توطئة
توطئة
حفلت مرويات غزوة الحديبية بكثير من الأحكام والفوائد الفقهية وهي غنية كذلك بالدروس والعبر التي تنير للمسلم الطريق وتجنبه كثيرًا من المزالق إذا وفقه الله للتنبه لها.
ولذلك استرعت هذه الغزوة انتباه كثير من العلماء وحظيت بجل اهتمامهم، فقد وقف ابن القيم١ ﵀ عندها طويلًا، واستخرج منها كثيرًا من الأحكام والفوائد، وسبقه إلى شيء من ذلك مجد الدين بن تيمية٢ وتبعهما الشيخ محمد بن عبد الوهاب٣ فاستنبط منها ما يربو على مائة مسألة، وقد وقف عندها علماء آخرون غير هؤلاء فاستقوا منها كثيرًا من الأحكام والفوائد.
وأردت في هذا الباب أن أعرج على تلك الأحكام والفوائد إتمامًا للفائدة أولًا، وثانيًا لإبراز أهمية هذه الغزوة، لكن رأيت أن الحال كما قال الشاعر:
تكاثرت الظباء على خراش فما يدرى خراش ما يصيد
لكن ما لا يدرك كله لا يترك كله، لذلك قررت الاقتصار على بعض الأحكام المتعلقة بالجهاد وبعض قضايا العقيدة الواردة في الغزوة.
لأن أحكام الجهاد ذات صلة وثيقة بالغزوة.
وأما قضايا العقيدة الواردة في هذه الغزوة فهي مهمة كذلك في نظري لأن منها ما هو معارض لنصوص صحيحة ربما تستوقف القارئ، فأردت أن أذكر توجيه العلماء لها، ومنها ما هو خاص بمثل الموطن الذي وقعت فيه، أو بالنبي ﷺ، فأردت التنبيه على ذلك حتى لا يتوسع في القياس عليها.
ثم رأيت أن أختم هذا الباب بالدروس والعبر المستفادة من بعض المواقف التي اشتملت عليها الغزوة لأن الاعتبار بالأحداث والاستفادة من القصص مطلوب شرعًا.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٠٠. ٢ منتقى الأخبار ٥/٧٣٢. ٣ ملحق مصنفات الإمام محمد بن عبد الوهاب، جزء في ١٦ صفحة.
[ ٢٧٤ ]
وقد يجد القارئ أن تلك الدروس والعبر قد علقت بذهنه أثناء مروره بتلك المواقف لكن ربما غفل عن بعضها، فيجد فيما سجلت تذكيرًا له بذلك، وما رأى أنه يستحق الإضافة في هذا الفصل أو في غيره من فصول الرسالة، فأرجو ألا يتوانى في التنبيه عليه، مشكورًا مأجورًا، والله المستعان.
[ ٢٧٥ ]
الفصل الأول من أحكام الجهاد الواردة في الغزوة
المبحث الأول: مشروعية الشورى:
الشورى ميزة عظمى لهذه الأمة، وقد ذكرها الله ﷾ في معرض المدح للمؤمنين، وقرنها بالطاعة والصلاة والزكاة.
قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلاَةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ﴾ ١.
وأمر بها نبيه ﷺ في قوله تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ ٢ الآية.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ أنه استشار أصحابه رضوان الله عليهم في أكثر من موطن:
١ - استشارهم في غزوة بدر مرتين:
المرة الأولى: استشارهم في العير٣.
والثانية: في المنزل، ونزل على رأي الحباب بن المنذر٤.
٢ - في غزوة أحد استشارهم في البقاء بالمدينة أو يخرج إلى العدو، فخرج بمشورة أكثر الصحابة٥.
_________________
(١) ١ سورة الشورى آية: ٣٧. ٢ سورة آل عمران آية: ١٥٩. ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ٨٣. ٤ انظر: مرويات غزوة بدر ص: ١٥٧ لأحمد العليمي. ٥ سيرة ابن هشام ٣/٦٣، وانظر مرويات غزوة أحد: ٦١ لحسين الباكري.
[ ٢٧٦ ]
٣ - في غزوة الأحزاب، استشارهم مرتين:
الأولى: في الخندق حيث أمر بحفره بمشورة سلمان الفارسي١.
والثانية: في مصالحة غطفان، بثلث ثمار المدينة، استشار في ذلك سعد بن معاذ وسعد بن عبادة ونزل على رأيهما في عدم إعطائهم شيئًا٢.
٤ - في غزوة الحديبية - هذه - استشار مرتين:
الأولى: استشار الصحابة في الإغارة على ذراري المشركين أو تركهم، ونزل على رأي أبي بكر ﵁ في تركهم٣.
والثانية: استشار أم سلمة ﵂ في أمر الناس حين لم يبادروا بالنحر والحلق، وقد أمرهم بذلك، فأشارت عليه بأن يبدأ ذلك بنفسه ففعل صلى الله عليه وسلم٤.
٥ - في غزوة بني المصطلق: استشار علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد ﵃ في فراق عائشة رضي الله عنها٥.
وقد جعل عمر بن الخطاب ﵁ الخلافة من بعده شورى في الستة الباقية من العشرة المبشرين بالجنة رضي الله عنهم٦.
وبهذا تتضح لنا أهمية الشورى ومكانتها في الإسلام حيث جعلها الله من صفات المؤمنين، وأمر بها نبيه ﷺ، وعمل بها النبي ﷺ في مواطن كثيرة، وعمل بها الخلفاء الراشدون ﵃.
فمن بعدهم أولى بالمشورة وأحوج إليها منهم.
وقد نوه ابن عطية بشأن الشورى، ثم حكى الإجماع على وجوب عزل من لا يستشير أهل الدين.
_________________
(١) ١ انظر: مرويات غزوة الخندق: ٩٠ لإبراهيم عمير. ٢ م السابق: ٨٣. ٣ انظر ص: ٢٨٩-٢٩٠. ٤ انظر ص: ٤٠٢. ٥ صحيح مسلم، كتاب التوبة: ٥٦، وانظر مرويات غزوة بني المصطلق: ٢١٣ لإبراهيم القريبي. ٦ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب فضائل الصحابة: ٣٧٠٠.
[ ٢٧٧ ]
قال: والشورى من قواعد الشريعة وعزائم الأحكام، من لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه١.
وقال ابن تيمية٢: "لا غنى لولي الأمر عن المشاورة، فإن الله قد أمر بها نبيه ﷺ فقال: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ الآية".
ومحل الشورى: هو أمور الحرب، والنوازل، وسائر الأمور التي لم يرد فيها دليل صريح من الشرع٣.
ومن فوائد الشورى:
١ - تأليف قلوب الأتباع واستطابة نفوسهم.
٢ - استخراج وجه الرأي منهم٤.
٣ - التعرف على مصلحة يختص بعلمها بعضهم دون بعض٥.
_________________
(١) ١ تفسير ابن عطية ٣/٢٨٠. ٢ السياسة الشرعية: ١٥٧. ٣ انظر م السابق، وتفسير ابن عطية ٣/٢٨١. ٤ انظر المصدرين السابقين، وزاد المعاد ٣/٣٠٢. ٥ زاد المعاد ٣/٣٠٢.
[ ٢٧٨ ]
المبحث الثاني: حكم الاستعانة بالمشرك:
جاء في حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن النبي ﷺ بعث بسر بن سفيان الخزاعي عينًا إلى مكة١.
وقد استدل بعض العلماء بقصة بسر هذه على جواز الاستعانة بالمشركين في الجهاد.
قال ابن القيم: "إن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائزة عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي كان كافرًا إذ ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو وأخذه أخبارهم"٢ اهـ.
_________________
(١) ١ انظر ص:٩٩. ٢ زاد المعاد ٣/٣٠١.
