[بيعة العقبة الأولى]
فصل في الهجرة قد ذكرنا: أنه -ﷺ - كان يوافي الموسم كل عام يتبع الحاج في منازلهم وفي عكاظ وغيرها. يدعوهم إلى اللَّه. فلم يجبه أحد منهم. ولم يأوه. فكان ممن صنع اللَّه لرسوله أن الأوس والخزرج كانوا يسمعون من حلفائهم يهود المدينة: أن نبيا يبعث في هذا الزمان فنتبعه ونقتلكم معه قتل عاد.
وكانت الأنصار تحج كغيرها من العرب، دون اليهود. فلما رأى الأنصار رسول اللَّه -ﷺ - يدعو الناس إلى اللَّه. وتأملوا أحواله. قال بعضهم لبعض تعلمون واللَّه يا قوم أن هذا الذي توعدكم به اليهود. فلا يسبقنكم إليه وقدر اللَّه بعد ذلك. أن اليهود يكفرون به. فهو قوله تعالى ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: ٨٩]- والآية بعدها (١) .
بيعة العقبة الأولى فلقي رسول اللَّه -ﷺ - عند العقبة: ستة نفر من الأنصار كلهم من الخزرج. منهم أسعد بن زرارة وجابر بن عبد اللَّه بن رئاب السلمي. فدعاهم إلى الإسلام فأسلموا. ثم رجعوا إلى المدينة، فدعوا
_________________
(١) الآيتان ٨٩ - ٩٠ من سورة البقرة.
[ ١١٨ ]
إلى الإسلام. فنشأ الإسلام فيها، حتى لم تبق دار إلا ودخلها. فلما كان العام المقبل جاء منهم اثنا عشر رجلا - الستة الأول. خلا جابرا - ومعهم عبادة بن الصامت، وأبو الهيثم بن التيهان، وغيرهم. الجميع اثنا عشر رجلا.
وكان الستة الأولون قد قالوا له - لما أسلموا -: إن بين قومنا من العداوة والشر ما بينهم وعسى اللَّه أن يجمعهم بك، وسندعوهم إلى أمرك. فإن يجمعهم اللَّه عليك فلا رجل أعز منك وكان الأوس والخزرج أخوين لأم وأب. أصلهم من اليمن من سبأ. وأمهم قيلة بنت كاهل - امرأة من قضاعة - ويقال لهم لذلك أبناء قيلة. قال الشاعر.
بهاليل من أولاد قيلة لم يجد عليهم خليط في مخالطة عتبا
فوقعت بينهم العداوة بسبب قتيل فلبثت بينهم الحرب مائة وعشرين سنة إلى أن أطفأها اللَّه بالإسلام. وألف بينهم برسول اللَّه -ﷺ - وذلك قوله ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: ١٠٣]- الآية (١) .
فلما جاءه الاثنا عشر رجلا العام الآتي - الذين ذكرنا - ومنهم اثنان من الأوس: أبو الهيثم وعويم بن ساعدة والباقي من الخزرج.
فلما انصرفوا بعث معهم رسول اللَّه -ﷺ - مصعب بن عمير، وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام. فنزل على أبي أمامة - أسعد بن زرارة - فخرج بمصعب - في إحدى خريجاته - فدخل به حائطا من حيطان بني ظفر. فجلسا فيه واجتمع إليهما رجال ممن أسلم.
_________________
(١) آية ١٠٣ من سورة آل عمران.
[ ١١٩ ]
[إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير]
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير فقال سعد بن معاذ - سيد الأوس - لأسيد بن حضير اذهب إلى هذين اللذين قد أتيا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما. فإن أسعد بن زرارة ابن خالتي، ولولا ذلك لكفيتك ذلك. وكان سعد وأسيد سيدي قومهما. فأخذ أسيد حربته. ثم أقبل إليهما. فلما رآه أسعد بن زرارة قال لمصعب هذا سيد قومه قد جاءك. فاصدق اللَّه فيه. قال مصعب إن يكلمني أكلمه. فوقف عليهما. فقال ما جاء بكما إلينا؟ تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلا، إن كان لكما في أنفسكما حاجة. فقال له مصعب أو تجلس فتسمع. فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره. فقال أنصفت. ثم ركز حربته وجلس فكلمه مصعب بالإسلام وتلا عليه القرآن. قال فواللَّه لعرفنا في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله.
ثم قال ما أحسن هذا وما أجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ . قالا له تغتسل وتطهر ثوبك. ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين. فقام واغتسل. وطهر ثوبه. وتشهد وصلى ركعتين. ثم قال إن ورائي رجلا إن تبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه. وسأرشده إليكما الآن - سعد بن معاذ - ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد في قومه وهم جلوس في ناديهم.
فقال سعد أحلف باللَّه لقد جاءكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم. فلما وقف على النادي. قال له سعد ما فعلت؟ فقال كلمت
[ ١٢٠ ]
الرجلين. فواللَّه ما رأيت بهما بأسا. وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت.
