١- بداية المعارضة، الايات الشيطانية
لدينا ما يجعلنا نعتقد أن محمدا (ﷺ) قد حقق قدرا من النجاح فى البداية الأولى لدعوته، لكن المعارضة ضده تطورت وسرعان ما أصبحت خطيرة هائلة. وعلينا أن نناقش قضيتين أساسيتين هنا: متى ظهرت المعارضة، وكيف عبرت عن نفسها؟ وما الدوافع الكامنة وراءها؟ والقضية الثانية هى الأكثر أهمية، لكن علينا أن نتناول القضية الأولى أولا.
(أ) خطاب عروة
أورد لنا الطبرى نصا من وثيقة مكتوبة ترجع لزمن مبكر، تشير كل الظواهر الى أنها وثيقة صحيحة «١» . لذا، فمن الملائم أن نبدأ بذكرها:
أخبرنا هشام بن عروة عن عروة أنه كتب لعبد الملك بن مروان (تولى الخلافة من ٦٥ الى ٨٦ هـ/ ٦٨٥- ٧٠٥ م):
«أما بعد، فانه- يعنى رسول الله ﷺ- لما دعا قومه لما بعثه الله من الهدى والنور الذى أنزل عليه، لم يبعدوا منه أول ما دعاهم، وكادوا يسمعون له، حتى ذكر طواغيتهم. وقدم ناس من الطائف من قريش
_________________
(١) تاريخ الطبرى، ١١٨٠ وما بعدها، وانظر أيضا Caetani،Ann i،p. ٢٦٧ f.:
[ ١٩٣ ]
لهم أموال، أنكروا ذلك عليه، واشتدوا عليه، وكرهوا ما قال [لهم]، واغروا به من أطاعهم، فانصفق عنه عامة الناس، فتركوه الا من حفظه الله منهم، وهم قليل، فمكث بذلك ما قدر الله أن يمكث. ثم ائتمرت رؤوسهم بأن يفتنوا من تبعه عن دين الله من أبنائهم واخوانهم وقبائلهم، فكانت فتنة شديدة الزلزال على من اتبع رسول الله ﷺ من أهل الاسلام! فافتتن من افتتن، وعصم الله منهم من شاء، فلما فعل ذلك بالمسلمين أمرهم رسول الله ﷺ أن يخرجوا الى أرض الحبشة- وكان بالحبشة ملك صالح يقال له النجاشى، لا يظلم أحد بأرضه، وكان موضع ثناء، وكانت أرض الحبشة متجرا لقريش يتجرون فيها، يجدون فيها رفاغا من الرزق، وأمنا ومتجرا حسنا- فأمرهم بها رسول الله ﷺ؛ فذهب اليها عامتهم لما قهروا بمكة، وخاف عليهم الفتن، ومكث هو فلم يبرح، فمكث بذلك سنوات، يشتدون على من أسلم منهم.
ثم انه فشا الاسلام فيها، ودخل فيه رجال من أشرافهم.
قال أبو جعفر: فاختلف فى عدد من خرج الى أرض الحبشة، وهاجر اليها هذه الهجرة، وهى الهجرة الأولى.
فقال بعضهم: كانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة.
ذكر من قال ذلك:
حدثنا الحارث، قال: حدثنا ابن سعد، قال: أخبرنا محمد ابن عمر، قال: حدثنا يونس بن محمد الظفرى، عن أبيه، عن رجل من قومه. قال: وأخبرنا عبيد الله بن العباس الهذلى، عن الحارث بن الفضيل، قالا: خرج الذين هاجروا الهجرة الأولى متسللين سرا، وكانوا أحد عشر رجلا وأربع نسوة، حتى انتهوا الى الشعيبة، منهم الراكب والماشى، ووفق الله للمسلمين ساعة جاؤوا سفينتين للتجار حملوهم فيهما الى أرض الحبشة بنصف دينار، وكان مخرجهم فى رجب فى السنة الخامسة، من حين نبىء رسول الله ﷺ، وخرجت قريش فى اثارهم حتى جاؤوا البحر، حيث ركبوا فلم يدركوا منهم أحدا.
[ ١٩٤ ]
قالوا: وقدمنا أرض الحبشة، فجاورنا بها خير جار، أمنا على ديننا، وعبدنا الله، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه» *.
واذا نحينا جانبا الى حين ما ورد فى هذا النص عن الهجرة للحبشة، فاننا نلاحظ ثلاث نقاط رئيسية:
أولها: أن المعارضة الحقيقية الأولى ارتبطت بالتعرض للأصنام (الطواغيت)، ويمكننا أن نفترض أن التعرض لهذه الأصنام (الطواغيت) كان فى خلال النص القرانى.
ثانيها: أن بعض أثرياء قريش الذين يمتلكون ثروات فى الطائف كانوا هم زعماء الحركة المعارضة لمحمد (ﷺ) .
ثالثها: أن كل ذلك سبق الهجرة الى الحبشة.
وليس هناك صعوبة كبيرة فى تقبل ما ورد فى ثانيا وثالثا (كون أثرياء من قريش هم الذين قادوا المعارضة ضد محمد ﷺ، وكون ذلك بدأ قبل الهجرة الى الحبشة)، لكن هناك صعوبة فى تقبل ما ورد فى أولا (وهو كون المعارضة القرشية لم تبدأ الا بعد التعرض للطواغيت) .
فالدراسات التى قام بها نولدكه Noldeke وبل Bell عن التأريخ لايات القران الكريم، تظهر لنا ايات كثيرة (نزلت) قبل أن تنزل ايات تتعرض للأوثان (الطواغيت)، التى قيل ان التعرض لها كان هو سبب ظهور المعارضة لمحمد (ﷺ) . حقيقة ان الأصنام لم تذكر طوال الحقبة المكية الا قليلا. ومن الممكن أن عروة الذى كان يكتب بعد الأحداث بسبعين سنة على الأقل قد افترض- مجرد افتراض- أن الهجوم على الشرك (تعدد الالهة) لا بد أن يكون هو سبب ظهور المعارضة فى هذا الوقت، لأنها كانت هى السبب فى اشتداد المعارضة فيما بعد. ومن المعقول أيضا- لكن هذا ليس مؤكدا- أن ذكر الأصنام (التعرض للطواغيت) يرجع الى قصة الايات الشيطانية التى سنناقشها فى الفقرة
_________________
(١) * الطبرى، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٥٤٦.
[ ١٩٥ ]
التالية. ففى هذه الحال لا بد أن نفترض أن قريشا قد تضايقت لأن صنم الطائف كان قد بدأ يحقق شهرة كبيرة، وربما بدأ أهل الطائف يعتبرونه على قدم المساواة مع أصنام مكة. وبشكل عام، فان الحل الأكثر بساطة والأكثر مدعاة للقبول هو القول بأن المعارضة الفعالة للرسول لم تظهر الا بعد التعرض للأوثان، فالاشارة الى قريش فى الطائف تشير الى ان لدى عروة بعض مصادر المعلومات الجيدة غير القران (الكريم) . دعونا الان نقبل بصحة القضية الأولى بشكل مؤقت (القضية الأولى هى المثارة انفا من أن معارضة قريش للرسول لم تبدأ الا بعد التعرض للأوثان) .
(ب) قصة الايات الشيطانية
تعد السورة ٥٣ (سورة النجم) أكثر الايات المكية التى تعرضت للأوثان لفتا للنظر، وترتبط قصة الايات الشيطانية بها. وكان الطبرى «٢» هو أول من ذكر هذه القصة على النحو التالى*:
«حدثنى يعقوب بن ابراهيم، قال: حدثنا ابن علية، عن محمد ابن اسحاق، قال: حدثنى سعيد بن ميناء، مولى أبى البخترى، قال:
لقى الوليد بن المغيرة والعاص بن وائل والأسود بن المطلب وأمية بن خلف رسول الله ﷺ، فقالوا: يا محمد، هلم فلنعبد ما تعبد، وتعبد ما نعبد، ونشركك فى أمرنا كله، فان كان الذى جئت به خيرا مما فى أيدينا، كنا قد شركناك فيه، وأخذنا بحظنا منه، وان كان الذى بأيدينا خيرا مما فى يدك، كنت قد شركتنا فى أمرنا، وأخذت بحظك منه، فأنزل الله ﷿: (قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ)، حتى انقضت السورة.
فكان رسول الله ﷺ حريصا على صلاح قومه، محبا مقاربتهم بما وجد اليه السبيل، قد ذكر أنه تمنى السبيل الى مقاربتهم، فكان من
_________________
(١) وكذلك تفسير الطبرى Ann،١١٩٢،cf..١١٩، ١٧، * اثرنا الرجوع مباشرة لنص الطبرى لا ترجمته الى العربية من نص المترجم الذى لا يختلف فى معناه، كما اثزنا ايراد الأسانيد كما أوردها الطبرى رغم طولها- (المترجم) .
[ ١٩٦ ]
أمره فى ذلك ما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنى محمد بن اسحاق، عن يزيد بن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرطى، قال: لما رأى رسول الله ﷺ تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب بينه وبين قومه، وكان يسره مع حبه قومه، وحرصه عليهم أن يلين له بعض ما قد غلظ عليه من أمرهم، حتى حدث بذلك نفسه، وتمناه وأحبه، فأنزل الله ﷿: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى * وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى)، فلما انتهى الى قوله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)، ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه، ويتمنى أن يأتى به قومه: «تلك الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن لترتجى»، فلما سمعت ذلك قريش فرحوا، وسرهم وأعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له- والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل- فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به، واتباعا لأمره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم، لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد، الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا، فلم يستطع السجود، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها، ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش، وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، قد زعم فيما يتلو: «أنها الغرانيق العلا، وأن شفاعتهن ترتضى» وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ، وقيل: أسلمت قريش، فنهض منهم رجال، وتخلف اخرون، وأتى جبريل رسول الله ﷺ، فقال: يا محمد، ماذا صنعت! لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله ﷿، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله ﷺ عند ذلك حزنا شديدا، وخاف من الله خوفا كثيرا، فأنزل الله ﷿- وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر، ويخبره أنه لم يك قبله نبى ولا رسول تمنى كما تمنى، ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته،
[ ١٩٧ ]
كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما القى الشيطان والحكم آياته، أى فأنما أنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله ﷿: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، فأذهب الله ﷿ عن نبيه الحزن، وامنه من الذى كان يخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم: «أنها الغرانيق العلا وأن شفاعتهن ترتضى»، بقول الله ﷿ حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى: (أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى) أى عوجاء، (ان هى الا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم) - الى قوله- (لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى)، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده!
فلما جاء من الله ما نسخ ما كان الشيطان القى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما ذكر من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره، وكان ذانك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسول الله ﷺ قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه وشدة على من أسلم واتبع رسول الله ﷺ منهم، وأقبل أولئك النفر من أصحاب رسول الله ﷺ الذين خرجوا من أرض الحبشة لما بلغهم من اسلام أهل مكة حين سجدوا مع رسول الله ﷺ، حتى اذا دنوا من مكة، بلغهم أن الذى كانوا تحدثوا به من اسلام أهل مكة كان باطلا، فلم يدخل منهم أحد الا بجوار، أو مستخفيا، فكان ممن قدم مكة منهم فأقام بها حتى هاجر الى المدينة، فشهد معه بدرا من بنى عبد شمس بن عبد مناف ابن قصى، عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، وأبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس معه امرأته سهلة بنت سهيل، وجماعة أخر معهم، عددهم ثلاثة وثلاثون رجلا.
حدثنى القاسم بن الحسن، قال: حدثنا الحسين بن داود، قال:
حدثنى حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس، قالا: جلس رسول الله ﷺ فى ناد من أندية قريش، كثير أهله، فتمنى يومئذ ألا يأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله ﷿:
[ ١٩٨ ]
(وَالنَّجْمِ إِذا هَوى * ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى)، فقرأها رسول الله ﷺ حتى اذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى* وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان عليه كلمتين: «تلك الغرانيق العلا* وان شفاعتهن لترتجى»، فتكلم بهما، ثم مضى فقرا السورة كلها، فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم معه جميعا، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته، فسجد عليه- وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود- فرضوا بما تكلم به، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت، وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده، فاذا جعلت لها نصيبا فنحن معك. قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه، قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ:
افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله اليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا)، فمازال مغموما مهموما، حتى نزلت: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) - الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
قال: فسمع من كان بأرض الحبشة من المهاجرين أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم، وقالوا: هم أحب الينا، فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان» *.
وفى شرحه للاية ٥٢ من السورة رقم ٢٢ (الحج) «٣» يذكر لنا الطبرى عددا من الروايات الاخرى حول هذا الموضوع، منها روايتان للمدعو أبو علية، وهما روايتان مهمتان لاحتوائهما على تفصيلات ليست فى الروايات الشائعة، وفيما يلى نص ما ورد فى تفسير الطبرى**:
(وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢» .
_________________
(١) * الطبرى، طبعة دار الكتب العلمية، بيروت، ص ٥٥٠ وما بعدها.
(٢) ج ١٧، ١١٩- ١٢١. ** اثرنا نقل النص كما هو باسناده كما ورد فى تفسير الطبرى، لا ترجمة من كلمات المؤلف.
[ ١٩٩ ]
قيل: ان السبب الذى من أجله أنزلت هذه الاية على رسول الله ﷺ، أن الشيطان كان ألقى على لسانه فى بعض ما يتلوه مما أنزل الله عليه من القران ما لم ينزله الله عليه، فاشتد ذلك على رسول الله ﷺ واغتم به، فسلاه الله مما به من ذلك بهذه الايات. ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا حجاج، عن أبى معشر، عن محمد بن كعب القرظى ومحمد بن قيس قالا: جلس رسول الله ﷺ فى ناد من أندية قريش كثير أهله، فتمنى يومئذ ألايأتيه من الله شىء فينفروا عنه، فأنزل الله عليه: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فقرأها رسول الله ﷺ، حتى اذا بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى عليه الشيطان كلمتين: «تلك الغرانقة العلى، وان شفاعتهن لترجى»، فتكلم بها. ثم مضى فقرأ السورة كلها.
فسجد فى اخر السورة، وسجد القوم جميعا معه، ورفع الوليد بن المغيرة ترابا الى جبهته فسجد عليه، وكان شيخا كبيرا لا يقدر على السجود، فرضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت وهو الذى يخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده اذ جعلت لها نصيبا، فنحن معك! قالا: فلما أمسى أتاه جبرائيل ﵇ فعرض عليه السورة؛ فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال: ما جئتك بهاتين! فقال رسول الله ﷺ: «افتريت على الله وقلت على الله ما لم يقل» فأوحى الله اليه: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ، لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ) الى قوله: (ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا) .
فمازال مغموما مهموما حتى نزلت عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) . قال: فسمع من كان من المهاجرين بأرض الحبشة أن أهل مكة قد أسلموا كلهم، فرجعوا الى عشائرهم وقالوا: هم أحب الينا! فوجدوا القوم قد ارتكسوا حين نسخ الله ما ألقى الشيطان.
حدثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن اسحاق، عن يزيد ابن زياد المدنى، عن محمد بن كعب القرظى قال: لما رأى رسول الله ﷺ
[ ٢٠٠ ]
تولى قومه عنه، وشق عليه ما يرى من مباعدتهم ما جاءهم به من عند الله، تمنى فى نفسه أن يأتيه من الله ما يقارب به بينه وبين قومه. وكان يسره، مع حبه وحرصه عليهم، أن يلين له بعض ما غلظ عليه من أمرهم، حين حدث بذلك نفسه وتمنى وأحبه، فأنزل الله: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى ما ضَلَّ صاحِبُكُمْ وَما غَوى) فلما انتهى الى قول الله: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه، لما كان يحدث به نفسه ويتمنى أن يأتى به قومه: «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن ترتضى» . فلما سمعت قريش ذلك فرحوا وسرهم، واعجبهم ما ذكر به الهتهم، فأصاخوا له، والمؤمنون مصدقون نبيهم فيما جاءهم به عن ربهم، ولا يتهمونه على خطأ ولا وهم ولا زلل. فلما انتهى الى السجدة منها وختم السورة، سجد فيها، فسجد المسلمون بسجود نبيهم، تصديقا لما جاء به واتباعا لامره، وسجد من فى المسجد من المشركين من قريش وغيرهم لما سمعوا من ذكر الهتهم، فلم يبق فى المسجد مؤمن ولا كافر الا سجد الا الوليد بن المغيرة، فانه كان شيخا كبيرا فلم يستطع، فأخذ بيده حفنة من البطحاء فسجد عليها. ثم تفرق الناس من المسجد، وخرجت قريش وقد سرهم ما سمعوا من ذكر الهتهم، يقولون: قد ذكر محمد الهتنا بأحسن الذكر، وقد زعم فيما يتلو أنها الغرانيق العلى وأن شفاعتهن ترتضى! وبلغت السجدة من بأرض الحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ وقيل: أسلمت قريش. فنهضت منهم رجال، وتخلف اخرون. وأتى جبرائيل النبى ﷺ، فقال: يا محمد ماذا صنعت؟ لقد تلوت على الناس ما لم اتك به عن الله، وقلت ما لم يقل لك! فحزن رسول الله عند ذلك، وخاف من الله خوفا كبيرا، فأنزل الله ﵎ عليه- وكان به رحيما- يعزيه ويخفض عليه الأمر ويخبره أنه لم يكن قبله رسول ولا نبى تمنى كما تمنى ولا أحب كما أحب الا والشيطان قد ألقى فى أمنيته كما ألقى على لسانه ﷺ، فنسخ الله ما ألقى الشيطان وأحكم آياته، أى فأنت كبعض الأنبياء والرسل، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الاية. فأذهب الله عن نبيه الحزن، وأمنه من الذى كان بخاف، ونسخ ما ألقى الشيطان على لسانه من ذكر الهتهم
[ ٢٠١ ]
أنها الغرانيق العلى وان شفاعتهن ترتضى. يقول الله حين ذكر اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى، الى قوله: (وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَيَرْضى)، أى فكيف تنفع شفاعة الهتكم عنده. فلما جاءه من الله ما نسخ ما كان الشيطان ألقى على لسان نبيه، قالت قريش: ندم محمد على ما كان من منزلة الهتكم عند الله، فغير ذلك وجاء بغيره! وكان ذلك الحرفان اللذان ألقى الشيطان على لسان رسوله قد وقعا فى فم كل مشرك، فازدادوا شرا الى ما كانوا عليه.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا المعتمر، قال: سمعت داود، عن أبى العالية، قال: قالت قريش لرسول الله ﷺ: انما جلساؤك عبد بنى فلان ومولى بنى فلان، فلو ذكرت الهتنا بشىء جالسناك، فانه يأتيك أشراف العرب فاذا رأوا جلساءك أشراف قومك كان أرغب لهم فيك! قال: فألقى الشيطان فى أمنيته، فنزلت هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى)
قال: فأجرى الشيطان على لسانه: «تلك الغرانيق العلى، وشفاعتهن ترجى، مثلهن لا ينسى» .
قال: فسجد النبى ﷺ حين قرأها، وسجد معه المسلمون والمشركون.
فلما علم الذى أجرى على لسانه، كبر ذلك عليه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ)
الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن داود بن أبى هند، عن أبى العالية قال: قالت قريش:
يا محمد انما يجالسك الفقراء والمساكين وضعفاء الناس، فلو ذكرت الهتنا بخير لجالسناك فان الناس يأتونك من الافاق! فقرأ رسول الله ﷺ سورة النجم، فلما انتهى على هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان على لسانه: «وهى الغرانقة العلى، وشفاعتهن ترتجى» . فلما فرغ منها سجد رسول الله ﷺ والمسلمون والمشركون، الا أبا أحيحة سعيد بن العاص، أخذ كفا من تراب وسجد عليه، وقال: قد ان لابن أبى كبشة أن يذكر الهتنا بخير! حتى بلغ
[ ٢٠٢ ]
الذين بالحبشة من أصحاب رسول الله ﷺ من المسلمين أن قريشا قد أسلمت، فاشتد على رسول الله ﷺ ما ألقى الشيطان على لسانه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) الى اخر الاية.
حدثنا ابن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن أبى بشر، عن سعيد بن جبير، قال: لما نزلت هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) قرأها رسول الله ﷺ، فقال: «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . فسجد رسول الله ﷺ. فقال المشركون: انه لم يذكر الهتكم قبل اليوم بخير! فسجد المشركون معه، فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الى قوله: (عَذابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ) .
حدثنا ابن المثنى، قال: ثنى عبد الصمد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا أبو بشر، عن سعيد بن جبير قال: لما نزلت: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى)، ثم ذكر نحوه.
حدثنى محمد بن سعد، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الى قوله:
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ)، وذلك أن نبى الله ﷺ بينما هو يصلى، اذ نزلت عليه قصة الهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون فقالوا: انا نسمعه يذكر الهتنا بخير! فدنوا منه، فبينما هو يتلوها وهو يقول:
(أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) ألقى الشيطان:
«ان تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فجعل يتلوها، فنزل جبرائيل ﵇ فنسخها، ثم قال له: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ) الى قوله: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (وما أرسلنا من قبلك من رسول
[ ٢٠٣ ]
ولا نبى) الاية، أن نبى الله ﷺ وهو بمكة، أنزل الله عليه فى الهة العرب، فجعل يتلو اللات والعزى ويكثر ترديدها. فسمع أهل مكة نبى الله يذكر الهتهم، ففرحوا بذلك، ودنوا يستمعون، فألقى.
الشيطان فى تلاوة النبى ﷺ: «تلك الغرانيق العلى، منها الشفاعة ترتجى» . فقرأها النبى ﷺ كذلك، فأنزل الله عليه: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ) الى: (وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) .
حدثنى يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: أخبرنى يونس، عن ابن شهاب، أنه سئل عن قوله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) الاية، قال ابن شهاب: ثنى أبو بكر بن عبد الرحمن ابن الحارث: أن رسول الله ﷺ وهو بمكة قرأ عليهم: (وَالنَّجْمِ إِذا هَوى)، فلما بلغ: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) قال: «ان شفاعتهن ترتجى» . وسها رسول الله ﷺ.
فلقيه المشركون الذين فى قلوبهم مرض، فسلموا عليه، وفرحوا بذلك، فقال لهم: «انما ذلك من الشيطان» . فأنزل الله: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ) حتى بلغ: (فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ) .
حدثنى على، قال: ثنا عبد الله، قال: ثنى معاوية، عن على، عن ابن عباس: (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) فيبطل الله ما ألقى الشيطان.
حدثت عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيد، قال: سمعت الضحاك يقول فى قوله: (فينسخ الله ما يلقى الشيطان) نسخ جبريل بأمر الله ما ألقى الشيطان على لسان النبى ﷺ، وأحكم الله آياته.
وقوله: (ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ) يقول: ثم يخلص الله ايات كتابه من الباطل الذى ألقى الشيطان على لسان نبيه. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بما يحدث
[ ٢٠٤ ]
فى خلقه من حدث، لا يخفى عليه منه شىء. (حكيم) فى تدبيره اياهم وصرفه لهم فيما شاء وأحب. القول فى تأويل قوله تعالى:
(لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ (٥٣» .
يقول تعالى ذكره: فينسخ الله ما يلقى الشيطان، ثم يحكم الله آياته، كى يجعل ما يلقى الشيطان فى أمنية نبيه من الباطل، كقول النبى ﷺ: «تلك الغرانيق العلى، وان شفاعتهن لترتجى» . (فتنة) يقول: اختبارا يختبر به الذين فى قلوبهم مرض من النفاق، وذلك الشك فى صدق رسول الله ﷺ وحقيقه ما يخبرهم به.
