[وفد بني تميم]
وفود العرب إلى رسول الله ولما فرغ رسول الله ﷺ من تبوك، وأسلمت ثقيف. ضربت إليه أكباد الإبل، تحمل وفود العرب من كل وجه، في سنة تسع. وكانت تسمى: سنة الوفود.
قال ابن إسحاق: وإنما كانت العرب تربص بالإسلام أمر هذا الحي من قريش، وأمر رسول الله ﷺ.
وذلك: أن قريشا كانوا إمام الناس وهداتهم، وأهل البيت والحرم، وصريح ولد إسماعيل ﵇، وقادة العرب لا ينكرون ذلك. وكانت
_________________
(١) الآيتان ١١٧، ١١٨ من سورة التوبة.
[ ٢٣٤ ]
قريش هي التي نصبت لحرب رسول الله ﷺ. فلما افتتحت مكة، ودانت له قريش. عرفت العرب: ألا طاقة لهم بحرب رسول الله ﷺ. ولا عداوته، فدخلوا في دين الله أفواجا. كما قال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ - وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا - فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [النصر: ١ - ٣] (١) .
وفد بني تميم فقدم عليه عطارد بن حاجب التميمي، في أشراف من بني تميم، جاءوا في أسرى بني تميم، الذين أخذتهم سرية عيينة بن حصن الفزاري في المحرم من هذه السنة. وكان عيينة قد أخذ أحد عشر رجلا، وإحدى وعشرين امرأة، وثلاثين صبيا. وساقهم إلى المدينة. فقدم رؤساء بني تميم فيهم. فلما دخلوا المسجد، نادوا رسول الله ﷺ من وراء الحجرات - وهو في بيته - أن اخرج إلينا. فآذى ذلك رسول الله ﷺ. فأنزل الله فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ - وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [الحجرات: ٤ - ٥] (٢) .
فلما خرج إليهم قالوا: جئنا لنفاخرك، فائذن لشاعرنا وخطيبنا. قال: " أذنت لخطيبكم " فقام عطارد. فخطب. فقال رسول الله ﷺ لثابت بن قيس بن شماس: " قم، فأجب الرجل " فقام ثابت فخطب وأجابه. وقام الزبرقان بن بدر فقال:
نحن الكرام، فلا حي يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع
_________________
(١) سورة النصر.
(٢) الآيتان ٤، ٥ من سورة الحجرات.
[ ٢٣٥ ]
وكم قسرنا من الأجياد كلهمو عند النهاب، وفضل العز يتبع
ونحن يطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم يؤنس القزع (١) .
إلى أن قال: -
إنا أبينا، ولا يأبى لنا أحد إنا كذلك عند الفخر نرتفع
في أبيات ذكرها. فقال رسول الله ﷺ لحسان: " قم، فأجب الرجل " فقام، فقال:
إن الذوائب من فهر وإخوتهم قد بينوا سننا للناس تتبع
يرضى بها كل من كانت سريرته تقوى الإله، وكل الخير يصطنع
قوم إذا حاربوا ضروا عدوهمو أو حاولوا النفع في أشياعهم نفعوا
سجية، تلك منهم غير، محدثة إن الخلائق - فاعلم - شرها البدع
إن كان في الناس سباقون بعدهمو فكل سبق لأدنى سبقهم تبع
_________________
(١) القزع جمع قزعة - بالتحريك - قطع السحاب المتفرقة.
[ ٢٣٦ ]
إلى أن قال: -
لا يبخلون على جار بفضلهمو ولا يمسهمو من مطمع طبع
لا يفخرون إذا نالوا عدوهم وإن أصيبوا فلا خور ولا هلع
نسمو إذا الحرب نالتنا مخالبها إذا الزعانف من أظفارها خشعوا
إلى أن قال: -
أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفرقت الأهواء والشيع
أهدى لهم مدحتي قلب، ووازره فيما أحب: لسان حائك صنع
وقال الزبرقان أيضا: -
أتيناك كيما يعلم الناس فضلنا إذا احتفلوا عند احتضار المواسم
فإنا ملوك الناس في كل موطن وأن ليس في أرض الحجاز كدارم (١)
وإنا نذود المعلمين إذا انتخوا ونضرب رأس الأغيد المتفاخم
وأن لنا المرباع (٢) في كل غارة تغير بنجد، أو بأرض الأعاجم
_________________
(١) حي من تميم ينسبون إلى أبيهم دارم بن مالك بن حنظلة.
(٢) المرباع: ربع ما يأخذون من الغنيمة. كان يأخذه السيد والرئيس المطاع، ولو لم يحضر الوقعة.
