الإهداء
إلى روح شاعر المناضلة والمنافحة، شهيد معركة «مؤتة» «عبد الله بن رواحة»؛ القائل بالنبي العربي محمد ﷺ:
إني تفرست فيك الخير أعرفه فراسة خالفتهم في الذي نظروا
ولو سألت أو استنصرت بعضهم في جل أمرك ما آووا وما نصروا
فثبت الله ما آتاك من حسن تثبيت موسى ونصرا كالذي نصروا
[ ٣ ]
- تقديم- آفة الشعر عند ما يكون مدحا لغير رسول الله ﷺ
كثيرون هم الذين مدحوا قديما على ألسنة الشعراء، من ملوك وخلفاء وأمراء وحكام. حتى غدا المدح موضوعا من أبرز موضوعات الشعر وأهمّ غرض من أغراضه.
غير أن فن المديح في الشعر، ظل ملازما لآفتين اثنتين، لم ينفكّ الشعر بسببهما عن اضطراب وضعف.
أولى الآفتين: الفجوة التي لا بدّ أن تظل قائمة تفصل بين طبيعة الشعر بحد ذاته، وواقع الممدوح أيا كان شأنه.. ذلك لأن طبيعة الشعر هي الغلوّ والافراط في كل ما يصفه ويعبّر عنه، وواقع الممدوح هو الاصطباغ بالنقص والضعف والأخطاء أيا كان، بحكم كونه إنسانا لا تنفك عنه سمة النقص والضعف. والشأن في ذلك أن يضعف من جدّية الشعر وتأثيره على النفس، ويفرغه من أكثر المضمون الذي يجمّله ويحببه.
الآفة الثانية: أنّ الدافع للشعراء إلى المديح، يتمثل في عوامل من الأطماع والآمال الخارجية أكثر من أن يتمثل في مشاعر صادقة من المحبة الداخلية. وإذا فرغ الشعر من صدق الشعور عاد صنعة كلامية وزخرفا لفظي. واقتصر طريقه إلى النفوس من هذه الزاوية وحدها
غير أن هاتين الآفتين لا يبدو لهما أي وجود، في الشعر الذي مدح به محمد رسول الله ﷺ. أيا كان الشاعر، وأيا كان واقعه وشأنه.
ذلك لأن الشعر الذي يمدح به رسول الله ﷺ، يتحرك ويعلو في ساحة الوصف والبيان كما يشاء، دون أي غلوّ أو تكلف. ومهما أوغل الشاعر في الوصف وسما في المديح والاطراء، لا يحسّ أنه اصطدم بحدود، أو تجاوز الحقيقة إلى الخيال، أو بالغ في الثناء.
إن الشعر يغدو، إذ يمدح به رسول الله، كالثوب الذي يأتي على قدر لابسه.
لا تجد في شيء من ذيوله أو أطرافه أي زيادة أو فضول.
[ ٥ ]
وذلك أيضا، لأن الشاعر إذ يندفع إلى مدح محمد ﵊، لا يحمله على ذلك طمع في مغنم أو خوف من مغرم، مما كان يحمل الشعراء على طرق أبواب الأمراء والقيام بين أيديهم مثنين ومادحين.. وإنما يحدوه إلى ذلك شعور داخلي لاهب، وكثيرا ما يكون هذا الشعور نقدا ذاتيا من الشاعر لنفسه وأسى مريرا على العهود الغابرة من عمره، ورغبة ملحّة في الالتجاء الى ساحة النبوة، والانغماس- بعد الرحلة المضنية- في مغتسل طهور من الأنوار والرحمة المحمدية.
والنفس الانسانية ذات شأن عجيب! .. إنها قد توغل بصاحبها في أودية التيه او الضياع، ولكنها تظل في حين دائم إلى قمم النور وشطآن النجاة.. لا تعجب إن رأيت صاحب هذه النفس شاردا في سلوكه منحطّا في أفانين غيّه، ثم أصغيت منه مع ذلك إلى أنين يحنّ إلى الطهر، ولوعة تترامى على أعتاب الرحمة الإلهية، وتسفح الدمع سخيا أمام واسطة هذه الرحمة، محمد ﵊.
