أول أولئك الأبطال إبراهيم خليل الرحمن ورسول الله إلى عباده بشريعة الإسلام شريعة التوحيد والإخلاص لله في كل الطاعات والعبادات، ونبذ الشرك وعبادة المخلوق كيفما كان هذا المخلوق، عبدا من عباد الله ملكا، أو شجرا أو حجرا، أو غير ذلك من الكواكب وغيرها، مما كان يعبد في الزمن القديم، واسم إبراهيم ينبئ بما في قلبه من معاني الشفقة والرحمة لذلك كان أهلا لاختيار الله له لتحمل عبء الرسالة ومواجهة المشركين بالدعوة إلى عبادة الله وحده في زمن كان ملكه وحاكم بلده طاغية من الطغاة ادعى الألوهية جهلا وغرورا بحقيقة نفسه ودعا الناس إلى عبادته فقيل إن كلمة إبراهيم (أب رحيم) في اللغة السريانية، (إحدى اللغات السامية) التي هي لغة قومه في ذلك الوقت أما لفظة الخليل فإنها مأخوذة من (الخلة) وهي المحبة الخالصة والصداقة الكاملة وبالطبع فهي خلة ومحبة لله لا لشيء آخر فهو قد صفا قلبه لله فأحبه الله وجعله خليلا له في هذا المقام العالي إذ الخلة منزلة عالية ودرجة رفيعة، لم ينلها في المرسلين غيره قال الله جل شأنه (واتخذ الله إبراهيم خليلا).
[ ٤٧ ]
لماذا لقب إبراهيم بالخليل؟
ذكر الإمام ابن قيم الجوزية في كتابه «الوابل الصيب من الكلم الطيب» فقال سمعت شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه يقول (أوحى الله إلى إبراهيم ﷺ: أتدري لم اتخذتك خليلا؟ قال: لا. قال: لأني رأيت العطاء أحب إليك من الأخذ). اه. وهذه صفة من صفات الخالق ﷻ فإنه يعطي ولا يعطى ويطعم ولا طعم وقيل إنما اتخذه ربه خليلا لإطعامه الطعام وإكرامه الضيفان ومن هذا ما ذكره الإمام السيوطي في «الدر المنثور» ونسبه إلى البيهقي في الشعب عن عبد الله بن عمرو ابن العاص قال قال رسول الله ﷺ لجبريل (يا جبريل لم اتخذ الله إبراهيم خليلا؟ قال: لإطعامه الطعام).
وكان ثناء الله على خليله إبراهيم ثناء يناسب مقامه عنده، جاء ذلك في كثير من الآيات القرآنية منها قوله تعالى: (إن إبراهيم لأواه حليم) وقوله تعالى: (إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا) وهذا مدح وثناء من الله على إبراهيم وقد علم الله أنه أهل لقيادة أمته والسير بها في طريق السلامة والنجاة، وهي طريق التوحيد الخالص فكان عليه أن يخلصها من رجس الوثنية وعبادة المخلوق وهو الدين الذي كان عليه أهل زمانه وأمته في عبادتهم لملكهم (نمروذ)
[ ٤٨ ]
إذ قد حمله الرسالة، وفيها الدعوة إلى توحيد الله في العبادة والطاعة، وفي هذا قال الله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن قال إني جاعلك للناس إماما قال ومن ذريتي قال ينال عهدي الظالمين).
وقد لاقى إبراهيم من قومه الوثنيين ما لاقاه غيره من الدعاة إلى الله وإلى إصلاح المجتمعات من الفساد وسوء الأخلاق والمعتقدات فلحقه اضطهاد وتعذيب من جبار زمانه «نمروذ» الشيء الكثير.
وكان هذا الجبار ادعى الألوهية بعد أن استحوذ على عقول بنى قومه بالقوة والجبروت حتى أخضعهم وطوعهم لسلطانه فأقروا له بالطاعة والألوهية - مرغمين - على أنه معبودهم ومالكهم وأرزاقهم بيده وكانت له مواقف مع رسول الله إبراهيم سواء قبل مبدأ الرسالة أو بعدها ومن لم يعترف لهذا الطاغية بهذه الألوهية ناله ما ناله من أنواع التعذيب والتنكيل الشديدين، إلا الخليل فإنه عصاه وسخر منه ومن دعوته الشيطانية ومن ادعائه الألوهية إذ هو من البشر الضعيف الذي لا حول له ولا طول، يجري عليه ما يجرى على أمثاله الضعفاء وليس له من القوة إلا ما لا مثاله من البشر، فلا يستطيع أن يدفع عنه بعوضة - وهي أضعف المخلوقات - من البعوض الذي سلطه الله عليه وعلى قومه فبعثه الرب القادر الخلاق العليم عليهم ليريهم مقدار ضعفهم وعجزهم العجز الذي لا شبيه له
[ ٤٩ ]
ولا نهاية في العجز بعده وقد أعطى الله إبراهيم من قوة الحجة والبرهان ما صير هذا الملك الإله أضحوكة وسخرية في بني قومه.
فقد وهب الله لخليله إبراهيم - من صغره - قوة الحجة العقلية وهو ما جعله يسخر من الأوثان وعبادها وعبادتها، وطاعة المخلوق للمخلوق، كيفما كان مركزه في المجتمع وقد علم أنه لا طاعة إلا للخالق الديان خالق كل موجود، ورب كل معبود من سائر المعبودات من دون الله زورا وبهتانا.
