وما أصابه من قومه المشركين
وأول من أظهر الإسلام.
_________________
(١) عندما يظهر الشرك والكفر بالله الخالق لكل مخلوق، تأتى رحمة الله بعباده، فيتداركهم بإرسال رسول منهم ينقذهم مما هم عليه، وينجيهم برحمته من غضبه على المشركين، الذين تركوا عبادة الله الواحد التي تجب عليهم له جل علاه، وأقبلوا على الأنداد والأوثان حيث اتخذوها شريكة له في العبادة، وخصوها بالقسم الأكبر منها. هكذا كانت حياة البشر في الأزمنة الغابرة، موزعة بين الشرك بالله والإيمان به، كفر وجحود للخالق الواحد وإيمان به وبألوهيته، وهذا نتيجة لبعث رسول من رسل الله أنقذ به البشر إلى حين، إذ لا يليق بمعبود يرجى جلب الخير ودفع الضر عن عابده أن يترك عابده تلعب بعقله رؤس الشرك والضلال فتوقعه في الغواية والخسران لأن الإنسان عاجز عن إدراك الحقيقة كما هي، فيما يخص الخالق، وما يجب له على عباده، من الطاعة والعبادة على وجهها الكامل وذلك لضعفه عن إدراك ذلك، فهو يستعين بقدرته
[ ٧٥ ]
- تعالى - وتدبيره على تحصيل ما يريد من جلب الخير والمنفعة له، والاستعانة بقدرته على دفع ما يضر به وبمصالحه، وفي مقابل هذه العقيدة الصحيحة يخضع لقدرته ويراه أهلا للطاعة والعبادة، والخوف من غضبه وسطوته وانتقامه ممن عصاه وكفر به.
ولد الرسول محمد ﷺ في «مكة» المكرمة ونشأ بها في وسط قوم مشركين بالله، يعبدون الأوثان والأحجار، ويعتقدون فيها أنها شريكة لله في الألوهية والعبادة، وأن عبادتها تقربهم إلى الله وتضر من لم يعبدها، وتنقع من عبدها، إذ قالوا «ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى» سورة الزمر الآية ٣.
وهذه هي عقيدة المشركين من قبل في آلهتهم، كما قال أصحاب رسول الله «هود» ﵇ رسولهم هذا (قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن (٥٣) ان نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون (٥٤) من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون) (٥٥) سورة هود، هذه هي عقيدة المشركين في آلهتهم وهي عقيدة ساذجة، لا تفكير فيها، حيث اعتقدوا أنها تنفع وتضر، فلو فكر المشركون - قليلا - في آلهتهم لما قالوا فيها ما قالوه عن عقيدة، تدل على الجهل والغباوة وقصر النظر فكيف تستطيع الحجارة أو غيرها أن، تلحق السوء والضر بمن لا يؤمن بها.
[ ٧٦ ]
من أجل إبطال هذه العقيدة الفاسدة جاءت رسالة محمد ﷺ من الله إله العالمين لمحمد ﷺ وأمره بتبليغها - إذ هي رسالة التوحيد - إلى هؤلاء المشركين وإلى غيرهم، فرسالة محمد ﷺ عامة إلى الناس كلهم وهي مستمرة على عمومها إلى قيام الساعة وانقضاء الدنيا. كما قال الله فيها وفيه «وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا ولكن أكثر الناس لا يعلمون»، سورة سبأ - الآية ٢٨ وقال «قل يا أبها الناس إني رسول الله إليكم جميعا»، سورة الأعراف - الآية ١٥٨.
وليس من الهين على أناس ألفوا عقيدة ولو كانت باطلة ومجانبة للحق والعقل أن يقلعوا عنها بادئ ذي بدء من غير حوار ومجابهة مرات ومرات فكان في المبلغين من آمن بها وقبلها وأقبل عليها وتذوقها وسعى في نقلها إلى أهله وعشيرته وجيرانه ومن له صلة به، بل ودافع عنها وعادى من أجلها وحارب لنصرتها حسب إيمانه فكان الذين أقبلوا على الدعوة المحمدية في أول الأمر قليلين، لكنهم أخذوا في الزيادة بالرغم مما تجده الدعوة والدعاة في سبيلهما من المقاومة الشديدة والحاقدة عليها وعليهم، لكنها كانت تستند إلى قوة عقيدة الدعاة، فهانت عليهم أرواحهم وأموالهم وأهلهم في سبيل نشرها وتأييدها والدفاع عنها، وهذا ما جعلها تتقوى شيئا فشيئا رغم كل ما ذكر.
[ ٧٧ ]
وهذا سبيل كل دعوة تستند إلى الحق والحجة والإقناع، ولم تفرض على الناس فرضا، ولم تنشر بالكذب والتزوير والبهتان والإغراء بالوظيف أو بالمال والجاه شأن الدعوات السياسية منها وغيرها.
وذلك ما جعل الدعوة الإسلامية تنتشر بسرعة مدهشة، ففي مدة عقد من الزمن بلغ صيتها الأماكن البعيدة عن مركزها الأصلي، ولم يوجد في ذلك الوقت عن وسائل النشر والإعلام لإيصالها إلى خارج حدودها ما يساعد على هذا، فأقبل عليها وعلى اعتناقها والدعوة إليها - أناس فتح الله لهم أبصارهم وبصائرهم، ففازوا بالسبق إليها، فمنهم من استشهد في سبيل عقيدته الحديثة الصحيحة، ولم يبخل عليها بروحه وماله، ومنهم من سلمه الله حتى رآى رأي العين ثمرتها ونتيجتها التي ظهرت للبشرية كلها، فتطهرت العقول والأفكار من أقذار الشرك والوثنية التي ألحقت بالإنسان المذلة والخزي والعار، حيث جعلته عقيدة الشرك ينقاد ويستسلم للأوهام والخرافات معرضا عن الحقائق البينة الثابتة بالحجة والبرهان، إذ لم تكن العقيدة الإسلامية - عقيدة التوحيد - تفرض على الناس بالقوة والقهر والكذب والتزوير، مثلما تستعمله - الآن - بعض العقائد الإلحادية التي تفرض بالقوة على الشعوب الضعيفة والمضطهدة، ويدعى جالبوها ومروجوها أنها اختيار شعبي، بمعنى أن الشعب هو الذي اختارها ورضي بها، ولماذا هذا التزوير؟ وما الداعي إليه؟ ذلك
[ ٧٨ ]
لأن بعض المسؤلين في تلك الشعوب وجدوا فيها مكسبا ومغنما ومعينا لا ينضب ولا يغيض من الكسب غير المشروع قانونا وعرفا وأخلاقا، من متع الدنيا وملذاتها وشهواتها وجندوا لها جنودا من المرتزقة، هم أشبه شيء بجنود «الفرقة الأجنبية» في الجيش الفرنسي التي كانت عندنا بالجزائر وقد عاثت في الوطن فسادا بالقتل والنهب وغيرهما - وقد طهر الله منها ومن جرائمها الوطن بفضل حرب التحرير وبنعمة الحرية والاستقلال، هؤلاء المرتزقة الذين يدافعون عنها ويرغبون الناس في عقيدة الإلحاد، ويقولون لهم أنها أفضل من الشرائع السماوية التي جاء بها الرسل الكرام من عند خالق الخلق أجمعين، ومدبر الأكوان ومع ما أفسح لها من مجالات لنشر دعوتها الإلحادية فإنها لم تجد في الشعوب الحية ذات العقيدة الصحيحة إلا الرفض والإهمال والصدود والإعراض عنها وعن مروجيها متبوعة باللعنات التي تتبع دائما أصحاب الضلالات.
