[ ٥٧ ]
[نسب النبي ﷺ ومولده ورضاعه]
[نسبه ومكانته في قومه]:
ولد محمد ﷺ من أسرة زاكية المعدن، نبيلة النسب، جمعت خلاصة ما في العرب من فضائل، وترفعت عما يشينهم من أوضار، قال رسول الله ﷺ عن نفسه: «إنّ الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم» «١» .
وعراقة الأصل لا تمنح الرجل الفاشل فضلا، كالصلب إذا ترك للصدأ، يمسي لا غناء فيه، أما إذا تعهدته اليد الصنّاع فإنها تبدع منه الكثير.
ولذلك لما سئل النبي ﷺ: أيّ الناس أكرم؟ قال: « فعن معادن العرب تسألوني؟» قالوا: نعم، قال: «فخيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا» «٢» .
وكان منبت محمد ﷺ في أسرة لها شأنها، بعض ما أعد الله لرسالته من نجاح؛ فالمجتمع العربي الأول كان يقوم على العصبيات القبلية الحادة، العصبيات التي تفنى القبيلة كلها دفاعا عن كرامتها الخاصة، وكرامة من يمتّ إليها.
وقد ظلّ الإسلام حينا من الدهر يعيش في حمى هذه التقاليد المرعية حتى استغنى بنفسه كما تستغني الشجرة عما يحملها بعد ما تغلظ وتستوي
وكان (لوط) ﵇ يتمنّى شيئا من هذه التقاليد، عند ما أحسّ الخطر على الأضياف النازلين به، ولم يجد عشيرة تدفع أو أهلا تهيجهم الحمية، فقال لقومه:
_________________
(١) حديث صحيح: أخرجه مسلم: ٧/ ٥٨، من حديث واثلة بن الأسقع؛ وصحّحه الترمذي: ٤/ ٢٩٢.
(٢) حديث صحيح: أخرجه البخاري: ٦/ ٤١٢- ٤١٣؛ ومسلم: ٧/ ١٨١، من حديث أبي هريرة ﵁.
[ ٥٩ ]
فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ [هود: ٧٨] .
ثم قال: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلى رُكْنٍ شَدِيدٍ [هود: ٨٠] .
[قلة ماله ﵊]:
لكن محمدا عليه الصلاة السلام، على كرم محتده لم يرزق حظّا وافرا من الثّراء، فكانت قلة ماله مع شرف نسبه سببا في أن يجمع في نشأته خير ما في طبقات الناس من ميزات؛ إن أبناء البيوتات الكبيرة تغريهم الثروة بالسطوة، فإذا فقدوا هذا السلاح، وكانت لهم تقاليد كريمة بذلوا جهودا مضنية ليحتفظوا بمكانتهم وشممهم. ولذلك يقول قائلهم:
وإنّا- على عضّ الزمان الذي بنا- نعالج من كره المخازي الدّواهيا
وربما لا يرى بعض الناس حرجا من أن يعلن فاقته ويكشف صفحته.
غير أنّ هناك بعض اخر يطوون همومهم في همتهم، ثم يبرزون للدنيا مشمّرين، ومن هؤلاء: عبد الله بن عبد المطلب.
كان عبد المطلب سيّد مكة، بيد أن هذه السيادة التي انتهت إليه انتهت به ولم تستقر في عقبه، إذ اشتد ساعد منافسيهم في زعامة أمّ القرى، وبدا كأنّ الأمر سيؤول إليهم؛ بل إن هي إلا أعوام حتى تصدّرت أسرة عبد شمس، ثم تمرّ أعوام أخرى فإذا أبو سفيان يتزعّم مكة، وبذلك تنتقل السيادة عن بني هاشم.
و(عبد الله) أصغر أبناء عبد المطلب، وله في قلبه منزلة جليلة، وقد زوّجه بامنة بنت وهب، ثم تركه يسعى في الحياة واحده، فخرج وهو عروس بعد أشهر من بنائه بامنة، خرج يضرب مناكب الأرض ابتغاء الرزق، وذهب في رحلة الصيف إلى الشام، فذهب ولم يعد عادت القافلة تحمل أنباء مرضه، ثم جاء بعد قليل نعيه.
وكانت امنة تنتظر رجلها الشاب الجلد، لتهنأ بمحياها معه؛ ولتشعره بأن في أحشائها جنينا يوشك أن تقر به عينهما؛ غير أن القدر- لحكمة عليا- حسم هذه الأماني الحلوة، فأمست الزوج المحسودة أيّما، تعدّ الليالي لتودع الحياة الموحشة (يتيمها) الفريد
قال الزهري: أرسل عبد المطلب ابنه عبد الله إلى المدينة يمتار لهم تمرا، فمات بها، وقيل: بل كان بالشام، فأقبل في عير قريش، فنزل بالمدينة وهو
[ ٦٠ ]
مريض، فتوفي بها ودفن في دار النابغة الجعدي وله خمس وعشرون سنة، وتوفي قبل أن يولد رسول الله ﷺ.
[تاريخ مولده ﷺ]:
ولد محمد ﷺ بمكة ولادة معتادة، لم يقع فيها ما يستدعي العجب أو يستلفت النظر، ولم يمكن المؤرخين تحديد اليوم والشهر والعام الذي ولد فيه على وجه الدقة؛ وأغلب الروايات تتجه إلى أن ذلك كان عام هجوم الأحباش على مكة سنة (٥٧٠ م) في الثاني عشر من ربيع الأول (٥٣ ق. هـ) «١» .
وتحديد يوم الميلاد لا يرتبط به من الناحية الإسلامية شيء ذو بال؛ فالأحفال التي تقام لهذه المناسبة تقليد دنيوي لا صلة له بالشريعة.
وقد روى البعض أن إرهاصات بالبعثة وقعت عند الميلاد؛ فسقطت أربع عشرة شرفة من إيوان كسرى؛ وخمدت النار التي يعبدها المجوس؛ وانهدمت الكنائس حول بحيرة (ساوة) بعد أن غاضت؛ قال البوصيري:
أبان مولده عن طيب عنصره يا طيب مبتدأ منه ومختتم
يوم تفرّس فيه الفرس أنّهم قد أنذروا بحلول البؤس والنّقم
وبات إيوان كسرى وهو منصدع كشمل أصحاب كسرى غير ملتئم
والنار خامدة الأنفاس من أسف عليه؛ والنّهر ساهي العين من سدم
وساء ساوة أن غاضت بحيرتها وردّ واردها بالغيظ حين ظمي
وهذا الكلام تعبير غلط عن فكرة صحيحة؛ فإنّ ميلاد محمد ﵊ كان حقا إيذانا بزوال الظلم واندثار عهده واندكاك معالمه، وكذلك كان ميلاد موسى، ألا ترى أنّ الله لما وصف جبروت فرعون، واستكانة الناس إلى بغيه، ثم أعلن عن إرادته في تحرير العبيد واستنقاذ المستضعفين؛ قصّ علينا قصة البطل ثم أعلن عنه بهذه الأعمال فقال: وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ
[القصص: ٧] .
_________________
(١) قلت: قال الشيخ محمد الخضري في (نور اليقين)، ص ١٢: «وقد حقق محمود باشا الفلكي رحمه الله تعالى ولادة رسول الله ﷺ، وأن ذلك كان صبيحة يوم الإثنين، تاسع ربيع الأول، الموافق لليوم العشرين من أبريل/ نيسان سنة (٥٧١ م)، وهو يوافق السنة الأولى من حادثة الفيل» . (ن) .
[ ٦١ ]
وقد كانت رسالة محمد بن عبد الله ﷺ أخطر ثورة عرفها العالم للتحرر العقلي والمادي، وكان جند القران أعدل رجال وعاهم التاريخ، وأحصى فعالهم في تدويخ المستبدّين، وكسر شوكتهم، طاغية إثر طاغية.
فلما أحبّ الناس- بعد انطلاقهم من قيود العسف- تصوير هذه الحقيقة، تخيلوا هذه الإرهاصات، وأحدثوا لها الروايات الواهية، ومحمد ﷺ غني عن هذا كله؛ فإنّ نصيبه الضخم من الواقع المشرّف يزهدنا في هذه الروايات وأشباهها.
[كيفية استقبال جدّه لمولده]:
استقبل (عبد المطلب) ميلاد حفيده باستبشار وجذل، لعلّه رأى في مقدمه عوضا عن ابنه الذي هصرت المنون شبابه، فحوّل مشاعره عن الراحل الذاهب إلى الوافد الجديد، يكلؤه ويغالي به.
ومن الموافقات الجميلة أن يلهم (عبد المطلب) تسمية حفيده (محمدا) «١» ! إنها تسمية أعانه عليها ملك كريم! ولم يكن العرب يألفون هذه الأعلام، لذلك سألوه: لم رغب عن أسماء ابائه؟ فأجاب: أردت أن يحمده الله في السماء، وأن يحمده الخلق في الأرض، فكأنّ هذه الإرادة كانت استشفافا للغيب، فإن أحدا من خلق الله لا يستحق إزجاء عواطف الشكر والثناء على ما أدى وأسدى، كما يستحق ذلك النبي العربي المحمّد ﷺ.
عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا تعجبون كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم؟ يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد!» «٢» .
لكن الحقيقة القاسية- برغم حفاوة الجد الحنون- باقية؛ فإن (محمدا) ﷺ يتيم، برز إلى الدنيا بعد ما غادر أبوه الدنيا. ليكن!! ولنفرض عبد الله بقي حيّا!! فماذا عسى كان يفعل لابنه؟! أكان يربيه ليهب له النبوّة؟! ما كان له ذلك. إن الأب عنصر واحد من عناصر شتى تتحكّم في مستقبل الطفل، وتحفر له في الحياة مجراه، ولو كانت النبوّة بالاكتساب ما قربتها حياة الوالد شبرا؛ فكيف وهي اصطفاء؟!.
_________________
(١) سمّاه كذلك بعد ما ختنه في يومه السابع.
(٢) الحديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٤٣٥- ٤٣٦.
