مقدمة
٢- الافتتاحية
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن سار على نهجه واستن بسنته إلى يوم الدين، وبعد:
فإن في تاريخ كل أمة من الأمم غير الإسلامية قادة وزعماء تدرس حياتهم وسيرهم وتؤلف الكتب في إبراز معطياتهم لتكون نبراسًا للأجيال المتعاقبة بعدهم، فتظل ذكرى أولئك محدودة؛ لأنه لم ينقل منها إلا جانبها المشرق الذي ظهر فيه نبوغهم، وبقيت الجوانب الأخرى في ظلام دامس، إما لأنها لا تستحق أن ترى النور لشذوذها أو انحرافها، فليست مما يشرف، وإما لضحالتها فلا تستحق الذكر١.
لكن الشخصية الوحيدة التي نقلت إلينا سيرتها بكل جزئياتها وأدق تفاصيلها هي شخصية نبينا محمد ﷺ الذي أرسله الله إلى الثقلين جميعًا وختم به الرسالات قال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ ٢، وقال سبحانه: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ
_________________
(١) ١ من معين السيرة، صالح الشامي ص ٥، بتصرف. ٢ الأعراف آية رقم (١٥٨) .
[ ١ / ٨ ]
رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ ١.
ويقول جل شأنه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسلام دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ٢.
من هنا كانت سيرته أعظم سيره يجب الاعتناء بها وحفظها واتخاذها قدوة ونبراسًا نستضيء به في مسيرة الحياة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.
ولقد كانت حياة النبي ﷺ مليئة بالأحداث خاصة في العهد المدني حيث فرض الله عليه الجهاد وغزا وقاتل حتى أتاه اليقين.
ولأهمية تلك الأحداث قام رجال من الصحابة نذروا أنفسهم لخدمة سيرة النبي ﷺ فأولوها عناية خاصة وذلك لما اشتملت علية من مآثر وعظات وعبر، وكان على رأس هؤلاء الصحابي الجليل عبد الله بن عباس ﵄ (ت ٧٨ هـ)، فقد ذكر ابن سعد عنه أنه كان يخصص يومًا يجلس فيه لذكر المغازي٣.
ثم جاء دور كبار التابعين وعلى رأسهم عروة بن الزبير (ت٩٢هـ) وسعيد بن المسيب (ت٩٤هـ)، وأبان بن عثمان بن عفان (ت١٠٥هـ)
_________________
(١) ١ الأحزاب آية رقم (٤٠) . ٢ آل عمران آية رقم (٨٥) . ٣ الطبقات الكبرى (٢/٦٨) .
[ ١ / ٩ ]
وغيرهم ممن اهتم بالسير والمغازي، يدل على ذلك تلك الروايات التي دونها كبار المحدثين عن هؤلاء. ولم ينقطع اهتمام المسلمين بدراسة السيرة والمغازي فقد جاء دور صغار التابعين وعلى رأسهم محمد بن مسلم بن شهاب الزهري الذي فاق أقرانه فاهتم بعلم السير والمغازي اهتمامًا بالغًا، فقد روى الخطيب البغدادي عن محمد بن عبد الله بن مسلم الزهري قال: سمعت عمي الزهري يقول: "في علم المغازي علم الآخرة والدنيا"١.
ومما يدل على اعتناء السلف بالمغازي ما ذكره الخطيب﵀ - عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: "كان أبي يعلمنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا وسراياه، ويقول: يا بني هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوا ذكرها".
وروي أيضًا عن علي بن الحسين أنه كان يقول: "كنا نُعَلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نُعَلَّم السورة من القرآن"٢.
وقال ابن كثير وهذا الفن مما ينبغي الاعتناء به والاعتبار بأمره والتهيؤ له"٣، وكلامهم هذا يدل على أهمية هذا الفن العظيم.
_________________
(١) وقد أفرد لها العلماء قديمًا وحديثًا كتبًا خاصةً واعتنوا بها عناية فائقة، ١ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/١٩٥، والبداية والنهاية ٣/٢٤٢. ٢ الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع ٢/١٩٥، والبداية والنهاية ٣/٢٤٢. ٣ البداية والنهاية ٣/٢٤٢.
[ ١ / ١٠ ]
تأليف: د. محمد بن محمد العواجي
المقدمة
١- شكر وتقدير
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله
وبعد:
فإن نعم الله علينا كثيرة تنزى، وإن من أجل تلك النعم وأعظمها؛ نعمة الهداية إلى الإسلام فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله. ثم إنه من باب الاعتراف بالحق لأهله لقوله ﵊: "لا يشكر الله من لا يشكر الناس"١ ولقوله ﷺ: " ومن صنع إليكم معروفًا فكافئوه فإن لم تجدوا ما تكافئوه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه"٢.
فإني أتقدم بالشكر الجزيل والعرفان الجميل للقائمين على هذا الصرح الشامخ الجامعة الإسلامية المحروسة إن شاء الله؛ الذين لا يألون جهدًا في تذليل كل الصعوبات التي تقف حائلًا في وجه طلاب العلم، فجزاهم الله عني خيرًا وأجزل لهم المثوبة في الدارين.
كما أشكر القائمين على قسم التاريخ الإسلامي بكلية الدعوة
_________________
(١) ١ سنن أبي داود رقم (٤٨١١) وقد صححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (٤٠٢٦) . ٢ سنن أبي داود رقم (١٦٧٢) وقد صححه الألباني، انظر: صحيح سنن أبي داود رقم (١٤٦٨) .
[ ١ / ١٢ ]
وأصول الدين ممثلًا في رئيسه، الذين تفضلوا مشكورين بقبول هذا الموضوع ابتداءً فجزاهم الله عني خيرًا، كما أشكر كل من أسدى إلي معروفًا في سبيل إبراز هذا البحث على الوجه المرضي وأخص بالذكر فضيلة عميد كلية الدعوة وأصول الدين فجزى الله الجميع خيرًا.
ولا يفوتني هنا أن أنوه بجهد المشرف السابق فضيلة الأستاذ الدكتور أكرم ضياء العمري عمر الله قلبه بالإيمان فقد تفضل مشكورًا بالإشراف على هذه الرسالة لمدة تقارب سنتين إلا أن رحيله إلى خارج المملكة قد حال بينه وبين إتمام الإشراف على هذه الرسالة، فقد كان لتوجيهاته القيمة أكبر الأثر في نفسي، أسأل الله أن يمد له في عمره ويجزيه عنا خيرًا.
ثم أتقدم بالشكر والامتنان لفضيلة الدكتور عبد الصمد بن بكر عابد الذي تفضل مشكورًا بالإشراف على هذه الرسالة بعد رحيل المشرف السابق، فكان خير خلف لخير سلف، حباني - حفظه الله - بتوجيهات قيمة وآراء سديدة كل ذلك من أجل الوصول بهذه الرسالة إلى مستوى يقرب من الكمال، والحق أن تلك التوجيهات وتلك الآراء كان كثير منها غائبًا عن ذهني مما جعلني اعتز بها كثيرًا لما لمسته فيها من لهجة صادقة، وقد صاحب ذلك حسن خلق وكرم وسعة صدر، قل أن تجتمع هذه الأوصاف في علماء هذا الزمن، فجزاه الله عني خيرًا الجزاء وأطال في عمره ومتعه بالصحة والعافية، كما أسأله جل وعلا أن يختم لنا وله بالحسنى.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
[ ١ / ١٣ ]
فرأيت خدمة لهذا الدين الحنيف جمع روايات الإمام الزهري في المغازي المتناثرة في بطون الكتب علَّ الله ينفع بها المسلمين، ولتكون حجة لي يوم القيامة إن شاء الله، يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.
[ ١ / ١٤ ]
٣- سبب اختيار الموضوع
يلحظ المطالع لمؤلفات العلماء المسلمين في القرون الأولى في السير والمغازي سواء في كتب المحدثين الذين أدخلوها ضمن مؤلفاتهم الحديثة كأصحاب الكتب الستة وغيرهم، أم المؤرخين الذين أفردوها بمؤلفات خاصة كابن إسحاق وغيره، يلحظ تكرار وتردد اسم علم من أعلام المسلمين هو ابن شهاب الزهري في جل تلك الروايات التي تتحدث عن المغازي النبوية، ولما لهذا العالم من مكانة مرموقة بين المسلمين على مر العصور، لما يتمتع به من صدق في الحديث وقوة في الذاكرة وغزارة في العلم، ولكونه كما قال الطبري: مقدمًا في العلم بمغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
يضاف إلى ذلك عدم وقوفي على كتابٍ مؤلف يجمع مروياته في المغازي، كل ذلك كان دافعًا قويًا لي للكتابة عن مغازي هذا العالم الجليل.
_________________
(١) ١ المنتخب من ذيل المذيل للطبري المطبوع مع تاريخ الطبري ١١/٦٤٥.
[ ١ / ١٥ ]
٤- أهمية الموضوع
تكمن أهمية موضوع مغازي الزهري في نقاط أهمها:
١- يعتبر ابن شهاب من صغار التابعين الذين رووا أخبار المغازي عن كبار التابعين من علماء المدينة، لأنهم أعلم الناس بمغازي رسول الله ﷺ.
٢- أن الزهري﵀ - قد حمل معظم أخبار المغازي عن أربعة من بحور العلم: سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وأبي سلمة بن عبد الرحمن، وهؤلاء من كبار التابعين الذين بدورهم تلقوا أخبار المغازي عن صحابة رسول الله ﷺ بالإضافة إلى إدراكه لبعض الصحابة وأخذ بعض الروايات عنهم كأنس بن مالك ﵁ وبهذا يكون سنده عاليًا جدًا مما يزيد رواياته قوة.
٣- أن الزهري أسند القسم الأكبر من رواياته، والسبب في ذلك أن المغازي والسيرة كانتا في الأصل جزءًا من الحديث، وكان رواتها الأولون من المحدثين، فسلك الزهري نفسه هذا المسلك واستعمل الإسناد في أكثر رواياته، ولا غرابة في ذلك فالزهري نفسه يعتبر من كبار المحدثين بالإضافة إلى اهتمامه البالغ بالإسناد في الحديث.
[ ١ / ١٦ ]
٥- منهجي في البحث
١- جمعت الروايات المتعلقة بالغزوات والسرايا من طريق الإمام الزهري فقط، دون ذكر الأحداث الأخرى، كالوفود ووفاة النبي ﷺ.
٢- حاولت عند جمع تلك الروايات من بطون الكتب الاستيعاب قدر الإمكان.
٣- جعلت لكل رواية رقمًا خاصًا بها.
٤- رتبت المادة حسب التسلسل الزمني.
٥- ترجمت لرجال السند في كل رواية، إلا إذا كانت الرواية في الصحيحين أو في أحدهما.
٦-اعتمدت تقريب ابن حجر في الحكم على أحوال رجال السند، أما إذا كان الرواة من غير رجال التقريب فإني استعين بكتب الرجال الأخرى.
٧- أذكر حكم العلماء على كل رواية من حيث الصحة والضعف، فإذا لم أجد كلامًا للعلماء في ذلك أحاول الحكم عليها مطبقا في ذلك ما أعرفه من قواعد المحدثين.
٨- عند تخريجي للرواية أذكر المصادر مرتبة حسب الأقدمية قدر المستطاع.
٩- إذا كانت الرواية طويلة أذكر الإحالة في أولها، وان كانت قصيرة أذكرها في آخرها.
[ ١ / ١٧ ]
١٠- قارنت روايات الزهري مع غيرها من غير طريقه، وعند تعارضها أقدم الأقوى منها سواء كانت من طريق الزهري أَم من غيره.
١١- لم أسق المرويات بأسلوبي وتعبيري، بل نقلتها كما رويت حفاظًا على لفظ الرواية.
١٢- شرحت الغريب وعرفت بالأماكن والبلدان في الحاشية.
١٣- اعتمدت على كتاب الإصابة لابن حجر في تراجم الصحابة غالبًا.
١٤- اعتمدت على كتاب النهاية لابن الأثير في شرح الغريب غالبًا.
١٥- اعتمدت على الكتب الحديثة في التعريف بالأماكن الجغرافية غالبًا.
١٦- يلحظ أنني أسوق الإسناد من أوله إلى آخره مع تراجم موجزة لرجال الإسناد والحكم عليهم على طريقة المحدثين لروايات قد تكون الفائدة العلمية من هذه الروايات ليست كبيرة بحكم أنها ليست لها علاقة بالأحكام التشريعية والعقائد وبالتالي يتساهل في مثل هذه الروايات لكنه منهج اتبعته لنفسي.
[ ١ / ١٨ ]
٦- خطة البحث
بعد جمع المادة العلمية لهذا البحث جعلته في مقدمة وتمهيد وثلاثة أبواب وخاتمه ثم ثبت المصادر فالفهارس العامة.
تضمنت المقدمة ما يلي:
١- شكر وتقدير.
٢- افتتاحية البحث.
٣- سبب اختيار الموضوع.
٤- أهميته.
٥- منهج البحث.
٦- الخطة.
وكان التمهيد في مقدمات عامة بين يدي البحث وفيه فصلان:
الفصل الأول: في فضل الجهاد ومدلول كلمتي "السير والمغازي عند المؤرخين".
الفصل الثاني: في الدراسات السابقة، ونبذة عن موارد الرسالة.
الباب الأول: في "ترجمة الإمام الزهري وفيه فصلان:
الفصل الأول: في حياة الزهري ومنزلته العلمية، وفيه ثمانية مباحث.
الفصل الثاني: في أثره في المغازي، وفيه ثلاثة مباحث.
الباب الثاني: في سرايا النبي ﷺ وغزواته (من أول سرية إلى نهاية
[ ١ / ١٩ ]
أحداث بني قريظة) وفيه ستة فصول:
الفصل الأول: في الأحداث التي سبقت غزوة بدر الكبرى وفيه مبحثان.
الفصل الثاني: في غزوة بدر الكبرى، والأحداث التي أعقبتها وفيه واحد وعشرون مبحثًا.
الفصل الثالث: غزوة أحد والأحداث التي أعقبتها وفيه ثلاثة عشر مبحثًا.
الفصل الرابع: في الأحداث التي وقعت بعد غزوة أحد حتى بداية غزوة بني المصطلق وفيه ثمانية مباحث.
الفصل الخامس: في غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة "المريسيع". وفيه ثمانية مباحث.
الفصل السادس: في غزوة الخندق والأحداث التي أعقبتها وفيه عشرة مباحث.
وقد جعلت أحداث غزوة بني قريظة نهاية الباب الأول، لقول النبي ﷺ: " الآن نغزوهم".
الباب الثالث: من غزوة الحديبية إلى نهاية غزوة تبوك والأحداث التي أعقبتها، وفيه خمسة فصول:
الفصل الأول: في غزوة الحديبية والسرايا التي أعقبتها وفيه ثمانية مباحث.
[ ١ / ٢٠ ]
الفصل الثاني: في غزوة خيبر والسرايا التي أعقبتها، وفيه تسعة عشر مبحثًا.
الفصل الثالث: في غزوة فتح مكة والسرايا التي أعقبتها، وفيه تسعة مباحث.
الفصل الرابع: في غزوة حنين وحصار الطائف، وفيه عشرة مباحث.
الفصل الخامس: في غزوة تبوك والسرايا التي أعقبتها، وفيه ستة مباحث.
الخاتمة: وفيها أهم النتائج التي توصلت إليها.
ثبت المصادر والمراجع.
الفهارس العامة:
فهرس الآيات القرآنية.
فهرس الأحاديث النبوية.
فهرس الأعلام المترجم لهم.
فهرس الأماكن والبلدان.
فهرس الأمم والقبائل.
فهرس الأشعار.
فهرس الموضوعات.
[ ١ / ٢١ ]
التمهيد: في مقدمات عامة بين يدي البحث
وفيه فصلان:
الفصل الأول: في فضل الجهاد ومدلول كلمتي السير والمغازي.
الفصل الثاني: في الدراسات السابقة ونبذة عن موارد الرسالة.
الفصل الأول: فضل الجهاد ومدلول كلمتي السير والمغازي.
وفيه أربعة مباحث:
المبحث الأول: في الإذن بالجهاد.
لما استقر الرسول ﷺ بالمدينة، وأيده الله بنصره، بعباده المؤمنين الأنصار، وألف بين قلوبهم بعد العداوة والإحن التي كانت، فمنعته أنصار الله وكتيبة الإسلام من الأسود والأحمر، وبذلوا نفوسهم دونه وقدموا محبته على محبة الآباء والأبناء والأزواج، وكان أولى بهم من أنفسهم، رمتهم العرب واليهود عن قوس واحدة وشمروا لهم عن ساق العداوة والمحاربة، وصاحوا بهم من كل جانب، والله سبحانه يأمرهم بالصبر والعفو والصفح حتى قويت الشوكة واشتد الجناح، فأذن الله لهم حينئذٍ في القتال، ولم يفرضه عليهم١، فقال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِير﴾ ٢، وقد رجح ابن القيم أن الآية نزلت بالمدينة بأدلة ذكرها في الزاد. وهذه الآية أول آية نزلت في القتال٣، وتعتبر هذه المرحلة هي الأولى في تشريع الجهاد.
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن القيم ٣/٦٩-٧٠. ٢ سورة الحج آية (٣٩) . ٣ قال ذلك ابن عباس ﵁، انظر: سنن النسائي ٦/٢، وقال الزهري: أول آية نزلت في القتال كما أخبرني مسروق عن عائشة: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا﴾ أخرجه النسائي وإسناده صحيح كما قال ابن حجر في الفتح ٧/٢٨٠.
[ ١ / ٢٧ ]
ثم فرض عليهم القتال بعد ذلك لمن قاتلهم دون من لم يقاتلهم١ فقال: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا﴾ ٢، وهذه تعتبر المرحلة الثانية.
ثم فرض عليهم قتال المشركين كافة٣، قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كلُّه لِلَّهِ﴾ ٤، وقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُون﴾ ٥، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ ٦، وهذه الآية تشير إلى أنه لا بد من جهاد الكفار أينما كانوا حتى ينتشر الإسلام
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن القيم ٣/٧١. ٢ البقرة آية (١٩٠) . ٣ زاد المعاد ٣/٧١. ٤ الأنفال آية (٣٩) ٥ البقرة آية (٢١٦) ٦ سورة التوبة آية رقم (٢٩) .
[ ١ / ٢٨ ]
في الأرض دون أي عقبات تقف في وجهه، ويزيد ذلك وضوحًا قوله ﷺ: "أُمرت أن أُقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله"١.
وحقها هو اعتناق الإسلام والمحافظة على عقيدته وشرائعه الكلية والجزئية وكان أول ما شرع الجهاد بعد هجرة النبي إلى المدينة.. اتفاقًا٢.
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري في صحيحه رقم (١٣٩٩) و(١٤٠٠) باب وجوب الزكاة، ومسلم رقم (٢٠) في الإيمان باب: الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، وأحمد في المسند ١/٢٢٨-٢٢٩، رقم (٦٧)، أرناؤوط. وأبو داود رقم (١٥٥٦)، والترمذي رقم (٢٦١٠)، والنسائي في الزكاة ٥/١٤ باب مانع الزكاة. ٢ ابن حجر، الفتح ٦/٣٧.
[ ١ / ٢٩ ]
المبحث الثاني: فضل الجهاد وما أعده الله للمجاهدين
وردت آيات كثيرة وأحاديث نبوية شريفة تبين منزلة المجاهد في سبيل الله عند ربه سبحانه وما أعد له من النعيم المقيم؛ من ذلك قوله جل شأنه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ١، وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٢، وقوله ﷿: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ﴾ ٣، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ والإنجيل وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ٤.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية رقم (٧٤) . ٢ سورة البقرة آية (٢١٨) . ٣ سورة البقرة أية (١٥٤) . ٤ سورة التوبة آية (١١١) .
[ ١ / ٣١ ]
وأخرج البخاري ﵀ من حديث عبد الله بن مسعود ﵁: "سألت رسول الله ﷺ قلت: يا رسول الله أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على ميقاتها. قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين. قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، فسكت رسول الله ﷺ ولو استزدته لزادني"١.
وأخرج من حديث أبى سعيد الخدري ﵁ قال: "قيل يا رسول الله أي الناس أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ: "مؤمن يجاهد في سبيل الله بنفسه وماله، قالوا: ثم من؟ قال: مؤمن في شعب من الشعاب يتقي الله ويدع الناس من شره"٢.
وأخرج من حديث أنس رضي الله عنة عن النبي ﷺ قال: "لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها"٣.
وأخرج من حديث أبى هريرة ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "والذي نفسي بيده لولا أن رجالا من المؤمنين لا تطيب أنفسهم أن يتخلفوا عني ولا أجد ما أحملهم عليه، ما تخلفت عن سرية تغدو في سبيل الله، والذي نفسي بيده لوددت أنى أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أقتل"٤.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري رقم (٢٧٨٢) باب فضل الجهاد والسير. ٢ صحيح البخاري رقم (٢٧٨٦)، ومسلم برقم (١٨٨٨) . ٣ صحيح البخاري رقم (٢٧٩٤)، ومسلم رقم (١٨٨٠) . ٤ صحيح البخاري رقم ٢٧٩٧)، ومسلم نحوه رقم (١٨٧٦) .
[ ١ / ٣٢ ]
وأخرج من حديث أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "والذي نفسي بيده لا يُكْلَمُ أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة اللون لون الدم والريح ريح المسك"١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري رقم (٢٨٠٣)، ومسلم برقم (١٨٧٦) .
[ ١ / ٣٣ ]
المبحث الثالث: مدلول كلمتي (السير والمغازي)
من خلال مطالعة القارئ للنصوص القديمة يلحظ أن العلماء كانوا يعبرون بكلمة السيرة ويقصدون بها كل ما يتصل بحياة النبي ﷺ منذ ولادته حتى وفاته، يظهر من خلال النص الذي ذكره أبو الفرج الأصفهاني عن المدائني قال وأخبرني ابن شهاب قال: قال لي خالد بن عبد الله القسري: "أكتب لي النسب فبدأت بنسب مضر وما أتممته، فقال: اقطعه قطعه الله مع أصولهم، واكتب لي السيرة"١.
فيفهم من النص السابق أن المراد بـ (السيرة) سيرة النبي ﷺ كاملة بما فيها العهد المكي، والناظر للكتب التي ألفت في السيرة، واتخذت من هذا الاسم عنوانًا لها أنها تتحدث جميعها عن حياة النبي ﷺ كلها، ومن تلك المؤلفات (سيرة ابن إسحاق.
أما كلمة (المغازي) فإذا أطلقت فلا يراد بها - في الغالب - إلا غزوات الرسول ﷺ وسراياه، يعرف ذلك من خلال مطالعة النصوص التي تتحدث عن ذلك، فقد روي عن إسماعيل بن محمد بن سعد بن أبي وقاص قال: كان أبي يعملنا مغازي رسول الله ﷺ ويعدها علينا وسراياه، ويقول: "هذه مآثر آبائكم فلا تضيعوها"٢.
_________________
(١) ١ الأغاني (١٩/٥٩) . ٢ تقدم تخريجه ص ٧.
[ ١ / ٣٥ ]
وروي عن علي بن الحسين أنه كان يقول: "كنا نُعَلَّم مغازي رسول الله ﷺ كما نُعَلَّم السورة من القرآن"١.
فهذه النصوص تدل بوضوح على أن المقصود بكلمة (المغازي) غزوات الرسول ﷺ وسراياه.
فإذا أطلق اسم السيرة النبوية انصرف الذهن إلى أن هذه الكلمة تعني حياة النبي ﷺ في العهد المكي والمدني.
ولا يعني هذا أن الكتب التي حملت عنوان (المغازي) لا تتحدث عن الفترة المكية، لكن الغالب أنها لا تذكر إلا حياة الرسول ﷺ في الفترة المدنية.
فإذا أطلق لفظ (السيرة) وحده شمل حياة النبي ﷺ في المرحلة المكية والمدنية، وإذا أطلق لفظ (المغازي) وحده شمل الفترة المدنية في الغالب، أما إذا قيل (السير والمغازي) فالمراد سيرة النبي ﷺ كلها في مكة والمدينة والغزوات والسرايا والبعوث، والله أعلم.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه ص ١٣.
[ ١ / ٣٦ ]
المبحث الرابع: تعريف الغزوة، والسرية، والبعث، ومدلولها
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: تعريفها لغة واصطلاحًا.
أولًا: تعريفها لغة:
أ - الغَزْوَةُ: المرّةُ من الغزوِ والاسم: الغَزَاة، وجمع الغازي: غُزاة وغُزَّى وغِزِيٌ وغُزَّاء.
والمغزاة: موضع الغزو١.
وقال صاحب اللسان: "غزاه غزوًا، أراده وطلبه وقصده"٢.
وقال صاحب القاموس: "الغزوة ما غزي وطلب"٣.
وقال الحافظ ابن حجر: "المغازي جمع مغزى، يقال غزا يغزو غزوًا وأصل الغزو القصد"٤.
ب – السرية في اللغة: بفتح المهملة وكسر الراء وتشديد التحتية هي التي تخرج بالليل٥، وهي فعيلة بمعنى فاعلة، سميت سرية لأنها تسري
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ٣/٣٦٦. ٢ لسان العرب: غزا. ٣ القاموس المحيط: غزا. ٤ فتح الباري ٦/٢٧٩. ٥ الفتح ٨/٥٦.
[ ١ / ٣٧ ]
ليلًا في خفية لئلا ينذر بهم العدو فيحذروا ويمتنعوا١.
جـ - البعث في اللغة: يقال بَعَثَه يَبْعَثة بَعْثًا: أرسله وحده، وبعث به أرسله مع غيره، والبعث: الرسول، والجمع: بُعثان، والبعث: بَعْثُ الجند إلى الغزو، وقولهم: كنت في بعث فلان أي في جيشه الذي بعث معه، والبعوث الجيوش٢.
ثانيًا – تعريف هذه الألفاظ اصطلاحًا:
جمع الزرقاني تلك الألفاظ في تعريف واحد فقال: "كل عسكر حضره النبي ﷺ بنفسه يسمى غزوة، وما لم يحضره بل أرسل بعضاَ من أصحابه إلى العدو يسمى سرية أو بعثًا"٣.
فالزرقاني هنا لم يفرق بين السرية والبعث، بينما الحافظ ابن حجر ذكر تعريفًا محددًا بالنسبة للبعث فقال: "ما افترق من السرية يسمى بعثًا"٤.
ولكن يبدو أن تعريف الزرقاني أدقُّ؛ لأن الأوائل لم يفرقوا بين
_________________
(١) ١ اللسان مادة (سرا) . ٢ اللسان (بعث) . ٣ شرح المواهب اللدنية للزرقاني ١/٣٨٧. ٤ فتح الباري ٨/٥٨. ولكن تعريف الحافظ هذا فيه نظر، لان معنى البعث الإرسال، والنبي ﷺ كان يبعث البعوث من المدينة. فالبعث كلمة عامة تطلق على السرية التي خرجت من المدينة وعلى التي افترقت منها.
[ ١ / ٣٨ ]
السرية والبعث كما سيأتي في المطلب الثاني.
ويدل على ذلك تعريف ابن الجوزي للسرية حيث يقول: "كان رسول الله ﷺ إذا لم يخرج بعث السرايا"١.
وقال ابن الأثير: "السرية الطائفة من الجيش يبلغ أقصاها أربعمائة تبعث إلى العدو، وجمعها السرايا، سموا بذلك لأنهم يكونون خلاصة العسكر وخيارهم من الشيء السري النفيس"٢.
وكلام ابن الأثير في سبب تسمية السرية نفيس أيضاَ لا كما ذكر الحافظ ابن حجر، وصاحب اللسان، لأن السرية قد تخرج ليلًا وقد تخرج نهارًا. والله أعلم.
وقد تباينت أقوال العلماء في العدد الذي يمكن إطلاق مسمى السرية عليه، فذكر ابن الأثير– كما تقدم٣ – أن السرية يبلغ أقصاها أربعمائة، وذكر ابن منظور٤ والفيروز آبادي٥ أن السرية مابين خمس أنفس إلى مائة، وذكر الحافظ ابن حجر٦ أنها من مائة إلى خمسمائة.
وقد بحثت في كثير من المصادر فما وجدت سرية أكثر مما ذكره
_________________
(١) ١ الوفاء بأحوال المصطفى ص ٧١١. ٢ النهاية ٢/٣٦٣، وجامع الأصول ٩/٤٧٨. ٣ المصدر السابق. ٤ اللسان مادة (سرا) . ٥ القاموس مادة (سرا) . ٦ الفتح (٨/٥٦) .
[ ١ / ٣٩ ]
العلماء إلا سرية مؤتة؛ فإن عدد أفرادها كان ثلاثة آلاف رجل١، وأما ما ذكره بعضهم من تحديد السرية وأنها مابين خمسة إلى مائة أو من مائة إلى ثلاثمائة فربما كان قصدهم الغالب، وإلا فقد أرسل الرسول ﷺ عبد الله بن أنيس سرية وحده إلى نبيح الهذلي بِعُرَنَة.٢ وبعث رسول الله ﷺ عمرو بن أميه الضمري وسلمة بن أسلم ابن حريس سرية وحدهما إلى أبي سفيان بن حرب بمكه٣.
وأخرج البيهقي عن مجاهد قال: قد بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن مسعود وخبابًا سرية، وبعث دحية سرية وحده٤.
وعلى هذا يمكن القول: أن السرية لا يتجاوز عددها أكثر من ثلاثة آلاف رجل، كما في سرية مؤتة، وليس في سيرة النبي ﷺ سرية بلغ عددها أكثر من ذلك، كما أنه ليس في سيرة النبي ﷺ حد أدنى للسرية، فقد تتكون السرية من رجل واحد فقط كما مر.
_________________
(١) ١ انظر: سرية مبحث مؤتة في هذه الرسالة. ٢ انظر الطبقات الكبرى (٢/٥٠) . ٣ الطبقات الكبرى (٢/٩٣) . ٤ السنن الكبرى (٩/١٠٠) .
[ ١ / ٤٠ ]
والطلب، أي قصد العدو وطلبه، يدل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم من حديث بريدة ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أمَّر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصيته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا ثم قال: اغزوا بسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا، ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا وليدًا " الحديث١.
وما أخرجه البخاري من حديث يزيد بن أبي عبيد قال: سمعت سلمة ابن الأكوع يقول: "غزوت مع النبي ﷺ سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات، مرة علينا أبو بكر، ومرة علينا أسامة"٢.
وقال ابن إسحاق وكان جميع ما غزا رسول الله ﷺ بنفسه سبعًا وعشرين غزوة، منها غزوة ودّان.."٣. ثم قال: "وكانت بعوثه ﷺ وسراياه ثمانيًا وثلاثين من بين بعث وسريّة: غزوة عبيدة بن الحارث أسفل من ثنية المَرْوَة، ثم غزوة حمزة بن عبد المطلب إلى ساحل البحر، من ناحية العيص، وغزوة سعد ابن أبي وقاص إلى الخَرار، وغزوة عبد الله بن جحش إلى نخلة، وغزوة زيد بن حارثة إلى القَرَدَة.."٤.
_________________
(١) ١ صحيح مسلم رقم (١٧٣١) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٥١٧ رقم (٤٢٧٠) ورقم (٤٢٧١) . ٣ ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٦٠٨) . ٤ المصدر السابق ٢/٦٠٩.
[ ١ / ٤١ ]
ويلحظ هنا أنه ذكر الغزوة والبعث والسرية؛ وعبّر عنها جميعًا بالغزوة، مما يدل على أنهم كانوا يقصدون بذلك المعنى اللغوي للغزو، وهو: القصد والطلب، وقد استمر حتى عصر الطبري، فقد أطلق الواقدي في مغازيه على كثير من السرايا اسم الغزوة، فأطلق على سرية الرجيع غزوة١، وعلى سرية علي بن أبي طالب إلى فدك غزوة٢، وعلى سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفة غزوة٣، وعلى سرية عبد الله بن رواحه إلى أسير بن رازم غزوة٤، وغيرها كثير كما أطلق على البعض الآخر من السرايا سرية مثل: سرية محمد بن مسلمة إلى القرطاء٥، وسرية عكاشة بن محصن إلى الغِمْر٦، وسرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم٧.
وكذلك فعل البخاري في صحيحه حيث أطلق على سرية الرجيع بأنها غزوة٨، وكذلك أطلق لفظ الغزوة على سرية زيد بن حارثة إلى
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي١ / ٤. ٢ مغازي الواقدي١ / ٥. ٣ مغازي الواقدي١ / ٥. ٤ مغازي الواقدي١ / ٥. ٥ مغازي الواقدي١ / ٤. ٦ مغازي الواقدي١ / ٤. ٧ مغازي الواقدي١ / ٥. ٨ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٧٨.
[ ١ / ٤٢ ]
الشام١، وعلى سرية مؤتة٢.
ونقل الطبري عن الواقدي قوله: "وفي جمادى الآخرة من هذه السنة كانت غزوة القَرَدَة، وكان أميرهم – فيما ذكر – زيد بن حارثة، قال: وهي أول سرية خرج فيها زيد بن حارثة أميرًا"٣.
وقد أطلق على كثير من السرايا اسم الغزوة٤.
أما الزهري فقد عبر عن السرايا بقوله: "وبعث" فقد أخرج البيهقي في دلائل النبوة من طريق محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قالوا: - واللفظ متقارب -: هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها: يوم بدر في رمضان وكانت أول غزوة غزاها ﷺ الأبواء، وغزوة العشيرة وغزوة تبوك، وهي آخر غزوة غزاها، وبعث رسول الله ﷺ بعوثًا فكان أول بعثٍ بعثَ رسول الله ﷺ أن بعث عبيدة بن الحارث بن المطلب إلى قريش٥ ثم ذكر جميع سرايا رسول الله ﷺ مستخدمًا صيغة (وبعث) التي هي بمعنى (أرسل) ولا تدل على معنى غير الإرسال.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٩٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٥١٠. ٣ تاريخ الطبري٢/٤٩٢. ٤ مغازي الواقدي٣/٢٣، ٢٦، ٢٧، ٣٢، ٣٣، ٣٥، ٣٦، ٤١، ٦٦، ١٣١. ٥ دلائل النبوة ٥/٤٦٢-٤٦٥.
[ ١ / ٤٣ ]
وعليه فإن المراد بلفظ: الغزوة والسريّة عند المتقدمين من القرون الأولى المعنى اللغوي، وهو: القصد والطلب، ولم يفرقوا بين اللفظتين من حيث اللغة والاصطلاح.
أما المتأخرون فقد ذكروا تعريفًا اصطلاحيًا فقط فرقوا فيه بين الغزوة والسرية فقالوا: إن الغزوة هي التي يحضرها النبي ﷺ والسرية التي لم يحضرها النبي ﷺ، كما سبق.
[ ١ / ٤٤ ]
الفصل الثاني: في الدراسات السابقة ونبذة عن موارد الرسالة
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في الدراسات السابقة
المبحث الثاني: في موارد الرسالة ودراسة تحليلية لأهمها.
المبحث الأول: في الدارسات السابقة
القسم الأول: دراسات تناولت شخصية الزهري كمحدث.
القسم الثاني: دراسات تناولت شخصية الزهري كأحد علماء المغازي.
فأما القسم الأول فقد كُتبت فيه العديد من البحوث من أهمها ثلاثة هي:
الأول: وهي رسالة دكتوراه لسليمان بن حارث الضاري، بعنوان: (الإمام الزهري وأثرة في السنة) نال بها شهادة الدكتوراه عام ١٣٩٨ هـ من كلية أصول الدين بالأزهر.
والرسالة في جملتها تتحدث عن الزهري محدثًا كما هو عنوانها، إلا أنه ذكر تحت عنوان: (الزهري والتاريخ) أن الزهري كان من أجل علماء السيرة، ثم ذكر بعض روايات الزهري في السيرة والمغازي التي تدل على أن الزهري كان عالمًا بالسيرة والمغازي، وهي جيدة في بابها، وموضوعها مغاير لموضوع هذه الرسالة.
الثاني: هي رسالة ماجستير بعنوان: (الإمام الزهري المحدث ﵁)، لعبيد الحازمي وقد نوقشت عام ١٣٩٩هـ في جامعة أم القرى.
لم تتحدث الرسالة عن الزهري مؤرخًا، إنما كان الحديث عن
[ ١ / ٤٧ ]
الزهري محدثًا فقط، لكنه ذكر ترجمة للزهري تحدث فيها عن حياته وطلبه للعلم إلى غير ذلك مما تتطلبه الترجمة.
الثالث: رسالة ماجستير أخرى بعنوان (طبقات الرواة عن الإمام الزهري ممن له رواية في الكتب الستة) . قدمها: فاروق بن يوسف البحريني عام ١٤١١ هـ من كلية الحديث الشريف بالجامعة الإسلامية.
وقد جعل رسالته في بابين: الأول، علم الطبقات والزهري، والثاني: في طبقات الرواة عن الإمام الزهري.
تحدث في الباب الأول تحت الفصل الثاني: عن حياة الزهري فذكر اسمه ونسبة وولادته ووفاته ثم شيوخه وتلاميذه وحفظه الخ.
أما الباب الثاني: فقد جعله في مناهج العلماء في تصنيفهم لطبقات الرواة عن الزهري ولم يتطرق لمغازي الزهري؛ لأن موضوعاتها تختلف عن موضوعات هذه الرسالة.
أما القسم الثاني: من الدراسات التي تناولت شخصية الزهري ورواياته في المغازي فأهمها ما يلي:
أولًا: (المغازي النبوية) تصنيف الإمام محمد بن مسلم بن عبد الله ابن شهاب الزهري، حققه وقدم له د. سهيل زكار.
هذا العنوان أطلقه الدكتور سهيل زكار على تلك الروايات التي استلها من مصنف عبد الرزاق من طريق معمر، والناظر لأول وهلة إلى
[ ١ / ٤٨ ]
هذا العنوان يظن أن هذا الكتاب يجمع بين دفتيه جميع مرويات الإمام الزهري المبثوثة في بطون الكتب المدونة في الحديث والمغازي وغيرها، والحقيقة غير ذلك؛ فالكتاب لا يحتوي إلا على الروايات التي أخرجها عبد الرزاق في مصنفه من طريق معمر فقط، ويمكن تقسيم الروايات في هذا الكتاب إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تناول فيه حياة النبي ﷺ في الفترة المكية وقد أورد في هذه الفترة ثمان روايات منها أربع روايات مرسلة وأربع روايات موصولة وهي:
١- الرواية الأولى: وهي مرسلة عن الزهري ذكرها تحت عنوان: ما جاء في حفر زمزم، ونذر عبد المطلب، ثم وقوع القرعة على ابنه عبد الله، ثم ذكر زواجه من آمنة بنت وهب، وحملها بالنبي ﷺ، ثم وفاة عبد المطلب ثم تحكيم النبي ﷺ في وضع الحجر الأسود، ثم زواجه ﷺ من خديجة١.
٢- الرواية الثانية: وهي موصولة عن عائشةذكر فيها بدء الوحي بالرؤيا الصالحة وإتيانه غار حراء بعد ما حبب إليه الخلاء، ونزول الوحي عليه٢.
_________________
(١) ١ انظر المغازي النبوية، للزهري، ص٣٧ وما بعدها، تحقيق: سهيل زكار. ٢ المصدر السابق ص ٤٣.
[ ١ / ٤٩ ]
٣- الرواية الثالثة وهي مرسلة: ذكر فيها باختصار إسلام زيد بن حارثة وأنه أول من أسلم١.
٤- الرواية الرابعة: ذكر فيها دعوة النبي ﷺ وأنه لم يتبعه غير رجلين من أشراف قومه، أبي بكر وعمر ثم ذكر فيها قصة إسلام عُمر٢.
٥- الرواية الخامسة: قصة الإسراء إلى بيت المقدس، وذكر فيها بعض من ارتد ممن كان قد أسلم، وهي مرسلة٣.
٦- الرواية السادسة: ذكر فيها فرض الصلاة عليه ﷺ ليلة المعراج، وهي موصولة عن أنس٤.
٧- الرواية السابعة: ذكر فيها تكذيب قريش للنبي ﷺ عندما أسري به، وسؤالهم إياه وصف بيت المقدس ورفع الله بيت المقدس للنبي ﷺ، وهي رواية موصولة من حديث جابر٥.
٨- الرواية الثامنة: ذكر فيها رؤية النبي ﷺ لموسى وعيسى وإبراهيم ووصفه لهم ﵈، وهي موصولة عن أبي هريرة٦.
أما القسم الثاني: فقد تناول فيه الفترة المدنية ابتداء من الهجرة،
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٤٦. ٢ المصدر السابق ص ٤٨. ٣ المصدر السابق ص ٤٦. ٤ المصدر السابق ص ٤٨. ٥ المصدر السابق ص ٤٩. ٦ المصدر السابق ص ٤٩.
[ ١ / ٥٠ ]
لكن يهمنا ذكر الروايات التي تناولت غزوات الرسول ﷺ وسراياه والتي بلغت (٣١) إحدى وثلاثين رواية فقط منها ثمان روايات موصولة والباقي إما عن الزهري أو عن عروة أو عن سعيد بن المسيب وهي حسب ترتيبها في الكتاب كما يلي:
١- غزوة الحديبية: ذكر فيها روايتين الأولى عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم، وهي راوية طويلة تحدثت عن غزوة الحديبية كاملة تقريبًا١.
والرواية الثانية عن الزهري مرسلة، ذكر فيها حديث أبي سفيان مع هرقل زمن الهدنة٢.
٢- غزوة بدر: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري مرسلة، ذكر فيها استفتاح أبي جهل٣.
والثانية عن الزهري عن عروة، ذكر فيها أن بدرًا أول مشهد يشهده الرسول ﷺ وذكر رئيس المشركين وتاريخ الوقعة وعدد جيش المسلمين والمشركين، ثم هزيمة المشركين٤.
٣- وقعة بني النضير: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري عن عروة، ذكر فيها تاريخ الغزوة، وحصار النبي ﷺ لهم ونزولهم على
_________________
(١) ١ المصدر السابق انظر ص ٥٠. ٢ المصدر السابق ص ٥٨. ٣ المصدر السابق ص ٦٢. ٤ المصدر السابق ص ٦٢.
[ ١ / ٥١ ]
الجلاء١.
الرواية الثانية: عن الزهري قال: وأخبرني عبد الله بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ وذكر فيها كتابة قريش إلى عبد الله بن أُبي وإلى اليهود يحثونهم على قتال النبي ﷺ وإخراجه من المدينة، وذكر قصة نقضهم للعهد٢.
٤- وقعة أحد: ذكر فيها ثلاث روايات: الأولى مرسلة عن الزهري عن عروة ذكر فيها تاريخ الوقعة٣.
والثانية: كسابقتها عن عروة، ذكر فيها رؤيا النبي ﷺ قبل خروجه إلى أحد٤.
والرواية الثالثة: عن الزهري ذكر فيها خروج النبي ﷺ لطلب الكفار بعد أحد٥.
٥- وقعة الأحزاب وبني قريظه: ذكر فيها رواية واحدة عن الزهري عن ابن المسيب: ذكر فيها دور نعيم بن مسعود المجاشعي وتخذيله الفريقين٦.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٧١. ٢ المصدر السابق ص ٧١-٧٤. ٣ المصدر السابق ص ٧٦. ٤ المصدر السابق ص ٧٦. ٥ المصدر السابق ص ٧٨. ٦ المصدر السابق ص ٨٠.
[ ١ / ٥٢ ]
٦- وقعة خيبر: ذكر فيها روايتين: الأولى عن الزهري مرسلة، ذكر فيها أن غنائم خيبر كانت لأهل الحديبية١.
والثانية: عن الزهري عن ابن المسيب، ذكر فيها دفع النبي ﷺ خيبر لليهود على أن يعملوها ولهم النصف٢.
٧- عمرة القضاء ذكر فيها رواية واحدة مختصرة، ذكر فيها تاريخ العمرة ومدة مكثه ﷺ بمكة٣.
٨- فتح مكة: ذكر فيها أربع روايات مختصرة:
الأولى: عن الزهري قال: "أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس ذكر فيها تاريخ خروجه إلى مكة، وعدد جيش المسلمين"٤.
الرواية الثانية: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها تاريخ فتح مكة٥.
الراوية الثالثة: عن الزهري مرسلة: ذكر فيها بعث خالد بن الوليد ليقاتل من يعترضه من أهل مكة٦.
الرواية الرابعة: عبد الرزاق عن مالك عن الزهري ذكر فيها دخول
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٨٤. ٢ المصدر السابق ص ٨٤. ٣ المصدر السابق ص ٨٥. ٤ المصدر السابق ص ٨٦. ٥ المصدر السابق ص ٨٦. ٦ المصدر السابق ص ٩٠.
[ ١ / ٥٣ ]
النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر١.
٩- وقعة حنين: ذكر فيها سبع روايات بعضها مختصرة:
الأولى: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها خروج النبي ﷺ ومعه مسلمة الفتح إلى حنين وذكر رئيس المشركين ونصر الله للمسلمين ونزول الآية ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ ٢.
الثانية: عن الزهري قال: أخبرني كثير بن العباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس، فذكر شهوده حنين وانكشاف الناس عن النبي ﷺ غير العباس وأبي سفيان بن الحارث، واندفاع النبي ﷺ نحو المشركين على بغلته ثم نداء العباس للأنصار ورجوع الناس وانتصارهم٣.
الثالثة: عن الزهري قال: كان عبد الرحمن بن أزهر يحدث أن خالد بن الوليد.. فذكر إصابته بجرح وزيارة النبي ﷺ له والسؤال عنه٤.
الرابعة: قال الزهري: فأخبرني سعيد بن المسيب، وذكر عدد سبي هوازن٥.
الخامسة: قال الزهري: فأخبرني عروة بن الزبير، وذكر مجيء وفد
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٩١. ويلاحظ أن هذه الرواية ليست من طريق معمر ٢ المصدر السابق ص ٩١. ٣ المصدر السابق ص ٩٢-٩٣. ٤ المصدر السابق ص ٩٣. ٥ المصدر السابق ص ٩٣.
[ ١ / ٥٤ ]
هوازن وتخيير الرسول ﷺ لهم برد المال أو السبي، واختيارهم للسبي١.
السادسة: عن الزهري مرسلة ذكر فيها أن امرأة من السبي كانت تحت عبد الرحمن بن عوف وأخرى تحت صفوان بن أمية فاختارت كل واحدة الرجوع إلى أهلها٢.
السابعة: عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب ذكر فيها عمرة النبي ﷺ من الجعرانة٣
١٠- قصة بئر معونة: ذكر فيها روايتين، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، وذكر مجيء ملاعب الأسنة إلى النبي ﷺ بهدية، ورد النبي ﷺ لها لأنها من مشرك، ثم طلبه من النبي ﷺ أن يبعث رجالًا يعلمون أهل نجد الإسلام، ثم ذكر مقتل القراء٤.
الثانية: عن الزهري عن عروة: ذكر فيها التماس المشركين لجسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه٥.
١١- غزوة تبوك: ذكر فيها ثلاث روايات، الأولى: عن الزهري قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وذكر
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ٩٣-٩٤. ٢ المصدر السابق ص ٩٤. ٣ المصدر السابق ص ٩٤. ٤ المصدر السابق ص ٩٤-٩٥. ويلاحظ هنا ذكره لبئر معونة بعد حنين مع أن حقها في السنة الرابعة. ٥ المصدر السابق ص ٩٥.
[ ١ / ٥٥ ]
قصة الثلاثة الذين خُلِّفوا١.
الثانية: عن الزهري مرسلة، ذكر فيها قصة تخلف أبي لبابة وربط نفسه بسارية المسجد حتى يتوب الله عليه٢.
الثالثة: عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب بن مالك، ذكر فيها إشارة أبي لبابة إلى حلقه عندما نزل بنو قريظة على حكم سعد، ويعني بذلك الذبح٣.
١٢- مقتل ابن أبي الحُقَيق، رواية واحدة عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك، ذكر فيها تنافس الأنصار - الأوس والخزرج - على التضحية من أجل الإسلام، وإصابة الأوس كعب بن الأشرف، ثم استئذان الخزرج النبي ﷺ بقتل ابن أبي الحقيق، وذكر قصة قتله٤.
١٣- حديث الإفك رواية واحدة مطولة عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود من حديث عائشة، وذكر قصة الإفك بطولها٥.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص ١٠٦ وما بعدها. ٢ المصدر السابق ص ١١١-١١٢. ٣ المصدر السابق ص١١٢ ٤ المصدر السابق ص١١٣. ٥ المصدر السابق ص١١٦.
[ ١ / ٥٦ ]
١٤- غزوة ذات السلاسل رواية واحدة عن الزهري مرسلة: ذكر فيها أن الرسول ﷺ بعث بعثين بعدما جاء الذين كانوا بأرض الحبشة إلى الشام إلى كلب وبلقين وغسان، وتأمير الرسول ﷺ أبا عبيدة على أحد البعثين وعلى الآخر عمرو بن العاص١.
أما القسم الثالث من الكتاب: فقد ذكر فيه روايات تتعلق بفترة الخلافة الراشدة، وليس لها علاقة بالموضوع وبعد: فهذه هي محتويات كتاب مغازي الزهري المقتبسة من مصنف عبد الرزاق
الفرق بين الدراستين:
١- يُلحظ أنه أورد عن الزهري في المغازي إحدى وثلاثين رواية كلها من طريق معمر عن الزهري إلا رواية واحدة من طريق مالك عن الزهري وليس من طريق معمر، وهي دخول النبي ﷺ مكة وعلى رأسه المغفر٢.
أما دراستي فكانت جمع مرويات الزهري في المغازي من طريق معمر وغيره.
٢- أن تلك الروايات كلها مقتبسة من مصنف عبد الرزاق، أما الروايات التي جمعتها فكانت من المصادر الحديثية المسندة والتاريخية
_________________
(١) ١ المصدر السابق ص١٥٠، ويُلحظ هنا عدم ترتيب الغزوات حسب التسلسل الزمني في مصنف عبد الرزاق. ٢ المصدر السابق ٩١.
[ ١ / ٥٧ ]
وكتب الطبقات والتراجم وغيرها.
٣- أن تلك الروايات كلها مرسلة ماعدا ثماني روايات فقط موصولة، مع عدم ذكر المصادر الأخرى التي وصلت هذه الروايات المرسلة، أما الروايات المرسلة التي جمعتها فقد قمت بذكر من وصلها في المصادر الأخرى إلا إذا لم أجد ذلك البتة.
٤- أنه لم يذكر المصادر الحديثية التي خرجت هذه الروايات، وقد اعتمد اعتمادًا كبيرًا على الواقدي وابن سعد والبلاذري، بالإضافة إلى ذكر البخاري وأحمد أحيانًا بينما دراستي كانت موثقة من الكتب المعتمدة.
٥- أنه لم يتبع التسلسل الزمني للأحداث ولم ينظمها وفق ذلك فنجده يذكر الحديبية ثم غزوة بدر، ثم وقعة الرجيع ثم أحد، وهو وإن كان اتبع منهج مصنف عبد الرزاق لكن كان المفترض أن ينظمها وفق التسلسل الزمني، بينما اتبعت في دراستي المنهج الذي سلكه الأوائل كابن إسحاق والواقدي وابن سعد في التسلسل الزمني للأحداث.
٦- عندما ترجم للزهري في المقدمة لم يذكر الأجزاء وأرقام الصفحات التي استقى منها تلك الترجمة واكتفى بذكر المصادر جملة بينما دراستي كانت موثقة بالجزء والصفحة.
٧- لا يصح إطلاق اسم (مغازي الزهري) على هذا الكتاب دون تقييد لئلا يغتر به، ويظن أنه يحوي جميع مرويات الزهري في المغازي، بينما يمكن إطلاق هذا الاسم على هذه الدراسة.
[ ١ / ٥٨ ]
٨- أنه لا يعني أن الدكتور سهيل زكار لم يقدم شيئًا عن الزهري، بل قد اجتهد في استخراج روايات الزهري، ولكن في نظري لم يوفها حقها، والله أعلم.
ثانيًا: كتاب (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب) تأليف د. عبد العزيز الدوري.
أفرد ترجمةً للزهري من ص ٨٦-١٠٢.
وقد قسم ترجمته إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: تناول فيه حياة الزهري، فذكر ولادته ووفاته، وأبرز شيوخه في المدينة، وقوة حافظته، وطلبه للعلم، وحرصه على ذلك حتى فاق أقرانه.
القسم الثاني: خصصه لمرويات الزهري، وقد قسمها إلى ثلاث مجموعات:
المجموعة الأولى: فترة ما قبل الإسلام من ص ٨٢-٨٥.
المجموعة الثانية: الفترة المكية حتى بعد بيعة العقبة ص ٨٣-٨٥.
المجموعة الثالثة: الفترة المدنية، ابتدأها من الهجرة حتى وفاة النبي ﷺ.
ويهمنا دراسة الروايات التي ذكرها في الفترة المدنية خاصةً ما يتعلق بالغزوات والسرايا، فقد ذكر عشرين عنوانًا بين غزوة وسرية وهي:
_________________
(١) غزوة بدر ص (٨٥) .
(٢) غزوة السَّوِيق ص ٨٦.
[ ١ / ٥٩ ]
٣- مقتل كعب بن الأشرف ص ٨٦.
٤- مقتل ابن أبي الحُقيق ص ٨٦.
٥- غزوة بني قَيْنُقاع ص ٨٦.
٦- غزوة قرقرة الكُدْر ص ٨٧.
٧- سرية ضد بني سليم بِبُحران ص ٨٧.
٨- غزوة أُحد ص ٨٧.
٩- غزوة بني النضير ص ٨٧.
١٠- غزوة الخندق ص ٨٨.
١١- غزوة بني قريظة ص ٨٨.
١٢- سرية ضد بني لِحيان ص ٨٨.
١٣- حديث الإفك ص ٨٨.
١٤- سرية زيد بن حارثة إلى أم قِرْفَة ص ٨٩.
١٥- صلح الحديبية ص ٨٩.
١٦- غزوة خيبر ص ٨٩.
١٧- فتح مكة ص ٩٠.
١٨- غزوة هوازن ص ٩٠-٩١.
١٩- غزوة تبوك ص ٩١.
٢٠- غزوة دومة الجندل ص ٩١.
هذه هي الغزوات والسرايا التي ذكرها الدوري عن الزهري
أما القسم الثالث: فقد تحدث فيه عن منهج الزهري في الكتابة
[ ١ / ٦٠ ]
التاريخية، وعن القيمة العلمية لهذه الروايات.
والفرق بينها وبين هذه الدراسة:
١- أنه ذكر عناوين فقط للغزوات والسرايا دون أن يدخل في تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.
أما هذه الدراسة فقد ذكرت فيها تفاصيل تلك الغزوات والسرايا.
٢- أنه لم يستوعب روايات الزهري للغزوات والسرايا.
بينما هذه الدراسة قد استوعبت على وجه التقريب جميع روايات الزهري.
٣- أنه اعتمد في ذكر هذه المعلومات على سبعة مصادر فقط هي:
ابن إسحاق، الواقدي في المغازي، البلاذري في أنساب الأشراف، والخراج ليحيى بن آدم في رواية واحدة، وصحيح البخاري في روايتين: قصة الإفك، ودخول الرسول ﷺ مكة منتصرًا.
أما دراستي فقد قارنتها بالعديد من المصادر الحديثية والتاريخية وغيرها.
ثالثًا: الكتاب الثالث: رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين للدكتور: حسين عطوان.
خصص الفصل الرابع من كتابه الذي يحتوي على خمسة فصول لدراسة حياة الزهري، وقد استغرقت هذه الدراسة من ص ٧١-١٥٠، شملت التعقبات التي كان يذكرها بعد نهاية كل مبحث.
[ ١ / ٦١ ]
وقد قسم هذه الترجمة إلى ست نقاط هي:
١- تعليمه وثقافته.
٢- مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية.
٣- خصائص رواياته للمغازي والسيرة النبوية.
٤- مصادر رواياته لتاريخ صدر الإسلام، ويقصد فترة الخلافة الراشدة.
٥- تصنيف رواياته لتاريخ صدر الإسلام.
٦- خصائص رواياته لتاريخ صدر الإسلام.
ويهمنا الحديث عن النقطة الثانية وهي (مصادر رواياته للمغازي والسيرة النبوية) هذا المبحث الذي خصصه لذكر روايات الزهري في السيرة النبوية كاملة، أي كل ما يتعلق بحياة النبي ﷺ في الفترة المكية والهجرة والفترة المدنية والوفود، ثم رسله إلى الملوك، ومرضه، فوفاته ﵊.
وذلك من الكتب التالية: كتاب المغازي للواقدي، مصنف عبد الرزاق، ابن هشام، الطبقات الكبرى لابن سعد، أنساب الأشراف للبلاذري، تاريخ الطبري، عيون الأثر لابن سيد الناس، السيرة النبوية لابن كثير، وذلك حسب ترتيبه.
وقد ذكر في هذه الكتب قوائم كبيرة ذكر فيها جميع روايات الزهري بالجزء والصفحة دون سرد للروايات وعمله هذا لا يتم إلا بعد الاستقراء التام للمصادر المذكورة حتى يتم تحديد روايات الزهري فيها،
[ ١ / ٦٢ ]
وهو جهد واضح يشكر عليه.
وتمتاز دراستي عن تلك بما يلي:
١- اعتمد على سبعة مصادر تاريخية ومصدر واحد في الحديث وهو مصنف عبد الرزاق، بينما كان اعتمادي على معظم الكتب الحديثية والتاريخية وغيرها.
٢- أن عمله هذا وإن كان فيه جهد كبير إلا أن كثيرًا من تلك الأرقام التي ذكرها في بعض المصادر مكرر في بعضها الآخر، فمثلًا ذكر أرقامًا في مغازي الواقدي وذكر أرقامًا أخرى في الطبقات الكبرى وعند المقارنة بين الكتابين تجد تلك الأرقام التي ذكرها في المغازي هي بعينها في الطبقات، أو بمعنى آخر أن ابن سعد نقل كثيرًا من الواقدي فعمله يعتبر تكرارًا لعمل شيخه الواقدي.
بينما دراستي ليس فيها تكرار للروايات وإنما أذكر المصادر الأخرى لنفس الرواية تحت رقم واحد.
١- أنه ذكر أرقامًا فقط لروايات الزهري، بينما دراستي فيها تفصيل وسرد للوقائع التاريخية.
رابعًا: (ترجمة الإمام الزهري التي استخرجها: شكر الله بن نعمة الله قوجاني من تاريخ دمشق لابن عساكر.
هذه الترجمة اشتملت على ما يلي:
_________________
(١) ذكر اسمه ونسبه وكنيته، وتاريخ مولده، ونشأته وطلبه للعلم،
[ ١ / ٦٣ ]
ثم ذكر شيوخه من الصحابة والتابعين.
ثم حفظه القرآن وذاكرته، ومذاكرته مع نفسه، وسعة علمه، وتوثيقه ومدحه، ثم صفته وأخلاقه، ثم دعوته بالالتزام بالإسناد، ثم ذكر تلاميذه الشاميين والمصريين.
ثم صلته ببني أمية ووفوده على مروان بن الحكم، وبقية خلفاء بني أمية، وتوليه القضاء لهم ومواقفه منهم، ثم المآخذ التي أخذت عليه ومنها صحبته للملوك.
ثم ذكر مراسيله وإجازاته، ثم تاريخ وفاته ومكان دفنه، وهي ترجمة مطولة ووافية.
هذا كل ما ذكره ابن عساكر ﵀ عن الزهري واستخرجها قوجاني من تاريخه وجعلها في كتاب مستقل. والكتاب لم يتطرق إلى روايات الزهري في المغازي والسير، ذلك لأن ابن عساكر قد أفرد لها جزءًا كبيرًا من تاريخه ذكر فيها سيرة النبي ﷺ جمع فيه روايات الزهري وغيره.
وبالمقارنة بين هذا الكتاب وبين دراستي نجد أن هذه الترجمة خالية تمامًا من ذكر روايات الزهري بينما دراستي شملت ترجمة الزهري ثم حصر رواياته في المغازي على وجه التقريب.
خامسًا: كتاب المغازي الأولى ومؤلفوها، للمستشرق الألماني جوزيف هورفتش، ترجمة: حسين نصار
أفرد هذا المستشرق ترجمة للزهري من ص ٤٩-٦٨.
[ ١ / ٦٤ ]
تحدث عن الزهري كأحد أبرز مدوني السيرة والمغازي، ودوره في فصل المغازي عن السنة في تأليف مستقل، ثم ذكر قربه من الخلفاء الأمويين، وناقش قضية وضعه الأحاديث لبني أمية التي تخدم مصالحهم السياسية معتمدًا في ذلك على ما ذكره اليعقوبي في تاريخه١، من أن الزهري قد وضع حديث: "لا تشدّ الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد"٢، لعبد الملك وأن الصلاة في مسجد بيت المقدس تقوم مقام المسجد الحرام وأن الصخرة التي بناها عبد الملك تقوم مقام الكعبة، وتوصل بعد مناقشة هذه القضية إلى أن الزهري لا يمكن أن يضع مثل هذه الأحاديث وهو في سن مبكرة، وهو بذلك يحاول الرد على الفرية.
ثم ذكر بعض الغزوات التي ذكرت بعض الروايات التي ساقها الزهري معتمدًا في ذلك على الطبقات الكبرى لابن سعد والطبري، وفهرست ابن النديم فقط.
وبعد: فمقارنة دراستي بالدراسات السابقة لا يعني التقليل من شأن تلك الدراسات، وإنما القصد إبراز أوجه الاختلاف بينها وبين دراستي، وإلا فقد بذل أصحابها جهودًا طيبة، ولم يكن قصدهم من تلك الكتابات إلا إبراز القيمة العلمية لروايات الإمام الجهبذ، بل وينادون إلى إبراز تراثه العظيم من بطون الكتب.
_________________
(١) ١ اليعقوبي ٢/٢٦١. ٢ سيأتي تخريج هذا الحديث في مبحث: الشبه الواردة على الزهري إن شاء الله.
[ ١ / ٦٥ ]
وهناك بحوث عديدة كتبت عن الزهري، لكن ليس لها أهمية كبيرة كالكتب التي ذكرتها، وذلك مثل: السنة ومكانتها في التشريع الإسلامي للسباعي، وتاريخ التراث العربي لسزكين، وغيرهما.
[ ١ / ٦٦ ]
المبحث الثاني: دراسة تحليلية عن بعض مصادر الرسالة
لابد لكل باحث أن يعتمد في تكوين بحثه بعد الله على مصادر عدّة يكون منها بحثه، ولكنها تختلف من حيث الأهمية، فبعض المصادر يكون البحث فيها أكثر التصاقًا بها، ولها تأثير عليه، والبعض الآخر يأتي عرضًا أو تكون مراجع مساعده، وقد جرت عادة الباحثين إعطاء نبذة يسيرة عن تلك المصادر التي أثرت تأثيرًا مباشرًا على تلك البحوث، وقد اعتمدت في بحثي على مصادر عدة كان لبعضها تأثير كبير عليه منها:
١- سيرة ابن إسحاق:
وابن إسحاق هو: محمد بن إسحاق بن يسار، وقيل ابن كوثان، أبو بكر، وقيل أبو عبد الله القرشي المطلبي مولاهم المدني، صاحب السيرة النبوية.
ولد سنة ثمانين، ورأى أنس بن مالك بالمدينة وسعيد بن المسيب وتوفي سنة ١٥١ هـ وقيل ١٥٢ هـ١.
قال علي بن المديني: "سمعت سفيان يقول: قال ابن شهاب: وسئل عن مغازيه – هذا أعلم الناس بها" – يعني ابن إسحاق٢.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٧/٣٣-٣٤، وانظر: ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٣٢١-٣٢٢، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٤٠، والصغير ٢/١١١، وطبقات خليفة ٢٧١، وتاريخه ١٦، والمعرفة والتاريخ ٢/٢٧، وغيرها. ٢ تاريخ بغداد ١/٢١٩.
[ ١ / ٦٧ ]
وقال الشافعي: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد ابن إسحاق"١.
وقال الذهبي: قلت: "قد كان في المغازي علاّمة"٢.
وقد كانت سيرة ابن إسحاق في الأصل مقسمة إلى ثلاثة أجزاء: المبتدأ والمبعث والمغازي، فالمبتدأ يتناول فيه التاريخ الجاهلي، ولا يعني ابن إسحاق في هذا الجزء بأسانيد أخباره إلا نادرًا، ويستقي أخباره من الأساطير والإسرائيليات.
وأما المبعث فيشمل حياة النبي ﷺ في مكة والهجرة، وتراه في هذا القسم يصدر الأخبار بموجز حاوٍ لها، ويدون مجموعات كاملة من القوائم، فتراه يذكر قائمة لمن أسلم من الصحابة بدعوة أبي بكر، وأخرى بالمهاجرين إلى أرض الحبشة وغيرها، وتزداد عنايته بذكر الأسانيد٣.
وأما القسم الثالث: وهو المغازي، فيتناول فيه حياة النبي ﷺ في المدينة وقد اتبع في هذا القسم منهجًا جديدًا حيث يبدأ الخبر بموجز لمحتوياته ثم يتبعه بخبر من جميع الأقوال التي أخذها من روايته ثم يكمله بما جمعه هو بنفسه من المصادر المختلفة٤.
ويُلحظ جليًا في هذا القسم إيراده الأخبار تتقدمها الأسانيد التي
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ سير أعلام النبلاء ٧/٣٧. ٣ مقدمة سيرة ابن هشام ١/١١-١٢. ٤ مقدمة سيرة ابن هشام ١/١١-١٢. بتصرف.
[ ١ / ٦٨ ]
منها الموصول والمنقطع، وأحيانًا يورد الأخبار بدون إسناد أو برواة مجهولين.
وقد رتب ابن إسحاق مادته على التسلسل الزمني للأحداث.
ومما زاد سيرة ابن إسحاق قوة علميه تحرير ابن هشام١ لها، فقد قام رحمة الله عليه بحذف ما ليس له تعلق بذكر النبي ﷺ كما قام بحذف بعض الأشعار المنتحلة، وتعقب ابن إسحاق في كثير من الأمور، بل وأضاف إليها بعض الأشياء التي فاتت ابن إسحاق، فجاءت السيرة معروفة به، منسوبة إليه، حتى كاد الناس ينسون مؤلفها الأول ابن إسحاق٢.
وبالجملة فقد كانت سيرة ابن إسحاق من أهم المصادر التي اعتمدت عليها، فقد نقلت منها ستًا وعشرين رواية جعلت منها إحدى عشرة رواية في صلب الرسالة؛ لانفراده بها مصرحًا في أكثرها بالتحديث وقد ذكر في بعضها أدق التفاصيل عن بعض الغزوات، والباقي في الهامش شواهد لغيرها لكونها مختصرة جدًا٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام: هو عبد الملك بن هشام بن أيوب العلامة النحوي الأخباري، أبو محمد الذهلي السدوسي، وقيل: الحميري المعافري، نزيل مصر، هذب السيرة النبوية، وسمعها من زياد البكائي صاحب ابن إسحاق، توفي سنة ٢١٨ هـ. سير أعلام النبلاء ١٠/٤٢٨-٤٢٩. ٢ مقدمة السيرة النبوية لابن هشام ١/١١-١٢، بتصرف. ٣ انظر: روايته في غزوة الحديبية.
[ ١ / ٦٩ ]
٢- مغازي الواقدي
والواقدي هو: محمد بن عمر بن واقد الأسلمي مولاهم، الواقدي المديني القاضي، صاحب التصانيف والمغازي، أبو عبد الله أحد أوعية العلم على ضعفه المتفق عليه١، ولد بعد العشرين ومائة، وتوفي سنة سبع ومائتين٢.
له العديد من المؤلفات تقرب من الثلاثين٣، ومنها كتابه (المغازي) .
وقد اختلف علماء الجرح والتعديل من المحدثين في توثيقه وتضعيفه إلى أقوال كثيرة، ملخصها ما ذكره الحافظ ابن حجر في التقريب حيث قال عنه: متروك مع سعة علمه٤.
ومقصود الحافظ من قوله متروك أي عند المحدثين، حيث لا تؤخذ أقواله في الفرائض والأحكام، أما في السير والمغازي فقد قال الإمام الذهبي: "وقد تقرر أن الواقدي ضعيف يحتاج إليه في الغزوات والتاريخ
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٩/٤٥٤-٤٦٧، ومقصود الذهبي بالضعف المتفق عليه، أي عند المحدثين فقط، أما عند المؤرخين فيحتاج إليه، بل هو إمام فيه. ٢ المصدر السابق، وانظر: ترجمته في الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٣٣٤، والتاريخ الكبير للبخاري ١/١٧٨، وطبقات خليفة ٤٧٢، والجرح والتعديل ٨/٢٠، وعيون الأثر ١/٦٧_٧٢. ٣ الفهرست لابن النديم ١١١، ومقدمة محقق مغازي الواقدي ١/١٠-١٣. ٤ التقريب ٤٩٨.
[ ١ / ٧٠ ]
ونورد آثاره من غير احتجاج أما في الفرائض فلا ينبغي أن يذكر "١.
وقال ابن كثير: "الواقدي عنده زيادات حسنة وتاريخ محرر غالبًا فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار، وهو صدوق في نفسه مكثار"٢.
منهجه في كتابة المغازي:
بدأ مغازيه بذكر قائمة طويلة من الرجال الذين نقل عنهم تلك الأخبار فذكر جميع مغازي النبي ﷺ وسراياه إجمالًا حتى وفاته ﷺ ثم يذكر المغازي والسرايا واحدةً واحدةً مفصلةً، مع ذكر تاريخ محدد لكل غزوة وسرية، وغالبًا ما يذكر تفاصيل جغرافية تحدد موقع الغزوة أو السرية، ثم يذكر الغزوات التي قادها الرسول ﷺ وأسماء الذين استخلفهم على المدينة أثناء غيابه ٣.
ويستعمل الواقدي لفظ (قالوا) عند ذكره لتفاصيل الغزوة أو السرية معتمدًا في ذلك على الإسناد الأول، وقد يأتي بإسناد جديد لبعض الحوادث.
وقد استفدت منه في عدة روايات كان بعضها مكملًا للخبر الذي نقلته من غيره، أما الروايات الأخرى التي لم أجدها عند غيره من طريق الزهري مثل: غزوة بني قينقاع، وغزوة بني سُليم ببحران، وسرية كعب
_________________
(١) ١ السير ٩/٤٦٩. ٢ البداية والنهاية ٣/٢٣٤-٢٣٥. ٣ انظر: مقدمة محقق مغازي الواقدي ١/٣١.
[ ١ / ٧١ ]
ابن عمير الغفاري إلى قضاعة من ناحية الشام، وتفاصيل مقتل حمزة ﵁، ومقدار سبي غزوة بني المصطلق، وهي وإن كانت من طريق الواقدي إلا أنني وجدت لها شواهد في كتب السنة يجدها القاري في مظانها.
٣- الطبقات الكبرى لابن سعد
وابن سعد هو: محمد بن سعد بن منيع، أبو عبد الله البغدادي، كاتب الواقدي، ومصنف الطبقات الكبير، ولد بعد الستين ومائة، فقيل: مولده في سنة ثمان وستين، وتوفي ببغداد في يوم الأحد لأربع خلون من جمادى الآخرة سنه ٢٣٠ وهو ابن ٦٢ سنة١.
وكتابه الطبقات يعتبر أقدم كتاب وصل إلينا في الطبقات٢.
ويقع في ثماني مجلدات٣.
خصص الجزء الأول للحديث عن حياة النبي ﷺ في مكة حتى الهجرة ومؤاخاته بين المهاجرين والأنصار وكتبه إلى الملوك يدعوهم
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ١٠/٦٦٤-٦٦٦، وانظر: ترجمته في تاريخ بغداد ٥/٣٢١-٣٢٢، ووفيات الأعيان ٤/٣٥١-٣٥٢، وتهذيب الكمال ٢٥/٢٥٥، وتهذيب التهذيب ٩/١٨٢. ٢ بحوث في تاريخ السنة المشرفة للدكتور: أكرم ضياء العمري ٨٣. ٣ نشر دار صادر، وهناك جزء تاسع مخصص للفهارس العامة، وهناك أجزاء ناقصة من هذه الطبعة؛ نشر منها حتى الآن خمسة أجزاء. تحقيق: د. محمد بن صامل السُّلَمي.
[ ١ / ٧٢ ]
للإسلام ثم ذكر وفادات العرب على النبي ﷺ، وخص الجزء الثاني للحديث عن غزوات الرسول ﷺ وسراياه.
وقد استقى ابن سعد معلوماته عن مصادر كثيرة فكان عدد شيوخه في الطبقات ينيف على الستين شيخًا من المحدثين الذين اهتموا بسيرة الرسول ﷺ وسيرة الصحابة والتابعين١.
وقد وثق العلماء ابن سعد٢، وأثنوا على كتابه الطبقات، فقال الخطيب البغدادي عنه: "كان من أهل العلم والفضل، وصنف كتابًا كبيرًا في طبقات الصحابة والتابعين والخالفين إلى وقته فأجاد فيه وأحسن"٣.
وقال الذهبي: "كان من أوعية العلم، ومن نظر في الطبقات خضع لعلمه"٤.
ومنهج ابن سعد في ذكر الغزوات والسرايا يختلف باختلاف الخبر من حيث الأهمية، فبعد أن ذكر إسنادًا جماعيًا عن عدد من شيوخه ومنهم الواقدي في ذكر عدد الغزوات والسرايا إجمالًا بدأ بذكر الغزوات والسرايا فيتحدث عنها بالتفصيل مُصدِّرًا ذلك بقوله: "ثم غزوة كذا، أو
_________________
(١) ١ بحوث في تاريخ السنة المشرفة ٨٦. ٢ تهذيب التهذيب ٩/١٨٢. ٣ تاريخ بغداد ٥/٣٢١. ٤ سير أعلام النبلاء ١٠/٦٦٥.
[ ١ / ٧٣ ]
ثم سرية كذا"، دون ذكر إسناد لها، وكأنه اعتمد على الإسناد الأول الذي ذكر فيه الغزوات والسرايا إجمالًا.
لكننا نجده يستعمل أسانيد جيدة عندما يدخل في تفاصيل الغزوات أو السرايا التي لها شأن كبير مثل غزوة بدر وأحد، وكسرية بئر معونة والرجيع على سبيل المثال، حتى إنه يستعمل الإسناد في جزئيات صغيرة، ويُصدّر الوقعة دائمًا بذكر تاريخها فيذكر اليوم والشهر والسنة، مرتبًا تلك الأحداث حسب التسلسل الزمني.
وقد استفدت منه كثيرًا في ذكر تواريخ الغزوات والسرايا١ وانفراده ببعض الروايات التي لم أجدها عند غيره، كما استفدت من ترتيبه للمادة العلمية وفق التسلسل الزمني، حيث أجد المعلومة التي أريدها منه كلما رجعت إليه بكل يسر وسهوله.
٤- دلائل النبوة للبيهقي٢
وهو: الحافظ العلاّمة الثبت الفقيه شيخ الإسلام، أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الخُسْرَوْجِرْدي٣، الخراساني.
_________________
(١) ١ وقد كان ذلك في الهامش. ٢ حققه عبد المعطي قلعجي في سبع مجلدات، وقد اعتمدت على الطبعة الأولى عام ١٤٠٥هـ، دار الكتب، بيروت. ٣ خُسْرَوْجِرْد: - بضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة، وفتح الراء، وسكون الواو، وكسر الجيم، وسكون الراء، وفي آخرها الدال المهملة - قرية من ناحية بيهق، طبقات الشافعية للسبكي ٤/٨.
[ ١ / ٧٤ ]
وبيهق عدة قرى من أعمال نيسابور على يومين منها.
ولد في سنة أربع وثمانين وثلاث مائة في شعبان.
وتوفي في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربع مائه، وعاش أربعًا وسبعين سنة١.
صنف كثيرا من الكتب، فعمل (السنن الكبير) في عشر مجلدات ليس لأحد مثله، وألف كتاب (السنن والآثار) في أربع مجلدات، و(دلائل النبوة) و(شعب الإيمان) و(والاعتقاد) و(مناقب الشافعي) و(كتاب النبوات الكبير) وغيرها٢.
قال الذهبي عن تصانيف البيهقي عامة: "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قلَّ من جوَّد تواليف مثل الإمام أبي بكر"٣.
وقال عنها ابن كثير: "وجمع أشياء كثيرة لم يسبق إلى مثلها، ولا يدرك فيها، منها كتاب السنن ونصوص الشافعي في عشر مجلدات
_________________
(١) ١ أخذت هذه الترجمة من سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٣، ١٦٧، ١٦٨، ١٦٩، وانظر: ترجمته في المنتظم لابن الجوزي ٨/٢٤٢، ومعجم البلدان لياقوت ١/٥٣٨،،الكامل لابن الأثير ١٠/٥٢، ووفيات الأعيان لابن خلكان ١/٧٥، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/١١٣٢، وطبقات الشافعية للسبكي ٤/٨، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٩٤، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي ٥/٧٧، وكشف الظنون لحاجي خليفة ١/٩، وغيرها ٢ سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٥-١٦٦. ٣ سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٨.
[ ١ / ٧٥ ]
ودلائل النبوة وغير ذلك من المصنفات الكبار والصغار التي لا تسامى ولا تدانى"١.
وقال عن دلائل النبوة خاصة: "دلائل النبوة لأبي بكر البيهقي من عيون ما صنف في السيرة والشمائل"٢.
وقال السبكي: "وأما كتاب الاعتقاد، وكتاب دلائل النبوة، وكتاب شعب الإيمان، وكتاب الشافعي، وكتاب النبوات الكبير، فأقسم ما لواحد منها نظير"٣.
وقال عنه العلماء: كان البيهقي على سيرة العلماء، قانعًا باليسير متجملًا في زهده وورعه٤.
وقالوا عنه: واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط٥.
وقال عنه الذهبي: " لو شاء البيهقي أن يعمل مذهبًا يجتهد فيه لكان قادرًا على ذلك لسعة علومه ومعرفته بالاختلاف"٦.
وبحكم تتبعي لروايات الزهري في كتب التراث لم أجد كتابًا أغزر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ١٢/٩٤. ٢ مقدمة تحقيق دلائل النبوة ١/٧. ٣ طبقات الشافعية ٤/٩. ٤ سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٧. ٥ سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٧. ٦ سير أعلام النبلاء ١٨/١٦٩.
[ ١ / ٧٦ ]
مادة فيما يتعلق بالمغازي من هذا السفر العظيم الذي قال عنه مؤلفه: "ويُعلم أن كل حديث أوردته فيه قد أردفته بما يشير إلى صحته، أو تركته مبهمًا وهو مقبول في مثل ما أخرجته، وما عسى أوردته بإسناد فيه ضعف أشرت إلى ضعفه، وجعلت الاعتماد على غيره"١.
وكلامه هذا فيه كثير من الصحة، وذلك لاعتماده كثيرًا على الكتب الستة وغيرها وخاصة الصحيحين وقد أفدت منه فائدة كبيرة، وبخاصة من تلك الروايات التي جاءت من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، ويمتاز هذا السفر بمميزات عدة أهمها في نظري اثنتان:
١- إتيانه بالروايات مسندة إلى قائلها.
٢- سرده للحوادث والوقائع حسب التسلسل الزمني، فلا يقدم غزوة على أخرى، مما سهل عليّ البحث في كتابه هذا الذي يقع في سبع مجلدات.
وقد استخرجت منه سبعًا وثلاثين رواية للزهري مرسلة وموصولة، ولم أجدها في غيره من المصادر الأخرى بالصورة التي أخرجها عن الزهري، مما يدل على تتبعه لروايات الثقات حتى في المغازي، وقد صدق عندما قال: "وعادتي في كتبي المصنفة في الأصول والفروع الاقتصار من الأخبار على ما يصح منها دون مالا يصح ومن وقف على تمييزي في كتبي بين صحيح الأخبار وسقيمها، وساعده التوفيق علم
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ١/٤٦.
[ ١ / ٧٧ ]
صدقي فيما ذكرته"١.
٥- صحيح البخاري
وهو لأبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بَرْدِزْبَة٢ الجعفي، ولد يوم الجمعة بعد الصلاة لثلاث عشرة ليلة خلت من شوال سنة أربع وتسعين ومائة٣.
وتوفي ليلة السبت ليلة عيد الفطر سنة ست وخمسين بعد المائتين، وكانت مدة عمره اثنتين وستين سنة إلا ثلاثة عشر يومًا٤.
وشهرة الصحيح غَنية عن الوصف لكن لا بأس بتسويد الورق بكلمات عنه.
فقد صنف البخاري ﵀ كتابه الصحيح في المسجد الحرام حيث قال: "صنفت كتابي الجامع في المسجد الحرام وما أدخلت فيه حديثًا
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١/٤٧. ٢ بَرْدِزْبَه: - بفتح الباء الموحدة، وسكون الراء المهملة، وكسر الدال المهملة، وسكون الزاي المعجمة، وفتح الباء الموحدة بعدها هاء - هدي الساري، مقدمة فتح الباري ٤٧٧. ٣ أخذت هذه الترجمة من هدي الساري ٤٧٧، وانظر: ترجمته في: الجرح والتعديل ٧/١٩١، وتاريخ بغداد ٢/٤، ووفيات الأعيان ٤/١٨٨، وتهذيب الكمال ٢٤/٤٣٠، وسير أعلام النبلاء ١٢/٣٩١، والوافي بالوفيات ٢/٢٠٦، وتهذيب التهذيب ٩/٤٧، وغيرها. ٤ هدي الساري ٤٩٣.
[ ١ / ٧٨ ]
حتى استخرت الله تعالى وصليت ركعتين وتيقنت صحته"١.
وقيل: إن البخاري حوّل تراجم جامعه بين قبر النبي ﷺ ومنبره وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين٢.
وقال البخاري أيضًا: "ما وضعت في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين"٣.
وقال: "ما أدخلت في كتابي الجامع إلا ما صح وتركت من الصحيح حتى لا يطول"٤.
وروى الإسماعيلي عنه قال: "لم أخرج في هذا الكتاب إلا صحيحًا وما تركت من الصحيح أكثر"٥.
ومنهجه في صحيحه يختلف عن المصنفات الأخرى، فتراه يورد الحديث في باب آخر وتجد قطعة من حديث ما هنا وقطعة أخرى منه هناك، وإنما عمل ذلك لمعان نقلها الحافظ ابن حجر في الهدي٦.
وقد تنافس العلماء في شرحه، فأول من شرحه الخطابي حَمْدُ بن
_________________
(١) ١ هدي الساري ٤٨٩. ٢ هدي الساري ٤٨٩، وقد جمع الحافظ بين القولين فقال: ولا ينافي هذا ما تقدم، لأنه يحمل على أنه في الأول كتبه في المسودة، وهنا حوله من المسودة إلى المبيضة. ٣ المصدر السابق. ٤ المصدر السابق ٧. ٥ المصدر السابق. ٦ انظر: هدي الساري ١٥.
[ ١ / ٧٩ ]
محمد ت (٣٨٦)، في كتابه إعلام السنن١، ثم توالى العلماء بعد في شرحه.
وقد نال حظوة كبيرة لدى علماء الإسلام لم يحظ بها أي كتاب ألف في الحديث.
قال النووي: " وأما محله فقال العلماء: هو أول مصنف صنف في الصحيح المجرد، واتفق العلماء على أن أصح الكتب المصنفة صحيحا البخاري ومسلم، واتفق على أن صحيح البخاري أصحهما صحيحًا وأكثرهما فوائد، وأجمعت الأمة على صحة هذين الكتابين ووجوب العمل بأحاديثها"٢.
وقد استفدت من هذا السفر العظيم حيث ظفرت بست وعشرين رواية من غير المكرر كلها في مغازي رسول الله ﷺ وسراياه، ومن بين تلك الروايات روايتان تتحدثان عن غزوتين مهمتين؛ الرواية الأولى عن حادثة الإفك التي وقعت لعائشة ﵂ في غزوة بني المصطلق، والثانية عن غزوة الحديبية، وكل رواية من تلك الروايتين تمثل غزوة بحد ذاتها لذكر معظم ما حدث في تلك الغزوتين، وروايات البخاري بصفة عامة أعطت قيمة علمية كبيرة لروايات الزهري في المغازي.
_________________
(١) ١ تاريخ التراث العربي لفؤاد سزكين ١/٢٢٦، في علوم القرآن والحديث، انظر: ص ٢٢٩-٢٤٣. ٢ تهذيب الأسماء واللغات للنووي ١/٧٥.
[ ١ / ٨٠ ]
٥- كتاب النهاية في غريب الحديث لابن الأثير
وهو القاضي الرئيس العلاّمة البارع الأوحد البليغ مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجَزَريّ، ثم الموصلي، الكاتب ابن الأثير، صاحب (جامع الأصول) و(غريب الحديث) وغير ذلك١.
مولده بجزيرة ابن عمر في أحد الربيعين سنة أربع وأربعين وخمس مائة، عاش ثلاثًا وستين سنة توفي في سنة ست وست مئة بالموصل٢.
لقد اخترت هذا الكتاب العظيم من بين سائر الكتب المؤلفة في غريب الحديث لكون مؤلفه من علماء القرن السادس، فهو متأخر، ولشهرته بين طلاب العلم واعتمادهم عليه فيما يخص غريب الحديث.
وقد ذكر محققا الكتاب أنهما لم يقفا على أحد صنف في غريب الحديث بعد ابن الأثير سوى ابن الحاجب المتوفى سنة ٦٤٦ هـ، وانحصرت الجهود بعد ذلك في التذييل على النهاية واختصارها٣.
_________________
(١) ١ أخذت هذه الترجمة من سير أعلام النبلاء ٢١/٤٨٨-٤٩١، وانظر: ترجمته في إنباه الرواة ٣/٢٥٧، ووفيات الأعيان ٤/١٤١، ودول الإسلام ١/٨٤، وطبقات السبكي ٥/١٥٣، والبداية والنهاية ١٣/٥٤، وبغية الوعاة ٢/٢٧٤، وشذرات الذهب لابن العماد ٥/٢٢ وغيرها. ٢ سير أعلام النبلاء ٢١/٤٩١. ٣ النهاية ١/٨ من مقدمة المحققين.
[ ١ / ٨١ ]
والكتاب قد طبع في خمس مجلدات١.
ولا شك أنه قد اطلع على كتب من سبقوه ممن ألف في غريب الحديث فاستفاد منها، فكان كتابه بحق نهاية.
وقد استفاد ابن الأثير من كتابين في غريب الحديث، الأول: كتاب أبي عبيد الهروي أحمد بن محمد المتوفى سنة ٤٠١ هـ في غريبي القرآن والحديث، والثاني كتاب (المجموع المغيث في غريبي القرآن والحديث) لأبي موسى محمد أبي بكر المديني الأصبهاني المتوفى سنه ٥٨١ هـ٢.
وقد أضاف مادة كثيرة مما فات الكتابين كما نص على ذلك في مقدمته حيث قال: " فتتبعتها واستقريت ما حضرني منها واستقصيت مطالعتها من المسانيد والمجاميع وكتب السنن والغرائب قديمها وحديثها، وكتب اللغة على اختلافها، فرأيت فيها من الكلمات الغريبة مما فات الكتابين كثيرًا فصدفت حينئذ على الاقتصار على الجمع بين الكتابين وأضفت ما عثرت عليه ووجدته من الغرائب إلى ما في الكتابين في حروفها مع نظائرها وأمثالها"٣.
وقد بين منهجه في كتابه أنه سيسلك طريقة من سبقه ممن صنف مثل هذه الكتب باتباع ترتيب الكلمات على حروف المعجم بالتزام الحرف الأول والثاني من كل كلمة، واتباعهما بالحرف الثالث منها على
_________________
(١) ١ تحقيق: طاهر الزاوي، ومحمود الطناحي. ٢ النهاية ١/٦و ٧ من مقدمة المحققين. ٣ مقدمة ابن الأثير لكتابه النهاية ١/١٠-١١.
[ ١ / ٨٢ ]
سياق الحروف١.
وذكر أيضًا أنه سار على التزام ذكر الحرف الأول والثاني سواء كان الحرف زائدًا أم أصليًا وذلك لسهولة الوصول إلى المراد، وذكر أن ذلك لم يكن نتيجة جهله بالحروف الزائدة والأصلية وإنما خشية أن يلتبس ذلك على طالبها، لا سيما وأكثر طلبة غريب الحديث لا يكادون يفرقون بين الأصلي والزائد٢.
هذا وقد اعتمدت على هذا الكتاب اعتمادًا كليًا حيث لم أغادره في شرح غريب الحديث إلا إذا لم أجد بغيتي فأتناول غيره.
٦- تقريب التهذيب٣.
للحافظ شهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن محمود بن أحمد بن حجر الكناني العسقلاني الشافعي المصري.
كان مولده في شعبان سنة ثلاث وسبعين وسبعمائة على شاطئ النيل بمصر القديمة، أما وفاته فكانت في أواخر شهر ذي الحجة، من سنة اثنتين وخمسين وثمانمائة٤.
_________________
(١) ١ مقدمة ابن الأثير لكتابه النهاية ١/١١. ٢ مقدمة ابن الأثير لكتابه النهاية ١/١١. ٣ طبع الكتاب عدة طبعات، وقد اعتمدت طبعة محمد عوامة، الطبعة الثانية سنة ١٤٠٨هـ، دار البشائر، بيروت. ٤ انظر: ترجمته في رفع الإصر لابن حجر نفسه ١/٨٥، حيث ترجم لنفسه مع قضاة مصر، ولحظ الألحاظ لابن فهد ٣٢٦، والضوء اللامع للسخاوي ٢/٣٦، والسيوطي في ذيل طبقات الحفاظ ٣٨٠. ونظم العقيان ٤٥، وحسن المحاضرة ١/٣٦٣، وشذرات الذهب ٧/٢٧٠، والبدر الطالع ١/٨٧.
[ ١ / ٨٣ ]
والكتاب يُعَدّ عصارة وخلاصة لتهذيب الكمال للحفاظ المزي وتهذيب التهذيب للحافظ ابن حجر نفسه.
وقد بين الحافظ سبب تأليفه لهذا الكتاب ومنهجه فيه قال: فالتمس مني بعض الإخوان أن أجرد له الأسماء خاصة، فلم أوثر ذلك لقلة جدواه على طالبي هذا الفن ثم رأيت أن أجيبه إلى مسألته وأسعفه بطلبته على وجه يحصل مقصوده بالإفادة ويتضمن الحسنى التي أشار إليها وزيادة وهي: أنني أحكم على كل شخص منهم بحكم يشمل أصح ما قيل فيه، وأعدل ما وصف به بألخص عبارة وأخلص إشارة، بحيث لا تزيد كل ترجمة على سطر واحد غالبًا، يجمع اسم الرجل واسم أبيه وجده، ومنتهى أشهر نسبته ونسبه، وكنيته ولقبه مع ضبط ما يشكل من ذلك بالحروف ثم صفته التي يختص بها من جرح أو تعديل، ثم التعريف بعصر كل راو منهم، بحيث يكون قائمًا مقام ما حذفته من ذكر شيوخه والرواة عنه إلا من لا يؤمن لبسه١.
وقد قسم الرواة إلى اثنتي عشرة طبقة باعتبار أحوالهم جرحًا وتعديلًا.
_________________
(١) ١ انظر: التقريب ٧٣.
[ ١ / ٨٤ ]
وكذلك باعتبار طبقاتهم، فمن كان من الطبقة الأولى والثانية فوفاته قبل المائة، ومن كان من الثالثة إلى آخر الثامنة فهم بعد المائة، ومن كان من التاسعة إلى آخر الطبقات فهم من المائتين، ومن ندر عن ذلك بينته١.
والكتاب قد اعتمدته في بحثي فأحكم على الشخص في الإسناد بما ذكر عنه الحافظ لأن الكتاب قد حظي بالقبول عند عامة طلاب العلم، إلا إذا لم أجد الشخص في التقريب فحينئذ أستعين بالكتب الأخرى في الجرح والتعديل في الحكم على الشخص، وهو قليل.
٧- فتح الباري شرح صحيح البخاري
للحافظ ابن حجر رحمه الله٢.
ألّف الحافظ ابن حجر هذا الكتاب لشرح صحيح البخاري، فأودع فيه من فنون العلم الشيء الكثير، وهو من أجلِّ تصانيفه وأكثرها شهرة وأعظمها نفعًا، قال عنه مصنفه: "لولا خشية الإعجاب لشرحت ما يستحق أن يوصف به هذا الكتاب، لكن لله الحمد على ما أولى وإياه أسأل أن يعين على إكماله منا وطولًا"٣.
وقد حظي هذا الكتاب بقبول منقطع النظير عند عامة العلماء
_________________
(١) ١ انظر: المصدر السابق، ص: ٧٤-٧٥. ٢ تقدمت ترجمته، قبل قليل. ٣ الجواهر والدرر للسخاوي ١٥٥/أ.
[ ١ / ٨٥ ]
وطلاب العلم، كما حظي صحيح البخاري من قبل فسبحان الواهب.
روي عن ابن خلدون قوله: "إن شرح كتاب البخاري دين على الأمة"١ هو يقصد بذلك والله أعلم الشرح الوافي من غير نقص، وإلا فقد شرحه كثير من العلماء، وقد قال حاجي خليفة معقبًا على كلام ابن خلدون "لعل ذلك الدين قضي بشرح المحقق ابن العسقلاني والعيني بعد ذلك"٢.
ولما طلب من الإمام الشوكاني ﵀ أن يشرح صحيح البخاري قال: "لا هجرة بعد الفتح"٣.
وقد نقل الذهبي عن العز بن عبد السلام قوله: "ما رأيت في كتب الإسلام في العلم مثل (المحلى) لابن حزم وكتاب (المغني) للشيخ موفق الدين ابن قدامة".
قال الذهبي: "قلت: لقد صدق الشيخ عز الدين، وثالثها (السنن الكبير) للبيهقي، ورابعها (التمهيد) لابن عبد البر، فمن حصل هذه الدواوين وكان من أذكياء المفتين، وأدمن المطالعة فيها فهو العالم حقًا"٤.
_________________
(١) ١ التبر المسبوك، ص٢٣١. ٢ كشف الظنون ٢/٦٤٠. ٣ فهرس الفهارس ١/٢٣٨. ٤ سير أعلام النبلاء ١٨/١٩٣.
[ ١ / ٨٦ ]
قلت: ولو رأى العز بن عبد السلام والذهبي رحمهما الله (فتح الباري) لابن حجر لذكراه في طليعة هذه الكتب وذلك لما اشتمل عليه من فنون العلم، فقد فتح الله على ابن حجر في العلم فناسب أن يسمى كتابه كذلك.
وقد قام كثير من العلماء بشرح صحيح البخاري، لكن شرح الحافظ ابن حجر يعد في طليعتها وأوفاها شرحًا وتبيانًا لمقاصد البخاري، كما أن الكتاب قد طبع عدة طبعات، وقد اعتمدت الطبعة السلفية التي حقق الأجزاء الأول منها سماحة الشيخ ابن باز ﵀، وتقع في ثلاثة عشر مجلدًا من دون المقدمة.
وقد نقلت من الصحيح أربعًا وعشرين رواية عن الزهري، اعتمدت في شرح ألفاظها وما يتعلق بها على كتاب (فتح الباري) وذلك لمعرفة الحافظ ابن حجر بمدلولات ألفاظ الحديث ومقاصد البخاري في صحيحه، ولشهرة الكتاب وتوفره لدى عامة العلماء وطلاب العلم.
٨- كتاب معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية
مؤلفه المقدم عاتق بن غيث البلادي، والبلادي فرع من قبيلة (حرب) ١ الشهيرة والمؤلف له اهتمامات خاصة بالأنساب والجغرافيا، وسبق أن ألف كتبًا في هذين الفنين، فكتب في الأنساب كتاب (نسب حرب)، تكلم فيه عن بطون قبيلة حرب وأصولها، وكتاب (معجم
_________________
(١) ١ انظر: معجم قبائل الحجاز ٤٦، ونسب حرب ٧٣.
[ ١ / ٨٧ ]
قبائل الحجاز) وهو كتاب نسب وتاريخ١.
وكتب عن الأماكن والبلدان: (معجم المعالم الجغرافية) وهو هذا و(معجم معالم الحجاز) وهو كتاب أدبي جغرافي يقع في عشرة أجزاء، و(معالم مكة التاريخية والأثرية) و(بين مكة وحضرموت) وغيرها٢.
والمؤلف من الكتاب المعاصرين الذين أسهموا بمجهودات وافرة في مجال التأليف الجغرافي وأنساب بعض القبائل المعاصرة بالرغم من الانتقادات الموجهة إلى كتبه، حيث تحتاج إلى تحرير ومزيد عناية.
وقد اعتمدته تقريبًا في معرفة الأماكن والبقاع، لكونه يعرفها بالتعريف المشهور في زمننا من تحديده المسافة بالكيلو وما شابه ذلك، وهو كتاب قيم في بابه إلا أنه لم يستوعب المادة العلمية التي خصصه من أجلها في السيرة النبوية لابن إسحاق، تهذيب ابن هشام.
_________________
(١) ١ انظر: القائمة التي وضعها في نهاية كتابه (معجم قبائل الحجاز) . ٢ المصدر السابق.
[ ١ / ٨٨ ]
الباب الأول: في ترجمة الإمام الزهري
الفصل الأول: في حياة الإمام الزهري ومنزلته العلمية
المبحث الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وصفته ومولده
الفصل الأول: حياة الإمام الزهري ومنزلته العلمية
وفيه ثمانية مباحث:
المبحث الأول: في اسمه ونسبه وكنيته وصفته ومولده
اسمه ونسبه:
هو محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله الأصغر١ بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري٢.
_________________
(١) (١ هناك رجل آخر اسمه عبد الله بن شهاب الأكبر، وهو أخو عبد الله الأصغر، كان اسمه عبد الجان، فسماه النبي ﷺ عبد الله، وهو ممن هاجر إلى أرض الحبشة، ومات بمكة قبل الهجرة إلى المدينة، وأخوه عبد الله بن شهاب الأصغر شهد أحدًا مع المشركين، ثم أسلم بعد، ومات بمكة، نسب قريش لمصعب الزبيري، ص: ٣و٢٧٤، وانظر: الإصابة ٢/٣٧٥. ٢ انظر: ترجمته في نسب قريش لمصعب الزبيري، ص ٣و ٢٧٤، والطبقات الكبرى لابن سعد ١٥٧، تحقيق زياد منصور، والعلل لأحمد ٢/٢٤٩، رقم (٢٥٤٣)، وجمهرة النسب لابن الكلبي ٧٩، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٢٢٠، والتاريخ الصغير له ١/٣٥٦، وتاريخ خليفة بن خياط ٢٦١، والمعرفة والتاريخ للفسوي ١/٦٢٠، والجرح والتعديل ٨/٧١، والحلية لأبي نعيم ٣/٣٦٠، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ١٣٠، وتاريخ دمشق (انظر: ترجمة الزهري تحقيق شكر الله قوجاني ٣٨، وما بعدها)، ووفيات الأعيان ٤/١٧٧، وتهذيب الكمال ٢٦/٤١٩، وسير أعلام النبلاء للذهبي ٥/٣٢٦، وتاريخ الإسلام له ٥/١٣٦، وتذكرة الحفاظ له ١/١٠٨، والبداية والنهاية ٣٤٠، وغيرها.
[ ١ / ٩٣ ]
وأمه من بني الدئل من بكر بن عبد مناة بن كنانة١.
وقيل اسمها: عائشة بنت عبد الله الأكبر بن شهاب٢.
كنيته: (أبو بكر) ٣.
صفته: قيل كان رجلًا دميمًا٤، ليس له ذاك النبل، لم يكن بالجميل٥.
وقال سفيان: "رأيت الزهري أحمر الرأس واللحية وفي حمرتها انكفاء٦ قليل كأنه يجعل فيه كَتَمًَا"٧.
وقال أيضًا٨: "كان الزهري أعيمش٩ وعليه جميمة"١٠.
_________________
(١) ١ نسب قريش ٢٧٤، وطبقات خليفة ٢٦١، وتاريخ دمشق ٣٨، ٤٠، تحقيق قوجاني، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٢٠. ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ١٥٧) تحقيق: زياد منصور. ٣ المصادر السابقة. ٤ الدمامة: - بالفتح - القِصَر، والقُبْح، ورجل دميم. النهاية ٢/١٣٤. ٥ العلل لأحمد ٢/٣٤٩ رقم (٢٥٤٣) . ٦ انكفاء أي تغير. النهاية ٤/١٨٣. ٧ الكتم: نبت يخلط مع الوسمة، ويصبغ به الشعر أسود، وقيل: هو الوسِمة. النهاية ٤/١٥٠، والوسِمة - بكسر السين، وقد تسكن - نبت، وقيل: شجر باليمن يخضب بورقه الشعر. النهاية ٥/١٨٥. ٨ المعرفة والتاريخ ١/٦٢٠، وتاريخ أبي زرعة ٥٣٥، وتاريخ دمشق ٤٨، تحقيق شكر الله قوجاني. ٩ العمش: محركة ضعف البصر مع سيلان الدمع في أكثر الأوقات. القاموس (عمش) . ١٠ جميمة: تصغير جمة، والجمة من شعر الرأس، ما سقط على المنكبين. النهاية ١/٣٠٠.
[ ١ / ٩٤ ]
وروى أيضًا: أنه كان رجلًا قصيرًا، قليل اللحية، له شعيرات طوال، خفيف العارضين١.
مولده:
اختلف في تاريخ ولادته إلى أقوال:
١- قيل إنه ولد سنة خمسين٢.
٢- وقيل: إحدى وخمسين٣. وهو أرجحها.
٣- وقيل: ست وخمسين٤.
٤- وقيل: ثمان وخمسين٥.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ ١/٦٣٣، وتاريخ دمشق ٤٩، تحقيق شكر الله. ٢ تاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/٦١٣، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٤٠، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٢٦، وقال أبو داود عن أحمد بن صالح: يقولون: مولده سنة خمسين، تهذيب الكمال ٢٦/٤٤٠. ٣ ذكر ذلك خليفة بن خياط في تاريخه ٢١٨، وانظر: وفيات الأعيان ٤/١٧٨ وسير أعلام النبلاء ٥/٣٢٦. ٤ قاله يحيى بن بكير، انظر: تهذيب الكمال ٢٦/٤٤٠، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٢٦. ٥ قاله الواقدي: انظر: الطبقات لابن سعد ١٨٥، تحقيق زياد منصور، وتاريخ دمشق ٤٢، تحقيق قوجاني، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٤٠، والبداية والنهاية ٩/٣٤١-٣٤٤. وأقرب هذه الأقوال إلى الصحة والله أعلم هو القول الثاني، لأن أكثرهم ذكروا أنه توفي وهو ابن اثنتين وسبعين سنة على ما سيأتي في مبحث وفاته. أما قول الواقدي فغير دقيق، لأنه ذكر ولادته في سنة ٥٨ هـ بينما ذكر أنه توفي سنة ١٢٤ هـ وهو ابن اثنتين وسبعين سنة كما في تهذيب الكمال ٢٦/٤٤١، وخمس وسبعين كما عند ابن سعد في الطبقات ١٥٨، وكلا القولين خطأ، فلو حسبنا الفترة التي عاشها بين تاريخ ولادته ووفاته كما قال الواقدي لوجدناها ٦٦ سنة فقط، فيكون القول الثاني هو الأقرب إلى الصواب. وكلام الواقدي يكون دقيقًا إذا كان الزهري قد توفي سنة: ١٣٠هـ أو سنة: ١٣٣هـ.
[ ١ / ٩٥ ]
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم، ومنزلته العلمية
المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم
المبحث الثاني: نشأته وطلبه للعلم، ومنزلته العلمية
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم:
نشأ الزهري في المدينة فقيرًا لا مال له مقطعًا من الديوان١، حتى ضاقت عليه الأرض، فلا يدري أين يتجه، ليحصل على مالٍ يسدُّ به حاجته وأهل بيته، ويقضي ديونه، حتى ألهمه ربه بالتوجه إلى الشام، فوفد على عبد الملك بن مروان سنة اثنتين وثمانين فقضى دينه، وفرّج الله همّه على يد الخليفة عبد الملك بن مروان٢، ثم كرّ راجعًا إلى المدينة، ثم جعل يتردد بين الشام والحجاز حتى توفاه الله.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة ومن بعدهم) ص ١٥٧، تحقيق: زياد منصور، من طريق الواقدي، وأخرجه الفسوي في المعرفة (١/ ٦٢٨)، من طريق ابن أبي فروة عن الزهري، وتاريخ دمشق (ترجمة الزهري ١٢) تحقيق: شكر الله قوجاني. ٢ المصادر السابقة.
[ ١ / ٩٦ ]
كانت بداية طلبه للعلم بالمدينة النبوية صغيرًا، فبدأ - كما هو معتاد عند أبناء المسلمين - بحفظ القرآن الكريم، فحفظه في ثمانين ليلةً١، ثم أقبل على تعلِّم الأنساب، فذهب إلى عبد الله بن ثعلبة بن صُعير العدوي، وكان عالمًا بالأنساب، فجلس يتعلم منه الأنساب عامةً ونسب قومه خاصةً، فجاء رجلٌ يسأل عبد الله بن ثعلبة عن مسألة فقهية في الطلاق فَعَيِيَ عن الجواب، وأشار إلى سعيد بن المسيب، فقال الزهري: قلت في نفسي: ألا أراني مع هذا الرجل المسن يعقل أن رسول الله ﷺ مسح على رأسه٢ وهو لا يدري ما هذا! فانطلقت مع السائل إلى سعيد بن المسيب، فجالسته سبع حجج، وأنا لا أظن أن أحدًا عنده علم غيره٣.
