مع وجود المادة التاريخية التى أصبحت متاحة، يمكننا أن نخصص على الأقل جزا من هذا الكتاب لوصف الخلفية العربية لحياة محمد (﵊) . وعلى هذا، فان هذا الفصل له هدف محدد هو جذب الانتباه الى أهم سمات هذه الخلفية التى تساعد على فهم صحيح لسيرته وانجازاته.
ويعتمد هذا الفصل- الى درجة كبيرة- على أعمال المستشرقين والرحالة الاخرين، لهذا من المستحيل أن نقدم شكرا كاملا لمن نحن مدينون لهم (فهم كثيرون) .
اذا كنا نتحدث عن شبه الجزيرة العربية، فان ما يهمنا منها هو الجزء المحيط بمكة والمدينة- الذى يطلق عليه أرض الحجاز- وبادية نجد المجاورة لها.
١- الأسس الاقتصادية
أول ما يتبادر الى ذهن الغربى عند سماع كلمة شبة الجزيرة العربية هو الصحراء والبدو، لهذا فان الحديث عن اقتصاديات حياة الصحراء نقطة بداية مفيدة. وفى الواقع، لم تلعب الصحراء دورا خلاقا
[ ٤٩ ]
فى نشوء مفهوم التوحيد عند محمد (﵊)، ومع هذا فقد كان للصحراء الدور الأول فى ظاهرة الاسلام ككل. ومع ذلك، فقد كانت مكة والمدينة كجزيرتين فى بحر من الصحراء، أو على الأصح كمناطق سهوب، وكان لهما صلات اقتصادية وثيقة بالبدو وكان يسكنهما أحفاد للبدو لا زالوا يحتفظون بكثير من العادات التى اكتسبها أسلافهم من الحياة فى الصحراء، لهذا لا مفر من أن نولى الصحراء بعض الاهتمام.
تعتمد حياة البدو على تربية الأنعام، وبالذات الابل، وفى سهوب شبه الجزيرة العربية يمكننا أن نميز عدة أنواع من الأرض لا يهمنا منها الا نوعان، الأول هو تلك الأراضى التى تكون فى الصيف قاحله رملية، ولكنها فى الشتاء، بعد سقوط الأمطار- وهو الفصل الذى يسميه العرب الربيع*- يكتسى بنبات أخضر حلو المذاق وخاصة فى الوديان، مما يجعلها جنة للابل.. ثم هناك المناطق التى تنمو فيها الأشجار المعمرة والشجيرات- بشكل طبيعى- أغلبها عطرى الرائحة. ويفسر هذان النوعان من الأرض الحاجة الى حياة الهجرة، فبمجرد سقوط الأمطار (بالرغم من أنها غير منتظمة الى حد ما)، تصبح الأرض التى من النوع الأول أفضل مرعى للابل، ولكن عندما يضمحل هذا المرعى ويختفى بدخول الصيف، يصبح على البدو أن ينتقلوا الى الأرض التى من النوع الثانى، ويعتمد البدو عندما يكونون فى النوع الأول من الأرض على الابل فى الشراب والطعام، أما عندما يكونون فى النوع الثانى فهناك ابار، وان كانت تستخدم عادة لشرب الابل أكثر مما تستخدم للاستهلاك الادمى. وفى الحالتين يعتبر اللبن هو الوجبة الرئيسية للبدوى، بالاضافة الى التمر الذى يحصل عليه من الواحات. كما انه يأكل اللحم بين الحين والاخر، أما الحبوب فكانت ترفا مقصورا على الأغنياء والعظماء.
ويعتمد البدوى الى حد ما على الأراضى المأهولة بالسكان، ولا يرى فى السرقة أية جريمة، سواء كانت بالاغارة على واحة أو على قافلة،
_________________
(١) * الكاتب يقرب المعنى لقرائه الأوربيين لاختلاف الفصول عن أوربا.
[ ٥٠ ]
ولما كان البدوى عادة هو المقاتل الافضل فى المناوشات التى تحدث أثناء عمليات السطو هذه، فقد كان الزراع والتجار غالبا ما يلجأون الى احدى القبائل الصحراوية لحماية مساكنهم وأرضهم وقطعانهم ولتأمين قوافلهم فى مقابل مال يدفعونه لهم، وكانت هذه الأموال تمثل بالنسبة لكثير من البدو مصدرا منتظما للدخل، وهكذا كان فى مقدور البدوى أن يستمتاع ببعض منتجات الحضر.
وفى المنطقة التى تهمنا كانت هناك زراعة فى الواحات وبعض المناطق المرتفعه فى الجبال، وكان المحصول الاساسى فى الواحات هو التمر، فى حين كانت الحبوب المحصول الهام فى المناطق الجبليه مثل الطائف. وكانت يثرب (التى عرفت فيما بعد بالدينة) فى زمان محمد (﵊) واحة كبيرة ومزدهرة. وكان هناك عدد من المستعمرات الزراعية اليهودية مثل خيبر، بينما كان الحال فى مكة على العكس تماما، اذ كانت الزراعة هناك مستحيلة تماما، وهذه حقيقه يجب أن نتذكرها دائما. وكانت اليمن- وان كانت لا تدخل فى نطاق اهتمامنا الحالى- بلدا زراعيا خصبا تستخدم فيها وسائل الرى الاصطناعى من قديم الزمان، ومن المعتقد الان أنها الموطن الأصلى للساميين أو على الأقل «بلد المنشأ» و«أول موطن منفصل» «١» .
ومن المؤكد أن التراث العربى فى فترة ما قبل الاسلام قد تضمن الكثير من ذكريات الأرض الخصبة فى الجنوب. ولا شك أن هذه الصلة بالأرض الخصبة قد ساهمت فى الثقافة العربية فى زمان محمد (﵊)، ولكن لم تؤد دراسة هذا التأثير الى أى نتائج مؤكدة حتى الان.
كانت مكة، مسقط رأس محمد (﵊) وموطنه لنصف قرن، مدينة تجارية تقع فى وسط صخور قاحلة، وقد كان نمو مكة كمركز تجارى نتيجة وجود الحرم، أو المنطقة الحرام، حيث كان الناس يأتون اليها امنين من أى تحرش، كما كانت الظروف الجغرافية
_________________
(١) G.A.Barton،Samitic and Hamitic Origins ;٢٧١ (١)
[ ٥١ ]
أيضا فى صالحها، فقد كانت تقع فى ملتقى الطرق من اليمن الى الشام ومن الحبشه الى العراق، لهذا كان البدو ياتون الى مكه للحصول على البصائع التى كانت تأتى مع القوافل من أركان المعمورة الأربعة، وربما كان أهل مكة فى البداية مجرد وسطاء وتجار تجزئه ولم يكونوا المستوردين أو أصحاب العمل المنظمين للقوافل، ولكنهم فى نهاية القرن السادس الميلادى كانوا يتحكمون فى معظم التجارة بين اليمن والشام، وهو طريق هام كانت تمر به بضائع الترف الهندية الى الغرب وكذلك اللبان والبخور من جنوب شبه الجزيرة العربية. وكانت الطائف تنافس مكة فى التجارة، ولكن من الواضح أن موقف مكة كان هو الأقوى.
كانت مكة أكثر من مجرد مركز تجارى، فقد كانت مركزا ماليا، ولا يبدو أن أحدا من الدارسين على علم أكيد بالتفاصيل مثل لامانس، «١» Lammans ولكن من الواضح أن عمليات مالية على درجة لا بأس بها من التعقيد كانت تتم فى مكة، وكان زعماء مكة فى زمان محمد (﵊) رجال مال قبل كل شىء، مهرة فى ادارة شئون المال، ذوى دهاء، وكانوا مهتمين بأى مجال لاستثمار مربح لأموالهم من عدن الى غزة أو دمشق، ولم يكن أهل مكة واحدهم الذين وقعوا فى الشبكة المالية التى نسجوها، ولكن أيضا كثير من كبار رجال القبائل المحيطة بها.
وهكذا لم يظهر القران فى جو الصحراء بل فى جو اقتصادى مالى على درجة عالية من التعقيد.
بقيت نقطة أخرى، هل كان ظهور دين جديد فى الحجاز وانتشاره بعد ذلك بين العرب ثم انتقاله الى فارس والشام وشمال أفريقيا له ارتباط بأى تغير اقتصادى كبير؟ تقول احدى الاجابات ان الجفاف المتزايد فى البادية العربية وما أدى اليه من جوع كان الدافع الذى دفع العرب فى طريق الغزو، لندع الان جانبا وبصفة مؤقتة مسألة التغير الاقتصادى، ونكتفى بالقول بأنه ليس هناك دليل يوثق به على حدوث أى تدهور فى الظروف المناخية للبادية، وكانت الحياة فيها محتملة، فقد سمعنا عن
_________________
(١) انظر، Mecque: صفحة ١٣٥/ ٢٣١ وما بعدها- (المؤلف) .
[ ٥٢ ]
أتباع لمحمد (﵊) عادوا من الغزوات التى حدثت بعد وفاته خارج شبه الجزيرة العربية الى حياة الصحراء التى عشقوها.
والانطباع العام الذى نشعر به هو أن البدو لم يعودوا الى أسوأ ما كانوا عليه من قبل، بل بالعكس صاروا أفضل مما كانوا نظرا للمنافع التى حصلوا عليها نتيجة للرخاء المتزايد فى مكة. ثم بعد ذلك، مع الهجرة من شبه الجزيرة العربية فى فترة الفتوح، لا شك أن الضغط على موارد الطعام قد قل عن ذى قبل.
وكانت هناك صناعات محلية صغيرة فى الحجاز، وكان أغلبها لخدمة احتياجات البدو وسكان المدن، وان كنا قد سمعنا عن منتجات جلدية كانت تصدر من الطائف، ولكن من حيث منظور حياة محمد (﵊) ليس لها الأهمية التى تجعلنا ندرسها كعامل مستقل.
٢- السياسة المكية
كان هناك صراع دائم من أجل السلطة داخل هذا المجتمع التجارى فى مكة. وكانت المجموعات السياسية المشتركة فى هذا الصراع مرتبطة بدورها بعلاقات مع القبائل العربية التى تمر بها قوافل مكة، وكذلك مع القوى العظمى التى كانت هذه القوافل تنقل البضائع الى أسواقها.
بعض هذه الأمور معقد الى درجة كبيرة، ولكن نظرا لأن محمدا (﵊) كان منذ البداية رجل دولة الى حد كبير، فمن الضرورى دراسة النقط الأساسية على الأقل.
(أ) المجموعات السياسية فى قريش
تعطى المصادر العربية الكثير من المعلومات عن الأسر والحزازات القبلية والتحالفات داخل قريش.
[ ٥٣ ]
وقد بالغ بعض النقاد الغربيين فى التأكيد على الجانب الاسطورى لهذه القصص، وركزوا بشكل مبالغ فيه على مناقشة ما اذا كانت الشخصيات المذكورة فى هذه المصادر أفرادا حقيقيين أم مجرد تجسيد للقبائل. وربما كانت هناك حقائق تاريخية أكثر مما ذكر فى هذا النقد المتطرف، ولكننا لا نعتزم أن نلمس هذا الموضوع الصعب هنا اذ انه يحول انتباهنا عن الحقيقة الهامة، وهى أن هذه القصص تبين لنا كيف كانت قريش تدرك العلاقات بين الأسر والعشائر فى زمان محمد (﵊)، وربما تكون بعض جوانب الموضوع قد حدث فيها تعديل نتيجة للأحداث التى وقعت فيما بعد، مثل العداء بين العباسيين والأمويين الذى ربما يكون قد أثر على ما روى عن العلاقات بين بنى هاشم وبنى أمية. ولكننا نستطيع أن نثق فى الصورة بصفة عامة.
وقدسية مكة قديمة جدا، فبعد أن حكمتها قبيلة جرهم لفترة طويلة، انتقل أمرها الى قبيلة خزاعة التى ارتبط بها بنو بكر بن عبد مناة بن كنانة، واحتفظت الأسر القديمة ببعض الامتيازات التى ربما كان لها سمة مقدسة مثل الاجازة، Ijazah التى ظلت فى يد بنى صوفه، Sufah ثم انتقلت السلطة من خزاعة وحلفائها الى قصى الذى استمد قوته فى جانب منها من حلفاء من بنى كنانة وقضاعة، وفى جانب اخر من توحيده لجماعات قريش المختلفة التى كانت حتى ذلك الوقت متفرقة وغير مؤثرة. وربما كان قصى المؤسس لمكة بعد أن كانت مجرد مخيم حول الحرم*.