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابن ثور، عن معمر، عن قتادة: أن النبى ﷺ كان يتمنى ألايعيب الله الهة المشركين، فألقى الشيطان فى امنيته، فقال: «ان الالهة التى تدعى أن شفاعتها لترتجى وانها للغرانيق العلى» . فنسخ الله ذلك، وأحكم الله آياته: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى) حتى بلغ: (من سلطان) قال قتادة: لما ألقى الشيطان ما ألقى، قال المشركون: قد ذكر الله الهتهم بخير! ففرحوا بذلك، فذكر قوله: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) .
حدثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمر، عن قتادة، بنحوه.
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج، فى قوله: (ليجعل ما يلقى الشيطان فتنة للذين فى قلوبهم مرض) يقول: وللذين قست قلوبهم عن الايمان بالله، فلا تلين ولا ترعوى، وهم المشركون بالله.
[ ٢٠٥ ]
وبنحو الذى قلنا فى ذلك قال أهل التأويل. ذكر من قال ذلك:
حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريج: (والقاسية قلوبهم) قال: المشركون.
وقوله: (وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) يقول تعالى ذكره: وان مشركى قومك يا محمد لفى خلاف الله فى أمره، بعيد من الحق. القول فى تأويل قوله تعالى:
(وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ اللَّهَ لَهادِ الَّذِينَ آمَنُوا إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٤» .
يقول تعالى ذكره: وكى يعلم أهل العلم بالله أن الذى أنزله الله من آياته التى أحكمها لرسوله ونسخ ما ألقى الشيطان فيه، أنه الحق من عند ربك يا محمد (فيؤمنوا به) يقول: فيصدقوا به. (فتخبت له قلوبهم) يقول: فتخضع للقران قلوبهم، وتذعن بالتصديق به والاقرار بما فيه، (وان الله لهاد الذين آمنوا الى صراط مستقيم) وان الله لمرشد الذين آمنوا بالله ورسوله الى الحق القاصد والحق الواضح، بنسخ ما ألقى الشيطان فى أمنية رسوله، فلا يضرهم كيد الشيطان والقاؤه الباطل على لسان نبيهم » .
لقد أورد الطبرى (كما هو واضح من النصوص السابقة) عددا من الروايات عن هذا الموضوع، الا أن ما هو منسوب الى المدعو (أبو علية) (بضم العين) * يحوى تفاصيل أكثر، وتبدو روايته هى الرواية الأولى (بشكلها الأول)، وتشير رواية أبى علية أيضا أن أبا أحيحة سعيد بن العاص قال عقب سماعه الايات الشيطانية (وأخيرا تحدث أبو كبشة عن
_________________
(١) * فى الطبرى ابن علية (بضم العين) .
[ ٢٠٦ ]
الهتنا بما هو خير) * وقد يكون أبو أحيحة قد قال ذلك فعلا، ما دامت هناك ملاحظة مماثلة- ربما أكثر خشونة قد صدرت عن هذا الشخص نفسه عند حديثه عن محمد (ﷺ) «٤» .
واذا قارنا الروايات المختلفة وحاولنا الفصل بين الحقائق الخارجية (ظواهر النص) المتفقة معا من ناحية، والبواعث أو الدوافع التى أوردها المؤرخون المختلفون لتفسير هذه الحقائق وشرحها من ناحية أخرى، فاننا سنجد على الأقل حقيقتين مؤكدتين. أولاهما، أنه حدث ذات مرة أن قرأ محمد (ﷺ) هذه الايات الشيطانية علنا باعتبارها جزا من القران (الكريم) **، ونظن أن هذه القصة لم يخترعها مسلمون متأخرون زمنا ولا نظن أن غير المسلمين قد أقحموها فى التاريخ الاسلامى.
_________________
(١) * لم نجد نصا بهذا المعنى فى طبعة الطبرى التى بين أيدينا (دار الكتب العلمية- بيروت) .
(٢) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج ٤، ص ٦٩، وانظر أيضا ج ١، ٢، ١٤٥، ٢٧. ** أظهرت البحوث المقارنة أن قصة الايات الشيطانية أو ما تعرف بايات الغرانيق قصة موضوعة، ومن أفضل من فندوا هذه الروايات محمد حسين هيكل فى كتابه الشهير حياة محمد، ونورد هنا النص الكامل من كتابه عن هذه القصة: «أقام المسلمون الذين هاجروا الى الحبشة ثلاثة أشهر أسلم أثناءها عمر بن الخطاب. وعلم هؤلاء المهاجرون ما حدث على أثر اسلامه من رجوع قريش عن ايذائها محمدا ومن اتبعه، فعاد كثير منهم فى رواية، وعادوا كلهم فى رواية أخرى الى مكة. فلما بلغوها رأوا قريشا عادت الى ايذاء المسلمين والى الامعان فى عداوتهم أشد مما عرف هؤلاء المهاجرون من قبل، فعاد الى الحبشة من عاد، ودخل مكة من دخل مستخفيا أو بجوار. ويقال: ان الذين عادوا استصحبوا معهم عددا اخر من المسلمين أقاموا بالحبشة الى ما بعد الهجرة والى حين استتباب الأمر للمسلمين بالمدينة. أى داع حفز مسلمى الحبشة الى العودة بعد ثلاثة أشهر من مقامهم بها؟ هنا يرد حديث الغرانيق الذى أورده ابن سعد فى طبقاته الكبرى والطبرى فى تاريخ الرسل
[ ٢٠٧ ]
_________________
(١) والملوك، كما أورده كثيرون من المفسرين المسلمين وكتاب السيرة، والذى أخذ به جماعة المستشرقين ووقفوا يؤيدونه طويلا. وحديث الغرانيق: أن محمدا لما رأى تجنب قريش أياه وأذاهم أصحابه تمنى فقال: ليته لا ينزل على شىء ينفرهم منى، وقارب قومه ودنا منهم ودنوا منه فجلس يوما فى ناد من تلك الأندية حول الكعبة فقرأ عليهم سورة النجم حتى بلغ قوله تعالى: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى) فقرأ بعد ذلك: تلك الغرانيق العلا. وان شفاعتهن لترتجى. ثم مضى وقرأ السورة كلها وسجد فى أخرها. هنالك سجد القوم جميعا لم يتخلف منهم أحد. وأعلنت قريش رضاها عما تلا النبى، وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيى ويميت ويخلق ويرزق، ولكن الهتنا هذه تشفع لنا عنده. أما اذ أن جعلت لها نصيبا فنحن معك. وبذلك زال وجه الخلاف بينه وبينهم. وفشا أمر ذلك فى الناس حتى بلغ أرض الحبشة؛ فقال المسلمون بها: عشائرنا أحب الينا، وخرجوا راجعين. فلما كانوا دون مكة بساعة من نهار لقوا ركبا من كنانة فسألوهم، فقالوا: ذكر الهتهم بخير فتابعه الملأ، ثم أرتد عنها فعاد لشتم ألهتهم فعادوا له بالشر. وأتمر المسلمون ما يصنعون، فلم يطيقوا عن لقاء أهلهم صبرا فدخلوا مكة. وانما ارتد محمد عن ذكر الهة قريش بالخير، فى مختلف الروايات التى أثبتت هذا الخبر، لأنه كبر عليه قول قريش: «أما اذ جعلت لالهتنا نصيبا فنحن معك»، ولأنه جلس فى بيته، حتى اذا أمسى أتاه جبريل فعرض النبى عليه سورة النجم، فقال جبريل: أوجئتك بهاتين الكلمتين؟! مشيرا الى «تلك الغرانيق العلا، وان شفاعتهن لترتجى» . قال محمد: قلت على الله ما لم يقل! ثم أوحى الله اليه: «وان كادوا ليفتنونك عن الذى أوحينا اليك لتفترى علينا غيره واذا لاتخذوك خليلا. ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن اليهم شيئا قليلا. اذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا» . وبذلك عاد يذكر الهة قريش بالشر ويسبهم، وعادت قريش لمناوأته وأيذاء أصحابه. هذا حديث الغرانيق، رواه غير واحد من كتاب السيرة، وأشار اليه غير واحد من المفسرين، ووقف عنده كثيرون من المستشرقين طويلا. وهو حديث ظاهر التهافت ينقضه قليل من التمحيص. وهو بعد حديث ينقض ما لكل نبى من العصمة فى تبليغ رسالات ربه. فمن عجب أن يأخذ به بعض كتاب السيرة وبعض المفسرين المسلمين
[ ٢٠٨ ]
وثانيهما، أنه من المؤكد أن محمدا (ﷺ) قد أعلن بعد ذلك أن هذه الايات الشيطانية ليست من القران الكريم وأن ايات أخرى قد حلت محلها تحمل مضمونا مختلفا تماما. والروايات الأولى لا تحدد الفترة الزمنية بين نطق محمد (ﷺ) بهذه الايات الشيطانية وانكاره لها. انه من المحتمل أن ذلك قد استغرق أسابيع أو حتى شهورا.
وهناك أيضا حقيقة ثالثة أو مجموعة من الحقائق من المحتمل ان تكون اكيدة بالنسبة لنا، واعنى بها انه بالنسبه لمحمد (ﷺ) ومعاصريه من أهل مكة فان الاشارة الأساسيه لهذه الايات الشيطانية لا بد أن تكون الى اللات وهى الربة المعبودة فى الطائف، والعزى الربة المعبودة فى نخلة بالقرب من مكة، والربة مناة التى تقع نصبها بين مكة والمدينة والتى كان يعبدها فى الأساس عرب المدينة.
وكان القرشيون هم العبدة الأساسيين للعزى، لكن أسرات أخرى ذوات طابع كهنوتى شاركت فى عبادتها فيما تقول الروايات، وهذه الأسرات من بنى سليم، وكنانه وخزاعة وثقيف وبعض هوازن. ونسمع عن أشراف المدينة أنه كان لدى الواحد منهم صنم خشبى يمثل مناة
_________________
(١) ولذلك لم يتردد ابن اسحاق حين سئل عنه فى أن قال: انه من وضع الزنادقة. ولكن بعض الذين أخذوا به حاولوا تسويغه فاستندوا الى الايات: «وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ..»، والى قوله تعالى: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ. لِيَجْعَلَ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْقاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَفِي شِقاقٍ بَعِيدٍ) . ويفسر بعضهم كلمة «تمنى» فى الاية بمعنى قرأ، ويفسرها اخرون بمعنى الأمنية المعروفة. ويذهب هؤلاء وأولئك، ويتابعهم المستشرقون، الى أن النبى بلغ منه أذى المشركين أصحابه؛ اذ كانوا يقتلون بعضهم ويلقون بعضا فى الصحراء يلفحهم لظى الشمس المحرقة، وقد أوقروهم بالحجارة كما فعلوا ببلال حتى اضطر الى الاذن لهم فى الهجرة الى الحبشة. كما بلغ منه جفاء قومه اياه واعراضهم عنه. ولما كان حريصا على اسلامهم ونجاتهم من عبادة الأصنام، تقرب اليهم وتلا سورة النجم وأضاف اليها حكاية الغرانيق، فلما سجد سجدوا معه، وأظهروا له الميل لاتباعه مادام قد جعل لالهتهم نصيبا مع الله.
[ ٢٠٩ ]
يضعه فى بيته «٥» لكن- بشكل عام- ان عرب هذه الفترة لا يدركون الا بالكاد عبادة أى اله بشكل منفصل عن بعض الطقوس التى تتم ممارستها عند بعض الأنصاب (نصب الأصنام. (Shrines وهم بذلك يختلفون- على سبيل المثال- عن توقير المسيحيي الكاثوليكى للعذراء مريم المباركة، فعبارة (سلام لك يا مريم (Hail Mary يمكن أن تذكر فى أى مكان. ومناة- من ناحية أخرى- وفقا للنظرة السائدة بين
_________________
(١) ابن هشام، ٣٠١، ١١. ويضيف سير وليم موير الى هذه الرواية، التى وردت فى بعض كتب السيرة وكتب التفسير، حجة يراها قاطعة بصحة حديث الغرانيق. ذلك أن المسلمين الذين هاجروا الى الحبشة لم يك قد مضى على هجرتهم اليها غير ثلاثة أشهر، أجارهم النجاشى أثناءها وأحسن جوارهم. فلم يكن قد ترامى اليهم خبر الصلح بين محمد وقريش لما دفعهم الى العود حرصا على الاتصال بأهليهم وعشائرهم. وأنى يكون صلح بين محمد وقريش اذا لم يسع محمد اليه، وقد كان فى مكة أقل نفرا وأضعف قوة، وقد كان أصحابه أعجز من أن يمنعوا أنفسهم من أذى قريش ومن تعذيبهم اياهم! هذه هى الحجج التى يسوقها من يقولون بصحة حديث الغرانيق، وهى حجج واهية لا تقوم أمام التمحيص. ونبدأ بدفع حجة المستشرق موير؛ فالمسلمون الذين عادوا من الحبشة انما دفعهم الى العودة الى مكة سببان: أولهما أن عمر بن الخطاب أسلم بعد هجرتهم بقليل. وقد دخل عمر فى دين الله بالحمية التى كان يحاربه من قبل بها، لم يخف اسلامه ولم يستتر، بل ذهب يعلنه على رؤوس الملأ ويقاتلهم فى سبيله. ولم يرض عن استخفاء المسلمين وتسللهم الى شعاب مكة يقيمون الصلاة بعيدين عن قريش، بل دأب على نضال قريش حتى صلى عند الكعبة وصلى المسلمون معه. هنالك أيقنت قريش أن ما تنال به محمدا وأصحابه من الأذى يوشك أن يثير حربا أهلية لا يعرف أحد مداها ولا على من تدور دائرتها. فقد أسلم من مختلف قبائل قريش وبيوتاتها رجال تثور لقتل أى واحد منهم قبيلته وان كانت على غير دينه. فلا مفر اذا من الالتجاء فى محاربة محمد الى وسيلة لا يترتب عليها هذا الخطر. والى أن تتفق قريش على هذه الوسيلة هادنت المسلمين فلم تنل أحدا منهم بأذى. وهذا هو ما اتصل بالمهاجرين الى الحبشة، ودعاهم الى التفكير فى العودة الى مكة. وربما ترددوا فى هذا العود لو لم يكن السبب الثانى الذى ثبت عزمهم؛ ذلك أن الحبشة شبت بها يومئذ ثورة على النجاشى، كان دينه وكان ما أبدى من عطف على المسلمين بعض ما أذيع فيها من تهم وجهت اليه. ولقد أبدى المسلمون أحسن الأمانى أن ينصر الله النجاشى على خصومه؛ لكنهم لم يكونوا ليشاركوا فى هذه الثورة وهم أجانب، ولم يك قد مضى على مقامهم بالحبشة غير زمن قليل. أما وقد ترامت اليهم أنباء الهدنة بين محمد وقريش، هدنة أنجت المسلمين مما كان يصيبهم من الأذى، فخير لهم أن يدعوا الفتنة وراء ظهورهم وأن يلحقوا بأهليهم. وهذا ما فعلوه كلهم أو بعضهم. على أنهم ما كادوا يبلغون مكة حتى كانت قريش قد ائتمرت ما تصنع بمحمد وأصحابه واتفقت عشائرهم وكتبوا كتابا تعاقدوا فيه على مقاطعة بنى هاشم مقاطعة تامة؛ فلا ينكحوا اليهم ولا ينكحوهم ولا يبيعوهم ولا يبتاعوا منهم وبهذا الكتاب عادت الحرب العوان بين الفريقين، ورجع الذين عادوا من الحبشة، وذهب معهم من استطاع اللحاق بهم. وقد وجدوا هذه المرة عنتا من قريش اذ حاولت أن تمنعهم من الهجرة. ليس الصلح الذى يشير اليه المستشرق موير، هو اذا الذى دعا المسلمين الى العودة من بلاد الحبشة: انما دعاها هذه الهدنة التى حدثت على اثر اسلام عمر وحماسته فى تأييد دين الله. فتأييد حديث الغرانيق اذا بحجة الصلح تأييد غير ناهض. أما احتجاج المحتجين من كتاب السيرة والمفسرين بالايات: (وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ) و(ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ ) فهو احتجاج أشد تهافتا من حجة السير موير ويكفى أن نذكر من الايات الأولى قوله تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) لنرى أنه كان الشيطان قد ألقى فى أمنية الرسول حتى لقد كاد يركن اليهم شيئا قليلا فقد ثبته الله فلم يفعل، ولو أنه فعل لأذاقه الله ضعف الحياة وضعف الممات. واذا فالاحتجاج بهذه الايات احتجاج مقلوب. فقصة الغرانيق تجرى بأن محمدا ركن الى قريش بالفعل، وأن قريشا فتنته بالفعل فقال على الله ما لم يقل. والايات هنا تفيد أن الله ثبته فلم يفعل. فاذا ذكرت كذلك أن كتب التفسير وأسباب النزول جعلت هذه الايات موضعا غير مسألة الغرانيق، رأيت أن الاحتجاج بها فى مسألة تتنافى مع عصمة الرسل فى تبليغ رسالتهم، وتتنافى مع تاريخ محمد كله، احتجاج متهافت، بل احتجاج سقيم. أما الايات: (وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ ) فلا صلة لها بحديث الغرانيق البتة، فضلا عن ذكرها أن الله ينسخ ما يلقى الشيطان ويجعله فتنة للذين فى قلوبهم مرض والقاسية قلوبهم، ويحكم الله آياته والله عليم حكيم. وندع هذا الى تمحيص القصة التمحيص العلمى الذى يثبت عدم صحتها. وأول ما يدل على ذلك تعدد الروايات فيها: فقد رويت، كما سبق القول، على أنها «تلك الغرانيق العلا وان شفاعتهن لترتجى» . ورواها بعضهم: «الغرانقة العلا ان شفاعتهم ترتجى» . وروى اخرون «ان شفاعتهن ترتجى» دون ذكر الغرانقة أو الغرانيق. وفى رواية رابعة: «وانها لهى الغرانيق العلا» وفى رواية خامسة: «وانهن لهن الغرانيق العلا. وان شفاعتهن لهى التى ترتجى» . وقد وردت فى بعض كتب الحديث روايات أخرى غير هذه الروايات الخمس. وهذا التعدد فى الروايات يدل على أن الحديث موضوع، وأنه من وضع الزنادقة، كما قال ابن اسحاق، وأن الغرض منه التشكيك فى صدق تبليغ محمد رسالات ربه. ودليل اخر أقوى وأقطع؛ ذلك سياق سورة النجم وعدم احتماله لمسألة الغرانيق. فالسياق يجرى بقوله تعالى: (لَقَدْ رَأى مِنْ آياتِ رَبِّهِ الْكُبْرى. أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى. وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى. أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى. تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى. إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) وهذا السياق صريح فى أن اللات والعزى أسماء سماها المشركون هم واباؤهم ما أنزل الله بها من سلطان. فكيف يحتمل أن
[ ٢١٠ ]
العرب لا يمكن عبادتها الا عند نصبها (أمام التمثال الممثل لها) «٦»، وعلى هذا فمضمون هذه الايات الشيطانية المشار لها انفا (التى يقال ان الشيطان ألقاها فى روع محمد ﷺ) أن الطقوس المتعلقة بعبادة أوثان الربات الثلاث بالقرب من مكة مسألة مقبولة. وأكثر من هذا، فان مضمون هذه الايات الناسخة؟؟؟؟؟ (المترجم: هناك فرق كبير بين الاية المنسوخة abrogate وهى الكلمة التى استخدمها المؤلف، والاية المدسوسة أو المكذوبة أو التى دسها الشيطان، فهذه الأخيرة لا وجود لها اساسا ولم ينزلها الله ﷿، بينما الاية المنسوخة نزلت بالفعل لتناسب مرحلة زمنية معينة ثم نزل ما هو خير منها) التى حلت محل الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) لم تتضمن ادانة لعبادة الكعبة (المترجم: لم يحدث فى أية مرحلة من مراحل التاريخ الاسلامى، وربما غير الاسلامى أن كانت الكعبة معبودا، وانما كانت موضع توقير واحترام باعتبارها أول بيت وضع للناس) اذا لم تكن هناك ايات أخرى تدين ذلك (عبادة الكعبة) تم حذفها بعد ذلك من القران الكريم؛ وان كنا فى الحقيقة لا نملك أدلة على حدوث ذلك- فان حذف الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) من سورة النجم يؤدى الى رفع شأن الكعبة على حساب
_________________
(١) ابن الكلبى، الأصنام، ١٣- ١٩، ابن هشام Welhausen،Reste،٢٤ -٤٥..٥٥، يجرى السياق بما يأتى: «أفرأيتم اللات والعزى. ومناة الثالثة الاخرى. تلك الغرانيق العلا. ان شفاعتهن ترتجى. ألكم الذكر وله الانثى، تلك اذا قسمة ضيزى. ان هى الا أسماء سميتموها أنتم واباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان» أن فى هذا السياق من الفساد والاضطراب والتناقض، ومن مدح اللات والعزى ومناة الثالثة الاخرى وذمها فى أربع ايات متعاقبة، ما لا يسلم به عقل ولا يقول به انسان، ولا تبقى معه شبهة فى أن حديث الغرانيق مفترى وضعه الزنادقة لغاياتهم، وصدقة من يسيغون كل غريب ومن تقبل عقولهم ما لا يسيغ العقل المنطقى. وحجة أخرى ساقها المغفور له الأستاذ الشيخ محمد عبده حين كتب يفند قصة الغرانيق. تلك أن وصف العرب لالهتهم بأنها الغرانيق لم يرد فى نظمهم ولا فى خطبهم، ولم ينقل عن أحد أن ذلك الوصف كان جاريا على ألسنتهم، وانما ورد الغرنوق والغرنيق على أنه اسم لطائر مائى أسود أو أبيض، والشاب الأبيض الجميل، ولا شىء من ذلك يلائم معنى الالهة أو وصفها عند العرب. بقيت حجة قاطعة، نسوقها للدلالة على استحالة قصة الغرانيق هذه من حياة محمد نفسه؛ فهو منذ طفولته وصباه وشبابه لم يجرب عليه الكذب قط، حتى سمى
[ ٢١٢ ]
الأوثان الاخرى. ولا بد أن نتذكر فى هذا السياق أنه مع ارتفاع شأن الاسلام (النص: ازدياد قوة محمد ﷺ) تم تدمير كل هذه الأوثان وتحطيمها «٧» . (المترجم: هذا فى حد ذاته كحقيقة تاريخية مؤكدة، ينسف حكاية الايات الشيطانية من أولها لاخرها) .