[ ٦٢ ]
كان يعقوب حيّا يرزق، له شيخوخته وتجربته وحكمته؛ بل له نبوته، وقد نظر يوما ما فلم يجد يوسف قريبا منه؛ إنه فقده في أخطر فترات العمر، فترة الصبا اللدن، واليفاعة الغضة، ومع فساد البيئات التي احتوت يوسف، فقد كان باطنه ينضح بالتقى والعفاف، كما يتّقد المصباح في أعماء الليل المدلهم، فلما التقى الابن بوالده بعد لأي، رأى يعقوب ابنه نبيّا صدّيقا
لقد ولّى عبد الله، وترك ابنه يتيما، بيد أن هذا اليتيم كان يعدّ من اللحظة الأولى لأمر جلل، أمر يصبح به إمام المصطفين الأخيار، وما الأب والجد، ما الأقربون والأبعدون، ما الأرض والسماء إلا وسائل مسخّرة لإتمام قدر الله، وإبلاغ نعمة الله من اصطنعه الله.
[عرضه على المراضع]:
أقبلت (امنة) على ابنها تحنو عليه في انتظار المراضع المقبلات من البادية، يتلمسن تربية أولاد الأشراف، والأعرابيات اللاتي يقصدن مكة لهذه الغاية هن طالبات رزق ويسار، ولم يكن لمحمد ﷺ أب ترقب عطاياه، أو غنى تغري جدواه، فلا عجب إذا زهدت فيه المراضع وتطلّعن إلى غيره.
وكانت (حليمة بنت أبي ذؤيب) من قبيلة (بني سعد) إحدى القادمات إلى مكة ابتغاء العودة برضيع تستعين على العيش بحضانته، ولم يرض طموحها أول الأمر طفل يتيم؛ إلا أنها لم تجد طلبتها، واستحيت أن تعود صفر اليدين، فرجعت إلى (امنة) تأخذ منها (محمدا) ﷺ.
وكانت البركة في مقدمه معها، كانت سنواتها عجافا من قبله، فامتنّ الله عليها بخير مضاعف: درّت الضروع بعد جفاف، ولان العيش وأخصب، وشعرت حليمة وزوجها وولدها بأن أوبتهم من مكة كانت باليمن والغنم، لا بالفقر واليتم، ممّا زاد تعلّقهم بالطفل وإعزازهم له.
وتنشئة الأولاد في البادية، ليمرحوا في كنف الطبيعة، ويستمتعوا بجوّها الطلق وشعاعها المرسل، أدنى إلى تزكية الفطرة، وإنماء الأعضاء والمشاعر، وإطلاق الأفكار والعواطف.
إنها لتعاسة أن يعيش أولادنا في شقق صغيرة من بيوت متلاصقة كأنها علب أغلقت على من فيها، وحرمتهم لذة التنفس العميق والهواء المنعش.
[ ٦٣ ]
ولا شك أن اضطراب الأعصاب الذي قارن الحضارة الحديثة يعود- فيما يعود إليه- إلى البعد عن الطبيعة، والإغراق في التصنّع. ونحن نقدّر لأهل مكة اتجاههم إلى البادية لتكون عرصاتها الفساح مدارج طفولتهم، وكثير من علماء التربية يودّ لو تكون الطبيعة هي المعهد الأول للطفل حتى تتّسق مداركه مع حقائق الكون الذي وجد فيه، ويبدو أن هذا حلم عسر التحقيق.
[ ٦٤ ]
شق الصدر
مكث (محمد) ﷺ في مضارب (بني سعد) خمس سنوات، صحّ فيها بدنه واطّرد نماؤه، وهذه السنوات الخمس هي عمر الطفل، فلا ينتظر أن يقع فيها شيء يذكر، غير أن السنن الصحاح سجلت في هذه الفترة ما عرف بعد بحادث (شق الصدر) .
عن أنس: أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرجه، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأمه، ثم أعاده إلى مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمّه- يعني مرضعته- أن محمدا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون «١» .
وهذه القصة التي روّعت حليمة وزوجها، ومحمد مسترضع فيهم، نجدها قد تكررت مرة أخرى ومحمد ﵊ رسول جاوز الخمسين من عمره، فعن مالك بن صعصعة أنّ رسول الله ﷺ حدّثهم عن ليلة أسري به، قال: «بينا أنا في الحطيم- وربما قال: في الحجر- مضطجع بين النائم واليقظان أتاني ات، فشقّ ما بين هذه إلى هذه- يعني ثغرة نحره إلى شعرته- قال: فاستخرج قلبي: ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم حشي ثم أعيد » «٢» .
لو كان الشرّ إفراز غدة في الجسم ينحسم بانحسامها؛ أو لو كان الخير مادة
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم: ١/ ١٠١- ١٠٢؛ وأحمد: ٣/ ١٢١، ١٤٩، ٢٢٨، زاد في اخره: وقال أنس: وكنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره، وللحديث شواهد كثيرة، منها عن عتبة بن عبد السلمي عند الدارمي: ١/ ٨؛ والحاكم: ٢/ ٦١٦، صححه ووافقه الذهبي، ومنها عن أبي بن كعب عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند: ٥/ ١٣٩؛ ومنها عن أبي ذر عند ابن جرير في تاريخه: ٢/ ٥١- ٥٢.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٣٣٢؛ ومسلم: ١/ ١٠٣- ١٠٤؛ والنسائي: ١/ ٧٦، من حديث مالك بن صعصعة.
[ ٦٥ ]
يزوّد بها القلب كما تزوّد الطائرة بالوقود، فتستطيع السموّ والتحليق لقلنا: إنّ ظواهر الاثار مقصودة، ولكن أمر الخير والشر أبعد من ذلك؛ بل من البديهي أنّه بالناحية الروحية في الإنسان ألصق.
وإذا اتصل الأمر بالحدود التي تعمل الروح في نطاقها، أو بتعبير اخر:
عند ما ينتهي البحث إلى ضرورة استكشاف الوسائل التي يسيّر بها الروح هذا الغلاف المنسوج من اللحم والدم، يصبح البحث لا جدوى منه؛ لأنه فوق الطاقة.
وشيء واحد هو الذي نستطيع استنتاجه من هذه الاثار، أن بشرا ممتازا كمحمد ﷺ لا تدعه العناية غرضا للوساوس الصغيرة التي تناوش غيره من سائر الناس؛ فإذا كانت للشر (موجات) تملأ الافاق، وكانت هناك قلوب تسرع إلى التقاطها، والتأثّر بها، فقلوب النبيّين- بتولي الله لها- لا تستقبل هذه التيارات الخبيثة ولا تهتزّ لها. وبذلك يكون جهد المرسلين في (متابعة الترقي) لا في (مقاومة التدلّي)، وفي تطهير العامة من المنكر، لا في التطهر منه، فقد عافاهم الله من لوثاته.
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا وقد وكّل به قرينه من الجن، وقرينه من الملائكة» . قالوا: وإياك يا رسول الله! قال: «وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير» «١» .
وفي حديث عن عائشة ﵂، قال لها رسول الله ﷺ: «أغرت؟» قالت: وما لمثلي لا يغار على مثلك! فقال لها رسول الله ﷺ: «لقد جاءك شيطانك!» قالت:
أو معي شيطان؟! قال: «ليس أحد إلا ومعه شيطان» . قالت: ومعك؟ قال: «نعم، ولكن أعانني الله عليه فأسلم» «٢» . أي: انقاد وأذعن فلا يستطيع أن يهجس بشرّ.
ولعلّ أحاديث شق الصدر تشير إلى هذه الحصانات التي أضفاها الله على محمد ﷺ، فجعلته من طفولته بنجوة قصية عن مزالق الطبع الإنساني، ومفاتن الحياة الأرضية، وقد أورد الخازن في تفسيره القصة الأولى- أيام الرضاعة- عند تفسيره لقول الله ﷿: أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) [الشرح] .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه مسلم في صحيحه: ٨/ ١٣٩، عن ابن مسعود.
(٢) حديث صحيح، أخرجه مسلم عنها، في الموضع السابق.
[ ٦٦ ]
وشرح الصدر الذي عنته الايات ليس نتيجة جراحة يجريها ملك أو طبيب، ويحسن أن تعرف شيئا عن أساليب الحقيقة والمجاز التي تقع في السنة.
عن عائشة ﵂ أن بعض أزواج النبي ﷺ قلن: يا رسول الله، أينا أسرع بك لحوقا؟ قال: «أطو لكن يدا» . فأخذن قصبة يذر عنها، فكانت سودة أطولهن يدا، فعلمنا بعد أنما كان طول يدها بالصّدقة، وكانت تحبّ الصدقة، وكانت أسراعنا لحوقا به «١»
اب (محمد) ﷺ إلى مكة بعد أعوام طيبة قضاها في البادية، اب ليجد أمّا كريمة حبست نفسها عليه، وشيخا مهيبا يلتمس في مراه العزاء عن ابنه الذي خلّى مكانه في شرخ الشباب، وكأن الأيام أبت له قرارا بين هذه الصدور الرقيقة، فأخذت تحرمه منها، واحدا بعد الاخر.
رأت (امنة) - وفاء لذكرى زوجها الراحل- أن تزور قبره ب (يثرب)، فخرجت من (مكة) قاطعة رحلة تبلغ خمسمئة كيلو متر في الذهاب غير مثيلتها في الإياب، ومعها في هذه السفرة الشاقة ابنها (محمد) ﷺ، وخادمتها (أم أيمن)، وعبد الله لم يمت في أرض غريبة؛ فقد مات بين أخواله بني النجار؛ قال ابن الأثير:
«إن هاشما شخص في تجارة إلى الشام، فلما قدم المدينة نزل على عمرو بن لبيد الخزرجي، فرأى ابنته (سلمى) فأعجبته، فتزوّجها، وشرط أبوها ألا تلد ولدا إلا في أهلها، ثم مضى هاشم لوجهه، وعاد من الشام فبنى بها في أهلها، ثم حملها إلى مكة فحملت، فلما أثقلت ردّها إلى أهلها ومضى إلى الشام، فمات ب (غزة)، وولدت له (سلمى) عبد المطلب، فمكث في المدينة سبع سنين » .