كذلك ربما كان قصى هو الذى ميز بين قريش البطاح (أولئك الذين يعيشون حول الكعبة مباشرة) وقريش الظواهر (وهم الذين يعيشون فى الضواحى)، ولا شك أن هذا التمييز موجود، ومن الطبيعى أن يفترض أنه يعود الى الرجل الذى خصص الأحياء فى بداية بناء مكة.
وتنتمى سلالة قصى بأكملها وكذلك سلالة جده العظيم كعب الى قريش
_________________
(١) * ابن هشام ج ١، ص ٧٨.
[ ٥٤ ]
البطاح. وبين الجدول فى الصفحه ٧* التفاصيل طبقا لقائمتين للمسعودى.
وقد كانت هناك تقسيمات أكثر تفصيلا لقريش البطاح، ففى البداية خلف عبد الدار قصيا فى زعامته، ولكن مع الزمن تحدت عائلة ابن عبد مناف ممثله فى ابنه عبد شمس عائله عبد الدار بزعامة أحد أحفاده. وهكذا انقسمت مكة الى معسكرين متعاديين، وانضم الى عبد مناف بنو أسد وبنو زهرة وتيم والحارث بن فهر، بينما انحاز الى بنى عبد الدار قبائل مخزوم وسهم وجمح وعدى. بينما ذكرت الروايات ان بنى عامر بن لؤى ومحارب وهما من قريش الظواهر اعتزلا الفريقين. وعرف بنو عبد مناف وأحلافهم بالمطيبين، وعرف بنو عبد الدار ومن معهم بالأحلاف.
ويلاحظ أن التحالفات لم تتبع تماما الخطوط العائلية، فقد انقسمت عائلة قصى الى فريقين، عبد الدار فى مواجهة عبد العزى (أسد) وعبد مناف.
كما كان باقى مرة فى مواجهة مخزوم. (وهذه حجة ضد القول بأن الصلات الأسرية هلى المبرر للأحداث التى حدثت فيما بعد) وكاد الخلاف يؤدى الى قتال، ولكن أمكن التوصل الى حل وسط احتفظ بمقتضاء بنو عبد الدار ببعض الامتيازات الاسمية الى درجة كبيرة، بينما أعطى بنو عبد مناف أسباب السلطة، وقد تحقق الطرفان من حجم المكاسب التى سيحصلون عليها اذا اتفقا، وحجم الخسائر التى ستصيبهم اذا اختلفا.
قد يعتبر حلف الفضول تطويرا لحلف المطيبين وليس حلفا ضد الظلم كما ينظر اليه كيتانى، Caetani ويقول المسعودى انه- أى حلف الفضول- كان نتيجة محاولة لمساعدة يمنى على استرداد دين له عند العاص بن وائل من بنى سهم، وكان المشاركون فى الحلف عشائر هاشم والمطلب وأسد وزهرة وتيم وربما الحارث بن فهر**، أى المطيبين بدون بنى عبد شمس وبنى نوفل. ثم نشب الخلاف بين نوفل
_________________
(١) * من النص الانجليزى، ص ٥٦ من هذه الترجمة. ** ابن هشام، ٨٥- ٨٧.
[ ٥٥ ]
وعبد المطلب بن هاشم وساند بنو المطلب عبد المطلب بن هاشم، وهكذا نمت قوة بنى عبد شمس ونوفل الى الدرجة التى جعلتهم فى غنى عن حلفائهم (المطيبين)، فى حين رحب بنو هاشم والمطلب، الذين كانت قوتهم فى اضمحلال، بوجود حلفاء لهم.
وتؤكد الرواية التى رواها ابن اسحق عن دعوة بنى هاشم والمطلب بعد ذلك الى حلف الفضول هذا التفسير. وفى خلافة معاوية، قام نزاع بين والى المدينة الوليد وهو ابن اخى معاوية وبين الحسين بن على حول بعض أملاكه، وأنهى الوليد هذا الخلاف لصالحه، واعترض الحسين وقال انه يلجأ الى حلف الفضول، فتلقى عروضا بالمساعدة من عبد الله بن الزبير (أسد) والمسور (زهرة) وعبد الرحمن بن عثمان (تيم)، ولم يستطع الوليد مواجهة هذا التهديد باحياء حلف قديم، حيث كان الرجال الذين ذكرناهم من بنى هاشم وأسد وزهرة وتيم على الترتيب، فلم يكن أمامه الا أن يتراجع. وفى زمن لاحق، دل حوار دار بين الخليفة عبد الملك (من بنى أمية أو عبد شمس) ورجل من بنى نوفل على أن هاتين العشيرتين كانتا قد خرجتا من الحلف منذ زمن بعيد، هذا ان كانتا قد دخلتا فيه أصلا.
وفى زمان بعثة محمد (﵊)، كان من الواضح أنه قد حدثت تغيرات فى الاتجاهات السياسية، ولكن من الصعب أن نقول- على الأقل فى المراحل التالية- الى اى مدى كانت هذه التغيرات بعيدة عن تأثير الاسلام والى أى مدى كانت من نتائجه. والموقف الذى أراه يتلخص فيما يلى:
المجموعة أهى حلف الفضول القديم بدون بنى أسد وباضافة بنى عدى، وقد يكون لهذا التغير علاقة ما بدخول عمر بن الخطاب فى الاسلام، ولكن الاحتمال الأقرب أن يكون نتيجة للتحالف بين عبد شمس والمجموعة ج، وذلك للعداء المرير الذى نشب بين بنى عدى وبنى عبد شمس، وبالطبع كانت هناك عوامل اقتصادية. وكان انضمام المجموعة ب للمجموعة ج لعدة أسباب، فمن الواضح أن العلاقات بين
[ ٥٦ ]
المجموعة االمجموعة ب المجموعة ج
هاشم عبد شمس مخزوم
المطلب- سهم
زهرة نوفل جمح
تيم أسد عبد الدار
الحارث بن فهر عامر-
عدى--
بنى عبد شمس والمجموعة ج كانت وثيقة، ولا شك أن ذلك كان بسبب المصالح التجارية المشتركة، أما المجموعة ج فهى مجموعة الأحلاف القديمة بدون بنى عدى.
الأدلة الرئيسية التى تؤكد افتراض هذا التقسيم للعشائر هى:
١- كان زعماء جيش المشركين فى غزوة بدر من المجموعتين ب وج باستثناء العباس (من بنى هاشم)، وحتى أمر هذا مشكوك فيه، اذ ربما يكون اسمه قد أضيف فيما بعد لاكساب ذريته مجدا*، وقد روى أن أفراد عشيرة طالب بن أبى طالب قد انسحبوا من المعركة. ومن ناحية أخرى نرى أن بنى زهرة وبنى عدى لم يشتركوا فى هذه المعركة، كما كان المشاركون فيها من أعضاء المجموعة (أ) قليلين.
_________________
(١) * لا أرى أى مجد يشرف ذرية العباس عم الرسول ﵊ من اشتراك أبيهم العباس فى معركة بدر فى صفوف المشركين وهم أبناء عم الرسول، كما ثبت فى الحديث الصحيح أن رسول الله ﷺ نهى المسلمين يوم بدر عن قتل عمه، كما أنه أعلن اسلامه بعد ذلك وخرجت منه ذرية مسلمة منهم عبد الله ابنه الملقب بحبر الأمة- (المترجم) . وهناك اتجاه يرى أن العباس كان مسلما يكتم اسلامه ليكون عينا للمسلمن لدى أعدائهم- (المراجع) .
[ ٥٧ ]
عشائر قريش فهر (قريش)
[ ٥٨ ]
٢- كان الذين سعوا فى انهاء مقاطعة بنى هاشم من بنى عامر ونوفل وأسد. كما ذكر معهم أيضا مخزومى، ولكن ربما وقف هذا المخزومى ضد غالب عشيرته لأن أمه كانت من بنى هاشم.
٣- كان الذين طلب محمد (﵊) جوارهم بعد عودته من الطائف من بنى زهرة وعامر ونوفل. وليس منهم أحد من المجموعة (ج) .
٤- كان المسلمون الأوائل الذين لم يهاجروا الى الحبشة أعضاء فى حلف بنى هاشم والمطلب وزهرة وتيم وعدى باستثناء حالتين (كانت ظروفهما غير عادية)، وهذه حقيقة لها مغزاها حتى لو كان تفسيرها غير مؤكد.
(ب) ادارة الأمور فى مكة
يكاد يكون التنظيم الحكومى الوحيد فى مكة هو الملأ وهو تجمع من شيوخ العشائر وزعمائها. وكان هذا المجلس استشاريا فقط وليس له سلطة تنفيذية، كانت كل عشيرة مستقلة عن غيرها ولها حرية التصرف فى أمورها. لهذا، كانت القرارات المؤثرة التى يصدرها الملأ هى فقط التى تصدر بالاجماع. وكانت هناك بالطبع وسائل للتعامل مع الأقليات المتمردة، وتعتبر مقاطعة العشائر لبنى هاشم والمطلب مثالا لكيفية ممارسة الضغط الاقتصادى والاجتماعى.
يكمن جزء كبير من قوة مكة فى قدرة شيوخها وزعمائها على توحيد فكرهم واضعاف المنافسات الثانوية لصالح المجموع. وتعتبر تسوية النزاع الذى نشب بين الأحلاف والمطيبين أحد الأمثلة على ذلك، كما كان اعداد مكة للقتال بعد هزيمة بدر مثالا اخر. وبجانب هذا المجلس المركزى (الملأ)، لا شك أنه كانت هناك اجتماعات تعقد بين شيوخ العشائر المستقلة عند الضرورة لمناقشة الأمور، كما حدث عندما جمع أبو طالب
[ ٥٩ ]
بنى هاشم وبنى المطلب ليحثهم على الموافقة على حماية محمد (﵊) .
كذلك ذكرت المصادر بعض المهام والوظائف، منها مثلا النسىء (وهو حق تقرير متى يزاد فى شهر قمرى ليتوافق مع السنة الشمسية)، والسقاية (الاشراف على موارد الماء وتوفيرها للحجيج) والرفادة (اطعام الحجيج) واللواء (حمل العلم فى الحرب أو تعيين من يحمله)، ويكاد ذلك أن يكون ادارة محلية بالمعنى الذى نفهمه الان أو كما فهمه الاغريق والرومان. وكانت هذه المهام تعتبر امتيازات لأصحابها، وكان بعضها على الأقل يعطى أصحابها فرصة لجمع المال، فبالنسبة للسقاية، كان على الحاج أن يدفع مبلغا فى مقابل استخدام ماء زمزم (لامانس، Lammens مكة، ٦٥)، كما سمعنا عن ضرائب متنوعة كانت تجبى من الحجاج والتجار، وان كان أسلوب جمعها غير واضح*.
_________________
(١) * ذكر ابن كثير فى البداية والنهاية أن جرهم بن قحطان الجرهمى كان نازلا باعلى مكة وكان السميدع سيد قطوراء نازلا بقومه أسفل مكة وكل منهما يعشر من مر به مجتازا الى مكة (أى يأخذ منه عشر ما معه من مال كضريبة) . وكان ذلك قبل قصى بمئات السنين، كما كانت هذه التصرفات وغيرها سببا فى رفض خزاعة لحكم جرهم لمكة فتمالات عليهم وقاتلوهم حتى أجلوهم عن مكة. ثم ان قصيا كان أول من تولى السقاية والرفادة واللواء وجعلها مهام يتشرف بها من يحملها من بعده من ذريته. أما السقاية فلم تكن من زمزم لا فى زمان قصى ولا بعده الى ما قبل مولد الرسول ﵊ بقليل لأن عمرو بن الحارث سيد جرهم طمر زمزم عندما تأكد من هزيمته أمام خزاعة. وكانت السقاية بعد اعادة حفر زمزم الى عبد المطلب الذى حفرها- طوال حياته، ثم صارت الى ابنه أبى طالب مدة، ثم اتفق أنه أملق فى بعض السنين: فاستدان من أخيه العباس عشرة ألاف الى الموسم الاخر وأنفقها أبو طالب فيما يتعلق بسقاية الحجيج فى عامه. فلما كان العام المقبل لم يكن مع أبى طالب شىء فقال لأخيه العباس: أسلفنى أربعة عشر ألفا أيضا الى العام المقبل أعطك جميع مالك، فقال له العباس: بشرط ان لم تعطنى تترك السقاية لى أكفلها، فقال نعم، فلما جاء العام الاخر لم يكن مع أبى طالب ما يعطى العباس فترك له السقاية فصارت اليه ثم انتقلت فى ذريته الى أن أخذها المنصور (البداية والنهاية لابن كثير) .