_________________
(١) ابن هشام، ٨٣٩ وما بعدها، العزى ٩١٧، اللات، الطبرى ١٦٤٩ مناة.. الخ. الأمين ولما يبلغ الخامسة والعشرين من عمره. وكان صدقه أمرا مسلما به عند الناس جميعا. حتى لقد سال قريش يوما بعد بعثه: «أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلا بسفح هذا الجبل أكنتم تصدقوننى؟ فكان جوابهم: «نعم: أنت عندنا غير متهم وما جرينا عليك كذبا قط» . فالرجل الذى عرف بالصدق فى صلاته بالناس منذ نعومة أظفاره الى كهولته كيف يصدق انسان أنه يقول على ربه ما لم يقل، ويخشى الناس والله أحق أن يخشاه! هذا أمر مستحيل، يدرك استحالته الذين درسوا هذه النفوس القوية الممتازة التى تعرف الصلابة فى الحق ولا تداجى فيه لأى اعتبار. وكيف ترى بقول محمد: لو وضعت قريش الشمس فى يمينه والقمر فى شماله على أن يترك هذا الأمر أو يموت دونه ما فعل، ثم يقول على الله ما لم يوح اليه، ويقوله لينقض به أساس الدين الذى بعثه الله به هدى وبشرى للعالمين!. ومتى رجع الى قريش ليمدح الهتهم؟ بعد عشر سنوات أو نحوها من بعثه، وبعد أن احتمل هو وأصحابه فى سبيل الرسالة من ألوان الأذى وصنوف التضحية ما احتمل، وبعد أن أعز الله الاسلام بحمزة وعمر، وبعد أن بدأ المسلمون يصبحون قوة بمكة، ويمتد خبرهم الى العرب كلها والى الحبشة والى مختلف نواحى العالم. ان القول بذلك حديث خرافة وأكذوبة ممجوجة. ولقد شعر الذين اخترعوها بسهولة افتضاحها، فأرادوا سترها بقولهم: ان محمدا ما كاد يسمع كلام قريش اذ جعل لالهتهم نصيبا فى الشفاعة حتى كبر ذلك عليه حتى رجع الى الله تائبا أول ما أمسى ببيته وجاءه جبريل فيه. لكن هذا الستر أحرى أن يفضحها. فما دام الأمر قد كان كبر على محمد منذ سمع مقالة قريش، فما كان أحراه أن يراجع الوحى لساعته! وما كان أحراه أن يجرى الوحى الصواب على لسانه! واذا فلا أصل لمسألة الغرانيق الا الوضع والاختراع، قامت بهما طائفة الذين أخذوا أنفسهم بالكيد للاسلام، بعد انقضاء الصدر الأول. وأعجب ما فى جرأة هؤلاء المفترين أنهم عرضوا للافتراء فى أم مسائل الاسلام جميعا: فى التوحيد! فى المسألة التى بعث محمد لتبليغها للناس منذ اللحظة الأولى، والتى لم يقبل فيها منذ تلك اللحظة هوادة، ولا أماله عنها ما عرضت عليه قريش أن يعطوه ما يشاء من المال أو يجعلوه ملكا عليهم. وعرضوا ذلك عليه حين لم يكن قد اتبعه من أهل مكة الا عدد يسير. وما كان أذى قريش لأصحابه ليجعله يرجع عن دعوة أمره ربه أن يبلغها للناس. فاختيار المفترين لهذه المسألة التى كانت صلابة محمد فيها غاية ما عرف عنه من الصلابة، يدل على جرأة غير معقولة، ويدل فى الوقت نفسه على أن الذين مالوا الى تصديقهم قد خدعوا فيما لا يجوز أن يخدع فيه أحد.
[ ٢١٣ ]
(ج) الايات الشيطانية (ايات الغرانيق)، الدوافع والتفسير
لأن الباحثين المسلمين لا يعترفون بالفكرة الأوربية الحديثة عن التطور التدريجى، فانهم قد اعتبروا محمدا (ﷺ) كان على وعى كامل منذ البداية الأولى للدعوة بكل أبعاد عقيدة التوحيد (النص: عقيدة الاسلام السلفى كما هى معروفة الان (Orthodox dogme لذا، فقد كان من الصعب بالنسبة لهم أن يفسروا سبب عدم ادراكه (اى محمد ﷺ) للمضمون الوثنى لايات الغرانيق (المترجم: المؤلف يا بنى استنتاجاته على أساس أن قصة الغرانيق صحيحة، وان كان بعض الباحثين المحدثين يرى غير ذلك- انظر الحاشية) والحقيقة أن التوحيد الذى كان يؤمن به محمد (ﷺ) كان فى بدايته لا يختلف عن توحيد من هم أكثر تنورا فى عصره أى أنه كان توحيدا غامضا على نحو ما؛ بمعنى أنه لم يكن ممكنا فى مرحلة مبكرة فصل التوحيد الخالص عن الاحساس بوجود كائنات أخرى ذات طابع الهى أو مقدس (المترجم: يدرك المسلمون وبعض غير المسلمين أن هذا غير صحيح بالمرة؛ بمجرد قراءة أول ما نزل من القران الكريم الذى يشير بوضوح الى اله واحد خالق وهاد: (اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) كَلَّا لا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩» السورة رقم ٩٦ (العلق) .
فربما نظر محمد الى اللات والعزى ومناة كموجودات أو ربات، وان كانت لها قدسية، الا أنها أقل أهمية من الله ﷾ على النحو
_________________
(١) لا أصل اذا لمسألة الغرانيق على الاطلاق، ولا صلة ألبتة بينها وبين عودة المسلمين من الحبشة، انما عادوا كما قدمنا، بعد أن أسلم عمر ونصر الاسلام بمثل الحمية التى كان يحاربه من قبل بها، حتى اضطرت قريش لمهادنة المسلمين. وعادوا حين شبت فى بلاد الحبشة ثورة خافوا مغبتها. فلما علمت قريش بعودتهم ازدادت مخاوفهم أن يعظم أمر محمد بينهم، فأتمرت ما تصنع. وقد انتهت بوضع الصحيفة التى قرروا فيها فيما قرروا ألا يناكحوا بنى هاشم ولا يبايعوهم ولا يخالطوهم، كما أجمعوا فيما بينهم أن يقتلوا محمدا ان استطاعوا.
[ ٢١٤ ]
الذى يعتقد فيه اليهود والمسيحيون بوجود الملائكة، وقد تحدث القران الكريم فى اخر المرحلة المكية عنها على أنها من الجن «٨»، بينما تحدث عنها فى المرحلة المدنية على أنها مجرد أسماء «سميتموها» «٩» (المترجم: اية سورة الأنعام الواردة فى الحاشية ٨ وايات سورة النجم فى الحاشية ٩ لا تعارض بينها، فلم تقل اية سورة الأنعام ان المقصود بالجن هو اللات والعزى ومناة.. واخضاع فكرة الاله الواحد لمنظور التطور الذى يأخذ به فى كتابه قد تكون صحيحة بالنسبة للبشر، فهم ينزهون الله سبحانه تنزيها يزداد كلما ازدادوا رقيا أو تطورا فى مدارج الحضارة، لكن هذا بالعقل لا يمكن أن ينطبق على الرسول أو القران الكريم، واية الاخلاص (قل هو الله أحد ) خير شاهد على الوضوح المطلق للتوحيد، انه مسألة غير خاضعة للمساومة، وليس فى القران الكريم ناسخ ومنسوخ بشأنها) أما والأمر كذلك، ربما يكاد يكون من الضرورى أن نجد أية مناسبة خاصة لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) انها لا يمكن أن تكون دلالة بأية حال من الأحوال على التراجع عن التوحيد، ولكنها- ببساطة- قد تكون مجرد تعبير عن وجهات نظر طالما اعتقدها محمد ﷺ*.
_________________
(١) (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠» سورة الأنعام.
(٢) (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أَنْتُمْ وَآباؤُكُمْ ما أَنْزَلَ اللَّهُ بِها مِنْ سُلْطانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَما تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدى) وهناك ايتان سابقتان توضحان المراد من هذه الاية: (أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَناةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرى (٢٠» سورة النجم. * لا تقول كتب السيرة ذلك، وفيما يلى بعض ما ذكره ابن هشام (طبعة مكتبة الايمان بتحقيق محمد بيومى): يتحدثون أن أمنة بنت وهب أم الرسول كانت تحدث- والله أعلم- أن هناك من قال لها: انك حملت بسيد هذه الأمة فاذا وقع الى الأرض فقولى: أعيذه بالواحد من شر كل حاسد.. (ص ١٠١) وحدث الرسول عن نفسه قال: نعم أنا دعوة أبى
[ ٢١٥ ]
ومن هنا، فان دراسة المضامين السياسية لهذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) تعد أمرا شائقا. أفعل محمد ذلك رغبة منه فى الحصول على مؤيدين له فى المدينة والطائف وفى القبائل المحيطة بهما؟
هل حاول احداث توازن بين هؤلاء وزعماء قريش الذين يناوئونه، بأن يجمع حوله أكبر عدد من المؤيدين؟ ثم فى أقل القليل، أليس ذكره لهذه الأوثان دليلا على أن رؤيته قد اتسعت، أى أن نظره بدأ يتجه لأبعد من دعوة قريش؟
ان الرواية المنسوبة لأبى علية (بضم العين) (فى الطبرى ابن علية) والتى أوردناها انفا تشير الى ان قريشا قد عرضت على محمد (ﷺ) ان تقبل ما يقول به وأن تقبله فى أوساطها اذا ذكر ربانها (بخير)، وهناك أيضا روايات أخرى شبيهة بما أورده ابن علية. فأحيانا يقال انهم قد عرضوا عليه الثروة والزوجة الحسنة، ومركز الصدارة، وأحيانا عرضوا عليه فى تعبيرات أكثر عمومية زعامة قريش فى المجالين الدينى والتجارى «١٠» .
وبصرف النظر تماما عن مسألة التفاصيل، فثمة شك يمكن تبريره فيما اذا كانت هذه الروايات قد تم تلفيق جانب كبير منها بقصد اظهار أهمية محمد (ﷺ) فى هذه الفترة. أكان حقا من الأهمية بدرجة كافية لتجعله يكاد يعامل على قدم المساواة مع زعماء مكة؟ وبشكل عام، فان صورة محمد (ﷺ) كما قدمتها هذه الحكايات ربما كانت أقرب ما تكون الى الحقيقة. (المترجم: بعد أن أثار المؤلف عدة أسئلة، عاد
_________________
(١) ابراهيم وبشرى أخى عيسى، ورأت أمى حين حملت بى أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام..) ص ١٠٥، وكانت خديجة بنت خويلد قد ذكرت لورقة بن نوفل عمها وكان نصرانيا قد تتبع الكتب وعلم من علم الناس- ما ذكره لها غلامها ميسرة من قول الراهب.. فقال لها ورقة: لئن كان هذا حقا يا خديجة فان محمدا لنبى هذه الأمة.. (ص ١٢١) . وكان يوصف بالأمين (ص ١٢٥) .. ويردد علماء الدين أنه ﷺ لم يسجد لصنم قط. وتحنثه فى غار حراء قبل البعثة معروف.
(٢) تاريخ الطبرى، ١١٩١، وانظر أيضا تفسير الطبرى ج ٥، الايات من ٧٥ الى ٧٧ من السورة رقم ١٧ (الاسراء): (إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥) . وَإِنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْها وَإِذًا لا يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦) . سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنا وَلا تَجِدُ لِسُنَّتِنا تَحْوِيلًا (٧٧) ) .
[ ٢١٦ ]
فأنكرها على اعتبار أن الصورة مقبولة بشكل عام. ولا نجد مبررا لسوق مقتطفات طوال من كتب السيرة: ابن هشام، والجزء الخاص بالسيرة فى كتاب الطبقات الكبرى للواقدى. فمسيرة الأحداث تثبت أن رسول الله كان مهما، بل فى الغاية من الأهمية فقد فتح مكة بعد ذلك وأسس دولة، ونشر دينا عالميا فى مختلف أرجاء العالم، ولا زال ينتشر) .
لا بد أن نتذكر أن النجاح الأصلى (الاولى) الذى أحرزه محمد (ﷺ) كان قليلا- ربما بسبب تواضع أنساب من تبعوه فى وقت من الأوقات ثم انشقوا عنه (ارتدوا - (fell away ولم تكن هناك رغبة فى اعادة ذكر مثل هذه الأمور. وفى رواية أبو علية (فى الطبرى ابن علية) نلاحظ أن محمدا (ﷺ) كانت له السيادة بين زوار مكة، مع أن أحدا من زعماء مكة لم يكن قد انضم اليه، وهذا التناقض يعد فى الغاية من الغباء اذا كانت الرواية مجرد ابتداع. دعنا اذن نقبل الرواية كما هى، ودعنا نذهب الى أن زعماء قريش راحوا يقدمون نوعا من العروض على محمد (ﷺ) مؤداها أن يحظى بتكريم لفظى مقابل بعض الاعتراف برباتهم. اننا لا يمكننا أن نكون متأكدين من ذلك. واعلان هذه الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) يمكن بلا شك ربطه بهذه الصفقة.
ووفقا لهذه النظرة، فابطال هذه الاية الشيطانية (استخدم المؤلف الكلمة الانجليزية الدالة على النسخ، abrogation وقد بينا فى حاشية سابقة الفرق بين النسخ والوضع) لا بد أن يرتبط بفشل هذا الحل الوسط (التسوية)، وليس هناك ما يدعونا للقول ان أهل مكة كانوا متواطئين مع محمد (متظاهرين بالخلاف معه: (double -crossed
لكنه- أى محمد ﷺ- أدرك أن الاعتراف ببنات الله (كما كان يقال عن اللات والعزى ومناة وغيرها) يعنى التقليل من شأن الله (سبحانه) ليكون مساويا لهذه الربات. لقد كانت طريقة تعبده عند الكعبة من الناحية الظاهرية لا تختلف اختلافا كبيرا عن طريقة العبادة التى كان يمارسها رهبان هذه الأوثان (اللات والعزى.. الخ) وان كانت لا تزيد عنها كثيرا فى التأثير، ومن هنا فان الاصلاح الذى نشده محمد
[ ٢١٧ ]
(ﷺ) لم يكن ليؤتى ثماره. لذلك، فمن المؤكد أن محمدا لم يرفض عروض أهل مكة اخيرا لعروض كلامية عرضوها عليه، وانما كان رفضه لأسباب دينية صحيحة، انه لم يرفض عروضهم- على سبيل المثال- لعدم ثقته فيهم أو لطموحه الشخصى الذى لم يتم اشباعه بعد لكن لأن معنى اعترافه بهذه الربات (الأوثان) سيؤدى الى فشل مهمته كرسول، ويقضى على الرسالة التى كلفه الله (سبحانه) بها. لقد كان الوحى قد جعل ذلك الأمر واضحا له منذ البداية. اننا يمكن أن نفكر على هذا النحو لتوضيح ما كان، وربما كان محمد (ﷺ) قد شعر أن مهمنه غير سهلة حتى قبل أن يأتيه الوحى.
واذا نظرنا للأمور نظرة تجريدية، بدا أنه ليس ثمة ما يدعو للاعتراض الا قليلا فى الاعتراف باللات والعزى وغيرهما كموجودات أقل قداسة، فالاعتراف بالملائكة مسألة متمشية مع التوحيد ليس فى اليهودية والمسيحية فحسب، وانما فى الاسلام السنى (السلفى) أيضا. وعلى أية حال، فان عاملين كمنا فى أوضاع مكة فى هذه الفترة الانتقالية جعلا الاعتراف بذلك أمرا غير ممكن:
العامل الأول: أن طبيعة التعبد عند الكعبة والذى كان قبل الاسلام متسما بالشرك (تعدد الالهة) - كان لا بد من تنقيته (تخليصه من الشرك) وتحويله للتوحيد الخالص. فاذا كانت ممارسات العبادة الجديدة حول الكعبة تشبه ممارسات العبادة عند أوثان الربات الاخرى، فلا بد أن أهل الحجاز كانوا سيقترحون ربات أخرى لتعبد على قدم المساواة.
العامل الثانى: هو أن عبارة (بنات الله) ذات مضامين خطيرة رغم أنها بشكل عام لم تكن تعنى المعنى الحرفى لها «١١» . فكلمة (بنات) وغيرها من الكلمات الشبيهة قد تستخدم- غالبا- استخداما مجازيا فى اللغة العربية. فالعرب يقولون بنت الشفه ويعنون الكلمة، ويقولون بنت العين ويعنون الدمعة، ويقولون بنات الدهر ويعنون النكبات
_________________
(١) Welhausen،Reste،٢٤. (١١)
[ ٢١٨ ]
والمصائب. ومن هنا فربما كانت عبارة (بنات الله) لا تعنى أكثر من أنها موجودات مقدسة أو موجودات فوقية (فوق طبيعية)، أما كلمة الله فى هذه العبارة فهى تعنى ببساطة الاله the god ولا تعنى بالضرورة الاله الأعظم (الله، (God ولان كلمة الله بدأت تنصرف للتعبير على الموجود الأعلى سبحانه ولا تطلق على سواه، فان خطورة عبارة بنات الله أنها قد تعنى أن هذه (البنات) مساوية لله سبحانه، وهذا لا يتفق مع عقيدة التوحيد.
وفكرة أن اختلاف محمد (ﷺ) مع زعماء مكة كانت هى السبب فى الغاء الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) ورفضه للعروض المقدمة منهم تتفق مع النقطة الثانية الواردة فى خطاب عروة الذى أوردناه فى صدر هذا الفصل، وهى أن بعض زعماء قريش ممن لهم ممتلكات فى الطائف هم الذين قادوا المعارضة الفعالة ضد محمد (ﷺ) . ومن الممكن تقديم تفسيرات مختلفة لهذه الحقيقة وان كان أفضلها هو أن هؤلاء الذين كانوا من بين زعماء قريش الذين كانوا مهتمين بشكل خاص بتجارة الطائف، قد ربطوا النشاطات التجارية فى هذا المركز التجارى (الطائف) بفلك الحياة المالية والتجارية فى مكة. وكان سحب الاعتراف بوثن (الربة) اللات يهدد- بشكل أو باخر- مشروعهم؛ مما أثار غضبهم الشديد ضد محمد (ﷺ) .
ومما يؤكد ما ورد فى خطاب عروة من أن التعرض للربات (الأوثان أو الطواغيت) كان هو السبب الكامن وراء مرحلة العداوة بين محمد وزعماء قريش، ما ورد فى القران الكريم. فثمة ايتان ترتبطان بذلك تقليديا. تتحدث هاتان الايتان عن اغراء أو اغواء (كاد) يخضع له محمد (ﷺ):
(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥) ..) .
سورة الاسراء (السورة ١٧) .
[ ٢١٩ ]
وطبيعة الاغراء أو الاغواء فى هذه الايات غير محددة.
(قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجاهِلُونَ (٦٤) وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ (٦٥) بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٦) وَما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَالسَّماواتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) سورة الزمر (السورة ٣٩) .
ففى هذه الايات يتضح أن هذا (الاغواء) أو (الاضلال) كان هو طلبهم من محمد (ﷺ) اتخاذ (شركاء) مع الله. وتشير هذه الايات جميعا الى أن محمدا لو كان قبل عرض زعماء قريش، لكان العقاب الذى ينتظره من الله ﷾ شديدا، عاجلا واجلا (فى الدنيا والآخرة) .
وربما كانت هذه الايات قد نزلت فى بداية المرحلة المدنية «١٢» وأيا ما كان تاريخ نزول الوحى بهذه الايات، لا يبدو أن هناك سببا قويا لرفض الربط بينها وبين قصة الايات الشيطانية (ايات الغرانيق) والغائها (تنبيه الرسول الى أنها ليست من القران الكريم) . وهناك اية أخرى هى:
«وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعامِ نَصِيبًا فَقالُوا هذا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهذا لِشُرَكائِنا فَما كانَ لِشُرَكائِهِمْ فَلا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَما كانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلى شُرَكائِهِمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ» الأنعام (٦)، الاية ١٣٦.
وربما يمكن ربط هذه الاية بالأحداث الانفة، فهذه الاية تشير الى أن المشركين يعرفون الله، ولكنهم يشركون فى حكمه أوثانا (الهة أخرى)
_________________
(١) Bell،translation of Quran. (١٢)
[ ٢٢٠ ]
كل هذه الحقائق تؤكد أن الرسول ﷺ رفض الصفقة المعروضة عليه، أو بتعبير اخر رفض المساومة على دين الله.
وسورة (الكافرون) وهى السورة رقم ١٠٩ تمثل الرد الذى رده محمد على الكافرين، ونص اياتها كالتالى:
(قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ ما تَعْبُدُونَ (٢) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٣) وَلا أَنا عابِدٌ ما عَبَدْتُّمْ (٤) وَلا أَنْتُمْ عابِدُونَ ما أَعْبُدُ (٥) لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦» الكافرون (السورة ١٠٩) .
وتلك هى القطيعة الكاملة بين التوحيد من ناحية وتعدد الالهة من ناحية أخرى، أو بين التوحيد من ناحية والشرك من ناحية أخرى.
وهذه الايات تشير الى استحالة عقد صفقة للتوفيق بينهما مستقبلا.
وهناك ايتان أخريان شبيهتان بهذا السياق، وان كانتا ليستا بهذه القوة فى التعبير عن الفصل بين العقيدتين:
(قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أَنْ أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قُلْ لا أَتَّبِعُ أَهْواءَكُمْ قَدْ ضَلَلْتُ إِذًا وَما أَنَا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (٥٦) قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ، ما عِنْدِي ما تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفاصِلِينَ (٥٧) ..) سورة الأنعام (السورة رقم ٦) .
وتتحدث الاية الأخيرة عن أن عبادة الأوثان قد تراجعت، مما يشير الى أن عملية اغواء محمد قد استمرت لفترة زمنية غير قليلة بدليل نزول ايات متفرقة تتعرض لهذا الموضوع، وهى مجمل الايات التى أوردناها انفا.
ان تعاليم القران الكريم فيما يتعلق بالأوثان خلال الحقبة المكية مسألة هى أيضا جديرة بالتأمل. ان آياته تشير بشكل أساسى الى أن عبادة الأوثان حمق وغباء، فالأوثان لا تنفع ولا تضر ولا تقدر على
[ ٢٢١ ]
شىء «١٣» وهى لا تشفع «١٤» وفى اليوم الاخر سيستصرخ بها المشركون ثم يدركون أنها لا تنفع ولا تشفع وأنها تبرأ مما يقولون «١٥» .
ان مثل هذه الايات تبدو وكأنها تخاطب أناسا يمرون بمرحلة انتقال دينية (وجهات نظرهم الدينية كانت فى مرحلة انتقال)، فالمشركون فيما تشير الايات ينظرون الى هذه الأوثان التى يعبدونها «كشفعاء» أو «وسطاء» عند الله.
(وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِما لا يَعْلَمُ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨) ..)
السورة رقم ١٠ (يونس) .
ومعنى هذه الاية اذا أخذناه ببساطة هو أنهم يعترفون- الى حد ما- بموجود أعلى، Some higher being وربما أيضا نفهم منها أنهم كانوا يؤمنون باليوم الاخر أو يوم الحساب، وان كنا غير متأكدين من هذه الفكرة الأخيرة مادامت الاية تشير الى أنهم يعتقدون أن شفاعة الأوثان لهم فى يوم الحساب لها بعض التأثير حتى بالنسبة لمن لا يقبلون الايمان بالله تماما. ومرة أخرى عندما قيل ان المشركين اتخذوا جنا شركاء لله، وقد يكون القران الكريم قد عبر عن هذا الموضوع بهذا الشكل لأن الفكرة كانت شائعة زمن الرسول (ﷺ) وزمن الذين كانوا يعارضون عبادة الأوثان على هذا النحو. لذلك لم يكن هجوم القران (الكريم) على الالهة الزائفة حادا جدا هذه الفترة، فهو لم يؤكد عدم وجودها كموجودات فوقية (فوق طبيعية)، ولكنه ربما اكتفى باثارة شكوك خطيرة حولها أمام أناس كانت أفكارهم الدينية بالفعل فى حالة تدفق.
_________________
(١) السورة ٦ (الايات ٤٦، ٧٠) والسورة ١٠ (الايات ١٩، ٣٥) والسورة ١٧ (الايات ٥٨ وما بعدها) والسورة ٢١ (الاية ٤٤) .
(٢) السورة ١٠ (الاية ١٩) والسورة ١٩ (الاية ٩٠) الخ.
(٣) السورة ١٦ (الاية ٨٨)، والسورة ١٨ (الاية ٥٠) الخ.
[ ٢٢٢ ]
وعبارة (بنات الله) كانت هدفا سائدا للهجوم، كما يتضح من الايات التالية:
(وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ وَلَهُمْ ما يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) ..)
السورة ١٦ (النحل) .
(فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَناتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٥) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلائِكَةَ إِناثًا وَهُمْ شاهِدُونَ (١٥٠) ..) السورة رقم ٣٧ (الصافات) .
(أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَناتٍ وَأَصْفاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِما ضَرَبَ لِلرَّحْمنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧) أَوَمَنْ يُنَشَّؤُا فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨) وَجَعَلُوا الْمَلائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبادُ الرَّحْمنِ إِناثًا.
أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهادَتُهُمْ وَيُسْئَلُونَ (١٩) ..) السورة رقم ٤٣ (الزخرف) .
(أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزى (٢٢» السورة رقم ٥٣ (النجم) .