نشأ إبراهيم خليل الرحمن ﵊ في بيئة جاهلة إلى أقصى حدود الجهل فهي تعبد الأوثان والأصنام وتخضع لها وتفعل هذا مع ملكها أيضا وهم أهل (بابل) في العراق، وكان ملكهم المعبود (نمروذ) بن كنعان مستوليا عليهم وقايضا على ناصيتهم بيد من حديد إذ هو جبار شديد البطش بهم وحاكم فيهم بأمره وهواه، أمرهم بعبادته وطاعته والخضوع له، من غير أن ينازعه في هذا منازع، وذلك لما يقدمه لهم من وسائل العيش ومادته والراحة لهم وأرزاقهم كأنه هو الذي خلقها وأوجدها من العدم، حتى يمن عليهم بها، وهذا هو سبيل الطغاة والظالمين في كل زمان ومكان، وقد ظهر في هذه السنوات الأخيرة رئيس دولة في شمال إفريقيا يمن على شعبه بمواقفه السياسة في تحرير بلاده من قبضة الاستعمار، فقال لشعبه المقهور
[ ٥٠ ]
به وبطغيانه (أنا الذي خلقتكم، وجعلت لكم مقاما في العالم، وإلا فمن هم أنتم، وما هي قيمتكم لولاي؟؟ وماذا كنتم تساوون؟؟) وهذا من الغرور البشري النمروذي، وما درى هو نفسه أنه لولا شعبه أيده واستجاب لندائه وبذل الغالي والرخيص لما كان هو يساوى شيئا، ولما كان يجلس على كرسي الدولة والحكم؟ وهذا النوع موجود كما قلت في كل زمان ومكان وهو ناتج عن الغرور بالنفس أو الجهل بحقيقتها.
نعود إلى موقف خليل الرحمن إذ في ذلك الوسط المتعفن بالظلم والطغيان ولد إبراهيم ولحكمة يعلمها الله فقد طهر قلبه من عقيدة الشرك بالله لأنه أعده لحمل أعباء الرسالة ومحاربة الشرك والباطل والظلم والجهل، حتى لا يقال له إذا حان وقت تحمل الرسالة والأمر بمحاربة الشرك، أنت كنت تفعل هذا معنا وهذا الموقف وقع لكافة الرسل الكرام كرسولنا محمد صلى الله عليهم وسلم أجمعين ذلك أن الله سبق في علمه أنه سيبعثه رسولا إلى أمته، فلا تراه في صغره يعبد أوثانهم وآلهتهم الباطلة وملكهم الطاغية، فبصره الله من زمن حداثة سنه بما عليه قومه من الباطل لذلك كله توجه خليل الرحمن إلى تسفيه أحلامهم فعاب أصنامهم من صغره، وبين لعابديها عجزها وسخر منها.
وفي القرآن الكثير من هذا، من ذلك قوله تعالى «ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين (٥١»
[ ٥١ ]
إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون (٥٢) قالوا وجدنا آباءنا لها عابدين (٥٣) قال لقد كنتم أنتم وآباؤكم في ضلال مبين (٥٤) قالوا أجئتنا بالحق أم أنت من اللاعبين (٥٥) قال بل ربكم رب السموات والأرض الذي فطرهن وأنا على ذلكم من الشاهدين (٥٦» سورة الأنبياء.
فكان إبراهيم قوى الحجة - كما رأينا - وما سنرى مع أبيه وقومه ومع ملكهم أيضا، فأرانا القرآن كيف كانت حجته مع الملك حين حاجه بالدليل والإقناع لا بالقوة والظلم، كما فعل معه الملك، لما عجز عن الحجة، إذ أبهته إبراهيم وأعجزه عن الجواب العقلي المقنع، حين دعاه إليه ليريه قوته وجبروته وظلمه، فقال له من هذا الإله الذي تدعو الناس إليه وإلى عبادته؟ وهل تعرف ربا وإلها غيري هو أولى بالعبادة والطاعة والخضوع مني؟ فأجابه إبراهيم ﵇، بأن الإله الحق والمعبود بالصدق هو الله الواحد الأحد الذي لا إله للخلق غيره، ولا معبود سواه، هذا هو جواب إبراهيم ﵇ وهو جواب المؤمن الموحد، فهو غير خائف منه، لأنه مخلوق مثله، فادعاؤه الألوهية زور وبهتان فبين له عجزه وكذبه فيما ادعاه، نتأمل هذا في قوله ﷿ «ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه أن آتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر والله لا يهدي
[ ٥٢ ]
القوم الظالمين»، الآية ٢٥٨ من سورة البقرة. وشتان ما بين الحياتين أو الإحيائين فإحياء الله للأجساد منه فهو الذي خلق الحياة وأنشأ ها في الأجساد وإذا أراد سلبها منها سلبها منها بالموت، وحياة هذا المغرور أو إحياؤه للشخص صورية بحتة، فإنه يأمر بقتل هذا وإبقاء ذلك حيا فهو لم يخلق الموت والحياة إنما أمر فقط، فالمحيي والمميت في الحقيقة والواقع إنما هو الله، فبحياة الله التي خلقها في الشخص بقي حيا وبموت الله التي خلقها للشخص يموت فليس لهذا الجاهل قدرة على خلق أي شيء يسمى موتا أو حياتا، وكان إبراهيم حاضر الجواب المسكت والمبهت في آن واحد لهذا بهت هذا الملك الكافر واحتار في أمره وعجز عن الجواب الفعلي والعملي حيث طلب منه إبراهيم إظهار قوته إن كانت عنده قوة كما يدعي بالإتيان بالشمس من المغرب بعد غروبها عكس النظام الذي كانت تسير عليه بتدبير الله لها ولسائر الكواكب حيث كانت تطلع من المشرق فليحول هو طلوعها إلى المغرب، فعجز وانكشف أمره للناس واختفى غروره وأمثال هذا المخلوق المغرور كثيرون.