[ ٦٠ ]
وكان تأثير الفرد فى مجريات الأمور فى مكة يقوم على أمرين:
عشيرته وكفاءته الشخصية. وكانت قوة العشيرة تتناسب مع ثروتها بالرغم من أن الثروة فى مثل هذا المجتمع التجارى كانت متحركة الى درجة كبيرة وتتغير تبعا لمدى الأعمال التى يمارسها الفرد والعشيرة ونجاحها، وقد تكون البداية ثروة موروثة وعلاقات عمل، ولكن كان تأثير الفرد فى النهاية يعتمد أساسا على صفاته الشخصية: دهائه التجارى والاقتصادى، سياسته مع العشائر والقبائل الاخرى ومع ممثلى القوى الكبرى، وقدرته على فرض رئاسته على أقرانه فى العشيرة والدوائر الأوسع. فلم تكن سيطرة أبى سفيان على سياسة مكة فى بداية بعثة محمد (﵊) لأنه كان متوليا منصبا له سلطة، بل لأهمية عشيرته بنى عبد شمس أو أمية وثروتها ولأنه كان يتمتاع بالصفات التى ذكرناها. وكانت العشيرة الاخرى ذات السيادة فى ذلك الوقت هى بنى مخزوم، ولذلك كان لأعضائها البارزين- مثل الوليد بن المغيرة وأبى جهل- دور هام فى ادارة شئون مكة.
قد يكون من الطريف المقارنة بين مكانة أبى سفيان فى مكة وبير كليس فى أثينا. كانت الديموقراطية العربية أقل مساواة منها فى أثينا. فقد كان كل فرد فى العشيرة فى مكة لا يمثل الا فردا واحدا ولم يكن هناك من يمثل أكثر من واحد، ومع ذلك تمكن العرب بطريقة أو أخرى من ايجاد وسيلة لاختيار الأعضاء البارزين فى العشيرة الذين يحضرون اجتماعات الملأ.
وكان الملأ المكى أكثر حكمة ومسئولية من الاكليزيه ekklesia الأثينى، ونتيجة لذلك كانت قراراته تتخذ بناء على الجدارة الحقيقية
_________________
(١) ونفهم من ابن كثير أن السقاية كانت بدون مقابل. أما الرفادة، فقد ذكر ابن هشام والطبرى وابن كثير أن قصيا جمع أهل مكة فقال لهم: انكم جيران الله وأهل بيته الحرام، وان الحاج ضيف الله وزوار بيته، وهم أحق الضيف بالكرامة، فاجعلوا لهم شرابا وطعاما أيام هذا الحج حتى يصدروا عنكم، ففعلوا فكانوا يخرجون لذلك كل عام من أموالهم فيدفعونه اليه فيصنعه طعاما للناس أيام منى، فجرى ذلك من أمره على قومه فى الجاهلية حتى قام الاسلام، ثم جرى فى الاسلام بعد ذلك.
[ ٦١ ]
للرجال وسياساتهم وليست بناء على خطب رنانة تجعل أسوأ الأسباب يبدو أحسنها، ومن ناحية أخرى كان الأثينيون يقدرون المبادىء الأخلاقية ويقبلون الرجل لأنه أمين ومستقيم، بينما كان أهل مكة يهتمون بالمهارة العملية للرجل وقدرته على أن يكون زعيما فعالا، وهذا يؤدى بنا الى موضوع القسم الثالث.
(ج) قريش والقبائل العربية
كانت النبالة والهيبة بين عرب الصحراء مسألة تتعلق بالقوة العسكرية الى درجة كبيرة، فكانت الزعامة بين القبائل لمن يستطيع حماية أتباعه، والثأر للاهانات أو الايذاء أو القتل، وقد قيل فيما بعد ان قريشا سادة العرب وان الخلافة لا تكون فى غيرهم. وفى صورته المطلقة، ربما كان هذا الاعلاء لشأن قريش قراءة لأحداث العقد السابق للهجرة فى ضوء ظروف جدت فيما بعد، ولكن حتى لو كانت هناك بعض المبالغة فى هذا التعبير، فقد كان الاعتراف بقريش سيدة قبائل غرب شبه الجزيرة العربية وغرب وسطها، أى بين القبائل ذات الصلة الوثيقة بها، حقيقة لا جدال فيها. فعلى أى أساس كانت هذه السيادة؟
لم يستطع لامانس أن يدلل على صحة نظريته عن جيش المرتزقة من العبيد السمود الا عن طريق لى الحقائق والشواهد. ويبين التذييل (أ) بعض الأسباب التى تجعل هذه النظرية على غير أساس. ومع ذلك، فان وجود عدد من العبيد السود فى قريش حقيقة لا تنكر، وكان بعضهم يستخدم فى القتال اذا لزم الأمر. كما أنه من الحقائق المعروفة أن قريشا جذبت الكثير من العرب من أبناء القبائل الاخرى الى مكة كحلفاء (مفردها حليف)، وكان بعضهم يشارك فى التجارة والبعض الاخر من الفرسان قاطعى الطريق، وهذا النوع على الأقل كان دائما مستعدا للقتال. كما أنه من الحقائق المعروفة أن الأغنياء من تجار قريش كانوا راغبين عن القتال فى معركة بدر. بالرغم من أنهم لم يكونوا جبناء وكانوا قادرين على الظهور بمظهر مشرف، وكذلك أبلى المسلمون من قريش فى
[ ٦٢ ]
بدر بلاء حسنا حتى لو كانت بطولات على وحمزة مبالغا فيها الى درجة كبيرة، وحتى لو كان الأنصار هم المقاتلين الأفضل من جميع النواحى.
لكل هذه الأسباب، نرى أنه من الواضح أن رياسة قريش لم تكن بسبب براعتهم فى القتال كأفراد.
كان سر مهابتهم قوتهم العسكرية التى يستطيعون أن يواجهوا بها أى خصم، ولم تكن هذه القوة قوتهم واحدهم بل كانت قوتهم مع أحلافهم، وقد تأسست هذه الأحلاف على أساس أعمالهم التجارية. فقد كانت القوافل الى اليمن والشام والبلاد الاخرى تتطلب خدمات من عدد كبير من البدو كأدلاء وحراس ورعاة للابل.. الخ. وقد يدفعون مبلغا من المال لزعيم قبيلة لضمان سلامة المرور فى منطقة نفوذه، أو للحصول على الماء أو أنواع أخرى من الزاد، وهكذا كانت قبائل البدو تشارك فى تجارة مكة، وسرعان ما عرفوا من أين تؤكل الكتف، فقد كان رخاء مكة رخاء لهم كما كانت خسارة مكة خسارة لهم، وقد زاد هذا الشعور بالتكامل مع مكة عمقا بالمصاهرة التى كانت بين زعماء مكة والقبائل المختلفة، وباشراك زعماء القبائل فى تجارات مكة ذات رؤوس الأموال المشتركة.
ومن هذا نرى أن القول بأن أهل مكة كانوا يدفعون للرجال ليقاتلوا من أجلهم صحيح الى حد ما، ولكن هؤلاء الرجال لم يكونوا بأية حال مرتزقة، فلا وجه للمقارنة بينهم وبين الحرس السويسرى أو الفرقة الأجنبية الفرنسية مثلا، فقد كانوا جميعا عربا أحرارا دخلوا فى أحلاف واتفاقيات مع قريش على أساس من الندية. وكان زعماء تلك الطائفة الغامضة التى يطلق عليها الأحابيش يعلنون اراءهم صريحة فى مواجهة أهل مكة «١»، وعندما هاجم البراد من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة احدى القوافل، وهى الحادثة التى أدت الى اشتعال حرب الفجار، كان لا شك يعلم أن فعله هذا يسير فى نفس الخط مع سياسة مكة وأن قريشا سوف تؤيده، ولكن ربما كان تصرفه هذا نابعا من نفسه ولم يكن تنفيذا لأوامر أهل مكة.
_________________
(١) انظر التذييل؟ أ، الفقرات: أ، د، ج (المؤلف) .
[ ٦٣ ]
كان للمال أهمية فى المحافظة على مثل هذه الأحلاف، ولكن المال واحده لا يكفى، فرجال بمثل هذه الشخصية العنيدة حادة الطبع لا يمكن التعامل معهم الا بلباقة ودبلوماسية دائمتين، وتتطلب هاتان الصفتان تحكما تاما فى مشاعر الانسان، وقد كان هذا الأسلوب فى الحكم المتعقل الصبور، أو ما أطلق عليه حلم قريش، الذى مكنهم من المحافظة على أحلافهم. «وكانت هذه الحكمة السياسية، التى أشرق فيها كل حلم قريش، هى الضمان الذى به احتفظت مكة بسيادتها على جيرانها من البدو لسنوات طويلة قبل الاسلام» (لامانس، مكة، ٨١/ ١٧٧) «١» .
(د) سياسة مكة الخارجية
كانت مكة واقعة فى دائرة اهتمام قوتين عظيمتين، الامبراطورية البيزنطية والامبراطورية الفارسية وقوة ثالثة أقل وهى مملكة الحبشة، وكانت الأسباب الأساسية التى جذبت انتباه الامبراطوريتين الى شبه الجزيرة العربية تجارية، فكانت الامبراطورية البيزنطية ترغب فى الحصول على المواد الترفية من الشرق، ولكن فارس كانت تسد عليها جميع طرق التجارة تقريبا، البرية منها من الصين والهند (باستثناء الطريق الذى يمر شمال بحر قزوين) والبحرية من الهند وسيلان عن طريق الخليج الفارسى. وكانت فارس تكبد البيزنطيين أسعارا فادحة فى مقابل الحرير والتوابل فى زمن السلم، أما فى زمن الحرب فكانت هذه البضائع تنقطع تماما، ولكن كان هناك الطريق البرى عبر غرب شبه الجزيرة العربية الى الشام (وكان أيضا طريق البخور من جنوب شبه الجزيرة العربية) وطريق البحر الأحمر الذى لم يكن يستخدم كثيرا لسبب غير واضح.
كان جوستنيان، Justinian الذى أدار السياسة البيزنطية تحت حكم جوستين Justin من ٥١٨ الى ٥٢٧ ثم صار هو الامبراطور
_________________
(١) بالاضافة طبعا الى أثر وجود بيت الله الحرام فى مكة وجوار قريش له فى ارساء قواعد مهابتها فى قلوب العرب.
[ ٦٤ ]
حتى ٥٦٥ م، حريصا على استعادة الممتلكات الرومانية فى الغرب، لهذا اتبع سياسة التهدئة مع فارس الى درجة الموافقة على دفع جزيه سنوية للفرس لضمان السلام. كما أسند الى أمير الغساسنة شبه المستقل والذى تقع امارته على حدود الشام منصبا رسميا فى الامبراطورية وعهد اليه بمهمة حفظ النظام بين قبائل البدو العربية التى تعيش على الحدود ونشر النفوذ الرومانى (البيزنطى) بقدر الامكان، كذلك شجع جوستنيان على استخدام المسيحية كعامل يساعد على الواحدة والدخول فى طاعة الامبراطورية الرومانية، واستطاع أن يصل الى نوع من التفاهم مع الحبشة. ويروى ابن اسحق كيف استطاع رجل يدعى دوس ذا ثعلبان الهرب من ذى نواس فى الأحداث الدموية التى حدثت فى مملكة جنوب شبه الجزيرة* وذهب الى قيصر يستنجد به. وبدلا من مساعدته بشكل مباشر أرسل معه كتابا الى ملك الحبشة.
