؛ دون قوله: «إنك لا تخلف الميعاد»، فتفرد بها البيهقي، وهي شاذة لا تصح.
(٢) أما قصره ﷺ في مكة فثابت في البخاري: ٨/ ١٧، عن ابن عباس قال: أقام النبي ﷺ-
[ ٣٨٦ ]
فلمّا استقرّ الأمر شرع يبايع الناس على الإسلام «١»، فجاءه الكبار والصغار والرجال والنساء، فتمت البيعة على السمع والطاعة لله ولرسوله فيما استطاعوا «٢» .
وسنّة رسول الله ﷺ في مبايعة النساء أن يأخذ عليهنّ الميثاق كلاما لا مصافحة.
فعن عائشة: «لا والله ما مسّت يد رسول الله يد امرأة قطّ» «٣» .
[إسلام فيه دخن]:
وهكذا دخل أهل مكة في الإسلام، وإن كان بعضهم بقي على ريبته وجاهليته يتعلّق بالأصنام، ويستقسم بالأزلام، وأولئك تركوا للأيام تشفي جهلهم، وتحيي ما مات من قلوبهم وألبابهم.
وما دامت الدولة التي تحمي الوثنية وتقاتل دونها قد ذهبت، فسوف تتلاشى هذه الخرافة من تلقاء نفسها.
إنّ فتح مكة جاء عقب ضربة خاطفة، ولقد أفلحت خطة المسلمين في تعمية الأخبار على قريش، حتى بوغتوا في عقر دارهم، فلم يجدوا مناصا من الاستسلام، فما استطاعوا الجلاد، ولا استجلاب الأمداد، وفتح العرب جميعا أعينهم، فإذا هم أمام الأمر الواقع؛ حتى خيل إليهم أنّ النصر معقود بألوية الإسلام فما ينفكّ عنها!.
_________________
(١) - بمكة تسعة عشر يوما يصلّي ركعتين. وأما إفطاره فهو في الصحيحين من حديث ابن عباس أيضا.
(٢) حديث حسن رواه أحمد: ٣/ ٤١٥، ٤/ ١٦٨ من حديث الأسود بن خلف، وسنده حسن.
(٣) ضعيف، رواه ابن جرير: ٢/ ٣٢٧ بدون إسناد، أو من حديث قتادة مرسلا والطريق إليه ضعيف.
(٤) صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما.
[ ٣٨٧ ]
معركة حنين
بيد أنّ هذا الغلب- فتح مكة- كان له ردّ فعل معاكس لدى القبائل الكبيرة القريبة من مكة، وفي مقدمتها (هوازن) و(ثقيف) وتعتبر الطائف قصبتها، وهي أكبر المدن في الجزيرة بعد مكة ويثرب.
اجتمع رؤساء هذه القبائل على (مالك بن عوف) سيد (هوازن)، وأجمعوا أمرهم على المسير لقتل المسلمين قبل أن تتوطّد دعائم الفتح، وقبل أن يتحرّكوا لاستئصال ما بقي من معالم الوثنية المدبرة.
وكان (مالك بن عوف) شجاعا مقداما، إلا أنّه سقيم الرأي سيّئ المشورة.
فأمر قومه- وهم خارجون للغزو- أن يأخذوا معهم نساءهم وأموالهم وذراريهم؛ ليشعر كل رجل وهو يقاتل أن ثروته وحرمته وراءه، فلا يفرّ عنها.
وقد اعترضه (دريد بن الصمّة)، وهو فارس مجرّب محنّك، وقال له: هل يرد المنهزم شيء؟ إن كانت الدائرة لك لم ينفعك إلا رجل برمحه وسيفه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك.
فسفّه مالك رأيه، وأصر على خطته.
وعلم المسلمون بمخرج أعدائهم، فأرسلوا عيونهم يتعرّفون عدتهم وهيئتهم.
روى أبو داود: أنّ رجلا جاء إلى رسول الله ﷺ فقال له: إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن عن بكرة أبيهم بظعنهم وبنعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى (حنين) . فتبسّم رسول الله ﷺ وقال: «تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله» «١» .
إنّ السهولة التي تمّ بها فتح مكة، وإحساس جمهور المؤمنين أنّ الجاهلية تلفظ أنفاسها الأخيرة فلن تبدي مقاومة تذكر، وظنّ حدثاء العهد بالإسلام أنّ
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه أبو داود: ١/ ٣٩١- ٣٩٢، عن سهل بن الحنظلية بسند صحيح.
[ ٣٨٨ ]
شيئا ما لن يقف في طريقه، كلّ ذلك جعل الجيش يزحف للقاء المشركين وهو غير مكترث لما سوف يواجه، ولم يكترث؟!.
إنّهم- وهم قلة- كانوا يكسبون المعارك الطاحنة، فكيف وهم اليوم يخرجون في عدد لم يجمعوا مثله قبلا؟! قيل: إنّ أبا بكر الصدّيق لما نظر إلى الجيش قال: لن نغلب اليوم من قلّة..!.
ذلك أنّ المسلمين بلغوا اثني عشر ألفا بمن انضمّ إليهم من أهل مكة.
هزيمة:
وسار الجيش الواثق حتى وصل إلى وادي (حنين) .
وكان (مالك بن عوف) ورجاله قد سبقوا إلى احتلال مضايقه، وانبثوا في الشعاب والأجناب المنيعة، ثم تهيئوا لاستقبال المسلمين.
وأقبلت الطلائع الغفيرة تتدافع نحو الوادي- وهي غافلة عمّا يكمن فيه- وكان واديا أجوف منحدرا، ينحطّ فيه الركبان كلّما أوغلوا كأنهم يسيرون إلى هاوية.
فلمّا تكاثرت في دروبه الفرق الزاحفة، لم يرعهم إلا وابل من السهام يتساقط فوقهم من المكامن العالية، وكان غبش الفجر لا يزال يترك بقاياه في الجو الغائم، فارتاعت المقدمة لهذه المفاجأة، فهي في عماية من الليل وعماية من أمرها، لا تعرف إلا أن تستدير ثم تولي الأدبار.
وانتشرت موجة الفزع، فكسرت الصفوف المرصوصة وبعثرتها.
واستغل رجال (مالك بن عوف) هذا الارتباك فهجمت كتائبهم، وحملت الخيل على ما أمامها، فانكفأ المسلمون مهزومين، لا يلوي أحد على أحد.
ونظر زعماء مكة إلى الجيش المولّي نظرة تشفّ وفرح.
وعاد إلى بعضهم كفره بالله ورسوله ﷺ فقال (أبو سفيان): لا تنتهي هزيمتهم دون البحر! ولا عجب.. فإنّ الأزلام التي يستقسم بها في جاهليته لا تزال في كنانته.
وقال (كلدة بن الجنيد): ألا بطل السحر اليوم.
فأجابه (صفوان بن أمية) - ولما يزل مشركا-: اسكت فضّ الله فضّ الله فاك، فو الله لأن يربّني رجل من (قريش) أحبّ إليّ من أن يربّني رجل من (هوازن) .
[ ٣٨٩ ]
وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين وقد أغضبه هذا الفرار، فقال: «أين أيها النّاس؟! هلمّوا إليّ، أنا رسول الله، أنا محمّد بن عبد الله» .
فلا يرد عليه شيء، وركبت الإبل بعضها بعضا وهي مولية بأصحابها «١» .
ولمح النبي ﷺ وراءها رجلا من (هوازن) على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، (وهوازن) خلفه، إذا أدرك الفارين طعن برمحه، وإذا فاتوه رفع رمحه لمن وراءه فاتبعوه.
إن الذي تولّى كبر هذه المهزلة الشائنة هم الطلقاء من أهل مكة ورعاع البدو. ووقف النبي ﷺ ساكن الجأش، يدير الرأي في خطة ينقذ بها سمعة الإسلام ومستقبله، وقد أحاط به لفيف من المهاجرين الأولين ومن أهل بيته.
فأمر العبّاس بن عبد المطلب- وكان جهير الصوت- أن ينادي: يا معشر الأنصار يا أصحاب البيعة يوم الحديبية «٢» ..
لقد هداه الحقّ أن يهتف بأصحاب العقائد، ورجال الفداء عند الصدام فهم واحدهم- الذين تنجح بهم الرسالات وتفرّج الكروب.
أما هذا الغثاء من العوام الحراص على الدنيا، السعاة إلى المغانم، فما يقوم بهم أمر، أو تثبت بهم قدم.
الثبات والنصر:
وفي ضجة الفزع الذي ساد المعركة أولا، علت صيحات العباس ﵁، ووصلت إلى اذان الرجال المشدوهين لما وقع، فأخذوا يكافحون ليبلغوا مصدر الصوت.
إذا أراد أحدهم أن يعطف بعيره ليعود به لا يقدر من ضغط الفارين، فما يجد بدا من أن يقذف درعه من عنقه، ويحمل سيفه وترسه ثم يؤمّ الصوت.
واجتمع حول رسول الله ﷺ عدد من الرجال الذين دعاهم، وهم يصيحون:
لبيك لبيك، حتى قارب القوم مئة، فاستقبل النبي ﷺ بهم المشركين، وقد ملك
_________________
(١) صحيح أخرجه ابن هشام: ٢/ ٢٨٩، وابن جرير: ٢/ ٣٤٧، كلاهما عن ابن إسحاق بسنده الصحيح، عن جابر بن عبد الله ﵁.
(٢) صحيح، رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن العباس، وقد ساقه ابن جرير وابن هشام عنه؛ وهو في مسلم: ٥/ ١٦٦- ١٦٧ نحوه.
[ ٣٩٠ ]
زمام الموقف، وأعاد الكرّة عليهم، فاجتلد الفريقان اجتلادا شديدا.
وقصد (علي) وأحد الأنصار إلى حامل العلم في طليعة (هوازن)، فضرب (علي) عرقوبي جمله، فوقع على عجزه، ثم استمكن منه الأنصاري، فهوى به عن رحله.
وكان النبي ﷺ على بغلته يقول:
«أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب» «١»
ويدعو: «اللهم نزّل نصرك» «٢» .
والمهاجرون والأنصار قد التحموا مع رجال (هوازن) و(ثقيف) .
قال العباس: ونظر رسول الله ﷺ- وهو على بغلته كالمتطاول عليها- إلى قتالهم فقال: «الان حمي الوطيس»، ثم أخذ حصيّات فرمى بهن في وجوه الكفار، ثم قال: «انهزموا وربّ محمد» .
قال العباس: فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فما هو إلا أن رماهم فما زلت أجد حدّهم كليلا، وأمرهم مدبرا «٣» .
ولم يطل وقت، حتى كان رجال (ثقيف) ومن معهم يوغلون مولّين الأدبار في وادي حنين، ورجع الطلقاء والبدو إلى رسول الله ﷺ، فإذا هم يرون الأسرى مكتفين!.
وفي هذه المعركة نزل قول الله ﷿: لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَواطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِما رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْها وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذلِكَ جَزاءُ الْكافِرِينَ (٢٦) [التوبة] .
واعتصم بعض المنهزمين بناحية يقال لها: (أوطاس) .
فأرسل النبي ﷺ في أعقابهم (أبا عامر الأشعري) فقاتلهم حتى قتل، فأخذ الراية منه ابن أخيه (أبو موسى الأشعري) فما زال يناوش القوم حتى بدّد شملهم،
_________________
(١) صحيح، أخرجه الشيخان عن البراء بن عازب.
(٢) صحيح تفرد به مسلم: ٥/ ١٦٨، عنه.
(٣) صحيح، رواه مسلم عن العباس.
[ ٣٩١ ]
وهزموا شر هزيمة «١» .
واضطر (مالك بن عوف) ومن معه من رجالات قومه أن يمضوا في الفرار حتى يصلوا إلى (الطائف) فيمتنعوا بحصنها، تاركين في هذا الفرار مغانم هائلة.
فإنّ مالكا- كما علمت- خرج يغزو، ومعه نساء القبيلة وما تملك.
