هو من السابقين إلى الإسلام، ومن المستضعفين ومن أولئك السابقين الذين نالهم من مشركي قريش أذى كثير، وفتنة عمياء وبلاء عظيم لا يتحمله إلا أصحاب العقيدة الصحيحة المؤمنين بها، من أجل عقيدتهم، ومن الثابتين على الحق بالرغم من كل ذلك.
فهو «صيب» بن سنان بن مالك بن عبد عمرو، وهو من بني «النمر بن قاسط» وأمه سلمى بنت قعيد بن مهيص، وكنيته «أبو يحيى» كناه بها رسول الله ﷺ، فهو عربي الأصل، إذ هو من «الجزيرة» ومن أرض الشام، وقال من كتبوا عنه، وإنما قيل له الرومي، لأن الروم سبوه (اختطفوه) وهو صغير، فقد سبي من قرية «نينوى» من أعمال الموصل، وكان أبوه أو عمه عاملا لكسرى على «الأبلة» قال يا قوت الحموي في معجم البلدان (الأبلة بلد على شاطئ دجلة البصرة العظمى، وفي زاوية الخليج الذي يدخل إلى البصرة)، وبلدة الأبلة أقدم من البصرة - إذ البصرة بناها عتبة بن غزوان الصحابي المعروف - في خلافة عمر بن الخطاب رضي
[ ١٦٧ ]
الله عنهما - وكانت منازل آل صهيب على نهر دجلة من جهة الموصل، وقيل كانت مغازلهم بأرض الموصل في قرية على شط الفرات مما يلي الجزيرة والموصل وقيل كانوا على الفرات من أرض الجزيرة، فأغارت الروم عليها فأخذت صهيبا وهو طفل صغير، فنشأ بالروم، فصار ألكن، فباعته الروم إلى رجل من قبيلة «كلب» ثم قدم يه من اشتراه إلى مكة فاشتراه منه «عبد الله بن جدعان» القرسي التيمي وأعتقه، وأقام معه إلى أن هلك عبد الله بن جدعان، وبعث النبي ﷺ، فأراد الله له الكرامة، فمن عليه بنعمة الإسلام فأسلم.
وقال صهيب وولده: بل إنه هرب عن عند الروم لما كبر وعقل، فقدم مكة وحالف عبد الله بن جدعان وأقام معه إلى أن هلك - مات - ابن جدعان.
ولما بعث النبي ﷺ بالرسالة أسلم وكان من كبار السابقين والبدريين، وروى عنه أنه قال: (صحبت النبي ﷺ قبل أن يوحى إليه) وكان صهيب يعذب حتى لا يدري ما يقول.
إسلامه:
قال الواقدي: كان إسلام صهيب وعمار بن ياسر في يوم واحد - كما مر - وكان إسلامهما بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين في مكة، الذين عذبوا من أجل عقيدتهم واتباعهم رسول الله صلى الله
[ ١٦٨ ]
عليه وسلم، وقيل كان اسمه قبل أن يسبى (عميرة) فسماه الروم «صهيبا» لأنه كان شديد الصهوبة، تشوبها حمرة.
قال عمار بن ياسر - كما تقدم عنه - لقيت صهيب ابن سنان على باب دار الأرقم، ورسول الله ﷺ فيها، فقلت له: ما تريد؟ فقال لي: وما تريد أنت؟ فقلت: أردت الدخول إلى محمد ﷺ فأسمع كلامه، فقال: فأنا أريد ذلك، فدخلنا عليه، فعرض علينا الإسلام فأسلمنا، ثم مكثنا يومنا حتى أمسينا، ثم خرجنا مستخفين.