إن العقيدة الإسلامية وشريعتها الكاملة جاءت بحرية الرأي والفكر والقول والحوار في كل شيء، ولم تلزم أحدا بقبولها بالقوة ذلك ما تجده في قوله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي». سورة البقرة - الآية ٢٥٨ كما قال الله لرسوله الداعي إليه بإذنه وإلى العقيدة التي أمره بالدعوة إليها وتبليغها إلى عباده مخاطبا له بقوله: «ولو شاء ربك لآمن من في
[ ٧٩ ]
الأرض كلهم جميعا أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» سورة يونس - الآية ٩٩. فالشريعة الإسلامية وعقيدتها تقبل ممن يريد أن يتعرف عليها وعلى حقيقتها الحوار في سبيل ذلك، فكم من مجالس عقدت لهذا الغرض مع المخالفين لها، حتى إذا اتضح الأمر وبان المقصود اقتنع كل واحد بما مالت نفسه إليه بلا إلزام فمنهم من آمن ومنهم من كفر واستمر على كفره وعقيدته وأمر الله رسوله بأن يقول «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» سوره الكهف - الآية ٢٩.
لكن بعض المشركين الغشمة (ومن على شاكلتهم في هذا العصر) لا يحلو لهم البحث والحوار من أجل البلوغ إلى الحقيقة - والحقيقة بنت البحث دائما - فيعمدون إلى إلزام الناس وإجبارهم على اعتناق مذهبهم والعمل بعقيدتهم فيعتمدون على القوة والجبروت والطغيان ومثل هذا السلوك لا يفيد الدعوة بشيء فسرعان ما تنقلب على صاحبها وتريه عكس ما رآه وذهب إليه مثلما وقع من أصحاب الأخدود الذين ذكرهم الله في القرآن - وستأتي قصتهم قريبا إن شام الله - إذ شرح الرسول ﷺ ما وقع لهم كما جاء في حديث الإمام مسلم في صحيحه عن صهيب ﵁، إذ في قصص القرآن عبر وأي عبر لمن كان له قلب يفكر ويعتبر، كما قال الله تعالى: «لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب ما كان حديثا يفترى» سورة يوسف الآية ١١١.
[ ٨٠ ]
وقد أصاب المسلمين - قديما وحديثا - ما أصابهم من أذى واضطهاد من أجل عقيدتهم في دينهم، ولكن هل صدهم عنها هذا الذي لاقوه في سبيلها؟ كلا والله فإنهم تمسكوا بها وازدادوا حبا لها، وإيمانا بها، ودفاعا عنها، ونصرة لها.
وبهذه المواقف الشجاعة تنتصر - دائما - عقيدة الحق على عقيدة الباطل فمهما ازداد الطاغون في طغيانهم إلا وقابلهم المستضعفون بثباتهم على عقيدتهم وإيمانهم بها إلى أن ينصر الله أهل تلك العقيدة الحقة - بعد الامتحان لهم بما يصيبهم في سبيلها - على أهل عقيدة الباطل والضلال والوثنية الباطلة وقد لحق ضعفاء المسلمين من أقوياء المشركين شيء كثير من العذاب والاضطهاد - وفيهم رسول الله ﷺ - فالظالمون يزدادون كل يوم عتوا وطغيانا، والمؤمنون عددهم في نمو وازدياد وصبر وثبات وتحمل لأذى المشركين، حتى كانت الهجرة إلى المدينة المنورة، وبعدها جاء النصر من عند الله للحق على الباطل، ودارت الدائرة - كما هو الشأن في مثل هذا - على البغاة والمفسدين أعداء الحق وأنصار الباطل.
ومن الذين أصابهم اضطهاد مشركي قريش وجبابرتها رسولنا محمد ﷺ فقد لحقه من قومه وعشيرته من هذا الشيء الكثير ولا ننسى موقف عمه أبي لهب وزوجه أم جميل «حمالة الحطب» وفي هذا
[ ٨١ ]
دليل على ما أخبر به الرسول ﷺ من الأذى الذي أصاب أصحاب الدعوة المحمدية وأنصارها وفي هذا قال شوقي ﵀:
وكان من أفحشهم أبو لهب عم ولكن مذهب السوء ذهب
ومثل الأنبياء في هذا العلماء والدعاة إلى الله وإلى شرع الله إذ هم ورثة الأنبياء والمرسلين في التبليغ والنواب عنهم إذا غابوا في تبليغ دعوتهم فيلحقهم ما لحقهم من طغاة الحكام الجاهلين لشرع الله إذا عارضوهم ولم يوافقوهم ولم يتواطؤا معهم على الضلال ولو بالسكوت عنهم إذ قد وجدوا السكوت في بعض من ينسبون إلى العلم والدين فبينما يجد هذا الصنف من العلماء المزعومين الحظوة عند الحكام الظلمة لسكوتهم عنهم يلقى الصنف الآخر منهم الرقابة الصارمة والمعاكسة التامة في كل شيء، وقف سلطت عليهم الشرطة السرية تحصي عليهم أنفاسهم وخطواتهم فهم - دائما - في متابعتهم وملاحقتهم - كأنهم الحفظة - من أجل الموقف الحر إلى جانب الدعوة إلى الله وفى سبيل الله وذلك النوع من العلماء المتملقين ضعفاء الإيمان بربهم وبدينهم الذين يسيرون في ركاب المحاربين لتلك الدعوة والعقيدة موجودون في كل زمان ومكان وإذا لزم الأمر ودعت الحاجة إلى إبطال السنن النبوية المؤكدة، أو ابتداع سنن أو فرائض أخرى أجابوا إلى ما يطلب منهم، وكانوا أسرع من البرق في لمعانه إلى هذه الإجابة بطرق فلسفية
[ ٨٢ ]
عجيبة في باب الفلسفة الدينية - إن كانت لأحكام الدين فلسفة - كإبطال سنة الأضحية المؤكدة - مثلا - بدعوى لا أصل لها في الإسلام من تقديم الواجب على السنة بفكرة مخترعة متفلسفة وفي هذا قتل وتعطيل للسنن المؤكدة إذ الأضحية سنة الأنبياء والمرسلين من زمن إبراهيم إلى رسولنا محمد صلى الله عليهم - جميعا - وسلم ونحن مأمورون بإحياء السنن لا بقتلها كما فعل وضاعو الحديث الموضوع عن النبي ﷺ تزلفا للحكام والملوك.