وفي رواية: أن السائل عن المسألة الفقهية هو الزهري نفسه، فقال: إن كنت تريد هذا فعليك بهذا الشيخ سعيد بن المسيب٤.
ومهما يكن، فقد ترك الزهري تعلم الأنساب، واتجه إلى تعلم
_________________
(١) ١ التاريخ الكبير للبخاري (١/ ٢٢٠)، والمعرفة والتاريخ للفسوي (١/ ٦٣٣و٣٤٩) وتاريخ دمشق (٤٩- ٥٠) . ٢ يقصد بالمسح، مسح النبي ﷺ وجهه عام الفتح كما في تاريخ البخاري الكبير (٥/ ٣٥- ٣٦)، ولفظه: "كان النبي ﷺ قد مسح وجهه عام الفتح". ٣ انظر: الطبقات الكبرى (١٥٧- ١٥٨)، والتاريخ الكبير للبخاري (٥/ ٣٥- ٣٦)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٤٧٢)، وتاريخ دمشق (٦٥) رقم (٧٢) . ٤ المصادر السابقة، والتاريخ الصغير للبخاري (١/ ١٥٧ - ١٥٨) .
[ ١ / ٩٧ ]
الأحكام، فجدَّ واجتهد في تحصيل العلم حتى فاق أقرانه.
قال عنه إبراهيم بن سعد الزهري: ما سبقنا ابن شهاب بشيء من العلم إلا أنه كان يشدُّ ثوبه عند صدره، ويسأل عما يريد، وكنا تمنعنا الحداثة١.
وقال إبراهيم بن سعد أيضًا: قلت لأبي: بِمَ فاقكم الزهري؟ قال: كان يأتي المجالس من صدورها، ولا يأتيها من خلفها، ولا يبقي في المجلس شابًا إلا سأله، ولا كهلًا إلا سأله، ولا فتى إلا سأله، ثم يأتي الدار من دور الأنصار فلا يُبقي شابًا إلا سأله، ولا كهلًا إلا سأله، ولا فتى إلا سأله، ولا عجوزًا إلا سألها، ولا كهلةً إلا سألها، حتى يحاول ربات الحجال٢.
وقال أبو الزناد٣: "كنا نكتب الحلال والحرام، وكان ابن شهاب يكتب كل ما سمع، فلما احتيج إليه علمت أنه أعلم الناس"٤.
وقال أيضًا: "كنت أطوف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٨ - ٣٨٩)، و(١٦٨) من القسم المتمم، تحقيق: زياد، والمعرفة (١/ ٦٣٨)، وتاريخ دمشق (٥٦ - ٥٧) رقم (٥٥ و٥٦) . ٢ الرامهرمزي، المحدث الفاضل (٢٦٠ - ٢٦١)، وتهذيب الأسماء واللغات (١/٩٢)، وتهذيب الكمال (٩/ ٤٤٩) . ٣ عبد الله بن ذكوان القرشي أبو عبد الرحمن المدني المعروف بأبي الزناد، ثقة فقيه، من الخامسة، ت سنة ثلاثين وقيل بعدها، ع، التقريب (ص:٣٠٢) . ٤ تاريخ دمشق (ص: ٥٨) رقم (٥٨) .
[ ١ / ٩٨ ]
والصحف، قال: فكنا نضحك به"١.
وقال صالح بن كيسان: "كنت أطلب العلم أنا والزهري، قال: فقال - أي الزهري - نكتب السنن، قال: فكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ ثم قال: تعال نكتب ما جاء عن الصحابة، قال: فكتب ولم أكتب، قال: فأنجح وضيعت"٢.
ولعل الزهري كان حريصًا على أخذ العلم ممن عرف عنهم مثل سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وغيرهما من قريش، حتى وفد على عبد الملك٣، فجعل عبد الملك يسائله عمن لقي، قال الزهري: فجعلت أسمي له وأخبره بمن لقيت من قريش لا أعدوهم، فقال عبد الملك: فأين أنت عن الأنصار؟ فإنك واجدٌ عندهم علمًا، أين أنت عن ابن سيدهم خارجة بن زيد بن ثابت؟ أين أنت عن عبد الرحمن بن يزيد بن جارية؟ قال: فسمى رجالًا منهم، قال: فقدمت المدينة فسألتهم وسمعت منهم، فوجدت عندهم علمًا كثيرًا٤.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٩)، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٦٧)، وتاريخ دمشق (٦٠) رقم (٦١) من ترجمة الزهري. ٢ الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٨) و(ص: ١٦٨) من القسم المتمم، تحقيق: زياد، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٧)، وتاريخ أبي زرعة رقم: (٩٦٦)، والحلية لأبي نعيم (٣/ ٣٦٠)، وشرح السنة للبغوي (١/ ٢٩٦)، وتاريخ دمشق (٦٢) رقم (٦٥) . ٣ عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، أمير المؤمنين. التقريب (ص: ٣٦٥) . ٤ الطبقات الكبرى (١٦٢)، من القسم المتمم، وتاريخ دمشق (٦٥) رقم (٧١) .
[ ١ / ٩٩ ]
غير أنه داوم على الأخذ من أربعة كلهم بحور في العلم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، كان هؤلاء قد أخذوا علمهم عن الصحابة فضم علمهم إلى علمه١، فصار أوحد أهل زمانه، ونجم أقرانه.
وقد ساعده على ذلك أمور منها: كتابته، فقد كان يكتب كل ما سمع، ومنها قوة حافظته وذاكرته فقد توفرت عنده الأدوات التي يحتاجها طالب العلم، وهي الكتابة والحفظ والذكاء والفهم، فسبحان المعطي، فقد روي عنه قال: ما استودعت قلبي شيئًا قط فنسيته٢.
وقال معمر٣: "سمعت الزهري يقول: ما قلت لأحد أعد عليّ"٤.
وقال الزهري: "اختلفت من الشام إلى الحجاز خمسًا وأربعين سنة، فما كنت أسمع حديثًا أستطرفه"٥.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢٢ - ٦٢٣) و(١/ ٧١٤)، وتاريخ دمشق رقم (٢٢٧) ترجمة الزهري، والتمهيد (٥/ ١٠٨)، والإرشاد للخليلي (١/ ٨٩) . ٢ التاريخ الكبير (١/ ٢٢)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٢٥ و٦٣٥)، وتاريح أبي زرعة رقم (٩٥٢)، والحلية لأبي نعيم (٣/ ٣٦٣)، وتاريخ دمشق (٧٢) رقم (٧٣) ورقم (٧٤) . ٣ ستأتي ترجمته في مبحث (تلاميذ الزهري) . ٤ تاريخ دمشق (٨٤) رقم (٩٣) من ترجمة الزهري. ٥ المعرفة والتاريخ (١/ ٣٦٣)، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٤٨)، والحلية لأبي نعيم (٣/ ٣٦٢) .
[ ١ / ١٠٠ ]
وقال: "ما استعدت حديثًا قط، ولا شككت في حديث، إلا حديثًا واحدًا، فسألت صاحبي فإذا هو كما حفظت"١.
وقد اختبره هشام بن عبد الملك ذات يومٍ، فسأل الزهري أن يملي على بعض ولده، فدعا بكاتب، فأملى عليه أربع مائة حديث، ثم خرج الزهري من عند هشام، قال: أين أنتم يا أصحاب الحديث، فحدثهم بتلك الأربع مائة حديث، ثم أقام هشامٌ شهرًا أو نحوه، ثم قال للزهري: إن ذلك الكتاب الذي أمليت علينا قد ضاع، قال: فلا عليك، ادع بكاتبٍ، فدعا بكاتب فحدثه بالأربع مائة حديث، ثم قابل هشام بالكتاب الأول، فإذا هو لا يغادر حرفًا واحدًا٢.
وقال مالك بن أنس: حدث الزهري يومًا بحديث فلما قام قمت فأخذت بعنان دابته فاستفهمته، قال: تستفهمني؟ ما استفهمت عالمًا قط ولا رددت شيئًا على عالم قط، قال: فجعل عبد الرحمن بن مهدي يعجب ويقول: فَذِيْكَ الطِّوال٣ وتلك المغازي! ٤.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى (١٦٦) القسم المتمم، والحلية (٣/ ٣٦٣)، وتاريخ دمشق (٨٥) ترجمة الزهري. ٢ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٤٠)، وتاريخ دمشق (٨٩) رقم (١٠٢) من ترجمة الزهري. ٣ أي الأحاديث الطوال. ٤ الجرح والتعديل (٨/ ٧٢) رقم (٣١٨)، وتاريخ دمشق (٧٦) رقم (٨٠) من ترجمة الزهري، وتهذيب الكمال (٢٦/ ٣٤٣) .
[ ١ / ١٠١ ]
وقال مالك أيضًا: أخذت بلجام بغلة الزهري فسألته أن يعيد عليّ حديثًا، فقال: ما استعدت حديثًا قط١.
وفي رواية أخرى قال: حدثنا ابن شهاب أربعين حديثًا فتوهمت في حديث منها، فانتظرته حتى خرج فأخذت بلجام بغلته ثم سألته عن حديث واحد شككت فيه فقال: أو لم أحدثكه؟ قال: قلت: بلى، ولكني توهمت فيه، فقال: لقد فسدت الرواية، خل لجام الدابة، فخليته ومضى٢.
_________________
(١) ١ تاريخ دمشق (٧٩) رقم (٨٤) . ٢ تاريخ دمشق (٨٣) رقم (٩٢) من ترجمة الزهري.
[ ١ / ١٠٢ ]
المطلب الثاني: منزلته العلمية.
تبوأ الزهري مكانة بين الناس لم يصلها أحد من أقرانه فأثنى عليه كبار المحدثين واعترفوا بفضله، قال الإمام مالك بن أنس: "كان الزهري إذا دخل المدينة لم يحدث بها أحد من العلماء حتى يخرج الزهري"١.
وذلك لإتقانه وحفظه.
قال عمرو بن دينار: "ما رأيت أبصر للحديث من ابن شهاب"٢.
وقال: "ما رأيت أنصَّ للحديث من هذا الشيخ"٣.
وفي رواية: "ما رأيت مثل هذا القرشي قط"٤.
وقال أيضًا: "جالست جابر بن عبد الله وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، فلم أر أحدًا أنسق للحديث من الزهري"٥.
وقال معمر: "ما رأيت مثل الزهري في وجهه قط، يعني الحديث، ولا مثل حماد ابن سلمة، يعني في الرأي"٦.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢١) . ٢ الطبقات الكبرى (١٧٤)، القسم المتمم، تحقيق: زياد منصور، وتاريخ دمشق رقم (١٢١) . ٣ سنن الترمذي (٢/ ٤٠٢)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٤)، وتاريخ أبي زرعة رقم: (٩٥١)، والتمهيد (٦/١١١) . ٤ التمهيد (٦/ ١٠٢) . ٥ المصدر السابق (٦/ ١٠٣) . ٦ التمهيد (٦/ ١٠٣)، وتاريخ الإسلام (٥/ ١٤٦)، وتاريخ دمشق رقم (١٢٢)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٧)، والحلية (٣/ ٣٦١) .
[ ١ / ١٠٣ ]
وقال مكحول: "ما أعلم أحدًا أعلم بسنة ماضية من الزهري"١.
وقال: "ابن شهاب أعلم الناس"٢.
وقيل له: "من أعلم الناس؟ قال: ابن شهاب، فقيل: ثم من؟ قال ابن شهاب"٣.
وقال: "ما بقي على ظهرها أعلم بسنة ماضية من الزهري"٤.
وقال قتادة: "ما بقي على ظهرها إلا اثنان، الزهري وآخر، فظننا أنه يعني نفسه"٥.
وقال سفيان: "مات الزهري يوم مات وما على الأرض أحد أعلم بالسنة منه"٦.
وقال الليث: "قال يحيى بن سعيد: ما بقي
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى (١٧٨) القسم المتمم، والطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٩)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٤١ - ٦٤٢)، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٥٨) . ٢ التمهيد (٦/ ١٠٣) . ٣ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٦)، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٥٧) . ٤ التمهيد (٦/ ١٠٤) . ٥ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٤٢)، والتمهيد (٦/ ١٠٧) . ٦ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢١)، وتاريخ أبي زرعة رقم (١٤٥٠)، والحلية (٣/ ٣٦٠) وتاريخ دمشق رقم (١٦٦) .
[ ١ / ١٠٤ ]
عند أحد من العلم ما بقي عند ابن شهاب"١.
وقال الجُمَحي: "ما رأيت أحدًا أقرب شيء من ابن شهاب من يحيى ابن سعيد ولولا ابن شهاب لذهب كثير من السنن"٢.
وقال مالك: "ما رأيت محدثًا فقيهًا إلا واحدًا، قيل: من هو؟ قال: ابن شهاب"٣.
وقال ابن أُكَيمة٤: "لولا ابن شهاب لذهب كثير من السنن"٥.
وقال عمر بن عبد العزيز لجلسائه: "هل تأتون ابن شهاب؟ قالوا: إنا لنفعل، قال: فأتوه فإنه ليس أحد أعلم بسنة ماضية منه"٦.
وقال: "ما أتاك به الزهري بسنده فاشدد به يديك"٧.
وقال أيوب السختياني: "ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري"٨.
_________________
(١) ١ المعرفة (١/ ٦٣١) . ٢ المعرفة (١/ ٦٣٥) . ٣ التمهيد (٦/ ١١٢) . ٤ عمارة بن أكيمة الليثي المدني ثم الجندعي، ثقة من الثالثة، توفي سنة إحدى ومائة وله تسع وسبعون، التقريب (ص: ٤٠٨) . ٥ المعرفة والتاريخ (١/ ٣٤٧) . ٦ الحلية (٣/ ٣٦٠) . ٧ تاريخ أبي زرعة رقم: (٩٦٠)، والإرشاد للخليلي (١/ ١٨٩)، وتاريخ دمشق (١٢٤٠) ترجمة الزهري. ٨ الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٩)، والطبقات (١٧٨)، القسم المتمم، والتاريخ الكبير (١/ ٢٢٠)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٣٨) .
[ ١ / ١٠٥ ]
وقال أيضًا " ما رأيت أحدًا أعلم من الزهري، فقيل له: ولا الحسن؟ قال: ما رأيت أعلم من الزهري"١.
وقال أبو بكر الهذلي: "لم أر مثل هذا قط"٢.
وفي رواية له قال: "جالست الحسن وابن سيرين فما رأيت مثله، يعني الزهري"٣.
وعن إبراهيم بن سعد عن أبيه قال: "ما أرى أحدًا جمع ما جمع ابن شهاب"٤.
وعن جعفر بن ربيعة قال: "قلت لعِراك بن مالك: من أفقه أهل المدينة؟ قال: أما أعلمهم بقضايا الرسول ﷺ وقضايا أبي بكر وعمر وعثمان، وأفقههم فقهًا وأعلمهم بما مضى من أمر الناس فسعيد بن المسيب، وأما أغزرهم حديثًا فعروة بن الزبير، وأعلمهم عندي جميعًا ابن شهاب، فإنه جمع علمهم جميعًا إلى علمه"٥.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى (١٧٨) القسم المتمم، والتمهيد (٥/ ١٠٦، ١٠٧) ٢ الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٨) . ٣ التمهيد (٦/ ١٠٥) . ٤ التاريخ الكبير (١/ ٢٢١) . ٥ المعرفة والتاريخ (١/ ٤٧١ و١/ ٦٢٢ - ٦٢٣) .
[ ١ / ١٠٦ ]
وقال عنه عبد الملك بن مروان: "ما مات رجل ترك مثلك"١.
وأخيرًا قال عنه الليث بن سعد: "ما رأيت عالمًا قط أجمع من ابن شهاب، ولا أكثر علمًا منه، ولو سمعت من ابن شهاب يحدث عن الترغيب، فتقول لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن العرب والأنساب قلت: لا يحسن إلا هذا، فإن حدث عن الأنبياء وأهل الكتاب، قلت: لا يحسن إلا هذا، وإن حدث عن القرآن والسنة كان حديثه، ثم يتلوه بدعاء جامع يقول: اللهم إني أسألك من كل خير أحاط به علمك في الدنيا والآخرة، وأعوذ بك من كل شر أحاط به علمك في الدنيا والآخرة"٢.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ (١/ ٦٢٩) . ٢ التاريخ الكبير (١/ ٥)، والمعرفة والتاريخ (١/ ٦٢٣)، والحلية (٣/ ٣٦٣)، والتمهيد (٥/ ١٠٨) .
[ ١ / ١٠٧ ]
المبحث الثالث: في ذكر شيوخه الذين روى عنهم المغازي
المطلب الأول: في ذكر شيوخه الذين روى عنهم روايات قليلة في المغازي.
المبحث الثالث: في ذكر شيوخه الذين روى عنهم المغازي
وتحته مطلبان:
المطلب الأول: في ذكر شيوخه الذين روى عنهم روايات قليلة في المغازي.
روى الإمام الزهري ﵀ عن شيوخ عدة١ في الحديث والسير والمغازي وغيرها، وسأقتصر على ذكر شيوخه الذين روى عنهم المغازي من الصحابة وغيرهم مرتبين على حروف المعجم.
١ - أنس بن مالك رضي الله عنه٢.
٢ - ثعلبة بن أبي مالك٣.
٣ - السائب بن يزيد رضي الله عنه٤.
٤ - سنان بن أبي سنان الدؤلي٥.
٥ - سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب٦.
_________________
(١) ١ انظرهم في تهذيب الكمال للمزي (٢٦/ ٤٢٠ - ٤٢٧) . ٢ وقد روى الزهري عنه في المغازي خمس روايات رقم (١٨، ١١٠، ١٢٨، ١٤٩، ١٧٣) . ٣ وقد روى عنه رواية واحدة رقم [٤١] ٤ وقد روى عنه روايتين رقم [١٧٤، ١٨٩] ٥ وقد روى عنه روايتين رقم [٦٢، ١٦٠] . ٦ وقد روى عنه أربع روايات رقم [٦٣، ٩٣، ١٥٥، ١٨٢] .
[ ١ / ١٠٨ ]
٦ - عباد بن زياد، المعروف أبوه بزياد بن أبي سفيان١.
٧ - عبد الحميد بن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب٢.
٨ - عبد الرحمن بن أزهر القرشي الزهري٣.
٩ - عبد الرحمن بن كعب بن مالك٤.
١٠ - عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة٥.
١١ - عبد الله بن أبي حَدْرَد الأسلمي٦.
١٢ - عبد الله بن ثعلبة بن صُعَير٧.
١٣ - عبد الله بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك٨.
١٤ - عبد الله بن موهب الشامي٩.
١٥ - عمر بن أسيد بن العلاء الثقفي١٠.
_________________
(١) ١ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٨٤] . ٢ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٨٦] . ٣ وقد روى عنه الزهري في المغازي روايتين رقم [١٦٥، ١٦٦] . ٤ وقد روى عنه الزهري في المغازي اثنتي عشرة رواية رقم [٤٧، ٥٠، ٥١، ٥٣، ٥٤، ٦٠، ٨٤، ١٠٣، ١١٢، ١١٦، ١٧٨، ١٧٩] . ٥ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٤٠] . ٦ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٥٦] . ٧ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٨] . ٨ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٢٨] ٩ وقد روى عنه الزهري في المغازي روايتين رقم [١٣٨،١٣٩] ١٠ وقد روى عنه الزهري في المغازي روايتين رقم [٥٨،٥٧]
[ ١ / ١٠٩ ]
١٦ - عمر بن محمد بن جبير بن مطعم١.
١٧ - عمرو بن جارية الثقفي٢.
١٨ - عنبسة بن سعيد بن العاص الأموي٣.
١٩ - كثير بن العباس بن عبد المطلب٤.
٢٠ - كلثوم بن الحصين الغفاري٥.
٢١ - مالك بن أوس بن الحَدَثان٦.
٢٢ - محمد بن جبير بن مطعم بن عدي٧.
٢٣ - مسلم بن يزيد السعدي٨.
٢٤ - يزيد بن هرمز المدني مولى بني ليث٩.
٢٥ - أبو بكر بن سليمان بن أبي حثْمة١٠.
_________________
(١) ١ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٧٥] ٢ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٥٧] ٣ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٢٧] ٤ وقد روى عنه الزهري في المغازي روايتين رقم [١٦٣،١٦٤] ٥ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٨١] ٦ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٣٢] ٧ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٧] ٨ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٤٧] ٩ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [٤٢] ١٠ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم
[ ١ / ١١٠ ]
٢٦ - أبو حازم سلمة بن دينار١.
٢٧ - أبو أمامة بن سهل بن حُنيف٢.
_________________
(١) ١ وقد روى عنه الزهري في المغازي رواية واحدة رقم [١٥] ٢ وقد روى عنه الزهري في المغازي روايتين رقم [٧٣، ١٠٨]
[ ١ / ١١١ ]
المطلب الثاني: في ذكر شيوخه الذين أكثر عنهم، وكان لهم تأثير عليه.
بالرغم من كثرة شيوخ الزهري إلا أنه قد انقطع إلى أربعة كلهم بحور فلازمهم مدة طويلة حتى أفرغ ما عندهم في جعبته وهم:
١- سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب المخزومي، ت٩٤ هـ١.
٢- عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، ت ٩٧ هـ، وقيل ٩٣ هـ، وقيل أربع٢.
٣- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، ت سنة ٩٨ هـ وقيل ٩٩ هـ٣.
٤- أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، ت سنة ٩٤٤.
فهؤلاء الأربعة الذين أدركهم الزهري وأخذ جلَّ علمه منهم؛ لأن هؤلاء قد أدركوا كثيرًا من الصحابة واستقوا علوم السنة منهم٥، فبارك الله في أعمارهم حتى أدركهم الزهري فظفر بهم، يقول الزهري: أدركت
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٤/٢١٧-٢٤٦. ٢ سير أعلام النبلاء ٤/٤٢١-٤٣٤. ٣ سير أعلام النبلاء ٤/٤٧٥-٤٧٩. ٤ سير أعلام النبلاء ٤/٢٨٧-٢٨٩. ٥ الطبقات الكبرى ٢/٢٨٠و٥/١٢١.
[ ١ / ١١٢ ]
من بحور قريش أربعة: عروة بن الزبير، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وأبا سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن المسيب، فأما أبو سلمة بن عبد الرحمن فكان يماري ابن عباس فجرب بذلك علمًا كثيرًا١.
وسعيد بن المسيب هو: سعيد بن المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو ابن عائذ بن عمران بن مخزوم بن يقظة، الإمام العَلَم، أبو محمد القرشي المخزومي، عالم أهل المدينة، وسيد التابعين في زمانه، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁ وقيل: لأربع مضين منها.
رأى عمر وسمع عثمان، وعلي ًا وزيد بن ثابت، وأبا موسى وسعدًا، وعائشة، وأبا هريرة، وابن عباس، ومحمد بن مسلمة، وأم سلمة، وخلقًا سواهم٢.
قال العطاف بن خالد: عن أبي حرملة عن ابن المسيب قال: "ما فاتتني الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة"٣.
وعن سفيان الثوري: عن عثمان بن حكيم، سمعت سعيد بن
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٣٨٢، والمعرفة والتاريخ١/٤٨٩و١/٥٢٢، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٤٥)، والحلية ٢/١٨٨، وفيها أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بدلًا من أبي سلمة، والتمهيد ٦/٣٠٥، وسير أعلام النبلاء ٤/٢٨٩، وفيه (..فحرم لذلك منه علمًا كثيرًا) . ولعله تصحيف من الطباعة. ٢ سير أعلام النبلاء ٤/٢١٧-٢١٨. ٣ سير أعلام النبلاء ٤/٢٢١
[ ١ / ١١٣ ]
المسيب يقول: "ما أذن المؤذن منذ ثلاثين سنة إلا وأنا في المسجد"١.
وعن نافع أن ابن عمر ذكر سعيد بن المسيب فقال: "هو والله أحد المفتين"٢.
وقال قتادة ومكحول والزهري وآخرون، واللفظ لقتادة: "ما رأيت أعلم من سعيد بن المسيب"٣.
وقال علي بن المديني: "لا أعلم في التابعين أحدًا أوسع علمًا من ابن المسيب، هو عندي أجل التابعين"٤.
وقال أحمد بن حنبل وغير واحد: "مرسلات سعيد بن المسيب صحاح"٥.
وعن عبد الرحمن بن حرملة: سمعت ابن المسيب يقول: "حججت أربعين حجة"٦.
وقال مالك: قال ابن المسيب: "إن كنت لأسير الأيام والليالي في طلب الحديث الواحد"٧.
_________________
(١) ١ المصدر السابق. ٢ المصدر السابق ٤/٢٢٢. ٣ المصدر السابق. ٤ المصدر السابق. ٥ المصدر السابق. ٦ سير أعلام النبلاء ٤/٢٢٢. ٧ المصدر السابق.
[ ١ / ١١٤ ]
فهذا العالم النحرير أحد شيوخ الزهري الذين أكثر عنهم ولازمهم مدة طويلة كما ذكر ذلك عن نفسه حيث قال: جالست سعيد بن المسيب ست سنين١.
وفي رواية أخرى: "جالسته سبع سنين"٢.
وفي رواية ثالثة: "جالسته ثمان سنين"٣.
وفي رواية رابعة قال: "جالسته عشر سنين"٤.
ويجمع بين هذه الروايات بأنه جالسه ست سنين في بداية الأمر فأخبر عن تلك المدة، وكلما زاد مدة أخبر عنها حتى بلغت عشر سنين.
وقال الزهري عنه: "كنت أطلب العلم من ثلاثة: سعيد بن المسيب وكان أفقه الناس، وعروة بن الزبير وكان بحرًا لا تكدره الدلاء، وعبيد الله ابن عبد الله بن عتبة، وكنت لا أشأ أن أقع منه على علم ما لا أجد عند غيره إلا وقعت"٥.
وقد روى عنه الزهري في المغازي ست عشرة رواية من أصل ١٩٥
_________________
(١) ١ الحلية ٣/٣٦٧. ٢ المعرفة والتاريخ ١/٣٥٩، و١/٤٧٣، والحلية ٣/٣٦٦. ٣ الطبقات الكبرى ١٧١ (القسم المتمم لتابعي أهل المدينة - تحقيق زياد منصور) والمعرفة والتاريخ ١/٦٣١، وتذكرة الحفاظ ١/١٠٩، والبداية والنهاية ٩/٣٤١. ٤ الطبقات الكبرى (٢/ ٣٨٣)، والطبقات أيضًا القسم المتمم (١٦٥)، وتاريخ دمشق ترجمة الزهري (٥٤) رقم (٤٨) تحقيق: شكر الله نعمة الله. ٥ المعرفة والتاريخ (١/ ٥٥٢) .
[ ١ / ١١٥ ]
رواية.
وأما عروة: فهو عروة بن حواري رسول الله ﷺ وابن عمته صفية، الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب، الإمام عالم المدينة، أبو عبد الله القرشي الأسدي، المدني الفقيه، أحد الفقهاء السبعة١.
ولد لست سنين خلت من خلافة عثمان٢.
قال ابن أبي الزناد: حدثني عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن قال: "دخلت مع أبي المسجد، فرأيت الناس قد اجتمعوا على رجل، فقال أبي: أنظر من هذا، فنظرت فإذا هو عروة، فأخبرته وتعجبت، فقال: يابني لا تعجب، لقد رأيت أصحاب الرسول ﷺ يسألونه"٣.
وذكره يعقوب بن سفيان ضمن جماعة وذكر لهم أخبارًا، ثم قال: فهؤلاء الذين سميناهم ثقات متقنون يقوم حديثهم مقام الحجة، وهم فقهاء تابعي أهل المدينة٤.
وقال ابن عبد البر: "وكان أحد العشرة الفقهاء من تابعي المدينة
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٤/٤٢١. ٢ سير أعلام النبلاء ٤/٤٢٢ ٣ سير أعلام النبلاء ٤/٤٢٥. ٤ المعرفة والتاريخ ١/٣٥٤-٣٥٥.
[ ١ / ١١٦ ]
وكان عروة أحفظهم كلهم وأغزرهم حديثًا"١.
ونقل ابن كثير عن الواقدي أنه قال: "كان فقيهًا عالمًا حافظًا ثبتًا حجة عالمًا بالسير وهو أول من صنف المغازي"٢.
وقد عرف الزهري منزلة ذلك الإمام العظيمة، حتى قال عنه: "إن كنت لآتي باب عروة بن الزبير فأجلس ثم أنصرف، ولو أشاء أن أدخل لدخلت إعظامًا له"٣.
ولازمه وأخذ عنه علمًا كثيرًا ولما أخذ عنه العلم وجده بحرًا، ولذلك قال، وجدت عروة بحرًا لا تكدره الدلاء٤.
وقال عنه أيضًا: وأما عروة فبئر لا تكدره الدلاء٥.
وقد أخذ الزهري عنه أحاديث كثيرة منها في المغازي (٣٩) رواية من أصل (١٩٥) رواية. وهو أكثر شيوخ الزهري رواية للمغازي.
وأما عبيد الله: فهو عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، الإمام الفقيه، مفتي المدينة وعالمها، وأحد الفقهاء السبعة، أبو
_________________
(١) ١ التمهيد ٨/٥. ٢ البداية والنهاية ٩/١٠١. ٣ الطبقات ١٧٠، القسم المتمم، تحقيق زياد منصور، والمعرفة والتاريخ ١/٦٣٨، وتاريخ دمشق، ص: ٥٢-٥٣ رقم (٤٤) من ترجمة الزهري. ٤ المعرفة والتاريخ ١/٤٧٥. ٥ الحلية ٣/٣٦٦.
[ ١ / ١١٧ ]
عبد الله١.
ولد في خلافة عمر أو بعيدها٢.
قال أحمد بن عبد الله العجلي: "كان أعمش، وكان أحد فقهاء المدينة، ثقة رجلًا صالحًا، جامعًا للعلم، وهو معلم عمر بن عبد العزيز"٣.
وقال أبو زرعة الرازي: "ثقة مأمون إمام"٤.
قال عنه تلميذه الزهري بعدما صحبه وجالسه: "لما جالست عبيد الله ابن عبد الله صرت كأني أصحب بحرًا"٥.
وقال: "كنت أظن أني قد علمت العلم فلما جالسته رأيت أني كنت في شعاب من العلم"٦.
وقد روى عنه في المغازي ثمان روايات من أصل (١٩٥) رواية.
وقال: "سمعت من العلم شيئًا كثيرًا حتى ظننت أني قد اكتفيت، فلما لقيت عبيد الله بن عبد الله فإذا ليس في يدي من العلم شيءٌ"٧.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٤/٤٧٥. ٢ المصدر السابق. ٣ سير أعلام النبلاء ٤/٥٧٦. ٤ المصدر السابق. ٥ المعرفة والتاريخ ١/٥٦١. ٦ تاريخ أبي زرعة رقم (١٣٩٥) . ٧ التمهيد ٩/٧.
[ ١ / ١١٨ ]
وقال: "كنت إذا سألت عبيد الله بن عبد الله فكأنما أفجر بحرًا"١.
وقال: "أدركت أربعة بحور عبيد الله بن عبد الله أحدهم"٢.
وقال: "خدمت عبيد الله بن عبد الله بن عتبة حتى إن كان خادمه ليخرج فيقول: مَن بالباب؟ فتقول الجارية غلامك الأعيمش، فتظن أني غلامه، وإن كنت لأخدمه حتى لأستقي له وضوءه"٣.
وقال يعقوب بن محمد بن عيسى الزهري: "لما أخذ ابن شهاب ما عند عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود العلم ورأى أنه قد نفضه فلم يبق عنده من العلم شيئًا إلا حواه واستغنى عنه، انقطع عنه فقال عبيد"الله:
إذا شئتَ أن تلقى خليلًا مصافحًا لقيتَ وإخوان الثقات قليلُ٤
وأما أبو سلمة فبالرغم أنه ذكره ضمن البحور الأربعة، لكنه لم يرو عنه في المغازي – فيما وقفت عليه – إلا ثلاث روايات فقط، ولعله يقصد بكثرة الأخذ عنه المرويات الأخرى التي لا علاقة لها بالمغازي.
قال الذهبي: "قلت: لم يكثر عن أبي سلمة وهو من عشيرته، ربما كان بينهما شيءٌ، وإلا فما أبو سلمة بدون عروة في سعة العلم"٥.
يتضح مما سبق أن الزهري قد جمع علم أولئك الذين وصفهم بالبحور إلى علمه، فأصبح بحرًا لا ساحل له.
_________________
(١) ١ سنن الدارمي رقم (٦١٧)، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٤٢) . ٢ التمهيد ٩/٨. ٣ الحلية ٣/٣٦٢، وتاريخ دمشق رقم (٥٠، ٥١، ٥٢) ترجمة الزهري. ٤ تاريخ دمشق رقم (٥٢) ترجمة الزهري، تحقيق شكر الله. ٥ سير أعلام النبلاء ٤/٢٨٩.
[ ١ / ١١٩ ]
المبحث الرابع: في ذكر تلاميذه الذين رووا عنه المغازي وأبرزهم
المطلب الأول: في ذكر تلاميذه الذين رووا عنه روايات قليلة في المغازي، مرتبين على حروف المعجم.
المبحث الرابع: في ذكر تلاميذه الذين رووا عنه المغازي وأبرزهم١.
وتحته ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في ذكر تلاميذه الذين رووا عنه روايات قليلة في المغازي، مرتبين على حروف المعجم.
إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري٢.
أسامة بن زيد الليثي مولاهم٣.
إسحاق بن راشد الجزري٤.
إسماعيل بن رافع بن عويمر الأنصاري٥.
أشعث بن سوّار الكندي٦.
_________________
(١) ١ روى عن الزهري تلاميذ عدة ذكرهم المزي في تهذيب الكمال ٢٦/٤٢٧-٤٣١، ولكن اقتصرت على ذكر تلاميذه الذين رووا عنه المغازي فقط، لأن هذا ألصق بالبحث. ٢ وقد روى عن الزهري روايتين من المغازي رقم (٥٤، ٥٨) . ٣ وقد روى عن الزهري رواية واحدة من المغازي رقم (١٦٦) . ٤ وقد روى عن الزهري روايتين من المغازي رقم (١٤٣، ١٨٦) . ٥ وقد روى عن الزهري رواية واحدة من المغازي رقم (٥) . ٦ وقد روى عن الزهري رواية واحدة من المغازي رقم (٢٣) .
[ ١ / ١٢٠ ]
سفيان بن حسين بن حسن الواسطي١.
سفيان بن عيينة٢.
صالح بن أبي الأخضر اليمامي٣.
صالح بن كيسان المدني أبو محمد٤.
عاصم بن عمر بن قتادة٥.
عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي٦.
عبد الرحمن بن عبد العزيز بن عبد الله بن عثمان بن حُنَيف الأنصاري٧.
عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي٨.
عبد الله بن زياد بن سمعان المخزومي٩.
عبد الله بن عبد الله بن أويس الأصبحي١٠.
_________________
(١) ١ وقد روى عن الزهري روايتين من المغازي رقم (٢٠، ١١١) . ٢ وقد روى عن الزهري أربع روايات من المغازي رقم (٧٠، ٩٤، ١١٠، ١٨٩) . ٣ وقد روى عن الزهري رواية واحدة من المغازي رقم (١٩٠) . ٤ روى عنه رواية واحدة رقم (٦٧) . ٥ روى عنه رواية واحدة رقم (٨١) ٦ روى عنه رواية واحدة رقم (٣٨) . ٧ روى عنه روايتين رقم (٩٦، ١٢٥) . ٨ روى عنه رواية واحدة رقم (١٧٦) . ٩ روى عنه رواية واحدة رقم (١٣٨) . ١٠ روى عنه رواية واحدة رقم (١٥٣) .
[ ١ / ١٢١ ]
عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج١.
عبد الواحد بن أبي عون٢.
عبد الله بن أبي زياد الرصافي٣.
عمرو بن دينار٤.
الليث بن سعد٥.
محمد بن أبي عتيق٦.
محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف الزهري٧.
محمد بن الوليد بن عامر الزبيدي٨.
محمد بن عبد الله الزهري (ابن أخي الزهري) ٩.
الوليد بن محمد الموقّري، أبو بشر البلقاوي١٠.
يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس١١.
_________________
(١) ١ روى عنه رواية واحدة رقم (١٨٤) . ٢ روى عنه رواية واحدة رقم (٤٦) . ٣ روى عنه روايتين رقم (٣٤، ١٠٩) . ٤ روى عنه رواية واحدة رقم (٣٢) . ٥ روى عنه رواية واحدة رقم (٤٧) . ٦ روى عنه رواية واحدة رقم (٦٢) . ٧ وقد روى عنه ثلاث روايات رقم (٤٠، ٩٣، ١٥٠) . ٨ روى عنه رواية واحدة رقم (١٢٧) . ٩ وقد روى عنه ثمان روايات رقم (١٠، ١٦، ٢٧، ٧٥، ٩٠، ١٣٢، ١٣٣، ١٣٦) . ١٠ روى عنه رواية واحدة رقم (٨٢) . ١١ روى عنه رواية واحدة رقم (١٥٦) .
[ ١ / ١٢٢ ]
المطلب الثاني: في أبرز تلاميذه وأوثقهم.
كان الزهري قد اشتهر بين الناس بغزارة علمه وقوة حافظته وذاكرته وعدالته، فهرع إليه الناس من كل مكان، فكان له من التلاميذ ما لا يحصي عددهم إلا الله، غير أن جماعة منهم لازموه ملازمة طويلة فأكثروا عنه مع توفر العدالة فيهم ومن هؤلاء.
_________________
(١) مالك بن أنس.
(٢) معمر بن راشد.
(٣) شعيب بن أبي حمزة.
(٤) يونس بن يزيد الأيلي.
(٥) عُقيل بن خالد الأيلي. قال أبو حاتم: "مالك بن أنس ثقة إمام الحجاز، وهو أثبت أصحاب الزهري"١. وقال أيضًا: "مالك أثبت أصحاب الزهري، فإن خالفوا مالكًا من أهل الحجاز حكم لمالك"٢. وقال عبد الله بن أحمد: "قلت لأبي من أثبت أصحاب الزهري؟ قال: مالك أثبت في كل شيء"٣. وقيل للجوزجاني: من أثبت في الزهري؟ قال: "مالك من أثبت الناس ١ الجرح والتعديل ١/١٧. ٢ الجرح والتعديل ١/١٧. ٣ العلل ومعرفة الرجال ١/٣٧٠.
[ ١ / ١٢٣ ]
فيه"١.
وقال عمرو بن علي: "أثبت من روى عن الزهري ممن لا يختلف فيه مالك بن أنس"٢.
قال أبو حاتم: "انتهى الإسناد إلى ستة نفر أدركهم معمر وكتب عنهم، لا أعلم اجتمع لأحد غير معمر من الحجار: الزهري، وعمرو بن دينار، ومن الكوفة أبو إسحاق والأعمش، ومن البصرة قتادة، ومن اليمامة يحيى بن أبي كثير"٣.
وقال عباس الدوري عن يحيى بن معين: "أثبت الناس في الزهري مالك بن أنس ومعمر، ويونس وعُقيل وشعيب بن أبي حمزة وابن عيينة"٤.
وقال أبو بكر بن أبي خيثمة عن يحيى بن معين: "معمر ويونس عالمان بالزهري، ومعمر أثبت في الزهري من ابن عيينة"٥.
وقال عثمان بن سعيد الدارمي: "سألت يحيى بن معين قلت: ابن عيينة أحب إليك في الزهري أو معمر؟ قال: معمر"٦.
_________________
(١) ١ شرح علل الترمذي ٢/٦٧٤. ٢ الجرح والتعديل ٨/ الترجمة رقم (٩٠٢) . ٣ الجرح والتعديل ٨/رقم الترجمة (١١٦٥) . ٤ تاريخ يحيى بن معين ٢/٥٤٣، ترجمة مالك. ٥ الجرح والتعديل ٨/رقم الترجمة (١١٦٥) . ٦ تاريخ الدارمي رقم الترجمة (٢٠،٨،٣) .
[ ١ / ١٢٤ ]
وقال ابن الجنيد: "سئل يحيى بن معين وأنا أسمع: من أثبت من روى عن الزهري؟ فقال: مالك بن أنس ثم معمر، ثم عُقيل، ثم يونس، ثم شعيب، والأوزاعي، والزبيدي، وسفيان بن عيينة، وكل هؤلاء ثقات"١.
وقال ابن الجنيد: "سمعت يحيى بن معين يقول: وأصحاب الزهري شعيب ومعمر وعُقيل ويونس والأوزاعي، قال رجل ليحيى: فمالك بن أنس؟ قال: ذاك من أرفعهم"٢.
وقال ابن طهمان عن يحيى بن معين: "شعيب بن أبي حمزة ليس به بأس، وهو أعلم بالزهري من يونس ومعمر، ومالك بن أنس أوثق الناس في الزهري"٣.
فهؤلاء هم أكثر الناس أخذًا عن الزهري، وأكثر مرويات الزهري في المغازي من طريق هؤلاء خاصة معمر الذي روى عنه اثنتين وأربعين رواية في المغازي، ويليه في المرتبة الثانية يونس بن يزيد الأيلي الذي روى عنه خمس عشرة رواية في المغازي، ثم عُقيل بن خالد الذي روى عنه اثنتي عشرة رواية، ثم شعيب بن أبي حمزة الذي روى عنه تسع روايات في المغازي، ثم مالك بن أنس الذي روى عنه ثمان روايات.
_________________
(١) ١ سؤالاته، الترجمة (١٥٦) . ٢ سؤالاته ترجمة رقم (٥٤٥) . ٣ سؤالاته ترجمة رقم (١٣٨) .
[ ١ / ١٢٥ ]
المطلب الثالث: في تلاميذه الذين ألّفوا في المغازي:
أما أبرز تلاميذ الزهري ممن ألّف في المغازي فهما الإمامان الجليلان:
موسى بن عقبة بن أبي عياش، أبو محمد القرشي مولاهم الأسدي المدني توفي سنة ١٤١هـ١.
ومحمد بن إسحاق بن يسار المطلبي مولاهم توفي سنة ١٥١هـ٢.
وقد أثنى العلماء على موسى وعلى مغازيه.
فقال الحافظ ابن حجر:. "ثقة فقيه إمام في المغازي"٣.
وقد روي عن الإمام مالك أنه كان إذا سئل عن المغازي قال: "عليك بمغازي الرجل الصالح موسى بن عقبة فإنها أصح المغازي"٤.
وقال الشافعي: "ليس في المغازي أصح من كتابه مع صغره، وخلوه من أكثر ما يذكر في كتب غيره"٥.
وكان يحيى بن معين يقول: "كتب موسى بن عقبة عن الزهري من أصح هذه الكتب"٦.
_________________
(١) ١ سير أعلام النبلاء ٦/١١٤. ٢ سير أعلام النبلاء ٧/٣٣. ٣ التقريب ٥٥٢. ٤ دلائل النبوة للبيهقي ٢/٣٧١، وسير أعلام النبلاء ٦/١١٥. ٥ الرسالة المستطرفة ٨٢. ٦ تهذيب الكمال ٢٩/١٢٠، وسير أعلام النبلاء ٦/١١٧.
[ ١ / ١٢٦ ]
وقد روى موسى بن عقبة عن الزهري في المغازي اثنتين وثلاثين رواية من أصل (١٩٥) رواية.
وأما ابن إسحاق فهو المتخصص في علم المغازي١.
قال عنه الزهري: "لا يزال بالمدينة علم جم ما دام فيهم ابن إسحاق"، وسئل الزهري عن مغازيه فقال: "هذا أعلم الناس بها - يعني ابن إسحاق"٢.
وقال عنه الإمام الشافعي: "من أراد أن يتبحر في المغازي فهو عيال على محمد بن إسحاق"٣.
وقال عنه الذهبي: "قلت قد كان في المغازي علاّمة"٤.
وقد روى عن الزهري روايات كثيرة في السير منها في المغازي خمس وعشرون رواية.
وضعت منها في صلب الرسالة إحدى عشرة رواية، والباقي في الهامش كشواهد وذلك لاختصارها الشديد.
_________________
(١) ١ انظر: سير أعلام النبلاء ٧/٥٣ ٢ سير أعلام النبلاء ٧/٣٦. ٣ وسير أعلام النبلاء ٧/٣٦. ٤ تاريخ بغداد ١/٢١٩، سير أعلام النبلاء ٧/٣٦.
[ ١ / ١٢٧ ]
المبحث الخامس: في مروياته المرسلة ونسبة التدليس إليه
المطلب الأول: في مراسيله
المبحث الخامس: في مروياته المرسلة ونسبة التدليس إليه
وفيه مطلبان:
المطلب الأول: في مراسيله١.
وقد تكلم علماء الحديث عن مراسيل الزهري فوصفوها بأنها لا شيء.
قال يحيى بن سعيد القطان: "مرسل الزهري شر من مرسل غيره لأنه حافظ، وكلما قدر أن يُسمى سَمَّى، وإنما يترك من لا يحسن أن يسميه٢.
وروى عنه قوله: "مرسل الزهري لا شيء"٣.
وقال ابن أبي حاتم: "كان يحيى بن سعيد القطان لا يرى إرسال الزهري وقتادة، ويقول: هو بمنزلة الريح، ثم يقول: هؤلاء حفاظ كانوا إذا سمعوا الشيء عقلوه"٤.
_________________
(١) ١ يُقصد بمراسيله ما رفعه إلى النبي ﷺ أو إلى زمانه ولم يذكر الصحابي أو الصحابة الذين روى عنهم تلك الروايات. ٢ تاريخ دمشق، ترجمة الزهري، ١٥٧ رقم (٢٤٥) تحقيق شكر الله. ٣ المصدر السابق،١٦٠ رقم (٢٥٩) تحقيق شكر الله، وتدريب الراوي ١٢٤. ٤ المراسيل لابن أبي حاتم، ١١.
[ ١ / ١٢٨ ]
وروي عن يحيى بن معين أنه قال: "مرسل الزهري ليس بشيء"١.
لكن قيل لأحمد بن صالح المصري: "قال يحيى بن سعيد: مرسل الزهري شبه لا شيء، فغضب وقال: ما ليحيى ومعرفة علم الزهري ليس كما قال يحيى"٢.
فلعل الزهري - والله أعلم - كان يحذف بعض الرواة اختصارًا، ولذلك يسميهم عندما يسأل عنهم، فقد روي عن مالك بن أنس أنه قال: كنا نجلس إلى الزهري وإلى محمد بن المُنْكَدِر، فيقول الزهري: قال ابن عمر كذا وكذا، فإذا كان بعد ذلك جلسنا إليه فقلت: الذي ذكرت عن ابن عمر من أخبرك به؟ قال: ابنه سالم٣.
قال ابن عبد البر: "فهكذا مراسيل الثقات، إذا سئلوا أحالوا على الثقات"٤.
وهذه الرواية تدل على أن ما ذكره القطان من قوله: " وإنما يترك من لا يحسن أو يستحي أن يسميه"، ليس مسلم به في كل الأحوال، كما أن يحيى بن سعيد القطان من متشددي أئمة الجرح والتعديل في الحديث، وعلى كل حال فهذا حكم المحدثين في الحلال والحرام أما في
_________________
(١) ١ شرح علل الترمذي لابن رجب، ١/٥٣٥. ٢ تاريخ دمشق، ص١٦٠رقم الرواية (٢٥٩) ترجمة الزهري تحقيق: شكر الله قوجاني. ٣ الكفاية للخطيب، ٣١٨، وابن عبد البر في التمهيد، ١/٣٧. ٤ التمهيد، ١/٣٧.
[ ١ / ١٢٩ ]
باب المغازي والسير فمراسيل الزهري مقبولة، وخاصة التي لا علاقة لها بالأحكام وصح مخرجها إلى الزهري.
قال البيهقي: "كل حديث أرسله واحد من التابعين أو الأتباع، فرواه عن النبي ﷺ ولم يذكر من حمله عنه، فهو على ضربين:
أحدهما: أن يكون الذي أرسله من كبار التابعين الذين إذا ذكروا من سمعوا منه ذكروا قومًا عدولًا يوثق بخبرهم، فهذا إذا أرسل حديثًا نظر في مرسله فإذا انضم إليه ما يؤكده من مرسل غيره، أو قول واحد من الصحابة أو إليه ذهب عوام أهل العلم، فإنا نقبل مرسله في الأحكام.
والآخر: أن يكون الذي أرسله من متأخري التابعين الذين يعرفون بالأخذ عن كل واحد، وظهر لأهل العلم بالحديث ضعف مخارج ما أرسلوه، فهذا النوع من المراسيل لا يقبل في الأحكام، ويقبل فيما لا يتعلق به حكم من الدعوات وفضائل الأعمال والمغازي، وما أشبهها"١.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ١/٣٩-٤٠.
[ ١ / ١٣٠ ]
المطلب الثاني: في نسبة التدليس١ إليه.
كان الزهري ﵀ مدلسًا، فقد وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بذلك كما قال الحافظ٢.
ولكن تدليسه كان نادرًا كما قال الذهبي٣.
وقد ذكره العلائي ﵀ في الطبقة الثانية من طبقات المدلسين، وهم ممن احتمل الأئمة تدليسهم، قال ﵀: "وثانيها: من احتمل الأئمة تدليسه وخرجوا له في الصحيح، وإن لم يصرح بالسماع، وذلك لإمامته أو لقلة تدليسه في جنب ما رَوَى أو لأنه لا يدلس إلا عن ثقة، كالزهري وسليمان الأعمش، وإبراهيم النخعي"
ففي الصحيحين وغيرهما لهؤلاء الحديث الكثير مما ليس فيه التصريح بالسماع، وبعض الأئمة حمل ذلك على أن الشيخين اطلعا على سماع الواحد لذلك الحديث الذي أخرجه بلفظ (عن) ونحوها من شيخه٤.
_________________
(١) ١ التدليس هو: أن يروي الراوي عن شيخه حديثًا لم يسمعه منه بلفظ عن أو قال أو ذكر ونحو ذلك مما يوهم الاتصال ولا يصرح بحدثنا. جامع التحصيل ٩٧، وتدريب الراوي ١/٢٢٣-٢٢٤. ٢ تعريف أهل التقديس بمراتب الموصوفين بالتدليس ١٠٩، وهذا بالطبع في حكم المحدثين. ٣ ميزان الاعتدال ٤/٤٠ رقم الترجمة (٨١٧١) . ٤ جامع التحصيل ١١٣.
[ ١ / ١٣١ ]
وقال أيضًا: "محمد بن شهاب الزهري العالم المشهور، مشهور به، وقد قبل الأئمة قوله (عن) "١.
وقال برهان الدين الحلبي: "محمد بن مسلم الزهري العالم المشهور، مشهور به وقد قبل الأئمة قوله (عن) "٢.
وذكره الشيخ حماد الأنصاري ﵀ في الطبقة الثانية من المدلسين فقال: محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري الفقيه المدني نزيل الشام مشهور بالإمامة والجلالة من التابعين، وصفه الشافعي والدارقطني وغير واحد بالتدليس، ولكن قال البرهان في التبيين في أسماء المدلسين، قد قبل الأئمة قوله (عن) ٣.
أما الحافظ ابن حجر فقد ذكره في الطبقة الثالثة٤. وهم من أكثر من التدليس فلم يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرحوا بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقًا، ومنهم من قَبِلَهم كأبي الزبير المكي٥.
وقد جعله الحافظ في مرتبة اختلف الأئمة عليها، فمن تشدد كيحيى القطان لم يقبل إلا ما صرح به، ومن اعتدل قَبِلَ، والزهري لم يكن من
_________________
(١) ١ المصدر السابق ١٠٩. ٢ التبيين لأسماء المدلسين ٥٠. ٣ إتحاف ذوي الرسوخ بمن رُمي بالتدليس من الشيوخ ٤٧. ٤ تعريف أهل التقديس ١٠٩، والنكت على كتاب ابن الصلاح ٢/٦٤٢. ٥ تعريف أهل التقديس ٢٣.
[ ١ / ١٣٢ ]
المكثرين من التدليس كما ذكر العلائي والذهبي فيما سبق ذكره على أن الحافظ ابن حجر نفسه قد وصف الزهري بقلة التدليس١.
فالأولى أن يكون في الطبقة الثانية، وهي من احتمل الأئمة تدليسهم وخرجوا لهم في الصحيحين وغيرهما إما لإمامتهم أو لقلة تدليسهم، ومع ذلك حكم على تلك الأحاديث بالصحة٢.
_________________
(١) ١ انظر: فتح الباري ١٠/٤٢٧ تحت حديث رقم (٥٩٩٥) . ٢ انظر: على سبيل المثال سنن أبي داود رقم (٣٠٠٠)، فقد حكم عليه الألباني في صحيح سنن أبي داود رقم (٢٥٩٣) بالصحة وانظر: سنن الترمذي، حديث رقم (٢١١٦)، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح، وصححه الألباني في صحيح سنن الترمذي رقم (١٦٦٥)، وانظر: سنن النسائي حديث رقم (٢١١٦)، وقد صححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (٣٣٦٦) . وانظر: سنن ابن ماجة حديث رقم (١٣٩٩) وقد صححه الألباني في صحيح سنن النسائي رقم (١١٤٨) .
[ ١ / ١٣٣ ]
المبحث السادس: في بعض الشبهات التي أثيرت حوله
الشبهة الأولى: في مخالطته الملوك من بني أمية:
ذكر بعض علماء الزيدية١ أن مخالطة الزهري لسلاطين بني أمية يعد موالاة لهم وإعانة لهم، وهذا قدح وجرح في شخصية الزهري٢، وأنه ما وقف معهم إلا ليعينهم على المظالم على العموم٣.
وقد تولى العلامة ابن الوزير٤ في كتابه (العواصم والقواصم) الرد على هذه التهمة بكلام طويل أذكر منه ما يفي بالمقصود، قال ﵀: "والأمر في الزهري قريب والإشكال فيه سهل، لكن القدح الذي قدح به السيد على الزهري يقتضي القدح في كثير من العلماء والفضلاء، ممن خالط الملوك فإن التاركين لذلك من العلماء هم الأقلون عددًا، وإذا طالعت كتب التواريخ لم تكد تجد أحدًا من العلماء إلا وله علاقة بالسلاطين أو مخالطة لهم أو وفادة عليهم أو قبول لعطاياهم، فمنهم المقل
_________________
(١) ١ هو: علي بن محمد بن محمد بن جعفر بن محمد بن الحسين الهادي، ت٨٣٧هـ، البدر الطالع ١/٤٨٥،وهو من شيوخ ابن الوزير. ٢ العواصم والقواصم ٨/١٨٧. ٣ العواصم والقواصم ٨/٢٢٠. ٤ اسمه: محمد بن إبراهيم بن الوزير اليماني، ت ٨٤٠هـ، البدر الطالع ٢/٨١، والضوء اللامع ٦/٢٧٢، وفهرس الفهارس ٢/١٠٢٤.
[ ١ / ١٣٤ ]
ومنهم المكثر"١.
ثم قال: "وأما من خالط الملوك أو كاتبهم أو قبل عطاياهم فهو السواد الأعظم من المتقدمين والمتأخرين من الصحابة والتابعين، وأنا أذكر منهم عيونًا حسب ما حضرني. ثم ذكر ﵀ نماذج من ذلك منها:
١- مخالطة يوسف ﵇ لعزيز مصر٢.
٢- أن الحسن بن علي - ﵁ - كان يكاتب معاوية ويدخل عليه، ويأخذ منه العطايا٣.
٣- ذكر أيضًا مخالطة الشافعي وأبي يوسف ومحمد بن الحسن لهارون الرشيد٤.
قلت: وأما قوله: إنه إنما وقف معهم ليعينهم على المظالم على العموم، فغير مسلم لوجهين:
الوجه الأول: أنه كان يصدع بالحق ولا يخاف في الله لومة لائم، فقد أخرج عبد الرزاق في تفسيره قال: أنا معمر عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك، فقال: الذي تولى كبره منهم علي بن أبي طالب، قلت: لا، حدثني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة
_________________
(١) ١ العواصم والقواصم ٨/١٨٧-١٨٨. ٢ العواصم والقواصم ٨/٢٠٧. ٣ العواصم والقواصم ٨/٢٠٧. ٤ العواصم والقواصم ٨/٢١١.
[ ١ / ١٣٥ ]
بن وقاص وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود كلهم سمعوا عائشة تقول: الذي تولى كبره منهم عبد الله بن أبي١.
وأخرج أبو نعيم في الحلية من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري قال: "كنت عند الوليد بن عبد الملك فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ٢، قال: نزلت في علي بن أبي طالب، قال الزهري: أصلح الله الأمير، ليس كذا أخبرني عروة عن عائشة ﵂، قالت: وكيف أخبرك؟ قال: أخبرني عروة عن عائشة رضي الله تعالى عنها
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق ٢/٥١-٥٢، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه ابن شبه في تاريخ المدينة ١/٢٣٧، والفسوي في المعرفة ١/٣٩٣، وأخرج البخاري من طريق معمر عن الزهري قال: "قال لي الوليد بن عبد الملك: أبلغك أن عليًا كان فيمن قذف عائشة؟ قلت: لا، ولكن قد أخبرني رجلان من قومك - أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث - أن عائشة ﵂ قالت لهما: "كان علي مسلمًا في شأنها، فراجعوه فلم يرجع ". قال الحافظ: "فيه قوله: فراجعوه فلم يرجع" المراجعة في ذلك وقعت مع هشام بن يوسف فيما أحسب، وذلك أن عبد الرزاق رواه عن معمر فخالفه فرواه بلفظ (مسيئًا) كذلك أخرجه الإسماعيلي وأبو نعيم في المستخرجين، وزعم الكرماني أن المراجعة وقعت في ذلك عند الزهري، قال: وقوله: "فلم يرجع" أي لم يجب بغير ذلك، قال: "ويحتمل أن يكون المراد: فلم يرجع الزهري إلى الوليد " الفتح (٧/٤٣٧) . ٢ الآية رقم (١١) من سورة النور.
[ ١ / ١٣٦ ]
أنها نزلت في عبد الله بن أبي بن سلول المنافق"١.
قال الحافظ ابن حجر: "وكأن بعض من لا خير فيه من الناصبة، تقرب إلى بني أمية بهذه الكذبة فحرفوا قول عائشة إلى غير وجهه لعلمهم بانحرافهم عن علي فظنوا صحتها حتى بين الزهري للوليد أن الحق خلاف ذلك، فجزاه الله تعالى خيرًا"٢.
الوجه الثاني: قدح الزهري في الوليد بن يزيد، بسبب إسرافه في المعاصي.
فقد أخرج ابن سعد في الطبقات عن أبي الزناد قال: "كان الزهري يقدح أبدًا عند هشام بن عبد الملك في خلع الوليد بن يزيد ويعيبه، ويذكر أمورًا عظيمة لا ينطق بها، حتى يذكر الصبيان أنهم يخضبون بالحناء، ويقول هشام: لا يحل لك إلا خلعه"٣.
فيتضح مما سبق أن قولهم: إنما وقف الزهري مع بني أمية ليعينهم على المظالم على العموم لا دليل عليه، فقد دلت تلك النصوص المتقدم ذكرها على أن ابن شهاب الزهري ﵀ كان لا يداهن في قول الحق أبدًا وقد شهد له بذلك كبار أئمة الإسلام.
_________________
(١) ١ الحلية لأبي نعيم ٣/٣٦٩. ٢ فتح الباري ٧/٤٣٧. ٣ الطبقات الكبرى، القسم المتمم (١٨٣) تحقيق: زياد منصور، وفي سندها الواقدي وهو متروك، لكن تشهد لها رواية الطبري في تاريخه ٧/٢٥٣، بألفاظ متقاربة.
[ ١ / ١٣٧ ]
قال الإمام الأوزاعي: "ما أدهن ابن شهاب لملك قط دخل عليه، ولا أدركت خلافة هشام أحدًا من التابعين أفقه منه"١ فلا يصدق تلك التهمة إلا من أعمى الله بصيرته عن الحق الأبلج.
وذكر الحافظ ابن حجر أنه قد ورد عند ابن مردويه من وجه آخر عن الزهري قال: "كنت عند الوليد بن عبد الملك ليلة من الليالي، وهو يقرأ سورة النور مستلقيًا فلما بلغ هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ حتى بلغ ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾، جلس ثم قال: يا أبا بكر من تولى كبره منهم؟ أليس علي بن أبي طالب؟ قال: فقلت في نفسي: ماذا أقول؟ لئن قلت: لا لقد خشيت أن ألقى منه شرًا، ولئن قلت: نعم، لقد جئت بأمر عظيم، قلت في نفسي: لقد عودني الله على الصدق خيرًا، قلت: لا، قال: فضرب بقضيبه على السرير ثم قال: فمن فمن؟ حتى ردد ذلك مرارًا، وقلت: لكنه عبد الله بن أبي٢.
وقد كان هشام بن عبد الملك يعتقد معتقد الوليد، فقد ذكر ابن حجر أن يعقوب بن شيبة أخرج في مسنده عن الحسن بن علي الحلواني عن الشافعي قال: حدثنا عمي قال: "دخل سليمان بن يسار على
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ١/٦٣٩، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٥٠) وتاريخ دمشق رقم (٢٦٤) ترجمة الزهري. ٢ فتح الباري ٧/٤٣٧.
[ ١ / ١٣٨ ]
هشام بن عبد الملك، فقال له: يا سليمان الذي تولى كبره من هو؟ قال: عبد الله بن أبي، قال: كذبت، هو علي، قال: أمير المؤمنين أعلم بما يقول، فدخل الزهري فقال: يا ابن شهاب من الذي تولى كبره؟ قال: ابن أبي، قال: كذبت هو علي، فقال أنا أكذب لا أبا لك، والله لو نادى مناد من السماء أن الله أحل الكذب ما كذبت، حدثني عروة وسعيد وعبيد الله، وعلقمة عن عائشة: أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبي١.
الشبهة الثانية: وضعه لحديث "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد ".
هذه الفرية ذكرها اليعقوبي فقال: "ومنع عبد الملك أهل الشام من الحج، وذلك أن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا بالبيعة، فلما رأى عبد الملك ذلك منعهم من الخروج إلى مكة، فضجّ الناس وقالوا: تمنعنا من حج بيت الله الحرام الذي هو فرض من الله علينا؟ فقال لهم: هذا ابن شهاب الزهري يحدثكم أن رسول الله ﷺ قال: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي، ومسجد بيت المقدس"٢، وهو يقوم لكم مقام المسجد الحرام، وهذه الصخرة التي يروى أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ الفتح ٧/٤٧٣، وقد أخرج هذه الرواية ابن عساكر في تاريخ دمشق ترجمة الزهري رقم (٢٦٦)، والسيوطي في الدر المنثور ٦/١٥٧. ٢ سيأتي تخريجه بعد قليل.
[ ١ / ١٣٩ ]
وضع قدمه عليها لما صعد إلى السماء تقوم لكم مقام الكعبة، فبنى على الصخرة قبةً، وعلق عليها ستور الديباج، وأقام لها سدنة، وأخذ الناس بأن يطوفوا حولها كما يطوفون حول الكعبة، وأقام بذلك أيام بني أمية"١.
والرد على هذه التهمة من وجوه:
١- أن هذه الحكاية ساقطةٌ مردودةٌ حسب قواعد النقل والعقل، فهي من حيث الإسناد لا أصل لها، ومن حيث المتن هي منكرةٌ مخالفة للواقع التاريخي، وذلك:
أن هذه الحكاية تذكر أن عبد الملك منع الناس الذهاب للحج، ذلك لأن ابن الزبير كان يأخذهم إذا حجوا للبيعة، فيكون ذلك بين عام ٦٥ و٧٣هـ، لأن ابن الزبير قتل سنة ٧٣هـ٢.
والزهري إنما قدم على عبد الملك سنه ٨٢هـ٣، فكيف يعقل أن يكون الزهري وضع لعبد الملك بن مروان هذا الحديث وقد تبين أنه لم يلقه بعد!!
_________________
(١) ١ تاريخ البيعقوبي ٢/٢٦١. ٢ سير أعلام النبلاء ٣/٣٧٩. ٣ المعرفة والتاريخ ٣/٣٣٣، وتاريخ دمشق رقم (٢) و(١٠) من ترجمة الزهري، وأما وفوده على مروان بن الحكم فلا يصح، انظر: تاريخ دمشق رقم (١٠) .
[ ١ / ١٤٠ ]
٢- أن حديث "لا تشد الرحال"١ قد رواه الزهري عن شيوخِه من أهل المدينة كسعيد بن المسيب (ت٩٤هـ)، وعروة بن الزبير (ت٩٧ وقيل قبلها)، فهل يعقل أن يسكت هؤلاء دون أن ينكروا على الزهري ذلك وهم الغيورون على السنة، فسكوتهم مشاركة على وضعه.
٣- لو كان الأمر كذلك لعُدَّ قادحًا في علماءِ الحديثِ حفاظِ السنةِ وناقليها، والذابين عنها، في ذلك العصر وبعده حيث لم يتنبهوا ولم ينبهوا على ذلك، فعلم أن ذلك كذبٌ لا أصل له.
٤- أن الحديث المذكور له متابعاتٌ كثيرة للزهري. وله شواهد أخرى أيضًا عن غير أبي هريرة٢.
فظهر إذًا أن دعوى الوضع باطلة.
الشبهة الثالثة: اتهامه بالنصب٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه الحميدي رقم (٩٤٣)، وابن أبي شيبة (٤/٦٥)، وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩١٥٨)، وأحمد في المسند ١٢/١٩١ رقم (٧٢٤٩)، أرناؤوط والبخاري رقم (١١٨٩)، ومسلم رقم (١٣٩٧)، والترمذي (٢/١٢٤)، وابن ماجه رقم (١/٤٥٢) كلهم عن الزهري، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة به. ٢ قد ورد هذا الحديث من غير طريق الزهري عن أبي هريرة، وثبت عن عدة من الصحابة، منهم: أبو بصرة الغفاري، وأبو سعيد الخدري، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عمرو، وأبو الجعد الضمري، وعلي. ولذا حكم عليه الشيخ الألباني بأنه متواتر. انظر إرواء الغليل (٣/٢٢٦) رقم (٧٧٣) . ٣ أهل النصب الذين ناصبوا عليًا ﵁ أي أظهروا له العداء وفسقوه، أساس البلاغة للزمخشري ٩٦٠، وفي القاموس: أهل النصب: المتدينون ببغض علي ﵁، لأنهم نصبوا له أي عادوه: نصب.
[ ١ / ١٤١ ]
فقد اتهم الشيعة الزهري بذلك زورًا وبهتانًا.
ويُلحظ أن هذه التهم الثلاث كلها صادرة من الشيعة.
قال الطوسي: "محمد بن شهاب الزهري عدو"١.
وقال ابن أبي الحديد: "وكان الزهري من المنحرفين عنه ﵇" - يعني علي بن أبي طالب -٢.
وهذه التهم مردودة من وجوه:
الأول: أن موقف الزهري من الوليد بن عبد الملك في قصة من تولى كبر الإفك دليل على حبه لعلي ﵁.
الثاني: أن مذهبه في علي ﵁ هو مذهب أهل السنة من السلف الصالح حيث يقدم أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم عليًا - رضي الله تعالى عنهم أجمعين - كما سيأتي في مبحث عقيدته.
الثالث: أن الزهري قد روى عن جماعة كبيرة من آل البيت منهم: كثير بن العباس بن عبد المطلب، وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله والحسن ابنا محمد بن علي بن أبي طالب، وزين العابدين بن علي بن الحسن وزيد بن علي بن الحسن٣، وأبو
_________________
(١) ١ رجال الطوسي ١٠١. ٢ شرح نهج البلاغة ٤/١٠٢، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم. ٣ تهذيب الكمال ٢٦/٤٢٠-٤٢٧.
[ ١ / ١٤٢ ]
جعفر محمد بن علي بن الحسين بن علي الباقر١.
الرابع: أنه قد أثنى على علي بن الحسين فقال فيه: "ما رأيت هاشميًا أفضل من علي بن الحسين"٢.
وقال عنه: "كان علي بن الحسين من أفضل أهل بيته، وأفقههم، وأحسنهم طاعة، وأحبهم إلى مروان بن الحكم وابنه عبد الملك٣.
وقال: "لم أدرك من أهل البيت أفضل من علي بن الحسين٤.
بل قيل: إن من أصح الأسانيد: الزهري عن علي بن الحسين عن أبيه عن علي٥.
فكيف يعقل أن يكون ناصبيًا، وآل البيت عنده بهذه المنزلة، سبحانك اللهم هذا بهتان عظيم.
_________________
(١) ١ تهذيب الكمال ٢٦/١٣٦. ٢ المعرفة والتاريخ ١/٥٤٤، وتاريخ أبي زرعة رقم (١٤٧٧) والجرح والتعديل ٦/١٧٨ رقم (٩٧٧) . ٣ الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٢١٥، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٧٣) . ٤ الجرح والتعديل ٦/١٧٨ رقم الترجمة (٩٧٧) . ٥ تاريخ دمشق رقم (١٣٠) وجامع الأصول ١/١٥٤، وانظر هامش (١) من نفس الصفحة حول كلام العلماء الذي نقله أحمد شاكر ﵀ في أصح الأسانيد.
[ ١ / ١٤٣ ]
المبحث السابع: في عقيدته
طبقت شهرة الزهري أرجاء العالم الإسلامي في وقته بسبب ما كان يتمتع به من علم وعمل وورع وتقوى بالإضافة إلى سلامة معتقده، فقد كانت آراؤه العقدية موافقة لمنهج جمهور السلف.
١- قوله في الإيمان: نُقل عنه قوله: "فنرى الإسلام: الكلمة، والإيمان: العمل"١. وهذا هو مذهب أهل السنة٢. أما المرجئة فيقولون: الإيمان قول، وهو مخالف لمذهب أهل السنة"٣.
٢- قوله في التفضيل: أخرج الفسوي في المعرفة والتاريخ من طريق معمر قال: "سألت الزهري عن عثمان وعلي أيهما أفضل؟ فقال: الدم الدم عثمان أفضلهما"٤.
٣- قوله في الصفات: روى عنه أنه قال: "أَمِرُّوها كما جاءت"٥.
ونقل البغوي عن الوليد بن مسلم قال: سألت الأوزاعي، وسفيان ابن عيينة، ومالك بن أنس عن هذه الأحاديث في الصفات فقالوا: "أمروها
_________________
(١) ١ كتاب السنة لعبد الله بن أحمد رقم (٥٧٠)، والسنة للخلال رقم (٩٦٤) . ٢ كتاب السنة للخلال رقم (٩٦٤) . ٣ المصدر السابق. ٤ المعرفة والتاريخ ٢/٨٠٦. ٥ تاريخ أبي زرعة رقم (١٧٧٩) و(١٧٨٠) .
[ ١ / ١٤٤ ]
كما جاءت بلا كيف"١، وقال الزهري: "على الله البيان وعلى الرسول البلاغ وعلينا التسليم"٢.
٤- رأيه في قوله ﷺ: "لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن " الحديث٣.
وفي قوله ﷺ: "ليس منا من لطم الخدود" ٤ وما أشبه، قال: "من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم".
فيتبين مما سبق أن معتقده معتقد جمهور الأئمة من السلف الصالح ﵏، وكيف لا يكون كذلك وهو القائل: الاعتصام بالسنة نجاة٥.
_________________
(١) ١ شرح السنة للبغوي ١/١٧١، وتاريخ دمشق رقم (٢٢٠) . ٢ شرح السنة ١/١٧١. ٣ أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة رقم (٥٢٠)، وأبو نعيم في الحلية ٣/٣٦٩، ولفظه: قال: فسألت الزهري عنه ما هذا؟ فقال: من الله العلم وعلى رسوله البلاغ وعلينا التسليم أمروا أحاديث رسول الله كما جاءت، وانظر الذهبي في السير ٥/٣٤٦. ٤ السنة للخلال رقم (١٠٠١) وذكر المحقق: د. عطية الزهراني أن في إسناده عبيد الله ابن حنبل مجهول. ٥ الحلية ٣/٣٦٩، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق رقم (٢١٩) .
[ ١ / ١٤٥ ]
المبحث الثامن: في وفاته وسنِّه
توفي ﵀ ليلة الثلاثاء لسبع عشرة خلت من رمضان سنة أربع وعشرين ومائة١.
وقد توفي ﵀ في ضيعة له بأدَامى٢ بشَغْب٣ وبَداَ٤.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ١٨٥، تحقيق زياد منصور، وطبقات خليفة ٢٦١، وتاريخ ابن أبي خيثمة ١٢٦/أمخطوط، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق ٣٨، ٣٩، ٤١، ٤٢، ٤٧، ١٨١، ١٨٤، ١٨٥، ١٨٩، ١٩٠، تحقيق قوجاني، ووفيات الأعيان ٤/١٧٨، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٤١-٤٤٢، وسير أعلام النبلاء ٥/٣٢٦، والبداية والنهاية ٩/٣٤٤. وقيل توفي: سنة ثلاث وعشرين ومائة، انظر: ترجمة الزهري من تاريخ دمشق ١٨٢ تحقيق قوجاني، ووفيات الأعيان ٤/١٧٨، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٤١، والبداية والنهاية ٩/٣٤٤، وقيل: توفي سنة خمس وعشرين ومائة، المصادر السابق. والصحيح أنه توفي سنة أربع وعشرين ومائة، انظر: البداية والنهاية ٩/٣٤٤. ٢ أدامى: بالفتح والقصر: لم يزد ياقوت في تعريفه عن قوله: موضع بالحجاز فيه قبر الزهري العالم الفقيه، معجم البلدان ١/١٢٥. ٣ شغب: بفتح أوله وسكون ثانيه وآخره باء موحدة، وهو تهييج الشجر، وهي ضيعة، خلف وادي القرى كانت للزهري وبها قبره، معجم البلدان ٣/٣٥٢، وقال ابن خلكان: شغب وبدا: واديان وقيل قريتان بين الحجاز والشام في موضع هو آخر عمل الحجاز وأول عمل فلسطين، وفيات الأعيان ٤/١٧٨. ٤ وبَداَ: بفتح الباء الموحدة والدال المهملة وبعدها ألف، المصدر السابق. وكان ﵀ قد أوصى أن يدفن على قارعة الطريق ليدعو له المارّة، انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ص١٨٥، تحقيق زياد منصور، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق ٤١، ١٨٩، تحقيق: قوجاني، ووفيات الأعيان ٤/١٧٨، والبداية والنهاية ٩/٣٤٤.
[ ١ / ١٤٦ ]
سنه: وكان عمره حين وفاته اثنتين وسبعين سنة١.
_________________
(١) ١ تاريخ ابن أبي خيثمة ١٢٦/أمخطوط، وترجمة الزهري من تاريخ دمشق ٤١، ٤٧، ١٨٥، نقلًا عن الواقدي وص١٧٩ نقلًا عن الزبير بن بكار وغيره، ووفيات الأعيان ٤/١٧٨، وتهذيب الكمال ٢٦/٤٤١، نقلًا عن الواقدي والزبير بن بكر. وذكر ابن سعد عن الواقدي: أنه توفي عن خمس وأربعين سنة، الطبقات الكبرى ١٨٥، تحقيق زياد ونقله ابن كثير في البداية والنهاية ٩/٣٤٤. وقال ابن عساكر: "وقال الواقدي في التاريخ: وهو ابن تسعين"، انظر: ترجمة الزهري من تاريخ دمشق ص٤٧، تحقيق شكر الله. والراجح: والله أعلم - أنه مات ﵀ عن اثنتين وسبعين سنة كما هو قول الجمهور ورواية عن الواقدي كما نقل عنه ابن عساكر والمزي
[ ١ / ١٤٧ ]
الفصل الثاني: في أثر الزهري في المغازي
المبحث الأول: هل له كتاب في المغازي
الفصل الثاني: في أثر الإمام الزهري في المغازي
وفيه ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: هل له كتاب في المغازي؟
المبحث الثاني: في منهجه في رواية المغازي.
المبحث الثالث: في القيمة العلمية لمغازي الزهري.
المبحث الأول: هل له كتاب في المغازي؟
وردت بعض النصوص تدل على أن الزهري كان لديه كتاب أو صحيفة.
فقد ذكر يعقوب الفسوي أنه سأل أبا سعيد عبد الرحمن بن إبراهيم قلت له: فعبد الرحمن بن يزيد بن تميم أين هو من أخيه عبد الله؟ قال: كان عبد الله يتهم بالقدر، وكان عبد الرحمن عنده كتاب كتبه الزهري، وكان عند ابنه، لم يقض لنا أن نكتب عنه ذلك الكتاب١.
والنص الثاني: ذكره أبو زرعة عن الأوزاعي قال: “دفع إليّ يحيى بن أبي كثير صحيفة فقال: أروها عني، ودفع إلىّ الزهري صحيفة فقال: اروها عني"٢.
النص الثالث: ذكر ابن الأثير في أسد الغابة تحت ترجمة سعد بن المنذر الأنصاري أن أبا نعيم ذكر أن بعض المتأخرين يعني ابن منده أنهم
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ ٢/٣٩٤-٣٩٥. ٢ تاريخ أبي زرعة رقم (٣٧٥) و(٢٣١٣) .
[ ١ / ١٥١ ]
ذكروا أن سعد بن المنذر الأنصاري شهد العقبة وبدرًا، قال أبو نعيم: "ولم أرَ له ذكرًا في كتاب الزهري، ولا ابن إسحاق في العقبة"١.
هذه النصوص التي اطلعت عليها، وهي ربما تشير إلى أن الزهري كانت لديه صحيفة أو كتاب، ولكن لم تشر تلك النصوص إلى أن هذه الصحيفة أو ذلك الكتاب كان مؤلفًا في الحديث أو المغازي أو في كليهما، مما يجعلنا لا نجزم بشيء من ذلك، ولكن يمكن القول حمل تلك النصوص على أن المراد بتلك الصحيفة أو الكتاب، الكتاب الذي كتبه الزهري في النسب كما سيأتي.
وقد ذكر السهيلي في قصة نكاح النبي ﷺ من خديجة أن الزهري ذكر ذلك في سيره، وهي أول سيرة ألفت في الإسلام٢.
كما أن ابن كثير ذكر أن للزهري كتابًا في المغازي أو السير٣، وكذلك قال حاجي خليفة٤.
وربما كان مستندهم تلك الروايات التي ذكرتها آنفًا، أو أنهم استندوا إلى روايات تدل على أن الزهري كان يكتب كل شيء وهي:
_________________
(١) ما روي عن صالح بن كيسان قال: اجتمعت أنا والزهري ونحن ١ أسد الغابة ٢/٣٧٧، ترجمة رقم (٢٠٤٦) . ٢ الروض الأنف ١/٢١٤. ٣ السيرة النبوية ١/٢٤٩، ٢٦٧. ٤ كشف الظنون ٢/١٧٤٧.
[ ١ / ١٥٢ ]
نطلب العلم، فقلنا نكتب السنن قال: وكتبنا ما جاء عن النبي ﷺ، قال ثم قال: تعالَ نكتب ما جاء عن الصحابة فإنه سنة، قال: قلت: إنه ليس بسنة فلا نكتبه، ولم أكتب فأنجح وضيعت١.
٢- ما روي عن أبي الزناد قال: كنت أطوف أنا وابن شهاب، ومع ابن شهاب الألواح والصحف فكنا نضحك به٢.
٣- ما روي عن مالك بن أنس أنه كان يقول: سمعت الزهري يقول: حضور المجلس بلا نسخة ذلٌّ٣.
وحتى هذه النصوص لا تذكر أن للزهري كتابًا في السيرة أو المغازي، ولكنها روايات عامة.
وهناك نصوص أخرى تدل دلالة واضحة أن الزهري لم يكن لديه كتاب في المغازي وكل ما عنده كتاب فيه نسب قومه وشيء من الشعر.
فقد روي عن يونس بن يزيد الأيلي أنه قال للزهري: "أَخرج إليّ كتبك، فقال: يا جارية هات ذلك السفط، قال: فجاءت بسفط، فإذا فيه شيء من نسب قومه وشعر، قال: ليس عندي مكتوب أو نحو هذا"٤.
ولا يتصور أن يخفي الزهري شيئًا عن تلميذه يونس وهو من
_________________
(١) ١ سبق تخريجه ص ٩٩ ٢ سبق تخريجه ص ٩٩ ٣ الحلية ٣/٣٦٦. ٤ المعرفة والتاريخ ١/٦٤١.
[ ١ / ١٥٣ ]
خواصه، وكيف يكون ذلك وهو القائل ليونس: "إياك وغلول الكتب، قلت: وما غلولها؟ قال: حبسها عن أهلها"١.
وقال قرة بن عبد الرحمن بن حيوئيل: "لم يكن للزهري كتاب إلا كتاب فيه نسب قومه"٢.
وقال مالك: "ولقد هلك ابن المسيب ولم يترك كتابًا، ولا القاسم بن محمد، ولا عروة بن الزبير ولا ابن شهاب"٣.
فهذا مالك وهو من خواص تلاميذ الزهري ينفي وجود كتاب للزهري لا في المغازي ولا في غيره.
وقال مالك أيضًا: "حدثنا ابن شهاب بحديث فيه طول، قلت: أعد أما كنت تحب أن يعاد عليك؟ قال: لا، فقلت: أكنت تكتب؟ قال: لا"٤.
وقال أيضًا: "قلت لابن شهاب – وأنا أريد أن أخصمه – ما كنت تكتب؟ قال: لا، قلت: ولا تسأل أن يعاد عليك الحديث؟ قال: لا"٥.
_________________
(١) ١ الحلية ٣/٣٦٦. ٢ المعرفة والتاريخ ١/٦٤١، وتاريخ أبي زرعة رقم (٩٥٣) . ٣ تاريخ أبي زرعة رقم (١٣٨٠) . ٤ التاريخ الكبير للبخاري ١/٢٢١ ترجمة رقم (٦٩٣)، وتاريخ دمشق رقم (٨١، ٨٢، ٨٣، ٨٥، ٨٩،) ترجمة الزهري. ٥ تاريخ أبي زرعة رقم (١٢٨١)، وتاريخ دمشق (٨٦و٨٧) ترجمة الزهري.
[ ١ / ١٥٤ ]
وقال عبد العزيز بن أبي سلمة بن الماجشون: "سمعت ابن شهاب يقول: ما كتبت شيئًا قط، ولقد وليت الصدقة، فأتيت سالم بن عبد الله، فأخرج إليّ كتاب الصدقة فقرأه علي فحفظته"١.
ويمكن حمل تلك النصوص العامة التي تدل على أن الزهري كان يكتب، يمكن حملها على أن ذلك كان أيام الطلب، وأن ذلك كان من أجل مذاكرتها وحفظها، ثم محاها بعد ذلك، يدل ذلك ذكر ما رواه إبراهيم بن سعد عن عكرمة قال: "كنا نأتي الأعرج، ويأتيه ابن شهاب، قال: فنكتب، ولا يكتب ابن شهاب، قال: فربما كان الحديث فيه طول، قال: فيأخذ ابن شهاب ورقة من ورق الأعرج، قال: وكان الأعرج يكتب المصاحف، ثم يكتب، ثم يقرأ، ثم يمحوه مكانه، وربما قام بما معه فيقرؤها ثم يمحوها"٢.
وأما ما ذكره الفسوي وأبو زرعة من أن الزهري كان له كتاب أو صحيفة، فبالرغم من عدم ذكر ما في تلك الصحيفة إلا أننا لا نستطيع الجزم بحملها على أنها تشتمل على مغازي الزهري، وربما كانت تلك الصحيفة من إملاء بعض تلاميذه، وأين تلك الصحيفة من علم الزهري؟
أما ما ذكره المتأخرون من أن للزهري كتابًا في المغازي أو السير، فإن أقوالهم تُحمل على أن المراد بسيرة الزهري تلك الروايات التي دونها
_________________
(١) ١ التمهيد ٥/١٠٨-١٠٩. ٢ المعرفة والتاريخ ١/٦٣٣، وتاريخ دمشق رقم (٦٢و٦٣)، ترجمة الزهري.
[ ١ / ١٥٥ ]
تلامذته عنه، فنسبة تدوينها له من قبيل المجاز وكذلك يحمل كلام الدكتور: محمد مصطفى الأعظمي١.
وأن الذي ترجح لدي عدم وجود كتاب للزهري لا في المغازي ولا في السيرة، وأن ما نسب إليه هو مما أملاه على تلاميذه في مجلس الرواية، سواء كان أحاديث في الأحكام أم المغازي أو غيره من غير تحديد بفن معين، والله أعلم.
_________________
(١) ١ دراسات في الحديث النبوي ١/٢٠٤، فقد ذكر نصًا عن إسحاق بن راشد الجزري يحدث عن الزهري فقيل له: أين لقيته؟ قال: مررت ببيت المقدس، فوجدت له كتابًا، ونص آخر عن جعفر بن برقان الكلابي أنه روى عن الزهري نسخة.
[ ١ / ١٥٦ ]
المبحث الثاني: في منهجه في روايات المغازي
عندما ينظر القاري في روايات الزهري يجده قد اتبع أسلوبًا واضح المعالم ومنهجًا قويًا متزنًا في إيراده للمعلومات، ويمكن تلخيص هذا المنهج في النقاط التالية:
١- إيراده للآيات القرآنية مستشهدًا بها على بعض الأحداث باعتبار أن القرآن الكريم هو المصدر الأول للسير والمغازي، بل هو أصحها على الإطلاق، ولا تكاد تخلو غزوة من الغزوات إلا واستشهد الزهري بآيات بينات من القرآن الكريم تتحدث عن مجريات تلك الأحداث١.
_________________
(١) ١ انظر: استشهاده بالآيات على سبيل المثال في الروايات ذات الأرقام التالية: الرواية رقم (٢) و(٣) و(٥) من سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة. والرواية رقم (٧) من غزوة بدر، وقد استشهد في هذه الرواية بآيات كثيرة، باعتبار أن هذه الرواية تتحدث عن غزوة بدر إجمالًا، والرواية رقم (٢٦) من غزوة بني قينقاع. وانظر أيضًا: الرواية رقم (٩) و(١٠) و(١١) و(١٥) من غزوة بدر. والرواية رقم (٣٥، ٣٧، ٣٩) من غزوة أحد، والرواية رقم (٢٧) و(٢٨) و(٢٩) و(٣٠) من غزوة بني النضير. والرواية رقم (٦٣) و(٦٤) و(٦٥) و(٦٦) من غزوة بني المصطلق. والرواية رقم (٧٣) و(٧٤) من غزوة الخندق، والرواية رقم (٨١) من غزوة بني قريظة. والرواية رقم: (١١٨) من غزوة خيبر، والرواية رقم (١٢٤) من عمرة القضاء. والرواية رقم: (١٤٦) من فتح مكة، والرواية رقم (١٥٦) من غزوة حنين، والرواية رقم: (١٧٥) من غزوة تبوك، وغيرها.
[ ١ / ١٥٧ ]
٢- التزامه الإسناد في جل رواياته.
وباعتبار قربه من العهد النبوي فإن بعض رواياته قد أخذها عن بعض الصحابة كأنس بن مالك ﵁، الذي شاهد وحضر بعض غزوات النبي ﷺ وسراياه، كما أنه أخذ جل رواياته عن كبار التابعين خاصة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعبد الله بن عبد الله بن عتبة وأضرابهم، مما يجعل سنده عاليًا، وهذه الميزة أكسبت روايات الزهري قيمة علمية كبيرة.
٣- مراعاته للتسلسل الزمني للأحداث.
٤- اهتمامه بوضع التواريخ لبعض الغزوات والسرايا المهمة١.
٥- قلة استشهاده بالشعر مقارنة بغيره كابن إسحاق والواقدي وابن سعد وغيرهم.
٦- لا توجد في روايات الزهري حكايات إسرائيلية، أو أساطير خيالية، بل تراه يقدم صورة صادقة لتلك الأحداث معروضة عرضًا حسنًا
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال: تأريخه لغزوة الأبواء رواية رقم (١)، وسرية عبد الله بن جحش إلى نخلة، رواية رقم (٢)، وتأريخه لغزوة بدر الكبرى رواية رقم (٦) . ولغزوة أحد رواية رقم (٣٣)، ولغزوة السويق رواية رقم (٤٧)، ولغزوة بني النضير رواية رقم (٢٨)، ولغزوة بني المصطلق رواية رقم (٦٣) . ولغزوة الخندق رواية رقم (٧٥)، ولغزوة خيبر رواية رقم (٩٩)، ولعمرة القضاء رواية رقم (١٢٥)، ولغزوة مؤتة رواية رقم (١٣١)، ولفتح مكة رواية رقم (١٣٧) ولحصار الطائف رواية رقم (١٧٣) وغيرها.
[ ١ / ١٥٨ ]
سهلًا ليس فيها من تهويل١. مما يدل بوضوح على أن روايات الزهري في المغازي لا تقل أهمية عنده عن الروايات الحديثية، فكلها من السنة.
٧- عندما يتحدث عن غزوة أو سرية فإنه يوصل الحديث بعضه ببعض حتى نهاية الحديث دون أن يفصله بالكلام عن حديث آخر ثم العودة إليه كما يفعل ابن إسحاق والطبري مما يجعلك تعيش مع الحدث بانسجام تام٢.
هذا هو المنهج الذي سلكه الزهري في رواياته للمغازي، وهذا المنهج قد ترك صدى عميقًا في نفوس من جاء بعده، فأخذوا مروياته ودونوها، لما لها من أهمية كبيرة بسبب وضوح المنهجية عنده ولخلو مروياته من الإسرائيليات والأشعار المنتحلة.
_________________
(١) ١ رواية الشاميين للمغازي والسير في القرنين الأول والثاني الهجريين ١١٥، حسين عطوان. ٢ كتب عبد العزيز الدوري عن منهج الزهري في المغازي في كتابه (بحث في نشأة علم التاريخ عند العرب) ص٢٣ وص٩٣. وقد استفدت منه في عرض منهج الزهري في المغازي، فالفضل بعد الله يعود إليه. وعندما استعرضت مرويات الزهري وجدته كما قال الدوري يصل الحديث بعضه ببعض دون فصل، انظر مثلًا: الرواية رقم (٢) لسرية عبد الله بن جحش، والرواية رقم (٧) لغزوة بدر الكبرى، والرواية رقم (١٩) لغزوة أحد، والرواية رقم (٤٢) لسرية بئر معونة، والرواية رقم (٩١) لغزوة الحديبية، والرواية رقم (١٠٢) لفتح مكة وغيرها.
[ ١ / ١٥٩ ]
المبحث الثالث: في القيمة العلمية لمغازي الزهري
هناك أمور أعطت مرويات الزهري في المغازي أهمية وقيمة كبيرة وهي:
١- اعتماده على الإسناد:
فالزهري يعَدّ من كبار المحدثين ومن الذين لهم عناية خاصة بالإسناد والتمسك به، وقد زاد اهتمامه بذلك عندما لحظ بعض الأحاديث التي تذهب إلى العراق فيزاد فيها، حيث يقول: يخرج الحديث من عندنا شبرًا فيرجع ذراعًا – يعني من العراق١.
وقد سمع أهل الشام يقولون: قال رسول الله ﷺ، فقال: يا أهل الشام مالي أرى أحاديثكم ليس لها أزمة ولا خطم٢. فتمسك الناس بالإسناد من يومئذ٣."
وسمع مرة إسحاق بن أبي فروة يحدث فيرسل فغضب وقال: "قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأَك على الله، ألا تسند حديثك يا ابن أبي فروة؟ ما هذه الأحاديث التي ليس لها خطم ولا أَزِمَّة"٤.
_________________
(١) ١ المعرفة والتاريخ ٢/٧٦١. ٢ تاريخ دمشق رقم (١٠٤) من ترجمة الزهري. ٣ المصدر السابق. ٤ الطبقات الكبرى لابن سعد ١٧٩-١٨٠، القسم المتمم، وشرح علل الترمذي ١/١٨٥، وتاريخ أبي زرعة (١٣٢٤)، والضعفاء للعقيلي ١/١٠٢، والمجروحين لابن حبان ١/١٣٢، والحلية ٣/٣٦٥، والإرشاد للخليلي ١/١٩٤، ومعرفة علوم الحديث للحاكم (٨) بلفظ: (قاتلك الله يا ابن أبي فروة ما أجرأك على الله ) .
[ ١ / ١٦٠ ]
أما مروياته المرسلة فقد ورد لبعضها أو لبعض أجزائها شواهد موصولة من طرق صحيحة١، مما يزيد من قيمة روايات هذا الإمام.
٢- أن معظم روايات الزهري عن أهل المدينة أبناء الصحابة الذين بدورهم تلقوا هذا العلم من أفواه الصحابة الذين عايشوا التنزيل، وعاصروا تلك الأحداث وشهدوها، فأكسبت هذه الميزة مزيدًا من القوة لروايات الزهري.
٣- أن روايات الزهري موافقة لما عند غيره من أهل المغازي إلا ما ندر٢، بل وموافقة لما عند المحدثين الكبار أمثال الإمام أحمد، والبخاري،
_________________
(١) ١ انظر على سبيل المثال: الرواية رقم (٧) عن حديث غزوة بدر الرواية رقم (٩) عن أسرى المشركين يوم بدر، الرواية رقم (٢٥) أحداث غزوة أحد، الرواية رقم (٢٧) عن أحداث غزوة بني النضير، الرواية رقم (٤٥) عن سرية بئر معونة، الرواية رقم: (٦٧) عن أحداث غزوة بني قريظة، الرواية رقم (٨٢) عن فتح خيبر ومقتل مرحب اليهودي، الرواية رقم (٩٢) عن قصة الشاة المصلية المسمومة التي قدمتها امرأة يهودية في خيبر للنبي ﷺ، والرواية (١٠٣) عن غزوة مؤتة، الرواية رقم (١٠٨) عن كتاب حاطب بن أبي بلتعة إلى أهل مكة، الرواية رقم (١٤٩) عن سرية مقتل ابن أبي الحقيق. وهذه أمثلة فقط تدل على أن بعض الروايات المرسلة قد وردت من طرق من غير طريق الزهري عند المحدثين وغيرهم. ٢ مثل قوله في عدد أسرى المشركين في يوم بدر، انظر: الرواية رقم (٩) . وتاريخ غزوة بني النضير، انظر: الرواية رقم (٢٧) علمًا أن الراجح ما قاله الزهري حسب ما ظهر لي، بالرغم من مخالفته لكُتَّاب المغازي.
[ ١ / ١٦١ ]
ومسلم، وغيرهم.
٤- أن روايات الزهري قد شملت معظم غزوات الرسول ﷺ، وجزءًا كبيرًا من سراياه خاصةً تلك التي لها أهمية كبيرة، مثل سرية الرجيع، وسرية بئر معونة، وسرية مقتل كعب بن الأشرف، وسرية مقتل ابن أبي الحُقَيق، وسرية عبد الله بن أنيس لقتل خالد بن سفيان الهذلي، وسرية مؤتة.
[ ١ / ١٦٢ ]
الباب الثاني: في سرايا النبي ﷺ وغزواته
الفصل الأول: في الأحداث التي سبقت غزوة بدر الكبرى
المبحث الأول: في بعث حمزة إلى سيف البحر
الفصل الأول: في الأحداث التي سبقت غزوة بدر الكبرى.
وفيه مبحثان:
المبحث الأول: في بعث حمزة إلى سيف البحر، وغزوة الأبواء، وبعث عبيدة بن الحارث.
١ـ قال البيهقي في الدلائل١: وأخبرني أبو عبد الله٢ الحافظ قال: أخبرني إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني٣ قال: حدثنا جدي٤
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي ٣/٨-١٠.بسند حسن إلى الزهري، لكنها مرسلة. ٢ هو محمد بن عبد الله الحاكم، صاحب المستدرك، قال الخطيب البغدادي: "كان من أهل الفضل والعلم والمعرفة والحفظ..". قال: "وكان ثقة، ولد سنة ٣٢١"، تاريخ بغداد ٥/٤٧٣. ٣ إسماعيل بن محمد بن الفضل النيسابوري، أبو الحسن الشعراني من شيوخ الحاكم، قال الحاكم: ارتبت في لقيه بعض الشيوخ، وقال الذهبي: العابد الثقة، روى عن جده ورحل وجمع وأخرج لنفسه، مات سنة ٣٤٧، ميزان الاعتدال ١/٢٤٧- ٢٤٨، والعبر ٢/٧٦. ٤ هو الفضل بن محمد بن المسيب البيهقي، أبو محمد الشعراني، قال ابن أبي حاتم: "تكلموا فيه"، الجرح والتعديل ٧/٦٩، وقال ابن الأخرم: "صدوق غالٍ في التشيع"، قال الحاكم: "ثقة لم يطعن فيه بحجة"، توفي سنة ٢٨٢، انظر الجرح والتعديل ٧/٦٩، وتذكرة الحفاظ ٢/٢٢٦، وميزان الاعتدال ٣/٣٥٨.
[ ١ / ١٦٧ ]
قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر١ قال: حدثنا محمد بن فليح٢ عن موسى ابن عقبة٣ عن ابن شهاب قال: "بعث رسول الله ﷺ حمزة٤ في ثلاثين راكبًا وكان أول٥ بعث بعثه رسول الله ﷺ - فساروا حتى بلغوا
_________________
(١) ١ هو إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر الأسدي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة، توفي ٢٣٦، خ ت س ق، التقريب ص٩٤ رقم (٢٥٣) . ٢ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي المدني، صدوق يهم، من التاسعة، توفي ١٩٧، خ س ق، التقريب ٥٠٢ رقم (٦٢٢٨) . ٣ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه، توفي ١٤١، ع، التقريب ٥٥٢، رقم (٦٩٩٢) . ٤ هو حمزة بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو عمارة عم النبي ﷺ وأخوه من الرضاعة، ارضعتهما ثويبة مولاة أبي لهب ولد قبل النبي ﷺ بسنتين وقيل بأربع، وأسلم في السنة الثانية من البعثة.. شهد بدرًا.. عقد له ﷺ لواء في سرية فكان ذلك أول لواء عقد في الإسلام، واستشهد بأحد ﵁. الإصابة ١/٣٥٤. ٥ وممن قال بذلك أيضًا: الواقدي في المغازي ١/٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٦، وخليفة في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، وابن عبد البر في الاستيعاب ١/١٤٥، ثم قال: "وقيل: إن سرية عبيدة كانت قبل سرية حمزة، وقيل: إن أول لواء عقده ﷺ لعبد الله بن جحش والأول أصح والله أعلم" ا. هـ. انظر: الدرر ٩٦-٩٧، وقد نقل الزرقاني والشامي تصحيح ابن عبد البر لهذا القول: انظر شرح المواهب اللدنية ١/٣٩٠، وسبل الهدى والرشاد ٦/٢١، أما ابن إسحاق فقد ذكر أن سرية عبيدة هي الأولى، انظر ابن هشام ١/٥٩٥، ونقل ذلك عنه خليفة بن خياط في تاريخه ٦٢. والطبري في تاريخه ٢/٤٠٤، وابن سيد الناس في عيون الأثر ١/٣٥٤-٣٥٥، وابن حجر في الفتح ٧/٨٤.
[ ١ / ١٦٨ ]
_________________
(١) ثم قال ابن إسحاق: "وبعض الناس يقولون: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ لأحد المسلمين وذلك أن بعثه وبعْث عبيدة كانا معًا فشبه ذلك على الناس "، ثم قال: "فالله أعلم، أي ذلك كان، فأما ما سمعنا من أهل العلم عندنا فعبيدة بن الحارث أول من عقد له"، ابن هشام ١/٥٩٥-٥٩٦. وقد ورد في المصنف لابن أبي شيبة ١٤/١٢٣، ومسند أحمد ٣/١١٨-١١٩، رقم: (١٥٢٩) أرناؤوط، والبزار في كشف الأستار رقم (١٧٥٧)، أن أول لواء عقد ﷺ كان لعبد الله بن جحش إلى نخلة، ولكن مدار تلك الروايات على مجالد بن سعيد وهو ليس بالقوي، وقد تغير في آخر عمره، انظر التقريب، ٥٢٠، رقم (٦٤٧٨) . وقال الهيثمي في المجمع ٦/٦٧ "وهو ضعيف عند الجمهور". وقد كان هذا البعث في شهر رمضان على رأس سبعة أشهر من مهاجر النبي ﷺ ذكر ذلك الواقدي في المغازي ١/ ٢، وتبعه في ذلك ابن سعد كما في الطبقات ٢/٦، وخليفة بن خياط في تاريخه ٦٢، والطبري في تاريخه ٢/٤٠٢، والبيهقي في الدلائل، ٣/١٥، وابن القيم في الزاد ٣/١٦٣، والذهبي في تاريخ الإسلام قسم السيرة ص ٤١، وابن كثير في البداية ٣/٢٣٤، وابن حجر في الفتح ٧/٢٨٠، والواقدي متروك عند المحدثين كما قال الحافظ في التقريب ٤٩٨، مع سعة علمه، ولكن قوله مقبول هنا لأن القضية تتعلق بتاريخ بعث فقط، ولأن الواقدي من أئمة هذا الشأن، قال عنه ابن كثير ﵀: والواقدي ﵀ عنده زيادات حسنة، وتاريخه محرر غالبًا، فإنه من أئمة هذا الشأن الكبار وهو صدوق في نفسه مكثار، البداية ٣/٢٣٤-٢٣٥. أما ابن إسحاق فقد جعلها في شهر ربيع الأول من السنة الثانية، انظر ابن هشام ١/٥٩١، ونقل الطبري قول ابن إسحاق في تاريخه ٢/٤٠٤، وذكر ابن عبد البر أنها في جمادى الأولى من السنة الثانية، انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٤٥، وذكر الذهبي أنها في أحد البيعين، انظر: تاريخ الإسلام قسم المغازي ص٤٥.
[ ١ / ١٦٩ ]
سِيْف١ البحر من أرض جهينة - فلقوا أبا جهل بن هشام في ثلاثين ومائة راكب من المشركين، فحجز بينهم، مخشي بن عمرو الجهني٢ - وكان مخشي ورهطه حلفاء للفريقين جميعًا - فلم يعصوه، فرجع الفريقان كلاهما إلى بلادهم فلم يكن بينهم قتال، فلبث رسول الله ﷺ بعد ذلك ثم غزا، فأول٣ غزوة غزاها في صفر على رأس اثني عشر شهرًا من مقدم ﷺ المدينة حتى
_________________
(١) ١ سيف البحر: بكسر السين المهملة، انظر: سبل الهدى والرشاد، للصالحي، ٦/١٢، والمراد بالسيف ساحل البحر. لسان العرب المحيط ٢/٢٥٤، رتبه على حروف الهجاء: يوسف خياط. ٢ وعند ابن إسحاق: مجدي بن عمرو ١/٥٩٥، وكذلك عند مسلم في صحيحه، انظر: مسلم بشرح النووي ١٨/١٣٨. ولم أجد لـ (مجدي) ولا لـ (مخشي) ترجمةً في كتب الصحابة، فلعله لم يسلم. ٣ في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم أن أول غزوة غزاها ﷺ ذات العشيرة أو العسيرة. البخاري رقم (٣٩٤٩) وسلم بشرح النووي ١٢/١٩٥ ووجهه بعضهم بأن المراد: أول غزوة شهدها زيد مع النبي ﷺ، أو أنه ربما خفي عليه ما قبل العشيرة وهي الأبواء لصغر سنه، انظر: السيرة النبوية لابن كثير ٢/٣٦٢، وفتح الباري ٧/٢٨٠-٢٨١.
[ ١ / ١٧٠ ]
بلغ (الأَبْواء) ١ ثم رجع٢.
[بعث عبيدة بن الحارث]
فأرسل ستين رجلًا من المهاجرين الأولين، ولم يكن في تلك الغزوة من
_________________
(١) ١ الأَبْواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة ، ويقال لها ودَّان: وهي قرية من أعمال الفُرُع من المدينة بينها وبين الجُحْفة مما يلي المدينة ٢٣ ميلًا. معجم البلدان، لياقوت ١/٧٩. وبالأبواء اليوم آبار كثيرة، ومزارع عامرة، والمكان المزروع منه يسمى اليوم (الخريبة)، تصغير خربة، ويبعد المكان المزروع عن بلدة (مستورة) شرقًا ثمانية وعشرين كيلًا، والمسافة بين الأبواء و(رابغ) ثلاثة وأربعون كيلًا. المعالم الأثرية ص (١٧) . ٢ وكون غزوة الأبواء هي أول غزوة غزاها النبي ﷺ قد أخرجها الطبري في الكبير١٧/١٦، رقم (١٢)، بسند متصل من غير طريق الزهري، لكن في سندها كثير بن عبد الله المزني، قال عنه الهيثمي في المجمع، ٦/٦٨، ضعيف عند الجمهور، وقد حسن حديثه الترمذي، وبقية رجاله ثقات. انظر تفصيل الخبر عن غزوة الأبواء من غير طريق الزهري في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) بدون إسناد، والواقدي بإسناده الجمعي (١/١١-١٢)، وعنه ابن سعد في الطبقات (٢/٨)، وكان الرسول ﷺ قد خرج في هذه الغزوة يريد قريشاَ وبني ضمرة بن بكر بن عبد مناة بن كنانة، فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه ذلك، ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يلق كيدًا. المصادر السابقة.