فإبراهيم ﵇ تارة يحاج أباه وتارة قومه وأخرى ملكهم الجبار، كل هذا ليظهر لهم ضلالهم وكفرهم وعجز معبوداتهم وتقليدهم لآبائهم بلا دليل لهم عليه إلا التقليد لهم
[ ٥٣ ]
فإبراهيم إمام الموحدين - ﵇، يحاج أباه وقومه ويريهم الدليل على وحدانية الله إذ هو الإله المعبود بالحق ويظهر لهم عجز معبوداتهم حين خوفوه بمعبوداتهم الباطلة والعاجزة عن أن تلحق الضر بأحد فقال حسبما ذكره الله في القرآن «وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون».
يا له من حجاج بليغ، وحجة دامغة يوجهها خليل الرحمن لقومه المشركين الجاهلين، فأظهر لهم أنه لا يخاف معبوداتهم العاجزة، لأنها لا تستطيع أن تحدث شيئا إلا ما أراده الله المعبود بالحق فهو وحده المستقل بالضر والنفع وكان الأجدر بالخوف أن يكون منهم لأنهم عصوا رب الناس الذي بيده كل شيء فهذا هو كلام المؤمن بالله الذي احتوى قلبه على عقيدة التوحيد القوية وهي التي تصير صاحبها ثابتا عليها لا يرهب أحدا ولا يداهن مخلوقا ولا يتملق عاجزا مثله ولا يخاف إلا ممن بيده أرواح البشر وأرزاقهم وهذا ما يجب أن يكون عليه المؤمن الموحد لربه، وإذا لم يكن هكذا كان كاذبا في دعواه الإيمان بالله وحده الذي لا شريك له.
[ ٥٤ ]
ذلكم هو إبراهيم خليل الرحمن ﵇ وقوة حجته مع خصوم التوحيد، فهو دائما يقيم لهم الدليل على وحدانية الله وأنه الإله الحق فلا يقبل الشركة في ألوهيته ولا في ربوبيته، وهذا إلهام رباني وتعليم إلهي له ليرشد به المشركين الضالين إلى أن المعبود واحد لا يسهو ولا ينام ولا يغيب عن معبوده فهو معه أينما كان حاضر في قلب معبوده ولنتأمل دعوته وحجته هذه، كيف تدرج بها وارتقى من درجة إلى أخرى، حتى أوقف المشركين على الصحيح من العقيدة والعبادة وهذا في قوله تعالى في سورة الأنعام (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين فلما جن عليه الليل رآى كوكبا قال هذا ربي فلما أفل قال لا أحب الآفلين (٧٦) فلما رآى القمر بازغا قال هذا ربي فلما آفل قال لئن لم يهدني ربي لأكونن من القوم الضالين (٧٧) فلما رآى الشمس بازغة قال هذا ربي هذا أكبر فلما أفلت قال يا قوم إني بريء مما تشركون (٧٨) إني وجهت وجهي للذي فطر السموات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩».
[ ٥٥ ]
خليل الرحمن يبحث عن المعبود بالحق:
توجه خليل الرحمن بفكره الصافي إلى البحث عن المعبود بالحق كي يحق له أن يعبده ويتوجه إليه في طلبه لقضاء ما قد يعسر عليه من شؤون حياته كما يرجوه لآخرته وليقيم الدليل للناس على ضلال ما هم عليه وبطلان عبادتهم لغيره تعالى وهو القادر على كل شيء فعبادة الإله القادر العالم الذي لا يخفى عليه شيء وإن دق، هي العبادة الصحيحة إذا كانت خالصة له وحده من كل إشراك لغيره معه، فهو وحده يعبد لأنه أحق بها من غيره، فهو لا ينام، ولا يغيب، ولا يتغير وهكذا تدرج بفكره وارتقى بعقله إلى أن وصل في بحثه إلى الغاية المطلوبة من العباد وهي الوصول إلى إدراك الحقيقة كي يبنوا عليها حياتهم هذا ما رأيناه في الآيات السابقة من سورة الأنعام وما نراه الآن في الآيات الآتية من سورة مريم ﵇ وذلك حين قال لأبيه حسبما نطق به القرآن (واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا «٤١» إذ قال لأبيه يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا «١٤٢» يا أبتي إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك
[ ٥٦ ]
فاتبعني أهدك صراطا سويا (٤٣) يا أبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (٤٤».
بهذا الأسلوب في المخاطبة، يواجه خليل الرحمن أباه في رقة عبارة ولطف خطاب فيه نوع من الاستعطاف بلا قسوة ولا غلظة وهو يعلم أنه على الحق وأن أباه وقومه على الباطل حتى إذا لم يستجب إليه أحد من قومه - بمن فيهم أبوه - تنصل منهم وتبرأ من أعمالهم العالقة للفطرة وتمسك بما وصل إليه تفكيره من توحيد الله وترك ما سواه كما قص علينا القرآن هذا حين شرح للمؤمنين موقف إبراهيم ومن كان معه من المؤمنين فقد تبرأوا من كل مشرك حتى من الوالدين وجاهروهم بالعداوة من أجل العقيدة الصحيحة وفي سبيلها حيث طلب منا القرآن التأسي والاقتداء بخليل الرحمن ومن كان معه من المؤمنين ونبذ الكافرين والعصاة وعدم الاهتمام بهم، ولو كانوا من أقرب الناس إلينا فليكن حبنا واحترامنا مبنيا على أساس ما توجبه علينا العقيدة الصحيحة بلا مجاملة ولا احترام، هذا ما جاء في قوله تعالى (قد كانت لكم إسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله، كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده) الآية ٤ من سورة الممتحنة.