فخلّف في الميدان أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألفا من الغنم، وأربعة الاف أوقية من الفضة، هذا إلى جانب ستة الاف من السبي.
الغنائم:
وكره رسول الله ﷺ أن يقسم على الناس هذه الغنائم، وتأنّى، يبتغي أن يرجع القوم إليه تائبين، فيحرزوا ما فقدوا.
ومكث ينتظرهم بضع عشرة ليلة فلم يجئه أحد «٢» .
فشرع يسكت المتطلّعين من رؤساء القبائل وأشراف مكة، وبدأ بقسمة المال، فكان المؤلفة قلوبهم أول من أعطي، بل أول من حظي بالأنصبة الجزلة.
أخذ (أبو سفيان) مئة من الإبل، وأربعين أوقية من الفضة، فقال: وابني معاوية؟ فمنح مثلها لابنه معاوية، فقال: وابني يزيد؟ فمنح مثلها لابنه يزيد «٣» .
وأقبل رؤساء القبائل وأولو النّهمة يتسابقون إلى أخذ ما يمكن أخذه.
وشاع في الناس أنّ محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
فازدحموا عليه يبغون المزيد من المال، وأكبّ عليه الأعراب، يقولون: يا رسول الله! اقسم علينا فيئنا، حتى اضطروه إلى شجرة فانتزعت رداءه! فقال:
«أيّها الناس، ردّوا عليّ ردائي، فو الّذي نفسي بيده لو كان لكم عندي عدد شجر تهامة نعما لقسّمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا» .
_________________
(١) صحيح، ذكره ابن إسحاق بدون إسناد، ومعناه في البخاري: ٨/ ٣٣- ٣٥، وابن جرير: ٢/ ٣٥١، من حديث أبي موسى الأشعري.
(٢) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٢٦- ٢٧.
(٣) ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٠٨، نحوه عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ ورواه ابن جرير: ٢/ ٢٥٨، عنه عن عبد الله بن أبي بكر مرسلا. وإعطاؤه ﷺ في هذه الغزوة للمؤلفة قلوبهم ومنهم أبو سفيان ثابت في مسلم: ٣/ ١٠٨.
[ ٣٩٢ ]
ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ من سنامه وبرة، فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها فقال:
«أيها الناس! والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة إلا الخمس، والخمس مردود عليكم» «١» .
إنّ أعين القوم تكاد تخرج من المحاجر تطلّعا إلى الدنيا.
وهؤلاء الأعراب والطلقاء والرؤساء، ما أغنوا عن الإسلام شيئا في مازقه الأولى، بل كانوا هم العقاب الصلدة التي اعترضت مسيله، حتى تحطمت تحت معاول المؤمنين الراغبين في ثواب الاخرة المؤثرين ما عند الله.
ولكنّهم اليوم- بعد ما أعلنوا إسلامهم- يبغون من الرسول ﷺ أن يفتح عليهم خزائن الدنيا؛ فحلف لهم أنه ما يستبقي منها شيئا لشخصه، ولو امتلك ملء هذه الأودية مالا لوزّعه عليهم.
والحق أنّ الرسول ﷺ وسع بحلمه وكرمه مسالك بينة للطيش والجشع في سبيل تألف هؤلاء الناس، وتحبيبهم في الإسلام.
ولو عاقبهم على جبنهم في (حنين) لنال منهم أيّ منال.
روى الإمام أحمد «٢» أنّ (أبا طلحة) - وهو من فرسان المسلمين المعدودين- لقي زوجته (أمّ سليم) ومعها خنجر، فقال لها: ما هذا؟. قالت: إن دنا مني بعض المشركين أبعج بطنه- وذلك في معركة حنين-، فقال أبو طلحة لرسول الله ﷺ: أما تسمع ما تقول أم سليم؟ فضحك النبيّ ﷺ. فقالت أم سليم: يا رسول الله! أقتل من بعدها الطلقاء انهزموا بك! فقال: «إنّ الله قد كفى وأحسن يا أمّ سليم» .
والعجيب أنّ هؤلاء الذين فرّوا عند الفزع، هم الذين كفروا عند الطمع.
وشاء النبي ﷺ أن يلطف معهم، وينسى ماضيهم تكرما وتأليفا.
_________________
(١) صحيح؛ رواه أحمد، رقم (٦٧٢٩)، والبيهقي: ٦/ ٣٣٦- ٣٣٧، بسند حسن عن عبد الله بن عمرو؛ والبخاري: ٦/ ١٩٣- ١٩٤، عن جبير بن مطعم إلى قوله: «كذابا» . والباقي عند الحاكم: ٣/ ٤٩، من حديث عبادة بن الصامت؛ وعند البيهقي: ٦/ ٣٣٩، من حديث عمرو بن عبسة.
(٢) في المسند: ٣/ ١٩٠، وسنده صحيح على شرط مسلم.
[ ٣٩٣ ]
وماذا يصنع؟ إنّ في الدنيا أقواما كثيرين يقادون إلى الحق من بطونهم لا من عقولهم، فكما تهدى الدواب إلى طريقها بحزمة برسيم تظلّ تمد إليها فمها حتى تدخل حظيرتها امنة! فكذلك هذه الأصناف من البشر، تحتاج إلى فنون من الإغراء حتى تستأنس بالإيمان وتهشّ له.
عن أنس بن مالك قال: كنت أمشي مع رسول الله ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي، فجذبه جذبة شديدة حتى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله قد أثّرت به حاشية الرداء من شدة جذبته، قال: مر لي من مال الله الذي عندك! فالتفت إليه، فضحك، ثم أمر له بعطاء «١» .. إنّ هذا الأعرابي لا يعجبه المنطق الدقيق، ولا الطبع الرقيق، قدر ما يعجبه من عطاء يملأ جيوبه ويسكّن مطامعه.
ومن هنا قال صفوان بن أمية: ما زال رسول الله ﷺ يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق إليّ، حتى ما خلق الله شيئا أحبّ إليّ منه «٢» .
حكمة هذا التقسيم:
وهذه السياسة البعيدة لم تفهم أول الأمر، بل أطلقت ألسنة شتى بالاعتراض، فهناك مؤمنون ظنّوا هذا الحرمان ضربا من الإعراض عنهم والإهمال لأمرهم.
روى البخاريّ عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله ﷺ قوما ومنع اخرين، فكأنهم عتبوا عليه فقال: «إنّي أعطي قوما أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قوما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى، منهم: عمرو بن تغلب» .
قال عمرو: فما أحبّ أنّ لي بكلمة رسول الله حمر النعم..
فكانت هذه التزكية تطييبا لخاطر الرجل أرجح لديه من أثمن الأموال.
وكان الأنصار ممّن وقعت عليهم مغارم هذه السياسة.
_________________
(١) صحيح، أخرجه مسلم: ٣/ ١٠٣؛ وكذا البخاري.
(٢) رواه مسلم: ٧/ ٧٥؛ والترمذي: ٢/ ٢٤؛ وأحمد: ٣/ ٤٠١، عن سعيد بن المسيّب: أنّ صفوان بن أمية قال، كذا هو عند مسلم، وظاهره الانقطاع بين سعيد وصفوان؛ وعند أحمد والترمذي عن صفوان، وظاهره الاتصال، ولكنّ الترمذي رجح الأول، وأيده ابن العربي في العارضة فقال: «لأنّ سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا» .
[ ٣٩٤ ]
لقد حرموا جميعا أعطية حنين، وهم الذين نودوا وقت الشدة، فطاروا يقاتلون مع رسول الله ﷺ، حتى تبدّل الفرار انتصارا، وها هم أولاء يرون أيدي الفارين تعود ملأى.
أما هم.. فلم يمنحوا شيئا قط؟.
عن أبي سعيد الخدري ﵁: لما أصاب رسول الله ﷺ الغنائم يوم حنين، وقسم للمتألفين من قريش وسائر العرب ما قسم، ولم يكن في الأنصار شيء منها قليل ولا كثير، وجد هذا الحيّ من الأنصار في أنفسهم، حتى قال قائلهم: لقي والله- رسول الله قومه. فمشى سعد بن عبادة إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله! إن هذا الحي من الأنصار وجدوا عليك في أنفسهم؟ قال: «فيم؟» قال: فيما كان من قسمك هذه الغنائم في قومك وفي سائر العرب، ولم يكن فيهم من ذلك شيء.
قال رسول الله ﷺ: «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: ما أنا إلا امرؤ من قومي.
فقال رسول الله ﷺ: «اجمع لي قومك في هذه الحظيرة، فإذا اجتمعوا فأعلمني» .
فخرج سعد فصرخ فيهم، فجمعهم في تلك الحظيرة حتى إذا لم يبق من الأنصار أحد إلا اجتمع له أتاه، فقال: يا رسول الله! اجتمع لك هذا الحيّ من الأنصار حيث أمرتني أن أجمعهم.
فخرج رسول الله ﷺ، فقام فيهم خطيبا، فحمد الله، وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: «يا معشر الأنصار! ألم اتكم ضلّالا فهداكم الله؟ وعالة فأغناكم الله؟ وأعداء فألّف الله بين قلوبكم؟» قالوا: بلى! قال رسول الله ﷺ:
«ألا تجيبون يا معشر الأنصار؟!» .
قالوا: وما نقول يا رسول الله، وبماذا نجيبك؟ المنّ لله ورسوله.
قال: «والله لو شئتم لقلتم فصدقتم وصدّقتم: جئتنا طريدا فاويناك، وعائلا فاسيناك، وخائفا فامنّاك، ومخذولا فنصرناك » .
فقالوا: المنّ لله ورسوله.
فقال: «أوجدتم في نفوسكم- يا معشر الأنصار- في لعاعة من الدنيا تألّفت
[ ٣٩٥ ]
بها قوما أسلموا، ووكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإسلام!! أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب النّاس إلى رحالهم بالشاء والبعير، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم؟.
فو الذي نفسي بيده، لو أنّ الناس سلكوا شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار.
اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» .
فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم. وقالوا: رضينا بالله ربا، ورسوله قسما، ثم انصرف.. وتفرقوا «١»
والأنصار- في تاريخ الدعوات- مثل فريدة للرجال الذين تقوم بهم الرسالات العظمى؛ حتى إذا استوت على سوقها، وتجاوزت أيام محنتها ومؤنتها، وتدلّت ثمارها وحلا جناها، جاءت أيد غير أيديهم، فقطفت ما تشتهي، ولم تكتف بذلك! بل لطمت أيدي الغارسين حتى لا تلقط من الثمار الساقطة قليلا ولا كثيرا!!.
ولا نقول ذلك تعليقا على توزيع الغنائم في هذا المقام، فقد اتضح وجه الرشد في هذه القسمة الحصيفة
ولكنّا نذكر في مناقب الأنصار، وافتراض ترفّعهم عن الدنيا في سبيل الدين، وتأليف الناس عليه، أنّ شؤون الحكم ابتعدت عنهم، واحتازها غيرهم وهم لها أكفاء، فلم تمض ثلاثون سنة حتى كانت في أيدي الطلقاء.
ولا ريبة في أنّ أولئك المتجرّدين لله سوف يلقون جزاءهم الأوفى، وأن شأن الدنيا أنزل قدرا من أن يأسى عليه رجل العقيدة.
غير أننا نتساءل: أكان من مصلحة الرسالات نفسها أن تقع هذه الأثرة؟ أم كان سوء حظّ الإسلام أن يلقى هذا اللون من الحكام، فيقصى أصحاب السبق
_________________
(١) حديث صحيح، رواه أحمد: ٣/ ٧٦- ٧٧؛ وابن هشام: ٢/ ٣١٠- ٣١١؛ وابن جرير: ٢/ ٣٦٠- ٣٦١، كلهم عن ابن إسحاق بسنده الصحيح عن أبي سعيد الخدري. وذكره ابن كثير في (البداية): ٤/ ٣٥٨- ٣٥٩، من رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق والسياق له، ثم قال ابن كثير: «وهو صحيح» . والقصة في البخاري: ٨/ ٣٨- ٤٢، بنحوها مختصرا.