وقال ابن الأثير في كتابه (أسد الغابة في تمييز الصحابة) عند ترجمته لصهيب ﵁ مسندا ما ذكره إلى أبي زكرياء يزيد بن إياس ما يلي: وكان اشتراه - يقصد صهيبا - عبد الله بن جدعان من رجل من كلب (قبيلة) بمكة، وكانت كلب اشترته من الروم - وقيل بل هو فر من الروم - وأعتقه، وأسلم صهيب ورسول الله ﷺ في دار «الأرقم»، بعد بضعة وثلاثين رجلا، وكان من المستضعفين بمكة المعذبين في الله ﷿، وأسلم هو وعمار في يوم واحد، كما مر في كلمة عمار.
صهيب يشتري هجرته ونفسه بكل ما يكسبه:
حين عزم صهيب على الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة أسوة برسول الله ﷺ
[ ١٦٩ ]
وبمن هاجر من إخوانه صحابة رسول الله وكان هذا في منتصف شهر ربيع الأول، وكان هو وعلي بن أبي طالب من آخر من هاجر ورسول الله ﷺ، ما زال مقيما بقباء لم يرم - يفارق ويبرح - بعد.
وذكرت كتب السيرة: أن صهيبا لما خرج من مكة مهاجرا لحقه مشركو قريش وقالوا له: يا صهيب أتيتنا صعلوكا (١) حقيرا فكثر مالك عندنا، وبلغت ما بلغت، ثم تريد أن تخرج بمالك ونفسك، والله لا يكون ذلك، فقال لهم صهيب، أرأيتم إن جعلت لكم مالي أتخلون سبيلي؟ قالوا: نعم قال: فإني جعلت لكم مالي، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال: (ربح صهيب ربح صهيب) وفي مال صهيب الكثير، قال مصعب الزبيري: هرب صهيب من الروم ومعه مال كثير، فنزل مكة فعاقد عبد الله بن جدعان وحالفه وانتمى إليه.
وجاء في رواية أخرى فيها شيء من زيادة البيان والتوضيح عن موقف المشركين مع صهيب في قصة خروجه من مكة بنية الهجرة واللحاق بمن سبقه، جاء فيها، أن صهيبا حين خرج مهاجرا إلى المدينة تبعه نفر من المشركين، ولما رآهم مقبلين نحوه يريدونه وقف لهم ونتل كنانته (٢) - استخرج نبالها ونثرها أمامه -
_________________
(١) الصعلوك الفقير
(٢) الكنانة جعبة تجعل فيها النبال سواء كانت من جلد أو من غيره.
[ ١٧٠ ]
وقال لهم: يا معشر قريش تعلمون أني من أرماكم، والله لا تصلون إلي حتى أرميكم بكل سهم معي، ثم أضربكم بسيفي ما بقي بيدي منه شيء فإذا كنتم تريدون مالي دللتكم عليه، قالوا: فدلنا على مالك، ونخلي عنك، فتعاهدوا على ذلك، فدلهم عليه وتركوه، فلحق برسول الله صلى ألله عليه وسلم، فقال له الرسول ﷺ (ربح البيع أبا يحيى) فأنزل الله ﷿ في هذا قوله: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» (١).
وروى أصحاب السنن عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (السباق أربعة أنا سابق العرب، وصهيب سابق الروم، وسلمان سابق الفرس، وبلال سابق الحبشة).
وقد تقدم عن مجاهد أنه قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي ﷺ وأبو بكر، وبلال، وصهيب، وخباب، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، ﵃ اجمعين، فأما النبي ﷺ فمنعه الله من عذابهم بعمه أبى طالب، وأما أبو بكر الصديق فمنعه الله يقومه، لمكانتهم عند العرب، وأما الآخرون فأخذوا وألبسوا أدراع الحديد ثم صهروا في الشمس.
_________________
(١) سورة البقرة الآية ٢٠٧.