[ ٢٣٧ ]
فأجابه حسان بن ثابت ﵁: -
هل المجد إلا السؤدد العود والندى وجاه الملوك، واحتمال العظائم؟
نصرنا وآوينا النبي محمدا على أنف راض من معد وراغم
إلى أن قال: -
ونحن ضربنا الناس حتى تتابعوا على دينه بالمرهفات الصوارم
ونحن ولدنا من قريش عظيمها ولدنا نبي الخير من آل هاشم
بني دارم، لا تفخروا. إن فخركم يعود وبالا عند ذكر المكارم
هبلتم، علينا تفخرون؟ وأنتم لنا خول. ما بين ظئر وخادم
فإن كنتمو جئتم لحقن دمائكم وأموالكم: أن تقسموا في المقاسم
فلا تجعلوا لله ندا. وأسلموا ولا تلبسوا زيا كزي الأعاجم
فلما فرغ حسان، قال الأقرع بن حابس: إن هذا الرجل لمؤتى.
[ ٢٣٨ ]
لخطيبه أخطب من خطيبنا، ولشاعره أشعر من شاعرنا، ولأصواتهم أحلى من أصواتنا. فلما فرغ القوم أسلموا، وجوزهم رسول الله ﷺ فأحسن جوائزهم.
[وفد طيئ]
وفد طيئ - وقدم على رسول الله ﷺ وفد طيئ، فيهم زيد الخيل - وهو سيدهم - فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام فأسلموا وحسن إسلامهم.
قال ابن إسحاق: وقال رسول الله ﷺ - كما حدثني من لا أتهم من رجال طيئ - «ما ذكر لي رجل من العرب بفضل، ثم جاءني، إلا رأيته دون ما يقال فيه، إلا زيد الخيل. فأنه لم يبلغ كل ما فيه» .
ثم سماه رسول الله ﷺ " زيد الخير " وأقطعه " فيدا " وأرضين معه، وكتب له بذلك كتابا. فخرج من عنده راجعا إلى قومه، فلما انتهى إلى ماء من مياه نجد - يقال له " فردة " - أصابته الحمى بها فمات. فعمدت امرأته إلى ما كان معه من الكتب التي أقطع له بها رسول الله ﷺ، فحرقتها بالنار.
[وفد عبد القيس]
وفد عبد القيس وقدم على رسول الله ﷺ، الجارود العبدي في وفد عبد القيس، وكان نصرانيا، فقال: يا رسول الله، إني على ديني. وإني تارك ديني لدينك، فتضمن لي بما فيه؟ قال: " نعم. أنا ضامن لذلك، إن الذي أدعوك إليه خير من الذي كنت عليه " فأسلم وأسلم أصحابه. فكان حسن الإسلام صلبا في دينه، حتى هلك، وقد أدرك الردة. وكان في الوفد " الأشج " الذي قال له رسول الله ﷺ: «إن فيك لخصلتين يحبهما الله: الحلم
[ ٢٣٩ ]
والأناة ".» .
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمي - قبل فتح مكة - إلى المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه. ثم هلك بعد رسول الله ﷺ، وفي ردة أهل البحرين. والعلاء عنده أمير الرسول ﷺ على البحرين.
[وفد بني حنيفة فيهم مسيلمة]
وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة وقدم على رسول الله ﷺ وفد بني حنيفة، فيهم مسيلمة الكذاب، فأتوه وخلفوا مسيلمة في رحالهم، فلما أسلموا ذكروا مكانه، فقالوا: يا رسول الله، إنا قد خلفنا صاحبا لنا في رحالنا يحفظها لنا. فأمر له بمثل ما أمر به للقوم، وقال: «أما أنه ليس بشركم مكانا» يعني لحفظه ضيعة أصحابه. ثم انصرفوا فلما انتهوا إلى اليمامة، ارتد عدو الله وتنبأ، وقال: إني أشركت في الأمر معه. وقال للوفد: ألم يقل لكم: " أما أنه ليس بشركم مكانا؟ " ما ذاك إلا لما كان يعلم أني أشركت في الأمر معه. ثم جعل يسجع لهم السجعات، مضاهاة للقرآن، وهو مع ذلك يشهد لرسول الله ﷺ بالنبوة.
وكتب لرسول الله ﷺ: من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، أما بعد. فإني أشركت في الأمر معك. وإن لنا نصف الأرض ولقريش نصفها، ولكن قريشا قوم لا يعدلون.
فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «من محمد رسول الله، إلى مسيلمة الكذاب، السلام على من اتبع الهدى. أما بعد، فإن الأرض لله يورثها من يشاء من عباده، والعاقبة للمتقين ".
[ ٢٤٠ ]
وقال للرجلين اللذين أتيا بكتابه: ما تقولان أنتما؟ فقالا: نقول كما قال. فقال: " أما والله، لولا أن الرسل لا تقتل، لضربت رقابكما» وذلك في آخر سنة عشر.