وقد ظهر في وقتنا هذا زهد وإهمال لجانب العلم والدين، وفي بعض الأوقات تزهيد فيه متعمد ومقصود، وقد لحق العلماء نصيب من هذا، وكي لا يفشل العلماء ولا يتأخروا عن واجبهم طمأنهم الرسول ﷺ بأنهم سينالهم ما نال الرسل عليهم الصلاة والسلام، حيث قال في العلماء العاملين ما قاله في الأنبياء والمرسلين بحكم الوراثة وذلك حيث قال: (أزهد الناس في العالم أهله وجيرانه). أخرجه أبو نعيم في الحلية عن أبى الدرداء ﵁ وقد شاهدنا هذا بأعيننا في وطننا مع كبار علمائنا كالشيخين عبد الحميد ابن باديس، ومحمد البشير الإبراهيمي وغيرهما ﵏ على قيامهم بما فرض عليهم في أوقات صعبة جدا، فقد كانوا موضع عناية ورعاية واحترام من الناس الأباعد عنهم نسبا أو دارا، وهذا حين يفارقون
[ ٨٣ ]
أهلهم وجيرانهم، سواء في داخل تراب وطنهم أو في خارجه وينزلون بين أبعد الناس عنهم نسبا أو دارا ولا يجدون بين أهلهم وجيرانهم ما يجدونه خارجهما فهذه المعاملة إحدى سنن خلق الله في عباده، من القديم إلى الآن، فلا عتاب ولا ملامة فيما جرت به السنن الإلهية، وما ذكرت هذا إلا للعبرة والاعتبار.
الرسول محمد ﷺ وحلف الصحيفة:
لما شاهد مشركو قريش فشو الإسلام وسرعة انتشاره كما شاهدوا أن قوتهم وتعذيبهم لضعفاء المسلمين لم تجدهم نفعا، بل ما زاد الإسلام إلا انتشارا بين الناس فلما رأوا هذا عمدوا إلى مقاطعة آل الرسول ﷺ من بنى هاشم وبني عبد الطلب بني عبد مناف واتفقوا على مقاطعتهم، بأن لا يتعاملوا معهم كما أجمعوا أمرهم على أن لا يجالسوهم ولا يبايعوهم ولا يكلموهم ولا يدخلوا بيوتهم ولا يتزاوجوا معهم حتى يسلموا لهم رسول الله ﷺ ليقتلوه، وكتبوا بهذا صحيفة ذكروا في صلبها هذا وأكدوا ذلك بالعهود والمواثيق، على أن لا يقبلوا من بني هاشم صلحا أبدا، ولا تأخذهم فيهم رأفة حتى يسلموا لهم رسول الله للقتل.
وتم لهم هذا بمحاصرتهم لبني هاشم في شعب أبى طالب - الشعب بكسر الشين شق في الجبل يشبه المخبأ - فلبث بنو هاشم في الشعب، ومعهم رسول الله صلى الله
[ ٨٤ ]
عليه وسلم - ثلاث سنين كما ورد في كتب السيرة واشتد عليهم البلاء والجهد والجوع، وقطعوا عنهم الأسواق فلا بيع ولا شراء معهم، إذ يريدون من وراء هذا سفك دم الرسول ﷺ فاتفق بنو هاشم وبنو عبد المطلب - مؤمنهم وكافرهم - وهم في الشعب تحت الحصار على أن لا يسلموا رسول الله إليهم ليقتلوه، ما عدا أبا لهب - طبعا - إذ هو وأولاده في صف المشركين انحازوا إليهم من أول يوم، والمقصود بهذا الحصار تجويع الرسول ﷺ والمؤمنين به إذ هو نوع من أنواع أعمال الطغاة وأسلوب معروف من أساليبهم كما فعلت - حديثا - دولة أمريكا هذا مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في أيامنا هذه، ودعت الدول التي تسير في فلكها - وحتى من بعض الدول العربية والمسلمة أيضا على ما هو مكتوب في دستورها - إلى مساندتها في عدم التعاون مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية - يا له من أسلوب كاذب تستروا وراءه - كل هذا لما رأوها تعمل للإسلام إذ شرعت في تطبيق حدوده وأحكامه كحد الزنى والسرقة والقتل، وأنها سائرة في طريق التقوى وبناء دولة إسلامية قوية فبعض جيرانها خشوا من شعوبهم أن يسلكوا نفس المسلك الذي سلكه الشعب الإيراني المسلم فوضعوا في طريقها العراقيل، وهم في هذا مدفوعون إليه من أعداء الإسلام إذ ما هم إلا منفذون لما يرغب
[ ٨٥ ]
فيه أعداء الإسلام فأمثال مشركي مكة موجودون في كل زمان ومكان.
وعندما اشتد أذى مشركي قريش على المسلمين شرعوا في الهجرة إلى خارج نفوذ المشركين فبعض المسلمين هاجروا إلى الحبشة المسيحية، إذ وجدوا في حاكمها «النجاشي» حسن الاستقبال والجوار والرعاية والأمان وسعة الصدر، وهذا لم يجدوه بين أهلهم وفي بلدهم مكة، إذ لم يضق صدره من المسلمين وهم في بلده وإن كانوا مخالفين له في عقيدته ودينه ذلك لأنه مسيحي صميم غير متعصب، ولم يكن في قلبه أي حقد على الإسلام وعقيدته وقد أثنى الله في القرآن عليهم - الحبشة - كما جاء في قوله تعالى: (لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا: إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون). سورة المائدة، الآية ٨٢.
إن حلف الصحيفة التي كتبها مشركو قريش وتحالفوا على تنفيذ ما جاء فيها أمره معروف والغاية منه كذلك ظاهرة، إن القوم أرادوا بذلك الحصار معاقبة الرسول الكريم إنتقاما وانتصارا لأحجارهم المعبودة من دون الله، وخاصة إذا علمنا أنهم كانوا يعتقدون نجاح عملهم هذا، وهذا كيد وخيانة والله لا يهدي كيد الخائنين، وقد أفسد الله عليهم هذه الخطة الشيطانية، إذ اتفقت كلمتهم على هذا الحلف
[ ٨٦ ]
والمقاطعة والحصار، فقد كتبوا ما اتفقوا عليه - كما سلف - في معاهدتهم تلك، وأطلقوا عليها اسم (حلف الصحيفة) وتواثقوا على ما فيها فكتبوها وعلقوها في جوف الكعبة فعلوا هذا توكيدا للعهد والحلف وانحازت بنو هاشم، وبنو عبد الطلب - وهم بنو عبد مناف - إلى أبي طالب عم النبي ﷺ وكافله في صغره، ودخلوا معه في شعبه وانضموا إليه وخرج عن جمعهم هذا أبو لهب عم النبي ﷺ ودخل مع قريش في حلفها ولم يدخل مع بني هاشم عشيرته وأهله كما مر قريبا، وظاهر قريشا وهذا من تأثير العقيدة وإن كانت باطلة.
قال ابن إسحاق، وحدثني حسين بن عبد الله أن أبا لهب لقي هندا بنت عتبة بن ربيعة - زوج أبي سفيان ابن حرب - حين ترك قومه وانحاز إلى قريش في حلفهم فقال لها يا بنت عتبة هل نصرت اللات والعزى وفارقت من فارقهما وظاهر عليهما؟؟ قالت نعم فجزاك الله خيرا يا أبا عتبة.