وقد ظلّ محمد ﵊ لدى أخواله قريبا من قبر أبيه نحو
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٣/ ٢٢٢، من طريق مسروق، عن عائشة بهذا السياق، إلا أنه قال: «وكانت أسراعنا لحوقا به، وكانت تحب الصدقة»؛ وأخرجه مسلم: ٧/ ١٤٤، من طريق عائشة بنت طلحة؛ والحاكم من طريق عمرة كلتاهما عن عائشة بنحوه، وفي روايتهما: «فكانت أطولنا يدا زينب؛ لأنها كانت تعمل بيدها وتتصدق» . وهذا يخالف رواية البخاري، فإن ظاهرها أن سودة هي التي لحقت به أولا، وهو خطأ بيّن كما حققه الحافظ في الفتح. وقد رجّح فيه رواية مسلم وهو الحق. فمن شاء الزيادة في التحقيق فليرجع إليه. وزينب هذه هي بنت جحش، لا بنت خزيمة كما توهّم بعضهم.
[ ٦٧ ]
شهر، ثم قفل عائدا إلى مكة، وإذا المرض يلاحق أمّه ويلحّ عليها في أوائل الطريق، فماتت ب (الأبواء)، وتركته وحيدا مع الخادم المشدوهة لحال طفل يفقد أباه وهو جنين، ويفقد أمه وهو ابن خمس سنين.
إنّ المصاب الجديد نكأ الجروح القديمة، مما جعل مشاعر الحنوّ في فؤاد (عبد المطلب) تربو نحو الصبي الناشئ، فكان لا يدعه لواحدته المفروضة، بل يؤثر أن يصحبه في مجالسه العامة؛ كان إذا جلس على فراشه بجوار الكعبة، أدناه منه، في حين يجلس الشيوخ حوله.
وقد تأخرت سن عبد المطلب حتى قيل: إنه توفي وله مئة وعشرون سنة، إلا أنه فارق الحياة وعمر (محمد) ﷺ يناهز الثمانية؛ فرأى- قبل وفاته- أن يعهد بكفالة حفيده إلى عمّه أبي طالب.
ونهض أبو طالب بحقّ ابن أخيه على أكمل وجه، ضمّه إلى ولده، وقدّمه عليهم، واختصّه بفضل احترام وتقدير، وظل فوق أربعين سنة يعزّ جانبه ويبسط عليه حمايته، ويصادق ويخاصم من أجله.
ودرج محمد ﵊ في بيت أبي طالب والسن تمضي به قدما إلى الوعي العميق بما حوله؛ فأصر على أن يشارك عمه هموم العيش، إذ كان أبو طالب- على كثرة أولاده- قليل المال، فلما قرر أن يمضي على سنن ابائه في متابعة الرحيل إلى الشام ابتغاء الاتجار والربح، قرر أن يكون معه، وكان عمره نحو الثلاث عشرة سنة.
[ ٦٨ ]
بحيرا الراهب
ولا نجد في السّنن الصحاح أنباء تصف هذه الرحلة- رحلة رسول الله ﷺ إلى الشام برفقة عمه أبي طالب-، إن الأسفار من أخصب أبواب المعرفة، وأعمقها أثرا، ومثل محمد ﵊ في صفاء ذهنه ونقاء قلبه، لا يعزب عنه وجه العبرة فيما يرى، في حلّه أو ترحاله، على أن من المقطوع به أنه لم يخرج لدراسة دين أو فلسفة، ولم يلق من يتحدّث معه في ذلك، وقد روت كتب الأخبار بعض خوارق، ذكرت أنها وقعت له، من ذلك التقاؤه بالراهب (بحيرا) الذي تفرّس فيه، ورأى معالم النبوة في وجهه وبين كتفيه، فلمّا سأل أبا طالب: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني، قال: ما ينبغي أن يكون أبوه حيّا! قال: فإنه ابن أخي، مات أبوه وأمه حبلى به، قال: صدقت، ارجع به إلى بلدك واحذر عليه يهود.
وقد تكون هذه القصة صحيحة؛ فإنّ البشارة بنبيّ بعد عيسى ﵇ موجودة في الكتاب المقدّس عند النصارى، وهم- منذ تكذيبهم برسالة محمد ﵊- يرقبون هذا النبيّ المنتظر، ولن يجيء أبدا لأنّه جاء فعلا..!.
وسواء صحّت قصة (بحيرا) هذه أم بطلت «١»؛ فمن المقطوع به أنها لم تخلف بعدها أثرا، فلا محمد﵊- تشوّف للنبوة أو استعدّ لها لكلام الراهب- ولا أصحاب القافلة تذاكروا هذا الحديث أو أشاعوه؛ لقد طويت كأن لم تحدث، مما يرجّح استبعادها.
وقيل أيضا: إن كوكبة من فرسان الروم أقبلت على (بحيرا) كأنها تبحث عن شيء، فلما سألها: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا لأنّ نبيا يخرج هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليها الناس للقبض عليه، فجادلهم (بحيرا) حتى أقنعهم بعبث ما يطلبون.
_________________
(١) بل هي صحيحة، فقد أخرجها الترمذي: ٤/ ٢٩٦، من حديث أبي موسى الأشعري، وقال: «هذا حديث حسن» . قلت: وإسناده صحيح، كما قال الجزري. قال: «وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ» . قلت: وقد رواه البزار، فقال: «وأرسل معه عمه رجلا» .
[ ٦٩ ]
والمحققون [١] على أنّ هذه الرواية موضوعة مضاهاة لما يذكره الإنجيليون، من أن ناسا طلبوا المسيح عقب ولادته لقتله، وهي عند المسيحيين مضاهاة لما عند الوثنيين من أن بوذا لما وضعته أمه العذراء طلبه الأعداء ليقتلوه..
إنّ علماء السّنة يهتمّون بالأخبار الواردة- من ناحيتي المتن والسند- فإذا لم تفد علما ثابتا، أو ظنّا راحجا لم يكترثوا بها. وقد انضمّت أساطير كثيرة إلى سير المرسلين، وعند ما تعرض على القواعد المقررة في فنّ التحديث يظهر عوارها ويساغ اطّراحها.
_________________
(١) من هم هؤلاء المحققون؟ ومن أين جاء الوضع المذكور؟! وهذه الرواية هي في حديث أبي موسى المتقدّم، وقد علمت صحته. وماذا تضرّ المضاهاة بعد الثبوت؟! أفلا ترى أن ما يذكره الإنجيليون يضاهي ما هو ثابت في القران الكريم من طلب فرعون لموسى في قتله الأنبياء؟ أفنردّ هذا للمشابهة المذكورة؟! اللهم: لا*. * وأقول: مع تقديرنا لكلام الأستاذ العلامة الشيخ (ناصر الدين) فإننا نذكر طرفا من كلام العلماء والمحققين حول هذه القصة: قال الجزري- كما نقل الشيخ ناصر-: إسناده صحيح، ورجاله رجال الصحيح، أو أحدهما. وذكر أبي بكر وبلال فيه غير محفوظ. عدّه أئمتنا وهما! وهو كذلك! فإن سنّ النبي ﷺ إذ ذاك اثنتا عشرة سنة، وأبو بكر أصغر منه بسنتين. وبلال لعلّه لم يكن ولد في ذلك الوقت. اه. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال: قيل: مما يدلّ على بطلان هذا الحديث قوله: «وبعث معه أبو بكر بلالا!. وبلال لم يخلق بعد، وأبو بكر كان صبيا» . اهـ. قال صاحب (تحفة الأحوذي): وضعّف الذهبي هذا الحديث لقوله: «وبعث معه أبو بكر بلالا»، فإنّ أبا بكر إذ ذاك ما اشترى بلالا. وقال الحافظ ابن حجر في الإصابة: رجاله ثقات، وليس فيه سوى هذه النقطة، فيحتمل أن تكون مدرجة فيه منقطعة من حديث اخر، وهما من أحد رواته. كذا في (المواهب اللدنية) . وقال (ابن القيم) في (زاد المعاد): ووقع في كتاب الترمذي وغيره: أنه بعث معه أبو بكر بلالا، وهو من الغلط الواضح! فإن ذاك لعلّه لم يكن موجودا، وإن كان فلم يكن مع عمه ولا مع أبي بكر. راجع: تحفة الأحوذي، طبع الهند: ١/ ٢٩٣، كتاب المناقب. ذلك، وقد قال الحافظ ابن كثير في السيرة (١/ ٢٧٤، ط. الحلبي): روى هذا الحديث الترمذي، والحاكم، والبيهقي، وابن عساكر. قلت- أي ابن كثير-: فيه من الغرائب أنه من مرسلات الصحابة؛ فإن أبا موسى الأشعري إنما قدم في سنة خيبر (سنة سبع من الهجرة)، وعلى كل تقدير فهو (مرسل) . فالحديث (معلل) طبقا لما قرره العلماء في علم المصطلح.
[ ٧٠ ]
حياة الكدح
عاد محمد ﵊ من هذه الرحلة ليستأنف مع عمّه حياة الكدح، فليس من شأن الرجال أن يقعدوا، ومن قبله كان المرسلون يأكلون من عمل أيديهم، ويحترفون مهنا شتى ليعيشوا على كسبها. وقد صحّ أن محمدا ﵊ اشتغل صدر حياته برعي الغنم، وقال: «كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» كما ثبت أن عددا من الأنبياء اشتغل برعايتها «١»، أترى ذلك تعويدا لهم على سياسة العامة، والرفق بالضعفاء والسهر على حمايتهم؟.
وقد تسأل: أتنقدح المعارف المتصلة بالكون وما وراءه، والناس وما يفيضون فيه- أتنقدح حقائقها في نفوس المرسلين فجأة، دون إعداد سابق أو تهيئة حكيمة؟.
والجواب: كلّا، فالأنبياء- وإن لم يتعلّموا بالطرق التي يتعلم بها أمثالنا- لهم من سلامة فكرهم واستقامة نظرهم ما يجعلهم في طليعة العلماء وإن لم يتعلّموا بما نعهد من أساليب.
ما العلم الذي ترقى به النفس؟ أهو حفظ الدروس واستيعاب القواعد والقوانين؟.
إنّ هناك ببغاوات كثيرة تردّد ما تسمع دون وعي، ولقد نرى أطفالا صغارا يلقون- بإتقان وتمثيل- خطبا دقيقة لأشهر الساسة والقادة.
فلا الأطفال- بما استحافظوا من كلام الأئمة- أصبحوا رجالا، ولا الببغاوات تحوّلت بشرا.