[ ٣٩٦ ]
وأولو النصرة، ويملك زمام الدين اخر الناس دخولا فيه وبصرا به؟!.
عودة وفد هوازن:
وبعد توزيع الغنائم أقبل وفد هوازن مسلما، وسألوا رسول الله ﷺ أن يردّ عليهم سبيهم وثروتهم! فقال لهم: «إنّ معي من ترون، وإنّ أحبّ الحديث إليّ أصدقه، فأبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟» قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا.
فقام رسول الله ﷺ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال:
«أمّا بعد، فإنّ إخوانكم هؤلاء، قد جاؤوا تائبين، وإنّي قد رأيت أن أردّ إليهم سبيهم، فمن أحبّ أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحبّ منكم أن يكون على حظّه حتى نعطيه إياه من أول مال يفيء الله علينا فليفعل» . فقال الناس: قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: «إنّا لا ندري من أذن منكم ممّن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم» .
فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم عادوا إلى رسول الله ﷺ يخبرونه أنهم قد طيبوا وأذنوا «١» .
حصار الطائف:
أما ثقيف فإنها- بعد أن تراجعت منهزمة في (حنين) و(أوطاس) - دخلت حصونها، وتهيّأت فيها لحصار طويل، وعرف المسلمون أنّ القوم لا يزالون على إصرارهم والبقاء على جاهليتهم، وأنّ الخسائر التي لحقت بهم لم تكسر شوكتهم ولم ترهق عزيمتهم، فقرّروا السير إليهم ومناجزتهم، وللمسلمين خبرة قديمة بهذا الأسلوب من القتال، فقد حاصروا وحوصروا، وعرفوا أنجح طرائق الهجوم والدفاع. ونهض رسول الله ﷺ بجيشه حتى اقترب من الطائف، فعسكر حولها، وأخذت ثقيف من حصونها تقذف النبال، فأصيب نفر من المسلمين، واضطر الجيش أن يؤخر مواقعه حتى لا تستهدف لقذائفهم.
ويظهر أنّ النبي ﷺ لم يحرص على اقتحام الحصون واستنزال أهلها قسرا كما فعل ببني إسرائيل، لقد أمّل فيهم خيرا، وأدار المعركة حولهم في حدود
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٢٦- ٢٨، عن مروان والمسور بن مخرمة معا.
[ ٣٩٧ ]
ضيقة، وبضحايا يسيرة، وظل يحاصرهم خمس عشرة ليلة. ثم بدا له أن يدعهم وشأنهم، وأشار على المسلمين بذلك، فرغبوا أولا في إطالة حصارها حتى تفتح عليهم، ثم نزلوا أخيرا على رأيه.
وروي أنّ رسول الله ﷺ استشار نوفل بن معاوية فقال: «يا نوفل! ما ترى في المقام عليهم؟» فقال: يا رسول الله! ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرّك «١» ! فأمر النبيّ ﷺ عمر بن الخطاب: أن يؤذّن في الناس بالرحيل «٢» .
فلما قفلت بهم المطايا، قالوا: يا رسول الله! أحرقتنا نبال ثقيف، فادع الله عليهم فقال: «اللهم اهد ثقيفا» «٣» !.
ولم يطل بقاء ثقيف على شركها، فما هي إلا شهور قلائل حتى أرسلوا وفدهم إلى المدينة يخبر النبي ﷺ برغبتهم في الإسلام، وانفساح قلوبهم له.
إلى دار الهجرة:
عاد المسلمون من الطائف إلى مكة، لا ليعاودوا المقام فيها بعد أن فتحها الله عليهم، بل لينظّموا أمورها ثم يرتحلوا إلى مهجرهم الخالد
إن صلتهم بالمدينة أضحت من العمق والقوة بحيث لا يرجحها وطن قديم ولا ذكريات عزيزة.
روي أنّ النبي ﷺ لما فتح مكة ودخلها قام على الصفا يدعو، وقد أحدقت به الأنصار فتهامسوا فيما بينهم: أترون رسول الله إذ فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلمّا فرغ من دعائه قال: «ماذا قلتم؟» قالوا: لا شيء يا رسول الله! فلم يزل بهم حتى أخبروه، فقال: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم!» «٤» .
_________________
(١) ضعيف جدا، رواه الواقدي كما في (البداية): ٤/ ٣٥٠، وهو متهم بالكذب.
(٢) ضعيف ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٠٣، عن ابن إسحاق بلاغا، ورواه ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، وهو مع إرساله ضعيف.
(٣) ضعيف، أخرجه الترمذي: ٣/ ٣٧٩، عن أبي الزبير عن جابر، وقال: «حديث حسن صحيح»؛ قلت: أبو الزبير مدلس، وقد عنعنه؛ وقد تابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد: ٣/ ٣٤٣، ولكنه لم يسمع من جابر: كما قال ابن معين.
(٤) حديث صحيح، رواه بهذا السياق ابن هشام بلاغا؛ ووصله مسلم: ٥/ ١٧٠- ١٧١، وغيره من حديث أبي هريرة نحوه. فتصديره بلفظ: (روي) غير جائز.
[ ٣٩٨ ]
ولما كان أهل مكة حدثاء عهد بالإسلام، وفقههم في أحكامه ومراميه قليل، فإنّ النبي ﷺ خلّف فيهم (معاذ بن جبل) يعلّمهم كتاب ربهم وسنة نبيهم «١» .
وجعل (عتّاب بن أسيد) أميرا على مكة «٢» وعمره يومئذ عشرون سنة.
وكان (عتاب) شابا ذكيا، قنوعا شجاعا، وقد تقرّر له من مال المسلمين درهم كلّ يوم، وهو مرتب الإمارة، فقرّت بذلك عينه، بل إنّه خطب الناس فقال:
أيها الناس! أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقني رسول الله درهما كل يوم، فليست بي حاجة إلى أحد.
ثم قدم رسول الله ﷺ المدينة في الشهر الأخير من السنة الثامنة.
لله ما أفسح المدى بين هذه الأوبة الظافرة بعد أن توّج الله هامته بالفتح المبين، وبين مقدمه إلى هذا البلد النبيل منذ ثمانية أعوام!.
لقد جاءه مطاردا يبغي الأمان، غريبا مستوحشا ينشد الإيلاف والإيناس، فأكرم أهله مثواه، واووه ونصروه، واتبعوا النور الذي أنزل معه، واستخفّوا بعداوة الناس جميعا من أجله، وها هو ذا بعد ثمانية أعوام يدخل المدينة التي استقبلته مهاجرا خائفا، لتستقبله مرة أخرى وقد دانت له مكة، وألقت تحت قدميه كبرياءها وجاهليتها، فأنهضها ليعزها بالإسلام، وعفا عن خطيئاتها الأولى:
إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ [يوسف: ٩٠] .
_________________
(١) ضعيف، ذكره ابن هشام: ٢/ ٣١١، عن ابن إسحاق بدون إسناد؛ ورواه الحاكم: ٣/ ٢٧٠ عن عروة مرسلا؛ وإسناده- على إرساله- ضعيف. وقد روى ابن عبد البر في ترجمة معاذ من الاستيعاب بإسناد صحيح عن عبد الله بن كعب بن مالك: أنّ النبي ﷺ أرسل معاذا إلى اليمن عام فتح مكة، وهذا مرسل أيضا، فإذا صح فيكون إرساله بعد استخلافه في مكة، والله أعلم.
(٢) إلى هنا حديث حسن ذكره ابن هشام وابن جرير: ٢/ ٣٦١- ٣٦٢، عن ابن إسحاق بدون سند؛ ورواه الحاكم: ٣/ ٥٩٤- ٥٩٥، عن مصعب بن عبد الله الزبيري معضلا أيضا، وعمر بن شبّة في كتاب مكة عن عمر مولى غفرة معضلا أيضا، والمحاملي في الجزء الخامس من (الأمالي) عن أنس بن مالك بسند ضعيف، ولكنه يتقوى بما قبله إن شاء الله، وأما باقي الحديث، فلم أجد له سندا وإن كان مشهورا.
[ ٣٩٩ ]
موقف المنافقين:
وكان حقيقا بالذين خالجتهم الريبة في رسالة محمد ﷺ أن يتوسّموا في هذه الايات البيّنات ما يقربهم من دينه، ويغريهم بالتصديق ونبذ الجفوة والعناد.
إلّا أنّ النفوس الخسيسة تزداد شرا وجحودا كلّما ازداد خصومها نجاحا وصعودا.
فما تظنه سبب إقبالها قد يكون سبب انتكاسها.
لذلك لا يستغرب أن يرجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، فيجد قلوب المنافقين لا تزال مطوية على دخلها، تبتسم للفاتح العائد، وهي تودّ لو لم تر شبحه، يستوي في ذلك رؤساء العشائر الذين وهى سلطانهم أمام انتشار الإسلام، وسواد الأعراب الذين يمرحون في البادية كالسوائم الغافل، لا يكادون يفقهون حديثا.
وثمّ أمر اخر زاد في غواية المنافقين وتربّصهم الشر بالإسلام ونبي الإسلام، ذلك هو عرفانهم بالخصومة التي نشبت بين المسلمين والرومان، وإدراكهم لما تحمله في أطوائها من خطورة وعنف.
فالعرب ينظرون إلى دولة الروم نظرة أهل إفريقية اليوم إلى أوروبة وأمريكة، إنّها قوة لا تنال ولا تناوش.
ولئن كان الرومان بهذه المثابة المرهوبة فإنّ محمدا- كما عرف القوم من سيرته- لا يوجل من سلطان على ظهر الأرض، وقد مضى برسالته يذيب ما اعترضه من عوائق، فمحا الوثنية، وأجلى اليهودية، وقاوم بطش الروم مقاومة الواثق المعتد.
والمنافقون مسرورون بهذه الخصومة الجديدة، يحسبون أنّ مقبرة الإسلام ستحفر فيها.
لذلك لما أعلن النبي ﷺ في المدينة أنّه منطلق إلى (تبوك) تجمّع رهط من المنافقين فقال بعضهم لبعض- مشيرين إلى المسلمين-: أتحسبون جلاد بني الأصفر كقتال العرب بعضهم بعضا؟.
والله لكأنّا بكم غدا مقرّنين في الحبال إرجافا وترهيبا للمؤمنين!!.
[ ٤٠٠ ]
غزوة تبوك
عزم النبي ﷺ أن يرسي العلائق بين الإسلام والنصرانية على دعائم مكينة.
وهو لا يقبل مساومة في ترك دعاته أحرارا يعرضون دينهم على الناس، فإن راقهم دخلوه، وإن ساءهم تركوه.
يجب أن تتاح الفرص المعقولة لإفهام الجماهير ما تدعى إليه.
أما أن تقطع أعناق الدعاة، وتقام الأسوار الكثيفة في وجوههم، فهذا ما يقاومه الإسلام بالقوة.
ثم إنّ الرومان في الشام والعراق ومصر وغيرها من البلدان قوم غزاة، لا تربطهم بأهل البلاد الأولين إلا صلات القهر الماديّ والأدبيّ.
فالذي يعترض على زحف الإسلام إلى الشمال يجب أن يسأل نفسه قبل ذلك: لم سكت عن زحف الرومان إلى الجنوب؟ وعن الطريقة التي يباشرون بها حكم هذه الأقطار المغلوبة على أمرها؟.
والمقارنة المنصفة تجعل ما يطلبه النبي ﷺ شيئا لا غبار عليه.
دعوا العقائد المختلفة تبين عن نفسها، وتجذب الشعوب إليها، أو تصرفهم عنها لكنّ هذا الطلب قوبل بالردّ المسلّح.
فلا دولة الروم تفتح أبواب المصيدة عن الفرائس التي تضطرب داخل جدرانها، ولا كنيسة الروم ترحّب بهذا الجو الجديد.