وقال ابن إسحاق أيضا، وحدثت أنه كان يقول في بعض ما يقول يعدنى محمد أشياء لا أراها، يزعم أنها كائنة بعد الموت، فماذا وضع في يدي بعد ذلك؟ ثم ينفخ في يديه ثم يقول - مخاطبا يديه - تبا لكما ما أرى فيكما شيئا مما يقول محمد، فأنزل الله فيه (تبت يدا أبي لهب وتب) وفي كلامه هذا سخرية
[ ٨٧ ]
واستهزاء بما يعده به الرسول ﷺ من الجنة وغيرها، وهذا الوعد من الله، وعد به المؤمنين.
وكان في المشركين من لم يرض بهذا الحصار من قريش على بني عبد مناف فكان يحمل الجمل بالطعام ويأتي به في الليل حيث لا يراه أحد من قريش، وينزع عن البعير خطامه ويرسله عند مدخل الشعب فيذهب البعير وحده ويقف أمام المحاصرين فيقولون أخذ حمولته فينزلونها عن البعير ثم يرسلونه من حيث جاء فيعود إلى صاحبه، بعد أن أفرغت عنه حمولته وهذا دليل على أن في المشركين من كان غير راض بفعل قومه قساة القلوب متحجري الأكباد حيث منعوا الطعام عن رسول الله ﷺ وعن أسرته المؤمنة بالله ورسوله.
ثم جاءت عناية الله ورعايته لرسول الله ﷺ بعد مدة طويلة مرت عليه وهو في الحصار المضروب عليه من قبل المشركين جاءت بما لم يخطر على بال، فقد أرسل الله حشرة صغيره قضت على ذلك الحلف الجائر، المكتوب في السنة المعلقة في الكعبة، والذي أريد به تجويع الرسول وأهله والمؤمنين معه، حتى يسلموه لأعداء الله وأعداء الحق والدين، مقابل ملء البطون الجائعة، وما دروا أن ملء العقل وشحنه بالعقيدة الصحيحة المبنية على ما يحبه الله ويرضى به خير وأولى وأصلح بالعقل من كل شيء سواه، فهذا أولى وأجدى من ملء البطون وفراغ العقول.
[ ٨٨ ]
كانت عناية الله برسوله وبدينه بالغة في تلك الحشرة الصغيرة فقد سلطها الله على صحيفة التحالف تلك، تلك الحشرة هي الأرضة - العثة - التي تتلف الورق والملابس فتجعلها غير صالحة للاستعمال فقد لحست كل ما كان مكتوبا فيها وأكلت ما في تلك الصحيفة من كلمات العهد والميثاق وما إلى ذلك ولم تترك سالما إلا الكلمات التي فيها ذكر الله، مثل باسمك اللهم الخ، وذكر ابن كثير في السيرة أن الوحي نزل على النبي ﷺ وأخبره بهذا، وذكر النبي ﷺ هذا لعمه أبى طالب، فقال أبو طالب لا والثواقب ما كذبني ابن أخى، ولما استوثق عمه من هذا خرج إلى قريش وطلب منهم الإتيان بالصحيفة وقراءتها أمام الناس، فإذا وجد فيها ما اتفق عليه قريش وحلفاؤهم صحيحا سلم لهم ابن أخيه ليقتلوه ففرحت قريش بهذا وظنوه انتصارا لهم ولآلهتهم ونتيجة من نتائج الحصار، وأنهم سيقتلون رسول الله ﷺ، فلما جاؤوا بالصحيفة وجدوها خالية من كل ما قالوه واتفقوا عليه، ولم يجدوا فيها إلا بعض كلمات أسماء الجلالة التي كانت كتبت في الصحيفة وهنا دهشوا وخابت مساعيهم، وذهب عنهم فرحهم وبطلت أعمالهم ومكائدهم، حين ذهب ما في الصحيفة من العهود والمواثيق التي تعاهدوا عليها، فبطل التزام من التزم وعهد من تعهد، وكان البعض ممن حضروا التعهد بما في الصحيفة قد أعجبهم هذا المحو
[ ٨٩ ]
للصحيفة فلما وجدوها خالية من كل تعهد والتزام وجدوا السبيل أمامهم سهلا للخروج مما كانوا تعهدوا به، فنقضوا ما كانوا تعهدوا به وأبرموه، وبهذا ظهر نصر الله لرسوله محمد ﷺ ولحزبه حزب الله فلم يلن لهم ولم يضعف، ولم يترك الدعوة إلى الله مقابل إشباع بطنه كما يفعل في وقتنا الحاضر من يدعون الإسلام، وهم يعملون على تحطيمه بما يأخذونه مقابل سكوتهم عن نصرة الحق والعقيدة والدين والدعوة إليه ولله در عزيز النفس الذي قال:
ولا ألين لغير الحق أسألهحتى تلين لضرس الماضغ الحجر
فالشاعر الحكيم قال: إنني لا أستجيب لأي إنسان طلب مني غير الحق ولا يجد في لينا وتساهلا لأجل طلبه إلا كما تليت الحجر لضرس الماضغ لها ومن المعروف أن الحجر لا تلين للمضغ، وهو تشبيه يدل على صلابة العود وقوة العقيدة التي تحلى بها هذا الشاعر فإنه لا يقبل التنازل ولا يميل ويلين إلا للحق.
اشتداد أذى المشركين للنبي ﷺ:
أصيب الرسول ﷺ بعد موت عمه أبى طالب وزوجته البارة خديجة بنت خويلد ﵂ بما لم يكن يصاب به لو كانا على قيد الحياة، فقد هلكا في عام واحد، والمدة بينهما قريبة، ولم
[ ٩٠ ]
يعرف بالضبط أيهما السابق في الوفاة لتعدد الأقوال، هل عمه قبل زوجته أو هي قبله، خلاف لا يتوقف عليه شيء، وكانا هما المشفقين عليه، ذلك عمه ومربيه وكافله من صغره، وهذه زوجه وناصرته ومعينته على تبليغ الدعوة والرسالة وأولى المؤمنات به من النساء عمه في الظاهر، وزوجه في الباطن كلاهما دفع عنه ظلم قريش فهو كافر به - كرسول - منكر لدعوته ولدينه، وهي مؤمنة به وبدينه وبدعوته، وقد نالت قريش من رسول الله ﷺ ما لم تكن تطمع فيه قبل موت عمه أبي طالب، وزوجه خديجة ﵂، فدخل بيته في يوم من الأيام والتراب فوق رأسه رمته عليه قريش، فقامت إحدى بناته تزيله عنه وتبكي، ورسول الله ﷺ يقول لها (لا تبكي يا بنية، فإن الله مانع أباك)، وكان يقول في بعض المناسبات، (ما نالت مني قريش شيئا أكرهه حتى مات عمي أبو طالب).