[ ١٧١ ]
فإلى هؤلاء المسلمين الضعفاء يرجع فضل نشر الإسلام وانتشاره، فقد تحملوا من أنواع العذاب الشيء الكثير، والسؤال الموجه منهم إلينا: هل استفدتم أيها المسلمون - بعدنا - من مواقفنا الصلبة التي لم تلن في جانب الله وعقيدة التوحيد لأي أحد مهما كانت قوته؟؟ وهل أخذتم عنا ما يكون لكم مادة قوية وذخيرة حية صالحة للتربية على أن تنهجوا في حياتكم نهج الحق والصلابة فيه؟ وعدم التساهل مع من يسعى لتوهين هذه العقيدة في قلوب المسلمين، هذه العقيدة التى هي عقيدة الحق، ولا عقيدة غيرها: (فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون)؟؟.
بعض الأحاديث التي رويت عنه:
أخرج الإمام مسلم والترمذي عن صهيب ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى: تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: ألا تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة؟ وتنجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئا أحب إليهم من النظر إلى ربهم).
وجاء في رواية أخرى أوردها كل من الإمام أحمد وابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه عن صهيب ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار نادى مناد: يا أهل الجنة: إن لكم عند الله موعدا
[ ١٧٢ ]
يريد أن ينجزكموه، فيقولون: وما هو؟ ألم يثقل موازيننا؟ ويبيض وجوهنا؟ ويدخلنا الجنة؟ وينجنا من النار؟ فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئا أحب إليهم من النظر إليه، ولا أقر لأعينهم) وجاء في بعض روايات الحديث المذكور أن ذلك هو (الزيادة) التي قال الله فيها: «للذين أحسنوا الحسنى وزيادة» سورة يونس.
وروى الترمذي بسنده إلى صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: (ما آمن بالقرآن من استحل محارمه) وقال الذهبي في كتابه «سير أعلام النبلاء» قال أبو زرعة: حدثنا يوسف بن عدي حدثنا يوسف ابن محمد بن يزيد بن صيفى عن أبيه عن جده عن صهيب قال: قال رسول الله ﷺ: (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب صهيبا حب الوالدة لولدها) كما ذكره ابن عبد البر في (الاستيعاب) في ترجمة صهيب.
وروى ابن عمر عن صهيب أنه قال: (مررت برسول الله ﷺ وهو يصلي فسلمت عليه فرد علي إشارة بإصبعه) ومن الأحاديث التي رواها صهيب قوله ﵊: (عجبا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرا له). أخرجه الإمامان: مسلم وأحمد.
[ ١٧٣ ]
وله نحو الثلاثين حديثا، روى له مسلم منها ثلاثة وروى عنه من الصحابة: عبد الله بن عمر، وجابر وغيرهم، ومن التابعين: كعب الأحبار، وعبد الرحمن ابن أبي ليلى، وأسلم مولى عمر، وسعيد بن المسيب وآخرون ويعد في المدنيين، وكان يقول - فيما نقل عنه -: هلموا نحدثكم عن مغازينا: فأما أن أقول: قال رسول الله فلا، فهو بهذا يتجنب رواية الحديث.