وقد حدثت: أن بني حارثة خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه - وذلك أنهم عرفوا أنه ابن خالتك - ليخفروك. فقام سعد مغضبا، للذي ذكر له. فأخذ حربته فلما رآهما مطمئنين عرف أن أسيدا إنما أراد أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتما. ثم قال لأسعد بن زرارة واللَّه يا أبا أمامة. لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، تغشانا في دارنا بما نكره؟ .
وقد كان أسعد قال لمصعب جاءك واللَّه سيد من ورائه قومه. إن يتبعك لم يتخلف عنك منهم أحد.
فقال له مصعب أو تقعد فتسمع؟ فإن رضيت أمرا قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره قال قد أنصفت. ثم ركز حربته فجلس.
فعرض عليه الإسلام وقرأ عليه القرآن. قال فعرفنا واللَّه في وجهه الإسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتهلله. ثم قال كيف تصنعون إذا أسلمتم؟ قالا: تغتسل وتطهر ثوبك ثم تشهد شهادة الحق. ثم تصلي ركعتين ففعل ذلك. ثم أخذ حربته. فأقبل إلى نادي قومه. فلما رأوه قالوا: نحلف باللَّه لقد رجع بغير الوجه الذي ذهب به فقال يا بني عبد الأشهل كيف أمري فيكم؟ قالوا: سيدنا. وابن سيدنا، وأفضلنا رأيا، وأيمننا نقيبة. قال فإن كلام رجالكم ونسائكم علي حرام حتى تؤمنوا باللَّه ورسوله. فما أمسى فيهم رجل ولا امرأة إلا أسلموا، إلا الأصيرم. فإنه تأخر إسلامه إلى يوم أحد.
فأسلم وقاتل وقتل ولم يسجد للَّه سجدة.
[ ١٢١ ]
فقال النبي -ﷺ - «عمل قليلا وأجر كثيرا» . فأقام مصعب في منزل أسعد يدعو الناس إلى الإسلام حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد وخطمة ووائل وواقف.
وذلك أنهم كان فيهم قيس بن الأسلت الشاعر. وكانوا يسمعون منه فوقف بهم عن الإسلام حتى كان عام الخندق، بعد أن هاجر رسول اللَّه -ﷺ -.
فلما كان من العام المقبل. وجاء موسم الحج. قال من أسلم من الأنصار: حتى متى نترك رسول اللَّه -ﷺ - يطرد في جبال مكة ويخاف؟ ! فخرجوا مع مشركي قومهم حجاجا.
[بيعة العقبة الثانية]
بيعة العقبة الثانية فلما وصلوا واعدوه العقبة، من أواسط أيام التشريق للبيعة بعد ما انقضى حجهم. فقال له العباس ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاءوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب. فلما كان الليل تسللوا من رحالهم مختفين ومعهم عبد اللَّه بن عمرو بن حرام - أبو جابر - وهو مشرك وكانوا يكاتمونه الأمر. فلما كانت الليلة التي واعدوا فيها رسول اللَّه -ﷺ - قالوا: يا أبا جابر، إنك شريف من أشرافنا. وإنا نرغب بك أن تكون حطبا للنار غدا، قال وما ذلك؟ فأخبروه الخبر فأسلم وشهد العقبة وكان نقيبا.
فلما مضى ثلث الليل خرجوا للميعاد حتى اجتمع عنده من رجل ورجلين ومعه عمه العباس - وهو يومئذ على دين قومه - ولكنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له.
[ ١٢٢ ]
فلما نظر العباس في وجوههم قال هؤلاء قوم لا نعرفهم هؤلاء أحداث وكان أول من تكلم. فقال يا معشر الخزرج - وكانت العرب تسمي الجميع الخزرج - إن محمدا منا حيث علمتم وقد منعناه من قومنا وهو في منعة في بلده إلا أنه أبى إلا الانقطاع إليكم واللحوق بكم. فإن كنتم ترون أنكم وافون بما دعوتموه إليه ومانعوه ممن خالفه فأنتم وما تحملتم. وإن كنتم ترون أنكم مسلموه وخاذلوه - بعد خروجه إليكم - فمن الآن فدعوه. فإنه في عز ومنعة.
قالوا: قد سمعنا ما قلت. فتكلم يا رسول اللَّه وخذ لنفسك ولربك ما شئت.
فتكلم رسول اللَّه -ﷺ - وقال «أبايعكم على أن تمنعوني - إذا قدمت عليكم - مما تمنعون منه نساءكم وأبناءكم. ولكم الجنة» (١) .