[ ٢٧٨ ]
هكذا قال ابن القيم، وقد سبقه إلى ذلك مجد الدين ابن تيمية١، وتبعهما بعض المتأخرين٢.
والظاهر أن ليس في قصة الخزاعي هذه دلالة على جواز الاستعانة بالمشرك في الجهاد؛ لأنه لم يرد في هذا الحديث ولا في غيره ما يدل على أنه كان كافرًا إذ ذاك.
بل ورد عن بعض العلماء ما يدل على أنه أسلم قبل الحديبية.
قال ابن عبد البر: "بسر بن سفيان بن عويمر الخزاعي، أسلم سنة ست من الهجرة، وبعثه النبي ﷺ عينًا إلى قريش إلى مكة، وشهد الحديبية، وهو المذكور في حديث الحديبية من رواية الزهري عن عروة عن المسور ومروان قوله: حتى إذا كان بغدير الأشطاط لقيه عينه الخزاعي، فأخبره خبر قريش وجموعهم، قالوا: هو بسر بن سفيان هذا"٣ اهـ
وقد نقل ابن حجر كلام ابن عبد البر وسكت عليه٤.
وقال الزرقاني: "واختار بسر بن سفيان بن عمرو هذا، لقرب عهده بالإسلام؛ لأنه أسلم في شوال فلا يظنه من رآه عينًا فلا يؤذيه"٥ اهـ.
فقد رأينا من كلام ابن عبد البر والزرقاني أنهما يريان أن بسر بن سفيان أسلم قبل الحديبية.
وعلى فرض أنه لم يثبت ما ورد في إسلامه فلا تصلح قصته دليلًا على جواز الاستعانة بالمشرك، لوجود الاحتمال، لا سيما وهي معارضة بأحاديث صحيحة.
فالحاصل: أن قصة بسر بن سفيان الخزاعي لا دلالة فيها على جواز الاستعانة بالمشرك مطلقًا ولم يثبت في ذلك شيء عن النبي ﷺ كما ذكر بعض العلماء، وإنما وردت بذلك أحاديث كلها ضعيفة، وهي:
١ - حديث ابن عباس ﵄:
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب أنا
_________________
(١) ١ منتقى الأخبار: ٧٣٢. ٢ الأستاذ أبو زهرة، خاتم النبيين: ٨٥٨، والدكتور البوطي، فقه السيرة: ٣٥٢. ٣ الاستيعاب ١/٣٠٩ مع الإصابة. ٤ الإصابة ١/٢٤٥. ٥ شرح الزرقاني على المواهب اللدنية ٢/١٨١.
[ ٢٧٩ ]
الربيع بن سليمان قال: قال الشافعي: قال أبو يوسف أنبأ الحسن بن عمارة عن الحكم بن مقسم عن ابن عباس ﵄ أنه قال: "استعان رسول الله ﷺ بيهود بني قينقاع، فرضخ١ لهم ولم يسهم لهم"٢.
قال البيهقي: "تفرد به الحسن بن عمار وهو متروك، ولم يبلغنا في هذا حديث صحيح"٣.
٢ - حديث الزهري:
قال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أنبأ أبو الوليد الفقيه ثنا الحسن بن سفينا ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا حفص عن ابن جريج عن الزهري أن رسول الله ﷺ غزا بناس من اليهود فأسهم لهم٤.
وهذا الحديث قد أرسله الزهري، والمرسل من قسم الضعيف، لا سيما مرسلات الزهري.
٣ - حديث فطير الحارثي:
قال البيهقي: وقد روى الواقدي عن ابن أبي سيرة عن فطير الحارثي قال: "خرج رسول الله ﷺ بعشرة من اليهود من يهود المدينة إلى خيبر فأسهم لهم كسهمان المسلمين"٥.
قال البيهقي: "هذا منقطع وإسناده ضعيف"٦.
فهذه الأحاديث التي دلت على جواز الاستعانة بالمشرك، وهي ضعيفة لا تقوم بها حجة ولا يثبت بها حكم.
وقد ثبت عن رسول الله ﷺ خلاف ذلك من حديث عائشة ﵂.
قال مسلم: حدثني زهير بن حرب، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن مالك ح.
وحدثنيه أبو طاهر (واللفظ له)، حدثني عبد الله بن وهب عن مالك ابن أنس
_________________
(١) ١ الرضخ: العطية القليلة. النهاية ٢/٢٢٨. ٢ السنن الكبرى ٩/٥٣. ٣ م السابق. ٤ م السابق. ٥ م السابق. ٦ السنن الكبرى ٩/٥٣.
[ ٢٨٠ ]
عن الفضيل بن أبي عبد الله عن عبد الله بن دينار الأسلمي عن عروة بن الزبير عن عائشة زوج النبي ﷺ أنها قالت: "خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة١، أدركه رجل قد كان يذكر منه جرأة ونجدة، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال له رسول الله ﷺ: "تؤمن بالله ورسوله"؟ قال: لا، قال "فارجع فلن أستعين بمشرك".
قالت: ثم مضى، حتى إذا كنا بالشجرة٢ أدركه الرجل، فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: "ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة: "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: نعم، فقال له رسول الله ﷺ: "فانطلق"٣.
وفيه من حديث أبي حميد الساعدي ﵁:
قال البيهقي: أخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ ثنا أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد الدارمي ثنا يوسف بن عيسى المروزي ثنا الفضل بن موسى السيناني، عن محمد بن عمرو عن سعيد بن المنذر عن أبي حميد الساعدي ﵁ قال: خرج رسول الله ﷺ حتى إذا خلف ثنية الوداع إذا كتيبة قال من هؤلاء؟ قالوا: بني قينقاع - وهم رهط عبد الله بن سلام - قال: وأسلموا؟ قالوا: لا، قال: بل هم على دينهم، قال: "قل لهم فليرجعوا فإنا لا نستعين بالمشركين" ٤.
وأشار البيهقي٥ إلى أن سند هذا الحديث صحيح.
وفيه من حديث خبيب بن عبد الرحمن:
قال الإمام أحمد: ثنا يزيد بن هارون قال: أنا المستلم بن سعيد الثقفي عن عباد ثنا خبيب بن عبد الرحمن عن أبيه عن جده قال: "أتيت رسول الله ﷺ وهو يريد
_________________
(١) ١ حرة الوبرة: محركة وبعضهم جوز تسكين الباء على ثلاثة أميال من المدينة، عمدة الأخبار في مدينة المختار: ٣١٠، وهي المشرفة على وادي العقيق. انظر حاشية رقم (١) من المصدر السابق. ٢ الشجرة: هي ذو الحليفة، انظر كتاب «المناسك وأماكن طرق الحج» للحربي:٤٢٥، وقال الأسدي: الرحلة من المدينة إلى ذي الحليفة وهي الشجرة، ومنها يحرم أهل المدينة وهي على خمسة أميال ونصف، انظر المصدر السابق ص٤٢٧ حاشية رقم (٢) . ٣ صحيح مسلم، كتاب الجهاد والسير: ١٥٠. ٤ السنن الكبرى ٩/٣٧. ٥ السنن الكبرى ٩/٣٧.
[ ٢٨١ ]
غزوًا أنا ورجل من قومي ولم نسلم فقلنا: إنا نستحي أن يشهد قومنا مشهدًا لا نشهده معهم، قال: أو أسلمتا؟ قلنا: لا، قال: "فلا نستعين بالمشركين على المشركين"، فأسلمنا وشهدنا معه " الحديث١.
وسند هذا الحديث حسن.
وقد ذهب إلى جواز الاستعانة بالمشركين جماعة من العلماء، وهو مروي عن أبي حنفية والشافعي وأحمد٢؛ للأحاديث السابقة في جواز الاستعانة بهم٣.