وكان فيه مع فضله وإيمانه وعلو درجته - مداعبة وحسن خلق، وروى عنه من هذا أنه حين قدم على رسول الله ﷺ في هجرته وهو بقباء قبل أن يتحول منها، ومعه أبو بكر، وعمر، وكان بين أيديهم رطب وتمر، وصهيب قد رمد، إذ أصابه الرمد وهو في طريقه إلى المدينة، كما أصابته مجاعة شديدة من قلة الزاد معه، ولما وجد الرطب والتمر أمامه وقع في الرطب يأكل أكل الجوعان، فقال عمر: يا رسول الله ألا ترى إلى صهيب يأكل الرطب وهو رمد؟ فقال رسول الله ﷺ له: (تأكل الرطب وأنت رمد؟) فقال له صهيب: إنما آكل على شق عيني الصحيحة، فضحك رسول الله ﷺ حتى بدت نواجذه، وقال صهيب: يا رسول الله ما تزودت إلا مدا من دقيق عجنته بالأبواء حتى قدمت عليك
[ ١٧٤ ]
وكان في لسانه عجمة شديدة، وهي ناتجة عن تربيته وطول إقامته في أرض الروم، لأنهم أخذوه من وسط قومه وهو طفل صغير كما مر ذكره آنفا، وروى زيد ابن أسلم - الذي كان ملازما لعمر - عن أبيه قال: خرجت مع عمر حتى دخل على صهيب حائطا له بالعالية، فلما رآه صهيب قال: يا ناس يا ناس، فقال عمر ما له - لا أبا له - يدعو بالناس، فقلت له: إنما يدعو غلاما له اسمه «يحنس» وإنما قال ذلك لعقدة في لسانه، فقال له عمر: ما فيك شيء أعيبه يا صهيب إلا ثلاث خصال لولاهن ما قدمت عليك أحدا: أراك تنتسب عربيا ولسانك أعجمي، وتكتنى بأبي يحيى اسم نبي وليس لك ولد، وتبذر مالك، فقال له صهيب: أما تبذير مالي فما أنفقه إلا في حقه، وأما اكتنائي بأبي يحيى فإن رسول الله ﷺ كناني بأبي يحيى، فلن أتركها، وأما انتمائي للعرب ولساني أعجمي فإن الروم سبتني صغيرا فأخذت لسانهم، وأنا رجل من النمر بن قاسط من الموصل ولو انفلقت عن روثة - بعرة - لانتسبت إليها.
وكان من حب عمر لصهيب ﵂، أن عمر كان حسن الظن في صهيب، وظهر هذا معه في عدة مناسبات، منها أنه حين طعن ﵁ أوصى أن يصلي عليه إذا مات صهيب، كما أوصى أن يصلي بجماعة المسلمين ثلاثا حي يتفق أهل الشورى على من سيخلف.
[ ١٧٥ ]
وذكر ابن سعد في طبقاته أن صهيبا قال لأبي بكر: وعدتني أن نصطحب - يعنى في الهجرة - فخرجت وتركتني، وقال هذا أيضا رسول الله ﷺ: وعدتني يا رسول الله أن تصاحبني، فانطلقت وتركتني فأخذتني قريش فحبسوني، فاشتريت نفسي وأهلي بمالي، فقال له رسول الله ﷺ (ربح البيع) فأنزل الله: «ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضات الله والله رؤوف بالعباد» سورة البقرة - الآية ٢٠٧.
نشاطه وخدمته للإسلام وسط المجموعة الإسلامية:
روى الحميدى والطبراني عن صهيب ومن طريق الستة أنه قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضرها، ولم يسير سرية إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامهم، ولا ما وراءهم إلا كنت وراءهم وما جعلت رسول الله ﷺ بيني وبين العدو قط حتى توفي، وكان صهيب حاضرا بدرا والمشاهد بعدها، ولم يتخلف عن رسول الله ﷺ في أي مشهد من المشاهد التي شهدها الرسول ﷺ.
[ ١٧٦ ]
قال ابن شهاب: وممن شهد بدرا مع رسول الله ﷺ من النمر بن قاسط صهيب بن سنان وفي كتاب البخاري عن محمد بن سيرين قال: كان صهيب من العرب من النمر بن قاسط.
كلمة حول عبد الله بن جدعان:
من يكون عبد الله بن جدعان هذا؟ معتق صهيب، والذي اشتراه من بعض قبيلة كلب، أو حليفه كما جاء في الرواية الأخرى.