فكان أول من بايعه البراء بن معرور. فقال والذي بعثك بالحق لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا. فبايعنا يا رسول اللَّه. فنحن أهل الحرب والحلقة ورثناها صاغرا عن كابر. فاعترضه أبو الهيثم بن التيهان، وقال إن بيننا وبين الناس حبالا ونحن قاطعوها، فهل عسيت - إن أظهرك اللَّه -: أن ترجع إلى قومك وتدعنا؟ فتبسم رسول اللَّه -ﷺ - ثم قال «لا واللَّه بل الدم الدم والهدم الهدم أنتم مني وأنا منكم. أحارب من حاربتم. وأسالم من سالمتم» .
فلما قدموا يبايعونه أخذ بيده أصغرهم - أسعد بن زرارة - فقال رويدا يا أهل يثرب، إنا لم نضرب إليه أكباد الإبل إلا ونحن نعلم أنه
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد والبيهقي بإسناد جيد.
[ ١٢٣ ]
رسول اللَّه وإن إخراجه اليوم مفارقة للعرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف. فإما أنتم تصبرون على ذلك. فخذوه وأجركم على اللَّه وإما أنتم تخافون من أنفسكم خيفة فذروه. فهو أعذر لكم عند اللَّه. فقالوا: أمط عنا يدك، فواللَّه ما نذر هذه البيعة ولا نستقيلها.
فقاموا إليه رجلا رجلا يأخذ منهم ويعطيهم بذلك الجنة ثم كثر اللغط فقال العباس على رسلكم. فإن علينا عيونا.
ثم قال رسول اللَّه -ﷺ - «أخرجوا إلي منكم اثني عشر نقيبا كفلاء على قومهم ككفالة الحواريين لعيسى ابن مريم وأنا كفيل على قومي» وفي رواية " أن «موسى اتخذ من قومه اثني عشر نقيبا» (١) .
فكان نقيب بني النجار: أسعد بن زرارة. ونقيب بني سلمة: البراء بن معرور، وعبد اللَّه بن عمرو بن حرام. ونقيب بني ساعدة: سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو. ونقيب بني زريق: رافع بن مالك بن عجلان. ونقيب بني الحارث بن الخزرج: عبد اللَّه بن رواحة، وسعد بن الربيع ونقيب القوافل عبادة بن الصامت. ونقيب الأوس: أسيد بن حضير وأبو الهيثم بن التيهان. ونقيب بني عوف سعد بن خيثمة.
وكان جميع أهل العقبة: سبعين رجلا وامرأتين.
فلما بايعوه صرخ الشيطان بأنفذ صوت سمع قط يا أهل الأخاشب هل لكم في محمد والصبأة معه؟ قد اجتمعوا على حربكم. فقال رسول اللَّه -ﷺ - «هذا أزب العقبة أما واللَّه يا عدو اللَّه لأفرغن لك ثم
_________________
(١) أخرجه الإمام أحمد والبيهقي بإسناد جيد.
[ ١٢٤ ]
قال رسول اللَّه -ﷺ - ارفضوا إلى رحالكم.
فقال العباس بن عبادة بن نضلة: والذي بعثك بالحق إن شئت لنميلن على أهل مكة غدا بأسيافنا. فقال لم نؤمر بذلك ولكن ارجعوا إلى رحالكم فرجعوا.»
فلما أصبحوا غدت عليهم جلة قريش. فقالوا: إنه بلغنا أنكم جئتم صاحبنا البارحة تستخرجونه من بين أظهرنا، وتبايعونه على حربنا. وإن اللَّه ما من حي من العرب أبغض إلينا من أن تنشب الحرب بيننا وبينهم منكم. فانبعث رجال - ممن لم يعلم - يحلفون لهم باللَّه ما كان من هذا شيء والذين يشهدون ينظر بعضهم إلى بعض. وجعل عبد اللَّه بن أبي ابن سلول يقول هذا باطل. ما كان هذا. وما كان قومي ليفتاتوا علي بمثل هذا. لو كنت بيثرب ما صنع قومي هذا. حتى يؤامروني.
فقام القوم - وفيهم الحارث بن هشام - وعليه نعلان جديدان. فقال كعب بن مالك: كلمة - كأنه يريد أن يشرك القوم فيما قالوا - فقال يا أبا جابر ما تستطيع أن تتخذ - وأنت سيد من سادتنا - مثل نعلي هذا الفتى؟ فسمعها الحارث. فجعلها من رجليه. ثم رمى بهما إليه. وقال واللَّه لتنتعلنهما. فقال أبو جابر مه؟ أحفظت الفتى. فاردد إليه نعليه؟ فقال لا أردهما إليه واللَّه فأل صالح. لئن صدق الفأل لأسلبنه.
فلما انفصلت الأنصار عن مكة: صح الخبر عند قريش. فخرجوا في طلبهم فأدركوا سعد بن عبادة، والمنذر بن عمرو. فأعجزهم المنذر ومضى. وأما سعد فقالوا له أنت على دين محمد؟ قال نعم فربطوا يديه إلى عنقه بنسعة رحله. وجعلوا يسحبونه بشعره ويضربونه - وكان
[ ١٢٥ ]
ذا جمة - حتى أدخلوه مكة، فجاء المطعم بن عدي والحارث بن حرب بن أمية. فخلصاه من أيديهم.