[ ٥٧ ]
أما ما ابتلي به إبراهيم من أجل عقيدته فذلك مثل رائع، كاد يكون فريدا في بابه وذلك في قوة العقيدة التي تستجيب لأوامر ربها وتمتثل له ولما يطلبه منها خالقها وأي بلاء أو ابتلاء وامتحان أشد وأقسى من الأمر بذبح الولد الوحيد في زمنه فذلك حين أمره الله بذبح ولده «إسماعيل» الوحيد الذي رزقه وهو في العقد التاسع من عمره، ذلك ما جاء في قوله تعالى (فبشرناه بغلام حليم «١٠١» فلما بلغ معهم السعي قال يا بني إني أرى في المنام أني أذبحك فانظر ماذا ترى قال يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين «١٠٢» سورة والصافات.
فثبت إبراهيم ﵇ في هذا الامتحان، وخرج من هذه المحنة فائزا منتصرا لقوة عقيدته وطاعته لربه، واستمر خليل الرحمن على نهج الدعوة إلى الله فلم يفتر أو يضعف أو يرهب أحدا من خلق الله يدعو إلى الله في الطرقات والمشاهد والمجتمعات العامة والخاصة إلى أن أقض مضاجع المشركين وعلى رأسهم ملكهم (نمروذ) بجنده وقوته، ولما أعياهم أمره تآمروا على إعدامه وإراحة مجتمعهم المشرك منه ومن دعوته واتفقوا على إحراقه بالنار لما عجزوا عن محاربته ومحاجته بما يقبله العقل السليم، من البرهان والدليل وهذا السلاح كثيرا ما يلتجئ إليه الأقوياء بقوة الباطل، الذين تنقصهم الحجة والدليل، فيميلون إلى قلتهم، والقوة سلاح العاجز عن المجابهة والمقاومة
[ ٥٨ ]
بالحجة والدليل ومع هذا فلم تغنهم فتيلا ولم تنصر باطلهم على حق رسول الله إبراهيم فقد تبت الحق وانتصر بقوة الحق وانهزم الباطل وا ندحر بسلاح الباطل وحده.
خليل الرحمن يلقى في النار من أجل عقيدته:
فقد أجمع المشركون على قتل إبراهيم وإحراقه بالنار بعد أن جمعوا - من أجل هذا - حطبا كثيرا، وأوقدوا فيه النار وألقوا فيها خليل الرحمن غير أن الله نجاه منها ومن حرها وإحراقها، وأبطل كيدهم، وخيب مكرهم قال الله تعالى في ذلك (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (٦٨) قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠» سورة الأنبياء.
بهذا الأسلوب من القمع والزجر وإخفات صوت الحق والدعوة إلى الله، حاول هذا الطاغية وجماعته أن يقضوا على عقيدة التوحيد والدعوة إلى عبادة الله وحده وهذا شأن الظالمين في كل زمان ومكان من قديم الزمان إلى يومنا هذا، والناس يعيشون في عالم تغيرت فيه كل معالم القرون الوسطى، تلك القرون الغابرة التي ذهبت وتركت وراءها ذكريات سوداء تعود لنا منها - بين الحين والآخر - بعض الأمثلة من تلك الصور والوقائع التي كانت سائدة في تلك العصور التعسة، من خنق لأصوات الحق وقهر للعباد، وإذلالهم وجعلهم يومئون
[ ٥٩ ]
ويؤمنون - يقولون آمين - بكل ما يأمرهم به الطغاة والظلمة، ويصادقون عليه - بلا تصفيق - ولكن هيهات أن يصلوا إلى ما أرادوه هيهات!!! وفي الماضي عبرة بالغة لمن له قلب يعي ويدرك الأمور على حقيقتها فلا تفكروا في العودة إلى مثلها أيها الطغاة الظلة أينما كنتم.
فإن نمروذ إبراهيم وفرعون موسى - موجودان في كل وقت ولهم أشباه وأمثال من أمثال (النمرود وفرعون) - سعوا بكل قواهم كي يصدوا الناس عن اتباع أمثال ذينك الرسولين الكريمين على الله - وعن الدعوة إلى الله - ويجعلوهم طائعين لهم دون غيرهم فيما يبدو لهم ويحلو في ذوقهم ولو كان قبيحا ومرا في واقع الناس أجمعين - فلم يفلحوا - فكما لم يوفق الله الظالمين لنجاح مسعاهم وخيبهم في ذلك الزمان السحيق، فكذلك سيؤول أمر جباري هذا العصر إلى ما هو أتعس وأخيب من أولئك الغابرين.