[ ١ / ١٧١ ]
الأنصار أحد وأمَّر عليهم عبيدة بن الحارث بن المطلب١، فلقوا بعثًا عظيمًا من المشركين على ماء يدعى (الأحياء) ٢ من رابغ٣، فارتموا بالنبل، وانحاز المسلمون ولهم حامية تقاتل عنهم حتى هبطوا ثنية المرة، وسعد بن أبي وقاص٤ ﷺ يرمي عن أصحابه، ثم انكفأ بعضهم عن بعض، وأول من رمى بسهم في سبيل الله سعد بن أبي وقاص وهو أول يوم التقى فيه المسلمون والمشركون في قتال، وفر عتبة بن غزوان٥ والمقداد بن
_________________
(١) ١ هو عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف القرشي المطلبي، أسلم قديمًا وكان رأس بني عبد مناف حينئذ، شهد بدرًا وبارز فيها مع حمزة وعلي، وكان قد جرح فمات بعد ذلك في الصفراء بعد مقفل النبي ﷺ من بدر. الإصابة ٢/٤٤٩. ٢ جمع حي من أحياء العرب، أو حي ضد الميت وهو ماء أسفل من ثنية المرة برابغ، انظر: معجم البلدان لياقوت ١/١١٨، والمعالم الأثيرة لمحمد شراب ٢٣. ٣ رابغ: بعد الألف باء موحدة، وآخرة غين معجمة، معجم البلدان ٣/١١، وهي اليوم مدينة مشهورة بين جدة وينبع، على مسافة ١٥٥ كيلًا شمال جدة. المعالم الأثيرة ص (١٢٣) . ٤ هو سعد بن مالك بن أهيب، ويقال له وهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري أبو إسحاق بن أبي وقاص أحد العشرة وآخرهم موتًا كان أحد الفرسان وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهو أحد الستة من أهل الشورى، مات بالعقيق وحمل إلى المدينة فصلي عليه في المسجد سنة خمس وخمسين. الإصابة ٢/٣٣. ٥ هو عتبة بن غزوان بفتح المعجمة وسكون الزاي ابن جابر بن وهب المازني حليف بني عبد شمس أو بني نوفل. من السابقين الأولين، هاجر إلى الحبشة ثم رجع مهاجرًا إلى المدينة رفيقًا للمقداد، وشهد بدرًا وما بعدها. الإصابة ٢/٤٥٥.
[ ١ / ١٧٢ ]
الأسود١ يومئذ إلى المسلمين وكانا في حبس قريش قد أسلما قبل ذلك فتوصلا٢ بالمشركين حتى خرجا إلى عبيدة وأصحابه"٣.
_________________
(١) ١ هو المقداد بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن ربيعة بن عامر بن مطرود النهراني وقيل الحضرمي، قال ابن الكلبي: "كان عمرو بن ثعلبة أصاب دمًا في قومه فلحق بحضرموت فحالف كندة فكان يقال له الكندي، وتزوج هناك امرأة فولدت له المقداد فلما كبر المقداد وقع بينه وبين أبي شمر بن حجر الكندي، فضرب رجله بالسيف وهرب إلى مكة فحالف الأسود بن عبد يغوث الزهري، وكتب إلى أبيه فقدم عليه، فتبنى الأسودُ المقدادَ فصار يقال له: المقداد بن الأسود، شهد بدرًا وما بعدها، مات سنة ثلاث وثلاثين في خلافة عثمان ﵁، الإصابة ٣/٤٥٤-٤٥٥. ٢ توصلا: أرياهم أنهما معهم حتى خرجا إلى المسلمين. النهاية ٥/١٩٣. ٣ انظر: أحداث سرية عبيدة بن الحارث في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ١/٥٩١) من دون سند، ومغازي الواقدي ١/١٠، وابن سعد في الطبقات ٢/٧.
[ ١ / ١٧٣ ]
المبحث الثاني: في بعث عبد الله بن جحش إلى نخلة١
٢ـ روى ابن إسحاق خبر هذه السرية عن الزهري ويزيد٢ بن رومان، عن عروة فقال: "وبعث رسول الله ﷺ عبد الله بن جحش٣ ابن رئاب الأسدي في رجب٤ مقفله من بدر
_________________
(١) ١ هما نخلتان: الشامية واليمانية، والمقصود هنا اليمانية، لأنها على الطريق القديم بين مكة والطائف والنخلتان متجاورتان في المنبع والمصب؛ فكلاهما تأخذ أعلا مساقط مياهها من السراة الواقعة غرب الطائف ثم تنحدر شمالًا ثم غربًا حتى تجتمعا في مَلْقى كان يسمى "بستان ابن معمر" ثم تكونان وادي مر الظهران. معجم المعالم الجغرافية ٣١٨، والمعالم الأثيرة ٢٨٧. ٢ هو يزيد بن رومان المدني، أبو رَوْح مولى آل الزبير، ثقة من الخامسة. مات سنة ثلاثين، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. التقريب ٦٠١. ٣ هو عبد الله بن جحش بن رياب، براء تحتانية وآخره موحدة ابن يعمر الأسدي حليف بني عبد شمس أحد السابقين، هاجر إلى الحبشة وشهد بدرًا بعثه ﷺ في سرية إلى نخلة. الإصابة ٢/٢٨٦-٢٨٧. ٤ حددتها بعض المصادر التاريخية في آخر يوم من رجب، انظر: تاريخ خليفة ٦٢-٦٣، وأنساب الأشراف للبلاذري ٣٧١، وتاريخ المدينة لابن شبة ٢/٤٧٢، وتاريخ الطبري ٣/١٠-١١، ودلائل البيهقي ٣/١٧، والواحدي في أسباب النزول ٦٩، وتفسير ابن كثير ١/٢٥٤، والبداية والنهاية ٣/٢٤٨-٢٥٠. وذكر عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في تفسيره ١/٨٧ أن هذه السرية كانت في أول ليلة من رجب، وذكر ذلك أبو يعلي في المسند ٣/١٠٢ رقم (١٥٣٤) بسند حسن كما قال محققه حسين سليم أسد، والطبري في تفسيره ٤/٣٠٧ رقم: (٤٠٨٥، ٤٠٨٦، ٤٠٨٧، ٤٠٨٩، ٤٠٩٦) والطبراني في الكبير ٢/٦٢، رقم (١٦٧٠)، والواحدي في أسباب النزول ٧١ رقم (١٣١) نقلًا عن المفسرين، وابن كثير في البداية ٣/٢٥١.
[ ١ / ١٧٤ ]
الأولى١ وبعث معه ثمانية٢ رهط من المهاجرين ليس فيهم من الأنصار أحد وكتب له كتابًا وأمره أن لا ينظر فيه حتى يسير يومين٣ ثم ينظر فيه
_________________
(١) ١ كان رجوعه من بدر الأولى في جمادى الآخرة عند ابن إسحاق، (ابن هشام ١/٦٠١) وعند الواقدي في المغازي ج١/١٢، أن ذلك كان في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرًا. ٢ قال الواقدي في المغازي: "كانوا اثني عشر، ويقال: كانوا ثلاثة عشر، والثابت عندنا ثمانية". المغازي ١/١٧-١٨ ومما يرجح أنهم كانوا أقل من عشرة قوله: (ثمانية رهط) فإن الرهط من الرجال دون العشرة. النهاية (٢/٢٨٣) .وقال ابن سعد في الطبقات ٢/١٠:بعثه في اثني عشر. ٣ ورد عند الطبراني في الكبير ٢/١٦٨ رقم (١٦٧٠) من حديث أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله وفيه ( وكتب له كتابًا وأمره أن لا يقرأ إلا في مكان كذا وكذا) كذا بالإبهام، قال في المجمع ٦/١٩٨، ورجاله ثقات، وأخرجه البيهقي أيضًا في السنن الكبرى ٩/٢١، والبخاري معلقًا، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ١/١٥٣ بعد رقم (٣٦) .
[ ١ / ١٧٥ ]
فيمضي لما أمره به، ولا يستكره من أصحابه أحدًا.
وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة١ بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعكاشة٢ بن محصن ابن حرثان أحد بني أسد خزيمة حليف لهم.
ومن بني نوفل بن عبد مناف: عتبة بن غزوان بن جابر حليف لهم.
ومن بني زهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص.
ومن بني عدي بن كعب: عامر٣ بن ربيعة حليف لهم؛ من عنز
_________________
(١) ١ هو أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي العبشمي، قال معاوية اسمه: مهشم وقيل: هشيم: وقيل هاشم، وقيل: قيس،.. كان من السابقين إلى الإسلام وهاجر الهجرتين وصلى القبلتين. قال ابن إسحاق: "أسلم بعد ثلاثة وأربعين إنسانًا..شهد بدرًا، استشهد يوم اليمامة وهو ابن ستة وخمسين سنة ط. الإصابة ٤/٤٢-٤٣. ٢ هو عكاشة: - بضم أوله وتشديد الكاف وتخفيفها أيضًا -: ابن محصن بن حُرثان - بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة - ابن قيس بن مرة بن بُكير بضم الموحدة ابن غنم بن داود ين أسد بن خزيمة الأسدي حليف بني عبد شمس، من السابقين إلى الإسلام، شهد بدرًا، وورد ذكره في الصحيحين في حديث ابن عباس في السبعين ألفًا الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قيل: استشهد في قتال أهل الردة، قتله طليحة بن خويلد. الإصابة ٢/٤٩٤-٤٩٥. ٣ عامر بن ربيعة بن كعب بن مالك بن ربيعة بن عامر بن سعد بن عبد الله بن الحارث بن رفيدة بن عنز بن وائل العنزي، أبو عبد الله حليف بن عدي كان أحد السابقين الأولين وهاجر إلى الحبشة ومعه امرأته ليلى بنت أبي حَثْمة ثم هاجر إلى المدينة وشهد بدرًا وما بعدها. مات سنة ٣٢،، كذا قال أبو عبيدة ثم ذكره في سنة سبع وثلاثين وقال: أظن هذا أثبت، وقال الواقدي، كان موته بعد قتل عثمان بأيام، وقيل غير ذلك. الإصابة ٢/٢٤٩.
[ ١ / ١٧٦ ]
ابن وائل، وواقد١ بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع أحد بني تميم حليف لهم، وخالد٢ بن البكير أحد بني سعد بن ليث حليف لهم.
ومن بني الحارث بن فهر: سهيل بن بيضاء٣.
فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب، فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة
_________________
(١) ١ واقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عرين بن ثعلبة بن يربوع بن حنظلة بن مالك.. التميمي الحنظلي اليربوعي، حليف بني عدي بن كعب شهد بدرًا، كان مع سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة وهو الذي قتل ابن الحضرمي ٣/٦٢٨، بتصرف. ٢ خالد بن بكير بن عبد ياليل بن ناشب بن غيرة بن سعد بن بكر الليثي، حليف بني عدي بن كعب، مشهور من السابقين وشهد بدرًا، واستشهد يوم الرجيع وهو ابن أربع وثلاثين سنة. الإصابة ١/٤٠٢. ٣ سهيل بن بيضاء القرشي، وبيضاء أمه واسمها: دعد، واسم أبيه وهب بن ربيعة بن عمرو بن عامر القرشي، شهد بدرًا وتوفي سنة تسع. الإصابة ٢/٩١. ويلحظ أن ابن إسحاق ذكر في بداية الرواية أنهم ثمانية، ولكنه ذكر أثناء الرواية تسعةً.
[ ١ / ١٧٧ ]
والطائف، فترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم"، فلما نظر عبد الله ابن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة، ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة أرصد بها قريشًا، حتى آتيه منهم بخبر، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماضٍ لأمر رسول الله ﷺ.
فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد، وسلك١ على الحجاز حتى إذا كان بمَعْدِن٢ فوق الفُرُع٣ يقال له: بُحْران٤ أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما، كانا يعتقبانه، فتخلفا عليه في طلبه ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بطن نخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا، وتجارة من تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل
_________________
(١) ١ سلك: السلوك مصدر سلك طريقًا، وسلك المكان يسلكه سلكًا وسلوكًا. والسَّلَكُ بالفتح مصدر سلكت الشيء فانسلك، أي أدخلته فيه فدخل، والمسلك: الطريق اللسان (سلك) . ٢ مَعْدِن: هي قرية مهد الذهب، أو المهد، في نواحي المدينة على طريق نجد (المعالم الأثيرة ٢٧٦) . ٣ الفُرُع: بضم الفاء والراء، وآخره عين مهملة، واد فحل من أودية الحجاز يمر على مسافة ١٥٠ كيلًا جنوب المدينة، كثير العيون والنخل، (المعالم الأثيرة ٢٦٧) . ٤ بُحْران: بضم الباء الموحدة وسكون الحاء المهملة جبل يقع شرق مدينة رابغ على مسافة ٩٠ كيلًا. (المعالم الأثيرة ٤٤)، وضبطه البكري بفتح أوله على وزن فعلان، معجم ما استعجم ١/٢٢٨.
[ ١ / ١٧٨ ]
بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان؟، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا، وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم، وتشاور القوم فيهم وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم، فليمتنعن منكم به ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان١، وأفلت٢ القوم، نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة، وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس وذلك قبل أن يفرض الله تعالى الخمس من المغانم.
فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير وقسم سائرها بين أصحابه، فلما قدموا على رسول الله ﷺ المدينة قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر
_________________
(١) ١ الحكم بن كيسان مولى هشام بن المغيرة المخزومي، أسر في أول سرية جهزها رسول الله ﷺ من المدينة وأميرها عبد الله بن جحش ٢ أفلت: التَّفَلُّتُ والإفلات والانفلات: التخلص من الشيء فجأة من غير تمكث. النهاية (٣/٤٦٧) .
[ ١ / ١٧٩ ]
الحرام"، فوقَّف العير والأسيرين وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا.
فلما قال ذلك رسول الله ﷺ سُقط في أيدي القوم وظنوا أنهم هلكوا، وعنفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا، وقالت قريش: قد استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال وأسروا فيه الرجال، فقال من يرد عليهم من المسلمين ممن كان في مكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان، وقالت يهود – تفاءَلُ بذلك على رسول الله ﷺ - عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله بن عمرو، عمرت الحرب، والحضرمي حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله، وقدت الحرب، فجعل الله ذلك عليهم لا لهم، فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّه﴾ ِ١.
أي إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ .
أي قد كانوا يفتنون المسلم في دينه حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه، فذلك أكبر عند الله من القتل ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ
_________________
(١) ١ البقرة آية (٢١٧) .
[ ١ / ١٨٠ ]
اسْتَطَاعُوا﴾ .
أي ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين، فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله تعالى عن المسلمين ما كانوا فيه من الشفق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله والحكم بن كيسان فقال رسول الله ﷺ: لا نفديكموهما حتى يقدم صاحبانا – يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غزوان – فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم، فقدم سعد وعتبة فأفداهما رسول الله ﷺ، فأما الحكم بن كيسان فأسلم فحسن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا، وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة فمات بها كافرًا، فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن طمعوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله: أنطمع أن تكون لنا غزوة نعطى فيها أجر المجاهدين؟
فأنزل الله ﷿ فيهم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ١.
فوضعهم الله ﷿ من ذلك على أعظم الرجاء، والحديث في هذا عن الزهري وزيد بن رومان عن عروة٢
_________________
(١) ١ البقرة آية (٢١٨) . ٢ سيرة ابن هشام، ٢/٦٠١-٦٠٥. وهو حديث مرسل صحيح إلى عروة. وقد ورد موصولًا من طريق أبي السوار العدوي عن جندب بن عبد الله عن النبي ﷺ، أخرجه أبو يعلى بإسناد حسن كما قال محققه، انظر المسند ٣/١٠٢-١٠٣، رقم: (١٥٣٤) أرناؤوط، والطبراني في الكبير ٢/١٦٢ رقم (١٧٧٠) قال في المجمع: ٦/١٩٨ رواه الطبراني ورجاله ثقات، والبيهقي في السنن ٩/١٢. وقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح رواية ابن إسحاق هذه ورواية الطبراني التي أخرجها عن جندب البجلي ورواية ابن عباس عند الطبري في التفسير، ثم قال: فبمجموع هذه الطرق يكون صحيحًا. الفتح ١/١٥٥. وقد ذكر السيوطي: أن حديث جندب بن عبد الله البجلي أخرجه الطبري وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني والبيهقي في سننه بسند صحيح، الدر المنثور ١/٦٠٠. وأخرجها الطبري في التفسير ٤/٣٠٢ رقم (٤٠٨٢) مرسلة عن الزهري عن عروة، والبيهقي في السنن ٩/٥٨-٥٩، والطبري أيضًا في التفسير ٤/٣٠٨ رقم (٤٠٨٦) مرسلة عن الزهري وعثمان الجزري ومقسم مولى ابن عباس. وبهذا يكون قد تابع الزهري. عثمان الجزري ومقسم.
[ ١ / ١٨١ ]
٣- قال عمر بن شبَّة١: حدثنا إبراهيم بن المنذر٢ قال: حدثنا محمد بن فليح٣، عن موسى بن عقبة٤، عن ابن شهاب قال: لبث رسول الله ﷺ بالمدينة أربعة عشر شهرًا، ثم بعث عبد الله بن جحش في ركب من المهاجرين وكتب معه كتابًا فدفعه إليه، وأمره أن يسير ليلتين ثم
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة ٢/٤٧٢. ٢ صدوق، تقدم في الرواية رقم (١) . ٣ صدوق، يهم، تقدم في الرواية رقم (١) . ٤ ثقة، تقدم في الرواية رقم (١) .
[ ١ / ١٨٢ ]
يقرأ الكتاب فيتبع ما فيه، وفي بعثه ذلك أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة، وعمرو بن سراقة١، وعامر بن ربيعة، وسعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان، وواقد بن عبد الله، وصفوان بن بيضاء٢، فلما سار ليلتين فتح الكتاب فإذا فيه: (أن امض حتى تبلغ نخلة)، فلما قرأه قال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله، فمن كان منكم يريد الموت في سبيل الله فليمض فإني ماض على ما أمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه، ولم يتخلف عنه منهم أحد وسلك على الحجاز حتى إذا كان بمعدن فوق الفُرُع يقال له: بُحْرَن، أضل سعد بن أبي وقاص، وعتبة بن غزوان بعيرًا لهما كان يتعاقبانه فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارةٍ منْ تجارة قريش فيها عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزومي ان، والحكم بن كيسان، مولى هشام بن المغيرة، فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنوا وقالوا: عُمَّار لا بأس عليكم منهم،
_________________
(١) ١ هو عمرو بن سراقة بن المعتمر بن أنس بن أداة بن رباح بن قرط بن عبد الله بن رزاح بن عدي بن كعب القرشي العدوي ذكره موسى بن عقبة فيمن خرج في سرية عبد الله بن جحش وذكر خليفة أنه مات في خلافة عثمان ﵁، الإصابة (٢/٥٧٣) . ٢ وفي سائر كتب المغازي: سهيل بن بيضاء. ويلاحظ أن ابن شبة ذكر ثمانية أشخاص، ولم يذكر عكاشة بن محصن ولا خالد بن البكير كما عند ابن اسحاق.
[ ١ / ١٨٣ ]
وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلة ليدخلن الحرم فليمتنعن منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتلنهم في الشهر الحرام، فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قدروا عليه منهم، وأخذ ما معهم، فرمى واقد بن عبد الله التميمي عمرو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وأفلت القوم؛ نوفل بن عبد الله فأعجزهم، وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير وبالأسيرين حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة١.
٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو سعيد٢ بن أبي عمرو الصيرفي، قال: حدثنا أبو محمد٣ أحمد بن عبد الله المزني أخبرنا علي٤ بن
_________________
(١) ١ وهي رواية مرسلة. ٢ هو محمد بن موسى بن الفضل بن شاذان الصيرفي أبو سعيد بن أبي عمرو النيسابوري، وصفه الذهبي بقوله: "الشيخ الثقة المأمون"، السير ١٧/٣٥٠. ٣ هو أحمد بن عبد الله بن محمد المزني الهروي، أحد الأئمة، أبو محمد المغفلي، قال الحاكم: "كان إمام أهل خرسان بلا مدافعة وكان فوق الوزراء، وكانوا يصدرون عن رأيه"، ت سنة ٣٥٦ هـ شذرات الذهب لابن العماد، ٣/١٨. ٤ هو أبو الحسن: علي بن محمد بن عيسى الخزاعي الهروي الحكاني، وحكان: محلة على باب مدينة هراة، قال الذهبي: "ووثقه بعض الحفاظ" السير، ١٣/٤٥٤.
[ ١ / ١٨٤ ]
محمد بن عيسى قال: حدثنا أبو اليمان١ قال أخبرنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري قال: أخبرني عروة بن الزبير أن رسول الله ﷺ بعث سرية من المسلمين وأمَّر عليهم عبد الله بن جحش الأسدي، فانطلقوا حتى هبطوا نخلة فوجدوا بها عمرو بن الحضرمي في عير تجارة لقريش في يوم٢ بقي من الشهر الحرام، فاختصم المسلمون، فقال قائل منهم: هذه غرة من عدو، وغنم رزقتموه، ولا ندري أمن الشهر الحرام هذا اليوم أم لا، وقال قائل منهم: لا نعلم اليوم إلا من الشهر الحرام، ولا نرى أن تستحلوه لطمع أشفيتم عليه، فغلب على الأمر الذين يريدون عرض الدنيا٣، فشدّوا على ابن الحضرمي فقتلوه، وغنموا عيره، فبلغ ذلك كفار قريش، وكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد كفار قريش حتى قدموا على النبي ﷺ بالمدينة فقالوا: أتحل القتال في الشهر الحرام؟ فأنزل الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ
_________________
(١) ١ أبو اليمان هم: الحكم بن نافع البهراني، بفتح الموحدة، أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته ثقة ثبت، يقال إن أكثر حديثه عن شعيب مناولة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦هـ. ٢ تقدم الخلاف في ذلك ص١٣١، وفي نظري أن هذا الخلاف (المراد الخلاف في تاريخ وقوع القتال في هذه السرية)، لا يترتب عليه كبير فائدة لأن المقصود أن قتل ابن الحضرمي كان في الشهر الحرام، سواء كان ذلك في أوله أم في آخره، والله أعلم. ٣ هذه العبارة ليست عند ابن إسحاق ولا ابن شبة.
[ ١ / ١٨٥ ]
كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ١ إلى آخر الآية، فحدثهم الله في كتابه: أن القتال في الشهر الحرام حرام كما كان، وأن الذين يستحلون من المؤمنين هو أكبر من ذلك: من صدهم عن سبيل الله حين يسجنونهم ويعذبونهم ويحبسونهم أن يهاجروا إلى رسول الله ﷺ وكفرهم بالله وصدهم المسلمين عن المسجد الحرام في الحج والعمرة، والصلاة فيه، وإخراجهم أهل المسجد الحرام وهم سكانه من المسلمين وفتنتهم إياهم عن الدين، فبلغنا٢ أن النبي ﷺ عقل٣ ابن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام كما كان يحرمه
_________________
(١) ١ سورة البقرة (٢١٧) . ٢ القائل (فبلغنا) عروة بن الزبير، يشهد لذلك ما أخرجه الواقدي في المغازي ١/١٨ من طريق معمر، عن الزهري عن عروة قال: فودى رسول الله ﷺ عمرو بن الحضرمي، وحرم الشهر الحرام الحديث. ٣ في رواية ابن إسحاق المتقدمة ذكرت أن النبي ﷺ قبض العير والأسيرين وبعثت قريش إليه بفدائها، وهذا يدل على أنه لم يعقل ابن الحضرمي، لأنه لو عقله لما قبض العير ولا فادى الأسيرين، وقد ذكر البيهقي في الدلائل ٣/١١١ رواية الزهري المطولة عن غزوة بدر وفيها إشارة حكيم بن حزام على عتبة أن يتحمل دية ابن الحضرمي ويرجع بالناس الخ، فلو كان عقله النبي ﷺ لما أشار حكيم على عتبة بذلك. وقد أخرج الواقدي من طريق الزهري، عن عروة أن رسول الله ﷺ ودى عمرو بن الحضرمي. المغازي (١/١٨)، وذكر رواية أخرى عن ابن عباس أن الرسول ﷺ لم يودِ ابن الحضرمي. المصدر السابق. ورجح الواقدي رأي ابن عباس ثم قال: "المجتمع عليه عندنا أنه لم يود". المغازي ١/١٨. ولم أر عقل ابن الحضرمي في الروايات التي ذكرت سرية عبد الله بن جحش إلى نخلة.. لا من طريق الزهري ولا من غيره، سوى ما ذكر في هذه الرواية، والرواية التي ذكرها الواقدي عن الزهري.
[ ١ / ١٨٦ ]
حتى أنزل الله ﷿: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ ١.
٥- وأخرج عبد الرزاق٢ عن معمر٣ عن الزهري. وعن عثمان٤ الجزري عن مقسم٥ مولى ابن عباس قال: "لقي واقد بن عبد الله
_________________
(١) ١ سورة التوبة آية رقم (١) . ٢ عبد الرزاق بن همام بن نافع الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ، مصنف شهير عمي في آخر عمره، فتغير وكان يتشيع، من التاسعة توفي سنة إحدى عشرة وله خمس وثمانون، ع، التقريب ٣٥٤، رقم ٤٠٦٤. ٣ معمر بن راشد الأزدي مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهمام بن عروة شيئًا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة، توفي سنة أربع وخمسين وهو ابن ثمان وخمسين سنة، ع، التقريب ٥٤١ رقم (٦٨٠٩)، لكنه من أثبت الناس في الزهري، قال الدوري عن ابن معين أثبت الناس في الزهري مالك ومعمر ثم عد جماعة، وقال ابن أبي خيثمة عن ابن معين: معمر أثبت في الزهري من ابن عيينة، وقال عثمان الدارمي: قلت لابن معين: معمر أحب إليك في الزهري أو ابن عيينة أو صالح بن كيسان أو يونس، فقال في ذلك معمر. تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٤. ٤ عثمان بن عمرو بن ساج بمهملة وآخره جيم الجزري، مولى بني أمية، وقد ينسب إلى جده، فيه ضعف من التاسعة، س، التقريب ٣٨٦ رقم (٤٥٠٦) . ٥ مقسم - بكسر أوله - ابن بُحره بضم الموحدة وسكون الجيم، ويقال: نجدة بفتح النون وبدال، أبو القاسم مولى عبد الله بن الحارث، ويقال: مولى عبد الله بن عباس للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة، نوفي سنة ١٠١، وماله في البخاري سوى حديث واحد خ٤، التقريب، ٥٤٥، رقم (٦٨٧٣) .
[ ١ / ١٨٧ ]
عمرو بن الحضرمي في أول ليلة من رجب وهو يرى أنه في جمادى فقتله، وهو أول قتيل من المشركين، فَعَيَّر المشركون المسلمين قالوا: أتقتلون في الشهر الحرام؟ فأنزل الله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾ ١.
يقول: وكفر بالله، والمسجد الحرام، يقول: وصد عن المسجد الحرام ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ من قتلكم عمرو بن الحضرمي، (والفتنة)، يقول: والشرك الذي أنتم فيه أكبر من ذلك أيضًا.
قال الزهري: "وكان النبي ﷺ فيما بلغنا يحرم القتال في الشهر الحرام ثم أحله بعد"٢.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية (٢١٧) . ٢ تفسير عبد الرزاق ١/٨٧-٨٨، وتفسير الطبري ٤/٣٠٨، رقم (٤٠٨٦) . وهو حديث مرسل؛ مروي بإسنادين عن اثنين من التابعين هما الزهري ومقسم مولى ابن عباس، فرواه معمر عن الزهري، ورواه عن عثمان الجزري عن مقسم.
[ ١ / ١٨٨ ]
الفصل الثاني: في غزوة بدر الكبرى والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة وعدد جيش المسلمين والمشركين
الفصل الثاني: في غزوة بدر الكبرى والأحداث التي أعقبتها
وفيه واحد وعشرون مبحثًا:
المبحث الأول: في تاريخ الغزوة وعدد جيش المسلمين والمشركين فيها.
٦- أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديث عن عروة بن الزبير قال: أُمر رسول الله ﷺ بعدُ بالقتال في آي من القرآن فكان أول١ مشهد شهده رسول الله ﷺ بدرًا٢، وكان رأس المشركين يومئذٍ عتبة بن ربيع ة بن عبد شمس، فالتقوا ببدر يوم الجمعة٣
_________________
(١) ١ يشهد لذلك ما رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس ﵁ في قصة عمه أنس بن النضر ﵁، وأنه لم يشهد أول مشهد قاتل فيه رسول الله ﷺ، ويعني بذلك بدرًا، انظر البخاري مع الفتح، رقم (٢٨٠٥) ومسلم بشرح النووي ١٣/٤٧. ٢ بفتح الموحدة وسكون الدال المهملة، ثم راء، بلدة بأسفل وادي الصفراء تبعد عن المدينة ب- (١٥٥) كيلًا، وعن مكة (٣١٠) أكيال، وتبعد عن سيف البحر قرابة (٤٥) كيلًا، معجم المعالم الجغرافية ص٤١. ٣ وردت روايات أخرى عن الزهري تؤيد ما ذكر، انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢١، وتاريخ أبي زرعة الدمشقي ١/١٦٤ رقم (٣٨)، والقول إن وقعة بدر كانت يوم الجمعة هو الراجح إن شاء الله. قال ابن سعد: "وهذا الثبت أنه يوم الجمعة". الطبقات الكبرى ٢/٢٠. وقال ابن عبد البر: "الأكثر على أن وقعة بدر كانت يوم الجمعة، صبيحة سبع عشرة من رمضان". الاستيعاب ١/١٣، وقال ابن عساكر: "والمحفوظ أنها كانت يوم الجمعة، تاريخ دمشق قسم السيرة ١/٥٦، وقال ابن كثير: وهو الصحيح عند أهل السير والمغازي" تفسير ابن كثير ٢/٣١٣. وقد وردت روايات تذكر أن الوقعة حصلت يوم الاثنين كما في الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٢٠ من حديث عامر البدري، قال ابن سعد: "وحديث يوم الاثنين شاذ" المصدر السابق، وورد أيضًا عند الطبراني في الكبير ١٢/٢٣٧ رقم (١٢٩٨٤) من حديث ابن عباس أنها يوم الاثنين، قال ابن عبد البر: "ولا حجة في مثل هذا الإسناد عند جميعهم إذ خالفه ما هو أكثر منه – يعني حديث ابن عباس –" انظر: الاستيعاب ١/١٣. وقال ابن كثير: "وقال يزيد بن أبي حبيب إمام أهل الديار المصرية في زمانه: كان يوم بدر يوم الاثنين، ولم يتابع على هذا، وقول الجمهور مقدم عليه، والله أعلم" التفسير، ٢/٣١٣.
[ ١ / ١٩٣ ]
لسبع١ أو ست٢ عشرة ليلة مضت من رمضان وأصحاب رسول الله ﷺ ثلاث مئة وبضعة عشر رجلًا٣ والمشركون بين الألف
_________________
(١) ١ وقد وردت روايات أخرى عن الزهري أن الوقعة كانت لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان بدون شك - انظر: الطبقات الكبرى٢/٢١، وتاريخ أبي زرعة، ١/١٦٣ رقم (٣٨) ودلائل البيهقي ٣/١٢٧، وقد صح هذا التاريخ عن ابن مسعود، انظر: مصنف عبد الرزاق رقم (٧٦٩٧) والطبري في الكبير رقم (٩٥٧٩) وابن سعد ٢/٢١. ٢ الشك من عبد الرزاق وليس من الزهري كما ذكر ذلك الإمام أحمد في العلل ٢/٤٠٨ رقم (٢٨٢٨) تحقيق وصي الله بن عباس. ٣ وهذا العدد ذكره البخاري في صحيحه، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٩٠-٢٩١، رقم (٣٩٥٧-٣٩٥٨-٣٩٥٩)، وهذا الإبهام قد فسره الإمام مسلم حيث ذكر في صحيحه أن عدد المسلمين في بدر ثلاث مائة وتسعة عشر رجلًا، انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤، وهو المعتمد. وقد ذكر ابن أبي عاصم رواية عن الزهري تحدد فيها عدد جيش المسلمين بأنهم: ثلاثمائة وستة عشر رجلًا، انظر: الآحاد والمثاني، رقم (٣٢٩) وفي سندها: يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، قال ابن حجر: صدوق ربما وهم، التقريب رقم (٧٨١٥)، وذكر ذلك أيضًا البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة ١/٢٩٠، وفيها ضعف لأنها معلقة، لأن البلاذري لم يدرك إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، الذي توفي سنة ١٨٣، كما قال الذهبي في السير ٨/٣٠٧، علمًا بأن البلاذري توفي سنة ٢٧٩، كما ذكر ابن حجر في لسان الميزان ١/٣٢٣، وقد يحتمل أن العبارة صحفت منذ فترة مبكرة حيث أصبحت (ثلاثمائة وستة عشر، بدلًا من: ثلاثمائة وتسعة عشر) والله اعلم. وقال ابن جرير: "أما عامة السلف فإنهم قالوا: كانوا ثلاثمائة رجل وبضعة عشر رجلًا" تاريخ الطبري ٢/٤٣٢. وقد وردت أقوال أخرى في عدتهم، انظرها في: الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٩، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤ /٣٨٢، ٣٨٣، وتاريخ الطبري ٢/٤٣١-٤٣٣، ودلائل البيهقي ٣/٣٦، ٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/٢٦٨ وما بعدها، وفتح الباري لابن حجر ٧/٢٩١، ٢٩٢.
[ ١ / ١٩٤ ]
والتسعمائة١، وكان ذلك يوم الفرقان، وهزم الله يومئذ المشركين، فقتل
_________________
(١) ١ قال ابن كثير: "وأما جمع المشركين فأحسن ما يقال فيهم أنهم كانوا ما بين التسعمائة إلى الألف" البداية ٣/٣٢٧. وفي صحيح مسلم أن عدد جيش المشركين كان ألفًا، انضر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤ من حديث ابن عباس عن عمر بن الخطاب.
[ ١ / ١٩٥ ]
منهم زيادة على سبعين مهج١، وأسر منهم مثل ذلك٢.
قال الزهري: "ولم يشهد بدرًا إلا قرشي أو أنصاري أو حليف لأحد الفريقين"٣.
_________________
(١) ١ مُهَج: جمع مهجة وتطلق على دم القلب وعلى الأرواح، انظر: لسان العرب ٣/٥٤١، ترتيب يوسف بن خياط، والقاموس ٢٦٣، مادة: مهج. ٢ الصحيح في ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحة من حديث البراء بن عازب رضي الله عنة: " وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا " صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٠٧ رقم (٣٩٨٦)، ومسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁، انظر مسلم بشرح النووي ١٢/٨٦. ٣ مصنف عبد الرزاق ٥/٣٤٨، رقم (٩٧٢٦) . وهو مرسل صحيح إلى عروة. وقوله: قال الزهري: "ولم يشهد بدرًا " إلى آخر العبارة، أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/٤٠ من طريق عبد الرزاق، وانظر: تاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي، ص٨٠.
[ ١ / ١٩٦ ]
المبحث الثاني: في ذكر أحداث الغزوة إجمالًا
٧- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا أبوبكر٣ محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي، قال أخبرنا أبو محمد٤ القاسم بن عبد الله بن المغيرة الجوهري، قال: أخبرنا إسماعيل٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى٦ بن عقبة، ح، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: أخبرني
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي، ٣/١٠١-١١٩، وأخرج أجزاء منها: ابن إسحاق (ابن هشام ١/٦٠٦) بعضها بإسناد جمعي فيهم الزهري، وبعضها بأسانيد ليس فيها الزهري، وبعضها بدون إسناد. ٢ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل الأزرق، روى عنه البيهقي والخطيب، وقال: كان ثقة تاريخ بغداد، ٢/٢٤٩-٢٥٠، وقال الذهبي: "مجمع على ثقته"، مات سنة ٤١٥، السير، ١٧/٣٣١-٣٣٢. ٣ هو محمد بن عبد الله بن أحمد بن عَتَّاب العبدي، أبو بكر، قال عنه الخطيب: وكان ثقة، مات سنة ٣٤٤، تاريخ بغداد، ٥/٤٥٢-٤٥٣. ٤ هو القاسم بن عبد الله بن المغيرة، أبو محمد، قال عنه الدارقطني: ثقة مأمون، تاريخ بغداد، ١٢/٤٣٣-٤٣٤. ٥ هو إسماعيل بن عبد الله بن عبد الله بن أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي، أبو عبد الله بن أويس المدني، صدوق، أخطأ في أحاديث من حفظه، من العاشرة، ت سنة ست وعشرين خ م د ت ق، التقريب، ١٠٨. ٦ هو: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، الأسدي مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات في خلافة المهدي، خ تم س، التقريب، ١٠٥، وبقية الإسناد تقدمت تراجمهم في الرواية رقم [١] .
[ ١ / ١٩٧ ]
إسماعيل بن محمد الشعراني، قال: حدثني جدي، قال: أخبرنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: أخبرنا محمد بن فليح١ عن موسى بن عقبة قال: قال ابن شهاب: - وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه موسى بن عقبة -
قال: فمكث رسول الله ﷺ بعد قتل ابن الحضرمي شهرين ثم أقبل أبو سفيان٢؟ بن حرب في عير٣ قريش من الشام ومعه سبعون راكبًا من بطون قريش كلها وفيهم: مخرمة٤ بن نوفل، وعمرو بن العاص٥، وكانوا تجارًا بالشام، ومعهم خزائن أهل مكة، ويقال: كانت عيرهم ألف
_________________
(١) ١ تقدم في (١) . ٢ هو أيو سفيان صخر بن أمية بن عبد شمس القرشي الأموي، أسلم عام الفتح شهد حنينا والطائف، توفي أخر خلافة عثمان ﵁ وهو ابن ثلاث وتسعين وقيل ثمان وثمانين سنة الإصابة، ٢/ ١٧٩- ١٨٠ ٣ العير: الإبل بأحمالها، النهاية ٣/٣٢٩. ٤ هو مخرمة بن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب، كان من مسلمة الفتح، توفي سنة أربع وخمسين وقيل سنة خمس وخمسين، قالوا: وعاش مائة وخمس عشرة سنة. الإصابة ٣/٣٩٠-٣٩١. ٥ عمرو بن العاص بن وائل السهمي الصحابي المشهور، أسلم عام الحديبية وولي إمرة مصر مرتين وهو الذي فتحها، توفي سنة نيف وأربعين وقيل بعد الخمسين، التقريب ٤٢٣، رقم (٥٠٣٠) .
[ ١ / ١٩٨ ]
بعير، ولم يكن لأحد من قريش أوقية١ فما فوقها إلا بعث بها مع أبي سفيان إلا حويطب بن عبد العزى، فلذلك كان تخلف عن بدر ولم يشهده، فذكروا لرسول الله ﷺ وأصحابه، وكانت الحرب بينهم قبل ذلك وقتل ابن الحضرمي وأسر الرجلين عثمان٢ والحكم٣.
فلما ذكرت عير أبي سفيان لرسول الله ﷺ بعث رسول الله ﷺ عدي٤ بن أبي الزغباء الأنصاري من بني غنم، وأصلة من جهينة، وبسبس٥ يعني ابن عمرو إلى العير عينًا له، فسارا حتى أتيا حيًا من جهينه قريبا ًمن ساحل البحر فسألوهم عن العير وعن تجارة قريش، فأخبروهما بخبر القوم، فرجعا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فاستنفر المسلمين للعير، وذلك في رمضان، وقدم أبو سفيان على الجهنيين وهو متخوف من رسول الله ﷺ وأصحابه فقال: أحسَّوا من محمد، فأخبروه خبر الراكبين:
_________________
(١) ١ بضم الهمزة وتشديد الياء، من معايير الأوزان، وكانت الأوقية قديمًا عبارة عن وزن أربعين درهمًا، تختلف باختلاف اصطلاح البلاد، النهاية ١/٨٠. ٢ هو عثمان بن عبد الله بن المغيرة، تقدم أنه مات كافرًا. ٣ هو الحكم بن كيسان، تقدمت ترجمته في مبحث سرية نخلة. ٤ عدي بن أبي الزغباء واسمه سنان بن سبيع بن ثعلبة الجهني حليف بني النجار شهد بدرًا وما بعدها، توفي في خلافة عمر ﵁. الإصابة ٢/٤٦٩-٤٧٠. ٥ بَسْبَس - بموحدتين مفتوحتين بينهما مهملة، ساكنة ثم مهملة مفتوحة - ابن عمرو بن ثعلبة الجهني حليف بني طريف بن الخزرج، ويقال له بسبسة كما في مسلم، رقم (١٩٠١) انظر: الإصابة ١/١٤٧.
[ ١ / ١٩٩ ]
عدي بن أبي الزغباء، وبَسْبَسْ، وأشاروا إلى مناخهما، فقال أبو سفيان: خذوا من بعر بعيريهما، فَفَتَّه، فوجد فيه النوى، فقال: هذه علائف١ أهل يثرب، وهذه عيون محمد وأصحابه، فساروا سراعًا خائفين للطلب، وبعث أبو سفيان رجلًا من بني غفار يقال له: ضمضم بن عمرو إلى قريش: أن انفروا فاحموا عيركم من محمد وأصحابه فإنه قد استنفر أصحابه ليعرضوا لنا. وكانت عاتكة٢ بنت عبد المطلب ساكنة بمكة، وهي عمة رسول الله ﷺ، وكانت مع أخيها العباس بن عبد المطلب، فرأت رؤيا٣ قبل بدر، وقبل قدوم ضمضم عليهم، ففزعت منها،
_________________
(١) ١ جمع عَلَف: وهو ما تأكله الدّابة، مثل جمل وجمال، النهاية لابن الأثير ٣/٢٨٧، مادة: عَلَفَ. ٢ هي عاتكة بنت عبد المطلب بن هاشم عمة النبي ﷺ، كانت زوج أبي أمية بن المغيرة والد أم سلمة ﵂ زوج النبي ﷺ، قال ابن عبد البر: اختلف في إسلامها، والكُثُر يأبون ذلك، وذكرها العقيلي في الصحابة كما ذكر ابن حجر ذلك في الإصابة، وقد ذكرها ابن منده في الصحابة، وكذا ابن سعد. انظر: الإصابة ٤/٣٥٧. ٣ أخرج رؤيا عاتكة أيضًا ابن إسحاق بإسناد فيه مجهول حيث قال: فأخبرني من لا أتهم، ابن هشام ٢/٦٠٧، ووصله الحاكم في المستدرك ٣/١٩-٢٠، ولكن فيه حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، ضعفه ابن حجر، انظر: التقريب ١٦٧، رقم (١٣٢٦) . وقد تعقب الذهبي الحاكم في التلخيص فقال عن حسين: وحسين ضعيف، المستدرك ٣/٢٠. وأخرجها ابن اسحاق موصولة قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس عن عكرمة عن ابن عباس، انظر: دلائل البيهقي ٣/٢٩. وأخرجها الطبراني في الكبير ٢٤/٣٤٨-٣٤٩ رقم (٨٦٠) وفيه ابن لهيعة وفيه ضعف، وحديثه حسن كما قال الهيثمي، انظر: المجمع ٦/٦٩-٧٠. وأخرجها أيضًا ابن مندة كما في الإصابة من طريق محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن الزهري عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف عن أم كلثوم بنت عقبة. انظر: الإصابة لابن حجر ٤/٣٥٧-٣٥٨، وفي سندها محمد بن عبد العزيز بن عمر ابن عبد الرحمن بن عوف، قال فيه البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال الدارقطني: "ضعيف"، لسان الميزان ٥/٢٦، قال أبو حاتم: "وليس لمحمد عن أبي الزناد والزهري وهشام بن عروة حديث صحيح"، الجرح والتعديل ٨/٨، وهذا من روايته عن الزهري. والخلاصة: أن رؤيا عاتكة قد وردت من عدة طرق مرسلة صحيحة، وموصولة ضعيفة فبعضها يقوي بعضًا.
[ ١ / ٢٠٠ ]
فأرسلت إلى أخيها العباس بن عبد المطلب من ليلتها فجاءها العباس فقالت: رأيت الليلة رؤيا قد أشفقت منها وخشيت على قومك منها الهلكة قال: وماذا رأيت؟
قالت: لن أحدثك حتى تعاهدني إنك لا تذكرها، فإنهم إن سمعوها آذونا وأسمعونا ما لا نحب، فعاهدها العباس فقالت: رأيت راكبًا أقبل من أعلى مكة على راحلته يصيح بأعلى صوته: يا آل غُدر١ أخرجوا في
_________________
(١) ١ في الإصابة ٤/٣٥٨: يا آل بدر، ولعل الصواب ما في هذه الرواية بدليل قوله: يا آل غدر ويا آل فُجر، قال ابن الأثير: غدر معدول عن غادر للمبالغة يقال للذكر غدر والأنثى غدار كفطام، وهما مختصتان بالنداء غالبًا ، ومنه حديث عاتكة: يا لغدر يا لفجر. النهاية ٣/٣٤٥.
[ ١ / ٢٠١ ]
ليلتين أو ثلاث فأقبل يصيح حتى دخل المسجد على راحلته، فصاح ثلاث صيحات ومال عليه الرجال والنساء والصبيان، وفزع له الناس أشد الفزع، قالت: ثم أراه مَثَل على ظهر الكعبة، على راحلته، فصاح ثلاث صيحات فقال: يا آل غُدر ويا آل فُجر١: أخرجوا في ليلتين أو ثلاث ثم أراه مَثَل على ظهر أبي قبيس٢ كذلك يقول يا آل غدر ويا آل فجر حتى أسمع من بين الأخشبين٣ من أهل مكة ثم عمد إلى صخرة عظيمة فنزعها من أصلها ثم أرسلها على أهل مكة فأقبلت الصخرة لها حس٤ شديد حتى إذا كانت عند أصل الجبل ارفضت٥ فلا أعلم بمكة دارًا ولا بيتًا إلا قد دخلتها فلقة٦ من تلك الصخرة فقد خشيت على قومك،
_________________
(١) ١ هو معدول عن فاجر للمبالغة، ولا يستعمل إلا في النداء غالبًا، النهاية ٣/٤١٤. ٢ جبل مشرف على مسجد مكة، معجم البلدان، ٤/٣٠٨، وهو الجبل الذي يشرف على الكعبة من مطلع الشمس، المعالم الأثيرة ٢٢٢. ٣ الأخشبان جبلان بمكة أحدهما عن يمين المسجد الحرام والآخر عن يساره، أحدهما قُعَيقِعان بالضم ثم الفتح، بلفظ تصغير انظر: معجم البلدان لياقوت، ٤/٣٧٩، والآخر أبو قبيس. انظر المعالم الجغرافية للبلادي، ٢٠. ٤ الحسُّ: بكسر الحاء: من أحسست بالشيء، حسّ بالشيء وحُسّ حسًّا وحسيسًا، وأحس به، شعر. اللسان (حسس) . ٥ ارفضت: أي تفتَّتَتْ. شرح السيرة لأبي ذر الخشني ١٥٣. ٦ فلقة: أي الكَسْرَةُ: القاموس المحيط ص١١٨٦، مادة فلق.
[ ١ / ٢٠٢ ]
ففزع العباس من رؤياها ثم خرج من عندها فلقي الوليد بن عتبة بن ربيعة من آخر الليلة، وكان الوليد خليلًا للعباس، فقص عليه رؤيا عاتكة وأمره أن لا يذكرها لأحد، فذكرها الوليد لأبيه عتبة، وذكرها عتبة لأخيه شيبة، فارتفع الحديث حتى بلغ أبا جهل بن هشام واستفاض في أهل مكة فلما أصبحوا غدا العباس يطوف بالبيت فوجد في المسجد أبا جهل، وعتبة وشيبة ابني ربيعة، وأمية وأبي بن خلف، وزمعة بن الأسود، وأبا البختري في نفر من قريش يتحدثون، فلما نظروا إلى العباس ناداه أبو جهل: يا أبا الفضل إذا قضيت طوافك فهلم إلينا.
فلما قضى طوافه جاء فجلس إليهم.
فقال أبو جهل: ما رؤيا رأتها عاتكة؟
فقال: ما رأت من شيء.
فقال أبو جهل: أما رضيتم يا بني هاشم بكذب الرجال حتى جئتمونا بكذب النساء، إنا كنا وإياكم كفرسي رهان، فاستبقنا المجد منذ حين، فلما تحاكت الركب قلتم منا نبي، فما بقي إلا أن تقولوا: مِنَّا نبيّة، فما أعلم في قريش أهل بيت أكذب امرأة ولا رجلًا منكم، وآذاه أشد الأذى.
وقال أبو جهل: زعمت عاتكة أن الراكب قال: اخرجوا في ليلتين أو ثلاث. فلو قد مضت هذه الثلاث تبينت قريش كذبكم، وكتبنا سجلًا: أنكم أكذب أهل بيت في العرب رجلًا وامرأةً، أما رضيتم يا بني
[ ١ / ٢٠٣ ]
قصي أن ذهبتم بالحجابة١والندوة٢ والسقاية٣ واللواء٤ والرفادة٥ حتى جئتمونا بنبي منكم؟
فقال العباس: هل أنت منتهٍ، فإن الكذب فيك وفي أهل بيتك، فقال من حضرهما: ما كنت يا أبا الفضل جهولًا ولا خُرقًا٦، ولقي العباس من عاتكة فيما أفشى عليها من رؤياها أذى شديدًا.
فلما كان مساء الليلة الثالثة من الليلة التي رأت عاتكة فيها الرؤيا
_________________
(١) ١ المراد حجابة الكعبة، وهي سدانتها وتولي حفظها، النهاية ١/٣٤٠. ٢ قال ابن الأثير: "ندوت القوم أندوهم، إذا جمعتهم في النادي، وبه سميت دار الندوة بمكة لأنهم كانوا يجتمعون فيها ويتشاورون". النهاية ٥/٣٧. ٣ السقاية: هي ما كانت قريش تسقيه الحجاج من الزبيب المنبوذ في الماء، وكان يليها العباس بن عبد المطلب في الجاهلية والإسلام، النهاية ٢/٣٨٠-٣٨١. والمقصود أن هذه الأشياء كانت لبني عبد مناف وبني عبد الدار. انظر: ابن هشام ١/١٢٥، وأخبار مكة للأزرقي ١/١٠٧-١١٠، والبداية لابن كثير ٢/٢٢٦. ٤ اللواء: الراية ولا يمسكها إلا صاحب الجيش. النهاية ٤/٢٧٩، وسيأتي لها تعريفًا موسعًا قريبًا. ٥ الرفادة: هي شيء كانت تترافد به في الجاهلية، أي تتعاون فيخرج كل إنسان قدر طاقته فيجمعون مالًا عظيمًا، فيشترون به الطعام والزبيب للنبيذ ويطعمون الناس ويسقونهم أيام الحج حتى ينقضي. النهاية ٢/٢٤٢. ٦ الخُرق: بالضم: الجهل والحمق، وقد خَرِق خَرقًا، فهو أخرق، ومنه حديث جابر: فكرهت أن أجيئهن بخرقاء مثلهن (أي حمقاء جاهلة) وهي تأنيث الأخرق. النهاية في غريب الحديث ٢/٢٦.
[ ١ / ٢٠٤ ]
جاءهم الراكب الذي بعث أبو سفيان وهو ضمضم بن عمرو الغفاري، فصاح، فقال: يا آل غالب بن فهر: انفروا فقد خرج محمد وأهل يثرب يعترضون لأبي سفيان فأحرزوا عيركم، ففزعت قريش أشد الفزع وأشفقوا من رؤيا عاتكة، وقال العباس: هذا زعمتم كذا وكذَّب عاتكة فنفروا على كل صعب١ وذلول٢ وقال أبو جهل: أيظن محمد أن يصيب مثل ما أصاب بنخلة، سيعلم أنمنع عيرنا أم لا، فخرجوا بخمسين وتسعمائة مقاتل وساقوا مائة فرس، ولم يتركوا كارهًا للخروج يظنون أنه في صغو٣ محمد وأصحابه ولا مسلمًا يعلمون إسلامه ولا أحدًا من بني هاشم إلا من لا يتهمون إلا أشخصوه معهم فكان ممن أشخصوا العباس بن عبد المطلب، ونوفل بن الحارث، وطالب بن أبي طالب، وعقيل بن أبي طالب في آخرين وهنالك يقول طالب بن أبي طالب:
إما يخرجن طالب بمقنب٤ من هذه المقانب
في نفر مقاتل محارب فليكن المسلوب غير السالب
والراجع المغلوب غير الغالب
_________________
(١) ١ الصعب من الدواب نقيض الذلول، والأنثى صعبة، والجمع صعاب، وأُصْعِبَ الجمل لم يُركب قطُّ. اللسان (صعب) . ٢ دابة ذلول: أي ضد الصعب. اللسان (ذلل) . ٣ الصغو: الميل: يقال: صَغوه معك، وصِغاه وصَغاه أي: ميله معك، وصاغية الرجل الذي يميلون إليه ويأتونه ويطلبون ما عنده ويغشونه، لسان العرب ٢/٤٤٥، مادة: (صغا) . ٤ المقنب: الجماعة من الخيل مقدار ثلاثمائة أو نحوها، شرح السيرة لأبي ذر الخشني ص١٥٥.
[ ١ / ٢٠٥ ]
فساروا حتى نزلوا الجحفة١، نزلوها عشاءً يتروون من الماء وفيهم رجل من بني المطلب بن عبد مناف يقال له جهيم بن الصلت بن مخرمة٢، فوضع جهيم رأسه فأغفى٣ رأسه ثم فزع فقال لأصحابه: هل رأيتم الفارس الذي وقف عليَّ آنفًا؟ فقالوا: لا؛ فإنك مجنون. فقال: قد وقف عليّ فارس آنفًا فقال: قتل أبو جهل، وعتبة، وشيبة، وزمعة، وأبو البختري، وأمية بن خلف، فعد أشرافًا من كفار قريش. فقال له أصحابه: إنما لعب بك الشيطان، ورفع حديث جهيم إلى أبي جهل فقال: قد جئتمونا بكذب بني المطلب مع كذب بني هاشم! سترون غدًا من يقتل.
ثم ذكر لرسول الله ﷺ عير قريش جاءت من الشام، وفيها أبو
_________________
(١) ١ الجحفة: جيم مضمومة وحاء ساكنة وفاء ثم هاء، توجد اليوم آثارها شرق مدينة رابغ بحوالي (٢٢) كيلًا إذا خرجت من رابغ تؤم مكة كانت إلى يسارك. معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٧٩-٨٠. ٢ هو جهيم بن الصلت بن مخرمة بن المطلب بن عبد مناف المطلبي، قال ابن سعد: "أسلم بعد الفتح". وقال ابن عبد البر: "أسلم عام خيبر، وأطعمه رسول الله ﷺ من خيبر ثلاثين وسقًا " قال ابن اسحاق: "وهو الذي رأى أيام بدرٍ رجلًا على فرس يقول: قتل عتبة وشيبة ابنا ربيعة، وكان يكتب الصدقات لرسول الله ﷺ". انظر: الإصابة ١/٢٥٦. وقد ذكر رؤيا جهيم ابن إسحاق، انظر: ابن هشام ١/٢١٨، والواقدي في المغازي ١/٤٢. ٣ أغفى رأسه: أدنى جفونه. اللسان (غضض) .
[ ١ / ٢٠٦ ]
سفيان بن حرب ومخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وجماعةٌ من قريش، فخرج إليهم رسول الله ﷺ فسلك حين خرج إلى بدر على نَقْب١ بني دينار، ورجع حين رجع من ثنية الوداع٢ فنفر رسول الله ﷺ حين نفر ومعه ثلاثمائة٣ وستة عشر رجلًا، وفي رواية ابن فليح: ثلاثمائة٤ وثلاثة عشر رجلًا، وأبطأ عنه كثيرٌ من أصحابه، وتربصوا، وكانت أول وقعة
_________________
(١) ١ بالفتح ثم السكون، الطريق الضيق في الجبل، وبنو دينار من الأنصار من بني النجار، ونقب بني دينار من الحرة الغربية بالمدينة، ولعله الطريق المعروف اليوم والذي يؤدي إلى ذي الحليفة، فقد كان شق في الحرة ثم عُبِّد، المعالم الأثيرة ٢٨٩. ٢ ثنية الوداع من سلع على متنه الشرقي، بداية شارع أبي بكر الصديق (سلطانة) وعند أول شارع سيد الشهداء وهي ثنية الوداع لمن يسافر إلى الشام عن طريق تبوك، معجم المعالم الجغرافية ٣٣٢، والمعالم الأثيرة ٢٩٦. ٣ يشهد له حديث أبي موسى عند البزار (كشف الأستار ١٧٨٤)، قال الهيثمي بعد أن ذكره: "ورجاله ثقات"، انظر: المجمع ٦/٩٣، والحق أن في اسناده: ثابت بن عمارة، صدوق فيه لين كما قال ابن حجر ﵀، انظر: التقريب ١٣٢ رقم (٨٢٣) . ٤ قد وردت عدة روايات تذكر هذا العدد منها ما ذكره ابن إسحاق في رواية البكائي عنه، انظر: ابن هشام ١/٧٠٦، والواقدي في المغازي ١/١٢٥، وأحمد في المسند ٤/١٠٣ رقم (٢٢٣٢)، أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف، ١٤/٣٨٢، وابن سعد في الطبقات ٢/٢٠، والطبري في تاريخه، ٢/٤٣١، والطبراني في الكبير ١١/٣٨٨، رقم (١٢٠٨٣) ورقم (١٢٠٦٣)، وكلها فيها مقال، وتبقى رواية مسلم التي تذكر ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا هي الصحيحة والمعتمدة، مسلم بشرح النووي ١٢/٨٤.
[ ١ / ٢٠٧ ]
أعز الله ﵎ فيها الإسلام، فخرج في رمضان على رأس ثمانية عشر شهرًا من مقدمه المدينة، ومعه المسلمون، لا يريدون إلا العير١، فسلك على نقب بني دينار، والمسلمون غير مقوِّين من الظهر، وإنما خرجوا على النواضح٢ يعتقب النفر منهم على البعير الواحد، وكان زميل رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب، ومرثد بن أبي مرثد الغنوي٣ حليف حمزة، فهم معه ليس معهم إلا بعير واحدٌ، فساروا حتى إذا كانوا بعَرْق الظَّبْيَة٤ لقيهم راكبٌ من قبل تهامة، والمسلمون يسيرون فوافقه نفر من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه عن أبي سفيان فقال: لا علم لي به، فلما يئسوا من خبره قالوا له: سلِّم على النبي ﷺ، قال: وفيكم رسول الله؟ قالوا: نعم. قال: أيكم هو؟ فأشاروا له إليه، فقال الأعرابي: أنت رسول الله كما تقول؟ قال: نعم. قال: إن كنت رسول الله كما تزعم فحدثني
_________________
(١) ١ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه من أن النبي ﷺ خرج إلى بدر لا يريد إلا العير حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٨٥. ٢ النواضح: الإبل التي يستقى عليها، واحدها ناضح، النهاية في غريب الحديث ٥/٦٩. ٣ هو مرثد بن أبي مرثد الغنوي، صحابي وأبوه صحابي واسمه: كناز بنون ثقيلة، وزاي وهما ممن شهد بدرًا، قال ابن إسحاق: "استشهد مرثد في صفر سنة ثلاث في غزاة الرجيع" الإصابة ٣/٣٩٨. ٤ عرق الظبية: يروى بضم الأول وفتحه، ويعرف اليوم (طرف الظبية)، وهو قبل الروحاء بثلاثة أكيالٍ، انظر: المعالم الاثيرة ١٨٣.
[ ١ / ٢٠٨ ]
بما في بطن ناقتي هذه. فغضب رجلٌ من الأنصار ثم من بني عبد الأشهل يقال له سلمة بن سلامة بن وقْش١ فقال للأعرابي: وقعت على ناقتك فحملت منك فكره رسول الله ﷺ ما قال سلمة حين سمعه أفحش، فأعرض عنه، ثم سار رسول الله ﷺ لا يلقاه خبر، ولا يعلم بنفرة قريش.
فقال النبي ﷺ لأصحابه: أشيروا علينا في أمرنا ومسيرنا.
فقال أبو بكر ﵁: يا رسول الله، إنا أعلم الناس بمسافة الأرض، أخبرنا عدي بن أبي الزغباء أن العير كانت بوادي كذا وكذا - قال ابن فليح في روايته: فكأنا وإياهم فرسا رهان إلى بدر، ثم اتفقا - قال: ثم قال: أشيروا عليَّ.
فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، إنها قريش وعزها، والله ما ذلت منذ عزت، ولا آمنت منذ كفرت، والله لتقاتلنك، فتأَهَّبْ لذلك أهبته، وأعد له عدته.
فقال رسول الله ﷺ: أشيروا عليَّ.
فقال المقداد بن عمرو عديد بني زهرة: إنا لا نقول لك كما قال
_________________
(١) ١ هو سلمة بن سلامة بن وقْش بن زغبة الأشهلي الأنصاري أبو عوف شهد العقبة الأولى والثانية، وشهد بدرًا والمشاهد كلها. قال إبراهيم بن المنذر: "مات سنة أربع وثلاثين"، وقال غيره: "بل تأخر إلى سنة خمس وأربعين وبه جزم الطبري"، قال: "مات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة"، الإصابة ٢/٦٥.
[ ١ / ٢٠٩ ]
أصحاب موسى ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ ١، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكم متبعون٢.
فقال رسول الله ﷺ: أشيروا عليّ.
فلما رأى سعد بن معاذ٣ كثرة استشارة النبي ﷺ أصحابه فيشيرون فيرجع إلى المشورة ظن سعدٌ أنه يستنطق الأنصار شفقًا ألا يستحوذوا معه، أو قال: ألا يستجلبوا معه على ما يريد من أمره. فقال سعد: لعلك يا رسول الله تخشى أن لا تكون الأنصار يريدون مواساتك، ولا يرونها حقًا عليهم إلا بأن يروا عدوًا في بيوتهم وأولادهم ونسائهم، وإني أقول
_________________
(١) ١ إشارة إلى الآية رقم (٢٤) من سورة المائدة. ٢ ورد عن ابن إسحاق: ".. ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه"، ابن هشام ١/٦١٥. وقد أخرج البخاري كلام المقداد في صحيحه، ولكن ليس عند المشورة وإنما عند دعاء النبي ﷺ على المشركين فقال: لا نقول كما قال قوم موسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا﴾ ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك، انظر: صحيح البخاري مع الفتح، ٧/٢٨٧ رقم (٣٩٥٢)، ومسند أحمد رقم (٣٦٩٨) تحقيق شاكر. ٣ هو سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي، شهد بدرًا باتفاق ورمي بسهم يوم الخندق فعاش بعد ذلك شهرًا حتى حكم في بني قريظة، ثم انتقض جرحه، فمات سنة خمس، الإصابة ٢/٣٧.
[ ١ / ٢١٠ ]
عن الأنصار وأجيب عنهم يا رسول الله، فاظعن١ حيث شئت، وصِل حبل من شئتَ، واقطع حبْل من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وأعطنا ما شئت، وما أخذته منّا أحب إلينا مما تركت علينا، وما ائتمرت من أمرٍ فأمرنا لأمرك فيه تبعٌ، فوالله لو سرت حتى تبلغ البرك٢من غِمْدِ ذي يَمَن لسرنا معك٣.
فلما قال ذلك سعد قال رسول الله ﷺ: سيروا على اسم الله ﷿؛ فإني قد رأيتُ مصارع القوم. فعمد لبدر.
_________________
(١) ١ ظَعَنَ بالتحريك، ذهب وسار. انظر: لسان العرب ٢/٦٤٤، مادة ظَعَن. ٢ المراد: برك الغِماد: وهو بكسر الغين المعجمة، وقال ابن دريد بالضمّ، والكسر أشهر، وهو موضع وراء مكة بخمس ليال مما يلي البحر، انظر: معجم البلدان ١/٣٩٩، وهي الآن بلدة صغيرة بين حَلي والقُنْفُذَة على الساحل، وتبعد عن مكة (٦٠٠) كيلٍ تقريبًا، المعالم الجغرافية ٤٢. ٣ أخرج مسلم في صحيحه من حديث أنس أن القائل هو: سعد بن عبادة ﵁، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٤. قال الحافظ ابن حجر: "وفيه نظر، لأن سعد بن عبادة لم يشهد بدرًا، وإن كان يعدّ فيهم لكونه ممن ضرب له بسهم، ثم قال: ويمكن الجمع بأن النبي ﷺ استشارهم في غزوة بدر مرتين: الأولى: وهو بالمدينة أول ما بلغه خبر العير مع أبي سفيان، وذلك بين في رواية مسلم ولفظه: (أن النبي ﷺ شاور أصحابه حين بلغه إقبال أبي سفيان. والثانية: كانت بعد أن خرج، ثم قال: ووقع عند الطبراني أن سعد بن عبادة قال ذلك بالحديبية، وهذا أولى بالصواب" فتح الباري ٧/٢٨٨.
[ ١ / ٢١١ ]
وخفض أبو سفيان، فلصق بساحل البحر، وخاف الرصد على بدر، وكتب إلى قريش حين خالف مسير رسول الله ﷺ ورأى أنه قد أحرز ما معه، وأمرهم أن يرجعوا، فإنما خرجتم لتحرزوا ركبكم، فقد أحرز لكم.
فلقيهم هذا الخبر بالجحفة، فقال أبو جهل: والله لا نرجع حتى نقدم بدرًا فنقيم بها، ونطعم من حضرنا من العرب؛ فإنه لن يرانا أحدٌ من العرب فيقاتلنا.
فكره ذلك الأخنس بن شريق١، فأحب أن يرجعوا، وأشار عليهم بالرجعة فأبوا وعصوه، وأخذتهم حمية الجاهلية، فلما يئس الأخنس من رجوع قريش أكبّ على بني زهرة فأطاعوه، فرجعوا، فلم يشهد أحدٌ منهم بدرًا، واغتبطوا برأي الأخنس وتبركوا به، فلم يزل فيهم مطاعًا حتى مات، وأرادت بنو هاشم الرجوع فيمن رجع فاشتد عليهم أبو جهل بن هشام، وقال: والله لا تفارقنا هذه العصابة حتى نرجع.
وسار رسول الله ﷺ حتى نزل أدنى شيء من بدر عشاءً، ثم بعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وبسبسًا الأنصاري عديد بني ساعدة،
_________________
(١) ١ الأخنس بن شريق بن عمرو بن وهب الثقفي أبو ثعلبة حليف بني زهرة، اسمه: أبي، وإنما لقب الأخنس لأنه رجع ببني زهرة من بدر لما جاءهم الخبر أن أبا سفيان نجا بالعير، فقيل خنس الأخنس ببني زهرة، فسمي بذلك، ثم أسلم فكان من المؤلفة قلوبهم وشهد حنينًا ومات في خلافة عمر ﵁. الإصابة ١/٢٥.
[ ١ / ٢١٢ ]
وهو أحد جهينة في عصابة من أصحاب رسول الله ﷺ وقال لهم: اندفعوا إلى هذه الظِّراب١ وهو في ناحية بدر، فإني أرجو أن تجدوا الخبر عند القليب الذي يلي الظِّراب، فانطلقوا متوشحي السيوف، فوجدوا وارد قريش عند القليب الذي ذكر رسول الله ﷺ فأخذوا غلامين٢ أحدهما لبني الحجاج بن أسود، والآخر لآل العاص، يقال له: اسلم، وأفلت أصحابهما قبل قريش، فأقبلوا بهما حتى أتوا بهما رسول الله ﷺ وهو في مُعَرَّسِه دون الماء، فجعلوا يسألون العبدين عن أبي سفيان وأصحابه لا يرون إلا أنهما لهم، فطفقا يحدثانهم عن قريش ومن خرج منهم وعن رؤوسهم فيكذبونهما وهم أكره شيء للذي يخبرانهم، وكانوا يطمعون بأبي سفيان وأصحابه ويكرهون قريشًا، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلمقائمًا يصلي يسمع ويرى الذي يصنعون بالعبدين، فجعل العبدان إذا أذلقوهما بالضرب يقولان نعم هذا أبو سفيان والركب، كما قال ﷿: ﴿أسفلَ مِنْكُمْ﴾ قال الله تعالى: ﴿إذْ أَنْتُم بالعُدوة الدنيا وهم بالعُدوَةِ القُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ
_________________
(١) ١ الظراب الجبال الصغار، واحدها: ظَرِب - بوزن: كتف - وقد يجمع في القلة على أظرب. النهاية في غريب الحديث ٣/١٥٦. ٢ في صحيح مسلم أن الأسر وقع لغلام بني الحجاج، وهو أسود اللون، انظر: مسلم بشرح النووي ١٢/١٢٥، وانظر: سنن أبي داود رقم (٢٦٨١)، وفي مسند أحمد ٢/٢٥٩، رقم ٩٤٨، أرناؤوط، أن الأسير مولى لعقبة بن أبي معيط.
[ ١ / ٢١٣ ]
وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاخْتَلَفْتُمْ فِي المِيعَاد وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللهُ أمْرًا كان مفْعُولًا﴾ ١.
قال: فطفقوا إذا قال العبدان: هذه قريش قد جاءتكم كذبوهما وإذا قالا هذا أبو سفيان تركوهما، فلما رأى رسول الله ﷺ صنيعهم بهما سلّم من صلاته، فقال: ماذا أخبراكم؟
قالوا: أخبرانا أن قريشًا قد جاءت.
قال: فإنهما قد صدقا، والله إنكم لتضربونهما إذا صدقا وتتركونهما إذا كذبا. خرجت قريش لتحرز ركبها وخافوكم عليهم، ثم دعا رسول الله ﷺ العبدين فسألهما فأخبراه بقريش، وقالا: لا علم لنا بأبي سفيان، فسألهما رسول الله ﷺ "كم القوم"؟
قالا: لا ندري، والله هم كثير، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "من أطعمهم أمس "؟
فسميا رجلًا من القوم، قال: "كم نحر لهم"؟
قالا: عشر جزائر، قال: "فمن أطعمهم أول أمس"؟
فسميا رجلًا آخر من القوم، فقال: "كم نحر لهم"؟
قالا تسعًا، فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: القوم ما بين التسع مائة والألف، يعتبر ذلك بتسع جزائر ينحرونها يومًا وعشر ينحرونها يومًا، وزعموا أن أول من نحر لهم حين خرجوا من مكة أبو جهل بن هشام، ونحر لهم بمرّ٢ عشر جزائر، ثم نحر لهم أمية بن خلف
_________________
(١) ١ سورة الأنفال: آية (٤٢) ٢ مرّ: المراد: مرّ الظهران، وهو وادٍ فحل من أودية الحجاز يمرّ شمال مكة على (٢٢) كيلًا ويصب في البحر جنوب جدة، بقرابة عشرين كيلًا. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٨٨.
[ ١ / ٢١٤ ]
بعُسفان١ تسع جزائر، ونحر لهم سهيل بن عمرو بقُدَيد٢ عشر جزائر، ومالوا من قديد إلى مياه من نحو البحر فظلوا فيها وأقاموا بها يومًا فنحر لهم شيبة بن ربيعة تسعًا ثم أصبحوا بالجحفة فنحر لهم يومئذ عتبة بن ربيعة عشرًا، ثم أصبحوا بالأبواء فنحر لهم نبيه ومنبه ابنا الحجاج أو قال العباس بن عبد المطلب عشرًا، ونحر لهم الحارث بن عامر بن نوفل تسعًا، ونحر لهم أبو البختري على ماء بدر عشر جزائر، ونحر لهم مِقْيس الجمحي على ماء بدر تسعًا٣، ثم شغلتهم الحرب فأكلوا من أذوادهم٤.
فقام رسول الله ﷺ فقال: أشيروا عليّ في المنزل، فقام الحباب بن المنذر٥، رجل من الأنصار ثم أحد بني سلمة، فقال: أنا يا رسول الله
_________________
(١) ١ عُسفان: بضمّ العين وسكون السين وفاء وألف وآخره نون، هي بلدة على (٨٠) كيلًا من مكة شمالًا على الجادة إلى المدينة. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٠٨. ٢ قُديد: بضمّ القاف وفتح الدال المهملة ومثناة تحت ودال أخرى، وهو وادٍ فحل من أودية الحجاز يقطعه الطريق من مكة إلى المدينة على نحو من (١٢٠) كيلًا. معجم المعالم الجغرافية، ٢٤٩. ٣ وقد أخرج الواقدي في المغازي (١/٦٠) أن إيماء بن رحضة قد بعث إلى قريش ابنًا له بعشر جزائر حين مروا به، أهداها لهم فشكروه على ذلك. ٤ وردت هنا بالذال، ولكن يظهر أن معناها: أزودة بالزاي. والأزودة جمع زاد على غير القياس، النهاية ٢/ ٣١٧ ٥ هو الحباب بن المنذر بن الجموح الأنصاري الخزرجي ثم السلمي، قال ابن سعد: شهد بدرًا، وقال: مات في خلافة عمر وقد زاد على الخمسين، الإصابة ١/٣٠٢.
[ ١ / ٢١٥ ]
عالم بها وبقُلُبها، إن رأيت أن تسير إلى قليب منها قد عرفتها كثيرة الماء عذبة فتنزل عليها وتسبق القوم إليها وتغوّر ما سواها١، فقال رسول الله ﷺ: "سيروا فإن الله تعالى قد وعدكم إحدى الطائفتين أنها لكم"، فوقع في قلوب الناس كثير الخوف، وكان فيهم شيء من تخاذل من تخويف الشيطان، فسار رسول الله ﷺ والمسلمون مسابقين إلى الماء، وسار المشركون سراعًا يريدون الماء فأنزل الله عليهم في تلك الليلة مطرًا واحدًا، فكان على المشركين بلاءً شديدًا منعهم أن يسيروا، وكان على المسلمين ديمة٢ خفيفة لَبَّد لهم المسير والمنزل، وكانت بطحاء دَهِسَة، فسبق
_________________
(١) ١ قصة مشورة الحباب أخرجها الحاكم في المستدرك ٣/ ٤٢٦- ٤٢٧، قال عنها الألباني في تعليقه على كتاب (فقه السيرة للغزالي ص:٢٤٠): "وفي سنده من لم أعرفه، وقال عنها الذهبي في تلخيصه على المستدرك: "قلت: حديث منكر" ورواها ابن إسحاق بإسناد منقطع، (ابن هشام ١/ ٦٢٠)، وبإسناد مرسل إلى عروة كما في دلائل البيهقي ٣/٣٥، والطبري في تاريخه، ٢/ ٤٤٠ من طريق سلمة بن الأبرش عن ابن إسحاق، وذكرها ابن كثير عن الأموي، انظر: السيرة النبوية لابن كثير، ٢/ ٤٠٢، بإسناد منقطع، وفيها الكلبي وهو متروك، وابن شاهين كما في الإصابة ١/ ٣٠٢ بإسناد ضعيف، وقد تتقوى إلى درجة الحسن لغيره كما قال باوزير في: مرويات غزوة بدر ص ١٦٤. ٢ الديمة: المطر الدائم في سكون. النهاية ٢/ ١٤٨.
[ ١ / ٢١٦ ]
المسلمون إلى الماء فنزلوا عليه شطر الليل، فاقتحم القوم القليب فماحوها حتى كثر ماؤها، وصنعوا حوضًا عظيمًا ثم غوروا ما سواه من المياه، وقال رسول الله ﷺ: هذه مصارعهم إن شاء الله تعالى بالغداة، وأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ﴾ ١.
ويقال: كان مع رسول الله ﷺ فرسان على أحدهما مصعب بن عمير٢، وعلى الآخر سعد بن خيثمة٣، ومرة الزبير بن العوام، ومرة المقداد بن الأسود٤.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (١١) . ٢ مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي بن كلاب العبدري أحد السابقين إلى الإسلام يكنى أبا عبد الله، شهد بدرًا وأحدًا ومعه اللواء، فاستشهد، الإصابة ٣/ ٤٢١. ٣ سعد بن خيثمة بن الحارث بن مالك بن كعب الأنصاري الأوسي أحد النقباء ليلة العقبة، شهد بدرًا واستشهد بها، الإصابة ٢/٢٥. ٤ أخرج الحاكم في المستدرك ٣/ ٢٠ و٣٦١، من حديث علي بن أبي طالب ﵁ قال: "ما كان معنا إلا فرسان، فرس للزبير وفرس للمقداد بن الأسود - يعني يوم بدر" ثم قال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين" وأقره الذهبي. والحق أن حميد بن زياد لم يرو له البخاري في صحيحه، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب ١٨١ رقم (١٥٤٦): "صدوق يهم"، وقد أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن علي ﵁ ما يخالف هذه حيث قال علي ﵁: "ما كان فينا فارس يوم بدر غير المقداد"، مسند أحمد رقم (١٠٢٣) بتحقيق الأرناؤوط وزملائه، وأخرجه أبو يعلى رقم (٢٨٠) وابن خزيمة رقم (٨٩٩)، وابن حبان رقم (٢٢٥٧)، وأبو داود الطيالسي رقم (١١٦)، وأبو يعلى (٣٠٥٠) من طريق شعبة.
[ ١ / ٢١٧ ]
ثم صف رسول الله ﷺ على الحياض، فلما طلع المشركون قال رسول الله ﷺ - زعموا: "اللهم هذه قريش قد جاءت بخيلائها وفخرها تحادك وتكذب رسولك، اللهم إني أسألك ما وعدتني"١ - ورسول الله ﷺ ممسك بعضد أبي بكر يقول – "اللهم إني أسألك ما وعدتني". فقال أبو بكر: يا نبي الله أبشر فوالذي نفسي بيده لينجزن الله تعالى ما وعدك"٢. فاستنصر المسلمون الله تعالى واستغاثوه، فاستجاب الله تعالى لنبيهصلى الله عليه وسلم وللمسلمين.
وأقبل المشركون ومعهم إبليس في صورة سراقة بن جعشم المدلجي يحدثهم أن بني كنانة وراءه قد أقبلوا لنصرهم وأنه لا غالب لكم اليوم من الناس وإني جار لكم لما أخبرهم من سير بني كنانة، قال: وأنزل الله تعالى:
_________________
(١) ١ ورد نحو هذا الدعاء عند البخاري ٦/ ٩٩، رقم (٢٩١٥)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤، وأخرجه الواقدي في المغازي (١/ ٥٩) من طريق الزهري عن عروة مرسلًا. ٢ كلام أبي بكر ونحوه عند البخاري ومسلم في المصدرين والمكانين المتقدمين.
[ ١ / ٢١٨ ]
﴿ولا تكونوا كَالذِينَ خَرجُوا مِنْ دِيارِهِمْ بَطَرًَا وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾ ١ هذه الآية والتي بعدها٢، قال رجال من المشركين ممن ادعى الإسلام وخرج بهم المشركون كرهًا لما رأوا قلة مع محمد ﷺ وأصحابه غرّ هؤلاء دينهم، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يتوكلْ على اللهِ فَإِنّ الله عزيزٌ حَكِيْمٌ﴾ ٣ الآية كلها.
وأقبل المشركون حتى نزلوا وتَعَبَّوْا للقتال والشيطان معهم لا يفارقهم، فسعى حكيم بن حزام إلى عتبة بن ربيعة، فقال: هل لك أن تكون سيد قريش ما عشت؟
قال عتبة: فأفعل ماذا؟
قال: تجير بين الناس وتحمل دية ابن الحضرمي٤ وبما أصاب محمد من تلك العير، فإنهم لا يطلبون من محمد غير هذه العير ودم هذا الرجل٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (٤٧) . ٢ وهي قوله تعالى: ﴿وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعمالَهُمْ وَقَالَ لا غالِبَ لَكُمُ اليوْمَ مِنَ النَّاسِ وإني جَارٌ لَكُمْ فلمّا تَراءَتِ الفِئتانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْه وقال إِني بَرِيءٌ مِّنْكم إني أرَى ما لا تَرَوْنَ إِنِّيْ أَخَافُ اللهَ واللهُ شديدُ العِقاب﴾ . ٣ سورة الأنفال آية (٤٩) . ٤ يعني: عمرو بن الحضرمي الذي قتل في سرية نخلة. ٥ هذا يدل على أن قريشًا لم تخرج لإنقاذ عيرها فقط، بل لأخذ ثأر ابن الحضرمي أيضًا. وقد ذكر ابن حجر: أن غزوة بدر كانت بسبب قتل المسلمين ابن الحضرمي، الإصابة ٢/ ٤٩٨.
[ ١ / ٢١٩ ]
قال عتبة: نعم، قد فعلت ونعمًا قلت ونعمًا دعوت إليه، فاسع في عشيرتك فأنا أتحمل بها، فسعى حكيم في أشراف قريش بذلك يدعوهم إليه، وركب عتبة بن ربيعة جملًا له فسار عليه في صفوف المشركين في أصحابه، فقال: يا قوم أطيعوني فإنكم لا تطلبون عندهم غير دم ابن الحضرمي، وما أصابوا من عيركم تلك، وأنا أتحمل بوفاء ذلك، ودعوا هذا الرجل، فإن كان كاذبًا وليَ قتله غيركم من العرب فإن فيهم رجالًا لكم فيهم قرابة قريبة، وإنكم إن تقتلوهم لا يزال الرجل منكم ينظر إلى قاتل أخيه أو ابنه أو ابن أخيه أو ابن عمه، فيورث ذلك فيهم إحنًا وضغائن، وإن كان هذا الرجل ملكًا كنتم في ملك أخيكم، وإن كان نبيًا لم تقتلوا النبي فتسبوا به، ولن تخلصوا أحسب إليهم حتى يصيبوا أعدادهم، ولا آمن أن تكون لهم الدبرة١ عليكم، فحسده أبو جهل على مقالته، وأبى الله ﷿ إلا أن ينفذ أمره، وعتبة بن ربيعة يومئذ سيد المشركين، فعمد أبو جهل إلى ابن الحضرمي٢ وهو أخو المقتول فقال: هذا عتبة
_________________
(١) ١ الدبرة: أي الدولة والظفر والنصرة، تفتح الباء وتسكّن، ويقال: على مَنِ الدبَرة؟ أيضًا، أي الهزيمة، النهاية ٢/ ٩٨. ٢ ابن الحضرمي هو: عامر بن الحضرمي أخو عمرو المقتول في سرية ابن جحش، انظر: ابن هشام، ١/ ٧٠٨، وأسد الغابة ٤/ ٧٤، رقم (٣٧٣٩) .
[ ١ / ٢٢٠ ]
يُخَذِّل بين الناس، وقد تحمل بدية أخيك يزعم أنك قابلها، أفلا تستحيون من ذلك أن تقبلوا الدية؟
وقال أبو جهل لقريش: إن عتبة قد علم أنكم ظاهرون على هذا الرجل ومن معه وفيهم ابنه وبنو عمه وهو يكره صلاحكم.
وقال أبو جهل لعتبة وهو يسير فيهم ويناشدهم: انتفخ سَحَرُك، وزعموا أن النبي ﷺ قال: وهو ينظر إلى عتبة: إن يكن عند أحد من القوم خير فهو عند صاحب الجمل الأحمر، وإن يطيعوه يرشدوا١، فلما حرض أبو جهل قريشًا على القتال أمر النساء يعولن عمرًا، فقمن يصحن واعمراه واعمراه، تحريضًا على القتال، وقام رجال فتكشفوا يعيرون بذلك قريشًا، فاجتمعت قريش على القتال، وقال عتبة لأبي جهل: ستعلم اليوم من انتفخ سَحَرُه، أي الأمرين أرشد٢، وأخذت قريش مصافها للقتال، وقالوا لعمير بن وهب: اركب فاحزر٣ لنا محمدًا وأصحابه، فقعد عمير على فرسه فأطاف برسول الله ﷺ وأصحابه ثم رجع إلى المشركين فقال: حزرتهم بثلاثمائة مقاتل زادوا شيئًا أو نقصوا شيئًا، وحزرت سبعين، ونحو
_________________
(١) ١ من قوله: "إن يكن عند أحد إلى هنا" أخرجه أحمد في المسند ٢/ ٢٥٩ رقم: [٩٤٨] أرناؤوط، بسند صحيح، وأخرجه ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٢، ٣٦٤، وأبو داود رقم (٢٦٦٥)، والواقدي في المغازي (١/ ٥٩)، والبزار رقم (٧١٩)، والطبري في التاريخ ٢/ ٤٢٤، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٦٣، والسنن ٩/ ٣٣١. ٢ أخرج الواقدي في المغازي (١/ ٦٢- ٦٤) من طريق الزهري نحوه. ٣ الحزر: عَدَدُ الشيء بالحَدْس أي بالتقدير. اللسان. حزر.
[ ١ / ٢٢١ ]
ذلك، ولكن أنظروني حتى أنظر هل لهم مدد أو خبيء، فأطاف حولهم وبعثوا خيلهم معه، فأطافوا حول رسول الله ﷺ وأصحابه ثم رجعوا، فقالوا: لا مدد لهم ولا خبيء، وإنما هم أكلة جزور طعام مأكول، وقالوا لعمير: حَرِّش بين القوم، فحمل عمير على الصف ورجعوا بمائة فارس، واضطجع رسول الله ﷺ وقال لأصحابه: لا تقاتلوا حتى أوذنكم١، وغشيه نوم فغلبه، فلما نظر بعض القوم إلى بعض، جعل أبو بكر يقول: يا رسول الله قد دنا القوم ونالوا منا، فاستيقظ رسول الله ﷺ، وقد أراه الله تعالى إياهم في منامه قليلًا، وقلل المسلمين في أعين المشركين حتى طمع بعض القوم في بعض، ولو أراه عدداَ كثيراَ لفشلوا ولتنازعوا في الأمر، كما قال الله ﷿، ومع رسول الله ﷺ وأصحابه فَرَسان: أحدهما لأبي مرثد الغنوي، والآخر للمقداد بن عمرو.
وقام رسول الله ﷺ في الناس فوعظهم وأخبرهم أن الله تعالى قد أوجب الجنة لمن استشهد اليوم، فقام عمير بن حُمام٢ أخو بني سلمة عن عَجِين كان يعجنه لأصحابه حين سمع قول النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله إن لي الجنة إن قُتِلتُ؟
قال: نعم، فشدّ على أعداء الله مكانه فاستشهده الله تعالى، وكان
_________________
(١) ١ انظر ما يؤيده في صحيح مسلم بشرح النووي ١٣/ ٤٥. ٢ هو عمير بن الحُمام بضم المهملة، وتخفيف الميم ابن الجموح بن زيد بن حرام الأنصاري السلمي، الإصابة ٣/٣١.
[ ١ / ٢٢٢ ]
أول قتيل١ قتل. ثم أقبل الأسود بن عبد الأسد المخزومي يحلف بآلهته ليشرَبَنّ من الحوض الذي صنع محمد وليهدمنّه، فشدّ فلما دنا من الحوض لقيه حمزة بن عبد المطلب، فضرب رجله فقطعها، فأقبل يحبو حتى وقع في جوف الحوض فهدم منه، واتبعه حمزة حتى قتله.
فلما قُتل الأسود بن عبد الأسد نزل عتبة بن ربيعة عن جمله حميّة لِما قال له أبو جهل، ثم نادى: هل من مبارز؛ فوالله ليعلمن أبو جهل أينا أجبن وألأم، ولحق أخوه شيبة، والوليد ابنه، فناديا يسألان المبارزة فقام إليهم ثلاثة من الأنصار فاستحيى النبي ﷺ من ذلك لأنه كان أول قتال التقى فيه المسلمون والمشركون، ورسول الله ﷺ شاهد معهم، فأحب النبي ﷺ أن تكون الشوكة لبني عمه، فناداهم النبي ﷺ: أن ارجعوا إلى مصافكم، وليقم إليهم بنو عمهم٢، فقام حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن
_________________
(١) ١ ورد عند البيهقي في الدلائل ٣/١٢٧، من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب عن عروة أن أول قتيل من المسلمين، هو: مهجع مولى عمر بن الخطاب، وورد أيضًا عند البيهقي ٣/١٢٣-١٢٤، من طريق عُقيل عن الزهري أن أول قتيل هو مهجع، وفي سنده أبو صالح كاتب الليث، وهو صدوق كثير الغلط، ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، انظر: التقريب لابن حجر ٣٠٧ رقم (٣٣٨٨) . ويمكن الجمع بين القولين: بأن أول من استُشهد من المهاجرين: مهجع مولى عمر، وأول من استشهد من الأنصار: عمير بن الحُمام. والله أعلم. ٢ انظر قصة المبارزة في: ابن هشام ١/ ٦٢٥، ومغازي الواقدي ١/ ٦٨، ومغازي الأموي كما عند ابن كثير في السيرة ٢/ ٤١٣، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/ ٣٦٤، ومسند أحمد ٢/ ٢٥٩ رقم [٩٤٨] أرناؤوط، وسنن أبي داود رقم (٢٦٦٥)، والطبري في التاريخ ٢/ ٤٢٤، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٦٣ و٧١، ومستدرك الحاكم ٣/ ١٩٤. وقد ذكر البخاري قصة المبارزة ولكن باختصار، انظر أرقام الأحاديث عنده (٣٩٦٥، ٣٩٦٦، ٣٩٦٧، ٣٩٦٨، ٣٩٦٩، ٤٧٤٤)، ومسلم بشرح النووي باختصار أيضًا ١٨/ ١٦٦- ١٦٧.
[ ١ / ٢٢٣ ]
أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، فبرز حمزة لعتبة، وبرز عبيدة لشيبة، وبرز علي بن أبي طالب للوليد١، فقتل حمزة عتبة، وقتل عبيدة شيبة، وقتل علي الوليد، وضرب شيبة رجل عبيدة فقطعها فاستنقذه حمزة وعلي فحُمِل حتى توفي بالصفراء٢.
وفي ذلك تقول هند بنت عتبة٣:
_________________
(١) ١ عند أبي داود رقم (٢٦٦٥) أن عليًا برز لشيبة، وحمزة لعتبة، وعبيدة للوليد، قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٢٩٧: إنها أصح الروايات. وانظر فيما يتعلق بأقوال العلماء في المبارزة: مرويات غزوة بدر للعليمي ٢٠٧. ٢ الصفراء: تعرف اليوم باسم (الواسطة)، ووادي الصفراء من أودية الحجاز الفحول كثير القرى يلقاك على بعد (٥١) كيلًا من المدينة ثم يفارقك على (١٦٣) كيلًا منها، ثم يدفع في البحر على آثار مدينة الجار التاريخية، انظر: معجم المعالم الجغرافية ١٧٦- ١٧٧. ٣ هي هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية بن أبي سفيان، أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عثمان ﵁، الإصابة ٤/ ٤٢٥-٤٢٦.
[ ١ / ٢٢٤ ]
أيا عيني جودي بدمع سرب١ على خير خندف٢ لم ينقلب
تداعى له رهطه غدوة بنو هاشم وبنو المطلب
يذيقونه حر أسيافهم يعلونه بعدما قد ضرب
وعند ذلك نذرت هند بنت عتبة لتأكلنَّ من كَبِد حمزةَ إن قدرت عليها، فكان قتل هؤلاء النفر قبل التقاء الجمعين.
وعجّ٣ المسلمون إلى الله يسألونه النصر حين رأوا القتال قد نشب، ورفع رسول الله ﷺ يديه إلى الله تعالى يسأله ما وعده ويسأله النصر، ويقول: "اللهم إنْ ظُهِرَ على هذا العصابة ظَهَر الشرك ولم يقم لك دين"، وأبو بكر ﵁ يقول: يا رسول الله والذي نفسي بيده لينصرنك الله عزوجل وليبيضن وجهك، فأنزل الله عزوجل من الملائكة جندًا٤ في أكتاف العدو،
_________________
(١) ١ يقال: سربت العين سربًا، وسربت تسرب سروبًا، وتسربت: سالت. لسان العرب٢/ ١٢٧ (ترتيب يوسف خياط ط٠سرب) . ٢ خندف: قال في لسان العرب: الخندفة: مشية كالهرولة ومنه سميت، زعموا: خندف امرأة إلياس بن مضر واسمها: ليلى نسب ولد إلياس إليها وهي أمهم، لسان العرب ١/ ٩٠٩، ترتيب يوسف خياط، والمراد: أن أباها خير خندف أي خير قبائل خندف وأفضلهم. ٣ العج: هو رفع الصوت، النهاية ٣/ ١٨٤. ٤ من قوله: ورفع رسول الله ﷺ إلى هنا له شاهد عند البخاري ومسلم، انظر: البخاري رقم (٢٩١٥، ٣٩٥٣، ٤٨٧٥، ٤٨٧٧)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤- ٨٥.
[ ١ / ٢٢٥ ]
فقال رسول الله ﷺ: "قد أنزل الله نصره، ونزلت الملائكة أبشر يا أبا بكر، فإني قد رأيت جبريل ﵇ معتجرًا يقود فرسًا بين السماء والأرض، فلما هبط إلى الأرض جلس عليها، فتغيب عني ساعة ثم رأيت على شقيه١ غبارًا".
_________________
(١) ١ أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن عباس ما يدل على نزول جبريل بفرسه عليه أداة الحرب يوم بدر، انظر: البخاري رقم (٣٩٩٥، ٤٠٤١) . ومشاركة الملائكة في القتال يوم بدر ثابتة بالكتاب والسنة، فأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿إِذْ يُوْحِي رَبُّكَ إِلَى الملائِكَةِ أَنِّيْ مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِيْ فِيْ قُلُوبِ الذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَان﴾ الأنفال آية (١٢)، هذا إذا أرجعنا الضمير في قوله تعالى: ﴿فاضْرِبوا﴾ على الملائكة، وهو الراجح. وأما السنة: فلما رواه مسلم من حديث ابن عباس قال: "بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في إثر رجل من المشركين أمامه إذ سمع ضربة بالسوط فوقه وصوت الفارس يقول: أقدم حيزوم، فنظر إلى المشرك أمامه، فخر مستلقيًا، فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه وشق وجهه، كضربة السوط، فاخْضَرَّ ذلك أجمع، فجاء الأنصاري يحدث بذلك رسول الله ﷺ فقال: "صدقت، ذلك مدد من السماء الثالثة" مسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٥- ٨٦. وفي قصة أسر العباس عند أحمد: أن رجلًا من الأنصار قصير، جاء بالعباس أسيرًا، فقال العباس: يا رسول الله إن هذا والله ما أسرني لقد أسرني رجل أجلح من أحسن الناس وجهًا على فرس أبلق ما أراه في القوم، فقال الأنصاري: أنا أسرته يا رسول الله. فقال: "اسكت، فقد أيدك الله بملك كريم" المسند رقم (٩٤٨)، تحقيق أحمد شاكر وحكم عليه بالصحة.
[ ١ / ٢٢٦ ]
وقال أبو جهل: اللهم انصر خير الدينين، اللهم ديننا القديم ودين محمد الحديث، ونكص الشيطان على عقبيه حين رأى الملائكة وتبرأ من نصر أصحابه، فأوحى الله عزوجل إلى الملائكة وأمرهم بأمره وحدثهم أنه معهم، وأمر بنصر رسول الله ﷺ والمؤمنين، وأخذ رسول الله ﷺ ملء كفه من الحصباء فرمى بها وجوه المشركين فجعل الله ﵎ تلك الحصباء عظيمًا شأنها لم تترك من المشركين رجلًا إلا ملأت عينيه، وجعل المسلمون بهم قتلًا، معهم الله والملائكة يقتلونهم ويأسرونهم ويجدون النفر كل رجل منهم منكبًا على وجهه، لا يدري أن يتوجه يعالج التراب ينزعه من عينيه.
وكان رسول الله ﷺ قد أمر المسلمين قبل القتال إن رأوا الظهور أن لا يقتلوا عباس ًا ولا عقيلًا، ولا نوفل بن الحارث، ولا أبا البختري في رجال١، فأسر هؤلاء النفر في رجال ممن أوصى بهم رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ أخرج أحمد في المسند ٢/ ٩٧ رقم (٦٧٦) بتحقيق الأرناؤوط وزملائه من رواية أبي إسحاق السبيعي عن حارثة بن مضرب عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: "من استطعتم أن تأسروا من بني عبد المطلب فإنهم خرجوا كرهًا" وأخرجه البزار (كشف الأستار رقم ١٧٦٣) وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٨٢، أن النبي ﷺ قال يوم بدر: "من لقي أحدًا من بني هاشم فلا يقتله فإنهم خرجوا كرهًا".
[ ١ / ٢٢٧ ]
وغيرهم إلا أبا البختري فإنه أبى أن يستأسر وذكروا له - زعموا: أن النبي ﷺ قد أمرهم أن لا يقتلوه إن استأسر فأبى، وأسر بشر كثير ممن لم يأمر النبي بإساره التماس الفداء، قال: ويزعم ناس أن أبا اليسر١ قتل أبا البختري - ويأبى عظيم الناس، إلا أن المجذّر٢ هو الذي قتله، بل قتله أبو داود٣ المازني، وسلبه سيفه وكان عند بنيه حتى باعه بعضهم من بعض بني أبي البختري وقال المجذر:
بشر بِيُتم إن لقيتَ البختري وبشرنْ بمثلها مني بني
أنا الذي أزعم أصلي من بلي أطعن بالحربة حتى تنثني
ولا ترى مجذّرًا يفري فريّ
فزعموا أنه ناشده إلا استأسر وأخبر أن رسول الله ﷺ نهى عن قتله إن استأسر فأبى أبو البختري أن يستأسر وشد عليه بالسيف فطعنه
_________________
(١) ١ اسمه: كعب بن عمرو بن عباد بن عمرو بن سواد الأنصاري السلمي، مشهور بكنيته، وهو الذي أسر العباس توفي سنة خمس وخمسين، الإصابة ٤/ ٢٢١. ٢ المجذر بن زياد بن عمرو بن أخرم بن عمرو بن عمارة البلوي، يقال اسمه: عبد الله والمجذر؛ لقب، وهو بالذال المعجمة، ومعناه الغليظ الضخم، الإصابة ٣/ ٣٦٣، وقد ذكر ابن حجر قصته مع أبي البختري يوم بدر وقوله لأبي البختري إن النبي ﷺ قال: "من لقي منكم أبا البختري فلا يقتله"، فقال أبو البختري: وزميلي؟ فقال: لا والله فإني قاتله فقتله هو وزميله"، المصدر السابق. ٣ أبو داود الأنصاري المازني قيل: اسمه عمرو، وقيل: عمير، الإصابة ٤/ ٥٨.
[ ١ / ٢٢٨ ]
الأنصاري بين ثدييه وأجهز عليه١، وأقبل رسول الله ﷺ حتى وقف على القتلى فالتمس أبا جهل فلم يجده، حتى عرف ذلك في وجه رسول الله فقال: "اللهم لا يعجزني فرعون هذه الأمة".
فسعى له الرجال حتى وجده عبد الله بن مسعود مصروعًا بينه وبين المعركة غير كبير مقنعًا في الحديد واضعًا سيفه على فخذيه ليس به جرح ولا يستطيع أن يحرك منه عضوًا وهو منكب ينظر إلى الأرض، فلما رآه عبد الله بن مسعود أطاف حوله ليقتله وهو خائف أن يثور إليه وأبو جهل مقنع في الحديد، فلما دنا منه وأبصره لا يتحرك ظن عبد الله أن أبا جهل مثبت جراحًا فأراد أن يضربه بسيفه فخشي أن لا يغني سيفه شيئًا فأتاه من ورائه فتناول قائم سيفه، فاستله وهو منكب لا يتحرك، فرفع عبد الله سابغة البيضة عن قفاه فضربه، فوقع رأسه بين يديه ثم سلبه، فلما نظر إليه إذا هو ليس به جراح وأبصر في عنقه جدرًا وفي يديه وفي كتفيه كهيئة السياط٢.
_________________
(١) ١ قال ابن إسحاق: "وإنما نهى رسول الله ﷺ عن قتل أبي البختري لأنه كان أكف القوم عن رسول الله ﷺ وهو بمكة وكان لا يؤذيه ولا يبلغه عنه شيء يكرهه، وكان ممن قام بنقض الصحيفة التي كتبت قريش على بني هاشم". ابن هشام١/ ٦٢٩. ٢ ورد في صحيح مسلم ١٢/ ٦١- ٦٣ بشرح النووي: أن مقتل أبي جهل كان على يد غلامين من الأنصار هما: معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن العفراء، وأن النبي ﷺ أعطى سلبه إلى معاذ بن عمرو بن الجموح، وأخرج البخاري في صحيحه رقم (٣٩٦٢) عن أنس قال: قال النبي ﷺ: "من ينظر ما صنع أبو جهل؟ ". فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه أبناء عفراء حتى برد، قال: أأنت أبو جهل؟ قال: فأخذ بلحيته قال: وهل فوق رجل قتلتموه؟ أو رجل قتله قومه؟ " انظر أيضًا: رقم (٣٩٦١)، و(٣٩٦٣) من البخاري، وانظر أيضًا: قصة أبي جهل عند أحمد في المسند ٦/ ٣٧٤ رقم [٣٨٢٤] أرناؤوط، وابن أبي شيبة في المصنف ١٤/ ٣٧٢- ٣٧٣، وأبي داود رقم (٢٧٠٩) وعند ابن هشام ١/ ٦٣٤، وتاريخ الطبري٢/ ٤٥٤ - ٤٥٦، ودلائل البيهقي ٣/ ٨٥- ٨٦، ومغازي الواقدي ١/ ٨٩- ٩٠.
[ ١ / ٢٢٩ ]
وأتى ابن مسعود النبي ﷺ فأخبره بالذي وجد به فقال النبي ﷺ: "ذلك ضرب الملائكة، وقال: اللهم قد أنجزت ما وعدتني".
ورجعت قريش إلى مكة مغلوبين منهزمين وكان أول من قدم بهزيمة المشركين الحيسُمان الكعبي وهو جد حسن بن غيلان، فاجتمع عليه الناس عند الكعبة يسألونه، لا يُسْأَلُ عن رجل من أشراف قريش إلا نعاه، فقال صفوان بن أمية١ وهو قاعد مع نفر من قريش في الحجر: والله ما يعقل هذا الرجل، ولقد طار قلبه، سلوه عني، فإني أظنه سوف ينعاني، فقال بعضهم للحيسُمان: هل لك علم بصفوان بن أمية؟
_________________
(١) ١ هو صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة أبو وهب الجمحي، قتل أبوه يوم بدر كافرًا، هرب يوم فتح مكة وأسلمت زوجته، فأحضر له ابن عمه عمير بن وهب أمانًا من النبي ﷺ، فحضر وحضر وقعة حنين قبل أن يسلم، ثم أسلم، انظر الإصابة ٢/ ١٨٧.
[ ١ / ٢٣٠ ]
قال: نعم، هو ذاك جالس في الحجر ولقد رأيت أباه أمية بن خلف قتل، ثم تتابع فلّ المشركين من قريش ونصر الله عزوجل رسوله ﷺ والمؤمنين، وأذلّ بوقعة بدر رقاب المشركين والمنافقين، فلم يبق بالمدينة منافق ولا يهودي إلا وهو خاضع عنقه لوقعة بدر، وكان ذلك يوم الفرقان، يوم فرق الله تعالى بين الشرك والإيمان.
وقالت اليهود: تيقنا أنه النبي الذي نجد نعته في التوراة، والله لا يرفع راية بعد اليوم إلا ظهرت، وأقام أهل مكة على قتلاهم النوح في كل دار من مكة شهرًا، وجزّ النساء رؤوسهنّ، يؤتى براحلة الرجل أو بفرسه فيوقف بين ظهري النساء فَيَنُحْنَ حولها، وخرجن في الأزقة فسترنها بالستور، ثم خرجن إليها يَنُحْنَ.
ولم يقتل من الأسرى صبرًا١ غير عقبة بن أبي معيط٢، قتله عاصم٣ بن ثابت بن أبي الأقلح أخو بني عمرو بن عوف لما أبصره عقبة
_________________
(١) ١ قال ابن الأثير: "وكل من قتل في غير معركة ولا حرب ولا خطأ فإنه مقتول صبرًا". النهاية ٣/ ٨. ٢ عند ابن هشام ١/ ٦٤٤، كذلك وذكر أن عليًا ﵁ قتل النضر بن الحارث صبرًا. وفي المعجم الأوسط للطبراني ٤/ ١٣٥ رقم (٣٨٠١) أن النبي ﷺ قتل يوم بدر ثلاثة صبرًا، قتل: النضر بن الحارث من بني عبد الدار، وطعيمة بن عدي بن بني نوفل، وعقبة بن أبي معيط. ٣ هو عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح قيس بن عصمة بن النعمان، جد عاصم بن عمر بن الخطاب لأمه من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أمير السرية التي ذهبت إلى بني لحيان فقتل فيها. الإصابة ٢/ ٢٤٤- ٢٤٥. قال ابن هشام: "ويقال: قتله علي بن أبي طالب فيما ذكر لي عن ابن شهاب الزهري وغيره من أهل العلم". ابن هشام (١/ ٦٤٤)
[ ١ / ٢٣١ ]
مقبلًا إليه استغاث بقريش، فقال: يا معشر قريش علام أقتل من بين من ههنا؟
فقال رسول الله ﷺ: "على عداوتك لله ورسوله".