فقد وردت فكرة بنات الله كما يتضح من الايات السابقة عدة مرات فى القران الكريم، وكانت مرتبطة- تقليديا- برفض الايات الشيطانية والغائها، والمعنى فيها أنه كيف يكون لله البنات فقط بينما لأهل مكة بنون وبنات، وتشير الايات الى أن الأنثى أدنى منزلة من الذكر «١٦»، بينما لا يمكن لله سبحانه نسل فهو- سبحانه- ليس له زوجة «١٧» كما يتضح من الايات التالية:
_________________
(١) اكتفى المؤلف بذكر أرقام الايات والسور واثرنا ايرادها بنصها للفائدة.
(٢) أوردها المؤلف باختلاف فى ترقيم الايات عن المصحف المتداول.
[ ٢٢٣ ]
(وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ، وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَناتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠) بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ..) السورة رقم ٦ (الأنعام) .
(وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا) الاية ١١١، السورة ١٧ (الاسراء) .
وثمة فارق مهم بين أن يكون لله ولد أو نسل من ناحية وبين أن يكون له عبيد، فالعبيد يعبدونه ولا يتدخلون فى حكمه «١٨» (النص:
يتشفعون (intercede كما تشير الايات التالية:
(وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَدًا، سُبْحانَهُ بَلْ عِبادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧) يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَما خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ (٢٨) ..) السورة ٢١ (الأنبياء) .
(أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدى لا يَتَّبِعُوكُمْ سَواءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبادٌ أَمْثالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (١٩٤) ..) السورة ٧ (الأعراف) .
وعلى هذا، فانه يبدو أنه كان هناك شعور بأن كلمة (بنات) كانت تتضمن أو يمكن أن تتضمن معنى الربات (الأوثان (idols التى كانت قريش تشرك بها مع الله. هذا هو المعنى الاساسى الكامن وراء رفض الايات الشيطانية وانكار نسبتها للقران (الكريم)، وثمة نقاط
_________________
(١) اكتفى المؤلف بأرقام الايات وقد أوردناها بنصها.
[ ٢٢٤ ]
أخرى يفترض أنه قد تمت اضافتها مؤخرا بالاضافة الى براهين أخرى لم نسقها فيما سبق «١٩» .
وعلى هذا، فالقران الكريم يتوافق مع ما كان معروفا من الروايات التقليدية ولا بد أن محمدا قد احرز النجاح الكافى فى جعل زعماء قريش ينظرون اليه بجدية أو كمصدر خطر حقيقى. فتعرض محمد (ﷺ) لضغط ليعترف بعبادة الربات (الأوثان) فى المناطق المجاورة. وقد ركن اليهم محمد ﷺ فى البداية شيئا قليلا للوصول الى مزايا مادية كالتى عرضوها عليه، ولأنه بدا له كما لو أن ذلك سيحقق نجاحا سريعا لدعوته.
وعلى أية حال، فأخيرا فمن خلال دعم الله سبحانه له- كما يعتقد- أدرك أن مثل هذه التسوية مضرة، ومن هنا تخلى عن فكرة تحسين ما يحيط به من ظروف وواصل طريقه الذى يعتقد فى صحته. ومن هنا كانت مناهضة تعدد الالهة (الوثنية) حاسمة قاطعة بعبارات حادة واضحة تغلق الباب أمام أية تسوية (تسعى اليها قريش) فى المستقبل. (كما أشرنا، فان قضية التوحيد الخالص محسومة منذ البداية بل هى جوهر الاسلام- وكل ما يذكره المؤلف استطراد لقصة الغرانيق التى لا وجود لها فى القران الكريم، وأثارها كثير من الباحثين- المترجم) .
ويميل الكتاب الغربيون الى الظن بأن المسلمين يخلطون بين الدين والسياسة بطريقة غير مرغوبة (رغم أن ذلك بطبيعة الحال ليس قصرا على المسلمين، فالمسيحيون الشرقيون وغيرهم يفعلون الشىء نفسه) .
وعلى أية حال، فربما كانت الحقيقة هى أن المسلمين يرون الدين حاويا على قضايا سياسية بشكل أوضح مما يرى الأوربيون. فقد كان محمد ﷺ مهتما بالأحوال الاجتماعية والسياسية والدينية فى مكة، لكنه بطبيعة الحال تفاعل مع الجوانب الدينية باعتبارها هى الأساس. ولأنه كان مرتبطا بقضايا حياتية، فقد كانت قراراته فى مجال الدين ذوات مضامين
_________________
(١) أشار المؤلف فى هامشه الى الايات التالية: الايات فى سورة ابراهيم من ٥٢ الى ٧٠ (إِذْ قالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ ما هذِهِ التَّماثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَها عاكِفُونَ الخ) . الايات من سورة الأنعام، رقم ٧٤، ومن ٨٠ الى ٨٢ عن حجج سيدنا ابراهيم، والايات فى سورة الكهف عن عداء الجن للانسان من ٥٠ الى ٥١.
[ ٢٢٥ ]
سياسية. واذا كانت الروايات المتعلقة بالعروض التى عرضها زعماء قريش على محمد (ﷺ) صحيحة، فهذا يعنى أن محمدا كان على وعى بالأبعاد السياسية لقراراته وعلى نحو خاص بالأبعاد السياسية لاذاعته لايات الغرانيق ثم الغائه لها (المترجم: حتى بفرض صحة رواية الغرانيق هذه، فان ابطالها، ونزول جبريل بالتنبيه على أنها من الشيطان يفيد فى أمور كثيرة، منها أن الاسلام يحرم تحريما قاطعا اللجوء الى غير الله أو الطلب من غير الله، سواء كان عزى أو مناة أو لات أو قبر شيخ أو ضريح ولى أو مشعوذ الخ) وعلى النحو نفسه فلا بد أنه كان واعيا عندما رفض فى النهاية أية تسوية أو مساومة، بأن أعلن بشكل حاسم من خلال سورة (الكافرون) أنه لا مجال لصلح أو سلام مع قريش اذا لم تقبل بصحة رسالته التى بعثه الله بها. ولهذا مضامين أبعد- وفقا لأفكار العرب عن سيادة الحكمة أو شرعية الحكمة- فان قبوله نبيا يعنى أيضا قبوله زعيما، لكن محمدا قد لا يكون واعيا بكل ذلك فى البداية، فقبل بلا شك- ما نزل به القران الكريم من أنه ليس الا نذيرا، وانه بالتالى ليس الا صاحب رسالة دينية. ففصل العرب بين النبوة والزعامة أمر غير قائم ولا يمكن أن يستمر، فكيف يمكن لأى زعيم مدنى أن يحكم اذا كانت كلمة الله أو حتى كلمة نبى ضده؟ نخلص من هذا الى أن التعرض لربات قريش (الأوثان) كان بالفعل هو بداية المعارضة الحقيقية التى شنتها قريش ضد الرسول، كما أن سورة (الكافرون) التى تبدو ذات هدف دينى خالص، كانت هى التى جعلت فتح مكة بالنسبة لمحمد ﷺ أمرا ضروريا.
٢- أمور الحبشة
اذا كانت التواريخ النسبية التى وردت فى خطاب عروة صحيحة، فان الهجرة الى الحبشة تكون قد وقعت بعد نزول سورة (الكافرون) مع ابطال ايات الغرانيق، وهذا الترتيب يتناسب مع النتائج التى انتهت اليها الهجرة الى الحبشة، وهى ما سنتعرض له فى السطور التالية.
[ ٢٢٦ ]
(أ) الرواية التقليدية عن الهجرة الى الحبشة
يذكر لنا ابن هشام الرواية التالية «٢٠»:
«قال ابن اسحاق: فلما رأى رسول الله ﷺ ما يصيب أصحابه من البلاء، وما هو فيه من العافية، بمكانه من الله ومن عمه أبى طالب، وأنه لا يقدر أن يمنعهم مما هم فيه من البلاء، قال لهم: لو خرجتم الى أرض الحبشة فان بها ملكا لا يظلم عنده أحد، وهى أرض صدق، حتى يجعل الله لكم فرجا مما أنتم فيه، فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله ﷺ الى أرض الحبشة، مخافة الفتنة وفرارا الى لله بدينهم، فكانت أول هجرة فى الاسلام.
أوائل المهاجرين الى الحبشة: وكان أول من خرج من المسلمين من بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصى بن كلاب بن مرة بن كعب ابن لؤى بن غالب بن فهر: عثمان بن عفان بن أبى العاص بن أمية، معه امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ.
ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة ابن عبد شمس معه امرأته: سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بنى عامر ابن لؤى، ولدت له بأرض الحبشة محمد بن أبى حذيفة. ومن بنى أسد ابن عبد العزى بن قصى: الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد. ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار. ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن بن عوف بن عبد عوف ابن عبد بن الحارث بن زهرة. ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة:
أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة ابن مرة معه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر ابن مخزوم. ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب: عثمان بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح. ومن بنى عدى بن كعب: عامر بن
_________________
(١) ص ٢٠٨ وما بعدها. نقلنا النص من الطبعة المتوافرة لدينا (مكتبة الايمان- بتعليق محمد بيومى) . أورد المؤلف فقرات من الرواية واثرنا نقلها كاملة.
[ ٢٢٧ ]
ربيعة، حليف ال الخطاب، من عنز بن وائل- معه امرأته ليلى بنت أبى حثمة بن حذافة بن غانم بن عامر بن عبد الله بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى بن كعب. ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سبرة بن أبى رهم ابن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، ويقال بل أبو حاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر. ويقال: هو أول من قدمها. ومن بنى الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء، وهو سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، فكان هؤلاء العشرة أول من خرج من المسلمين الى أرض الحبشة، فيما بلغنى.
قال ابن هشام: وكان عليهم عثمان بن مظعون، فيما ذكر لى بعض أهل العلم.
قال ابن اسحاق: ثم خرج جعفر بن أبى طالب ﵁ وتتابع المسلمون حتى اجتمعوا بأرض الحبشة، فكانوا بها، منهم من خرج بأهله معه، ومنهم من خرج بنفسه لا أهل له معه.
المهاجرون من بنى هاشم: ومن بنى هاشم بن عبد مناف بن قصى ابن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤى بن غالب بن فهر: جعفر بن أبى طالب ابن عبد المطلب بن هاشم، معه امرأته أسماء بنت عميس بن النعمان بن كعب بن مالك بن قحافة بن خثعم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله ابن جعفر.
المهاجرون من بنى أمية: ومن بنى أمية بن عبد شمس بن عبد مناف:
عثمان* بن عفان بن أبى العاص بن أمية بن عبد شمس، معه امرأته رقية ابنة رسول الله ﷺ، وعمرو بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته فاطمة بنت صفوان بن أمية بن محرث بن شق بن رقبة بن مخدج الكنانى، وأخوه خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، معه امرأته أمينة بنت خلف بن أسعد ابن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو.
من خزاعة.
_________________
(١) * مر ذكره فى الصفحة السابقة.
[ ٢٢٨ ]
قال ابن هشام: ويقال همينة بنت خلف.
قال ابن اسحاق: ولدت له بأرض الحبشة سعيد بن خالد، وأمة بنت خالد، فتزوج أمة بعد ذلك الزبير بن العوام، فولدت له عمرو بن الزبير، وخالد بن الزبير.
المهاجرون من بنى أسد: ومن حلفائهم، من بنى أسد بن خزيمة:
عبد الله بن جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرة بن كبير بن غنم ابن دودان بن أسد، وأخوه عبيد الله بن جحش، معه امرأته أم حبيبة بنت أبى سفيان بن حرب بن أمية، وقيس بن عبد الله، رجل من بنى أسد ابن خزيمة، معه امرأته بركة بنت يسار، مولاة أبى سفيان بن حرب بن أمية، ومعيقيب بن أبى فاطمة. وهؤلاء ال سعيد بن العاص، سبعة نفر. قال ابن هشام: معيقيب من دوس.
المهاجرون من بنى عبد شمس: قال ابن اسحاق: ومن بنى عبد شمس بن عبد مناف، أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وأبو موسى الأشعرى، واسمه عبد الله بن قيس، حليف ال عتبة بن ربيعة، رجلان.
المهاجرون من بنى نوفل: ومن بنى نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب بن نسيب بن مالك بن الحارث بن مازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة، بن قيس بن عيلان، حليف لهم، رجل.
المهاجرون من بنى أسد: ومن بنى أسد بن عبد العزى بن قصى:
الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد، والأسود بن نوفل بن خويلد بن أسد، ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد، وعمر بن أمية بن الحارث بن أسد، أربعة نفر.
المهاجرون من بنى عبد بن قصى: ومن بنى عبد بن قصى: طليب ابن عمير بن وهب بن أبى كبير بن عبد بن قصى، رجل.
[ ٢٢٩ ]
المهاجرون من بنى عبد الدار بن قصى: ومن بنى عبد الدار بن قصى: مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وسويبط ابن حرملة بن مالك بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وجهم بن قيس ابن عبد شرحبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، معه امرأته أم حرملة بنت عبد الأسود بن جذيمة بن أقيش بن عامر بن بياضة بن سبيع ابن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو، من خزاعة، وابناه عمرو بن جهم وخزيمة بن جهم، وأبو الروم بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار، وفراس بن النضر بن الحارث بن كلدة بن علقمة بن عبد مناف ابن عبد الدار، خمسة نفر.
المهاجرون من بنى زهرة: ومن بنى زهرة بن كلاب: عبد الرحمن ابن عوف بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، وعامر بن أبى وقاص وأبو وقاص، مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، والمطلب بن أزهر ابن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة، معه امرأته رملة بنت أبى عوف بن ضبيرة بن سعيد بن سعد بن سهم، ولدت له بأرض الحبشة عبد الله بن المطلب.
المهاجرون من بنى هذيل: ومن حلفائهم من هذيل: عبد الله بن مسعود بن الحارث بن شمخ بن مخزوم بن صاهلة بن كاهل بن الحارث ابن تميم بن سعد بن هذيل. وأخوه: عتبة بن مسعود.
المهاجرون من بهراء: ومن بهراء: المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن ثمامة بن مطرود بن عمرو بن سعد بن زهير بن لؤى ابن ثعلبة بن مالك بن الشريد بن أبى فائش بن دريم بن القين بن أهود ابن بهراء بن عمرو بن الحاف بن قضاعة.
قال ابن هشام: ويقال هزل بن فاس بن ذر، ودهير بن ثور.
قال ابن اسحاق: وكان يقال له المقداد بن الأسود بن عبد يغوث ابن وهب بن عبد مناف بن زهرة، وذلك أنه تبناه فى الجاهلية وحالفه، ستة نفر.
[ ٢٣٠ ]
المهاجرون من بنى تيم: ومن بنى تيم بن مرة: الحارث بن خالد بن صخر بن عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، معه امرأته ربطة بنت الحارث بن جبلة بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، ولدت له بأرض الحبشة موسى بن الحارث وعائشة بنت الحارث، وزينب بنت الحارث وفاطمة بنت الحارث، وعمرو بن عثمان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، رجلان.
المهاجرون من بنى مخزوم: ومن بنى مخزوم بن يقظة بن مرة:
أبو سلمة* ابن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ومعه امرأته أم سلمة بنت أبى أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ولدت له بأرض الحبشة زينب بنت أبى سلمة، واسم أبى سلمة عبد الله، واسم أم سلمة: هند. وشماس بن عثمان بن الشريد بن سويد بن هرمى ابن مخزوم.
خبر الشماس: قال ابن هشام: واسم شماس: عثمان، وانما سمى شماسا، لأن شماسا من الشمامسة، قدم مكة فى الجاهلية، وكان جميلا فعجب الناس من جماله، فقال عتبة بن ربيعة، وكان خال شماس:
أنا اتيكم بشماس أحسن منه، فجاء بابن أخته عثمان بن عثمان، فسمى شماسا فيما ذكر ابن شهاب وغيره.
قال ابن اسحاق: وهبار بن سفيان بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وأخوه عبد الله بن سفيان، وهشام بن أبى حذيفة بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم، وسلمة بن هشام بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وعياش بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عبد الله ابن عمر بن مخزوم.
المهاجرون من حلفاء بنى مخزوم، ومن حلفائهم، معتب بن عوف ابن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول بن كعب بن عمرو، من خزاعة، وهو الذى يقال له: عيهامة، ثمانية نفر.
قال ابن هشام: ويقال حبشية بن سلول، وهو الذى يقال له معتب بن حمراء.
_________________
(١) * مر ذكره وذكر زوجته من قبل- (المراجع) .
[ ٢٣١ ]
المهاجرون من بنى جمح: ومن بنى جمح بن عمرو بن هصيص بن كعب، عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، وابنه السائب بن عثمان، وأخواه قدامة بن مظعون، وعبد الله بن مظعون، وحاطب بن الحارث بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، معه امرأته فاطمة بنت المجلل بن عبد الله بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر، وابناه: محمد بن حاطب، والحارث بن حاطب، وهما لبنت المجلل، وأخوه حطاب بن الحارث، معه امرأته فكيهة بنت يسار، وسفيان بن معمر بن حبيب بن وهب بن حذافة بن جمح، معه ابناه جابر بن سفيان، وجنادة بن سفيان، ومعه امرأته حسنة، وهى أمهما، وأخوهما من أمهما شرحبيل بن حسنة، أحد الغوث.
قال ابن هشام: شرحبيل بن عبد الله أحد الغوث بن مر، أخى تميم بن مر.
قال ابن اسحاق: وعثمان بن ربيعة بن أهبان بن وهب بن حذافة ابن جمح، أحد عشر رجلا.
المهاجرون من بنى سهم: ومن بنى سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب، خنيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعبد الله ابن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهل، وهشام بن العاص بن وائل بن سعد بن سهم.
قال ابن هشام: العاص بن وائل بن هاشم بن سعد بن سهم.
قال ابن اسحاق: وقيس بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وأبو قيس بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعبد الله بن حذافة بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، والحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، ومعمر بن الحارث بن قيس بن عدى ابن سعد بن سهم، وبشر بن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وأخ له من أمه من بنى تميم، يقال له: سعيد بن عمرو، وسعيد
[ ٢٣٢ ]
ابن الحارث بن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، والسائب بن الحارث ابن قيس بن عدى بن سعد بن سهم، وعمير بن رئاب بن حذيفة بن مهشم ابن سعد بن سهم. ومحمية بن الجزاء، حليف لهم، من بنى زبيد أربعة عشر رجلا.
المهاجرون من بنى عدى: ومن بنى عدى بن كعب: معمر بن عبد الله ابن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى، وعروة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج بن عدى، وعدى بن نضلة بن عبد العزى بن حرثان بن عوف بن عبيد بن عويج ابن عدى، وابنه النعمان بن عدى، وعامر بن ربيعة، حليف لال الخطاب، من عنز بن وائل، معه امرأته ليلى بنت حثمة بن غانم. خمسة نفر.
المهاجرون من بنى عامر: ومن بنى عامر بن لؤى: أبو سبرة بن أبى رهم بن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته أم كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس ابن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وعبد الله بن مخرمه ابن عبد العزى بن أبى قيس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وعبد الله بن سهيل بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن مالك ابن حسل بن عامر، وسليط بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر ابن مالك بن حسل بن عامر، وأخوه السكران بن عمرو، معه امرأته سودة بنت زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك ابن حسل بن عامر، ومالك بن زمعة بن قيس بن عبد شمس بن عبد ود ابن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، معه امرأته عمرة بنت السعدى بن وقدان بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وحاطب بن عمرو بن عبد شمس بن عبد ود بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر، وسعد بن خولة، حليف لهم. ثمانية نفر.
قال ابن هشام: سعد بن خولة من اليمن.
المهاجرون من بنى الحارث، قال ابن اسحاق: ومن بنى الحارث ابن فهر أبو عبيدة بن الجراح، وهو عامر بن عبد الله بن الجراح بن هلال
[ ٢٣٣ ]
ابن أهيب بن ضبة بن الحارث بن فهر. وسهيل بن بيضاء، وهو سهيل ابن وهب بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، ولكن أمه غلبت على نسبه، فهو ينسب اليها، وهى دعد بنت جحدم بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر، وكانت تدعى بيضاء، وعمرو بن أبى سرح بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبه بن الحارث، وعياض بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن أهيب بن ضبة بن الحارث، ويقال: بل ربيعة بن هلال بن مالك بن جنبة، وعمرو بن الحارث بن زهير بن أبى شداد بن ربيعة بن مالك بن جنبة بن الحارث وعثمان بن عبد غنم بن زهير ابن أبى شداد بن ربيعة بن هلال بن مالك بن ضبة بن الحارث وسعد بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث، والحارث بن عبد قيس بن لقيط بن عامر بن أمية بن ظرب بن الحارث بن فهر.
ثمانية نفر.
عدد مهاجرى الحبشة: فكان جميع من لحق بأرض الحبشة، وهاجر اليها من المسلمين سوى أبنائهم الذين خرجوا بهم معهم صغارا وولدوا بها، ثلاثة وثمانين رجلا، ان كان عمار بن ياسر فيهم، وهو يشك فيه » .
وكان هؤلاء العشرة هم أول مسلمين هاجروا للحبشة وفقا للمصادر التى بين أيدينا، ويذكر ابن هشام أن من بينهم: عثمان بن مظعون كما ذكر لى أحد الباحثين. ويقول ابن اسحق انه بعد ذلك خرج جعفر بن أبى طالب مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا فواحدا ثم التقوا فى الحبشة، وقد ذهب بعضهم مع أسرته، وذهب بعضهم بمفرده دون اصحطاب أسرته
(ثم يذكر أسماء ٨٣ مهاجرا (ذكرا بالغا) ضمنهم ما ورد فى القائمة الأولى) .
واعتمادا على هذه الرواية انتشر بين المؤرخين المسلمين المحدثين أن هناك هجرتين الى الحبشة، وأن أشخاصا بعينهم- أعنى هؤلاء الذين وردت أسماؤهم فى القائمة الأولى- اشتركوا فى الهجرتين (الأولى
[ ٢٣٤ ]
والثانية الى الحبشة) بعضهم عاد الى مكة ومنها هاجروا للمدينة، وبعضهم لم يعد حتى سنة ٧ هـ عندما التحقوا بالرسول ﷺ فى خيبر.
(ب) شرح قائمتى المهاجرين الى الحبشة
تساءل المؤرخون الغربيون عن مسألة وجود هجرتين منفصلتين (أولى وثانية) الى الحبشة، خاصة الباحث كيتانى «٢١» Caeteni الذى اعتمدنا فى المناقشات التالية اعتمادا كبيرا على معالجته لهذه المسألة. ان السبب الرئيسى لرفض فكرة وجود هجرتين منفصلتين هو أن ابن اسحق- كما نقل ابن هشام والطبرى- لم يذكر فى الحقيقة أن هناك هجرتين. انه لم يقل الا ان أوائل من هاجر الى الحبشة هم
ثم أعطانا قائمة موجزة، ثم واصل حديثه قائلا ان جعفر بن أبى طالب خرج مهاجرا وتبعه المسلمون واحدا اثر الاخر. انه لم يذكر أن أحدا ممن ورد فى القائمة الأولى عاد الى مكة أو المدينة ليهاجر ثانية الى الحبشة، وأن القائمتين ليستا مرتبتين وفقا لوجود هجرتين (أولى فثانية)، وانما وفقا لأسبقية تدوين أسماء المهاجرين فى السجلات العامة للدولة بعد ذلك، أو هذا ما نفترضه. فأبو صبرة يقال انه أول من وصل للحبشة مهاجرا «٢٢» وعمرو بن سعيد بن العاص يقال انه هاجر للحبشة بعد هجرة أخيه خالد بعامين «٢٣» . هذه الحقائق، بالاضافة لكلمة (تتابع)، تفيد أنه لم تكن هناك مجموعتان كبيرتان، وانما عدد من المجموعات الصغيرة.