إن الله لم يبلغ هذين الظالمين ما أراداه فثار الضعفاء في وجهيهما وأبوا عليهما دعوتهما الباطلة وردوها عليهما وذلك بقيادة هذين الرسولين فضربا المثل الصادق لكل حر يريد أن يحرر نفسه من سيطرة الطغاة القساة الظالمين، فإن النمروذ وقومه لما عجزوا عن محاجة إبراهيم بالحجة التي يقبلها العقل السليم لجأوا إلى القوة التي هي سلاح العاجز للتغلب على الخصم
[ ٦٠ ]
الذي غلبهم بقوة الحجة، التي يقبلها العقل ويرضاها حكما في النزاع فأجمعوا أمرهم على إحراقه بالنار والتخلص من دعوته التي أفسدت عليهم شركهم وأبطلت عليهم باطلهم غير أن الله الذي خلق إبراهيم ﵇ وهداه إلى الحق وطريق الرشاد في صغره وأرسله رسولا في كبره إلى عباده ليطهر قلوبهم من عقيدة الشرك والخرافات والبغي - كان في عونه على تبليغ دعوته ونصره على خصومه المشركين بمن فيهم ملكهم وغيره فأحبط مسعاهم وأفسد عملهم وأضل كيدهم فباؤوا بالخيبة والخسران ونجا رسوله وخليله إبراهيم ﵇ وخلد قصته في القرآن فبقيت تتلى على مدى الأزمان لتكون موعظة وعبرة للمغرورين أمثالهم ذلك كما قال تعالى في الآية السابقة الذكر من عزم القوم وملكهم على إحراقه بالنار للتخلص منه ومن دعوته كي يصفو لهم الميدان ويبقى لهم وحده حتى يعلو باطلهم على حق الله ودعوة رسوله كما تقدم في تصوير القرآن لحالهم في قول الله ﷿، جل شأنه وعظم سلطانه وغلبت قدرته كل مخلوق (قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين).
هكذا يلجأ الظالمون - دوما - إلى القوة والقهر وإخماد شعلة الحق وإطفاء نور الله لينصروا باطلهم على حق الله في زعمهم ولكن محال ما حاولوه فقد رد الله كيدهم إلى نحورهم وأفسد تدبيرهم حين أججوا له نارا عظيمة، جمعوا لها حطبا جزلا، وأكثروا
[ ٦١ ]
منه كأنهم يريدون شيء عشرات الجمال أو مئات الأبقار والثيران كل هذا الاستعداد العظيم من أجل رجل واحد وما دروا أن من ورائه قوة الله تحميه من كل سوء، ذكر جل المفسرين أن النمروذ بنى صرحا عظيما له خاصة ليراقب منه عملية إحراق النار لإبراهيم طول هذا ثمانون ذراعا وعرضه أربعون ذراعا من أجل أن يراقب عملية التحريق بحيث لا يصيبه حر النار العظيمة قال بن إسحاق (وجمعوا الحطب شهرا ثم أوقدوها واشتعلت واشتدت حتى أن كان الطائر ليمر يجنباتها فيحترق من شدة وهجها ثم قيدوا إبراهيم ووضعوه في المنجنيق مغلولا فلما أرادوا إلقاءه في النار ضجت السموات والأرض ومن فيهن من الملائكة وجميع المخلوقات إلا الثقلين - الإنس والجن - ضجة واحدة ربنا إبراهيم ليس في الأرض أحد يعبدك غيره يحرق بالنار فأذن لنا في نصرته، فقال لهم أنا وليه وأنا أعلم به، وروى أبي بن كعب ﵁ عن النبي صل الله عليه وسلم أنه قال (إن إبراهيم حين قيدوه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنث سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك). ثم رموه بالمنجنيق، من مكان شاسع، وروى البخاري عن ابن عباس ﵄ أنه قال (حسبنا الله ونعم الوكيل) قالها إبراهيم حين ألقي في النار، وقالها محمد حين قيل له: (إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيمانا وقالوا حسبنا الله ونعم
[ ٦٢ ]
الوكيل فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء) سورة آل عمران الآية ١٧٣ وقال ﵊ فيما رواه أبو هريرة ﵁ (لما ألقي إبراهيم في النار قال اللهم إنك في السماء واحد وأنا في الأرض واحد أعبدك) أخرجه الحافظ أبو يعلى.
وعن سعيد بن جبير أنه قال، حين ألقي إبراهيم في النار جعل ملك المطر يقول، متى أؤمر فأرسل المطر؟ فكان ر الله أسرع فقال (قلنا يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم).
وقال بعض السلف، جعل الله فيها بردا يدفع حرها وحرا يرفع بردها، فصارت سلاما عليه لا تؤذيه، وقال كعب وقتادة لم تحرق من إبراهيم إلا وثاقه، فأقام في النار مدة قيل أنها سبعة أيام وقيل أكثر لم يقدر أحد أن يقرب منها، ثم جاءوا إليها بعد خمودها فإذا هو قائم يصلي.
أما الظالم (نمرود) فإنه اتخذ صرحا عاليا - لينجو من حرها ولهيبها كما مر - وليشاهد من بعيد عملية الإلقاء والإحراق وليشفي غيظه من الداعي إلى الله، ترى ماذا كان بعد هذا الاستعداد العظيم من أجل تحريق واحد من البشر؟؟ حدث ما لم يكن في الحسبان، فقد حدث بعد كل هذه المحاولات الفاشلة أن الله أفسد عملهم وأبطل محاولتهم تحريقه بالنار لكي يبقى إبراهيم داعيا عباد الله إلى توحيد الله وعبادته وحده،
[ ٦٣ ]
وترك الشرك والضلال وعبادة المخلوق للمخلوق ومقارعة الحجة بالحجة لا بالقوة والاحتيال.