وقد استدلوا أيضًا بقصة شهود صفوان بن أمية لغزوة حنين، وهو مشرك، وبشهود قزمان غزوة أحد وهو مشرك، وبشهود ابن أُبَيْ لبعض الغزوات٤.
وقد اشترطوا لجواز ذلك شروطًا هي:
١ - أن يكون في المسلمين قلة وتدعوا الحاجة إلى ذلك.
٢ - أن يكونوا ممن يوثق بهم فلا تخشى ثائرتهم٥.
٣ - أن يكون مع الإمام جماعة يستقل بهم في إمضاء الأحكام٦.
وذهب جماعة إلى عدم جواز الاستعانة بالمشركين، وممن قال بذلك ابن المنذر، والجوزجاني، وهو مروي عن الشافعي٧.
واستدل أصحاب هذا القول: بحديث عائشة ﵂ وحديث أبي حميد الساعدي وحديث خبيب بن عبد الرحمن السابقة.
وقالوا: إن الأحاديث الدالة على الجواز كلها ضعيفة، لا تقوى على المعارضة.
وقد رجح الشوكاني هذا القول حيث قال: "والحاصل أن الظاهر من الأدلة عدم جواز الاستعانة بمن كان مشركًا مطلقًا لما في قوله ﷺ: "إنا لا نستعين بالمشركين"
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/٤٥٤. ٢ انظر المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٣ السنن الكبرى ٩/٣٧، والاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٧. ٤ نيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٥ انظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ: ٣٩٦، والمغني لابن قدامة ٨/٤١٤. ٦ نيل الأوطار ٧/٢٣٧، وسبل السلام ٤/٥٠. ٧ المغني لابن قدامة ٨/٤١٤، ونيل الأوطار ٧/٢٣٧.
[ ٢٨٢ ]
من العموم، وكذلك في قوله: "لن أستعين بمشرك"١.
وأجاب عن قصة قزمان بأنه لم يثبت أن النبي ﷺ أذن له بذلك في ابتداء الأمر.
قال: وأما استعانته بابن أُبَي فليس ذلك إلا لإظهاره الإسلام٢.
قلت: وقصة صفوان بن أمية ليس فيها دليل أيضًا على ذلك؛ لأنه لم يثبت أن النبي ﷺ طلب منه الخروج، وإنما الثابت في ذلك استعارة رسول الله ﷺ للأدراع منه فحسب٣.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٧/٢٣٧. ٢ المصدر السابق. ٣ حديث صفوان أخرجه أبو داود في السنن، كتاب البيوع: ٣٥٦٢-٣٥٦٣، وصححه الألباني: إرواء الغليل ٥/٣٤٨.
[ ٢٨٣ ]
المبحث الثالث: مقدار المدة التي تجوز مهادنة الكفار عليها:
جاء في حديث المسور ومروان من طريق ابن إسحاق "أن النبي ﷺ صالح قريشًا على وضع الحرب عشر سنين"١.
وقد أخذ جماعة بظاهر هذا الحديث.
قال الشافعي٢: "لا تتجاوز المهادنة عشر سنين، وعند الضرورة يجدد العقد بعد انتهاء العشر".
وحكى ابن قدامة٣ عن القاضي أن ظاهر كلام أحمد يقتضيه.
وحكاه ابن حجر عن الجمهور ورجحه٤.
وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾، عام وقد خص منه الحديث هذه المدة، ففيما زاد يبقى على مقتضى العموم٥.
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣٠٠. ٢ الأم ٤/١٨٩. ٣ المغني ٨/٤٦٠. ٤ فتح الباري ٥/٣٤٣. ٥ المصدر السابق.
[ ٢٨٣ ]
وذهب قوم إلى جواز الهدنة أكثر من عشر سنين على ما يراه الإمام من المصلحة وهو قول أبي حنيفة١.
وحكى ابن قدامة عن أبي الخطاب أنه ظاهر كلام أحمد٢.
وقالوا: "إن العام مخصوص بالعشر بمعنى موجود فيما زاد عليها، وهو أن المصلحة قد تكون في الصلح أكثر منها في الحرب"٣.
وقيل: لا تتجاوز الهدنة أربع سنين٤.
ولعل هؤلاء تمسكوا بحديث ابن عمر أن مدة الصلح كانت أربع سنين، وهو ضعيف٥.
وقيل: لا تتجاوز ثلاث سنين٦.
وهؤلاء نظروا إلى أن المدة التي استمر فيها الصلح مع قريش.
والتحقيق: أن القول الأول هو الراجح لظاهر الحديث، وإن وجدت مصلحة في الزيادة على العشر جدد العقد، كما قال الشافعي، والله أعلم.
وقال بعض المتأخرين:٧ يجوز عقد الصلح مؤبد غير مؤقت بمدة معينة.
واستدل بقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا﴾ ٨.
وهذا القول مبني على أن الأصل في علاقة المسلمين بالكفار هي السلم لا الحرب٩، وأن الجهاد إنما شرع لمجرد الدفاع عن المسلمين فحسب١٠.
وهذا القول مردود لما يلي:
_________________
(١) ١ فتح القدير ٥/٤٥٦. ٢ المغني ٨/٤٦٠. ٣ المصدر السابق. ٤ شرح السنة ١١/١٦١. ٥ انظر حديث رقم (١٠٥) . ٦ شرح السنة ١١/١٦١. ٧ الدكتور وهبه الزحيلي، آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠. ٨ سورة النساء آية:٩٠. ٩ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٨٠. ١٠ المصدر السابق: ٦٧٥ حاشية: (٢) .
[ ٢٨٤ ]
١ - أن صاحب هذا القول قد خرق الاتفاق بعد أن حكاه بنفسه حيث قال: "اتفق الفقهاء على أن عقد الصلح مع العدو لا بد من أن يكون مقدورًا بمدة معينة، فلا تصح المهادنة مطلقة إلى الأبد من غير تقدير بمدة"١.
٢ - الآية التي استدل بها منسوخة بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ ﴾ ٢ الآية.
فقد نقل ذلك ابن جرير٣ عن عكرمة والحسن وقتادة وابن زيد.
وحكاه ابن كثير٤ عن ابن عباس.
وحكاه القرطبي٥ عن مجاهد، ثم قال: وهو أصح شيء في معنى الآية.
٣ - الأصل الذي انبنى عليه هذا القول: مردود بآية براءة السابقة، وبواقع سيرة الرسول ﷺ، وخلفائه الراشدين من أعدائهم.
٤ - أما فكرة أن الجهاد إنما شرع للدفاع عن المسلمين، فهي فكرة دخيلة، وقد تصدى لها سيد قطب٦ ﵀ ففندها، وبين أن سبب نشوئها هو الانهزام أمام هجمات المستشرقين، وعدم الفهم لمرحلية٧ الدعوة.
_________________
(١) ١ آثار الحرب في الفقه الإسلامي: ٦٧٥. ٢ سورة التوبة آية: ٥. ٣ تفسير ابن جرير ٩/٢٤-٢٦. ٤ تفسير ابن كثير ١/٥٣١. ٥ تفسير القرطبي ٥/٣٠٨. ٦ في ظلال القرآن ٣/١٤٣٣، وما بعدها. ٧ يعني بمرحلية الدعوة الأطوار التي مرت بها دعوة رسول الله ﷺ فقد أمر بالكف، ثم أذن لهم في قتال من قاتلهم، ثم أمروا بقتال المشركين كافة، وقد لخصها ابن القيم في الزاد ٣/١٥٨ فليراجع.
[ ٢٨٥ ]
المبحث الرابع: هل تجوز مصالحة الكفار على رد من جاء من قبلهم مسلمًا:
كان من جملة الشروط التي وقع عليها صلح الحديبية أن يرد النبي ﷺ إلى قريش من جاءه من قبلها، وألا ترد قريش من جاءها من المسلمين١.