وقد تجد من يحفظ ويفقه، ويجادل ويغلب، ولكن العلم في نفسه كعروق الذهب في الصخور المهملة، لا يبعث على خير، ولا يزجر عن شر.
_________________
(١) أخرجه البخاري: ٤/ ٣٤٩، من حديث أبي هريرة مرفوعا بلفظ: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» . فقال أصحابه: وأنت؟ فقال: «نعم، كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» .
[ ٧١ ]
وقد شبّه القران أحبار اليهود الذين يحملون التوراة ولا يتأدّبون بها بالحمير:
مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْراةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوها كَمَثَلِ الْحِمارِ يَحْمِلُ أَسْفارًا [الجمعة: ٥] .
وهذه الطبائع التي تحمل العلم لا تصلح به إنّما تسيء إليه، ولذلك يحسن الضنّ به عليها، وفي الأثر: «واضع العلم عند غير أهله كمقلّد الخنازير الجوهر واللؤلؤ والذهب» «١» .
ثم هناك الخرافيّون الذين يغالطون في الحقائق أنفسهم، كأنّ عقولهم ميزان ثقلت إحدى كفتيه- لغير سبب-؛ فهو لا يضبط وزنا أبدا، ينبسطون للمستحيلات ويقبلونها، ويتجهّمون للوقائع ويرفضونها.
وقد بلونا أناسا ظلوا يتعلّمون قرابة عشرين سنة تعرض عليهم القضية فيخبطون فيها خبط عشواء، فإذا عرضت القضية نفسها على أمّيّ سليم الفطرة، نقيّ العقل؛ صدع فيها بالحقّ لأول وهلة. ومعنى ذلك: أن هناك من تبذل في إقامة عوجه العقلي عشرين سنة، حافلة بالبحث والدرس، فتعجز عن الوصول به إلى مرتبة رجل أوتي رشده بأصل الخلقة.
ونحن موقنون من مطالعة سيرة محمد ﵊ بأنه طراز رفيع من الفكر الصائب، والنظر السديد، وأنّه- قبل رعي الغنم وبعده، وقبل احتراف التجارة وبعدها- كان يعيش يقظ القلب في أعماء الصحراء، صاحيا بين السّكارى والغافلين.
وجوّ الجزيرة العربية يزيد خمول الخامل، واحدّة اليقظان، كالشعاع الذي ينمي الأشواك والورود معا، وقد كان محمد ﷺ يستعين بصمته الطويل صمته الموصول بالليل والنهار، صمته المطبق على الرمال الممتدة، والعمران القليل.
كان يستعين بهذا الصمت على طول التأمّل، وإدمان الفكر، واستكناه الحق.
ودرجة الارتقاء النفسيّ التي بلغها من النظر الدائم أرجح يقينا من حفظ لا فهم فيه، أو فهم لا أدب معه، ومثله في احترام حقائق الكون والحياة أولى بالتقديم من أولئك الذين اعتنقوا الأوهام وعاشوا بها ولها.
_________________
(١) حديث ضعيف جدا، علقه ابن عبد البر في (جامع العلم): ١/ ١١١؛ ووصله ابن ماجه في سننه: ١/ ٩٨، وفي سنده حفص بن سليمان وهو الأسدي القاري، ال ابن خراش: «كذاب يضع الحديث» وضعفه غيره؛ وقال أبو حاتم: «متروك» . وكذا قال الحافظ في التقريب.
[ ٧٢ ]
ولا شكّ أنّ القدر حاطه بما يحفظ عليه هذا الاتجاه الفذّ؛ فعند ما تتحرك نوازع النفس لاستطلاع بعض متاع الدنيا- وذلك من قبيل الصغائر التافهة- تتدخّل العناية للحيلولة بينه وبين هذه الأمور.
روى ابن الأثير: قال رسول الله ﷺ: «ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يعملونه غير مرتين، كل ذلك يحول الله بيني وبينه، ثم ما هممت به حتى أكرمني برسالته؛ قلت ليلة للغلام الذي يرعى معي بأعلى مكة: لو أبصرت لي غنمي حتى أدخل مكة وأسمر بها كما يسمر الشباب! فقال: أفعل، فخرجت، حتى إذا كنت عند أول دار بمكة سمعت عزفا، فقلت: ما هذا؟ فقالوا: عرس فلان بفلانة، فجلست أسمع، فضرب الله على أذني، فنمت، فما أيقظني إلا حرّ الشمس، فعدت إلى صاحبي، فسألني، فأخبرته، ثم قلت له ليلة أخرى مثل ذلك، ودخلت مكة فأصابني مثل أول ليلة ثم ما هممت بعده بسوء » «١» .
_________________
(١) حديث ضعيف، أخرجه الحاكم: ٤/ ٢٤٥، من طريق ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبد الله بن مخرمة، عن الحسن بن محمد بن علي، عن جده علي بن أبي طالب ﵁، قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول فذكره، وقال: «هذا حديث صحيح على شرط مسلم»، ووافقه الذهبي. قلت: وهو وهم منهما معا لأمرين: الأول: أن ابن إسحاق إنما يروي له مسلم مقرونا بغيره، كما ذكر ذلك الذهبي نفسه في الميزان، والحاكم لم يروه عنه مقرونا بغيره كما ترى، فليس هو على شرط مسلم. الثاني: أن محمد بن عبد الله بن قيس ليس مشهور العدالة، فلم يوثّقه غير ابن حبان. وتوثيقه عند ما ينفرد به لا يوثق به، لأن من قاعدته أن يوثق المجهولين، كما أفاده المحققون كالحافظ ابن حجر في (اللسان)؛ ولهذا لما أورد الحافظ ابن قيس هذا في (التقريب) لم يوثقه، بل قال فيه: مقبول: يعني: أنه لين الحديث، حيث لا يتابع كما نص على هذا في مقدمة الكتاب. ثم هو ليس من رجال مسلم خلافا لمن وهم. وقد ضعف هذا الحديث الحافظ ابن كثير في تاريخه البداية والنهاية: ٢/ ٢٨٧، بعد أن ساقه بالسند المذكور من رواية البيهقي، حيث قال: «وهذا حديث غريب جدا» وقد يكون عن علي نفسه (يعني: موقوفا عليه)، ويكون قول: «حتى أكرمني الله ﷿ بنبوته» مقحما والله أعلم. وشيخ ابن إسحاق هذا ذكره ابن حبان في الثقات، وزعم بعضهم أنه من رجال الصحيح، قال شيخنا في تهذيبه: «ولم أقف على ذلك. والله أعلم» . ثم وجدت الحديث في تاريخ مكة، ص ٧، للفاكهي؛ وتاريخ ابن جرير: ٢/ ٣٤ من الطريق المذكور. ورواه الطبراني في المعجم الصغير ص ١٩٠، من حديث عمار بن ياسر، وفي سنده جماعة لم أعرفهم، وذكر نحو هذا الحافظ الهيثمي في مجمع الزوائد: ٨/ ٢٢٦.
[ ٧٣ ]
[أهداف التعليم]:
إن مراتب التعليم المختلفة هي مراحل جهاد متصل لتهذيب العقل وتقوية ملكاته وتصويب نظرته إلى الكون والحياة والأحياء. فكل تعليم يقصر بأصحابه عن هذا الشأو لا يؤبه له، مهما وسم بالشهادات والإجازات! وأحقّ منه بالحفاوة، وأسبق منه إلى الغاية المنشودة، أن ينال المرء حظّا وافرا من حسن الفطنة، وأصالة الفكرة، وسداد الوسيلة والهدف. وقد أشار القران الكريم إلى نصيب (إبراهيم) ﵇ من هذه الخصال عند ما قال:
وَلَقَدْ آتَيْنا إِبْراهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عالِمِينَ (٥١) إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ (٥٢) [الأنبياء] .
ومحمد ﵊ في هذا المنهج كجدّه إبراهيم: إنه لم يتلقّ علما على راهب أو كاهن أو فيلسوف ممن ظهروا على عهده، ولكنّه بعقله الخصب، وفطرته الصافية؛ طالع صحائف الحياة وشؤون الناس وأحوال الجماعات، فعاف منها ما سادها من خرافة، ونأى عنها، ثم عاشر الناس على بصيرة من أمره وأمرهم، فما وجده حسنا شارك فيه بقدر، وإلا عاد إلى عزلته العتيدة، يتابع النظر الدائم في ملكوت السموات والأرض، وذلك أجدى عليه من علوم هي بالجهل المركب أشبه، ومن مجتمع فقد الهداة من قرون، فهو يضمّ ضلالا جديدا إلى الضّلال القديم كلّما مرت عليه ليلة وطلع صباح..
وقد رأى أن يشهد الأعمال العامّة التي اهتمّ بها قومه؛ لأنه لم يجد أيّ حرج إذ يشارك فيها، ومن ذلك خوضه مع عمومته وقبيلته (حرب الفجار)، ثم شهوده من بعد (حلف الفضول) .
[ ٧٤ ]
حرب الفجار
كانت حرب الفجار بالنسبة إلى قريش دفاعا عن قداسة الأشهر الحرم، ومكانة أرض الحرم؛ وهذه الشعائر بقية ممّا احترمه العرب من دين إبراهيم، وكان احترامها مصدر نفع كبير لهم، وضمانا لانتظام مصالحهم، وهدوء عداوتهم؛ كان الرجل يلقى قاتل أبيه خلالها فيحجزه عن إدراك ثأره شعوره بهذه الحرمات، وقد جاء الإسلام بعد فأقرّ هذه المكانة الموروثة عن ديانة إبراهيم:
إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ مِنْها أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ
[التوبة: ٣٦] .
ولكنّ أهل الجاهلية ما لبثوا أن ابتلوا بمن استباحها، فظلموا أنفسهم بالقتال فيها، وكانت حرب الفجار من اثار هذه الاستباحة الجائرة، وليس هنا تفصيل خبرها وقد ظلت أربعة أعوام كان عمر (محمد) ﷺ في أثنائها بين الخمسة عشر، والتسعة عشر، قيل: قاتل فيها بنفسه. وقيل: بل أعان المقاتلين
[ ٧٥ ]
حلف الفضول
أما (حلف الفضول) فهو دلالة على أنّ الحياة مهما اسودّت صحائفها، وكلحت شرورها، فلن تخلو من نفوس تهزّها معاني النبل، وتستجيشها إلى النجدة والبر.
