قصة كعب بن زهير قال ابن إسحاق: لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف كتب بجير بن زهير إلى أخيه كعب: يخبره أن رسول الله ﷺ قد قتل رجالا بمكة ممن كان يهجوه ويؤذيه، وأن من بقي من شعراء قريش - ابن الزبعرى، وهبيرة بن أبي وهب - قد هربوا في كل وجه. فإن كان لك في نفسك حاجة فطر إلى رسول الله ﷺ. فأنه لا يقتل أحدا جاءه تائبا، وإن أنت لم تفعل فانج إلى نجائبك. وكان قد قال: -
ألا بلغا عني بجيرا رسالة فهل لك فيما قلت؛ ويحك هل لكا؟
فبين لنا، إن كنت لست بفاعل على أي شيء غير ذلك دلكا؟
_________________
(١) قال السهيلي: وحديث إسلام عدي بن حاتم صحيح عجيب. أخرجه الترمذي وأخته: اسمها سفانة.
[ ٢٢٢ ]
على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه. ولم تلق عليه أخا لكا
فإن أنت لم تفعل. فلست بآسف ولا قائل، إما عثرت: لعالكا (١)
سقاك بها المأمون كأسا روية وأنهلك المأمون منها وعلكا
فلما أتت بجيرا كره أن يكتمها رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: «سقاك بها المأمون، صدق والله. وأنه لكذوب، أنا المأمون " ولما سمع " على خلق لم تلف أما ولا أبا عليه " قال: " أجل لم يلف عليه أباه ولا أمه» .
ثم قال بجير بن زهير: -
من مبلغ كعبا، فهل لك في التي تلوم عليها باطلا، وهي أحزم؟
إلى الله - لا العزى ولا اللات - وحده فتنجو إذا كان النجاء وتسلم
لدى يوم لا ينجو، وليس بمفلت من الناس إلا طاهر القلب مسلم
فدين زهير - وهو لا شيء - دينه ودين أبي سلمى علي محرم
_________________
(١) كلمة يدعى بها لإقالة العاثر من عثرته.
[ ٢٢٣ ]
فلما بلغ كعبا ضاقت عليه الأرض. وأشفق على نفسه، فلما لم يجد من شيء بدا، قال قصيدته التي مدح فيها رسول الله ﷺ، ثم خرج حتى قدم المدينة. فنزل على رجل كان بينه وبينه معرفة. فغدا به إلى رسول الله ﷺ. فذكر لي أنه قام فجلس إليه - وكان رسول الله ﷺ لا يعرفه - فقال: «يا رسول الله، إن كعب بن زهير قد جاء ليستأمنك تائبا مسلما، فهل أنت قابل منه، إن أنا جئتك به؟ قال: " نعم ": قال: أنا كعب بن زهير.»
فحدثني عاصم بن عمرو: «أنه وثب عليه رجل من الأنصار. فقال: يا رسول الله، دعني وعدو الله أضرب عنقه. فقال: " دعه عنك، فقد جاء تائبا نازعا عما كان عليه» فغضب كعب على هذا الحي من الأنصار، وذلك أنه لم يتكلم فيه رجل من المهاجرين إلا بخير. فقال قصيدته التي أولها: -
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها لم يفد مكبول
ومنها:
أمست سعاد بأرض لا يبلغها إلا العتاق النجيبات المراسيل
إلى أن قال:
تسعى الغواة جنابيها، وقولهمو: إنك يا ابن أبي سلمى لمقتول
وقال
كل صديق كنت آمله لا ألهينك إني عنك مشغول
فقلت: خلوا سبيلي لا أبا لكمو فكل ما قدر الرحمن مفعول
نبئت أن رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
[ ٢٢٤ ]
مهلا، هداك الذي أعطاك نافلة ال قرآن فيها مواعيظ وتفصيل
لا تأخذني بأقوال الوشاة. ولم أذنب، وإن كثرت في الأقاويل
إلى أن قال:
إن الرسول لنور يستضاء به وصارم من سيوف الله مسلول
في فتية من قريش قال قائلهم ببطن مكة - لما أسلموا - زولوا
زالوا. فما زال إنكاس ولا كشف عند اللقاء، ولا ميل معازيل
يمشون مشي الجمال الزهر يعصمهم ضرب إذا عرد السود التنابيل
شم العرانين، أبطال لبوسهمو من نسج داود في الهيجا سرابيل
ليسوا مفاريح إن نالت رماحهمو قوما، وليسوا مجازيعا إذا نيلوا
لا يقع الطعن إلا في نحورهمو وما لهم عن حياض الموت تهليل
قال عاصم بن عمرو: فلما قال: إذا عرد السود التنابيل، وإنما عنانا معشر الأنصار، فقال بعد أن أسلم يمدح الأنصار: -
[ ٢٢٥ ]
من سره كرم الحياة فلا يزل في مقنب من صالح الأنصار
ورثوا المكارم كابرا عن كابر إن الخيار همو بني الأخيار
الذائدين الناس عن أديانهم بالمشرفي وبالقنا الخطار
والبائعين نفوسهم لنبيهم يوم الهياج وفتنة الكفار
والناظرين بأعين محمرة كالجمر غير كليلة الإبصار
والباذلين نفوسهم لنبيهم للموت يوم تعانق وكرار
يتطهرون، يرونه نسكا لهم بدماء من علقوا من الكفار
قوم إذا خوت النجوم فإنهم للطارقين النازلين مقاري
[ ٢٢٦ ]