وقد وقع خلاف بين العلماء في جواز هذا الشرط:
فعند أبي حنيفة أنه غير جائز، لأن ما فعله النبي ﷺ في الحديبية منسوخ عنده
_________________
(١) ١ انظر ص: ٢٩٨، ٢٩٩.
[ ٢٨٥ ]
بحديث سرية خالد بن الوليد حين وجهه النبي ﷺ إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون فاعتصموا بالسجود فقتلهم خالد فوداهم النبي ﷺ نصف الدية، وقال: "أنا بريء من مسلم بين مشركين"١.
وذهب الحنابلة٢ وهو ظاهر كلام الشافعي٣ إلى جواز هذا الشرط لقصة الحديبية.
وقال أصحاب الشافعي: لا يصح شرط رد المسلم إلا أن يكون له عشيرة تحميه وتمنعه٤.
وحكى السهيلي عن العراقيين أنهم قالوا: "ما فعله النبي ﷺ بالحديبية يختص بالنبي ﷺ وبمكة، لأن النبي ﷺ ما رد المسلمين إلى قريش إلا لقوله: "لا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها حرمات الله إلا أجبتهم إليها"، قالوا: وفي رد المسلم إلى مكة عمارة البيت وزيادة خير له في الصلاة بالمسجد الحرام، والطواف بالبيت، فكان هذا من تعظيم حرمات الله تعالى"٥.
والتحقيق: جواز الصلح على رد الرجال، لأنه قد ثبت من فعل النبي ﷺ ولم يرد ما ينسخه أو يخصصه، والحديث الذي استدل به من قال بالنسخ لم يكن في محل النزاع، إنما هو في خصوص من أقام بين الكفار عن طواعية واختيار، أما الذي يرده الإمام فهو مكره على الرجوع إليهم.
وما ذكره أصحاب الشافعي من اشتراط الأهل والعشيرة لا دليل عليه، فرسول الله ﷺ حين رد أبا جندل لم يقل له إن أباك سيمنعك بل قال له: "إن الله جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا" وقال نحو ذلك لأبي بصير.
وكذلك دعوى تخصيص ما وقع في صلح الحديبية بمكة وبالنبي ﷺ لا دليل عليها وما ذكر من مسوغات لا تكفي للتخصيص. والله أعلم.
_________________
(١) ١ الروض الأنف ٦/٣٨٤، فتح القدير ٥/٤٦٠. ٢ المغني لابن قدامة ٨/٤٦٥. ٣ الأم ٤/١٩١. ٤ شرح السنة ١١/١٦٣. ٥ الروض الأنف ٦/٣٨٤.\
[ ٢٨٦ ]
المبحث الخامس: إذا رد الإمام إلى المعاهدين من جاء من قبلهم فأحدث جناية فيهم، فهل عليه أو على الإمام ضمان؟
جاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير حين دفعه رسول الله ﷺ إلى رسولي قريش، قتل واحدًا منهما، ولم يضمن النبي ﷺ ذلك، ولا ضمنه أبو بصير١.
ولذلك قال ابن القيم: "إن المعاهدين إذا تسلموه وتمكنوا منه، فقتل أحدًا منهم، لم يضمنه بدية، ولا قود، ولم يضمنه الإمام بل يكون حكمه في ذلك حكم قتله لهم في ديارهم، حيث لا حكم للإمام عليهم، فإن أبا بصير قتل أحد الرجلين المعاهدين بذي الحليفة، وهي من حكم المدينة، ولكن كان قد تسلموه وفصل عن يد الإمام وحكمه"٢ اهـ.
قلت: هذه المسألة فيها قضيتان:
الأولى: ضمان الجاني.
الثانية: ضمان الإمام.
فبالنسبة للجاني يرى ابن القيم أنه لا ضمان عليه، ولم يذكر تعليلًا لذلك.
وأما السهيلي: فيرى ارتفاع الحرج عنه فقط، ويعلل ذلك بأمرين هما:
١ - أن النبي ﷺ لم يثرب على أبي بصير بل مدحه حيث قال: "ويل أمه محش حرب".
٢ - أنه دافع عن نفسه ودينه: قال: "ومن قتل دون دينه فهو شهيد" اهـ.
أما الضمان فإنه يلزمه عند السهيلي كما هو مفهوم كلامه حيث قال: "وإنما لم يطالبه رسول الله ﷺ بدية، لأن أولياء المقتول لم يطالبوه إما لأنهم قد أسلموا، وإما لأن الله شغلهم عن ذلك حتى انتكث العهد وجاء الفتح"٣.
قلت: بل طالب أولياء المشرك الذي قتله أبو بصير بدية صاحبهم.
قال ابن إسحاق: "فلما بلغ سهيل بن عمرو قتل أبي بصير صاحبهم العامري
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣٢٨. ٢ زاد المعاد ٣/٣٠٨. ٣ الروض الأنف ٦/٤٩٤.
[ ٢٨٧ ]
أسند ظهره إلى الكعبة" ثم قال: "والله لا أؤخر ظهري عن الكعبة حتى يودى هذا الرجل"، فقال أبو سفيان بن حرب: "والله إن هذا لهو السفه، والله لا يودى (ثلاثًا) " ١.
ونقله ابن حجر عن ابن إسحاق وفيه: فقال أبو سفيان: ليس على محمد مطالبة بذلك؛ لأنه وفّى بما عليه وأسلمه لرسولكم، ولم يقتله بأمره ولا على آل أبي بصير شيء أيضًا، لأنه ليس على دينهم٢ ا. هـ
فالتحقيق أنه لا ضمان على القاتل في هذه الحالة بدية، ولا قود، لأنهم أهل حرب بالنسبة له لا أهل عهد وذمة.
قال ابن حجر: ولا يعد ما وقع من أبي بصير غدرًا لأنه لم يكن في جملة من دخل في المعاقدة التي بين النبي ﷺ وبين قريش، لأنه إذ ذاك كان محبوسًا بمكة٣ ا. هـ
والقضية الثانية من المسألة:
هل على الإمام ضمان في مثل ما فعل أبو بصير؟
ذكر ابن القيم أنه لا ضمان عليه وعلل ذلك: بأنه سلمه لهم ولم يعد تحت يده وحكمه.
وظاهر كلام السهيلي أيضًا أنه لا ضمان على الإمام٤.
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٣/٣٢٤. ٢ فتح الباري ٥/٣٥١. ٣ فتح الباري ٥/٣٥١. ٤ الروض الأنف ٦/٤٩٤.
[ ٢٨٨ ]
المبحث السادس: إذا عاهد الإمام قومًا فخرجت عليهم طائفة من المسلمين غير متحيزة إلى الإمام، فهل على الإمام دفعها عنهم؟
جاء في حديث المسور ومروان أن أبا بصير وأبا جندل في جماعة من المسلمين قد خرجوا إلى سيف البحر، على طريق عير قريش، فكانت لا تمر بهم عير إلا قتلوا أصحابها، وأخذوها ولم يمنعهم رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣٤٨.
[ ٢٨٨ ]
ولذلك قال ابن القيم: "إن المعاهدين إذا عاهدوا الإمام فخرجت منهم طائفة فحاربتهم وغنمت أموالهم ولم يتحيزوا إلى الإمام لم يجب على الإمام دفعهم عنهم، ومنعهم منهم، سواء دخلوا في عقد الإمام وعهده ودينه، أو لم يدخلوا، والعهد الذي كان بين النبي ﷺ وبين المشركين لم يكن عهدًا بين أبي بصير وأصحابه وبينهم، وعلى هذا فإذا كان بين بعض ملوك المسلمين وبعض أهل الذمة من النصارى وغيرهم عهد، جاز لملك آخر من ملوك المسلمين أن يغزوهم ويغنم أموالهم، إذا لم يكن بينه وبينهم عهد، كما أفتى به شيخ الإسلام في نصارى ملطية مستدلًا بقصة أبي بصير مع المشركين"١ اهـ.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٠٩.