والانطباع الذى نخرج به من رواية ابن اسحق أن هناك قائمتين (مجموعتين كبيرتين) يذكرهما الناس فى أيامه عن مهاجرين ذهبوا للحبشة، لكنه غير متأكد عن الصلة الحقيقة بين هاتين المجموعتين (هاتين الهجرتين) . اننا نستطيع أن نقدم تفسيرا بسيطا لكيفية تحول الهجرة الواحدة الى هجرتين (على فرض أن فرضنا بأنها أساسا هجرة واحدة هو فرض صحيح)، وأن نفسر أيضا الأسماء الواردة فى القائمتين.
_________________
(١) Ann، i، pp.٢٦٢- ٢٧٢; cf.Buhl، in Noldeke- Festschrift، Giess en، ١٩٠٦، i، ١٣- ٣٢.
(٢) الطبرى، ١١٨٤.
(٣) ابن اسحق، هج ٤، ١، ٧٣، ١٤.
[ ٢٣٥ ]
فى سنة ١٥ هـ، طور الخليفة عمر بن الخطاب نظاما يتلقى المسلمون بمقتضاه أعطيات سنوية من الخزانة العامة للدولة (بيت المال) مقابل خدماتهم فى الحرب والادارة. وكانت هذه الاعطيات تختلف وفقا للأسبقية الى الاسلام فالأسبق يتقاضى مبلغا أكبر من المبلغ الذى يتقاضاه من أسلم بعده، وفى هذا النظام الجديد الذى اعتمد سنة ١٥ هـ كانت أعلى طبقة بعد زوجات الرسول (ﷺ) وعشيرته هى طبقة البدريين (الذين شاركوا كمسلمين فى غزوة بدر مع الرسول ﷺ) لكن يبدو من المحتمل أنه فى وقت سابق كانت الطبقة العليا هى التى تمثل المهاجرين.
وبالرجوع للمناقشات التى دارت حول هذا الموضوع، يتضح أنه من المؤكد أن قيام المسلم بالهجرة الى الحبشة أو الهجرة الى المدينة أو كلتيهما كان مدعاة لشرف خاص؛ اذ كان يرفع قدر القائم بالهجرة الى الدرجات العلا فى سلك النبالة الجديد. (وفقا للمعابير الجديدة للنبالة بعد الاسلام) .
وهذه المناقشات تكاد تكون موضوعة فى زمن لاحق مادامت قد فقدت معظم عناصرها بعد الاصلاح الذى أنجزه عمر بن الخطاب (﵁)، فما حدث بالفعل يمكن اعادة بنائه على النحو التالى (أو يمكن أن نتصور ما جرت عليه الأمور كالتالى):
فى عام ٧ هـ، أراد محمد (ﷺ) على نحو خاص أن يدعم وضعه بالحصول على تأييد المجموعة الصغيرة التى ما زالت فى الحبشة فأرسل اليهم رسولا ليؤكد لهم ترحيبه الحار وليرافقهم فى العودة، فعادوا معه أو على الأقل عاد بعضهم فتلقاهم الرسول بقبول حسن وأشركهم فى غنائم خيبر التى كان محمد (ﷺ) قد فتحها لتوه. ربما منذ ذلك الوقت أطلق لفظ (الهجرة) على الذين ذهبوا للحبشة وبالتالى أصبحوا (مهاجرين)، وكان هذا بدعم من محمد (ﷺ) نفسه كمبرر لمعاملته الكريمة جدا لجعفر وجماعته، فكان لا بد من هذا المبرر لتعليل مساواتهم بالمهاجرين الى المدينة المنورة. ولسوء الحظ، فان هذا جعل من الممكن لبعض من قضى فى الحبشة فترة قصيرة ثم هاجر من مكة الى المدينة أن يطالب لنفسه بحق فى هجرتين. وقد تجنب محمد (ﷺ) ذلك بتوسيع مفهوم الهجرة بأن قال ما يفيد أنهم هاجروا مرة الى الحبشة وهاجروا من
[ ٢٣٦ ]
الحبشة اليه (أى الى الرسول ﷺ) «٢٤» . وعند تفحصنا لقائمة المهاجرين الأولى للحبشة (من بين القائمتين المذكورتين انفا)، سنجد أنه من المحتمل أنها قائمة غير كاملة بمن قاموا بهجرتين احداهما للحبشة والاخرى للمدينة، وليس من الضرورى أن تكون كلتا الهجرتين الى الحبشة. فمعظم من كانوا فى الحبشة واعتبروا أيضا من المهاجرين الى المدينة (المنورة) هم الذين وردوا فى هذه القائمة الأولى «٢٥» .
ويبدو أن عمر بن الخطاب كان من بين المعارضين الرئيسيين لهذه المعاملة التفضيلية للذين قضوا فترة أطول فى الحبشة. فعلى الأقل هناك رواية لا زالت محفوظة عن نزاع بين عمر بن الخطاب وزوجة جعفر ابن أبى طالب تدخل محمد ﷺ لتسويتها «٢٦» *. هذا يلقى ضوا
_________________
(١) ابن سعد، الطبقات الكبرى، ص ٤، مج ١، ٧٩- ٧٨. وانظر أيضا، ص ٨ والحاشية فى ص ٢٠٥.
(٢) انظر الملحق (ز) باخر الكتاب.
(٣) البخارى، ٦٤، ٣٨ (ج ٣، ١٢٨ وما بعدها) الترجمة ج ٣، ص ١٦٢. * لم نستطع الاستدلال على حديث بهذا المعنى فى طبعات صحيح البخارى التى بين أيدينا (على سبيل المثال طبعة دار احياء الكتب العربية- البابى الحلبى) . لكن هناك أحاديث تشير لفضل من هاجروا الحبشة واعتبارهم أصحاب هجرتين، وفيما يلى الأحاديث التى أوردها صحيح البخارى (الطبعة المتاحة لنا) عن كل ما يتعلق بالهجرة للحبشة: ( باب هجرة الحبشة. وقالت عائشة: قال النبى ﷺ: دار هجرتكم ذات نخل بين لابتين فهاجر من هاجر قبل المدينه ورجع عامة من كان هاجر بأرض الحبشة الى المدينة. فيه عن أبى موسى وأسماء عن النبى ﷺ. حدثنا عبد الله بن محمد الجعفى حدثنا هشام أخبرنا معمر عن الزهرى حدثنا عروة بن الزبير أن عبيد الله بن عدى بن الخيار أخبره أن المسور بن مخرمة وعبد الرحمن بن الأسود ابن عبد يغوث قالا له: ما يمنعك أن تكلم خالك عثمان فى أخيه الوليد بن عقبة وكان أكثر الناس فيما فعل به. قال عبيد الله: فانتصبت لعثمان حين خرج الى الصلاة فقلت له: ان لى اليك حاجة وهى نصيحة فقال أيها المرء أعوذ بالله منك فانصرفت فلما قضيت الصلاة جلست الى المسور والى ابن عبد يغوث فحدثتهما بالذى قلت لعثمان وقال لى فقالا قد قضيت الذى كان عليك فبينما أنا جالس معهما اذ جاءنى رسول عثمان فقالا لى قد ابتلاك الله فانطلقت حتى دخلت عليه فقال ما نصيحتك التى ذكرت انفا قال فتشهدت ثم قلت: ان الله بعث محمدا ﷺ وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ وامنت به وهاجرت الهجرتين الأوليين وصحبت رسول الله ﷺ ورأيت هديه وقد أكثر الناس فى شأن الوليد بن عقبة فحق عليك أن تقيم عليه الحد فقال له يا ابن أخى أدركت رسول
[ ٢٣٧ ]
على المفاهيم الكاملة وراء التصنيف (أو التقسيم) الذى اختاره عمر ابن الخطاب لنظام الأعطيات الذى أخذ به. فليس هناك ذكر للهجرة فنتج عن ذلك أن هؤلاء الذين عادوا من الحبشة
وفق غزوة خيبر، هؤلاء فقط هم الذين صنفوا بعد البدريين (الذين شهدوا غزوة بدر مع الرسول) بطبقتين.
(ج) أسباب الهجرة الى الحبشة
ما ذكرناه انفا- بفرض صحته- لا يزيد كثيرا من فهمنا للأمور المتعلقة بالحبشة، فهى ليست بالبساطة التى يظنها المسلمون
_________________
(١) الله ﷺ قال قلت لا ولكن قد خلص الى من علمه ما خلص الى العذراء فى سترها قال فتشهد عثمان فقال ان الله قد بعث محمدا ﷺ بالحق وأنزل عليه الكتاب وكنت ممن استجاب لله ورسوله ﷺ وامنت بما بعث به محمد ﷺ وهاجرت الهجرتين الأوليين كما قلت وصحبت رسول الله ﷺ وبايعته والله ما عصيته ولا غششته حتى توفاه الله ثم استخلف الله أبا بكر فو الله ما عصيته ولا غششته ثم استخلف عمر فو الله ما عصيته ولا غششته. ثم استخلفت أفليس لى عليكم مثل الذى كان لهم على قال بلى قال فما هذه الأحاديث التى تبلغنى عنكم؟ فأما ما ذكرت من شأن الوليد بن عقبة فسنأخذ فيه ان شاء الله بالحق قال فجلد الوليد أربعين جلدة وأمر عليا أن يجلده وكان هو يجلده وقال يونس وابن أخى الزهيرى عن الزهيرى أفليس لى عليكم من الحق مثل الذى كان لهم. حدثنى محمد بن المثنى حدثنا يحيى عن هشام قال حدثنى أبى عن عائشة ﵂ أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبى ﷺ فقال ان أولئك اذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تيك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة. حدثنا الحميدى حدثنا سفيان حدثنا اسحاق بن سعيد السعيدى عن أبيه عن أم خالد بنت خالد قالت: قدمت من أرض الحبشة وأنا جويرية فكسانى رسول الله ﷺ خميصة لها أعلام فجعل رسول الله ﷺ يمسح الأعلام بيده ويقول سناه سناه قال الحميدى يعنى حسن حسن. حدثنا يحيى بن حماد حدثنا أبو عوانة عن سليمان عن ابراهيم عن علقمة عن عبد الله ﵁ قال كنا نسلم على النبى ﷺ وهو يصلى فيرد علينا فلما رجعنا من عند النجاشى سلمنا عليه فلم يرد علينا فقلنا يا رسول الله انا كنا نسلم عليك فترد علينا قال ان فى الصلاة شغلا فقلت لابراهيم كيف تصنع أنت قال أرد فى نفسى. حدثنا محمد بن العلاء حدثنا أبو أسامة حدثنا يزيد بن عبد الله عن أبى بردة عن أبى موسر ﵁ بلغنا مخرج النبى ﷺ ونحن باليمن فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا الى النجاشى بالحبشة فوافقنا جعفر بن أبى طالب فأقمنا معه حتى قدمنا فوافقنا نبى الله حين افتتح خيبر فقال النبى ﷺ لكم أنتم يا أهل السفينة هجرتان.
[ ٢٣٨ ]
التقليديون. سيغدو هذا واضحا عند محاولتنا الاجابة عن هذا السؤال:
لماذا هاجر هذا العدد الكبير من المسلمين الى الحبشة؟
ان الاجابة الأولى الممكنة هى أنهم هاجروا لتحاشى القسوة والاضطهاد اللذين واجهوهما فى مكة. وهذا واضح فى خطاب عروة ورواية ابن اسحق، ورغم أن محمدا (ﷺ) فى هاتين الروايتين هو الذى اتخذ المبادأة فان المرء يكاد يفترض أن هؤلاء المسلمين الأوائل قد هاجروا فى الأساس لخوفهم من المعاناة، ولدعم هذه الاجابة يمكن أن نذكر أن ما ذكره ابن اسحق عن أوائل المسلمين الذين لم يهاجروا الى الحبشة كانوا- خلا حالتين- ينتمون انتماء فعليا- أو كحلفاء- الى عشائر: هاشم والمطلب وزهرة وتيم وعدى، وتلك كانت هى عشائر حلف الفضول (مع استبدال أسد بعدى) وكان من الظاهر أنهم هم الذين كونوا المعارضة للمجموعة المحيطة بمخزوم وعبد شمس التى فيها القوة المالية «٢٧» . فالمعارضة التى قادها ضد محمد ﷺ المنتمون لمجموعات مخزوم وعبد شمس واضطهادهم لأتباعه- أى أتباع محمد ﷺ- تمثلت فى ضغوط عليهم لنزعهم من بين عشائرهم، بل وحتى من بين أسرهم.
وعلى أية حال، ففى المجموعة المنافسة والتى تمثلها زهرة وتيم وغيرهما من المفترض أنه لم يكن هناك الشغف نفسه فى ايذاء أتباع محمد مادام يهاجم الطبقة المالية العليا التى يكرهونها بدورهم، ومن هنا لم تكن هناك الضرورة نفسها عند أفراد هذه العشائر من المسلمين فى الهجرة الى الحبشة. وبالنسبة للاستثناءين الانف اشارتنا لهما*، فان الأرقم (المخزومى) رغم أنه كان ما يزال شابا الا أن وضعه كان قويا- ربما كان زعيما لفرع فى عشيرة- لأنه كان قادرا على تقديم بيته للمسلمين ليجتمعوا فيه ونفهم من هذا أنه لم يكن يتعرض للاضطهاد كالاخرين.
وأما الاستثناء الثانى فهو أبو أحمد بن جحش (حليف عبد شمس) وكان شاعرا أعمى، وبالتالى فقد كان له وضعه الخاص، ومع هذا فان ابن
_________________
(١) انظر الفصل الأول، الفقرة ٢/ ١. * من المسلمين الذين لم يهاجروا للحبشة- (المترجم) .
[ ٢٣٩ ]
سعد يذكر أنه ذهب للحبشة، وان كان ابن اسحق لم يذكره ضمن من هاجروا اليها.
ويبدو أن هناك شيئا ما فى هذه الحجة وفى الاجابة عن السؤال المطروح فى صدر هذه الفقرة. فهناك أيضا اعتراضات على ما ذكرناه.
فاذا كانت هجرة المسلمين للحبشة لمجرد الخلاص من الاضطهاد فلم ظل بعضهم هناك حتى سنة ٧ هـ، بينما كان يمكنهم أن يعودوا امنين ليلحقوا بمحمد ﷺ فى المدينة؟ ليس لدينا ما يشير الى أن محمدا ﷺ طلب منهم البقاء فى الحبشة بعد هجرته للمدينة- حتى يهيىء لهم ما يكفيهم فى المدينة. وحتى اذا كان الرسول قد فعل ذلك- أى طلب منهم البقاء فى الحبشة- لكان من المؤكد أن تذكر لنا الروايات ذلك. ان أية اجابة عن هذا السؤال المضاد تعنى أن هؤلاء المهاجرين كان لديهم بعض الأسباب للهجرة غير التخلص من الاضطهاد فى مكة. وربما كانت هذه الأسباب الاخرى هى الأهم.
والسبب المحتمل الثانى للهجرة هو الذى قدمه لنا الباحثون الغربيون. مع ملاحظة أن الروايات الأولى عن مبادرة* محمد ﷺ يمكن للمرء أن يستدل منها على أنه كان مهتما كثيرا بأن يخفف عن أتباعه الصعوبات المادية التى كانوا يواجهونها، بقدر اهتمامه بابعادهم عن خطر الردة والعودة الى الشرك مرة أخرى، فاذا بقى هؤلاء الأتباع فى مكة عرضة لضغوط أسرهم فقد يرتدون وينكرون عقيدتهم الجديدة (الاسلام) . وحتى هذا السبب الثانى غير مقنع بما فيه الكفاية. تماما كالسبب الأول. فالى أى شىء يقودنا؟ ما الأساس الذى عليه بنى هؤلاء العائدون توقعهم بعودة امنة الى مكة؟ وفى الوقت نفسه، فان بعضهم كانوا من المسلمين الصامدين المتمسكين باسلامهم. وربما لم يكن من الممكن اغواؤهم وردهم عن دينهم. ألم يكن من الأفضل أن يظلوا فى مكة مع أقرانهم؟ ألم يكن هذا أدعى لشد أزر المسلمين الاخرين ورفع معنوياتهم؟!
_________________
(١) * أى أنه ﷺ هو الذى طلب من أصحابه الهجرة للحبشة- (المترجم) .
[ ٢٤٠ ]
والسبب المحتمل الثالث ان هؤلاء المهاجرين الى الحبشة قد ذهبوا اليها لينخرطوا فى سلك التحارة. والان فلأن بعضهم قد قضى فى الحبشة ربما حوالى اثنى عشر شهرا، فلا بد أنهم دبروا لأنفسهم مصدرا للعيش، ولا بد أن يكون ذلك كما يكاد يكون مؤكدا عن طريق التجارة.
وقد حدثنا عروة عن الحبشة كاحدى مجالات تجارة أهل مكة. وحتى هذا السبب فى حد ذاته غير كاف لتبرير هجرة المسلمين الى الحبشة وحث محمد ﷺ بعض صحبه عليها، اذا لم نفترض أنهم كانوا فى حالة يأس كامل فقدوا فيه كل الأمل فى الاصلاح الدينى (الدعوة للاسلام) فى مكة. لكن حتى اذا كان هذا هو اتجاه المهاجرين الى الحبشة، فانه لم يكن اتجاه محمد ﷺ*. ومن هنا وجب علينا أن نبحث عن مزيد من الأسباب.
رابعا، أيمكن أن يكون ذلك (الهجرة الى الحبشة) جزا من بعض خطط محمد (ﷺ) الماهرة؟ أكان يأمل فى تلقى مساعدة عسكريه من الأحباش كما من المحتمل أن يكون جده قد فعل من حيث طلبه دعم أبرهة العسكرى؟ (ليس فى كتب السيرة ما يفيد طلب جده لهذا الدعم المترجم) .
فربما لم يكن الأحباش كارهين لغزو جنوب شبه الجزيرة العربية لاستعادة ملكهم الضائع هناك، كما أن الامبراطور البيزنطى قد يكون وافق على هجوم تكتيكى على جناح الجيش الفارسى خاصة وأن الفرس كانوا قد استولوا على القدس قبل ذلك بعام أو عامين. أو هل كان محمد ﷺ يأمل أن يجعل من الحبشة قاعدة لمهاجمة تجارة أهل مكة كما فعل بعد ذلك بالنسبة للمدينة بعد أن هاجر اليها؟ أو هل حاول محمد ﷺ أن يطور طريقا بديلا للتجارة من الجنوب الى الدولة البيزنطية بعيدا عن مطال الدبلوماسية الملكية، وبالتالى يكسر احتكار رأسماليى مكة لهذه التجارة؟ لقد أفترضنا فى صفحات سابقة «٢٨» أن سياسة مكة كانت
_________________
(١) * المعنى أن محمدا ﷺ لم يكن فى حالة يأس كامل من الدعوة للاسلام فى مكة- (المترجم) .
(٢) الفصل الأول، الفقرة ٢/ ب.
[ ٢٤١ ]
سياسة حيادية؛one of neutrality لكن الحبشة بلا شك كانت غير موافقة على استعداد رأسماليى مكة للتجارة مع الفرس، وكانت الحبشة مستعدة لعمل كل ما فى وسعها لاضعاف مكة اقتصاديا. والرواية التى مؤداها أن المكيين قد أرسلوا رجلين كمبعوثين للنجاشى رواية مقبولة، وربما دعمت وجهة النظر التى مؤداها أن الهجرة للحبشة كانت ذات أبعاد اقتصادية وسياسية. لكن طبيعة هذه البعثة ونتائجها تبقى مجالا للتخمين. ربما كانت ناجحة من ناحية منع النجاشى عن تقديم مساعدة فعالة للمسلمين؛ باخباره بضعف موقفهم فى مكة حتى لو فشلت هذه البعثة فى تحقيق هدفها الأساسى- وفقا للرواية التقليدية- فى اعادة المهاجرين الى بلادهم. وعلى أية حال، فان هذا السبب الرابع رغم أنه جذاب فى بعض جوانبه الا أنه لا يفسر لنا كيف أن بعض المسلمين ظلوا بافين هذه المدة الطويلة فى الحبشة.
انه من الصعب أن نقاوم النتيجة التى ترتبط بالسبب الخامس ارتباطا وثيقا، ونعنى بها أنه كان هناك انقسام حاد فى الرأى بين الجماعة الاسلامية الناشئة. فبعد أن قدم لنا ابن اسحق قائمته التى نضم المهاجرين، أضاف ابن هشام ملحوظة مهمة مؤداها أن القائد لهذه المجموعة كان هو عثمان بن مظعون. وابن سعد «٢٩» يذكر لنا أنه حتى أثناء الجاهلية كان ابن مظعون يتحاشى شرب الخمر وكيف أنه فى مرحلة لاحقة حاول أن يدخل فى الاسلام بعدا تقشفيا أو أمورا متعلقة بالزهد ascetic لم يوافق عليها محمد ﷺ، وقد قدم عثمان بن مظعون فى البداية مع عدد من الأصحاب كلهم من الرجال المهمين وكان هو- بلا شك- على رأسهم.
وعلى هذا، فانه يكاد يكون مؤكدا أن ينظر اليه كقائد جماعة بين المسلمين كانت- أى هذه الجماعة- منافسة لجماعة أخرى يتزعمها أبو بكر.
وملاحظة عمر التى ذكرها ابن سعد مؤداها أنه حتى بعد وفاة النبى ﷺ وأبى بكر الصديق ﵁، لم يفكر فى عثمان بن مظعون الا قليلا
_________________
(١) ج ٣، ٢٨٦- ٢٩١.
[ ٢٤٢ ]
لأنه مات فى فراشة*- تعد شاهدا على التنافس بين عثمان بن مظعون من ناحية وجماعة أبى بكر وعمر بن الخطاب من ناحية أخرى**.
وهناك اشارات أخرى أيضا عن خلافات بين المسلمين. فخالد بن سعيد (من عبد شمس) كان واحدا من أوائل المسلمين يقال انه أول من هاجر للحبشة «٣٠» لكنه لم يعد حتى غزوة خيبر، وبعد موت محمد ﷺ يبدو أنه أظهر بعض العداء لأبى بكر ﵁، ربما أشارت هذه الرواية لوجود حزب أو جماعة ضد أبى بكر. ومن الحالات الطريفة أيضا حالة الحجاج بن الحارث بن قيس (من سهم) الذى ربما اختلط اسمه باسم الحارث بن الحارث بن قيس. لقد اخذ كاسير فى غزوة بدر وكان فى الجانب المعادى للرسول فى هذه الغزوة «٣١» . لكن يبدو أنه هو أيضا كان من بين المسلمين الذين هاجروا للحبشة «٣٢» . وقد شككت بعض المصادر الاسلامية فى هذه الرواية الاخيرة المتعلقة بالحجاج بن الحارث؛ لكن هذا التشكيك مفهوم ولا يعد سببا لرفض أنه كان من بين المهاجرين الى الحبشة. واذا كان احد المهاجرين يحمل مثل هذا؟؟؟
فلم لا يكون الاخرون مثله؟ وهناك عدد لم تورد المصادر تاريخ وصولهم للمدينة «٣٣» . وأخيرا هناك نعيم بن عبد الله النحام (من عدى) يبدو أنه كان أحد زعماء قبيلته عدى، وكان هو وأبو بكر من بين أشهر أوائل المسلمين الذين لم يذهبوا للحبشة. لكن يبدو أن الفتور قد ساد علاقته بالمجموعة الرئيسية التى كانت هى مجموعة أبى بكر فى الأساس، وعلى الأقل فهو لم يذهب للمدينة حتى سنة ٦ هـ. وربما كان الى حد ما حاضرا فى ذهن عروة عندما قال ان بعضهم قد تعرض للفتنة. وعلى كل حال، فان عروة ليس شاهدا محايدا لأن أباه الزبير بن العوام كان قد تبع عثمان بن مظعون، وربما لم يكن دقيقا فى ذكره للدوافع والتواريخ التقريبية.
_________________
(١) * أى لم يقتل فى معركة- (المترجم) . ** راجع مقدمة المترجم.
(٢) ابن سعد، ٤، ١، ٦٧- ٧٢.
(٣) ابن هشام، ٤، ٥، ابن حجر، الاصابة، ١، ١٦٠٨.