هذا وقد وردت روايات كثيرة عن كيفية إلقام إبراهيم ﵇ في النار التي أججت له بعد جمعهم لها الحطب الكثير ولما تأججت واشتعلت وعلا لهيبها إلى عنان السماء أتوا بالمنجنيق - وهو آلة حربية كانت تستعمل في الحروب للقذف يقذف بواسطتها ما يريدون قذفه إلى المدى البعيد - فوضعوه في كفة المنجنيق ورموا به في تلك النار بعد أن أوثقوه وربطوا يديه حتى لا يفر وهنا تدخلت العناية الربانية لإنقاذ خليل الرحمن من المحنة والهوان اللتين سلطتا عليه بسبب موقفه من الشرك والمشركين، فأمر أحكم الحاكمين إذ هو الحاكم المطاع الذي لا حاكم غيره بيده الأمر والنهي وله الطاعة المطلقة على كل مخلوق ما عدا البعض من بني آدم فإنهم تجبروا وعصوا خالقهم، فأخر عقوبتهم إلى حين، من عير أن يعجز عنهم أو يخرجوا من قبضته فكل شيء طوع أمره وإرادته - أمر الواحد القهار النار فقال (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) فكانت النار المطيعة لخالقها لذيذة على إبراهيم فلا هي بالحارة المحرقة ولا هي بالباردة المؤذية بل كانت، وسطا بينهما فسلب منها إحراقها وحرها وشدتها فكانت بين الحرارة والبرودة يستلذ بها إبراهيم - وهذا عكس ما أرادوه له - فلم تمسه بمكروه ولم تؤثر فيه بشيء ولو كان قليلا، إنما
[ ٦٤ ]
أحرقت فقط الحبل الذي كان موثقا به - الوثاق فأزالت عنه شدته فبقى في النار طليقا يتنعم فيها فقد جاءت عنه روايات تفيد أنه قال (ما تنعمت في حياتي مثل المدة التي قضيتها في النار) وفي رواية أخرى وقال المنهال بن عمرو قال إبراهيم (ما كنت أياما وليالي قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار).
ولما خمدت النار وسكن لهيبها وهمدت وهمد جمرها وجدوه على حالة من كان في نعيم لا في جحيم حتى أن النمرود اعترف له بحفظ الله له إذ روي أنه قال له نعم الإله إلهك يا إبراهيم، وفي بعض الروايات أن قائل هذه الجملة إنما هو أبوه.
وجاء في بعض كتب التفسير والحديث أن البعض من الحيوانات سعت برسائلها الخاصة لإطفاء النار عن إبراهيم إلا (سار أبرص) وهو الوزغ المعروف فإنه خالفها في سعيها وأخذ ينفخ في النار لتزداد اشتعالا على خليل الرحمن ولهذا أمر الرسول ﷺ بقتله أين وجد وسماه (فويسقا).
أخرج الأمام البخاري هذا ورواه عن الصحابية الجليلة (أم شريك) ﵂ قالت: (إن رسول الله ﷺ أمر بقتل الوزغ وقال: كان ينفخ النار على إبراهيم ﵇).
هكذا يكون الإيمان بالله وحده وبقدرته على كل شيء وقد قال الله وأوضح (ومن يتوكل على الله
[ ٦٥ ]
فهو حسبه) هذا هو التوكل على الله والاعتماد على قدرته القاهرة لكل مغرور فهو - وحده - الكافي لمن فوض أمره إليه والتجأ إلى حصنه المنيع فيجيء التوكل على الله والاعتماد عليه بالنصر على الخصوم والنجاة من أذاهم فقد فقدوا كل مكيدة كادوها لإبراهيم وأنجاه الله من كل ما أتوا به، لأن إبراهيم توكل على الله وعلى قدرته وحده (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).
ويروى أن خليل الرحمن إبراهيم ﵇ لما جعلوا يوثقونه قال (لا إله إلا أنت سبحانك لك الحمد ولك الملك لا شريك لك) وروى أن عمره كان إذ ذاك ست عشرة سنة، وقيل غير هذا، والله أعلم. وهذا نظرا لقوله تعالى: (قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم) الآية ٦٠ من سورة الأنبياء فهذه الآية جاءت بعد قوله تعالى: (ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين) الآية ٥١ من نفس السورة والفتى هو الشاب.
وكان تحطيم إبراهيم لأصنام قومه المشركين وقولهم: (من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين) كان هذا حين رجع القوم من الحفل الذي كانوا فيه، وهو الاحتفال بعيدهم الذي خرجوا إليه وطلبوا من إبراهيم أن يخرج معهم ويشاركهم فيه فأبى واعتذر ولم يخرج معهم وتخلف عنهم ليحطم أوثانهم التي أضلتهم وصرفتهم
[ ٦٦ ]
عبادتها عن عبادة الله وحده وعبادة الله وحده هي العبادة الواجبة عليهم وعلى غيرهم من الناس أما عبادة الأوثان فهي عبادة باطلة.
محاجته لقومه المشركين:
بذلك الإيمان القوي واجه إبراهيم الخليل ﵇ عداوة قومه وأهله المشركين، وواجههم بقوله أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين الذي خلقني فه يهديني والذي هو يطعمني ويسقين وإذا مرضت فهو يشفين والذي يميتني ثم يحيين والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين رب هب لي حكما وألحقني بالصالحين) سورة الشعراء من الآية ٧٥ إلى الآية ٨٣.
وتحمل منهم كل ما أصابه من عذاب وإهانة وتحريق وغيرها، وذلك كله في سبيل الله وفي سبيل عقيدة التوحيد، العقيدة الصحيحة التي لا ظلم فيها لأحد، ولم يصرفه عن دعوته ما رآه من قومه المشركين قساة القلوب وحتى من أبيه الذي كان يقسو عليه ويعامله بما لم يقع - عادة - من الوالد لولده من العطف والرحمة والشفقة، في حين توجهت إلى نصرته ملائكة الله وسائر مخلوقاته، وكل الحيوانات التي لا تعقل ما عدا الوزغ - الفويسقة - وقد أخبر الرسول ﷺ بعداوة الأقارب لرسل الله، فيما أخرجه ابن عساكر
[ ٦٧ ]
عن أبى الد، رداء ﵁ قال قال رسول الله ﷺ، (أزهد الناس في الأنبياء وأشدهم عليهم الأقربون).