[ ٢٨٩ ]
الفصل الثاني: أحكام تتعلق بالعقيدة
المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس
المبحث الأول: حكم القيام على رأس الكبير وهو جالس:
جاء في حديث المسور ومروان: أن المغيرة بن شعبة كان قائمًا على رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف١.
قال ابن القيم: "في قيام المغيرة بن شعبة على رأس النبي ﷺ بالسيف ولم يكن من عادته أن يقام على رأسه وهو قاعد، سنة يُقتدى بها عند قدوم رسل العدو من إظهار العز والفخر وتعظيم الإمام وطاعته ووقايته بالنفوس، وهذه هي العادة الجارية عند قدوم رسل المؤمنين على الكافرين، وقدوم رسل الكافرين على المؤمنين، وليس هذا من النوع الذي ذمه النبي ﷺ بقوله: "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار".
كما أن الفخر والخيلاء في الحرب ليسا من هذا النوع المذموم في غيره٢ اهـ.
قلت: نعم الحديث الذي أورده ابن القيم لا يعني هذا النوع من القيام، إنما ينهى عن القيام للشخص، أما النوع الذي فعله المغيرة فهو القيام على الشخص، وقد ورد فيه نهي بخصوصه، كما في حديث جابر الآتي.
وقد أوضح الفرق بينهم ابن القيم نفسه في تهذيب السنن حين تعقب المنذري: فقد ذكر أبو داود في باب (قيام الرجل للرجل) حديث معاوية "من أحب أن يتمثل له الرجال قيامًا فليتبوأ مقعده من النار"٣، وحديث أبي أمامة: "خرج علينا رسول
_________________
(١) ١ انظر ص: ٢١٩. ٢ زاد المعاد ٣/٣٠٤. ٣ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الأدب: ٥٢٢٩.
[ ٢٩٠ ]
الله ﷺ متوكئًا على عصا فقمنا إليه فقال: " لا تقوموا كما تقوم الأعاجم، يعظم بعضهم بعضًا"١.
وذكر المنذري عقب هذين الحديثين حديث جابر عند مسلم، وفيه: "أنهم لما صلوا خلفه قعودًا قال: فلما سلم، قال: "إن كدتم آنفًا أن تفعلوا فعل فارس والروم، يقومون على ملوكهم وهم قعود فلا تفعلوا"٢.
والمنذري أورد هذا الحديث عقب الحديثين السابقين لتقويتهما، وكأنه يرى أن مدلولهما واحد، فتعقبه ابن القيم بقوله: "وحمل أحاديث النهي عن القيام على مثل هذه الصورة ممتنع، فإن سياقهم يدل على خلافه، وأنه ﷺ كان ينهى عن القيام به إذا خرج عليهم، ولأن العرب لم يكونوا يعرفون هذا النوع، وإنما هو من فعل فارس والروم، ولأن هذا لا يقال له قيام للرجل، وإنما هو قيام عليه ففرق بين القيام للشخص المنهي عنه، والقيام عليه المشبه لفعل فارس والروم، والقيام إليه عند قدومه وهو سنة العرب وأحاديث الجواز تدل عليه فقط"٣ اهـ.
فمن خلال كلام ابن القيم هذا يظهر لنا الفرق بين القيام للشخص الذي ورد فيه حديث معاوية، والقيام على الشخص الذي فعله المغيرة، وقد ورد بخصوصه حديث جابر السابق، وقد علق عليه النووي بقوله: "وفيه النهي عن قيام الغلمان والتباع على رأس متبوعهم الجالس لغير حاجة"٤.
وقد ساق ابن حجر كلام ابن القيم في التفريق بين أنواع القيام ثم عقب عليه بقوله: "وقد ورد في خصوص القيام على رأس الكبير الجالس ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن أنس قال: "إنما هلك من كان قبلكم بأنهم عظموا ملوكهم بأن قاموا وهم قعود"٥.
فالحاصل: أن نوع القيام الذي فعله المغيرة بن شعبة ﵁ منهي عنه، والمرخص فيه منه ما كان في مثل تلك الحالة التي فعلها فيها المغيرة، وهي حال قدوم رسل العدو، ليروا مدى طاعة المسلمين لإمامهم وحمايتهم له، وأحسب ابن
١ سنن أبي داود مع معالم السنن، كتاب الأدب: ٥٢٣٠.
_________________
(١) ٢ مختصر سنن أبي داود ٨/٩٢-٩٤. ٣ تهذيب السنن ٨/٩٢-٩٣ مع مختصر سنن أبي داود للمنذري. ٤ شرح النووي على مسلم ٤/١٣٥. ٥ فتح الباري ١١/٥١، ذكره الهيثمي في المجمع ٨/٤٠، وقال فيه الحسن بن قتيبة وهو متروك.
[ ٢٩١ ]
القيم ﵀ لا يريد أكثر من هذا المعنى، لأنه قاسه على إظهار الخيلاء والفخر في الحرب، ومعلوم النهي عنهما في غير هذا الموطن، والله أعلم.
[ ٢٩٢ ]
المبحث الثاني: تعريف الفأل وبيان استحبابه وأنه مغاير للطيرة:
قال ابن القيم: "استحباب التفاؤل وأنه ليس من الطيرة المكروهة لقوله لما جاء سهيل "سهل أمركم" ١.
قلت: قد وردت أحاديث تبين معنى الفأل:
ففي صحيح البخاري من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "لا طيرة وخيرها٢ الفأل"، قالوا: "وما الفأل يا رسول الله؟ " قال: "الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم"٣.
وفيه من حديث أنس ﵁ عن النبي ﷺ: "لا عدوى ولا طيرة ويعجبني الفأل الصالح الكلمة الحسنة"٤.
وفي سنن أبي داود من حديث عروة بن عامر قال: ذكرت الطيرة عند النبي ﷺ فقال: "أحسنها الفأل ولا ترد مسلمًا فإذا رأى أحدكم ما يكره فليقل: اللهم لا يأتي بالحسنات إلا أنت، ولا يدفع السيئات إلا أنت، ولا حول ولا قوة إلا بك" ٥.
فهذه الأحاديث تؤيد ما ذكره ابن القيم من استحباب التفاؤل، وأنه ليس من الطير المذمومة، والفرق بينهما: "أن الفأل من طريق حسن الظن بالله، والطيرة لا تكون إلا في السوء؛ فلذلك كرهت"٦.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٣٠٥. ٢ قال ابن حجر:"أفعل التفضيل هنا إنما هو بين القدر المشترك بين الشيئن، والقدر المشترك بين الطيرة والفأل تأثير كل منهما فيما هو فيه، والفأل في ذلك أبلغ". فتح الباري ١٠/٢١٤. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب: ٥٧٥٥. ٤ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الطب: ٥٧٥٦. ٥ سنن أبي داود مع معالم السنن / كتاب الطب: ٣٩١٩. ٦ نقله ابن حجر، فتح الباري ١٠/٢١٥.
[ ٢٩٢ ]
المبحث الثالث: بيلن كفر من اعنقد أن للكوكب تأثيرا في ايجاد المطر
المبحث الثالث: بيان كفر من اعتقد أن للكوكب تأثيرًا في إيجاد المطر:
جاء في حديث زيد بن خالد: "وأما من قال مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب"١.
وقد حمل العلماء الكفر المذكور في الحديث على أحد نوعيه الاعتقادي أو كفر النعمة بحسب حال القائل.
فمن قال مطرنا بنوء كذا معتقدًا أن للكوكب فاعلية وتأثيرًا في إيجاد المطر، فهو كافر كفرًا مخرجًا من الملة.