قلنا في كتابنا (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام) في صدد غزوة تبوك:
« والكنيسة لا تطيق أن يعيش بجانبها رأي يخالف في الفروع التافهة، فكيف تسمح بالبقاء لدين ينكر سلطة رجالها؟ لأنه لا يرى بين العباد وربهم وسائط، وينكر عقيدة الفداء التي ترتكز عليها؛ لأنه يا بني الجزاء على عمل الإنسان واحده.
[ ٤٠١ ]
فليس للإنسان إلا ما سعى، وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرى [الأنعام: ١٦٤] .
ثم هو ينكر مبدأ الشركة في الألوهية، فليس للعالم إلا رب واحد، يخضع له عيسى وأمه.
لذلك رأى الروم أن يعيدوا الكرّة، فيضربوا الإسلام في شمال الجزيرة ضربة تردّه من حيث جاء، وتوصد عليه أبواب الحدود، فلا يستطيع التسرّب منها وتضمن الكنيسة بعدئذ انفرادها بالضمير البشري، حتى إذا قرعت أجراسها لم يشب رنينها صدى لمؤذن يهتف بتكبير الله وتوحيده، ويدعو للصلاة والفلاح.
وترامت إلى النبي ﷺ في المدينة أنباء هذا الإعداد الماكر، وتاريخ النصرانية- منذ تولّت الحكم- يؤكّد نية العدوان لدى رجال الكهنوت.
فلم ير النبي ﷺ بدّا من استنفار المسلمين لملاقاة هذا العدوان المبيت.
والتهيؤ لملاقاة الروم جاء في أيام قيظ وقحط.
والسير إليهم يتطلّب جهدا مضنيا ونفقة كبيرة.
وقتال الروم ليس صداما مع قبيلة محدودة العدد والعدّة، بل هو كفاح مرير مع دولة تبسط سلطانها على جملة قارّات، وتملك موارد ثرّة من الرجال والأموال.
على أنّ أصحاب العقيدة لا ينكصون أمام الصعاب، والسكوت على تحدي النصارى لهذا الدين ورغبتهم الملحة في القضاء عليه يعتبر انتحارا وبوارا، فليتحامل المسلمون على أنفسهم إذا وليواجهوا مستقبلهم بما يفرض من تضحيات وتفديات.
وللظروف العصيبة التي اكتنفت إعداد هذا الجيش سمّي جيش العسرة.
والايات التي أنزلها الله في كتابه- متعلقة بغزوة العسرة- هي أطول ما نزل في قتال بين المسلمين وخصومهم.
وقد بدأت باستنهاض الهمم لردّ هجوم المسيحية على الإسلام، وإفهام المسلمين مغبة تقصيرهم في أداء هذه الفريضة، وإشعارهم بأن الله لا يقبل ذرة من تفريط في حماية دينه ونصرة نبيّه، وإنّ التراجع أمام الصعوبات الحائلة- دون قتال الروم- يعتبر مزلقة إلى الردة والنفاق:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى
[ ٤٠٢ ]
الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ (٣٨) إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذابًا أَلِيمًا وَيَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئًا وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩) [التوبة] .
ومضت الايات تتحدّث في صرامة وعنف، ففضحت المنافقين، وكشفت عن المترددين. وأهانت طلاب الدّعة والراحة، الذين اثروا ظلّ القعود في بيوتهم وحقولهم على حرّ الصحراء، ووعثاء السفر، ومتاعب الجلاد:
فَرِحَ الْمُخَلَّفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خِلافَ رَسُولِ اللَّهِ وَكَرِهُوا أَنْ يُجاهِدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ قُلْ نارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كانُوا يَفْقَهُونَ (٨١) [التوبة] .
وأنباء جيش العسرة تفيض بها صفحات طوال من سورة التوبة.
ولعلّ من البيّن في أسلوب القران وهو يصف هذا الجهاد، أنه لم تأخذه هوادة في التنويه بمن اشتركوا فيه، والتنديد بمن تخلّفوا عنه، ولا عجب، فتحديد موقف الإسلام من النصرانية، هو بتّ في مستقبل الدين كلّه إلى الأبد.
فإما ثبت المسلمون أمام لدد الكنيسة المتعصبة، وإمّا أحرقتهم نارها فلم يبق لدينهم أثر؛ وكان لهذا الحزم أطيب النتائج، فخرج المسلمون في تعبئة لم يخرجوا من قبل في مثلها، وانطلقوا صوب الشمال حيث تربض جيوش الروم » «١» .
[دعوة إلى البذل والعطاء]:
وتجلت- في هذا الإعداد- طوايا النفوس، ومقدار ما استودعت من قبل من إخلاص وسماحة ونشاط، فهناك أغنياء أخرجوا ثرواتهم لتجهيز الجيش، وإمداده بحاجته من الرواحل والسلاح والخيل، منهم عثمان بن عفان الذي سبق في بذله سبقا بعيدا، حتى إنّ الرسول ﷺ عجب من كثرة ما أنفق، وقال: «اللهمّ ارض عن عثمان، فإنّي عنه راض» «٢» .
_________________
(١) التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام، للمؤلف، ص ١٤٩- ١٥٠، دار القلم- دمشق، الطبعة الثانية، ٢٠٠١ م. (ن) .
(٢) ضعيف بهذا اللفظ، رواه ابن هشام: ٢/ ٣١٦، بإسناد معضل، وقد رواه ابن شاهين في كتابه (شرح مذاهب أهل السنّة)، (ج ١٨، رقم ٢٣ من نسختي) من حديث عائشة، لكن فيه أنّ النبي ﷺ دعا بهذا في مناسبة أخرى. وسنده ضعيف جدا بل موضوع، وإنما-
[ ٤٠٣ ]
ومنهم الفقراء الذين شاقهم الجود بأنفسهم في سبيل الله، ثم أعجزتهم الوسائل التي تبلّغهم الميدان، فسحّت أعينهم الدمع لهذا الحرمان.
روي عن (علبة بن زيد) أنه قام من الليل يصلّي، فتهجّد ما شاء الله، ثم بكى، وقال: اللهم إنك أمرت بالجهاد، ورغّبت فيه، ثم لم تجعل عندي ما أتقوّى به، ولم تجعل في يد رسولك ما يحملني عليه.. وإنّي أتصدق على كلّ مسلم بكلّ مظلمة أصابني فيها في مال أو جسد أو عرض.
وأصبح الرجل- على عادته- مع الناس، فقال رسول الله ﷺ: «أين المتصدّق هذه الليلة؟» فلم يقم أحد، ثم قال: «أين المتصدّق؟ فليقم»، فقام إليه فأخبره.
فقال رسول الله ﷺ: «أبشر، فو الّذي نفسي بيده! لقد كتبت في الزّكاة المتقبّلة» «١» .
وهناك أهل الريبة الذين يلتمسون للفرار الأعذار، وتقعد بهم كراهيتهم للإسلام عن إسداء أي عون له، فهيهات أن يعدوا للخروج عدة، أو يتمنوا للخارجين عودا.
ومن أسخف الأعذار التي تمحّلها أولئك القاعدون المنافقون ما قاله الجدّ بن قيس للنبي ﷺ- وقد عرض عليه الجهاد-: يا رسول الله! أو تأذن لي ولا تفتني؟ فو الله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر (الروم) ألا أصبر.
فأعرض عنه رسول الله ﷺ «٢» وفيه نزلت الاية:
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكافِرِينَ (٤٩) [التوبة] .
_________________
(١) - قال ﷺ بمناسبة جيش العسرة: «ما ضرّ عثمان ما عمل بعد اليوم» . رواه ابن شاهين، رقم (٣)، والحاكم: ٣/ ١٠٢، وغيرهما من حديث عبد الرحمن بن سمرة وصحّحه الحاكم. ووافقه الذهبي! وله شواهد ذكرها الحافظ ابن كثير في تاريخه: ٥/ ٦، واخر عند ابن شاهين، رقم (٦١) .
(٢) صحيح، ذكره ابن إسحاق في (المغازي) بدون إسناد، وقد ورد مسندا موصولا من حديث مجمع بن حارثة وعمرو بن عوف وأبي عبس، وعلبة بن زيد نفسه وقتيبة كما بيّنه الحافظ في (الإصابة)، فليراجعها من شاء.
(٣) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٣١٦، عن ابن إسحاق بسنده، مرسلا، وكذلك رواه عنه ابن جرير: ٢/ ٣٦٦- ٣٦٧.
[ ٤٠٤ ]
وهناك الذين فترت- أول الأمر- هممهم، فلما جدّ الرحيل وانطلق الجيش أحسوا خطر التخلف على إيمانهم فنهضوا يدركون ما يوشك أن يفوتهم، منهم (أبو خيثمة) عاد يوما إلى أهله- بعد مسير النبي ﷺ وصحبه- وكان اليوم قائظا، فوجد امرأتيه كلتيهما، قد أعدتا له الطعام الشهيّ والماء البارد الرّويّ، ووجد مسكنه مبللا رطبا، وسط بستانه الذي أخذ بسره الأحمر ينضج ويسودّ. فاستيقظ ضمير الرّجل، وقال: رسول الله في الشمس والريح والحرّ، وأبو خيثمة في ظلّ بارد، وطعام مهيأ، وامرأة حسناء في ماله مقيم؟ والله ما هذا بالنّصف!.
ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله، فهيئا لي زادا، ففعلتا، ثم قدّم ناضحه فارتحله.
وأسرع الرجل المؤمن يطلب رسول الله ﷺ حتى أدركه حين نزل تبوك.
[مصاعب وصبر وعزيمة]:
وعانى الجيش الذاهب إلى تبوك مصاعب ثقيلة؛ روى الإمام أحمد في تفسير قول الله ﷿: لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ [التوبة: ١١٧]؛ قال: خرجوا في غزوة (تبوك) الرجلان والثلاثة على بعير واحد، وخرجوا في حرّ شديد، وأصابهم عطش، حتى جعلوا ينحرون إبلهم لينفضوا أكراشها، ويشربوا ماءها، فكان ذلك عسرة في الماء، وعسرة في النفقة، وعسرة في الظهر.
وعن عبد الله بن عباس: أنه قيل لعمر بن الخطاب: حدثنا عن شأن ساعة العسرة، فقال عمر: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلا وأصابنا فيه عطش، حتى ظننا أنّ رقابنا ستنقطع، حتى إنّ الرجل لينحر بعيره، فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق ﵁: يا رسول الله! إنّ الله عوّدك في الدعاء خيرا فادع الله لنا! فقال: «أو تحب ذلك؟» قال: نعم، فرفع رسول الله يديه إلى السماء، فلم يرجعهما حتى قالت السماء- أي اذنت بمطر- فأطلت، ثم سكبت فملؤوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر، فلم نجدها جاوزت العسكر «١» .
_________________
(١) ذكره ابن كثير في التاريخ: ٥/ ٩، من رواية عبد الله بن وهب بسنده عن ابن عباس، ثم قال: «إسناده جيد»، وهو عندي غير جيد؛ لأنّه من رواية عتبة بن أبي عتبة. وقد ذكره-
[ ٤٠٥ ]
قال ابن إسحاق: وكان في الجيش رجل منافق، فقالوا: ويحك هل بعد هذا من شيء؟ فقال: سحابة مارة!.
وفي الطريق مرّ المسلمون بالديار التي كانت ثمود تسكنها، وهي أطلال هامدة، واثار بقيت تذكّر بغضب الله على من كذّبوا رسله، وتعجّلوا عقابه، فقال رسول الله ﷺ: «لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم» «١» .
والظاهر أنّ النبيّ ﷺ يريد ألا يغافل المسلمون عن مواطن العظة، وألا يستهينوا بما خلا قبلهم من مثلات، فإنّ المرء لو قيّض له أن يزور السجون، ويشهد مثلا غرفة الإعدام؛ فليس يليق أن ينظر إلى حبل المشنقة وهو شارد أو ضاحك، لا أقلّ من بعض الأسى لأحوال المجرمين ومصارعهم!.