الرسول ﷺ وقبيلة ثقيف في الطائف:
خرج الرسول ﷺ إلى الطائف من أجل الدعوة إلى دين الله وكان هذا الخروج بعد موت عمه أبي طالب وزوجه البرة أم المؤمنين خديجة بنت خويلد ﵂، وقصد قبيلة (ثقيف) فصدها لعلها تنصره على خصوم الدعوة وتستجيب لدعوة الله فتفوز بالسبق إلى الدين الحنيف، وتنال ما يبقى لها ذكرا جميلا وذخرا طيبا، غير أنها أعرضت عن هذه
[ ٩١ ]
الدعوة المحمدية، وأقبلت على دعوة الشيطان، فسخرها إلى أن تكون في خدمة الأوثان أولى لها من أن تكون من جنود الرحمن، وقصد في ثقيف إخوة ثلاثة هم من عائلة مشهورة في القبيلة كان يظن أنهم يستجيبون له وينصرونه على من وقف في طريق تبليغ دعوة الله، ودعوة رسوله وذلك ما يكسبها الكرامة والسعادة في الدنيا والآخرة، ولكن (تجرى الرياح بما لا تشتهي السفن)، كما جاء في المثل العربي القديم وهؤلاء الإخوة الثلاثة هم عبد ياليل ومسعود، وحبيب بنو عمرو بن عمير، وهم سادة ثقيف وأشرافها، ولهم الكلمة المسموعة والنافذة في القبيلة فجلس إليهم وحدثهم عن السبب الذي جعله يقصدهم من أجله غير أنهم ردوا دعوته ردا غير مناسب للداعي ولا لمن أرسله بعد أن بين لهم أنه إنما قصدهم لينصروه على المعارضين له حتى يبلغ دعوة الله، فقال له أحدهم في رده لتلك الدعوة:
١) هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك - يريد هو يزيلها ويرمي بها كما يزال الشعر ويرمى به -
٢) وقال الآخر أما وجد الله أحدا أرسله غيرك؟
٣) وقال الثالث والله لا أكلمك أبدا لئن كنت رسولا من الله كما تقول لأنت أعظم خطرا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما يتبغي لي أن أكلمك.
[ ٩٢ ]
ولما لم تستجب إليه هذه القبيلة على لسان أشرافها رجع إلى مكة بدون نتيجة من ثقيف فلم يستجيبوا للدعوة بل أغروا به السفهاء منهم والعبيد والأوباش ومن لا خلاق له من الصبيان وغيرهم فسبوه وصاحوا عليه بأقوال السفهاء، والسفهاء لا يعرفون إلا السفهاء ومن لا خلاق لهم، فاجتمعوا عليه وجعلوا فيما بينهم صفين يرمي عليه بالحجارة كل صف منهما فإذا سلم من هذا الصف وحجارته، أصابته حجارة الصف المقابل فما خرج من بين الصفين إلا وقدماه الشريفتان تسيلان دما، وهما اللتان جعلهما الله لتبليغ الدعوة إلى الخلق، ولخدمة الإسلام والعقيدة والسير بهما في سبيل الله، فكل ما أصابه أو يصيب غيره من الدعاة إلى الحق والخير إنما هو من أجل الدعوة إلى الله والثبات عليها، وإرادة الخير لبني الإنسان.
وعند منصرفه من الطائف عائدا إلى مكة بعد أن رده أهلها ذلك الرد القبيح نزل في مكان وارتاح فيه، ثم توجه إلى ربه بدعاء له مغزاه، وتضرع إليه كي ينصر دينه وأنه لم يفرط فيما أمره به ربه ليبلغه للناس فقال (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين، وأنت ربي، إلى من تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني؟ أم إلى عدو ملكته أمري؟ إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر
[ ٩٣ ]
الدنيا والآخرة، من أن تنزل بي غضبك، أو تحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك) (عن ج ١ من سيرة ابن هشام ص ٤٢٠ - تاريخ الطبري ج ٢ ص ٣٤٥).
هذا هو دعاء الرسول المهموم والمغموم من رد أشراف قبيلة ثقيف دعوة الله ورسوله ردا لا يليق بالأشراف ولكنه الجهل وعبادة الأوثان وأثرهما في النفوس.
وثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ أنها حدثته فقالت قلت لرسول الله ﷺ، هل أتي عليك يوم كان أشد عليك من يوم أحد؟ قال ما لقيت من قومك كان أشد منه يوم العقبة إذ عرضت نفسي على ابن عبد يالليل بن عبد كلال فلم يجبني إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب - قرن الثعالب، قال القاضي عياض قرن المنازل وهو قرن الثعالب وهو مكان بين مكة والطائف وهو بسكون الراء - فرفعت رأسي فإذا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵇، فناداني فقال: إن الله قد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، وقد بعث لك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم، ثم ناداني ملك الجبال فسلم علي ثم قال: يا محمد قد بعثني الله إليك، إن الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال قد بعثني إليك ربك لتأمرني بما شئت، إن شئت نطبق عليهم الأخشبين
[ ٩٤ ]
- الأخشبان هما الجبلان اللذان تحت العقبة بمنى - فقال له رسول الله ﷺ: أرجو أ، يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله، لا يشرك به شيئا).
وفي رجوعه من الطائف إلى مكة بعد أن يئس من أهلها نزل بوادي «نخلة» فقام من جوف الليل يصلي فمر به نفر من الجن، وهو يصلي، قيل أنهم سبعة، فلما سمعوه يقرأ القرآن في صلاته رجعوا إلى قومهم مؤمنين بما سمعوا من كلام الله، ذلك ما أشارت إليه الآية الكريمة من قولي تعالى في سورة الأحقاف: (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن) إلى قوله تعالى: (في ضلال مبين) الآيات من ٢٩ إلى ٣٢ منها على ما ذكره علماء التفسير، إذ تكرر سماع الجن للقرآن من النبي ﷺ.
(وكل ميسر لما خلق له) فجميع ما نال الدعاة كان من أجل الدعوة إلى الله والثبات عليها، وإرادة الخير لبني الإنسان أينما كانوا.
ومن المحاولات التي قام بها مشركو قريش لصده عن الدعوة وتبليغ الدين إلى الناس تلك المحاولة التي قاموا بها، حين توجهوا إلى عمه أبى طالب طالبين منه أن يكون واسطة بينهم وبين ابن أخيه، بأن يترك الدعوة إلى دينه ويتخلى عن شتم آلهتهم - الباطلة - غير أنهم خابوا في محاولتهم هذه فقد حاول أبو طالب - في حياته بعد مساعي قريش الملحة - أن يصده عنها استجابة لرغبة
[ ٩٥ ]
قريش، ويتخلى عن الدعوة إلى الله ويترك الإساءة - في زعمهم - إلى أوثانهم وآلهتهم فأبى، وقال لعمه (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني، والقمر في يساري، على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله، أو أهلك فيه ما تركته).
هذا هو السبيل أو الخط الذي سار فيه الرسول ﷺ بالإسلام ودعوته وعقيدته، فلم يضعف ولم يترك الدعوة وصبر على أذى أعداء الله وأعداء دين الله الحق حتى نصره الله على الخرافيين عباد الأحجار والأشجار، وقد رسم هذا الخط بمواقفه الصلبة في وجه خصوم العقيدة والدين - رسمه لأتباعه ليسلكوا مسلكه، وليقتفوا آثره في مثل مواقفه تلك غير أن هؤلاء الأتباع تحولوا عن خطه ومنهاجه، فحل بهم البوار والضعف.