ففي الجاهلية الغافلة نهض بعض الرجال من أولي الخير، وتواثقوا بينهم على إقرار العدالة وحرب المظالم، وتجديد ما اندرس من هذه الفضائل في أرض الحرم!.
قال ابن الأثير «١»: « ثم إن قبائل من قريش تداعت إلى ذلك الحلف، فتحالفوا في دار عبد الله بن جدعان لشرفه وسنه، وكانوا بني هاشم، وبني المطلب، وبني أسد بن عبد العزّى، وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتحالفوا وتعاقدوا ألا يجدوا بمكة مظلوما من أهلها، أو من غيرهم من سائر الناس؛ إلا قاموا معه؛ وكانوا على من ظلمه، حتى تردّ مظلمته، فسمّت قريش ذلك الحلف (حلف الفضول) فشهده رسول الله ﷺ، وقال- حين أرسله الله تعالى-: «لقد شهدت مع عمومتي حلفا في دار عبد الله بن جدعان؛ ما أحبّ أن لي به حمر النّعم، ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»» «٢» .
إنّ بريق الفرح- بهذا الحلف- يظهر في ثنايا الكلمات التي عبّر بها
_________________
(١) هو عز الدين علي بن محمد بن الأثير الجزري، صاحب (الكامل في التاريخ)، توفي سنة (٦٣٠ هـ) . انظر: الأعلام. (ن) .
(٢) رواه ابن إسحاق في السيرة كما في ابن هشام: ١/ ٩٢، من الطبعة الجمالية، قال محمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ التيمي: إنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهري يقول: قال رسول الله ﷺ فذكره، قلت: وهذا سند صحيح لولا أنه مرسل، ولكن له شواهد تقوّيه، فرواه الحميدي بإسناد اخر مرسلا أيضا، كما في (البداية): ٢/ ٢٩؛ وأخرجه الإمام أحمد، رقم (١٦٥٥، ١٦٧٦) من حديث عبد الرحمن بن عوف مرفوعا دون قوله: «ولو دعيت به في الإسلام لأجبت»، وسنده صحيح.
[ ٧٦ ]
رسول الله ﷺ عنه، فإنّ هذه الحمية للحق ضدّ أي ظالم مهما عزّ، ومع أي مظلوم مهما هان؛ هي روح الإسلام الامر بالمعروف، الناهي عن المنكر، الواقف عند حدود الله. ووظيفة الإسلام أن يحارب البغي في سياسات الأمم، وفي صلات الأفراد على سواء..
وقيل في سبب الحلف: إن رجلا من (زبيد) أتى بتجارة إلى مكة، فاشتراها العاصي بن وائل السهمي، ثم حبس حقّها وأبى أن يدفعه! فاستعدى عليه قبائل قريش والأحلاف، فلم يكترثوا له، فوقف الغريب المظلوم عند الكعبة وأنشد:
يا ال فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكة نائي الدار والنّفر!
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا للرجال- وبين الحجر والحجر!
إنّ الحرام لمن تمّت كرامته ولا حرام بثوب الفاجر الغدر
فقام الزبير بن عبد المطلب، وقال: ما لهذا مترك! فاجتمع الذين ذكرهم ابن الأثير انفا، وذهبوا إلى العاصي بن وائل، واستخلصوا منه حقّ الزبيدي.
بعد ما أبرموا حلف الفضول.
ويظهر أن العاصي هذا رجل مماطل سمج، فهو صاحب القصة كذلك مع خبّاب بن الأرت، وكان خباب قينا، فصنع سيفا للعاصي، وأتاه لينقده ثمنه، فقال العاصي: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، فقال له خبّاب: لا أكفر حتى يميتك الله، ثم تبعث. فقال العاصي: وإني لميّت ثم مبعوث؟! قال: بلى، قال:
دعني حتى أموت وأبعث، فسأوتى مالا وولدا، فأقضيك- حقّ السيف- فنزلت الايات:
أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنا وَقالَ لَأُوتَيَنَّ مالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ ما يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ ما يَقُولُ وَيَأْتِينا فَرْدًا (٨٠) [مريم] .
وأمثال العاصي هذا في ميدان التجارة والسياسة كثير، ومحمد ﷺ أولى الناس بخصومتهم، وأولى الناس بمحمد ﷺ من أعان عليهم، وواثق على حربهم.
[ ٧٧ ]
قوة ونشاط
عند ما انتهت حرب الفجار، وأبرم حلف الفضول، كان محمد ﵊ يستقبل المرحلة الثالثة من عمره، وهذه الفترة وما قبلها هي عهد الشباب الحار، والغرائز الفائرة، والطماح البعيد. ومحمد ﵊ رجل قوي البدن، عالي الهمة، رفيع المكانة، وقد لو حظت طاقته الواسعة حتى بعد هذه السنّ بنحو أربعين سنة؛ قال أبو هريرة ﵁: «ما رأيت أحسن من رسول الله ﷺ! كأنّ الشمس تجري في وجهه! وما رأيت أحدا أسرع في مشيته من رسول الله ﷺ! لكأنما الأرض تطوى له! كنّا إذا مشينا معه نجهد أنفسنا وإنه لغير مكترث» «١» .
ومثل هذا الرجل تقبل عليه الحياة لو لم يقبل هو عليها، وعلى من تقبل الحياة بعده؟! على الواهمين والمنكمشين والمتشائمين؟!.
لكن محمدا ﵊- على ما يملك من وسائل المتاع- ما أثرت عنه قطّ شهوة عارضة، أو نزوة خادشة، أو حكيت عنه مغامرة لنيل جاه، أو اصطياد ثروة، بل على العكس؛ بدأت سيرته تومض في أنحاء مكة بما امتاز به على أقرانه- إن صحّت الإضافة- من خلال عذبة، وشمائل كريمة، وفكر راجح، ومنطق صادق، ونهج أمين.
وليس شرف النفس أن تنتهي شهوة الإنسان إلى الحياة، أو توجد الشهوة وتنتفي وسائل بلوغها، بل الشرف أن تكون قوة العفاف أربى من نوازع الهوى، فإذا ظلّت النفس في حالة سكون، فلتعادل القوى السالبة والموجبة فيها، وقد تجد رجلا تافها هزيلا لا يخفى له طمع، ولا تنحبس له شهوة، لو قست غرائزه
_________________
(١) هذا الحديث ضعيف الإسناد، أخرجه الترمذي في سننه: ٤/ ٢٠٦؛ وفي الشمائل: ١/ ١١٧، وضعّفه بقوله: «هذا حديث غريب»، والسبب أنه من رواية ابن لهيعة، وهو ضعيف لسوء حفظه، واحتراق كتبه.
[ ٧٨ ]
المنفلتة بغرائز غيره المضبوطة ما بلغت عشر قوتها، لكن هذه وجدت زماما من الرّشد، فكظم عليها، وتلك لم تجد عقلا يردع، ولا خلقا يعصم، فثارت وتمردت
وقد كانت رجولة محمد ﵊ في القمّة، بيد أن قواه الروحية، وصفاءه النفسيّ جعلا هذه الرجولة تزداد بمحامد الأدب والاستقامة والقنوع، ثم إنه كان معافى من العقد الكريهة التي تزيّن للشباب تعشّق العظمة عن طريق التظاهر والرياء، أو تطلّب الرياسة عن طريق المداهنة واشتراء العواطف، فإذا انضمّ لهذا كرهه الشديد للأصنام التي عكف عليها قومه، وازدراؤه للأوهام والأهواء التي تسود الجزيرة وما وراءها، وإدراكه أنّ الحق شيء اخر وراء هذه الخرافات الغالبة.. تبينا السر في استئناسه للجبال والفضاء، واستراحته إلى رعي الغنم في هذه الأنحاء القصيّة، مكتفيا بالقليل الذي يعود عليه من كسبها.
أهذا زهد في المال، أو إعراض عن الحياة الدنيا؟ لا؛ إنما هو انشغال بالحقائق العليا التي تصلح بها ويسخّر فيها المال، والرجال الكبار لا تشبعهم كنوز الذهب والفضة إذا ظمئوا إلى الحق، ولا يريحهم أن يكونوا ملوك قومهم أو ملوك الحياة إذا رأوا المساخر الشائنة تسير بالحياة كلها إلى منحدر تسقط فيه أقدار الناس، وتعتري فيه الدنيا جمعاء من كل خير وبر.
كذلك استقبل محمد ﵊ المرحلة الثالثة من عمره؛ وهي المرحلة التي تعرّف فيها إلى زوجه الأولى (خديجة بنت خويلد) ﵂.
[ ٧٩ ]
خديجة ﵂
و(خديجة) مثل طيّب للمرأة التي تكمّل حياة الرجل العظيم، إن أصحاب الرسالات يحملون قلوبا شديدة الحساسية، ويلقون غبنا بالغا من الواقع الذي يريدون تغييره، ويقاسون جهادا كبيرا في سبيل الخير الذي يريدون فرضه، وهم أحوج ما يكونون إلى من يتعهّد حياتهم الخاصة بالإيناس والترفيه، بله الإدراك والمعونة! وكانت خديجة سبّاقة إلى هذه الخصال، وكان لها في حياة محمد ﷺ أثر كريم.
قال ابن الأثير: «كانت- خديجة- امرأة تاجرة ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إياه بشيء تجعله لهم منه، فلمّا بلغها عن رسول الله ﷺ صدق الحديث، وعظم الأمانة، وكرم الأخلاق، أرسلت إليه ليخرج في مالها إلى الشام تاجرا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره، ومعه غلامها ميسرة» .
وقد قبل محمد ﵊ هذا العرض، ورحل إلى الشام عاملا في مال السيدة التي اختارته، ويظهر أن التوفيق حالفه في هذه الرحلة، أكثر من سابقتها مع عمّه أبي طالب، فكان ربحها أجزل، وسرّت خديجة بهذا الخير الذي أحرزته، ولكن إعجابها بالرجل الذي اختبرته كان أعمق.