وتشاورت الأنصار أن يكروا إليه. فإذا هو قد طلع عليهم. فرحلوا إلى المدينة.
وكان الذي أسره ضرار بن الخطاب الفهري، وقال:
تداركت سعدا عنوة فأسرته وكان شفائي، لو تداركت منذرا
ولو نلته طلت هناك جراحه أحق دماء أن تهان وتهدرا
فأجابه حسان بن ثابت -﵁-
فخرت بسعد الخير حين أسرته وقلت: شفائي لو تداركت منذرا
وإن امرأ يهدي القصائد نحونا كمستبضع تمرا إلى أهل خيبرا
فلا تك كالشاة التي كان حتفها بحفر ذراعيها. فلم ترض محفرا
ولا تك كالوسنان يحلم أنه بقرية كسرى، أو بقرية قيصرا
ولا تك كالثكلى، وكانت بمعزل عن الثكل لو أن الفؤاد تفكرا
ولا تك كالعاوي، وأقبل نحره ولم يخشه سهم من النبل مضمرا
أتفخر بالكتان لما لبسته وقد يلبس الأنباط ريطا مقصرا
[ ١٢٦ ]
فلولا أبو وهب لمرت قصائد على شرف البيداء (١) يهوين حسرا.
وسمعت قريش قائلا يقول بالليل على أبي قبيس:
فإن يسلم السعدان يصبح محمد بمكة لا يخشى خلاف المخالف
قالوا: من هما؟ قال أبو سفيان: أسعد بن بكر أم سعد بن هزيم؟ فلما كانت الليلة القابلة سمعوه يقول:
فيا سعد - سعد الأوس - كن أنت ناصرا ويا سعد - سعد الخزرجين - الغطارف
أجيبا إلى داعي الهدى وتمنيا على اللَّه في الفردوس منة عارف
فإن ثواب اللَّه للطالب الهدى جنان من الفردوس ذات رفارف
فقال أبو سفيان: هذا واللَّه سعد بن عبادة، وسعد بن معاذ.
[الهجرة إلى المدينة]
الهجرة إلى المدينة وأذن رسول اللَّه -ﷺ - للمسلمين في الهجرة إلى المدينة. فبادروا إليها. وأول من خرج أبو سلمة بن عبد الأسد وزوجته أم سلمة. ولكنها حبست عنه سنة وحيل بينها وبين ولدها. ثم خرجت بعد هي وولدها إلى المدينة.
ثم خرجوا أرسالا، يتبع بعضهم بعضا. ولم يبق منهم بمكة أحد إلا رسول اللَّه -ﷺ - وأبو بكر وعلي - أقاما بأمر رسول اللَّه -ﷺ - لهما - وإلا من احتبسه المشركون كرها.
_________________
(١) عند ابن هشام " البرقاء ".
[ ١٢٧ ]
وأعد رسول اللَّه -ﷺ - جهازه ينتظر متى يؤمر بالخروج. وأعد أبو بكر جهازه.
[تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول اللَّه ﷺ]
تآمر قريش بدار الندوة على قتل رسول اللَّه ﷺ فلما رأى المشركون أصحاب رسول اللَّه -ﷺ - قد تجهزوا وخرجوا بأهليهم إلى المدينة: عرفوا أن الدار دار منعة وأن القوم أهل حلقة وبأس فخافوا خروج رسول اللَّه -ﷺ - فيشتد أمره عليهم. فاجتمعوا في دار الندوة. وحضرهم إبليس في صورة شيخ من أهل نجد.
فتذاكروا رسول اللَّه -ﷺ - فأشار كل منهم برأي والشيخ يرده ولا يرضاه إلى أن قال أبو جهل: قد فرق لي فيه برأي ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: ما هو؟ قال أرى أن نأخذ من كل قبيلة من قريش غلاما جلدا. ثم نعطيه سيفا صارما، ثم يضربونه ضربة رجل واحد فيتفرق دمه في القبائل. فلا تدري بنو عبد مناف بعد ذلك ما تصنع ولا يمكنها معاداة القبائل كلها، ونسوق ديته.
فقال الشيخ: للَّه در هذا الفتى. هذا واللَّه الرأي. فتفرقوا على ذلك.
فجاء جبريل فأخبر النبي -ﷺ - بذلك. وأمره ألا ينام في مضجعه تلك الليلة.
«وجاء رسول اللَّه -ﷺ - إلى أبي بكر نصف النهار - في ساعة لم يكن يأتيه فيها - متقنعا، فقال: " أخرج من عندك " فقال: إنما هم أهلك يا رسول اللَّه. فقال رسول اللَّه -ﷺ -: " إن اللَّه قد أذن لي في الخروج " فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول اللَّه. قال: " نعم " فقال أبو بكر: فخذ - بأبي أنت وأمي - إحدى راحلتي هاتين فقال: بالثمن» .
