قال ابن إسحاق﵀-: "وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله - ﷺ - رمى عن قوسه حتى اندقت سِيَتُها (*) فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، وأصيبت يومئذ عين قتادة بن النعمان، حتى وقعت على وجنته، فحدثتي عاصم بن عمر بن قتادة أن رسول الله - ﷺ - ردّها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدّهما (١) ". وهذا إسناد مرسل. وضعّفه الذهبي (٢). وأخرجه الحاكم من طريق الواقدي (٣)، وأخرجه البيهقي في (الدلائل) من طريق عاصم بن عمر بن قتادة عن أبيه عن قتادة بن النعمان (٤) وفي إسناده يحي الحمّاني، قال عنه في (التقريب): "حافظ، إلا أنهم اتهموه بسرقة الحديث (٥) " وعمر بن قتادة مقبول (٦)، واختُلف على الحماني فيه، ففي بعضها دون عمر بن قتادة، وأخرجه أيضًا أبو القاسم الأصبهاني في (دلائل النبوة (٧» من طريق عاصم بن عمر بن قتادة مرسلًا.
وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى الطبراني وقال: "وفيه من لم أعرفه". وفي موضع آخر عزاه إلى الطبراني وأبي يعلي، وقال: "وفي إسناد الطبراني من لم أعرفهم، وفي إسناد أبي يعلى يحي بن عبد الحميد الحماني، وهو ضعيف (٨) ".
_________________
(١) (*) السّية: المنعطف من طرفي القوس.
(٢) الروض الأنف (٥/ ٤٤٥).
(٣) تاريخ الإِسلام، المغازي، ص ١٩٤.
(٤) المستدرك ٣/ ٣٣٤ رقم (٥٢٨١).
(٥) دلائل النبوة (٣/ ٩٩ - ١٠٠).
(٦) تقريب التهذيب (٢/ ٣٥٢).
(٧) تقريب التهذيب (٢/ ٦٢).
(٨) دلائل النبوة (٣/ ١٠٣١)
(٩) مجمع الزوائد (٦/ ١١٣) و(٨/ ٢٩٨).
[ ١٢٠ ]
ونقل الألباني -﵀- كلام الهيثمي هذا ثم تعقبه بقوله: "لكنه عند أبي نعيم من طريقين آخرين فهو يتقوى بهما (٩) ".
وفي متن الخبر اختلاف، ففي رواية ابن إسحاق أن ذلك يوم بدر، وفي رواية البيهقي أنها يوم أحد، قال ابن عبد البر: وقيل يوم الخندق (١٠).
وقد أسهب في تخريج هذا الخبر بما لا مزيد عليه، الشيخ مساعد الراشد الحميد -وفقه الله- في تحقيقه لكتاب: (دلائل النبوة للأصبهاني) وبَيّن ضَعْف الحديث (١١). ويغني عن هذا الحديث الضعيف أحاديث عدة في آياته - ﷺ - في شفاء المرضى والمصابين -بإذن الله - منها: مَسحه - ﷺ - على رِجْل عبد الله بن عتيك - ﵁ - لمّا انكسرت ساقه في قصة قتل ابن أبي التحقيق اليهودي، وفيه، فقال لي: "ابسط رجلك فبسطت رجلي فمسحها، فكأنها لم اشتكها قط" رواه البخاري (١٢).
ومنها ما جرى لعلي - ﵁ - يوم خيبر، وكان يشتكي عينيه "فجئ به إلى رسول الله - ﷺ - لما سأل عنه فبصق في عينيه ودعا له فبرأ حتى كأن لم يكن به وجع". رواه البخاري (١٣)، ومسلم (١٤).
ومنها: ما جرى لسلمة بن الأكوع - ﵁ - حين أُصيبت ركبته يوم خيبر، قال: "فأتيتُ النبي - ﷺ - فنفث فيه (أي في موضع الإصابة) ثلاث نفثات، فما اشتكيت حتى الساعة " أخرجه البخاري (١٥).
_________________
(١) بداية السول، للعز بن عبد السلام، حاشية ص ٤٢.
(٢) الاستيعاب (٣/ ٢٣٨).
(٣) دلائل النبوة للأصبهاني (٣/ ١٠٣١).
(٤) كتاب المغازي، باب قتل أبي افع (٧/ ٣٤٠ - ٣٤١ فتح).
(٥) كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (٧/ ٤٧٦ فتح).