ومما زاد في قوة الإسلام - بعد ما لحق الرسول ما لحقه - وانتصاره على الخرافيين إسلام بعض الشخصيات القوية في مجتمعها ومحيطها ودخولها في الإسلام شخصيات لها وزنها وقيمتها في وسطها، مثل حمزة عم الرسول ﷺ «أسد الله» وعمر ابن الخطاب ﵄، فلما أسلما واتبعا الرسول وشاع خبر إسلامهما وانتشر في الأوساط الوثنية، خاف كفار قريش على شركهم وأوثانهم من الزوال بل وتيقنوا أن عهد الشرك قد ولى مدبرا، وصاروا
[ ٩٦ ]
يحسبون للإسلام والرسول حسابهما وتبدل ميزان القوة فرجحت كفة الإسلام، وخفت كفة الشرك والأوثان - وأوهنهم ذلك النصر المبين - وعندما خفت كفة الشرك والمشركين، وحق لميزان الكفر والضلال أن يخف، خف آذاهم لرسول الله ﷺ، وصار المسلمون بعد هذين الحدثين الهامين يعلنون إسلامهم جهارا وأمام المشركين، بعد أن كانوا يخفون شعائر دينهم حذرا من عدوان قريش عليهم، وذلك مثل الصلاة وتلاوة القرآن وغيرهما من التجمعات لفائدة الدعوة والتبليغ، فصار كل هذا، يقع أمام المشركين، فيزيدهم هذا غيظا وتحرقا وحنقا على الإسلام والمسلمين، وعجزا عن محاربته، والتعرض لأنصاره، وهذا من عوامل القوة، إذ الناس لا يلتفتون للحق إلا إذا كانت معه قوة تعزز جانبه، وإلا تكن له قوة فلا يخضع له أحد، إلا إذا كان من أهل الفكر والإدراك.
يأس كفار قريش من صده عن تبليغ دعوته:
حاولت قريش - كما مر - بكل ما تملكه من وسائل الترهيب والضغوط على أن تصد رسول الله ﷺ عن وجهته التي وجهه ربه إليها فلم تستطع، وباءت بالفشل والخسارة، ولما لم تحصل على شيء منه، حولت الطريق إلى ما ترى فيه أملا ونفعا لشركها وأوثانها، فاتخذت سبيل الترغيب بدل الترهيب، وشرعت تلوح له بما تشتهيه النفس الدنيئة لا الشريفة
[ ٩٧ ]
فإن النفس الشريفة، لا تترك مبدأها التي عرفت به وتتخلى عنه إلى شيء يعطل أو يمحو مبدأها ذاك، فقد ذكر كتاب السيرة النبوية أن مشركي قريش توجهوا إلى رسول الله ﷺ بعد أن لم ينجحوا في صده بالقوة، إلى وسيلة الترغيب والتلويح بما تشتهيه النفس الضعيفة التي لم تستكمل إيمانها بعد.
فقد لوحت له بالمال والملك والسيادة وغيرها حسبما جاء في مصادر السيرة النبوية الشريفة، إلا أن صاحب العقيدة الصحيحة الذي يؤمن بعقيدته وحقها في الظهور والدوام والبقام والسيادة، لا يتساهل فيها أو يقبل بالتخلي عنها أو أخذ الرشوة عنها فعقيدته لا تباع ولا تشترى بل ولا تقع فيها المساومة أبدا وبأي صفة كان ذلك، فقد ذكر ابنا هشام وكثير وغيرهما من أصحاب السيرة النبوية ما عرضه مشركو قريش على محمد ﷺ من المرغبات في مقابل التخلي عن دعوته، فرفض كل ذلك وتمسك بعقيدته في إباء وعزة وكرامة حتى لا يقال أن محمدا تنازل عن دعوته لفائدة أو لأخرى، وبهذا مهد الرسول ﷺ لدعاة أمته الطريق كي يجدوها ممهدة فيسيروا عليها إذ ما عليهم بعد مواقفه إلا أن يسلكوها مطمئنين ثابثين موقنين بالنجاح إذا أخلصوا في أعمالهم، غير خوارين ولا مذبذبين، اتباعا لسنة رسولهم محمد ﷺ
[ ٩٨ ]
ذكر ابن كثير في سيرته عن محمد بن كعب قال: حدثت أن عتبة بن ربيعة - وكان سيدا حليما في قومه - قال ذات يوم وهو جالس في نادى قريش ورسول الله صل الله عليه وسلم جالس وحده في المسجد، يا معشر قريش ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورا لعله يقبل بعضها فنعطيه إياها ويكف عنا؟؟ وذلك حين أسلم «حمزة» ورأوا أصحاب رسول الله يزيدون ويكثرون، فقالوا بلى يا أبا الوليد فقم إليه وكلمه.
فقام عتبة حتى جلس إلى رسول الله ﷺ فقال يا ابن أخي إنك منا حيث قد علمت من السطة - الشرف - في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم، فرقت يه جماعتهم، وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم وديتهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل بعضها.
قال فقال له رسول الله ﷺ يا أبا الوليد قل اسمع، قال أبو الوليد عتبة بن ربيعة لرسول الله ﷺ، يا ابن أخي إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا وإن كان هذا الذي
[ ٩٩ ]
يأتيك «رئيا» - جنا - تراه لا تستطيع رده عن نفسك طلبنا لك الطب، وبدلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه.
حتى إذا فرغ عتبة من عرضه ذاك قال له النبي ﷺ، أفرغت يا أبا الوليد؟ قال نعم قال اسمع مني قال أفعل (بسم الله الرحمن الرحيم حم تنزيل من الرحمن الرحيم كتاب فصلت آياته قرآنا عربيا لقوم يعلمون بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب فاعمل إننا عاملون) الآيات ١، ٢، ٣، ٤، ٥ من سورة فصلت فمضى رسول الله ﷺ يقرؤها، فلما سمع عتبة القراءة أنصت لها وألقى يديه خلقه أو خلف ظهره معتمدا عليهما ليسمع منه، حتى انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة فسجدها، ثم قال: سمعت يا أبا الوليد؟ قال سمعت، قال فأنت وذاك، ثم قام عتبة إلى أصحابه فقال بعضهم لبعض نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب به فلما جلسوا إليه قالوا، ما وراءك يا أبا الوليد؟ قال ورائي أني والله قد سمعت قولا ما سمعت مثله قط، والله ما هو بالشعر، ولا بالكهانة، يا معشر قريش أطيعوني واجعلوها لي، خلوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه واعتزلوه، فو الله ليكونن لقوله الذي سمعت نبأ، فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم، وإن يظهر على
[ ١٠٠ ]
العرب فملكه ملككم وعزه عزكم، وكنتم أسعد الناس به.
قالوا: سحرك محمد والله يا أبا الوليد بلسانه.
قال: هذا رأيي لكم فاصنعوا ما بدا لكم.