إنها امرأة عريقة النسب، ممدودة الثروة، وقد عرفت بالحزم والعقل، ومثلها مطمح لسادة قريش، لولا أن السيدة كانت تحقر في كثير من الرجال أنهم طلاب مال لا طلاب نفوس، وأن أبصارهم ترنو إليها بغية الإفادة من ثرائها، وإن كان الزواج عنوان هذا الطمع! لكنها عند ما عرفت محمدا ﵊، وجدت ضربا اخر من الرجال؛ وجدت رجلا لا تستهواه ولا تدنيه حاجة، ولعلها عند ما حاسبت غيره في تجارتها وجدت الشحّ والاحتيال، أما مع محمد ﷺ فقد رأت رجلا تقفه كرامته الفارعة موقف النّبل والتجاوز، فما تطلّع إلى مالها ولا إلى جمالها! لقد أدى ما عليه ثم انصرف راضيا مرضيا.
[ ٨٠ ]
ووجدت خديجة ضالّتها المنشودة؛ فتحدثت بما في نفسها إلى صديقتها (نفيسة بنت منيّة)؛ وهذه ذهبت إلى محمد ﵊ تفاتحه أن يتزوّج من خديجة، فلم يبطئ في إعلان قبوله، ثم كلم أعمامه في ذلك، فذهب أبو طالب وحمزة وغيرهما إلى عمّ خديجة عمرو بن أسد- إذ إنّ أباها مات في حرب الفجار- وخطبوا إليه ابنة أخيه، وساقوا إليها الصّداق عشرين بكرة، ووقف أبو طالب يخطب في حفل الزواج قائلا: «إنّ محمدا لا يوزن به فتى من قريش إلا رجح به، شرفا ونبلا وفضلا وعقلا، وإن كان في المال قلّا، فإنما المال ظل زائل، وعارية مسترجعة، وله في خديجة بنت خويلد رغبة، ولها فيه مثل ذلك» فكان جواب ولي خديجة- عمّها عمرو-: «هو الفحل الذي لا يقدع أنفه» وأنكحها منه
وقيل: إنّ العبارة الأخيرة جرت على لسان (أبي سفيان) عند ما تزوّج محمد رسول الله ﷺ ابنته أم حبيبة، وكانت الحرب بينهما على أشدّها، فاعتذر أبو سفيان عن ذلك بأن محمدا الرجل من الكفاءة بحيث يعتبر الإصهار إليه منقبة!.
والخصومة القائمة بينهما لا تنزل بقدر محمد ﵊ أبدا، ونكاحه لبنت أبي سفيان لا يشين أبا سفيان أبدا، وإن كان يومئذ ألدّ عدوّ له.
[الزواج الميمون]:
كان محمد ﵊ في الخامسة والعشرين عند ما تزوّج خديجة، وكانت هي قد ناهزت الأربعين، وظل هذا الزواج قائما حتى ماتت خديجة عن خمسة وستين عاما، كانت طوالها محلّ الكرامة والإعزاز، وقد أنجب رسول الله ﷺ أولاده جميعا منها، ما عدا إبراهيم.
ولدت له أولا (القاسم)، وبه كان يكنى بعد النبوة، ثم (زينب)، و(رقية)، و(أم كلثوم)، و(فاطمة)، و(عبد الله)، وكان (عبد الله) يلقّب بالطيّب والطاهر، ومات (القاسم) بعد أن بلغ سنا تمكّنه من ركوب الدّابة والسير على النجيبة، ومات عبد الله وهو طفل، ومات سائر بناته في حياته؛ إلا فاطمة فقد تأخّرت بعده ستة أشهر، ثم لحقت به.
كان قران محمد ﵊ بخديجة خيرا له ولها، ولا شكّ أن هذا البيت الجديد قد اصطبغ بروح ربّ البيت، روح التطهّر من أدران الجاهلية، والترفّع عن تقديس الأوثان.
[ ٨١ ]
وقد استأنف محمد ﵊ ما ألفه بعد زواجه من حياة التأمّل والعزلة، وهجر ما كان عليه العرب في أحفالهم الصاخبة من إدمان ولغو وقمار ونفار، وإن لم يقطعه ذلك عن إدارة تجارته، وتدبير معايشه، والضرب في الأرض والمشي في الأسواق.
إنّ حياة الرجل العاقل وسط جماعة طائشة تقتضي ضروبا من الحذر والرويّة، وخصوصا إذا كان الرجل على خلق عظيم يتقاضاه لين الجانب، وبسط الوجه.
ولم يكن ثمة ما يقلق في هذه الزيجة الموفّقة إلا ألم خديجة لهلاك الذكور من بنيها؛ مع ما للذكران من منزلة خاصّة في أمّة كانت تئد البنات، وتسودّ وجوه ابائهنّ عند ما يبشّرون بهن!!.
والغريب أنّ العرب بعد البعثة كانوا يعيّرون محمدا ﷺ بهذا، ويعلنون ارتقابهم لانقطاع أثره وانتهاء ذكره؛ فعن ابن عباس ﵄، أن قريشا تواصت بينها في التمادي في الغيّ والكفر، وقالت: الذي نحن عليه أحقّ مما عليه هذا الصنبور المنبتر- والصنبور: النخلة التي اندقّ أصلها- يعنون أن محمدا ﵊ إذا مات لم يرثه عقب، ولم يحمل رسالته أحد أَمْ يَقُولُونَ شاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١) [الطور] !!.
ومحمّد ﷺ ورسالته فوق هذه الأماني الصغيرة، إلا أنّ الأسى كان يغزو قلب الوالد الجليل وهو يودع أبناءه الثرى، فيجدد الثكل ما رسب في أعماقه من الام اليتم، إنّ غصنه تشبث بالحياة، فاستطاع البقاء والنماء برغم فقدانه أبويه، وها هو ذا يرى أغصانه المنبسقة عنه تذوي مع رغبته العميقة ورغبة شريكة حياته في أن يرياها مزهرة مثمرة، وكأنّ الله أراد أن يجعل الرقة الحزينة جزا من كيانه! فإن الرّجال الذين يسوسون الشعوب لا يجنحون إلى الجبروت إلا إذا كانت نفوسهم قد طبعت على القسوة والأثرة، وعاشت في أفراح لا يخامرها كدر، أما الرجل الذي خبر الالام؛ فهو أسرع الناس إلى مواساة المحزونين، ومداواة المجروحين.
[ ٨٢ ]
الكعبة
ومن بقايا كلمة إبراهيم التي أجمع العرب في جاهليتهم على احترامها (الكعبة)؛ وهي أشبه بغرفة كبيرة مشيّدة من أحجار قوية، يعتمد سقفها من الداخل على أعمدة من الخشب الثمين، وأول من قام في بنائها أبو الأنبياء إبراهيم وابنه إسماعيل ﵈، والغرض من بنائها أن تكون معبدا لله، ومسجدا يذكر فيه اسمه واحده؛ فإن إبراهيم لقي العناء الأليم في حرب الأصنام، وهدم المعابد التي تنصب فيها، ثم ألهمه الله أن يا بني هذا البيت ليكون أساسا للتوحيد وركنا، ومثابة للناس وأمنا، ومن البديهي أنه لا يسع القصّاد جميعا، فألحق ما حوله به وصار حرما مقدّسا.
ومعنى ذلك: أنّ الكعبة نفسها حجارة لا تضرّ ولا تنفع، وأنّ الحرمة التي اكتسبتها هي من الذكريات والمعاني التي حفّت بها، ولذلك أكّد رسول الله ﷺ أن تأمين الأعراض والأموال والدّماء أقدس عند الله تعالى من هذه الكعبة، وأعظم حرمة وأكبر حقّا.
ومن الوثنية التي يعاديها الإسلام- إلى اخر الدّهر- الظنّ بأن الكعبة أو شيئا منها له أثر من نفع أو ضرر.
وأنت خبير بأن الرؤساء والقادة والجنود عند ما يحيّون أعلام بلادهم، ويتفانون دونها، فليس هذا عبادة لقطع معينة من القماش، إنما هو تقديس لمعان معينة ارتبطت بها، ومن الأمور التي يسهل فهمها: أن يكون لأول مسجد في الأرض مكانة تاريخية خاصة، وأن يكون قبلة لما يستجدّ بعده من مساجد.
أما الوجهة في كلّ صلاة، والمقصود في كلّ خشوع؛ فهو الله واحده.
عن أبي ذر ﵁: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض.
قال: «المسجد الحرام» . قلت: ثم أي؟ قال: «المسجد الأقصى» . قلت: كم بينهما؟ قال: «أربعون عاما، ثم الأرض لك مسجد، فحيثما أدركتك الصلاة فصلّ؛
[ ٨٣ ]
فإن الفضل فيه» «١» .
وقد تعرّضت الكعبة- باعتبارها أثرا قديما- للعوادي التي أوهت بنيانها، وصدّعت جدرانها، وقبل البعثة بسنوات قلائل جرف مكة سيل عرم، انحدر إلى البيت الحرام، فأوشكت الكعبة منه على الانهيار، فلم تر قريش بدّا من أن تجدّد بناء الكعبة؛ حرصا على مكانتها.
وقد اشترك سادة قريش ورجالاتها الكبار في أعمال التجديد ونقل الأحجار، بعد ما هدموا الأنقاض الواهية، وشرعوا يعيدونها كما كانت.
وبناء رفع إبراهيم وإسماعيل من قواعده قبل قرون سحيقة لا يوكل أمره لصغار الفعلة، فلا غرو إذا أقبل عليه الشيوخ وأهل النّهى والصدارة، ومن بينهم محمد ﷺ وأعمامه.
عن عمرو بن دينار، سمعت جابر بن عبد الله ﵄، يقول: لما بنيت الكعبة، ذهب رسول الله ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي ﷺ:
اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة، ففعل- كان ذلك قبل أن يبعث- فخرّ إلى الأرض، فطمحت عيناه إلى السماء، فقال: «إزاري إزاري»، فشد عليه فما رؤي بعد عريانا «٢» .
وتنافست القبائل في هذا المضمار، كلّ يبغي الصّدارة فيه والذهاب بفخره، حتى كاد هذا السباق يتحوّل إلى حرب ضروس في أرض الحرم، واستفحل الشر بين المشتغلين بالبناء عند ما بدؤوا يستعدّون لوضح الحجر الأسود في مكانه من أركان الكعبة؛ لولا أنّ أبا أمية بن المغيرة المخزومي اقترح على المتطاحنين أن يحكّموا فيما شجر بينهم أول داخل من باب الصفا، وشاء الله أن يكون ذلك محمدا ﷺ فلما رأوه هتفوا: هذا الأمين، ارتضيناه حكما.