وأمر رسول الله ﷺ بقتلى قريش من المشركين فألقوا في قليب بدر ولعنهم وهو قائم يسميهم بأسمائهم، غير أن أمية بن خلف كان رجلًا مسمنًا فانتفخ في يومه، فلما أرادوا أن يلقوه في القليب تفقأ، فقال رسول الله ﷺ: "دعوه"، وهو يلعنهم١: " هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا٢؟
قال موسى بن عقبة: قال نافع: قال عبد الله بن عمر: قال أناس من أصحابه: يا رسول الله أتنادي ناسًا موتى؟ فقال رسول الله ﷺ: "ما أنتم بأسمع لما قلت منهم"٣.
_________________
(١) ١ في البخاري رقم (٤٠٢٦): يلقيهم. ٢ من قوله: فقال رسول الله ﷺ دعوه إلى هنا، أخرجه البخاري حديث رقم: (٤٠٢٦) قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر حدثنا محمد بن فليح بن سليمان عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: هذه مغازي رسول الله ﷺ فذكر الحديث. فقال رسول الله ﷺ وهو يلقيهم: "هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ " والمراد بقوله فذكر الحديث أي تعداد الزهري لغزوات النبي ﷺ. ٣ من قوله قال موسى بن عقبة إلى هنا: رواية لموسى بن عقبة عن ابن عمر أدخلها بين روايته ورواية الزهري الطويلة، وقد ذكرها البخاري رقم (٤٠٢٦) .
[ ١ / ٢٣٢ ]
قال١: ثم رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فدخل من ثنية الوداع، ونزل القرآن يعرفهم الله نعمته فيما كرهوا من خروج رسول الله ﷺ إلى بدر، فقال: ﴿كَمَا أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِن بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ﴾ ٢ إلى هذه الآية وثلاث آيات معها، وقال فيما استجاب للرسول وللمؤمنين: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُم بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلآئِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ ٣ هذه الآية وأخرى معها، وأنزل فيما غشيهم من النعاس أمنة منه حين وكلهم إليه حين أخبروا بقريش فقال: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِّنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّن السَّمَاء مَاء لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ وَيُذْهِبَ عَنكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الأَقْدَامَ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُواْ الرَّعْبَ﴾ ٤ هذه الآية والتي بعدها، وأنزل في قتل
_________________
(١) ١ قوله: قال: من كلام الزهري تتمة لروايته الطويلة. ٢ سورة الأنفال (٥-٦) . ٣ سورة الأنفال (٩) . ٤ سورة الأنفال الآية (١١-١٢) .
[ ١ / ٢٣٣ ]
المشركين والقبضة التي رمى بها رسول الله ﷺ من الحصباء، والله أعلم: ﴿فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاء حَسَنًا﴾ ١، هذه الآية والتي بعدها، وأنزل في استفتاحهم ودعاء المؤمنين: ﴿إِن تَسْتَفْتِحُواْ فَقَدْ جَاءكُمُ الْفَتْحُ﴾ ٢، وقال في شأن المشركين: ﴿وَإِن تَنتَهُواْ فَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾ ٣ هذه الآية كلها.
ثم أنزل تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَرَسُولَهُ﴾ ٤ في سبع آيات معها، وأنزل في منازلهم، فقال: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدتَّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِن لِّيَقْضِيَ اللهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ ٥ والآية التي بعدها، وأنزل فيما يعظهم به: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُواْ﴾ ٦ الآية وثلاث آيات معها، وأنزل فيما تكلم به
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (١٧) ٢ سورة الأنفال، الآية (١٩) ٣ سورة الأنفال، الآية (١٩) ٤ سورة الأنفال، الآية (٢٠) ٥ سورة الأنفال، الآية (٤٢) ٦ سورة الأنفال، الآية (٤٥)
[ ١ / ٢٣٤ ]
رجال من أهل الإسلام خرج بهم المشركون كرهًا، فلما رأوا قلة المسلمين قالوا: ﴿غَرَّ هَؤُلاء دِينُهُمْ﴾ ١، الآية كلها، وأنزل في قتلى المشركين ومن اتبعهم ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُواْ الْمَلآئِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾ ٢ الآية وثمان آيات معها، وعاتب الله عزوجل النبي ﷺ والمؤمنين فيما أسروا وكره الذي صنعوا ألا يكونوا أثخنوا العدو بالقتل، فقال الله عزوجل: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ﴾ ٣، ثم سبق من الله عزوجل لنبيه ﷺ والمؤمنين إحلال الغنائم وكانت حرامًا على من كان قبلهم من الأمم، كان فيما يتحدث عن رسول الله ﷺ - والله أعلم - أنه كان يقول: "لم تكن الغنائم تحل لأحد قبلنا فطيبها الله عزوجل لنا"٤، فأنزل الله فيما سبق من كتابه بإحلال الغنائم فقال: ﴿لَّوْلاَ كِتَابٌ
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، الآية (٤٩) ٢ سورة الأنفال، آية (٥٠) . ٣ سورة الأنفال، آية (٦٧) . ٤ هذا اللفظ يشهد له ما أخرجه البخاري (٦/٢٢٠ رقم ٣١٢٤ مع الفتح) ومسلم رقم (١٧٤٧) من حديث أبي هريرة مرفوعًا "ثم أحلّ الله لنا الغنائم، رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا".
[ ١ / ٢٣٥ ]
مِّنَ اللهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ ١ هذه الآية والتي بعدها، وقال رجال ممن أسر: يا رسول الله: إنا كنا مسلمين وإنما أخرجنا كرهًا فعلام يؤخذ منا الفداء، فأنزل الله عزوجل فيما قالوا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال، آية (٦٨) . ٢ سورة الأنفال، آية (٧٠)، والرواية بطولها مرسلة، ولكن قد ورد لبعض فقراتها شواهد في الصحيحين وفي غيرهما، انظر ما تقدم من الحواشي.
[ ١ / ٢٣٦ ]
المبحث الثالث: في استفتاح أبي جهل
٨ - قال ابن إسحاق: وحدثني محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعَيْرٍ العذري١ حليف بني زهرة، أنه حدثه: أنه لما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض، قال أبو جهل بن هشام: "اللهم أقطعنا للرحم، وآتانا بما لا نعرف، فأَحِنْه٢ الغداة، فكان هو المستفتح"٣.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن ثعلبة بن صُعير - بمهملتين مصغرًا - ويقال: ابن أبي صعير، له رؤية ولم يثبت له سماع، مات سنة سبع - أو تسع - وثمانين، وقد قارب التسعين، خ (د) س التقريب ٢٩٨ رقم (٣٢٤٢) . ٢ الحين - بالفتح -: الهلاك، وقد حان الرجل: هلك. اللسان ١/٧٧٢، حين. ٣ ابن هشام والواقدي في المغازي ١/٧٠، ومسند أحمد ٣٩/٦٥ - ٦٦ رقم: [٢٣٦٦١]، أرناؤوط، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/٣٦٠، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ١/ ٤٥٤ رقم (٦٣١)، وأنساب الأشراف للبلاذري، قسم السيرة ١/ ١٢٩، والنسائي في السنن الكبرى ١٠/١٠٦، رقم (١١١٣٧)، تحقيق: حسن عبد المنعم شلبي، ط: الأولى، ١٤٢١هـ. والطبري في التاريخ ٢/٤٤٩، والحاكم في المستدرك ٢/٣٢٨، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. وأخرجه البيهقي في الدلائل ٣/٧٤. وهو حديث صحيح. وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَد جَاءَكمُْ الفَتْحُ﴾، قال: "استفتح أبو جهل بن هشام، فقال: اللهم أينا كان أفجر بك وأقطع للرحم فأحنه اليوم، يعني محمدًا ونفسه، فقتله الله يوم بدرٍ كافرًا إلى النار". مصنف عبد الرزاق ٥/٣٤٧ رقم (٩٧٢٥)، والتفسير ١/٢٥٦، وهو مرسل، إسناده صحيح إلى الزهري، وانظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٦.
[ ١ / ٢٣٧ ]
المبحث الرابع: في رمي النبي ﷺ حصيات في وجوه المشركين
٩ - قال أبو نعيم١: حدثنا أبو بكر٢ بن مردويه، حدثنا علي ابن أحمد٣، ودعلج٤ بن أحمد، قالا: حدثنا محمد٥ بن أيوب، قال: أخبرني إبراهيم٦ بن يحيى بن عباد، قال: حدثني أبي٧، عن محمد بن
_________________
(١) ١ دلائل النبوة لأبي القاسم إسماعيل بن محمد بن الفضل الأصبهاني، رقم (٣٣٠) . تحقيق: محمد بن محمد الحداد، الطبعة الأولى ١٤٠٩هـ دار طيبة للنشر والتوزيع. ٢ ابن مردويْه: هو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحافظ الكبير أبي بكر أحمد بن موسى بن مردويْه بن فورك بن موسى الأصبهاني، مات سنة ثمان وتسعين وأربع مائة، قال السِّلَفيُّ: (كتبنا عنه كثيرًا، وكان ثقة جليلًا) السير ١٩/٢٠٧. ٣ هو علي بن أحمد بن محمد بن بادويه القزويني المعروف ببادويه، أبو الحسن، وثقه الخطيب، تاريخ بغداد، ١١/٣٢٢ – ٣٢٣، والخليلي، انظر: الإرشاد، ٢/٧٧١، رقم [٦٤٥] . ٤ هو: دَعْلَج بن أحمد بن دَعْلَج بن عبد الرحمن، أبو محمد السجستاني المعدل، قال الخطيب: كان ثقة ثبتًا، تاريخ بغداد، ٨/٣٨٧ –٣٨٨. ٥ هو محمد بن أيوب بن يحيى الضُّريس الرازي، قال ابن أبي حاتم: كتبنا عنه، وكان ثقة صدوقًا، الجرح والتعديل، ٧/١٩٨، وقال الخليلي في الإرشاد، ٢/٦٨٤ رقم: (٤٤٦): ثقة متفق عليه. ٦ هو إبراهيم بن يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشجري - بفتح المعجمة والجيم - لين الحديث، من العاشرة، ت، التقريب، ٩٥. ٧ هو يحيى بن محمد بن عباد بن هانئ الشجري - بمعجمة وجيم مفتوحتين - ضعيف، وكان ضريرًا يَتَلقن، من التاسعة، ت، التقريب، ٥٩٦ رقم (٧٦٣٧) .
[ ١ / ٢٣٨ ]
إسحاق ١، عن الزهري، عن عروة عن جابر ﵁ قال: سمعت صوت حصيات وقعت من السماء كأنهن وقعن في طست، فلما اصطف الناس أخذهن رسول الله ﷺ فرمى وجوه المشركين، فانهزموا، فذلك قول الله عزوجل: ﴿ومَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٢.
١٠ - قال الواقدي٣: حدثني محمد بن عبد الله٤، عن
_________________
(١) ١ صدوق إذا صرّح بالتحديث، وقد تقدم. ٢ سورة الأنفال، آية (١٧) . ورميُ النبي ﷺ بالتراب أو الحصى في وجوه المشركين يوم بدر؛ قد وردت من طرق لا تخلو من مقال؛ انظر: مغازي الواقدي ١/٩٥، والطبري في تفسيره، رقم: (١٥٨٢٢)، والطبراني في الكبير رقم (٣١٢٧)، والأوسط، رقم (٩٠٩٧)، وتاريخ الطبري ٢/٤٢١-٤٢٤، وفي التفسير رقم (١٥٨٢٧) والبيهقي في الدلائل ٣/٧٩، وأبو نعيم في الدلائل ٢/ ٦٠٥ –٦٠٦، والطبراني في الكبير رقم: (١١٧٥٠)، وأبو القاسم الأصبهاني في دلائل النبوة، رقم (٣٩) تحقيق مساعد الراشد، فهذه الروايات على ضعفها تدل على أن الرمية حصلت من النبي ﷺ في بدر. وقد ثبت عن الزهري ما يدل على أن تلك الرمية كانت في أُحد، في قصة قتل أبي بن خلف، كما أخرج ذلك عبد الرزاق عن الزهري، انظر: المصنف ٥/٣٤٧ رقم (٩٧٢٥)، والتفسير ١/٢٥٦، وتفسير الطبري ١٠/١٣٦ - ١٣٧، وقد رواه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٧، موصولًا عن سعيد بن المسيّب عن أبيه، والواحدي في أسباب النزول ٢٣٦ رقم (٤٧١) وسيأتي إن شاء الله عند الحديث عن غزوة أحد. ٣ هو محمد بن عمر بن واقد الأسلمي الواقدي المدني القاضي، نزيل بغداد، متروك مع سعة علمه، من التاسعة، توفي سنة ٢٠٧ هـ وله ثمان وسبعون، ق، التقريب ٤٩٨ رقم (٦١٧٥) . ٤ هو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب الزهري المدني، ابن أخي الزهري، صدوق له أوهام، من السابعة، توفي سنة اثنتين وخمسين، وقيل: بعدها، (ع)، التقريب، ص (٤٩٠) .
[ ١ / ٢٣٩ ]
الزهري، عن أبي بكر بن سليمان بن أبي حثْمة١، قال: سمعت حكيم بن حزام، يقول: ما وجهت وجهًا قط كان أكره لي من مسيري إلى بدر، ولا بان لي في وجه قط ما بان لي قبل أن أخرج، ثم يقول: قدم ضمضم فصاح بالنفير، فاستقسمت بالأزلام، كلّ ذلك يخرج الذي أكره، ثم خرجت على ذلك حتى نزلنا مرّ الظهران، فنحر ابن الحنظلية٢ جُزُرًا، فكانت جزور منها بها حياة، فما بقي خباء٣ من أخبية العسكر إلا أصابه من دمها، فكان هذا بيّنًا، ثم هممت بالرجوع، ثم أذكر ابن الحنظلية وشؤمه، فيردني حتى مضيت لوجهي، فكان حكيم يقول: لقد رأيتنا حتى بلغنا الثنية البيضاء - والثنية البيضاء التي تهبطك على فخ وأنت مقبل
_________________
(١) ١ هو أبو بكر بن سليمان بن أبي حثْمة عبد الله بن حذيفة العدوي، المدني، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة، خ م د ت س، التقريب ٦٢٣. ٢ ابن الحنظلية: هو أبو جهل، قال ابن هشام (١/٦٢٣): "والحنظلية أم أبي جهل، وهي أسماء بنت مُخرَّبة، أحد بني نهشل بن دارم بن مالك بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم". ٣ الخباء: أحد بيوت العرب من وبر أو صوف، ولا يكون من شعر، ويكون على عمودين أو ثلاثة، والجمع: أَخْبية. النهاية ٢/٩.
[ ١ / ٢٤٠ ]
من المدينة - إذا عَدّاس١ جالس عليها، والناس يمرون، إذ مرّ عليه ابنا ربيعة، فوثب إليهما فأخذ بأرجلها في غَرْزهما، وهو يقول: بأبي وأمي أنتما، والله إنه رسول الله، وما تساقان إلا إلى مصارعكما، وإن عينيه لتسيل دموعهما على خديه، فأردت أن أرجع أيضًا، ثم مضيت، ومرّ به العاص بن منبه بن الحجاج فوقف عليه حين ولى عتبة وشيبة، فقال: ما يبكيك؟ فقال: يبكيني سيداي وسيدا أهل هذا الوادي، يخرجان إلى مصارعهما، ويقاتلان رسول الله، فقال العاص: وإن محمدًا رسول الله؟ قال: فانتفض عدّاس انتفاضة، واقشَعرّ جلده، ثم بكى، وقال: إي والله إنه لرسول الله إلى الناس كافّة، قال: فأسلم العاص بن منبه، ثم مضى وهو على الشكّ حتى قتل مع المشركين على شكٍّ وارتياب، ويقال: رجع عدّاس ولم يشهد بدرًا، ويقال: شهد بدرًا وقتل يومئذ، والقول الأول أثبت عندنا٢.
١١ - وأخرج الواقدي من طريق معمر عن الزهري، قال: قال رسول الله ﷺ: (اللهم اكفني نوفل بن خويلد) ٣، وأقبل نوفل يومئذ
_________________
(١) ١ هو عدّاس النصراني غلام عتبة وشيبة ابني ربيعة، السيرة النبوية لابن هشام ١/ ٤٢١. ٢ مغازي الواقدي ١/ ٣٤- ٣٥، والواقدي متروك. ٣ هو نوفل بن خويلد بن أسد بن عبد العزّى بن قصي القرشي الأسدي أخو خديجة. الإصابة ١/ ٤٦ (ترجمة ابنه: الأسود بن نوفل) ﵁، وقد قتل نوفل يوم بدرٍ كافرًا. نسب قريش، ص: ٢٢٩ _٢٣٠.
[ ١ / ٢٤١ ]
وهو مرعوب، قد رأى قتل أصحابه، وكان في أول ما التقوا هم والمسلمون، يصيح بصوت له زجل رافعًا صوته: يا معشر قريش إن هذا اليوم يوم العلاء والرفعة، فلما رأى قريشًا قد انكسرت جعل يصيح بالأنصار: ما حاجتكم إلى دمائنا؟ أما ترون ما تقتلون؟ أما لكم في اللبن من حاجة؟ فأسره جَبَّار بن صخر١ فهو يسوقه أمامه فجعل نوفل يقول لجبار - ورأى عليا ً مقبلًا نحوه - قال: يا أخا الأنصار، من هذا؟ واللات والعزّى إني لأرى رجلًا إنه ليريدني، قال: هذا علي بن أبي طالب، قال: ما رأيت كاليوم رجلًا أسرع في قومه منه، فيصمد له عليٌّ فيضربه، فنشب سيف عليّ في حَجَفته ساعة، ثم نزعه، فيضرب ساقيه، ودرعه مشمرة، فقطعها، ثم أجهز عليه فقتله، فقال رسول الله ﷺ: من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي بن أبي طالب: أنا قتلته، قال: فكبر رسول الله وقال: "الحمد لله الذي أجاب دعوتي فيه".
وأقبل العاص بن سعيد يحث للقتال، فالتقى هو وعلي فقتله علي، فكان عمر يقول لابنه سعيد بن العاص: إني لأراك معرضًا تظن أني قتلت
_________________
(١) ١ هو جبار بن صخر بن أمية بن خنساء بن سنان بن عبيد بن عدي بن غنم بن كعب بن سلمة الأنصاري ثم السلمي، يكنى أبا عبد الله كان خارصًا للنبي ﷺ على أهل خيبر بعد عبد الله بن رواحة، توفي سنة ثلاثين في خلافة عثمان ﵁ وهو ابن اثنتين وستين سنة، الإصابة ١/ ٢٢٠.
[ ١ / ٢٤٢ ]
أباك؟ - في أصل ابن أبي حية -، والله ما قتلت أباك، ولا أعتذر من قتل مشرك، ولقد قتلت خالي بيدي؛ العاص بن هشام بن المغيرة، فقال سعيد: لو قتلتَه لكان على الباطل وأنت على الحق.
قال: قريش أعظم الناس أحلامًا وأعظمها أمانة لا يبغيهم أحد الغوائل إلا كبه الله لفيه.
وكان علي يقول: إني يومئذ بعدما ارتفع النهار ونحن والمشركون قد اختلطت صفوفنا وصفوفهم، خرجت في إثر رجل منهم، فإذا رجل من المشركين على كثيب رمل وسعد بن خيثمة، وهما يقتتلان حتى قَتل المشركُ سعدَ بنَ خيثمة والمشرك مقنع في الحديد وكان فارسًا، فاقتحم عن فرسه، فعرفني وهو معلّم ولا أعرفه، فناداني:
هلمّ ابن أبي طالب لِلبَراز، قال: فعطفت عليه فانحط إليّ مقبلًا، وكنت رجلًا قصيرًا فانحططت راجعًا لكي ينزل إليّ، فكرهت أن يعلوني بالسيف، فقال: يا ابن أبي طالب، فررت؟ فقلت: قريبًا مفَرُّ ابن الشترا١، قال:
_________________
(١) ١ قال مصعب الزبيري في كتابه نسب قريش (ص: ٢٠٠) "إن هذا مثل تضربه العرب". قال الزمخشري في الفائق (١/ ٦٣٦) وابن الأثير في النهاية (٢/٤٤٣): "ابن الشترا" رجل كان يصيب الطريق، وكان يأتي الرفقة فيدنو منهم، حتى إذا هموا به نأى قليلًا، ثم عاودهم حتى يصيب منهم غرة، زاد ابن الأثير: المعنى: أن مفرّه قريب وسيعود، فصار مثلًا.
[ ١ / ٢٤٣ ]
فلما استقرت قدماي وثبتُّ، أقبل فلما دنا مني ضربني فاتقيت بالدرقة فوقع سيفه فلحِج - يعني لزك - فأضربه على عاتقه وهو دارع فارتعش، ولقد فضّ سيفي درعه، فظننت أن سيفي سيقتله، فإذا بريق سيف ورائي، فطأطأت رأسي، ويقع السيف فأطن قِحْف رأسه بالبيضة، وهو يقول: خذها وأنا ابن عبد المطلب، فالتفت من ورائي فإذا حمزة بن عبد المطلب١.
_________________
(١) ١ المغازي ١/ ٩١-٩٣. ولم أر أحدًا خرجه غير الواقدي، وهو متروك.
[ ١ / ٢٤٤ ]
المبحث الخامس: في عدد أسرى المشركين
١٢- قال البيهقي: وأخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان، قال: أخبرنا عبد الله٢ بن جعفر، قال: أخبرنا يعقوب٣ بن سفيان قال: أخبرنا أبو صالح٤، قال: حدثني الليث٥ قال: حدثني عُقيل٦ عن ابن
_________________
(١) ١ ثقة تقدم في الرواية رقم (٧) . ٢ هو عبد الله بن جعفر بن درستويه بن المرزبان، أبو محمد الفارسي النحوي، نقل الخطيب توثيقه عن جماعة، تاريخ بغداد، ٩/٤٢٨- ٤٢٩، وضعفه بعضهم بسبب حكاية باطلة لم تثبت عنه، ذكره الخطيب. المصدر السابق. ٣ يعقوب بن سفيان الفارسي أبو يوسف الفسوي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة، توفي سنة سبع، وقيل بعد ذلك، ت س التقريب ٦٠٨. ٤ عبد الله بن صالح بن محمد بن مسلم الجهني، أبو صالح المصري، كاتب الليث، صدوق كثير الغلط ثبت في كتابه، وكانت فيه غفلة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وعشرين، وله خمس وثمانون سنة، خت د ت ق، التقريب ٣٠٨ رقم (٣٣٨٨) . ٥ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور من السابعة، مات في شعبان سنة خمس وسبعين، ع، التقريب ٤٦٤ رقم (٥٦٨٤) . ٦ عُقيل بالضم: ابن خالد بن عَقيل، بالفتح، الأَيْلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام، أبو خالد الأموي مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، من السادسة، مات سنة أربع وأربعين على الصحيح، ع، التقريب ٣٩٦رقم (٤٦٦٥) .
[ ١ / ٢٤٥ ]
شهاب قال: "كان أول قتيل قتل يوم بدر من المسلمين مِهْجَع١ مولى عمر بن الخطاب، ورجل من الأنصار فهزم يومئذ المشركون وقتل منهم زيادة على سبعين، وأسر منهم مثل ذلك) ٢.
١٣- وقال الواقدي: فحدثني محمد بن عبد الله٣، عن الزهري
_________________
(١) ١ مهجع: هو مهجع العكي مولى عمر بن الخطاب ﵁، قال ابن هشام: أصله من عك فأصابه سباء، فمنّ عليه عمر فأعتقه، وكان من السابقين إلى الإسلام، وشهد بدرًا، واستشهد بها، وقال موسى بن عقبة: كان أول من قتل ذلك اليوم. الإصابة (٣/ ٤٦٦) . ٢ دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٢٣- ١٢٤، وأخرج في ٣/ ١٢٧ عن ابن شهاب عن عروة نحوًا من هذا، وكذلك عبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٤٨ رقم (٩٧٢٦)، ومغازي الواقدي ١/ ١٤٤ وانظر البلاذري في الأنساب ١/ ٣٠٥، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ١١٣. وقوله: " وقتل منهم زيادة على سبعين وأسر منهم مثل ذلك" يخالف ما رواه البخاري من حديث البراء بن عازب وفيه "وكان النبي ﷺ وأصحابه أصابوا من المشركين يوم بدر أربعين ومائة، سبعين أسيرًا وسبعين قتيلًا" البخاري مع الفتح ٧/٣٠٧ رقم ٣٩٨٦، وورد كذلك عند مسلم ١٢/ ٨٦ بشرح النووي من حديث ابن عباس، وأنساب الأشراف للبلاذري قسم السيرة ١/ ٣٠٥، ويتضح من رواية الزهري أن قتلى المشركين زيادة عن السبعين وأن الأسرى مثل ذلك، والحق: أن ما ذكره البخاري ومسلم في تحديد العدد بسبعين فقط هو الذي يجب المصير إليه. ٣ تقدمت ترجمته في الرواية رقم (١٠) .
[ ١ / ٢٤٦ ]
قال: قال رسول الله ﷺ: "استوصوا بالأسرى خيرًا". فقال أبو العاص بن الربيع: كنت مع رهط من الأنصار جزاهم الله خيرًا، كنا إذا تعشينا أو تغدينا آثروني بالخبز وأكلوا التمر، والخبز معهم قليل، والتمر زادهم، حتى إن الرجل لتقع في يده الكسرة فيدفعها إليّ، وكان الوليد بن الوليد بن المغيرة يقول مثل ذلك ويزيد: كانوا يحملوننا ويمشون١.
١٤- وقال الواقدي أيضًا: حدثني محمد بن عبد الله عن الزهري قال: قدم بالأسرى قبل مقدم النبي ﷺ بيوم٢، ويقال: قدموا في آخر النهار من اليوم الذي قدم فيه٣.
_________________
(١) ١ المغازي ١/ ١١٩. وهذه الرواية لم أجدها عند غير الواقدي، وهو متروك. ٢ يظهر أن هذا هو الصواب في قدوم الأسرى، فقد أخرج البيهقي في الدلائل (٣/ ١٣٠-١٣١) من حديث هشام بن عروة عن أبيه وفيه: " فجاء زيد بن حارثة على العضباء ناقة رسول الله ﷺ بالبشارة، قال أسامة: فسمعت الهَيْعَة، فخرجت فإذا زيد قد جاء بالبشارة، فوالله ما صدقت حتى رأيت الأسارى، فضرب رسول الله ﷺ لعثمان بسهمه" وقد صحح الألباني سند رواية البيهقي هذه، انظر: تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص٢٥٠. والرواية تدل على أن الأسرى قدموا قبل قدوم النبي ﷺ. ٣ المغازي ١/ ١١٩، والواقدي متروك.
[ ١ / ٢٤٧ ]
المبحث السادس: في نزول الملائكة بدرًا
١٥- قال الأموي١: حدثنا أبي٢ عن ابن إسحاق٣، حدثني الزهري، عن عبد الله بن ثعلبة بن صُعير، أن أبا جهل حين التقى القوم قال: "اللهم أقطعنا للرحم وآتانا بما لا نعرف فأحنه الغداة. فكان هو المستفتح٤، فبينما هم على تلك الحال وقد شجع الله المسلمين على لقاء عدوهم وقللهم في أعينهم حتى طمعوا فيهم خفق رسول الله ﷺ خفقة في العريش ثم انتبه فقال: "أبشر يا أبا بكر؛ هذا جبريل معتجر بعمامته آخذ بعنان فرسه يقوده على ثنايا النقع أتاك نصر الله وعدته"٥.
_________________
(١) ١ هو: سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة ربما أخطأ، من العاشرة، مات سنة تسع وأربعين، خ م د ت س. التقريب ٢٤٢. ٢ هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي، نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوق يغرب، من كبار التاسعة، مات سنة أربع وتسعين، وله ثمانون سنة، ع. التقريب ٥٩٠. ٣ هو محمد بن إسحاق تقدم. ٤ إلى هنا أخرجه الإمام أحمد وغيره بسند صحيح. انظر: المبحث الثالث رقم [٨] . ٥ البداية والنهاية ٣/ ٢٨٤، وقد حسن الألباني سنده. انظر تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص٢٤٤.
[ ١ / ٢٤٨ ]
١٦- قال البيهقي: أخبرنا أبو نصر١ بن قتادة. قال: حدثنا محمد٢ بن محمد بن داود المسوري، قال: حدثنا عبد الرحمن٣ بن محمد بن إدريس، قال حدثنا محمد٤ بن عُزيز، قال: حدثني سلامة٥، عن عُقيل٦ قال: حدثني ابن شهاب قال: قال أبو حازم٧، عن سهل بن سعد ٨:
_________________
(١) ١ اسمه: عمر بن العزيز بن قتادة، ذكره السبكي في طبقات الشافعية ٣/ ٢٠١- ٢٠٤، وقال: سمع من محمد بن إسماعيل القفال، وروى عنه البيهقي، ولم أجد له ترجمة مع البحث في مظان ترجمته. ٢ لم أعثر على ترجمته مع طول البحث. ٣ هو عبد الرحمن بن أبي حاتم محمد بن إدريس الرازي، وصفه الذهبي بالحافظ الثبت ابن الحافظ الثبت، ميزان الاعتدال ٢/ ٥٨٧. ٤ هو محمد بن عُزيز، بمهملة وزايين، مصغر، ابن عبد الله بن زياد، فيه ضعف، وقد تكلموا في صحة سماعه من عمه سلامة من الحادية عشرة، مات سنة سبع وستين س ق. التقريب ص ٤٩٦. ٥ هو: سلامة بن رَوح الأيلي، قال أبو حاتم: "يكتب حديثه"، وقال أبو زرعة: "منكر الحديث". ميزان الاعتدال ٢/١٨٣. ٦ تقدم في رقم (١٢) . ٧ هو سلمة بن دينار، أبو حازم الأعرج الأفْزَر التمار، المدني القاص، مولى الأسود ابن سفيان، ثقة عابد، من الخامسة، مات في خلافة المنصور، ع، التقريب ص (٢٤٧) . ٨ سهل بن سعد بن مالك بن خالد بن ثعلبة بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الساعدي، الإصابة (٢/ ٨٨) .
[ ١ / ٢٤٩ ]
قال أبو أسيد الساعدي ١ بعدما ذهب بصره: "يا ابن أخي والله لو كنتُ أنا وأنت ببدر ثم أطلق الله لي بصري لأريتك الشعب الذي خرجت علينا منه الملائكة غير شك فلا تمار"٢.
_________________
(١) ١ أبو أسيد (بالتصغير): هو مالك بن ربيعة بن البدن بن عامر بن عوف بن حارثة بن عمرو بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري، الساعدي، أبو أسيد، مشهور بكنيته، شهد بدرًا وأحدًا، وما بعدها. الإصابة (٣/ ٣٤٤) . ٢ دلائل النبوة ٣/ ٥٣، وسند هذه الرواية فيه ضعف ولكن شهود الملائكة ثابت، انظر: البخاري رقم (٢٩١٥، و٣٩٥٣، و٤٨٧٥، و٤٨٧٧) ومسلم بشرح النووي ١٢/٨٤-٨٥.
[ ١ / ٢٥٠ ]
المبحث السابع: في منِّ الرسول ﷺ على بعض كفار قريش
١٧- قال الواقدي في المغازي: فحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن سعيد بن المسيب قال: "أَمَّن رسول الله ﷺ من الأسرى يوم بدر أبا عَزَّة عمرو بن عبد الله بن عمير الجمحي، وكان شاعرًا، فأعتقه رسول الله ﷺ، وقال: لي خمس بنات ليس لهن شيء، فتصدق بي عليهن يا محمد، ففعل رسول الله ﷺ، وقال أبو عَزَّة: أعطيك موثقًا لا أقاتلك ولا أكثر عليك أبدًا، فأرسله رسول الله ﷺ فلما خرجت قريش إلى أحد جاءه صفوان بن أمية فقال: اخرج معنا، فقال: إني أعطيت محمدًا موثقًا ألا أقاتله ولا أكثر عليه أبدًا، وقد منَّ علي، ولم يمنَّ على غيري حتى قتله أو أخذ منه الفداء، فضمن صفوان أن يجعل بناته مع بناته إن قتل، وإن عاش أعطاه مالًا كثيرًا لا يأكله عياله، فخرج أبو عزة يدعو العرب ويحشرها، ثم خرج مع قريش يوم أحد، فأسر ولم يؤسر غيره من قريش: فقال: يا محمد إنما خرجت مكرهًا ولي بنات فامنن علي، فقال رسول الله ﷺ: أين ما أعطيتني من العهد والميثاق؟ لا والله، لا تمسح عارضيك بمكة تقول: سخرت بمحمد مرتين"١.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ١/ ١١٠-١١١، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٦٥ من طريق الواقدي، وأخرجه ابن إسحاق، ابن هشام ٢/ ٦٠، عن شيوخه ومنهم الزهري. وذكره ابن حجر في الفتح ١٠/ ٥٣٠ تحت رقم (٦١٣٣) عند شرحه لحديث: "لا يلدغ المؤمن من جُحر مرتين" قال ﵀: "وأول ما قاله - يعني حديث لا يلدغ..- لأبي عزة الجمحي وكان شاعرًا فأسر ببدر فشكى عائلةً وفقرًا فمنَّ عليه النبي ﷺ وأطلقه بغير فداء فظفر به بأحد وأمر بقتله". وقد ذكر ابن إسحاق (ابن هشام ١/ ٦٥٩- ٦٦٠) أربعة نفر ممن منَّ عليهم الرسول ﷺ من غير فداء، هم: أبو العاص بن الربيع، وأبو عزة الشاعر، والمطلب بن حنطب المخزومي، وصيفي بن أبي رفاعة المخزومي.
[ ١ / ٢٥١ ]
المبحث الثامن: في مجيء وفد قريش بفداء أسراهم، وقول النبي ﷺ: لو كان المطعم حيًا.
١٨- قال عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن محمد بن جبير١، عن أبيه٢ ﵁ أن النبي ﷺ قال في أسارى بدرٍ: "لو كان المطعم بن عدي حيًا فكلمني في هؤلاء النتنى٣ لتركتهم"٤.
_________________
(١) ١ محمد بن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل النوفلي، ثقة عارف بالنسب، من الثالثة، مات على رأس المائة، ع. التقريب ٤٧١. ٢ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي كان من أكابر قريش وعلماء النسب وقدم على النبي ﷺ في فداء أسارى بدر فسمعه يقرأ الطور وأسلم بين الحديبية والفتح، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وخمسين، الإصابة ١/ ٢٢٥- ٢٢٦. ٣ النتن: الرائحة الكريهة، اللسان (نتن)، وقال ابن الأثير: سماهم نتنى لكفرهم. النهاية (٥/١٤) . ٤ أخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٩٤٠٠)، والحميدي في المسند ١/ ٢٥٤ رقم (٥٥٨)، وأحمد في المسند ٢٧/ ٢٩٢ رقم [١٦٧٣٣] أرناؤوط، والبخاري (مع الفتح ٦/ ٢٤٣ رقم (٣١٣٩)، و٧/ ٣٢٣ رقم (٤٠٢٤)، وأبو داود رقم (٢٦٨٩)، وابن الجارود في المنتقى رقم (١٠٩١)، والطبراني في الكبير رقم (١٥٠٤) ورقم (١٥٠٦) ورقم (١٥٠٨) والفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/٧٣٤، وأبو يعلى في المسند رقم (٧٤١٦)، وأبو عبيد في الأموال رقم (٣٠٢)، والبغوي في شرح السنة ١١/ ٨٢- ٨٣، رقم (٢٧١٣)، وأبو نعيم في الدلائل رقم (١٨٨)، والبيهقي في الدلائل ١/٣٥٩)، والسنن الكبرى ٢/ ١٩٤ و٩/ ٦٧. قال الحافظ ابن حجر: "المراد بالنتنى، أسارى بدر من المشركين، وقوله: ليتركنهم له، أي بغير فداء". ثم قال: "وبين ابن شاهين من وجه آخر السبب في ذلك وأن المراد باليد المذكورة ما وقع منه حين رجع النبي ﷺ من الطائف ودخل في جوار المطعم بن عدي، وقد ذكر ابن إسحاق القصة في ذلك مبسوطة، وكذلك أوردها الفاكهي بإسناد حسن مرسل وفيه: (أن المطعم أمر أربعة من أولاده فلبسوا السلاح، وقام كل واحد منهم عند ركن من الكعبة، فبلغ ذلك قريشًا فقالوا له: أنت الرجل الذي لا تخفر ذمتك) . وقيل: المراد باليد المذكورة: أنه كان من أشد من قام في نقض الصحيفة التي كتبتها قريش على بني هاشم ومن معهم من المسلمين حين حصروهم في الشعب". فتح الباري٧/ ٣٢٤.
[ ١ / ٢٥٢ ]
المبحث التاسع: مطالبة الأنصار الرسول ﷺ بترك فداء العباس
١٩- قال البخاري: حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: حدثني
[ ١ / ٢٥٣ ]
أنس ﵁: أن رجالًا من الأنصار استأذنوا رسول الله ﷺ فقالوا: ائذن لنا فلنترك لابن أختنا١ فداءه، فقال: "لا تدعون منه درهمًا"٢.
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: "المراد أنهم أخوال أبيه عبد المطلب، فإن أمّ العباس هي (نُتيلة) بالنون والمثناة مصغرة بنت جنان بالجيم والنون، وليست من الأنصار، وإنما أرادوا بذلك أن أمّ عبد المطلب منهم، لأنها سلمى بنت عمرو بن أُحيحة - بمهملتين مصغر - وهي من بني النجار، ومثله ما وقع في حديث الهجرة أنه ﷺ نزل على أخواله بني النجار، وأخواله حقيقة إنما هم بنو زهرة، وبنو النجار أخوال جده عبد المطلب. الفتح ٥/١٦٨. ثم قال ﵀: "قال ابن الجوزي: وإنما قالوا ابن أختنا لتكون المنة عليهم من إطلاقه بخلاف ما لو قالوا: عمك، لكانت المنة عليه ﷺ، وهذا من قوة الذكاء، وحسن الأدب في الخطاب، وإنما امتنع ﷺ من إجابتهم لئلا يكون في الدين نوع محاباة". الفتح ٧/١٦٨. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٥/١٦٧ –١٦٨، رقم (٢٥٣٧) و٦/١٦٧، رقم (٣٠٤٨) و٧/٣٢١ رقم (٤٠١٨) بلفظ: "والله لا تذرون منها درهمًا"، وابن حبان في صحيحه: الإحسان رقم (٤٧٩٤)، والحاكم في المستدرك ٣/٢٢، ٣/٣٢٣، والبيهقي في السنن الكبرى ٦/٣٢٢، و٩/٦٨، وفي الدلائل ٣/١٤١ – ١٤٢.
[ ١ / ٢٥٤ ]
المبحث العاشر: مقدار فداء العباس بن عبد المطلب
٢٠ - قال البيهقي١: حدثنا أبو عبد الله الحافظ، قال: أخبرنا أبو العباس محمد بن يعقوب٢، قال: أخبرنا أحمد بن عبد الجبار٣، قال: أخبرنا يونس بن بكير٤، عن ابن إسحاق بالإسناد الذي ذكر لقصة بدرٍ، وهو عن يزيد بن رومان، عن الزهري عن عروة٥ وجماعة سماهم٦، فذكروا القصة، وقالوا فيها: "فبعثت قريشٌ إلى رسول الله ﷺ فداء
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/١٤٢ – ١٤٣. ٢ هو أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم المعقلي النيسابوري، قال عنه الحاكم: كان محدث عصره بلا مدافعه، ووصفه الذهبي بقوله: الثقة محدث الشام. تذكرة الحفاظ ٣/ رقم (٨٣٥) . ٣ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي، أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، توفي سنة اثنتين وسبعين، وله خمس وتسعون سنة، د. التقريب ٨١، رقم (٦٤) . ٤ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة توفي سنة تسع وتسعين، خت م د. ت ق التقريب ٦١٣، رقم (٧٩٠٠) ٥ في المطبوع: عن عروة عن الزهري، والصواب: عن الزهري عن عروة؛ لأن عروة شيخ الزهري كما هو معلوم، ولعل ذلك خطأ من الطابع، والله أعلم. ٦ الجماعة الآخرون هم: محمد بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر. دلائل البيهقي ٣/٣١، وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث عن هؤلاء، المصدر السابق.
[ ١ / ٢٥٥ ]
أسراهم، ففدى كل قوم أسيرهم بما رضوا به١، وقال العباس بن عبد المطلب: يا رسول الله، إني قد كنت مسلمًا. فقال رسول الله ﷺ: أَعْلِمْ٢ بإسلامك فإن يكن كما تقول، فالله يجزيك بذلك، فأما ظاهرًا منك فكان علينا، فافد نفسك وابني أخيك نوفل بن الحارث بن عبد المطلب٣، وعقيل بن أبي طالب بن عبد المطلب٤، وحليفك عتبة بن عمرو أخي بني الحارث بن فهر٥.
قال: ما إخال ذلك عندي يا رسول الله.
_________________
(١) ١ قد تباين فداء الأسرى من شخص لآخر حسب يسر كل واحد وعسره، فقد قال ابن هشام ١/ ٦٦٠: كان فداء المشركين يومئذ أربعة آلاف درهم للرجل، إلى ألف درهم، إلا من لا شيء له، فمنَّ رسول الله ﷺ عليه. وانظر: المصنف لعبد الرزاق ٥/ ٢٠٦ رقم (٩٣٩٣)، وأبو داود ٣/ ٦١- ٦٢ رقم (٢٦٩١)، ودلائل البيهقي ٣/ ١٤٠. ٢ معلم الشيء: مظنته وما يستدل به. القاموس ١٤٧٢. أي: اجعل لنفسك علامة نعرف إسلامك بها، أو المراد: أظهره لنا. والله أعلم. ٣ هو: نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي ابن عم رسول الله ﷺ، قال ابن حبان: له صحبة. الإصابة ٣/ ٥٧٧. ٤ عقيل - بفتح أوله - ابن أبي طالب بن عبد مناف القرشي الهاشمي، أخو علي وجعفر وكان الأسن يكنى أبا يزيد تأخر إسلامه إلى عام الفتح وقيل: أسلم بعد الحديبية، وهاجر في أول سنة ثمان، وكان قد أسر يوم بدر ففداه عمه العباس، مات في أول خلافة يزيد. الإصابة ٢/ ٤٩٤. ٥ لم أجد له ترجمة.
[ ١ / ٢٥٦ ]
قال: فأين المال الذي دفنته أنت وأم الفضل١، فقلتَ لها: إن أصبت في سفري هذا، فهذا المال لبنيّ، الفضل بن العباس٢، وعبد الله بن العباس٣، وقثم بن العباس٤.
فقال لرسول الله ﷺ: والله يا رسول الله إني لأعلم أنك رسول الله، إن هذا شيءٌ ما علمه أحدٌ غيري وغير أم الفضل، فاحسب لي يا رسول الله ما أصبتم مني عشرين أوقية من مال كان معي.
فقال رسول الله ﷺ: لا، ذاك شيءٌ أعطانا الله تعالى منك.
_________________
(١) ١ أم الفضل امرأة العباس بن عبد المطلب، اسمها: لبابة بنت الحارث الهلالية، وهي لبابة الكبرى، أسلمت قبل الهجرة فيما قيل، وقيل بعدها، وقال ابن سعد: "أم الفضل أول امرأة آمنت بعد خديجة، قال ابن حبان: ماتت في خلافة عثمان قبل زوجها العباس". الإصابة ٤/ ٤٨٤. ٢ الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم الهاشمي، ابن عم سيدنا رسول الله ﷺ كان أكبر الأخوة وبه كان يكنى أبوه وأمه، واسمها لبابة بنت الحارث الهلالية، كان أسن ولد العباس وغزا مع النبي ﷺ مكة وحنينًا وثبت معه يومئذ. الإصابة ٣/ ٢٠٨. ٣ عبد الله بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي أبو العباس ابن عم النبي ﷺ، ولد وبنو هاشم بالشعب قبل الهجرة بثلاث، اتفقوا على أنه مات بالطائف سنة ثمان وستين، واختلفوا في سنه، فقيل: ابن إحدى وسبعين، وقيل: ابن أربع والأول هو الأقوى. الإصابة ٢/ ٣٣٠. ٤ قثم بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم، أخو عبد الله وأخوته أمه أم الفضل، كان يشبه النبي ﷺ، وكا أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ. الإصابة ٣/ ٢٦٦.
[ ١ / ٢٥٧ ]
ففدى نفسه وابني أخويه وحليفه. وأنزل الله عزوجل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّمَن فِي أَيْدِيكُم مِّنَ الأَسْرَى إِن يَعْلَمِ اللهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ ١، فأعطاني الله مكان العشرين٢ الأوقية في الإسلام عشرين عبدًا، كلهم في يده مالٌ يضرب به، مع ما أرجو من مغفرة الله عزوجل.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (٧٠) . ٢ وقد أخرج أبو نعيم في الدلائل ٢/ ٤٧٦- ٤٧٧ رقم (٤١٠) أن فداء العباس كان مائة أوقية، وعقيل ثمانين، وسنده حسن كما قال ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٢٢. وقد ذكر هذا القدر من الفداء؛ ابن إسحاق بدون إسناد، انظر: دلائل البيهقي ٣/ ١٤١.
[ ١ / ٢٥٨ ]
المبحث الحادي عشر: في أسر أبي العاص بن الربيع يوم بدر وردّ النبي ﷺ ابنته عليه
٢١- قال الطحاوي: حدثنا عبيد الله بن محمد المؤدب١، قال: ثنا عباد بن العوام٢، عن سفيان بن حسين٣، عن الزهري، أن أبا العاص٤ أُخذ أسيرًا يوم بدرٍ، فأتى به النبي ﷺ فرد عليه ابنته٥.
_________________
(١) ١ هو عبيد الله بن محمد بن المؤدب أبو معاوية، عن دحيم، ضعفه أبو تمام الرازي وجماعة، وقال ابن عساكر: "كان ضعيفًا". ميزان الاعتدال ٣/ ١٤، ولسان الميزان ٤/ ١١١. ٢ عباد بن العوام بن عمر الكلابي مولاهم أبو سهل الواسطي، ثقة، من الثامنة، توفي سنة خمس وثمانين وله نحو من سبعين، ع، التقريب ٢٩٠، رقم (٣١٣٨) . ٣ سفيان بن حسين بن حسين أبو محمد أو أبو الحسن الواسطي، ثقة في غير الزهري، باتفاقهم، من السابعة، مات بالري مع المهدي وقيل: في أول خلافة الرشيد، خت، التقريب ٢٤٤ رقم (٢٤٣٧) . ٤ هو أبو العاص بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس بن عبد مناف العبشمي، قيل أسلم قبل الفتح بيسير، وحكى أبو أحمد الحاكم: أنه أسلم قبل الحديبية، بخمسة أشهر، توفي في خلافة أبي بكر في ذي الحجة سنة اثنتي عشرة من الهجرة، انظر: الإصابة ٤/ ١٢١- ١٢٢. ٥ شرح معاني الآثار، للطحاوي ١/ ٢٦٠. وهي رواية ضعيفة وفيها ألفاظ منكرة، وقد يفهم من هذه الرواية أن الرسول ﷺ رد زينب على أبي العاص أيام بدر وهو على شركه، قال ابن عبد البر: وقال
[ ١ / ٢٥٩ ]
_________________
(١) الزهري: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض، التمهيد ١٢/ ٢١. ثم قال ابن عبد البر: وقال آخرون: قصة أبي العاص منسوخة بقوله عزوجل: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾، ومما يدل على أن قصة أبي العاص منسوخة إجماع العلماء على أن أبا العاص بن الربيع كان كافرًا، وأن المسلمة لا يحل أن تكون زوجة لكافر، التمهيد ١٢/ ٢١. وقد ثبت عند ابن إسحاق من غير طريق الزهري أن زينب أرسلت في فداء زوجها لما أسر يوم بدر، فقال: وحدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن أبيه عباد عن عائشة قالت: "لما بعث أهل مكة فداء أسراهم، بعثت زينب بنت رسول الله ﷺ في فداء أبي العاص بن الربيع بمال، وبعثت فيه بقلادة لها كانت خديجة أدخلتها بها على أبي العاص حين بنى عليها، قالت: فلما رآها رسول الله ﷺ رقَّ لها رقة شديدة وقال: إن رأيتم أن تطلقوا لها أسيرها، وتردوا عليها مالها فافعلوا، فقالوا: نعم يا رسول الله، فأطلقوه وردوا عليها الذي لها". ابن هشام ١/ ٦٥٣، وأحمد في المسند ٤٣/ ٣٨١ رقم [٢٦٣٦٢] أرناؤوط، وأبو داود رقم (٢٦٩٢) قال الألباني في صحيح أبي داود ٢/ ٥١٢ رقم (٢٣٤١): "حسن". وأخرجه عن ابن إسحاق الطبري في التاريخ ٢/ ٤٦٨، والطبراني في الكبير ٢٢/ ٤٢٨ رقم (١٠٥٠) والحاكم في المستدرك ٣/ ٢٣٦ و٤/ ٤٤- ٤٥، وسكت عنه الذهبي والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٤٥. وقد أثنى النبي ﷺ على مصاهرة أبي العاص، فقد أخرج البخاري من حديث المسور (سمعت النبي ﷺ وذكر صهرًا له من بني عبد شمس فأثنى عليه في مصاهرته فأحسن، قال: "حدثني فصدقني، ووعدني فوفى لي" البخاري مع الفتح ٧/ ٨٥ رقم (٣١٢٩) قال الحافظ: "وقد أسر أبو العاص ببدر مع المشركين وفدته زينب فشرط عليه النبي ﷺ أن يرسلها إليه فوفى له بذلك، فهذا معنى قوله في آخر الحديث (وعدني فوفى لي) " الفتح (٧/ ٨٥) . ولم يردها النبي ﷺ إليه إلا بعد أن أسلم قبل فتح مكة. انظر ابن هشام (٦٥٨- ٦٥٩) ؟؟
[ ١ / ٢٦٠ ]
المبجث الثاني عشر: فيمن لم يحضر بدرًا لعذر، وأُعطي سهمًا:
٢٢- قال ابن شبة: حدثنا عثمان بن عمر١، قال: حدثنا يونس٢،عن الزهري قال: قسم٣ رسول الله ﷺ لعثمان يوم بدرٍ، قال: كان تخلف على امرأته رقية بنت رسول الله ﷺ، أصابتها الحصْبة٤، فجاء
_________________
(١) ١ عثمان بن عمر بن فارس العبدي، بصري، أصله من بخارى، ثقة، قيل: كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، من التاسعة، ت سنة تسع ومائتين ع، التقريب رقم (٤٥٠٤) . ٢ يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد، مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلا أن في روايته عن الزهري وهمًا قليلًا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة ت سنة تسع وخمسين على الصحيح، وقيل سنة ستين، (ع)، التقريب ص٦١٤ رقم (٧٩١٩) . ٣ لم تذكر المصادر التي وقفت عليها روايات عن الزهري تتحدث عن كيفية تقسيم غنائم بدر، إلا ما أخرجه البخاري من حديث علي ﵁ قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان النبي ﷺ أعطاني مما أفاء الله عليه من الخمس يومئذٍ الحديث، البخاري - مع الفتح ٧/ ٣١٦ رقم (٤٠٠٣) وانظر رقم: (٢٠٨٩، ٢٣٧٥، ٣٠٩١، ٥٧٩٣)، وأخرجه مسلم رقم (١٩٧٩)، وأحمد في المسند رقم (١٢٠١) تحقيق الأرناؤوط، وأبو داود رقم (٨٦٢٩) . ٤ الحَصْبَة والحَصَبَة والحَصِبَة، بسكون الصاد وفتحها وكسرها: البَثْرُ الذي يخرج بالبدن، ويظهر في الجلد، تقول منه: حَصِب جلدُه بالكسر يَحْصب فهو محصوب. اللسان (حصب) .
[ ١ / ٢٦١ ]
زيد بن حارثة١ بشيرًا بوقعة بدرٍ، وعثمان ﵁ قائم على قبر رقية يدفنها٢.
٢٣- وقال ابن أبي عاصم: حدثنا يعقوب بن حميد٣، نا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: قدم سعيد بن زيد٤ من
_________________
(١) ١ زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، حب رسول الله ﷺ. الإصابة ١/ ٥٦٣، ١/ ٣١. ٢ تاريخ المدينة ١/ ١٠٣، ١٠٤. وهو مرسل، وقد ورد ما يشهد له عند البخاري في الصحيح ٧/ ٥٤ رقم (٣٦٩٨) مع الفتح، عن سبب تغيب عثمان ﵁ عن بدر، وقول الرسول ﷺ له: (إن لك أجر رجل ممن شهد بدرًا وسهمه) . ذكر ذلك في حديث طويل، وأخرجه أحمد في المسند ١٠/ ٥٢- ٥٣ رقم [٥٧٧٢] ط: أرناؤوط، وفي فضائل الصحابة ١/ ٤٥٦ رقم (٧٣٧)، والترمذي ٥/ ٦٢٩، رقم (٣٧٠٦) . وذكر الواقدي عن جمع من شيوخه عن الزهري وغيره أن عدد من لم يشهد بدرًا وأعطي سهمًا ثمانية، انظر: المغازي ١/ ١٥٢. وقد ورد من غير طريق الزهري أن عدد الذين ضرب لهم بسهمٍ ولم يشهدوا بدرًا تسعة نفر، ذكرهم أحمد العليمي في (مرويات غزوة بدر) ص٤٢٠-٤٢٣ فانظرهم هناك. ٣ يعقوب بن حميد بن كاسب المدني، نزيل مكة، وقد ينسب لجده، صدوق ربما وهم، من العاشرة، توفي سنة أربعين أو إحدى وأربعين، عخ ق التقريب ص (٦٠٧) . ٤ سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل العدوي أحد العشرة المبشرين بالجنة. الإصابة (٢/ ٤٦) .
[ ١ / ٢٦٢ ]
الشام بعد مقدم النبي ﷺ من بدر، فكلم النبي ﷺ في سهم فقال: "لك سهمك"، قال: وأجري يا رسول الله؟ قال: "وأجرك"١.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/ ١٧٧ رقم (٢٢٥)، والطبراني في الكبير ١/ ١٤٩، رقم (٣٣٩)، وأبو نعيم في معرفة الصحابة ٢/ ٥ رقم (٥٤٨)، ورواه من غير طريق الزهري: الطبراني في الكبير ١/ ١٤٩ رقم (٣٣٨)، وأبو نعيم ٢/ ٥ رقم (٥٤٩)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٤٣٨ كلهم من طريق عروة، وهو مرسل.
[ ١ / ٢٦٣ ]
المبحث الثالث عشر: في اصطفاء الرسول ﷺ سيفه ذا الفقار يوم بدر
٢٤ - قال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان١، عن أشعث٢، عن محمد٣، قال: خمس الله، وسهم النبي ﷺ، والصفيّ؛ كان يصطفى له من المغنم خير رأس من السبي إن كان سبي، وإلا غيره بعد الخمس، يضرب له بسهمه، شهد أو غاب مع المسلمين بعد الصفي، قال: واصطفى صفية بنت حيي يوم خيبر.
قال٤ أشعث: وقال أبو الزبير٥، وعمرو بن دينار٦، والزهري:
_________________
(١) ١ هو عبد الرحيم بن سليمان الكناني، أو الطائي، أبو علي الأشلّ المروزي، نزيل الكوفة، ثقة، له تصانيف، من صغار الثامنة، مات سنة سبع وثمانين. ع. التقريب ٣٥٤ رقم (٤٠٥٦) ٢ هو أشعث بن سوّار الكندي، النجار الأفرق الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي الأهواز، ضعيف، من السادسة، مات سنة ست وثلاثين، البخاري م ت س ق. التقريب ١١٣ رقم (٥٢٤) . ٣ قوله (عن محمد) يعني محمد بن سيرين، انظر: الدر المنثور ٣/١٧٨. ٤ يظهر أن القائل: ابن أبي شيبة، فيكون هذا الجزء من الحديث معلقًا، وهو موضع الشاهد. ٥ هو محمد بن مسلم بن تَدْرُس - بفتح المثناة، وسكون الدال المهملة، وضمّ الراء - الأسدي مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق، إلا أنه يدلس، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين، ع. التقريب ٤٠٦، رقم (٦٢٩١) . ٦ هو عمرو بن دينار المكي أبو محمد الأثرم الجمحي مولاهم، ثقة ثبت، من الرابعة، مات سنة ست وعشرين ومائة، ع. التقريب رقم (٥٠٢٤)
[ ١ / ٢٦٤ ]
اصطفى رسول الله ﷺ ذا الفقار١ يوم بدر٢.
_________________
(١) ١ اسم لسيف عاصم بن منبه بن الحجاج. انظر: مصنف ابن أبي شيبة ١٢/٤٣٣ رقم (١٥١٥٦) و١٤/٣٨٦ رقم (١٨٥٨٢) . ٢ مصنف ابن أبي شيبة ١٢/٤٣٢ رقم (١٥١٥٥) بسند فيه أشعث بن سوار، وهو ضعيف. وقد أخرج سعيد بن منصور من غير طريق الزهري، عن عكرمة: أن سيف رسول الله ﷺ ذا الفقار كان لأبي العاص بن منبه، فقتله رسول الله يوم بدر وتسلحه، السنن ٢/٢٥٥ رقم (٢٦٨٢) وأخرج الواقدي في المغازي ١/ ١٠٣ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب أن الرسول ﷺ تنفل سيفه ذا الفقار يومئذٍ، ومن طريق الواقدي؛ أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (١/٤٨٥) .
[ ١ / ٢٦٥ ]
المبحث الرابع عشر: في وقع هزيمة بدر على المشركين
٢٥- أخرج البخاري في صحيحه١ من طريق الزهري، عن عروة ابن الزبير: (أن أسامة بن زيد ﵄ أخبره أن رسول الله ﷺ ركب على حمار عليه قطيفة٢ فدكية٣ وأسامة وراءه يعود سعد بن عبادة٤ في بني الحارث بن الخزرج قبل وقعة بدر، فسارا، حتى مرا
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٢٣٠ رقم (٤٥٦٦) و١٠/ ٥٩١ رقم (٦٢٠٧)، وأخرجه مسلم برقم (١٧٩٨) في الجهاد والسير، باب في دعاء النبي ﷺ وصبره على أذى المنافقين. وعبد الرزاق في المصنف رقم (٩٧٨٤)، ومن طريقه أحمد في المسند ٣٦/١٠١، رقم [٢١٧٦٧] الأرناؤوط، وابن إسحاق في السيرة (ابن هشام ٢/ ٢٣٦- ٢٣٨)، وعمر بن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣٥٦- ٣٥٧، وابن حبان في صحيحه ١٤/ ٥٤٣ رقم (٦٥٨١) والطبراني في الكبير مختصرًا ١/ ١٦٢ رقم (٣٨٥) . ٢ أي كساء غليظ. فتح الباري ٨/ ٢٣١. ٣ فَدَك: بفتح الفاء والدال، قرية من شرقي خيبر، وتعرف اليوم بالحائط، وتبعد عن المدينة بمرحلتين. انظر: فتح الباري ٨/ ٢٣١، ومعجم المعالم الجغرافية ٢٣٥. وتقدر المرحلة بأربعين كيلًا في هذا العصر. ٤ سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن حرام الأنصاري الخزرجي سيد الخزرج، يكنى أبا ثابت، وأبا قيس. كان أحد النقباء ليلة العقبة، اختلف في شهوده بدرًا، فأثبته البخاري، وقال ابن سعد: كان يكتب بالعربية، ويحسن العوم والرمي، فكان يقال له الكامل، وكان مشهورًا بالجود، هو وأبوه وجده وولده. الإصابة ٢/ ٣٠.
[ ١ / ٢٦٦ ]
بمجلسٍ فيه عبد الله بن أُبي بن سلول١، وذلك قبل أن يسلم عبد الله بن أُبي، فإذا في المجلس أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان واليهود، وفي المسلمين عبد الله بن رواحة٢، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة٣، خمَّر٤ ابن أُبّيٍّ أنفه بردائه وقال: لا تغبروا علينا. فسلَّم رسول الله ﷺ عليهم ثم وقف، فنزل فدعاهم إلى الله، وقرأ عليهم القرآن. فقال له عبد الله بن أبي بن سلول: أيها المرء، لا أحسن مما تقول إن كان حقًا، فلا تؤذنا به في مجالسنا، فمن جاءك فاقصص عليه.
قال عبد الله بن رواحة: بلى يا رسول الله، فاغشنا في مجالسنا، فإنا نحب ذلك. فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى كادوا يتثاورون٥، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، ثم ركب رسول الله ﷺ دابته، فسار حتى دخل على سعد بن عبادة، فقال رسول
_________________
(١) ١ عبد الله بن أبي بن سلول، يكنى أبا الحباب، كان رأس المنافقين، وممن تولى كبر الإفك في عائشة، الاستيعاب ٣/ ٧١ رقم (١٦٠٨) . ٢ عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس الأنصاري، الخزرجي، الشاعر المشهور، يكنى أبا محمد، من السابقين الأولين من الأنصار، وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. الإصابة ٢/ ٣٠٦. ٣ عَجَاجة: بفتح المهملة وجيمين الأولى خفيفة. أي غبارها. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٤ خمَّر: أي غطى. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٥ يتثاورون: بمثلثة، أي يتواثبون، أي قاربوا أن يثب بعضهم على بعض فيقتتلوا، يقال: ثار القوم إذا قاموا بسرعة، الفتح ٨/ ٢٣٢.
[ ١ / ٢٦٧ ]
الله ﷺ: أي سعد، ألم تسمع ما قال أبو الحباب؟! يريد عبد الله بن أبي، قال: كذا وكذا.
فقال سعد بن عبادة: أي رسول الله، بأبي أنت، اعف عنه واصفح، فوالذي أنزل عليك الكتاب، لقد جاء الله بالحق الذي أنزل عليك، ولقد اصطلح أهل هذه البحرة١ على أن يتوجوه٢ ويعصبوه٣ بالعصابة، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شَرِقَ٤ بذلك، فذلك فعل به ما رأيت، فعفا عنه رسول الله ﷺ، وكان رسول الله ﷺ وأصحابه يعفون عن المشركين وأهل الكتاب كما أمرهم الله، ويصبرون على الأذى، قال الله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ ٥ الآية. وقال: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: "هذا اللفظ يطلق على القرية، وعلى البلد، والمراد هنا المدينة النبوية". الفتح ٨/ ٢٣٢. ٢ أي: يرئسوه عليهم ويسودوه. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٣ يعصبوه: سمي الرئيس مُعصبًا لما يعصب برأسه من الأمور، أو لأنهم يعصبونه رؤوسهم بعصابة لا تنبغي لغيرهم يمتازون بها. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٤ "شَرِقَ" بفتح المعجمة وكسر الراء، أي غَصَّ به، وهو كناية عن الحسد، يقال: غصّ بالطعام وشجِيَ بالعظم وشَرِق بالماء إذا اعترض شيءٌ من ذلك في الحلق، فمنعه الإساغة. الفتح ٨/ ٢٣٢. ٥ آل عمران آية (١٨٦) .
[ ١ / ٢٦٨ ]
أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ ١، فكان رسول الله ﷺ يتأول في العفو عنهم ما أمره الله به، حتى أُذِن له فيهم، فلما غزا رسول الله ﷺ بدرًا فقتل الله بها من قتل من صناديد الكفار وسادة قريش، فقفل رسول الله ﷺ وأصحابه منصورين غانمين معهم أسارى من صناديد الكفار وسادة قريش قال ابن أُبيّ بن سلول ومن معه من المشركين عبدة الأوثان: هذا أمرٌ قد توجه، فبايعوا رسول الله ﷺ على الإسلام، فأَسلَموا) .
_________________
(١) ١ البقرة آية (١٠٩) .
[ ١ / ٢٦٩ ]
المبحث الخامس عشر: في محاولة عمير بن وهب قتل النبي ﷺ
٢٦- قال الطبراني١: حدثنا الحسن بن هارون بن سليمان الأصبهاني٢، ثنا محمد بن إسحاق المسيبي٣، ثنا محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: ولما رجع المشركون إلى مكة وقد قتل الله عزوجل من قتل منهم، أقبل عمير بن وهب الجمحي٤ حتى جلس إلى
_________________
(١) ١ معجم الطبراني الكبير ١٧/ ٥٩ رقم (١١٩) بسند حسن إلى ابن شهاب، ودلائل النبوة لأبي القاسم التيمي رقم (٢٠٢) تحقيق: مساعد راشد محمد، والإصابة ٣/ ٣٦. وقد أخرجه ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٦١) بسند حسن إلى عروة. وهناك شواهد أخرى، منها ما أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى ٤/ ٢٠٠- ٢٠١ بإسناد صحيح عن عكرمة مرسلًا. وما أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٤٧- ١٤٩، وما رواه الواقدي في المغازي ١/ ١٢٥- ١٢٧. ٢ هو الحسن بن هارون بن سليمان الأصبهاني، قال عنه أبو الشيخ: "كتبنا عنه المغازي عن موسى بن عقبة، وكان قد كُفّ بصره، وكان من المتورعين، حسن الحديث" بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني ١/ ١٤٤ رقم (٢٦٩) . ٣ محمد بن إسحاق بن محمد بن عبد الرحمن المسيبي من ولد المسيب بن عابد المخزومي، المدني، صدوق، من العاشرة، ت سنة ست وثلاثين، م د، التقريب ٤٦٧ رقم (٥٧٢٣) . ٤ عمير بن وهب بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح القرشي الجمحي، يكنى أبا أمية. الإصابة ٣/ ٣٦.
[ ١ / ٢٧٠ ]
صفوان بن أمية في الحجر، فقال: قبَّح الله العيش بعد قتلى بدرٍ.
قال: أجل والله، ما في العيش خيرٌ بعدهم، ولولا دينٌ عليّ لا أجدُ له قضاءً، وعيالًا لا أدعُ لهم شيئًا لرحلتُ إلى محمدٍ فقتلته إن ملأت عيني منه، فإنَّ لي عنده علة أعتل بها له، أقول: قدمتُ على ابني هذا الأسير.
ففرح صفوان بقوله، وقال: عليَّ دينُك، وعيالُك أسوة عيالي في النفقة، لا يسعني شيءٌ وأعجز عنهم. فحمله صفوان وجهزه، وأمر بسيف عمير فصُقِلَ١ وسُمّ، وقال عمير لصفوان: اكتمني أيامًا.
فأقبل عمير حتى قدم المدينة، فنزل بباب المسجد، وعقل راحلته، وأخذ السيف فعمد لرسول الله ﷺ.
فنظر إليه عمر بن الخطاب ﵁ وهو في نفرٍ من الأنصار يتحدثون عن وقعة بدرٍ، ويذكرون نعمة الله فيها، فلما رآه عمر معه السيف فزع وقال عمرُ: هذا الكلبُ، هذا عدو الله الذي حرّش بيننا يوم بدر وحزرَنا للقوم، ثم قام عمر ودخل على رسول الله ﷺ فقال: هذا عمير بن وهب قد دخل المسجد متقلدًا سيفًا وهو الغادر الفاجر يا نبي الله لا تأمنه.
قال: ":أدخله"، فخرج عمر فأمر أصحابه أن يدخلوا على رسول الله ﷺ ثم يحترسون من عمير إذا دخل عليهم، ثم دخل عليهم، ثم دخل
_________________
(١) ١ صقله: جلاه، فهو مصقول وصقيل، والصيقل شحاذ السيوف، وجلاّؤها. القاموس ص١٣٢١ مادة صقل.
[ ١ / ٢٧١ ]
عمر وعمير حتى دخلا على رسول الله ﷺ ومع عمير سيفه، فقال رسول الله ﷺ لعمر: (تأخر عنه) فلما دنا منه عمير قال: انعموا صباحًا - وهي تحية أهل الجاهلية - قال رسول الله ﷺ: "قد أكرمنا الله عن تحيتكم، وجعل تحيتنا تحية أهل الجنة وهي السلام".
فقال عمير: إن عهدك بها لحديث.
قال رسول الله ﷺ: "قد أبدلنا الله خيرًا منها، فما أقدمك يا عمير؟ ".
قال: قدمت في أسرانا، فإنكم العشيرة والأهل.
قال رسول الله: "فما بال السيف في رقبتك؟ ".
قال عمير: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت عنا من شيء؟ إنما نسيته في رقبتي حين نزلت، ولعمري إني لي بها عبرة.
قال رسول الله ﷺ: "اصدقني، ما أقدمك؟ ".
قال: ما قدمت إلا في أسيري.
قال: " فما الذي شرطت لصفوان بن أمية في الحجر؟ ".
ففزع عمير وقال: ماذا شرطت له؟
قال: "تحملت له بقتلي على أن يعول بنيك، ويقضي دينك، والله حائل بينك وبين ذاك"
قال عمير: أشهد أنك رسول الله، وأشهد أن لا إله إلا الله، كنا يا رسول الله نكذبك بالوحي وبما يأتيك من السماء، وأن هذا الحديث كان بيني وبين صفوان بالحجر، كما قال رسول الله ﷺ، لم يطلع عليه أحد
[ ١ / ٢٧٢ ]
غيره وغيري، فأخبرك الله به، فآمنت بالله ورسوله، والحمد لله الذي ساقني لهذا المساق.
ففرح به المسلمون حين هداه الله.
وقال عمر: والذي نفسي بيده، الخنزير كان أحب إلي من عمير حين طلع، ولهو أحبّ إليّ من بعض بنيّ.
وقال رسول الله ﷺ: "اجلس يا عمير نواسيك"، وقال لأصحابه: "علموا أخاكم القرآن، وأطلقوا له أسيره".
فقال عمير: يا رسول الله، قد كنت جاهدًا فيما استطعتُ على إطفاء نور الله، فالحمد لله الذي ساقني وهداني، فأذن لي فلألحق بقريش فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام، لعل الله يهديهم ويستنقذهم من الهلكة.
فأذن له رسول الله ﷺ، فلحق بمكة، وجعل صفوان بن أمية يقول لقريش في مجالسهم: أبشروا بفتح ينسيكم وقعة بدر. وجعل يسأل كل راكب قدم من المدينة: هل كان بها من حدث؟ وكان يرجو ما قال، حتى قدم عليه رجل من المدينة، فسأل صفوان بن أمية عنه، فقال: قد أسلم، فلعنه المشركون، وقالوا: صبأ١.
وقال صفوان: إن لله عليّ أن لا أنفعه بنفقة أبدًا، ولا أكلمه من رأسي كلامًا أبدًا. وقدم عليهم عمير فدعاهم إلى الإسلام ونصحهم جهده، وأسلم بشر كثير.
_________________
(١) ١ يقال: صبأ فلان إذا خرج عن دينه إلى دين غيره، وكانت العرب تسمي النبي ﷺ الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. النهاية ٣/ ٣.
[ ١ / ٢٧٣ ]
٦- أسير بن عمرو أبو سليط١.
٧- أمية بن لوذان بن سالم بن ثابت٢.
٨- أنس بن معاذ الأنصاري٣.
٩- أنسة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم٤.
١٠- أنيس بن قتادة٥.
١١- أوس بن ثابت بن المنذر٦.
١٢- أوس بن خولي٧.
١٣- أوس بن الصامت أخو عبادة بن الصامت٨.
١٤- أوس بن عبد الله بن الحارث بن خولي٩.
١٥- أوس بن معاذ١٠.
١٦- إياس بن البكير١١.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢١٣، رقم (٥٧٧) . ٢ مجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٣ أسد الغابة ١/ ١٥٤. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦١، والمعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٦٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٥ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٤، والمعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٦٨، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٦ المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٨٨، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٧ المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٩٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ٨٤. ٨ المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٢٥، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٩ مجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ١٠ المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٢٨. ١١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤.
[ ١ / ٢٧٥ ]
حرف الباء
١٧- بجير بن أبي بجير١.
١٨- بسبس الجهني٢.
١٩- بشر بن البراء بن معرور٣.
٢٠- بشير بن سعد بن ثعلبة بن جلاس٤.
٢١- بشير بن عبد المنذر٥.
٢٢- بلال بن رباح٦.
حرف التاء
٢٣- تميم بن الحارث بن قيس السهمي٧.
٢٤- تميم بن زيد الأنصاري٨.
٢٥- تميم مولى خراش بن الصمة٩.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ١٩٦، والمعجم الكبير للطبراني ٢/ ٤٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ١٣٨. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٨٤، وأسد الغابة ١/ ٢١٣، ومجع الزوائد ٦/ ٩٤. ٣ مجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٤ مجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٥ مجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٦ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٣. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٦٢. ٨ أسد الغابة ١/ ٢٥٨- ٢٥٩. ٩ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٦١، وأسد الغابة ١/ ٢٥٨، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ١٨٦.
[ ١ / ٢٧٦ ]
٢٦- تميم مولى بني غنم بن السلم بن مالك١.
٢٧- تميم بن يعار الخدري٢.
حرف الثاء
٢٨- ثابت بن أجدع٣.
٢٩- ثابت بن أخرم٤.
٣٠- ثابت بن أرقم بن ثعلبة بن عدي بن النجار٥.
٣١- ثابت بن أوس بن المنذر بن حرام بن عمرو٦.
٣٢- ثابت بن ثعلبة بن زيد بن حرام٧.
٣٣- ثابت بن حسان بن عمرو٨.
٣٤- ثابت بن خالد بن النعمان٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ٢/ ٦١، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ١٨٦. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٦١، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ١٨٦. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٩. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧١. ٥ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٤، ومجمع الزوائد ٦م ٩٤، وعنده ثابت أحرم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان. ٦ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٨ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٨٠، وأسد الغابة ١/ ٢٦٦، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٩ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٨، وأسد الغابة ١/ ٢٦٦، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥.
[ ١ / ٢٧٧ ]
٣٥- ثابت بن ربيعة١.
٣٦- ثابت بن عتيك٢.
٣٧- ثابت بن عمرو بن زيد بن عدي٣.
٣٨- ثابت بن هزال٤.
٣٩- ثابت بن وديعة٥.
٤٠- ثعلبة بن الجذعي٦.
٤١- ثعلبة بن الحارث٧.
٤٢- ثعلبة بن حاطب٨.
٤٣- ثعلبة بن عتمة٩.
٤٤- ثعلبة بن عمرو بن محصن بن عبيد١٠.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٨٠، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٨. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٨٠، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥، وأسد الغابة ١/ ٢٧٤. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٩، وأسد الغابة ١/ ٢٧٩. ٥ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٩، ٨٠- ٨١. ٦ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ٧٩، ٩٨، وأسد الغابة ١/ ٢٨٣، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٧ أسد الغابة ١/ ٢٨٣. ٨ سنن النسائي ٧/ ٢٣٨، وسنن البيهقي ٦/ ٩٤، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٩ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ١٠ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥.
[ ١ / ٢٧٨ ]
٤٥- ثقيف بن عمرو١.
حرف الجيم
٤٦- جابر بن خالد بن عبد الأشهل٢.
٤٧- جابر بن خالد بن مخلد بن إياس٣.
٤٨- جابر بن خالد بن مسعود٤.
٤٩- جابر بن عبد الله بن خالد٥.
٥٠- جابر بن عبد الله بن رئاب بن نعمان٦.
٥١- جابر بن عتيك بن الحارث٧.
٥٢- جبير بن غياس بن مخلد بن رزيق٨.
حرف الحاء
٥٣- الحارث بن أنس بن مالك٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٢. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٨٧، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٣ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٤ الإصابة ١/ ٢١١. ٥ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٨٨. ٦ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥، والإصابة ١/ ٢١٢. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٨٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٨ المعجم الكبير للطبراني ٢/ ١٤٦، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥، والإصابة ١/ ٢٢٥. ٩ أسد الغابة ١/ ٣٧٨.
[ ١ / ٢٧٩ ]
٥٤- الحارث بن أويس١.
٥٥- الحارث بن حاطب٢.
٥٦- الحارث بن خزمة بن أبي غنم بن سالم بن عوف٣.
٥٧- الحارث بن سراقة٤.
٥٨- الحارث بن سواد٥.
٥٩- الحارث بن الصمة بن عبيد بن عامر٦.
٦٠- الحارث بن قيس بن مالك٧.
٦١- الحارث بن قيس بن مخلد٨.
٦٢- الحارث بن معاذ بن النعمان٩.
٦٣- حارثة بن حمير بن أشجع١٠.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ٣٨٠، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٢ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٣، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٣ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٤ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٥ مجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٦ أسد الغابة ١/ ٣٩٨- ٣٩٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٥. ٧ مجمع الزوائد ٦/٩٥. ٨ مجمع الزوائد ٦/٩٥. ٩ مجمع الزوائد ٦/٩٦. ١٠ مجمع الزوائد ٦/٩٦، والإصابة ١/ ٢٩٧.
[ ١ / ٢٨٠ ]
٦٤- حارثة بن زيد بن أبي زهير١.
٦٥- حارثة بن سراقة٢.
٦٦- حارثة بن يزيد٣.
٦٧- حاطب بن أبي بلتعة٤.
٦٨- حاطب بن عمرو بن عبد شمس٥.
٦٩- حباب بن المنذر٦.
٧٠- حريث بن زيد بن ثعلبة بن عبد الرب٧.
٧١- حصين بن الحارث بن المطلب٨.
٧٢- حمزة بن عبد المطلب٩.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ١/ ٤٢٥، ومجمع الزوائد ٦/٩٦. ٢ مجمع الزوائد ٦/٩٦. ٣ الإصابة ١/ ٢٩٧. ٤ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٢، ومجمع الزوائد ٦/٩٦. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥. ٦ أسد الغابة ١/٤٣٦. ٧ مجمع الزوائد ٦/٩٦، والإصابة ١/٣٨١. ٨ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦١. ٩ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦١.
[ ١ / ٢٨١ ]
حرف الخاء
٧٣- خارجة بن زيد١.
٧٤- خالد بن البكير بن عبد ليل بن ناشب٢.
٧٥- خالد بن زيد أبو أيوب٣.
٧٦- خباب بن الأرت بن موسى مولى بني زهرة٤.
٧٧- خباب مولى عتبة٥.
٧٨- خزيمة بن أوس٦.
٧٩- خنيس بن حذافة بن قيس بن سهم٧.
٨٠- خوات بن جبير بن النعمان٨.
٨١- خولي بن أبي خولي٩.
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٥٢٥. ٢ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٤. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٤/ ١١٨، أسد الغابة ١/٥٧٢، ومجمع الزوائد ٦/٩٥. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٦ أسد الغابة ٢/١٣٢. ٧ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٨ الآحاد والمثاني ١/٤٠٣. ٩ الآحاد والمثاني ١/٤٠٣.
[ ١ / ٢٨٢ ]
حرف الذال
٨٢- ذكوان بن عبد قيس بن خلدة١.
٨٣- ذو الشمالين بن عبد بن عمرو بن نضلة٢.
حرف الراء
٨٤- رافع بن الحارث بن سواد٣.
٨٥- رافع بن جعدية٤.
٨٦- رافع بن سهل بن زيد٥.
٨٧- رافع بن عبية٦.
٨٨- رافع بن عجندة٧.
٨٩- رافع بن المعلى بن لوذان٨.
٩٠- رافع بن يزيد٩.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/٩٧. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٥/٢٤. ٤ مجمع الزوائد ٦/٩٧. ٥ المعجم الكبير للطبراني ٥/٢٧، وأسد الغابة ٢/ ١٩٣، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٦ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٣. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٥/ ٢٤، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٧. ٨ المعجم الكبير للطبراني ٥/ ٢٠، وأسد الغابة ٢/ ١٩٩. ٩ مجمع الزوائد ٦/٩٧.
[ ١ / ٢٨٣ ]
٩١- ربعي بن أبي ربعي١.
٩٢- ربعي بن رافع بن الحارث٢.
٩٣- ربيع بن إياس بن غنم بن أمية بن لوذان٣.
٩٤- ربيعة بن أكثم حليف بني عبد شمس٤.
٩٥- رخيلة بن ثعلبة بن خلدة٥.
٩٦- رفاعة بن عمرو الخزرجي٦.
٩٧- رفاعة بن رافع بن مالك بن عجلان٧.
٩٨- رفاعة بن عبد المنذر٨.
٩٩- رفاعة بن عمرو بن زيد٩.
١٠٠- رفاعة بن قيس بن عمرو بن ثعلبة بن مالك بن سالم١٠.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ٥/٤٦١١، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٢ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٣، وعنده ربعي بن أبي رافع، وأسد الغابة ٢/٢٠٤. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٥/٥٦٠٦، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٥ المعجم الكبير للطبراني ٥/٤٦٣٩، وأسد الغابة ٢/٢٢٠. ٦ المعجم الكبير للطبراني ٥/ ٤٨. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٥/ ٣٥، ومجمع الزوائد ٦/٩٨. ٨ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣، والمعجم الكبير للطبراني ٥/٤٩، ومجمع الزوائد ٦/٩٨. ٩ أسد الغابة ٢/٢٣٢. ١٠ مجمع الزوائد ٦/٩٨.
[ ١ / ٢٨٤ ]
حرف الزاي
١٠١- الزبير بن العوام١.
١٠٢- زياد بن الأخرس٢.
١٠٣- زياد بن عمرو الجهني حليفًا لهم٣.
١٠٤- زياد بن لبيد٤.
١٠٥- زيد بن أبي أوفى٥.
١٠٦- زيد بن الحارث بن الخزرج٦.
١٠٧- زيد بن أسلم بن ثعلبة بن عدي بن العجلان٧.
١٠٨- زيد بن حارثة٨.
١٠٩- زيد بن الخطاب بن نفيل٩.
١١٠- زيد بن عمرو بن وديعة١٠.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٢ الإصابة ١/ ٥٥٦. ٣ المعجم الكبير للطبراني ٥/٢٦٦. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٥/٥٨٨٩. ٥ أسد الغابة ٢/٢٧٧. ٦ مجمع الزوائد ٦/١٠٠. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٥/٢٥٥رقم (٥١٥٣) . ٨ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦١، ومجمع الزوائد ٦/٩٥. ٩ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٤، ومجمع الزوائد ٦/٩٦. ١٠ مجمع الزوائد ٦/٩٦.
[ ١ / ٢٨٥ ]
١١١- زيد بن المزين١.
١١٢- زيد بن وديعة بن عمرو بن قيس٢.
حرف السين
١١٣- سالم بن عمير بن ثابت بن كلفة بن ثعلبة٣.
١١٤- سالم مولى أبي حذيفة٤.
١١٥- سعد بن أبي وقاص٥.
١١٦- سعد بن خثمة٦.
١١٧- سعد بن خولة من بني عامر٧.
١١٨- سعد بن الربيع٨.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ٥/٥١٥٩، وأسد الغابة ٢/ ٣٠٠، والإصابة ١/٥٧١. ٢ المعجم الكبير للطبراني ٥/٥١٥٩، والإصابة ١/٥٧٣. ٣ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٤ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٢. ٥ صحيح ابن حبان (الإحسان ١٠/٦٠ رقم: ٤٢٤٩)،والمعجم الكبير للطبراني ١/١٣٦ رقم ٢٨٩، و١/١٤٣. ٦ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٩، وعند ابن حجر في الإصابة خيثمة ٢/٢٥، وكذلك عند ابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤. ٧ صحيح مسلم، رقم (١٤٨٤)، وأبو داود رقم (٢٣٠٦)، والنسائي ٥/١٩٦، وابن حبان ١٠/٦٣٠، والطبراني ٢٤/٢٩٥، رقم (٧٢٩)، والآحاد والمثاني ١/٢٦٥. ٨ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢٢ رقم (٥٣٩٧)، وأسد الغابة ٢/٣٤٨، ومجمع الزوائد ٦/٩٧.
[ ١ / ٢٨٦ ]
١١٩- سعد بن زيد بن مالك بن عبد بن كعب١.
١٢٠- سعد بن عبادة بن دليم٢.
١٢١- سعد بن عبيد بن النعمان٣.
١٢٢- سعد بن عثمان بن خلدة٤.
١٢٣- سعد بن سهل بن عبد الأشهل بن حارثة٥.
١٢٤- سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن عبد الأشهل٦.
١٢٥- سعد مولى حاطب بن أبي بلتعة٧.
١٢٦- سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل٨.
١٢٧- سنان بن أبي سنان٩.
١٢٨- سلمة بن سلامة بن وقش١٠.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٢/٣٥١، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٧. ٢ مجمع الزوائد ٦/٩٧. لم يشهد بدرًا، ولكن ضرب له بسهم. ٣ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٣. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٦/٤٩. ٥ مجمع الزوائد ٦/٩٧. ٦ المعجم الكبير للطبراني ٦/٥، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٧ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٨ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٤. وهو ممن لم يحضر بدرًا بل كان بالشام. ٩ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٢. ١٠ مجمع الزوائد ٦/٩٧.
[ ١ / ٢٨٧ ]
١٢٩- سماك بن خرشة١.
١٣٠- سويبط بن حرملة بن سعد بن مالك٢.
١٣١- سهل بن حُنيف٣.
١٣٢- سهل بن سعد الساعدي٤.
١٣٣- سهل بن عتيك بن النعمان٥.
١٣٤- سهل بن عدي٦.
١٣٥- سهل بن قيس بن أُبي بن كعب٧.
١٣٦- سهيل بن بيضاء٨.
١٣٧- سهيل بن رافع٩.
١٣٨- سهيل بن عبيد بن النعمان١٠.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ١٧/١٠٣، ومجمع الزوائد ٦/٩٦. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٣ المعجم الكبير للطبراني٦/٧١، والمستدرك١/ ٢٦٠، وسنن البيهقي٤/٣٩- ٤٠. ٤ المعجم الكبير للطبراني ١٩/٢٦٠. ٥ أسد الغابة ٢/٤٧٤. ٦ مجمع الزوائد ٦/٩٧. ٧ المعجم الكبير للطبراني ٦/١٠٥، رقم (٦٥٤٢)، وأسد الغابة ٢/٤٧٦. ٨ الآحاد والمثاني ١/٢٦٦. ٩ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢١١. ١٠ المعجم الكبير للطبراني ٦/٢١١، وأسد الغابة ٢/٤٧٩، ومجمع الزوائد ٦/٩٧.
[ ١ / ٢٨٨ ]
حرف الشين
١٣٩- شجاع بن وهب الأسدي١.
١٤٠- شماس بن عثمان بن الشريد بن سويد٢.
حرف الصاد
١٤١- صفوان بن بيضاء٣.
١٤٢- صفوان بن وهب الفهري٤.
١٤٣- صهيب بن سنان بن موسى مولى النمر بن قاسط٥.
حرف الضاد
١٤٤- الضحاك بن حارثة الخزرجي الأنصاري٦.
١٤٥- الضحاك بن عمرو الخزرجي الأنصاري٧.
١٤٦- ضمرة بن كعب٨.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٦. ٤ أسد الغابة ٣/٣١ رقم (٤٠٨٩) . ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٦ أسد الغابة ٣/٤٦، والإصابة ٢/٢٠٥. ٧ أسد الغابة ٣/٤٨، والإصابة ٢/٢٧. ٨ أسد الغابة ٣/ ٦٢.
[ ١ / ٢٨٩ ]
حرف الطاء
١٤٧- الطفيل بن الحارث بن المطلب١.
١٤٨- الطفيل بن مالك بن خنساء الأنصاري٢.
١٤٩- طلحة بن عبيد الله بن عثمان بن عمرو التيميّ٣.
١٥٠- طليب بن عمير بن قصيّ٤.
حرف الظاء
١٥١- ظهير بن رافع عمّ رافع بن خديج٥.
حرف العين
١٥٢- عاصم بن البكير المزني٦.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦١. ٢ أسد الغابة ٣/٨١، والإصابة ٢/٢٢٦. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣، والمعجم الكبير للطبراني ١/١٣٦رقم (٢٨٨)، والمعجم الصغير ٢/١٢٦، ومستدرك الحاكم ٣/٣٦٨، وهو ممن لم يشهد بدرًا، ولكن أعطي سهمًا، وأجر من شهدها. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٥ سنن أبي داود رقم (٣٣٩٤)، وأسد الغابة ٣/١٠٤رقم (٢٦٥٤)، وقد ذكره مسلم برقم (١٥٤٧) دون التصريح بالاسم، حيث ذكر رافع بن خديج أن عميه وكانا قد شهدا بدرًا..) وقد ذكر مسلم (١٥٤٨) أن عميه؛ ظهير بن رافع انظر مسلم ٣/١١٨١، وانظر: ابن عبد البر في الاستيعاب ٢/١٤٢. ٦ الإصابة ٢/٢٤٦.
[ ١ / ٢٩٠ ]
١٥٣- عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح١.
١٥٤- عاصم بن عدي بن الجد بن عجلان٢.
١٥٥- عاصم بن قيس٣.
١٥٦- عاقل بن العكير٤.
١٥٧- عاقل بن البكير٥.
١٥٨- عامر بن ربيعة من بني عدي٦.
١٥٩- عامر بن فهيرة٧.
١٦٠- عامر بن البكير الليثي٨.
١٦١- عامر بن أمية بن زيد بن الحسحاس٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤، والمعجم الكبير للطبراني ٧/١٧٤، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٢ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤، والمعجم الكبير للطبراني ١٧/١٧،وذكر أن الرسول ردّه من الطريق، وضرب له بسهم، ومجمع الزوائد ٦/٩٧. ٣ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٤ الآحاد والمثاني ٣/٤١٠. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٦ تاريخ المدينة ٣/٨٤٢، والآحاد والمثاني ١/٢٦٤، والمستدرك ٣/٣٧٩، والإصابة ٣/٢٢٨. ٧ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣، المعجم الكبير للطبراني ١/١٣٦ رقم (٢٨٧) وفي الصغير ١/١٢٦، والمستدرك ٤/٣٩٣. ٨ أسد الغابة ٣/٣١. ٩ أسد الغابة ٣/١١٧.
[ ١ / ٢٩١ ]
١٦٢- عباد بن بشر١.
١٦٣- عبادة بن الصامت٢.
١٦٤- عبد الرحمن بن عوف٣.
١٦٥- عبد الله بن ثعلبة بن حزمة بن أحرم٤.
١٦٦- عبد الله بن جحش٥.
١٦٧- عبد الله بن جدعة بن قيس بن عمرو٦.
١٦٨- عبد الله بن حرام٧.
١٦٩- عبد الله بن حُيي بن النعمان٨.
١٧٠- عبد الله بن ربيع بن قيس بن عمرو٩.
١٧١- عبد الله بن رواحة بن امرئ القيس١٠.
_________________
(١) ١ عيون الأثر ١/٤٥١. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٣/٦٤، والتاريخ الصغير له ١/٩١، وتاريخ أبي زرعة ١/٥٧٦، وسنن الدارقطني رقم ٤٠٢. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٤ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٦ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٧ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٨ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٩ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ١٠ مجمع الزوائد ٦/٩٩.
[ ١ / ٢٩٢ ]
١٧٢- عبد الله بن زيد بن العجلان١.
١٧٣- عبد الله بن سراقة أخو عمرو٢.
١٧٤- عبد الله بن سرخس بن النعمان بن أمية٣.
١٧٥- عبد الله بن سلمة بن مالك بن الحارث بن زيد بن عدي٤.
١٧٦- عبد الله بن سلمة البلوي الأنصاري بالحلف٥.
١٧٧- عبد الله بن سهيل بن عمرو٦.
١٧٨- عبد الله بن طارق الظفري البلوي٧.
١٧٩- عبد الله بن عبد الله بن أبي بن سلول٨.
١٨٠- عبد الله بن عبد مناف الأنصاري السلمي٩.
١٨١- عبد الله بن عثمان، أبو بكر الصديق١٠.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/٥٤٠. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤، وأسد الغابة ٣/٢٥٥. ٣ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٤ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤. ٥ الإصابة ٢/٣٢١. ٦ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥. ٧ أسد الغابة ٣/٢٨٤، ومجمع الزوائد ٦/٩٩. ٨ مجمع الزوائد ٦/٩٩، والإصابة ٢/٣٣٦. ٩ مجمع الزوائد ٦/٩٩، والإصابة ٢/٣٣٨. ١٠ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣.
[ ١ / ٢٩٣ ]
١٨٢- عبد الله بن عيسى الأنصاري١.
١٨٣- عبد الله بن عرفطة٢.
١٨٤- عبد الله بن عمرو بن حرام٣.
١٨٥- عبد الله بن عمير الخزرجي٤.
١٨٦- عبد الله بن عوسجة العرني٥.
١٨٧- عبد الله بن قيس بن خالد٦.
١٨٨- عبد الله بن قيس بن صخر بن جذام بن ربيعة الخزرجي الأنصاري٧.
١٨٩- عبد الله بن مخرمة بن عبد العزّى بن أبي قيس بن عبد ودّ٨.
١٩٠- عبد الله بن مسعود بن أمّ عبد٩.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/٣٠٢ ٢ مجمع الزوائد ٦/١٠٠. ٣ أسد الغابة ٣/٣٤٦، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٤ أسد الغابة ٣/٣٥٦، والإصابة ٢/ ٣٥٥. ٥ الإصابة ٢/٢٥٥. ٦ أسد الغابة ٢/ ٣٦٦. ٧ مجمع الزوائد ٦/٩٩، والإصابة ٢/ ٣٣٩. ٨ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥. ٩ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣.
[ ١ / ٢٩٤ ]
١٩١- عبيد بن أبي عبيد الأوسي الأنصاري١.
١٩٢- عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف٢.
١٩٣- عبيد بن زيد الخزرجي الزرقي٣.
١٩٤- عتبان بن مالك بن عمرو بن عجلان٤.
١٩٥- عتبة بن غزوان٥.
١٩٦- عثمان بن عفان٦.
١٩٧- عثمان بن مظعون٧.
١٩٨- عثمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد٨.
١٩٩- عدي بن أبي الزغباء٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣، وأسد الغابة ٣/٥٤٤،،الإصابة ٢/٤٤٥. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦١، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٣ الإصابة ٢/٤٤٤. ٤ صحيح البخاري، رقم (٦٨٦) ومسلم رقم (٢٢٣)، وصحيح ابن حبان رقم: (٢٠٧٥) ورقم (٢٢٣)، وسنن ابن ماجه ٣/٢٤٩. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٦ صحيح البخاري رقم (٣٦٩٨)،والمعرفة والتاريخ ٣/١٥٩، والآحاد والمثاني ١/٢٦٢، ومجمع الزوائد ٦/٩٩، والإصابة ٤/٣٠٤، ولم يشهدها، ولكن خلفه رسول الله ﷺ لتمريض رقية، وأعطي سهمه، وله أجر من شهدها. ٧ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٨ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٩ الإصابة ٤/٤٨٠.
[ ١ / ٢٩٥ ]
٢٠٠- عروة بن عتبة بن غزوان بن جابر بن وهب١.
٢٠١- عقبة بن الحصين بن وبرة الخزرجي٢.
٢٠٢- عقبة بن عامر الأنصاري أبو مسعود٣.
٢٠٣- عقبة بن وهب، أخو شجاع الأسدي٤.
٢٠٤- علي بن أبي طالب٥.
٢٠٥- عكاشة بن محصن الأسدي٦.
٢٠٦- عمار بن حزم بن زيد٧.
٢٠٧- عمار بن ياسر٨.
٢٠٨- عمر بن الخطاب٩.
٢٠٩- عمرو بن أبي سرح١٠.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/٩٩. ٢ أسد الغابة ٤/٣٩، والإصابة ٢/٤٨١. ٣ التاريخ الصغير للبخاري ١/١٣٥. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٥ البخاري مع الفتح رقم (٢٣٧٥)، و(٢٠٨٩) ومسلم رقم (١٩٧٩) ومسند أحمد ٢/٢٨٢، رقم [١٢٠١] الأرناؤوط.، والمعرفة والتاريخ ١/٢٧٤، وأبو داود رقم (٢٩٢٦)، ومسند أبي يعلى رقم (٥٤٧) والآحاد والمثاني ١/٢٦١. ٦ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٧ مجمع الزوائد ٦/١٠١. ٨ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٩ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ١٠ الآحاد والمثاني ١/٢٦٦.
[ ١ / ٢٩٦ ]
٢١٠- عمرو بن إياس١.
٢١١- عمرو بن الحارث٢.
٢١٢- عمرو بن سراقة٣.
٢١٣- عمرو بن عَنَمة٤.
٢١٤- عمرو بن عوف حليف لبني عامر بن لؤي٥.
٢١٥- عمرو بن معاذ أخو سعد بن معاذ٦.
٢١٦- عمير بن أبي وقاص استشهد ببدر٧.
٢١٧- عمير بن عامر ويكنى أبا داود بن مالك٨.
٢١٨- عمير بن معبد بن الأزعر٩.
٢١٩- عويم بن ساعدة١٠.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٤/١٦٨. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٦. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٤ الإصابة ٣/٩. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥. ٦ الإصابة ٣/١٧. ٧ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٠١. ٩ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٤. ١٠ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٣.
[ ١ / ٢٩٧ ]
٢٢٠- عياض بن زهير١.
حرف الفاء
٢٢١- فروة بن عمرو٢.
حرف القاف
٢٢٢- قتادة بن النعمان٣.
٢٢٣- قدامة بن مظعون الجمحي٤.
٢٢٤- قيس بن أبي صعصعة٥.
٢٢٥- قيس أبو الأقلح٦.
٢٢٦- قيس بن مخلد٧.
حرف الكاف
٢٢٧- كعب بن زيد بن قيس الأنصاري٨.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٦. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٠١. ٣ المعجم الكبير للطبراني ١٩/٣. ٤ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤، والتاريخ الكبير للبخاري ١/٦٨، والإصابة ٣/٢٨٨. ٥ أسد الغابة ٤/٤٢٩. ٦ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤. ٧ أسد الغابة ٤/٤٤٥. ٨ الإصابة ٣/٢٩٦.
[ ١ / ٢٩٨ ]
حرف الميم
٢٢٨- مالك بن عمرو١.
٢٢٩- مالك بن قدامة٢.
٢٣٠- مالك بن وهيب بن عبد مناف بن زهرة٣.
٢٣١- مبشر بن عبد المنذر٤.
٢٣٢- محرز بن وهب، ويقال: ابن نضلة٥.
٢٣٣- محمد بن مسلمة بن خالد بن مجدعة بن حارثة بن الحارث٦.
٢٣٤- المدلجي بن عمرو من بني سليم٧.
٢٣٥- مرارة بن الربيع٨.
٢٣٦- مرثد بن أبي مرثد حليف لحمزة بن عبد المطلب٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢، والإصابة ٣/٣٥١، وذكر أنه حليف لبني عدي. ٢ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٤ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٦ المعجم الكبير للطبراني ١٩/٢٢٢، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٧ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٢. ٨ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٠٩. ٩ الآحاد والمثاني ١/٢٦١.
[ ١ / ٢٩٩ ]
٢٣٧- مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب١.
٢٣٨- مسعود بن أوس٢.
٢٣٩- مسعود بن خلدة بن عامر٣.
٢٤٠- مسعود بن ربيعة بن عمرو القاري٤.
٢٤١- مسعود بن سعد الأوسي الأنصاري٥.
٢٤٢- مصعب بن عمير بن هاشم العبدري٦.
٢٤٣- مظهر بن رافع٧.
٢٤٤- معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس بن عائذ بن عدي بن كعب بن غنم٨.
٢٤٥- معاذ بن ماعص بن قيس٩.
٢٤٦- معبد بن قيس بن صخر١٠.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٢٧، رقم (٤٠٢٥)، والآحاد والمثاني ١/٢٦١. ٢ أسد الغابة ٤/١٥٨. ٣ الآحاد والمثاني ٣/٤١٠. ٤ الآحاد والمثاني ١/٣٦٣. ٥ الإصابة ٣/٤١١. ٦ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٧ صحيح مسلم ٣/١١٨١. ٨ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٦، والمعجم الكبير للطبراني ٢٠/٢٨، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٩ الآحاد والمثاني ٣/٤١٠. ١٠ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٨.
[ ١ / ٣٠٠ ]
٢٤٧- معتب بن عوف بن عامر، ويقال له: (معتب بن حمراء) ١.
٢٤٨- معتب بن عبيد حليف لهم٢.
٢٤٩- معتب بن قشير بن مليل بن زيد٣.
٢٥٠- معقل بن المنذر بن سرح٤.
٢٥١- معمر بن الحارث بن معمر بن حبيب٥.
٢٥٢- معن بن عدي بن الجد بن عجلان٦.
٢٥٣- المقداد بن عمرو حليف بني زهرة٧.
٢٥٤- المنذر بن قدامة٨.
٢٥٥- المنذر بن محمد بن أحيحة بن الجلاح بن حريش بن جحجبا أبو عبدة٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٢ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٥. ٣ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٤. ٤ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٩. ٥ الآحاد والمثاني ١/ ٢٦٤. ٦ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٤. ٧ صحيح البخاري رقم (٦٨٦٥)، المعجم الكبير للطبراني ٢٠/٢٥٠ رقم (٢٩٥)، وسنن البيهقي ٨/١٩٥، والآحاد والمثاني ١/٢٦٣، ومجمع الزوائد ٦/١٠١. ٨ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤، وأسد الغابة ٤/٢٧١. ٩ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤.
[ ١ / ٣٠١ ]
٢٥٦- مهجع مولى عمر١.
حرف النون
٢٥٧- النعمان بن أبي حزمة٢.
٢٥٨- النعمان بن عمرو بن رفاعة الأنصاري٣.
٢٥٩- النعمان بن غصن٤.
٢٦٠- النعمان بن عصر٥.
٢٦١- نعيمان بن عمرو٦.
٢٦٢- نهيل بن نعمان بن خنساء٧.
حرف الواو
٢٦٣- واقد بن عبد الله٨.
٢٦٤- وهب بن سعد بن أبي سرح٩.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٢ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٣ الإصابة ٣/٥٦٩- ٥٧٠. ٤ أسد الغابة ٤/٣٣٨. ٥ الآحاد والمثاني ٣/ ٤٠٥. ٦ الآحاد والمثاني ٣/٤١٣. ٧ مجمع الزوائد ٦/١٠١. ٨ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤ ٩ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥.
[ ١ / ٣٠٢ ]
حرف الهاء
٢٦٥- هلال بن أبي خولي١.
٢٦٦- هلال بن أمية٢.
حرف الياء
٢٦٧- يزيد بن الحارث٣.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٤. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٣٠٩. ٣ الإصابة ٣/٦٥٤.
[ ١ / ٣٠٣ ]
الكنى
أبو أيوب الأنصاري = خالد بن زيد.
٢٦٨- أبو بردة بن نيار بن عمرو بن عبيد١.
أبو بكر الصديق = عبد الله بن عثمان.
٢٦٩- أبو الحارث بن قيس بن خالد الأنصاري الزرقي٢.
٢٧٠- أبو حبة بن عمرو بن ثابت٣.
٢٧١- أبو حذيفة بن عتبة بن ربيعة٤.
أبو دجانة =سماك بن خرشة.
٢٧٢- أبو سبرة بن أبي رُهم بن عبد العزّى بن أبي قيس بن عبد ودّ العامري٥.
_________________
(١) ١ المعجم الكبير للطبراني ٢٢/١٩٢، ومجمع الزوائد ٦/١٠٢. ٢ الإصابة ٤/ ٤٠. ٣ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣، المعجم الكبير للطبراني٢٢/٣٢٥، أسد الغابة رقم ٥٧٨٨. ٤ البخاري مع الفتح ٧/٣٢٠، ٩/١٣١، والتاريخ الكبير للبخاري ٢/٢١٥ رقم (٧٣٠)، والنسائي ٥/٦٣، والآحاد والمثاني ١/٢٦٢، والمعجم الكبير للطبراني ٤/٥٥، ومستدرك الحاكم ٢/١٦٣. ٥ الآحاد والمثاني ١/٢٦٥.
[ ١ / ٣٠٤ ]
٢٧٣- أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال المخزومي١.
٢٧٤- أبو سنان بن محصن٢.
٢٧٥- أبو ضياح بن ثابت بن النعمان٣.
٢٧٦- أبو طلحة بن زيد بن سهل بن الأسود٤.
٢٧٧- أبو عبيدة بن الجراح٥.
٢٧٨- أبو عقيل بن عبد الله بن ثعلبة٦.
٢٧٩- أبو قيس بن جبر بن عمرو بن زيد بن جشم بن حارثة٧.
٢٨٠- أبو كبشة مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم٨.
أبو لبابة بن عبد المنذر = بشير.
٢٨١- أبو مرثد الغنوي حليف لحمزة بن عبد المطلب٩.
٢٨٢- أبو مليل بن الأزعر بن زيد بن عطاف١٠.
_________________
(١) ١ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٣ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣. ٤ المعجم الكبير للطبراني ٥/٩٠ رقم (٤٦٧٣) . ٥ الآحاد والمثاني ٥/٩٠ رقم (٤٦٧٣) . ٦ الآحاد والمثاني ١/٢٦٦. ٧ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٤. ٨ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣، والمعجم الكبير للطبراني ٥/٣٠. ٩ الآحاد والمثاني ١/٢٦١. ١٠ الآحاد والمثاني ٣/٤٠٣.