[ ١٢٨ ]
وأمر عليا أن يبيت تلك الليلة على فراشه.
واجتمع أولئك النفر يتطلعون من صير الباب ويرصدونه يريدون بياته ويأتمرون أيهم يكون أشقاها؟ فخرج رسول اللَّه -ﷺ - عليهم. فأخذ حفنة من البطحاء فذرها على رءوسهم وهو يتلو ﴿وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يس: ٩] (١) وأنزل اللَّه ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ [الأنفال: ٣٠] (٢) .
ومضى رسول اللَّه -ﷺ - إلى بيت أبي بكر. فخرجا من خوخة في بيت أبي بكر ليلا. فجاء رجل فرأى القوم ببابه، فقال: ما تنتظرون؟ قالوا: محمدا. قال: خبتم وخسرتم قد واللَّه مر بكم وذر على رءوسكم التراب. قالوا: واللَّه ما أبصرناه وقاموا ينفضون التراب عن رءوسهم.
فلما أصبحوا: قام علي -﵁- عن الفراش فسألوه عن محمد؟ فقال لا علم لي به. ومضى رسول اللَّه -ﷺ - وأبو بكر إلى غار ثور، فنسجت العنكبوت على بابه.
وكانا قد استأجرا عبد اللَّه بن أريقط الليثي وكان هاديا ماهرا - وكان على دين قومه - وأمناه على ذلك وسلما إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث.
_________________
(١) آية ٩ من سورة يس.
(٢) آية ٣٠ من سورة الأنفال.
[ ١٢٩ ]
وجدت قريش في طلبهما، وأخذوا معهم القافة حتى انتهوا إلى باب الغار. فوقفوا عليه. فقال أبو بكر «يا رسول اللَّه لو أن أحدهم نظر إلى ما تحت قدميه لأبصرنا. فقال: ما ظنك باثنين اللَّه ثالثهما؟ لا تحزن إن اللَّه معنا.»
وكانا يسمعان كلامهم إلا أن اللَّه عمى عليهم أمرهما.
وعامر بن فهيرة يرعى غنما لأبي بكر ويتسمع ما يقال عنهما بمكة. ثم يأتيهما بالخبر ليلا. فإذا كان السحر سرح مع الناس.
قالت عائشة: فجهزناهما أحث الجهاز. وصنعنا لهما سفرة في جراب. فقطعت أسماء بنت أبي بكر. قطعة من نطاقها، فأوكت به فم الجراب وقطعت الأخرى عصاما للقربة. فبذلك لقبت " ذات النطاقين ".
ومكثا في الغار ثلاثا. حتى خمدت نار الطلب. فجاءهما ابن أريقط بالراحلتين فارتحلا، وأردف أبو بكر عامر بن فهيرة.
[قصة سراقة بن مالك]
قصة سراقة بن مالك فلما أيس المشركون منهما جعلوا لمن جاء فيهما دية كل واحد منهما، لمن يأتي بهما أو بأحدهما. فجد الناس في الطلب. واللَّه غالب على أمره.
فلما مروا بحي من مدلج مصعدين من قديد. بصر بهم رجل فوقف على الحي. فقال لقد رأيت آنفا بالساحل أسودة، وما أراها إلا محمدا وأصحابه.
ففطن بالأمر سراقة بن مالك، فأراد أن يكون الظفر له. وقد سبق له
[ ١٣٠ ]
من الظفر ما لم يكن في حسابه. فقال: بل هما فلان وفلان خرجا في طلب حاجة لهما. ثم مكث قليلا. ثم قام فدخل خباءه وقال لجاريته: أخرجي بالفرس من وراء الخباء وموعدك وراء الأكمة. ثم أخذ رمحه وخفض عاليه يخط به الأرض حتى ركب فرسه. فلما قرب منهم وسمع قراءة النبي -ﷺ - وأبو بكر يكثر الالتفات ورسول اللَّه -ﷺ - لا يلتفت - قال أبو بكر: يا رسول اللَّه هذا سراقة بن مالك قد رهقنا. فدعا عليه رسول اللَّه -ﷺ - فساخت يدا فرسه في الأرض.
فقال قد علمت أن الذي أصابني بدعائكما. فادعوا اللَّه لي، ولكما أن أرد الناس عنكما، فدعا له رسول اللَّه -ﷺ - فخلصت يدا فرسه. فانطلق. وسأل رسول اللَّه -ﷺ - أن يكتب له كتابا، فكتب له أبو بكر بأمره في أديم. وكان الكتاب معه إلى يوم فتح مكة. فجاء به فوفى له رسول اللَّه -ﷺ -.
فرجع. فوجد الناس في الطلب فجعل يقول: قد استبرأت لكم الخبر وقد كفيتم ما هاهنا. فكان أول النهار جاهدا عليهما. وكان آخره حارسا لهما.