قال الشافعي: "من قال مطرنا بنوء كذا وكذا على ما كان أهل الجاهلية يعنون من إضافة المطر إلى أنه بنوء كذا، فذلك كفر كما قال رسول الله ﷺ، لأن النوء وقت، والوقت مخلوق لا يملك لنفسه ولا لغيره شيئًا، ومن قال مطرنا بنوء كذا على معنى مطرنا في وقت كذا فلا يكون كفرًا وغيره من الكلام أحب إلي منه"٢ اهـ.
فالشافعي يقصد هنا الكفر الاعتقادي.
أما من قال: مطرنا بنوء كذا، ويقصد أن النوء علامة للمطر فقط وأن المدبر هو الله، فهذا لا يكفر كفرًا مخرجًا من الملة، كما قال الشافعي.
لكن قال ابن حجر: "يجوز إطلاق الكفر عليه، وإرادة كفر النعمة لأنه لم يقع في شيء من طرق الحديث بين الكفر والشرك واسطة، فيحمل الكفر فيه على المعنيين لتناول الأمرين، والله أعلم"٣.
وكذلك قال ابن مفلح في الفروع: "إنه كفر نعمة لكن قال يحرم إطلاق هذا اللفظ٤ أي "مطرنا بنوء كذا"، ووافقه على تحريم ذلك صاحب الإنصاف٥ وكذلك قال بتحريم إطلاقه صاحب تيسير العزيز الحميد٦، وصاحب فتح المجيد٧، لكن قالا: إنه من الشرك الأصغر.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (١٢٦) . ٢ الأم ١/٢٥٢. ٣ فتح الباري ٢/٥٢٤. ٤ الفروع ٢/١٦٣. ٥ الإنصاف ٢/٤٦١. ٦ تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد: ٤٠٣. ٧ فتح المجيد شرح كتاب التوحيد: ٣٢٦.
[ ٢٩٣ ]
قلت: ويلحق بهذا الحكم كل من نسب شيئًا من التأثير في الكون لغير الله بحسب حاله على التفصيل السابق
[ ٢٩٤ ]
المبحث الرابع: هل يجوز التبرك بفضلات الصالحين وآثارهم؟
جاء في حديث المسور ومروان: "فوالله ما تنخم رسول الله ﷺ نخامة إلا وقعت في كف رجل منهم، فدلك بها وجهه وجلده وإذا توضأ كادوا يقتتلون على وضوئه"١.
قال ابن حجر عند هذه القصة: "جواز التبرك بفضلات الصالحين الطاهرة"٢.
قلت: قد تطرق الشاطبي لهذه القضية وذكر كلاما ًجيدًا بين فيه إجماع الصحابة على ترك هذا الأمر: ووجه ذلك:
فقد ذكر الشاطبي ما في حديث المسور ومروان هذا، وأحاديث أخرى تماثله ثم قال: فالظاهر في مثل هذا النوع أن يكون مشروعًا في حق من ثبت ولايته واتباعه لسنة رسول الله ﷺ وأن يتبرك بفضل وضوءه ويتدلك بنخامته ويستشفى بآثاره كلها، ويرجى نحو مما كان في آثار المتبوع الأصل٣ ﷺ إلا أنه قد عارضنا في ذلك أصل مقطوع به في متنه مشكل في تنزيله، وهو أن الصحابة ﵃ بعد موته ﵇ لم يقع من أحد منهم شيء من ذلك بالنسبة إلى من خلفه إذ لم يترك النبي ﷺ بعد موته في الأمة أفضل من أبي بكر الصديق ﵁ فهو كان خليفته ولم يفعل به شيء من ذلك، ولا عمر ﵁ وهو كان أفضل الأمة بعده ثم كذلك عثمان ثم علي، ثم سائر الصحابة الذين لا أحد أفضل منهم في الأمة، ثم لم يثبت لواحد منهم من طريق صحيح معروف أن متبركًا تبرك به على أحد تلك الوجوه أو نحوها، بل اقتصروا على الاقتداء بالأفعال والأقوال والسير التي اتبعوا فيه النبي ﷺ، فهو إذًا إجماع منهم على ترك تلك الأشياء.
وبقي النظر في وجه ترك ما تركوا منه، ويحتمل وجهين:
أحدهما: أن يعتقدوا فيه الاختصاص وأن مرتبة النبوة يسع فيها ذلك كله
_________________
(١) ١ انظر ص: ٢١٩. ٢ فتح الباري ٥/٣٤١. ٣ قال محقق كتاب الاعتصام: يظهر أن الجملة محرفة.
[ ٢٩٤ ]
للقطع بوجود ما التمسوا من البركة والخير، لأنه ﵇ كان نورًا كله في ظاهره وباطنه، فمن التمس منه نورًا وجده على أي وجه التمسه بخلاف غيره من الأمة - وإن حصل له من نور الاقتداء به والاهتداء بهديه ما شاء الله - لا يبلغ مبلغه على حال توازيه في مرتبته ولا تقاربه، فصار هذا النوع مختصًا به كاختصاصه بنكاح ما زاد على الأربع، وإحلال بضع الواهبة نفسها له، وعدم وجوب القسم على الزوجات وشبه ذلك، فعلى هذا المأخذ: لا يصح لمن بعده الاقتداء به في التبرك على أحد تلك الوجوه ونحوها، ومن اقتدى به كان اقتداؤه بدعة، كما كان الاقتداء في الزيادة على الأربع نسوة بدعة.
الثاني: أن لا يعتقدوا الاختصاص ولكنهم تركوا ذلك من باب سد الذرائع خوفًا من أن يجعل ذلك سنة - كما تقدم ذكره في اتباع الآثار - ١ والنهي عن ذلك، أو لأن العامة لا تقتصر في ذلك على حد بل تتجاوز فيه الحدود، وتبالغ بجهلها في التماس البركة، حتى يداخلها للمتبرك به تعظيم يخرج به عن الحد، فربما اعتقد في المتبرك به ما ليس فيه، وهذا التبرك هو أصل العبادة، ولأجله قطع عمر ﵁ الشجرة التي بويع تحتها رسول الله ﷺ بل هو كان أصل عبادة الأوثان في الأمم الخالية - حسبما ذكر أهل السير - فخاف عمر أن يتمادى الحال في الصلاة إلى تلك الشجرة، حتى تعبد من دون الله، فكذلك يتفق عند التوغل في التعظيم
إلى أن قال: وقد يظهر بأول وهلة أن هذا الوجه الثاني أرجح لما ثبت في الأصول العلمية أن كل قربة أعطيها النبي ﷺ فإن لأمته أنموذجًا منها ما لم يدل دليل على الاختصاص.
إلا أن الوجه الأول أيضًا راجح من جهة أخرى، وهو إطباقهم على الترك إذ لو كان اعتقادهم التشريع لعمل به بعضهم بعده أو عملوا به ولو في بعض الأحوال، إما وقوفًا مع أصل المشروعية، وإما بناء على اعتقاد انتفاء العلة الموجبة للامتناع.
وقد أخرج ابن وهب في جامعه من حديث يونس بن يزيد عن ابن شهاب قال: حدثني رجل٢ من الأنصار أن رسول الله ﷺ كان إذا توضأ أو تنخم ابتدر من حوله من المسلمين وضوءه ونخامته فشربوه ومسحوا به جلودهم، فلما رآهم يصنعون
_________________
(١) ١ انظر الاعتصام ١/٣٤٦. ٢ هو: عبد الرحمن بن أبي قراد ﵁. الترغيب والترهيب ٣/٥٨٩.