[ ١ / ٣٠٥ ]
٢٨٣- أبو الهيثم بن التيَّهان١.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٠١.، والإصابة ٤/٢١٣. وهذا العدد الذي ورد ذكره هنا مخالف لما ورد ذكره في الصحيحين، وفي السير عامة، ولكن قد ذكر الزهري في الرواية رقم (٦) أن عدد من شهد بدرًا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا وهو المعتمد؛ لأنه لا يعني أن عدم وهذا العدد الذي ورد ذكره هنا مخالف لما ورد ذكره في الصحيحين، وفي السير عامة، ولكن قد ذكر الزهري في الرواية رقم ذكره لبقيتهم أنهم لم يشهدوها، وقول الزهري في الرواية السابقة الذكر أنهم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلًا ذكره عن شيخه عروة موقوفًا عليه، أما موسى بن عقبة فقد ذكر في مغازيه أنهم (٣١٦) رجلًا. انظر: مرويات موسى بن عقبة لمحمد باقشيش ص ١٢٦. وأما ابن إسحاق فقد ذكر أن عددهم ثلاثمائة وأربعة عشر رجلًا. انظر: ابن هشام (٢/٧٠٦) . وذكر الواقدي في المغازي (١/٢٣) أن عددهم (٣٠٥) رجلٍ وثمانية تخلفوا، وقد تبعه في ذلك ابن سعد في الطبقات (٢/١٢)، ثم ذكر ابن سعد أقوالًا أخرى في عدتهم. المصدر السابق.
[ ١ / ٣٠٦ ]
المبحث السادس عشر: فيمن شهد بدرًا من المهاجرين والأنصار وحلفائهم ﵃١.
حرف الألف
١- إربد بن رقيش بن رائب٢.
٢- الأرقم بن أبي الأرقم٣.
٣- أسعد بن زيد بن الفاكهة٤.
٤- الأسود بن زيد بن ثعلبة بن غنم٥.
٥- أسود بن سريع التميمي السعدي٦.
_________________
(١) ١ هذه القائمة نقلتها من: الآحاد والمثاني لابن أبي عاصم ١/ ٢٦١- ٢٦٦، و٣/ ٤٠٣- ٤١٤، والمعجم الكبير للطبراني بأجزائه، ومجمع الزوائد للهيثمي، وهي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وقد جاء ذكر بعضهم عرضًا في المصادر الأخرى بدون سند، فيقولون مثلًا: ذكره الزهري فيمن شهد بدرًا. ويلحظ أن هذه القائمة شملت الذين حضروا بدرًا والذين لم يشهدوها وكانوا في حكم من شهدها وأعطوا من غنائمها، وكان لهم أجر من شهدها. ٢ الآحاد والمثاني ١/٢٦٢. ٣ الآحاد والمثاني ١/٢٦٣. ٤ أسد الغابة ١/ ٨٩، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤. ٥ أسد الغابة ١/ ١٠٣، ومجمع الزوائد ٦/ ٩٤، والإصابة ١/ ٤٤، المعجم الكبير للطبراني ١/ ٢٨٨. ٦ أسد الغابة ١/ ١٠٣.
[ ١ / ٢٤٧ ]
المبحث السابع عشر: في غزوة السَّوِيْق١
_________________
(١) ١ السَّوِيْق: هو ما يتخذ من الحنطة والشعير، لسان العرب المحيط ٢/ ٢٤٣، مادة: سوق. قال ابن هشام ٢/ ٤٥: "وإنما سميت غزوة السَّوِيْق أن أكثر ما طرح القوم من أزوادهم السَّوِيْق، فهجم المسلمون على سَويق كثير فسميت: غزوة السَّوِيْق". وقد ذكر الواقدي عن الزهري أنه قال: "كانت في ذي الحجة، على رأس اثنين وعشرين شهرًا"، المغازي ١/ ١٢٨، وذكر ابن إسحاق: أنها كانت في شهر ذي الحجة، ابن هشام ٢/ ٤٤.
[ ١ / ٣٠٦ ]
٢٧- قال البيهقي: وأخبرنا أبو عبد الله١ الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: أخبرنا جدي قال: أخبرنا إبراهيم بن المنذر قال: أخبرنا ابن فليح، عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان أبو سفيان بن حرب حين قتل الله عزوجل من قتل من المشركين ببدر من أشرافهم ومن وجوههم نذر أن لا يمس رأسه دهن ولا غسل ولا يقرب أهله حتى يغزو محمدًا ويحرق في طوائف المدينة، فخرج من مكة سرًا خائفًا في ثلاثين٢ فارسًا ويقول بعض الناس: بل أكثر من ذلك ليحل يمينه حتى نزل بجبل من جبال المدينة يقال له: نبت٣، فبعث
_________________
(١) ١ تقدم الكلام على الإسناد في الرواية رقم (١) . ٢ في مغازي الواقدي من طريق الزهري أنهم كانوا: مائتي راكب، المغازي ١/ ١٨١، وكذلك في سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤)، أما في مغازي عروة (١٦١) من طريق أبي الأسود فقد ذكر ثلاثين راكبًا كما في رواية الزهري هنا. ورواية ابن إسحاق أرجح لأنه رواها عن محمد بن جعفر بن الزبير ويزيد بن رومان، وكلاهما ثقة كما قال ابن حجر في التقريب (٤٧١) و(٦٠١)، عن عبد الله بن كعب بن مالك الأنصاري، وهو ثقة، ويقال: له رؤية كما قال ابن حجر في التقريب (٣١٩)، أما رواية الأسود عن عروة فهي ضعيفة لأنها جاءت من طريق ابن لهيعة وهو ضعيف. انظر: التقريب (٣١٩) . ٣ نبت: هكذا في دلائل البيهقي، ولم أجد لهذه اللفظة ذكرًا في المصادر، ولعلها مصحفة من: (ثيب) . ففي مغازي عروة ١٦١: (ثيب) وكذلك سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤)، والمغانم المطابة ٨٥، أما البلادي فقد قال: قلت وأرى صوابه (تيأم) فهو جبل تراه من الطرف الشمالي من المدينة مطلع شمس على الطريق النجدية، وهو من صدر قناة مشرف على وادي الخَنَق وسد العاقول، وينطق اليوم: (تيام) بتسهيل الهمزة. معجم المعالم الجغرافية ٧٣.
[ ١ / ٣٠٧ ]
رجلًا أو رجلين من أصحابه وأمرهما أن يحرقا أدنى نخلة يأتيانها من نخيل المدينة، فوجدا صَوْرًا١ من صيران نخل العُريض٢ فأحرقا فيها وانطلقا، وانطلق أبو سفيان وأصحابه سراعًا هاربين قبل مكة٣.
_________________
(١) ١ الصَّوْر: الجماعة من النخل ولا واحد له من لفظه، ويجمع على صيران، النهاية ٣/ ٥٩. ٢ العُريض: بضم العين المهملة وفتح الراء، وسكون المثناة التحتية، وآخرها ضاد معجمة، ناحية من المدينة في طرف حرة (واقم) شملها اليوم العمران وما زالت معروفة. معجم المعالم الجغرافية ٢٠٥. ٣ دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ١٦٤- ١٦٥، والدرر لابن عبد البر ١٣٩- ١٤٠، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ١٣٨- ١٤٠. وقد أخرج نحو هذه الرواية من طريق الزهري الواقدي في المغازي ١/ ١٨١- ١٨٢، وعنه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٠، والبلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة ١/ ٣١٠. وانظر هذه الرواية في مغازي عروة ١٦١، ومن طريقه أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/ ١٦٥، كما أخرجها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٤) عن عبد الله بن كعب بن مالك، ومن طريقه أخرجها خليفة في تاريخه ٥٩، والطبري في تاريخه ٢/ ٤٨٣. وقد ذكر ابن إسحاق أن الرسول ﷺ خرج في طلبهم حتى بلغ قَرْقَرَة الكُدْر، ثم انصرف راجعًا، وقد فاته أبو سفيان وأصحابه، ورأوا أزوادًا من أزواد القوم قد طرحوها في الحرث يتخففون منها للنجاء، فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله ﷺ: يا رسول الله، أتطمع لنا أن تكون غزوة؟ قال: "نعم". ابن هشام (٢/ ٤٥) .
[ ١ / ٣٠٨ ]
المبحث الثامن عشر: في غزوة بني قينقاع١
٢٨- قال الواقدي: فحدثني محمد بن عبد الله عن الزهري عن
_________________
(١) ١ بنو قينقاع: إحدى القبائل اليهودية الشهيرة في المدينة، ومنهم الصحابي الجليل عبد الله بن سلام من ذرية يوسف النبي ﵇، انظر: الإصابة ٢/ ٣٢٠، والسمهودي وفاء الوفاء ١/ ١٦٤. وقد ذكر المؤرخون سببين لهذه الغزوة:
(٢) أن يهود بني قينقاع أظهروا الحسد والبغضاء عندما انتصر المسلمون في بدر، يظهر ذلك من خلال تهديدهم للنبي ﷺ عندما دعاهم إلى الإسلام. انظر: مرويات يهود المدينة ٧٧ للسندي.
(٣) أن أحد يهود بني قينقاع عقد طرف ثوب امرأة مسلمة في سوقهم فلما قامت تكشفت فاستنجدت بالمسلمين فقتلوا اليهودي ووقع الشر بينهم، انظر: ابن هشام ٢/ ٤٧- ٤٨، ورسالة السندي ٧٩. أما تاريخها فقد كانت في شوال من السنة الثانية من الهجرة، كما ذكر الطبري في تاريخه ٢/ ٤٧٩- ٤٨٠، من طريق الواقدي عن الزهري مرسلًا، ولم أجده في مغازي الواقدي، وقد تبع ابن سعد الواقدي في ذلك، الطبقات ٢/ ٢٨. وذكر الواقدي بدون إسناد أنها كانت يوم السبت من شوال على رأس عشرين شهرًا، حاصرهم النبي ﷺ إلى هلال ذي القعدة، المغازي ١/ ١٧٦.
[ ١ / ٣٠٩ ]
عروة قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِن قَوْمٍ خِيَانَةً فَانبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاء إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الخَائِنِينَ﴾ ١ فسار إليهم رسول الله ﷺ بهذه الآية٢.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية رقم (٥٨) . ٢ مغازي الواقدي ١/ ١٧٧. وخبر إجلائهم في الصحيحين، انظر: البخاري حديث رقم (٤٠٢٨) ومسلم حديث رقم (١٧٦٦) .
[ ١ / ٣١٠ ]
المبحث التاسع عشر: في غزوة بني النضير١ وسببها
٢٩- عبد الرزاق٢ عن معمر عن الزهري قال وأخبرني
_________________
(١) ١ هو النضير بن النحام بن الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن جبر بن النحام بن عازر بن عيزر بن هارون بن عمران ﵇، وفاء الوفاء للسمهودي ١/ ١٦١. ٢ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٨ رقم (٩٧٣٣) بسند صحيح وفيه جهالة الصحابي وهي لا تضر لأن الصحابة كلهم عدول. ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أبو داود في السنن ٣/ ١٥٦ رقم (٣٠٠٤) وحكم عليه الألباني بالصحة، انظر: صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٨٣، ومن طريق عبد الرزاق أيضًا أخرجه ابن مردويه بسند صحيح إلى معمر عن الزهري كما قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣١ ثم قال بعد ذكره لرواية ابن مردويه: وكذا أخرجه عبد بن حميد في تفسيره عن عبد الرزاق. وأخرج أبو عبيد في الأموال رقم (١٨) عن محمد بن كثير، عن معمر، عن الزهري نحوه مرسلًا. ومن طريق أبي عبيد أخرجه البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٣٩.
[ ١ / ٣١١ ]
_________________
(١) وأخرجه البيهقي من طريق عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، دلائل النبوة ٣/ ١٧٨، ففي هذه الرواية الثابتة بيان سبب وقعة بني النضير وأنها كانت بعد بدر، بل بعدها بستة أشهر كما ستحددها الروايات الآتية في مبحث (تاريخ غزوة بني النضير)، وقد وافق الزهري السهيلي في الروض ٣/ ٢٥٠، والذهبي ١٥٣ في السيرة النبوية. أما ابن إسحاق فقد ذكر سببًا آخر لوقعة بني النضير تتلخص "بأن النبي ﷺ ذهب إلى بني النضير ليستعين بهم على دفع دية رجلين معاهدين قتلهما خطأ عمرو بن أمية الضمري في أعقاب حادثة بئر معونة، فجلس النبي ﷺ إلى جدار لبني النضير فهموا بإلقاء حجر عليه وقتله، فأخبره الوحي بذلك، فانصرف عنهم مسرعًا إلى المدينة ثم أمر بحصارهم فنزلوا على الصلح " تلخيص هذا السبب اقتبسته من السيرة الصحيحة للعمري ١/ ٣٠٧، وانظر الخبر مفصلًا عند ابن هشام ٢/ ١٩٠، وروى ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مثل ذلك، مغازي عروة ١٦٤، وابن لهيعة ضعيف. وهذا السبب الذي ذكره ابن إسحاق عن يزيد بن رومان، مرسل، ولا يرتقي لمعارضة السبب الذي ذكره عبد الرزاق بسند صحيح، وبما أن السبب الذي ذكره ابن إسحاق يعود إلى حادثة بئر معونة التي كانت في السنة الرابعة، فلا بد أن تكون غزوة بني النضير في السنة الرابعة، وسيأتي التفصيل في تاريخ الغزوة في المبحث الآتي. قال الحافظ ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق (يقصد الرواية المتقدمة التي ذكرها عبد الرزاق) من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أصحاب المغازي، فالله أعلم، وإذا ثبت أن سبب إجلاء بني النضير ما ذكر من همهم بالغدر به ﷺ وهو إنما وقع عندما جاء إليهم ليستعين بهم في دية قتيلي عمرو بن أمية، تعين ما قاله ابن إسحاق يعني في تاريخ الغزوة، لأن بئر معونة كانت بعد أحد بالاتفاق". اهـ. الفتح ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.
[ ١ / ٣١٢ ]
عبد الله١ بن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب رسول الله ﷺ أن كفار قريش كتبوا إلى عبد الله بن أُبي بن سلول، ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر، يقولون: إنكم آويتم صاحبنا، وإنكم أكثر أهل المدينة عددًا، وإنا نقسم بالله لتقتلُنه أو لتخرجٌنَّه أو لنستعن عليكم العرب، ثم لنسيرن إليكم بأجمعنا، حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك ابن أبي ومن معه من عبدة الأوثان تراسلوا، فاجتمعوا، وأرسلوا، وأجمعوا لقتال النبي ﷺ وأصحابه، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ فلقيهم في جماعة، فقال: لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت لتكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، فأنتم هؤلاء تريدون أن تقتلوا أبناءكم وإخوانكم، فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، وكانت وقعة بدر، فكتبت كفار قريش بعد وقعة بدر إلى اليهود: إنكم أهل الحلقة٢ والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلنّ كذا وكذا، ولا
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر في تعجيل المنفعة (١٥٣): "أظنه انقلب، وأنه عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك شيخ الزهري، وهو مترجم في (التهذيب) ولكن ذكره ابن حبان في الطبقة الثالثة في الثقات، كالذي وقع هنا، فلعله ابن عمه والله أعلم". وهو ثقة عالم من الثالثة، مات في خلافة هشام خ م د س، التقريب ٣٤٤ رقم (٣٩٢٩) . ٢ الحلْقة: بسكون اللام: هي السلاح عامًا، وقيل: هي الدروع خاصة، النهاية ١/ ٤٢٧.
[ ١ / ٣١٣ ]
يحولن بيننا وبين خدم نسائكم شيء - وهو الخلاخل - فلما بلغ كتابهم اليهود أجمعت بنو النضير على الغدر، فأرسلت إلى النبي ﷺ: أخرج إلينا في ثلاثين رجلًا من أصحابك، ولنخرج في ثلاثين حبرًا١، حتى نلتقي في مكان كذا، نصف بيننا وبينكم، فيسمعوا منك، فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا كلُّنا.
فخرج النبي ﷺ في ثلاثين من أصحابه، وخرج إليه ثلاثون حبرًا من يهود، حتى إذا برزوا في براز الأرض، قال بعض اليهود لبعض: كيف تخلصون إليه، ومعه ثلاثون رجلًا من أصحابه، كلهم يحب أن يموت قبله، فأرسلوا إليه: كيف تفهم ونفهم، ونحن ستون رجلًا؟ أُخرج في ثلاثة من أصحابك، ويخرج إليك ثلاثة من علمائنا فيسمعوا منك، فإن آمنوا بك آمنَّا كلنا، وصدقناك.
فخرج النبي ﷺ في ثلاثة نفر من أصحابه واشتملوا على الخناجر، وأرادوا الفتك برسول الله ﷺ، فأرسلت امرأة ناصحة من بني النضير إلى ابن أخيها، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته خبر ما أرادت بنو النضير من الغدر برسول الله ﷺ، فسارَّه بخبرهم، قبل أن يصل النبي ﷺ
_________________
(١) ١ الأحبار: جمع حَبْر بالفتح والكسر، وهو العالم المحكم للشيء، ومنه قيل لكعب: كعب الأحبار، تفسير ابن جرير الطبري ١٠/ ٣٤١ رقم (١٢٠١٠)، طبعة شاكر، والنهاية ١/ ٣٢٨.
[ ١ / ٣١٤ ]
إليهم، فرجع النبي ﷺ، فلما كان من الغد، غدا عليهم رسول الله ﷺ بالكتائب١، فحاصرهم، وقال لهم: إنكم لا تأمنون عندي إلا بعهد تعاهدوني عليه، فأبوا أن يعطوه عهدًا، فقاتلهم يومهم ذلك هو والمسلمون، ثم غدا الغد على بني قريظة بالخيل والكتائب، وترك بني النضير، ودعاهم إلى أن يعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم، وغدا إلى بني النضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء٢، وعلى أن لهم ما أقلَّت الإبل إلا الحلقة - والحلقة: السلاح - فجاءت بنو النضير، واحتملوا ما أقلَّت إبل٣ من أمتعتهم، أبواب بيوتهم، وخشبها، فكانوا يخربون بيوتهم فيهدمونها فيحملون ما وافقهم من خشبها، وكان جلاؤهم ذلك أول حشر الناس إلى الشام٤، وكان بنو النضير من سبط٥ من أسباط بني إسرائيل لم يصبهم جلاء منذ كتب الله على بني إسرائيل الجلاء، فلذلك أجلاهم رسول الله ﷺ، فلولا ما كتب الله عليهم من الجلاء
_________________
(١) ١ كتائب: جمع كتيبة، وهي القطعة العظيمة من الجيش، النهاية ٤/ ١٤٨. ٢ الجلاء: الخروج، يقال: جلا عن الوطن يجلو جلاءًا، وأجلى يجلي إجلاءًا: إذا خرج مفارقًا، النهاية ١/ ٢٩١. ٣ هكذا في المطبوع من المصنف، ولعلها: الإبل. ٤ لم يجلوا جميعًا إلى الشام بل ذهب بعضهم إليها وذهب البعض الآخر إلى خيبر مثل: حيي بن أخطب، وابن أبي الحقيق، وسلاّم بن مشكم وغيرهم، يدل على ذلك قتالهم في غزوة خيبر وقتل ابن أبي الحقيق وأسر صفية وزواجها من النبي ﷺ. ٥ السبط: جمعه أسباط، والأسباط في أولاد إسحاق بن إبراهيم بمنزلة القبائل في ولد إسماعيل، فهو واقع على الأمة، والأمة واقعة عليه، النهاية ٢/ ٣٣٤.
[ ١ / ٣١٥ ]
لعذبهم في الدنيا كما عذبت بنو قريظة، فأنزل الله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ١ حتى بلغ: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وكان نخل بني النضير لرسول الله ﷺ خاصة فأعطاه الله إياه، وخصه بها، فقال: ﴿وَمَا أَفَاء اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ ٢ يقول: بغير قتال، قال: فأعطى النبي ﷺ أكثرها للمهاجرين، وقسمها بينهم، [و] لرجلين من الأنصار٣ كانا ذوي حاجة، لم يقسم لرجل من الأنصار غيرهما وبقي منها صدقة رسول الله ﷺ في يد بني فاطمة.
_________________
(١) ١ سورة الحشر آية (١) . ٢ سورة الحشر، آية (٦) . ٣ هما: ١- أبو دجانة - سماك بن خرَشة -. ٢- سهل بن حُنيف. انظر: ابن سعد الطبقات الكبرى ٣/ ٤٧١- ٤٧٢.
[ ١ / ٣١٦ ]
المبحث العشرون: في تاريخ غزوة بني النضير
٣٠- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديثه عن عروة: ثم كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود، على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكانت منازلهم ونخلهم بناحية من المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من الأمتعة والأموال إلا الحلقة - يعني السلاح - فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن دِيَارِهِمْ لأوَّلِ الْحَشْرِ﴾ ١ فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، فكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم الجلاء ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسباء، وأما قوله: ﴿لأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام٢.
_________________
(١) ١ سورة الحشر، الآيات الأولى. ٢ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٧- ٣٥٨ رقم (٩٧٣٢)، وهو مرسل صحيح إلى عروة. وقد أخرج البخاري تاريخ الغزوة تعليقًا عن الزهري فقال: "قال الزهري عن عروة: كانت على رأس ستة أشهر من وقعة بدر قبل وقعة أحد" صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٢٩، باب: (حديث بني النضير) . وقال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣٠ في شرحه للغزوة تحت رقم (٤٠٨٢) قال: "وصله عبد الرزاق في مصنفه عن معمر عن الزهري أتم من هذا، ثم ذكر لفظ عبد الرزاق"، وقال أيضًا: "وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في حديثه عن عروة قال: "كانت وقعة أحد على رأس ستة أشهر من وقعة بني النضير، المصنف" ٥/ ٣٦٣.
[ ١ / ٣١٧ ]
٣١- وقال الحاكم: أخبرني أبو عبد الله محمد بن علي١ الصنعاني بمكة، ثنا علي بن المبارك الصنعاني٢، ثنا زيد بن المبارك الصنعاني٣، ثنا محمد بن ثور٤، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: كانت غزوة بني النضير وهم طائفة من اليهود على رأس ستة أشهر من وقعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم بناحية المدينة فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء، وعلى أن لهم ما أقلت الإبل من
_________________
(١) ١ لم أجد له ترجمة. ٢ هو علي بن محمد بن عبد الله بن المبارك الصنعاني، لم أجد له ترجمة في كتب الرجال. ٣ زيد بن المبارك الصنعاني، سكن الرملة، صدوق عابد، من العاشرة، د، التقريب ٢٢٤ رقم (٢١٥٥) . ٤ محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبد الله العابد، ثقة من التاسعة، مات سنة تسعين تقريبًا، د س، التقريب ٤٧١ رقم (٥٧٧٥) .
[ ١ / ٣١٨ ]
الأمتعة والأموال إلا الحلقة - يعني: السلاح -، فأنزل الله فيهم: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لأوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنتُمْ أَن يَخْرُجُوا﴾ ١، فقاتلهم النبي ﷺ حتى صالحهم على الجلاء، فأجلاهم إلى الشام، وكانوا من سبط لم يصبهم جلاء فيما خلا، وكان الله قد كتب عليهم ذلك ولولا ذلك لعذبهم في الدنيا بالقتل والسبي، وأما قوله لأول الحشر فكان جلاؤهم ذلك أول حشر في الدنيا إلى الشام٢.
٣٢- وقال أبو عبيد٣: وحدثنا عبد الله بن صالح عن الليث بن
_________________
(١) ١ سورة الحشر الآيات الأولى. ٢ مستدرك الحاكم ٢/ ٤٨٢، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وقد وافقه الذهبي في التلخيص، ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٨، ثم قال: وذكر عائشة فيه غير محفوظ، والله أعلم. أ. هـ. وهو كما قال، لأن رواية عبد الرزاق لم تذكر عائشة ولفظ رواية عبد الرزاق كرواية الحاكم. وقد حكم عليه الألباني بالصحة، انظر حاشية فقه السيرة للغزالي (ص: ٣٠٣) . وقال الدكتور أكرم العمري بعد أن ذكر هذه الرواية في كتابه السيرة الصحيحة ١/ ٣٠٥: فرغم أن البيهقي قال: إن ذكر عائشة غير محفوظ، ولكن الذهبي صححها! ويبدو لي أنها من قبيل زيادة الثقة المقبولة، ولم يذكر غير البيهقي علة الإرسال فيها. ٣ هو القاسم بن سلاّم - بالتشديد - البغدادي أبو عبيد، الإمام المشهور، ثقة فاضل، مصنف، من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين، ولم أر له في الكتب حديثًا مسندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، حت د ت، التقريب ٤٥٠ رقم (٤٥٦٢) .
[ ١ / ٣١٩ ]
سعد عن عقيل بن خالد عن ابن شهاب "أن وقيعة بني النضير من اليهود كانت على رأس ستة أشهر من وقيعة بدر، وكان منزلهم ونخلهم ناحية من المدينة، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على الجلاء"١.
_________________
(١) ١ الأموال لأبي عبيد ص ١٤ رقم (١٩)، وهذه الرواية وإن كان فيها بعض الضعف من أجل عبد الله بن صالح وكونها مرسلة أيضًا لكن لها شواهد تقدمت، منها ما هو متصل كرواية عبد الرزاق، ومنها ما هو مرسل كرواية عروة عند عبد الرزاق في المصنف ٥/ ٣٥٧- ٣٥٨، و٥/ ٣٦٣، وكلها تدل على أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وقبل أحد وليست بعد حادثة بئر معونة كما ذكر ابن إسحاق مستدلًا على ذلك بالسبب الذي ذكره في إجلاء بني النضير وهو خروجه ﷺ إليهم يستعينهم في دية الكلابيين، وأن ذلك كان بعد بئر معونة أي في السنة الرابعة، وقد تابع ابن إسحاق في كون غزوة بني النضير في السنة الرابعة بعد بئر معونة بعض أصحاب المغازي كالواقدي في المغازي ١/ ٣٦٣، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٧، وقال بذلك موسى بن عقبة كما عند البيهقي في الدلائل ٣/ ١٧٩- ١٨٠، ورواية ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة كما عند البيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٠، والبلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٣٩. أما ابن القيم فقد جزم بأنها كانت بعد أحد، وأن التي بعد بدر بستة أشهر هي غزوة بني قينقاع، قال ﵀: "وزعم محمد بن شهاب الزهري، أن غزوة بني النضير كانت بعد بدر بستة أشهر، وهذا وهم منه أو غلط عليه، بل الذي لا شك
[ ١ / ٣٢٠ ]
_________________
(١) فيه أنها كانت بعد أحد والتي بعد بدر بستة أشهر: هي غزوة بني قينقاع " زاد المعاد ٣/ ٢٤٩. وقال ابن كثير: "ذكر البيهقي والبخاري قبله خبر بني النضير قبل وقعة أحد، والصواب إيرادها بعد ذلك، كما ذكر ذلك محمد بن إسحاق وغيره من أئمة المغازي، وبرهانه أن الخمر حرمت ليالي حصار بني النضير، وثبت في الصحيح أنه اصطبح الخمر جماعة ممن قتل يوم أحد شهيدًا فدل على أن الخمر كانت إذ ذاك حلالًا، وإنما حرمت بعد ذلك فتبين ما قلناه من أن قصة بني النضير بعد وقعة أحد والله أعلم". أ. هـ. البداية والنهاية ٤/٩. والذي يظهر لي - والله أعلم - أن غزوة بني النضير كانت قبل أحد وبعد بدر بستة أشهر كما قال الزهري وذلك لقوة الروايات التي وردت عن الزهري في ذلك، وقد تقدم أن منها الثابت المتصل والمرسل، أما ما ذكره ابن إسحاق من أنها كانت بعد بئر معونة أي في السنة الرابعة، فإن مستنده في ذلك تلك الرواية التي حدثه بها يزيد بن رومان وهو من صغار التابعين فهي لا ترقى إلى معارضة ما ذكره الزهري، وفي هذه الحالة يتعين الأخذ بقول الزهري، أما ما ذكره ابن كثير من أن الخمر حرمت ليالي بني النضير، وهو دليل على تأخرها عن أحد لكون بعض من شهد أحدًا من الصحابة قد شربها صباح ذلك اليوم، فإنه لا يسلَّم بذلك لعدم ورود دليل صحيح يدل على ذلك، بل قد ذكر المفسرون أن الخمر قد حرمت بعد أحد، ولم يحددوها بليالي بني النضير، وقيل بعد الأحزاب، حيث أخرج ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال: نزل تحريم الخمر في سورة المائدة بعد غزوة الأحزاب، وغزوة الأحزاب كانت سنة خمس على الصحيح؛ وأخرج ابن مردويه عن وهب بن كيسان قال: قلت لجابر: متى حرمت الخمر؟ قال: بعد أحد. انظر: فتح القدير للإمام الشوكاني ٢/٧٥، ورواية جابر لم تحددها بليالي بني النضير، فتبقى رواية الزهري هي الراجحة، وهو ما رجحه الإمام البخاري ﵀، والله أعلم.
[ ١ / ٣٢١ ]
المبحث الحادي والعشرون: في مصير أموال بني النضير
٣٣- أخرج البخاري في صحيحه من طريق الزهري عن مالك بن أوس بن الحدثان عن عمر ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف١ المسلمون عليه بخيل ولا ركاب فكانت لرسول الله ﷺ خاصة ينفق على أهله منها نفقة سنته، ثم يجعل ما بقي في السلاح والكراع٢ عدة في سبيل الله"٣.
_________________
(١) ١ الإيجاف: سرعة السير، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا إذا حثها، النهاية ٥/ ١٥٧. ٢ الكراع: اسم لجميع الخيل، النهاية ٤/ ١٦٥. ٣ صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ٩٣ رقم (٢٩٠٤) و٨/ ٦٢٩ رقم (٤٨٨٥) و٩/ ٥٠١ رقم (٥٣٥٧) بلفظ: (يبيع نخل بني النضير ويحبس لأهله قوت سنتهم) قال الحافظ: "ولا تعارض بينهما لاحتمال أن يقسم في فقراء المهاجرين وفي مشترى السلاح والكراع" فتح الباري ٦/ ٢٠٦، وانظر البخاري مع الفتح ٩/ ٥٠٢ رقم (٥٣٥٨)، ومسلم كتاب الجهاد والسير رقم (١٧٥٧)، وأبا داود رقم (٢٩٦٥)، والترمذي رقم (١٧١٩)، والنسائي ٧/ ١٣٢، ومسند أحمد ١/ ٤١٧، رقم [٣٣٧] الأرناؤوط، والشافعي في السنن المأثورة (٦٧٢)، ومسند الحميدي (٢٢)، وتاريخ المدينة لعمر بن شبة ١/ ٢٠٨، وأبا عبيد في الأموال (١٧) و(٢٦)، والبلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة ١/ ٥١٨ رقم (١٠٤٣)، وفتوح البلدان له (ص: ٣٣)، والبحر الزخار المعروف بمسند البزار رقم (٢٥٥)، ومنتقى الجارود كما في الغوث رقم (١٠٩٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٣٤٥، ودلائل النبوة له ٣/ ١٨٥.
[ ١ / ٣٢٢ ]
الفصل الثالث: في غزوة أحد والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب وقعة أحد
المبحث الأول: في سبب وقعة أحد
٣٤- قال ابن إسحاق: وكان من حديث أحد، كما حدثني محمد بن مسلم الزهري، ومحمد١ بن يحيى بن حبان، وعاصم بن عمر بن قتادة٢، والحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ٣ وغيرهم من علمائنا كلهم قد حدث بعض الحديث عن يوم أحد، وقد اجتمع حديثهم كله فيما سقت من هذا الحديث عن يوم أحد قالوا أو من قاله منهم: لما أصيب يوم بدر من كفار قريش أصحاب القليب٤ ورجع فَلُّهُم٥ إلى مكة، ورجع أبو سفيان بن حرب بِعيرِه، مشى عبد الله بن أبي
_________________
(١) ١ هو محمد بن يحيى بن حَبَّان، بفتح المهملة وتشديد الموحدة، ابن مُنْقذ الأنصاري، المدني، ثقة فقيه، من الرابعة، مات سنة إحدى وعشرين وهو ابن أربع وسبعين ع، التقريب ٥١٢. ٢ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة، توفي بعد العشرين ومائة، ع، التقريب (ص: ٢٨٦) . ٣ هو حصين بن عبد الرحمن بن سعد بن معاذ الأشهلي، أبو محمد المدني، مقبول، من الرابعة، د س، التقريب ١٧٠ رقم (١٣٦٨) . ٤ القليب: البئر التي لم تطو، ويذكر ويؤنث، النهاية ٤/ ٩٨. ٥ الفَلُّ: القوم المنهزمون، من الفَلِّ: الكسر. وهو مصدر سُمي به النهاية (٣/ ٤٧٣) .
[ ١ / ٣٢٧ ]
ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم يوم بدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كانت له في تلك العير من قريش تجارة، فقالوا: يا معشر قريش: إن محمدًا قد وتركم١، وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، فلعلنا ندرك منه ثأرنا بمن أصاب منا، ففعلوا٢.
_________________
(١) ١ الموتور: من قتل له قتيل فلم يدرك بدمه. القاموس المحيط ٦٣١ - ٦٣٢. ٢ سيرة ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٠)، ومن طريقه أخرجه الطبري في التاريخ ٢/ ٤٩٩ - ٥٠٠، وفي التفسير ٣/ ٤٦، والبيهقي في دلائل النبوة ٣/ ٢٢٤، وانظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٣٠، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ١٦٨، وفتح الباري لابن حجر ٧/ ٣٤٦، وهي رواية حسنة إلى الزهري وإن لم تميز روايته لأن شيوخ ابن إسحاق الآخرين ثقات ما عدا الحصين بن عبد الرحمن فإنه مقبول كما ترى، لكن قد توبع.
[ ١ / ٣٢٨ ]
المبحث الثاني: في تاريخ الغزوة
٣٥- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان ببغداد، قال أخبرنا عبد الله٢ بن جعفر النحوي قال حدثنا يعقوب٣ بن سفيان قال: حدثنا الحجاج بن أبي منيع٤ قال: حدثنا جدي٥ عن الزهري عن عروة قال: "ثم كانت وقعة أُحُد٦ في شوال٧ على رأس سنة من وقعة
_________________
(١) ١ ثقة تقدم في الرواية رقم [٧] . ٢ ثقة تقدم في الرواية رقم [١٢] . ٣ ثقة تقدم في الرواية رقم [١٢] . ٤ حجاج بن أبي منيع: يوسف، وقيل: عبيد الله بن أبي زياد الرصافي، ثقة، من العاشرة، خت، التقريب ١٥٣ رقم (١١٣٨) . ٥ عبيد الله بن أبي زياد الرصافي؛ صدوق، من السابعة، خت، التقريب ٣٧١، رقم (٤٢٩١) . ٦ أحد: بضم أوله وثانيه معًا: اسم الجبل الذي كانت عنده غزوة أحد، وهو جبل أحمر، بينه وبين المدينة قرابة ميل في شمالها، وعنده كانت الوقعة العظيمة، معجم البلدان ١/ ١٠٩. وهو يبعد عن المسجد النبوي خمسة كيلومترات وربع الكيلومتر بدءًا من باب المجيدي أحد أبواب المسجد النبوي الشريف (مرويات غزوة أحد، حسين الباكري ١٩، وهي رسالة ماجستير، نوقشت بالجامعة الإسلامية عام ١٣٩٩ - ١٤٠٠هـ) . وقد وصله العمران اليوم، بل تعداه. ٧ وقد ذكر الزهري أنها في شوال في رواية أخرى أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/ ٢٠٦، من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب وستأتي بطولها. في الرواية الآتية رقم (٣٦) . وممن قال أنها في شوال: ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦٠)، والواقدي ١/ ١٩٩، إلا أنه قال يوم السبت لسبع خلون من شوال، وعبد الرزاق كما في المصنف من طريق الزهري رقم (٩٧٣٥)، والبلاذري في تاريخ أنساب الأشراف، قسم السيرة ١/ ٣١١، ٣١٢، وخليفة بن خياط في تاريخه ٦٧، وحدد قتادة اليوم والشهر فقال: واقع نبي الله ﷺ يوم أحد من العام المقبل بعد بدر في شوال يوم السبت لإحدى عشرة ليلة مضت من شوال. دلائل البيهقي ٣/ ٢٠١، وذكر خليفة بن خياط عن ابن إسحاق عن الزهري ويزيد بن رومان، أن رسول الله خرج عشية الجمعة لأربع عشرة ليلة خلت من شوال، وكانت الوقعة يوم السبت للنصف من شوال. تاريخ خليفة ٦٧.
[ ١ / ٣٢٩ ]
بدر، ورئيس المشركين يومئذ أبو سفيان بن حرب١.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٢٠١، و٣/ ٢٠٦، ٣/ ٢٧٨.
[ ١ / ٣٣٠ ]
المبحث الثالث: في عدد جيش المسلمين والمشركين يوم أحد
٣٦- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين١ بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا عبد الله بن جعفر النحوي٢، قال: حدثنا يعقوب بن سفيان٣، قال: حدثنا أصبغ بن الفرج٤، قال: أخبرني ابن وهب٥، قال: أخبرني يونس عن ابن شهاب في خروج النبي ﷺ إلى أُحد، قال: حتى إذا كان رسول الله ﷺ بالشوط٦
_________________
(١) ١ ثقة تقدم في الرواية رقم (٧) . ٢ ثقة تقدم في الرواية رقم (١٢) . ٣ ثقة تقدم في الرواية رقم (١٢) . ٤ أصبغ بن الفرج بن سعيد الأموي مولاهم الفقيه المصري أبو عبد الله، ثقة، مات مستترًا أيام المحنة سنة خمس وعشرين، من العاشرة، خ د. ت س التقريب ١١٣ رقم (٥٣٦) . ٥ هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، مولاهم أبو محمد المصري الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة، مات سنة سبع وسبعين، وله اثنتان وسبعون سنة (ع) التقريب ٣٢٨، رقم (٣٦٩٤) . ٦ الشوط: هو مكان ملعب التعليم بالمدينة الآن، انظر: العياشي، المدينة بين الماضي والحاضر، ٣٦٩، وقال البلادي: إن مكانه بين وادي قناة وبين المدينة، معجم المعالم الجغرافية ١٧٠. وفي تفسير عبد الرزاق من رواية الزهري (حتى إذا كان بالواسط من الجبانة..) قال السمهودي: واسط؛ أطم لبني خدرة. وفاء الوفاء ٤/١٣٢٩. وذكر السمهودي: أن الشوط يقع في شامي ذباب، قرب منازل بني ساعدة. وفاء الوفاء ٤/١٢٤٨، فلعل المكانين قريبان من بعضهما، وقريبان أيضًا من الجبانة.
[ ١ / ٣٣١ ]
من الجبانة١، انخزل٢ عبد الله بن أبي بقريب من ثلث الجيش، ومضى النبي ﷺ وأصحابه في سبعمائة٣، وتعبأت قريش وهم ثلاثة٤ آلاف، ومعهم مائتا فرس، قال: جنَّبوها وجَعَلوا على ميمنة الخيل خالدَ بنَ الوليد٥، وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل٦، هكذا، وجدته في
_________________
(١) ١ الجبانة اسم موضع، يقع شمالي المدينة. وفاء الوفاء ٤/١٢٤٨. ٢ انخزل: أي انفرد. النهاية ٢/٢٩. ٣ يعني أن الجيش الإسلامي كان ألفًا قبل رجوع عبد الله بن أبي بثلثه. ٤ ذكر ذلك موسى بن عقبة عن الزهري في رواية أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/٢٠٦، وكذلك قال ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٦٦) والواقدي في المغازي ١/٢٠٣، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/٣٧. ٥ هو خالد بن الوليد بن مغيرة القرشي المخزومي سيف الله المسلول، أبو سليمان أسلم سنة سبع بعد خيبر، وقيل قبلها ١/٤١٣. ٦ هو عكرمة بن أبي جهل عمرو بن هشام بن المغيرة القرشي المخزومي، أسلم عام الفتح، قتل بأجنادين كما قال الجمهور، وقيل قتل يوم اليرموك؛ سنة خمس عشرة في خلافة عمر، وقيل: قتل يوم مرج الصُّفَّر، وذلك سنة ثلاث عشرة في خلافة أبي بكر. الإصابة ٢/٤٩٦.
[ ١ / ٣٣٢ ]
كتابي١.
قال البيهقي: وأعاد يعقوب بن سفيان هذه القصة بهذا الإسناد بعينه تخالف هذه القصة في بعض ألفاظها، ويقول فيها: والمسلمون يومئذ قريب من أربع مائة رجل، والمشركون يومئذ قريب من ثلاثة آلاف.
وقوله الأول أشبه بما رواه موسى بن عقبة٢، وأشهر عند أهل المغازي، وإن كان المشهور عن الزهري أربع مائة٣.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٢٢٠-٢٢١، وسندها صحيح. ٢ في رواية أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/٢٠٦. ٣ سيأتي في رواية البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن الزهري أن عدد المسلمين كانوا سبعمائة كما في صدر هذه الرواية، بعد انسحاب ابن أُبي بثلث الجيش، وفي الرواية التي ذكرها ابن إسحاق عن شيوخه ومنهم الزهري. انظر: تفسير الطبري ٣/٤. ولم أجد ما ذكره البيهقي من أن المشهور عن الزهري أنهم كانوا أربعمائة.
[ ١ / ٣٣٣ ]
المبحث الرابع: في ذكر أحداث غزوة أحد إجمالًا
٣٧- قال البيهقي في الدلائل١: أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتاب، قال: حدثني القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل بن أبي أويس، قال: حدثني إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة، وأخبرنا أبو عبد الله الحافظ في المغازي، قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل، قال: حدثنا جدي، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، وهذا لفظ حديث إسماعيل عن عمه: موسى بن عقبة قال:
ورجعت٢ قريش فاستجلبوا من استطاعوا من مشركي العرب، وسار أبو سفيان بن حرب في جمع قريش وذلك في شوال من العام المقبل من وقعة بدر، حتى طلعوا من بئر الحماوين٣، ثم نزلوا ببطن الوادي٤
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٢٠٦، وسندها حسن، وقد تقدم تراجم إسناد هذه الرواية. ٢ أي من بدر، كما ستحددها روايات أخرى ستأتي قريبًا. ٣ لم أجد له تعريفًا بعد البحث. ٤ اسم هذا الوادي (وادي قناة) بفتح القاف والنون وألف، وآخرها هاء، انظر معجم البلدان لياقوت الحموي ٤/٣٩٩، وانظر: وفاء الوفاء للسمهودي ٣/١٠٧٤، والمدينة بين الماضي والحاضر للعياشي ٤٩٠، ومعجم المعالم الجغرافية للبلادي ٢٥٨.
[ ١ / ٣٣٤ ]
الذي قِبَل أُحد، وكان رجال من المسلمين الذين لم يشهدوا بدرًا ندموا على ما فاتهم من سابقة بدر، وتمنوا لقاء العدوّ، وليبلوا ما أبلى إخوانهم يوم بدر فلما نزل أبو سفيان والمشركون بأصل أُحدٍ، فرح المسلمون الذين لم يشهدوا بدرًا بقدوم العدوّ عليهم، وقالوا: قد ساق الله إلينا بأمنيتنا، ثم إن رسول الله ﷺ أري ليلة الجمعة رؤيا فأصبح فجاءه نفر من أصحابه، فقال: " رأيت البارحة في منامي بَقَرًا والله خير"، وفي رواية ابن فليح "بقَرًا تُذْبح"، ورأيت سيفي ذا الفقار انفصم١ من عند ظُبَّته٢ - أو قال: به فلول٣ فكرهته وهما مُضَبَّبتان - ورأيت أني في درع حصينة٤ وأني مردف كبشًا، فلما أخبرهم رسول الله ﷺ برؤياه، قالوا: يا رسول الله! ماذا أولت رؤياك؟
قال: أوّلت البقر الذي رأيت نفرًا فينا وفي القوم، وكرهت ما رأيت
_________________
(١) ١ انفصم: انقطع، وفصمه يفصمه: كسره فانفصم وتفصم، القاموس ١٤٧٨ مادة (فصم) . ٢ ظبة السيف: أي طرفه وحده. النهاية لابن الأثير ٣/ ١٥٦، ولسان العرب ٢/ ٦٤١. ٣ الفلة: الثلمة في السيف، وجمعها: فلول. النهاية ٣/ ٤٧٢. وأخرج الواقدي في المغازي (١/ ٢٠٩) عن الزهري، عن عروة، عن المسور بن مخرمة قال: قال النبي ﷺ: "ورأيت في سيفي فلًا فكرهته"، فهو الذي أصاب وجهه ﷺ. ٤ المراد بالدرع الحصينة: المدينة، وذلك كما جاء في تأويله ﷺ لهذه الرؤيا انظر: مسند أحمد ٤/ ٢٥٩ رقم (٢٤٤٥) بتحقيق: شعيب الأرناؤوط وزملائه.
[ ١ / ٣٣٥ ]
بسيفي"، ويقول رجال: وكان الذي رأى بسيفه الذي أصاب وجهه فإن العدو أصابوا وجهه يومئذ، وفصموا رَباعيته، وخرقوا شفته، يزعمون أن الذي رماه عتبة بن أبي وقاص، وكان البَقَرُ من قُتل يومئذ من المسلمين، وقال: "أولت الكبش أنه كبش كتيبة العدو فقتله"، وفي رواية ابن فليح: "يقتله الله، وأوّلت الدرع الحصينة المدينة، فامكثوا١، وأجمعوا الذراري في الآطام٢، فإن دخل علينا القوم في الأزقة قاتلناهم"، ورموا من فوق البيوت وكانوا قد شكوا أزقة المدينة بالبنيان، حتى كانت كالحصن.
فقال الذين لم يشهدوا بدرًا: كنا يا نبي الله نتمنى هذا اليوم وندعو الله، فقد ساقه الله إلينا وقرَّب المسير.
وقال رجال من الأنصار: متى نقاتلهم يا نبي الله إن لم نقاتلهم عند شَعَبِنا٣؟
وقال رجال: ماذا نمنع إذا لم نمنع الحرث يزرع، وقال رجال قولًا صدقوا به ومضوا عليه، منهم حمزة بن عبد المطلب قال: "والذي أنزل
_________________
(١) ١ كان هذا رأي النبي ﷺ وهو أنهم يمكثون في المدينة فيقاتلونهم فيها، ولا يخرجون إلى العدو. انظر: مستدرك الحاكم ٢/ ١٢٨ـ١٢٩، ودلائل البيهقي ٣/ ٢٠٤ - ٢٠٥. ٢ الأطم: بالضم: بناء مرتفع وجمعه آطام، ومنه الحديث: ":حتى توارت بآطام المدينة" يعني أبنيتها المرتفعة كالحصون. النهاية ١/ ٥٤. ٣ من معاني: الشَعَب: الزرع، اللسان (شعب)، والمراد: إذا لم نقاتلهم عند زرعنا وأموالنا فمتى نقاتلهم؟!
[ ١ / ٣٣٦ ]
عليك الكتاب لنجالدنَّهم".
وقال يعمر١ بن مالك بن ثعلبة وهو أحد بني سالم: "يا نبي الله لا تحرمنا الجنة، فوالذي نفسي بيده لأدخلنها"، فقال له رسول الله ﷺ: بمَ؟ قال: بأني أحب الله ورسوله ولا أفر يوم الزحف، فقال له رسول الله ﷺ: صدقت، فاستشهد يومئذ.
وأبى كثير من الناس إلا الخروج إلى العدو، ولم يتناهوا إلى قول رسول الله ﷺ ورأيه، ولو رضوا بالذي أمرهم به كان ذلك، ولكن غلب القضاء والقدر، وعامة من أشار إليه بالخروج لم يشهدوا بدرًا، قد علموا الذي سبق لأصحاب بدر من الفضيلة٢ فلما صلى رسول الله ﷺ الجمعة
_________________
(١) ١ لم أجد ليعمر ترجمة، ولعله: النعمان بن مالك بن ثعلبة أخو بني سالم، انظر: مغازي الواقدي ١/ ٢١١، والإصابة ٣/ ٥٦٥. ٢ من ذلك قوله ﷺ في قصة حاطب بن أبي بلتعة ﵁: " لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم"، فدمعت عينا عمر، وقال: "الله ورسوله أعلم". صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٠٥ رقم (٣٩٨٣)، وما أخرجه البخاري من حديث معاذ بن رفاعة بن رافع الزرقي عن أبيه - وكان من أهل بدر - قال: "جاء جبريل إلى النبي ﷺ فقال: ما تعدُّون أهل بدر فيكم، فقال: من أفضل المسلمين أو كلمة نحوها - قال: وكذلك من شهد بدرًا من الملائكة) . صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣١١ - ٣١٢ رقم (٣٩٩٢) . ومنها ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر أن عبدًا لحاطب جاء رسول الله ﷺ يشكو حاطبًا فقال: يا رسول الله ليدخلن حاطب النار، فقال رسول الله ﷺ: "كذبت لا يدخلها فإنه شهد بدرًا والحديبية" مسلم بشرح النووي ١٦/ ٥٥.
[ ١ / ٣٣٧ ]
وعظ الناس وذكرهم، وأمرهم بالجد والجهاد، ثم انصرف من خطبته وصلاته، فدعا باللأمة١ فلبسها، ثم أذن في الناس بالخروج، فلما رأى ذلك رجال من ذوي الرأي قالوا: أمرنا رسول الله ﷺ أن نمكث بالمدينة، فإن دخل علينا العدو قاتلناهم في الأزقة وهو أعلم بالله وما يريد، ويأتيه الوحي من السماء، ثم أشخصناه، يا نبي الله: امكث كما أمرتنا، قال رسول الله ﷺ: "ما ينبغي لنبي إذا أخذ لأمة الحرب وآذن بالخروج إلى العدو أن يرجع حتى يقاتل٢، وقد دعوتكم إلى هذا الحديث فأبيتم إلا
_________________
(١) ١ اللأمة: مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفًا. النهاية ٤/ ٣٢٠. ٢ أخرجه البيهقي في السنن ٧/ ٤١ موصولًا بإسناد حسن عن ابن عباس، ثم قال ﵀: (وهكذا ذكره موسى بن عقبة عن الزهري، وكذلك ذكره محمد بن إسحاق بن يسار عن شيوخه من أهل المغازي وهو عام في أهل المغازي وإن كان منقطعًا، وقد كتبناه موصولًا بإسناد حسن. أ. هـ. وانظر: ابن هشام ٢/ ٦٠، ومغازي الواقدي ١/ ٢١٤، والطبقات الكبرى ٢/ ٣٨. وأخرج عبد الرزاق عن الزهري بلفظ: "إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس" تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٥. وأخرجها الطبري في التفسير ٧/ ٣٧٢، بإسناد حسن إلى قتادة ولكنه مرسل، وأخرجها الحاكم في المستدرك ٢/ ١٢٨ - ١٢٩، وصححها ووافقه الذهبي، وقد حسن إسناد هذه الرواية الألباني في تعليقه على حاشية فقه السيرة للغزالي (ص: ٢٦٩)، وذلك بناء على ما ذكر من روايات يقوي بعضها بعضًا، والله أعلم.
[ ١ / ٣٣٨ ]
الخروج، فعليكم بتقوى الله والصبر عند البأس إذا لقيتم العدوّ، انظروا ما أمركم به فافعلوه،: فخرج رسول الله ﷺ والمسلمون فسلكوا على البدائع١ وهم ألف٢ رجل والمشركون ثلاثة آلاف، فمضى رسول الله حتى نزل بأُحد، ورجع عنه عبد الله بن أُب ي بن سلول في ثلاثمائة فبقي رسول الله ﷺ في سبعمائة فقال كعب بن مالك٣ الأنصاري:
إنّا بهذا الجذع لو كان أهله سوانا لقد ساروا بليل فأقشعوا٤
جلادٌ على ريب الحوادث لا ترى على هالك عينًا لنا الدهر تدمع
ثلاثة آلاف ونحن نصية٥ ثلاثِ ميْينٍ إن كثرنا وأربع
_________________
(١) ١ البدائع: اسم موضع بين المدينة وبين جبل أحد على الطريق الشرقية مع الحرّة إلى جبل أُحد، وفاء الوفاء، للسمهودي ١/٢٨٢، ويسمى هذا المكان بالشيخين، وبه مسجد يقال له: مسجد الشيخين، ويقال له: مسجد البدائع. انظر: وفاء الوفاء ٣/٨٦٥، ويسمى الآن بمسجد المستراح، وهو على الناحية الغربية لشارع سيد الشهداء. انظر: الدر الثمين في معالم دار الرسول الأمين ﷺ ص: ١٧٥. ٢ يؤيد ذلك ما أخرجه البيهقي من طريق يونس عن ابن شهاب في الرواية المتقدمة رقم (١٩) . ٣ هو كعب بن مالك بن أبي بن كعب الأنصاري السلمي شهد العقبة، وبايع بها وتخلف عن بدر وشهد أحدًا وما بعدها وتخلف في تبوك وهو أحد الثلاثة الذي تيب عليهم، قال البغوي: بلغني أنه مات بالشام في خلافة معاوية. الإصابة ٣/ ٣٠٢. ٤ أقشع القوم: تفرقوا، لسان العرب المحيط ٣/ ٩٣، مادة (قشع) . ٥ النصية: من يتنصى من القوم، أي يختار من نواصيهم، وهم الرؤوس والأشراف، وقد انتصيت في القوم رجلًا: أي اخترته. النهاية ٥/ ٦٨.
[ ١ / ٣٣٩ ]
فراحوا سراعًا موجفين كأنهم غمام هراقت ماءها الريح تقلع
ورحنا وأخرانا بطاء كأننا أسود على لحم ببيشة ظُلّع
فلما رجع عبد الله بن أُب ي بالثلاث مائة، سقط في أيدي الطائفتين من المسلمين، وهمتا أن تفشلا، وهما بنو حارثة وبنو سلمة١ كما يقال، وصفَّ رسول الله ﷺ والمسلمون بأصل أُحد وصف المشركون بالسبخة٢ التي قِبَل أُحد، وتعبأ الفريقان للقتال، وجعل المشركون على خيلهم خالد ابن الوليد بن المغيرة، ومعهم مائة فرس، وليس مع المسلمين فرس، وحامل لواء٣ المشركين من عبد الدار، واشتكى صاحب لوائهم طلحة بن عثمان
_________________
(١) ١ يؤيد ذلك ما ذكره البخاري من أن المراد بالطائفتين: بنو حارثة وبنو سلمة، انظر صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٥٧. ٢ السبخة: محركة ومسكنة: أرض مالحة، أو هي الأرض التي تعلوها الملوحة ولا تكاد تنبت إلا بعض الشجر. النهاية ٢/ ٣٣٣. ٣ اللواء: بكسر اللام والمد هي: الراية، ويسمى أيضًا العلم، وكان الأصل أن يمسكها رئيس الجيش ثم صارت تحمل على رأسه، وقال أبو بكر بن العربي: اللواء غير الراية، فاللواء ما يعقد في طرف الرمح ويلوى عليه، والراية: ما يعقد فيه ويترك حتى تصفقه الرياح، وقيل اللواء دون الراية، وقيل اللواء: العلم الضخم، والعلم علامة لمحل الأمير يدور معه حيث دار، والراية يتولاها صاحب الحرب، فتح الباري ٦/ ١٢٦. وقد أخرج الترمذي من حديث ابن عباس قال: "كانت راية النبي ﷺ سوداء ولواؤه أبيض" سنن الترمذي ٣/ ١١٥. قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لحديث ابن عباس: "وهو ظاهر في التغاير، فلعل التفرقة بينهما عرفية"، الفتح ٧/ ٤٧٧. وقد ورد أن لواء النبي ﷺ في فتح مكة أبيض. سنن الترمذي ٣/ ١١٥، وقد يكتب عليها بعض العبارات مثل: لا إله إلا الله محمد رسول الله. فتح الباري ٧/ ٤٧٧. أو يكون فيها هلال أبيض، التراتيب الإدراية للكتاني ١/ ٣٢٠، وتكون مربعة ذراع في ذراع. ابن حجر الفتح ٦/ ١٢٦.
[ ١ / ٣٤٠ ]
أخو شيبة بن عثمان١، وكانت لهم الحجابة، والندوة، واللواء، فقال أبو سفيان بن حرب: إن اللواء ضاع يوم بدر حتى قتل حوله من قد علمتم، وأرى أن أعارضهم بلواء آخر، فقالت بنو عبد الدار والأحلاف٢: إن شئتم فارفعوا لواءً آخر، ولكن لا يرفعه إلا رجل من بني عبد الدار، فقال أبو سفيان: بل عليكم بلوائكم فاصبروا عنده.
وأمر رسول الله ﷺ خمسين رجلًا من الرماة فجعلهم نحو خيل
_________________
(١) ١ شيبة بن عثمان وهو الأوقص بن أبي طلحة بن عبد الله بن عبد العزى القرشي العبدري الحجبي أبو عثمان، أسلم يوم الفتح، وكان ممن ثبت يوم حنين، توفي سنة تسع وخمسين، الإصابة ٢/ ١٦١. ٢ الأحلاف: ست قبائل هي: عبد الدار، وجمح، ومخزوم، وعدي، وكعب، وسهم، سموا بذلك لأنهم لما أرادت بنو عبد مناف ما في أيدي عبد الدار من الحجابة والرفادة واللواء والسقاية، وأبت عبد الدار، عقد كل قوم على أمرهم حلفًا مؤكدًا على أن لا يتخاذلوا، فأخرجت جفنة مملوءة طيبًا فوضعتها لأحلافهم وهم أسد، وزهرة، وتيم، في المسجد عند الكعبة، ثم غمس القوم أيديهم فيها، وتعاهدوا، وتعاقدت بنو عبد الدار وحلفاؤها حلفًا آخر مؤكدًا فسُمّوا الأحلاف لذلك. النهاية ١/٤٢٥.
[ ١ / ٣٤١ ]
العدو، وأَمَّر عليهم عبد الله بن جبير١ أخا خوَّات بن جبير٢ وقال لهم: "أيها الرماة٣، إذا أخذنا منازلنا من القتال فإن رأيتم خيل المشركين تحركت وانهزم أعداء الله فلا تتركوا منازلكم إني أتقدم إليكم أن لا يفارقن رجل منكم مكانه، واكفوني الخيل"٤.
فوعز٥ إليهم فأبلغ، ومن نحوهم كان الذي نزل بالنبي ﷺ يومئذ
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن جبير بن النعمان الأنصاري الأوسيّ، شهد العقبة وبدرًا واستشهد بأحد، وكان أمير الرماة يومئذ، وكان المشركون عندما انهزموا ذهبت الرماة ليأخذوا من الغنيمة فنهاهم عبد الله بن جبير فمضوا وتركوه. الإصابة ٢/٢٨٦. ٢ هو خوَّات بن جبير بن النعمان بن أمية بن امرئ القيس الأنصاري الأوسيّ، شهد بدرًا والمشاهد كلها، عاش إلى سنة أربعين، ومات وهو ابن أربع وسبعين سنة بالمدينة. الإصابة ١/٤٥٧_٤٥٨. ٣ كان عددهم خمسين رجلًا أميرهم عبد الله بن جبير ﵁. صحيح البخاري مع الفتح ٦/١٦٢ رقم (٣٠٣٩) ومسند أحمد ٤/٢٠٩، وصحح شاكر إسناده، والمستدرك ٢/٢٩٦، وصححه ووافقه الذهبي. ٤ وردت قصة الرماة عند البخاري بألفاظ فيها بعض الاختلاف، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ١٦٢، رقم (٣٠٣٩)، ٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣)، وانظر هذه القصة في مسند أحمد ٤/ ٢٠٩، وصحح شاكر إسناده، والمستدرك ٢/ ٢٩٦، وصححه ووافقه الذهبي، وانظر أيضًا مغازي الواقدي ١/ ٢١٩ - ٢٢٠، وابن سعد ٢/ ٣٩. ٥ وعز: وعز إليه في كذا أن يفعل أو يترك، وأوعز، ووعز: تقدم وأمر، القاموس المحيط ٦٧٩. ر
[ ١ / ٣٤٢ ]
والذي أصابه، فلما عهد النبي ﷺ إلى أصحابه عهده في القتال، وكان حامل لواء المهاجرين رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فقال: أنا عاصم١ إن شاء الله لما معي، فقال له طلحة - يعني ابن عثمان ـ: هل لك يا عاصم في المبارزة؟
قال: نعم، فبدره ذلك الرجل، فضرب بالسيف على رأس طلحة حتى وقع السيف في لحيه فقتله، فكان قتل صاحب لواء المشركين تصديقًا لرؤيا رسول الله ﷺ أني مردف كبشًا، فلما صرع صاحب اللواء انتشر النبي ﷺ وأصحابه، وصاروا كتائب٢ متفرقة، فجاسوا٣ العدوّ ضربًا حتى أجهضوهم عن أثقالهم، وحملت خيل المشركين على المسلمين ثلاث مراتٍ، كل ذلك تنضح بالنبل، فترجع مغلولةً، وحمل المسلمون فنهكوهم قتلًا، فلما أبصر الرماة الخمسون أن الله عزوجل قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس ههنا لشيءٍ، قد أهلك العدو إخواننا في عسكر المشركين، وقال طوائف منهم: على ما نصفُّ، وقد هزم الله العدو؟! فتركوا منازلهم التي عهد إليهم النبي ﷺ ألاّ يتركوها، وتنازعوا وفشلوا وعصوا الرسول،
_________________
(١) ١ ورد في سيرة ابن هشام ٢/ ٧٣: أنا أبو الفصم، والرجل هو علي بن أبي طالب ﵁، كما ذكر في المصدر السابق، وتفسير الطبري ٧/ ٢٨١ من مراسيل السدي. ٢ الكتيبة: القطعة العظيمة من الجيش والجمع: كتائب. النهاية ٤/ ١٤٨. ٣ الجوس: هو طلب الشيء بالاستقصاء والتردد خلال الدور والبيوت في القارة، القاموس المحيط ٦٩١.
[ ١ / ٣٤٣ ]
فأوجفت١ الخيل فيهم قتلًا، وكان عامتهم٢، في العسكر، فلما أبصروا ذلك الرجال المتفرقة أن الخيل قد فعلت ما فعلت، اجتمعوا وأقبلوا وصرخ صارخ: أُخراكم أُخراكم، قُتِل رسولُ الله ﷺ، فسقط في أيدي المسلمين فقتل منهم من قتل وأكرمهم الله بأيدي المشركين وأصعد الناس في الشعب لا يلوون على أحد٣، وثَبَّت الله عزوجل النبي ﷺ حين انكشف عنه من انكشف من أصحابه، وهو يدعوهم في أخراهم حتى جاءه من جاءه منهم إلى قريب من المِهْرَاسِ٤ في الشِّعب.
فلما فُقِدَ رسولُ الله ﷺ قال رجل منهم: إن رسول الله قد قُتل فارجعوا إلى قومكم فيؤمنونكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم، فإنهم داخلون البيوت.
وقال رجل منهم: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.
_________________
(١) ١ الإيجاف: سرعة السير، وقد أوجف دابته يوجفها إيجافًا إذا حثّها. النهاية ٥/ ١٥٧. ٢ لم يبق من الرماة مع أميرهم سوى اثني عشر رجلًا كما في البخاري حديث رقم (٣٠٣٩) . ٣ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ ﴾ الآية، آل عمران (١٥٣) . ٤ المهراس: بالكسر ثم السكون وآخره سين مهملة، وهو حجر يشبه القدح يمسك ماء المطر، والمراد المهراس الذي في الشعب من جبل أحد، معجم المعالم الجغرافية ٣٠٦ - ٣٠٧.
[ ١ / ٣٤٤ ]
وقال آخرون: إن كان رسول الله ﷺ قد قتل أفلا تقاتلون عن دينكم، وعلى ما كان عليه نبيكم، حتى تلقوا الله شهداء؟
منهم: أنس بن النضر١ شهد له بها سعد بن معاذ عند رسول الله ﷺ، ويقال: أحد بني قشير الذي قال: لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا ههنا.
ومضى النبي ﷺ يلتمس أصحابه، فإذا المشركون نحو وجهه على طريقه، فلما رآهم رسول الله ﷺ قد استقبلوه، قال: "اللهم إن تشأ لا يغلبك أحد في الأرض، وقال: اللهم إن تشأ لا تعبد" ٢.
فانصرف المشركون والنبي ﷺ يدعو أصحابه مصعدًا في الشعب، معه عصابة صبروا معه، منهم: طلحة بن عبيد الله٣، والزبير بن العوام، وبايعوه على الموت وجعلوا يسترونه بأنفسهم ويقاتلون معه حتى قتلوا إلا
_________________
(١) ١ هو أنس بن النضر بن ضمضم الأنصاري الخزرجي عم أنس بن مالك، كان قد غاب عن بدر وشهد أحدًا واستشهد بها. انظر: الإصابة ١/ ٧٤. ٢ قد ورد بمعناه في غزوة بدر كما في البخاري رقم (٢٩١٥) ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٤، من حديث عمر ﵁، وقد قال الحافظ ابن حجر: "ووقع عند مسلم من حديث أنس أن النبي ﷺ قال هذا الكلام أيضًا يوم أحد". فتح الباري ٧/ ٢٨٩. ٣ هو طلحة بن عبيد الله بن عبد الله بن عمرو بن كعب القرشي التيمي أبو محمد، أحد العشرة المبشرين بالجنة، وأحد الثمانية الذين سبقوا إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر الصديق، وأحد الستة أصحاب الشورى، قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين. الإصابة ٢/ ٢٢٩ـ٢٣٠.
[ ١ / ٣٤٥ ]
ستة نفر أو سبعة وهم مع ذلك يمشون حول المهراس، ويقال: كان كعب ابن مالك أول من عرف عين رسول الله ﷺ حين فقد من وراء المغفر فنادى بصوته الأعلى: الله أكبر، هذا رسول الله ﷺ فأشار إليه، - زعموا - رسول الله ﷺ - أن اسكت١ - وجرح رسول الله ﷺ وكُسِرت رَباعيتُه٢، وكان أُبيّ بن خلف قال حين افتدى: "والله إن عندي لفرس أعلفها كل يوم فَرَق٣ ذرة، ولأقتلنّ عليها محمدًا"، فبلغت رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ يشهد له ما رواه عبد الرزاق في مصنفه ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦ رقم (٩٧٣٥) عن الزهري عن عروة وفي تفسيره عن الزهري ١/ ١٣٤، وما رواه إسحاق بن راهويه في مسنده كما في إتحاف الخيرة للبوصيري، رقم (٤٥٦٥) عن الزهري دون ذكر عروة، وانظر مسند إسحاق في المطالب العالية للحافظ ابن حجر، رقم (٤٢٦٢) وقال عنه الحافظ: "رجاله ثقات ولكنه مرسل أو معضل". وأخرجه ابن سعد عن الزهري كما في الطبقات ٢/٤٥-٤٦، وزاد بعد قوله (أن اسكت) فأنزل الله تعالى جده ﴿وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُل﴾ الآية، وأخرجه ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا (ابن هشام ٢/٨٣)، وأخرجه الطبري في التفسير ٧/٣٠٨ رقم (٨٠٦٦)، وفي التاريخ ٨/٥١٨، وورد موصولًا عند الواقدي في المغازي ١/٢٣٦ من رواية الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، ومن طريقه أخرجه الطبراني في الأوسط ٢/٢٢ رقم _١١٠٤)، ولكن الواقدي متروك. ٢ الرَّباعية: - بفتح الراء وتخفيف الموحدة ـ: السنّ التي بين الثنية والناب، والمراد: أنها كسرت فذهبت منها فلقة ولم تقلع من أصلها (انظر: فتح الباري ٧/٣٦٦) . ٣ الفَرَق بالتحريك، مكيال يسع ستة عشر رطلًا، وهي اثنا عشر مدًا، أو ثلاثة آصع، وأما الفرق بالسكون: فمائة وعشرون رطلًا. النهاية ٣/٤٣٧.
[ ١ / ٣٤٦ ]
حِلْفَته، فقال: "بل أنا أقتله إن شاء الله".
فأقبل أُبيٌّ مقنعًا في الحديد على فرسه تلك يقول: لا نجوت إن نجا محمد، فحمل على رسول الله ﷺ يريد قتله.
قال موسى بن عقبة [عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه، قال: أقبل أُبي بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده] ١، فاعترض له رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله فخلوا طريقه، واستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار يقي رسول الله ﷺ فقتل مصعب بن عمير وأبصر رسول الله ﷺ ترقوة أُبي بن خلف من فُرْجة بين سابغة البيضة والدرع فطعنه بحربته فوقع أُبيّ عن فرسه، ولم يخرج من ترقوته دم، قال سعيد: فكسر ضلعًا من أضلاعه، ففي ذلك نزل: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ٢، فأتاه رسول الله ﷺ وهو يخور خوار الثور، فقالوا: ما جزعُك إنما هو خَدْش٣، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: "بل أنا أقتل أبيًا"٤، ثم
_________________
(١) ١ ما بين المعقوفتين من مستدرك الحاكم ٢/٣٢٧، ولعلها سقطت من دلائل النبوة للبيهقي. ٢ سورة الأنفال آية (١٧) . ٣ خدش الجلد: قشره بعود أو نحوه، خدشه يخدشه خدشًا، والخدوش جمعه. النهاية ٢/١٤. ٤ ستأتي قصة قتل الرسول ﷺ لأبي في مبحث مستقل.
[ ١ / ٣٤٧ ]
قال: والذي نفسي بيده لو كان هذا الذي بيْ بأهل المجاز١ لماتوا أجمعون، فمات أُبيّ قبل أن يقدم مكة، فلما لحق رسول الله ﷺ أصحابه ونظروا إليه، ومعه طلحة والزبير وسهل بن حُنيف والحارث بن الصمّة أخو بني النجار ظنّ أصحاب رسول الله ﷺ أن النفر من عدوهم فوضع أحدهم سهمًا على كبد قوسه فأراد أن يرمي، فلما تكلموا وناداهم رسول الله ﷺ عرفوه، فكأنه لم يصبهم بلاء في أنفسهم قطّ حين عرفوا رسول الله ﷺ فبينما هو كذلك إذ عرض لهم الشيطان نفسه ووسوسته وتحزينه حين أبصروا عدوهم قد انفرجوا عنهم، فبينما هم كذلك يذكرون قتلاهم وإخوانهم، ويسأل بعضهم بعضًا عن حميمه، فيخبر بعضهم بعضًا بقتلاهم، وقال: اشتد حزنهم، أدبر الله عليهم المشركين، وغمهم بهم ليذهب بذلك الحزن عنهم، فإذا عدوهم فوق الجبل قد علوهم، فنسوا عند ذلك الحزن والهموم على إخوانهم، ثم أنزل الله عزوجل على طائفة ﴿مِنْ بَعْدِ الغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًَا يَغْشَى طائفةً مِنْكُم﴾ ٢ كما قال: ﴿وطائفةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللهِ غَيرَ الحقِّ ظَنَّ الجاهليَّةِ يقولونَ هَلْ لنا مِنَ الأمرِ مِنْ شَيءٍ قُلْ إنَّ الأمرَ كلَّه للهِ يُخْفُون في
_________________
(١) ١ المجاز: أو ذو المجاز: بفتح الميم وتخفيف الجيم وآخره زاي، وهو من أشهر أسواق العرب في الجاهلية، يقع بسفح جبل كبكب من الغرب يراه من يخرج من مكة على طريق نخلة اليمانية، معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٢٧٨ - ٢٧٩. ٢ سورة آل عمران آية (١٥٤) .
[ ١ / ٣٤٨ ]
أنفسِهِم مَا لا يُبْدُوْنَ لكَ يقولونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمْرِ شيءٌ مَا قُتِلْنَا هَا هُنَا﴾ قال الله عزوجل: ﴿قُل لوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُم﴾ ١ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وكانا غَمَّين: فهذا الغمّ الآخر، والغمّ الأول: حين أُصعدوا في الشعب منهزمين، فأنساهم الهزيمة ما يخافون من طلب العدو وقتالهم، وقال رسول الله ﷺ: "اللهم إنه ليس لهم أن يعلونا اليوم"٢ ثم دعا رسول الله ﷺ وندب أصحابه، فانتدب منهم عصابة، فأصعدوا في الشعب حتى كانوا هم والعدو على السواء فراموهم بالنبل، وطاعنوهم حتى أهبطوهم عن الجبل، وانكفأ المشركون عنهم إلى قتلى المسلمين فَمَثَّلوا بهم: يقطعون الآذان والأنوف، والفروج، ويبقرون البطون، وهم يظنون أنهم قد أصابوا النبي ﷺ وأشراف أصحابة، ثم إنهم قد اجتمعوا وصفوا مقاتلتهم، فقال أبو سفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال إلا أنكم ستجدون في قتلاكم شيئًا من مُثْلَة، وإني لم آمر بذلك ولم أكرهه٣، ثم قال: أُعل هبل، يفخر
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٤) . ٢ أخرجه ابن إسحاق (انظر: ابن هشام ٢/ ٨٦) ومن طريقه أخرجه الطبري، في التفسير ٧/ ٣٠٩ رقم الحديث (٨٠٦٦) تحقيق: شاكر، وأخرجه الطبري في التفسير عن السدي، انظر: نفسير الطبري ٧/ ٣٠٧ رقم (٨٠٦٤) . ٣ يشهد لهذا ما أخرجه البخاري بألفاظ متقاربة، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٤٩ - ٣٥٠ رقم (٤٠٤٣)، وانظر: مسند أحمد ٤/ ٢٠٩، ٦/ ١٨١ تحقيق شاكر، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٩٣) بدون إسناد، والواقدي في المغازي ١/ ٢٩٦، والحلية لأبي نعيم ١/ ٣٩ من طريق الزهري.
[ ١ / ٣٤٩ ]
بآلهته.
فقال: عمر: اسمع يا رسول الله ما يقول عدو الله.
فقال رسول الله ﷺ: "ناده فقل: الله أعلى وأجل، لا سواء: قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار".
قالوا: "إن لنا العزى ولا عزى لكم".
قال رسول الله ﷺ: "الله مولانا ولا مولى لكم".
ثم نادوا محمدًا باسمه١، فلما علموا أنه حيٌّ ونادوا رجالًا من أصحاب رسول الله ﷺ أشرافًا فعلموا أنهم أحياء، كبتهم الله فانكفؤوا إلى أثقالهم، لا يدري المسلمون ما يريدون، فقال رسول الله ﷺ: "إن رأيتموهم ركبوا وجعلوا الأثقال تتبع آثار الخيل فهم يريدون أن يدنوا من البيوت والآطام التي فيها الذراري والنساء، وأقسم بالله لئن فعلوا لأواقعنهم في جوفها، وإن كانوا ركبوا الأثقال وجنبوا الخيل فهم يريدون الفرار"، فلما أدبروا بعث رسول الله ﷺ سعد بن أبي وقاص في آثارهم فقال: أعلم لنا أمرهم، فانطلق سعد يسعى حتى علم علمهم، ثم رجع فقال: رأيت خيلهم تضرب بأذنابها مجنوبة٢ مدبرة، ورأيت القوم قد
_________________
(١) ١ انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣) بألفاظ متقاربة من ألفاظ هذه الرواية. ٢ جنب الرجل: دفعه، وسحابة مجنوبة هبت بها الجنوب، لسان العرب ١/ ٥٠٨، والقاموس ٨٩، والمعنى: دفعوها إلى جهة الجنوب ذاهبين إلى مكة والله أعلم.
[ ١ / ٣٥٠ ]
تحملوا على الأثقال سائرين فطابت أنفس القوم لذهاب العدو، وانتشروا يتبعون قتلاهم، فلم يجدوا قتيلًا إلا قد مَثَّلُوا به إلا حنظلة بن أبي عامر١، كان أبوه مع المشركين فتُرِك له، وزعموا أن أباه وقف عليه قتيلًا، فدفع صدره برجله ثم قال: ذنبان أصبتهما قد تقدمت إليك في مصرعك هذا يا دُبَيْس٢، ولعمر الله إن كنت لواصلًا للرحم برًا بالوالد، ووجدوا حمزة ابن عبد المطلب عم النبي ﷺ قد بقر بطنه، وحملت كبده، احتملها وحشي٣ وهو قتله يذهب بكبده إلى هند٤ بنت عتبة في نذر نذرته حين
_________________
(١) ١ هو: حنظلة بن أبي عامر بن صيفي بن مالك بن أمية الأنصاري الأوسي المعروف بغسيل الملائكة، وكان أبوه في الجاهلية يعرف بالراهب واسمه عمرو، ويقال: عبد عمرو، استشهد حنظلة بأحد لا يختلف أصحاب المغازي في ذلك. الإصابة ١/ ٣٦٠ - ٣٦١. ٢ الدبسة: لون بين السواد والحمرة. النهاية ٢/ ٩٩. ٣ هو: وحشي بن حرب الحبشي مولى بني نوفل، قيل: كان مولى طعيمة بن عدي، وقيل: مولى أخيه مطعم، وهو قاتل حمزة قتله يوم أحد، أسلم وقدم على النبي ﷺ وكان قدومه عليه مع وفد أهل الطائف، شارك في قتل مسيلمة، يكنى أبا سلمة، وقيل: أبا حرب، شهد اليرموك ثم سكن حمص ومات بها في خلافة عثمان. الإصابة ٣/ ٣٦١. ٤ هي: هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشية العبشمية والدة معاوية، أسلمت يوم الفتح، ماتت في خلافة عمر بعد أبي بكر بقليل في اليوم الذي مات فيه أبو قحافة. الإصابة ٤/ ٤٢٥ - ٤٢٦.
[ ١ / ٣٥١ ]
قتل أباها يوم بدر، وأقبل المسلمون على قتلاهم يدفنونهم فدفن حمزة في نمرة١ كانت عليه إذا رفعت إلى رأسه بدت قدماه، وإذا أنزلت إلى رجله بدا وجهه، فجعلوا أعوادًا من شجرٍ وحجارةٍ فوضعوا على قدميه وغطوا وجهه٢.
قال موسى: قال ابن شهاب: فلما فرغ رسول الله ﷺ لدفن الشهداء قال: "زملوهم٣ بجراحهم فإنه ليس كَلْم٤ يكلم في الله إلا وهو يأتي يوم القيامة يَدْمَى لونه لون الدم، وريحه ريح المسك" ٥، ثم قال
_________________
(١) ١ النمرة: شملة فيها خطوط بيض وسود. لسان العرب ٧٢١، والنهاية ٥/ ١١٨. ٢ يشهد لذلك ما أخرجه الترمذي من حديث الزهري عن أنس، سنن الترمذي رقم (١٠١٦)، وقال الترمذي: حديث أنس حديث غريب، وقد حكم عليه الألباني بالصحة، انظر: صحيح سنن الترمذي ١/ ٢٩٧ - ٢٩٨، تحت رقم (١٠٢٧) . والطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ١٤ - ١٥، وسنن الدارقطني ٤/ ١١٦ رقم (٤٣)، ومصنف ابن أبي شيبة ٧/ ٣٦٧، ومستدرك الحاكم ١/ ٣٦٥، ٢/ ١٢٠، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي، والبيهقي في السنن الكبرى ٤/ ١٠. ٣ زملوهم: لفوهم فيها، يقال: تزمل بثوبه إذا التف به. النهاية ٢/ ٣١٣. ٤ هو جمع: كليم: وهو الجريح، وأصل الكلم: الجرح. النهاية ٤/ ١٩٩. ٥ أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ٦٣ رقم [٢٣٦٥٨] الأرناؤوط من طريق معمر عن الزهري، وسنن سعيد بن منصور رقم (٢٥٨٣)، والنسائي في السنن ٤/ ٧٨ رقم (٢٠٠٢)، و٦/ ٢٩ رقم (٣١٤٨)، وكتاب الجهاد لابن أبي عاصم، رقم (١٧٦)، والآحاد والمثاني له ٥/ ٦٨ رقم (٢٦٠٨)، والطحاوي في مشكل الآثار ١/ ٩٩ـ١٠٠، ومسند ابن الجعد رقم (١٦٣٨)، والبخاري من حديث مالك عن أبي الزناد ومسلم من حديث سفيان ولفظه: "لا يُكْلم أحد في سبيل الله - والله أعلم بمن يُكْلَم في سبيله - إلا جاء يوم القيامة وجرحه يثعُب دمًا اللون لون الدم والريح ريح المسك" البخاري رقم (٢٨٠٣) ومسلم رقم (١٠٥)، (١٨٧٦) باب فضل الجهاد ٣/ ١٤٩٦، عبد الباقي.
[ ١ / ٣٥٢ ]
رسول الله ﷺ: "أنا الشهيد على هذا يوم القيامة"١.
ثم قام رسول الله ﷺ يدفنون على عينيه، ولم يغسلهم ولم يصل على أحد منهم كما يصلي على الموتى، ولم يدفنهم في غير ثيابهم التي قتلوا فيها، قال: وهم يدفنون الرهط في الحفرة الواحدة: (أي هؤلاء كان أكثر أخذًا للقرآن؟) فإذا أشير إلى الرجل منهم قدمه في اللحد قبل أصحابه حتى فرغ من دفنهم، وخرج نساء من المهاجرات والأنصار يحملن على ظهورهن الماء والطعام وخرجت فيهن فاطمة بنت رسول الله ﷺ، فلما رأت أباها والذي به من الدماء اعتنقته، وجعلت تمسح الدماء عن وجهه ورسول الله ﷺ يقول: "اشتد غضب الله على قوم دموا وجه رسول الله، واشتد غضب الله على رجل قتله رسول الله"٢.
وقال سهل بن سعد الساعدي: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر
_________________
(١) ١ أخرجه البخاري من طريق الزهري، صحيح البخاري مع الفتح ٣/ ٢٠٩، رقم (١٣٤٣)، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٩٨) . ٢ أخرجه البخاري في الصحيح، فتح الباري ٧/ ٣٧٢، ومسلم ٢/ ١٥٠، ومسند أحمد انظر: الفتح الرباني ٢١/ ٥٧، وابن هشام ٢/ ٨٥ - ٨٦.
[ ١ / ٣٥٣ ]
لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب: رمى يومئذٍ رسول الله ﷺ رجل من بني الحارث بن عبد مناة يقال له: ابن قَمِئَة٢، ويقال: بل رماه عتبة بن أبي وقاص٣، قال: وسعى علي بن أبي طالب ﵁ إلى المهراس، وقال لفاطمة: أمسكي هذا السيف غير ذميمة، فأتى بماءٍ في مَجنَّة٤ فأراد رسول الله ﷺ أن يشرب منه فوجد له ريحًا، فقال: (هذا
_________________
(١) ١ له شاهد عند البخاري رقم (٣٤٧٧)، وأحمد ٦/ ١٠٣ - ١٠٤ رقم [٣٦١١] الأرناؤوط، والفسوي في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٣٨، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني ٤/ ١٢٣ رقم (٢٠٩٦)، وابن حبان (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٢٥٤ رقم ٩٧٣)، والطبراني في الكبير ٦/ ١٢٠ رقم ٥٦٩٤، وقال في المجمع ٦/ ١١٧ "ورجاله رجال الصحيح، قال أبو حاتم: "يعني هذا الدعاء أنه قال يوم أحد لما شُجَّ وجهه قال: (اللهم اغفر لقومي) ذنبهم بي من الشج لوجهي لا أنه دعاء للكفار بالمغفرة، ولو دعا لهم بالمغفرة لأسلموا في ذلك الوقت لا محالة". الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٣/ ٢٥٥. ٢ اسمه: عبد الله بن قمئة الليثي. ابن هشام ٢/٩٤. ٣ ذكر الذهبي في المغازي، ص (١٩٢) عن معمر، عن الزهري، وعن عثمان الجزري، عن مقسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة حين كسر رباعيته "اللهم لا تحل عليه الحول حتى يموت كافرًا"، فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار) قال الذهبي: وهو مرسل. وانظر: السيرة النبوية لابن كثير (٢/٥٩) . وقد ذكر الواقدي في المغازي (١/٢٤٥) نحوًا من هذا من غير طريق الزهري. ٤ المجنّ: الترس. النهاية ٤/٣٠١، وفي رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٨٥) أن عليًا ملأ درقته من ذلك الماء.
[ ١ / ٣٥٤ ]
ماء آجن) ١، فمضمض منه وغسلت فاطمة عن أبيها، ولما رأى رسول الله ﷺ سيف عليّ مخضبًا دمًا، قال: (إن تكن أحسنت القتال فقد أحسن عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، والحارث٢ بن الصِّمَّة، وسهل٣ بن حُنيف) ٤، ثم قال: "أخبروني عن الناس ما فعلوا وأين ذهبوا"؟
قالوا: كفر عامتهم، فقال: "إن المشركين لم يصيبوا منا مثلها حتى نبيحهم"، ثم أقبلوا إلى دورهم وقد كان أبو سفيان ناداهم والمشركون حين ارتحلوا أن موعدهم الموسم موسم بدر، وهي سوق كانت تقوم ببدر كل عام، فقال رسول الله ﷺ: "قولوا لهم نعم قد فعلنا".
_________________
(١) ١ الماء الآجن: الماء المتغير الطعم واللون. لسان العرب المحيط ١/٢٦. ٢ هو الحارث بن الصِّمَّة - بكسر الصاد المهملة وتشديد الميم - ابن عمرو بن عتيك بن عمرو بن عامر بن مالك بن النجار والد أبي جهم عُدّ في أهل بدر، كسر بالروحاء فرده النبي ﷺ وضرب له بسهم وشهد أحدًا واستشهد ببئر معونة. الإصابة ١/١٨١. ٣ هو: سهل بن حُنيف بن وهب بن العكيم الأوسي الأنصاري، يكنى أبا سعد وأبا عبد الله من أهل بدر، وكان من السابقين، وثبت يوم أُحد حين انكشف الناس، وبايع يومئذ على الموت. الإصابة ٢/٨٧. ٤ أخرجه الحاكم في المستدرك ٣/٢٤، وصححه وأقرّه الذهبي، وأخرجه الطبراني كما في المجمع ٦/١٢٣، وقال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ٣٥٥ ]
قال أبو سفيان: فذلك الموعد١.
وزعموا أن رسول الله ﷺ كان عرض يومئذ سيفه فقال: "من يأخذ هذا بحقه"؟ قالوا: وما حقه؟ قال: يضرب به إذا لقي العدوّ"، فقال عمر - زعموا - أنا آخذه، فأعرض عنه، ثم عرضه الثانية، فقال الزبير: أنا آخذه فأعرض عنه، فوجد عمر والزبير في أنفسهما من ذلك، ثم عرضه الثالثة بذلك الشرط، فقال أبو دجانة سماك بن خرشة٢ أخو بني ساعدة: أنا آخذه يا رسول الله بحقه، فدفعه إليه.
فصدق به حين لقي العدو وأعطى السيف بحقه٣.
_________________
(١) ١ بدر الموعد: ستأتي في بحث مستقل إن شاء الله تعالى. ٢ اسمه: سِماك بن خرشة، وقيل: أوس بن خرشة، متفق على شهوده بدرًا، وقد كثرت فيه الجراحة يوم أُحد، وثبت أنه أخذ سيف رسول الله ﷺ يوم أحد ففلق به هام المشركين، قيل: إنه شهد موقعة اليمامة، وشارك في قتل مسيلمة، واستشهد بها. انظر: الإصابة ٤/٥٨. ٣ يشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه ١٦/٢٢٤، النووي، ومغازي ابن إسحاق [انظر: ابن هشام ٢/٦٦] والمغازي للواقدي ١/٢٥٨-٢٥٩، وسنن سعيد بن منصور ٢/٣٦٤، ومصنف ابن أبي شيبة ١٤/٤٠١، ومعجم الطبراني الكبير ١٩/ ٩ رقم (١٤)،والمطالب العالية ٤/٢٢١، وأخرجه أيضًا البزار في مسنده ٣/١٩٣- ١٩٤ رقم (٩٧٩)، وانظر: تاريخ الأمم والملوك للطبري ٢/٥١٠، والكنى للدولابي ١/٦٩، ومستدرك الحاكم ٣/٢٣٠، والإصابة لابن حجر ٤/٥٨-٥٦.
[ ١ / ٣٥٦ ]
وزعموا أن كعب بن مالك قال: كنت فيمن خرج من المسلمين فلما رأيت مُثَل المشركين بقتلى المسلمين قمت فتجاوزت، فإذا رجل من المشركين جمع اللأمة تحوية المسلمين ويقول: استوسقوا١ كما تستوسق جرد الغنم، قال: وإذا رجل من المسلمين قائم ينتظره، وعليه لأمته، فمضيت حتى كنت من ورائه، ثم قمت أقدر المسلم والكافر ببصري، فإذا الكافر أفضلهما عدة وهيئة، قال: فلم أزل أنظرهما حتى التقيا، فضرب المسلم الكافر على حبل عاتقه ضربة بالسيف بلغت وركه وتفرق فرقتين ثم كشف المسلم عن وجهه، فقال: كيف ترى يا كعب أنا أبو دجانة.
فلما دخل النبي ﷺ أزقَّة المدينة إذا النوح والبكاء في الدور، فقال: "ما هذا"؟ قالوا: هذه نساء الأنصار يبكين قتلاهنّ، قال: وأقبلت امرأة تحمل ابنها وزوجها على بعير قد ربطتهما بحبل ثم ركبت بينهما، وحمل منهم قتلى فدفنوا في مقابر المدينة، فنهاهم النبي ﷺ عن حملهم، وقال: "واروهم٢ حيث أصيبوا"٣، وقال رسول الله حين سمع البكاء: "لكن حمزة لا بواكي له "، واستغفر له، فسمع ذلك سعد بن معاذ وسعد بن
_________________
(١) ١ استوسقوا: أي استجمعوا وانضموا. النهاية ٥/١٨٥. ٢ واروهم: أي ادفنوهم، وارى الميت: دفنه. لسان العرب ١/ ٩٩٤. ٣ يشهد له ما رواه الإمام أحمد في المسند ٢٢/ ٢٠٨ رقم [١٤٣٠٥] الأرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف ٥/ ٢٧٨، والحميدي ٢/ ٥٤٤، وابن أبي شيبة ٥/ ٣٢١، وأبو داود ٣/ ٢٠٢ رقم (٣١٦٥)، والنسائي ٤/ ٧٩، والترمذي ٥/ ٢٧٩ مع التحفة.
[ ١ / ٣٥٧ ]
عبادة ومعاذ بن جبل وعبد الله بن رواحة، فمشوا في دورهم فجمعوا كل نائحة وباكية كانت بالمدينة، فقالوا: والله لا تبكين قتلى الأنصار حتى تبكين عم رسول الله ﷺ فإنه قد ذكر أنه لا بواكي له بالمدينة.
- وزعموا - أن الذي جاء بالنوائح عبد الله بن رواحة، فلما سمع رسول الله ﷺ البكاء قال: (ما هذا؟)
فأخبر بما فعلت الأنصار بنسائهم، فاستغفر لهم وقال لهم خيرًا، وقال: (ما هذا أردت، وما أحب البكاء، ونهى عنه) .
وقال النبي ﷺ: "ثلاث من عمل الجاهلية لن تتركهن أمتي: النياحة على الموتى، والطعن في الأنساب، وقيل هذا المطر بنوء١ كذا وكذا، وليس بنوء إنما هو عطاء الله ورزقه"٢.
وأخذ المنافقون عند بكاء المسلمين في المكر والتفريق عن رسول الله ﷺ وتحزين المؤمنين وظهر غش اليهود وفارت المدينة بالنفاق فور المِرْجَل٣، وأظهروا النفاق والغش عند بكاء المسلمين ما كانوا مستخفين، وقالت اليهود: لو كان نبيًا ما ظهروا عليه، ولا أصيب منه ما أصيب،
_________________
(١) ١ مطرنا بنوء كذا: أي مطرنا بفضل نجم كذا، والأنواء ثمان وعشرون منزلة، ينزل القمر كل ليلة منها منزلة، وإنما غلّظ النبي من أمر الأنواء لأن العرب كانت تنسب المطر إليها. النهاية ٥/ ١٢٢. ٢ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه ٧/ ١٥٦ مع الفتح، ومسلم ٢/ ٥٧ - ٥٩، والترمذي ٣/ ٣٢٥. ٣ المرجل: هو بالكسر الإناء الذي يُغلى فيه الماء. النهاية ٤/ ٣١٥.
[ ١ / ٣٥٨ ]
ولكنه طالب ملك تكون له الدولة مرة وعليه مرة، وكذلك أهل طلب الدنيا بغير نبوة١.
وقال المنافقون نحو قولهم، وقالوا للمسلمين: لو كنتم أطعتمونا ما أصابوا الذي أصابوا منكم.
وقدم رجل من أهل مكة على رسول الله ﷺ فاستخبره عن أبي سفيان وأصحابه فقال: نازلتهم فسمعتهم يتلاومون، يقول بعضهم لبعض: لم تصنعوا شيئًا، أصبتم شوكة القوم وحدَّهم ثم تركتموهم ولم تبروهم، فقد بقي منهم رؤوس يجمعون لكم.
وأمر النبي ﷺ أصحابه وبهم أشد القرح بطلب العدو ليسمعوا بذلك، وقال: لا ينطلقن معي إلا من شهد القتال، فقال عبد الله بن أبي ّ: أنا راكب معك.
فقال: (لا)، فاستجابوا لله ورسوله على الذي بهم من البلاء فانطلقوا، فقال الله عزوجل في كتابه: ﴿الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَواْ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ قال ابن هشام: "وذكر غير زياد، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري: أن الأنصار يوم أحد قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ قال: لا حاجة لنا فيهم" (ابن هشام ٢/ ٩٤) وهذه الرواية وإن كانت ضعيفة، إلا أنها تدل على أن النبي ﷺ يعرف تمامًا مكر اليهود وخبثهم. ٢ سورة آل عمران آية (١٧٢) .
[ ١ / ٣٥٩ ]
قال: وأقبل جابر بن عبد الله السلمي إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إن أبي رجعني وقد خرجت معك لأشهد القتال، فقال: ارجع وناشدني أن لا أترك نساءنا، وإنما أراد حين أوصاني بالرجوع رجاء الذي كان أصابه من القتل، فاستشهده الله، فأراد بي البقاء لتركتِه، ولا أحب أن تتوجه وجهًا إلا كنت معك، وقد كرهت أن يطلب معك إلا من شهد القتال، فأْذَنْ لي، فأَذِنَ لَه رسول الله ﷺ، فطلب رسول الله ﷺ العدو حتى بلغ حمراء الأسد١، ونزل القرآن في طاعة من أطاع ونفاق من نافق وتعزية المسلمين وشأن مواطنهم كلها، ومخرج رسول الله ﷺ إذا غدا فقال جل ثناؤه: ﴿وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ٢ ثم ما بعد الآية في قصة أمرهم حتى بلغ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْاْ مِنكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُواْ وَلَقَدْ عَفَا اللهُ
_________________
(١) ١ حمراء الأسد: جبل أحمر جنوب المدينة على (٢٠) كيلًا، إذا خرجت من ذي الحليفة تؤم مكة، عن طريق بدر، المعالم الأثيرة ١٠٣. وخروج النبي ﷺ إلى حمراء الأسد قد ذكره الزهري في عبد الرزاق ٥/ ٣٦٣ رقم (٩٧٣٥) و٥/ ٥٦٦ رقم (٩٧٣٦)، ويشهد لذلك ما أخرجه البخاري في ذكر غزوة حمراء الأسد، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٣٧ رقم (٤٠٧٧)، ومسلم بشرح النووي ١٥/ ١٩١، وابن أبي شيبة في المصنف ١٢/ ٩٤، والحميدي في مسنده رقم (٢٦٣)، وابن سعد في الطبقات ٣/ ١٠٤. ٢ سورة آل عمران آية (١٢١) .
[ ١ / ٣٦٠ ]
عَنْهُمْ إِنَّ اللهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾ ١ مع سبع آيات بعدها، والرهط الذين تولوا رجلان من بني زريق: سعد بن عثمان٢ وأخوه عقبة بن عثمان٣، ورجل من المهاجرين٤: تولوا حتى انتهوا إلى بئر حزم٥، وفي رواية ابن فليح إلى الجَلَعْب٦، ثم عفا الله عنهم، ثم إن المسلمين استكثروا الذي أصابهم من البلاء يوم أحد٧، وقد كانوا أصابوا يوم بدر من المشركين
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٥) . ٢ هو: سعد بن عثمان بن خلدة بن مخلد بن عامر بن زريق الأنصاري الزرقي أبو عبادة شهد بدرًا كما قال موسى بن عقبة وغيره. الإصابة ٢/ ٣١. ٣ هو عقبة بن عثمان بن خلدة بن عامر بن زريق الأنصاري، ذكره ابن إسحاق وغيره فيمن شهد بدرًا وذكره فيمن فر يوم أحد، حتى بلغ جبلًا مقابل الأعوص فأقام به ثم رجع، الإصابة ٢/ ٤٩٠. ٤ لعله يقصد عثمان بن عفان ﵁، فقد ثبت أنه كان ممن استزله الشيطان يوم أحد. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٥٤، ونص عليه ابن إسحاق كما في المطالب العالية المسندة رقم (٤٢٥٨)، وإتحاف الخيرة المهرة رقم (٤٥٦٣) . ٥ لم أجد لها ذكرًا. ٦ الجلعب: بفتحتين وسكون العين المهملة: جبل بناحية المدينة، معجم البلدان ٢/ ١٥٤. ٧ حيث استشهد من المسلمين في أحد سبعون رجلًا، كما ثبت ذلك في البخاري وغيره، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٧٤ رقم (٤٠٧٨)، وانظر قبل ذلك رقم (٣٠٣٩، ٤٠٤٣)، والترمذي السنن ٥/ ٩٩٩ رقم (٣١٢٩)، ومسند أحمد من زوائد ابنه عبد الله ٣٥/ ١٥٣ رقم [٢١٢٣٠] الأرناؤوط، وتفسير النسائي رقم (٢٩٩)، والطبراني في الكبير ٤/ ١٥٧ رقم (٢٩٣٧)، والحاكم في المستدرك ٢/ ٣٥٨ - ٣٥٩، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٢٨٩، وهو الصواب.
[ ١ / ٣٦١ ]
ضعف ذلك١، فأنزل الله عزوجل في ذلك: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِندِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢وآيات معها بعدها، ثم سمى موسى بن عقبة من قتل مع رسول الله ﷺ يوم أحد وذكر فيهم: اليمان٣ أبا حذيفة٤ واسمه حسيل بن جبير
_________________
(١) ١ حيث قتلوا سبعين وأسروا سبعين كما ثبت في البخاري ومسلم وغيرهما. انظر: الفتح ٧/ ٣٠٧ رقم (٣٩٨٦)، ومسلم بشرح النووي ١٢/ ٨٦، واستدل الحافظ ابن حجر بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ قال: واتفق أهل العلم بالتفسير على أن المخاطبين بذلك أهل أُحد، وأن المراد بـ ﴿أَصَبْتُم مِّثْلَيْهَا﴾ يوم بدر ، الفتح ٧/ ٣٠٧. ٢ آل عمران آية (١٦٥) . ٣ اسمه: حسيل - بالتصغير ويقال بالتكبير - ابن جابر بن ربيعة بن فروة بن الحارث بن مازن بن عبس المعروف باليمان العبسي والد حذيفة، قتل يوم أحد، قتله المسلمون وهم يظنون أنه من المشركين. الإصابة ١/ ٣٣١. ٤ هو: حذيفة بن حُسيل بالتصغير ويقال بالتكبير، المشهور بابن اليمان العبسي، من كبار الصحابة، كان أبوه قد أصاب دمًا فهرب إلى المدينة فحالف بني عبد الأشهل فسماه قومه اليمان لكونه حالف اليمانية، شهد حذيفة أحدًا والخندق وما بعدها وله في الخندق ذكر حسن، استعمله عمر على المدائن فلم يزل بها حتى بعد قتل عثمان وبعد بيعة علي بأربعين يومًا وذلك سنة ست وثلاثين. الإصابة ١/ ٣١٧ - ٣١٨.
[ ١ / ٣٦٢ ]
حليف لهم من بني عبس أصابه المسلمون زعموا في المعركة لا يدرون من أصابه، فتصدق حذيفة١ بدمه على من أصابه.
قال موسى بن عقبة: قال ابن شهاب قال عروة بن الزبير: أخطأ به المسلمون يومئذ فتوشقوه٢ بأسيافهم يحسبونه من العدو، وإن حذيفة ليقول أبي أبي فلم يفقهوا قوله حتى فرغوا منه، قال حذيفة: يغفر الله لكم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين.
قال: ووداه٣ رسول الله ﷺ وزاد حذيفة عنده خيرًا٤،
_________________
(١) ١ يشهد له ما أخرجه ابن إسحاق (سيرة ابن هشام ٢/ ٨٨) عن عاصم بن عمر عن محمود بن لبيد قال: "اختلفت سيوف المسلمين على اليمان والد حذيفة يوم أحد، ولا يعرفونه فقتلوه فأراد رسول الله أن يَدِيَه فتصدق بديته على المسلمين"، وقد عنعن ابن إسحاق في هذه الرواية، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه أحمد في المسند ٣٩/ ٤٦ - ٤٧، رقم [٢٣٦٣٩] الأرناؤوط. ٢ تواشقوه بأسيافهم: أي قطعوه وشائق كما يقطع اللحم إذا قدد. لسان العرب ٣/ ٩٣٢ (وَشَقَ) والنهاية ٥/ ١٨٩. ٣ وداه: أي أعطى ديته، يقال: وديت القتيل إذا أعطيت ديته. النهاية ٥/ ١٦٩. ٤ قصة مقتل والد حذيفة ذكرها البخاري في الصحيح (فتح الباري ٧/ ٣٦١) دون ذكر الدية، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٤٥، ومسند الشافعي (انظر: بدائع المنن في جمع مسند الشافعي والسنن رقم ١٤٦٣) من مرسل عروة، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٧٩، والبيهقي في السنن الكبرى ٨/ ١٣٢، وفي معرفة السنن والآثار له ١٢/ ١٩٦ رقم (١١٤٤٠) .
[ ١ / ٣٦٣ ]
قال: وجميع من استشهد من المسلمين يوم أحد من قريش والأنصار تسعة وأربعون رجلًا١، وقتل من المشركين يوم أحد ستة عشر رجلًا٢.
_________________
(١) ١ هذا مخالف لما ثبت في البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٠٧ رقم ٣٩٨٦) من أن عدد القتلى يوم أحد سبعون، ٧/ ٣٧٤ رقم (٤٠٧٨)، و٧/ ٣٤٩ رقم (٤٠٤٣)، وفي رواية أخرى للزهري توافق ما في الصحيح أنه قال: "فأصيب يومئذ من أصحاب رسول الله ﷺ مثل نصف عدة من أصيب ببدر من المشركين من القتلى والأسرى" دلائل البيهقي ٣/ ٢٧٨. ٢ وقد ذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ١٢٩) أن عدد من قتل من المشركين: اثنان وعشرون رجلًا وذكر أسماءهم، وذكر الواقدي في المغازي ١/ ٣٠٧؛ أن عددهم سبعة وعشرون رجلًا، وذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٤٢: ثلاثة وعشرون رجلًا.
[ ١ / ٣٦٤ ]
المبحث الخامس: في ردِّ النبي ﷺ بعض الصحابة لصغرهم
٣٨- قال البخاري في التاريخ الصغير: حدثني إبراهيم بن يحيى١، ثنا أبي٢، عن ابن إسحاق، ثنا الزهري، عن عروة بن الزبير، ردَّ النبي ﷺ يومئذ نفرًا استصغرهم فيهم: عبد الله بن عمر٣ ابن أربعة عشر، وأسامة بن زيد٤، والبراء بن عازب٥ وعَرَابة بن أوس٦، وزيد بن
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته في الرواية رقم (٩) . ٢ ضعيف تقدم في الرواية رقم (٩) . ٣ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب بن نفيل القرشي العدوي، ولد سنة ثلاث من البعثة، وهاجر وهو ابن عشر سنين، عرض على النبي يوم بدر فاستصغره ثم بأحدٍ فكذلك ثم بالخندق فأجازه وكان عمره خمس عشرة سنة، توفي سنة أربع وثمانين. الإصابة ٢/ ٣٤٧. ٤ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر ابن النعمان الكلبي، الحب بن الحب، يكنى أبا محمد، ويقال: أبا زيد، مات رسول الله ﷺ وعمره عشرون سنة، وقيل: ثماني عشرة، وكان الرسول ﷺ أمّره على جيش عظيم، فمات النبي ﷺ قبل أن يتوجه، فأنفذه أبو بكر. الإصابة ١/ ٣١. ٥ هو البراء بن عازب بن الحارث بن عدي بن جثم بن مجدعة الأنصاري الأوسي يكنى أبا عمارة، ويقال: أبا عمرو، له ولأبيه صحبة، عرض على النبي ﷺ يوم بدر فاستصغره فرده ﷺ، أما أحد فقد شهدها كما ثبت في البخاري حديث رقم (٣٠٣٩)، مات سنة اثنتين وسبعين. الإصابة ١/ ١٤٢. ٦ هو عَرابة - بفتح أوله والراء الخفيفة وبعد الألف الموحدة - ابن أوس بن قيظي بن عمرو الأوسي ثم الحارثي، استصغره النبي ﷺ يوم أحد فرده النبي ﷺ. الإصابة ٢/ ٤٧٣.
[ ١ / ٣٦٥ ]
أرقم١، وزيد بن ثابت٢، ورافع بن عدي٣، فتطاول له رافع، فأذن له، فسار معهم، وخُلِّف بقيتهم حرس للذراري والنساء٤.