(٤) ابن سعد، ٤، ١، ١٤٤.
(٥) انظر الملحق (ح) .
[ ٢٤٣ ]
نخلص من هذا أن السبب الخامس (الأخير) نظرا لانطباقه على ظروف كل المهاجرين، فهو الأقرب الى أن يكون بعيدا عن كونه مجرد افتراض، وعلى أية حال، فنحن لسنا فى حاجة الى القول بأن الخلافات فى الرأى والتى أدت للهجرة للحبشة لم تكن قد وصلت الى درجة حادة، كما أن ما ذكرناه لا يعنى ان الأسباب الاخرى لم تكن قائمة بالمرة. وربما كان ما حدث كان شيئا قريبا مما ذكرناه الى حد ما.
لقد كان المهاجرون الى الحبشة كما هو واضح رجالا ذوى عقائد دينية صحيحة. وفى بعض الحالات كانت هذه العقائد الدينية الصحيحة لدى البعض راسخة حتى قبل نبوة محمد ﷺ كما هو فى حالة عثمان بن مظعون وعبيد الله بن جحش (الذى تحول للمسيحية فى الحبشة) .
فمثل هؤلاء قد يكونون غير ميالين لقبول سياسة أبى بكر الخليفة المتوقع للرسول ﷺ. ما هذه السياسة التى لم يكونوا راضين عنها؟ اننا لا نستطيع الا التخمين، وربما جاز لنا أن نصر على أن محمدا ﷺ ما نجح كنبى وقائد (النص: زعيم دينى وسياسى) الا لأن دعوته كانت ذات أبعاد سياسية واجتماعية معلنة (أى أعلنها الرسول ﷺ) . وأولئك الذين بقوا فى مكة كانوا ممن ينتمون الى عشائر كانت مستعدة لقبول قيادة محمد ﷺ (ربما كانت عدى استثناء من ذلك)؛ بالنظر الى حلف الفضول القديم الذى اشتركت فيه هذه العشائر جميعا. ومهما كانت سياسة أبى بكر، فان محمدا ﷺ كان بلا شك سيوافق عليها.
والقول بأن محمدا هو الذى اتخذ المبادأة* ربما كان محاولة لاخفاء الدوافع الأساسية بين الذين تخلوا عنه فى مكة، لكنه ليس من الضرورى أن نفسر البيانات المتاحة لنا ata بهذه الطريقة. انه لما يتفق مع شخصية محمد (ﷺ) أن يعى بسرعة امكان حدوث شقاق أو خلاف فيتخذ بسرعة خطوات ليسد الثغرات ويتحاشى النتائج السيئة، لذا بادر باقتراح الهجرة الى الحبشة لتعزيز خطة تتفق مع مصالح الاسلام الذى لازلنا غير واعين بطبيعته الدقيقة، فالاسلام فى هدفه الظاهرى لم يحقق
_________________
(١) * أى هو الذى وجه أتباعه للهجرة الى الحبشة- (المترجم) .
[ ٢٤٤ ]
الا قليلا من النجاح (حتى هذه اللحظة التى نتحدث عنها)، فالسرعة النسبية لتسوية الأمور مع عثمان بن مظعون والاخرين الذين عادوا الى مكة قبل الهجرة للمدينة تشير على الأقل الى أنه لم تكن هناك قطيعة كاملة بينهم (عثمان بن مظعون وجماعته) ومحمد ﷺ. ومن المؤكد أنهم فى النهاية قد قبلوا زعامة محمد (ﷺ) والوضع الخاص لأبى بكر الصديق، وحاربوا كمسلمين شجعان فى غزوة بدر.
٣- مناورات المعارضة
مع أن المعلومات التى قدمها لنا ابن هشام والطبرى عما تبقى من الحقبة الملكية قليلة، فانها ترسم لنا صورة مقبولة عن المظاهر الخارجية للمعارضة التى واجهها محمد (ﷺ)، وهى معلومات مستقاة من القران (الكريم) لكنها ليست صورة طبق الأصل لما ورد به. حقيقة لقد كانت هذه المعلومات التى قدمها ابن هشام والطبرى فيها بعض المبالغة فى اتجاهات بعينها، لكن من المحتمل أن تكون هذه المبالغة فى هذه المواضع أقل مما يفترض الكتاب الغربيون.
(أ) اضطهاد المسلمين
يقدم لنا ابن اسحق «٣٤» وصفا لما كان يقوم به أبو جهل لاضطهاد المسلمين فيذكر أنه كان يحرض قريشا ضد من أسلم، وأنه كان ان سمع باسلام شخص ذى أهمية انتقده بشدة وأنبه وقال له: أتترك دين ابائك رغم أنهم أفضل منك ان تفكيرك غبى وحكمك غير صائب، أين شرفك. وان كان الذى أسلم تاجرا هدده بوقف رواج تجارته وضياع رأس ماله. وان كان الذى أسلم رجلا ضعيفا غير مؤثر ضربه وحرض الناس ضده.
ومن هذا العرض نفهم أنه ليس من المؤكد أن اضطهاد أبى جهل للمسلمين كان أكثر قسوة من الهجوم اللفظى (السب والشتم) ان كان
_________________
(١) ابن هشام، ٢٠٦ وما بعدها.
[ ٢٤٥ ]
هذا المسلم شخصا مهما نافذا، أما ان كان أقل شأنا فان أبا جهل يمارس عليه ضغطا اقتصاديا، وأما ان كان المسلم رقيق الحال لا سند له عاقبه عقابا بدنيا بشعا. ولأن معظم عشائر قريش كانت منيعة الجانب بدرجة تجعلها قادرة على احداث ازعاج خطير أو ما هو أسوأ من ذلك- اذا تعرض أحد أفرادها أو حلفائها لمعاملة سيئة، فان أولئك الذين تعرضوا لعقاب بدنى قاس كانوا قلة وكانوا من العبيد، أو ممن ليس لهم ارتباطات عشائرية واضحة (مثل خباب بن الارت) . وكان من الممكن من الناحية الرسمية أن تخلع احدى العشائر أحد أفرادها أو حلفائها (أى تتبرأ منه):
لكن هذا الاجراء كان يقلل من شرف القبيلة. ويبدو أن شيئا كهذا حدث لأبى بكر لأننا رأيناه يقبل حماية ابن الدغنه «٣٥» ونسمع أيضا عن طلحة وأنه هو وأبى بكر قد ارتبطا معا. وعلى أية حال، فان عشيرته تيم لم تكن قوية. وربما كان محمد ﷺ هو أيضا قد حرمته عشيرته من حمايتها وقت زيارته للطائف لأنه لاقى معاملة سيئة هناك؛ ولأنه طلب حماية أحد أفراد العشائر الاخرى قبل أن يدخل مكة مرة أخرى.
ان أفعال أبى جهل، وأفعالا أخرى مشابهة، لا شك فى حدوثها، وأشارت اليها المراجع عند حديثها عن الفتنة التى تعرض لها المسلمون.
وعلى أية حال، فان هذا ليس اضطهادا قاسيا. وتتضح هذه النقطة عند دراسة التفاصيل فى السيرة لابن هشام، وكتاب الطبرى وطبقات ابن سعد. فهذه المراجع لم تذكر سوى أسوأ الحالات أو ما هو مفترض أنه أسوأ الحالات، ولم تذكر أن ذلك هو الوضع العام أو المعدل العام.
فكل الشواهد تجعلنا نفترض أن الاضطهاد لم يكن عنيفا. فما ذهب اليه الباحثون الغربيون من اتهام بأن الحديث عن اضطهاد المسلمين عرض بشكل مبالغ فيه- هذا الاتهام لا يكاد ينطبق على المصادر الأولى. وربما كانت الأسئلة الرئيسية للمبالغة هى تلك التى تتناول الحالات التى تبين تمسك الشخص بعقيدته واستعصائه على الردة.
وتوضح المواد التى بين أيدينا مظاهر المعارضة المختلفة كما وردت فى الفقرة المنقولة انفا عن ابن اسحق. فقد هوجم محمد (ﷺ) بالأقوال
_________________
(١) ابن هشام، ٢٤٥ وما بعدها.
[ ٢٤٦ ]
وتعرض لاهانات بسيطة، كقيام جيرانه بالقاء القمامة أو الأقذار عند باب بيته، ومن الممكن ان تكون حدة المضايقات قد زادت بعد موت ابى طالب «٣٦» . كما أن تدنى رأسمال أبى بكر ﵁ من ٠٠٠ ر ٤٠ درهم الى ٥٠٠٠ درهم فى الفترة من تحوله للاسلام الى الهجرة «٣٧»، ربما يرجع للضغط الاقتصادى الذى هدد به أو ب جهل وليس شراء العبيد (لعتقهم) كما ذكر ابن سعد مادام العبد لا يكلف الا حوالى ٤٠٠ درهم «٣٨» . وأكثر الأمثلة وضوحا فى مجال العقاب البدنى، تتضح من معاملة العبيد كبلال بن رباح وعامر بن فهيرة «٣٩» وقريب جدا من هذا رفض العاص بن وائل دفع دين شرعى لخباب ابن الأرت «٤٠» . وحتى النوع الرابع من الاضطهاد (يمكن أن نطلق عليه ممارسة الضغط بما فى ذلك العقاب البدنى) كان يمارسه أعضاء من العشيرة نفسها بل وداخل الأسرة الواحدة، كالأب والعم والأخ الأكبر، ومعاملة أبى جهل لكل من: الوليد بن الوليد، وسلامة بن هشام، وعياش بن أبى ربيعة وغيرهم من أفراد العشيرة نفسها، تعد من الأمثلة المعروفة «٤١» . وان كنا نجد أمثلة أخرى فى صفحات كتاب ابن سعد.
والقسوة التى تعرض لها الحليف عمار بن ياسر وأسرته على يد بنى مخزوم «٤٢» ربما كانت من هذا النوع.
لقد كان اضطهاد المسلمين يكاد يكون من النوع المعتدل. فنظام الأمن (الحماية) كان فاعلا ومطبقا فى مكة متمثلا فى حماية كل عشيرة لأعضائها، مما يمنع تعرض أى مسلم لايذاء العشائر الاخرى بشكل خطير حتى لو كانت عشيرته هو غير راغبة فى الاسلام. فالفشل فى
_________________
(١) ابن هشام، ١٨٣، ١٨٥، الطبرى، ١١٩٨ وما بعدها.
(٢) ابن سعد، ج ١، ١٢٢.
(٣) ابن سعد، ج ١، ٢٧، ٢١.
(٤) ابن هشام، ٢٠٥ وما بعدها.
(٥) ابن سعد، ج ١، ١١٦.
(٦) ابن هشام، ٢٠٦ وما بعدها.
(٧) ابن هشام، ٢٠٦.
[ ٢٤٧ ]
الدفاع عن ابن العشيرة ضد عدوان عشائر أخرى ينقص من شرف هذه العشيرة وقدرها. لذلك كان الاضطهاد قصرا على:
(أ) حالات لا تتأثر فيها العلاقات العشائرية، كأن يكون المضطهد (بكسر الهاء) من العشيرة نفسها أو ألا يكون الضحية مشمولا بحماية أية عشيرة من العشائر.
(ب) أعمال لا تدخل ضمن ما تعورف عليه من أنه يمس الشرف القبلى أو العشائرى، كالضغوط الاقتصادية وربما أيضا الايذاء بالقول والاهانات الصغيرة التى تؤثر فى الشخص فقط لا فى عشيرته كلها.
هذا الاضطهاد المحدود ربما كان كافيا للنقر على أصابع الاسلام الوليد؛ لكنه لم يكن كافيا لتراجع أى مسلم جاد عن دينه. بل ربما قوى الاسلام بأن جعل الفقراء يتحولون اليه.
(ب) الضغط على بنى هاشم
لقد كان نظام الأمن الذى شرحناه انفا هو ما جعل محمدا ﷺ قادرا على الاستمرار فى دعوته للاسلام حتى سنة ٦٢٢ م رغم معارضة زعماء مكة. لقد كان زعيم هاشم فى هذا الوقت هو عم النبى، أبو طالب الذى كان مستعدا- رغم عدم اعتناقه للاسلام- أن يقدم الحماية الكاملة لمحمد ﷺ بوصفه عضوا فى العشيرة. وقد لجأ زعماء قريش وعلى رأسهم أبو جهل أكثر من مرة لأبى طالب طالبين منه اما أن يوقف محمدا ﷺ عن اعلان دينه الجديد أو أن يسحب حمايته له. وعلى أية حال، فان أبا طالب رفض كلا العرضين ودبر أموره داخل عشيرته للموافقة على موقفه هذا «٤٣» (رغم أن عشيرة المطلب كانت من الناحية الرسمية عشيرة مستقلة، الا أنها انضمت لهاشم لأغراض مختلفة وصارتا معا كعشيرة واحدة) .
_________________
(١) ابن هشام، ١٦٨- ١٧٠، الطبرى، ١١٧٨- ١١٨٠.
[ ٢٤٨ ]
فرفع شأن العشيرة وزيادة شرفها قد يكون فى حد ذاته سببا كافيا لأبى طالب لفعل ما فعله، لكن ربما كانت هناك أمور أكثر من ذلك. لقد سبق أن لاحظنا مما ذكرناه انفا أنه يبدو أن عشيرة هشام كانت أوضاعها قد تدهورت خلال الحقب السابقة، فأن تفقد واحدا من خيرة شبابها (يقصد محمدا ﷺ) فى هذه المرحلة يعد خسارة كبيرة لها تفقدها جانبا من قوتها. وأكثر من هذا، فبالاضافة لقضية محمد وشرف العشيرة ربما كانت هناك مسألة السياسة الاقتصادية، فدعوة محمد الى الاسلام رغم أنها دعوة- فى الأساس- دينية الا أنها مست أمورا اقتصادية مسا وثيقا، ومن هذه الناحية ربما كان يمكن اعتبارها استمرارا لاتجاه حلف الفضول فى معارضته للاحتكاريين المجردين من المبادىء الخلقية. واذا كان الأمر كذلك، فانه يمكن اعتبار محمد ﷺ استمرارا للسياسة التقليدية لعشيرة هاشم؛ وبالتالى فليس هناك ما يدعو للدهشة اذا تلقى هو أيضا قدرا معينا من الدعم العام لعشيرته. والجدير بالملاحظة أن أبا طالب قد بسط حمايته أيضا على مسلم اخر هو أبو سلمة بن عبد الأسد ابن أخته الذى ينتمى لعشيرة مخزوم «٤٤»، وقد أيده أبو لهب فى ذلك.
وحالة أبى لهب حالة شائقة دراستها، طالما أنه استسلم للضغوط الواقعة على عشيرة هشام. لقد كان أبو لهب هو الأخ الأصغر لأبى طالب لكنه كان يدبر لزواجه من أخت أبى سفيان أحد زعماء عبد شمس، وبعد السنة الثانية للهجرة أصبح هو الزعيم الأساسى لمكة كلها.
وعندما اشتدت المعارضة لمحمد (ﷺ) أخذ جانب عشيرة زوجته ضد ابن أخيه (يقصد محمدا ﷺ)، ومما لا شك فيه أنه فى حوالى هذا الوقت تم الانفصال بين ابنتى محمد ﷺ وابنيه. وقد يجوز لنا أن نفترض أن اتجاه أبى لهب هذا كان متأثرا بعلاقاته التجارية والمصلحية مع عبد شمس.
أما وقد فشل أعداء محمد ﷺ فى عزله عن عشيرته، فقد دبروا أمر تحالف كل عشائر قريش ضد بنى هاشم (ومعها بنو المطلب) .
من ناحية تعد هذه الخطوة مرحلة من مراحل المعركة ضد محمد ﷺ،
_________________
(١) ابن هشام، ١٤٤.
[ ٢٤٩ ]
لكنها أيضا تعد من ناحية أخرى مرحلة لتعاظم شأن مخزوم وما يرتبط بها من عشائر على حساب حلف الفضول، فما حدث يعنى تدهور هذا ال؟؟؟؟
وقصيدة أبى طالب «٤٥» بالاضافة لملاحظات ابن اسحق تعدان دليلا مهما
_________________
(١) ابن هشام ١٧٢- ١٧٨. نص ما أورده ابن هشام عن هذا الحلف: «.. سبب تسميته: قال ابن هشام: وأما حلف الفضول فحدثنى زياد بن عبد الله البكائى عن محمد بن اسحاق قال: تداعت قبائل من قريش الى حلف، فاجتمعوا له فى دار عبد الله بن جدعان بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤى، لشرفه وسنه، فكان حلفهم عنده: بنو هاشم، وبنو المطلب، واسد بن عبد العزى. وزهرة بن كلاب، وتيم بن مرة، فتعاقدوا وتعاهدوا على ألايجدوا بمكة مظلوما من أهلها وغيرهم ممن دخلها من سائر الناس ألا قاموا معه، وكانوا على من ظلمه حتى ترد عليه مظلمته، فسمت قريش ذلك الحلف: حلف الفضول. حديث رسول الله ﷺ فيه: قال ابن اسحاق: فحدثنى محمد بن زيد بن المهاجر ابن قنفذ التيمى أنه سمع طلحة بن عبد الله بن عوف الزهرى يقول: قال رسول الله ﷺ: «لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا، ما أحب أن لى به حمر النعم، ولو أدعى به فى الاسلام لأجبت» . الحسين يهدد الوليد بالدعوة الى احياء الحلف: قال ابن اسحق: وحدثنى يزيد ابن عبد الله بن أسامة بن الهادى الليثى أن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى حدثه: أنه كان بين الحسين بن على بن أبى طالب ﵄، وبين الوليد بن عتبة بن أبى سفيان- والوليد يومئذ أمير على المدينة، أمره عليها عمه معاوية بن أبى سفيان- منازعة فى مال كان بينهما بذى المروة، فكان الوليد تحامل على الحسين فى حقه لسلطانه- فقال له الحسين: أحلف بالله لتنصفنى من حقى، أو لاخذن سيفى، ثم لأقومن فى مسجد رسول الله ﷺ ثم لأدعون بحلف الفضول قال: فقال عبد الله ابن الزبير، وهو عند الوليد حين قال الحسينرضي الله عنه- ما قال: وأنا أحلف بالله لئن دعا به لاخذن سيفى، ثم لأقومن معه حتى ينصف من حقه أو نموت جميعا، قال: فبلغت المسرور بن مخزمة بن نوفل الزهيرى، فقال مثل ذلك، وبلغت عبد الرحمن ابن عثمان بن عبيد الله التيمى، فقال مثل ذلك، فلما بلغ ذلك الوليد بن عتبة أنصف الحسين من حقه حتى رضى. خروج بنى عبد شمس وبنى نوفل من الحلف: قال ابن اسحاق: وحدثنى يزيد ابن عبد الله بن أسامة بن الهادى الليثى عن محمد بن ابراهيم بن الحارث التيمى قال: قدم محمد بن جبير بن مطعم بن عدى بن نوفل بن عبد مناف- وكان محمد بن جبير أعلم قريش- فدخل على عبد الملك بن مروان بن الحكم حين قتل ابن الزبير واجتمع الناس على عبد الملك فلما دخل عليه قال له: يا أبا سعيد، ألم نكن نحن وأنتم، يعنى بنى عبد شمس بن عبد مناف وبنى نوفل بن عبد مناف فى حلف الفضول؟ قال عبد الملك: لتخبرنى يا أبا سعيد بالحق من ذلك، فقال: ولا والله، لقد خرجنا نحن وأنتم عنه، قال: صدقت. ص ص ٨٦- ٩٨، تحقيق محمد بيومى.
[ ٢٥٠ ]
يؤكد ذلك. وحتى اذا كان بعض هذه القصيدة قد جرى تلفيقه بعد ذلك، فان كثيرا منها لا بد أن يكون شخص ما ذو خبرة بأمور مكة فى هذه الفترة هو الذى نظمها، وربما كانت من نظم أبى طالب بالفعل. وبعض الأسماء المذكورة لم تدرج- عادة- فى قوائم أعداء محمد ﷺ. وما هو أكثر أهمية أن الذين تعرضوا للوم لأنهم أصبحوا أعداء لبنى هاشم كانوا جميعا من عشائر حلف الفضول، وهم- اذا قبلنا رواية ابن اسحاق: من عبد شمس، أسيد وابنه، وأبو سفيان وأبو الوليد وعتبة. ومن تيم، عثمان بن عبيد الله وقنفذ بن عمير بن جدعان. ومن زهرة، أبى أو الأخنس ابن شريق والأسود بن عبد يغوث. ومن الحارث بن فهر، سبيع. ومن أسد، نوفل بن خويلد. ومن نوفل، أبو عمرو ومطعم. وأكثر من هذا فان هؤلاء الرجال قد تعرضوا للوم لتحالفهم مع أعدائهم القدامى: الغياطل أو بنو سهم، وبنو خلف أو بنو جمح ومخزوم.
ومع تكوين هذا الحلف الكبير، ظهرت حركة مقاطعة هاشم والمطلب التى قضت ألا تتعامل هذه العشائر المتحالفة مع هاشم والمطلب ولا يتزوجوا منهم ولا يزوجوهم. وظهر أن هذه المقاطعة قد استمرت لأكثر من عامين، مع أنها ربما لم تكن صارمة بما فيه الكفاية طالما أن كثيرين من العشائر المقاطعة (بكسر الطاء) كانوا مصاهرين بالفعل لبنى هاشم. واذا كانت هاشم قادرة على مواصلة ارسال قوافلها للشام فمن المحتمل أنها لم تتأثر كثيرا جدا بهذه المقاطعة، وعلى أية حال، لا تذكر لنا تذمرا أو شكوى بهذا الخصوص (أى بخصوص قوافل هاشم الى الشام) والمسار العام للروايات يشير الى أن بسط الحماية على محمد ﷺ لم يكن هو السبب الوحيد للنزاع (المقاطعة) .
ووفقا لرواية ابن اسحق «٤٦» عن نهاية المقاطعة، فان البادىء بهذا العمل (انهاء المقاطعة) هو هشام بن عمرو وأيده فى ذلك زهير بن أبى أمية (من مخزوم) والمطعم بن عدى (من نوفل) وأبو البخترى وزمعة ابن الأسود (وكلاهما من أسد) . وعلى أية حال، فعند اجتماع قريش كان
_________________
(١) ابن هشام، ٢٤٧- ٢٤٩.
[ ٢٥١ ]
زهير هو الذى قام أولا. وأم زهير هى عاتكة بنت عبد المطلب، وكان أبو طالب هو خاله، لذا فقد كان لديه أسباب لانجذابه لبنى هاشم.
والجدير بالملاحظة أنه فى قصيدة أبى طالب التى أشرنا اليها انفا «٤٧» مديح قوى لزهير لمساعدته لبنى هاشم، ويمكن ربط هذا المديح بذلك الموقف.
ومرة أخرى من المهم أن نلاحظ العشائر التى ينتمى اليها هؤلاء الخمسة، فهذا يوضح لنا- شيئا ما- طبيعة المعارضة داخل هذا التحالف الكبير (تحالف المقاطعة) . من المفترض أن زهيرا كان يتحرك أساسا انطلاقا من رابطة الدم (النسب) لكنه من حيث كونه من مخزوم فقد كان هو الشخص المناسب لتزعم الهجوم ضد السياسة التى بدأتها فى الأساس عشيرة مخزوم. وعلى أية حال، فربما كان الاخرون يتحركون لعوامل أخرى. لقد كانوا ينتمون لعشائر: نوفل وأسد وعامر التى كانت قد كونت الحلف الكبير (حلف المقاطعة)؛ لكنهم لم يكونوا أعضاء فى الأحلاف القديمة التى ربما كان أعضاؤها يشكلون تكتلا داخليا فى باطن الحلف الكبير. وربما كان غياب الأعضاء الاخرين لحلف الفضول غير ذى معنى الا فيما يتعلق بعبد شمس، لكن فى الفترة الأخيرة يفترض أن عبد شمس قد أصبحت ذات ارتباطات مصلحية وتجارية قوية مع مخزوم ونتيجة لهذه المصالح المشتركة بدأت الأحلاف القديمة الان يعاد تشكيلها من جديد. واذا كان لنا أن نخمن دوافع قادة الغاء المقاطعة، لقلنا انه بمرور الوقت تحققوا من أن الحلف الكبير والمقاطعة قد دعما من موقف العشائر القوية التى هدفت الى احكام السيطرة الاحتكارية على تجارة مكة، وأن ذلك أدى بالتالى الى اضعاف العشائر الاخرى.