وطلب محمد ﷺ ثوبا، فوضع الحجر وسطه، ثم نادى رؤساء القبائل المتنازعين، فأمسكوا جميعا بأطراف الثوب، حتى أوصلوا الحجر إلى الكعبة، فحمله محمد صلوات الله وسلامه عليه، ثم وضعه في مكانه العتيد «٣» .
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ٦/ ٣١٥- ٣١٧، ٣٥٩؛ ومسلم: ٢/ ٦٣؛ والنسائي وابن ماجه والبيهقي والطيالسي وأحمد من حديث أبي ذر.
(٢) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ١/ ٣٧٧؛ ومسلم: ١/ ١٨٤، وغيرهما.
(٣) حديث حسن، أخرجه الإمام أحمد: ٣/ ٤٢٥، من حديث السائب بن عبد الله بسند-
[ ٨٤ ]
وهذا حلّ حصيف رضي به القوم، ومن قبل كانت رؤيتهم لمحمد ﷺ مثار تيمّنهم واطمئنانهم، وهذا يدلّ على سناء المنزلة التي بلغها فيهم.
ومع جهد قريش في بناء الكعبة، فقد عجزت عن إبلاغها قواعد إبراهيم.
ولكن رسول الله ﷺ بعد أن استقر له الأمر في الجزيرة لم يجد ضرورة لتجديد زيادة بها، واثر تركها على ما انتهت إليه؛ عن عائشة ﵂، قالت: قال لي النبي ﷺ: «ألم تري أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟» قلت: يا رسول الله، ألا تردها إلى قواعد إبراهيم؟ فقال: «لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت!» قال ابن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله ﷺ، ما أرى أن رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم «١» . قال العلماء: والمراد بقول الرسول ﷺ الانف، قرب العهد بالجاهلية، وضعف استمكان الإيمان، مما يجعل العرب ينفرون من هدم الكعبة وتغيير هيئتها
ولو كانت إعادة الكعبة كما بناها إبراهيم فريضة، ما تركها رسول الله ﷺ، ولكن الأمر أخف من أن تثار لأجله مشكلات عويصة.
_________________
(١) - حسن. ويحسن بالمؤلف أن ينقل نصه؛ فهو أولى من نصوص كتب السيرة التي لا سنام ولا خطام! ثم وجدت للحديث شاهدا من حديث علي، رواه الطيالسي في مسنده: ٢/ ٩٦، ترتيب الشيخ عبد الرحمن البنا.
(٢) حديث صحيح، أخرجه الشيخان في الحج، من صحيحيهما.
[ ٨٥ ]
باحثون عن الحقّ
قلنا: إن الوثنية تزيّن باطلها بطلاء من الحقّ؛ ليسهل على النفوس ازدراد ما فيها من مرارة، فهي تزعم الإيمان بإله خلق السموات والأرض، وفي الوقت نفسه تشرك معه الهة أخرى هي مزدلف إليه ووسيلة، ولمّا كان خالق السموات والأرض بعيدا عن مرأى الأعين، فقد أنس العبّاد المشركون بالالهة القريبة من أيديهم، والتي يتردّدون عليها صباحا ومساء، حتى صارت صلتهم بها أحكم من الصلة بالإله الأصيل، وأصبح ذكر هذا الإله- المتوسّل إليه بغيره- لا يرد إلا في معرض الجدال والاعتذار:
وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧) وَقِيلِهِ يا رَبِّ إِنَّ هؤُلاءِ قَوْمٌ لا يُؤْمِنُونَ (٨٨) فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩) [الزخرف] .
غير أنّ التعصب لهذا السّخف جاوز الحدود، فأما العامة فهم بهم، أحلاس ما توارثوا، فقدوا نعمة العقل الحرّ، بل العقل المدرك، وعاشوا يهرفون بما لا يعرفون.
وأمّا الذين أوتوا حظّا من التفكير، فإنّ تفكيرهم يرتطم بحدود شهواتهم، وربما كتموا ما عرفوا، بل ربما حاربوا ما عرفوا، وقليل من الناس من يتجرّأ على التقاليد المستحكمة، ويجهر بالحق، وأقلّ من ذلك من يعيش له ويضحّي في سبيله.
وقد وجد قبل البعثة من نظر إلى وثنية العرب نظرة استهزاء، ومن عرف أنّ قومه يلتقون على أباطيل مفتراة، ولكنه لم يجد الطريق أو الطاقة على كفّهم.
أخرج البخاري «١»: أنّ ابن عمر ﵄ حدّث عن رسول الله ﷺ: أنه لقي
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد، رقم (٥٣٦٩)، من حديث ابن عمر، وقد رواه أيضا من حديث سعيد بن زيد بن عمرو (١٦٤٨)، وفيه زيادة منكرة، وهي تتنافى مع التوجيه الحسن الذي وجّه به الحديث حضرة المؤلف، وهي قوله بعد: (إني لا اكل مما تذبحون على-
[ ٨٦ ]
زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل (بلدح) - وذلك قبل أن ينزل الوحي على النبي ﷺ- فقدم إليه رسول الله ﷺ سفرة فيها لحم، فأبى أن يأكل منها، ثم قال زيد: إنّي لا اكل مما تذبحون «١» على أنصابكم، ولا اكل إلا ممّا ذكر اسم الله عليه، وكان يعيب على قريش ذبائحهم ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السماء ماء، وأنبت لها من الأرض الكلأ، وأنتم تذبحونها على غير اسم الله- إنكارا لذلك.
وفي رواية: أن زيد بن عمرو بن نفيل خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالما من اليهود، فسأله عن دينهم، وقال: لعلّي أن أدين دينكم! فقال: لا تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من غضب الله!! قال زيد: ما أفرّ إلا من غضب الله، ولا أحمل من غضب الله شيئا أبدا، وأنا أستطيعه!! فهل تدلّني على غيره؟ فقال: ما أعلمه إلا أن تكون حنيفا، قال زيد: وما الحنيف؟
قال: دين إبراهيم ﵇؛ لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله، فخرج زيد، فلقي عالما من النصارى، فذكر له مثل ذلك، فقال: لن تكون على ديننا حتى تأخذ بنصيبك من لعنة الله! قال: ما أفرّ إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله شيئا أبدا وأنا أستطيع!! .. فهل تدلّني على غيره؟ فقال: لا أعلمه إلا أن تكون حنيفا. قال: وما الحنيف؟ فقال: دين إبراهيم ﵇، لم يكن يهوديا ولا نصرانيا، ولا يعبد إلا الله، فلما رأى زيد قوله في إبراهيم ﵇ خرج، فلما برز رفع يديه، وقال: اللهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم ﵇..
وهذا الحديث يبيّن مقدار الحيرة التي سادت الدنيا، وغطّت بضبابها الكثيف على الأديان الظاهرة؛ اليهود يشعرون بأنّهم مطاردون في الأرض، منبوذون من
_________________
(١) - أنصابكم) قال: فما رؤي النبي ﷺ بعد ذلك أكل شيئا مما ذبح على النصب. «وعلة هذه الزيادة: أنها رواية من المسعودي، وكان قد اختلط! وراوي هذا الحديث عنه يزيد بن هارون، سمع منه بعد اختلاطه، ولذلك لم يحسن صنعا حضرة الأستاذ الشيخ أحمد محمد شاكر حيث صرّح في تعليقه على المسند أن إسناده صحيح»، ثم صرح بعد سطور أنه إنما صحّحه مع اختلاطه، لأنه ثبت معناه من حديث ابن عمر بسند صحيح، يعني هذا الذي في الكتاب، وليس فيه هذه الزيادة المنكرة، فكان عليه أن ينبه عليها لكي لا يتوهم أحد أن معناها ثابت أيضا في حديث ابن عمر.
(٢) توهّم زيد أن اللحم المقدّم إليه من جنس ما حرم الله، ومن المقطوع به أن بيت محمد ﷺ لا يطعم ذبائح الأصنام، ولكن أراد الاستيثاق لنفسه والإعلان عن مذهبه، وقد حفظ محمد ﷺ له ذلك وسرّ به.
[ ٨٧ ]
أقطارها، فعلى الداخل في دينهم أن يحمل وزرا من المقت المكتوب عليهم.
والنصارى وقع بينهم شقاق رهيب في طبيعة المسيح ووضعه، ووضع أمّه، من الإله الكبير، وقد أثار هذا الخلاف بينهم الحروب المهلكة، وقسمهم فرقا يلعن بعضها بعضا.
وكان نصارى الشّام الذين سألهم زيد (يعاقبة)، يخالفون المذهب الرسمي لكنيسة الرومان، فلا غرابة إذا أشعروا زيدا بما يقع عليه من عذاب لو دخل في دينهم، أو لعل هذه اللعنة المرهوبة هي تبعات الخطيئة التي اقترفها ادم، واستحقّها من بعده بنوه كما يدّعي ذلك النصارى وهم يبرّرون صلب المسيح، ومن حقّ زيد أن يدع هؤلاء وأولئك، ويرجع إلى دين إبراهيم ﵇ يبحث عن أصوله وفروعه.
وأخرج البخاريّ: عن أسماء بنت أبي بكر ﵄، قالت: رأيت زيد بن عمرو بن نفيل قائما مسندا ظهره إلى الكعبة، يقول: «يا معشر قريش، والله ما منكم على دين إبراهيم ﵇ غيري»، وكان يحيي الموؤدة، يقول للرجل- إذا أراد أن يقتل ابنته-: أنا أكفيك مؤنتها، فيأخذها، فإذا ترعرعت قال لأبيها: إن شئت دفعتها إليك، وإن شئت كفيتك مؤنتها «١» .
إنّ زيدا واحد من المفكّرين القلائل الذين سخطوا ما عليه الجاهلية من نكر، وإنه ليشكر على تحرّيه الحقّ، ولا يغمط هو ولا غيره أقدارهم بين قومهم، لكن القدر كان يتخيّر رجلا يبصر الحقّ، ويملك من الطاقة ما يدفعه به إلى افاق العالمين، في وجه مقاومة تسترخص النفس والنفيس للإبقاء على الضّلال، والإمساك بليله البارد الثقيل.