_________________
(١) ١ هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته، قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، استصغره يوم أحد وأول مشاهده الخندق وقيل: المريسيع، غزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة وثبت ذلك في الصحيح. الإصابة ١/ ٥٦٠. ٢ هو: زيد بن ثابت بن الضحاك بن زيد بن لوذان الأنصاري الخزرجي أبو سعيد وقيل أبو ثابت، وقيل غير ذلك في كنيته، استصغر يوم بدر، وقيل: إنه شهد أحدًا، ويقال: أول مشاهده الخندق، كتب الوحي للنبي ﷺ، مات سنة اثنتين أو ثلاث أو خمس وأربعين وقيل سنة إحدى أو اثنتين أو خمس وخمسين وفي خمس وأربعين قول الأكثر. الإصابة ١/ ٥٦١. ٣ هكذا في المطبوع من التاريخ الصغير، ولم أجد أحدًا ذكره فيمن رده النبي ﷺ يوم أحد ولعله رافع بن خديج، كما في ابن هشام ٢/ ٦٦، ومغازي الواقدي ١/ ٢١٦، وعيون الأثر ٢/ ١٢، وهو ممن أجازه النبي ﷺ لأنه كان ابن خمس عشرة سنة ولأنه كان راميًا. ولعل البخاري نسبه إلى جده عدي، لأن رافعًا اسمه: رافع بن خديج بن عدي والله أعلم. ٤ التاريخ الصغير ١/ ١٤٦، بسند ضعيف. وقد ذكر البخاري في هذه الرواية بعض من ردهم النبي ﷺ لصغرهم، وذكر بعض المؤرخين بقيتهم فبلغوا أربعة عشر صبيًا. انظرهم في: ابن هشام ٢/ ٦٦، ومغازي الواقدي ١/ ٢١٦، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/ ١٢ - ١٣. وبالرغم من ضعف هذه الرواية إلا أن رد النبي ﷺ لبعضهم ثابت في الصحيحين وغيرهما، انظر: صحيح البخاري ٧/ ٣٩٢ رقم (٤٠٩٧) ومسلم ٣/ ١٤٩٠ رقم (١٨٦٨) .
[ ١ / ٣٦٦ ]
المبحث السادس: طلب الأنصار من النبي ﷺ الاستعانة بحلفائهم من اليهود
٣٩- قال ابن هشام: وذكر غير زياد عن محمد بن إسحاق عن الزهري: أن الأنصار يوم أحدٍ قالوا لرسول الله ﷺ: يا رسول الله؛ ألا نستعين بحلفائنا من يهود؟ فقال: "لا حاجة لنا فيهم"١.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية (ابن هشام ٢/ ٦٤)، وهي رواية موقوفة على الزهري، وفيها ضعف لإبهام الراوي في السند؛ فلا يعرف من الذي نقل هذا عن ابن إسحاق، بالإضافة إلى عنعنة ابن إسحاق. لكن لهذه الرواية شاهد من غير طريق الزهري. فقد أخرج إسحاق بن راهويه في مسنده وذلك من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج النبي ﷺ يوم أحد حتى إذا خلف ثنية الوداع نظر وراءه فإذا كتيبة خشناء؛ قال ﷺ: من هذا؟ قال: هو عبد الله بن أبيّ بن سلو ل في مواليه من اليهود من بني قينقاع، وهم رهط عبد الله بن سلام، فقال: أو قد أسلموا؟ فقال: لا، فإنهم على دينهم، قال: قل لهم: فليرجعوا؛ فإنا لا نستعين بالمشركين على المشركين. المطالب العالية لابن حجر ٤/ ٣٩٨ رقم (٤٢٦٣) وقال: "هذا إسناد حسن"، وانظر أيضًا إتحاف الخيرة للبوصيري ٥/ ٢٢٢ - ٢٢٣ وحسن إسناده، وأخرجه الواقدي في المغازي (١/ ٢١٥ - ٢١٦)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٤٨)، والطبراني في الأوسط (٥/ ٢٢١ رقم ٥١٤٢)، والحاكم (٢/ ١٢٢) دون ذكر أحد، والبيهقي في السنن (٩/ ٣٧) دون ذكر أحد أيضًا.
[ ١ / ٣٦٧ ]
المبحث السابع: في قتل النبي ﷺ أبيّ بن خلف يوم أحد
٤٠- قال ابن سعد: أخبرنا قتيبة بن سعيد البلخي١، أخبرنا ليث ابن سعد، عن عبد الرحمن بن خالد٢، عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب: أنّ أُبَيَّ بن خلف الجمحي أسر يوم بدر، فلما افتدى من رسول الله ﷺ، قال لرسول الله ﷺ: إن عندي فرسًا أعلفها كل يوم فَرَق ذرة لعلي أقتلك عليها، فقال رسول الله ﷺ: (بل أنا أقتلك عليها إن شاء الله)، فلما كان يوم أحد أقبل أبيّ بن خلف يركض فرسه تلك حتى دنا من رسول الله ﷺ، فاعترض رجال من المسلمين له ليقتلوه، فقال لهم رسول الله ﷺ: استأخروا استأخروا، فقام رسول الله بحربة في يده فرمى بها أبيّ بن خلف فكسرت الحربة ضلعًا من أضلاعه، فرجع إلى أصحابه ثقيلًا، فاحتملوه حتى ولّوا به وطفقوا يقولون له: لا بأس بك، فقال لهم أُبيّ: ألم يقل لي: بل أنا أقتلك إن شاء الله؟ فانطلق به أصحابه فمات ببعض الطريق فدفنوه، قال سعيد بن المسيب: وفيه أنزل الله ﵎:
_________________
(١) ١ هو: قتيبة بن سعيد بن جميل، بفتح الجيم، ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني، بفتح الموحدة وسكون المعجمة وبغلان من قرى بلخ، يقال: اسمه يحيى، وقتيبة لقب، وقيل: علي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربعين عن تسعين سنة، ع. التقريب ٤٥٤. ٢ هو: عبد الرحمن بن خالد بن مسافر الفهمي، أمير مصر، صدوق من السابعة، توفي سنة سبع وعشرين، خ م ق ت س. التقريب ٣٣٩.
[ ١ / ٣٦٨ ]
﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ١ الآية٢.
٤١- وأخرج الحاكم من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب عن أبيه٣ قال: أقبل أبيّ بن خلف يوم أحد إلى النبي ﷺ يريده، فاعترض رجال من المؤمنين فأمرهم رسول الله ﷺ فخلوا سبيله فاستقبله مصعب بن عمير أخو بني عبد الدار، ورأى رسول الله ﷺ ترقوة أُبيّ من فرجة بين سابغة٤ الدرع والبيضة٥، فطعنه بحربته فسقط أبيّ عن فرسه ولم يخرج من طعنته دم، فكسر ضلعًا من أضلاعه، فأتاه أصحابه وهو يخور خوار الثور فقالوا له: ما أعجزك إنما هو خدش، فذكر لهم قول رسول الله ﷺ: (بل أنا أقتل أُبيًاّ) ٦، ثم قال: والذي نفسي بيده
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (١٧) . ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٤٦، وهو مرسل حسن إلى سعيد بن المسيب، وقد وصله الحاكم كما في الرواية الآتية. ٣ هو المسيب بن حزن بن أبي وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم القرشي المخومي والد سعيد، له ولأبيه صحبة، شهد بيعة الرضوان كما ثبت في الصحيحين. الإصابة ٣/ ٤٢٠. ٤ في مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٧ رقم (٩٧٣١) تسبغة، والتسبغة: شيءٌ من حلق الدروع والزرد يعلق بالخوذة دائرًا معها ليستر الرقبة وجيب الدرع. النهاية ٢/ ٣٣٧. ٥ البيضة: الخوذة. النهاية ١/ ١٧٢. ٦ كما في مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٥ - ٣٥٧ رقم (٩٧٣١)، وكتاب السير للفزاري ٢٠٣ بسند مرسل.
[ ١ / ٣٦٩ ]
لو كان هذا الذي بي بأهل ذي المجاز لماتوا أجمعون، فمات أُبَيٌّ إلى النار فسحقًا لأصحاب السعير قبل أن يقدم مكة، فأنزل الله: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللهَ رَمَى﴾ ١.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال آية (١٧) . والحديث أخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٣٢٧، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي، وأخرجه الواقدي في المغازي ١/ ٢٥٠، وعبد الرزاق في تفسيره ١/ ٢٥٦ من طريق الزهري مرسلًا وبألفاظ مقاربة، وأخرجه الطبري في تفسيره ٩/ ١٣٦ - ١٣٧ مرسلًا عن الزهري. وقد ورد أن هذه الآية نزلت في رمي النبي ﷺ المشركين يوم بدر، انظر: تفسير الطبري ١٣/ ٤٤٥، تحقيق: أحمد شاكر، و١٣/ ٤٤٢ـ٤٤٣، و١٣/ ٤٤٤، والطبراني في الكبير ٣/ ٢٠٣ رقم (٣١٢٧، ٣١٢٨) . وقيل: إنها نزلت في رمي النبي ﷺ المشركين عندما اجتمعوا في الحجر بمكة وتعاقدوا على قتل النبي ﷺ، فأخذ ﷺ قبضة من التراب فرماهم بها فما من إنسان أصيب بشيء منها إلا قتل يوم بدر. انظر: مسند أحمد ٤/ ٢٦٩، شاكر. ويظهر والله أعلم أن الآية تناولت بعمومها جميع هذه الحوادث، خاصة وأنه قد ثبت عند الحاكم في المستدرك كما مر أن الآية نزلت في رمي النبي ﷺ أبيّ بن خلف، قال ابن كثير بعد ذكره للحديث الذي أخرجه الحاكم من طريق الزهري عن ابن المسيب عن أبيه: وهذا القول عن هذين الإمامين غريب أيضًا جدًا، ولعلهما أرادا أن الآية بعمومها تناولته لا أنها نزلت فيه خاصة كما تقدم. انظر: تفسير ابن كثير ٢/ ٢٩٦.
[ ١ / ٣٧٠ ]
المبحث الثامن: في إلقاء النوم على المسلمين يوم أحد
٤٢- أخرج الطبراني في الكبير؛ من طريق ابن شهاب، عن عبد الرحمن بن المسور، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن عوف ﵁ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا﴾ ١، قال: ألقي علينا النوم يوم أحد٢.
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٤) . ٢ معجم الطبراني الكبير ١/ ١٣٥ رقم (٢٨٥)، وفي الأوسط ٤/ ٢٧١ رقم (٤١٧٢) قال الهيثمي في المجمع ٦/ ١١٧، ورواه الطبراني في الأوسط وفيه ضرار بن صرد وهو ضعيف، ونسبه إلى الكبير في ٦/ ٣٢٨، وأخرجه الطبري في التفسير ٧/ ٣١٨ رقم (٨٠٧٩)، وأبو نعيم في دلائل النبوة رقم (٤٢٢) من طريق الزهري. ويشهد له ما أخرجه في الصحيح معلقًا بصيغة الجزم، صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٦٥ رقم (٤٠٦٨)، وموصولًا ٨/ ٢٢٨ رقم (٤٥٦٢)، والترمذي في السنن ٥/ ٢٢٩، رقم (٣٠٠٧، ٣٠٠٨)، والحاكم في المستدرك ٣/ ٣٩٧، وقال الحاكم: "صحيح على شرط مسلم"، وأقره الذهبي، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٥٠٥، والطبري في تفسيره ٧/ ٣١٨ رقم (٨٠٧٦)، ورقم (٨٠٧٧)، ورقم (٨٠٧٨)، والبلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة ١/ ٣٢٧.
[ ١ / ٣٧١ ]
المبحث التاسع: في شهود النساء الغزوات
٤٣- قال البخاري: حدثنا عبدان، أخبرنا يونس، عن ابن شهاب، قال ثعلبة بن أبي مالك: (إن عمر بن الخطاب ﵁ قسم مروطًا١ بين نساء من نساء المدينة، فبقي مرط جيد، فقال له بعض من عنده: يا أمير المؤمنين أعط هذا ابنة رسول الله ﷺ - يريدون أم كلثوم بنت علي٢ - فقال عمر: أم سليط٣ أحق، وأم سليط من نساء الأنصار ممن بايع رسول الله ﷺ، قال عمر: فإنها كانت تزفر٤ لنا القرب يوم أحد.
_________________
(١) ١ المروط: الأكسية، الواحد: مِرْط، يكون من صوف، وربما يكون من خز أو غيره. النهاية ٤/ ٣١٩. ٢ هي: أم كلثوم بنت علي بن أبي طالب ﵁، ولدت قبل وفاة النبي ﷺ تزوجها عمر فأصدقها أربعين ألفًا وأنجبت له زيدًا ورقية، الإصابة ٤/ ٤٩٢. ٣ أم سليط: امرأة من المبايعات، حضرت مع رسول الله ﷺ يوم أحد، قال عمر بن الخطاب: كانت تزفر لنا القرب يوم أحد. الاستيعاب ٤/ ٤٩٢٣ رقم (٣٥٩٥)، وقال الحافظ ابن حجر: قلت: ثبت ذكرها في صحيح البخاري عن عمر كناها عمر بابنها سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة، وهي أم قيس بنت عبيد ذكر ذلك ابن سعد. الإصابة ٤/ ٤٦٠. ٤ تزفر: بفتح أوله وسكون الزاي وكسر الفاء أي تحمل. الفتح ٦/ ٧٩. وأما قول البخاري: (تزفر: تخيط) فقد قال الحافظ: "كذا في رواية المستملي وحده، وتُعقب بأن ذلك لا يعرف في اللغة، وإنما الزفر الحمل، وهو بوزنه ومعناه"، ثم قال الحافظ: "قلت: وقع عند أبي نعيم في المستخرج بعد أن أخرجه من طريق عبد الله ابن وهب عن يونس قال عبد الله: تزفر: تحمل، وقال أبو صالح كاتب الليث: تزفر: تخرز". قال الحافظ: "فلعل هذا مستند البخاري في تفسيره" (الفتح ٦/ ٧٩) .
[ ١ / ٣٧٢ ]
قال أبو عبد الله: تزفر: تخيط١.
٤٤- وقال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس٢، قال: ثنا أحمد بن خالد٣ - يعني الوهبي - ثنا ابن إسحاق، عن أبي جعفر٤ والزهري عن يزيد بن هرمز٥ قال: كتب نجدة الحروري٦ إلى ابن عباس يسأله عن النساء: هل كن يشهدن الحرب مع رسول الله ﷺ؟ وهل كان
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٦/ ٧٩ رقم (٢٨٨١)، ٧/ ٣٦٦ - ٣٦٧ رقم (٤٠٧١) . ٢ هو: محمد بن يحيى بن عبد الله بن خالد بن فارس بن ذؤيب الذهلي، النيسابوري، ثقة، حافظ، جليل، من الحادية عشرة، توفي سنة ثمان وخمسين على الصحيح وله ست وثمانون سنة خ٤، التقريب رقم (٦٣٨٧) . ٣ هو: أحمد بن خالد بن موسى الوهبي الكندي أبو سعيد، صدوق من التاسعة، توفي سنة أربع عشرة. التقريب ٧٩ رقم (٣٠) . ٤ هو: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة، التقريب ٤٩٧ رقم (٦١٥١) . ٥ هو: يزيد بن هرمز المدني، مولى بني ليث، وهو غير يزيد الفارسي على الصحيح وهو والد عبد الله، ثقة، من الثالثة، توفي على رأس المائة، م د ت س. التقريب ٦٠٦. ٦ هو: نجدة بن عامر الحروري من رؤوس الخوارج، قتل سنة سبعين، لسان الميزان ٦/ ١٤٨ رقم (٥٢٠) .
[ ١ / ٣٧٣ ]
يضرب لهنّ بسهم؟
قال: فأنا كتبت كتاب ابن عباس إلى نجدة: قد كن يحضرن الحرب مع رسول الله ﷺ، فأما أن يضرب لهن بسهم فلا، وقد كان يرضخ١ لهن٢.
_________________
(١) ١ الرضخ: العطية القليلة. النهاية ٢/ ٢٢٨. ٢ سنن أبي داود ٣/ ٧٤، وفيه عنعنة ابن إسحاق وهو مدلس، وقد صححه الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٥٢١ رقم (٢٣٦٩)، ويشهد له ما أخرجه مسلم في صحيحه بلفظ مقارب. انظر: صحيح مسلم بشرح النووي ١٢/ ١٩٠. وشهود النساء الغزوات لمداواة الجرحى وسقيهم الماء ثابت في الصحيحين وغيرهما، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٣٦١ رقم (٤٠٦٤) ومسلم بشرح النووي ١٢/ ١٨٧ - ١٨٨، والبيهقي في السنن الكبرى ٩/ ٣٠.
[ ١ / ٣٧٤ ]
المبحث العاشر: في ما لقيه النبي ﷺ يوم أحد
٤٥- أخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري وعن عثمان الجزري عن مقسم أن النبي ﷺ دعا على عتبة بن أبي وقاص يوم أحد حين كسر رباعيته ودمى وجهه فقال: "اللهم لا يحل عليه الحول حتى يموت كافرًا" ١ فما حال عليه الحول حتى مات كافرًا إلى النار.
٤٦- وأخرج٢ عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُم
_________________
(١) ١ تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣١ - ١٣٢، والمصنف ٥/ ٢٩٠ - ٢٩١، ومن طريق عبد الرزاق أخرجها البيهقي في الدلائل ٣/ ٢٦٥، وذكرها الذهبي في تاريخ الإسلام قسم المغازي ١٩٢، وهي رواية مرسلة، وانظر: ابن هشام ٢/ ٧٩، فقد ذكر ابن إسحاق بإسناد متعدد منهم الزهري، إصابة النبي ﷺ رباعيته، وشج وجهه الشريف، وقد أخرج هذه الرواية من طريق ابن إسحاق. الطبري في تفسيره ٧/ ٣٠٨ رقم (٨٠٦٥) وهي مرسلة أيضًا. ولكن يشهد لها ما أخرجه البخاري في صحيحه (مع الفتح ٧/ ٣٧٢ رقم ٤٠٧٥) بلفظ: ( وكُسِرتْ رباعيته يومئذٍ، وجرح وجهه، وكسرت البيضة على رأسه) دون ذكر الدعاء. وأخرجه مسلم (بشرح النوي ١٢/ ١٤٨ - ١٤٩) بلفظ: ( جُرح وجه رسول الله ﷺ وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه ) دون ذكر الدعاء. وانظر: طبقات ابن سعد ٢/ ٤٢. ٢ تفسير عبد الرزاق ١/ ١٣٥ - ١٣٦، والمصنف ٥/ ٣٦٣ - ٣٦٦ رقم (٩٧٣٥) .
[ ١ / ٣٧٥ ]
مِّن بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ﴾ ١ أن النبي ﷺ قال يوم أحد حين غزا أبو سفيان وكفار قريش: "إني رأيت كأني لبست درعًا حصينة، فأولتها المدينة فاجلسوا في صمعكم٢، وقاتلوا من ورائه"، وكانت المدينة قد شبكت البنيان فهي كالحصن، فقال رجل ممن لم يشهد بدرًا: يا رسول الله اخرج بنا إليهم فلنقاتلهم، وقال عبد الله بن أبي بن سلول: نعم ما رأيت يا رسول الله، إنا والله ما نزل بنا عدو قط فخرجنا إليه إلا أصاب فينا، ولا ثبتنا في المدينة وقاتلنا من ورائها إلا هزمنا عدونا، فكلمه ناس من المسلمين فقالوا: يا رسول الله اخرج بنا إليهم فدعا بلأمته فلبسها، ثم قال: (ما أظن الصرعى إلا ستكثر منكم ومنهم، إني أرى في النوم بقرًا منحورة فأقول: بقر والله خير، فقال رجل: يا رسول الله بأبي وأمي فاجلس بنا، قال: "إنه لا ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يلقى البأس".
فانطلقت به الأدلاء بين يديه حتى إذا كان بالواسط من الجَبَّنَةِ انخذل عبد الله بن أبيّ بن سلول بثلث الجيش أو قريب من ثلث الجيش، وانطلق النبي ﷺ حتى لقيهم بأحد وفاجؤوهم، فعهد النبي ﷺ إلى أصحابه إن هزموهم ألا يدخلوا لهم حجرًا ولا يتبعوهم، فلما التقوا هزموهم وعصوا
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٥٢) . ٢ الأصمع: المترقي أشرف المواضع، القاموس ٩٥٣، صمع: فكأنه أراد اجلسوا في أحسن الأماكن ليكمن للعدو فيها.
[ ١ / ٣٧٦ ]
النبي وتنازعوا الغنائم، ثم صرفهم الله ليبتليهم كما قال: وأقبل المشركون، وعلى خيلهم خالد بن الوليد بن المغيرة، فقتل من المسلمين سبعون رجلًا، وأصابتهم جراح شديدة، وكسرت رباعية النبي ﷺ ووثئ١ بعض وجهه حتى صاح الشيطان بأعلى صوته: قتل محمد، قال كعب بن مالك: فكنت أول من عرف النبي ﷺ، عرفت عينيه من تحت المغفر فناديت بصوتي الأعلى: هذا رسول الله، فأشار إليّ أن اسكت، ثم كفَّ الله المشركين والنبي ﷺ وأصحابه وقوف، فنادى أبو سفيان بعدما مُثِّلَ بِبعض أصحاب النبي ﷺ وجدعوا، ومنهم من بقر بطنه، فقال أبو سفيان: إنكم ستجدون في قتلاكم بعض المثل، وإن ذلك لم يكن عن ذوي رأينا ولا ساداتنا، ثم قال أبو سفيان: أُعل هبل، فقال عمر بن الخطاب: الله أعلى وأجل، فقال أبو سفيان: أَنعمت فعال عنها٢، قتلى بقتلى بدر، فقال عمر: لا يستوي القتل؛ قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، قال أبو سفيان: لقد خبنا إذن، ثم انصرفوا راجعين، وندب النبي ﷺ أصحابه في طلبهم بعدما أصابهم القرح، فطلبوهم حتى بلغوا قريبًا من حمراء الأسد ثم رجع النبي ﷺ.
٤٧- وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: ضرب وجه
_________________
(١) ١ الوثء: والوثاءة: وصم يصيب اللحم لا يبلغ، أو توجع في العظم بلا كسر، أو هو الفك. القاموس ٦٩ (وثا) . ٢ في المصنف: (أنعمت عينًا) .
[ ١ / ٣٧٧ ]
النبي ﷺ يومئذ بالسيف سبعين ضربة وقاه الله شرها كلها١.
_________________
(١) ١ ذكره الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٧٢، ثم قال: وهذا مرسل قوي، ويحتمل أن يكون أراد بالسبعين حقيقتها أو المبالغة في الكثرة. وقد ورد هذا النص في المصنف هكذا: (ولقد أخبرنا عبد الرزاق أن وجه رسول الله ﷺ ضرب يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله شرها) . المصنف ٥/ ٣٦٧ تحت رقم (٩٧٣٦) .
[ ١ / ٣٧٨ ]
المبحث الحادي عشر: في مقتل حمزة ﵁.
٤٨- قال الواقدي١: فحدثني عبد الله بن جعفر٢ عن ابن أبي عون٣ عن الزهري عن عروة، قال: حدثنا عبيد الله بن عدي بن الخيار٤، قال: غزونا الشام في زمن عثمان بن عفان ﵁ فمررنا بحمص بعد العصر، فقلنا: وحشي، فقالوا: لا تقدرون عليه، هو الآن يشرب الخمر٥ حتى يصبح، فبتنا من أجله٦ وإنا لثمانون رجلًا، فلما صلينا الصبح جئنا إلى منزله فإذا شيخ كبير قد طرحت له زِرْبيّة٧ قدر
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ١/٢٨٧، والواقدي متروك، ولكن أصل الحديث في البخاري، حديث رقم (٤٠٧٢)، ولكن ليس فيه شرب الخمر. ٢ هو عبد الله بن جعفر بن عبد الرحمن بن المسور بن مخرمة، أبو محمد المدني، ليس به بأس، من الثامنة، توفي سنة سبعين، وله بضع وسبعون، خت، م ٤، التقريب ٢٩٨. ٣ هو عبد الواحد بن أبي عون المدني، صدوق يخطئ، من السابعة، توفي سنة أربع وأربعين، خت، ق، التقريب ٣٦٧. ٤ هو: عبيد الله بالتصغير بن عدي بن الخيار القرشي النوفلي، ولد على عهد النبي ﷺ وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من التابعين. الإصابة ٣/٧٤. ٥ ذكر ابن سعد في الطبقات ٧/٤١٩، بإسناد منقطع أنه أول من ضرب في الخمر بحمص، أما رواية البخاري فلم تذكر ذلك. انظر: البخاري حديث رقم: (٤٠٧٢) ٦ لم تذكر رواية البخاري أنهم باتوا. ٧ الزربية: الطِّننِفَسة، وقيل: البساط ذو الخمل، وتكسر زايها وتفتح وتضمّ، وجمعها زرابيّ. النهاية ٢/٣٠٠.
[ ١ / ٣٧٩ ]
مجلسه، فقلنا له: أخبرنا عن قتل حمزة، وعن مسيلمة، فكره ذلك وأعرض عنه، فقلنا له: ما بتنا هذه الليلة إلا من أجلك، فقال: إني كنت عبدًا لجبير ابن مطعم بن عديّ، فلما خرج الناس إلى أُحُد دعاني، فقال: قد رأيت مقتل طعيمة بن عديّ، قتله حمزة بن عبد المطلب يوم بدر، فلم تزل نساؤنا في حزن شديد إلى يومنا هذا، فإن قتلتَ حمزةَ فأنتَ حرٌّ، قال: فخرجت مع الناس ولي مزاريق١، وكنتُ أمرّ بِهند بنت عتبة فتقول: إيه أبا دَسْمة٢، اشف واشتفِ، فلما وردنا أُحُدًا نظرت إلى حمزة يقدم الناس يهدّهم هدًّا، فرآني وأنا قد كمنتُ٣ له تحت شجرةٍ فأقبل نحوي، ويعترض له سباع الخزاعي، فأقبل إليه، فقال: وأنت أيضًا يا ابن مقطعة البظور٤ ممن يكثر علينا هلمّ إليّ، قال: وأقبل حمزة فاحتمله حتى رأيت بَرَقان٥ رجليه، ثم ضرب به الأرض ثم قتله، وأقبل نحوي سريعًا حتى يعترض له جرف فيقع فيه، وأزرقه بمزراقي فيقع في ثنته٦ حتى خرج من بين رجليه فقتله، وأَمُرُّ بهند بنت عتبة فأعطتني حليها وثيابها، وأما
_________________
(١) ١ المزراق الرمح القصير. القاموس: زرق. ٢ إيه أبا دسمة، الدّسِم الأسود الدنيء. النهاية ٢/١١٨. ٣ كمنت له: أي استترت واستخفيت. النهاية ٤/٢٠١. ٤ البظْر: - بفتح الباء - الهنة التي تقطعها الخافضة من فرج المرأة عند الختان. النهاية ١/١٣٨. ٥ برقان رجليه: أي لمعانها. النهاية ١/١٢٠. ٦ الثُّنَّة: ما بين السرة والعانة من أسفل البطن. النهاية ١/٢٢٤.
[ ١ / ٣٨٠ ]
مسيلمة، فإنا دخلنا حديقة الموت، فلما رأيته زرقته بالمزراق وضربه رجل من الأنصار١ بالسيف، فربك أعلم أينا قتله، إلا أني سمعت امرأة تصيح فوق الدَّير قتله العبد الحبشيّ.
قال عبيد الله: فقلت: أتعرفني؟ قال: فأكرّ بصره عليّ، وقال: ابن عدي، ولعاتكة بنت أبي العيص؟ قال: قلت: نعم. قال: أما والله ما لي بك عهد بعد أن رفعتك إلى أمك في مِحَفَّتها٢ التي ترضعك فيها.
ونظرت إلى برقان قدميك حتى كان الآن، وكان في ساقي هند خدمتان من جزع٣ ظفار، ومسكتان من ورِق، وخواتم من ورِق، كنّ في أصابع رجليها فأعطتني ذلك.
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن زيد بن عاصم المازني، وقيل: غيره. والأول أشهر. انظر: فتح الباري ٧/٣٧٠. ٢ المحفة: - بالكسر -: مركب النساء كالهودج. القاموس: حفف. ٣ سيأتي التعريف بها في غزوة بني المصطلق.
[ ١ / ٣٨١ ]
المبحث الثاني عشر: في تسمية من استشهد بأحد من طريق الزهري١.
١- أنيس بن قتادة الأنصاري٢.
٢- أوس بن أرقم٣.
٣- إياس بن أوس الأنصاري٤.
٤- ثابت بن الدحداحة٥.
٥- ثعلبة بن ساعدة بن مالك بن خالد بن ثعلبة الخزرجي الأنصاري٦.
٦- ثعلبة بن سعد بن مالك من بني ساعدة٧.
٧- الحارث بن أوس بن رافع الأنصاري٨.
_________________
(١) ١ ما كان في هذه القائمة معزوًا إلى الطبراني فهو من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، وما كان معزوًا لغيره فقد جاء ذكره عرضًا كقولهم: ذكره الزهري فيمن استشهد بأحدٍ. ٢ الطبراني في الكبير ١/٢٦٨-٢٦٩ رقم (٧٧٧) ومجمع الزوائد ٦/١٢٣. ٣ الطبراني في الكبير ١/٢٣٠ رقم (٦٣٠) ومجمع الزوائد ٦/١٢٣. ٤ الطبراني في الكبير ١/٢٧٥ رقم (٨٠٢) ومجمع الزوائد ٦/١٢٣. ٥ السنن الكبرى للبيهقي ٦/٢١٦. ٦ أسد الغابة رقم (٥٩٩) . ٧ الطبراني في الكبير ٢/٨٨ رقم (١٣٩٣) والمجمع ٦/١٢٣. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٢٣.
[ ١ / ٣٨٢ ]
٨- الحباب بن قيظي١.
٩- حنظلة بن أبي عامر بن الراهب الأنصاري ثم الأوسيّ٢.
١٠- ذكوان بن عبد قيس الأنصاري٣.
١١- رفاعة بن عمرو بن زيد بن عمرو بن ثعلبة، عقبيٌّ، بدريٌّ٤.
١٢- زيد بن وديعة بن عمرو بن قيس الأنصاري الخزرجي٥.
١٣- سعد بن أبي قيس بن أبي بن كعب بن القين الأنصاري٦.
١٤- سعد بن الربيع٧.
١٥- سعد بن سويد الأنصاري الخزرجي٨.
١٦- سعد بن سهيل، من بني دينار، وقيل: من بني خنساء٩.
١٧- عبد الله بن عمرو بن حرام بن ثعلبة والد جابر١٠.
_________________
(١) ١ أسد الغابة، رقم (١٠٢٢) . ٢ الطبراني في الكبير ٤م١٠ رقم (٣٤٨٧) والمجمع ٦/١٢٣. ٣ الطبراني في الكبير ٤/٢٣٣ رقم (٤٢٢١) والمجمع ٦/١٢٣. ٤ الطبراني في الكبير ٥/٤٨-٤٩، وأسد الغابة رقم (١٦٩٥)، ومجمع الزوائد ٦/١٢٣. ٥ أسد الغابة رقم (١٨٧٨) . ٦ مجمع الزوائد ٦/١٢٤. ٧ مستدرك الحاكم ٣/٦٠٧، ومجمع الزوائد ٦/١٢٤. ٨ الطبراني في الكبير ٦/٤٨ رقم (٥٤٧٢)، وأسد الغابة ٢/٣٥٤، ومجمع الزوائد ٦/١٢٤. ٩ أسد الغابة ٢/٣٥٤ رقم (٢٠٠٨) . ١٠ صحيح البخاري مع الفتح ٥/٥٩، ودلائل النبوة للفريابي ٨٤ رقم (٤٩)،والحلية لأبي نعيم ٢/٤ رقم (٨٩)، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٦٤، ومجمع الزوائد ٦/١٢٤.
[ ١ / ٣٨٣ ]
١٨- عبد الله بن عمرو الدوسيّ١.
١٩- عبد الله بن عمرو بن وهب ثعلبة بن الخزرجي الأنصاري٢.
٢٠- عمارة بن مخلد بن الحارث٣.
٢١- عمرو بن مطرف بن علقمة الأنصاري٤.
٢٢- عمرو بن معاذ بن النعمان امرؤ القيس٥.
٢٣- مخيريق النضري الإسرائيلي، من بني النضير، ويقال: إنه من بني قينقاع٦.
_________________
(١) ١ الإصابة رقم (٤٨٦٠) . ٢ أسد الغابة ٣/٣٥٤ رقم (٣٠٩٦) والإصابة رقم (٤٨٥٧) . ٣ أسد الغابة ٤/ ١٤٣ رقم (٣٨١٨) . ٤ أسد الغابة ٤/٢٧١ رقم (٤٠٢٢) . ٥ الإصابة ٣/١٧. ٦ الإصابة ٣/٣٩٣. هؤلاء الذين نصّ الزهري على استشهادهم في أحد، ومعلوم أنه قد ثبت أن الذين استشهدوا في أُحُد كانوا سبعين كما تقدم.
[ ١ / ٣٨٤ ]
المبحث الثالث عشر: في كيفية دفن شهداء أحد وعدم الصلاة عليهم
المبحث الثالث عشر: كيفية دفن شهداء أحد وعدم الصلاة عليهم
٤٩- أخرج البخاري في صحيحه من حديث ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن جابر بن عبد الله ﵄: "أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد، ثم يقول: أيهم أكثر أخذًا للقرآن؟ فإذا أشير إلى أحدهما قدمه في اللحد، قال: أنا شهيد على هؤلاء، وأمر بدفنهم بدمائهم، ولم يصلّ عليهم، ولم يغسلهم"١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٣/٢١٢، و٣/٢٠٩ رقم (١٣٤٣) و٣/٢١١ رقم (١٣٤٥) و٣/٢١٧ رقم (١٣٥٣)، و٧/٣٧٤ رقم (٤٠٧٩)، وسنن أبي داود رقم (٣١٣٨، ٣١٣٩) والترمذي رقم (١٠٣٦) والنسائي ٤/٦٢، وابن ماجه رقم (١٥١٤) ومنتقى ابن الجارود (انظر: غوث المكدود رقم ٥٥٢)، والطبقات الكبرى ٣/٥٦٢، وعبد الرزاق في المصنف ٥/٢٧٢، وابن أبي شيبة في مصنفه ١٢/٢٩٠ رقم (١٢٨٦١) والبيهقي في السنن الكبرى ٤/٣٤،،في معرفة السنن والآثار ٥/٢٥١ –٢٥٢ رقم (٧٤١٨)، والطحاوي في شرح معاني الآثار ٣/٥٠١) ومسند ابن الجعد رقم (١٦٣٨)، والبغوي في شرح السنة ٥/ ٣٦٥ رقم (١٥٠٠) . وقد أخرج أبو داود في سننه ٣/١٩٦ عن أسامة بن زيد الليثي عن الزهري عن أنس ﵁: "أن النبي ﷺ مرّ بحمزة، وقد مثِّل به، ولم يصلِّ على أحد من الشهداء غيره". ولكن العلماء رجحوا رواية الليث عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب عن جابر، وقالوا: بأن أسامة غلط فيه، انظر: نيل الأوطار للشوكاني ٤/٧٨. والحق أن ما في الصحيح مقدم على غيره.
[ ١ / ٣٨٥ ]
المبحث الرابع عشر: غزوة بدر الآخرة
٥٠- قال البيهقي١: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل، قال: أخبرنا ابن عتاب٣ العبدي، قال: حدثنا القاسم٤ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا إسماعيل٥ بن أبي أويس، قال: حدثنا إسماعيل٦ بن إبراهيم
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٣٨٤، بسند حسن إلى الزهري، وكذلك ذكرها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢١٠) إلا أنه جعلها سنة أربع وبسياق مختلف، أما الواقدي فقد جعلها في ذي القعدة على رأس خمس وأربعين شهرًا، المغازي ١/ ٣٨٤، وتبع الواقدي في ذلك ابن سعد كما في الطبقات الكبرى ٢/ ٥٩. قال ابن كثير: "قال الواقدي: خرج رسول الله ﷺ إليها في ألف وخمسمائة من أصحابه واستخلف على المدينة عبد الله بن رواحة، وكان خروجه إليها في مستهل ذي القعدة يعني سنة أربع، والصحيح قول ابن إسحاق أن ذلك في شعبان من هذه السنة الرابعة، ووافق قول موسى بن عقبة أنها في شعبان، لكن قال في سنة ثلاث وهذا وهم فإن هذه تواعدوا إليها من أحد وكانت أُحد في شوال سنة ثلاث، والله أعلم". البداية والنهاية ٤/ ٨٩. وهو كما قال ﵀: والدليل على ذلك أن ابن شهاب الزهري قد ذكر غزوة بدر الآخرة عن عروة بن الزبير أنها كانت في شعبان سنة أربع. انظر: تاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ٢٤٩ - ٢٥١. ٢ ثقة تقدم في الرواية رقم [٧] . ٣ ثقة تقدم في الرواية رقم [٧] . ٤ ثقة تقدم في الرواية رقم [٧] . ٥ صدوق تقدم في الرواية رقم [٧] . ٦ هو: إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي مولاهم أبو إسحاق المدني، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابقين، مات في خلافة المهدي، خ تم س، التقريب ١٠٥٠.
[ ١ / ٣٨٦ ]
ابن عقبة (ح) وأخبرنا أبو عبد الله١ الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل٢ الشعراني، قال: حدثني جدي٣، قال: حدثنا إبراهيم٤ بن المنذر عن إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب - وهذا لفظ حديث إسماعيل، عن عمه موسى - قال: ثم إن رسول الله ﷺ استنفر المسلمين لموعد أبي سفيان بدرًا، وكان أهلًا للصدق والوفاء ﷺ، فاحتمل الشيطان أولياءه من الناس، فمشوا في الناس يخوفونهم وقالوا: قد أخبرنا وأنتم أن قد جمعوا لكم مثل الليل من الناس يرجون أن يوافقوكم فينتهبوكم فالحذر الحذر لا تغدوا، فعصم الله المسلمين من تخويف الشيطان، فاستجابوا لله ورسوله وخرجوا ببضائع لهم، وقالوا: إن لقينا أبا سفيان فهو الذي خرجنا له، وإن لم نلقه ابتعنا ببضائعنا، وكان بدر متجرًا يوافى٥ كل عام، فانطلقوا حتى أتوا موسم بدر، فقضوا منه حاجتهم، وأخلف أبو سفيان الموعد، فلم يخرج هو ولا أصحابه، وأقبل رجل من
_________________
(١) ١ ثقة تقدم في الرواية رقم [١] . ٢ ثقة تقدم في الرواية رقم [١] . ٣ ثقة تقدم في الرواية رقم [١] . ٤ صدوق تقدم في الرواية رقم [١] . ٥ يوافي: أي يأتونه كل عام. لسان العرب ٣/ ٩٦٠.
[ ١ / ٣٨٧ ]
بني ضمرة١ بينه وبين المسلمين حلف فقال: والله إن كنا لقد أُخبرنا أنه لم يبق منكم أحد فما أعملكم إلى أهل هذا الموسم؟ فقال رسول الله ﷺ وهو يريد أن يبلغ ذلك عدوه من قريش: أعملنا إليه موعد أبي سفيان وأصحابه وقتالهم، وإن شئت مع ذلك نبذنا إليك وإلى قومك حلفكم ثم جالدناكم قبل أن نبرح منزلنا هذا. فقال الضمري: معاذ الله بل نكف أيدينا عنكم ونمسك بحلفكم، وزعموا أنه مر عليهم ابن حُمام٢ فقال: من هؤلاء؟ فقالوا: رسول الله وأصحابه ينتظرون أبا سفيان ومَن معه من قريش، فخرج يرتجز:
تهوى على دين أبيها الأتلد٣ إذ نفرت من رفقتي محمد
وعجوة موضوعة كالجلمدِ إذ جعلتْ ماء قديد موعد
وصبحت مياهها ضحى الغدِ
فذكروا أن ابن الحمام قدم على قريش فقال: هذا محمد وأصحابه ينتظرونكم لموعدكم، قال أبو سفيان: قد والله صدق، فنفروا وجمعوا
_________________
(١) ١ هو: مخشي بن عمرو الضمري، كما في سيرة ابن هشام ٢/ ٢١٠، ولم أجد لمخشي هذا ترجمة في الاستيعاب لابن عبد البر ولا في الإصابة. ٢ لم أجد له ترجمة. وفي الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٦٠) أن الذي قدم على قريش معبد بن أبي معبد الخزاعي. ٣ التالد: القديم، لسان العرب ١/ ٣٢٥.الجلمد والجلمود: الصخر. لسان العرب ١/ ٤٩٠.
[ ١ / ٣٨٨ ]
الأموال، فمن نشط منهم قووه، ولم يقبل من حد منهم دون أوقية، ثم سار حتى أقام بمَجَنَّة١ من عُسْفَان٢ ما شاء الله أن يقيم، ثم ائتمر هو وأصحابه، فقال أبو سفيان: ما يصلحكم إلا عام خصب ترعون فيه السّمر وتشربون من اللبن، ثم رجع إلى مكة، وانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة بنعمة من الله وفضل، فكانت تلك الغزوة تدعى غزوة جيش السَّويْق٣، وكانت في شعبان سنة ثلاث.
_________________
(١) ١ مَجَنَّة: بالفتح وتشديد النون، قال الحموي: كانت مجنة بمر الظهران قرب جبل يقال له الأصغر، وهو بأسفل مكة على قدر بريد منها، معجم البلدان ٥/ ٥٨ـ٥٩، ومرّ الظهران/ وادٍ شمال مكة ويبعد عنها (٢٢) كيلًا، انظر: معجم المعالم الجغرافية للبلادي ٢٨٨. ٢ عُسْفَان: بضم العين وسكون السين، وفاء وألف، وآخره نون: وهي بلدة على (٨٠) كيلًا من مكة شمالًا. انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٠٨. ٣ المراد بجيش السويق: جيش أبي سفيان، لأن أبا سفيان لما رجع بجيشه سماهم أهل مكة جيش السويق، يقولون: إنما خرجتم تشربون السويق. انظر: ابن هشام ٢/ ٢١٠. وقد تقدم أن أبا سفيان خرج بعد وقعة بدر حتى دخل المدينة فحرق بعض نخيلها، ثم هرب، وخرج الرسول ﷺ في طلبه، ولكن أبا سفيان فاته بعد أن طرح ما معهم من الطعام ليتخففوا منها، فسميت تلك الغزوة غزوة السويق. انظر: المبحث السابع عشر: غزوة السويق. وابن هشام (٢/ ٤٥)، وهذه غير تلك.
[ ١ / ٣٨٩ ]
الفصل الرابع: في الأحداث التي وقعت بعد غزوة أحد حتى بداية غزوة بني المصطلق
المبحث الأول: في غزوة بن سليم ببحران بناحية الفرع
المبحث الأول: في غزوة بن سُليم ببُحْران بناحية الفُرُع
٥١- قال الواقدي حدثني معمر بن راشد، عن الزهري قال: لما بلغ رسول الله ﷺ أن جمعًا من بني سُليم كثيرًا ببحران١، تهيأ رسول الله ﷺ لذلك ولم يظهر وجهًا فخرج٢ في ثلاث مائة رجل من أصحابه فأغذوا السير حتى إذا كانوا دون بحران بليلة لقي رجلًا من سُليم فاستخبروه عن القوم وعن جمعهم، فأخبره أنهم قد افترقوا أمس ورجعوا إلى مائهم، فأمر به رسول الله ﷺ فحبس مع رجل من القوم ثم سار النبي ﷺ حتى ورد بحران وليس به أحد، وأقام أيامًا ثم رجع ولم يلق كيدًا، وأرسل رسول الله ﷺ الرجل وكانت غيبته عشر ليال٣.
_________________
(١) ١ بحران: جبل يضرب إلى الخضرة والسمرة، بين وادي حَجرْ المعروف قديمًا بالسائرة، ومَرّ عُنيب المعروف اليوم بمر، ووادي رابغ، يقع بحران عند التقائهما، يفترقان عنه شرق مدينة رابغ على (٩٠) كيلًا، وهو في ديار زُبيد من حرب، معجم المعالم الجغرافية (ص ٤٠) . ٢ كان خروجه لليالٍ خلون من جمادى الأولى على رأس سبعة وعشرين شهرًا، مغازي الواقدي ١/ ١٩٦. وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٣٥ دون إسناد. ٣ مغازي الواقدي ١/ ١٩٦- ١٩٧، وقد ذكرها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٤٦) بدون إسناد وفيها اختصار شديد، وذكرها أيضًا ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٣٥- ٣٦) بدون إسناد.
[ ١ / ٣٩٣ ]
المبحث الثاني: في مقتل كعب بن الأشرف
٥٢- قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس١، أن الحكم ابن نافع٢ حدثهم قال: أخبرنا شعيب٣، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن عبد الله بن كعب بن مالك عن أبيه، وكان أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، وكان كعب بن الأشرف٤ يهجو النبي ﷺ ويحرض عليه كفار قريش، وكان النبي ﷺ حين قدم المدينة وأهلها أخلاط منهم المسلمون ومنهم المشركون؛ يعبدون الأوثان، واليهود؛ وكانوا يؤذون النبي ﷺ
_________________
(١) ١ قد ذكر ابن إسحاق أن مقتل كعب بن الأشرف كان قبل أحد. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٧٣، وذكر الواقدي أن قتله كان على رأس خمسة وعشرين شهرًا في ربيع الأول، المغازي ١/ ١٨٤، وذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣١، أن مقتله كان لأربع عشرة ليلة مضت من شهر ربيع الأول على رأس خمسة وعشرين شهرًا من مهاجر رسول الله ﷺ. ٢ هو: الحكم بن نافع البهراني بفتح الموحدة، أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، يقال: إن أكثر حديثه عن شعيب ، من العاشرة، توفي سنة اثنتين وعشرين، ع، التقريب ١٧٦ رقم (١٤٦٤) . ٣ شعيب بن أبي حمزة الأموي مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، توفي سنة اثنتين وستين أو بعدها، ع، التقريب ٢٦٧ رقم (٢٧٩٨) . ٤ هو: كعب بن الأشرف، من بني طيء، ثم أحد بني نبهان، ولكن أمه من بني النضير، البداية ٤/ ٥.
[ ١ / ٣٩٤ ]
وأصحابه: فأمر الله عزوجل نبيه بالصبر والعفو، ففيهم أنزل الله: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ ١ الآية، فلما أبى كعب بن الأشرف أن ينزع عن أذى النبي ﷺ أمر النبي ﷺ سعد بن معاذ أن يبعث رهطًا يقتلونه، فبعث محمد بن مسلمة ٢، وذكر قصة قتله٣، فلما قتلوه فزعت اليهود والمشركون فغدوا على النبي ﷺ فقالوا: طُرِق٤ صاحبنا فقتل، فذكر لهم النبي ﷺ الذي كان يقول، ودعاهم النبي ﷺ إلى أن يكتب بينه وبينهم كتابًا ينتهون إلى ما فيه، فكتب النبي ﷺ بينه وبينهم وبين المسلمين عامة صحيفة٥.
_________________
(١) ١ سورة البقرة آية (٣٣) . ٢ محمد بن مسلمة بن خالد بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الحارثي، أبو عبد الرحمن المدني حليف بني عبد الأشهل، ولد قبل البعثة باثنتين وعشرين سنة في قول الواقدي وهو ممن سمي في الجاهلية محمدًا، شهد بدرًا وما بعدها إلا تبوك. الإصابة ٣/ ٣٨٣. ٣ ستأتي قصة قتله في الرواية الآتية رقم (٥٣) . ٤ طرق: أي جاؤوه ليلًا، وكل آت بالليل طارق. النهاية ٣/ ١٢١. ٥ سنن أبي داود ٣/ ١٥٤ رقم (٣٠٠) وقد قال عنه الألباني في صحيح أبي داود ٢/٥٨١- ٥٨٢، صحيح الإسناد، ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي في الدلائل ٣/ ١٩٨، وأخرجه أيضًا من طريق عبد الكريم بن الهيثم قال: حدثنا أبو اليمان قال: حدثنا شعيب عن الزهري فذكره بلفظ أتم مما عند أبي داود، ولكنه مرسل وسيأتي. انظر: دلائل النبوة ٣/ ١٩٦- ١٩٨، والسنن الكبرى ٩/ ١٨٣،
[ ١ / ٣٩٥ ]
_________________
(١) وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ١٦١، قال الحافظ ابن حجر في الفتح ٧/ ٣٣٧، وروى أبو داود والترمذي من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن عبد الله ابن كعب بن مالك عن أبيه: (أن كعب بن الأشرف ) فذكر طرفًا منه. يرجح الدكتور أكرم العمري في السيرة النبوية الصحيحة (١/ ٢٧٦- ٢٧٧) أن الوثيقة في الأصل وثيقتان، ثم جمع المؤرخون بينهما، إحداهما تتناول موادعة الرسول ﷺ لليهود، والثانية توضح التزامات المسلمين من مهاجرين وأنصار، وحقوقهم وواجباتهم، ثم ذكر ان الراجح عنده أن وثيقة اليهود كتبت قبل موقعة بدر الكبرى، وقد استند في ترجيحه هذا إلى روايات ذكرها أبو عبيد في الأموال (رقم ٥١٨) والبلاذري في أنساب الأشراف (١/ ٢٨٦)، أما طلب اليهود من النبي ﷺ بعد مقتل ابن الأشرف أن يكتب لهم صحيفة كما في رواية أبي داود الصحيحة فإنه لا مانع بعد مقتل كعب أن تعاد كتابة الصحيفة تأكيدًا أو تجديدًا لتعود الطمأنينة إلى النفوس بعد هذه الحادثة التي أرعبت يهود والمشركين. ويذكر الدكتور العمري أن الوثيقة بين المهاجرين والأنصار قد كتبت بعد وثيقة موادعة يهود. المصدر السابق. ورواية أبي داود هذه أصح من تلك الروايات التي تدل على أن وثيقة موادعة يهود كانت قبل بدر، لكن لا بد من التوفيق الذي ذكره العمري؛ لأن بني قينقاع قد أجلوا قبل حادثة مقتل كعب بن الأشرف، وقد كان سبب إجلائهم كما ذكر ابن إسحاق أنهم أول يهود نقضوا ما بينهم ما بين رسول الله ﷺ، وحاربوا فيما بين بدر وأُحد. انظر: ابن هشام (٢/ ٤٧) .
[ ١ / ٣٩٦ ]
٥٣- وقال ابن شبة١: قال الحزامي٢، حدثنا ابن وهب، عن حيوة بن شريح٣ وابن لهيعة٤، عن عُقيل بن خالد، عن ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعرًا، وكان يهجو رسول الله ﷺ وأصحابه،
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة لابن شبة ٢/٤٥٩، بسند صحيح إلى عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير ١٩/ ٧٦ رقم (١٥٤) . وأخرج عبد الرزاق عن معمر عن الزهري في قوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا﴾ قال: هو كعب بن الأشرف، ثم ذكر قصة مقتله بألفاظ مقاربة لما عند ابن شبة، انظر: تفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، وأخرج الواقدي عن الزهري، عن كعب بن مالك، فذكر نحوه، المغازي (١/ ١٨٤)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات ٢/ ٣٣، من طريق الزهري مختصرًا، ومن طريق ابن سعد ذكره ابن سيد الناس في عيون الأثر ١/ ٤٥٢. ٢ هو إبراهيم بن المنذر، تقدم في الرواية رقم (١) . ٣ حيوة بن شريح، بفتح أوله وسكون التحتانية، وفتح الواو، بن صفوان التجيبي، أبو زرعة المصري، ثقة ثبت فقيه زاهد، من السابعة، مات سنة ثمان وقيل تسع وخمسين، ع، التقريب ١٨٥، رقم (١٦٠٠) . ٤ هو عبد الله بن لهيعة بفتح اللام وكسر الهاء ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن المصري القاضي، صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون، مات سنة أربع وسبعين، وقد ناف على الثمانين، م د ت ق، التقريب ٣١٩ رقم (٣٥٦٣) .
[ ١ / ٣٩٧ ]
ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، وكان النبي ﷺ قدم المدينة وهي أخلاط: منهم المسلمون الذين تجمعهم دعوة رسول الله ﷺ ومنهم المشركون الذين يعبدون الأوثان، ومنهم اليهود أهل الحلقة، والحصون، وهم حلفاء الحيّين الأوس والخزرج، فأراد رسول الله ﷺ حين قدم استصلاحهم وموادعتهم، وكان الرجل يكون مسلمًا وأبوه مشركًا، والرجل يكون مسلمًا وأخوه مشركًا، وكان المشركون واليهود من أهل المدينة حين قدم رسول الله ﷺ يؤذونه أشد الأذى، فأمر الله نبيه والمسلمين بالصبر على ذلك والعفو عنهم، وفيهم أنزل ﵎: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ﴾ ١ وفيهم أنزل الله: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ٢ فلما أبى كعب أن ينزع عن أذى رسول الله ﷺ وأذى المسلمين أمر رسول الله ﷺ سعد بن معاذ في خمسة٣ رهط، فأتوه عشية في مجلسه
_________________
(١) ١ سورة آل عمران آية (١٨٦) . ٢ سورة البقرة آية (١٠٩) . ٣ ذكر الطبراني في روايته أربعة هم: ١- سعد بن معاذ، ٢- محمد بن مسلمة، ٣- وأبو عيسى بن حبر الأنصاري، ٤- والحارث بن أخي سعد بن معاذ. معجم الطبراني الكبير ١٩/ ٧٧ رقم (١٥٤) .
[ ١ / ٣٩٨ ]
بالعوالي١، فلما رآهم كعب أنكر شأنهم، وكاد يذعر منهم، فقال لهم: ما جاء بكم؟
قالوا: بنا حاجة إليك.
قال: فليدن إلي بعضكم فليحدثني بها، فدنا إليه بعضهم، فقال: جئناك لنبيعك أدراعًا لنا نستعين بأثمانها.
فقال لهم: والله لئن فعلتم ذلك لقد جهدتم ثم جهدتم منذ نزل بكم هذا الرجل، ثم واعدهم أن يأتوه عشاءً حين يهدأ عنه الناس، فجاؤوه فناداه رجل منهم، فقام ليخرج إليهم، فقالت له امرأته: ما طرقوك ساعتهم هذه لشيء مما تحب.
قال: بلى، إنهم قد حدثوني حديثهم، فخرج إليهم، فاعتنقه محمد بن مسلمة٢، وقال لأصحابه: لا تستنكروا إن قتلتموني وإياه جميعًا، قال: وطعنه بعضهم بالسيف في خاصرته، فلما قتلوه فزعت اليهود ومن كان
_________________
(١) ١ المقصود بالعوالي: عالية المدينة، وهي ما كان في الجهة الجنوبية من المدينة وأدناها إلى المسجد النبوي يبعد ميلًا، انظر: وفاء الوفاء للسمهودي ٤/ ١٢٦٠- ١٢٦٢، ويطلق على تلك الجهات (العوالي) إلى يومنا هذا، انظر: معجم المعالم الجغرافية ١٩٧. ٢ محمد بن مسلمة، تقدم التعريف به في الرواية رقم (٥٠)
[ ١ / ٣٩٩ ]
معهم من المشركين، فغدوا على رسول الله ﷺ حين أصبحوا، فقالوا: قد طُرق صاحبنا الليلة، وهو سيد من ساداتنا فقتل غيلة١، فذكر لهم رسول الله ﷺ الذي كان يقوله في أشعاره ويؤذيهم به، ودعاهم إلى أن تكتب بينهم وبين المسلمين صحيفة فيها جماع أمر الناس، فكتبها ﷺ.
٥٤- وأخرج ابن شبّ َة من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: كان كعب ابن الأشرف اليهودي أحد بني النضير قد آذى رسول الله ﷺ بالهجاء، وفد على قريش فاستعان بهم عليه، فقال أبو سفيان بن حرب: أناشدك، أديننا أحب إلى الله أم دين محمد وأصحابه، وأننا أهدى في رأيك وأقرب إلى الحق فإنا نطعم الجزور الكوماء٢، ونسقي اللبن ونطعم ما هبت الشمال.
قال: أنتم أهدى سبيلًا، ثم خرج مقبلًا قد أجمع رأي المشركين على قتال رسول الله ﷺ معلنًا بعداوته وهجائه، فقال رسول الله ﷺ: من لنا من ابن الأشرف؟ قد استعلن بعداوتنا وهجائنا وقد خرج إلى قريش فأجمعهم على قتالنا، وقد أخبرني الله بذلك، ثم قدم على أخبث ما كان ينتظر قريشًا أن تقدم فينا طبائعهم٣، ثم قرأ النبي ﷺ على المسلمين ما
_________________
(١) ١ غيلة: أي خفية واغتيال: وهو أن يخدع ويقتل في موضع لا يراه فيه أحد، النهاية ٣/ ٤٠٣. ٢ الجزور الكوماء: أي مشرفة السنام عاليته. النهاية ٤/ ٢١١. ٣ هكذا في المطبوع من تاريخ ابن شبة ٢/ ٤٥٥، والصواب: [أن يقدم فيقاتلنا معهم] . كما في مغازي موسى بن عقبة، جمع ودراسة وتخريج: محمد باقشيش أبو مالك، ص: ١٨١.
[ ١ / ٤٠٠ ]
أنزل الله فيه أن كذلك، والله أعلم، قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا﴾ ١ وآيات معها فيه وفي قريش٢.
_________________
(١) ١ سورة النساء آية (٥١) . ٢ تاريخ المدينة ٢/ ٤٥٤- ٤٥٥، وهو مرسل. وقصة مقتل كعب بن الأشرف ذكرها البخاري في صحيحه، انظر: الفتح ٧/ ٣٣٦ رقم (٤٠٣٧)، ومسلم رقم (١٨٠١)، وأبو داود كما مر رقم (٣٠٠٠)، وابن هشام في السيرة ٢/ ٥١، والواقدي في مغازيه ١/ ١٨٤، وابن سعد ٢/ ٣٣، والمعجم الكبير للطبراني ١٩/ ٧٦ رقم (١٥٤)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ١٨٧، وفي السنن له ٩/ ٨١- ٨٢ كما مر، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٤٢، وتفسير الطبري ٨/ ٤٦٦ الأثر رقم (٩٧٨٦) فما بعده، وتاريخه ٢/ ٤٩٥، وعيون الأثر لابن سيد الناس ١/ ١٤٢، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ١٦١.
[ ١ / ٤٠١ ]
المبحث الثالث: في سرية مقتل ابن أبي الحُقيق
٥٥- عبد الرزاق١ عن معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق (٥/ ٤٠٧) رقم ٩٧٤٧. وقد اختلف المؤرخون في تحديد السنة التي وقعت فيها هذه السرية، فذكر البخاري عن الزهري معلقًا قال: وقال الزهري: هو بعد كعب بن الأشرف، الصحيح مع الفتح (٧/ ٣٤٠)، قال الحافظ: وقد وصله يعقوب بن سفيان في تاريخه عن حجاج بن أبي منيع عن جده عن الزهري. الفتح (٧/ ٣٤٢)، وتغليق التعليق ٤/ ١٠٧، وقد استقرأت تاريخ الفسوي ولم أجده، أما ابن إسحاق فقد ذكرها عقب الخندق وقريظة. ابن هشام (٢/ ٢٧٣) . وقد كانت الخندق وقريظة في السنة الخامسة. وقد وافق الواقدي ابن إسحاق وأضاف لها تحديدًا أدق فقال: خرجوا ليلة الاثنين في السحر لأربع خلون من ذي الحجة على رأس ستة وأربعين شهرًا وغابوا عشرة أيام. المغازي (١/ ٣٩١)، وقال بعد أن ساق الخبر: ويقال: كانت السرية في شهر رمضان سنة ست. المصدر السابق (١/ ٣٩٥) . أما ابن سعد فقد جعلها سنة ست في رمضان. الطبقات الكبرى (٢/ ٩١) . وأرخها الطبري في النصف من جماد الآخرة من السنة الثالثة. تاريخ الطبري (٣/ ٦) . والسبب في إرسال تلك السرية أنَّ أبا رافع كان ممن يؤذي رسول الله ﷺ ويعين عليه. البخاري رقم (٤٠٣٩) . وفي رواية أبي الأسود عن عروة التي أخرجها البيهقي في الدلائل (٤/ ٣٨): أن سلام بن أبي الحقيق أجلب في غطفان ومن حوله من مشركي العرب يدعوهم إلى قتال رسول الله ﷺ ويجعل لهم الجعل العظيم.
[ ١ / ٤٠٢ ]
كعب بن مالك١ قال: إن مما صنع الله لنبيه أن هذين الحيين من الأنصار - الأوس والخزرج - كانا يتصاولان٢ في الإسلام كتصاول الفحلين لا يصنع الأوس شيئًا إلا قالت الخزرج: والله لا تذهبون به أبدًا فضلًا علينا في الإسلام، فإذا صنعت الخزرج شيئًا، قالت الأوس مثل ذلك، فلما أصابت الأوس كعب بن الأشرف، قالت الخزرج: والله لا ننتهي حتى نجزئ عن رسول الله ﷺ مثل الذي أجزأوا عنه، فتذاكروا أوزن٣ رجل من اليهود، فاستأذنوا النبي ﷺ في قتله، وهو سلاَّم بن أبي الحقيق٤ الأعور، أو أبو رافع بخيبر، فأذن لهم في قتله، وقال: "لا تقتلوا وليدًا ولا
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري أبو الخطاب المدني، ثقة من كبار التابعين، ويقال: ولد في عهد النبي ﷺ، توفي في خلافة سليمان، ع، التقريب (ص: ٣٤٩) . ٢ الصولة: الحملة والوثبة، والمعنى: أي لا يفعل أحدهما شيئًا إلا فعل الآخر معه شيئًا مثله. النهاية (٣/ ٦١) . ٣ أوزن القوم: أوجههم. القاموس. وزن. ٤ اختلف المؤرخون في اسم أبي الحقيق. فذكر البخاري، أن اسمه: عبد الله بن أبي الحقيق، ويقال: سلاّم بن أبي الحقيق. انظر: الصحيح مع الفتح (٧/٣٤٠)، أما عروة بن الزبير فذكر أن اسمه: سلام بن أبي الحقيق. انظر: دلائل البيهقي (٤/٣٨)، وكذلك قال الزهري كما في هذه الرواية، وابن إسحاق (ابن هشام ٢/٢٧٣) وابن سعد في الطبقات (٢/٩١)، وكنيته أبو رافع، والحقيق: بمهملة وقاف مصغر. الفتح (٧/٣٤٢) .
[ ١ / ٤٠٣ ]
امرأة"١، فخرج إليهم رهط٢ فيهم عبد الله بن عتيك٣ وكان أمير القوم أحد بني سلمة، وعبد الله بن أنيس٤، ومسعود بن سنان٥، وأبو قتادة٦، وخزاعي بن أسود٧ - رجل من أسلم - حليف لهم، ورجل
_________________
(١) ١ نَهْيُ النبي ﷺ سرية ابن أبي الحقيق عن قتل النساء والولدان: أخرجها مالك في الموطأ، كتاب الجهاد، باب النهي عن قتل النساء والولدان في الغزو، حديث رقم ٣، وأبو عبيد في الأموال رقم (٩٩) وابن زنجويه في الأحوال رقم (١٥١)، كلهم من طريق ابن شهاب عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك مرسلًا. وأخرجه الشافعي في المسند (٢/١١٨) رقم (٣٩٤) والحميدي في مسنده (٢/٣٨٥) رقم (٨٧٤) وابن أبي شيبة (١٢/٣٨١-٣٨٢) رقم (١٤٠٦١) وسعيد بن منصور في سننه رقم (٢٦٢٧) والبخاري في التاريخ الكبير (٥/٣١٠)، والبيهقي في السنن (٩/٧٧، ٧٨) ومعرفة السنن والآثار له (١٣/٢٢٥) والطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠/٢٢١) كلهم من طريق الزهري عن ابن كعب بن مالك عن عمه. وأخرجه الطحاوي في شرح معاني الآثار (١٠/ ٢٢١) من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن كعب بن مالك. ٢ الرهط من الرجال ما دون العشرة. النهاية ٢/٢٨٣. ٣ عبد الله بن عتيك: - بفتح المهملة وكسر المثناة - ابن قيس بن الأسود من بني سلمة بكسر اللام. الفتح (٧/٣٤٣) . ٤ عبد الله بن أنيس الجهني، أبو يحيى حليف بني سلمة من الأنصار. الفتح (٧/٣٤٣) . الإصابة ٢/٢٧٨) . ٥ مسعود بن سنان الأسلمي، حليف بني سلمة، شهد أحدًا، واستشهد باليمامة. الفتح (٧/٣٤٣) . ٦ أبو قتادة: ربعي الأنصاري، المشهور أن اسمه الحارث، وستأتي ترجمته في غزوة تبوك. ٧ خزاعي بن أسود، وقيل: أسود بن خزاعي الأسلمي، حليف بني سلمة من الأنصار.. وذكره موسى بن عقبة عن ابن شهاب في قتلة ابن أبي الحقيق. الإصابة (١/٤٢-٤٣)، والفتح (٧/٣٤٣) .
[ ١ / ٤٠٤ ]
آخر يقال له: فلان بن سلمة١، فخرجوا حتى جاءوا خيبر، فلما دخلوا البلد عمدوا إلى كلّ بيت منها فغلقوا من خارجه على أهله، ثم أسندوا إليه في مشربة٢ له في عجلة من نخل٣، فأسندوا فيها حتى ضربوا عليه بابه، فخرجت إليهم امرأته، فقال: ممن أنتم؟ فقالوا: نفر من العرب أردنا الميرة٤، قالت: هذا الرجل ادخلوا عليه، فلما دخلوا عليه٥، أغلقوا عليهم الباب ثم ابتدروه بأسيافهم، قال قائلهم: والله ما دلني عليه إلا بياضه على الفراش في سواد الليل، كأنه قبطية٦ ملقاة، قال: وصاحت بنا
_________________
(١) ١ لم أقف على اسمه. ٢ المشربة: - بالضمّ،الفتح - الغرفة. النهاية (٢/٤٥٥) . ٣ في عجلة من نخل: هو أن ينقر الجذع ويجعل فيه مثل الدرج ليصعد فيه إلى الغرف وغيرها. وأصل العجلة: خشبة معترضة على البئر والغرب معلق بها. النهاية (٣/١٨٦) . وقال الحافظ: "العجلة: - بفتح المهملة والجيم ـ: السلم من الخشب". الفتح (٧/٣٤٤) . ٤ المِيرة: - بالكسر - جلب الطعام. القاموس (مير) . ٥ الذي في صحيح البخاري رقم (٤٠٣٩) و(٤٠٤٠) من حديث البراء أن الذي دخل هو عبد الله بن عتيك وحده، حيث جاء فيه: "فقال عبد الله لأصحابه: اجلسوا مكانكم، فإني منطلق ومتلطف للبواب لعلي أن ادخل..". ٦ كأنه قبطية: القبطية: الثوب من ثياب مصر رقيقة بيضاء. النهاية (٤/ ٦) .
[ ١ / ٤٠٥ ]
امرأته، قال: فيرفع الرجل منا السيف ليضربها به، ثم يتذكر نهي النبي ﷺ، قال: ولولا ذلك فرغنا منها بليل، قال: وتحامل عبد الله بن أنيس١ بسيفه في بطنه حتى أنفذه، وكان سيئ البصر، فوقع من فوق العجلة، فوثيت٢ رجله وثيًا منكرًا، قال: فنزلنا فاحتملناه، فانطلقنا به معنا حتى انتهينا إلى مَنْهَر٣ عين من تلك العيون، فمكثنا فيه.
قال: وأوقدوا النيران وأشعلوها في السعف وجعلوا يلتمسون ويشتدون، وأخفى الله عليهم مكاننا، قال: ثم رجعوا، قال: فقال بعض أصحابنا أنذهب فلا ندري أمات عدو الله أم لا؟ فخرج رجل منا حتى حشر في الناس، فدخل معهم، فوجد امرأته مكبة وفي يدها المصباح، وحوله رجال يهود، فقال قائل منهم: أما ولله لقد سمعت صوت ابن عتيك، ثم أكذبت نفسي، فقلت: وأنّى ابن عتيك بهذه البلاد؟ فقالت شيئًا ثم رفعت رأسها، فقال: فاض٤ وإله يهود - تقول مات -، قال: فما سمعت كلمة كانت ألذّ منها في نفسي، قال: ثم خرجت فأخبرت
_________________
(١) ١ الذي في صحيح البخاري رقم (٤٠٣٩) و(٤٠٤٠) أن عبد الله بن عتيك هو الذي قتله. ٢ الوثء: وصم يصيب اللحم ولا يبلغ العظم، أو هو توجع في العظم بلا كسر. اللسان: (وثأ) . وعند البخاري رقم (٤٠٤٠) فانكسرت ساقي فعصبتها. ٣ المنهر: شق في الحصن يجري منه الماء. القاموس (نهر) . ٤ فاض: أي مات. القاموس (فاض) .
[ ١ / ٤٠٦ ]
أصحابي أنه قد مات، فاحتملنا صاحبنا، فجئنا إلى رسول الله ﷺ فأخبرناه بذلك.
قال: وجاؤوه يوم الجمعة والنبي ﷺ يومئذ على المنبر يخطب، فلما رآهم قال: " أفلحت١ الوجوه" ٢.
٥٦- وقال ابن شبة: حدثنا محمد بن سليمان بن أبي رجاء٣ قال:
_________________
(١) ١ الفلاح: البقاء والفوز والظفر. النهاية (٣/ ٤٦٩) . ٢ وقد أخرج ابن إسحاق نحوه من طريق الزهري عن عبد الله بن كعب بن مالك (ابن هشام ٢/ ٢٧٣) . وقد صرح ابن إسحاق بالتحديث، ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ (٢/ ٤٩٥)، والبيهقي في الدلائل (٤/٣٣)، وابن الأثير في أسد الغابة (١/ ٩٨) مختصرًا. ومن طريق ابن إسحاق أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٤٦٢) عن الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك والذي في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٧٣) عن عبد الله بن كعب بن مالك مصرحًا فيها بالتحديث. وأخرج نحوه ابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٤٦٤) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلًا. وقد أخرجه البخاري في الصحيح من غير طريق الزهري، وذلك من حديث البراء ابن عازب ﵁. انظر: البخاري مع الفتح (٧/ ٣٤٠- ٣٤٢) رقم (٤٠٣٩، ٤٠٤٠) . ٣ هو: محمد بن سليمان بن أبي رجاء الهاشمي، أبو سليمان، يروي عن ابن أبي الزناد، الثقات لابن حبان ٩/ ٩٥.
[ ١ / ٤٠٧ ]
حدثنا إبراهيم بن سعد١، عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أنه أخبره أن الرهط الذين بعث رسول الله ﷺ لقتل ابن أبي الحقيق قتلوه ثم أتوا يوم الجمعة، والنبي قائم على المنبر، فلما رآهم قال: (أفلحت الوجوه)، قالوا: أفلح وجهك يا رسول الله٢، قال: "أقتلتموه؟ " قالوا: نعم. قال: فدعا بالسيف الذي قتلوه به وهو قائم على المنبر فسله، ثم قال: “أجل هذا طعامه في ذباب السيف” وكان الرهط الذين قتلوه: عبد الله بن عتيك، وعبد الله بن أنيس، وأسود الخزاعي - حليفًا لهم - وأبا قتادة فيما يظن إبراهيم٣ - قال إبراهيم: ولا أحفظ الخامس٤.
_________________
(١) ١ إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني، نزيل بغداد، ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح من الثامنة، ت سنة خمس وثمانين، ع، التقريب ٨٩. ٢ قوله: "أفلح وجهك يا رسول الله" أخرجه ابن شبة في تاريخ المدينة (٢/ ٤٦٤) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب. ٣ في سنن البيهقي (٣/ ٢٢١- ٢٢٢) من طريق إبراهيم بن سعد: فيما يظن الزهري، ولا يحفظ الزهري الخامس ) . ٤ تاريخ المدينة (٢/ ٤٦٧)، وهو: حديث مرسل. والحديث أخرجه البيهقي في السنن (٣/ ٢٢١- ٢٢٢)، من طريق إبراهيم بن سعد عن الزهري به، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ٣٤) من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال ابن كعب فذكره.
[ ١ / ٤٠٨ ]
المبحث الرابع: في سرية عبد الله بن أنيس إلى سفيان بن عبد الله بن نبيح الهذلي
٥٧- قال عمر بن شبَّة١: حدثنا الحزامي قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قال: بعث٢ رسول الله ﷺ عبد الله بن أنيس السلمي إلى سفيان بن عبد الله بن نبيح الهذلي ثم اللحياني٣، وهو بعُرَنَة٤ من وراء مكة - أو بعرفة - قد اجتمع إليه
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة المنورة (٢/ ٤٦٨) وهو حديث مرسل. ٢ تاريخها: كانت هذه السرية في الخامس من محرم على رأس خمسة وثلاثين شهرًا من الهجرة، الطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٠) أما الواقدي فقد ذكر أنها كانت في يوم الاثنين لخمس خلون من المحرم على رأس أربعة وخمسين شهرًا، المغازي ٢/ ٥٣١. وهذا ذهول منه ﵀ لأنه قد ذكر في حديثه عن غزوة الرجيع أنها حدثت بسبب قتل المسلمين سفيان بن خالد بن نبيح الهذلي، وذكر أن غزوة الرجيع كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا، انظر: مغازي الواقدي ١/ ٣٥٤، وفتح الباري ٧/ ٣٨٠. ٣ هكذا جاء اسمه في هذه الرواية وفي رواية موسى بن عقبة عند البيهقي في الدلائل (٤/ ٤١)، وعند أحمد في المسند ٢٥/ ٤٤٠- ٤٤٢ رقم [١٦٠٤٧] أرناؤوط، من طريق ابن إسحاق أنه: خالد بن سفيان بن نبيح، وهي رواية حسنة صرح فيها ابن إسحاق بالتحديث، وسماه ابن إسحاق كذلك انظر: ابن هشام ٢/ ٦١٩، وسنن أبي داود رقم (١٢٤٩) وفيه عنعنة ابن إسحاق. بينما ذكره بعض كتاب السير أنه: سفيان بن خالد بن نبيح، انظر: مغازي الواقدي ٢/ ٥٣١، وابن سعد في الطبقات ٢/ ٥٠، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٤٠. ٤ وادي عُرَنَة: عُرَنَة: بعين مهملة مضمومة، وراء مفتوحة، ونون وتاء مربوطة: هو الوادي الفحل الذي يخترق أرض المغمس فيمر بطرف عرفة من الغرب عند مسجد نمرة، ثم يجتمع مع وادي نعمان غير بعيد من عرفة، ثم يأخذ الواديان اسم عرنة، فيمر جنوب مكة ثم يغرب حتى يفيض في البحر جنوب جدة على قرابة (٣٠) كيلًا. معجم المعالم الجغرافية ٢٠٥.
[ ١ / ٤٠٩ ]
الناس ليغزو فيهم رسول الله ﷺ وأمره أن يقتله، فقال عبد الله لرسول الله ﷺ: ما صفته يا رسول الله؟ قال: "إذا رأيته هبته١ وفرقت٢ منه" قال: ما فرقت من شيء قط. فانطلق عبد الله يتوصل بالناس ويعتزي٣ إلى خزاعة، ويخبر من لقي إنما يريد سفيان ليكون معه، فلقي سفيان وهو ببطن عرنة وراء الأحابيش٤ من حاضرة مكة، قال عبد الله: فلما رأيته هبته وفرقت منه. فقلت: صدق الله ورسوله، ثم كمنت٥ حتى هدأ الناس، ثم اعتورته٦ فقتلته، فزعموا أن رسول الله ﷺ أخبر بقتله قبل قدوم عبد الله، وحكوا - والله أعلم - أن رسول الله ﷺ أعطاه عصا فقال: "تخصر٧ بها، أو أمسكها، فكانت - زعموا - عنده حتى أمر بها
_________________
(١) ١ هبته: أي خفت منه، وضعفت أمامه، القاموس (هبت) . ٢ فرقت منه: فَرِق: كفرح: فزع. القاموس (فرق) . ٣ يعتزي إلى خزاعة: أي ينتسب إليهم. القاموس (عزى) . ٤ سبق التعريف بها. ٥ ثم كمنت: كمن له: أي استخفى،.. والداخل في الحرب لا يفطن له، القاموس (كمن) . ٦ العتر: الذبح، القاموس (عتر) . ٧ المخصرة: ما يختصره الإنسان بيده فيمسكه من عصا، أو عكازة، أو مقرعة، أو قضيب، وقد يتكئ عليه. النهاية (٢/ ٣٦) .
[ ١ / ٤١٠ ]
فجعلت في كفنه بين جلده وثيابه، ولا ندري من أين بعث النبي ﷺ ابن أنيس إلى ابن نبيح، أمن المدينة أم من غيرها"١.
_________________
(١) ١ يشهد لهذه الرواية المرسلة ما أخرجه أحمد في المسند (٢٥/ ٤٤٠- ٤٤٢ رقم [١٦٠٤٧] أرناؤوط) من طريق ابن إسحاق وهي حسنة فقد صرح فيها ابن إسحاق بالتحديث، وأبو داود في سننه رقم (١٢٤٩) لكن فيها عنعنة ابن إسحاق، علمًا بأن الحافظ ابن حجر حسنها، الفتح ٧/ ٣٨٠، وأخرجها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٩) مرسلة. وأخرجها البيهقي في الدلائل (٤/ ٤٠) من طريق أبي الأسود عن عروة ومن طريق موسى بن عقبة مرسلة، المصدر السابق ٤/ ٤١، ووصلها في مكان آخر، وانظر الواقدي، المغازي (٢/ ٥٣١)، وابن سعد في الطبقات (٢/ ٥٠) .
[ ١ / ٤١١ ]
المبحث الخامس: في سرية الرَّجِيْع١ سنة ثلاث٢
٥٨- أخرج البخاري٣ من طريق الزهري عن عمرو بن جارية الثقفي عن أبي هريرة ﵁ قال: وبعث النبي ﷺ سرية عَيْنًا، وأمَّر عليهم عاصم٤ بن ثابت، وهو جد عاصم بن عمر بن الخطاب٥ فانطلقوا حتى إذا كان بين عُسْفان ومكة ذُكِروا لِحَيٍّ من هُذيل يقال لهم بنو
_________________
(١) ١ الرجيع: بفتح الراء وكسر الجيم، هو في الأصل اسم للروث سمي بذلك لاستحالته، والمراد هنا اسم موضع من بلاد هذيل، كانت الوقعة بقرب منه فسميت به، ابن حجر الفتح (٧/ ٣٧٩)، ويعرف اليوم باسم (الوطْيَة) يقع شمال مكة على قرابة سبعين كيلًا قبيل عسفان إلى اليمين، معجم المعالم الجغرافية للبلادي، (١٣٨)، والمعالم الأثيرة (١٢٥) . ٢ ذكر ذلك ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ١٦٩)، وقال الواقدي "كانت في صفر على رأس ستة وثلاثين شهرًا" المغازي ١/ ٣٥٤. ٣ البخاري مع الفتح (٧/ ٣٧٨ رقم (٤٠٨٦)، و(٣٠٤٥) و(٧٤٠٢) . ٤ هو: عاصم بن ثابت بن أبي الأَقْلح بالقاف والمهملة، الأنصاري. الفتح (٧/ ٣٨٠)، وكونه جدٌ لعاصم بن عمر بن الخطاب، قالوا: لأن عمر ﵁ تزوج جميلة بنت عاصم بن ثابت، فولدت له عاصمًا. المصدر السابق (٧/ ٣٨١) . ٥ هو: عاصم بن عمر بن الخطاب، ولد في حياة النبي ﷺ مات سنة سبعين وقيل بعدها، خ م د ت س، التقريب ٢٨٦، رقم (٣٠٦٩) .
[ ١ / ٤١٢ ]
لِحْيَان١، فتبعوهم بقريب من مائة رام، فاقتصوا آثارهم، حتى أتوا منزلًا نزلوه، فوجدوا فيه نوى٢ تمر زودوه من المدينة، فقالوا: هذا تمر يثرب، فتبعوا آثارهم حتى لحقوهم، فلما انتهى عاصم وأصحابه لجؤوا إلى فَدْفَدْ٣، وجاء القوم فأحاطوا بهم فقالوا: لكم العهد والميثاق إن نزلتم إلينا أن لا نقتل منكم رجلًا، فقال عاصم: أما أنا فلا أنزل في ذمة كافر، اللهم أخبر عنا نبيك، فقاتلوهم حتى قتلوا عاصمًا في سبعة٤ نفر بالنبل، وبقي
_________________
(١) ١ بنو لحيان: بكسر اللام، وقيل بفتحها وسكون المهملة، ولحيان هو ابن هذيل نفسه، وهذيل هو ابن مدركة بن إلياس بن مضر، وزعم الهمداني النسابة: أن أصل بني لحيان من بقايا جرهم دخلوا في هذيل فنسبوا إليهم. فتح الباري (٧/ ٣٨١) . ٢ النوى: النواة في الأصل: عجمة التمرة، النهاية (٥/ ١٣٢)، وقيل: هي التمرة. القاموس (١٧٢٨ (نوى) . ٣ الفدفد: الموضع الذي فيه غِلَظ وارتفاع. النهاية (٣/ ٤٢٠) . ٤ جاء التصريح في رواية أخرى عند البخاري بأنهم عشرة، انظرها برقم (٣٩٨٩) وكما في هذه الرواية، وانظر سنن أبي داود رقم (٢٦٦٠)، ومصنف عبد الرزاق رقم (٩٧٣٠) ومصنف ابن أبي شيبة (١٤/ ٤٥٥)، ومسند أحمد (١٣/ ٤٥٩- ٤٦١، رقم [٨٠٩٦]) والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٥٥)، لكنه لم يسم منهم إلا سبعة فقط، وصحيح ابن حبان رقم (٧٠٣٩)، والطبراني في الكبير (١٧/ ١٧٥ رقم ٤٦٣) مختصرًا ورقم (٤١٩١)، والسنن الكبرى للبيهقي (٩/ ١٤٥)، ودلائل النبوة له (٣/ ٣٢٤)، وأبا نعيم في الحلية (١/ ١١٢)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ١٢٠)، والذهبي في تاريخ الإسلام قسم المغازي (ص: ٢٣٠) . وقال بعض كتاب السير أن عددهم: ستة، قال موسى بن عقبة: ويقال: كان أصحاب الرجيع ستة، دلائل النبوة للبيهقي (٣/ ٣٢٧)، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي (ص: ٢٣٢)، وذكر ابن إسحاق أن عددهم ستة أميرهم مرثد بن أبي مرثد، ابن هشام (٢/ ١٦٩)، وتبع ابن إسحاق خليفة بن خياط في تاريخه (ص: ٧٤)، وذكر الواقدي أنهم سبعة، ثم قال: يقال: كانوا عشرة. المغازي (١/ ٣٥٤) . والصحيح أن عددهم عشرة أميرهم عاصم بن ثابت، كما في الصحيح.
[ ١ / ٤١٣ ]
خبيب١ وزيد٢ ورجل آخر٣، فأعطوهم العهد والميثاق، فلما أعطوهم العهد والميثاق نزلوا إليهم، فلما استمكنوا منهم حلوا أوتار قِسِيِّهم فربطوهم بها، فقال الرجل الثالث الذي معهما: هذا أول الغدر فأبى أن يصحبهم، فجرروه وعالجوه على أن يصحبهم فلم يفعل، فقتلوه، وانطلقوا بخُبيب وزيد حتى باعوهما بمكة، فاشترى خبيبًا بنو الحارث بن عامر بن نوفل، وكان خبيب هو قتل الحارث يوم بدر، فمكث عندهم أسيرًا حتى إذا أجمعوا قتله استعار موسًا من بعض بنات٤ الحارث ليستحد بها،
_________________
(١) ١ هو: خُبيب بن عدي بن مالك بن عامر بن مجدعة بن جَحْجَبَى الأوسي الأنصاري، شهد بدرًا، وأحد العشرة في سرية الرجيع. الإصابة (١/ ٤١٨) . ٢ زيد بن الدَّثِنَة بفتح الدال وكسر المثلثة، بعدها نون ابن معاوية البياضي، شهد بدرًا وأحدًا، وكان في غزوة بئر معونة، فأسره المشركون وقتلته قريش بالتنعيم، الإصابة (١/ ٥٦٥- ٥٦٦) هكذا في الإصابة، والصواب أن زيدًا كان مع أهل الرجيع كما في الصحيح، وانظر: الاستيعاب (٢/ ١٢٢) . ٣ هو: عبد الله بن طارق، كما في سيرة ابن هشام (٢/ ١٦٩) . ٤ قيل: اسمها: زينب بنت الحارث، وهي أخت عقبة بن الحارث الذي قتل خبيبًا، وقيل: امرأته. الفتح (٧/ ٣٨٢) .
[ ١ / ٤١٤ ]
فأعارته، قالت: فغفلت عن صبي لي١، فدرج٢ إليه حتى أتاه فوضعه على فخذه، فلما رأيته فزعت فزعة عرف ذا منها، وفي يده الموسى، فقال: أتخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذاك إن شاء الله، وكانت تقول: ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خُبيب، لقد رأيته يأكل من قطف عنب، وما بمكة يومئذ ثمرة، وإنه لموثق في الحديد، وما كان إلا رزق رزقه الله، فخرجوا به من الحرم ليقتلوه، فقال: دعوني أصلي ركعتين، ثم انصرف إليهم فقال: لولا أن تروا ما بي جزع من الموت لزدت فكان أول من سنَّ الركعتين عند القتل هو٣، ثم قال: اللهم أحصهم عددًا، ثم قال:
ما إن أبالي حين أُقْتَلُ مسلمًا على أي شق كان لله مصرعي يبارك
وذلك في ذات الإله وإن يشأ على أوصال٤ شِلْوٍ٥ مُمزَّع٦
_________________
(١) ١هذا الصبي هو: أبو حسين بن الحارث بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وهو جد عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي حسين المكي المحدث. الفتح (٧/ ٣٨٢) . ٢ درج: أي مشى إليه. القاموس ٢٤٠ (دَرَجَ) . ٣ أخرج الواقدي من طريق الزهري (٢/ ٣٥٨) أن أول من سن الركعتين خبيب. ٤ الأوصال: جمع وصل وهو العضو، فتح الباري (٧/ ٣٨٤) . ٥ الشلو: بكسر المعجمة الجسد، وقد يطلق على العضو، ولكن المراد به هنا الجسد. فتح الباري (٧/ ٣٨٤) . ٦ الممزع: بالزاي ثم المهملة: المقطع، ومعنى الكلام: أعضاء جسد يقطع. فتح الباري (٧/ ٣٨٤) .
[ ١ / ٤١٥ ]
ثم قام إليه عقبة بن الحارث فقتله، وبعثت قريش إلى عاصم ليؤتوا بشيء من جسده يعرفونه، وكان عاصم قتل عظيمًا١ من عظمائهم يوم بدر، فبعث الله عليه مثل الظلة من الدبْر٢ فحمته من رسلهم، فلم يقدروا منه على شيء٣.
٥٩- قال ابن سعد٤: أخبرنا عبد الله بن إدريس الأودي٥، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان
_________________
(١) ١ لعل العظيم هو: عقبة بن أبي معيط. الفتح (٧/ ٣٨٤) . ٢ الظلّة: بضم المعجمة: السحابة، والدبْر: بفتح المهملة وسكون الموحدة: الزنابير، وقيل: ذكور النحل ولا واحد له من لفظه. الفتح (٧/ ٣٨٤) . ٣ وأخرجه عبد الرزاق في المصنف رقم (٩٧٣٠)، وأخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٥٥) وفيها ذكر سبب بعث هذه السرية، وستأتي، وتاريخ خليفة بن خياط (ص: ٧٥)، ومن طريق عبد الرزاق أخرجه أحمد (١٣/ ٤٥٩- ٤٦١ رقم [٨٠٩٦])، وأخرجه أبو داود رقم (٢٦٦٠) مختصرًا، وأخرجه ابن حبان في صحيحه رقم (٧٠٩٣)، والطبراني في الكبير رقم (٤١٩١)، و(١٧/ ١٧٥ رقم ٤٦٣)، وسنن البيهقي (٩/ ١٥٤)، والدلائل (٣/ ٣٢٤)، وأخرجه أبو نعيم في الحلية (١/ ١١٢)، وابن الأثير في أسد الغابة (٢/ ١٢٠) . ٤ الطبقات الكبرى (٢/ ٥٥- ٥٦) . ٥ هو: عبد الله بن إدريس بن يزيد بن عبد الرحمن الأودي، بسكون الواو، أبو محمد الكوفي، ثقة فقيه عابد، من الثامنة، مات سنة اثنتين وتسعين وله بضع وسبعون سنة، ع، التقريب ٢٩٥.
[ ١ / ٤١٦ ]
الظفري١، وأخبرنا معن بن عيسى الأشجعي٢، أخبرنا إبراهيم بن سعد عن ابن شهاب، عن عمر بن أسيد بن العلاء بن جارية٣ - وكان من جلساء أبي هريرة ﵁ قال: قدم على رسول الله ﷺ رهط من عَضَل٤ والقَارَة٥ وهم إلى الهوْن بن خزيمة فقالوا: يا رسول الله: إن فينا إسلامًا، فابعث معنا نفرًا من أصحابك يفقهونا ويقرئونا القرآن ويعلمونا شرائع الإسلام، فبعث رسول الله ﷺ معهم عشرة٦ رهط: عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، ومرثد بن أبي مرثد، وعبد الله بن طارق، وخبيب بن عدي،
_________________
(١) ١ عاصم بن عمر بن قتادة، تقدم في الرواية رقم (٣٤) . ٢ هو: معن بن عيسى بن يحيى الأشجعي مولاهم، أبو يحيى المدني، القزاز، ثقة ثبت، قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة، مات سنة ثمان وتسعين ومائة، ع، التقريب ٥٤٢. ٣ هو: عمرو بن أبي سفيان بن أسيد، بفتح أوله ابن جارية بالجيم، الثقفي المدني حليف بني زهرة، وقد ينسب إلى جده، ويقال: عمر، ثقة، من الثالثة، خ م د س، التقريب (٤٢٢) . ٤ عَضَل: بفتح المهملة ثم المعجمة بعدها لام: بطن من بني الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، ينسبون إلى عَضَل بن الديش بن محكم. فتح الباري (٧/ ٣٧٩) . ٥ القارة: بالقاف وتخفيف الراء بطن من الهون أيضًا ينسب إلى الديش المذكور، المصدر السابق. وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة كأنهم نزلوا عندها فسموا بها. المصدر السابق. ٦ ذكر عشرة رهط، ولكن لم يسم إلا سبعة وقد ورد عددهم عشرة عند البخاري رقم (٣٩٨٩) .
[ ١ / ٤١٧ ]
وزيد بن الدَّثِنة، وخالد بن أبي البكير، ومعتب بن عبيد، وهو أخو عبد الله بن طارق لأمه، وهما من بلي حليفان في بني مظفر، وأمَّر عليهم عاصم بن ثابت، وقال قائل: مرثد بن أبي مرثد، فخرجوا حتى إذا كانوا على الرجيع، وهو ماء لهذيل بصدور الهَدَة١، والهدة على سبعة أميال منها، والهدة على سبعة أميال من عسفان، فغدروا بالقوم واستصرخوا عليهم هذيلًا، فخرج إليهم بنو لحيان فلم يرع القوم إلا الرجال بأيديهم السيوف قد غشوهم، فأخذ أصحاب رسول الله ﷺ سيوفهم فقالوا لهم: إنا والله ما نريد قتالكم إنما نريد أن نصيب بكم ثمنًا من أهل مكة ولكم العهد والميثاق ألاّ نقتلكم، فأما عاصم بن ثابت ومرثد بن أبي مرثد وخالد
_________________
(١) ١ عند البخاري في الصحيح رقم (٣٩٨٩): حتى إذا كانوا بالهدة الحديث، وذكر الحافظ ابن حجر: أنها الهدْأَة، بسكون الدال بعدها همزة مفتوحة، وذكر أنه عند الكشميهني بفتح الدال وتسهيل الهمزة، وعند ابن إسحاق بتشديد الدال بغير ألف. الفتح (٧/ ٣٨٠) . وقال البكري: "هكذا رواه البخاري عن عمر بن أسيد عن أبي هريرة فلما كانوا بالهدأة (بفتح الهاء وإسكان الدال المهملة بعدها همزة مفتوحة" معجم ما استعجم (١/ ٦٤٢) . والذي في البخاري: (الهدة) بدون همزة، وهي كذلك عند ياقوت. انظر معجم البلدان (٥/ ٣٩٥- ٣٩٦) . قال ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ١٧٠): "وهي على سبعة أميال من عسفان. وتبعد عن مكة ما يقرب من (٦٥) كيلًا. انظر: معالم مكة التاريخية والأثرية لعاتق بن غيث البلادي (ص: ١١١) .
[ ١ / ٤١٨ ]
بن أبي البكير ومعتب بن عبيد فقالوا: والله لا نقبل من مشرك عهدًا وعقدًا أبدًا، فقاتلوهم حتى قتلوا، وأما زيد بن الدثنة وخبيب بن عدي وعبد الله بن طارق فاستأسروا وأعطوا يأيديهم، وأرادوا رأس عاصم ليبيعوه، من سلافة بنت سعد بن شُهيد، وكانت نذرت لتشربن في قِحْفِ١ عاصم الخمر، وكان قتل ابنيها مسافعًا وجلاسًا يوم أحد فحمته الدبر، فقالوا: أمهلوه حتى تمسي فإنها لو قد أمست ذهبت عنه فبعث الله الوادي فاحتمله، وخرجوا بالنفر الثلاثة حتى إذا كانوا بمر الظهران انتزع عبد الله بن طارق يده من القران٢ وأخذ سيفه واستأخر عنه القوم فرموه بالحجارة حتى قتلوه، فقبره بمر الظهران، وقدموا بخبيب وزيد مكة، فأمّا زيد فابتاعه صفوان بن أمية، فقتله بأبيه، وابتاع حجير بن أبي إهاب خبيب بن عدي لابن أخته عقبة بن الحارث بن عامر بن نوفل ليقتله بأبيه، فحبسوهما حتى خرجت الأشهر الحرم، ثم أخرجوهما إلى التنعيم فقتلوهما، وكانا صليا ركعتين ركعتين قبل أن يقتلا، فخبيب أول من سنّ ركعتين عند القتل.
_________________
(١) ١ قِحف: المراد قحف الرأس وهو الذي فوق الدماغ، وقيل: ما انفلق من جمجمته وانفصل. النهاية (٤/ ١٧) . ٢ القَرَن: بالتحريك، الحبل الذي يشد به، والقرن: الحبل. النهاية (٤/ ٥٣) .
[ ١ / ٤١٩ ]
المبحث السادس: في سرية بئر مَعُونة١ سنة أربع٢
٦٠- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: أخبرني ابن كعب ابن مالك٣ قال: جاء ملاعب الأسنة٤ إلى النبي ﷺ بهدية، فعرض عليه
_________________
(١) ١ بئرة مَعُونة: - بفتح الميم وضم العين المهملة - مكان من ديار نجد، قريبة من أُبْلى، وأبلى سلسلة جبلية سوداء تقع غرب المهد (معدن بني سليم قديمًا) إلى الشمال، وتتصل غربًا بحرة الحجاز العظيمة، وهي اليوم ديار (مطير) ولم تعد (سليم) تقربها، انظر: معجم المعالم الجغرافية (٥٢)، والمعالم الأثيرة (٤٣) . ٢ ذكر ابن إسحاق أنها كانت في شهر صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، (ابن هشام ٢/ ١٨٣)، وانظر: مغازي الواقدي (١/ ٣٤٦)، والطبقات الكبرى (٢/ ٥١) . وكذلك ذكرها البلاذري في أنساب الأشراف قسم السيرة (١/ ١٩٤) . قال ابن كثير: "وأغرب مكحول ﵀ حيث قال: إنها كانت بعد الخندق". البداية والنهاية (٤/ ٧٣) .، وذكر الزرقاني: أن بعضهم جعلها في المحرم، وقدمها على بعث الرجيع، شرح المواهب (٢/ ٧٤) . ٣ هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، كما في الطبقات الكبرى (٢/ ٥٤، ٣/ ٥٥٥)، وقد صرح الزهري بالحديث عنده. ٤ هو: أبو براء عامر بن مالك بن جعفر، المشهور بملاعب الأسنّة. انظر: ابن هشام (٢/ ١٨٤) . قال السهيلي: "سمي ملاعب الأسنّة في يوم (سُوبان) وهو يوم كانت فيه وقيعة في أيام جبلة، وهي أيام حرب كانت بين قيس وتميم، وكان سبب تسميته في يوم سوبان ملاعب الأسنة أنَّ أخاه الذي يقال له: فارس قرزل، وهو طفيل بن مالك كان أسلمه في ذلك اليوم، وفر، فقال عامر: فررت وأسلمت ابن أمك عامرًا يلاعب أطراف الوشيج المزعزع فسمي ملاعب الأسنة". الروض (٣/ ٢٣٨) .
[ ١ / ٤٢٠ ]
الإسلام فأبى أن يسلم، فقال له النبي ﷺ: إني لا أقبل هدية مشرك. قال: فابعث إلى أهل نجد من شئت فأنا لهم جار، فبعث إليهم نفرًا عليهم المنذر ابن عمرو١، وهو الذي كان يقال له: المعنق ليموت٢، وفيهم عامر بن فهيرة٣، فاستجاش٤ عليهم عامر بن الطفيل من بني عامر فأبوا أن
_________________
(١) ١ هو: المنذر بن عمرو بن خنيس بن حارثة الخزرجي الساعدي الأنصاري، عقبي بدري نقيب، استشهد يوم بئر معونة، كان يلقب: (المعنق ليموت) . انظر: الإصابة (٣/ ٤٦٠- ٤٦١) . ٢ أعنق ليموت: أي إن المنية أسرعت به وساقته إلى مصرعه. النهاية (٣/ ٣١٠) . ٣ هو: عامر بن فهيرة التميمي، مولى أبي بكر، أحد السابقين، وكان ممن يعذب في الله، استشهد ببئر معونة. الإصابة (٢/ ٢٥٦) . وقد روى الزهري عن عروة بن الزبير مرسلًا: أنهم لما دُفنوا التمسوا جسد عامر ابن فهيرة فلم يقدروا عليه، فيرون أن الملائكة دفنته. مصنف عبد الرزاق (٥/ ٣٨٣)، وأنساب الأشراف، قسم السيرة (١/ ١٩٤)، ودلائل النبوة لأبي نعيم رقم (٤٤١)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٣/ ٥٥، ٢/ ٥٤)، والحلية لأبي نعيم (١/ ١١٠)، وابن هشام (٢/ ١٨٦)، والطبراني في الكبير من طريق الزهري عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك وغيره (١٩/ ٧١ رقم ١٤٠)، وأسد الغابة (٣/ ١٣٧)، وعيون الأثر (٢/ ٦٩)، والإصابة (٢/ ٢٥٦) . وقصة قتل عامر بن فهيرة يوم بئر معونة قد أخرجها البخاري في الصحيح من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة. صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٣٨٨ رقم (٤٠٩٣) . أما كونه قد رفع إلى السماء ووضع على الأرض فقد أخرجه البخاري عن عروة مرسلًا (المصدر السابق) . وقد ذكر الواقدي عن الزهري أن الذي قتل عامرًا هو: جبار بن سلمى الكلابي. مغازي الواقدي، وأنساب الأشراف قسم السيرة (١/ ١٩٤) ودلائل أبي نعيم رقم (٤٤١) . ٤ استجاش: أي طلب لهم الجيش وجمعه عليهم. النهاية (١/ ٣٢٤) .
[ ١ / ٤٢١ ]
يطيعوه، وأبوا أن يخفروا١ ملاعب الأسنة، قال: فاستجاش عليهم بني سُليم٢ فأطاعوه، فاتبعوهم بقريب من مائة رامٍ، فأدركوهم ببئر معونة، فقتلوهم إلا عمرو بن أميّة الضمري٣، فأرسلوه"٤.
_________________
(١) ١ يقال: خفرت الرجل: أجرته وحفظته، وخفرته إذا كنت له خفيرًا، أي حاميًا وكفيلًا، وأخفرت الرجل، إذا نقضت عهده وذمامه. النهاية (٢/ ٥٢) . ٢ هم بنو سليم بن منصور بن عكرمة بن خَصَفَة بن قيس بن عيلان. انظر: جمهرة النسب للكلبي (٣٩٤- ٣٩٥)، ونهاية الأرب للقلقشندي (٢٧١) ومعجم قبائل الحجاز للبلادي (ص: ٢٢٦) . ٣ وكان عددهم: سبعين رجلًا. انظر: البخاري مع الفتح (٦/ ١٨- ١٩ رقم (٢٨٠١) و(٧/ ٣٨٥ رقم (٤٠٨٨) ورقم (٤٠٩٠)، ومسلم بشرح النووي (١٣/ ٤٧) ومسند أحمد، انظر: فتح الرباني (٣/ ٢٩٧ و٢١/ ٦٣- ٦٤)، وابن سعد (٢/ ٥٢)، والطبري في تاريخه (٢/ ٥٤٦ـ٥٤٩)، ودلائل البيهقي (٣/ ٣٤٣) وهو الصحيح. أما ابن إسحاق فقد ذكر أنهم كانوا أربعين رجلًا. ابن هشام (٢/ ١٨٤)، وتبعه الواقدي، المغازي (٢/ ٣٤٦) . ثم قال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لرواية ابن إسحاق التي تذكر الأربعين: "ويمكن الجمع بينه وبين الذي في الصحيح بأن الأربعين كانوا رؤساء، وبقية العدة أتباعًا". الفتح (٧/ ٣٨٧) . ٤ ذكر ابن إسحاق أن عمرًا كان في سرح القوم فنجا من القتل، ثم ذكر رجلًا آخر هو: كعب بن زيد أخو بني دينار بن النجار فإنهم تركوه وبه رمق فارتث من بين القتلى فعاش حتى قتل بالخندق، ثم ذكر رجلًا ثالثًا من الأنصار، قال ابن هشام: هو المنذر بن محمد بن عقبة بن أحيحة بن الجلاح، انظر ذلك عند ابن هشام (٢/ ١٨٥) . أما رواية البخاري ففيها: " فقتلوا جميعًا غير الأعرج" ويظهر أن المراد بالأعرج: حرام أخو أم سليم، كما في روايته في الصحيح، وليس كذلك، بل هو: كعب بن زيد من بني دينار بن النجار، كما نبه على ذلك الحافظ". انظر: الفتح (٧/ ٣٨٦- ٣٨٧) . وهو موافق لرواية ابن إسحاق المتقدمة. أما الواقدي فقد ذكر بأن الذي نجا مع عمرو بن أمية: الحارث بن الصمة. المغازي (٢/ ٣٤٨) . وقال ابن سيد الناس بعد ذكره لبعض من استشهد: "والمختلف في قتله في هذه الواقعة مختلف في حضوره، فأرباب المغازي متفقون على أن الكل قتل إلا عمرو ابن أمية الضمري، وكعب بن زيد بن قيس بن مالك بن عبد الأشهل بن حارثة ابن دينار، فإنه جرح يوم بئر معونة ومات بالخندق". عيون الأثر (٢/ ٧١) . وقد ذكر أصحاب المغازي أن عمرًا أسره عامر بن الطفيل فجزّ ناصيته ثم أعتقه على رقبة كانت على أمه. انظر: ابن هشام (٢/ ١٨٥) ومغازي الواقدي (١/ ٣٤٨)، والطبقات الكبرى (٢/ ٥٢)، ودلائل البيهقي (٣/ ٣٤٢) .
[ ١ / ٤٢٢ ]
قال الزهري: فأخبرني عروة بن الزبير أنه لما رجع إلى النبي ﷺ قال له: أمِنْ بينهم؟
قال الزهري: “وبلغني أنهم لما دُفنوا التمسوا جسد عامر بن فهيرة فلم يقدروا عليه، فيرون أن الملائكة دفنته"١.
_________________
(١) ١ المصنف (٥/ ٣٨٢- ٣٨٣) .
[ ١ / ٤٢٣ ]
المبحث السابع: في أَثَرِ وقعة بئر معونة على النبي ﷺ والمسلمين١
٦١- أخرج الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: أخبرني سعيد بن المسيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف أنهما سمعا أبا هريرة يقول: “ كان رسول الله ﷺ يقول حين يفرغ من صلاة الفجر من القراءة ويكبر، ويرفع رأسه: (سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد) ثم يقول وهو قائم: “اللهم أنج الوليد بن الوليد٢، وسلمة ابن هشام٣، وعياش بن أبي ربيعة٤، والمستضعفين من المؤمنين، اللهم
_________________
(١) ١ عن أنس ﵁ قال: ما رأيت رسول الله ﷺ وجد على أحد ما وجد على أصحاب بئر معونة. ابن سعد في الطبقات الكبرى (٢/ ٥٤) . ٢ هو: الوليد بن الوليد بن المغيرة القرشي المخزومي، أخو خالد بن الوليد، كان حضر بدرًا مع المشركين فأُسر فافتداه أخواه هشام وخالد، ولما أسلم حبسه أخواله فكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت كما في الصحيح. الإصابة (٣/ ٦٣٩) . ٣ سلمة بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي أخو أبي جهل والحارث، يكنى أبا هشام، كان من السابقين، استشهد بِمَرْجِ الصُّفَّر في المحرم سنة أربع عشرة، وقيل استشهد بأجنادين. الإصابة (٢/ ٦٨- ٦٩) . ٤ عياش بن أبي ربيعة واسمه عمرو، يلقب بذي الرمحين، ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم القرشي المخزومي ابن عم خالد، كان من السابقين، وهاجر الهجرتين، ثم خدعه أبو جهل، إلى أن رجعوه من المدينة إلى مكة فحبسوه، وكان النبي ﷺ يدعو له في القنوت كما ثبت في الصحيح. الإصابة (٣/ ٤٧) .