وربما كان هذا الخبر صحيحا بصورة أو أخرى، ولكن على أقل تقدير يبين كيف فهم العرب العلاقة بين البيزنطيين والحبشة، ولا شك أن جوستنيان قد وافق على غزو الحبشة لليمن وجنوب شبه الجزيرة العربية حوالى ٥٢٥ م، وبالرغم من أنه كان أرثوذكسيا، الا أنه فضل وجود مذهب الطبيعة الواحدة للمسيح هناك على كل من اليهودية أو النسطورية، وكل منهما له صلات بالفرس «١» .
بعد وفاة جوستنيان، تغيرت العلاقات بين الامبراطوريتين ودخل صراعهما القديم فى مرحلته النهائية، قفى عام ٥٧٠ أو ٥٧٥ طرد الفرس الحبشيين من شبه الجزيرة العربية وأقاموا الادارة المفضلة لديهم، وان لم تكن تحت السيطرة التامة لفارس، وحاول الفرس توجيه التجارة البرية من اليمن الى فارس بمساعدة أمراء اللخميين فى الحيرة (الذين كانوا يقومون بدور بالنسبة لفارس يشبه دور الغساسنة بالنسبة للبيزنطيين) .
وكانت حرب الفجار ومعركة ذى قار بسبب القوافل التى كانت تنقل
_________________
(١) * وهى حادثة الأخدود التى ذكرها الله ﷿ فى سورة البروج- (المترجم) .
(٢) انظر A.Vasiliev،Justin the first،Cambridge (U.S.A.) ١٩٥٠ ٢٨٣ -٢٩٩.:
[ ٦٥ ]
اللبان والبخور والمنتجات المحلية الاخرى (وربما بضائع من الحبشة) فضلا عن البضائع المستوردة من الهند. ومع ذلك، فقد كان الكثير من التجارة يمر فى طريق الساحل الغربى بدليل استمرار ازدهار مكة، مما يدل على أن الفرس لم يكونوا من القوة بحيث يستطيعون السيطرة على هذا الطريق الى الغرب.
ماذا كان موقف مكة فى هذا الصراع بين العملاقين؟ ما السياسة التى سارت عليها؟ ربما كانت هناك صداقة متوارثة مع البيزنطيين، فقد ذكر ابن قتيبة معلومة تثير الدهشة تفيد أن قيصر قد ساعد (قصى) ضد خزاعة، فاذا كان مفهوم ذلك أن قصيا قد تلقى المساعدة من الغساسنة أو بعض الحلفاء الاخرين للرومان، فقد يكون ذلك صحيحا الى درجة بعيدة. فمن المؤكد أن قصيا كانت له صلات ببنى عذرة، وهى قبيلة مسيحية تعيش قرب حدود الشام، وبالتالى ربما كانت تحت النفوذ البيزنطى، وربما كان غزو قصى لمكة مرتبطا بنمو التجارة بين مكة والشام، ويبدو أنه بعد قصى ظل الطريق بين اليمن ومكة فى أيدى اليمنيين لفترة من الزمن. وقد كان أحد التجار اليمنيين قد أحضر بضائع الى مكة عند انشاء حلف الفضول (حوالى ٥٨٠) *. فلو كان الاهتمام الرئيسى لمكة حينئذ هو التجارة الى الشمال، فقد كان لا بد من وجود علاقات طيبة بالبيزنطيين وحلفائهم.
وسهل غزو الحبشة لليمن الأمور على أهل مكة وذلك للعلاقات الطيبة التى كانت بين الحبشة والبيزنطيين، وربما كانت هذه الفترة من السلام النسبى هى التى نمى فيها أهل مكة تجارتهم بدرجة كبيرة وأرسلوا فيها قوافلهم الى جميع الجهات، وكانت النتيجة التى توارثتها الأجيال أن من أبناء عبد مناف الأربعة، وطد عبد شمس علاقاته مع الحبشة، ووطد هاشم علاقاته بالشام، ووطد المطلب علاقاته باليمن، ووطد نوفل
_________________
(١) * بل كان هذا التاجر اليمنى هو سبب انشاء حلف الفضول كما ذكر المؤلف من قبل فى هذا الفصل- (المترجم) .
[ ٦٦ ]
علاقاته بالعراق. وربما أخذت عشيرة مخزوم أيضا نصيبا من تجارة جنوب شبه الجزيرة العربية، أو على الأقل كانت لهم اهتمامات بها فيما بعد، ولكن لا شك فى أن العلاقات مع الحبشة قد تدهورت فيما بعد نظرا لأن أبرهة نائب الملك قاد حملة ضد مكة كان غرضها الظاهرى هو تدمير الكعبة كى يحج العرب الى كنيسته التى بناها فى الجنوب، ويمكننا أن نخمن أن الاهتمامات التجارية قد اختلطت بالاهتمامات الدينية، اذ ربما فزع أبرهة من النجاح التجارى المتزايد لأهل مكة، الذين يفترض أنهم كانوا يحققون أرباحا لا بأس بها كوسطاء حتى بين الحبشة والبدو.
وقد تحقق أبرهة من الدور الهام الذى تلعبه المنطقة المقدسة حول مكة فيما يمكننا أن نسميه «النظام المكى» . وربما كان هناك أيضا كنز فى الكعبة أو حولها، فاذا أريد الانقاض من قوة مكة وثروتها، فانه يجب تدمير الحرم المكى ووضع حرم اخر مكانه كمركز لتجارة التجزئة لعرب الصحراء.
ذكر ابن اسحق كيف تفاوض عبد المطلب مع أبرهة، وبينما نرى أن بعض ملامح هذه القصة (مثل قوله ان عبد المطلب كان كبير قريش وسيدها) هى بلا شك لتعظيم بنى هاشم، الا أنه ربما كانت حادثة المفاوضة صحيحة ولكن يجب أن تفسر على أنها حركة جماعية من مجموعة صغيرة من قريش (مع قبيلتى بنى الديل وهذيل) وقف فيها الجزء الرئيسى الذى من قريش موقفا متحفظا، فاذا كان الأمر كذلك، فمن المحتمل أن عبد المطلب كان يحاول الاستعانة بالأحباش ضد خصومه من قريش مثل بنى شمس ونوفل ومخزوم*.
وكان من الواضح أن بنى عبد شمس ونوفل قد وضعا أيديهما على معظم التجارة مع الشام واليمن التى كانت قبل ذلك فى أيدى بنى هاشم والمطلب، وعلى هذا فان العشائر الأكثر ثروة كانت ترغب فى سياسة
_________________
(١) * قال ابن كثير فى البداية والنهاية (دار الغد العربى الجزء ١، الصفحة ٥٨٣): قال ابن اسحق: ويقال انه كان قد دخل مع عبد المطلب على أبرهة يعمر بن نفاثة بن عدى بن الديل سيد بنى بكر وخويلد بن دائلة سيد هذيل فعرضوا على أبرهة ثلث أموال تهامة على أن يرجع عنهم ولا يهدم البيت فأبى عليهم ذلك فالله أعلم أكان ذلك أم لا، انتهى كلام ابن كثير.
[ ٦٧ ]
محايدة من الواضح أنها كانت أفضل لمصالحهم، وذلك فى مواجهه سياسة عبد المطلب المؤيدة للحبشة. ولا نستطيع أن نؤكد ما اذا كان أبرهة قد وافق على مقترحات عبد المطلب أم أنه رفضها بعد أن تحقق من أنه ليس قويا بالدرجة الكافية. وعلى أية حال، فقد فشلت الحملة فى الجزيرة العربية ولم تتحقق الأهداف الحبشية، اذ دمر الجيش الحبشى بالطاعون فيما يظهر*.
أصبح الحياد أمرا أكثر أهمية لمكة بعد غزو فارس لجنوب شبه الجزيرة العربية بعيدا عن سيطرة الفرس، ويبدو أن أهل مكة قد استفادوا من هذا الموقف فى زيادة قوتهم. وكانت حرب الفجار التى ربما بدأت بعد طرد الأحباش بفترة، نتيجة لهجوم- لم تأمر به مكة- من أحد حلفائها على قافلة كانت فى طريقها من الحيرة الى اليمن عن طريق الطائف، وهذا قد يعنى، من الناحية الاقتصادية أن أهل مكة كانوا يحاولون اغلاق هذا الطريق تماما أو ضمان بعض السيطرة منهم عليه، ونظرا لانتصارهم الواضح فى الحرب، فانه يمكن افتراض أنهم قد حققوا أهدافهم.
فى ضوء هذه الخلفية، يأخذ حلف الفضول الذى ذكرناه من قبل أهمية جديدة، فان السبب المعلن، وهو رفض أحد بنى سهم دفع ثمن بضائع اشتراها من تاجر يمنى، وردود الفعل الواسعة لهذه الحادثة تدل على أنها قد أصبحت علامة على اتجاه جديد هام فى السياسة، وباختصار كان هذا الاتجاه هو ذروة المحاولات التى قامت بها العشائر الأكثر ثروة لاستبعاد اليمنيين من تجارة الجنوب وتركيزها فى أيديهم، وهنا يمكننا فهم رد فعل بنى هاشم وباقى العشائر المكونة للحلف، فان هذه العشائر لم تكن قوية اقتصاديا بالدرجة الكافية التى تجعلهم يسيرون قوافلهم الى اليمن، ولكننا نستطيع أن نفترض أنهم استفادوا من الصفقات التى كانوا يعقدونها مع التجار اليمنيين فى مكة، فلو كانت القوافل الى اليمن تحت
_________________
(١) * قال رب العالمين: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ* أَلَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ* وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْرًا أَبابِيلَ* تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ* فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ» . (المترجم) .
[ ٦٨ ]
السيطرة الكاملة لعشائر مثل بنى عبد شمس وبنى مخزوم، فان العشائر الأصغر تفقد جزا لا بأس به من تجارتها وربما لا يجدون بضائع ينقلونها شمالا الى الشام، أو على أحسن الفروض يسمح لهم بالمشاركة فى القوافل ولكن بالشروط التى يمليها التجار الأغنياء، وبالتأكيد لن يترك لهم الا ربح ضئيل.
وتساعد حادثة عثمان بن الحويرث، كما فصلها لامانس (مكة ٢٧٠- ٩/ ٣٦٦- ٧٥) على تصوير سياسة الحياد التى كانت عليها مكة، فقد دخل عثمان فى مفاوضات مع البيزنطيين أو عملائهم وحصل على وعد بالمساعدة. ولا شك فى أن البيزنطيين كانوا يفكرون فى شىء يشبه امارة الغساسنة، فى حين ذكرت المصادر أن عثمان كان يطمع فى أن يكون ملكا على مكة، وكان هذا جزا من رد فعل البيزنطيين لغزو فارس للجنوب، ويشير لامانس الى أن عثمان لم يعلن عن هدفه هذا بالطبع، وانما كان يقول ان البيزنطيين سيغلقون الحدود ما لم تقدم لهم «هدايا» معينة، وانهم وكلوا اليه مهمة جمع هذه الهدايا، ولكن يبدو أن قول لامانس بعد ذلك ان عثمان قد استمال رؤوس بنى أمية وبنى مخزوم الى خطته هو مجرد افتراض أسسه على أنه لم يرد أى ذكر لمعارضتهم لذلك. ومن الواضح أن الحادثة التى قضت على خطة عثمان هى تحذير أحد أبناء عشيرته بنى أسد ويدعى الأسود بن المطلب أبا زمعة له من أن يسعى للملك، فمن الطبيعى أن يعترض الأغنياء على الوضع الخاص الذى كان سيحصل عليه عثمان نتيجة لخطته، ولكنهم كانوا بالاضافة الى ذلك يرون أنه ليس من الحكمة الخروج عن سياسة الحياد، وربما كانوا يشعرون بقوة مركزهم لحاجة البيزنطيين للبضائع التى يحملونها اليهم (لم يكن لرفض مقترحات البيزنطيين أى نتائج ذات قيمة فيما عدا سجن عدد قليل من الرجال لفترة من الوقت) . وفى هذه الظروف قاد بنو أمية وبنو مخزوم المعارضة ضد عثمان، الأمر الذى ربما يعيد الحياة لحلف الفضول الذى كان بنو أسد أحد أعضائه، وقد تجنبوا مثل ردود الفعل هذه باسناد القيادة لرجل من بنى أسد.