هو عبد الله بن جدعان - بضم الجيم وسكون الدال - القرشي التميمي من مشاهير أجواد العرب وكرمائهم، كان يعيش في مكة المكرمة قبل الإسلام، وهو من أثرياء قريش وأغنيائهم، وكان رجلا كريما مضيافا يطعم الطعام، وكان يلقب بـ (حاسي الذهب) لأنه كان يشرب في إناء من ذهب، وفي سبب غناه أقوال ربما لا يحتملها العقل، وكان يطعم الناس الطعام، ويفعل المعروف مع من يعرف ومن لا يعرف، على عادة الأجواد والكرماء العرب، وكان ربما حضر النبي ﷺ طعامه قبل البعثة، وروى عنه ﷺ أنه قال: (شاهدت مأدبة في دار بن جدعان). وكانت له جفنة كبيرة، بلغت من كبرها وسعتها ما لا يتصوره العقل على ما رواه الرواة فيها وفي وصفها، فقد قالوا في وصفها ونعتها: أن القائم يأكل منها واقفا، وكذلك
[ ١٧٧ ]
الراكب على البعير من عرض حافتها، وكثرة طعامها لعظمها وسعتها، وقالوا أيضا، أنه سقط فيها صبي فغرق ومات فيها، وكان يملأها بلباب البريلبك - يخلط - بالشهد والسمن، على عادة العرب في كرمهم.
وجاء في غريب الحديث لابن قتيبة ج ١ ص ٤٠٠، وفي الفائق للزمخشري ج ٢ ص ٣٢، كما جاء في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ج ٣ ص ٤٣، أن رسول الله ﷺ (كان يستظل بظل جفنة عبد الله بن جدعان في الإسلام صكة عمي) وهي شدة الحر في الهاجرة، وعبد الله بن جدعان هذا ابن عم والد أبي بكر الصديق ﵁ - على ما ذكره الرواة، إذ هو تيمي، ولذا قالت عائشة ﵂ - من أجل تلك القرابة التي كانت بينه وبين أبيها - كما جاء في صحيح الإمام مسلم قالت: (يا رسول الله إن ابن جدعان كان يطعم الطعام، ويقري الضيف، ويفعل المعروف، فهل ينفعه ذلك يوم القيامة؟ فقال لها رسول الله ﷺ: لا، إنه لم يقل يوما: رب أغفر لي خطيئتي يوم الدين).
وكان لابن جدعان مناد ينادي لقصعته: (هلم إلي الفالوذ) وكان هذا في الجاهلية، وربما حضر طعامه رسول الله ﷺ
[ ١٧٨ ]
(نعم العبد صهيب لو لم يخف الله لم يعصه).
هذه الجملة سيقت مساق المدح والثناء على من قيلت فيه، فقد تناقلها الناس، وبحثوا هذا الأثر من الزمن القديم، واختلفوا في قائله، فمن قائل أنه حديث نبوي شريف، ومن قائل أنه غير حديث لكثرة البحث عنه ممن لهم عناية واهتمام بالحديث، فالكثير من العلماء يرون أنه من كلام عمر بن الخطاب ﵁، وقد علمنا مما تقدم أن عمر كان يحب صهيبا، وهذا ما جعله يقدمه على غيره في عدة مواضيع قال العجلوني في كتابه (كشف الخفاء) اشتهر في كلام الأصوليين وأصحاب المعاني وأهل العربية من حديث عمر، وبعضهم يرفعه إلى النبي ﷺ، وذكر البهاء السبكي: أنه لم يظفر به بعد البحث. وهذا الأثر يورده علماء العربية كثيرا كشاهد على عمل حرف «لو» الشرطية، كما يذكره علماء الأصول والمعاني، من غير تعرض لبقية استعمالاتها، إذ لاستعمال حرف «لو» خمسة أقسام.
١) أن تكون للعرض، نحو لو تنزل عندنا فتصيب خيرا.
٢) أن تستعمل للتقليل، كقوله ﵊ (تصدقوا ولو بتمرة، فإنها تسد من الجائع وتطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه ابن المبارك عن
[ ١٧٩ ]
عكرمة مرسلا والأثر الآخر: (تصدقوا ولو بظلف محرق).
٣) أن تكون للتمني، نحو لو تأتينا فتحدثنا بما يفيدنا.
٤) أن تكون مصدرية مثل أن، إلا أنها لا تنصب الفعل المضارع، نحو قوله تعالى: (ودوا لو تدهن فيدهنون) الإدهان: اللين والمجاملة للأعداء، أي تمنى المشركون منك يا محمد أن تلين لهم فتتنازل عن دينك فيقابلونك بالمثل.