قال سعيد بن جبير - وروى عن ابن عباس أيضا - لما ألقي إبراهيم في النار جعل خازن المطر يقول متى أؤمر بالمطر فأرسله؟ قال فكان أمر الله أسرع من أمره، قال الله تعالى (يا نار كوني بردا وسلاما على إبراهيم) وقد تقدم - قريبا - مثل هذا القول، وذكر الإمام السيوطي في الدر المنثور قول أبي إبراهيم حيث قال وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم عن أبي هريرة قال: إن أحسن شيء قاله أبو إبراهيم لما رفع عنه الطبق وهو في النار وجده يرشح جبينه، فقال عند ذلك (نعم الرب ربك يا إبراهيم) وقيل إن النمروذ قال له هذا كما مر هكذا كان الأمر، فنجاه الله من كيد المشركين، وحفظه من هذه الداهية العظيمة التي أصابته من أجل عقيدته عقيدة التوحيد، فوثق بالله ووعده، ولم يعبأ بكيد الكائدين وفي هذا قال الله تعالى: (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين)، أي المغلوبين الأسفلين، ورقع مقام خليله إبراهيم ﵇.
هذا هو الإيمان القوي الذي يجعل المؤمن لا يخاف المخلوق وقوته وجبروته وبطشه، ولا يخاف إلا الله، هكذا كان موقف إبراهيم فهو لم يخف إلا الله الذي أمره بتبليغ دينه وإظهاره بين خلقه ودعوة عباد الله إليه
[ ٦٨ ]
ولم يكترث بما أصابه ويصيبه في طريقه من عقبات وتهديدات ومحاولات، وقد قال الله رسوليه - موسى وأخيه هارون - حين أرسلهما إلى فرعون (إنني معكما أسمع وأرى). وقال لرسوله محمد ﷺ (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا) ذلك أن النصر من الله وقد وعد به عباده المؤمنين الثابتين على عقيدتهم الذين لم يغيروها ولم يبدلوها لإرضاء فلان الحاكم أو فلان الغني، فإن الحق أحق أن يتبع وقد نصر الله خليله ورسوله إبراهيم ﵇، وأبطل كيد القوم ومكرهم، والله جل شأنه، وعظم سلطانه، قال في أمثال هذه المواقف لتأييد أنصار دينه في كل زمان ومكان (ومكروا مكرا ومكرنا مكرا وهم لا يشعرون (٥٠) فانظر كيف كان عاقبة مكرهم إنا دمرناهم وقومهم أجمعين (٥١) سورة النمل وقال (إنهم يكيدون كيدا (١٥) وأكيد كيدا (١٦) فمهل الكافرين أمهلهم رويدا (١٧» سورة الطارق وقال (وأملي لهم إن كيدي متين) ١٨٣ من سورة الأعراف وقال ها هنا (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين) سورة الأنبياء الآية ٧٠ حيث أراد ملكهم نمروذ وأصحابه أن يمكروا بإبراهيم ويبطلوا دعوته إلى الله، فجعلهم الله هم الخاسرين في أعالهم ومحاولاتهم، وجعل خليله هو الرابح الذي خرج من هذا الامتحان والمعركة فائزا منتصرا ورد الله مكرهم في نحورهم حين سلط عليهم أضعف مخلوقاته وهو البعوض كما ذكره المفسرون.
[ ٦٩ ]
فقد ذكروا في تفسير الآية (ألم نر إلى الذي حاج إبرامم في ربه) الخ، تلك المناظرة أو المحاورة التي دارت بين خليل الرحمن من جهة، وبين الطاغية النمرود من جهة ثانية وبواسطتها ظهر عجز النمرود، وبهت أي احتار ولم يستطع أن يدفع حجة إبراهيم التي قامت عليه وأظهرت عجزه، فصار كأنه أخرس لا يستطيع أن يتكلم وهو الذي دام ملكه أربعمائة سنة إلى زمن إبراهيم فقط على ما ذكر وكان جبارا قويا، فساقه غروره بنفسه إلى أن أنكر وجود خالق كل شيء وهو الله رب العالمين وكان قابضا على أرزاق الناس - وبهذا تجبر - فكان يعطي الطعام لمن أقر له بالألوهية ويمنعه عمن لا يقر له بها فصادف ذات يوم أن جاء إبراهيم يمتار ويشتري الطعام لأهله فدخل على النمرود كما دخل عليه من جاء يمتار، وكان الملك سأل كل من جاء لأخذ الميرة - الطعام - فيقول له من إلهك؟ فمن قال أنت، أمر له بالميرة، ومن لم يقل هذا منع عنه الطعام، فجاء إبراهيم ودخل عليه للميرة كما دخل عليه الناس للغرض ذاته، فسأله النمروذ من هو ربك؟ فأجابه إبراهيم بما هو في عقيدته (ربي الذي يحيي ويميت) أي يخلق الموت كما يخلق الحياة فقال له هل هناك إله غيري؟ فقال له نعم هو الله، ولا إله غيره، وأنت عاجز، فأمر بمنعه من أخذ الطعام فعاد الناس إلى أهلهم بالطعام وهم الذين أقروا له بالألوهية وعاد إبراهيم إلى أهله بدون طعام، وبالغرارتين فارغتين، وبقلبه العامر
[ ٧٠ ]
بالإيمان بربه ولم يبع دينه وعقيدته بشيء من الطعام ليملأ بطنه ويعطل عقله، وذكر المفسرون أيضا أن إبراهيم لما كان في الطريق مر بكثيب رمل ففكر في أمر رجوعه بدون طعام، وماذا يقول لأهله وأولاده أمام جيرانه وهم يعودون بأحمال مثقلة بالطعام ويعود هو فارغ الغرارتين، فكر إبراهيم في هذا فملأ الغرارتين رملا من ذلك الكثيب ليعود يهما عامرتين - على أعين الناس - حتى يظهر للناس أنه عاد بالطعام ليفرح - أهله وأولاده - بهه كما يفرح جيرانه وأولادهم بما جاءوا به، ولما وصل إلى منزله وأناخ راحلته وأنزل الغرارتين تعب من السفر فنام، فقامت امرأته - سارة - إلى الغرارتين وفتحت إحداهما فوجدتها مملوءة بدقيق جيد ما رأت مثله جودة وبياضا، فصنعت منه طعاما وأيقظته من نومه ليأكل، فرآى طعاما جيدا فقال لها من أين جاءكم الطعام؟ فقالت له هذا من الدقيق الذي جئت به، فعلم أن الله هو الذي رزقه به، وأنه رزق ساقه الله إليه، فالله هو الرزاق وهو خير الرازقين (ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب).