وليس من المنطقى أن نفترض، كما فعل لامانس، أن الدافع الوحيد للأسود هو الحسد، فمن الواضح أنه كان على درجة لا بأس بها من
[ ٦٩ ]
الثراء، ولهذا فمن المحتمل أن المعارضة ضده كانت طبقا للسياسة العامة لزيادة الروابط مع البيزنطيين.
حدثت هذه الحادثة بعد حرب الفجار لأن عثمان بن الحويرث قد شارك فيها، وبذلك يكون بيننا وبين اعلان محمد (﵊) لرسالته عشرون عاما أو أقل، وهى السنوات التى أكدت فيها الحروب الطاحنة التى نشبت بين الامبراطوريتين العظميين، أهمية وقوف أهل مكة على الحياد. ونظرا لقلة المعلومات المتاحة، فان الكثير مما يقال عن سياسات أهل مكة يخضع للحدس والتخمين. ولكن حتى لو كان الكثير من التفاصيل غير صحيح، فاننى أعتقد أن الصورة العامة معقولة، وعلى ذلك فان محمدا (﵊) قد ترعرع فى عالم اختلطت فيه الأمور المالية فى المستويات الرفيعة مع السياسات الدولية اختلاطا لا سبيل الى فصله.
٣- الخلفية الاجتماعية والأخلاقية
(أ) التضامن القبلى والفردية
التماسك القبلى شىء ضرورى للبقاء على قيد الحياة فى ظروف المعيشة فى الصحراء. فالانسان يحتاج الى المساعدة فى مواجهة القوى الطبيعية وخصومه الادميين. ولا شك فى أن التجمعات القبلية وجدت قبل أن يصبح الانسان فى الصحراء ولم تنشأ فيها. ولكن من المؤكد أن أهمية التكامل تأكدت فى ظروف المعيشة الصحراوية. فكلما كانت الجماعة أكبر كانت أقوى، وبالتالى أكثر نجاحا فى التغلب على صعوبة المعيشة، ولكن هذا لا يستمر الا الى درجة معينة يصبح من الصعب بعدها على الجماعة أن تتصرف كواحدة واحدة وبالتالى تتجه الى الانقسام، وعلى هذا فان القبائل ليست كيانات دائمة، ولكنها اما تتزايد وتنقسم واما تضمحل وتنتهى.
[ ٧٠ ]
ويبدو ذلك واضحا فى عشائر مكة، فان التسمية العربية الشائعة للقبائل أو العشائر أو العائلات هى «بنو فلان» أى أبناء فلان، وفى فترة من تاريخ مكة كان اسم «بنو عبد مناف» يتردد كثيرا، لكن بعد فترة من الزمن بطل استعما لهذا الاسم لأن هذه العشيرة نمت ثم انقسمت فأصبحنا نسمع أسماء «بنى عبد شمس» و«بنى هاشم» الخ، حيث كان عبد شمس وهاشم ابنى عبد مناف. كذلك كانت أكثر الحروب دموية فى شبه الجزيرة العربية أيضا بين عشائر تربط بينها صلات قرابة، ولا شك فى أن ذلك كان بسبب اضطرارهم للمشاركة فى مكان محدود للمعيشة.
كانت كل قبيلة رئيسية أو من قبائل الدرجة الأولى مستقلة عن باقى القبائل وليس لها أية أهمية سياسية تفوق القبائل الاخرى، ولذلك فمن المقصود، وغالبا ما كان ذلك يحدث بالفعل، أن تجد نفسها قد اشتبكت فى قتال مع أية قبيلة مجاورة، وفى مثل هذا الموقف الذى تكون فيه «يد الرجل ضد كل الرجال وأيدى كل الرجال ضده»، يصبح أمن القبيلة- بل مجرد وجودها- متوقفا على قوتها العسكرية. فبالقوة واحدها يمكن حماية قطعان الماشية طالما أن شن الغارات هو «الرياضة القومية» للعرب.
يصور ثأر الدم مكانة التكافل القبلى، وهذا أسلوب بدائى- ولكن ربما كان الأسلوب الوحيد فى ظروف المعيشة الصحراوية، بعيدا عن المخترعات الحديثة، للتأكد من أن الجريمة لا ترتكب بسهولة وبدون احساس بالمسئولية فتعتبر قبيلة القاتل مسئولة عن فعلته، والعقوبة هى القصاص، «حياة بحياة»، وبصرف النظر عن الاتجاه الانسانى لأن تكون العقوبة أكبر من الجريمة، فان هذه طريقة بسيطة للاحنفاظ بالقبائل فى نفس الدرجة من القوة النسبية.
تقوم القبيلة على أساس من القرابة، سواء من ناحية الرجال أو من ناحية النساء. وقبل بزوغ الاسلام، كانت المصاهرة، على ما يبدو، هى الأكثر انتشارا. وكان هناك أيضا ما يمكن أن يسمى «بالتكامل
[ ٧١ ]
المصطنع» نتيجة للأحلاف أو الجوار (الشكل الاصطلاحى لمنح الحماية) ولأسباب كثيرة، كان الحليف أو الجار يعامل كأحد أفراد القبيلة أو العشيرة، ويكون الحلف أو التحالف عادة بين أنداد، ولكن هذا لا يمنع جماعة ضعيفة من أن تكون حليفة لقبيلة قوية للحفاظ على وجودها.
بينما كانت القبيلة أو تحالف القبائل يمثل أعلى درجات الواحدة السياسية، كان العرب يدركون أيضا أنهم يمثلون واحدة بصورة أو أخرى، وكانت هذه الواحدة على أساس من واحدة اللغة (وان كان هناك بعض الاختلاف بين اللهجات)، والتراث الشعرى المشترك، والعادات والأعراف والأفكار المشتركة وكذلك الأصل المشترك. وكانت اللغة هى الأساسى الأصلى للتمييز بين العرب و«الأجانب» (العجم)، وكذلك كان الحال بين الاغريق و«البرابرة» . وكانت الصحراء العربية والشامية هى الأساس الجغرافى للواحدة، وغالبا ما كانت كلمة العرب تعنى «البدو» . أما الأصل المشترك فكان، على وجه التحديد، من واحد من اثنين عدنان أو قحطان، ولكن امتزجت الجماعتان بعد ذلك.
وحتى لو كان هذا الأصل المشترك مجرد خيال، كما يدعى بعض علماء الغرب (وربما كانوا مبالغين فى الشك الى درجة كبيرة)، فان مجرد وجود هذا الاعتقاد يتضمن بعض الاقرار بالواحدة. ولقد أصبح لهذا المفهوم عند العرب بأنهم أمة واحدة، وما تبع ذلك من أنهم مميزون عن باقى الشعوب (وأعلى منهم) - أهمية كبرى فى الفترة المدنية من حياة محمد (﵊)، حيث كان يتطلع الى درجة من الواحدة السياسية بين العرب لم يسبقه اليها أحد من القادة العظام فى الجاهلية.
تنطبق مبادىء التكافل القبلى التى ذكرناها بصفة عامة على مجتمع مكة، ولكن لم تكن الواحدة المؤثرة فى زمان محمد (﵊) هى قبيلة قريش ككل ولكن العشائر المستقلة، ولا يزال أمن الفرد وممتلكاته متوقفا على استعداد عشيرته للانتقام لمقتله أو سرقته، وقد يؤدى الامساك برجل بدون اذن زعيم عشيرته الى نزاع، وكان هذا هو الحال فى المدينة فى السنين الأولى القليلة لهجرة محمد (﵊)، وكان هذا المبدأ أيضا هو الذى مكنه من الدعوة فى مكة
[ ٧٢ ]
بالرغم من المعارضة طالما كان بنو هاشم على استعداد لحمايته، واذا أراد أحد من قبيلة أخرى أن يعيش فى مكة، وكان هناك الكثيرون فى هذا الوضع، فان عليه أن يكون حليفا لأحد كبار أهل مكة أو لاحدى العائلات الكبيرة، وبالنظر الى سيادة قريش، فان هذا الوضع يتضمن بعض الانتقاص من قدر الاخرين.
مع ذلك كله، لم يكن التكافل القبلى أبدا مطلقا، فأبناء القبيلة ليسوا أناسا اليين بل ادميين ينزعون الى الأنانية، أو ما يسميها لامانس «الفردية»، لهذا فمن الطبيعى أن يضع أحدهم مصلحته الشخصية فوق مصلحة القبيلة، فكانت هناك دائما قلة من «المشاغبين»، وهم الذين يثيرون المشاكل بغض النظر عما يكبده ذلك للقبيلة، فكان على القبيلة أن تتبرأ منهم، وكان أحدهم يطلق عليه الخليع*.
وبينما استمر التكافل القبلى فى التحكم فى تصرفات علية القوم، بدأ نوع من الفردية فى تفكيرهم فى الظهور كما تدل على ذلك أشعارهم، فحتى زمن معين، بقدر ما عندنا من العلم، كان الرجل يرضى باظهار مجد قبيلته ودوره فى ارساء هذا المجد، ولكن بدأ الاحساس بوجود الفرد مستقلا عن القبيلة فى النمو وتبع ذلك مشكلة انتهاء وجوده المستقل عند الموت، فما المصير النهائى للانسان؟ وهل الموت هو النهاية؟
عززت ظروف الحياة التجارية فى مكة الاتجاه الى الفردية والبعد عن التكافل القبلى، فبالرغم من أن النظام العام كان معتمدا على نظام العشيرة، الا أنه كان فى امكان عائلة واحدة، أو حتى فرد واحد مع أقربائه أن يكون واحدة قادرة على الاستمرار فى الوجود. ولهذا، كثيرا ما نرى رجالا يعارضون عشائرهم، فأبو لهب** مثلا اتخذ من محمد (﵊) موقفا خالف فيه باقى بنى هاشم. كما جاءت المعارضة لعثمان بن الحويرث من عشيرته، وكذلك أسلم أتباع محمد (﵊) الأوائل بالرغم من معارضة عشائرهم بل حتى ابائهم، ويبدو أن المشاركة التجارية كانت تعلو أحيانا على القرابات.
_________________
(١) * أى الذى خلعته القبيلة بمعنى رفضته- (المترجم) . ** وهو عم الرسول ﵊- (المترجم) .
[ ٧٣ ]
فى نفس الوقت كانت هناك ظاهرة جديدة هامة فى مكة، وهى ظهور الاحساس بالواحدة على أساس المصالح الماديه المشتركة، وكانت هذه الظاهرة، وليس انتماؤهم الى قريش، هى التى أدت الى ما حدث من صراع بين الأحلاف والمطيبين، وكانت هذه الظاهرة أيضا هى التى أدت الى تناسى المنافسات وانشاء «حكومة ائتلاف» بعد هزيمة بدر.
وأهمية ذلك فى أنها تدل على ضعف روابط قرابة الدم، وتدل على وجود فرصة لتأسيس واحدة أوسع نطاقا على أساس جديد.
واذا أردنا أن نبحث عن تغيير اقتصادى مرتبط ببداية الاسلام، فان علينا أن ننظر هنا (تعنى كلمة «ارتباط» هنا شيئا يختلف تماما عن العلاقة بين الدين والنظريات الخاصة بالعوامل الاقتصادية كما ينادى بها الماركسيون) . فبزيادة ثروة مكة وقوتها، انتقل اقتصادها من اقتصاد بدوى الى اقتصاد تجارى ورأسمالى. وفى زمان محمد (ﷺ)، لم يكن قد حدث أى تغيير فى الاتجاهات الاجتماعية والأخلاقية والفكرية والدينية للمجتمع التى كانت لا تزال تناسب الجزء الأكبر من المجتمع البدوى، وكان التوتر الذى شعر به محمد (﵊) وبعض معاصريه لا شك فى النهاية نتيجة لهذا التناقض بين الاتجاهات الواعية للرجال والأسس الاقتصادية لحياتهم. وسنضطر الى الحديث عن هذا التوعك (الخلل) فى الأمة بتفصيل أكثر فيما بعد*.