[ ١ / ٤٢٤ ]
اشدد وطأتك على مضر واجعلها عليهم كسني يوسف، اللهم العن لحيان ورعلًا١، وذَكْوان٢ وعُصَيَّة٣ عصت الله ورسوله” ٤ ثم بلغنا أنه ترك
_________________
(١) ١ رِعْل: بكسر الراء وسكون المهملة بعدها لام، هم بطن من بني سُليم، ينسبون إلى رعل بن عوف بن مالك بن امرئ القيس بن لهيعة بن سليم. فتح الباري (٦/ ١٩) تحت حديث رقم (٢٨٠١) و(٧/ ٢٧٩) . ٢ ذكوان: بطن من بني سليم أيضًا ينسبون إلى ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم. الفتح (٧/ ٢٧٩) . ٣ عُصيَّة: بطن من بني سليم - مصغر -، قبيلة تنسب إلى عصية بن خفاف بن ندبة بن بهثة بن سليم. الفتح (٧/ ٣٩٢) . ٤ صحيح مسلم (١/ ٤٦٦ رقم ٦٧٥)، وأخرجه مسلم أيضًا من طرق مختلفة، وألفاظ متقاربة انظرها بعد هذا الحديث. وأخرجه البخاري في الصحيح (الفتح ٨/ ٢٢٦ رقم ٤٥٥٩) دون ذكر لحيان ورعل وذكوان وعصية. وأخرجه البخاري من غير طريق الزهري وفيه ذكر القبائل المذكورة، صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٣٨٥ رقم ٤٠٩٠)، وأخرجه الشافعي في مسنده (١/ ٨٦- ٨٧)، والحميدي رقم (٩٣٩)، وأحمد في المسند (١٢/ ٤٣١، رقم [٧٤٦٥] أرناؤوط)، والنسائي ٢/ ٢٠١، وأبو عوانة من طريق شعيب بن أبي حمزة عن الزهري به، وابن أبي شيبة في المصنف (٢/ ٣١٦- ٣١٧)، والدارمي في سننه (١/ ٣٧٤)، وابن خزيمة رقم (٦١٩)، والطبري في تهذيب الآثار رقم (٥٣٩)، والطحاوي (١/ ٢٤٢)، وابن حبان رقم (١٩٧٢)، والبيهقي في السنن (٢/ ١٩٧ و٢٤٤)، والبغوي في شرح السنة رقم (٦٣٧) .
[ ١ / ٤٢٥ ]
ذلك لما أنزل: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذَّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ﴾ ١.
_________________
(١) ١ الآية (١٢٨) من سورة آل عمران. وقد أخرج البخاري من حديث أنس ﵁ سبب نزول هذه الآية وأن ذلك كان في أحد عندما شج وجه رسول الله ﷺ حيث قال ﵊: "كيف يفلح قوم شجوا نبيهم؟ ". فنزلت الآية: ﴿ليسَ لكَ مِنَ الأمْرِ شيء﴾ البخاري مع الفتح (٧/ ٣٦٥ رقم ٤٠٦٩) . قال الحافظ: "قلت: وهذا إن كان محفوظًا احتمل أن يكون نزول الآية تراخي عن قصة أحد، لأن قصة رعل وذكوان كانت بعدها، والصواب أنها نزلت في شأن الذي دعا عليهم بسبب قصة أحد، والله أعلم. اهـ. ثم قال: "ويؤيد ذلك ظاهر قوله تعالى في صدر الآية: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: يقتلهم ﴿أَوْ يَكْبِتَهُمْ﴾ أي يخزيهم ﴿أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ أي: فيسلموا ﴿أَوْ يُعَذِّبَهُمْ﴾ أي: إن ماتوا كفارًا". انظر: الفتح ٧/ ٣٦٦، تحت رقم (٤٠٧٠) . وقال ﵀ في موضع آخر (الفتح ٨/ ٢٢٧)، عند شرحه للحديث رقم (٤٥٦٠) المتعلق بقصة رعل وذكوان ونزول الآية فيهم: قال: تقدم استشكاله في غزوة أحد، وأن قصة رعل وذكوان كانت بعد أحد، ونزول: ﴿ليسَ لكَ مِنَ الأمْرِ شيء﴾ كان في قصة أحد، فكيف يتأخر السبب عن النزول، ثم ذكر بلاغ الزهري عند مسلم وقال عنه: "وهذا لا يصح، ثم حاول الجمع بين سبب نزول الآية في أحد ونزولها في قصة بئر معونة فقال: ويحتمل أن يقال إن قصتهم كانت عقب ذلك وتأخر نزول الآية عن سببها قليلًا ثم نزلت في جميع ذلك والله أعلم". اهـ. الفتح (٨/ ٢٢٧) . وَذِكْرُ بني لحيان في هذه الرواية وهْمٌ حيث إنهم أصابوا بعث الرجيع وليس لهم علاقة بحادثة بئر معونة، قال ابن سيد الناس بعد ذكره لرواية مسلم: وهو يوهم أن بني لحيان ممن أصاب القُرَّاء يوم بئر معونة وليس كذلك، وإنما أصاب هؤلاء رعل وذكوان وعصية ومن صحبهم من سليم، وأما بنو لحيان فهم الذين أصابوا بعث الرجيع، وإنما أتى الخبر إلى رسول الله ﷺ عنهم كلّهم في وقت واحد، فدعا على الذين أصابوا أصحابه في الموضعين دعاءً واحدًا. عيون الأثر (٢/ ٧٢) . وقال ابن حجر: "ذكر بني لحيان في هذه القصة وهم، وإنما كان بنو لحيان في قصة خبيب في غزوة الرجيع التي قبل هذه". الفتح (٧/٣٨٧) تحت رقم (٤٠٩) .
[ ١ / ٤٢٦ ]
المبحث الثامن: في غزوة ذات الرقاع١
_________________
(١) ١ اختلف أصحاب السير والمغازي في تاريخ وقوعها، فقد ذكر ابن إسحاق أنها في جمادى سنة أربع بعد غزوة بني النضير، ابن هشام (٢/ ٢٠٣)، وقال الواقدي: إنها كانت في المحرم ليلة السبت لعشر خلون منه، وذلك على رأس سبعة وأربعين شهرًا، المغازي (١/ ٣٩٥)، وتابع ابن سعد شيخه الواقدي في ذلك. انظر: الطبقات (٢/ ٦١) . قال الحافظ ابن حجر: "وأما موسى بن عقبة فجزم بتقديم وقوع غزوة ذات الرقاع، لكن تردد في وقتها، فقال: لا ندري كانت قبل بدر أو بعدها، أو قبل أحد أو بعدها، وهذا التردد لا حاصل له، بل الذي ينبغي الجزم به أنها بعد غزوة بني قريظة". اهـ. فتح الباري (٧/ ٤١٧) . وبمعنى هذا ذكر ابن القيم في الزاد (٣/ ٢٥٤)، ونَقْلُ ابن القيم وابن حجر لهذا القول عن موسى بن عقبة فيه نظر،
[ ١ / ٤٢٧ ]
_________________
(١) لأن محمد باقشيش قد ذكر في رسالته (مرويات موسى بن عقبة) نقلًا عن مسند أبي عوانة، أن موسى بن عقبة يجعل غزوة ذات الرقاع بعد بني النضير. انظر: رسالة الباحث محمد باقشيش (مرويات موسى بن عقبة:٢١٤) . والصواب أن ذات الرقاع كانت بعد خيبر وهو ما رجحه البخاري وابن حجر وذلك لأمور منها:
(٢) أن أبا هريرة ﵁ شهدها، وأبو هريرة لم يسلم إلا في سنة سبع عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٧)، ومسند أحمد (١٤/ ١٢ رقم [٨٢٦٠] أرناؤوط) وسنن أبي داود رقم (١٢٤٠)، وسنن النسائي (٣/ ١٧٣- ١٧٤)، وصحيح ابن خزيمة رقم (١٣٦١)، وشرح معاني الآثار (١/ ٣١٤)، والمستدرك للحاكم (١/ ٣٣٨)، والسنن الكبرى للبيهقي (٣/ ٢٦٤) .
(٣) أن عبد الله بن عمر ﵁ شهدها مع أنه قد ثبت أن أول مشاهده ﵁ الخندق، سنة خمس من الهجرة. انظر ذلك في صحيح البخاري مع الفتح (٢/ ٤٢٩ رقم (٩٤٣) ورقم (٤١٣٢)، وسنن الدارمي رقم (١٥٢١)، ومنتقى ابن الجارود. انظر: الغوث رقم (٢٣٣)، والطبراني في الكبير (١٢/ ٢٨٠ رقم (١٣١١٤)، وسنن البيهقي (٣/ ٢٦٠)، ودلائل النبوة له (٣/ ٣٧٩) .
(٤) شهود أبي موسى الأشعري ﵁ للغزوة، وهو إنما قدم من الحبشة سنة ٧هـ- عام خيبر. انظر: صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧ رقم (٤١٢٨)، هذه الأمور وغيرها ذكرها الحافظ بمعناها في الفتح (٧/ ٤١٧)، ثم قال ﵀ بعد ذكره للخلاف في ذلك: "فالأولى الاعتماد على ما ثبت في الحديث الصحيح" (الفتح ٧/ ٤١٨) ويقصد بذلك وقوعها بعد خيبر. وسميت بذات الرقاع: لما لفوا في أرجلهم من الخرق. صحيح البخاري مع الفتح (٧/ ٤١٧) من حديث أبي موسى ﵁. وذكر أهل المغازي في تسميتها بذلك أمورًا غير ذلك. انظرها في الفتح (٧/ ٤١٩) .
[ ١ / ٤٢٨ ]
٦٢- أخرج البخاري من طريق محمد بن أبي عتيق عن ابن شهاب عن سنان بن أبي سنان الدؤلي عن جابر بن عبد الله ﵄ أخبره: "أنه غزا مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد١ فلما قفل رسول الله ﷺ قفل معه، فأدركتهم القائلة في وادٍ كثير العضاة٢ فنزل رسول الله ﷺ وتفرق الناس في العضاة يستظلون بالشجر، ونزل رسول الله ﷺ تحت سمرة٣، فعلق بها سيفه، قال جابر: فنمنا نومة فإذا رسول الله ﷺ يدعونا، فجئناه فإذا عنده أعرابي٤ جالس، فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا
_________________
(١) ١ قبل نجد: المراد بها غزوة ذات الرقاع، كما وقع التصريح بها في حديث آخر، أخرجه البخاري عن جابر ﵁. انظر: الصحيح مع الفتح ٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٦)، ووقع التصريح بها أيضًا عند أبي داود من حديث أبي هريرة، وفيه " خرجنا مع رسول الله ﷺ إلى نجد حتى إذا كنا بذات الرقاع من نخل لقي جمعًا من غطفان " سنن أبي داود ٢/ ٣٤ رقم (١٢٤١)، وتاريخ الطبري ٢/ ٥٥٦- ٥٥٧. ٢ كثير العضاة: - بكسر المهملة وتخفيف الضاد المعجمة - كل شجر يعظم له شوك، وقيل: هو العظيم من السمر مطلقًا. فتح الباري ٧/ ٤٢٧. ٣ تحت سمرة: أي شجرة كثيرة الورق، الفتح ٧/ ٤٢٧، وقال ابن الأثير: هو ضرب من شجر الطلح، الواحدة سمرة. النهاية ٢/ ٣٩٩. ٤ اسم الأعرابي: غورث بن الحارث، ذكره البخاري معلقًا: الصحيح مع الفتح ٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٦) .
[ ١ / ٤٢٩ ]
اخترط١ سيفي وأنا نائم، فاستيقظت وهو في يده صلتًا٢، فقال لي: ما يمنعك مني؟ قلت: الله٣، فها هو ذا جالس، ثم لم يعاقبه رسول الله ﷺ"٤.
٦٣- وأخرج البخاري أيضًا من طريق شعيب عن الزهري، قال: سألته هل صلى النبي ﷺ - يعني صلاة الخوف - قال: أخبرني سالم أن عبد الله بن عمر ﵄ قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ قِبَل نجد٥، فوازينا٦ العدو، فصافَفْنا
_________________
(١) ١ اخترط: أي سله من غمده، وهو افتعل من الخرط. النهاية ٢/ ٢٣. ٢ صلتًا: بفتح المهملة وسكون اللام بعدها مثناة، أي: مجردًا من غمده. الفتح ٧/ ٤٢٧. ٣ إشارة إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ . ٤ صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٦ رقم (٤١٣٥)، وانظر رقم (٤١٣٦) ورقم (٢٩١٠) و(٢٩١٣) و(٤١٣٩)، ومسلم رقم (٨٤٣) وما بعدها، وتفسير عبد الرزاق ١/ ١٨٥، والمعرفة والتاريخ ١/ ٣٩٠، وصحيح ابن حبان ١٠/ ٣٩٩ رقم (٤٥٣٧)، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/ ٣١٩، والدلائل ٣/ ٣٧٣، ودلائل النبوة لقوَّام السنة الأصبهاني التيمي ٢/ ٦٨٣ رقم (٨٩)، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ص ٢٤٨، والإصابة ٣/ ١٨٩. ٥ قبل نجد: المراد غزوة ذات الرقاع كما تقدم. ونجد كل ما ارتفع من بلاد العرب، وهذه الغزوة كانت شرق المدينة جهة نجد على بعد مائة كيلو تقريبًا عند بلدة الحناكية اليوم، انظر: معجم المعالم الجغرافية ٣١٧. ٦ فوازينا: بالزاي: أي قابلنا. الفتح ٢/ ٤٣٠.
[ ١ / ٤٣٠ ]
لهم، فقام رسول الله ﷺ يصلي لنا، فقامت طائفة معه تصلي، وأقبلت طائفة على العدو، وركع رسول الله ﷺ بمن معه، وسجد سجدتين، ثم انصرفوا فكان الطائفة التي لم تصل، فجاءوا فركع رسول الله ﷺ بهم ركعة وسجد سجدتين ثم سلم، فقام كل واحد منهم فركع لنفسه ركعة وسجد سجدتين"١.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٢/ ٤٢٩ رقم (٩٤٢) كتاب الخوف، و٧/ ٤٢٢ رقم (٤١٣٢)، والنسائي ٣/ ١٧١ رقم (١٥٣٩)، والدارمي رقم (١٥٢١)، وسنن البيهقي ٣/ ٢٦٠، والدلائل له ٣/ ٣٧٩.
[ ١ / ٤٣١ ]
الفصل الخامس: في غزوة بني المصطلق من خزاعة وهي غزوة المريسيع
المبحث الأول: في تايخ الغزوة
المبحث الأول: في تأريخ الغزوة
٦٤- قال البيهقي: أخبرنا أبو الحسين بن بشران العدل١ ببغداد، قال: أخبرنا أبو عمرو٢ بن السماك، قال: حدثنا حنبل٣ بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي عن محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله ﷺ قال: ثم قاتل بني المصطلق٤ وبني لحيان في شعبان٥ من سنة خمس٦.
_________________
(١) ١ اسمه: علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أبو الحسين الأموي المعدل، قال الخطيب: "كان صدوقًا ثقة ثبتًا حسن الأخلاق". تاريخ بغداد ١٢/ ٩٨- ٩٩. ٢ هو: عثمان بن أحمد بن عبد الله بن يزيد أبو عمرو الدقاق المعروف بابن السماك، قال الخطيب: "وكان ثقة ثبتًا". تاريخ بغداد ١١/ ٣٠٢. ٣ هو: حنبل بن إسحاق بن حنبل بن هلال بن أسد، أبو علي الشيباني، ابن عم أحمد ابن حنبل، قال الخطيب: "وكان ثقة ثبتًا". تاريخ بغداد ٨/ ٢٨٦- ٢٨٧. ٤ المصطلق: بضم الميم وسكون المهملة وفتح الطاء وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب واسمه جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة، بطن من بني خزاعة. انظر: اللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٣/ ٢١٩، وفتح الباري ٧/ ٤٣٠ تحت رقم (٤١٣٨) . ٥ باتفاق المؤرخين، وانظر ابن هشام ٢/ ٢٨٩، ومغازي الواقدي ١/ ٤٠٤، والطبقات الكبرى لابن سعد ٣/ ٦٣ و٨/ ٢١٨، وتاريخ الطبري ٢/ ٦٠٤، والبيهقي في السنن٩/ ٥٤، والدلائل ٤/٤٥، وعيون الأثر ٢/١٣٤، وتاريخ الإسلام للذهبي قسم المغازي ٣٤٩، والبداية والنهاية ٤/١٥٦، وفتح الباري٧/ ٤٣٠. ٦ دلائل النبوة للبيهقي من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب مرسلة، ثم قال:
[ ١ / ٤٣٥ ]
_________________
(١) "وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست، وقد ذكر البخاري في الصحيح عن موسى بن عقبة أنها سنة أربع" صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٨. لكن المشهور عن موسى بن عقبة أنه ذكرها سنة خمس، قال ابن كثير بعد ذكره لقول البخاري: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها كانت في سنة أربع، والذي حكاه عنه وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس". البداية والنهاية ٤/ ١٥٦. وقال الحافظ ابن حجر بعد ذكره لقول البخاري: "وكأنه سبق قلم أراد أن يكتب سنة خمس، فكتب سنة أربع، والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم؛ سنة خمس" الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم قال: "وقال الحاكم في الإكليل: قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق". الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم قال ابن حجر أيضًا: "قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك كما سيأتي، فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهي أشد، فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا فتكون بعدها فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق، ومات من جراحته في قريظة". الفتح ٧/ ٤٣٠. ثم ذكر ﵀ مرجحًا آخر على أنها كانت سنة خمس فقال: "ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس، إذ الحديث فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب، والحجاب كان في ذي القعدة سنة أربع عند جماعة فيكون المريسيع بعد ذلك فيرجح أنها سنة خمس، وأما قول الواقدي: إن الحجاب كان في ذي القعدة سنة خمس فمردود، وقد جزم خليفة وأبو عبيدة وغير واحد بأنه كان سنة ثلاث، فحصلنا في الحجاب على ثلاثة أقوال أشهرها سنة أربع والله أعلم". اهـ. الفتح ٧/ ٤٣٠. وممن ذكرها في سنة خمس أبو معشر السندي. انظر: الفتح ٧/ ٤٣٠. وهو بصير بالمغازي كما قال أحمد. انظر: التهذيب ١٠/ ٤٢٠ رقم (٧٥٨)، والواقدي في المغازي ١/ ٤٠٤، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٣/ ٦٣ و٨/ ٢١٨، والبلاذري في أنساب الأشراف ٣٤١، وابن عبد البر في الاستيعاب ٤/ ٣٦٦، وابن الجوزي كما في المنتظم ٣/ ٢١٤، وتاريخ الإسلام للذهبي، قسم المغازي ٣٤٩، وابن القيم في الزاد ٣/ ٢٥٦. وأما ابن إسحاق فقد ذكر أنها وقعت سنة ست. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٨٩، وتبعه في ذلك خليفة بن خياط في تاريخه ٨٠، والطبري كما في التاريخ ٢/ ٦٠٤، والطبراني كما قال الهيثمي في المجمع ٦/ ٢٨٩.
[ ١ / ٤٣٦ ]
المبحث الثاني: في مقولة ابن أبيّ في غزوة بني المصطلق
٦٥- قال ابن شبَّة١: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد ابن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: خرج عبد الله بن أبيّ في عصابة من المنافقين مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فلما رأى كأن الله قد نصر رسوله وأصحابه أظهروا قولًا سيئًا في منزل نزله
_________________
(١) ١ تاريخ المدينة ١/ ٣٤٩، بسند مرسل، وتشهد له الرواية الآتية عند ابن أبي حاتم.
[ ١ / ٤٣٧ ]
رسول الله ﷺ، وكان في أصحاب رسول الله ﷺ رجل يقال له: جعال١ - وهم زعموا - أحد بني ثعلبة، ورجل من بني غفار يقال: جهجاه٢، فعلت أصواتهما واشتد جهجاه على المنافقين، ورد عليهم، وزعموا أن جهجاه خرج بفرس لعمر ﵁ يسقيه - وكان أجيرًا لعمر ﵁ - ومع جعال فرس لعبد الله بن أبيّ، فأوردوهما الماء فتنازعوا على الماء واقتتلوا، فقال عبد الله بن أبيّ: هذا ما جاوزنا به، آويناهم ومنعناهم ثم هؤلاء يقاتلون، وبلغ حسان بن ثابت الذي كان بين جهجاه الغفاري وبين
_________________
(١) ١ هو جعال بن سراقة الضمري، أوالغفاري أو الثعلبي. الإصابة ١/ ٢٣٥. ٢ هو جهجاه بن سعيد، وقيل: ابن قيس، وقيلك ابن مسعود الغفاري، شهد بيعة الرضوان بالحديبية، مات بعد عثمان بأقلّ من سنة. الإصابة ١/ ٢٥٣. وورد في الصحيحين من طريق عمرو بن دينار عن جابر قال: "كنا مع النبي ﷺ في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار " دون ذكر لأسماء معينة. صحيح البخاري رقم (٤٠٩٧)، ومسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٨، وفي رواية مسلم الأخرى من طريق أبي الزبير عن جابر: " اقتتل غلامان؛ غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار " مسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٧- ١٣٨. أما ابن إسحاق فقد ذكر أن المتنازعين هما: جهجاه بن مسعود أجير لعمر بن الخطاب من بني غفار، وسنان بن وبر الجهني حليف ابن عوف بن الخزرج. ابن هشام ٢/ ٢٩٠، وفي مغازي الواقدي ٢/ ٢١٥، جهجاه بن سعيد الغفاري وسنان بن وبر الجهني، وكذا ذكر ابن سعد في الطبقات ٢/ ٦٤- ٦٥. وعند الطبري في التفسير ٢٨/ ١١٣- ١١٤: "اقتتل رجلان أحدهما من جهينة والآخر من غفار) .
[ ١ / ٤٣٨ ]
الفتية الأنصاريين فغضب، وقال: وهو يريد المهاجرين من القبائل الذين يقدمون على رسول الله ﷺ للإسلام:
أمسى الجلابيب١ قد عزوا وقد كثروا وابن الفُريعة٢ أمسى بيضة البلد٣
فخرج رجل من بني سليم مغضبًا من قول حسان ﵁ فلما خرج ضربه حتى قيل قتله، ولا يراه إلا صفوان بن معطل، فإنه بلغنا أنه ضرب حسان بالسيف٤، فلم يقطع رسول الله ﷺ يده لضرب السلمي حسان، فقال: خذوه، فإن هلك حسان فاقتلوه، فأخذوه فأسروه وأوثقوه، وبلغ
_________________
(١) ١ الجلابيب: جمع جلباب وهو الإزار والرداء، وقيل: الملحفة. النهاية ١/ ٢٨٣، ويعني بالجلابيب: الغرباء. الروض الأنف ٤/ ٢١. ٢ ابن الفريعة هو: حسان بن ثابت ﵁ وهي الفريعة - بالفاء والعين المهملة مصغرًا - بنت خالد بن حبيش الخزرجية. الإصابة ١/ ٣٢٦. ٣ بيضة البلد: يعني متفردًا، وهي كلمة يتكلم بها في المدح تارة وفي معنى القِلِّ أخرى، يقال: فلان بيضة البلد أي: أنه واحد في قومه، عظيم فيهم، وفلان بيضة البلد: يريد أنه ذليل ليس معه أحد. الروض ٤/ ٢١، وانظر ديوان حسان ٦٩، تحقيق: عبد أمهنا. ٤ الذي ذكره ابن إسحاق كما في ابن هشام (٢/ ٣٠٤- ٣٠٥) بسند صحيح كما ذكر ذلك ابن حجر في تعجيل المنفعة ١٢٨: أن صفوان ضرب حسانًا بعد أن آذاه وهجاه بعد اتهامه في قصة الإفك. وأما ضربه في هذه فهي قبل حدوث قصة الإفك كما يفهم من سياق الرواية، ويمكن أن يقال بتعدد الحادثة.
[ ١ / ٤٣٩ ]
ذلك سعد بن عبادة فخرج في يومه فقال: أرسلوا الرجل، فأبوا عليه، فقال عمر ﵁: أثمّ إلى قوم رسول الله ﷺ تشتمون وتؤذونهم وقد زعمتم أنكم نصرتموهم؟
فغضب سعد لرسول الله ﷺ ولقومه فنصرهم، وقال: أرسلوا الرجل، وأبوا عليه حتى كاد يكون بينهم، فقال: ثم أرسلوه، فخرج به سعد إلى أهله فكساه حلة١، ثم أرسله فبلغنا أن السلمي دخل المسجد ليصلي فيه فرآه رسول الله ﷺ فقال: "من كساك؟ كساه الله من ثياب الجنة"٢.
قال: كساني سعد بن عبادة، وقال عبد الله بن أبيّ: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء الذي ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما خرج معهم رجل واحد منهم، وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولو أنا قد رجعنا إلى المدينة لقد أخرج الأعز منها الأذل، فأحصى الله عزوجل عليه ما قال وسمع زيد بن أرقم٣- رجل من بني الحارث بن الخزرج -
_________________
(١) ١ الحلة: واحدة الحلل، وهي: برود اليمن، ولا تسمى حلة إلا أن تكون ثوبين من جنس واحد. النهاية ١/ ٤٣٢. ٢ ذكر هذه القصة الحافظ في الإصابة ٢/ ١٩١ ولم أجدها في كتب الحديث. ٣ هو: زيد بن أرقم بن زيد بن قيس بن النعمان بن مالك بن الأغر بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج، مختلف في كنيته قيل: أبو عمر، وقيل: أبو عامر، استصغر يوم أحد، أول مشاهده الخندق، وقيل: المريسيع، وغزا مع النبي ﷺ سبع عشرة غزوة، ثبت ذلك في الصحيح وهو الذي سمع عبد الله بن أبيّ يقول: ليخرجن الأعز منها الأذل، مات بالكوفة أيام المختار سنة ست وستين وقيل: ثمان وستين. الإصابة ٢/ ٥٦٠.
[ ١ / ٤٤٠ ]
قول عبد الله بن أبيّ فأخبر عمر بن الخطاب ﵁، فأتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله هل لك في ابن أبيّ، فإنه يقول آنفًا: والله لولا نفقتكم على هؤلاء السفهاء ليس لهم شيء إلا ما ركبوا رقابكم، وما اتبعه منهم رجل وللحقوا بعشائرهم فالتمسوا العيش، ولئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، أخبرني زيد بن أرقم أنه سمع هذا منه، فابعث إليه يا رسول الله عباد بن بشر١ أخا بني عبد الأشهل، أو معاذ بن عمرو ابن الجموح٢ فليقتله، فكره رسول الله ﷺ قوله، فلما رأى ذلك عمر ﵁ سكت، وتحدث أهل عسكر رسول الله ﷺ بكلمة عبد الله بن أبيّ وأفاضوا٣ فيها، فأذّن مكانه بالرحيل ولم يتقارّ٤ في منزله، ولم يكن إلا أن نزل فارتحل، فلما استقل الناس قالوا: ما شأن رسول الله ﷺ لم يتقارّ في منزله لقد جاءه خبر، لعله أغير على المدينة وما فيها؟
فبعث النبي ﷺ إلى ابن أبيّ فسأله عما تكلم به، فحلف بالله ما قال
_________________
(١) ١ هو: عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن زعوراء بن عبد الأشهل ذكره موسى بن عقبة فيمن شهد بدرًا، قال واستشهد باليمامة، وهو ابن خمس وأربعين سنة. الإصابة ٢/ ٢٦٣. ٢ هو: معاذ بن عمرو بن الجموح الأنصاري الخزرجي السلمي، تقدم في مبحث غزوة بدر. ٣ أفاض القوم في الحديث يفيضون إذا اندفعوا فيه. النهاية ٣/ ٤٨٥. ٤ أي يسكن ويقيم في منزله. النهاية ٤/ ٣٧.
[ ١ / ٤٤١ ]
من ذلك شيئًا فقال النبي ﷺ: "إن كان سبق منك قول شيء فتب"، فجحد وحلف فوقع رجال بزيد بن أرقم، وقالوا: أسأت بابن عمك١ وظلمته، ولم يصدقك رسول الله ﷺ فبينما هم يسيرون رأوا النبي ﷺ يوحى إليه فلما قضى الله قضاءه في موطنه وسرّي عنه فإذا هو زيد بن أرقم، فأخذ بأذنه فعصرها حتى استشرف٢ القوم بفعل رسول الله ﷺ ولا يدرون ما شأنه فقال: "أبشر فقد صدق الله حديثك" فقرأ عليه سورة المنافقين حتى بلغ ما أنزل الله في ابن أبيّ: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ٣ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَفْقَهُونَ﴾ ٤ فلما نزل رسول الله ﷺ بقباء٥ من طريق
_________________
(١) ١ ليس المراد أنه ابن عمه حقيقة، بل المراد أنه من قومه من الخزرج. انظر: ترجمته في الإصابة ٢/ ٥٦٠. ٢ استشرف: أصل الاستشراف: أن تضع يدك على حاجبك وتنظر كالذي يستظل من الشمس حتى يستبين الشيء، وأصله من الشرف: العلو، أي يتطلعون إليه وينظرون. النهاية ٢: ٤٦٢. ٣ المنافقون، آية (٧) . ٤ المنافقون، آية (٨) . ٥ هكذا في الأصل [بقباء من طريق عمق] وعند البيهقي في الدلائل ٤/ ٥٩: فلما نزل رسول الله ﷺ [صنعاء من طريق عمان ]، وعند ابن إسحاق [ابن هشام ٢/ ٢٩٢]: (ثم راح بالناس حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع - يقال له: بقعاء - ) ويبدو لي أن هذا هو الصحيح، وأن كلمة (قباء) هنا محرفة من بقعاء. والله أعلم. والنقيع: وادٍ فحل من أودية الحجاز يقع جنوب المدينة أوله على بعد [٤٠] كيلًا، وأقصاه على قرابة [١٢٠] كيلًا قرب الفرع. معجم المعالم الجغرافية ٣٢٠.
[ ١ / ٤٤٢ ]
عُمَق١ سرح ظهرهم، وأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق، وقال الناس: يا رسول الله ما شأن هذه الريح؟
فزعموا أنه قال: "مات اليوم منافق عظيم النفاق٢ ولذلك عصفت وليس عليكم منها بأس إن شاء الله" وكان موته غائظًا للمنافقين.
قال جابر ﵄: فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقًا عظيم النفاق مات يومئذ، وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهرهم وفقدت راحلة رسول الله ﷺ بين الإبل، فسعى الرجال يلتمسونها، فقال رجل من المنافقين كان في رفقة من الأنصار: أين يسعى هؤلاء الرجال؟
قال أصحابه: يلتمسون راحلة رسول الله ﷺ، فقال المنافق: ألا يحدثه الله بمكان راحلته؟
_________________
(١) ١ العُمَق: موضع على جادة طريق مكة بين معدن بني سُلَيم وذات عرق، اللسان، عُمَق. ٢ ذكر ابن إسحاق أن اسمه: رفاعة بن زيد بن التابوت. ابن هشام ٢/ ٢٩٢، وانظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/ ١٥٨، وهبوب الريح ذكرها مسلم عن جابر (شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٢٧) دون ذكر لاسم الغزوة أو ذكر لاسم الرجل، وذكره أحمد في المسند ٢٢/ ٢٧٦ رقم [١٤٣٧٨] أرناؤوط، وليس فيها أيضًا ذكر الغزوة.
[ ١ / ٤٤٣ ]
فأنكر عليه أصحابه ما قال، وقالوا: قاتلك الله، فلم خرجت وهذا في نفسك؟ لا صحبتنا الساعة.
فمكث المنافق معهم شيئًا ثم قام وتركهم فعمد لرسول الله ﷺ فسمع الحديث، فوجد الله قد حدثه حديثه، فقال رسول الله ﷺ والمنافق يسمع: "إن رجلًا من المنافقين شمت أن ضلت ناقة رسول الله ﷺ، وقال: ألا يحدثه الله بمكان ناقته، وإن الله أخبرني بمكانها، ولا يعلم الغيب إلا الله، وإنها في الشعب المقابل لكم قد تعلق زمامها بشجرة" ١، فعمدوا إليها فجاءوا بها، وأقبل المنافق سريعًا حتى أتى الذين قال عندهم ما قال، فإذا هم جلوس مكانهم لم يقم منهم أحد من مجلسه، فقال: أنشدكم بالله هل أتى منكم أحدٌ محمدًا، فأخبره بالذي قلت؟
قالوا: اللهم لا، ولا قمنا من مجلسنا هذا بعد.
قال: فإني قد وجدت عند القوم حديثي، والله لكأني لم أُسلم إلا اليوم، وإن كنت لفي شك من شأنه، فأشهد أنه رسول الله، فقال له أصحابه: فاذهب إليه فليستغفر لك، فزعموا أنه ذهب إليه فاعترف بذنبه،
_________________
(١) ١ ذكر ابن إسحاق هذه القصة من غير طريق الزهري، في غزوة تبوك، انظر: ابن هشام ٢/ ٥٢٣، وذكرها الواقدي في مغازيه: حدثني يونس بن محمد عن يعقوب بن عمر بن قتادة عن محمود بن لبيد، ثم ذكر المتن، انظر: المغازي ٣/ ١٠٠٩- ١٠١٠، وذكر ابن كثير نقلًا عن ابن إسحاق هذه القصة مقتصرًا على ذكر نزول المطر وضياع ناقة رسول الله ﷺ، انظر: البداية والنهاية ٥/ ٩.
[ ١ / ٤٤٤ ]
فاستغفر له رسول الله ﷺ، ويزعمون انه ابن اللّصيت١، ولم يزل - زعموا - يفسل٢ حتى مات".
٦٦- وقال ابن أبي حاتم٣: حدثنا محمد بن عزيز الأيلي٤ حدثني سلامة٥، حدثني عقيل أخبرني محمد بن مسلم أن عروة بن الزبير وعمرو
_________________
(١) ١ هو زيد بن اللصيت القينقاعي، انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٥٣٣، ومغازي الواقدي ٣/ ١٠١٠، وأسد الغابة ٢/ ٢٩٨. قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد عن رجال من بني عبد الأشهل، فذكر حديثًا طويلًا يتعلق بغزوة تبوك، ثم ذكر قصة ابن اللصيت، وقد تبعه في ذلك الواقدي كما تقدم ٣/ ١٠١٠، وابن جرير الطبري في التاريخ ٣/ ١٠٥- ١٠٦، وابن الأثير كما في أسد الغابة ٢/ ٢٩٨، وابن سيد الناس كما في عيون الأثر ٢/ ٢٩٥، وابن إسحاق قد صرح بالسماع فيظهر أن حديثه حسن، ولا مانع من تعدد القصة، والله أعلم. ٢ يفسل: الفسل: الرذل الذي لا مروءة له. القاموس ١٣٤٦، مادة (فسل) . ٣ ابن كثير: تفسير القرآن العظيم ٤/ ٣٧١- ٣٧٢، وقد راجعت تفسير ابن أبي حاتم المطبوع حديثًا ولم أعثر عليه. ٤ هو: محمد بن عُزيز - بمهملة وزايين، مصغر - ابن عبد الله بن زياد، فيه ضعف، وقد تكلموا في صحة سماعه من عمه سلامة، من الحادية عشرة، مات سنة سبع وستين، س ق، التقريب ٤٩٦ رقم (٦١٣٩) . ٥ هو: سلامة بن روح بن خالد أبو روح الأيلي، - بفتح الهمزة بعدها تحتانية - ابن أخي عقيل بن خالد يكنى أبا خَرْبَق - بفتح المعجمة وسكون الراء بعدها موحدة مفتوحة، وقيل بصيغة التصغير -، صدوق له أوهام، وقيل: لم يسمع من عمه وإنما يحدث من كتبه، من التاسعة، مات سنة سبع - أو ثمان - وتسعين، حت س ق، التقريب ٢٦١ رقم (٢٧١٣) .
[ ١ / ٤٤٥ ]
ابن ثابت الأنصاري١ أخبراه أن رسول الله ﷺ غزا غزوة المريسيع٢، وهي التي هدم رسول الله ﷺ فيها مناة الطاغية٣ التي كانت بين قفا المُشَلَّل٤ وبين البحر، فبعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد فكسر
_________________
(١) ١ عمرو بن ثابت: صوابه عمر - بضم أوله -، انظر: التهذيب ٨/ ١٠، والتقريب ٤١٩ بقد رقم (٤٩٩٥)، وهو عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة، من الثالثة، أخطأ من عده من الصحابة، م، التقريب ٤١٠ رقم (٤٨٧٠) . ٢ المريسيع: بضم الميم وفتح الراء وسكون التحتانية بينهما مهملة مكسورة وآخره عين مهملة، هو ماء لبني خزاعة بينه وبين الفرع مسيرة يوم، فتح الباري ٧/ ٤٣٠. وكانت ديار بني المصطلق جهة (قُديد) وهي على بعد ١٢٠ كيلًا من مكة إلى جهة المدينة؟ انظر: معجم المعالم الجغرافية ٢٤٩، ويبعد ماء المريسيع عن ساحل البحر قرابة (٨٠) كيلًا تقريبًا، المصدر السابق ص ٢٩١، وانظر: تحديد وتفصيل ديار بني المصطلق وخزاعة عمومًا في رسالة (مرويات غزوة بني المصطلق) للشيخ إبراهيم القريبي من ص: ٥٣- ٥٨. ٣ مناة الطاغية: اسم صنم في جهة البحر مما يلي قديدًا بالمشلل على سبعة أميال من المدينة، وكان الأزد وغسان يهلون له ويحجون إليه، معجم البلدان لياقوت الحموي ٥/ ٢٠٤، ومعجم المعالم الجغرافية ٣٠٣، وذكر أن موقعه كان في بلدة صَعْبَر اليوم بين رابغ وخليص. ٤ المُشَلَّل: - بضم الميم وفتح الشين المعجمة، وتشديد اللام الأولى - وهي ثنية تأتي أسفل قديد من الشمال إذا كنت في بلدة (صعبر) بين رابغ والقضيمة كانت المشلل مطلع الشمس مع ميل إلى الجنوب، وحرة المشلل هي التي تراها من تلك القرية سوداء مدلهمة، معجم المعالم ٢٩٨.
[ ١ / ٤٤٦ ]
مناة١، فاقتتل رجلان في غزوة رسول الله ﷺ تلك أحدهما من المهاجرين والآخر من بهز٢، وهم حلفاء الأنصار، فاستعلى الرجل الذي من المهاجرين على البهزي فقال البهزي: يا معشر الأنصار، فنصره رجال من الأنصار، وقال المهاجري: يا معشر المهاجرين، فنصره رجال من المهاجرين، حتى كان بين أولئك الرجال من المهاجرين والرجال من الأنصار شيء من القتال، ثم حجز بينهم فانكفأ٣ كل منافق أو رجل في قلبه مرض إلى عبد الله بن أبيّ بن سلول فقال: قد كنت ترجى وتدفع،
_________________
(١) ١ ذكر خالد بن الوليد في هذه الغزوة التي كانت سنة خمس وكسره لمناة غريب، فإن خالدًا لم يكن أسلم بعد حيث ذكر ابن إسحاق إسلامه كان قُبيل فتح مكة، ابن هشام ٢/ ٢٧٧. وقد ورد عند البخاري في الصحيح أن خالدًا كان على طليعة جيش قريش زمن الحديبية. انظر: الفتح ٥/ ٣٢٩، والحديبية سنة ست من الهجرة. ولعل أحد الرواة أدرجها هنا لذكر مناة الطاغية. ٢ بَهْز: إحدى قبائل بني سُليم، وهو: بهز بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم بن منصور السلمي ثم البهزي، انظر: أسد الغابة لابن الأثير ١/ ٤٥٦، ترجمة الحجاج بن عِلاط، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ٢٦٢، وتاج العروس للزبيدي ٤/ ١٠، ومعجم قبائل العرب لعمر كحالة ١/ ١١٠. ٣ انكفأ: أي مال ورجع. النهاية ٤/ ١٨٣.
[ ١ / ٤٤٧ ]
فأصبحت لا تضر ولا تنفع، قد تناصرت علينا الجلابيب - وكانوا يدعون كل حديث الهجرة الجلابيب - فقال عبد الله بن أبيّ عدو الله: والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل١.
قال مالك بن الدُّخْشُن٢، وكان من المنافقين: ألم أقل لكم لا
_________________
(١) ١ كلام عبد الله بن أبيّ هذا قد ورد في الصحيحين. انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٥٢ رقم (٤٩٠٧)، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ١٢٠. ٢ الصواب: مالك بن الدخشم. انظر ترجمته في: الاستيعاب ٣/ ٤٠٥ رقم (٢٢٩٢)، وأسد الغابة ٥/ ٢٢، والإصابة ٣/ ٣٤٣. قال ابن عبد البر: "مالك بن الدخشم بن مالك بن الدخشم بن غَنم بن عوف بن عمرو بن عوف، شهد العقبة في قول ابن إسحاق وموسى والواقدي، قال أبو عمر: لم يختلفوا أنه شهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وهو الذي أسر سهيل بن عمرو، وكان يتهم بالنفاق، وهو الذي أسرَّ فيه الرجل إلى رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "أليس يشهد أن لا إله إلا الله" فقال الرجل: بلى، ولا شهادة له، فقال رسول الله ﷺ: "أليس يصلي؟ " قال: بلى، ولا صلاة له، فقال رسول الله ﷺ: "أولئك الذين نهاني الله عنهم"، (الحديث أخرجه مسلم، كتاب الإيمان رقم ٥٤، وأحمد ١٩/ ٣٧٧- ٣٧٨ رقم [١٢٣٨٤] أرناؤوط، وعبد الرزاق في المصنف رقم (١٨٦٨٨) . قال ابن عبد البر: "والرجل الذي سارَّ رسول الله ﷺ فيه هو: عتبان بن مالك، وروى قتادة عن أنس بن مالك قال: ذُكر مالك بن الدخشم عند النبي ﷺ فسبوه، فقال النبي ﷺ: "لا تسبوا أصحابي"، (أخرجه البخاري في صحيحه، الفتح ٧/ ٢١ رقم (٣٦٧٣)، ومسلم كتاب فضائل الصحابة، رقم (٢٢٢) وغيرهما) . قال أبو عمر: لا يصح عنه النفاق، وقد ظهر من حسن إسلامه ما يمنع من اتهامه. والله أعلم". أ. هـ. الاستيعاب ٣/ ٤٠٥- ٤٠٦.
[ ١ / ٤٤٨ ]
تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا١، فسمع بذلك عمر بن الخطاب، فأقبل حتى أتى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل قد أفتن الناس أضرب عنقه، يريد عمر عبد الله بن أبيّ٢، فقال رسول الله ﷺ: "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله"؟ فقال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن عنقه.
فقال رسول الله ﷺ: (اجلس)، فأقبل أسيد بن حضير وهو أحد الأنصار ثم أحد بني عبد الأشهل حتى أتى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله ائذن لي في هذا الرجل الذي قد أفتن الناس أضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "أو قاتله أنت إن أمرتك بقتله"؟
قال: نعم، والله لئن أمرتني بقتله لأضربن بالسيف تحت قرط
_________________
(١) ١ الذي في الصحيحين أن الذي قال ذلك إنما هو عبد الله بن أبيّ بن سلول، انظر: صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٦٤٤ رقم (٤٩٠٠ و٤٩٠٤)، ومسلم بشرح النووي ١٧/ ١٢٠. ٢ ورد في الصحيحين ما يشهد لهذا من حديث جابر وفيه: " فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: دعه لا يتحدث الناس أن محمدًا يقتل أصحابه". البخاري مع الفتح ٨/ ٦٤٨ رقم (٤٩٠٥)، ومسلم بشرح النووي ١٦/ ١٣٨.
[ ١ / ٤٤٩ ]
أذنيه١.
فقال رسول الله ﷺ: "اجلس"، ثم قال رسول الله ﷺ: "آذنوا بالرحيل" فهجَّر٢ الناس فسار يومه وليلته والغد حتى مَتَعَ٣ النهار، ثم نزل ثم هجر بالناس مثلها حتى صبح بالمدينة في ثلاث سارها من قفا المشلل، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أرسل عمر فدعاه، فقال له رسول الله ﷺ: "أي عمر أكنت قاتله لو أمرتك بقتله"؟
فقال عمر: نعم، فقال رسول الله ﷺ: "والله لو قتلته يومئذ لأرغمت أنوف رجال لو أمرتهم اليوم بقتله لقتلوه٤، فيتحدث الناس أني قد وقعت على أصحابي فأقتلهم صبرًا" ٥ وأنزل الله عزوجل: ﴿هُمُ الذِيْنَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا على مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾ ٦ إلى قوله تعالى:
_________________
(١) ١ القرط: نوع من حلي الأذن معروف، ويجمع على أقراط وقرطة، وأقرطة. النهاية ٤/ ٤١، والمراد أن يضرب عنقه. ٢ فهجَّر الناس: التهجير والتهجُّر، والإهجار؛ السير في الهاجرة، والهاجرة: اشتداد الحر نصف النهار. النهاية ٥/ ٢٤٦. ٣ متع النهار: إذا طال وامتد وتعالى. النهاية ٤/ ٢٩٣. ٤ إلى هنا ورد نحوه عند ابن هشام ٢/ ٢٩٣، وزاد: قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري". ٥ تقدم أن في الصحيحين ما يشهد لذلك. ٦ سورة المنافقين، آية (٧) .
[ ١ / ٤٥٠ ]
﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ ١ الآية، هكذا ساقه ابن كثير في تفسيره، ثم قال: وهذا سياق غريب وفيه أشياء نفيسة لا توجد إلا فيه.
_________________
(١) ١ سورة المنافقين، آية (٨) .
[ ١ / ٤٥١ ]
المبحث الثالث: في حديث الإفك وبراءة عائشة ﵂
٦٧- قال البخاري رحمه الله١: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح عن ابن شهاب، قال: حدثني عروة بن الزبير وسعيد بن المسيب وعلقمة بن وقّاص وعبيد الله بن عتبة بن مسعود عن عائشة ﵂ زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا وكلهم حدثني طائفة من حديثها وبعضهم كان أوعى لحديثها٢ من
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٤٣١ رقم (٤١٤١) . ٢ يُعد الزهري أول من استخدم جمع الإسانيد ليكتمل السياق وتتصل الأحداث دون أن تقطعها الأسانيد. أكرم العمري: السيرة الصحيحة ١/٥٥. وقد انتقد على الزهري في هذا حيث لم يذكر حديث كلٍّ منهم على جهته، كما حكى ذلك القاضي عياض، ونقله الحافظ العراقي في طرح التثريب ٨/٤٧. ولكن هذا الانتقاد ليس في محله، فقدقال الإمام النووي ﵀: "هذا الذي ذكره الزهري من جمعه الحديث عنهم جائز لا منع منه، ولا كراهة فيه، لأنه قد بيّن أن بعض الحديث عن بعضهم، وبعضه عن بعضهم، وهؤلاء الأربعة أئمة حفاظ ثقات من أجلِّ التابعين، فإذا ترددت اللفظة من هذا الحديث بين كونها عن هذا أو ذاك لم يضرّ، وجاز الاحتجاج بها لأنهما ثقتان، وقد اتفق العلماء على أنه لو قال حدثني زيد أو عمرو وهما ثقتان معروفان بالثقة عند المخاطب جاز الاحتجاج به" النووي على مسلم ١٧/ ١٠٢- ١٠٣. وقال في موضع آخر أثناء تعداده لفوائد الحديث: "إحداها جواز رواية الحديث الواحد عن جماعة عن كل واحد قطعة مبهمة منه وهذا وإن كان فعل الزهري وحده فقد أجمع المسلمون على قبوله والاحتجاج به" النووي على شرح مسلم ١٧/ ١١٦. وقال ابن رجب في شرح العلل (٣٥٩) بعد أن ذكر أقوال بعض العلماء فيمن يفعل ذلك: "ومعنى هذا أن الرجل إذا جمع بين حديث جماعة وساق الحديث سياقة واحدة فالظاهر أن لفظهم لم يتفق، فلا يقبل هذا الجمع إلا من حافظ متقن لحديث، يعرف اتفاق شيوخه واختلافهم كما كان الزهري يجمع بين شيوخ له في حديث الإفك وغيره". قال الحافظ ابن حجر: "وحاصله أن جميع الحديث عن مجموعهم لا أن مجموعه عن كل واحد منهم". الفتح ٨/ ٤٥٧.
[ ١ / ٤٥٢ ]
بعض وأثبت له اقتصاصًا وقد وعيتُ عن كل رجل منهم الحديث الذي حدثني عن عائشة وبعض حديثهم يصدق بعضًا وإن كان بعضهم أوعى له من بعض، قالوا: قالت عائشة: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرًا أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه، قالت عائشة: فأقرع بيننا في غزوة١ غزاها فخرج فيها سهمي، فخرجت مع
_________________
(١) ١ هي: غزوة بني المصطلق - المريسيع - كما جاء ذلك مصرحًا في بعض الروايات، انظر: ابن هشام ٢/ ٢٩٧، وأبا يعلى في مسنده ٨/ ٣٢٢ رقم (٤٩٢٧)، وتاريخ الطبري ٢/ ٦١١، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٩٧- ٩٧ رقم (١٤٥)، ودلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٦٣، إلا أنه قال: المريسيع، و٤/ ٧٣، وقال البخاري: "وقال النعمان بن راشد عن الزهري: "كان حديث الإفك في غزوة المريسيع"، البخاري مع الفتح ٧/ ٤٢٨، وقد وصل هذه الرواية البيهقي في الدلائل ٤/ ٦٣، والجوزقي كما ذكر الحافظ ابن حجر في التغليق ٤/ ١٢٣.
[ ١ / ٤٥٣ ]
رسول الله ﷺ بعدما أنزل الحجاب١، فكنت أحمل في هودجي٢ وأنزل فيه، فسرنا حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوته تلك وقفل ودنونا من المدينة قافلين آذن ليلة بالرحيل، فقمت حين آذنوا بالرحيل فمشيت حتى جاوزت الجيش فلما قضيت شأني أقبلت إلى رحلي فلمست صدري فإذا عقد لي من جزع٣ ظَفَار٤ قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه، قالت: وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلوني فاحتملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب عليه وهم
_________________
(١) ١ تقدم الكلام على الحجاب ونزوله وأنه كان سنة أربع على المشهور، انظر: الرواية رقم [٦٥] من هذا البحث. ٢ الهودج: - بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة آخره جيم - محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه يوضع على ظهر البعير، يركب عليه النساء ليكون أستر لهن. الفتح ٨/ ٤٥٨. ٣ الجزع: - بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة -، وهو خرز يماني، النووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. وانظر: فتح الباري ٨/ ٤٥٨- ٤٥٩. ٤ ظفار: بوزن قطام، - وهي مبنية على الكسر -، اسم مدينة لحمير باليمن، النهاية ٣/ ١٥٨، وانظر الفتح ٨/ ٤٥٩.
[ ١ / ٤٥٤ ]
يحسبون أني فيه، وكان النساء إذ ذاك خفافًا لم يُهَبَّلْن١ ولم يغشهن اللحم وإنما يأكلن العُلقة٢ من الطعام فلم يستنكر القوم خفة الهودج حين رفعوه وحملوه، وكنت جارية حديثة السن فبعثوا الجمل فساروا، ووجدت عقدي بعدما استمر الجيش فجئت منازلهم وليس بها منهم داع ولا مجيب، فتيممت٣ منزلي الذي كنت به وظننت أنهم سيفقدوني فيرجعون إليّ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطَّل السلمي٤ ثم الذكواني من وراء الجيش فأصبح عند منزلي فرأى سواد إنسان نائم فعرفني حين رآني، وكان رآني قبل الحجاب فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي
_________________
(١) ١ يُهبَّلن: - بضم التحتانية وتشديد الموحدة - أي: لم يكثر عليهن اللحم، يقال: هبّله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضًا. النهاية ٥/ ٢٤٠. ٢ العُلقة: - بضم المهملة وسكون اللام - من الطعام: أي البلغة منه/ النهاية ٣/ ٢٨٩، والنووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. ٣ تيممت منزلي: أي قصدته. النووي على مسلم ١٧/ ١٠٤. ٤ هو: صفوان بن المعطل بن ربيعة - بالتصغير -، ابن خزاعي السلمي ثم الذكواني، الإصابة ٢/ ١٩٠، والمعطّل: - بفتح الطاء المهملة المشددة -. الفتح ٨/ ٤٦١. ٥ أي: قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون، كما جاء مصرحًا بذلك عند ابن إسحاق. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٩٨. ٦ خمرت وجهي: أي غطيتنه، والتخمير: التغطية، النهاية ٢/ ٧٧، والنووي على مسلم ١٧/ ١٠٥.
[ ١ / ٤٥٥ ]
بجلبابي ووالله ما تكلمنا بكلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، وهوى حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فقمت إليها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش موغرين١ في نحر الظهيرة٢، وهم نزول، قال: فهلك من هلك، وكان الذي تولى كبر الإفك٣ عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: أخبرت أنه كان يشاع ويتحدث به عنده فيقره ويستمعه ويستوشيه٤، وقال عروة أيضًا: لم يسم من أهل الإفك أيضًا إلا حسان بن ثابت٥، ومسطح ابن أثاثة٦، وحمنة بنت
_________________
(١) ١ موغرين: - بضم الميم وسكون الغين المعجمة والراء المهملة -، أي: نازلين في وقت الوغرة - بفتح الواو وسكون الغين -: وهي شدة الحر لما تكون الشمس في كبد السماء. شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ١٠٥. ٢ في نحر الظهيرة: أي أولها، ونحر النهار والشهر: أوله. القاموس ٦١٧، مادة (نحر) . ٣ كبر الإفك: كبر الشيء معظمه أي إثمه، النووي مع مسلم ١٧/ ١٠٥، والفتح ٨/ ٤٦٤، والإفك: أسوأ الكذب وأقبحه، وهو مأخوذ من أفك الشيء إذا قلبه على وجهه، فالإفك هو الحديث المقلوب، وقيل هو: البهتان. فتح القدير للشوكاني ٤/ ١٢. ٤ يستوشيه: أي يستخرجه بالبحث عنه والتفتيش، ثم يفشيه ويشيعه ويحركه ولا يدعه يخمد. فتح الباري ٨/ ٤٦٤. ٥ هو: حسان بن ثابت بن المنذر بن حرام بن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري الخزرجي، شاعر رسول الله ﷺ، قال ابن سعد: عاش في الجاهلية ستين وفي الإسلام ستين. ومات وهو ابن عشرين ومائة. الإصابة ١/ ٣٢٦. ٦ هو: مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف بن قصي المطلبي، كان اسمه عوفًا وأما مسطح فلقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر الصديق، توفي سنة أربع وثلاثين في خلافة عثمان، ويقال عاش إلى خلافة علي وشهد معه صفين ومات في تلك السنة سنة سبع وثلاثين. الإصابة ٣/ ٤٠٨- ٤٠٩.
[ ١ / ٤٥٦ ]
جحش١ في ناس آخرين لا علم لي بهم غير أنهم عصبة كما قال الله تعالى، وإن كبر ذلك يقال عبد الله بن أبيّ بن سلول، قال عروة: كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول إنه الذي قال: فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وِقاء٢
قالت عائشة: فقدمنا المدينة فاشتكيت حين قدمت شهرًا والناس يفيضون٣ في قول أصحاب الإفك لا أشعر بشيء من ذلك وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي إنما يدخل عليّ رسول الله ﷺ فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم٥؟ "
_________________
(١) ١ هي: حمنة بنت جحش الأسدية أخت أم المؤمنين زينب، كانت زوج مصعب ابن عمير فقتل عنها يوم أحد، فتزوجها طلحة بن عبيد الله، كانت من المبايعات وشهدت أحدًا فكانت تسقي العطشى، وتحمل الجرحى وتداويهم. الإصابة ٤/ ٢٧٥. ٢ ديوانه ﵁ (٦٢) . ٣ يُفيضون: - بضم أوله - أي يخوضون، من أفاض إذا أكثر منه. الفتح ٨/ ٤٦٥ ٤ يَريبني: - بفتح أوله - من الريب، ويجوز الضم من الرباعي، يقال: رابه وأرابه. الفتح ٨/ ٤٦٥. ورابه: شككه وأوهمه، شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٦. ٥ تيكم: - بالمثناة المكسورة - وهي للمؤنث مثل ذاكم للمذكر، الفتح ٨/ ٤٦٥، قال الحافظ: واستدلت عائشة بهذه الحالة على أنها استشعرت منه بعض جفاء ولكنها لما لم تكن تدري السبب لم تبالغ في التنقيب عن ذلك حتى عرفته. الفتح ٨/ ٤٦٥.
[ ١ / ٤٥٧ ]
ثم ينصرف فذلك يريبني ولا أشعر بالشر، حتى خرجت حين نقهت١، فخرجت مع أم مسطح٢ قِبَل المناصع٣، وكان متبرزنا وكنا لا نخرج إلا ليلًا إلى ليل وذلك قبل أن نتخذ الكُنُف٤ قريبًا من بيوتنا، قالت: وأمرنا أمر العرب الأُول٥ في البرية٦ قبل الغائط، وكنا
_________________
(١) ١ نقهت: - بفتح القاف وقد تكسر -، والأول أشهر، والناقِه: - بكسر القاف - الذي أفاق من مرضه ولم تتكامل صحته. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٢ أم مسطح: - بكسر الميم وسكون السين، وفتح الطاء بعدها حاء مهملة - قيل: اسمها سلمى، الفتح ٨/ ٤٦٥، قال الحافظ: وفيه نظر لأن سلمى اسم أم أبي بكر، ثم ظهر لي أن لا وهم فيه فإن أم أبي بكر خالتها. فسميت باسمها. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٣ قبل المناصع: أي جهتها، والمناصع: صعيد أفيح خارج المدينة، كان أهل المدينة يتبرزون فيها، الفتح ٨/ ٤٦٥، وشرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٦. ٤ الكنف: - بضمتين - جمع كنيف وهو الساتر، والمراد به هنا المكان المتخذ لقضاء الحاجة، الفتح ٨/ ٤٦٥. ٥ وأمرنا أمر العرب الأُول: - بضم الهمزة وتخفيف الواو -: صفة العرب، وبفتح الهمزة وتشديد الواو: صفة الأمر، قال النووي: "كلاهما صحيح تريد أنهم لم يتخلقوا بأخلاق العجم" الفتح ٨/ ٤٥٦، وانظر: شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٧. ٦ في البرية: - بفتح الموحدة وتشديد الراء ثم التحتانية -، والمراد البعد عن البيوت. الفتح ٨/ ٤٦٥.
[ ١ / ٤٥٨ ]
نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا، قالت: فانطلقت أنا وأم مسطح وهي ابنة أبي رُهم بن المطلب١ بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب فأقبلت أنا وأم مسطح قبل بيتي حين فرغنا من شأننا فعَثَرَت٢ أم مسطح في مِرْطها٣، فقالت: تَعِسَ مسطح٤، فقلت لها: بئس ما قلت، أتسبين
_________________
(١) ١ ابنة أبي رُهم: - بضم الراء وسكون الهاء -، وفي رواية صالح: بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وهو الصواب، واسم أبي رهم: أنيس. الفتح ٨/ ٤٦٥. ٢ عثرت: عثر: كبا، والعثرة: الزلة، وعثر به فرسه: سقط، اللسان ٢/ ٦٨٤، مادة (عثر) . ٣ المرط: - بكسر الميم - كساء من صوف، وربما كان من خز أو غيره. النهاية ٤/ ٣١٩. قال الحافظ: "وهذه ظاهره أنها عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر بعد ذلك، لكن في رواية هشام بن عروة - حديث رقم [٤٧٥٧]- أنها عثرت قبل أن تقضي عائشة حاجتها، وأنها لما أخبرتها الخبر رجعت كأن الذي خرجت له لا تجد منه لا قليلًا ولا كثيرًا، وكذا وقع في رواية ابن إسحاق (٢/ ٢٩٩)، قالت: "فوالله ما قدرت أن أقضي حاجتي" وفي رواية ابن أويس: (فذهب عني ما كنت أجد من الغائط، ورجعت عودي على بدئي) وفي حديث ابن عمر: (فأخذتني الحمى وتقلص ما كان مني)، ويجمع بينهما بأن معنى قولها: "وقد فرغنا من شأننا) أي من شأن المسير، لا قضاء الحاجة". اهـ. كلام الحافظ. الفتح ٨/ ٤٦٦. ٤ تَعِسَ: - بفتح المثناة وكسر العين المهملة وبفتحها أيضًا بعد سين مهملة - أي كب بوجهه، أو هلك ولزمه الشر. الفتح ٨/ ٤٦٦.
[ ١ / ٤٥٩ ]
رجلًا شهد بدرًا؟
قالت: أي هُنْتاه١، ولم تسمعي ما قال؟
قالت: وقلت: ما قال؟ فأخبرتني بقول أهل الإفك قالت: فازددت مرضًا على مرضي فلما رجعت إلى بيتي دخل عليّ رسول الله ﷺ فسلم ثم قال: (كيف تيكم؟)
فقلت له: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأريد أن أستيقن الخبر من قبلهما. قالت: فأذن لي رسول الله ﷺ فقلت لأمي: يا أماه ماذا يتحدث الناس، قالت: يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما امرأة قط وضيئة٢ عند رجل يحبها لها ضرائر٣ إلا أكثرن عليها٤، قالت: فقلت: سبحان الله أو لقد تحدث الناس بهذا٥؟
_________________
(١) ١ هنتاه: أي حرف نداء للبعيد، وقد يستعمل للقريب حيث ينزل منزلة البعيد، والنكتة فيه هنا أن أم مسطح نسبت عائشة إلى الغفلة عما قيل فيها ولإنكارها سبّ مسطح فخاطبتها خطاب البعيد، وهي بضم الهاء وسكون النون، وقد تفتح، بعدها مثناة وآخرها هاء ساكنة، الفتح ٨/ ٤٦٦. ٢ وضيئة: بوزن عظيمة من الوضاءة أي حسنة جميلة، وعند مسلم من رواية ابن ماهان (حظية) بمهملة ثم معجمة من الحظوة أي رفيعة المنزلة. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٣ ضرائر: جمع ضرة، وقيل للزوجات ضرائر لأن كل واحدة يحصل لها الضرر من الأخرى بالغيرة. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٤ أكثرن عليها: أي القول في عيبها. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٥ زاد الطبري (التفسير ١٨/ ٩١) من طريق معمر عن الزهري: "وبلغ رسول الله ﷺ؟ قالت: نعم"، وفي رواية ابن هشام (عند البخاري رقم ٤٧٥٧): "فقلت: وقد علم به أبي؟ قالت: نعم، قلت: ورسول الله؟ قالت: نعم، ورسول الله ﷺ". الفتح ٨/ ٤٦٧. ثم قال الحافظ ابن حجر ﵀: "طرق الحديث مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح، لكن وقع في حديث أم رومان ما يخالف ذلك ولفظه: "بينا أنا قاعدة أنا وعائشة إذ ولجت علينا امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقلت: وما ذاك؟ قالت: ابني ومن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا" هذا لفظ المصنف في المغازي، ولفظه في قصة يوسف: "قالت: إنه نمى الحديث، قالت عائشة: أي حديث؟ فأخبرتها، قالت: فسمعه أبو بكر؟ قالت: نعم، قالت: ورسول الله ﷺ؟ قالت: نعم، فخرت مغشيًا عليها". وطريق الجمع بينهما: أنها سمعت ذلك أولًا من أم مسطح ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها، فأخبرتها أمها بالأمر مجملًا كما مضى من قولها هوني عليك وما أشبه ذلك، ثم دخلت عليها الأنصارية، فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها، فقوي عندها القطع بوقوع ذلك، فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيًا منها أن لا يكونا سمعا ذلك ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها إنهما سمعاه غشي عليها". الفتح ٨/ ٤٦٧- ٤٦٨.
[ ١ / ٤٦٠ ]
قالت: فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ١ لي دمع ولا أكتحل بنوم٢، ثم أصبحت أبكي، قال: ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين اسْتَلْبَثَ٣ الوحي يسألهما ويستشيرهما في
_________________
(١) ١ لا يرقأ لي دمع: بالقاف بعدها همز: أي لا ينقطع. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٢ أكتحل بنوم: استعارة للسهر. الفتح ٨/ ٤٦٧. ٣ استلبث الوحي: بالرفع أي طال لبث نزوله، وبالنصب أي: استبطأ النبي ﷺ نزوله، الفتح ٨/ ٤٦٨
[ ١ / ٤٦١ ]
فراق أهله.
قالت: فأما أسامة فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله وبالذي يعلم لهم في نفسه، فقال أسامة: أهلك ولا نعلم إلا خيرًا، وأما علي فقال: يا رسول الله لم يضيق عليك والنساء سواها كثير١ وسل الجارية تصدقك. قالت: فدعا رسول الله ﷺ بريرة٢، فقال: أي بريرة:
_________________
(١) ١ كذا بصيغة التذكير كأنه أراد الجنس. الفتح ٨/ ٤٦٨. قال الحافظ: "وهذا الكلام الذي قاله علي حمله عليه ترجيح جانب النبي ﷺ لما رأى عنده من القلق والغم بسبب القول الذي قيل، وكان ﷺ شديد الغيرة، فرأى علي أنه إذا فارقها سكن ما عنده من القلق بسببها إلى أن يتحقق براءتها فيمكن رجعتها، ويستفاد منه ارتكاب أخف الضررين. الفتح ٨/ ٤٦٨. وقال النووي: "هذا الذي قاله علي ﵁ هو الصواب في حقه لأنه رآه مصلحة ونصيحة للنبي ﷺ في اعتقاده ولم يكن ذلك في نفس الأمر، لأنه رأى انزعاج النبي ﷺ بهذا الأمر وتقلقه فأراد راحة خاطره، وكان ذلك أهم من غيره" شرح النووي على مسلم ١٧/ ١٠٨. وقال الحافظ ابن حجر: "وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة: "لم يجزم علي بالإشارة بفراقها لأنه عقب ذلك بقوله: "وسل الجارية تصدقك" ففوض الأمر في ذلك إلى نظر النبي ﷺ، فكأنه قال: إن أردت تعجيل الراحة ففارقها، وإن أردت خلاف ذلك فابحث عن حقيقة الأمر إلى أن تطلع على براءتها، لأنه كان يتحقق أن بريرة لا تخبره إلا بما علمته، وهي لم تعلم من عائشة إلا البراءة المحضة". الفتح ٨/ ٤٦٨. ٢ بريرة هي: مولاة عائشة ﵂، - وهي بفتح الموحدة وكسر الراء - الفتح ٨/ ٤٦٩، انظر ترجمتها في الإصابة ٤/ ٢٥١- ٢٥٢.
[ ١ / ٤٦٢ ]
هل رأيت من شيء يريبك؟ قالت له بريرة: والذي بعثك بالحق ما رأيت عليها أمرًا قط أغمصه١، غير أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٢ فتأكله، قالت: فقام رسول الله ﷺ من يومه فاستعذر من عبد الله بن أبيّ وهو على المنبر فقال: "يا معشر المسلمين من يعذرني من رجل قد بلغني عنه أذاه في أهلي، والله ما علمت على أهلي إلا خيرًا، ولقد ذكروا رجلًا ما علمت عليه إلا خيرًا، وما يدخل على أهلي إلا معي"، قالت: فقام سعد بن معاذ٣ أخو بني عبد الأشهل فقال: أنا يا رسول الله أعذرك، فإن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك، قالت: فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان٤ ابنة عمه من فخذه، وهو سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج، قالت: وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية٥،
_________________
(١) ١ أغمصه: - بغين معجمة وصاد مهملة - أي: أعيبه. الفتح ٨/ ٤٧٠. ٢ الداجن: - هي بدال مهملة ثم جيم -: الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى، وقيل هي كل ما يألف البيوت مطلقًا شاة أو طيرًا. الفتح ٨/ ٤٧٠. ٣ هو سعد بن معاذ الأوسي الأنصاري. تقدمت ترجمته. ٤ أم حسان اسمها: الفُريعة بنت خالد بن خنيس بن لوذان بن عبدود زيد بن ثعلبة. الفتح ٨/ ٤٧٢. ٥ احتملته الحمية: - بمهملة ثم مثناة ثم ميم -: أي أغضبته. الفتح ٨/ ٤٧٢.
[ ١ / ٤٦٣ ]
فقال لسعد: كذبت لعمر الله١ لا تقتله ولا تقدر على قتله، ولو كان من رهطك ما أحببت أن يقتل، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد٢ فقال لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، فإنك منافق تجادل عن المنافقين٣، قالت: فثاور٤ الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، قالت: فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا وسكت٥، قالت: فبكيت يومي ذلك كله لا يرقأ لي دمع
_________________
(١) ١ كذبت لعمرو الله: العمر - بفتح العين المهملة - هو البقاء، والعُمر بضمها، لكن لا يستعمل في القسم إلا بالفتح. الفتح ٨/ ٤٧٢. ٢ قوله: وهو ابن عم سعد: أي من رهطه، ولم يكن ابن عمه لحًاّ، لأنه سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس بن زيد بن عبد الأشهل، وأسيد بن حضير بن سماك بن عقيل بن امرئ القيس، إنما يجتمعان في امرئ القيس، وهما في التعدد إليه سواء. الفتح ٨/ ٤٧٤. وقوله: "لحًاّ" أي لاصق القرابة. القاموس (لحح) . ٣ تجادل عن المنافقين: أطلق أسيد ذلك مبالغة في زجره عن القول الذي قاله، وأراد بقوله: فإنك منافق، أي تصنع صنيع المنافقين. الفتح ٨/ ٤٧٤. ٤ فثاور: هكذا في هذه الرواية، وفي الرواية الأخرى رقم [٤٧٥٠]: فتثاور الحيان: - بمثناة ثم مثلثة -: تفاعل من الثورة، والحيان بمهملة ثم تحتانية تثنية حي، والحي كالقبيلة، أي نهض بعضهم إلى بعض من الغضب. الفتح ٨/ ٤٧٤. ٥ حتى سكتوا وسكت: وفي رواية ابن حاطب (فلم يزل يومئ بيده إلى الناس ها هنا حتى هدأ الصوت) وفي رواية فليح: فنزل فخفضهم حتى سكتوا)، ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضًا ليكمل تسكيتهم، ووقع في رواية عطاء الخراساني في المعجم الكبير للطبراني ٢٣/ ٧٧ عن الزهري (فحجز بينهم) الفتح ٨/ ٤٧٤.
[ ١ / ٤٦٤ ]
ولا أكتحل بنوم، قالت وأصبح أبواي عندي وقد بكيت ليلتين ويومًا لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى إني لأظن أن البكاء فالق كبدي١، فبينا أبواي جالسان عندي وأنا أبكي فاستأذنت علي امرأة٢ من الأنصار فأذنت لها فجلست تبكي معي.
قالت: فبينا نحن على ذلك دخل رسول الله ﷺ علينا فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل قبلها، ولقد لبث شهرًا لا يوحى إليه في شأني بشيء، قالت: فتشهد رسول الله ﷺ ثم قال: "أما بعد يا عائشة إنه بلغني عنك كذا وكذا فإن كنت بريئة فسيبرؤك الله، وإن كنت ألممت٣ بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته قلص٤ دمعي حتى ما أحسُّ منه قطرة، فقلت لأبي: أجب رسول
_________________
(١) ١ الفلق بالسكون: الشق. النهاية ٣/ ٤٧١- ٤٧٢. ٢ قال الحافظ في الفتح ٨/ ٤٧٤: "لم أقف على اسمها". ٣ ألممت بذنب: أي وقع منك على خلاف العادة، وهذه حقيقة الإلمام ومنه "ألمت بنا والليل مرخ ستوره" الفتح ٨/ ٤٧٥. ٤ قَلَصَ دمعي: - بفتح القاف واللام ثم المهملة -: أي: استمسك نزوله فانقطع، ومنه قلص الظل، وتقلص إذا شمر. قال القرطبي: "سببه أن الحزن والغضب إذا أخذ أحدهما فقد الدمع لفرط حرارة المصيبة" الفتح ٨/ ٤٧٥.
[ ١ / ٤٦٥ ]
الله ﷺ عني فيما قال، فقال أبي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت لأمي: أجيبي رسول الله ﷺ فيما قال، قالت أمي: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ.
فقلت - وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ من القرآن كثيرًا١ - إني والله لقد علمت لقد سمعتم هذا الحديث استقر في أنفسكم وصدقتم به فلئن قلت لكم إني بريئة لا تصدقونني، ولئن اعترفت لكم بأمر - والله يعلم أني منه بريئة - لتُصَدِّقنِّي، فوالله لا أجد لي ولكم مثلًا إلا قول أبي يوسف٢ حين قال: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُون﴾ ٣، ثم تحولت فاضطجعت على فراشي٤، والله يعلم أني حينئذ بريئة٥، وأن الله
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قالت هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب ﵇) كما سيأتي". الفتح ٨/ ٤٧٥. ٢ إلا قول أبي يوسف: زاد ابن جريج في روايته "واختلس مني اسمه"، وفي رواية هشام بن عروة: (والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه)، وفي رواية أبي أويس: "نسيت اسم يعقوب لما بي من البكاء واحتراق الجوف" ووقع في حديث أم رومان رقم (٤١٤٣) "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه" وهي بالمعنى للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه. فتح الباري ٨/ ٤٧٤. ٣ سورة يوسف، آية رقم (١٨) . ٤ في رواية صالح بن أبي الأخضر عن الزهري عند الطبراني في الكبير ٢٣/ ١٠٥: "ثم وليت وجهي إلى الجدار" وصالح بن أبي الأخضر ضعيف لا يعتبر به، كما في التقريب، ٢٧١ رقم (٢٨٤٤) . ٥ في رواية معمر عن الزهري "أنا والله حينئذ أعلم أني بريئة" صحيح مسلم بشرح النووي ١٧/ ١١٢.
[ ١ / ٤٦٦ ]
مبرئي ببراءتي، ولكن والله ما كنت أظن أن الله تعالى مُنزلٌ في شأني وحيًا يتلى، لشأني في نفسي كان أحقر من أن يتكلم الله فيّ بأمر، ولكن كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرؤني الله بها، فوالله ما رام١ رسول الله ﷺ مجلسه ولا خرج أحد من أهل البيت حتى أنزل عليه، فأخذه ما كان يأخذه من البُرحاء٢ حتى إنه ليتحدر منه العرق مثل الجُمان٣ - وهو في يوم شات - من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت: فسُرِّي٤ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك فكانت أول كلمة تكلم بها أن قال: "يا عائشة أما الله فقد برَّأَكِ"، قالت: فقالت لي أمي قومي إليه،
_________________
(١) ١ رام: أي فارق، ومصدره الريم بالتحتانية، بخلاف معنى طلب فمصدره الروم، ويفترقان في المضارع يقال: رام يروم رومًا، ورام يريم ريمًا. الفتح ٨/ ٤٧٦. ٢ البُرَحاء: - بضم الموحدة وفتح الراء ثم مهملة ثم مد - هي شدة الحمى، وقيل شدة الكرب، وقيل: شدة الحر، ومنه: برح بي الهم إذا بلغ مني غاية. الفتح ٨/ ٤٧٦. ٣ مثل الجُمان: الجمان - بضم الجيم وتخفيف الميم -: اللؤلؤ، وقيل: حب يعمل من الفضة كاللؤلؤ، وقال الداوودي: "خرز أبيض، والأول أولى، فشبهت قطرات عرقه ﷺ بالجمان لمشابهتها في الصفاء والحسن". الفتح ٨/ ٤٧٦. ٤ فسري: - بضم المهملة وتشديد الراء المكسورة -: أي كشف. الفتح ٨/ ٤٧٧
[ ١ / ٤٦٧ ]
فقلت: لا والله لا أقوم إليه، فإني لا أحمد إلا الله عزوجل١، قالت: وأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ٢ العشر الآيات، ثم أنزل الله تعالى هذا في براءتي.
قال أبو بكر الصديق - وكان ينفق على مسطح بن أثاثة لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئًا أبدًا بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله تعالى: ﴿ولا يَأْتَلِ أُولُوْ الفَضْلِ﴾ إلى قوله: ﴿واللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ٣ قال أبو بكر الصديق: بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه، وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا، قالت عائشة: وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش٤ عن
_________________
(١) ١ قال الحافظ ابن حجر: وعذرها في إطلاق ذلك ما ذكرته من الذي خامرها من الغضب من كونهم لم يبادروا بتكذيب من قال فيها ما قال، مع تحققهم حسن طريقتها، قال ابن الجوزي: إنما قالت ذلك إدلالًا كما يدل الحبيب على حبيبه. الفتح ٨/ ٤٧٧. ٢ سورة النور، من آية رقم (١١)، ووقع في رواية عطاء الخراساني عن الزهري عند الطبراني في الكبير ٢٣/ ٧٨: فأنزل الله عزوجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . ٣ سورة النور، آية (٢٢) . ٤ هي: زينب بنت جحش الأسدية أم المؤمنين زوج النبي ﷺ، وأمها أميمة عمة النبي ﷺ، تزوجها النبي ﷺ سنة ثلاث وقيل: سنة خمس، ونزلت بسببها آية الحجاب، وكانت قبله عند مولاه زيد بن حارثة، وفيها نزلت: ﴿فلمّا قَضَى زَيدٌ منها وَطَرًَا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ماتت سنة عشرين وهي بنت خمسين. الإصابة ٤/ ٣١٣- ٣١٤.
[ ١ / ٤٦٨ ]
أمري فقال لزينب: ماذا علمت أو رأيت؟ فقالت: يا رسول الله أحمي سمعي وبصري١ والله ما علمت إلا خيرًا، قالت عائشة: وهي التي كانت تساميني٢ من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع٣، قالت: وطفقت٤ أختها حمنة تحارب لها٥، فهلكت فيمن هلك"٦.
قال ابن شهاب: والله إن الرجل الذي قيل له ما قيل، ليقول: سبحان الله، فوالذي نفسي بيده ما كشفت من كنَفِ٧ أنثى قط، قالت: ثم قتل
_________________
(١) ١ أحمي سمعي وبصري: أي من الحماية، فلا أنسب إليهما ما لم أسمع وأبصر. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٢ تساميني: أي تعاليني من السمو، وهو العلو والارتفاع، أي تطلب من العلو والرفعة والحظوة عند النبي ﷺ ما أطلب، أو تعتقد أن الذي بها عنده مثل الذي لي عنده. الفتح ٨/٤٧٨. ٣ فعصمها الله بالورع: أي حفظها ومنعها بالمحافظة على دينها ومجانبة ما تخشى سوء عاقبته. الفتح ٨/٤٧٨. ٤ طفِقت: - بكسر الفاء،،حكي فتحها - أي جعلت وشرعت. الفتح ٨/٤٧٨. ٥ تحارب لها: أي تجادل لها وتتعصب وتحكي ما قال أهل الإفك لتنخفض منزلة عائشة وتعلو مرتبة أختها زينب. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٦ أي حدَّثت فيمن حدّث، أو أثمت مع من أثم. الفتح ٨/ ٤٧٨. ٧ أي: ما جامعها، والكَنَف - بفتحتين - الثوب الساتر، ومنه قولهم: أنت في كنف الله أي: في ستره. الفتح ٨/ ٤٦٢.
[ ١ / ٤٦٩ ]
بعد ذلك في سبيل الله"١.
_________________
(١) ١ اختلف في سنة استشهاده على أقوال عدة: فقد ذكر ابن إسحاق أنه استشهد في غزوة أرمينية في خلافة عمر سنة تسع عشرة. الفتح ٨/ ٤٦١. وقيل: كان استشهاده بأرض الروم في خلافة معاوية ﵁، سنة أربع وخمسين. الفتح ٨/ ٤٦١. وقيل سنة ٥٨ هـ كما في الاستيعاب ٢/ ٢٨٠- ٢٨١. وقيل سنة ٥٩ كما في الاستيعاب ٢/ ٢٨٠- ٢٨١، وقيل: سنة ٦٠ كما جزم به الطبري والواقدي، وانظر: سير أعلام النبلاء ٢/ ٥٥٠، والإصابة ٢/ ١٩٠. ولكن لا يستقيم قول من قال بأن وفاته كانت سنة ٥٨ أو ٥٩ أو ٦٠، لكون عائشة ﵂ توفيت سنة ٥٧هـ أو ٥٨هـ. انظر: الإصابة ٤/ ٣٦١. والحديث أخرجه البخاري أيضًا في عدة مواضع من كتابه ففي كتاب التفسير رقم (٤٧٥٠) من طريق يونس بن يزيد الأيلي، وفي كتاب الشهادات رقم (٢٦٦١) من طريق فليح بن سليمان كلاهما عن الزهري بإسناده بألفاظ متقاربة، وأخرجه من طريق يونس وصالح عن الزهري في مواضع متفرقة من صحيحه. انظر: ج٥ رقم (٢٦٣٧) و٦ رقم (٢٨٧٩)، وج٧ رقم (٤٠٢٥)، وج٨ رقم (٤٦٩٠)، وج ١١ رقم (٦٦٦٢) و(٦٦٧٦) وج ١٣ رقم (٧٥٠٠ و٧٥٤٥) . وأخرجه الإمام مسلم في صحيحه من طريق يونس ومعمر كلاهما عن الزهري بإسناده، وهو قريب من لفظ يونس وفليح عند البخاري، انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ١٧/ ١٠٢- ١١٤، و١٧/ ١١٤ من طريق صالح بن كيسان وفليح كلاهما عن الزهري بإسناده، قال مسلم: بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما. وأخرجه أيضًا عبد الرزاق في المصنف (٥/ ٤١٠) وأحمد في المسند ٤٢/ ٤٠٤- ٤١٢ رقم [٢٥٦٢٣] أرناؤوط. وإسحاق بن راهويه في مسنده رقم (١٨٦، ١٨٧ و٥٦٠ و٥٦١) من مسند عائشة، وابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣١١- ٣١٨، وكتاب السنة لعبد الله بن أحمد ١/ ٢٤ رقم (١١٤)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ٥٠- ٥٦ رقم (١٣٣ ورقم ١٣٤ و١٣٨ و١٤٤ و١٤٥ و١٤٧)، وصحيح ابن حبان ١٠/ ١٣ رقم (٤٢١٢) ومسند أبي يعلى رقم (٤٩٢٧ و٤٩٣٣)، والطبري في تاريخه ٢/ ٦١٠- ٦١٨، وفي تفسيره ١٨/ ٨٨- ٩٢، والبيهقي في السنن ٧/ ٧٤ و٣٠٢، وفي الدلائل له ٤/ ٦٤ من طرق عن الزهري عن شيوخه، وبعضهم اقتصر على أجزاء من حديثه، وبعضهم في سياقه مخالفة لما في الصحيح ولكن المعنى واحد.
[ ١ / ٤٧٠ ]
المبحث الرابع: في الذي تولى كبر الإفك
٦٨- قال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا سفيان عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ﴾ ١ قالت: "عبد الله بن سلول٢.
_________________
(١) ١ سورة النور، جزء من الآية رقم (١١) . ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٨/ ٤٥١ رقم (٤٧٤٩) . وورد أيضًا عنده من طريق صالح بن كيسان عن الزهري في حديث الإفك المتقدم أن الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ بن سلول. الصحيح رقم (٤١٤١) . وكذلك ورد عنده من طريق يونس عن الزهري. انظر: الصحيح مع الفتح رقم (٤٧٥٠) .
[ ١ / ٤٧١ ]
٦٩- وقال ابن شبة: حدثنا هارون بن عبد الله١ قال: حدثنا عبد الرزاق بن همام عن معمر عن الزهري قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك٢ فقال: الذي تولى كبره علي بن أبي طالب، فقلت: كلا يا أمير المؤمنين، أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعبيد الله بن عتبة، وعلقمة بن وقاص عن عائشة ﵂ قالت: "الذي تولى كبره عبد الله بن أبيّ، قال: فما كان جرمه؟ قلت: أخبرني رجال من قومك: أبو سلمة بن عبد الرحمن، وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث عن عائشة ﵂، قالت: كان مسيئًا في أمري"٣.
٧٠- وقال أبو نعيم: حدثنا أحمد بن محمد بن الحسن٤، ثنا محمد بن إسحاق الثقفي٥، ثنا إسماعيل بن موسى
_________________
(١) ١ هارون بن عبد الله بن مروان البغدادي، أبو موسى الحمال، بالمهملة البزار، ثقة، من العاشرة، توفي سنة ٤٣ وقد ناهز الثمانين، م، التقريب ٥٦٩ رقم (٧٢٣٥) . ٢ هو: الخليفة أبو العباس الوليد بن عبد الملك بن مروان بن الحكم الأموي، مات في جمادى الآخرة سنة ست وتسعين وله إحدى وخمسون سنة، وكان في الخلافة عشر سنين سوى أربعة أشهر. سير أعلام النبلاء ٤/ ٣٤٧- ٣٤٨. ٣ تاريخ المدينة لابن شبة ١/ ٣٣٧ بسند رجاله ثقات، وأخرجه يعقوب بن سفيان في المعرفة والتاريخ ١/ ٣٩٣، والبيهقي في دلائل النبوة ٤/ ٧٢. ٤ أحمد بن محمد بن الحسن، لم أجد له ترجمة. وقد راجعت كتاب (معرفة الصحابة) فلم أجده. ٥ هو محمد بن إسحاق بن إبراهيم بن مهران أبو العباس الثقفي ولد سنة ٢١٦، قال الخليلي في إرشاده: ثقة متفق عليه من شرط الصحيح، وقال الخطيب البغدادي (تاريخه ١/ ٢٤٨): "كان من الثقات الأثبات" وانظر: سير أعلام النبلاء ١٤/ ٣٨٨.
[ ١ / ٤٧٢ ]
السعدي١، ثنا ابن عيينة عن الزهري، قال: كنت عند الوليد بن عبد الملك فتلا هذه الآية: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ قال: نزلت في علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، قال الزهري: أصلح الله الأمير، ليس كذا.
قال: أخبرني عروة عن عائشة ﵂ أنها نزلت في عبد الله ابن أبيّ بن سلول المنافق"٢.
_________________
(١) ١ وقيل: الفزاري وقيل: السدي، قال النسائي: "لا بأس به"، وقال ابن حبان في الثقات: "مات سنة ٢٤٥هـ". انظر: ثقات ابن حبان ٨/ ١٠٤، والكامل في الضعفاء ١/ ٣١٨، وتهذيب التهذيب ١/ ٣٣٥، والتقريب ٤٩٢. ٢ حلية الأولياء ٣/ ٣٦٩. فهذه الروايات كلها تفيد أن الذي تولى كبره هو عبد الله بن أبيّ، وقد ذكرت عائشة ﵂ كما عند البخاري رقم (٤٧٥٧) من غير طريق الزهري أن الذي تولى كبر الإفك عبد الله بن أبيّ وحمنة، ولكن عقّب الطبري في تفسيره بقوله: "وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: الذي تولى كبره من عصبة الإفك كان: عبد الله بن أبيّ، وذلك أنه لا خلاف بين أهل العلم والسير أن الذي بدأ بذكر الإفك عبد الله بن أبيّ بن سلول" التفسير ١٨/ ٨٩. وقال ابن كثير في تفسيره: "ثم الأكثرون على أن المراد بذلك إنما هو: عبد الله بن أبيّ بن سلول قبحه الله ولعنه، وقيل: المراد به حسان بن ثابت وهو: قول غريب، ولولا أنه وقع في صحيح البخاري ما قد يدل على إيراد ذلك لما كان لإيراده كبير فائدة فإنه من الصحابة الذين لهم فضائل ومناقب ومآثر" التفسير ٣/ ٢٧٢.
[ ١ / ٤٧٣ ]
المبحث الخامس: في جلد أهل الإفك
٧١- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري أن رسول الله ﷺ حدَّهم١.
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٤٢٠ رقم (٩٧٥٠)، وأخرجه أبو يعلى في مسنده من غير طريق الزهري مرسلًا أيضًا. المسند ٨/ ٣٣٨ رقم [٤٩٣٢]، وثبت موصولًا من غير طريق الزهري وذلك من رواية عمرة عن عائشة ﵂ عند أحمد في المسند ٤٠/ ٧٦- ٧٧، رقم [٢٤٠٦٦] أرناؤوط، وعند ابن شبة في تاريخ المدينة ١/ ٣٣٧، وأبي داود في سننه رقم (٤٤٧٤)، والترمذي في السنن رقم (٣١٣٨)، والنسائي في السنن الكبرى رقم (٧٣٥١)، وابن ماجه رقم (٢٥٦٧)، والطبراني في الكبير ٢٣/ ١٦٣ رقم (٢٦٣)، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٧٤، ومدارها على محمد بن إسحاق وقد عنعن لكنه قد صرح بالتحديث عند البيهقي في الدلائل فالحديث حسن. قال البخاري في كتاب الاعتصام من صحيحه: باب قول الله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ وشاور عليًا وأسامة فيما رمى به أهل الإفك عائشة فسمع منهما حتى نزل القرآن فجلد الرامين ولم يلتفت إلى تنازعهم ولكن حكم بما أمر الله. الصحيح مع الفتح ١٣/ ٣٣٩.
[ ١ / ٤٧٤ ]
المبحث السادس: في سبي جويرية بنت الحارث
٧٢- قال ابن شبة: حدثنا سويد بن سعيد١ قال: حدثنا الوليد بن محمد الموقري٢ عن الزهري عن عروة بن الزبير عن عائشة ﵂ قالت: غزا رسول الله ﷺ غزوة بني المصطلق، وسبى يومئذ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار٣، وكان من شأن عائشة ﵂، بلغنا أن النبي ﷺ ساهم بين نسائه في غزوة بني المصطلق أيتهن تخرج معه، فخرج سهم عائشة وأم سلمة ﵂ فخرج بهما معه٤.
_________________
(١) ١ سويد بن سعيد بن سهل الهروي الأصل، ثم الحدثاني، بفتح المهملة والمثلثة، ويقال له: الأنباري بنون ثم موحدة، أبو محمد، صدوق في نفسه، إلا أنه عمي فصار يتلقن ما ليس من حديثه، فأفحش فيه ابن معين القول، من قدماء العاشرة، توفي سنة أربعين وله مائة سنة، م ق، التقريب ٢٦٠. ٢ الوليد بن محمد الموقري: - بضم الميم وبقاف مفتوحة مشددة - أبو بشر البلقاوي، مولى بني أمية، متروك من الثامنة، توفي سنة اثنتين وثمانين، ت ق، التقريب ٥٨٣. ٣ هي: جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن حبيب بن جذيمة، وهو المصطلق بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو الخزاعية المصطلقية، لما غزا النبي ﷺ بني المصطلق سنة خمس أو ست وسباهم، وقعت جويرية - وكانت تحت مسافع بن صفوان المصطلقي - في سهم ثابت بن قيس. الإصابة ٤/ ٢٦٥. ٤ تاريخ المدينة ١/ ٣١٨ - ٣١٩، وفي سنده الوليد بن محمد الموقري متروك كما تقدم آنفًا.
[ ١ / ٤٧٥ ]
ثم ذكر حديث الإفك الطويل وفيه بعض الألفاظ مخالفة لما في الصحيح كخروج أم سلمة مع عائشة.
٧٣- وقال الطبراني: حدثنا القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي١، ثنا عمي محمد بن مهدي٢، ثنا عنبسة بن خالد٣، ثنا يونس بن يزيد عن الزهري عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه قال: سبى رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار من بني المصطلق من خزاعة في غزوته التي هدم فيها مناة٤، غزوة المريسيع٥.
_________________
(١) ١ القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي من شيوخ ابن عدي، كان بعض شيوخ مصر يضعفه، واتهمه الدارقطني بوضع الحديث. الميزان ٣/ ٣٧٣، ولسان الميزان ٤/ ٤٦١. ٢ هو: محمد بن مهدي بن يزيد الأخميمي، روى القاسم بن عبد الله بن مهدي عنه عن يزيد بن يونس الأيلي، عن أبيه، عن الزهري نسخة طويلة، قال ابن عدي: ويزيد هذا حدّث عنه ابن وهب، ويقال: إن محمد بن مهدي لم يره، ولم يلحقه. اللسان ٥/ ٣٩٨. ٣ عنبسة بن خالد بن يزيد الأموي مولاهم الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، صدوق من التاسعة، توفي سنة ثمان وتسعين ومائة، خ د، التقريب ٤٣٢. ٤ قد تقدم عند ابن كثير في الرواية التي ذكرها عن ابن أبي حاتم أن ذكر مناة فيها غريب، وأن الصواب أن هدمها كان بعد غزوة الفتح. وقد أخرجها ابن هشام في تهذيب السيرة (٢/ ٢٩٤)، وأحمد في المسند ٤٣/ ٣٨٤- ٣٨٥ رقم [٢٦٢٦٥] أرناؤوط، وخليفة بن خياط في تاريخه (٨٠)، وأبو داود في سننه رقم (٣٩٣١)، والطبري في تاريخه ٢/ ٦١٠، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٦، والبيهقي في الدلائل ٤/ ٤٩- ٥٠، من طرق عن ابن إسحاق ليس فيها الزهري، وقد صرح بالتحديث عند الأكثر. وانظر تصحيح الألباني لذلك في صحيح أبي داود رقم (٣٣٢٧) . ٥ المعجم الكبير للطبراني ٢٤/ ٥٨ رقم (١٥١)، وفيه القاسم بن عبد الله بن مهدي الأخميمي شيخ الطبراني اتهمه الدارقطني بوضع الحديث. انظر: ميزان الاعتدال ٣/ ٣٧٣، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٤٦): " القاسم بن عبد الله بن مهدي ضعيف، وانظر قصة سبي جويرية عند الطبراني في الكبير ٦/ ٨٥ رقم (٥٥٨٨) من طريق الزهري وفي سنده الأخميمي أيضًا.
[ ١ / ٤٧٦ ]
المبحث السابع: في ضرب صفوان لحسان بالسيف
٧٤- قال ابن شبة: حدثنا أحمد بن عيسى١ قال: وحدثنا عبد الله ابن وهب٢ عن يونس عن ابن شهاب، قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن صفوان بن المعطل ضرب حسان بن الفريعة بالسيف في عهد النبي ﷺ في هجاء هجاه حسان، فلم يقطع النبي ﷺ، قال حسان حين برئ: القَوَد٣، فأبى النبي ﷺ أن يقيده، وقال: "إنك قلت قولًا شينًا"، وعقل٤ رسول الله ﷺ جرحه ذلك٥.
_________________
(١) ١ هو: أحمد بن عيسى التنيسي المصري، ليس بالقوي من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث وسبعين، التقريب ٨٣ رقم (٨٧) . ٢ هو: عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي، ثقة حافظ، تقدم في الرواية رقم (٣٥) . ٣ القود: القصاص، وقتل القاتل بدم القتيل، وقد أقدته به أقيده إقادة، واستقدت الحاكم سألته أن يقيدني. النهاية ٤/ ١١٩. ٤ العقل: الدية. النهاية ٣/ ٢٧٨. ٥ تاريخ ابن شبة ١/ ٣٤٤، بسند صحيح إلى ابن المسيب ولكنه مرسل. وقد ذكر يونس بن بكير ضرب صفوان لحسان في زياداته على مغازي ابن إسحاق موصولة عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، انظر: الإصابة ٢/ ١٩٠- ١٩١، وأخرجها الحاكم في المستدرك ٣/ ٥١٩، وقال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي. وأخرجه الطبراني في الكبير ٢٣/ ١١١- ١١٧ رقم (١٥١)، وقال الهيثمي في المجمع (٩/ ٢٣٦): "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح".
[ ١ / ٤٧٧ ]
المبحث الثامن: في مقدار سبي غزوة بني المصطلق
٧٥- وقال الواقدي: وحدثني محمد بن عبد الله، عن الزهري، عن عروة بن الزبير، وعبد الله بن الحارث بن نوفل١ قالا: جعل رسول الله ﷺ على خمس المسلمين مَحْمِية٢ بن جَزء الزُبيدي، قالا: وكان يجمع الأخماس، وكانت الصدقات على حِدتها، أهل الفيء بمعزل عن الصدقة، وأهل الصدقة بمعزل عن الفيء، وكان يعطي من الصدقة اليتيم والمسكين والضعيف، فإذا احتلم اليتيم نقل إلى الفيء وأخرج من الصدقة، ووجب عليه الجهاد، فإن كره الجهاد وأباه لم يعطَ من الصدقة شيئًا، وخلوا بينه وبين أن يكسب لنفسه، وكان رسول الله ﷺ لا يمنع سائلًا، فأتاه رجلان
_________________
(١) ١ هو: عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي، أبو يحيى المدني، ثقة، من الثالثة، توفي سنة تسع وتسعين، خ، م، د. س. التقريب ٣٠٩. ٢ هو: مَحْمِية: - بفتح أوله وسكون ثانيه، وكسر ثالثه، ثم تحتانية مفتوحة - ابن جزء - بفتح الجيم وسكون الزاي ثم همزة - ابن عبد يغوث الزُبيدي - بضم أوله - حليف بني سهم من قريش. كان قديم الإسلام، وهاجر إلى الحبشة، وكان عامل النبي ﷺ على الأخماس. الإصابة ٣/٣٨٨.
[ ١ / ٤٧٨ ]
يسألانه من الخمس، فقال: إن شئتما أعطيتكما منه، ولا حظّ فيها لغني ولا لقوي مكتسب، قالوا: فاقتسم السبي وفرق، فصار في أيدي الرجال، وقسمت الرِّثَّة١، وقسم النعم والشاة، وعدلت الجزور بعشر من الغنم، وبيعت الرثة فيمن يريد، وأسهم للفرس سهمان، ولصاحبه سهم، وللراجل سهم، وكانت الإبل ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، وكان السبي مائتي أهل بيت، فصارت جويرية بنت الحارث في سهم ثابت بن قيس وابن عمّ له، فكاتبها على تسع أواق ذهب٢.
_________________
(١) ١ الرِّثَّة: هو المتاع البالي. النهاية ٢/١٩٥. ٢ مغازي الواقدي ١/ ٤١٠. والواقدي متروك، فالرواية ضعيفة.
[ ١ / ٤٧٩ ]
الفصل السادس: في غزوة الخندق والأحداث التي أعقبتها
المبحث الأول: في سبب غزوة الخندق
المبحث الأول: في سبب غزوة الخندق١
٧٦- قال ابن إسحاق فحدثني يزيد بن رومان مولى آل الزبير عن عروة بن الزبير ومن لا أتهم عن عبد الله بن كعب بن مالك ومحمد بن كعب القرظي، والزهري وعاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر، وغيرهم من علمائنا كلهم قد اجتمع حديثهم في الحديث عن الخندق٢ وبعضهم يحدث ما لا يحدث به بعض قالوا٣: إنه كان من حديث الخندق أن نفرًا من اليهود ومنهم: سلاّم بن أبي
_________________
(١) ١ سميت هذه الغزوة بهذا الاسم لأجل الخندق الذي حفر حول المدينة بأمر النبي ﷺ. فتح الباري ٧/ ٣٩٢. ٢ أي: عن غزوة الخندق. ٣ لعل ابن إسحاق أخذ هذا المنهج - أعني منهج الإسناد الجمعي - عن شيخه الزهري، وقد تقدم كلام العلماء حول طريقة الزهري في اتباعه لهذا المنهج في قصة الإفك التي حدثت في غزوة بني المصطلق رواية رقم [٦٨]، هذه الرواية مروية بإسنادين: ١- عن يزيد بن رومان، عن عروة، وهي حسنة إلى عروة، ولكنها مرسلة. ٢- عن مجهول عن جمع من الشيوخ ومنهم الزهري، وهي ضعيفة لجهالة شيخ ابن إسحاق.
[ ١ / ٤٨٣ ]
الحقيق النضري، وحُيي بن أخطب النضري، وكنانة بن أبي الحقيق النضري، وهوذة بن قيس الوائلي، وأبو عمار الوائلي، في نفرٍ من بني النضير، ونفر من بني وائل، وهم الذين حزبوا الأحزاب١ على رسول الله ﷺ، خرجوا حتى قدموا على قريش مكة، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وقالوا: إنا سنكون معكم عليه حتى نستأصله،
فقالت لهم قريش: يا معشر يهود، إنكم أهل الكتاب الأول والعلم بما أصبحنا نختلف فيه نحن ومحمد، أفديننا خير أم دينه؟
قالوا: بل دينكم خير من دينه، وأنتم أولى بالحق منه، فهم الذين أنزل الله تعالى فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَن يَلْعَنِ اللهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ٢ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ
_________________
(١) ١ الأحزاب: الطوائف من الناس، جمع حزب بالكسر. النهاية ١/ ٣٧٦. ٢ أخرج ابن حبان في صحيحه (الإحسان ١٤/ ٥٣٤، رقم ٦٥٧٢) من حديث ابن عباس أن هذه الآية نزلت في كعب بن الأشرف قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة أتوه فقالوا: نحن أهل السقاية والسدانة وأنت سيد أهل يثرب، فنحن خير أم هذا الصنيبير المنبتر من قومه يزعم أنه خير منا؟ فقال: أنتم خير منه. فنزل على رسول الله ﷺ: ﴿إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأَبْتَرُ﴾ ونزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا﴾ الآية، وقال محقق الكتاب شعيب الأرناؤوط: "إسناده صحيح على شرط الصحيح"، وأخرجه عبد الرزاق في تفسيره ١/ ١٦٤، عن عكرمة مرسلًا، وابن جرير الطبري في تفسيره ٨/ ٤٦٦ رقم (٩٧٨٦) بالسند المتقدم عند ابن حبان، وأخرجه عن عكرمة مرسلًا، انظر: رقم (٩٧٨٧) و(٩٧٨٩)، والواحدي في أسباب النزول ١٦٠ رقم (٣٢٠ و٣٢١) . وأخرجه ابن أبي حاتم عن عكرمة مرسلًا كما قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٥١٣: "وذكر خروج كعب بن الأشرف إلى مكة ومعه حيي بن أخطب. ثم قال ابن كثير في تفسيره ١/ ٥١٣: "وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن أبي عدي عن داود عن عكرمة عن ابن عباس قال: (لما قدم كعب) " فذكره.
[ ١ / ٤٨٤ ]
يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِن فَضْلِهِ﴾ أي: من النور ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ ١.
قال: فلما قالوا ذلك لقريش، سرّهم ونشطوا لما دعوهم إليه من حرب رسول الله ﷺ، فاجتمعوا لذلك، واتعدوا له، ثم خرج أولئك النفر من يهود، حتى جاءوا غطفان من قيس عيلان، فدعوهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وأخبروهم أنهم سيكونون معهم عليهم، وأن قريشًا قد تابعوهم على ذلك فاجتمعوا معهم فيه٢.
_________________
(١) ١ الآيتان من سورة النساء (٥١- ٥٢) . ٢ ابن هشام ٢/ ٢١٤- ٢١٥، وأخرج نحوه ابن جرير الطبري في تفسيره ٨/ ٤٦٩ رقم (٩٧٩٢)، من حديث ابن عباس ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري في التاريخ ٢/ ٥٦٥. فقال: حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق عمن قاله قال: أخبرني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: كان الذين حزبوا الأحزاب من قريش وغطفان وبني قريظة حيي بن أخطب وسلاَّم بن أبي الحقيق أبو رافع والربيع بن أبي الحقيق، فذكر نحوه. ثم قال أبو جعفر الطبري بعد ذكره لأقوال العلماء في ذلك: "وأولى الأقوال بالصحة في ذلك قول من قال: إن ذلك خبر من الله جل ثناؤه عن جماعة من أهل الكتاب من اليهود، وجائز أن تكون كانت الجماعة الذين سماهم ابن عباس في الخبر الذي رواه محمد بن أبي محمد عن عكرمة أو سعيد أو يكون حُييًا وآخر معه إما كعبًا وإما غيره". تفسير الطبري ٨/ ٤٧١ رقم (٩٧٩٤) .
[ ١ / ٤٨٥ ]
٧٧- أخرج الواقدي١ عن جمع كبير من الرواة ومنهم الزهري قالوا: لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير ساروا إلى خيبر، وكان بها من اليهود قوم أهل عدد وجلد، وليست لهم من البيوت والأحساب ما لبني النضير - كان بنو النضير سِرَّهم وقريظة من ولد الكاهن من بني هارون - فلما قدموا خيبر خرج حيي بن أخطب، وكنانة بن أبي الحقيق، وهوذة بن الحقيق، وهوذة بن قيس الوائلي من الأوس من بني خَطْمة، وأبو عامر الراهب في بضعة عشر رجلًا إلى مكة يدعون قريشًا وأتباعها إلى حرب محمد ﷺ فقالوا لقريش: نحن معكم حتى نستأصل
_________________
(١) ١ المغازي ٢/ ٤٤١- ٤٤٣ ولم تتميز هنا رواية الزهري من غيره.