[ ٢٩٥ ]
ذلك سألهم "لم تفعلون هذا؟ "قالوا: نلتمس الطهور والبركة بذلك. فقال رسول الله ﷺ: " من كان منكم يحب أن يحبه الله ورسوله فليصدق الحديث وليؤد الأمانة، ولا يؤذ جاره"، فإن صح١ هذا الحديث فهو مشعر بأن الأولى تركه وأن يتحرى ما هو آكد٢ ا. هـ
وبهذا يتبين أن ما فعله الصحابة رضوان الله عليهم مع النبي ﷺ من التبرك لا يقاس عليه غيره فيه لما خصه الله ﷾ به من أمور لا توجد في أحد غيره ﷺ، ولأنه لو كان جائزًا مع غيره لسارع الصحابة رضوان الله عليهم - وهم أحرص الناس على الخير - إلى فعله مع أفضل الأمة بعد رسول الله ﷺ، ومن شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، لكنه لم يحصل شيء من ذلك، بل أفاد حديث عبد الرحمن بن أبي قراد هذا: أن الأولى تركه حتى مع النبي ﷺ والانصراف إلى ما هو أولى وأنفع، ولعل سكوت النبي ﷺ عن ذلك يوم الحديبية ليرى عروة بن مسعود رسول قريش مدى تعلق الصحابة رضوان الله عليهم بالنبي ﷺ وحبهم له لا سيما وقد قال للنبي ﷺ: "إني لأرى أشوابًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك"٣.
_________________
(١) ١ هذا الحديث قال عنه الألباني: "هو حديث ثابت له طرق وشواهد في معجمي الطبراني وغيرهما، وقد أشار المنذري في الترغيب ٣/٢٦ إلى تحسينه، وقد خرجته في الصحيحة برقم (٢٩٩٨») ا. هـ التوسل: ١٤٧ حاشية (١) . ٢ الاعتصام ٢/٨ وما بعدها. ٣ انظر ص: ٢١٨.
[ ٢٩٦ ]
المبحث الخامس: هل كتب النبي ﷺ يوم الحديبية حقيقة؟:
جاء في حديث البراء ﵁ عند البخاري: "فأخذ النبي ﷺ الكتاب - وليس يحسن يكتب - فكتب: هذا ما قاضى عليه محمد بن عبد الله"١.
فأخذ أبو الوليد الباجي بظاهر هذه الرواية، وقال: "إن رسول الله ﷺ كتب حقيقة"٢، وقد أنكر عليه ذلك علماء عصره ورموه بالزندقة.
قال ابن حجر تعليقًا على الرواية السابقة: وقد تمسك بظاهر هذه الرواية أبو الوليد الباجي فادعى أن رسول الله ﷺ كتب بيده بعد أن لم يكن يحسن يكتب، فشنع
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (١٠٣) . ٢ حكاه القاضي عياض، وذكر أن الباجي ألف في ذلك رساله سماها تحقيق المذهب من أن رسول الله ﷺ قد كتب. ترتيب المدارك ٤/٨٠٥.
[ ٢٩٦ ]
عليه علماء الأندلس في زمانه، ورموه بالزندقة، وأن الذي قاله يخالف القرآن حتى قال قائلهم:
برئت ممن شرى دنيا بآخرة وقال: إن رسول الله قد كتبا١
بل حكى القاضي عياض: "أن الفقيه أبا بكر الصائغ قد كفره بإجازة الكتب على رسول الله ﷺ "النبي الأمي" وأنه تكذيب بالقرآن٢.
وقد بلغ خبر أبي الوليد إلى أمير وطنه، وجرت بحضرته مناظرة بين أبي الوليد وبعض العلماء الذين أنكروا عليه قوله، فذكر ابن حجر: أن الباجي تغلب عليهم بما لديه من المعرفة حيث ادعى أن كتابة النبي ﷺ في ذلك الوقت لا تنافي القرآن بل تؤخذ من مفهومه لأنه قيد النفي بما قبل ورود القرآن فقال: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ ﴾ وبعد أن تحققت أميته وتقررت معجزته وأمن من الارتياب في ذلك، فلا مانع من أن يعرف الكتابة بعد ذلك من غير تعليم فتكون معجزة أخرى٣ ا. هـ
وقد كتب الأمير في المسألة إلى أفريقية وصقلية برغبة الباجي في ذلك، فجاءته الأجوبة من هناك، كان في بعضها تصويب لرأيه، وفي بعضها رد عليه.
وممن صوب رأيه: ابن الخزاز.
وكان ممن رد عليه الزاهد أبو محمد بن مفوز ألف في ذلك جزءًا٤.
وقد وافق الباجي في قوله جماعة منهم: أبو ذر أحمد بن عبد الله الهروي، والسمناني، وأبو الفتح النيسابوري٥.
وقد استدل هؤلاء لما ذهبوا إليه بما يلي:
١ - ما أخرجه ابن أبي شيبة وعمر بن شبة من طريق مجاهد عن عون بن عبد الله قال: "ما مات رسول الله ﷺ حتى كتب وقرأ".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥٠٣، وانظر نفح الطيب ٢/٦٨. ٢ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥. ٣ فتح الباري ٧/٥٠٣. ٤ ترتيب المدارك ٤/٨٠٥-٨٠٦، تاريخ قضاة قرطبة: ٢٠٢. ٥ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢، فتح الباري ٧/٥٠٣، والخصائص الكبرى ٣/٢٧٢.
[ ٢٩٧ ]
وقال مجاهد: "فذكرت ذلك للشعبي فقال: صدق سمعت من يذكر ذلك"١.
وذكر السيوطي أن سند هذا الحديث ضعيف، وحكى عنه الطبراني أنه قال: هذا حديث منكر٢.
٢ - واستدلوا بما ورد من طريق يونس بن ميسرة عن أبي كبشة السلولي عن ابن الحنظلية أن النبي ﷺ أمر معاوية أن يكتب للأقرع وعيينة، فقال عيينة: أتراني أذهب بصحيفة المتلمس فأخذ رسول الله ﷺ الصحيفة فنظر فيها، فقال: "قد كتب لك بما أمر لك".
قال يونس: "فنرى أن رسول الله ﷺ كتب بعدما أنزل عليه"٣.
وحكى القرطبي عن ابن عطية: "أنه ذكر هذا الحديث والذي قبله ثم قال: هذا كله ضعيف وقول الباجي منه"٤.
٣ - واستدلوا أيضًا بما روي عن النبي ﷺ أنه قال لكاتبه: "ضع القلم على أذنك فإنه أذكر لك" ٥.
٤ - وربما روي أنه ﷺ قال لمعاوية: "ألق الدواة وحرف القلم وأقم الباء وفرق السين ولا تعور الميم" ٦.
وقد ذكر ابن حجر هذين الحديثين مع الحديثين السابقين ثم قال: وأجاب الجمهور بضعف هذه الأحاديث٧.
وبهذا نرى أن الأدلة التي استند إليها القائلون بأن رسول الله ﷺ قد كتب واهية كلها، لا يعتمد عليها، لا سيما في مثل هذا الأمر الخطير.
أما حديث البراء في قصة الحديبية، فذكر ابن حجر: أن الجمهور أجابوا عنه: بأن القصة واحدة والكاتب فيها علي، وقد صرح في حديث المسور بأن عليًا هو الذي كتب، فيحمل على أن النكتة في قوله: "فأخذ الكتاب - وليس يحسن يكتب" لبيان قوله: "أرني إياها"، أنه ما احتاج
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/ ٥٠٤، الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠. ٢ الخصائص الكبرى ٣/٢٧٠. ٣ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٤ تفسير القرطبي ١٣/٣٥٢. ٥ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٦ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٧ م السابق.
[ ٢٩٨ ]
أن يريه موضع الكلمة التي امتنع علي عن محوها إلا لكونه كان لا يحسن الكتابة، وعلى أن قوله بعد ذلك "فكتب" فيه حذف تقديره فمحاها فأعادها لعلي فكتب، وهو كثير كقوله: كتب إلى قيصر وكتب إلى كسرى.