جاء عن النبي ﷺ أن أحد الصحابة - واسمه عوف بن مالك الأشجعي - أسر العدو ولده وجزعت الأم فشكا إليه ما وقع، فأمره أن يكثر من قول لا حول ولا قوة إلا بالله هو وأمه مع التحلي بالصبر، ففعلا، وبينما العدو في غفلة قام الولد وفر من الأسر وساق غنم القوم أو إبلهم وجاء بها إلى والديه، فنزلت
[ ٧١ ]
الآية السابقة تصديقا لما قاله له رسول الله ﷺ فإبراهيم لما منعه النمروذ من الطعام، أعطاه الله طعاما أحسن من طعام النمروذ، يظهر الله لعباده عجز الناس وقدرته وأنه هو الرزاق لا سواه، وفى وقتنا هذا نرى أشباها للنمروذ في بعض الحكام يمنعون الوظيفة لطلب العيش عمن لا يوافقونهم على سياستهم التي يسوسون بها البلاد، فهم نمارذة هذا الزمان، وسيلقون ما لقيه سلفهم.
إن النمروذ أنكر وجود الله، وأنكر أن يكون ثم إله غيره، وأنه بيده رزق الناس، فمن أقر بألوهيته أعطاه ومن أنكرها منعه، كما أنكر هذا بعده (فرعون) وادعى جهلا وغرورا مثل ما ادعاه النمروذ قبله، وقال لمن حوله (ما علمت لكم من إله غيري) فكانت عاقبة هذين الطاغيتين الموت على أسوإ حالة من حالات الموت، ففرعون مات عريقا في البحر ولم تنفعه تلك القوة التي كان يدعيها، وبقيت وفاته عبرة لن جاؤوا بعده لو كانوا يعتبرون بدروس الماضي التي قضت على الجبابرة.
أما النمروذ فقد سلط الله عليه أضعف مخلوقاته وهو البعوض فقد سلطه الله عليه وعلى مصدر قوته وهو الجند فبعث الله عليهم شيئا عظيما من جنده - البعوض - كما ذكر المفسرون فأكل لحومهم وشرب دماؤهم وتركهم عظاما مجردة، أما طاغيتهم فقد دخلت واحدة فقط من ذلك البعوض - جند الله - منخره
[ ٧٢ ]
وتسربت إلى دماغه وبقيت فيه مدة من الزمن يتألم منها شديد الألم، ودام بقاؤها فيه حينا من الزمن الله أعلم به، وبعض المفسرين يقدرها بأربعين سنة، الله وحده أعلم بها، كل هذا زيادة له في العذاب وحرمته - بطنينها - نعمة التمتع بالحياة، وكان يحب من يضربه على رأسه لتسكن هي وليذوق هو شيئا من الراحة بسكونها وهذا أعز الناس عنده، وبقي على هذا الحال حتى هلك ومات.
هذه نهاية الجبابرة الطغاة في كل زمان ومكان تختم حياتهم بأسوإ حالات الموت ليكونوا عبرة وموعظة للغافلين عن قدرة الواحد القهار، فإنهم كانوا إذا أحسوا شيء من القدرة والقوة بتسلطهم على الضعفاء من خلق الله وخضع لهم هؤلاء الضعفاء غرتهم أنفسهم الدنيئة فظلموا عباد الله ونسوا الخالق العليم القوي، وظنوا أنهم بمنجاة من قبضته، حتى تحين ساعتهم التي قدرها لهم «إن الله يمهل ولا يهمل» فإذا جاءت ساعتهم لا ينفعهم جند ولا حصون ولا قوة مهما عظمت، ولا أحذق وأمهر أطباء العالم أجمع، ولو أحضروا معهم أحدث الأجهزة الطبية وأصناف الأدوية، فلا يرد ذلك ما قدره الله، قال الله تعالى «إن أجل الله إذا جاء لا يؤخر لو كنتم تعلمون» من الآية ٤ من سورة نوح ﵇، وقال «فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون» هكذا قال الله الخالق الرزاق الواحد القهار في القرآن
[ ٧٣ ]
فأين ذهبت عقول العباد؟؟؟ ولا حول ولا قوة تقف أمام قوة الله فالنمروذ مات ببعوضة وفرعون مات غرقا في البحر وفي هذين عبرة لمن كان له قلب يفكر ويفهم ولمن أراد أن يعتبر من العباد المغرورين - وما أكثرهم - كما هو درس بليغ وفصيح للناس أجمعين.
فالقوة والأمر والحكم لله وحده وهو رب العالمين.
[ ٧٤ ]
- ٢ -