[قصة أم معبد]
قصة أم معبد ثم مروا بخيمة أم معبد الخزاعية، وكانت امرأة برزة جلدة تحتبي بفناء الخيمة ثم تطعم وتسقي من مر بها، فسألاها: هل عندها شيء يشترونه؟ فقالت واللَّه لو عندنا شيء ما أعوزكم القرى. والشاء عازب - وكانت سنة شهباء - فنظر رسول اللَّه -ﷺ - إلى شاة في كسر الخيمة فقال «ما هذه الشاة؟» قالت خلفها الجهد عن الغنم. فقال «هل بها
[ ١٣١ ]
من لبن؟» قالت: هي أجهد من ذلك. قال «أتأذنين لي أن أحلبها؟» قالت: نعم - بأبي أنت وأمي - إن رأيت بها حليبا فاحلبها.
فمسح رسول اللَّه -ﷺ - بيده ضرعها، وسمى اللَّه ودعا، فتفاجت عليه ودرت. فدعا بإناء لها يربض الرهط فحلب فيه حتى علته الرغوة فسقاها فشربت حتى رويت وسقى أصحابه حتى رووا. ثم شرب هو. وحلب فيه ثانيا فملأ الإناء. ثم غادره عندها وارتحلوا.
فقل ما لبثت أن جاء زوجها يسوق أعنزا عجافا يتساوكن هزالا. فلما رأى اللبن قال: من أين هذا؟ والشاء عازب. ولا حلوبة في البيت؟ . قالت: لا واللَّه إلا أنه مر بنا رجل مبارك، من حديثه كيت وكيت، قال: واللَّه إني لأراه صاحب قريش الذي تطلبه. صفيه لي يا أم معبد.
قالت: ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة وسيم قسيم في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صورته صحل وفي عنقه سطع. وفي لحيته كثاثة أحور أكحل أزج أقرن شديد سواد الشعر إذا صمت علاه الوقار وإذا تكلم علاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب. حلو المنطق، فصل: لا نذر ولا هذر كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ربعة لا تقتحمه عين من قصر ولا تشنؤه من طول. غصن بين غصنين فهو أنضر الثلاثة منظرا، وأحسنهم قدرا. له رفقاء يحفون به. إذا قال استمعوا لقوله. وإذا أمر تبادروا إلى أمره محفود محشود. لا عابس ولا مفند (١) .
_________________
(١) هو الذي لا فند ولا ضعف في كلامه ولا يرد عليه في أي شأن لكمال قوته وحكمته.
[ ١٣٢ ]
قال أبو معبد: هذا - واللَّه - صاحب قريش الذي تطلبه. ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن، إن وجدت إلى ذلك سبيلا.
وأصبح صوت عال بمكة يسمعونه ولا يرون القائل يقول:
جزى اللَّه رب الناس خير جزائه رفيقين حلا خيمتي أم معبد
هما نزلا بالبر وارتحلا به فأفلح من أمسى رفيق محمد
فيالقصي ما زوى اللَّه عنكمو به من فخار لا يحاذى وسؤدد
وقد غادرت وهنا لديها بحالب يرد بها في مصدر ثم مورد
سلوا أختكم عن شاتها وإنائها؟ فإنكموا إن تسألوا الشاة تشهد
دعاها بشاة حائل فتحلبت له بصريح ضرة الشاة مزبد
لقد خاب قوم زال عنهم نبيهم وقدس من يسري إليه ويغتدي
ترحل عن قوم فزالت عقولهم وحل على قوم بنور مجدد
هداهم به - بعد الضلالة - ربهم وأرشدهم من يتبع الحق يرشد
وقد نزلت منه على أهل يثرب ركاب هدى، حلت عليهم بأسعد
نبي يرى ما لا يرى الناس حوله ويتلو كتاب اللَّه في كل مشهد
[ ١٣٣ ]
وإن قال في يوم مقالة غائب فتصديقها في ضحوة اليوم أو غد
ليهن أبا بكر سعادة جده بصحبته من يسعد اللَّه يسعد
ويهن بني كعب مكان فتاتهم ومقعدها للمؤمنين بمرصد
قالت أسماء بنت أبي بكر. مكثنا ثلاث ليال لا ندري: أين توجه رسول اللَّه -ﷺ -؟ إذ أقبل رجل من الجن من أسفل مكة يتغنى بأبيات غناء العرب، والناس يتبعونه ويسمعون منه ولا يرونه حتى خرج من أعلى مكة فعرفنا أين توجه رسول اللَّه -ﷺ -.
قالت ولما خرج أبو بكر احتمل معه ماله. فدخل علينا جدي أبو قحافة - وقد ذهب بصره - فقال: إني واللَّه لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه. قلت: كلا واللَّه قد ترك لنا خيرا. وأخذت حجارة فوضعتها في كوة البيت. وقلت: ضع يدك على المال. فوضعها، وقال: لا بأس. إن كان قد ترك لكم هذا فقد أحسن، قالت: واللَّه ما ترك لنا شيئا وإنما أردت أن أسكت الشيخ.