(٦) كتاب الفضائل، فضل علي - ﵁ - (١٥/ ١٧٦ نووى)
(٧) كتاب المغازي، باب غزوة خيبر (٧/ ٤٧٥ فتح).
[ ١٢١ ]
فائدة
تنبيه
فائدة: أخرج الحاكم في (المستدرك (١٦» وعنه البيهقي في (الدلائل (١٧» من طريق إبراهيم بن المنذر، قال: أخبرنا عبد العزيز بن عمران، قال: حدثني رفاعة بن رافع بن مالك قال: "لما كان يوم بدر. . رُميت بسهم، فَفُقئت عيني، فبصق فيها رسول إلله - ﷺ - ودعا لي فما آذاني منها شيء" وقال الحاكم بعد إخراجه: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه" وتعقبه الذهبي بقوله: "عبد العزيز (بن عمران) ضعّفوه". اهـ. وعزاه الهيثمي في (المجمع) إلى البزار والطبراني في الكبير والأوسط ثم قال: "وفيه عبد العزيز بن عمران وهو ضعيف (١٨) ". والقول بأن عبد العزيز ضعيف فيه تساهل، فالأئمة معظمهم على تركه (١٩)، ولذا قال الحافظ في (التقريب) متروك (٢٠).
والعجيب أن الحافظ ابن كثير -﵀- أورد هذا الحديث في تاريخه عن البيهقي ثم قال: "وهذا غريب من هذا الوجه، وإسناده جيد، ولم يخرجوه (٢١) وتعقّبه الأرناؤوط في حاشية الزاد بقوله: "وما ندري كيف يكون هذا الإسناد جيدًا، وفيه عبد العزيز بن عمران؟ (٢٢) ".
تنبيه: قال الشيخ عبد الرحمن الوكيل -﵀- في تعليقه على (الروض الأُنف) عند حديث السهيلي عن قصة قتادة الآنفة في ردّ عينه، قال ما نصه: "والله يختص برحمته من يشاء ولا أحد يُبرئ أحدًا. وتدبّر قوله سبحانه فيما يقصّ عن خليله إبراهيم ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: ٨٠] وتدبرّ كل آيات القرآن التي ذكر الله فيها آياته التي منّ بها على عيسى تجد فيها النص
_________________
(١) المستدرك (٢٣/ ٢٥٨).
(٢) دلائل النبوة (٣/ ١٠٠).
(٣) مجمع الزوائد (٦/ ٨٢).
(٤) انظر التهذيب (٦/ ٣٥١).
(٥) (١/ ٥١١).
(٦) البداية والنهاية (٣/ ٢٩١).
(٧) زاد المعاد (٣/ ١٨٧).
[ ١٢٢ ]
المؤكد على أنها بإذن الله وحده) اهـ (حاشية الروض الأنف ٦/ ٣٤). وكان الأليق به -﵀- أن يستشهد ببعض ما صحّ في هذا الباب، كقصة علي، وابن عتيك وسلمة - ﵃ -، ولا شك أنه بإذن الله. لأن كلامه (في تعليقه على الروض الأنف) يوهم نفي هذه الآيات، للرسول وقد سلك الشيخ الوكيل -﵀ وعفا عنه مسلكًا عقلانيًا أحيانًا في ردّ بعض الروايات الصحيحة في السيرة، وحاشا أن نتّهم الشيخ بأنه من أصحاب المنهج المعتزلي العقلاني، كيف؟ وهو ممّن تولى رئاسة جماعة أنصار السنة في مصر، وقد أحسن -﵀- وجزاه خيرًا في تعقبه على السُّهيلي في مخالفته -أحيانا- لمذهب أهل السنة والجماعة.
ومعلوم أن الشيخ عبد الرحمن الوكيل -﵀- نشأ صوفيًا مصدقًا بما يسميه الخرافيون بالكرامات عن شيوخهم، ثم فتح الله عليه وهداه إلى مذهب أهل السنة، وصنف بعدها كتابه القيّم (هذه هي الصوفية) ويبدو أن نشأته في وسط صوفي معطّل للعقل، ثم تحوله -بحمد الله- عن ذلك جعلته يغلو أحيانًا -كردة فعل، والله أعلم- في تغليب العقل على النقل، أذكر ذلك عذرًا ألتمسه للشيخ عبد الرحمن الوكيل -﵀-.
[ ١٢٣ ]