وروى أحمد عن جابر: لما مرّ النبي ﷺ بالحجر، قال: «لا تسألوا الايات خوارق العادات- فقد سألها قوم صالح، فبعث الله لهم ناقة، فكانت ترد من هذا الفجّ، وتصدر من هذا الفجّ، فعتوا عن أمر ربّهم فعقروها، وكانت تشرب ماءهم يوما ويشربون لبنها يوما، فأخذتهم صيحة أهمد الله بها من تحت أديم السّماء منهم» «٢» .
_________________
(١) - الحافظ في (اللسان): ٤/ ١٢٩، وذكر أنّ العقيليّ أورده في: (الضعفاء) ثم ساق له حديثين، ثم قال: «ولا يتابع على الحديثين جميعا»، نعم قد أورد الحديث الهيثمي في (المجمع): ٦/ ١٩٤- ١٩٥، ثم قال: «رواه البزار والطبراني في الأوسط، ورجال البزار ثقات»، فإذا صحّ هذا، فالحديث حسن- إن شاء الله- أو صحيح.
(٢) صحيح، أخرجه أحمد، رقم (٥٢٢٥، ٥٣٤٢، ٥٤٠٤، ٥٤٤١، ٥٦٤٥، ٥٧٠٥، ٥٩٣١، ٦٥٦١)، من حديث ابن عمر، وهذا أحد ألفاظه، وأخرجه البخاري: ٨/ ١٠٢؛ ومسلم: ٨/ ٢٢١، نحوه.
(٣) في المسند: ٣/ ٢٩٦، من طريق عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر. وقال الحافظ ابن كثير في تاريخه (٥/ ١١): «إسناده صحيح»، وكذلك صحّحه الحاكم من هذا الوجه: ٢/ ٣٤٠- ٣٤١؛ ووافقه الذهبي. واقتصر الحافظ في (الفتح): ٦/ ٢٩٤، على تحسينه، وهذا أقرب. وفي كل ذلك عندي نظر! فقد تعلمنا منهم أن أبا الزبير مدلس، وأنّه لا تقبل روايته المعنعنة، إلا إذا كانت من رواية الليث بن سعد عنه وهذه ليست منها! وقد قال الذهبي: «وفي صحيح مسلم عدّة أحاديث لم يوضح فيها أبو الزبير السماع عن جابر ولا هي من طريق الليث منه، ففي القلب منها شيء» . قلت: فكيف يصحّ إذن ما ليس منها في صحيح مسلم كهذا؟!.
[ ٤٠٦ ]
والنهي عن سؤال الايات عود بالناس إلى الأحوال المألوفة؛ إذ لا جدوى في الخروج عليها، وخير للسائلين أن يبذلوا طاقتهم في أداء ما يكلّفون به، وأن يرققوا قلوبهم حتى تلين لأمر الله.
فإن من قبلهم شهد العجائب، ثم أغرتهم قسوة القلب بازدرائها، فحاقت بهم اللعنة.
[تحقيق أهداف الغزوة]:
وبلغ المسلمون (تبوك) فلم يجدوا بها كيدا، أو يواجهوا عدوا، ولا بدّ أن الروم اثروا الاختفاء داخل حدودهم عن ملاقاة هذه القوة الفتية.
وصالح النبي ﷺ متنصرة العرب الضاربين في هذه الأرجاء، فدخل في عهده أهل (أيلة) و(أذرح) و(تيماء) و(دومة الجندل)، وأيقنت القبائل التي تعمل لحساب الرومان أن اعتمادها على سادتها الأقدمين قد فات أوانه.
وغزوة تبوك تشبه غزوة الأحزاب، فإنّ بلاء المسلمين أولها كان شديدا، ثم جاء ختامها طمأنينة وعزة، ومكث الرسول ﷺ هنالك بضعة عشر يوما، يمد بصره وراء الصحراء، حيث اختفى الرومان، يرقب منهم حركة، فلمّا رأى القوم قابعين مستكينين، قرر أن يقفل عائدا إلى المدينة موفورا منصورا.
وقدم رسول الله ﷺ المدينة، ولاحت له معالمها من بعيد. فقال: «هذه طابة! وهذا (أحد) جبل يحبّنا ونحبّه «١» !» وتسامع الناس بمقدمه، فخرج النساء والصبيان والولائد يقلن:
طلع البدر علينا من ثنيّات الوداع
وجب الشّكر علينا ما دعا لله داع
لقد قوبل جيش العسرة في مرجعه هذا بحفاوة بالغة. إنّه أكبر جيش خرج مع رسول الله ﷺ، إذ وصل تعداده نحو الثلاثين ألفا، ولم ينس النبي ﷺ في ذهابه وإيابه أصحاب القلوب الكبيرة، الذين صعب عليهم أن يجاهدوا معه، فتخلّفوا راغمين، والعبرات تملأ عيونهم.
عن أنس بن مالك: أنّ رسول الله ﷺ رجع من غزوة تبوك، فدنا من
_________________
(١) صحيح، أخرجه الشيخان وغيرهما.
[ ٤٠٧ ]
المدينة فقال: «إنّ بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا، ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم» !! فقالوا: يا رسول الله! وهم بالمدينة؟ قال: «وهم بالمدينة، حبسهم العذر»» .
بهذه المواساة الرقيقة كرّم النبي ﷺ الرجال الذين شيّعوه بقلوبهم وهو ينطلق إلى الروم، فأصلح بالهم، وأزاح هما ثقيلا عن أفئدتهم.
أمّا المنافقون من مؤمّلي الشر ودعاة الهزيمة، والأعراب الذين اعتبروا الإسلام نكبة حلّت بهم؛ فهم يتربّصون الدوائر بأهله! أما هؤلاء وأولئك فأمامهم عناء طويل.
المخلّفون «٢»:
ولما دخل رسول الله ﷺ المدينة بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين، ثم جلس للناس، فجاء المخلّفون، فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له، وكانوا بضعة وثمانين رجلا، فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم، وبايعهم، واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله.
وجاءه (كعب بن مالك) فلمّا سلّم عليه تبسّم تبسّم المغضب؛ ثم قال له:
«تعال» . قال: فجئت أمشي حتى جلست بين يديه، فقال لي: «ما خلّفك؟ ألم تكن قد ابتعت ظهرك؟» . فقلت: بلى والله، إنّي لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أن سأخرج من سخطه بعذر، ولقد أعطيت جدلا، ولكني والله لقد علمت إن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عليّ ليوشكنّ الله أن يسخطك عليّ، ولئن حدثتك حديث صدق تجد عليّ فيه، إنّي لأرجو فيه عفو الله عنّي.
والله ما كان لي من عذر، والله ما كنت قطّ أقوى ولا أيسر منّي حين تخلفت عنك!.
فقال رسول الله ﷺ: «أمّا هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك» .
فقمت.
وثار رجال من بني سلمة، فاتبعوني يؤنبونني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا. ولقد عجزت ألاتكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ١٠٣.
(٢) هذه الرواية من خلاصة لزاد المعاد.
[ ٤٠٨ ]
بما اعتذر إليه المخلّفون، فقد كان كافيك ذنبك استغفار رسول الله ﷺ لك.
قال: فو الله ما زالوا يؤنّبونني حتى أردت أن أرجع فأكذّب نفسي.
ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم رجلان قالا مثل ما قلت، فقيل لهما مثل الذي قيل لك، فقلت: من هما؟ قالوا: مرارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي، فذكروا لي رجلين صالحين شهدا بدرا، فيهما أسوة!!.
فمضيت حين ذكروهما لي.
ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا- أيّها الثلاثة- من بين من تخلّف عنه.
فاجتنبنا الناس، وتغيّروا لنا حتى تنكّرت لي الأرض، فما هي بالتي أعرف! فلبثنا على ذلك خمسين ليلة، فأمّا صاحباي فاستكانا، وقعدا في بيوتهما يبكيان.
وأما أنا فكنت أشبّ القوم وأجلدهم، فكنت أخرج أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف في الأسواق، ولا يكلّمني أحد، واتي رسول الله ﷺ فأسلّم عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقول في نفسي: هل حرّك شفتيه برد السلام أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، فأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي أقبل إليّ، وإذا التفتّ نحوه أعرض عني.
حتى إذا طال عليّ ذلك من جفوة المسلمين مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة- وهو ابن عمّي وأحبّ الناس إليّ- فسلمت عليه، فو الله ما رد عليّ السلام! فقلت: يا أبا قتادة أنشدك الله، هل تعلمني أحبّ الله ورسوله؟
فسكت. فعدت له، فنشدته فسكت، فعدت له فنشدته، فقال: الله ورسوله أعلم! ففاضت عيناي، وتوليت حتى تسورت الجدار.
فبينا أنا أمشي بسوق المدينة، وإذا نبطي من أنباط الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدلّ على كعب بن مالك؟ فطفق الناس يشيرون له حتى إذا جاءني دفع إليّ كتابا من ملك غسان، فإذا فيه: أما بعد: فإنّه بلغني أنّ صاحبك قد جفاك، ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة، فالحق بنا نواسك.
فقلت لمّا قرأتها: وهذا أيضا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجّرتها. حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا رسول رسول الله ﷺ يأتيني فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك، فقلت: أطلقها أم ماذا؟ قال: لا، ولكن اعتزلها ولا تقربها.
[ ٤٠٩ ]
وأرسل إلى صاحبيّ مثل ذلك، فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
فجاءت امرأة هلال بن أمية، فقالت: يا رسول الله! إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: «لا، ولكن لا يقربك»، قالت:
إنه- والله- ما به حركة إلى شيء. والله ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا.
قال كعب: قال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك كما أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه؟ فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يدريني ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته فيها وأنا رجل شاب، ولبثت بعد ذلك عشر ليال، حتى كملت لنا خمسون ليلة من حين نهى رسول الله ﷺ عن كلامنا.
فلما صليت صلاة الفجر صبح خمسين ليلة على سطح بيت من بيوتنا، وبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى، قد ضاقت عليّ نفسي، وضاقت عليّ الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على جبل سلع بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر!.
فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج من الله.
واذن رسول الله ﷺ الناس بتوبة الله علينا حين صلّى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قبل صاحبيّ مبشرون. وأركض إليّ رجل فرسا، وسعى ساع من أسلم فأوفى على ذروة الجبل، وكان الصوت أسرع من الفرس.
فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، نزعت له ثوبيّ فكسوته إياهما ببشراه، والله ما أملك غيرهما، واستعرت ثوبين فلبستهما، فانطلقت إلى رسول الله ﷺ، فتلقاني الناس فوجا فوجا يهنئونني بالتوبة، يقولون: ليهنك توبة الله عليك.
قال كعب: حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس، وحوله الناس فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني، والله ما قام إليّ رجل من المهاجرين غيره، ولست أنساها لطلحة.
فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال- وهو يبرق وجهه من السرور-:
[ ٤١٠ ]
«أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمّك»، قال: قلت: أهو من عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: «لا، بل من عند الله» .
وكان رسول الله ﷺ إذا سرّ استنار وجهه، حتى كأنّه قطعة قمر، وكنا نعرف ذلك منه.
فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله، فقال: «أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك» .
قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر.
فقلت: يا رسول الله إن الله إنما نجّاني بالصدق، وإن من توبتي أن لا أحدّث إلا صدقا ما بقيت، فو الله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث منذ ذكرت لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا ما أبلاني، والله ما تعمدت بعد ذلك إلى يومي هذا كذبا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقيت، فأنزل الله تعالى على رسوله:
لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ وَالْأَنْصارِ إلى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩) [التوبة: ١١٧- ١١٩] .
فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة قط- بعد أن هداني للإسلام- أعظم في نفسي من صدقي لرسول الله ﷺ ألاأكون كذبته، فأهلك كما هلك الذين كذبوا، فإن الله قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ إلى قوله: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥- ٩٦] .
قال كعب: وكان تخلّفنا- أيها الثلاثة- عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا له، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ أمرنا حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله:
وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا [التوبة: ١١٨] .
وليس الذي ذكر الله مما خلّفنا عن الغزو، وإنّما هو تخليفه إيّانا وإرجاؤه أمرنا عمّن حلف له واعتذر إليه فقبل منه «١» .
_________________
(١) صحيح، أخرجه البخاري: ٨/ ٩٢- ١٠٠، بطوله؛ وكذا مسلم: ٨/ ١٠٦- ١١٢.
[ ٤١١ ]
مسجد الضّرار:
سلك النبي ﷺ مع الذين يتظاهرون بالإسلام طريق الملاينة والإغضاء، يقبل منهم أعذارهم- وهي مختلفة- ويتكرم عن فضحهم وهم يتفلّتون من قيود السمع والطاعة، فإذا تلبّس أحدهم بخيانة تهدر دمه رغب في التجاوز عنه حتى لا يقال: إن محمدا يقتل أصحابه وما هم في صحبته من شيء، ولكن هكذا سيقول الناس.
ولو أنّ هؤلاء المنافقين كانوا على قليل من الخير لأسرهم هذا الحلم وانخلعوا من خداعهم الصغير، وأقبلوا على الإسلام طيبين خالصين؛ بيد أنّ هذا الأسلوب العالي في معاملتهم لم يزدهم على الله ورسوله إلا جرأة، فزاد افتياتهم وربت شرورهم، ولم يبق بدّ من كشف خبثهم، وإشعار جمهور الأمة بما تنطوي عليه نفوسهم وأعمالهم.
وقد نزلت الايات أخيرا تندّد بما فعل ويفعل أولئك المنافقون، وتمزّق الأستار التي يتوارون خلفها، وكانت ألاعيبهم قبل (تبوك) وبعدها هي النهاية الحاسمة للسماحة التي مرحوا في سعتها طويلا، ولم يقدّروها حقّ قدرها. فأمر النبي ﷺ أن يعلن على الناس ذبذبتهم ونكوصهم، وكلّف ألّا يقبل منهم وألّا يصلّي عليهم، بل عرّف أنّ استغفاره لهم لن يجاب، ثم طولب المسلمون كافّة أن يقطعوهم.
ومن أعجب ما تفتقت عنه حيل المنافقين أن يبنوا مسجدا يلتقون فيه واحدهم، ويمكرون فيه بالإسلام تحت ستار التجمع على العبادة، وقد ذهبوا للرسول ﷺ قبل رحيله إلى تبوك يقولون له: بنينا مسجدا لذي العلّة والحاجة والليلة المطيرة ونحبّ أن تأتينا فتصلي لنا فيه؟ فاعتذر لهم بأنه على جناح سفر وحال شغل. وقال: «لو قدمنا- إن شاء الله- أتيناكم؛ فصلّينا لكم فيه» «١» .
فلمّا اب النبي ﷺ بجيشه، وتحرج موقف المنافقين، وانكشفت خباياهم، أرسل اثنين من أصحابه إلى هذا المسجد، وأمرهم أن يحرّقوه ويهدموه.
_________________
(١) ضعيف، رواه ابن هشام: ٢/ ٣٢٢، عن ابن إسحاق بدون إسناد. لكن ذكره ابن كثير في التفسير: ٢/ ٣٨٨، عن ابن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر، وابن قتادة وغيرهم مرسلا. والله أعلم.
[ ٤١٢ ]
وجاء الصاحبان إلى المسجد يحملان الشعل الحارقة، وأخذا يأتيان عليه، وفيه أهله الذين فروا مذعورين لمرأى اللهب، يدمّر اخر ما شاد النفاق من حيل.
ونزل قوله تعالى: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصادًا لِمَنْ حارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا الْحُسْنى وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ (١٠٧) لا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ [التوبة] .
[ ٤١٣ ]
طليعة الوفود
استغرق المسير إلى تبوك والماب منها أياما طوالا، فقد خرج المسلمون إليها في رجب، وعادوا في رمضان، ليؤدّوا ما عليهم من فريضة الصيام، ولم يلبثوا طويلا حتى جاءت البشريات بأنّ وفد ثقيف قدم إلى المدينة ليفاوض رسول الله ﷺ على الدخول في الإسلام؛ لقد استجاب الله دعوة نبيّه لأهل الطائف أن يسلس قيادهم للحق فيأتوا طائعين، وكان أهل الطائف- بعد أن انفضّ الحصار المضروب عليهم- قد أخذو يتروّون في شأنهم ومصيرهم، إلا أنّ جمهورهم لما يزل على ولائه للأصنام وصدوده عن الإسلام.
وحاول رئيسهم (عروة بن مسعود) أن يتحدّث إليهم في نبذ هذه الجاهلية، وعروة فيهم سيد مطاع محبوب، غير أنّ نخوة الامتناع استبدّت بهم، فلما أظهر الرجل دخوله في الإسلام ودعاهم إلى ذلك، رموه بالنبل فقتلوه..
ولم ييئس العقلاء من رشد قومهم، ولم تستطع ثقيف كذلك تجاهل ما حولها، فإنّ دولة الأصنام تدبر في كل مكان، وأمر الإسلام يعلو يوما بعد يوم.
فاجتمع عمرو بن أمية ب (عبد ياليل بن عمرو) وقال له: إنّه قد نزل بنا أمر ليست معه هجرة «١»، إنه قد كان أمر هذا الرجل ما رأيت، وقد أسلمت العرب كلها، وليست لكم بحربهم طاقة، فانظروا في أمركم.
ورأت ثقيف أن تبعث وفدها إلى رسول الله ﷺ ليصل إلى وضع تقرّ به، وتألف الوفد من ممثلين لعشائر ثقيف كلّها، حتى يلتزموا ما يصل إليه من شروط.
وجادل الوفد رسول الله ﷺ جدالا طويلا يبغي أن يظفر منه بإقرار لبعض ماثر الجاهلية، ورسول الله ﷺ يأبى أشدّ الإباء، وطلبوا منه أن يدع (اللات) ثلاث سنين ثم يهدمها، ثم ساوموه على سنتين، ثم سنة، ثم شهر واحد بعد مقدمهم، والنبي ﷺ يأبى إلا هدمها دون توقيت أمد معين.
_________________
(١) كانا من قبل متهاجرين.
[ ٤١٤ ]
فلما يئسوا سألوه ألا يكسروا أوثانهم بأيديهم، أجابهم إلى ذلك بإرسال من يكسرها لهم.
وسألوه أن يضع عنهم الصلاة! فقال رسول الله ﷺ: «لا خير في دين بلا صلاة» «١» .
وعاد الوفد إلى الطائف، ومعه المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب، ليهدما اللات، وكان هدم اللات يوما مشهودا، فإنّ نسوة ثقيف خرجن حاسرات الرؤوس، يبكين ويصرخن، وهن يرين الفؤوس تهدم إلههن، وطالما خشعن له، وذبحن حوله، وسقن له النذور.
ويروى أنّ المغيرة كلّما هوى بالفأس على بنيان الصنم قال أبو سفيان:
واها لك! اها لك! تأسفا، ولعلّه كان يسخر، أو يواسي نساء ثقيف
ولا مراء في أنّ استسلام ثقيف، ثم دخولها الإسلام يعدّ كسبا كبيرا، وفتحا جديدا، فلم يبق قبيل عزيز الجانب في الجزيرة إلا وقد دان لله ورسوله ﷺ.
أما القبائل التي لما تزل على جاهليتها، فهي أوزاع، توشك أن تستبين الحق وتستريح له، إنّ الليل المضروب عليها لن يطول سواده، بل إنّ تباشير الفجر قد خالطته هنا وهناك حتى لم يبق لظلمته مكان تتشبث به.
قال ابن إسحاق: لما افتتح رسول الله ﷺ مكة، وفرغ من تبوك، وأسلمت ثقيف وبايعت، ضربت إليه وفود العرب من كلّ وجه.
وإنّما كانت العرب تربّص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وذلك أن قريشا كانوا إمام الناس وهاديهم، وأهل البيت الحرام، وصريح ولد إسماعيل وقادة العرب، لا ينكرون ذلك- وكانت قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ وخلافه.
فلما افتتحت مكة ودانت له قريش ودوّخها الإسلام، عرفت العرب أنّها لا
_________________
(١) ضعيف، ذكره ابن هشام: ٢/ ٣٢٥- ٣٢٦، عن ابن إسحاق معضلا، والجملة الأخيرة وصلها أبو داود: ٢/ ٤٢؛ وأحمد: ٥/ ٢١٨، عن الحسن عن عثمان بن أبي العاص مرفوعا نحوها. ورجاله ثقات لكن الحسن- وهو البصري- مدلس، وقد عنعنه.
[ ٤١٥ ]
طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا يضربون إليه من كلّ وجه.
يقول ﷾ لنبيّه: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْواجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كانَ تَوَّابًا (٣) [النصر] .
بعد كمّ من السنين بلغ النبيّ ﷺ هذه المرحلة؟ بعد اثنتين وعشرين سنة من الدعاية الحثيثة، والتذكير الدائم، وتحمّل الأذى، وكفاح العدوان..
فإن كانت هناك بقايا من الغافلين لا تزال تضرع للأصنام، وتحيا على الفوضى، فإنّ فطامها عن هذه الرذائل لا ينكره ذو لب أو مروءة، ومن ثمّ اتجه الإسلام إلى ضرورة تطهير الجزيرة كلّها من عبادة الأوثان، وإشعار المشركين بأنّ أمامهم مهلة محدودة للتخلص من أدرانها.. ثم تعريفهم كذلك بأن الأصنام التي كانوا يقدّسونها حول الكعبة قد أزيلت، فأصبحت الكعبة قبلة مسجد يؤمه المواحدون، وليست مطاف جهّال يتبركون بالحجارة، وأن تقاليد العري التي شاعت في الجاهلية، وجعلت المطاف يزدحم بالسّوات المكشوفة قد نبذها الإسلام، فلن يسمح في عهده بالتبذل القديم.
وأقبل موسم الحج في السنة التاسعة والمشركون على ما ألفوا، إنهم يؤمون البيت العتيق، ولا يتعظون من مصير الأصنام التي تكسرت! أين الالهة التي قضوا أعمارهم ينحنون لها، ويتوسّلون بها؟ لقد هشمت وديست! ومع ذلك فإن عبّادها لبثوا مشركين.. وقد تكون في نفوسهم حسرات لخلو الكعبة منها.
إنّ من حقّ المسلمين أن يضعوا حدّا لهذه المهازل، وأن يزيحوا عن كرامة البشر هذا الهوان.
[ ٤١٦ ]
حج أبي بكر بالناس
بعث رسول الله ﷺ أبا بكر أميرا على الحج، ليقيم بالمسلمين المناسك، فخرج من المدينة يسوق البدن أمامه مولّيا وجهه شطر المسجد الحرام، ونزل الوحي بسورة براءة بعد انصراف أبي بكر ووفد الحجيج، فأشير على رسول الله ﷺ أن يبعث بالايات إليه ليقرأها على أهل الموسم كافّة.
ورأى رسول الله ﷺ أن يرسل بها عليّ بن أبي طالب قائلا: «لا يؤدّي عنّي إلا رجل من أهل بيتي» «١»، وذلك من رسول الله ﷺ تمشّ مع عادة العرب في عهود الدماء والأموال.
ألا ترى أنه قبل هجرته وكل إلى عليّ ردّ الأمانات إلى أهل مكة؟ إنّ أواصر القربى تقتضي التكافل التامّ في هذه الشؤون، فكأنّ الرسول ﷺ أدّى بيده ما أداه علي ﵁ عنه، وكأنّه قال بلسانه في الموسم ما سيقرؤه عليّ بين الناس.
ورعاية هذا الإفهام ليست فريضة، بل هي من النبي ﷺ زيادة حيطة وإعذار.