[دخول رسول اللَّه ﷺ المدينة]
دخول رسول اللَّه ﷺ المدينة ولما بلغ الأنصار مخرج رسول اللَّه -ﷺ - من مكة. كانوا يخرجون كل يوم إلى الحرة ينتظرونه. فإذا اشتد حر الشمس رجعوا إلى منازلهم. فلما كان يوم الاثنين ثاني عشر ربيع الأول على رأس ثلاث عشرة سنة من
[ ١٣٤ ]
نبوته. خرجوا على عادتهم. فلما حميت الشمس رجعوا، فصعد رجل من اليهود على أطم من آطام المدينة. فرأى رسول اللَّه -ﷺ - وأصحابه مبيضين يزول بهم السراب. فصرخ بأعلى صوته يا بني قيلة هذا صاحبكم قد جاء هذا جدكم الذي تنتظرونه. فثار الأنصار إلى السلاح ليتلقوا رسول اللَّه -ﷺ -.
وسمعت الوجبة والتكبير في بني عمرو بن عوف. وكبر المسلمون فرحا بقدومه. وخرجوا للقائه فتلقوه وحيوه بتحية النبوة. وأحدقوا به مطيفين حوله.
فلما أتى المدينة، عدل ذات اليمين حتى نزل بقباء في بني عمرو بن عوف، ونزل على كلثوم بن الهدم - أو على سعد بن خيثمة - فأقام في بني عمرو بن عوف أربع عشرة ليلة. وأسس مسجد قباء. وهو أول مسجد أسس بعد النبوة.
فلما كان يوم الجمعة ركب. فأدركته الجمعة في بني سالم بن عوف. فجمع بهم في المسجد الذي في بطن الوادي. ثم ركب. فأخذوا بخطام راحلته يقولون. هلم إلى القوة والمنعة والسلاح. فيقول «خلوا سبيلها. فإنها مأمورة» فلم تزل ناقته سائرة لا يمر بدار من دور الأنصار، إلا رغبوا إليه في النزول عليهم فيقول: «دعوها فإنها مأمورة» فسارت حتى وصلت إلى موضع مسجده اليوم فبركت ولم ينزل عنها، حتى نهضت وسارت قليلا. ثم رجعت وبركت في موضعها الأول. فنزل عنها.
وذلك في بني النجار، أخواله (١) -ﷺ -.
_________________
(١) هم أخوال جده عبد المطلب.
[ ١٣٥ ]
وكان من توفيق اللَّه لها. فإنه أحب أن ينزل على أخواله يكرمهم. فجعل الناس يكلمونه في النزول عليهم. وبادر أبو أيوب خالد بن زيد إلى رحله فأدخله بيته. فجعل رسول اللَّه -ﷺ - يقول: «المرء مع رحله» وجاء أسعد بن زرارة فأخذ بخطام ناقته. فكانت عنده. وأصبح كما قال قيس بن صرمة - وكان ابن عباس يختلف إليه ليحفظها عنه.
ثوى في قريش بضع عشرة حجة يذكر لو يلقى حبيبا مواتيا
ويعرض في أهل المواسم نفسه فلم ير من يؤوي ولم ير داعيا
فلما أتانا واستقر به النوى وأصبح مسرورا بطيبة راضيا
وأصبح لا يخشى ظلامة ظالم بعيد ولا يخشى من الناس باغيا
بذلنا له الأموال من جل مالنا وأنفسنا عند الوغى والتآسيا
نعادي الذي عادى من الناس كلهم جميعا وإن كان الحبيب المصافيا
ونعلم أن اللَّه لا رب غيره وأن كتاب اللَّه أصبح هاديا
[ ١٣٦ ]
وكما قال حسان بن ثابت ﵁:
قومي الذين هموا آووا نبيهمو وصدقوه وأهل الأرض كفار
إلا خصائص أقوام همو تبع في الصالحين مع الأنصار أنصار
مستبشرين بقسم اللَّه. قولهمو لما أتاهم كريم الأصل مختار
أهلا وسهلا. ففي أمن وفي سعة نعم النبي. ونعم القسم والجار
فأنزلوه بدار لا يخاف بها من كان جارهمو. دار هي الدار
وقاسموه بها الأموال إذ قدموا مهاجرين. وقسم الجاحد النار
وكما قال:
نصرنا وآوينا النبي محمدا على أنف راض من معد وراغم
قال ابن عباس: كان النبي -ﷺ - بمكة فأمر بالهجرة. وأنزل اللَّه عليه، ﴿وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: ٨٠] (١) والنبي -ﷺ - يعلم ألا طاقة له بهذا الأمر إلا بسلطان. فسأل اللَّه سلطانا نصيرا، فأعطاه. قال البراء.: أول من قدم علينا: مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن. ثم جاء عمار بن ياسر، وبلال وسعد ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين راكبا. ثم جاء رسول اللَّه -ﷺ -. فما رأيت الناس فرحوا بشيء فرحهم به حتى جعل النساء والصبيان
_________________
(١) آية ٨٠ سورة الإسراء.