_________________
(١) * لعل المؤلف استخدم كلمة التوتر Tention كترجمة لكلمة «الضيق» الذى كان الرسول ﵊ يشعر به نتيجة لموقف قومه من الدعوة: ولقد نعلم أنه يضيق صدرك بما يقولون (الحجر ٢٧) . فلعلك تارك بعض ما يوحى اليك وضائق به صدرك أن يقولوا لولا أنزل عليه كنز أو جاء معه ملك، انما أنت نذير، والله على كل شىء وكيل (هود ١٢) . ومما ورد فى الايتين نرى أن ضيق رسول الله ﷺ كان لرفض قومه الايمان برسالته وموقفهم المعاند من الدعوة. وقد يصدق استنتاج المؤلف بالنسبة للرافضين للدعوة، أما رسول الله ﷺ فلم تكن له أى مصالح اقتصادية فى أية مرحلة من حياته، فأبوه كان فقيرا كما هو ثابت فى مراجع السيرة، حتى ان مرضعات بنى سعد رفضن حضانته لعدم توقعهن فائدة كبيرة من وراء ذلك لفقر أبيه ويتمه، وكان عمه أبو طالب الذى كفله بعد وفاة جده عبد المطلب أيضا فقيرا، وعاش الرسول حياته كما وصفتها السيدة عائشة ﵂ فى قولها: كان يمر علينا الهلال بعد الهلال لا يوقد فى بيتنا نار، وانما نعيش على الأسودين: التمر والماء.
[ ٧٤ ]
(ب) المثل العليا الأخلاقية
يمكن أن نطلق على المثل الأعلى الأخلاقى لعرب الصحراء، طبقا لما قاله جولد تسيهر، اسم المروءة. وقد أحسن ر. أ. نيكلسون R.A.Nicholson وصفه عندما قال: «هى الشجاعة فى القتال، والصبر عند المصيبة، والاصرار عند الانتقام وحماية الضعيف وتحدى القوى» . هذه الفضائل هى فى الحقيقة الأمور المطلوبة لنجاح القبيلة فى صراعها من أجل البقاء فى الصحراء. ومفهوم الشجاعة عند العرب ليس هو نفس مفهومها عندنا*، فالعرب لا يؤمنون بالدخول فى مخاطرات لا داعى لها، فطالما أنه لم يستقر فانه يتحاشى مثل هذه الأخطار والشدائد بقدر امكانه، فحياة الصحراء قاسية بما يكفى وليست فى حاجة الى المزيد. وربما يفسر ذلك اعتبار الاصرار على الانتقام من الفضائل، ففى كثير من الحالات قد يكون من الأسهل ترك الكلاب النائمة فى حالها، ولكنها تكون علامة على الضعف وقد تؤدى الى اضمحلال نسبى فى القوة العددية للقبيلة. أما تحدى القوى فهو انعكاس للحقيقة التى تقول ان استمرار الوجود يتوقف على القوة العسكرية، ومع ذلك فان القوى مستعد دائما لحماية الضعيف اذا اعترف الضعيف بسيادة القوى، ويعتبر هذا الى حد ما حالة من حالات التعاون الانسانى ضد القوى الطبيعية وتساعد على زيادة قوة القبيلة القوية.
كان الكرم وحسن الضيافة من الصفات التى تثير الاعجاب الى درجة كبيرة فى حياة الصحراء، ولا زالتا من الفضائل المشهورة عند العرب، وكانت الكومة الكبيرة من الرماد أمام خيمة الزعيم علامة على درجة عالية من التميز.. لأن هذا يعنى أنه قد استضاف عددا كبيرا من الضيوف.
وقد يكون مثل هذا التقليد الى حد ما نتيجة لحاجة الانسان للمساعدة من زملائه فى مواجهة قسوة الطبيعة، ولكن ربما كان له معنى أكبر من ذلك.
فالكرم صفة تثير الاعجاب حتى لو بلغت حد التبذير، كما حدث مثلا عندما نحرت امرأة فقيرة بعيرها الذى لم تكن تملك غيره لاطعام عابر
_________________
(١) * يقصد العالم الغربى- (المترجم) .
[ ٧٥ ]
سبيل، وربما يكون هناك وجه شبه بين هذا الاستخدام المتساهل والسخى بحق للأشياء النادرة الوجود، والاسراف فى شرب الخمر الذى يتفاخر به الشعراء. هل نرى فى هذين الأمرين مظهرا من مظاهر فضيله «عدم التفكير فى الغد»؟ من المحتمل أنه فى الحياة فى الصحراء اذا فكر الانسان فى جميع احتمالات الكوارث المخيفة وحاول أن يقى نفسه منها جميعا، فانه يتحول الى حطام انسان فاقد لأعضائه وينتهى به الأمر اما الى فناء أو الى أن يترك الحياة فى الصحراء أو أن يتحول الى تابع لقبيلة أقوى. وفى الصحراء، هناك الكثير من الأمور لا يمكن التوصل اليها «بالتفكير»، فالظروف غالبا ما تكون غير مؤكدة ولا يمكن التنبؤ بها وشاذة تماما، وعلى هذا فان توفير قدر من خلو البال من الهموم لهو الحكمة العالية، ولا شك فى أن هذا هو السبب فى الاعجاب الشديد بفضيلة الكرم.
كان الوفاء والاخلاص أيضا من الفضائل الهامة، فمن الناحية المثالية، كان على الرجل أن يكون مستعدا للاسراع الى مساعدة أحد أبناء قبيلته فور طلب المساعدة، وعليه أن يتصرف فى الحال بدون انتظار معرفة تفاصيل الحدث. وكذلك على الفرد أن يكون مع القبيلة حتى لو لم يكن موافقا على قرارات شيوخها، ومرة أخرى، بالرغم من أن الرجال لم يكونوا يترددون فى الاستيلاء على ممتلكات القبائل الاخرى، الا أنه كان هناك قدر كبير من الاخلاص فى حفظ الأمانة، ومن الأمثلة المشهورة فى ذلك السموءل بن عادياء الذى اثر أن يترك ابنه يقتله الجيش المحاصر على أن يفرط فى بعض الأسلحة التى تركها امرؤ القيس وديعة عنده، وقد يعتبر هذا الموقف امتدادا للولاء المتوقع بين أفراد القبيلة وأولئك الذين بينهم وبينها تكافل مصطنع نتيجة لاتفاقيات.
ونتيجة لاستقلال شيوخ القبائل، لم يكن فى الصحراء قانون أعلى يحكم الجميع، وفى الحقيقة كان من المستحيل المحافظة على القانون والنظام فى المساحات الشاسعة للبادية العربية والشامية الا حيثما يوجد حاكم قوى وحكيم بدرجة غير عادية، أو حيثما يكون للحاكم تفوق ساحق فى القوات والعتاد (مثل الطائرات والسيارات المصفحة فى مواجهة
[ ٧٦ ]
البندقية والجمل)، وسواء قبل الاسلام أو بعده، لم يكن عند العرب أية فكرة مجردة عن القانون، حتى التأثيرات الاغريقية لم تنجح فى ادخاله فى العلوم الاسلامية، وبدلا من قانون أعلى للكون، فان المسلمين يعتقدون فى ارادة الله كحاكم للكون معبرا عنها بما يوحى من أوامر.
تستمد مكانة القانون والفكرة المجردة للصواب والخطأ الى حد ما من مفهوم الشرف، شرف القبيلة أولا ثم شرف الفرد، فكرم الضيافة وحفظ الأمانة كانا دليلين على وضع اجتماعى جدير بالاحترام، بينما كان كل من البخل والجبن شيئا مشينا، وكان القيم والمسجل للشرف هو الرأى العام، ولهذا الرأى العام الذى كان يتكون من الشعراء وينعكس فيما يقولون قوة معينة، وكان المسئولون يتضاءلون أمام الأعمال التى قد تجلب لهم الخزى أو لقبيلتهم، وتحتوى الأشعار القديمة على قدر كبير من المدائح لفضائل قبيلة وحسناتها، وهجاء لرذائل قبائل أخرى وأخطائها.
ولقد لعبت المروءة كمثل أعلى دورا هاما فى حياة العرب، فقد كانوا يحترمون الذين استطاعوا تحقيقه الى درجة ما، والعائلات التى كان هذا الخلق من عادتها، وكانت السلطة تتوقف الى حد كبير على مدى الاحترام الذى يحظى به الرجل، وكان هذا بدوره يتوقف على صفاته الشخصية، أو بمعنى اخر درجة مروءته، ولم يكن مبدأ خلافة الابن الأكبر لوالده موجودا عند العرب لأسباب واضحة، فلو كان الابن الأكبر للزعيم لا يملك الخبرة الكافية عند وفاة والده (وكثيرا ما كان يحدث ذلك)، فان القبيلة لا تجازف بتعريض وجودها للخطر بتوليته الزعامة، فالزعيم يجب أن يكون حكيما وذا حكم سليم على الأمور، وهذه هى الصفات التى كان يتحلى بها عادة أكثر الرجال احتراما فى العائلة القائدة.
فى هذا الجانب من الامتياز الأخلاقى، وفى قدرتهم على قبول ما يمليه عليهم، توصل العرب الى مزيح من الأرستقراطية والمساواة، أو قاعدة الأفضل مع الاعتراف بأن أفراد القبيلة متساوون.
[ ٧٧ ]
وكما يقول أ. ج. توينبى A.J.Toynbee فى دراسته الممتعة عن البداوة: هى دورة العنف، فالبداوة تلاحق الحياة الزراعية، لأن تربية الضأن والجمال.. الخ لا يمكن تعلمها الا هناك.
والان، عندما جعلت دورة الجفاف المتكررة- فى بدايتها التالية- الحياة أكثر صعوبة فى الواحات، ومن باب أولى فى البادية، عاد اباء الحضارة البدوية الى السهوب بجسارة لينتزعوا منها ليس مجرد زاد اضافى، وانما أسباب العيش كلها، وذلك فى ظروف مناخية تجعل كلا من الصياد والزارع يريان فى السهوب الحياة مستحيلة.
فى كل ما ذكرناه هناك عملية انتقاء، ففى البداية كان هناك عدد من الأفراد جربوا اسلوب حياة البادية، ويمكننا أن نفترض أنهم كانوا مميزين بصفات مثل حب المغامرة والحرية، ثم أدى الصراع الضارى من أجل البقاء الى عملية انتقاء ليس على أساس الصفات البدنية فحسب بل أيضا على أساس الصفات الأخلاقية، اذ يتطلب النجاح فى حياة الصحراء درجة عالية من التكافل وهذا مرتبط بدوره بدرجة عالية من احترام الشخصية وتقدير القيامة الانسانية. ففى أتون الصحراء، يحترق خبث الاتجاهات والأفعال الدنيا تاركا ذهب الاخلاق العالية ودستور العلاقات الانسانية الراقية وتقاليدها والمستوى العالى من التفوق الانسانى خالصا نقيا. وان من مباحث هذا الكتاب بيان أن عظمة الاسلام تعود الى درجة كبيرة الى انصهار هذا العنصر* مع بعض مفاهيم التوحيد فى اليهودية والمسيحية.
٤- الخلفية الدينية والفكرية
(أ) تدهور الديانة القديمة
أفضل دراسة بالانجليزية عن الديانة القديمة فى شبه الجزيرة العربية نجدها فى المقالة التى كتبها نولدكه Noldeke بعنوان
_________________
(١) * يقصد المثل العليا الأخلاقية- (المترجم) .
[ ٧٨ ]
«العرب (القدماء)» فى دائرة معارف الدين والأخلاق، The Encyclopaedia of Religion and Ethics أما الدراسة المقننة فتتمثل فى كتاب ج. فلهوزن J.Wellhausen وعنوانه Reste Arabischen Heidentums والمبنى أساسا على كتاب الأصنام لابن الكلبى وأضاف لامانس H.Lammens بعض الاضافات والتنقيحات فى مقاله
Lex Culte des Petyles et les procession riligieuses chez les Arabes Preislamites (Arabie، ١٠١- ٧٩)
. أما نظريات ديتلف نيلسن Dietlef Nielsen المنحرفة فهى- عادة- مرفوضة. وتسجل هذه الدراسات ما هو معروف عن عدد كبير من الالهة والربات والطقوس المتبعة فى عبادتهم. ونظرا لأن هذه المعلومات متفرقة، وبصرف النظر عن أنها مخطوطات، فانها تأتى من مصادر اسلامية، مما يجعل فيها مجالا واسعا للتخمين. ولن نتناول هذه الموضوعات هنا بأية درجة من التفصيل، حيث انه من المجمع عليه أن الديانة الوثنية القديمة لم تكن مؤثرة نسبيا فى زمان محمد (﵊) .