قال ابن إسحاق: ثم دعا عليّ بن أبي طالب فقال له: «اخرج بهذه القصّة من صدر براءة، وأذّن في النّاس يوم النّحر إذا اجتمعوا بمنى: أنّه لا يدخل الجنّة كافر، ولا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان له عند رسول الله ﷺ عهد فهو إلى مدّته» .
فخرج عليّ يمتطي العضباء- ناقة رسول الله ﷺ- حتى أدرك أبا بكر بالطريق.
فلما راه أبو بكر سأله: أأمير أم مأمور؟ قال: بل مأمور، ثم مضيا «٢» .
_________________
(١) حديث حسن، رواه ابن هشام: ٢/ ٣٢٨، عن ابن إسحاق عن أبي جعفر محمد بن علي مرسلا، لكن له شواهد يتقوّى بها، ذكرها ابن كثير في تاريخه: ٥/ ٣٧- ٣٨.
(٢) حديث حسن، وهو تمام حديث أبي جعفر المتقدم.
[ ٤١٧ ]
أبو بكر- كما كلّفه رسول الله ﷺ- يقيم للناس المناسك، وعليّ يؤذن في الناس بما أمر به، ويقرأ على العرب صدر السورة التي فصلت في أمرهم، وأجهزت على الوثنية في بلادهم.
وكان هناك مؤذّنون اخرون بثّهم أبو بكر في المجامع الكبيرة، يعينون عليا على إبلاغ رسالته، ويصيحون هنا وهناك: لا يحجّ بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.
وعن زيد بن يثيع: سألنا عليا: بأيّ شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يطوف بالبيت عريان، ولا يجتمع مسلم وكافر في المسجد الحرام بعد عامه هذا، ومن كان بينه وبين النبيّ ﷺ عهد فعهده إلى مدّته، ومن لم يكن له عهد فأجله إلى أربعة أشهر «١» .
وقد تكلّمنا في موضع اخر عن مكانة المعاهدات في الإسلام «٢»، وشرحنا ما تضمنه صدر سورة التوبة من أحكام.
وليعلم من يشاء أنّ تشريع قانون بمحو الوثنية كتشريع قانون بمحو الأمية عمل إنساني نبيل، وأن اعتراضا عليه لا يصدر من رجل يؤثر الخير للأمم، ويتمنّى لها السمو والكرامة!.
وبحسب الإسلام أنّه ظلّ اثنين وعشرين عاما يحارب الخرافة بالتعليم والتربية كلّما أتيحت له فرص لنشر المعرفة وغرس الأدب، وبالقصاص والقتال كلّما وقف في طريقه الجهّال والضلّال يبطلون سعيه أو يصدّون عنه.
وقد منح الإسلام الوثنية أول الأمر حق الحياة، وترك من يرتد عنه يرجع إليها إذا شاء، ولم يفعل ذلك إعزازا لها، إنما هو حسن ظنّ بعقل الإنسان وضميره
فقلّ من يسفهون أنفسهم، ويتركون الله العظيم إلى صورة من حجر أو خشب أو طعام.
فلمّا تبين أن الوثنيين يستخفون بكل شيء، وأنهم يستغلون الحق الممنوح لهم في الفتنة والعدوان والقتل لم يبق لتركهم من حكمة.
_________________
(١) صحيح، أخرجه أحمد، رقم (٥٩٤)؛ والترمذي: ٤/ ١١٦، وصحّحه.
(٢) في كتابنا (تأملات في الدين والحياة) .
[ ٤١٨ ]
إنّ الكلب العقور لا يترك طليقا، فإذا أفلت من قيده فأهدر دمه، فمن السّفه اعتبار ما حدث جريمة قتل.
والذين يظنون أو يحلو لهم الظنّ بأنّ الإسلام عند ما طارد الوثنية خنق حريّة الرأي هم أشخاص واهمون أو مغرضون.
وعلى هدى التجارب والمصائب التي عاناها المسلمون طوال اثنين وعشرين عاما تعرف سرّ الغضب الذي اشتغل اخر الأمر، ولم نزل الوحي يعالن المشركين بالقطيعة، ويرفض منهم كلّ اعتذار؟ ثم يسرد ما أسلفوا من سيئات على أنه خليقة فيهم لم ينفكوا عنها يوما، ولا يرجى أن ينفكوا عنها أبدا.
ومن ثمّ فلا مكان لأصنامهم بعد المهلة المضروبة لهم:
بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١) فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ (٢) وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ فَإِنْ تُبْتُمْ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذابٍ أَلِيمٍ (٣) [التوبة] .
ومن قبل هذا النذير المخوف ومن بعده كانت أفواج الوافدين تنطلق صوب المدينة تبايع رسول الله ﷺ على أن تخلع رداء الجاهلية، وتدخل في الدين الحق.
وهذه الوفود المقبلة، عرفت- خلال السنين السابقة- طرفا يسيرا عن الإسلام.
فقد شاع في أرجاء الجزيرة كلّها نبأ الرسالة الجديدة، وما تضمنته من عقائد، وما تفرضه على أتباعها من تعاليم.
وتتبع المحبون والمبغضون كفاحها الموصول في طلب الحياة، ومبلغ ما بذلت وبذل أعداؤها حتى انتهت الأمور بهذا الختام المبين.
ونحن نعلم أنّ الحزب الذي يبدأ نشاطه بأنصار قلائل يتضاعف الإقبال عليه عند ما تلمع له وقفات مشرفة، ويتاح له نصر كبير.
فكيف إذا اختفى خصومه وتألّقت نجومه؟.
[ ٤١٩ ]
فلا جرم أنّ المدينة تتدفق عليها سيول الراغبين في اعتناق هذا الدين، أو الراغبين في مسالمته، ورسم سياسة تقوم على التعاون معه.
ولسنا بسبيل إحصاء هذه الوفود القادمة من المشرق والمغرب.
لكنّنا نسوق مثلين لوفدين: أحدهما وثني أقبل يبغي الإسلام، والاخر نصرانيّ جاء يستطلع النبأ، ويفاوض ويعاهد بعد جدال ولجاجة.
[ ٤٢٠ ]
وفد للأميين، ووفد لأهل الكتاب
أرسلت قبيلة سعد بن بكر (ضمام بن ثعلبة) وافدا إلى رسول الله ﷺ.
فامتطى (ضمام) بعيره حتى دخل المدينة، فأناخه على باب المسجد، ثم عقله، ثم دخل المسجد ورسول الله ﷺ جالس في أصحابه.
وكان (ضمام) رجلا جلدا، أشعر، ذا غديرتين، فأقبل حتى وقف على رسول الله ﷺ في أصحابه. فقال: أيكم ابن عبد المطلب؟.
فقال رسول الله ﷺ: «أنا ابن عبد المطّلب» .
قال: أمحمد؟
قال: «نعم» .
قال: يا بن عبد المطلب! إنّي سائلك، ومغلظ عليك في المسألة، فلا تجدنّ في نفسك.
قال ﷺ: «لا أجد في نفسي، فسل عمّا بدا لك» .
قال: أنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك. الله بعثك إلينا رسولا؟.
قال ﷺ: «اللهمّ نعم» .
قال: فأنشدك الله إلهك وإله من كان قبلك، وإله من هو كائن بعدك. الله أمرك أن تأمرنا أن نعبده واحده، ولا نشرك به شيئا، وأن نخلع هذه الأنداد التي كان اباؤنا يعبدون معه؟.
قال ﷺ: «اللهم نعم» .
وفي رواية أنه قال: يا محمد أتانا رسولك، فزعم لنا أنّك تزعم أنّ الله أرسلك؟.
قال ﷺ: «صدق» .
قال: فمن خلق السماء؟
[ ٤٢١ ]
قال ﷺ: «الله» .
قال: فمن خلق الأرض؟
قال ﷺ: «الله» .
قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟
قال ﷺ: «الله» .
قال: فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال الله أرسلك؟
قال ﷺ: «نعم» .
قال ضمام: وزعم رسولك أنّ علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا.
قال ﷺ: «صدق» .
قال: فبالذي أرسلك، الله أمرك بهذا؟
قال ﷺ: «نعم» .
ثم جعل يذكر فرائض الإسلام وشرائعه على هذا النحو، حتى إذا فرغ قال:
فإنّي أشهد ألاإله إلا الله، وأشهد أنّ محمدا رسول الله، وسأؤدي هذه الفرائض وأجتنب ما نهيتني عنه. ثم لا أزيد ولا أنقص، وانصرف إلى بعيره راجعا.
فقال رسول الله ﷺ: «إن صدق ذو العقيصتين «١» دخل الجنّة» «٢» .
فأتى ضمام بعيره، فأطلق عقاله، ثم خرج حتى قدم على قومه، فاجتمعوا إليه، فكان أوّل ما تكلّم به أن قال: بئست اللات والعزّى!! قالوا: مه يا ضمام! اتق البرص، اتق الجذام، اتق الجنون.. قال: ويلكم، إنّهما- والله- لا يضرّان ولا ينفعان.
إنّ الله قد بعث رسولا، وأنزل عليه كتابا، استنقذكم به مما كنتم فيه، وإنّي أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له، وأنّ محمدا عبده ورسوله، وقد جئتكم من عنده بما أمركم به ونهاكم عنه.
قال: فو الله ما أمسى في الحيّ من ذلك اليوم رجل ولا امرأة إلا مسلما «٣» .
_________________
(١) الضفيرتين. (ن) .
(٢) قال الحافظ ابن كثير (٥/ ٦١): «هذا يدل على أنه- يعني ضماما- رجع إلى قومه قبل الفتح لأنّ (العزى) خرّبها خالد بن الوليد أيام الفتح» .
(٣) حديث حسن بهذا التمام، رواه أبو داود: ١/ ٧٩؛ والحاكم: ٣/ ٥٤- ٥٥؛ وأحمد، -
[ ٤٢٢ ]
ذلك وفد يمثّل بساطة الأمّيين في منطقهم وسلامة طويتهم في جدلهم وتساؤلهم، وخلو أذهانهم من العقد التي تعترض الحقّ في مسيله السمح.
ولا نكران في أنّ جهاد الدعوة القديم له أثره في الوصول إلى هذه النتائج السريعة.
وهذا طبيعي؛ فإنّ تغيير دين ليس كتجديد زي، وضمام بن ثعلبة كان يستحضر في ذهنه وهو يسأل النبي ﷺ، ثم وهو يخطب قومه أنّ هذه الرسالة الجديدة مرّت بأطوار شتّى من المحن والفتن، كشفت عن صدقها وسلامة جوهرها، فليس إيمانه وإيمان قومه وليد ساعة من كلام.
ذاك وفد الأميين، وهو مثل لوفود أخرى كبرت أو صغرت أمّت المدينة، لترى هذا النبي وتبايعه، ثم تؤوب إلى قومها حاملة الهدى والخير.
أما أهل الكتاب فإنّ قلة منهم شرحت صدرا بالحق، وسارعت إلى اعتناقه ومؤازرته، والكثرة الباقية اختلفت عداوتها له شدة وفتورا.
أبى اليهود إلا إبادة الإسلام، فوقعوا في شرور نيتهم، وباد سلطانهم العسكري والسياسي قبل أن يدركوا هذه الغاية.
وقبلهم الإسلام في دولته القائمة أفرادا يبقون على ديانتهم ما أحبوا، ولا يمكّنون من تجمع على عدوان ودس.
وذلك حقه لا ريب!!.
ولم تصادر الحقوق الشخصية ليهودي تحت سلطان الإسلام، وحسبك أن النبي ﷺ نفسه- لكي يقترض من يهودي- ارتهنه درعه «١» .. وما فكّر قط في إحراجه بما يملك من سلطان بعيد.
وكان النصارى أخف خصومة حيث ابتعدوا عن سلطان الكنيسة فأسلم بعضهم عن طواعية وإعجاب بما في الإسلام من سهولة واستقامة، وبقي الاخرون على ما ورثوا.