فإن أوتي مثل هذا الانسان، مع ذلك، بيانا من الشعر، كان له فيه أروع قيثار يستخرج صدق أحاسيسه النيرانية، بل النورانية اللاهبة، ويصوغها في شجو يأخذ اللب ويأسر النفس.
وإذا صحّ أنّ أعذب الشعر أكذبه، فلا ريب أن أحّر الشعر أصدقه! ..
وإنما عذوبة الشعر صنعة كلامية وصقل لألفاظ، أما حرارته فهي النبض الذي يبعث فيه الحياة التي تسري بالتأثير في قلوب الآخرين.. وقديما قالت العرب: ليست النائحة كالثكلى.
ولا أذكر أني قرأت قصيدة، لشاعر مجيد، يمدح فيها محمدا ﵊، إلا وتملّكني منها تأثير كبير، واستبدّت بي رقة تذيب النفس، أيا كان الشاعر ومهما كان شأنه.
وإنما مردّ ذلك، إلى ما قلت: الشعر الذي أخذ حظه، إذ تحرك في ميدان فسيح من الوصف والبيان والإطراء، دون أن تشمّ فيه رائحة غلو أو تكلف في القول.. والشاعر الذي أفرغ أحاسيس قلبه، لوعة وحبا وإجلالا، في واحة تلك العبارات والأوزان.
[ ٦ ]
فإن كنت في شك مما أقول، فدونك فاستعرض قصائد هذا الكتاب، وإنما هي قطوف منوعة لشعراء مختلفين في المذهب والسلوك، متدرّجين في العصور والتاريخ، تجد مصداق ما أقول، وتشعرّ بزفرة الصدق في ثنايا كلام كل منهم.
ثم انظر إلى شعر البوصيري، على سبيل المثال، وقارن بينه إذ كان يمدح به أمراء عصره، طمعا في مغنم أو انتجاعا لرزق، وبينه إذ اتجه به إلى مدح رسول الله ﷺ، تجد هناك التكلف الممجوج، والمعاني المفتعلة المصنّعة، وتجد هنا الرّفاء والرّصانة العجيبين، حتى لكأنّ شعره ينتشي ويطرب من ذاته، ثم تجد نفسك مأخوذا بمشاعر اللوعة الصادقة تسري في سائر جمله وكلماته! .. اصغ إليه وهو يقول:
يا رحيما بالمؤمنين إذا ما ذهلت عن أبنائها الرّحماء
يا شفيعا في المذنبين إذا أش فق من خوف ذنبه البرآء
جد لعاص، وما سواي هو العا صي، ولكن تنكّري استحياء
كلّ يوم ذنوبه صاعدات وعليها أنفاسه صعداء
أو ثقته من الذنوب ديون شدّدت في اقتضائها الغرماء
ما له حيلة سوى حيلة المو ثق إمّا توسل أو دعاء
راجيا أن تعود أعماله السّو ء بغفران الله وهي هباء
أو ترى سيآته حسنات فيقال استحالت الصّهباء
ولن أزيد عليك بعد هذه الأبيات وزخم المشاعر التي فيها، أي شيء. بل سأتركك مع واحة الشعر، تتنقّل من قصيد إلى قصيد، لترى مصداق ما أقول.
الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي
[ ٧ ]
مقدمة
(محمد الرسول العربي الكريم مثل الله الأعلى للإنسان الكامل)
محمد الإنسان الكبير:
لا بد للباحث المنصف من الإعتراف بعظمة النبي العربي محمد ﷺ؛ الذي حمل وبشّر برسالة الإسلام، وتحمّل ما تحمل في سبيل نشرها من تعذيب ومشقة من قريش وباقي القبائل العربية، التي رأت فيه مزاحما لها بالقيادة والزعامة، فجاهرته العداء وحاربته ولم يكن معه، آنذاك، إلا النذر اليسير من أصحابه وعلى رأسهم عمه أبو طالب الذي شجعه على المضي برسالته بعد أن رأى التصميم والإرادة القوية عند ابن أخيه «محمد» الذي قال له مقولته الخالدة: «يا عمّ، والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ما تركته»
[ ٩ ]
قال محمد هذا قول العظيم الواثق من صدق دعوته، المطمئن إلى بلوغ غايته.