كانت هذه الديانة نتيجة تطور استغرق وقتا طويلا. ومن الأشياء المشهورة التى عبدت من البداية الأحجار والأشجار. وفى بعض الأحيان لم تكن هذه الأشياء تعتبر الهة، بل كانت ينظر اليها على أنها مساكن الالهة أو منازلهم، ثم بعد ذلك نسبوا لها خصائص معنوية، ربما كان ذلك بتأثير أجنبى، وكان هناك اعتقاد بأن لهم صلة بأجسام سماوية*.
ويبدو أن اعتقاد البدو فى هذه الالهة لم يكن على درجة كبيرة من الجدية، ربما لأنها كانت فى الأصل الهة لمجتمعات زراعية، ولكن مع المعارضة التى واجهها محمد (﵊) فى مكة، يمكننا أن نتصور أن بعض الجماعات الصغيرة فيها- ربما أولئك المهتمون بطقوس دينية معينة- كانوا على درجة أعلى من التدين، ومن ناحية أخرى استمرت بعض الممارسات مثل الحج الى الأماكن المقدسة فى مكة وحولها. مما أدام احترام الحرم أو المنطقة المقدسة التى فيها مكة، ولكن الانتهاكات التى
_________________
(١) * الكواكب والنجوم- (المترجم) .
[ ٧٩ ]
حدثت أثناء حرب الفجار ربما كانت علامات على ضعف العقيدة «١» .
وفى الأزمة التى مرت بأهل مكة فى غزوة أحد أخذ أبو سفيان الالهتين اللات والعزى معه الى المعركة ضد المسلمين، وهذا يذكرنا ببنى اسرائيل عندما كانوا يأخذون التابوت معهم فى معاركهم، ويوحى بأن بقايا المعتقدات الوثنية فى شبه الجزيرة العربية قد انحطت الى مستوى السحر.
وبهذا المعنى يبدو أن الكثير من الطقوس القديمة قد بقيت، ولكن يمكن اعتبارها مجرد خرافة وليست دينا.
(ب) «الانسانية القبلية»
فى مقابل الدين القديم هناك ما يمكن أن نسميه «الانسانية القبلية»، وقد كانت هذه الانسانية القبلية هى الدين المؤثر عند العرب فى زمان محمد (﵊)، بالرغم من أنها كانت أيضا فى تدهور. وهذا هو الدين الذى نجده فى أشعار الجاهلية. فبالنسبة للشعراء، كان ما يجعل للحياة معنى هو الانتماء الى قبيلة تستطيع أن تتفاخر بالأعمال الفذة التى تتطلب الشجاعة والكرم والمشاركة فيها بنفسه، فمن وجهة النظر هذه، فان تحقيق التفوق الانسانى بالعمل هو هدف فى حد ذاته، وفى الوقت نفسه غالبا ما كان يساهم فى بقاء القبيلة، وهو الهدف الاخر العظيم من أهداف الحياة. هذه هى «الانسانية القبلية» بمعنى أن أهميتها تأتى أساسا من القيم الانسانية أو من القوة أو من سلوك الرجال. ولكنها تختلف عن معظم الفلسفات الانسانية الحديثة، فى أنها تعتبر القبيلة وليس الفرد محل هذه القيم.
وسنرى (فى الفصل الثالث) أنه بينما لم يهاجم القران فى آياته الأولى الوثنية القديمة، فقد قاوم هذه الفلسفة الانسانية فى مظهرها الدينى، ومن ذلك يجب تمييز المفهوم الأخلاقى للانسانية، أو المثل الأعلى الأخلاقى الذى احترمه القران بصفة عامة.
_________________
(١) كلمة الفجار مشتقة من الفجر وهو منتهى الاجرام، وقد أطلق العرب هذه التسمية على هذه الحرب لما حدث فيها من انتهاكات للمقدسات ومنها الأشهر الحرم.
[ ٨٠ ]
بينما كان الايمان بالشرف وامتياز القبيلة هو محور الحياة البدوية، فقد كانت هناك خلفية فكرية لهذا الاعتقاد تستحق الملاحظة. فايمان العرب بالقضاء والقدر مشهور، ولكن يبدو أنه ايمان محدود، فانهم لا يعتقدون أن جميع أعمال الانسان مقدورة عليه وانما فقط بعض أمور حياته. ولقد ذكرت فى موضع اخر أننا نجد فى بعض الأحاديث المعترف بها أفكارا جاهلية فى ثوب اسلامى، وبصفة خاصة الأمور التى كانت تنسب الى الدهر أو القدر أصبحت تنسب الى الله بشكل مباشر أو غير مباشر.
فاذا كان الأمر كذلك، فان الأمور الأربعة التى تنحصر داخلها الحياة الانسانية فى حدود ضيقة بالقضاء والقدر هى: الرزق والأجل وجنس الطفل وسعادته أو شقاؤه، ولم يكن ذلك دينا، فان القدر لم يكن معبودا، بل كان نوعا من العلم لأنه كان أساسا اقرارا بحقائق، ففى ظروف المعيشة فى الصحراء، تكون الأمور التى ذكرناها وراء قدرة عقل الانسان وحكمته، فالرزق غير مستقر الى درجة كبيرة، فربما تمتعت قبيلة بمطر غزير ومرعى خصيب، بينما تحرم قبيلة مجاورة من كليهما، والأمل فى الحياة قليل، اذ غالبا ما يأتى الموت فجأة وعلى غير توقع نتيجة صدام يحدث بالصدفة، وحتى فى أيامنا، فاننا لا نستطيع بكل ما أوتينا من علم أن نتنبأ بجنس الجنين فضلا عن أن نتحكم فيه. «وكذلك فان التقلبات الحادة فى الثروة أمر معتاد فى الصحراء، حتى ان خبرة العمل عند البدوى ليس فيها شىء غير متوقع» *.
وهكذا كان تحقيق المثل الأعلى للمروءة، بالصورة التى كان عليها، فى اطار ثابت، فمن المحتمل أن جريان دم نبيل فى عروق أحدهم كان
_________________
(١) * كتب المؤلف هذا الكلام قبل عام ١٩٥٣ وهو عام اصدار أول طبعة من هذا الكتاب، ولكن بعد ابتكار أجهزة الموجات فوق الصوتية فقد أمكن معرفة جنس الجنين بدرجة لا بأس بها من الدقة وذلك بعد أن يكون جنس الجنين قد ظهر بالفعل، أما علم الله فيعلم جنس الجنين قبل أن يخلق فى الأشهر الأولى للحمل- (المترجم) .
[ ٨١ ]
يعتبر أمرا يسهل القيام بأعمال نبيلة، بالرغم من أن الصفات الخلقية للفرد لم تتوقف أبدا على نبل النسب واحده. ونتيجة للتكافل القبلى عند العرب لم تشغلهم مشكلة الحرية الفردية الا قليلا. ولكن من المحتمل أن يكون نمو الفردية قد أدى، فى زمان شباب محمد (﵊)، الى اضمحلال هذه «الانسانية القبلية» كقوة دينية حيوية.
فحتى ذلك الحين لم يهتم الرجال كبير اهتمام بقدر الفرد طالما أن القبيلة باقية، أما الان فقد بدموا يتسائلون عن المصير النهائى للانسان، ولم يكن هناك طريق للانتقال من الانسانية القبلية الى الانسانية الفردية، لأنه فى غياب الايمان بخلود الانسان لم يكن هناك شىء دائم بالنسبة للفرد، أما فى حالة الانسانية القبلية، فقد كان فى امكان الرجال أن يروا أن القبيلة باقية، وكذلك وقبل كل شىء، الدم الذى ربما كانوا يعتبرونه مصدر الصفات النبيلة للقبيلة. وفى مجال العقيدة، يبدو أن المشكلة الرئيسية فى زمان محمد (ﷺ) كانت انهيار «الانسانية القبلية»، فى مواجهة التنظيم الجديد للمجتمع الذى تتزايد فيه الفردية.
(ج) ظهور الاتجاه نحو التوحيد
نوقشت العلاقة بين تعاليم الاسلام و«المصادر» اليهودية المسيحية الى درجة مثيرة للغثيان، ولن نتناول هذا الموضوع هنا بأية درجة من التفصيل، ولكن يستحسن أن نقول شيئا عن الزاوية التى يجب أن يناقش منها، نظرا لأن اتجاه علماء الغرب كان غالبا غير صحيح لأنه يتضمن- أو يبدو أنه يتضمن- انكارا للمذاهب الدينية الاسلامية. وحتى من وجهة نظر أفضل علماء الغرب، فان الدراسات الغربية للقران كانت غالبا غير صحيحة، فقد ركزت على الجانب الأدبى، ونسى أصحابها أن الجانب الأدبى ليس الا جانبا واحدا من جوانب الصورة، وأن الأعمال الأدبية فيها أيضا العمل الخلاق للشاعر أو الكاتب المسرحى أو القصصى، ولم يثبت وجود الجانب الأدبى أبدا غياب الأصالة الخلاقة.
ويشبه الدين الأدب كما يختلف عنه أيضا، ففى مقدورك أن تبين أن عاموس Amos أو حزقيال Ezekiel قد أخذا كثيرا من المفاهيم
[ ٨٢ ]
ممن سبقوهما، ولكنك اذا درستهما من هذه الناحية فقط فانك ستفقد الاحساس بأصالتهما وتفردية الوحى الالهى الذى جاء عن طريقهما.
ينظر المسلمون الى القران على أنه وحى الهى، أو كلام الله، ومن ناحية أخرى فان القران يتحدث بصراحة عن معتقدات الوثنيين العرب كما يتحدث عن بعض الأفكار التى مرت بخاطر محمد (﵊) والمسلمين، كما أن هناك ايات يمكن منها استنتاج مستقبل محمد (﵊) ومعاصريه بدرجة عالية من اليقين، وهذه الحقائق توحى بطريقة معالجة مسألة التأثيرات اليهودية المسيحية التى ترضى علماء الغرب بينما لا يكاد يقبلها المسلمون، والمفروض أن تكون المرحلة الأولى هى السؤال: ماذا ذكر القران أو تضمن عن معتقدات العرب فى زمان محمد (﵊)، سواء منها التقدمية المثقفة أو المتحفظة؟ ثم بعد ذلك يمكننا أن نسأل الى أى مدى نستطيع أن نتتبع اثار التأثير اليهودى المسيحيي.
تعطى الايات الأولى للقران «١» انطباعا بأنها موجهة لقوم يؤمنون بالله، وان كان هذا الايمان يشوبه الكثير من الابهام والارتباك. وقد فسر القران كلمات غريبة اذا ذكرت واحدها لم يفهمها السامع مثل سقر والقارعة والحطمة وأمثالها ولكنه لم يفسر كلمات مثل رب أو اله، ويدل التعبير «رب هذا البيت» (أى الكعبة) فى سورة قريش على أن المثقفين من أهل مكة كانوا يعتبرون أنفسهم عبادا لله. وكلمة الله اختصار للتعبير «الاله» * كما يعنى تعبير هوثيوس hotheos فى الاغريقية، ولكنه يفهم على أن المقصود به هو الاله الأعلى. ومن المحتمل أن الوثنيين فى مكة قبل زمان محمد (﵊) كانوا يستعملون أسم الله للدلالة على الاله الرئيسى للكعبة، كما كان الاله المعبود فى الطائف يسمى
_________________
(١) انظر الفصل الثالث الفقرة ٢- (المؤلف) . * الله اسم للخالق، والألف واللام فيه أصلية وليست للتعريف، وهو لا ينون ويعامل نحويا معاملة خاصة، وذلك غير كلمة (اله) - (المترجم) .
[ ٨٣ ]
اللات، أى الالهة. فاذا كانت كلمة الله قد استخدمها اليهود والمسيحيون بنفس المعنى؛ فان فرصة اختلاط الأمور تكون كبيرة، ويكون الاحتمال الأرجح هنا أنه بينما امن بعض أهل مكة بالله، فانهم لم يروا أن معتقداتهم القديمة فى تعدد الالهة تتعارض مع اعتقادهم فى الله حتى يرتضوها.