_________________
(١) - رقم (٢٣٨٠) من حديث ابن عباس، وقال الحاكم: «صحيح»، ووافقه الذهبي؛ ورواه مسلم: ١/ ٣٢، وغيره مختصرا، والرواية الاخرى له.
(٢) صحيح، أخرجه البخاري وغيره.
[ ٤٢٣ ]
وسارت العلاقة بين الدينين في مجراها الذي أبنّا عنه انفا، حتى تحولت إلى حرب طاحنة بين المسلمين والرومان.
وكانت النصرانية- مع تفوّق الرومان السياسي والعسكري- تسود شمال الجزيرة وجنوبها.
فرأى المسلمون- وهم في حرب مع دولة الروم- أن يحدّدوا موقفهم مع نصارى الجنوب، خصوصا وأنّ الروم كانوا يغدقون العطايا على مبشريهم هناك، ويبنون لهم الكنائس، ويبسطون عليهم الكرامات، ويشجّعونهم على المضي في تنصير القبائل المتوطنة بهذه الأرجاء.
فأرسل النبيّ ﷺ إلى أهل (نجران) كتابا جاء فيه: «باسم إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب، أما بعد: فإنّي أدعوكم إلى عبادة الله من عبادة العباد
وأدعوكم إلى ولاية الله من ولاية العباد.
فإن أبيتم فالجزية، فإن أبيتم فقد اذنتكم بحرب، والسّلام» «١» .
فأرسلت نجران- وهي كعبة النصرانية جنوبا- وفدها إلى المدينة ليقابل رسول الله ﷺ ويتفاهم معه، ووافى الوفد المدينة بعد العصر ودخل المسجد.
فكان أول ما صنع أن اتجه إلى بيت المقدس يصلّي لله على ما تقضي به طقوس المسيحية، وأراد الناس منعهم، فقال رسول الله ﷺ: «دعوهم» «٢»
حتى انتهوا من عبادتهم
وراهم النبي ﷺ قد لبسوا لملاقاته أردية الكهنوت الفاخرة، وتحلّوا بخواتم الذّهب، وجاؤوا يخبّون في الحرير، وتبدو لهم- بين القلانس والطيالس- سيماء التكلّف الشديد.
فأبى أن يتحدّث معهم، حتى يرجعوا إلى ملابس سفرهم، ويدعوا هذه الزينة «٣» .
_________________
(١) ضعيف، رواه البيهقي عن يونس بن بكير، عن سلمة بن يسوع، عن أبيه، عن جده. وهذا سند مجهول. سلمة هذا ومن فوقه لم أجد من ترجمهم، وأبو يسوع لم يورده الحافظ في (الكنى) من الصحابة. فالله أعلم. ثم رأيت ابن كثير قد ذكره في التفسير: ١/ ٣٦٩، ووقع فيه: «سلمة بن عبد يسوع»، ولعلّه الصواب.
(٢) ضعيف، أخرجه ابن هشام: ٢/ ٤٦، عن ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال فذكره. وهذا مرسل أو معضل.
(٣) هذا من حديث عبد يسوع السابق.
[ ٤٢٤ ]
والغريب أنّ بعضهم سأل النبيّ ﷺ: أتريد منا يا محمد أن نعبدك كما يعبد عيسى ابن مريم وإلى ذلك تدعونا؟.
فقال رسول الله ﷺ: «معاذ الله أن أعبد غير الله أو امر بعبادة غيره، ما بذلك بعثني ولا أمرني» «١» .
وأنزل الله ﷿ في ذلك: ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠) [ال عمران] .
وعرض النبي ﷺ على أحبار نجران وسائر الوفد أن يسلموا، فقالوا له:
أسلمنا قبلك، قال: «كذبتم، يمنعكم من الإسلام دعاؤكم لله ولدا، وعبادتكم الصليب، وأكلكم الخنزير» .
فجادلوه في عيسى، وقالوا: من أبوه «٢»؟ فروي أنّ النبي ﷺ ردّ عليهم قائلا: «ألستم تعلمون أنّ الله حيّ لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟» .
قالوا: بلى.
قال ﷺ: «ألستم تعلمون أنّ ربّنا قيّم على كلّ شيء، يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟» .
قالوا: بلى.
قال ﷺ: «فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟» .
قالوا: لا.
قال ﷺ: «ألستم تعلمون أنّ الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟» .
قالوا: بلى.
_________________
(١) ضعيف، رواه محمد بن إسحاق بسنده عن ابن عباس كما في تفسير ابن كثير، وفيه محمد بن أبي محمد وهو الأنصاري، قال الذهبي: «لا يعرف»، وأما ابن حبان فوثقه.
(٢) إلى هنا رواه ابن إسحاق في مرسل محمد بن جعفر بن الزبير السابق. وأما الرواية الاخرى فلم أجدها الان مسندة بهذا التمام، وإنما جاء بعضها في حديث عبد يسوع المتقدم.
[ ٤٢٥ ]
قال ﷺ: «ألستم تعلمون أنّ ربّنا صوّر عيسى في الرّحم كيف يشاء؟ وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشّراب، ولا يحدث الحدث؟» .
قالوا: بلى!.
قال ﷺ: «ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمّه كما تحمل المرأة، ثمّ وضعته كما تضع ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبيّ، ثم كان يأكل الطعام، ويشرب الشراب، ويحدث الحدث؟» .
قالوا: بلى.
قال ﷺ: «فكيف يكون هذا كما زعمتم؟» .
فقالوا: ألست تقول في عيسى: إنّه كلمة الله ألقاها إلى مريم وروح منه؟
قال ﷺ: «بلى» .
فلما رأى النبي ﷺ أنّ الجدل يتمادى بالقوم، وأنّهم مصرّون على اعتبار عيسى إلها أو ندّا للإله قال لهم: «أقيموا غدا حتّى أخبركم» .
فنزلت ايات المباهلة: إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (٦١) [ال عمران: ٥٩- ٦١] .
فأصبح رسول الله ﷺ من الغد، وقد أقبل بنفسه، وحفيديه الحسن والحسين، وابنته فاطمة.
واستعدّ أن يشترك مع وفد نجران في صلاة جامعة تستنزل فيها لعنة الله على المفترين.
واستمع وفد نجران إلى هذا الاقتراح، فأوجسوا خيفة من قبوله! من يدري؟
قد يكون محمد صادقا في أنّ عيسى بشر مثله ويكونون- هم- واهمين في انتحال الألوهية له.
فلماذا يبتهلون إلى الله أن يمحقهم؟!.
ونظروا إلى محمد ﷺ وطفليه وابنته، فشعروا أن الكاذب منهما لن يهلك واحده بل ستهلك معه أسرته، فخشوا على أولادهم وأهليهم البوار إن هم قبلوا هذه المباهلة، ثم خلصوا نجيا.
[ ٤٢٦ ]
قال بعضهم للاخر: إن كان هذا الرجل ملكا، فلن نأمن طعننا عليه وخصامنا له، فإنّ دولته مقبلة، وربما أصابنا قومه بجائحة.
وإن كان نبيّا مرسلا فلاعنّاه، فلن يبقى على وجه الأرض منا شعرة ولا ظفر إلا هلك، فما الرأي؟.
فجاءه متحدث القوم شرحبيل بن وداعة، وقال له: رأيت خيرا من ملاعنتك.
فقال النبي ﷺ: «ما هو؟» .
قال: أدع لك الحكم فينا فمهما قضيت فهو جائز!
فقال رسول الله ﷺ: «لعلّ وراءك أحدا يثرّب عليك؟» فقال شرحبيل: سل عني.
فلما سأل الرسول ﷺ عنه أخبر أن أهل الوادي لا يصدرون ولا يردون إلا عن رأيه، فقال: «جاحد موفق» .
ورجع رسول الله ﷺ ولم يلاعنهم، وعقد معهم صلحا، أصبحوا بمقتضاه من رعايا الدولة الإسلامية.
وجاء في شروط هذا الصلح: «أنّ لنصارى نجران جوار الله وذمة محمد النبي على أنفسهم وملتهم، وأرضهم وأموالهم، وغائبهم وشاهداهم، وعشيرتهم وتبعهم.
وألايغيّروا مما كانوا عليه، ولا يغير حق من حقوقهم ولا ملتهم، ولا يغير أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، وكل ما تحت أيديهم من قليل أو كثير.
وليس عليهم ريبة ولا دم جاهلية، ولا يحشرون- يكلفون- بجهاد، ولا يعشّرون- يكلفون بزكاة- ولا يطأ أرضهم جيش.
ومن سأل منهم حقا فبينهم النّصف غير ظالمين ولا مظلومين، ومن أكل ربا فذمتي منه بريئة، ولا يؤخذ رجل منهم بظلم اخر.
وعلى ما في هذه الصحيفة جوار الله وذمة محمد رسول الله حتى يأتي الله بأمره ما نصحوا وأصلحوا فيما عليهم غير منقلبين بظلم» .
وشهد على هذه المعاهدة أبو سفيان بن حرب، وغيلان بن عمرو، ومالك بن عوف، والأقرع بن حابس، والمغيرة بن شعبة.
فماذا كلّف به نصارى نجران بإزاء هذه الحقوق؟ أن يدفعوا للدولة ألفي حلة في السنة! وهي بدل تافه عن الزكاة التي يدفعها المسلمون واحدهم، والجهاد الذي يحملونه واحدهم.
وتلك هي الجزية التي ضربت على نجران بعد المفاوضات التي رأيت.
[ ٤٢٧ ]
وبذلك قطع الإسلام الصلة بين أولئك العرب المتنصرين وبين دولة الروم التي يشتبك معها في الحرب، بعد ما ضمن الحرية الدينية لمن سالموه وكفّوا عنه.
ونحن نسأل- على وجه التحدي-: هل عاملت الطوائف المسيحية بعضها بعضا بهذه السماحة الرائعة؟ أم كان ذلك مسلكا أضاء به الإسلام واحده ظلمات القرون الأولى؟.
ثم نسأل مرة أخرى: هل احترم أهل الكتاب ما عليهم من واجب؟ وهل أنصفوا الدين الذي رعى ذمامهم؟.
لقد دخلت السنة العاشرة على الإسلام وهو يبسط تعاليمه على حساب الوثنية المتقلصة، فإذا بعض القبائل في الجنوب تثور ضده تحسب أنّ رجلا من قريش ملك العرب بادعاء النبوة، فليس يعجزها أن تقدم من مفاليكها من يزعم النبوة كذلك!! لعلّه يملك مثل ما ملك محمد بن عبد الله ﷺ.
ومن المؤسف أنّ النصارى في جنوب الجزيرة ساعدوا في إشعال هذه الثورات، وأنّ نصارى نجران كاتبوا الأسود العنسي فسار إليهم- وهو أحد المتنبئين- ثم رحل عنهم إلى اليمن، فملكها، حتى قتلته امرأته هناك، وأراحت الأرض منه.
أكانت هذه الفتن معاونة لنصارى الشمال في حربهم ضد الإسلام، أم كانت شغبا يمليه الكره المجرد فحسب؟.
وما فعله نصارى نجران في تأييد الأسود العنسي فعل مثله نصارى تغلب في تأييد مسيلمة الكذاب حين ادّعى- هو الاخر- أنّه نبي!.
ونحن نفهم أن يرفض أهل نجران وبنو تغلب الدخول في الإسلام، وأن يؤثروا البقاء على ما اقتنعوا به من ديانتهم الموروثة، لكننا لم نفهم بتة أن يكذّب رجل بصحف الوحي، وأن يؤمن- مثلا- بالبعكوكة «١» .
ذاك إن كانوا قد آمنوا حقا بالأسود ومسيلمة..
أما إذا كان الأمر لا يعدو الإعانة على حرب الإسلام بأي سلاح ومع أي حليف، فهذه مسألة أخرى يحتار في علاجها أطباء القلوب «٢» .
_________________
(١) صحيفة هزلية.
(٢) راجع كتابنا (التعصب والتسامح بين المسيحية والإسلام)، وهو من منشورات دار القلم بدمشق.
[ ٤٢٨ ]
(٨)