كان القدر يعدّ لهذه الرسالة الضخمة رجلها الضّخم، والعظائم كفؤها العظماء!.
_________________
(١) حديث صحيح، والبخاري إنما خرجه: ٧/ ١١٤- ١١٥، معلّقا، فكان يحسن تقييد العزو إليه بهذا، وقد وصله جماعة ذكرهم الحافظ في الفتح، وفاته أنّ الحاكم وصله أيضا في المستدرك: ٣/ ٤٤٠، وقال: «صحيح على شرط الشيخين» .
[ ٨٨ ]
في غار حراء
أخذت سنّ محمد ﷺ تصعد نحو الأربعين، وكانت تأمّلاته الماضية قد وسّعت الشقة العقلية بينه وبين قومه، فأمست نظرته إليهم نظرة عالم الفلك- في عصرنا- إلى جماعة يؤمنون بأن الأرض محمولة على قرن ثور، أو نظرة عالم الذرة إلى جماعة يتراشقون بالحجارة إذا تحاربوا، ويتنقلون بالمطايا إذا سافروا
ذلك من الناحية الفكرية، أمّا من الناحية النفسية؛ فإنّ الإلحاد الذي شاع في الجاهلية، وجعل أهلها يقسمون بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت، هذا الإلحاد المغرق الطامس غزا نفوس الأخيار بالقلق البالغ؛ إلى أين تصير هذه القلة الحائرة؟ لئن كان الوجود- أولا واخرا- هذه الأعمار المستنفدة على ظهر الأرض إنّ الفناء خير وأجدى!!.
أما من بصيص نور خلال هذا الظلام المخيّم؟
وكان محمّد ﷺ يهجر مكة كلّ عام ليقضي شهر رمضان في غار حراء، وهو غار على مسافة بضعة أميال من القرية الصّاخبة، في رأس جبل من هذه الجبال المشرفة على مكة، والتي ينقطع عندها لغو الناس وحديثهم الباطل، ويبدأ السكون الشامل المستغرق في هذه القمة السامقة المنزوية كان محمد ﷺ يأخذ زاد الليالي الطوال، ثم ينقطع عن العالمين متّجها بفؤاده المشوق إلى ربّ العالمين!.
وفي هذا الغار المهيب المحجّب، كانت نفس كبيرة تطلّ من عليائها على ما تموج به الدنيا من فتن ومغارم، واعتداء وانكسار، ثم تتلوّى حسرة وحيرة؛ لأنها لا تدري من ذلك مخرجا، ولا تعرف له علاجا!!.
في هذا الغار النائي كانت عين نفّاذة محصية تستعرض تراث الهداة الأولين من رسل الله، فتجده كالمنجم المعتم؛ لا يستخلص منه المعدن النفيس إلا بعد
[ ٨٩ ]
جهد جهيد، وقد يختلط التراب بالتبر فما يستطيع بشر فصله عنه.
في غار حراء كان محمد ﵊ يتعبّد، ويصقل قلبه، وينقي روحه، ويقترب من الحق جهده، ويبتعد عن الباطل وسعه، حتى وصل من الصفاء إلى مرتبة عالية؛ انعكست فيها أشعة الغيوب على صفحته المجلوّة، فأمسى لا يرى رؤيا إلا جاءت كفلق الصبح.
في هذا الغار اتصل محمد ﷺ بالملأ الأعلى.
ومن قبله شهد بطن الصحراء أخا لمحمد ﵊، يخرج من مصر فارّا مستوحشا، ويجتاز القفار متلمّسا الأمن والسكينة والهدى، لنفسه وقومه، فبرقت له من شاطئ الوادي الأيمن نار مؤنسة، فلمّا تيمّمها، إذا بالنّداء الأقدس يغمر مسامعه ويتخلل مشاعره:
إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي (١٤) [طه] .
إن شعلة من هذه النار اجتازت القرون؛ لتتّقد مرة أخرى في جوانب الغار الذي حوى رجلا يتحنّث ويتطهّر، نائيا بجسمه وروحه عن أرجاس الجاهلية ومساوئها، لكنّ الشعلة لم تكن نارا تستدرج الناظر، بل كانت نورا ينبسط بين يدي وحي مبارك، يسطع على القلب العاني بالإلهام والهداية، والتثبيت والعناية، وإذا بمحمد ﷺ يصغي في دهشة وانبهار إلى صوت الملك، يقول له:
«اقرأ » فيجيب مستفسرا: «ما أنا بقارئ»، ويتكرر الطلب والرد لتنساب بعده الايات الأولى من القران العزيز:
اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ (٥) [العلق] «١» .
_________________
(١) حديث صحيح، سيأتي تخريجه قريبا.
[ ٩٠ ]
ورقة بن نوفل
إنّ محمدا ﷺ بشر مثلنا، لكنّ الوجود لا يعرف تفاوتا بين أفراد جنس واحد كما يعرف ذلك في جنس الإنسان، إن بعضهم أرقى من الأفلاك الزاهرة! وبعضهم الاخر لا يساوي بعرة وإن كان الكلّ بشرا!!.
وذاك التفاوت واقع بين من لم يؤيّدوا بوحي، فكيف إذا اصطفي إنسان ما، وزيدت أطوار كماله المعتاد طورا اخر، تومض فيه أشعة التسديد والتوفيق والإرشاد والإمداد؟!.
إنّ الوحي روح يفد على المختارين بحياة جديدة، وهمّة جديدة، ورسالة جديدة:
يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢) [النحل] .
إن الجنين بعد نفخ الروح فيه ينشئه الله خلقا اخر، يغاير الأطوار الستة الأولى التي مرّ بها، سلالة الطين، فالنطفة، فالعلقة، فالمضغة، فالعظام، فالجسم المكسوّ باللحم..
والأنبياء بعد اتّصال الوحي بهم، وسريان روحه الجديدة في أرواحهم، يتحوّلون بشرا اخرين، لا يدانيهم غيرهم أبدا في مجادة وإشراق.
وهذا التغيّر الملحوظ سرّ تذكير الله لمحمد ﵊ بالقدرة التي خلقت الإنسان من علق، إنّ القدرة التي خلقت هذا الإنسان العجيب من علقة طفيلية، هي التي ستنساق بنعمة الله إلى جعل محمد ﷺ بشرا رسولا، يقرأ بعد ما كان أمّيا.
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ [الشورى] .
[ ٩١ ]
عن عائشة أم المؤمنين ﵂: أنها قالت: «أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح، ثم حبّب إليه الخلاء، فكان يخلو بغار حراء يتحنّث فيه- وهو التعبّد- الليالي ذوات العدد قبل أن يرجع إلى أهله يتزوّد لذلك، ثم يرجع إلى خديجة فيتزوّد لمثلها، حتى فجأه الحقّ وهو في غار حراء، فجاءه الملك فقال: اقرأ، قال: «ما أنا بقارئ»؛ قال: «فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني فقال: اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثانية حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال:
اقرأ، قلت: ما أنا بقارئ، فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني، فقال: اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) » إلخ.
فرجع بها رسول الله ﷺ ترجف بوادره! حتى دخل على خديجة بنت خويلد، فقال: «زمّلوني، زمّلوني» فزمّلوه، حتى ذهب عنه الروع، ثم قال لخديجة: «أي خديجة، ما لي؟» وأخبرها الخبر، ثم قال: «لقد خشيت على نفسي»
قالت له خديجة: كلا، أبشر فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرحم وتصدق الحديث، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحقّ.
فانطلقت به خديجة حتى أتت به ورقة بن نوفل- وهو ابن عمّ خديجة- وكان امرأ تنصّر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبرانيّ، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخا كبيرا قد عمي، فقالت له خديجة:
أي ابن عم: اسمع من ابن أخيك، فقال له ورقة: يا بن أخي! ما ترى؟ فأخبره رسول الله ﷺ خبر ما رأى، فقال له ورقة: هذا الناموس الذي نزّل الله على موسى، يا ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيّا إذ يخرجك قومك، فقال رسول الله ﷺ: «أو مخرجيّ هم؟» قال: نعم! لم يأت رجل قطّ بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك حيّا أنصرك نصرا مؤزّرا. ثم لم يلبث ورقة أن توفي وفتر الوحي «١» .
لكأنّ الأربعين عاما السابقة يوم واحد، وبدأ الوحي صبيحة يوم جديد!! إنّ
_________________
(١) حديث صحيح، أخرجه البخاري: ١/ ١٨- ٢٣؛ ومسلم: ١/ ٩٧- ٩٨، من حديثها.
[ ٩٢ ]
العقل الجوّاب الباحث المستفسر أخذ يشيم أنوار الحق.
والصدر المحرج المثقل بالتشاؤم والارتباك، أخذ يحسّ برد اليقين، وفسحة الأمل، والنقلة الطارئة بعيدة المدى إنّها النبوة.
ألا ما أجلّ هذا الفضل المقبل، وما أعظم ما يواجه محمدا ﷺ فيه من شؤون وشجون..!!.
لذلك سرعان ما تراجعت إليه نفسه، وكان موقف زوجه خديجة منه من أشرف المواقف التي تحمد لامرأة في الأوّلين والاخرين، طمأنته حين قلق، وأراحته حين جهد، وذكرته بما فيه فضائل مؤكدة له: أنّ الأبرار أمثاله لا يخذلون أبدأ، وأنّ الله إذا طبع رجلا على المكارم الجزلة والمناقب السمحة؛ فلكيما يجعله أهل إعزازه وإحسانه، وبهذا الرأي الراجح، والقلب الصالح؛ استحقت خديجة أن يحيّيها ربّ العالمين، فيرسل إليها بالسّلام مع الروح الأمين «١»
_________________
(١) يشير المؤلف إلى الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ قال: أتى جبريل النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام أو طعام أو شراب. فإذا هي أتتك فاقرأ ﵍ من ربّها ومنّي، وبشّرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب. أخرجه البخاري: ٧/ ١٠٩؛ ومسلم: ٧/ ١٣٣.
[ ٩٣ ]
٣