هذه الأحاسيس الداخلية بالتوحيد بين العرب لابد أنها نتيجة للتأثيرات المسيحية واليهودية بصفة أساسية «١»، *، فقد كان أمام العرب فرص كثيرة للاتصال بالمسيحيين واليهود، فالامبراطورية البيزنطية، التى كان العرب معجبين الى درجة كبيرة بقوتها وحضارتها
_________________
(١) انظر التذييل ب- (المؤلف) . * رسل الله محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام أبناء ابراهيم، وابراهيم كان خليل الرحمن مواحدا مسلما كما يجب أن يكون الاسلام- إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. شاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَباهُ وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (النحل ١٢٠، ١٢١) وكذلك كان رسول الله اسماعيل ﵇ مواحدا التوحيد الصحيح السليم الذى لم تشبه شائبة لأنه كان رسولا. واذكر فى الكتاب اسماعيل أنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (مريم ٥٤) . وكان العرب من ذرية اسماعيل والقبائل الاخرى التى عاشت معهم فى مكة مواحدين على دين ابراهيم ﵇، وقد ذكرنا من قبل أنهم كانوا يحجون ويعتمرون بنفس المناسك التى نحج بها ونعتمر اليوم وذلك قبل بعثة رسول الله ﷺ، وكانوا يلبون بنفس صيغة التلبية التى نلبى بها اليوم. واستمر الوضع كذلك حتى أدخل عمر ابن لحى عبادة الأصنام تقليدا لبعض قبائل الوثنية التى مر بها فى رحلة الصيف الى الشام فبدأ التحريف فى دين ابراهيم بادخال عبادة الأصنام معه، وكان منطقهم أنها تقربهم الى الله زلفى- ما نعبدهم الا ليقربونا الى الله زلفى (الزمر ٣) . وفى الاية التالية أثبت الله ﷿ لهم أنهم يعبدونه ولكنهم أشركوا بعبادته هذه الأصنام. وما يؤمن أكثرهم بالله الا وهم مشركون (يوسف ١٠٦) ولقد تكرر قول الله ﷿: ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله (لقمان ٢٥، الزمر ٣٨) . ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله (العنكبوت ٦١) فهم يعرفون الله ﷿ ويزعمون عبادته ولكنهم جعلوا له شركاء من أصنامهم، فالتوحيد اذن موجود عند العرب مند عهد ابراهيم ﵇. والتوحيد فى الاسلام ايمان باله واحد ليس كمثله شىء وليس فيه تعددية وليس له زوجة أو ولد. وفى النهاية لا ننسى أن كلا من محمد وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام رسل الله ﷿ ودعوة الرسل كلهم واحدة وهى الدعوة الى التوحيد.
[ ٨٤ ]
العالية، كانت مسيحية، وكذلك كانت الحبشة، وحتى فى الامبراطورية الفارسية كانت المسيحية قوية، والحيرة التى كانت ولاية تابعة للفرس، وكان العرب على صلة وثيقة بها كانت قاعدة أمامية للكنيسة الشامية الشرقية أو النسطورية. ولا شك أن هذا المزيج من التوحيد والقوة العسكرية والسياسية والمستوى العالى للحضارة المادية قد أثر فى العرب تأثيرا كبيرا. وبالفعل، فقد تحولت القبائل البدوية والمجتمعات المستقرة القريبة من هذه الدول الى المسيحية تدريجيا، وحتى بعض التجار من أهل مكة الذين كانوا يرتحلون الى مدن الأسواق على الحدود للتجارة لم يكونوا بعيدين عن التأثر بما كانوا يرونه، وكذلك كان هناك مسيحيون فى مكة، تجارا وعبيدا، ولكن ربما لم يكن تأثير هؤلاء الأفراد بالدرجة الكافية من الأهمية.
لم تكن فرص الاتصال باليهود كبيرة كما كانت بالنسبة للمسيحيين، ولكن ربما كانت بعض هذه الصلات حميمة، وبخاصة فى المدينة حيث عاش اليهود والعرب الوثنيون جنبا الى جنب، كما كان هناك أيضا عدد من القبائل اليهودية تعيش فى واحات فى شبه الجزيرة العربية وفى المناطق الخصبة من جنوبها، اما لاجئين من بنى اسرائيل أو قبائل عربية اعتنقت اليهودية، ولكن من الواضح أنه لم يكن هناك يهود فى مكة.
اذا تحدثنا عن التفاصيل، نجد أن الجماعات اليهودية والمسيحية التى أثرت على العرب كان لها بلا شك الكثير من الأفكار الغريبة، ولا نعنى بذلك هرطقة الشاميين الشرقيين (النسطوريين) أو أصحاب مبدأ الطبيعة الواحدة للمسيح Monophysites الذى كان عليه باقى أهل الشام والحبشة، فقد كانت تعبيرات علماء اللاهوت التابعين لهاتين الكنيستين معتدلة بالمقارنة بكثير من الأفكار الشاذة المستقاة من بشارات الأسفار المشكوك فى صحتها وما أشبه، والتى يبدو أنها كانت منتشرة فى شبه الجزيرة العربية. ولا شك فى أن ايات القران التى تومىء الى أن الثالوث يتكون من الأب والابن ومريم العذراء انما هى نقد لبعض العرب
[ ٨٥ ]
المسيحيين اسما والذين كانوا يعتقدون ذلك*. أما فى الجانب اليهودى، فان كثيرا من التفاصيل لم تأت أيضا من الكتب المقدسة بل من مصادر ثانوية مختلفة.
لا نستطيع أن نستبعد تماما احتمال التأثر بالجماعات المواحدة غير اليهود والمسيحيين ولكنه كان فى أحسن الأحوال ضئيلا، فربما كانت هناك مجتمعات صغيرة تؤمن بتوحيد مؤسس على فلسفة اغريقية مثل الصابئة، وقد يكون ذلك بعض التفسيرات المحتملة لبعض استخدامات كلمة «حنيف» «١»، **. وهنا يمكننى أن أقول ببساطة انه ليست هناك أية أدلة صحيحة عن أية حركة متفق عليها نحو التوحيد، واذا كانت هناك مثل هذه الحركة فمن المؤكد أنها كانت لدوافع سياسية مثل اعتناق عثمان بن الحويرث للمسيحية ليكون الحاكم الوحيد لمكة بمساعدة البيزنطيين، ومع ذلك فهناك قدر من الحقيقة فى الرواية التاريخية عن «الحنفاء» كباحثين عن دين جديد، ففى الوضع الدينى لشبه جزيرة العرب، وبصفة خاصة فى مكة، الذى كان فى نهاية القرن السادس، لا شك أنه كان هناك كثير من الرجال ذوى العقول الراجحة كانوا يشعرون بفراغ ويتوقون الى العثور على شىء يرضى احتياجاتهم.
وأخيرا، يجب ملاحظة أنه قد حدثت بعض التعديلات فى الأفكار اليهودية- المسيحية حتى يمكن استيعابها فى المنظور العربى، وقد رأينا
_________________
(١) * اشارة لقوله تعالى: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ) المائدة/ الاية ١٣.
(٢) انظر التذييل ج (المؤلف) . ** قال ابن منظور فى قاموس لسان العرب. «الحنيف المسلم الذى يتحنف عن الأديان، أى يميل الى الحق، وقيل هو الذى يستقبل قبلة البيت الحرام على ملة ابراهيم على نبينا وعليه الصلاة والسلام، وقيل هو المخلص، وقيل هو من أسلم فى أمر الله فلم يلتو فى شىء وقال أبو عبيدة: من كان على دين ابراهيم فهو حنيف عند العرب، وكان عبدة الأوثان فى الجاهلية يقولون: نحن حنفاء على دين ابراهيم فلما جاء الاسلام سموا المسلم حنيفا وقال الزجاجى: الحنيف فى الجاهليد من كان يحج البيت ويغتسل من الجنابة ويختتن، فلما جاء الاسلام كان الحنيف المسلم» . وكان الاختتان وغسل الجنابة والحج هو ما تبقى عن الأعمال من دين ابراهيم ﵊- (المترجم) .
[ ٨٦ ]
كيف انتقلت الأفكار القديمة المتعلقة بالدهر الى التعلق بالله، وقد تغلغلت فكرة الاله فى نفوس العرب، الى درجة أن الوثنيين كانوا يقولون ان خرافتهم كانت أوامر من الله: «وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا وَاللَّهُ أَمَرَنا بِها» (الأعراف ٢٨)، وربما كان التفسير الدينى لانسحاب أبرهة من مكة موجودا من قبل القران (حتى لو كان القران قد ذكر الحادثة) كما أن العلم بأن هودا وصالحا* كانا نبيين فى عاد وثمود ربما كان مثالا سابقا للقران لتطبيق المفهوم اليهودى- المسيحيي للنبوة.
واذا كان مسيلمة بنى حنيفة قد ادعى النبوة قبل محمد (﵊) كما يقول البعض، فان هذا يبين كيف كان لمفهوم النبوة جذوره**. وقد انعكس الاستيعاب فى المنظور العربى فى قبول
_________________
(١) * تقع مدائن صالح فى طريق قوافل الشام وكان العرب يرونها فى ذهابهم وعودتهم، ولا زالت هذه المدائن الى يومنا هذا خاصة البيوت المنعوتة فى الجبل. وتنحتون من الجبال بيوتا فارهين (الشعراء ٤٩) فالعرب (وأهل مكة بالذات) كانوا يعرفون مدائن صالح منذ أن كان هناك قوافل الى الشام، كما أن الأحقاف وهى أرض عاد قوم هود تقع فى جنوب شبه الجزيرة العربية فهى أقرب الى العرب من اليهود الذين كتبوا العهد القديم فى فترة السبى فى بابل، فليس هناك أى مبرر للقول بأن العرب قد عرفوا صالحا وهودا عن طريق اليهود (ليس فى العهد الجديد ذكر للأنبياء السابقين) خاصة وأنه من المعروف ولع بحفظ أنسابهم وتاريخهم. كذلك فلاحظ أن الله ﷿ قال بعد ذكر قصة نوح ﵇: تلك من أنباء الغيب نوحيها اليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا (هود ٤٩) . بينما لم يذكر مثل هذا التعبير عند ذكر عاد وثمود؛ مما يوحى بأن أخبارهما كانت معروفة للعرب ولو بصورة مجملة- (المترجم) . ** قال البخارى ﵀: «قدم مسيلمة الكذاب على عهد رسول الله ﷺ فجعل يقول: ان جعل لى محمد الأمر من بعده اتبعته» . وكان قدوم مسيلمة الى رسول الله ﷺ عام تسع من الهجرة، أى بعد ٢١ عاما من البعثة، وكان ضمن وفد بنى حنيفة، وهذا دليل على أنه حتى قدومه الى رسول الله ﷺ لم يكن قد ادعى النبوة. وقال ابن اسحق (وهو من المراجع الرئيسية التى أخذ عنها المؤلف): «فلما انتهوا الى اليمامة ارتد عدو الله وتنبأ (أى ادعى النبوة) وتكذب لهم وقال: انى قد أشركت فى الأمر معه (يقصد الرسول ﵊) . أما صفة الكذاب فقد أطلقها عليه رسول الله ﷺ. فقد أرسل مسيلمة رسالة الى الرسول يقول فيها: من مسيلمة رسول الله الى محمد رسول الله افرد-
[ ٨٧ ]
المفاهيم اليهودية- المسيحية أو رفضها، بالرغم من أنه من الصعب عادة أن نبين أن العرب كانوا على علم بفكرة لم يرد لها ذكر، وأنهم لهذا قد رفضوها.
لا يكاد يكون ضروريا، لدراسة حياة محمد (﵊)، تحديد الأهمية النسبية للتأثيرات اليهودية والمسيحية، خاصة وأن كثيرا من التفاصيل موضع خلاف، ولكن الضرورة الرئيسية هى أن ندرك أن مثل هذه الأشياء كانت منتشرة قبل مجىء القران الى محمد (﵊)، وأنها كانت جزا من اعداده واعداد بيئته لرسالته.
_________________
(١) الرسول ﵊ برسالة قال فيها: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله الى مسيلمة الكذاب (المترجم) .
[ ٨٨ ]