وبموت أبى طالب بعد نهاية المقاطعة، مرت علاقة محمد ﷺ بعشيرته بمرحلة أخرى، وسنتناول ذلك فى الفصل التالى.
_________________
(١) ابن هشام، ١٧٢- ١٧٨.
[ ٢٥٢ ]
(ج) عروض التسوية على محمد (ﷺ)
توجد اشارة طريفة أوردها كل من ابن اسحق والطبرى بعد بداية المقاطعة وربما قبل بدايتها- لمحاولة بعض زعماء مكة عرض تسوية أو صفقة مع محمد ﷺ. ويورد الطبرى روايتين، ويورد ابن اسحق «٤٨» ثالثة، وتشير رواية الطبرى الثانية الى أنها منقولة من ابن اسحق ومع هذا فهى غير واردة فى كتاب ابن هشام. ويتضح من هذه الروايات أن أربعة رجال قابلوا محمدا ﷺ وعرضوا عليه الثروة والجاه اذا كف عن سب أوثانهم (الهتهم) وأنهم سيعبدون الله، وأن عليه أن يعترف بالهتهم.idols مثل هذه الصفقة (المساومة) كما وردت انفا كانت ستكون هى القاضية على دعوة محمد ﷺ، لذلك رفضها. والتعرف على هؤلاء الأربعة أمر مثير. لقد كانوا هم: الوليد بن المغيرة (من مخزوم)، والعاص ابن وائل (من سهم)، والأسود بن المطلب (من أسد)، وأمية بن خلف (من جمح) . وكان ثلاثة من هؤلاء من عشائر تنتمى للأحلاف التى كانت منافسة قديما لبنى هاشم وحلف الفضول، وهذا يؤكد صحة الرواية. فذكر الوليد يشير الى أن هذا الحدث (مساومة النبى) حدث قبل أن يدعى أبو جهل زعامة مخزوم، وبالتالى قبل بدء المقاطعة. وربما كان الهدف من هذا العرض هو التحقق من أنه لو تم القبول بنبوة محمد ﷺ لكان معنى هذا قبول زعامته كأمر لا فكاك منه. وعلى أية حال، فمن الممكن أيضا أن هذا الحدث (العرض أو المساومة) بعد بدء المقاطعة- هو ما تذكره المصادر وأن هؤلاء الأربعة لم يكونوا موافقين تماما على المقاطعة.
وكان الوليد باعتباره رجلا كبير السن لا يستطيع أن يعتبر محمدا منافسا خطيرا له على العكس من نظرة أبى جهل اليه (أى الى الرسول ﷺ)، وربما كان الوليد أيضا أكثر اهتماما بأمر عبادة الأوثان. وعلى هذا فهذه العروض التى عرضت على الرسول ﷺ- اذا كانت الروايات بهذا الشأن صحيحة- تتضمن أن هؤلاء الرجال قد تحققوا على نحو ما من المواهب القنادية لمحمد ﷺ (النص: من مواهبه كرجل دولة. (Statesman
_________________
(١) الطبرى، ١١٩٩، ابن هشام، ٢٣٩.
[ ٢٥٣ ]
٤- شهادة القران (الكريم)
يؤيد القران الكريم- كما لاحظ كيتانى «٤٩» - الانطباع ابدى خرجنا به من دراستنا النقدية لكتابات المؤرخين الأوائل- وهو أن اضطهاد المسلمين كان من النوع المعتدل ولم يكن يتضمن أية أفعال تمنعها الأعراف منعا حادا. فالاشارات المتتالية فى القران الكريم لأعداء محمد ﷺ مركز على النقد اللفظى (الكلامى) لرسالته وله شخصيا. لقد كان هناك كما سنرى ذكر لمؤامرات ومكاند ضد محمد ﷺ والمسلمين، لكننا لا نكاد نجد شيئا يستحق حقيقة أن نسميه اضطهادا. وربما كان الهجوم الكلامى قد بدأ ضد الرسول قبل حكاية ايات الغرانيق بمدة طويلة، فمن المؤكد أن هذا الهجوم قد ارتبط بمرحلة من نزول القران الكريم أسبق من المرحلة التى ذكرت فيها الأوثان وجرى فيها التأكيد على أن الله لم يتخذ ولدا.
(أ) النقد الكلامى لرسالة محمد ﷺ
تشير الايات المكية مرارا الى انكار أهل مكة للبعث (يوم الحساب)، فاهل مكة- لأنهم كانوا يعتبرون الجسد جزا أساسيا من الانسان- لم يكونوا قادرين على الاقتناع بأن الجسد البشرى يمكن اعادته للحياة بعد أن أصبح رميما. لقد بدا ذلك لهم ردا حاسما على تأكيدات محمد ﷺ كما تشير ايات كثيرة «٥٠»، منها الايات التاليات:
(وَإِذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤) وَقالُوا إِنْ هذا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُرابًا وَعِظامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ؟ (١٦) أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ؟ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ داخِرُونَ (١٨) فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩) ..) السورة ٣٧ (الصافات) .
_________________
(١) Ann،i،p. ٢٤٤. (٤٩)
(٢) وايات أخرى كثيرة: السورة (٧٩) / ١٠ وما بعدها، (٧٥) ٣ وما بعدها (٣٦) ٤٦- ٤٨. (٤٤) ٣٤ وما بعدها (٥٠)، وما بعدها الخ.
[ ٢٥٤ ]
وبينما ظل سؤالهم هذا يتردد بشكل أساسى لأسباب جدلية الا أنه فى الحقيقه متمش مع معتقدات أهل مكة فهم كانوا يقولون، كما أشار القران (الكريم):
(وَقالُوا ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ وَما لَهُمْ بِذلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤) ..)
السورة ٤٥ (الجاثية) .
ويوبخهم القران الكريم مرة تلو مرة؛ لانكارهم الحياة الاخرى وقصر تفكيرهم على متاع الحياة.
والايات القرانية من السورة ٣٧ (الصافات) الانف ذكرها توضح أيضا نقطة أبعد ترتبط أحيانا بالاية الاخرى رقم ٢٤ من سورة الجاثية التى ذكرناها لتونا. فالمكيون يصفون اعادة الجسد الى الحياة بعد أن يكون قد أصبح رميما بأنها مسألة سحر، وكلمة السحر يبدو أنها اشارة الى فعل (مضلل) أو (خادع) وليس فعلا حقيقيا صحيحا «٥٢» .
وهذه الفكرة ربما كانت موجودة قبل اشارة القران الكريم الى السحر، الا أنه ربما أيضا كانت بعض الاشارات الى السحر- خاصة الاشارة الى محمد ﷺ كساحر- يقصد بها الوحى.
ولم ترتبط ايات القران الكريم بعملية البعث بشكلها المجرد (أى مطلق بعث)، وانما بالبعث المرتبط بالحساب الذى ينتج عنه خلود فى الجنة أو عقاب بدخول جهنم. فمسألة احياء الأموات (بعث أجسادهم) كانت مثارة بين أتباع محمد ﷺ لأنها بدت لهم أمرا غريبا متعارضا مع عقائدهم فى الاخرويات. لقد وضح القران رفضهم لهذه العقيدة رفضا تاما، رغم أن اشارات القران لذلك موجزة «٥٣»، هذا الايجاز قد يعنى أن
_________________
(١) السورة ٥٢، اية ١٥، السورة ٤٣، اية ٢٩.
(٢) السورة ٧٤، الاية ٤٧، السورة ٨٣، الاية ١٠ وما بعدها، السورة ٥٢ الايات ١١- ١٤، السورة ٣٧، الاية ٢٠ وما بعدها، السورة ٣٧، الاية ٢٠ وما بعدها، السورة ٣٧، الاية ٥٠ وما بعدها، السورة ٢٥، الاية ١٢.. الخ.
[ ٢٥٥ ]
مسألة احياء الجسد الرميم قد احتلت مكانا بارزا فى المناقشات بين عامة أهل مكة، لكن رفض فكرة الحساب فى الآخرة ربما كانت هى الأخطر لنتائجها العملية المهمة مادامت تعنى أنها وازع أو دافع تم ادخاله ليتحكم فى سلوك الأفراد.
فعدم الاعتقاد فى اليوم الاخر ربما كان كامنا أيضا وراء السؤال «٥٤» الذى وجهوه لمحمد ﷺ:
(يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها (٤٢) ..) السورة ٧٩ (النازعات) .
وقد أجاب القران الكريم عن هذا السؤال أو على الأقل كانت استجابته فيها تحاش له، لكن قد يكون الهدف من توجيه السؤال هو ارباك محمد ﷺ.
وكثير من ايات القران التى تتحدث عن «ايات» الله يبدو أنها استجابة أو رد فعل للصعوبة التى تكتنف احياء الجسد (بعث الأبدان) .
لقد قدم لنا القران عملية خلق الله للانسان خلال سلسلة من الأفكار وخلال تطور بطىء هو تطور الجنين فى الرحم ونفخ الله سبحانه الروح فيه، ودلل القران الكريم على أن ذلك اية (علامة) من ايات الله سبحانه؛ لأنه هو واحده القادر على ذلك، وبالتالى فهو واحده سبحانه قادر على اعادة الحياة اليه بعد أن يصبح رميما. وبينما بعض ايات القران الكريم تهتم بشكل أساسى باظهار وجود الله سبحانه وبيان قدرته بشكل عام، فان هناك ايات أخرى توضح أن أهمية كثير من الايات (العلامات) أنها برهان على قدرة الله سبحانه فى احياء الأجساد بعد موتها، ومن هذه الايات «٥٥» نذكر:
_________________
(١) وأيضا السورة ٧٩ (٤٢- ٤٤)، ٥١ (١٢)، ٣٦ (٤٨)، ٦٧ (٢٥)، ٢١ (٣٩- ٤١)، ١٧ (٥٣-) .
(٢) وأيضا السورة ٧٥ (٣٦- ٤٠)، ٧٩ (٢٧- ٣٣)، ٥٦ (٥٧- ٧٣)، ٥٠ (٦- ١١)، ١٩ (٦٨)، ٣٦ (٧- ٨٣) .. الخ.
[ ٢٥٦ ]
(أَيَحْسَبُ الْإِنْسانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنى (٣٧) ثُمَّ كانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثى (٣٩) أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠) ..) السورة رقم ٧٥ (القيامة) .
ليست هناك حاجة للقول ان المعارضين المتسمين بالعناد لمحمد ﷺ والدين الذى يدعو اليه، لم يكونوا مقتنعين بهذه الايات، بل لقد زادتهم كفرا على كفرهم «٥٦»، لقد كانوا أحيانا يرفضون هذه الايات على أساس أنها من أساطير الأولين «٥٧»، وهى عبارة وردت عدة مرات فى القران «٥٨» وارتبطت بانتقاد هذه العلامات (الايات) وما وراءها من معان.
لقد كانت كل الانتقادات التى وجهوها للمحتوى القرانى ذات صلة بالاخرويات (الأفكار عن العالم الاخر) وهذا التركيز على الاخرويات فى المناقشات بين محمد (ﷺ) والمناوئين له يظهر أنها كانت تميل الى تأكيد وجهة النظر الواردة فى الفصل الثالث، وهى أن بعض التعاليم عن اليوم الاخر كانت جزا من الهدف الأساسى لرسالة القران الكريم. وقد وصف القران الكريم موقفهم كله وصفا وصل ذروته فى كلمة (تكذيب) وهى كلمة مقابلة للايمان. فالمكذب هو المنكر للبعث واليوم الاخر والحياة بعد الموت وايات الله، والتحذيرات التى وردت فى رسالة محمد ﷺ. وأحيانا يورد القران كلمتى (تكذيب) و(مكذبون) دون تحديد للمجال الذى جرى بشأنه التكذيب، وكلمة (المكاذبين) تأتى مرادفا (لأعداء محمد ﷺ) أو مناوئيه.
والمحور الرئيسى الاخر للمناقشات الدائرة فيما يتعلق بمحتوى الوحى هو مسألة الأوثان، وتوحيد الله سبحانه. وفى هذا المجال نجد القران الكريم هو الذى يتخذ المبادرة فى الهجوم على المنكرين، بينما نجد مشركى مكة فى موقف دفاع. لقد تعرضنا لهذه النقطة فى القسم الأول
_________________
(١) السورة ٩٠/ ١٩، ٧٨/ ٢٨-.. الخ.
(٢) السورة ٤٥/ ٢٤.
(٣) السورة ٨٣/ ١٣.
[ ٢٥٧ ]
من هذا الفصل الى حد ما فلا حاجة لتناولها مرة أخرى هنا. الا أنه قد يجوز لنا أن نذكر- على أية حال- دعوى مناوئى محمد أنهم سائرون على خطى ابائهم. فالمكيون (وغيرهم) دأبوا على القول أنهم هكذا وجدوا اباءهم وأن الحكمة تقتضى اتباع دين هؤلاء الاباء «٥٩» . ولم يكن اتهامهم لمحمد ﷺ بالانحراف عن دين الاباء والأجداد واضحا محددا، لكنه ربما يكون مفهوما ضمنا. وكان ردهم هذا أقرب الى أن يكون- من الناحية الظاهرية- موقفا دفاعيا، فهم لم يكونوا مستعدين لاتباع محمد ﷺ حتى ولو أتاهم بأفضل الهدى، وانما هم يتبعون ما وجدوا عليه اباءهم، وعبروا عن ذلك فى مصطلحات عامة توضح اتجاههم المحافظ (غير الراغب فى التغيير) .
وجانب من قصص الأنبياء التى تظهر كثيرا فى ايات القران الكريم فى المرحلة المكية تعد بمثابة عاصفة تعصف بهذا الزعم (رغم اتباعهم دين ابائهم) . ولا بد أن المسلمين كانوا قد أحسوا أنهم قد تخلوا عن دين هؤلاء الاباء (المشركين) خاصة عند مواجهتهم لأسئلة صعبة عن أوضاع ابائهم وأجدادهم فى الوقت الحاضر وفى المستقبل. ولا شك أن قصص الأنبياء ساعدتهم فى التحقق من ذلك، وهو أنهم كأتباع للنبى فهم يعتبرون باتباعهم له من أمته، وأنهم ينتمون اليه انتماء روحيا. وعلى هذا فقصص الأنبياء هذه لم تكن فقط تشجع المسلمين، وانما أيضا تفتح لهم مجالا للفخر على نحو ما كان الشاعر يشيد بمفاخر قبيلته. وهو لون من ألوان الشعر كان سائدا قبل الاسلام، وبالتالى فقد شعر المسلمون أنهم ينتمون الى جماعة لها جذور عميقة فى الماضى «٦٠» .
والجدير بالملاحظة أنه لم يكن هناك نقد صريح فى القران الكريم متعلق بالكرم (المقصود اتهامهم بأنهم غير كرماء)، وهذا من الممكن أن
_________________
(١) السورة ٤٣/ ٢١- ٢٣، السورة ٢١/ ٥٤.
(٢) G.Von Grunebaum، Von Muhammads Wirkung and Origina- Litat.in Wienner Zeitschrift Fur die kund des Morgenlandes.X Liv، ١٩٣٧، pp.٢٠- ٥٠ esp.٤٤ f.:Rudi Paret، Das Geschichtshild Moham- meds، in Die Welt als Geschichte، ١٩٥١، pp.٢١٤- ٢٢٤، esp.٢١٧ f.
[ ٢٥٨ ]
يرجع الى حقيقه انه رغم ممارستهم للوتنيه فانهم لم يكونوا خالين تماما من الفضائل التى دعا اليها القران، لذا لم يكونوا ميالين للدفاع العلنى عن ممارساتهم. فأن تكون أنانيا ذلك شىء، وأن تدافع عن الانانية كمبدأ ذلك شىء اخر. ولسنا فى حاجة الى أن نفترض أن الوتنيين كانوا ذوى ضمائر سيئة فى هذا الموضوع، رغم أن قلة منهم من ذوى الضمائر، ربما شعروا بوخز الضمير. لقد كانوا فى حاجة فقط لأن يكونوا على وعى بحقيقة أن سلوكهم كان مناقضا لروح المفاهيم التقليدية للشرف عند العرب، رغم أنهم من الناحية الرسمية لم يكسروا أية أعراف مقبوله.
واذا كان هذا صحيحا، فانه يجعلنا نميل لاظهار القران الكريم وكانه لم يكن نظاما أخلاقيا جديدا تماما، وانما هو امتداد للأفكار الأخلاقية التقليدية العربية بعد اخراجها لظروف وأحوال جديدة خارج التجربة البدوية. (نقل الأخلاق العربية ذات الطبيعة البدوية ليوائمها مع الحياة المدنية) .
(ب) النقد الكلامى لنبوة محمد ﷺ
الى جانب النقد الموجه لفحوى رسالة الاسلام، كان هناك نقد وجهه أعداء للنبى الرسول- نقد لقول محمد ﷺ انه نبى يتلقى الوحى من الله، كما أنهم نقدوا عملية الوحى فى حد ذاتها. فالاعتقاد بأن الكلمات التى تلقاها محمد وحى من الله سبحانه كانت مسألة حاضرة فى عقل محمد وقلبه منذ البداية، مهما كانت الطبيعة الدقيقة للتجربة الأولى المتعلقة بالوحى، وكان الاعتقاد فى الوحى كامنا فى الدعوة الأولى للاسلام منذ البداية. وتسجل بعض الايات القرانية الأولى محاولات المعارضة لاقلاق محمد ﷺ، بافتراض تفسيرات أخرى للتجربة التى خاضها (الوحى) غير أن ما يأتيه من كلام ينزله الله سبحانه عليه.
لقد كان الزعم الذى أشاعه مناوئو محمد ﷺ تفسيرا لظاهرة الوحى هى أن محمدا مجنون، أو بتعبير اخر تملكه جن «٦١» لكنهم افترضوا
_________________
(١) السورة ٨١/ ٢٢، ٦٨/ ٢.. الخ.
[ ٢٥٩ ]
أيضا أنه كاهن «٦٢» ينمق الكلام، كما افترضوا أنه ساحر «٦٣» أو ساحر شاعر٦»
. ومن الصعب أن نعدل تفكيرنا ليتمشى مع عقليه وتنيى مكه عندما نطقوا بهذه الكلمات، لكن من خلال القران الكريم ومن مصادر أخرى «٦٥» يمكن توضيح معانى العناصر الرئيسيه. فالدين زعموا هذه المزاعم لم ينكروا أن تجربة محمد ﷺ مع الوحى لها بمعنى أو اخر سبب فوقى (علوى أو فوق طبيعى (Supernatural Cause لكنهم لم يرجعوا هذا السبب لله ﷾، وانما أرجعوه أما لموجود شيطانى أو قوة عليا أدنى درجة من الله سبحانه المهيمن على الكون.
وحتى تأكيدهم على أن محمدا شاعر يشير أيضا الى قوى علوية، فقد كانت الفكرة لدى معاصريه أن للشاعر روحا تتملكه أو جنا يتلبسه، ونحن نجد بالفعل عبارة (شاعر مجنون) فى القران الكريم «٦٦» . هذه التأكيدات عن أصل الوحى (كما يراه أعداء محمد ﷺ) كان لها تتابعاتها وهى ألا ينظروا للتحذيرات التى جاءهم بها الوحى نظرة جدية، فليس من الضرورى- فيما يرى أعداء محمد ﷺ- أن تكون تحذيرات حقيقية. فاذا كانت مصادر الوحى كما يراه المشركون فى ما ذكرناه انفا، فهذه المصادر اما أن تكون شريرة حاقدة، أو أن تكون قاصرة المعلومات.
هذه الادعاات (الاكاذيب) قد يكون الهدف منها هو تكذيب محمد ﷺ فحسب وتشويه صورته، وليس بقصد تحويل من آمنوا به الى مصادقين لهم (أى لأعداء محمد ﷺ)، وعلى أية حال فقد كان مناوئو محمد ﷺ يعتقدون بشكل عام أن تصوراتهم صحيحة. وقد فند القران الكريم ادعااتهم وكذبها. وهناك عدة ايات- على أية حال- يمكن أن تكون دحضا لايات الغرانيق (الايات الشيطانية) «٦٧» وقد ناقشناها فى سياق سابق، وتكفى الاشارة اليها هنا.
_________________
(١) السورة ٦٩/ ٤٢، ٥٢/ ٢٩..
(٢) السورة ٣٨/ ٣.
(٣) السورة ٦٩/ ٤١، ٥٢/ ٣٠.. الخ.
(٤) Cf.A.Guillaume، Prophecy Divination، Lecture ٦; D.B.Macdonald، The Religious attitude Life in Islam، Chicago، ١٩٠٩، esp.٢٤- ٣٦.
(٥) السورة ٣٧/ ٣٥.
(٦) السورة ٨١/ ١٥- ٢٧، ٥٣/ ١- ١٨.
[ ٢٦٠ ]
والمحاولة الثانية التى قام بها معارضو محمد ﷺ فيما يتعلق بالوحى هو تأكيدهم على أنه انتاج بشرى، أى اما أن محمدا ﷺ قد وضعه بنفسه أو ساعده على وضعه بشر اخرون «٦٨» . واذا كانت هذه الايات راجعة الى الحقبة المدنية، فيمكن للمرء أن يتخيل ببساطة أن مثل هذه المهمة (مهمة الاخرين الذين زعم المشركون مساعدتهم محمدا ﷺ فى وضع القران) قد قام بها اليهود، أو أن المقصود هم يهود المدينة، لكن هذه التهمة- تقليديا- قد ظهرت أثناء الحقبة المكية «٦٩»، وظهرت أسماء كانت هناك افتراضات من المشركين بأنهم ساعدوا محمدا فى وضع القران الكريم «٧٠» . وسيعرف المؤرخ ثقة محمد التامة وايمانه الكامل بأن الوحى يأتيه من مصدر خارج ذاته، وقد يوافق المؤرخ أيضا أن محمدا قبل أن يتلقى الوحى، كان قد سمع بعض القصص من أشخاص مزعومين، وقد أشار القران الكريم الى هذه التهمة.
فهذه المزاعم التى مؤداها أن محمدا قد خرج برسالته للناس بعد أن تلقى دعما بشريا- مثل هذا الزعم بطبيعة الحال يختلف عن تهمة أخرى وردت فى القران الكريم عدة مرات وهو أن هذا الوحى (القران) ما هو الا كلام بشر، وقد وردت هذه التهمة فى سياق الحديث عن السحر «٧١»، فالكلام المسجوع شبيه فى رأى أعداء محمد بكلام السحرة والمشعوذين الذين يضمنون أسجاعهم معانى غامضة، لكن هذا القول- بلا شك- يفترض أيضا أن محمدا يتلقى معلوماته من الجن.
أما النقد الثالث، فمساره أن محمدا لم تكن شخصيته من النوع الذى يأتيه الوحى. فلم يكن- فى رأيهم- مهما بما فيه الكفاية «٧٢» بدليل أنه عندما أخبر بأنه نبى تعرض- ببساطة- للسخرية «٧٣» .
وقصص الأنبياء التى أوردها القران الكريم تعكس ظروف محمد ﷺ،
_________________
(١) السورة ٢٥/ ٥ وما بعدها، ٣٢/ ٢ وما بعدها، ١٦/ ١٠٣- ١٠٥. Bell،translation of Quran. (٦٩) Cf.Sale and Whervy on ١٦. ١٠٥. (٧٠)
(٢) السورة ٧٤/ ٢٤، ٢١/ ٣، ٣٨/ ٣.. الخ.