[ ١٣٧ ]
والإماء يقلن قدم رسول اللَّه جاء رسول اللَّه -ﷺ -.
قال أنس شهدته يوم دخل المدينة فما رأيت يوما قط كان أحسن ولا أضوأ من اليوم الذي دخل المدينة علينا. وشهدته يوم مات. فما رأيت يوما قط كان أقبح ولا أظلم من يوم مات.
فأقام في بيت أبي أيوب حتى بنى حجره ومسجده.
وبعث رسول اللَّه -ﷺ - وهو في منزل أبي أيوب - زيد بن حارثة وأبا رافع. وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه. وسودة بنت زمعة زوجه وأسامة بن زيد، وأم أيمن. وأما زينب فلم يمكنها زوجها أبو العاص بن الربيع من الخروج وخرج عبد اللَّه بن أبي بكر بعيال أبي بكر. وفيهم عائشة.
[بناء المسجد]
بناء المسجد قال الزهري: بركت ناقة رسول اللَّه -ﷺ - عند موضع مسجده وكان مربدا لسهل وسهيل غلامين يتيمين من الأنصار، كانا في حجر أسعد بن زرارة. فساوم رسول اللَّه -ﷺ - الغلامين بالمربد ليتخذه مسجدا فقالا: بل نهبه لك يا رسول اللَّه. فأبى رسول اللَّه ﷺ فاشتراه منهما بعشرة دنانير.
وفي الصحيح أنه قال «يا بني النجار ثامنوني بحائطكم قالوا: لا، واللَّه لا نطلب ثمنه إلا إلى اللَّه» . وكان فيه شجر غرقد ونخل وقبور للمشركين. فأمر رسول اللَّه -ﷺ - بالقبور فنبشت وبالنخيل والشجر فقطع. وصفت في قبلة المسجد. وجعل طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع. وفي الجانبين مثل ذلك أو دونه. وأساسه قريبا من ثلاثة أذرع ثم
[ ١٣٨ ]
بنوه باللبن. وجعل رسول اللَّه -ﷺ - يبني معهم وينقل اللبن والحجارة بنفسه ويقول:
اللَّهم إن العيش عيش الآخرة فاغفر للأنصار والمهاجرة
وكان يقول:
هذا الحمال لا حمال خيبر هذا أبر ربنا وأطهر
وجعلوا يرتجزون ويقول أحدهم في رجزه:
ولئن قعدنا والرسول يعمل لذاك منا العمل المضلل
وجعل قبلته إلى بيت المقدس. وجعل له ثلاثة أبواب باب في مؤخره وباب يقال له باب الرحمة. والباب الذي يدخل منه رسول اللَّه -ﷺ -. وجعل عمده الجذوع. وسقفه الجريد. وقيل له ألا تسقفه؟ قال " عريش كعريش موسى " وبنى بيوت نسائه إلى جانبيه. بيوت الحجر باللبن وسقفها بالجذوع والجريد.
[بناؤه بعائشة]
بناؤه بعائشة فلما فرغ من البناء بنى بعائشة في البيت الذي بناه لها شرقي المسجد. وكان بناؤه بها في شوال من السنة الأولى، وكان بعض الناس. يكره البناء في شوال. قيل إن أصله أن طاعونا وقع في الجاهلية وكانت عائشة تتحرى أن تدخل نساءها في شوال وتخالفهم. وجعل لسودة بيتا آخر.
[المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين]
المؤاخاة بين الأنصار والمهاجرين ثم آخى بين المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا. نصفهم من
[ ١٣٩ ]
المهاجرين، ونصفهم من الأنصار، آخى بينهم على المواساة وعلى أن يتوارثوا بعد الموت دون ذوي الأرحام. إلى وقعة بدر. فلما أنزل اللَّه ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] (١) رد التوارث إلى الأرحام.
وقيل إنه آخى بين المهاجرين بعضهم مع بعض مؤاخاة ثانية. «واتخذ عليا أخا لنفسه» . والأثبت الأول.
وفي الصحيح عن عائشة قالت " قدم رسول اللَّه -ﷺ - المدينة وهي وبيئة. فمرض أبو بكر. وكان يقول إذا أخذته الحمى:
كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله
وكان بلال إذا أقلعت عنه الحمى يرفع عقيرته ويقول:
ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل؟
وهل أردن يوما مياه مجنة؟ وهل يبدون لي شامة وطفيل؟
اللَّهم العن عتبة بن ربيعة وأمية بن خلف، وشيبة بن ربيعة كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء.
فأخبرت رسول اللَّه -ﷺ - فقال «اللَّهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد. اللَّهم صححها. وبارك لنا في صاعها ومدها وانقل حماها إلى الجحفة» . قالت فكان المولود يولد في الجحفة فلا يبلغ الحلم حتى تصرعه الحمى.