ونلاحظ من هذا أن لسماع القرآن - كلام الله - تأثيرا عجيبا في نفوس سامعيه ولو كانوا كفارا لا يؤمنون به وقد لمسنا هذا في الخبر السابق الذكر، وفي نفس عتبة ابن ربيعة وهو المشرك الجاهل، وقد ألجأه ما سمعه منه إلى أن يقول فيه ما قال وهذا من تذوقه لبلاغته وفصاحته وبعده عن كلام البشر وهو سر إعجازه، ومثل عتبة ابن ربيعة في هذا الاعتراف ببلاغة القرآن مثله مثل ذلكم المشرك العنيد، القوي بماله وجاهه «الوليد بن المغيرة» عدو الله ورسله، حيث اجتمع مع طائفة من كفار قريش - وكان هو رئيس الجلسة - للنظر والتشاور في أمر رسول الله ﷺ وأي موقف يقفونه تجاه رسول الله ﷺ، وموسم الحج قد قرب منهم، وما يقولونه للناس في أمر الرسول (ص)، وفي دعوته إلى الله وإلى الإسلام ولابد من صد الناس عنه وعن دعوته، وذلك لصرفهم عنه حتى لا يتأثروا بدعوته ولا بالقرآن عند سماعه، وحتى لا يدخلوا في الإسلام، وأدلى كل واحد عن المجتمعين برأيه وبما بدا له، والقوم يسمعون، وبعد ذلك يتفقون على قول واحد ورأي واحد
[ ١٠١ ]
يخرجون به من الاجتماع، وكون هو القول والرأي الذي يقال للحجاج، وبه يعودون إلى أهلهم وذويهم وشعوبهم فقائل قال نقول لهم إنه كاهن فرد عليه رئيس الجلسة «الوليد بن المغيرة» بقوله ما هو بكاهن، فقد سمعنا كلام الكهان فما هذا من ذاك، وقال أحدهم نقول إنه مجنون فرد عليه رئيس الجلسة بقوله ما هو بمجنون، قالوا نقول إنه شاعر، قال الرئيس لقد سمعنا الشعر وعرفناه، فما هذا بالشعر، وما هو بشاعر، قالوا نقول إنه ساحر فقال لهم عرفنا السحر وتأثيره، فما هو بساحر، ولما أعياهم البحث عن كلمة يقولونها للعرب في موسم الحج حتى لا يستجيبوا لدعوته، ولا يسمعوا منه القرآن خوفا من تأثيره في نفوسهم ولما لم يهتدوا إلى رأي يقع عليه الإجماع ويتفرقون عليه رجعوا إلى رئيس الجلسة وقالوا له - مستطلعين رأيه - فقال له القوم الذين هم معه في الجلسة فما تقول أنت يا عبد شمس؟ قال والله إن لقوله لحلاوة، ثم قال لهم، وما أنتم بقائلين فيه من هذا شيئا إلا عرف أنه باطل!!! وأن أقرب القول فيه لأن تقولوا هو ساحر جاء بقول هو سحر يفرق به بين المرء وأبيه وبين المرء وأخيه وبين المرء وزوجته وبين المرء وعشيرته، فتفرقوا عنه بهذا الرأي والقول، فجعلوا يجلسون بسبل الناس حتى قدموا في موسم الحج ليبلغوهم كلمة الجماعة، فلا يمر بهم أحد إلا حذروه منه وذكروا له أمره.
[ ١٠٢ ]
وهذا سبيل من سبل الدعاية، ولكن هل كان لها صدى في أوساط الحجاج؟ لا شيء من هذا وقع (وخسر هنالك المبطلون) وننظر الآن ما هو رد الفعل عن هذا الكذب والبهتان، من هذا الساعي في الأرض بالفساد والإلحاد، فقد أنزل الله فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، عقابا له من كذبه وافترائه على كلام الله، حيث أنزله لهداية البشر، كما أنزل فيه الأحكام والمواعظ والأخبار التي تفيد الإنسان في حياته كلها، وفي جميع الأطوار التي يمر بها هذا الإنسان الذي سيشقى إذا هو لم يعمل بالقرآن وبما جاء فيه، فقد جاء في حق هذا العدو لله وللرسول وللإسلام كما ذكره المفسرون، قوله تعالى: (ذرني ومن خلقت وحيدا وجعلت له مالا ممدودا وبنين شهودا) إلى قوله تعالى: (ثم أدبر واستكبر فقال إن هذا إلا سحر يؤثر إن هذا إلا قول البشر). سورة المدثر.
هذا هو تأثير القرآن في النفوس، وقصة تسلل البعض من كفار قريش - ليلا - منفردين إلى الاستماع لقراءة النبي ﷺ معروفة، فقد ذكر محمد بن مسلم بن هشام الزهري قال: حدثت أن أبا سفيان بن حرب وأبا جهل بن هشام، والأخنس ابن شريق خرج ثلاثتهم ليلا ليستمعوا إلى القرآن من رسول الله ﷺ، وهو يصلي من الليل في بيته، فأخذ كل رجل منهم مجلسا يستمع فيه، وكل واحد منهم لا يعلم بمكان صاحبه، فباتوا يستمعون إلى
[ ١٠٣ ]
الفجر، حتى إذا طلع الفجر تفرقوا، فجمعهم الطريق وتلاوموا، وقال بعضهم لبعض لا تعودوا، ولكنهم يعودون ليلا من غير أن يشعر الواحد منهم بصاحبه، وداوموا على هذا ثلاث ليال متتاليات، وذلك لتأثير القرآن في نفوسهم، فهم يخرجون ليلا خفية وبدون أن يعرف الواحد منهم ما يخفيه صاحبه، حتى لا يراهم عامة الناس والعبيد بالخصوص، وتعاهدوا في آخر الأمر فيما بينهم على الكتمان، حتى لا يفلت زمام الأمور من أيديهم وتضيع منهم القيادة نتيجة أعمالهم التي لم تكن مطابقة لأقوالهم ومواقفهم، فإن من يسمع القرآن يدخل قلبه، فيسلم من أجل تأثير القرآن في النفوس إذا سمعته سماعا خاليا من التعنت.
ومثل هذا ما سعى فيه المشركون عند أبي بكر الصديق ﵁ حين طلبوا منه أن لا يرفع صوته بقراءة القرآن في صلاة الليل، كي لا يقع القرآن في قلوبهم فيسرعوا إلى الإسلام بتأثير سماعهم لقراءة القرآن وكان أبو بكر رقيق القلب سريع التأثر والبكاء عند تلاوته للقرآن، ومشركو قريش لا يحبون سماع القرآن خوفا عن التأثر به والتأثير عليهم لهذا عملوا - بقوة - على منع المسلمين من رفع أصواتهم بالقرآن لذلك وفى هذه القصة ظهر ما قاوموا به القرآن حتى لا يتطرق إلى أسماع أبنائهم ونسائهم وعبيدهم، والقصة مذكورة في كتب السيرة، وهي من
[ ١٠٤ ]
نوع الحرب التي حاربوا بها الدعوة الإسلامية خوفا من انتشارها بينهم.
هذا أبو بكر الصديق ﵁، وهو من آمن بالله والرسول والإسلام، وجد من المشركين هذا بالرغم من قوة قبيلته «تيم» في وسط المشركين، ومن أجلها لم ينله كثير العذاب الذي نال إخوانه المؤمنين، ولما ضيقوا عليه الخناق من أجل إسلامه حاول الخروج من مكة والهجرة إلى الحبشة كما فعل ضعفاء الصحابة، وفي يوم من أيام تلك المحن التي أصابت المؤمنين خرج إلى الفضاء الواسع أين يجد حرية الدين والعبادة، وقصته مع ابن الدغنة (١) تبين ما أصابه.