(٣) السورة ٤٣/ ٣٠. .DE ٤٣ /٢٥ (٧٣)
[ ٢٦١ ]
فنحن نجد أن ثمودا تقول لصالح انه كان واحدا منهم وانهم كانوا يثقون به (قبل هذا الذى أتى به) «٧٤»، وخاطبت مدين شعيبا قائلة انها كانت تظنه معتدلا صحيح العقل «٧٥»، لكنهم عادوا فأخبروه أنه ضعيف فيهم وهددوه بالرجم «٧٦» .
والتركيز على عدم أهمية محمد لا بد أن يصرفه المرء نحو الحقبة المكية، أما فى المدينة فقد ارتفع شأنه ﷺ. والاشارة الى أتباع الانبياء الاخرين كعبيد أو فقراء «٧٧»، ربما تعنى أيضا سخرية من محمد ﷺ لكن هذه النقطة لا يمكن مهاجمتها.
ويمكن أيضا أن نتصور نوعا اخر من المناوئين توقعوا ألا ينزل الوحى الا على شخص ذى مواصفات فوق طبيعية، بينما هم يرون محمدا بشرا عاديا، فاستبعدوا أن يكون هو رسول الله، وبين القران الكريم أفكار هؤلاء وأقوالهم:
(وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهارَ خِلالَها تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّماءَ كَما زَعَمْتَ عَلَيْنا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقى فِي السَّماءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا
(٩٣) وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى إِلَّا أَنْ قالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ
_________________
(١) ١١/ ٦٥.
(٢) ١١/ ٨٩.
(٣) ١١/ ٩٣.
(٤) ٢٦/ ١١١، ٢٣/ ٤٠.
[ ٢٦٢ ]
لَنَزَّلْنا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّماءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥) ..) سورة الاسراء «٧٨» .
ويوجد بعض الاختلاف فى الطبيعة الدقيقة لما يطلبون أن يكون عليه النبى أو يتوقعونه، لكن الافتراض الكامن فى ذلك دائما واحد، أعنى أن الله سبحانه لا يمكن أن يتجلى (يظهر) الا فى وقت يكون فيه نظام الطبيعة (الكون) قد اختل. والفكرة السامية القديمة التى مؤداها أن الخير أو الصلاح يزدهر (ينجح) فى هذا العالم، قد تكون أى هذه الفكرة- حاضرة أيضا. وثمة نقد اخر- ربما ينتمى الى هذه السلسلة من أفكارهم- وهو قولهم لماذا لم ينزل القران على محمد ﷺ- دفعة واحدة «٧٩»؟
وبالاضافة لبعض التأكيدات انفة الذكر، يبدو أنهم وجهوا نقدا ما لدوافع محمد ﷺ وأغراضه، وذلك ان جاز لنا أن نربط بين ما نسبوه اليه وما نسبه أعداء نوح له:
(وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحًا إِلى قَوْمِهِ فَقالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ (٢٣) فَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً ما سَمِعْنا بِهذا فِي آبائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤) إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥) ..) السورة ٢٣ (المؤمنون) .
فمعظم المعانى الواردة فى هذه الايات تنطبق على الوضع فى مكة وطبيعة عقلية أهلها رغم أنها تشير الى نوح «٨٠» وقومه، فعرض زعماء مكة على محمد الثروة والمكانة- بفرض أن الرواية بهذا الشأن صحيحة-
_________________
(١) وهناك سور أخرى تحوى ايات بهذا المعنى ١٧/ ٩٢- ٩٦، ٢١/ ٧، ٨٥/ ٨- ٢٥/ ٢٢-، ٢٦/ ١٥٤-، ٤١/ ١٣.
(٢) ٢٥/ ٣٤.
(٣) ٢٣/ ٢٤.
[ ٢٦٣ ]
يبين أن أهل مكة يدركون طموح محمد ﷺ ويريدون اللعب على هذا الوتر.
وعلى أية حال، فان رفض محمد ﷺ لعروضهم هذه والاتجاه العام لمسلكه فى مكة، يجعل من غير المحتمل أن يكون الطموح السياسى كان من بين دوافعه المسيطرة. والقران الكريم يكرر باصرار المرة تلو المرة أن محمدا مجرد نذير. وذلك يعنى أن مهمته- ببساطة- هى أن يحذر الناس أو ينذرهم من حساب يعقبه نعيم أو عذاب. كيف استجابوا لهذا التحذير؟ تلك مسئوليتهم. لقد أنذرهم محمد ﷺ وانتهى الأمر! وفى احدى الايات ما يشير الى أن محمدا ليس عليهم بمسيطر «٨١» أى أنه ليس حاكما لهم يملك الأمر والنهى. بل وثمة اصرار أبعد من هذا وهو أن محمدا ﷺ- مثله مثل الأنبياء الاخرين- لا يريد أى أجر أو مكافأة من البشر وانما ينتظر ثوابه من الله سبحانه فحسب، ولا شك أن التركيز على هذه المعانى يعد بمثابة الرد على اتهامه بأنه يبتغى تحقيق مصالح لشخصه «٨٢» . وأخيرا، فهناك ايتان يرجع تاريخ نزولهما فيما يظهر الى بداية الحقبة المدنية تشيران الى قبول فكرة القيادة السياسية التى خولها الله سبحانه لمحمد ﷺ:
(وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (٤) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (٥) ..)
السورة ٢٨ (القصص) «٨٣» .
رغم أن هاتين الايتين تشيران الى موسى ﵇ وقومه الذين أذلهم فرعون، فليس هناك شىء متناقض فى مثل هذا الاتجاه، فوفقا لما ورد فى القران فان محمدا مقتنع تماما أن مهمته الأولى والأساسية هى مهمة دينية وتتمثل هذه المهمة فى أنه نذير، لكن هذه المهمة الدينية بالنسبة لأهل مكة تنطوى على مضامين سياسية، وعندما تطورت الأحداث كان تحويل هذه المضامين السياسية الى أفعال سياسية أمرا ضروريا فلم
_________________
(١) ٨٨/ ٢٢.
(٢) ٣٨/ ٨٦-، ٣٦/ ٢٠، ١١/ ٣.. الخ.
(٣) فى سياق قصة موسى ﵇.
[ ٢٦٤ ]
يتراجع محمد عن ممارسة هذه الأفعال السياسية مادام يعتبر أن القيادة (السياسية) أمر كلفه الله به.
(ج) أفعال معارضى محمد
كانت المعارضة الكلامية أو القولية هى المكون الأساسى لصورة المعارضة ضد محمد كما بينها القران الكريم، لكن كانت هناك أيضا مادة كافية تبين أن المعارضين قد مارسوا الفعل كما مارسوا القول. حقيقة ليس لدينا وصف كامل لما فعلوه لكن غالب ما وصلنا اشارات لمؤامرات، وغالبا ما يتعرض القران الكريم لأفعال أعداء محمد بكلمتى:
(الكيد) «٨٤» و(المكر) «٨٥» وتبدو كلمة (الكيد) قد استخدمت قبل كلمة (المكر) . ويبدو أنه لا اعتراض على أن هاتين الكلمتين تشيران فى القران الكريم (فى الايات المكية) الى مؤامرات المعارضة التى أشرنا اليها فى القسم السابق من هذا الفصل، خاصة المؤامرات السياسية والاقتصادية التى بلغت ذروتها فى مقاطعة عشيرتى هشام والمطلب. وكانت استجابة القران لهذا (المقاطعة) هو حث محمد ﷺ على الصبر وأن ينتظر حكم الله «٨٦» فالله سيحبط مؤامراتهم الماكرة كما أحبط أفعال أصحاب الفيل «٨٧»، لقد أخبر الله محمدا ﷺ فيما مضى- أن يتحمل ايذاءهم القولى له بصبر «٨٨»، وكان النحلى بالصبر اتجاها واضحا يتصف بالحكمة فى مكة. وقد شجعت قصص الأنبياء المسلمين على الاحتمال والصبر بتبيان كيف عاقب الله الذين لم يصدقوا أنبياءهم الذين أرسلهم الله لهم، وكيف أن الله تولى أنبياءه ومن آمنوا برسالاتهم. وربما جرى التركيز على العقاب الانى (الحالى) باعتباره منفصلا عن العقاب الأبدى (الاخروى) كرد فعل أو كاستجابة للأفعال العدوانية (الأفعال وليس الأقوال) للمعارضة. من المؤكد أن
_________________
(١) ٦٨/ ١٥-، ٥٢/ ٤٢، ٣٧/ ٩٦.. الخ.
(٢) ٣٤/ ٣، ١٣/ ٥٢.
(٣) ٧٦/ ٢٤، ٨٦/ ١٧، ٧٣/ ١١.
(٤) السورة ١٠٥.
(٥) ٧٣/ ١٠، ٥٠/ ٣٨، ٢٠/ ١٣٠.
[ ٢٦٥ ]
الفكرة قد انبثقت بشكل طبيعى من خلال هذا السياق (أو من خلال هذه الظروف)، فالمتامر حاقت به مؤامرته (وقع فى شرك نصبه لغيره) أو بتعبير اخر لقد ارتد الى صدره السهم الذى أطلقه على غيره، وقد فشلت المؤامرة بفضل الله، فكان التراجع الذى حاق (بالدعوة الاسلامية) مؤقتا.
وثمة مثال أكثر وضوحا للنشاط المعادى ضد الاسلام هو منع العبد من أداء الصلاة «٨٩» . ولان كلمة العبد قد تعنى مجرد (الخادم)، كما قد تعنى أيضا أبعادا أخرى باضافتها الى الله سبحانه (عبد الله) فقد تشير الاية التى تضمنت ذلك الى محمد ﷺ- نفسه، وقد تعنى كلمة عبد- على اية حال- ما يفيد الرق، لان هؤلاء الرقيق من المسلمين كانوا أقل الناس تأثيرا فى مجتمعهم الجديد، وبالتالى كانوا عرضه للمعاناة أكثر من غيرهم. وقصة أصحاب الأخدود «٩٠» تشير تقليديا الى غواية مسيحيى نجران واضطهادهم، وان كانت هذه الحكاية صحيحة فربما كانت تعكس أوضاع الاضطهاد فى مكة، لكن الباحثين الغربيين يميلون الان الى النظر لهذه الاية باعتبارها وصفا للجحيم. ومن المؤكد أن هذه الاية فى حد ذاتها لا تقوم كدليل على طبيعة اضطهاد المسلمين فى مكة. والاية المدنية «٩١» التى تتحدث عن المسلمين الذين هاجروا بعد تعرضهم للفتنة، لا تعنى أكثر من تعرضهم للكيد بالاضافة للضغوط الأسرية. وعلى أية حال، فان مفتتح سورة القلم «٩٢» يبدو وكأنه يبين نوعا من محاولات استدراج محمد ﷺ للوقوع فى نوع من التسوية؛ خاصة عندما تشير الايات الى أن المشركين ودوا أن يكون محمد ﷺ مخادعا يظهر غير ما يبطن فيفعلوا مثله (ودوا لو تدهن فيدهنون) السورة ٦٨ (القلم)، الاية ٩.
وكان الله يشد من أزره لرفض عروض أعدائه «٩٣» وعدم الرضوخ لتهديداتهم. وثمة ايات تشير- وفقا للتفسير التقليدى- لرفض ايات
_________________
(١) ٩٦/ ٩.
(٢) ٨٥/ ١- ٧.
(٣) ١٦/ ١١١.
(٤) ٦٨/ ٩.
(٥) ٩٦/ ١٩، ٧٦/ ٢٤ الخ.
[ ٢٦٦ ]
الغرانيق رغم أنه يمكن اعتبارها مشيرة لبعض المناسبات الاخرى، حتى المناسبات المدنية منها- نوضح أن عروض المشركين لتسويات أو أمور وسط، كانت تشكل تهديدا حقيقيا للدعوة:
(وَإِنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣) وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْناكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْناكَ ضِعْفَ الْحَياةِ وَضِعْفَ الْمَماتِ ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنا نَصِيرًا (٧٥» السورة ١٧ (الاسراء) «٩٤» .
انه لمن الصعب- وان لم يكن من المستحيل- أن نرى كيف أن رفض شخص للهداية عند سماعه للقران يمكن أن يكون دليلا صحيحا ضد أعداء محمد ﷺ «٩٥»؛ لذا فيمكن للمرء أن يجرب أن يتخيل أن الاية قد تشير لنوع من المعارضة بين المؤمنين برسالة محمد أو بين المرتدين (الذين أسلموا ثم تركوا الاسلام، والمقصود على عهد الرسول لا بين من عرفوا- تجاوزا- بعد ذلك بالمرتدين أيام أبى بكر الصديق ﵁) . واذا كانت الايات التى تتحدث عن الذين لا يؤدون الزكاة على أنهم مكيون، فربما كانوا هم المقصودين بهذا «٩٦» . ان استخلاصنا لحقيقة أو برهان فيما يتعلق بهذه النقطة من القران الكريم أمر مشكوك فيه الى حد ما.
وبشكل عام، فان الأدلة المستقاة من القران الكريم تميل الى تأكيد الصورة التى استقيناها من المصادر التاريخية التقليدية. فالنقد الكلامى والنزاع الجدلى كانا هما- فيما يبدو- الملمح الرئيسى للمعارضة التى شنها أتباع محمد ﷺ. فالنشاط المعادى الأساسى كان يطلق عليه اسم (الكيد) و(المكر) وهى كلمات تعنى حبك المؤامرات باستخدام حدة
_________________
(١) أوردنا نص الايات التى أشار لها المؤلف بالأرقام فى المتن.
(٢) ٨٤/ ٢١-
(٣) ٣٦/ ٤٧، ٤١/ ٦ وهى ايات مدنية وفقا لما جاء فى Bell،translation of the Quran.:
[ ٢٦٧ ]
الذهن، وربما كانت من النوع الخطر، ولكنها كانت دائما فى النطاق المشروع. وقد تؤدى الى اختلاق أكاذيب والحاق خسائر لكن ليس هناك برهان أكيد على أن المعارضة تحولت الى اضطهاد للمسلمين.
٥- قادة المعارضة ودوافعهم
يبقى أن نسأل عن طبيعة المجموعة المكية- أو المجموعات- التى عارضت محمدا ﷺ ودوافعها.
أما عن طبيعة هذه المجموعة- أو المجموعات- فهى الشق الأسهل فى مبحثنا هذا. وحتى اذا أخذنا بالرأى القائل بأن المعارضة كانت أكثر اعتدالا مما يشاع، فانه من الواضح أنه قد قادها زعماء عشائر قريش (أو ذوو النفوذ من عشائر قريش) وقد نظر الباحثون الغربيون ببعض الشك لأسماء الأشخاص الذين اعتبروا مناوئين لمحمد ﷺ أثناء الحقبة المكية؛ لأن الأسماء وردت فى قوائم من قتلوا أو أسروا فى غزوة بدر، لذا فهذه الأسماء تعكس الأوضاع (فيما يتعلق بأعداء محمد ﷺ) فى السنة الثانية للهجرة، أى بعد مغادرة الرسول مكة مهاجرا للمدينة بعامين. ويزداد هذا الشك بحقيقة أن قصيدة أبى طالب التى ذكرناها فيما سبق والتى تتعرض للأوضاع السياسية فى فترة المقاطعة وما حولها، والتى قد تكون- أى القصيدة- صحيحة غير موضوعة- هذه القصيدة تحوى عدة شخوص مختلفة لم يردوا- فى العادة- كمعارضين لمحمد ﷺ.
ومن ناحية أخرى، فان قوائم المعارضين تشمل عدة أشخاص ماتوا قبل غزوة بدر مثل المطعم بن عدى، وهذا معناه افتقاد الرواية للتواريخ الصحيحة. لكن يكاد يكون مؤكدا أن هذه القوائم- قوائم أعداء محمد- قد اعتمدت مادة تاريخية سليمة، وبالتالى فهى صحيحة بشكل عام.
لقد كان أبو جهل من عشيرة مخزوم هو أكثر أعداء محمد ﷺ شهرة طوال عدة سنوات قبل مقتله (أى مقتل أبى جهل) فى غزوة بدر، وقبل ذلك ربما زعيم مكة الرئيسى هو الوليد بن المغيرة «٩٧» زعيم عشيرة مخزوم،
_________________
(١) ابن هشام، ٢٣٨.
[ ٢٦٨ ]
لكن من الممكن ألا يكون منخرطا فى عداوة مريرة ضد محمد ﷺ، فقد كان أبو جهل هو الذى نظم تحالف العشائر العديدة ضد عشيرتى هاشم والمطلب. لكن فض هذا الحلف يشير الى وجود حزب قوى من المشركين كان أفراده غير مستعدين للانسياق وراء أبى جهل الى اخر المدى، ولا يمكننا الا بالكاد أن نقول شيئا عن أهدافهم المحددة فى معارضة محمد ﷺ.
وأحيانا كان يفترض أن أقوى الدوافع الكامنة وراء معارضة محمد ﷺ، هو الخوف من أن مكة اذا دخلت الاسلام وتخلت عن الوثنية توقف البدو عن التردد على الكعبة كمعقل وثنى وبالتالى تحطمت تجارة أهل مكة. الا أن هذا الفرض- على أية حال- غير مقنع. فليس لدينا ما يشير الى انتقاص توقير الكعبة فى القران أو فى أى نصوص اسلامية دينية أخرى، كل ما نعلمه هو تغير نسك العبادة عند الكعبة وتطهيرها (من الأوثان) بعد فتح مكة. لقد كان الهجوم الاساسى على الأوثان لا على الكعبة، كما كان الهجوم كما ذكرنا فيما سبق على نظم العبادة الوثنية عند بعض الأنصاب بالقرب من مكة. وربما كانت هذه الأنصاب المجاورة لمكة لا تكاد تكون من الأهمية بدرجة كافية تجعل هجرها أمرا كافيا لهدم تجارة مكة. فالحقيقة، أنه ربما كان قدر كبير من تجارة مكة قد أصبح فى هذه الفترة مستقلا لا يتأثر بزيارة البدو للكعبة أو الأنصاب الموجودة الى الجوار من مكة، وعلى هذا فمن المستحسن أن ننسى النظرية التى مؤداها أن المخاوف الاقتصادية كانت كامنة وراء الخوف من الهجوم على الأوثان.
والذى يكاد يكون مؤكدا هو أن هؤلاء النفر الذين كانت لهم ارتباطات تجارية ببعض الأنصاب قد تضايقوا؛ لأن مهاجمة هذه الأنصاب كانت تنطوى على هجوم عليهم. وكانت اللات فى الطائف من بين هده الأنصاب، وفى خطاب عروة الذى أوردناه فى الصفحات السابقة ما يفيد أن بعض القرشيين الذين كانت لهم ممتلكات فى الطائف هم الذين بدعوا المعارضة الفعالة لمحمد ﷺ. ومن الممكن بنفس القدر أنه كانت هناك مجموعات أخرى تأثرت مصالحها الخاصة ببعض النقاط التى تضمنتها دعوة محمد ﷺ.
[ ٢٦٩ ]
وعلى أية حال، فالسبب الرئيسى للمعارضة كما يبدو مؤكدا هو أن زعماء قريش رأوا فى نبوة محمد- اذا ما اقروها- مضامين سياسية.
فالتقاليد العربية القديمة تعطى الحكم أو الزعامة فى القبيلة أو العشيرة له (لمحمد ﷺ) مادام (بحكم نبوته) هو الأكثر حكمة وتدبيرا وهو الاكثر قدرة على الفصل فى أى نزاع ينشب. واذا صدق المكيون تحذيرات محمد ﷺ وأرادوا بعد ذلك أن يعرفوا كيف يدبرون أمورهم فى ضوئها، فمن هو أفضل من يستشيرونه غير محمد؟! الذى لا شك فيه أنهم تذكروا العلاقة بين اعتناق عثمان بن الحويرث للمسيحية ومحاولته أن يكون أميرا لمكة. وحتى اذا كان محمد حريصا على أن يكون مجرد نذير، فربما فكروا، هل سيكون محمد ﷺ قادرا على مقاومة القبض على زمام السلطة العليا اذ أتاحت له الظروف ذلك؟
وربما كان زعماء قريش من بعد النظر بمكان بحيث يدركون التعارض بين قيم القران الكريم من ناحية ونشاطاتهم التجارية- التى كانت بالنسبة لهم مسألة حياة أو موت- من ناحية أخرى. فلم تكن هناك أية اشارة لتحريم الربا حتى بعد الهجرة بمدة طويلة، لكن كان هناك منذ البداية نقد لاتجاهاتهم الفردية نحو احراز المال واكتنازه. لا بد أن هذا كان يدور فى عقول ماليى مكة حتى ولوا تحاشوا مناقشته علنا. ربما شعروا أن هذه القيم القرانية ستعطى محمدا دعما سياسيا ان هو فكر فى القيادة السياسية. بل وربما شعر بعضهم أن هذه القيم القرانية المتعلقة بالمال ما هى الا اعادة فتح للنزاع القديم بين مخزوم وأتباعها من ناحية، وعشائر حلف الفضول من ناحية أخرى.
وعندما نضع فى الاعتبار هذه الخلفية الكامنة وراء المعارضة لمحمد ﷺ أمام نواظرنا، فلن نفهم أن هجوم القران على الوثنية كان ليمر دون مقاومة. لقد كان العرب بطبيعتهم أو بحكم نشأتهم محافظين، ويصف القران الكريم فى مواضع كثيرة الوثنيين الذين تمسكوا بوثنيتهم بأنهم لا يفعلون ذلك الا لمجرد أن اباءهم كانوا على هذا الدرب سائرين. وقد ظل هذا الاتجاه المحافظ حتى بعد فترة من ظهور الاسلام فكلمة (بدعة) هى الكلمة التقليدية التى تستخدم لتعنى الهرطقة. وهذا الاتجاه المحافظ
[ ٢٧٠ ]
يفترض أنه كان المحرك لبعض طبقات المعارضة، خاصة الزعماء كبار السن الذين لم يكونوا ينظرون لمحمد ﷺ كمنافس شخصى لهم كالوليد بن المغيرة. ولم يكن لدى معارضى محمد ﷺ دفاع نظرى يقدمونه عن الوثنية، فالمسألة لا تعدو كراهية التغيير الذى ربما اعتبروه عملا غير أخلاقى رغم أن الالهة أو الأرباب (الأوثان) لا تهمهم الا قليلا.
وهناك سبب اخر للمعارضة بالاضافة لمهاجمة الأوثان، وهو التأكيد على أن اباءهم وأجدادهم الوثنيين خالدون فى جهنم فالولاء للاباء والأجداد مرتبط ارتباطا وثيقا بما تركوه من تراث.
وبينما كان بعض المعارضين لمحمد ﷺ ينطلقون من منطلق فردى عميق، فان الأكثر محافظة منهم ربما احتفظوا بولاء من نوع خاص للجماعة.
وعلى هذا فانهم رأوا فى اتجاه الاسلام نحو ايجاد فصل حاد فى الأسرة أو العشيرة (المقصود فصل بين الأجداد أو الاباء الوثنيين، والأبناء المسلمين) دليلا على أن الابتعاد عن نهج الاباء والأجداد سيؤدى الى عواقب وخيمة، وربما بدا لهم أن هذا التغيير سيمس البناء الاجتماعى كله. والحقيقة، أن الاسلام- بمعنى أو اخر- كان يفعل ذلك حقا.
وعلى هذا، فان الأرضية التى انطلقت منها المعارضة للاسلام كانت- بالاضافة للخوف من تعرض المصالح الشخصية للخطر- خوفا من المضامين السياسية والاقتصادية للاسلام، بالاضافة الى ميل خالص للاتجاه المحافظ (عدم الرغبة فى التغيير) . ان الوضع الذى واجه محمدا ﷺ كان بمثابة توعك (بداية حالة مرضية) لها أعراضها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والعقلية. وكانت رسالته فى جوهرها دينية حاولت علاج الجوانب الدينية فى هذا المجتمع المريض دينيا، لكنه تعرض بالضرورة لجوانب أخرى غير دينية، وبالتالى كان للمعارضة أيضا أوجهها الكثيرة.
[ ٢٧١ ]