فقال عمه: (اذهب يا ابن أخي، وقل ما شئت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا) .
ثم تجلت في الرسول العربي محمد ﷺ «مواهب الكمال الإنساني فحشد للخصومة قوى النفس وقوى الحس، فجاهد بالصدق، وجالد بالصبر، وجادل بالمنطق، وصاول بالرأي، وأثر باللسان، فكان رسولا في الدين، وعلما في البلاغة، ودستورا في السياسة، وإماما في التشريع، وقائدا في الحرب، زد على ذلك خلقه الحسن كما وصفة ربه «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» .
إذن حامل هذه الرسالة السماوية السمحاء مؤهل لها قادر على تحمل مشاقها من جميع جوانبها المعنوية والجسمية والخلقية فهو المثل الأعلى للإنسان الكامل؛ ولله درّ شاعر الرسول حسان بن ثابت الأنصاري حينما وصف شخصية الرسول العربي محمد ﷺ ببيتين من الشعر يدلان على كمال صاحبها إذ قال مادحا رسول الله ﷺ:
وأحسن منك لم تر قط عيني وأجمل منك لم تلد النساء
خلقت مبرّءا من كل عيب كأنك قد خلقت كما تشاء
إذن فلا عجب وإذا رأينا صاحب هذه الرسالة يقلب المجتمع الجاهلي رأسا على عقب، ليكون منهم مجتمعا آخر يختلف عن المجتمع الأول الذي يقوم على العصبية، والأثرة والأنانية والثأر، إلى مجتمع جديد بفضل الرسول الكريم، الذي بعث رحمة للعالمين، إذ بعث الحرية من قبرها، وأطلق العقول من أسرها، وجعل التنافس في الخير، والتعاون على البر، والتفاضل بالتقوى، ثم وصل بين القلوب بالمؤاخاة، وعدل بين الحقوق بالمساواة، ثم محا الفروق بين أجناس الإنسان، وأزال الحدود بين مختلف الأوطان،
[ ١٠ ]
فأصبح العالم كله أسرة متحدة، ليس فيها بين المرء والخليقة حجاب، ولا بين العبد وربه واسطة..
ثم جعل لهم من كتاب الله نورا ومن سنته دستورا، ورمى بهم فساد الدنيا، فأصلحوا الأرض ومدنوا العالم، وهذبوا الناس.
«هذا ولا تقاس أهمية النبي محمد ﷺ وعظمته بالانجازات التي تمت في عصره فقط، ولكن بما نتج عن هذه الإنجازات، وما تحقق بعده، بقيام الفتوحات الكبرى، وتأسيس دولة الإسلام العظمى الممتدة من داخل الصين وحتى خليج عمان، ومن شواطىء المتوسط في الشام حتى جنوب فرنسة ومشارف روما» «١» .
لكل ذلك أحبه الجميع وقدّر عمله وعظمته المستشرقون، وآمن برسالته الكثير من أبناء الديانات السماوية الأخرى، يقول «توماس كارلايل» مؤلف كتاب الأبطال عن النبي محمد ﷺ:
«لقد كان رجلا عظيما بفطرته، لم تثقفه مدرسة، ولا هذبه معلم، فأدى عمله وحده في أعماق الصحراء» . كما يقول «توماس كارلايل»: إن الرسالة التي أداها الرسول محمد، ما زالت السراج المنير. ثم يأتي الدكتور «مايكل هارت» فيضعه على رأس قائمة بالمائة الأوائل من عظماء العالم، اعترافا بعظمة وعبقرية النبي العربي ﷺ! ما معنى ذلك؟
ان هذا الرسول العربي عظيم «ولا يمكن أن نوفيه حقه من التكريم، ولو جعلنا ماء البحر مدادا لكلماتنا؛ هذه الشخصية المعجزة التي استطاعت في سنوات معدودة، أن تتغلب على فوارق اجتماعية، وعصبيات قبلية» ومعتقدات دينية وثنية، واعراف وعادات متوارثة، ضربت جذورها جميعا في أعماق المجتمع القبلي الجاهلي منذ مئات السنين» «٢» .