٥) أن تكون شرطية مثل الواردة في الأثر السابق والمذكور أولا، وهي التي تحتاج إلى شرط وجوابه، ليتم بهما المراد من الجملة، ونحن نعلم أن «لو» الشرطية تحتاج إلى فعل الشرط وجوابه مثل بافي أدوات الشرط المعروفة، غير أنها لا تجزم الفعل المضارع كما تجزمه أدوات الشرط الجوازم، فاستمالها شرطية على قسمين.
١) امتناعية، وهي للتعليق في الماضي وهذا هو الكثير في استعمالها.
٢) امتناعية بمعنى «ان» وهي للتعليق في المستقبل وهذا قليل في استعمالها، وإلى هذا يشير ابن مالك في ألفيته حيث قال:
لو حرف شرط في مضي ويقلإيلاؤها مستقبلا لكن قبل
[ ١٨٠ ]
فاستعمالها في الجملة يدل على تعليق فعل على فعل فيما مضى، وهذا هو الأكثر في استعمالها فيلزم من تقدير حصول شرطها حصول جوابها، ويلزم كون شرطها محكوما بامتناعه في بعض استعمالاتها.
وقد تبارى علماء اللغة العربية في إطلاق تعريف شامل لـ «لو» الشرطية هذه، وهذه التعاريف لم تسلم من الاعتراض عليها، لما يطرأ عليها من النقص وعدم الشمول، وأسلمها - نوعا ما - تعريف إمام اللغة العربية «سيبويه» حيث قال في تعريفها: (هي حرف لما كان سيقع لوقوع غيره) ولم يسلم تعريفه هذا لها من أشكال أيضا، كل هذا مبسوط في محله من كتب النحو مثل «المغني» لابن هشام وغيره، وبعض النحويين يعرفها بقوله: (هي حرف امتناع لامتناع) وفساد هذا التعريف ظاهر.
ومما هو معلوم في مدلول الجملة التي دخلت عليها «لو» الشرطية أن لو الشرطية تجعل الجملة على خلاف ظاهرها، فإن كانت في سياق الإثبات دلت على أنها منفية وإن كانت في سياق النفي دلت على أنها مثبتة، أي على إثبات مدلول الجملة، ويوضح هذا قولك لولدك - مثلا - الذي لم ينجح في امتحانه: (لو اجتهدت في قراءتك لنجحت في امتحانك)، فهذه الجملة كانت في سياق الإثبات، فانقلبت بعمل «لو» إلى النفي، فيصير معناها لم تنجح في امتحانك لأنك لم تجتهد في قراءتك، فانتفى
[ ١٨١ ]
جواب لو وهو النجاح في الامتحان لانتفاء شرطها وهو الاجتهاد في القراءة، وهكذا العمل في الجملة المنفية، فإنها تفيد الإثبات، كأن تقول لولدك «لو لم تجتهد في قراءتك لم تنجح في امتحانك). ومعنى هذا أنك نجحت في امتحانك لأنك اجتهدت في قراءتك.