[ ١ / ٤٨٦ ]
محمدًا.
قال أبو سفيان: هذا الذي أقدمكم ونزعكم؟ قالوا: نعم، جئنا لنحالفكم على عداوة محمد وقتاله، قال أبو سفيان: مرحبًا وأهلًا، أحب الناس إلينا من أعاننا على عداوة محمد، قال النفر: فأخرجْ خمسين رجلًا من بطون قريش كلها أنت فيهم، وندخل نحن وأنتم بين أستار الكعبة حتى نلصق أكبادنا بها، ثم نحلف بالله جميعًا لا يخذل بعضنا بعضًا، ولتكونن كلمتنا واحدة على هذا الرجل ما بقي منا رجل، ففعلوا فتحالفوا على ذلك وتعاقدوا، ثم قالت قريش بعضها لبعض: قد جاءكم رؤساء أهل يثرب وأهل العلم والكتاب الأول فسلوهم عما نحن عليه ومحمد، أينا أهدى؟
قالت قريش: نعم، فقال أبو سفيان: يا معشر يهود، أنتم أهل الكتاب الأول والعلم، أخبرونا عما أصبحنا نحن فيه ومحمد، ديننا خير أم دين محمد؟ فنحن عُمَّار البيت وننحر الكوم، ونسقي الحجيج، ونعبد الأصنام، قالوا: اللهم أنتم أولى بالحق منه، إنكم لتعظمون هذا البيت، وتقومون على السقاية، وتنحرون البُدْن وتعبدون ما كان عليه آباؤكم، فأنتم أولى بالحق منه، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى
[ ١ / ٤٨٧ ]
مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلًا﴾ ١، فاستعدوا لوقتٍ وَقَّتُوه، فقال صفوان بن أمية: يا معشر قريش إنكم قد وعدتم هؤلاء القوم لهذا الوقت وفارقوكم عليه، فَفُوا لهم به، لا يكون هذا كما كان، وعدنا محمدًا بدر الصفراء فلم نف بموعده واجترأ علينا بذلك، وقد كنت كارهًا لميعاد أبي سفيان يومئذ. فخرجت يهود حتى أتت غطفان، وأخذت قريش في الجهاز، وسيرت في العرب تدعوهم إلى نصرها، وألّبوا أحابيشهم ومن تبعهم، ثم خرجت اليهود حتى جاءوا بني سُليم، فوعدوهم يخرجون معهم إذا سارت قريش، ثم ساروا في غطفان فجعلوا لهم تمر خيبر سنة، وينصرونهم ويسيرون مع قريش إلى محمد إذا ساروا، فأنعمت بذلك غطفان، ولم يكن أسرع إلى ذلك من عيينة بن حصن٢، وخرجت قريش ومن تبعها من أحابيشها أربعة آلاف، وعقدوا اللواء في دار الندوة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس، وكان معهم من الظهر ألف بعير وخمسمائة بعير، وأقبلت سُليم فلاقوهم بمر الظهران، وبنو سُليم يومئذ سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس حليف حرب بن أمية، وهو أبو أبي الأعور الذي كان مع معاوية بن أبي
_________________
(١) ١ سورة النساء، آية رقم (٥١) . ٢ هو: عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو الفزاري أبو مالك، له صحبة، وكان من المؤلفة، أسلم قبل الفتح، وشهدها وشهد حنينًا والطائف، وبعثه النبي ﷺ إلى بني تميم فسبى بعض بني العنبر؛ كان ممن ارتد في عهد أبي بكر، ثم عاد إلى الإسلام، عاش إلى خلافة عثمان. الإصابة ٣/ ٥٤- ٥٥.
[ ١ / ٤٨٨ ]
سفيان بصفين، وخرجت قريش يقودها أبو سفيان بن حرب، وخرجت بنو أسد وقائدها طليحة بن خويلد الأسدي، وخرجت بنو فزارة وأوعبت، وهم ألف يقودهم عيينة بن حصن، وخرجت أشجع وقائدها مسعود بن رُخيلة وهم أربعمائة، لم توعب أشجع، وخرج الحارث بن عوف يقود قومه مرة وهم أربعمائة.
لما أجمعت غطفان السير أبو الحارث بن عوف المسير وقال لقومه: تفرقوا في بلادكم ولا تسيروا إلى محمد، فإني أرى أن محمدًا أمره ظاهر لو ناوأه من بين المشرق والمغرب لكانت له العاقبة، فتفرقوا في بلادهم ولم يحضر واحد منهم، وهكذا روى الزهري وروت بنو مرة١.
_________________
(١) ١ وهذه الرواية ضعيفة لكونها جاءت من طريق الواقدي ولكونه جمع بين كثير من الرواة ولم يفرق بينهم، وبالتالي لم تعرف رواية الزهري من غيرها، ولكنها عند الإخباريين مقبولة.
[ ١ / ٤٨٩ ]
المبحث الثاني: في تايخ الغزوة
المبحث الثاني: في تأريخ الغزوة
٧٨- قال أبو عبيد القاسم بن سلام١: حدثنا عبد الله بن صالح، عن الليث بن سعد عن عُقيل بن خالد عن ابن شهاب قال: كانت وقعة الأحزاب بعد أحد بسنتين٢.
_________________
(١) ١ القاسم بن سلاّم بالتشديد البغدادي، أبو عبيد، الإمام المشهور، ثقة، فاضل، مصنف من العاشرة، مات سنة أربع وعشرين، ولم أر له في الكتب حديثًا مسندًا، بل من أقواله في شرح الغريب، خت د ت، التقريب ٤٥٠. ٢ كتاب الأموال، لأبي عبيد ١٥٨ رقم (٤٤٥)، وأخرجه ابن زنجويه في كتاب الأموال ١/ ٣٩٨ رقم (٦٥٧)، والبيهقي في الدلائل ٣/ ٣٩٤، وكلها من طريق عبد الله بن صالح، كاتب الليث، قال عنه الحافظ: صدوق كثير الغلط. التقريب ٣٠٨، ومثل هذه الروايات مما يتساهل فيها. قال ابن كثير: وقد كانت غزوة الخندق في شوال سنة خمس من الهجرة نص على ذلك ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢١٤)، وعروة بن الزبير كما في دلائل البيهقي ٣/ ٣٩٤، وقتادة (انظر: دلائل البيهقي ٣/ ٣٩٤)، والبيهقي (دلائل ٣/ ٣٩٥) وغير واحد من العلماء سلفًا وخلفًا. البداية والنهاية ٤/ ٩٣. وذكر ابن سعد عن الواقدي أنها كانت سنة خمس، الطبقات ٤/ ٨٤، والبلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٤٢٧. ومما يدل على أن غزوة الأحزاب كانت في السنة الخامسة ما أخرجه الطبراني في الأوسط ٤/ ٦٥ رقم (٣٦٢٤) من حديث ابن عباس قال: "كان قدومنا على رسول الله ﷺ لخمس من الهجرة خرجنا متوصلين بقريش عام الأحزاب، وأنا مع أخي الفضل حتى دخلنا المدينة ورسول الله ﷺ في الخندق، وأنا يومئذ ابن ثمان سنين وأخي ابن ثلاث عشرة سنة".
[ ١ / ٤٩٠ ]
٧٩- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله١ الحافظ، قال: أخبرنا إسماعيل٢ بن محمد بن الفضل الشعراني، قال: حدثنا جدي٣ قال: حدثنا إبراهيم٤ بن المنذر قال: حدثنا محمد٥ بن فليح، عن موسى٦ بن عقبة عن ابن شهاب ح وأخبرنا أبو الحسين٧ بن الفضل القطان، قال: أخبرنا محمد٨ بن عبد الله بن عَتَّاب قال: حدثنا القاسم٩ بن عبد الله بن المغيرة قال: ابن أبي١٠ أويس قال: حدثنا إسماعيل١١ بن إبراهيم بن عقبة، عن عمه موسى بن عقبة في مغازي رسول الله ﷺ قال: قاتل يوم بدر في رمضان سنة اثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل
_________________
(١) ١ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٣ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٤ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] . ٥ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] ٦ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] ٧ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ٨ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ٩ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١٠ صدوق، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١١ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] .
[ ١ / ٤٩١ ]
يوم الخندق وهو يوم الأحزاب وبني قريظة في شوال سنة أربع١.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٣٩٢- ٣٩٣، والسند حسن إلى الزهري، لكنه مرسل. وقال البخاري: "قال موسى بن عقبة: كانت في شوال سنة أربع" الصحيح مع الفتح ٧/ ٣٩٢. وقد عقب الحافظ ابن حجر على كلام البخاري فقال: "قلت: وتابع موسى على ذلك مالك وأخرجه أحمد عن موسى بن داود عنه" الفتح ٧/ ٣٩٣، وانظر: رواية مالك المذكورة في دلائل البيهقي ٣/ ٣٩٧، ثم ذكر أن ذكر الخندق في السنة الخامسة هو المعتمد، المصدر نفسه. وقال في موضع آخر عند حديثه على من قال بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان سنة ست فقال: "فلو كان المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة، وكانت سنة خمس على الصحيح". الفتح ٧/ ٤٣٠، وقريظة كانت بعد الخندق مباشرة. فيظهر مما تقدم أن للعلماء في تاريخ الغزوة قولين: قول إنها في سنة أربع، كما قال مالك وابن عقبة والبخاري والفسوي، ورواية عن الزهري، وقول إنها سنة خمس وعلى ذلك الجمهور ومعهم الزهري في رواية. أما إذا أخذنا بما ذكره البيهقي من الجمع بين الروايتين - كما سيأتي - فلا إشكال، ويكون الخلاف لفظي والمعنى واحد. وقد جمع البيهقي ﵀ بين القولين بكلام حسن أظهر من خلاله عدم اختلافهم في تاريخ الغزوة فقال: قلت: "لا اختلاف بينهم في الحقيقة، وذلك لأن رسول الله ﷺ قاتل يوم بدر لسنة ونصف من مقدمه المدينة في شهر رمضان، ثم قاتل يوم أحد من السنة القابلة لسنتين ونصف من مقدمه المدينة في شوال، ثم قاتل يوم الخندق بعد أحد بسنتين على رأس أربع سنين ونصف من مقدمه المدينة، فمن قال: سنة أربع أراد بعد أربع سنين وقبل بلوغ الخمس، ومن قال: سنة خمس أراد بعد الدخول في السنة الخامسة وقبل انقضائها، والله أعلم" أ. هـ. دلائل البيهقي ٣/ ٣٩٥. واختلافهم في ذلك مبني على أن بعض العلماء جعلوا التاريخ الهجري من شهر المحرم من السنة القابلة وحذفوا الأشهر الماضية، وهو قول مخالف للجمهور الذي عدَّ التاريخ الهجري من أول شهر محرم من السنة التي قدم فيها ﷺ المدينة. انظر: دلائل البيهقي ٣/ ٣٩٦، والفتح ٧/ ٢٦٨.
[ ١ / ٤٩٢ ]
المبحث الثالث: في أحداث غزوة الخندق إجمالًا
٨٠- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أخبرنا إسماعيل ابن محمد بن الفضل بن محمد الشعراني قال: حدثني جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي قال: حدثنا محمد بن فليح٢ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد، واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر محمد بن عبد الله بن عتَّاب العبدي، قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة قال: حدثني ابن أبي أويس قال: حدثنا
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧، بسند حسن إلى الزهري، لكنه مرسل. ٢ تقدمت تراجم رواة السند في الرواية رقم [١] و[٧] .
[ ١ / ٤٩٣ ]
إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة قال: خرج أبو سفيان وقريش ومن اتبعهم من مشركي العرب معهم حيي بن أخطب، واستمدوا عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، فأقبل بمن أطاعه من غطفان.
وبنو أبي الحقيق كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق سعى في غطفان وحضهم على القتال على أن لهم نصف ثمر خيبر١، فزعموا أن الحارث ابن عوف٢ أخا بني مرة قال لعيينة بن بدر وغطفان: يا قوم أطيعوني ودعوا قتال هذا الرجل وخلّوا بينه وبين عدوه من العرب، فغلب عليهم الشيطان، وقطع أعناقهم الطمع، فانقادوا لأمر عيينة بن بدر على قتال رسول الله ﷺ، وكتبوا إلى حلفائهم من أسد، فأقبل طليحة٣ فيمن اتبعه من بني أسد وهما حليفان: أسد وغطفان، وكتبت قريش إلى الرجال من بني سُليم أشرافٍ بينهم وبينهم أرحام، فأقبل أبو الأعور٤ فيمن اتبعه من
_________________
(١) ١ خيبر سيأتي التعريف بها عند الحديث عن غزوة خيبر. ٢ هو الحارث بن عوف بن أبي حارثة المزني من فرسان الجاهلية، قدم في وفد بني مرة منصرف رسول الله ﷺ من تبوك. الإصابة ١/ ٢٨٦. ٣ هو: طليحة بن خويلد بن نوفل بن فضلة بن الأشتر الأسدي الفقعي، قدم في وفد بني أسد على رسول الله ﷺ، وكان قد ارتد، فهرب إلى الشام، ثم أسلم إسلامًا صحيحًا، استشهد بنهاوند سنة إحدى وعشرين. الإصابة ٢/ ٢٣٤. ٤ هو: عمرو بن سفيان بن عبد شمس بن سعد بن قائف بن ثعلبة بن سليم أبو الأعور السلمي مشهور بكنيته، قال أبو عمر: شهد حنينًا مع مالك بن عوف ثم أسلم، الإصابة ٢/ ٥٤٠.
[ ١ / ٤٩٤ ]
سليم مددًا لقريش، فخرج أبو سفيان في آخر السنتين فيمن اتبعه من قبائل العرب، وأبو الأعور فيمن اتبعه من بني سُليم، وعيينة بن بدر في جمع عظيم، فهم الذين سماهم الله الأحزاب١، فلما بلغ خروجهم النبي ﷺ أخذ في حفر الخندق٢، وخرج معه المسلمون فوضع رسول الله ﷺ يده في العمل معهم، فعملوا مستعجلين ويبادرون قدوم العدو، ورأى المسلمون أنما بطش رسول الله ﷺ معهم في العمل ليكون أجدّ لهم وأقوى
_________________
(١) ١ إشارة لقوله تعالى: ﴿يَحْسَبُونَ الأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الأَعْرَابِ﴾ الآية [سورة الأحزاب آية (٢٠)] إلى قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب آية (٢٢)] . ٢ يقع الخندق في المنطقة الشمالية من المدينة، بين سلع وأسفل حرة الوبرة إلى طرف واقم من الشمال الشرقي ليربط بينهما. انظر: معجم المعالم الجغرافية ١١٤، والعمري في السيرة الصحيحة ٢/ ٤٢٠، والدر الثمين الغالي الشنقيطي ٢٠٥. وكان طوله: خمسة آلاف ذراع وعرضه تسعة أذرع، وعمقه من سبعة أذرع إلى عشرة، انظر: تفسير الطبري ٢١/ ٣٣، ومجمع الزوائد ٦/ ١٣٠، والفتح ٧/ ٣٩٧، وكان الذي أشار به سلمان الفارسي رصي الله عنه، انظر: ابن هشام ٢/ ٢٢٣، ومغازي الواقدي ٢/ ٤٤٥، وفتح الباري ٧/ ٣٩٣.
[ ١ / ٤٩٥ ]
لهم بإذن الله عزوجل، فجعل الرجل يضحك من صاحبه إذا رأى منه فترة١، وقال النبي ﷺ: "لا يغضب اليوم أحد من شيء ارتجز٢ به ما لم يقل قول كعب أو حسان فإنهما يجدان من ذلك قولًا كثيرًا ونهاهما أن يقولا شيئًا يحفظان٣ به أحدًا، فذكروا أنه عرض لهم حجر في محفرهم، فأخذ رسول الله ﷺ معولًا من أحدهم فضرب به ثلاثًا فكسر الحجر في الثالثة، فزعموا أن سلمان الخير الفارسي٤ أبصر عند كل ضربة برقة٥ ذهبت في ثلاث وجوه كل مرة يتبعها سلمان بصره، فذكر ذلك سلمان٦ لرسول الله ﷺ فقال: رأيت كهيئة البرق أو موج الماء عن ضربة ضربتها يا رسول الله، ذهبت إحداهن نحو المشرق والأخرى نحو الشام، والأخرى نحو اليمن،
_________________
(١) ١ فترة: أي ضعف. النهاية ٣/ ٤٠٨. ٢ الرَّجز: بحر من بحور الشعر معروف ونوع من أنواعه. وتسمى قصائده أراجيز، فهو كهيئة السجع إلا أنه في وزن الشعر، ويسمى قائله راجز. النهاية ٢/ ١٩٩. ٣ يحفظان به: أي يغضبان. النهاية ١/ ٤٠٨. ٤ هو: سلمان أبو عبد الله الفارسي، ويقال له: سلمان الإسلام، وسلمان الخير، أصله من رام هرمز وقيل من أصبهان، وكان أول مشاهده الخندق، وشهد بقية المشاهد وفتوح العراق. الإصابة ٢/ ٦٢. ٥ برقة: أي لمعان كالبرق. النهاية ١/ ١٢٠. ٦ المعروف أن رسول الله ﷺ هو الذي بشر الصحابة بالفتوحات عند تكسيره للحجرة التي عجز الصحابة عن تكسيرها، كما روى ذلك أحمد والنسائي وحسن الحافظ ابن حجر إسنادها. انظر: فتح الباري ٧/ ٣٩٧، والطبراني في الكبير ١١/ ٣٧٦.
[ ١ / ٤٩٦ ]
فقال رسول الله ﷺ: "وقد رأيت ذلك يا سلمان؟ " قال: نعم، قد رأيت ذلك يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: "فإنه أُبْيضَ١ لي في إحداهن مدائن كسرى٢ ومدائن من تلك البلاد، وفي الأخرى مدينة الروم، والشام، وفي الأخرى مدينة اليمن وقصورها، والذي رأيت النصر يبلغهن إن شاء الله"، وكان سلمان يذكر ذلك عن رسول الله ﷺ قال: وكان سلمان رجلًا قويًا، فلما وكل رسول الله ﷺ بكل جانب من الخندق، قال المهاجرون: يا سلمان احفر معنا، فقال رجل من الأنصار: لا أحد أحق به منا، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ: "إنما سلمان منا أهل البيت"٣.
[وقال عبد الله بن عباس: لما قتل الأسودَ العنسيَّ كذابَ صنعاء فيروز الديلمي وقدم قادمهم على رسول الله ﷺ قد أسلموا قالوا: يا رسول الله من نحن؟ قال: "أنتم إلينا أهل البيت ومنا"، فلما قضوا حفر
_________________
(١) ١ البياض: ضد السواد، الإصابة ١/ ٢٩٥، والمراد: أنه ظهر لي شيء أبيض. ٢ المدائن: جمع مدينة وتقع هذه المدائن بين أرض الفرات ودجلة بناها الأكاسرة من آل ساسان، بينهما وبين بغداد ستة فراسخ. ياقوت ٥/ ٧٤- ٧٥. ٣ أخرجه ابن سعد في الطبقات ٤/ ٩٨، والحاكم ٣/ ٥٨٩، وقال الذهبي: "سنده ضعيف، وأخرجه الطبراني في الكبير ٦/ ٢١٢ رقم (٦٠٤٠) قال في المجمع (٦/ ١٣٠): "وفيه كثير بن عبد الله المزني وقد ضعفه الجمهور وحسن الترمذي حديثه، وبقية رجاله ثقات"، وقال الألباني في ضعيف الجامع الصغير وزيادته ص ٤٨٠- ٤٨١ رقم (٣٢٧٢): "ضعيف جدًا".
[ ١ / ٤٩٧ ]
خندقهم وذلك في شوال سنة أربع، وهو عام الأحزاب] ١ وعام الخندق أقبل أبو سفيان بن حرب ومن معه من مشركي قريش ومن اتبعه من أهل الضلالة فنزلوا بأعلى وادي قناة من تلقاء الغابة، وغلقت بنو قريظة حصنهم، وتأشموا٢ بحيي بن أخطب وقالوا: لا تكونوا من هؤلاء القوم في شيء فإنكم لا تدرون لمن تكون الدَّبْرة٣، وقد أهلك حيي قومه ما حذروه، وأقبل حيي حتى أتى باب حصنهم، وهو مغلق عليهم، وسيد اليهود يومئذ كعب بن أسد، فقال حيي: أَثَمَّ كعب؟
قالت امرأته: ليس ههنا، خرج لبعض حاجاته.
فقال حيي: بل هو عندك مكث على جشيشته٤ يأكل منها، فكره أن أصيب معه من العشاء.
فقال كعب: ائذنوا له فإنه مشؤوم، والله ما طرقنا بخير، فدخل حيي فقال: إني جئتك والله بعز الدهر إن لم تتركه عليّ، أتيتك بقريش وسقت إليك الحليفين: أسدٌ وغطفان فقال كعب بن أسد: إنما مثلي ومثل ما جئت به كمثل سحابة أفرغت ما فيها ثم انطلقت، ويحك يا حيي دعنا
_________________
(١) ١ من قوله: وقال ابن عباس إلى هنا، أظنه من كلام موسى بن عقبة، والله أعلم. ٢ تأشموا: لعل معناها تشاءموا، والشؤم: ضد اليُمْن، وقد شأم فلان على قومه يشأمهم فهو شائم إذا جر عليهم الشؤم. اللسان (شأم) . ٣ الدَّبَرْ: بالفتح الهلاك. النهاية ٢/ ٩٨. ٤ الجشيشة: الحنطة تطحن طحنًا جليلًا، ثم تجعل في القدور ويقلى عليها لحم أو تمر وتطبخ وقد يقال لها: دشيشة، النهاية ١/ ٢٧٣.
[ ١ / ٤٩٨ ]
على عهدنا لهذا الرجل فإني لم أر رجلًا أصدق ولا أوفى من محمد وأصحابه والله ما أكرهنا على دين ولا غصبنا مالًا ولا ننقم من محمد وعملك شيئًا، وأنت تدعو إلى الهلكة فنذكرك الله إلا ما أعفيتنا من نفسك.
فقال: والله لا أفعل ولا يختبزها محمد إلى يوم القيامة، ولا نفترق نحن وهذه الجموع حتى نهلك، وقال عمرو بن سعد القرظي: يا معشر يهود إنكم قد حالفتم محمدًا على ما قد علمتم أن لا تخونوه ولا تنصروا عليه عدوًا، وأن تنصروه على من دهم١ يثرب٢، فأوفوا على ما عاهدتموه عليه فإن لم تفعلوا فخلوا بينه وبين عدوه، واعتزلوهم، فلم يزل بهم حيي حتى شامهم٣، فاجتمع ملأهم في الغد على أمر رجل واحد، غير أن بني شعبة أسدًا٤ وأسيدًا وثعلبة خرجوا إلى رسول الله ﷺ زعموا وقالت اليهود: يا حيي انطلق إلى أصحابك فإنا لا نأمنهم فإن أعطونا من أشرافهم من كل من جاء معهم رهنًا٥ فكانوا عندنا فإذا نهضوا لقتال
_________________
(١) ١ دهم: أي فاجأ. النهاية ٢/ ١٤٥. ٢ يثرب: هي مدينة المصطفى ﷺ واسمها القديم (يثرب)، فغيرها وسماها: (طيبة الطيبة) كراهة للتثريب وهو اللوم والتعيير، وقيل سميت باسم رجل من العمالقة، وقيل: هو اسم أرضها. النهاية ٥/ ٢٩٢. ٣ شامهم: أي عدل بهم عن رأيهم. القاموس، مادة (شمم) . ٤ هم ممن أسلموا من بني قريظة. انظر: الإصابة ١/ ٣٣. ٥ قال في القاموس: "الرهن: ما وضع عندك لينوب مناب ما أخذ منك، القاموس مادة (رهن) ".
[ ١ / ٤٩٩ ]
محمد وأصحابه خرجنا نحن فركبنا أكتافهم، فإن فعلوا ذلك فاشدد العقد بيننا وبينهم، فذهب حيي إلى قريش فعاقدوه على أن يدفعوا إليه السبعين، ومزقوا صحيفة القضية١ التي كانت بين رسول الله ﷺ وبينهم، ونبذوا إلى رسول الله ﷺ بالحرب وتحصنوا، فخرج رسول الله ﷺ فعبأ أصحابه للقتال، وقد جعلهم المشركون في مثل الحصن بين كتائبهم، فحاصروهم قريبًا من عشرين ليلة٢، وأخذوا بكل ناحية حتى ما يدري الرجل أتم صلاته أم لا، ووجهوا نحو منزل رسول الله ﷺ كتيبة غليظة يقاتلونه يومًا إلى الليل، فلما حضرت الصلاة، صلاة العصر، دنت الكتيبة، فلم يقدر النبي ﷺ ولا أحد من أصحابه الذين كانوا معه أن يصلوا الصلاة على نحو ما أرادوا فانكفأت الكتيبة مع الليل فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: "شغلونا عن صلاة العصر ملأ الله بطونهم وقبورهم نارًا"٣، وفي
_________________
(١) ١ هي الصحيفة التي عملها النبي ﷺ وكتبها بين المسلمين واليهود عندما قدم المدينة بعد الهجرة وكان من ضمن بنودها: أن بينهم النصر جميعًا على من دهم يثرب، انظر هذه الصحيفة والوثيقة في رسالة هارون رشيد محمد إسحاق، بعنوان: صحيفة المدينة دراسة حديثية وتحقيق، من قسم الدراسات العليا من كلية التربية جامعة الملك سعود عام ١٤٠٥هـ- ص١٣٣ فما بعدها. ٢ وفي مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) بضع عشرة ليلة، وتفسيره ١/ ٨٣، وأخرج الواقدي في المغازي ٢/ ٢٩١ من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب مرسلًا أن مدة الحصار كانت بضعة وعشرين يومًا، وأخرج كذلك ابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٧٣ عن الزهري عن ابن المسيب، وفي رواية أخرى لسعيد بن المسيب: أنهم حاصروهم أربعًا وعشرين ليلة. انظر: الإصابة ٢/ ٧٣. ٣ أخرجه البخاري في الصحيح. انظر: الفتح ٧/ ٤٠٥ رقم (٤١١١) وانظر رقم (٤١١٢) ورقم (٢٩٣١) ورقم (٤٥٣٣) ومسلم في المساجد (٦٢٧) باب التغليظ في تفويت الصلاة، وأبا داود في الصلاة رقم (٤٠٩)، وأحمد ٢/ ١٢٩ رقم [٥٩١] أرناؤوط، والدارمي في الصلاة ١/ ٢٨٠، باب في الصلاة الوسطى من طريق هشام بن حسان عن ابن سيرين عن عبيدة عن علي رصي الله عنه.
[ ١ / ٥٠٠ ]
رواية ابن فليح: "بطونهم وقبورهم نارًا"١.
فلما اشتد البلاء على النبي ﷺ وأصحابه نافق ناس كثير وتكلموا بكلام قبيح، فلما رأى رسول الله ﷺ ما فيه الناس من البلاء والكرب جعل يبشرهم ويقول: "والذي نفسي بيده ليفرجن عنكم ما ترون من الشدة، وإني لأرجو أن أطوف بالبيت العتيق آمنًا، وأن يدفع الله عزوجل إليّ مفاتيح الكعبة، وليهلكن الله كسرى وقيصر ولتنفقن كنوزهما في سبيل الله عزوجل".
وقال رجل ممن معه لأصحابه: ألا تعجبون من محمد يعدنا أن نطوف بالبيت العتيق وأن نقسم كنوز فارس والروم ونحن ههنا لا يأمن أحدنا أن يذهب الغائط، والله لما يعدنا إلا غرورًا٢، وقال آخرون ممن معه: إئذن لنا فإن بيوتنا عورة٣، وقال آخرون: يا أهل يثرب لا مقام
_________________
(١) ١ هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي ٣/ ٤٠٢، ولعلها: "قبورهم وبطونهم نارًا" ٢ ذكر الله عنهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إلاّ غُرُورًا﴾ [الأحزاب آية رقم (١٢)] . ٣ حكى الله عنهم في ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلاّ فِرَارًا﴾ [الأحزاب آية (١٣)] .
[ ١ / ٥٠١ ]
لكم فارجعوا١.
وبعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ أخا عبد الأشهل، وسعد بن عبادة وعبد الله بن رواحة٢ وخوات بن جبير إلى بني قريظة ليكلموهم ويناشدوهم في حلفهم، فانطلقوا حتى أتوا باب حصن بني قريظة، استفتحوا ففُتح لهم، فدخلوا عليهم فدعوهم إلى الموادعة٣ وتجديد الحلف، فقالوا: الآن وقد كسروا جناحنا، يريدون بجناحهم المكسورة بني النضير، ثم أخرجوهم وشتموا النبي ﷺ شتمًا، فجعل سعد بن عبادة يشاتمهم، فأغضبوه، فقال سعد بن معاذ لسعد بن عبادة: إنا والله ما جئنا لهذا ولَمَا بيننا أكثر من المشاتمة ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: إنكم قد علمتم الذي بيننا وبينكم يا بني قريظة، وأنا خائف عليكم مثل يوم بني
_________________
(١) ١ جزء من الآية السابقة. ٢ هو عبد الله بن رواحة بن ثعلبة بن امرئ القيس بن عمرو بن امرئ القيس بن مالك الخزرجي الأنصاري الشاعر المشهور يكنى أبا محمد من السابقين الأولين من الأنصار وكان أحد النقباء ليلة العقبة، وشهد بدرًا وما بعدها إلى أن استشهد بمؤتة. الإصابة ٢/ ٣٠٦. ٣ الموادعة: يقال: توادع الفريقان: إذا أعطى كل واحد منهم الآخر عهدًا ألاَّ يغزوه، النهاية (٥/ ١٦٧) .
[ ١ / ٥٠٢ ]
النضير أو أمّر منه.
فقالوا: أكلتَ أَيْر أبيك، فقال: غير هذا من القول كان أجمل وأحسن منه.
فرجعوا إلى رسول الله ﷺ حين يئسوا مما عندهم، فعرف رسول الله ﷺ في وجوههم الكراهية لما جاءوا به، فقال: ما وراءكم؟
فقالوا: أتيناك من عند أخابث خلق الله وأعداهم لله ولرسوله ﷺ، وأخبروه بالذي قالوا، فأمرهم رسول الله ﷺ بكتمان خبرهم وانصرف رسول الله ﷺ إلى أصحابه، وهم في بلاء شديد يخافون أشد من يوم أحد فقالوا: حين رأوا رسول الله ﷺ مقبلًا: ما وراءك يا رسول الله، قال: "خيرًا فأبشروا"، ثم تقنع بثوبه فاضطجع ومكث طويلًا واشتد عليهم البلاء والخوف حين رأوا رسول الله ﷺ وعرفوا أنه لم يأته من بني قريظة خير، ثم إنه رفع رأسه فقال: "أبشروا بفتح الله ونصره"، فلما أصبحوا دنا القوم بعضهم إلى بعض، فكان بينهم رمي بالنبل والحجارة، قال ابن شهاب: قال سعيد بن المسيب١: قال رسول الله ﷺ: "اللهم إني أسألك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" ٢، وأقبل نوفل بن عبد الله المخزومي وهو من المشركين
_________________
(١) ١ انظر: مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) . ٢ هذا الدعاء ذكره ﷺ في غزوة بدر كما في البخاري وغيره. انظر: الصحيح مع الفتح ٧/ ٢٨٧، وأخرجه ابن سعد عن الزهري، عن سعيد بن المسيب مرسلًا. الطبقات الكبرى ٢/ ٧٣.
[ ١ / ٥٠٣ ]
على فرس له ليقحمه١ الخندق فقتله الله، وكبت به المشركين وعظم في صدورهم وأرسلوا إلى رسول الله ﷺ إِنّا نعطيكم الدية على أن تدفعوه إلينا فندفنه، فرد إليهم النبي ﷺ: إنه خبيث خبيث الدية، فلعنه الله، ولعن ديته، فلا أربَ٢ لنا بديته، ولسنا مانِعِيكُم أن تدفنوه، ورمي سعد بن معاذ رمية فقطعت منه الأكحل٣ من عضده٤ ورماه زعموا حبان بن قيس٥ أخو بني عامر بن لؤي، ثم أحد بني العَرِقَة٦، ويقول آخرون: أبو أسامة الجشمي حليف بني مخزوم، وقال سعد بن معاذ: رب اشفني من بني قريظة قبل الممات فرَقَأَ٧ الكلْم٨ بعدما كان قد انفجر، وصبر أهل
_________________
(١) ١ ليقحمه: يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم، وتقحمه، إذا رمى نفسه فيه من غير روية وتثبت. النهاية ٤/ ١٨. ٢ لا أرب: أي لا حاجة. النهاية ١/ ٣٥. ٣ الأكحل: عرق في وسط الذراع يكثر فصده. النهاية ٤/ ١٥٤. ٤ العضد: ما بين الكتف والمرفق. النهاية ٣/ ٢٥٢. ٥ قال السهيلي: "هو حبان بن قيس بن العرقة. الروض ٣/ ٢٨٠، قال: وحبان هو عبد مناف بن منقذ بن عمرو بن معيص بن عامر بن لؤي. ويشهد له ما في صحيح البخاري فقد ذكر أن الذي رماه: حبان بن العرقة". انظر: الصحيح مع الفتح ٧/ ٤١١. ٦ العَرِقَة: هي: قلابة بنت سعيد بن سعد بن سهم تكنى أم فاطمة، سميت العرقة لطيب ريحها. وهي جدة خديجة أم أمها هالة. الروض ٣/ ٢٨٠. ٧ رقأ: يقال: رقأ الدمع والدم والعرق يرقأ رقوءًا بالضم إذا سكن وانقطع. النهاية ٢/ ٢٤٨. ٨ الكلم: الجرح. النهاية ٤/ ١٩٩.
[ ١ / ٥٠٤ ]
الإيمان على ما رأوا من كثرة الأحزاب وشدة أمرهم، وزادهم يقينًا لموعد الله ﵎ الذي وعدهم، ثم رجع بعضهم عن بعض، ثم إن أبا سفيان أرسل إلى بني قريظة أن قد طال ثُواؤنا١ ههنا وأجدب٢ من حولنا فما نجد رعيًا للظهر، وقد أردنا أن نخرج إلى محمد وأصحابه فيقضي الله بيننا وبينهم فماذا ترون؟
وبعثت بذلك غطفان، فأرسلوا إليهم: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم فانهضوا فإنا لا نحبسكم إذا بعثتم بالرهن إلينا، وأقبل رجل من أشجع يقال له نعيم بن مسعود٣ يذيع٤ الأحاديث وقد سمع الذي أرسلت به قريش وغطفان إلى بني قريظة والذي رجعوا إليهم، فلما رآه رسول الله ﷺ أشار إليه وذلك عشاءً، فأقبل نعيم بن مسعود حتى دخل على رسول الله ﷺ قُبَّةً له تُركية ومعه نفر من أصحابه فقال له رسول الله ﷺ: "ما وراءكم؟ ".
_________________
(١) ١ ثوى: المثوى المنزل من ثوى بالمكان يثوي إذا أقام فيه. النهاية ١/ ٢٣٠. ٢ الجدْب: هو القحط، وهي الأرض التي لا نبات فيها. النهاية ١/ ٢٤٢- ٢٤٣. ٣ هو: نعيم بن مسعود بن عامر بن أنيف بن ثعلبة بن قنفذ الأشجعي يكنى أبا سلمة الأشجعي أسلم ليالي الخندق، وهو الذي أوقع الخلف بين الحيين قريظة وغطفان، قتل في أول خلافة علي رصي الله عنه، وقيل مات في خلافة عثمان رصي الله عنه. الإصابة ٣/ ٥٦٨. ٤ ذاع الخبر يذيع ذيعًا وذيوعًا: انتشر، والمذياع: بالكسر من لا يكتم السر. القاموس (ذاع) .
[ ١ / ٥٠٥ ]
قال: إنه والله مالك طاقة بالقوم وقد تحزبوا عليك وهم معالجوك، وقد بعثوا إلى بني قريظة أنه قد طال ثواؤنا وأجدب ما حولنا وقد أحببنا أن نعاجل محمدًا وأصحابه فنستريح منهم، فأرسلت إليهم بنو قريظة: أن نعم ما رأيتم فإذا شئتم، فابعثوا بالرهن ثم لا يحبسكم إلا أنفسكم.
فقال له رسول الله ﷺ: "إني مسر إليك شيئًا فلا تذكره"، قال: نعم، قال: "إنهم قد أرسلوا إليّ يدعونني إلى الصلح وأرد بني النضير إلى دورهم وأموالهم"، فخرج نعيم من عند رسول الله ﷺ إلى غطفان، فقال رسول الله ﷺ: "إن الحرب خدعة١، وعسى الله أن يصنع لنا"، فأتى نعيم غطفان فقال: إني لكم ناصح وإني قد اطلعت على غدر يهود، تعلمون أن محمدًا ﷺ لم يكذب قط، وإني سمعته يحدث أن بني قريظة، قد صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى ديارهم وأموالهم، ويدفعوا إليه الرهن، ثم خرج نعيم ين مسعود الأشجعي حتى أتى أبا سفيان بن حرب وقريشًا فقال: اعلموا أني قد اطلعت على غدر يهود،
_________________
(١) ١ خدعة: قال النووي: فيها ثلاث لغات مشهورات، واتفقوا على أن أفصحهن خَدعة بفتح الخاء وإسكان الدال، والثانية بضم الخاء، والثالثة بضم الخاء وفتح الدال، النووي على مسلم ١٢/ ٤٥. وقوله ﷺ: "الحرب خدعة" أخرجه البخاري في الجهاد رقم (٣٠٣٠)، ومسلم في الجهاد رقم (١٧٣٩)، وأبو داود رقم (٢٦٣٦)، والترمذي في الجهاد رقم (١٦٧٥) .
[ ١ / ٥٠٦ ]
إني سمعت محمدًا يحدث أن بني قريظة صالحوه على أن يرد عليهم إخوانهم من بني النضير إلى دورهم وأموالهم، على أن يدفعوا إليه الرهن ويقاتلون معه ويعيدون الكتاب الذي كان بينهم، فخرج أبو سفيان إلى أشراف قريش فقال: أشيروا عليّ وقد ملّوا مقامهم، وتعذرت عليهم البلاد، فقالوا: نرى أن نرجع ولا نقيم فإن الحديث على ما حدثك نعيم والله ما كذب محمد، وإن القوم لغدر.
وقال الرُّهْن حين سمعوا الحديث: والله لا نأمنهم على أنفسنا ولا ندخل حصنهم أبدًا، قال أبو سفيان: لن نعجل حتى نرسل إليهم فنتبين ما عندهم، فبعث أبو سفيان إليهم عكرمة بن أبي جهل وفوارس، وذلك ليلة السبت، فأتوهم فكلموهم فقالوا: إنا مقاتلون غدًا فاخرجوا إلينا.
قالوا: إن غدًا السبت وإنا لا نقاتل فيه أبدًا.
قال عكرمة: إنا لا نستطيع الإقامة، هلك الظهر والكراع ولا نجد رعيًا.
قالت اليهود: إنا لا نعمل يوم السبت عملًا بالقتال، ولكن امكثوا إلى يوم الأحد، وابعثوا إلينا بالرهن، فرجع عكرمة وقد يئس من نصرهم، واشتد البلاء والحصر على المسلمين وشغلتهم أنفسهم فلا يستريحون ليلًا ولا نهارًا، وأراد رسول الله ﷺ أن يبعث رجلًا فيخرج من الخندق فيعلم ما خبر القوم، فأتى رسول الله ﷺ رجلًا من أصحابه١ فقال: "هل أنت
_________________
(١) ١ الذي في صحيح مسلم ٣/ ١٤١٤- ١٤١٥ رقم (١٧٨٨) "أن النبي ﷺ انتدب حذيفة بن اليمان رصي الله عنه بعد أن نادى في الناس أن يأتوه بخبر القوم، فلما لم يجبه أحد عين حذيفة رصي الله عنه"، ولم أر في المصادر التي وقفت عليها أن رسول الله ﷺ أمر رجلًا من أصحابه فاعتل.
[ ١ / ٥٠٧ ]
مطلع القوم؟ "
فاعتل١ فتركه، وأتى آخر، فقال مثل ذلك، وحذيفة بن اليمان يسمع ما يقول رسول الله ﷺ وهو في ذلك صامت لا يتكلم مما به من الضر والبلاء، فأتاه رسول الله ﷺ وهو لا يدري من هو، فقال: "من هذا؟ " قال: أنا حذيفة بن اليمان، قال: "إياك أريد، أسمعت حديثي منذ الليلة ومسألتي الرجال لأبعثهم فيتخبرون لنا خبر القوم؟ "
قال حذيفة: والذي بعثك بالحق إنه لبأُذني، قال: "فما منعك أن تقوم حين سمعت كلامي؟ "
قال: الضر والجوع، فلما ذكر الجوع، ضحك رسول الله ﷺ فقال: "قم حفظك الله من أمامك ومن خلفك ومن فوقك ومن تحتك وعن يمينك وعن شمالك حتى ترجع إلينا،" فقام حذيفة مستبشرًا بدعاء رسول الله ﷺ كأنه احتمل احتمالًا، فما شكا من جوع ولا خوف ولا درى شيئًا مما أصابه قبل ذلك من البلاء، فانطلق حتى أجاز الخندق من أعلاه، فجلس بين ظهري المشركين، فوجد أبا سفيان قد أمرهم أن يوقدوا
_________________
(١) ١ اعتل: العلة بالكسر: المرض. القاموس ١٣٣٨ (علل) .
[ ١ / ٥٠٨ ]
النيران، وقال: ليعلم كل امرئ مَنْ جليسه، فقبض حذيفة على يد رجل عن يمينه، فقال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وقبض يد رجل عن يساره قال: من أنت؟ قال: أنا فلان، وبَدَرَهُم بالمسألة خشية أن يفطنوا له، ثم إن أبا سفيان أذَّن بالرحيل، فارتحلوا وحملوا الأثقال، فانطلقت ووقفت الخيل ساعة من الليل، ثم انطلقت، وسمعت غطفان الصياح والإرصاء١ من قبل قريش، فبعثوا إليهم، فأتاهم الخبر برحيلهم فانقشعوا٢ لا يلوون على شيء، وقد كان الله عزوجل قَبْلَ رحيلهم قد بعث عليهم بالريح٣ بضع عشرة ليلة، حتى ما خلق الله لهم بيتًا يقوم، ولا رمحًا حتى ما كان في الأرض منزل أشد عليهم ولا أكره إليهم من منزلهم ذلك، فأقشعوا والريح أشد ما كانت معها جنود الله لا تُرى كما قال الله عزوجل٤، ورجع حذيفة ببيان خبر القوم، فأتى رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي - وكذلك فعل رسول الله ﷺ حين خرج محمد بن مسلمة وأصحابه فقتلوا كعب بن الأشرف، فلم يزل قائمًا يصلي حتى فرغوا منه وسمع التكبير، - ولما دنا
_________________
(١) ١ لم يتبين لي معناها. ٢ انقشعوا: تفرقوا. القاموس المحيط (قشع) . ٣ إشارة لقوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا ﴾ الآية [الأحزاب آية رقم (٩)] . ٤ قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ [الأحزاب آية رقم (٩)] .
[ ١ / ٥٠٩ ]
حذيفة من رسول الله ﷺ أمره أن يدنو حتى ألصق ظهره برجل رسول الله ﷺ فثنا ثوبه حتى دفئ، ثم انصرف إليه رسول الله ﷺ فسأله عن القوم، فأخبره الخبر، فأصبح رسول الله ﷺ والمسلمون قد فتح الله عزوجل لهم وأقرّ أعينهم، فرجعوا إلى المدينة شديدًا بلاؤهم مما لقوا من محاصرة العدوّ، وكانوا حاصروهم في شتاء شديد فرجعوا مجهودين فوضعوا السلاح١.
_________________
(١) ١ وقد أخرج الواقدي في المغازي ٢/٤٨٦ من طريق معمر، عن الزهري مرسلًا نحوه.
[ ١ / ٥١٠ ]
المبحث الرابع: في هَمِّ رسول الله ﷺ بعقد الصلح بينه وبين غطفان وعدوله عن ذلك
٨١- قال ابن إسحاق١: فلما اشتد على الناس البلاء بعث رسول الله ﷺ كما حدثني عاصم بن عمر بن قتادة ومن لا أتهم عن محمد بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب الزهري: إلى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر وإلى الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري٢، وهما قائدا غطفان فأعطاهما ثلث ثمار المدينة على أن يرجعا بمن معهما عنه وعن أصحابه، فجرى بينه وبينهم الصلح حتى كتبوا الكتاب ولم تقع الشهادة ولا عزيمة الصلح إلا المراوضة٣، فلما أراد رسول الله ﷺ أن يفعل بعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة، فذكر ذلك لهما، واستشارهما فيه، فقالا له: يا رسول الله أمرًا تحبه فنصنعه أم شيئًا أمرك الله به لا بد لنا من العمل به أم شيئًا تصنعه لنا؟
قال: (بل شيء أصنعه لكم، والله ما أصنع ذلك إلا لأنني رأيت
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٢٣. والرواية حسنة إلى الزهري. ٢ في رواية عبد الرزاق أن النبي ﷺ أرسل إلى عيينة فقط. انظر: الرواية في التفسير، (١/ ٨٣) وستأتي. ٣ المراوضة: المجاذبة في البيع والشراء، وهو ما يجري بين المتبايعين من الزيادة والنقصان، وقيل هي المواصفة بالسلعة، وهو أن تصفها وتمدحها عنده. النهاية ٢/ ٢٧٦- ٢٧٧.
[ ١ / ٥١١ ]
العرب قد رمتكم عن قوس واحدة، وكالبوكم١ من كل جانب، فأردت أن أكسر عنكم من شوكتهم إلى أمر ما،" فقال له سعد بن معاذ: يا رسول الله قد كنا نحن وهؤلاء القوم على الشرك بالله وعبادة الأوثان، لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها تمرة إلا قِرىً٢ أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا؟ والله ما لنا بهذا من حاجة، والله لا نعطيهم إلا السيف حتى يحكم الله بيننا وبينهم. قال رسول الله ﷺ: " فأنت وذاك". فتناول سعد بن معاذ الصحيفة فمحا ما فيها من الكتاب، ثم قال: ليجهدوا علينا"٣.
٨٢- عبد الرزاق عن معمر عن الزهري قال: لما كان يوم الأحزاب حصر النبي ﷺ وأصحابه بضع عشرة ليلة، حتى خلص إلى كل امرئ منهم الكرب، وحتى قال النبي ﷺ كما قال ابن المسيب: "اللهم أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن تشأ لا تعبد" ٤.
فبينما هم على ذلك أرسل النبي ﷺ إلى عيينة بن حصن بن بدر:
_________________
(١) ١ كالبوكم: أي: اشتدوا عليكم. النهاية ٤/ ١٩٥، والقاموس (كلب) . ٢ قرى: الضيف - بالكسر والفتح والمدّ - القاموس، مادة (قرى) . ٣ الجهد: - بالضمّ - الوسع والطاقة، وبالفتح: المشقة. النهاية ١/٣٢٠، والمراد: أي ليجتهدوا وليبذلوا ما في وسعهم في تهديدنا، فلن نعطيهم شيئًا. ٤ تقدم أن هذا الدعاء ذكره الرسول ﷺ في بدر كما في البخاري وغيره. وقد تكرر منه ﷺ هذا الدعاء في أكثر من موضع.
[ ١ / ٥١٢ ]
"أرأيت إن جعلت لك ثلث ثمر الأنصار أترجع بمن معك من غطفان، وتخذل بين الأحزاب؟ " فأرسل إليه عيينة: إن جعلتَ لي الشطر فعلتُ١، فأرسل النبي ﷺ إلى سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فقال: "إني أرسلت إلى عيينة، فعرضت عليه أن أجعل له ثلث ثمركم، ويرجع بمن معه من غطفان، ويخذل بين الأحزاب فأبى إلا الشطر"،
فقالا: يا رسول الله إن كنت أُمرتَ بشيء فامض لأمر الله.
قال: "لو كنت أُمرت بشيء ما استأمرتكما، ولكن هذا رأي أعرضه عليكما".
قالا: فإنا لا نرى أن تعطيهم إلا السيف.
قال ابن أبي نجيح: قالا: فوالله يا رسول الله، لقد كان يمرّ في الجاهلية يجرّ صرمه٢ في عام السنة حول المدينة ما يطيق أن يدخلها، أفلآن حين جاء الله بالإسلام نعطيهم ذلك٣؟
قال النبي ﷺ: "فنعم إذًا"٤.
_________________
(١) ١ في رواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/٢٢٣) أن الصلح كان على الثلث فقط. ٢ الصرمة: القطعة الخفيفة من الإبل. النهاية ٣/ ٦٢. ٣ إلى هنا أخرجها أبو عبيد في الأموال رقم (٤٤٥) عن الزهري مرسلًا، ومن طريق أبي عبيد أخرجها البلاذري في أنساب الأشراف ١/ ٣٤٥. ٤ تفسير عبد الرزاق ١/ ٨٣، والمصنف ٥/ ٣٦٧ رقم (٩٧٣٧) وقد وردت هذه الرواية في المصنف دون ذكر معمر والزهري، فلعلهما سقطا والله أعلم. وهي رواية صحيحة إلى الزهري. وانظر مغازي الواقدي ٢/ ٤٧٧، فقد ذكر هذه الرواية عن الزهري عن سعيد بن المسيب ولكن الواقدي متروك. وقضية المفاوضة بين الرسول ﷺ وبين غطفان بشأن إعطائهم بعض ثمار المدينة ويرجعوا عنه، انظرها في كشف الأستار ١/ ٣٣١- ٣٣٢، ومجمع الزوائد ٦/ ١٣٢، بإسنادين كلاهما حسن، وانظر: مغازي الواقدي ٢/ ٤٧٧، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٧٣ من طريق الزهري عن ابن المسيب مرسلًا، وابن أبي شيبة ١٤/ ٤٢٠، وابن إسحاق كما مر، ودلائل البيهقي ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧.
[ ١ / ٥١٣ ]
المبحث الخامس: في شهداء المسلمين وقتلى المشركين يوم الخندق١.
١- أنس بن أوس بن عتيك بن عمرو بن عبد الأعلم الأنصاري٢.
٢- أنس بن معاذ بن أوس بن عبد عمرو٣.
٣- ثعلبة بن عَنَمة - بفتح المهملة والنون - ابن عدي الخزرجي الأنصاري٤.
_________________
(١) ١ من جاء ذكره في هذه القائمة في معجم الطبراني فهو من طريق موسى بن عقبة عن الزهري، والباقون ذكروا من دون إسناد أي تعليقًا عن الزهري. ٢ الإصابة ١/٦٨، عن الزهري. ٣ المعجم الكبير ٢/٩٠ تحت رقم (٧٧٠) ومجمع الزوائد ٦/١٤٢، عن الزهري. ٤ المعجم الكبير ٢/٩٠، تحت رقم (١٤٠٣)، عن الزهري. وقد ذكر ابن إسحاق أنّ شهداء الخندق ستة نفر، الثلاثة الذين ذكرهم الزهري، وزاد عليهم: سعد بن معاذ، وعبد الله بن سهل، والطفيل بن النعمان. ابن هشام ٢/٢٥٢، من غير طريق الزهري.
[ ١ / ٥١٤ ]
وقد ذكر الزهري أن عدد قتلى المشركين في غزوة الخندق ثلاثة:
١- عمرو بن عبد ودّ العامريّ١.
٢- نوفل بن عبد الله المخزومي٢.
٣- حسل بن عمرو بن عبد ودّ العامريّ٣.
_________________
(١) ١ المستدرك ٣/٣٢، عن الزهري. ٢ السير، للفزاري ١١٥، رقم (٣٢)، والمستدرك للحاكم ٣/٣٢، ودلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٠٤، عن الزهري. وقال ابن هشام: أعطوا رسول الله ﷺ بجسده عشرة آلاف درهم، فيما بلغني عن الزهري (ابن هشام ٢/٢٥٣) . ٣ ابن هشام ٢/٢٥٣، عن الزهري.
[ ١ / ٥١٥ ]
المبحث السادس: في غزوة بني قريظة
المطلب الأول: في تحديد خروجه إليهم
المبحث السادس: في غزوة بني قريظة١.
وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: في تحديد خروجه إليهم.
٨٣- قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر٢ بن الحسن القاضي، قالا: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب٣، قال: حدثنا محمد٤ بن خالد بن خَليّ، قال: حدثنا بشر٥ بن شعيب عن
_________________
(١) ١ بنو قريظة هم: أبناء قريظة بن النمام بن الخزرج بن الصريح بن السبط بن اليسع بن سعد بن لاوي بن جبر بن النمام بن عازر بن عيزر بن هارون بن عمران ﵇. وفاء الوفاء للسمهودي ١/ ١٦١. وقد سار إليهم رسول الله ﷺ في يوم الأربعاء لسبع بقين من ذي القعدة بثلاثة آلاف رجل وستة وثلاثين فرسًا. انظر: ابن هشام ٢/ ٢٣٤، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/ ٧٤. ٢ هو: الإمام العالم المحدث مسند خراسان، قاضي القضاة أبو بكر أحمد بن أبي علي الحسن بن الحافظ أبي عمرو أحمد بن محمد بن أحمد الحرشي الحيري، النيسابوري، الشافعي، قال السمعاني: هو ثقة في الحديث. السير ١٧/ ٣٥٦. ٣ تقدم في رواية رقم [٢٠] . ٤ هو محمد بن خالد بن خَليّ - بوزن علي - الكلاعي أبو الحسين الحمصي، صدوق من الحادية عشرة، س، التقريب ٤٧٦٢. ٥ هو بشر بن شعيب بن أبي حمزة، دينار القرشي مولاهم، أبو القاسم الحمصي، ثقة من كبار العاشرة، قال ابن حبان: "قال البخاري: تركناه"، فأخطأ ابن حبان، وإنما قال البخاري: "تركناه حيًا سنة اثنتي عشرة"، مات سنة ثلاث عشرة خ، س، التقريب ١٢٣.
[ ١ / ٥١٦ ]
أبيه١. قال: حدثنا الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عمه عبد الله بن كعب أخبره:
أن رسول الله ﷺ لما رجع من طلب الأحزاب وضع عنه الَّلأْمة، واغتسل واستجمر فتبدا له جبريل ﵇ فقال: عَذِيرك من محارب، ألا أراك وضعت اللأمة، وما وضعناها بعد، قال: فوثب رسول الله ﷺ فزعًا، فعزم على الناس ألا يصلوا العصر حتى يأتوا بني قريظة، قال: فلبس الناس السلاح، فلم يأتوا بني قريظة حتى غربت الشمس فاختصم الناس عند غروب الشمس فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ عزم علينا أن لا نصلي حتى نأتي بني قريظة، فإنما نحن في عزيمة رسول الله ﷺ، فليس علينا إثم، وصلى طائفة من الناس احتسابًا، وتركت طائفة منهم الصلاة حتى غربت الشمس، فصلوها حين جاءوا بني قريظة، فلم يُعَنِّفْ رسول الله ﷺ واحدًا منهم٢.
_________________
(١) ١ هو شعيب بن أبي حمزة الأموي، مولاهم، واسم أبيه دينار، أبو بشر الحمصي، ثقة عابد، قال ابن معين: من أثبت الناس في الزهري، من السابعة، مات سنة اثنتين وستين، أو بعدها، (ع)، التقريب، ٢٩٧. ٢ دلائل النبوة للبيهقي ٤/ ٧ بسند حسن، وأخرجه الطبراني في الكبير ١٩/ ٨٠ رقم (١٦٠) من طريق مرزوق بن أبي الهذيل عن الزهري به، ومن طريق مرزوق ابن أبي الهذيل أخرجه المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص ٢٤٧. وله شاهد عند البخاري في الصحيح من حديث عائشة وابن عمر مختصرًا. انظر: البخاري مع الفتح رقم (٤١١٧ و٤١١٩)، ومسلم برقم (١٧٧٠)، وأحمد ٢١/ ٨٤ الفتح الرباني. وأخرج ابن إسحاق نحوه من حديث الزهري مرسلًا (ابن هشام ٢/ ٢٣٣) وأبو عبيد في الأموال ١٦٤ رقم (٤٦٣) عن الزهري مرسلًا، ومن طريقه أخرجه ابن زنجويه في الأموال ١/ ٤١٦ رقم (٦٨٣)، وأخرجه البيهقي في الدلائل (٤/ ١١- ١٩) مطولًا. وأخرج نحوه أبو نعيم في الدلائل رقم (٤٣٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيب.
[ ١ / ٥١٧ ]
المطلب الثاني: في تخذيل نعيم بن مسعود الأحزاب
٨٤- قال الزهري١ في حديثه عن ابن المسيب: فبينا هم كذلك إذ جاءهم نعيم بن مسعود الأشجعي، وكان يأمنه الفريقان، كان موادعًا لهما، فقال: إني كنت عند عيينة وأبي سفيان إذ جاءهم رسول بني قريظة: أن اثبتوا فإنا سنخالف المسلمين إلى بيضتهم٢، قال النبي ﷺ: فلعلنا أمرناهم بذلك، وكان نعيم رجلًا لا يكتم الحديث، فقام بكلمة النبي ﷺ فجاءه عمر، فقال: يا رسول الله إن كان هذا الأمر من الله فامضه، وإن كان رأيًا منك فإن شأن قريش وبني قريظة أهون من أن يكون لأحد عليك فيه مقال، فقال النبي ﷺ: "عليّ الرجل ردوه"، فردوه فقال: "انظر
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/٣٦٨، رقم (٩٧٣٧)، هذه الرواية علقها عبد الرزاق عن الزهري فهي ضعيفة، لكن يشهد لبعض ما جاء فيها ما أخرجه البخاري ومسلم كما سيأتي. ٢ بيضتهم: أي مجتمعهم وموضع سلطانهم، ومستقر دعوتهم، بيضة الدار: وسطها ومعظمها. النهاية ١/ ١٧٢.
[ ١ / ٥١٨ ]
الذي ذكرنا لك، فلا تذكره لأحد" فإنما أغراه، فانطلق حتى أتى عيينة وأبا سفيان، فقال: هل سمعتم من محمد يقول قولًا إلا كان حقًا؟
قالا: لا، قال: فإني لما ذكرت له شأن قريظة، قال: فلعلنا أمرناهم بذلك، قال: أبو سفيان: سنعلم ذلك إن كان مكرًا، فأرسل إلى بني قريظة، أنكم قد أمرتمونا أن نكتب وأنكم ستخالفون المسلمين إلى بيضتهم فأعطونا بذلك رهينة، فقالوا: إنها دخلت ليلة السبت، وإنا لا نقضي في السبت شيئًا١، فقال أبو سفيان: إنكم في مكر من بني قريظة، فارتحلوا، وأرسل الله عليهم الريح وقذف في قلوبهم الرعب، فأطفأت نيرانهم وقطعت أرسان٢ خيولهم، وانطلقوا منهزمين من غير قتال، قال: فذلك حين يقول: ﴿وكفى اللهُ المؤمنين القِتَالَ وكانَ اللهُ قَوِيًّا عَزِيْزًَا﴾ ٣.
قال: فندب النبي ﷺ أصحابه في طلبهم، فطلبوهم حتى بلغوا حمراء
_________________
(١) ١ السبت: الراحة والسكون، أو أصله من القطع ترك الأعمال، وسَبَتَتْ اليهود تسبت إذا أقاموا عمل يوم السبت، وقيل: سمي يوم السبت، لأن الله خلق العالم في ستة أيام آخرها يوم الجمعة، وانقطع العمل فسمي اليوم السابع يوم السبت. النهاية ٢/ ٣٣١. ٢ أرسان: جمع رَسَن وهو الحبل الذي يقاد به البعير وغيره، يقال: رسنت الدابة وأرسنتها، النهاية ٢/ ٢٢٤. ٣ سورة الأحزاب، آية (٢٥) .
[ ١ / ٥١٩ ]
الأسد، قال: فرجعوا، قال: فوضع النبي ﷺ لأمته١، واغتسل واستجمر٢، فنادى النبي ﷺ جبريل: عذيرك٣ من محارب، ألا أراك قد وضعت اللأمة؟ ولم نضعها نحن بعد، فقام النبي ﷺ فزعًا؛ فقال لأصحابه: "عزمت عليكم ألا تصلوا العصر٤ حتى تأتوا بني قريظة"، فغربت الشمس قبل أن يأتوها، فقالت طائفة من المسلمين: إن النبي ﷺ لم يرد أن تدعوا الصلاة، فصلوا، وقالت طائفة: إنا لفي عزيمة رسول الله ﷺ وما علينا من بأس، فصلت طائفة إيمانًا واحتسابًا، وتركت طائفة إيمانًا واحتسابًا، قال: فلم يعنف النبي ﷺ واحدًا من الفريقين٥، وخرج النبي ﷺ
_________________
(١) ١ تقدم التعريف بها في غزوة أحد. ٢ استجمر: بالجمر، إذا تبخر بالعود. اللسان (جمر) . وانظر ما يشهد لذلك في صحيح البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧. ٣ عذيرك: هو فعيل. بمعنى فاعل: أي هات من يعذرك فيه. النهاية ٣/ ١٩٧. ٤ يشهد له ما رواه البخاري في صحيحه. الفتح ٧/ ٤٠٧ رقم (٤١١٩)، ومسلم (١٧٧٠) إلا أنه ذكر الظهر بدلًا من العصر، وقد نقل ابن حجر جمع بعض العلماء بين الروايتين أي الرواية التي تذكر العصر والأخرى التي تذكر الظهر، والتي ذكرها مسلم في صحيحه فقال: "وقد جمع بعض العلماء بين الروايتين باحتمال أن يكون بعضهم قبل الأمر كان صلى الظهر، وبعضهم لم يصلها، فقيل لمن لم يصلها لا يصلين أحد الظهر، ولمن صلاها، لا يصلين أحد العصر. الفتح ٧/ ٤٠٩. ٥ يشهد له ما رواه البخاري ومسلم. انظر: البخاري مع الفتح ٧/ ٤٠٧- ٤٠٨ رقم (٤١١٩) ومسلم رقم (١٧٧٠) .
[ ١ / ٥٢٠ ]
فمر بمجالس بينه١ وبين بني قريظة، فقال: "هل مر بكم من أحد؟ "
فقالوا: نعم، مر علينا دحية الكلبي٢ على بغلة شهباء٣ تحته قطيفة٤ ديباج٥، فقال النبي ﷺ: "ليس ذلك ولكنه جبريل، أُرسل إلى بني قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف في قلوبهم الرعب"، فحاصرهم أصحاب النبي ﷺ، فلما انتهى أصحاب النبي ﷺ أمرهم أن يستروه بِحُجُفِهم٦ ليقوه الحجارة حتى يسمع كلامهم، ففعلوا، فناداهم: "يا إخوة القردة والخنازير"، فقالوا: يا أبا القاسم ما كنت فاحشًا٧، فدعاهم إلى الإسلام قبل أن يقاتلهم، فأبوا أن يجيبوه إلى الإسلام فقاتلهم رسول الله ﷺ ومن معه من المسلمين حتى نزلوا على حكم سعد بن معاذ، وأبوا
_________________
(١) ١ هذه المجالس مجالس بني (غَنْم) . انظر: الرواية رقم [٨٦] ص ٤٠٨، وانظر: البخاري رقم (٤١١٨) . ٢ هو: دحية بن خليفة بن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس بن الخزرج الكلبي صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وقيل أحد، ولم يشهد بدرًا، وكان يضرب به المثل في حسن الصورة، وكان جبريل ﵇ ينزل على صورته، عاش إلى خلافة معاوية. الإصابة ١/ ٤٧٣- ٤٧٤. ٣ شهباء: الشهب: بياض بصدغه سواد. القاموس، مادة (شهب) . ٤ القطيفة: كساء له خَمْل ، القاموس، مادة (قطف) . ٥ الديباج: الثياب المتخذة من الإبريسم. فارسي معرب. النهاية ٢/ ٩٧. ٦ الحجف: التروس من جلود بلا خشب ولا عقب، واحدتها حجفة. القاموس، مادة (حجف) . ٧ الفحش: القول القبيح. القاموس، مادة (فحش) .
[ ١ / ٥٢١ ]
أن ينزلوا على حكم النبي ﷺ فنزلوا على داء١، فأقبلوا بهم وسعد ابن معاذ أسيرًا٢ على أتان٣، حتى انتهوا إلى رسول الله ﷺ مستأمرًا ينتظره فيما يريد أن يحكم به فيجيب به رسول الله ﷺ، يريد أن يقول: انفر بما أنا حاكم وطفق رسول الله ﷺ يقول: بقول نعم، قال سعد: فإني أحكم بأن يقتل مقاتلتهم وتقسم أموالهم وتسبى ذراريهم، فقال النبي ﷺ: "أصاب الحكم"٤، قال: وكان حيي بن أخطب استجاش٥ المشركين على رسول الله ﷺ فجاء لبني قريظة، فاستفتح عليهم ليلًا فقال سيدهم٦: إن هذا رجل مشؤوم فلا يشأمنكم حيي، فناداهم يا بني قريظة ألا تستجيبون؟ ألا تلحقوني؟ ألا تضيفوني؟ فإني جامع مغرور.
فقالت بنو قريظة: والله لنفتحن له فلم يزالوا حتى فتحوا له، فلما دخل عليهم أُطُمَهم٧ قال: يا بني قريظة: جئتكم
_________________
(١) ١ هكا في المطبوع من المصنف. ٢ أسيرًا: أي مُعْتَلًاّ. القاموس (أسر) . ٣ الأتان: أنثى الحمير. النهاية ١/ ٢١. ٤ يشهد له ما رواه البخاري من حديث أبي سعيد الخدري رصي الله عنه وفيه: ( فقال: تُقْتل مقاتلتهم، وتسبى ذراريهم، قال: قضيت بحكم الله، وربما قال: بحكم الملك) . البخاري مع الفتح ٧/ ٤١١ رقم ٤١٢١، ومسلم رقم (١٧٦٨) . ٥ استجاش: أي طلب لهم الجيش وجمعه عليهم. لسان العرب (جيش) . ٦ هو: كعب بن أسد. كما في رواية البيهقي الماضية. الدلائل ٣/ ٣٩٨- ٤٠٧. ٧ الأطم: بالضم؛ الأبنية المرتفعة كالحصون. النهاية ١/ ٥٤.
[ ١ / ٥٢٢ ]
في عز الدهر، جئتكم في عارض برد لا يقوم لسبيله شيء، فقال له سيدهم: أتعدنا عارضًا بردًا؟ ينكشف عنا وتدعنا عند بحر دائم لا يفارقنا، إنما تعدنا الغرور، قال: فواثقهم وعاهدهم لئن انفضت جموع الأحزاب أن يجيء حتى يدخل معهم أطمهم، فأطاعوه بالغدر بالنبي ﷺ والمسلمين، فلما فض الله جموع الأحزاب انطلق حتى إذا كان بالروحاء١ ذكر العهد والميثاق الذي أعطاهم، فرجع حتى دخل معهم فلما أقبلت بنو قريظة أتى به مكتوفًا بِقَدٍّ٢، فقال حيي للنبي ﷺ: أما والله ما لمتُ نفسي في عداوتك، ولكنه من يخذل الله يخذل، فأمر به النبي ﷺ فضربت عنقه٣.
_________________
(١) ١ الروحاء: - بفتح الراء وسكون الواو والحاء المهملة -: اسم موضع من أعمال الفُرُع وتبعد عن المدينة (٧٥) كيلًا. معجم المعالم الجغرافية ١٤٣ و١٦٤. ٢ القد: قطعة من الجلد. اللسان ٣/ ٢٨، مادة (قدد) . ٣ وانظر: تفسير عبد الرزاق ١/٨٤، وابن هشام ٢/ ٢٤١، ومغازي الواقدي ٢/ ٥١٦.
[ ١ / ٥٢٣ ]
المطلب الثالث: في أحداث غزوة بني قريظة إجمالًا
٨٥- قال البيهقي١: أخبرنا أبو عبد الله٢ الحافظ قال أخبرنا إسماعيل٣ بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي٤ قال: حدثنا إبراهيم٥ ابن المنذر قال: حدثنا محمد٦ بن فليح عن موسى٧ بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين٨ بن الفضل القطان، واللفظ له قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب٩ قال: حدثنا القاسم١٠ بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا أبو١١ أويس قال: حدثنا إسماعيل١٢ بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وقال رسول الله ﷺ حين سألوه أن يحكم فيهم رجلًا، اختاروا من شئتم من أصحابي،
_________________
(١) ١ دلائل البيهقي ٤/ ١٩- ٢٢. ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٣ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٤ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٥ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] . ٦ صدوق، تقدم في الرواية رقم [١] . ٧ ثقة، تقدم في الرواية رقم [١] . ٨ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ٩ ثقة، تقدم. ١٠ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١١ صدوق، تقدم في الرواية رقم [٧] . ١٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٥٠] .
[ ١ / ٥٢٤ ]
فاختاروا سعد بن معاذ فرضي بذلك رسول الله ﷺ، فنزلوا على حكم سعد بن معاذ، فأمر رسول الله بسلاحهم فجعل في قبته١، وأُمِر بهم فكُتِّفوا٢، وأوثقوا، وجُعلوا في دار أسامة، وبعث رسول الله ﷺ إلى سعد بن معاذ فأقبل على حمار أعرابي٣، يزعمون أن وطأة برذعته٤ من ليف٥، واتَّبعه رجل من بني عبد الأشهل، فجعل يمشي معه ويعظِّم حق بني قريظة، ويذكر حلفهم، والذي أبلوه في يوم بعاث، ويقول: اختاروك على من سواك من قومك رجاء رحمتك وعطفك، وتحننك عليهم، فاستَبْقِهم، فإنهم لك جمال وعدد، قال: فأكثر ذلك الرجل ولا يرجع إليه سعد شيئًا حتى دنوا فقال الرجل: ألا ترجع إليّ فيما أكلمك فيه؟
قال سعد: قد آن لي أن لا تأخذني في الله لومة لائم، ففارقه الرجل فأتى قومه، فقالوا: ما وراءك، فأخبرهم أنه غير مستبقيهم، وأخبرهم بالذي كلمه به والذي رجع سعد إليه، فحكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم،
_________________
(١) ١ القبة من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب. النهاية ٤/ ٣. ٢ المكتوف: هو الذي شدت يداه من خلفه. النهاية ٤/ ١٥٠. ٣ أعرابي: أي أَنَّ الحمار المذكور ليس ملكًا له، وإنما أسلفوه، وهو من العربان. النهاية ٣/ ٢٠٢، أو أن يكون معناه أنه منسوب إلى العرب. النهاية ٣/ ٢٠٣. ٤ البرذعة: الحلس الذي يلقى تحت الرجل، والجمع: براذع، وخص بعضهم به الحمار، اللسان (برذع) ٥ الليف: ليف النخل معروف، القطعة منه ليفة، وليفت الفسيلة غلظت. اللسان (ليف) .
[ ١ / ٥٢٥ ]
وتسبى ذراريهم ونساؤهم وتقسم أموالهم١، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال لسعدٍ: "لقد حكمت فيهم بحكم الله عزوجل".
فقتل رسول الله ﷺ مقاتلتهم، وكانوا زعموا ستمائة٢ مقاتل، قتلوا عند دار أبي جهل٣ التي بالبلاط٤، ولم تكن يومئذ بلاط، فزعموا أن دماءهم بلغت أحجار الزيت٥ التي كانت بالسوق، وسبى نساءهم
_________________
(١) ١ وقد أخرج البلاذري من طريق عبد الرزاق عن معمر قال: سألت الزهري، هل كانت لبني قريظة أرض؟ فقال: سديدًا قسمها رسول الله ﷺ بين المسلمين على السهام، فتوح البلدان ٣٥، ومعنى سديدًا: أي عيونًا لأن السُدُد بالضم: العيون التي لا يبصر بها، كما في القاموس: (سدد) ٢ ذكر ابن إسحاق بدون إسناد أن عدتهم ست مائة أو سبع مائة، ثم قال: والمكثر لهم يقول: كانوا بين الثمان مئة والتسع مائة، ابن هشام ٢/ ٢٤١، وفي مسند أحمد من حديث أبي الزبير عن جابر: أن عدتهم كانوا أربعمائة، المسند ٢٣/ ١٩٠ رقم [١٤٧٧٣] أرناؤوط، وسنده حسن كما قال العمري في السيرة الصحيحة ١/ ٣١٦. وقال الحافظ ابن حجر: وفي حديث جابر عند الترمذي والنسائي وابن حبان بإسناد صحيح أنهم كانوا أربعمائة مقاتل، فيحتمل في طريق الجمع أن يقال إن الباقين كانوا أتباعًا، الفتح ٧/ ٤١٤ رقم (٤١٢٢) . ٣ ذكر ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٤٠- ٢٤١): أن رسول الله ﷺ خرج بهم إلى سوق المدينة فحفر لهم خنادق ثم ضرب أعناقهم في تلك الخنادق. ٤ البلاط: ضرب من الحجارة تفرش به الأرض، وهو موضع معروف بالمدينة. النهاية ١/ ١٥٢. ٥ أحجار الزيت: موضع بالمدينة قريب من الزوراء، وهو موضع صلاة الاستسقاء، معجم البلدان ١/ ١٠٩، وهذا المكان يقع اليوم في الجهة الغربية من المسجد النبوي الشريف قرب مسجد الغمامة الذي بناه العثمانيون. انظر: الدر الثمين ٢٣٧.
[ ١ / ٥٢٦ ]
وذراريهم وقسم أموالهم بين من حضر من المسلمين، وكانت جميع الخيل التي كانت للمسلمين ستًا وثلاثين١ فرسًا، فقسم لها لكل فرس سهمين، وأخرج حيي بن أخطب فقال له رسول الله ﷺ: "هل أخزاك الله؟ "
قال له: لقد ظهرت عليّ، وما ألوم نفسي في جهادك والشدة عليك، فأمر به فضربت عنقه، وكل ذلك بعين سعد بن معاذ وكان عمرو ابن سعد اليهودي في الأسرى، فلما قدموا إليه ليقتلوه فقدوه، فقال: أين عمرو، قالوا: والله ما نراه، وإن هذه لرمته التي كان فيها فما ندري كيف انفلت، فقال رسول الله: "أفلتنا بما علم الله في نفسه"٢.
وأقبل ثابت بن قيس بن شَمَّاس٣ أخو بني الحارث بن الخزرج إلى
_________________
(١) ١ وكذلك ذكر ابن سعد في الطبقات ٣/ ٧٤، وابن سيد الناس في عيون الأثر ٢/ ١٠٤. ٢ قصة نجاة عمرو بن سعد من القتل، ذكرها أبو عبيد في الأموال رقم (٣٠١) من طريق الليث بن سعد عن عُقيل عن ابن شهاب وفيها فقتل منهم يومئذ كذا وكذا رجلًا، إلا عمرو بن سعد - أو ابن سعدى - قال رسول الله ﷺ: "إنه كان يأمر بالوفاء وينهى عن الغدر فلذلك نجا"، أما ابن إسحاق فقد ذكر هذه القصة بدون إسناد وفيها: أنه ذهب فلم يدر أين توجه من الأرض إلى يومه هذا. ابن هشام ٢/ ٢٣٨. ٣ هو: ثابت بن قيس بن شماس بن زهير بن مالك بن امرئ القيس بن مالك بن ثعلبة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي، خطيب الأنصار. الإصابة ١/ ١٩٥.
[ ١ / ٥٢٧ ]
رسول الله ﷺ فقال: هب لي الزبير١ وامرأته، فوهبهما، فرجع ثابت إلى الزبير فقال: يا أبا عبد الرحمن هل تعرفني؟ وكان الزبير يومئذ كبير أعمى، قال: هل ينكر الرجل أخاه؟
قال ثابت: أردت أجزيك اليوم بتلك٢، قال: افعل فإن الكريم يجزي الكريم، قال: قد فعلت، قد سألتك رسول الله فوهبك لي، فأطلق عنك الأسار، قال الزبير: ليس لي قائد وقد أخذتم امرأتي وبني، فرجع ثابت إلى رسول الله ﷺ فسأله ذرية الزبير وامرأته فوهبهما له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك الرسول ﷺ امرأتك وبنيك.
قال الزبير: فحائط لي فيه أغدق٣ ليس لي ولأهلي عيش إلا به، فرجع ثابت إلى رسول الله ﷺ فسأله حائط الزبير فوهبه له فرجع ثابت إلى الزبير فقال: قد رد إليك رسول الله ﷺ أهلك ومالك فأسلم تسلم،
_________________
(١) ١ ذكر الزبير وقصته مع ثابت بن قيس، ذكرها ابن إسحاق عن الزهري مرسلًا، (ابن هشام ٢/ ٢٤٢)، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها الطبري في التاريخ ٢/ ٥٨٩، وأخرج هذه الرواية أيضًا أبو عبيد في الأموال ص ١١١ رقم (٣٠١) ومن طريقه أخرجها ابن زنجويه في كتابه الأموال ١/ ٢٩٩ رقم (٤٦١) . ٢ قال ابن إسحاق: وقد كان ثابت بن قيس بن شماس كما ذكر لي ابن شهاب الزهري أتى الزبير بن باطا القرظي، وكان يكنى أبا عبد الرحمن، وكان الزبير قد منَّ على ثابت في الجاهلية في يوم بعاث فأخذه وجز ناصيته ثم خلَّى سبيله، ابن هشام ٢/ ٢٤٣، فأراد ثابت رصي الله عنه رد تلك الصنيعة للزبير. ٣ الغدق: محركة: الماء الكثير. القاموس ١١٨٠ مادة (غدق) .
[ ١ / ٥٢٨ ]
قال: ما فعل المجلسان؟ فذكر رجالًا من قومه بأسمائهم، فقال ثابت: قد قتلوا وفرغ منهم، ولعل الله أن يهديك وأن يكون أبقاك لخير. قال الزبير: أسألك بالله وبيدي عندك إلا ما ألحقتني بهم فما في العيش خير بعدهم.
فذكر ذلك ثابت لرسول الله ﷺ فأمر بالزبير فقتل، فلما قضى الله عزوجل قضاءه من بني قريظة ورفع الله عن المؤمنين بلاء تلك المواطن نزل القرآن يعرف الله فيه المؤمنين نعمة الله ﵎ التي أنعم عليهم بها حين أرسل على عدوهم الريح وجنودًا لم تروها على الجنود التي جاءتهم من فوقهم ومن أسفل منهم وإذ زاغت الأبصار وبلغت القلوب الحناجر ويظنون بالله الظنونا حين نزل البلاء والشدة بأحاديث المنافقين، فإنه قالت طائفة منهم: ما وعدنا الله ورسوله إلا غرورًا، ووقعت طائفة منهم يفرقون عن نصر الله ورسوله ويدعون إخوانهم ويأمرون بترك رسول الله ﷺ.
وذكر حدة ألسنتهم وضعفهم عن البأس، ثم ذكر المسلمين وتصديقهم عند البلاء، وذكر أن ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيْلًا،﴾ ١ ثم ذكر أنه ردّ ﴿رَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا﴾ ٢، ثم ذكر بني قريظة ومظاهرتهم عدو
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب آية (٢٣) . ٢ سورة الأحزاب آية (٢٥) .
[ ١ / ٥٢٩ ]
الله ورسوله فقال: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ ١ وما سلّط المسلمون عليهم من قتلهم وسبائهم وما أورثهم من أرضهم وديارهم وأموالهم وأرضًا لم تطؤوها وكان الله على كل شيء قديرًا، وأنزل في القرآن قرآنًا إذا قرأته عرفته تسعًا وعشرين آية فاتحتها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ٢.
٨٦ - قال البيهقي٣: أخبرنا أبو عبد الله٤ الحافظ قال: أخبرنا إسماعيل بن محمد بن الفضل قال: حدثنا جدي قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر قال: حدثنا محمد بن فليح عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب (ح) وأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان واللفظ له، قال: أخبرنا أبو بكر بن عتاب قال: حدثنا القاسم بن عبد الله بن المغيرة، قال: حدثنا ابن أبي أويس قال: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة عن عمه موسى بن عقبة عن الزهري قال:
_________________
(١) ١ جزء من آية (٢٦) من الأحزاب. والصياصي: الحصون. انظر: تفسير الطبري ٢١/ ٩٥. وتفسير ابن كثير ٣/ ٤٧٨. ٢ الأحزاب آية (٩) . ٣ دلائل النبوة ٤/ ١١- ١٤. والرواية حسنة إلى الزهري لكنها مرسلة. ٤ سبق التعريف برجال إسناد هذه الرواية في الرواية المتقدمة رقم [٨٦] .
[ ١ / ٥٣٠ ]
فبينما رسول الله ﷺ فيما يزعمون في المغتسل يرجل١ رأسه قد رجَّل أحد شقيه، أتاه جبريل ﵇ على فرس عليه لأمته، حتى وقف بباب المسجد عند موضع الجنائز، فخرج إليه رسول الله ﷺ فقال له جبريل: غفر الله لك، أقد وضعت السلاح؟
قال: نعم، قال جبريل: لكن نحن لم نضعه منذ نزل بك العدو، وما زلت في طلبهم، فقد هزمهم الله، ويقولون: إن على وجه جبريل ﵇ لأثر الغبار، فقال له جبريل: إن الله قد أمرك بقتال بني قريظة، وأنا عامد لهم بمن معي من الملائكة صلوات الله عليهم لأزلزل بهم الحصون، فاخرج بالناس، فخرج رسول الله ﷺ في أثر جبريل فمر على مجلس بني غنم وهم ينتظرون رسول الله ﷺ فسألهم: مر عليكم فارس الآن؟ فقالوا: مر علينا دحية الكلبي على فرس أبيض، تحته نمط٢ أو قطيفة٣ من ديباج٤ عليه اللأمة، فذكروا أن رسول الله ﷺ قال: ذاك جبريل، وكان رسول الله ﷺ يشبه دحية الكلبي بجبريل ﵇، فقال: الحقوني - يعني قريظة -، فصلوا فيهم العصر، فقام ومن شاء الله عزوجل منهم فانطلقوا إلى بني قريظة، فحانت العصر وهم في الطريق، فذكروا
_________________
(١) ١ الترجل: تسريح الشعر وتنظيفه وتحسينه. النهاية ٢/ ٢٠٣. ٢ نمط: ضرب من السبط له خمل رقيق، واحدها: نمط. النهاية ٥/ ١١٩. ٣ القطيفة: كساء له خمل. النهاية ٤/ ٨٤. ٤ تقدم شرحها.
[ ١ / ٥٣١ ]
الصلاة، فقال بعضهم لبعض: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ أمركم أن تصلوا العصر في بني قريظة، وقال آخرون: هي الصلاة، فصلى منهم قوم، وأخرت طائفة منهم الصلاة، حتى صلوها ببني قريظة بعد أن غابت الشمس، فذكروا لرسول الله ﷺ من عجّل منهم الصلاة ومن أخّرها، فذكروا أن رسول الله ﷺ لم يعنّف أحدًا من الطائفتين، قال: ولما رأى عليّ بن أبي طالب رصي الله عنه رسول الله ﷺ مقبلًا تلقاه، وقال: ارجع يا رسول الله، فإن الله كافيك اليهود، وكان عليّ سمع منهم قولًا سيئًا لرسول الله ﷺ وأزواجه، فكره علي أن يسمع ذلك رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: لِمَ تأمرني بالرجوع؟!
فكتمه ما سمع. فقال: أظنك سمعت بي منهم أذى؟ فامض، فإن أعداء الله لو رأوني لم يقولوا شيئًا مما سمعت.
فلما نزل رسول الله ﷺ بحصنهم وكانوا أعلاه، نادى بأعلى صوته نفرًا من أشرافها حتى أسمعهم فقال: أجيبونا يا معشر يهود، يا إخوة القردة، قد نزل بكم خزي الله.
فحاصرهم رسول الله ﷺ بكتائب المسلمين بضع عشرة ليلة، وردّ الله عزوجل حيي بن أخطب الحصار، فصرخوا بأبي لبابة بن عبد المنذر، وكانوا حلفاء للأنصار، فقال أبو لبابة: لا آتيهم حتى يأذن لي رسول الله ﷺ. فقال رسول الله ﷺ: قد أذنت لك. فأتاهم أبو لبابة، فبكوا إليه وقالوا: يا أبا لبابة، ماذا ترى؟ وما تأمرنا؟ فإنه لا طاقة لنا بالقتال.
[ ١ / ٥٣٢ ]
فأشار أبو لبابة بيده إلى حلقه، وأمَرَّ عليه أصابعه يريهم، إنما يراد بكم القتل. فلما انصرف أبو لبابة سقط في يده، ورأى أنه قد أصابته فتنة عظيمة، فقال: والله لا أنظر في وجه رسول الله ﷺ حتى أُحدث لله عزوجل توبةً نصوحًا يعلمها الله عزوجل من نفسي. فرجع إلى المدينة، فربط يديه إلى جذعٍ من جذوع المسجد، فزعموا أنه ارتبط قريبًا من عشرين ليلةً١.
فقال رسول الله ﷺ كما ذكر حين راث٢ عليه أبو لبابة: أما فرغ أبو لبابة من حلفائه؟ قالوا: يا رسول الله قد والله انصرف من عند الحصن، وما ندري أين سلك.
فقال رسول الله ﷺ: قد حدث لأبي لبابة أمرٌ، ما كان عليه؟
فأقبل رجلٌ من عند المسجد فقال: يا رسول الله، قد رأيت أبا لبابة ارتبط بحبل إلى جذع من جذوع المسجد.
فقال رسول الله ﷺ: لقد أصابته بعدي فتنة، ولو جاءني لاستغفرت له، فإذا فعل هذا فلن أحركه من مكانه حتى يقضي الله فيه ما يشاء.
_________________
(١) ١ قد ربط أبو لبابة نفسه مرة أخرى بعد غزوة تبوك عندما تخلف عنها وكانت في ليال شديدة الحرارة كما أخرج البيهقي في الدلائل من طريق شعيب عن الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب، وذكر حديث أبي لبابة بن عبد المنذر وفيه: (ففزع أبو لبابة فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ سبعًا بين يوم وليلة في حر شديد ) . دلائل النبوة للبيهقي ٥/ ٢٧٠. وذكر ابن هشام بدون إسناد (٢/ ٢٣٨) أنه مكث مرتبطًا بالجذع ست ليال. ٢ راث: أي أبطأ. القاموس المحيط ٢١٨.
[ ١ / ٥٣٣ ]
٨٧- قال البيهقي١: ثنا أبو سعيد محمد٢ بن موسى بن الفضل، قال: حدثنا أبو محمد أحمد٣ بن عبد الله المزني قال: أخبرنا علي٤ بن محمد بن عيسى، حدثنا أبو اليمان٥ قال: أخبرني شعيب عن الزهري، قال: أخبرني سعيد بن المسيب أن بني قريظة كانوا حلفاء لأبي لبابة، فاطلعوا إليه وهو يدعوهم إلى حكم رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا لبابة: أتأمرنا أن ننزل؟ فأشار بيده إلى حلقه أنه الذبح. فأخبر عنه رسول الله ﷺ بذلك فقال له: لم تر عيني.
فقال رسول الله ﷺ: أحسبت أن الله غفل عن يدك حين تشير إليهم بها إلى حلقك، فلبث حينًا ورسول الله ﷺ عاتب عليه، ثم غزا رسول الله ﷺ تبوكًا وهي غزوة العسرة، فتخلف عنه أبو لبابة فيمن تخلف، فلما قفل رسول الله ﷺ منها جاءه أبو لبابة، فارتبط بسارية التوبة التي عند باب أم سلمة زوج النبي ﷺ سبعًا٦ بين يومٍ وليلة في حرٍّ شديد، لا يأكل فيهن ولا يشرب قطرةً، وقال: لا يزال هذا مكاني حتى أفارق الدنيا أو يتوب
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٥/ ٢٧٠. ٢ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٤] . ٣ تقدم في الرواية رقم [٤] . ٤ تقدم في الرواية رقم [٤] . ٥ ثقة، تقدم في الرواية رقم [٤] . ٦ وانظر: نفسير الطبري ٩/ ١٤٦ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ ﴾ الآية.
[ ١ / ٥٣٤ ]
الله عليّ، فلم يزل كذلك حتى ما يسمع الصوت من الجهد، ورسول الله ﷺ ينظر إليه بكرة وعشية، ثم تاب الله تعالى عليه، فنودي أن الله تعالى قد تاب عليك، فأرسل إليه رسول الله ﷺ فجاءه رسول الله ﷺ فأطلق عنه بيده١، فقال أبو لبابة حين أفاق: يا رسول الله، إني أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب، وأنتقل إليك فأساكنك، وإني أختلع٢ من مالي صدقة إلى الله عزوجل ورسوله ﷺ.
فقال ﷺ: "يجزئ عنك الثلث". فهجر أبو لبابة دار قومه، وساكن رسول الله ﷺ، وتصدق بثلث ماله، ثم تاب فلم ير منه بعد ذلك في الإسلام إلا خيرًا حتى فارق الدنيا٣.
_________________
(١) ١ أخرج نحو هذه الرواية الواقدي في المغازي ٢/ ٥٠٨ من طريق الزهري مرسلًا. ٢ أختلع: أي أخرج. النهاية ٢/ ٦٥. ٣ وقد أخرج هذه الرواية الواقدي في المغازي ٢/ ٥٠٩ و٢/ ٥٠٨، ٥٠٩، وانظر: تفسير ابن جرير الطبري ٩/ ١٤٦، فقد أخرج من طريق معمر عن الزهري هذه الرواية مختصرة. وانظر تفسير ابن كثير ٢/ ٣٠. وقد أخرج ابن جرير الطبري رواية البيهقي من طريق معمر، عن الزهري، إلا أنه ذكر فيها أن سبب ربط أبي لبابة وتوبته إنما كانت بسبب تخلفه عن غزوة تبوك، ولم تذكر الرواية شيئًا عن بني قريظة. انظر: تفسير الطبري ٥/ ١١ ط شاكر. وهذه الرواية التي أخرجها البيهقي عن الزهري، عن سعيد بن المسيب أقوى من رواية ابن جرير الطبري التي أخرجها عن الزهري، لأن مراسيل سعيد أقوى من مراسيل الزهري. ويمكن الجمع بين الروايتين: بأن تخلفه عن غزوة تبوك ضاعف من ذنبه، فأدى به ذلك إلى المبادرة بالتوبة النصوح من الذنبين معًا. والله أعلم.
[ ١ / ٥٣٥ ]
المبحث السابع: في غزوة بني لحيان
٨٨- وأخرج الواقدي١ عن جمع من الرواة ومنهم الزهري قالوا: وجد رسول الله ﷺ على عاصم بن ثابت وأصحابه وجدًا٢ شديدًا فخرج في مائتي رجل ومعهم عشرون فرسًا في أصحابه فنزل بمضرب القبة من ناحية الجرف، فعسكر في أول نهاره وهو يظهر أنه يريد الشام، ثم راح مبردًا فمر على غرابات٣ ثم على بَيْن٤ حتى خرج على صخِرات الثمام٥، فلقي الطريق هناك، ثم أسرع حتى انتهى إلى بطن غُران٦ حيث كان مصابهم، فترحم عليهم وقال: هنيئًا لكم الشهادة،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٢/ ٥٣٥- ٥٣٧. ٢ وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩): (أنه خرج إلى لحيان يطلب بأصحاب الرجيع ) . ٣ غراب: جبل أسود غرب المدينة يمر به طريق الشام الرئيسي يسمى اليوم (حَبَشي) لأن لونه أسود بصفار كلون الحبش، يبعد حبشي سبعة أكيال عن المدينة. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٣. ٤ بَيْن: هي أرض على الضفة اليسرى لوادي مَلَلْ على (٤٥) كيلًا من المدينة جنوبًا يمين طريق السيارات اليوم. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤. ٥ هكذا عند الواقدي (صخيرات الثمام) وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩) صخيرات اليمامة. وقد كانت محطة على طريق مكة من المدينة على قرابة (٥٠) كيلًا من المدينة، وقبل السيالة بثلاثة أكيال فقط. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤. ٦ غُران: على وزن غراب. وادٍ فحل بين أَمَج وعسفان، وأمج يعرف اليوم بخليص وعسفان يبعد (٨٠) كيلًا من مكة. معجم المعالم الجغرافية ٢٢٤ و٢٠٨.
[ ١ / ٥٣٦ ]
فسمعت به لحيان فهربوا رؤوس الجبال، فلم يقدر منهم على أحد، فأقام يومًا أو يومين وبعث السرايا في كل ناحية، فلم يقدروا على أحد، ثم خرج حتى أتى عسفان، فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: (إن قريشًا قد بلغهم مسيري وأني قد وردت عسفان وهم يهابون أن آتيهم، فاخرج في عشرة١ فوارس)، فخرج أبو بكر فيهم حتى أتوا الغميم٢، ثم رجع أبو بكر إلى رسول الله ﷺ ولم يلق أحدًا فقال رسول الله ﷺ: "إن هذا يبلغ قريشًا فيذعرهم، ويخافون أن نكون نريدهم"، وخبيب بن عدي يومئذ في أيديهم، فبلغ قريشًا أن رسول الله ﷺ قد بلغ الغميم، فقالت قريش: ما أتى محمد الغميم إلا يريد أن يخلص خبيبًا، وكان خبيب وصاحباه في حديد موثقين، فجعلوا في رقابهم الجوامع وقالوا: قد بلغ محمد ضَجنان٣ يريدكم، فقال خبيب: وهَل؟ قالت: نعم، قال خبيب: يفعل الله ما يشاء، قالت: والله ما ينتظرون بك إلا أن يخرج الشهر الحرام ويخرجوك فيقتلوك،
_________________
(١) ١ عند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٨٠): ثم بعث فارسين. ٢ الغميم: قال البلادي (معجم المعالم الجغرافية ٢٦٣): "قلت: هي نعف من حرة ضجنان، تقع جنوب عسفان بستة عشر كيلًا، على الجادة إلى مكة"، أي على (٦٤) كيلًا من مكة على طريق المدينة، وتعرف اليوم ببرقاء الغميم، ذلك أنها برقاء في تكوينها. ٣ ضجنان: هي حرة شمال مكة، يمر الطريق بنصفها الغربي على مسافة (٥٤) كيلًا على طريق المدينة تعرف اليوم بحرة المحسنية. معجم المعالم الجغرافية ١٨٣.
[ ١ / ٥٣٧ ]
ويقولون: أترى محمدًا غزانا في الشهر الحرام ونحن لا نستحل أن نقتل صاحبه في الشهر الحرام؟ وكان مأسورًا عندهم، وخافوا أن يدخلها رسول الله ﷺ، فانصرف رسول الله ﷺ إلى المدينة وهو يقول:" آيبون تائبون عابدون، لربنا حامدون، اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة على الأهل، اللهم أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنقلب، وسوء المنظر في الأهل والمال، اللهم بلِّغنا بلاغًا صالحًا يبلغ إلى خير، مغفرة منه ورضوانًا"١ وغاب رسول الله ﷺ عن المدينة أربع عشرة ليلة، وكان استخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وكانت سنة ست في المحرم٢. وهذا
_________________
(١) ١ لم أعثر على هذا النص في كتب الحديث، ولكن قد ثبت عند البخاري حديث رقم (٢٢٩٥) ومسلم حديث رقم (١٣٤٤) من حديث ابن عمر "أن رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو أو حج يكبر على كل شرف ثلاث تكبيرات ويقول: " آيبون تائبون عابدون لربنا حامدون، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". وأخرج ابن حبان في صحيحه حديث رقم (٢٧١٢) من حديث البراء: "كان النبي ﷺ إذا رجع من سفر قال: (آيبون تائبون لربنا حامدون". وأخرج أحمد ٤/ ١٥٦ رقم [٢٣١١] أرناؤوط وابن أبي شيبة (١٠/ ٣٥٨- ٣٥٩ و١٢/ ٥١٧)، والبيهقي في السنن ٥/ ٢٥٠ من حديث ابن عباس وفيه: "فإذا أراد الرجوع قال: آيبون تائبون عابدون لربنا ساجدون، فإذا دخل بيته قال: توبًا توبًا لربنا أوبًا لا يغادر علينا حوبًا". ٢ وعند ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩) خرج في جمادى الأولى على رأس ستة أشهر من فتح قريظة، وعند ابن سعد في الطبقات (٢/ ٧٨) بدون إسناد: أنها كانت في شهر ربيع الأول سنة ست من مهاجره.
[ ١ / ٥٣٨ ]
أول ما قال هذا الدعاء ذكره أصحابنا كلهم١.
_________________
(١) ١ وهذه الرواية ضعيفة لورودها من طريق الواقدي. وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٢٧٩- ٢٨٠) بسند مرسل، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وأخرجها ابن سعد ٢/ ٧٩ عن ابن إسحاق، وقد صرح ابن إسحاق عنده بالتحديث، لكن لم يذكر ابن سعد في سنده (عبد الله بن كعب) .
[ ١ / ٥٣٩ ]
المبحث الثامن: في سرية زيد بن حارثة إلى بني سُليم بالجَمُوم
٨٩- ذكر موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: وبعث١ رسول الله ﷺ زيد بن حارثة في غزوة الجموم٢، فأصاب زيد نعمًا وشاءً وأسر جماعة من المشركين٣.
_________________
(١) ١ كان هذا البعث في ربيع الآخر سنة ست، ابن سعد، الطبقات الكبرى ٢/ ٨٦، بدون إسناد، ودلائل البيهقي ٤/ ٨٤. ٢ هو - بفتح الجيم وميمين بينهما واو -، وهو ماء وقيل: أرض لبني سُليم. انظر: ياقوت الحموي، معجم البلدان ٢/ ١٦٣، ومعجم المعالم الجغرافية للبلادي ٨٥. قلت الجموم: يبعد عن مكة من جهة الشمال قرابة (٣٠) كيلًا وهي منطقة واسعة جدًا. ٣ عيون الأثر لابن سيد الناس ٢/ ١٥١، وذكرها البيهقي في الدلائل ٥/ ٤٦٣- ٤٦٤، ضمن المغازي والسير التي رواها عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب، حيث أخرج من طريق محمد بن فليح، عن موسى بن عقبة، عن ابن شهاب قالوا: هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها وذكر منها بعث زيد إلى بني سُليم، فقال: " وبعث رسول الله ﷺ زيد بن حارثة أربع مرار، مرة نحو بني قرد من هذيل، ومرة نحو حذام من نحو الوادي، ومرة نحو مؤتة، وغزوة الجموم من بني سُليم ". وذكره ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٢) مختصرة جدًا بدون إسناد.
[ ١ / ٥٤٠ ]
المبحث التاسع: في سرية زيد بن حارثة إلى بني فزارة لقتل أم قِرْفة
٩٠- أخرج أبو نعيم من طريق ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة قال: قالت عائشة ﵂: بلغ رسول الله ﷺ أن امرأة من بني فزارة يقال لها: أم قرفة١، قد جهزت ثلاثين راكبًا من ولدها وولد ولدها قالت: اقدموا المدينة فاقتلوا محمدًا، فقال النبي ﷺ: اللهم اثكلها بولدها، وبعث٢ إليهم زيد بن حارثة، فالتقوا بالوادي٣، وقُتل أصحابُ زيد فارتث٤ جريحًا، وقدم المدينة فعاهد أن لا يمس ماءً حتى يرجع إليهم، فبعث معه رسول الله ﷺ بعثًا، فالتقوا، فَقَتَل بني فزارة، وقتل ولد أم قرفة، وقتل أم قرفة، وبعث بدرعها٥ إلى رسول الله ﷺ فنصبه بين رمحين، وأقبل زيد حتى قدم المدينة، قالت عائشة ﵂: ورسول الله ﷺ تلك الليلة في بيتي، فقرع الباب: فخرج إليه يجر ثوبه حتى
_________________
(١) ١ أم قرفة: اسمها فاطمة بنت ربيعة بن بدر، انظر: الواقدي في المغازي ٢/ ٥٦٤، وابن سعد في الطبقات الكبرى ٢/ ٩٠. ٢ كان هذا البعث في شهر رمضان سنة ست. الطبقات الكبرى ٢/ ٩٠. ٣ أي: بوادي القرى، ابن هشام ٢/ ٦١٧، والطبقات الكبرى ٢/ ٩٠. ٤ ارتث: الارتثاث أن يحمل الجريح من المعركة وهو ضعيف قد أثخنته الجراح. النهاية ٢/ ٩٥. ٥ درع المرأة: قميصها. النهاية ٢/ ١١٤.
[ ١ / ٥٤١ ]
اعتنقه وقبله رسول الله ﷺ) ١.
٩١- وقال الواقدي: فحدثني محمد، عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂، قالت: وقدم زيد بن حارثة من وجهه ذلك ورسول الله ﷺ في بيتي، فأتى زيد فقرع الباب، فقام إليه رسول الله ﷺ يجر ثوبه عريانًا٢، ما رأيته عريانًا قبله حتى اعتنقه وقبله، ثم سأله فأخبره بما ظفره الله٣.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة رقم (٤٢٦) وهي رواية ضعيفة لعنعنة ابن إسحاق. وقد ذكر هذه الرواية الذهبي في سير أعلام النبلاء ١/ ٢٢٦- ٢٢٧. عن ابن إسحاق، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفيها عنعنة ابن إسحاق، وذكرها ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٧) بدون إسناد وبألفاظ مغايرة قليلًا وفيها زيادات يسيرة، وكذلك ذكرها ابن سعد في الطبقات، ٢/ ٩٠. ٢ وقولها: عريانًا، أي عاري الصدر والظهر، بدليل قول عائشة ﵂ في حديث آخر: (ما رأيت منه ولا رأى مني) . ٣ مغازي الواقدي ٢/ ٥٦٥ و٣/ ١١٢٦. والواقدي متروك.
[ ١ / ٥٤٢ ]
المبحث العاشر: في سرية عبد الله بن رواحة إلى اليُسير بن رزام اليهودي بخيبر
٩٢- أخرج البيهقي من طريق موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: بعث١ رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة في ثلاثين راكبًا فيهم عبد الله بن أنيس السلمي إلى اليسير بن رزام اليهودي٢، فأتوه بخيبر، وبلغ رسول الله ﷺ أنه يجمع غطفان ليغزوه بهم، فأتوه فقالوا: أرسلنا إليك رسول الله ﷺ ليستعملك على خيبر، فلم يزالوا به حتى تبعهم في ثلاثين رجلًا مع كل رجل منهم رديف من المسلمين، فلما بلغوا قَرقَرة ثبار٣، وهي من خيبر على ستة أميال ندم اليسير٤، فأهوى بيده إلى سيف عبد الله بن أنيس ففطن له عبد الله فزجر بعيره، ثم اقتحم يسوق بالقوم حتى إذا استمكن من اليسير ضرب رجله فقطعها، واقتحم اليسير
_________________
(١) ١ كان ذلك البعث في شوال سنة ست، انظر: مغازي الواقدي (٢/ ٥٦٦)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٢/ ٩٢) . ٢ وقيل: اسمه: أسير بن رزام بالزاي، انظر: مغازي الواقدي (٢/ ٥٦٦)، والطبقات الكبرى لابن سعد (٢/ ٩٢)، قال ابن هشام: ويقال ابن رازام (السيرة ٢/ ٦١٨) . ٣ قرقرة ثبار: بالفتح وتكرير القاف والراء، معجم البلدان (٤/ ٣٢٦) وهو: قاع جنوب خيبر بين الحرة والصهباء المعروفة اليوم باسم (جبل عطوة) وهو على (٦) أكيال من خيبر يقسمه الطريق إلى المدينة. معجم المعالم الجغرافية ٢٥٣. ٤ في المطبوع من الدلائل: البشير بالشين المعجمة، والصواب ما أثبته.
[ ١ / ٥٤٣ ]
وفي يده مِخْرَش١ من شَوْحَط٢ فضرب به وجه عبد الله شجة مأمومة٣، كل٤ رجل من المسلمين على رديفه فقتله غير رجل واحد من اليهود أعجزهم شدًا، ولم يصب من المسلمين أحد وقدموا على رسول الله ﷺ فبصق في شجة عبد الله بن أنيس فلم تقح ولم تؤذه حتى مات. لفظ حديث موسى بن عقبة٥.
_________________
(١) ١ المِخرش والخراش: عصا معوجة الرأس كالصولجان. النهاية (٢/ ٢٢) . ٢ الشوحط: شجر تتخذ منه القسي. القاموس (شحط) . ٣ هي الشجة التي تبلغ أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ. النهاية (١/ ٦٨) . ٤ هكذا في المطبوع من دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٩٤)، ويظهر أن في الكلام سقطًا، ولعله "ومال كل رجل"؛ لأن ابن إسحاق (ابن هشام ٢/ ٦١٢- ٦١٩) ذكر في روايته: "..ومال كل رجل من أصحاب رسول الله ﷺ على صاحبه من يهود، فقتله..". ٥ دلائل النبوة (٤/ ٢٩٤) وهو حديث مرسل. وقد أخرج هذه الرواية ابن إسحاق بدون إسناد (السيرة النبوية ٢/ ٦١٨) والواقدي من طريق أبي الأسود عن عروة، المغازي (٢/ ٥٦٦) وابن سعد في الطبقات (٢/ ٩٢) بدون إسناد، وأبي نعيم في الدلائل (٢/ ٥١٦- ٥١٧) رقم (٤٤٤) من طريق أبي الأسود عن عروة.
[ ١ / ٥٤٤ ]