_________________
(١) د. سهيل زكار، مائة أوائل من تراثنا ص ٢٠.
(٢) من مقدمة كتاب «رسالة الاسلام» الرسول العربي، العماد مصطفى طلاس ص ١٣- دار الشورى- بيروت.
[ ١١ ]
محمّد والشعر ﷺ
وهذه القصائد المختارة لعدد من شعراء الأمة العربية على أختلاف مذاهبهم، ومشاربهم هي نبضات قلوب مفعمة بمحبة المصطفى ﷺ، تدلّ على نبل أصحابها وسموهم ورفعتهم ولا عجب في ذلك فالشعراء كانوا وما زالوا سباقين لتقدير واكتشاف العظمة والعظماء، وذلك بفضل ما رزقهم الله تعالى من فيض الشاعرية التي تشع وتنبىء ومن ثم يأتي الإلهام
ومن كالنبي محمد ﷺ أجدر بالمدح والثناء واظهار عظمته وعبقريته؟ إنه مصدر ثرّ للإلهام
وقد روى عنه محبته للشعر والشعراء، حيث أثر عن النبي ﷺ قوله:
إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا» كما ذكر الرواة أن الشاعر «النابغة الجعدي» حين وفد على النبي فأنشده قصيدته الرائية وبلغ منها قوله:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له بوادر تحمي صفوه أن يكدّرا
ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا
طرب النبي لهذا المعنى الكريم واستحسنه وقال للشاعر: «أحسنت يا أبا ليلى! لا يفضض الله فاك» . كذلك روي أن رسول الله قال: «الشعر كلام من كلام العرب جزل تتكلم به في بواديها، وتسل به الضغائن من بينها»
كذلك كان النبي ﷺ يعرف قيمة الشعر وخطره وأثره في تأليف القلوب واستلال الأضغان، وإثارة الأشجان، فلقد كان يكثر من استنشاد شعر الخنساء في أخيها صخر، ويستعيدها ويستزيدها ويقول لها: «هيه يا خناس!» وكأنه وجد في صدق العاطفة ومواجد الحزن في شعر الخنساء ما تتمثل فيه مراحم القلوب، ومواجع الأكباد ثم ألم يكن النبي يتأثر لكلمة حق قالها شاعر مخضرم هو «لبيد بن ربيعة العامري، فيقول:
«أصدق كلمة قالها شاعر قول لبيد: «ألا كل شيء ما خلا الله باطل» .
[ ١٢ ]
كما روي عن النبي محمد ﷺ أنه كان كلما ارتاب بخبر تمثل بقول «طرفة بن العبد»: «ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد» .
وإذا كان القرآن الكريم قد حكم على الشعراء بقوله: «والشعراء يتبعهم الغاوون، ألم تر أنهم في كل واد يهيمون، وأنهم يقولون ما لا يفعلون»، فإن الحكم هنا لم يكن على عمومه، فقد اتبعه، بالاستثناء بقوله: «إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا » وهؤلاء الشعراء هم الذين كان يعتمد الرسول عليهم للتصدي للمشركين مثل الشاعر حسان بن ثابت الأنصاري، وعبد الله بن رواحة، وكعب بن مالك وفيهم نزل الاستثناء المذكور.
من هذا المنطلق كانت هذه القصائد الرصينة بمدح الرسول العربي الكريم لبعض الشعراء قمنا بجمعها وانتقائها من بين عدد كبير منها. قيلت في أزمان متباعدة وعصور مختلفة، فمن قصائد الشعراء المخضرمين كالشاعرين الأعش، وكعب بن زهير إلى العصور اللاحقة مثل قصيدتي «البوصيري، وابن الساعاتي» إلى قصائد الشعراء المعاصرين مثل أحمد شوقي وخليل مطران، وبدوي الجبل، وعمر أبو ريشه، والشاعر القروي، ومحمد البزم، وسليم الزركلي، وأنور العطار، وجورج صيدح إلى باقي الشعراء أصحاب القصائد المنتقاة
[ ١٣ ]