ومن هذا القبيل الأثر السابق المنقول عن عمر ﵁ وهو قوله: (نعم العبد صهيب، لو لم يخف الله لم يعصه) فإن الجملة كانت في سياق النفي فتفيد الإثبات، فـ «لو» في هذا الأثر لتقرير الجواب، وبناء على قاعدة، «لو» الشرطية يكون معنى الجملة أن صهيبا (خاف الله وعصاه) وهذا غير مراد للقائل، فيلزم على هذه القاعدة في الأثر المذكور ثبوت المعصية مع ثبوت الخوف من الله، وهذا عكس المراد منه، بل المراد لعمر أن صهيبا لا يعصي الله أبدا، سواء خافه أو لم يخفه، وأولى إذا خافه، فهو لا يعصيه ولو لم يخفه، والذي صيره لا يعصي ربه هو إجلاله وتعظيمه والحياء منه، والحب له والمهابة من عظمته، فترك صهيب معصية الله إنما كان لأمر خارج، وذلك لما طبع عليه من الطاعة والحب والمهابة لجلاله والحياء منه إذا وقف بين يديه يوم القيامة للحساب، فعدم معصيته له معلل بأمر خارج عن الخوف وعدمه، وذلك كالإجلال والتعظيم لله ﷻ هذا ملخص عمل «لو» الشرطية، في هذا الأثر المحفوظ. ومثل هذا الأثر الذي قاله عمر في صهيب، ما قاله العلماء فيما روي عن النبي ﷺ حين
[ ١٨٢ ]
عرض عليه الزواج بربيبته «درة» بنت أبي سلمة - أخيه من الرضاع - فقد جاء في كتب الحديث ما يلي: عرضت أم حبيبة بنت أبي سفيان - زوج النبي ﷺ - عليه أن يتزوج أختها فقال لها: (فإنها لا تحل لي) وهذا منه إشارة لقوله تعالى: «وأن تجمعوا بين الأختين». قالت أم حبيبة، فقلت له فوالله لقد أخبرت أنك تخطب بنت أبي سلمة، فقال (بنت أبي سلمة؟) قالت نعم قال: (فوالله لو لم تكن ربيبتي في حجري ما حلت لي، إنها لابنة أخي من الرضاعة، أرضعتني وأباها ثويبة، فلا تعرضن علي بناتكن ولا أخواتكن). قال رواه الحديث: متفق على صحته، وقال العلماء: أن حل بنت أبي سلمة منفي عنه صلى الله عليه ومسلم من جهتين اثنتين، أولا أنها ربيبته في حجره وهذا حرام بنص الآية، وثانيا أنها ابنة أخيه من الرضاعة، وهي عليه حرام بلفظ الحديث صراحة والقرآن ضمنا، إذ لو كان فيها مانع واحد لكفى في التحريم، فكيف إذا اجتمع فيها مانعان اثنان كما هنا مانع كونها ربيبته في حجره لقوله تعالى: «وربائبكم اللاتي في حجوركم» والمانع الثاني كونها ابنة أخيه من الرضاعة، لقوله ﵊ في الحديث الصحيح: (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب). فقد أرضعت «ثويبة» مولاة أبي لهب وأمته الرسول ﷺ مع أبي سلمة، فكان أبو سلمة أخا للنبي ﷺ، فلا يحل للمسلم الزواج
[ ١٨٣ ]
بابنة الأخ سواء من النسب أو من الرضاع، وكون أمها زوجته، فهي ربيبته تربت عنده وفي حجره، والرجل إذا تزوج امرأة حرمت عليه ابنتها من غيره، فهذا معنى اجتماع مانعين فيها وكما تقدم في الأثر السابق الوارد في صهيب، فمعصية صهيب لله تعالى منتفية من جهتي الخوف والإجلال والتعظيم لله تعالى والحياء منه.
وقد سقت هذا الأثر لبيان فضل هذا الصحابي الورع، وقد كنا درسناه في أيام الدراسة، أما الآن فقد تركت الآثار والقواعد العلمية التي تفتح الفكر للنقاش والحوار لفهم اللغة العربية، كما في ذلك رياضة للفكر وتدريب له على الكلام البليغ والفصيح لفطاحل علماء اللغة العربية، لغة كلام الله وكلام رسوله محمد ﷺ.
هذا وتوفي صهيب ﵁ بالمدينة سنة ثمان وثلاثين في شوال، وقيل سنة تسع وثلاثين، وهو ابن ثلاث وسبعين سنة، وقيل ابن سبعين، ودفن بالمدينة، وكان أصهب شديد الصهوبة تشوبها حمرة، لذلك سمي صهيبا، وكان ليس بالطويل ولا بالقصير وهو إلى القصر أقرب، كثير شعر الرأس، ﵀ ورضي عنه.
[ ١٨٤ ]
- ٨ -