فقد ذكر من كتب في السيرة أن أبا بكر الصديق ﵁ لحقه من الأذى ما ألجأه إلى الهجرة فرارا بدينه وعقيدته، فخرج مرة من مكة مهاجرا إلى الحبشة، كما هاجر إليها ضعفاء الصحابة من قبل، فلقيه رجل من أهل مكة، له مكانة واعتبار في وسط القوم المشركين يقال له «ابن الدغنة» فقال له أين تريد يا أبا بكر؟ فقال له أبو بكر أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، فقال له ابن الدغنة، مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يخرج، إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتعين على
_________________
(١) الدغنة بضم الدال والغين وفتح النون المشددة وككلمة وفيما غيرهما والأول أشهر.
[ ١٠٥ ]
نوائب الحق، إرجع في جواري، فأنا لك جار، واعبد ربك في بلدك، فرجع أبو بكر إلى مكة في جوار ابن الدغنة، وطاف ابن الدغنة عشية بين قريش وأعلمهم بأنه جار لأبي بكر، وأبو بكر هو الآن في جواري، يريد بهذا الإعلام أنه في حمايته، فلا يعتدي عليه أحد، والجوار عند العرب معناه أن المجير - ولا يكون إلا رجلا قويا مهابا عزيز الجانب، وبذلك لا يستطيع أحد أن يمس من أجاره بسوء، خوفا من قوة المجير - يحمي المجار من كل أذى قد يصيبه.
ولما أجار ابن الدغنة أبا بكر قال له المشركون: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا بذلك، ولا يستعلن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، ورضيت قريش بجوار ابن الدغنة لأبي بكر، فهي قد تعهدت بأن تكف أذاها عن أبي بكر لأنه في جوار ابن الدغنة، وابن الدغنة.
هذا اسمه ربيعة ابن فريع، نسب لأمه الدغنة. هذه أم المؤمنين السيدة عائشة بنت الصديق ﵂ تصف لنا هذا الجوار، قالت، لما أنفذت قريش جوار ابن الدغنة قالوا له مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، وليصل فيها ما شاء، وليقرأ ما شاء، ولا يؤذنا ولا يستعلن بالصلاة والقراءة في غير داره، ففعل أبو بكر رضي الله تعالى عنه هذا مدة، ثم بدا له فابتنى مسجدا بفناء داره، فكان يصلي فيه ويقرأ القرآن،
[ ١٠٦ ]
فتقصف - ازدحم - عليه نساء المشركين وأبناؤهم يتعجبون منه وينظرون إليه، وكان رجلا بكاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش، فأرسلوا إلى ابن الدغنة فقدم عليهم، وذكروا له ما فعل أبو بكر حيث لم يلتزم بما جاء في جوار ابن الدغنة له، فقال ابن الدغنة له يا أبا بكر قد علمت الذي عقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إلى جواري وذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في عقد رجل عقدت له (وخفر الجوار معناه نقض العهد وإبطاله من جانب واحد وهو الغدر في الذمة والحماية والجوار) فلما سمع أبو بكر من ابن الدغنة هذا ترك له جواره وحمايته والتجأ إلى الله يستجير به ويحتمي به ويلوذ بحماه، فقال له أبو بكر إني أرد إليك جوارك وأرضى بجوار الله ورسوله، ورسول الله ﷺ يومئذ بمكة.
إن ما أصاب رسول الله ﷺ والرعيل الأول من الصحابة شيء كبير لا يثبت له إلا أقوياء الإيمان فرسول الله ﷺ لا يفتر عن الدعوة إلى الله وتبليغ هذا الدين إلى من أرسل إليهم من لدن رب العالمين، وهو في عراك دائم ومستمر مع مشركي قريش، وبلا هوادة، ففي ذات يوم كان في عراك معهم وإذا بالصراخ يعلو بينهم، وعن أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵄ قالت: أتى الصراخ آل أبي بكر فقيل له: أدرك صاحبك، فخرج من عندنا
[ ١٠٧ ]
- وله غدائر (١) - فدخل المسجد وهو يقول (ويلكم أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم) فلهوا عن رسول الله ﷺ وأقبلوا على أبى بكر، قالت أسماء ﵂ فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا جاء معه وهو يقول (تباركت يا ذا الجلال والإكرام).
هذا نزر يسير مما أصاب الرسول ﷺ وصاحبه أبا بكر ﵁ من القوم المشركين ولا ننس أن الله حماهما من بطش مشركي قريش - كما تقدم - بحماية العم والقبيلة - تيم - ومع هذا فقد ذاقا من العذاب ما قرى عزمهما فلم يضعفا ولم يهنا كل هذا ليكون درسا عمليا للدعاة إلى الإسلام فلا يضعفوا أمام التهجمات على الإسلام والعقيدة من الجاهلين لهما، وقد عرفنا مبلغ تخوف المشركين على نسائهم وأبنائهم من سماع آيات القرآن تتلى وهم يسمعون، خشية أن يصل نوره إلى قلوب النساء والأبناء والعبيد.
ويذكرني موقف كفار قريش في العهد الجاهلي بموقف آو وقوف البعض من المشرفين (أو المسرفين) على تقديم برامج الإذاعة الجزائرية الصباحية، فإذا حان وقت إذاعة القرآن الكريم - على قلة وقت الحصة - بعد إذاعة موجز الأنباء في الساعة السادسة صباحا - طبعا - فإن المكلف يضع الصحن أو الشريط المسجل
_________________
(١) الغدائر جمع غديرة المظفور من شعر الرأس، وهي الذوائب.
[ ١٠٨ ]
عليه نصيب من القرآن فإذا شرع القارئ في التلاوة توجهت إليه القلوب والأفكار تتبع تلاوته وتتأمل بخشوع فيما تسمع وفجأة - وفي بعض الأيام يوقف المشرف على الإذاعة تلاوة القرآن، ويقول - من عنده - صدق الله العظيم، والمدة التي يسمح بها لإذاعة القرآن ربما لا تتجاوز الربع ساعة وأحيانا لا تصل العشر دقائق يفعل هذا ليفسح المجال للغناء السمج بعد الحديث الديني لوزارة الشؤون الدينية، فهل هذا المشرف أو المسرف من بقية، وهل هذا التصرف من ابتكاراته، أو هو مأمور به وما عليه إلا التنقيذ لا غير؟؟؟ أمر عجيب والله، ذلك ما يؤلم المؤمنين الذين يحبون الاستماع إلى القرآن كلام ربهم، وعلى كل حال وكيفما كان الأمر، فإنها - حقيقة - خيبة أو صدمة يتلقاها المؤمنون في الصباح الباكر من أيد لا يشعر حاملوها بتأثير كلام الله في نفوس سامعيه.
فعسى أن ينفعنا الله بما نسمع من كلام الله، أما كلام غيره من البشر فإن له بعض الآدمين وأشباههم تهفو قلوبهم وأسماعهم إليه وتهواه.
واعلموا أيها الناس أنكم في شعب مسلم
أكثريته تؤمن بالقرآن وتحب سماعه، فلا تحرموها من سماعه، ولله في خلقه شؤون.
[ ١٠٩ ]
- ٣ -