وذكر ابن حجر جوابًا ثانيًا فقال: "وعلى تقدير حمله على ظاهره فلا يلزم من كتابة اسمه الشريف في ذلك اليوم وهو لا يحسن الكتابة أن يصير عالمًا بالكتابة عن كونه أميًا، فإن كثيرًا ممن لا يحسن الكتابة يعرف تصوير بعض الكلمات ويحسن وضعها بيده، وخصوصًا الأسماء، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا ككثير من الملوك"١.
وحكى عن السمناني وابن الجوزي جوابًا آخر وهو: "أن تكون جرت يده بالكتابة حينئذ، وهو لا يحسنها فخرج المكتوب على وفق المراد فيكون معجزة أخرى في ذلك الوقت خاصة، ولا يخرج بذلك عن كونه أميًا"٢.
وقد مال ابن خلدون إلى هذا حيث قال: "ولا يقع في ذهنك من أمر هذه الكتابة ريب، فإنها قد ثبتت في الصحيح وما يعترض في الوهم من أن كتابته قادحة في المعجزة، فهو باطل؛ لأن هذه الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف وقوانين الخط وأشكالها، بقيت الأمية على ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة خاصة من إحدى المعجزات"٣.
وقد تعقب السهيلي هذا الجواب فقال: "وقد ظن بعض الناس أنه كتب بيده"، وفي البخاري: "أنه كتب بيده وهو لا يحسن يكتب" فتوهم أن الله قد أطلق يده بالكتابة في تلك الساعة خاصة، قال: وهي آية.
فيقال له: كانت تكون آية لولا أنها مناقضة لآية أخرى وهو كونه أميًا لا يكتب وبكونه أميًا في أمة أمية، قامت الحجة وأفحم الجاحد وانحسمت الشبهة، فكيف يطلق الله يده لتكون آية؟ وإنما الآية ألا يكتب والمعجزات يستحيل أن يدفع بعضها بعضًا، وإنما معنى كتب: أي: أمر أن يكتب٤ اهـ.
وقد تعقب ابن حجر كلام السهيلي فقال: "وفي دعوى أن كتابة اسمه الشريف فقط على هذه الصورة تستلزم مناقضة المعجزة، وتثبت كونه غير أمي نظر كبير"٥ اهـ.
قلت: ما قاله السهيلي وجيه لا نظر فيه، وكان يمكن أن يقال إن كتابة اسمه الشريف
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٢ فتح الباري ٧/٥٠٤. ٣ تاريخ ابن خلدون ٢/٢٢١. ٤ الروض الأنف ٦/٤٨٥-٤٨٦. ٥ فتح الباري ٧/٥٠٤.
[ ٢٩٩ ]
على تلك الصورة لا تنافي الأمية إلا أن الله قد نفى عنه الكتابة بيده، بخصوصها وأخبر أن ذلك لو حصل لأدى إلى ريب في قلوب المبطلين، فقال تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ ١، ولو قلنا إنه كتب حقيقة لحصل ذلك الارتياب في قلوب المبطلين بل قد حصل شيء من ذلك فعلًا وجعل بعض المتربصين هذه الرواية ذريعة للوصول إلى أهدافهم المشبوهة٢.
فالراجح هو ما أجاب به الجمهور من أن المراد من قوله "كتب" أي أمر عليًا بالكتابة، والله أعلم.
_________________
(١) ١ سورة العنكبوت آية: ٤٨. ٢ انظر الرد الشافي الوافر على من نفى أمية سيد الأوائل والأواخر: ١٢٨.
[ ٣٠٠ ]
الفصل الثالث: الدروس والعبر المستفادة من بعض مواقف الغزوة
المبحث الأول: أتهام العقل أمام النصوص الصريحة
المبحث الأول: اتهام العقل أمام النصوص الصريحة:
جاء في حديث المسور ومروان وغيره في قصة الحديبية أن عمر بن الخطاب وبعض الصحابة ﵃ كرهوا الصلح مع قريش١ لما رأوا في شروطها من الظلم والإجحاف في حقهم، لكنهم ندموا بعد ذلك على صنيعهم ورأوا أنهم قد وقعوا في حرج، إذ كيف يكرهون شيئًاَ رضيه رسول الله ﷺ، وظلت تلك الحادثة درسًا لهم فيما استقبلوا من حياتهم، وكانوا يحذرون غيرهم من الوقوع فيما وقعوا فيه من الاعتماد على الرأي:
فكان عمر بن الخطاب ﵁ يقول: "أيها الناس اتهموا الرأي على الدين فلقد رأيتني أرد أمر رسول الله ﷺ برأي اجتهادًا فوالله ما آلو عن الحق وذلك يوم أبي جندل" ٢.
وكان سهل بن حنيف ﵁ يقول: "اتهموا رأيكم رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله ﷺ لرددته"٣.
ولقد ظل عمر بن الخطاب ﵁ - برهة من الزمن - متخوفًا أن ينزل الله به عقابًا للذي صنع يوم الحديبية:
فكان ﵁ يتحدث عن قصته تلك ويقول: "فما زلت أصوم وأتصدق
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣١٤ وما بعدها. ٢ انظر ص: ٣٢٤. ٣ انظر ص: ٣١٩.
[ ٣٠١ ]
وأعتق من الذي صنعت مخافة كلامي الذي تكلمت به يومئذ حتى رجوت أن يكون خيرًا"١.
هذا فعل أهل الورع والتقوى والذين يقدرون نصوص الشريعة حق قدرها.
فليت أولئك الذي يردون النصوص الصريحة لحدس عقولهم٢ يعتبرون بما في هذه الحادثة.
قال ابن الديبع الشيباني تعليقًا على هذه الحادثة: "قال العلماء لا يخفى ما في هذه القصة من وجوب طاعته ﷺ والانقياد لأمره، وإن خالف ظاهر ذلك مقتضى القياس أو كرهته النفوس، فيجب على كل مكلف أن يعتقد أن الخير فيما أمر به، وأنه عين الصلاح المتضمن لسعادة الدنيا والآخرة، وأنه جار على أتم الوجوه وأكملها غير أن أكثر العقول قصرت عن إدراك غايته وعاقبة أمره"٣ اهـ.
وقد ذكر ابن القيم٤ أن الرأي الباطل أنواع: فذكر منها الرأي المخالف للنص، والكلام في الدين بالخرص والظن مع التفريط في معرفة النصوص وفهمها، والرأي المتضمن تعطيل الأسماء والصفات الإلهية، ثم قال: "وكل من له مسكة من عقل يعلم أن فساد العالم وخرابه إنما نشأ من تقديم الرأي على الوحي، والهوى على العقل، وما استحكم هذان الأصلان الفاسدان في قلب إلا استحكم هلاكه، وفي أمة إلا وفسد أمرها أتم فساد، فلا إله إلا الله.
كم نُفي بهذه الآراء من حق، وأُثبت بها من باطل، وأُميت بها من هدى، وأُحيى بها من ضلالة، وكم هدم من معقل الإيمان، وعمر بها من دين الشيطان، وأكثر أصحاب الجحيم، هم أهل هذه الآراء الذين لا سمع لهم، ولا عقل، بل هم
_________________
(١) ١ انظر ص: ٣١٦. ٢ يقولون إذا تعارض العقل والنقل، وجب تقديم العقل، حكاه ابن تيمية عن جماعة منهم: الرازي والغزالي، ثم بين فساده، وكذلك فنده ابن القيم. انظر: درء التعارض بين العقل والنقل ١/ ٤، ومختصر الصواعق ١/١٢٩. وقد تبنى تلك النظرية الفاسدة بعض الناس في هذا العصر فجعلوا عقولهم مقياسًا لقبول النصوص وردها، ولو كانت في الصحيحين، انظر للرد عليهم: الرد على من كذب الأحادب الصحيحة الواردة في المهدي: ٤٤، ٤٧، ومرويات غزوة بدر:٤٧. ٣ حدائق الأنوار ومطالع الأسرار ٢/٦٢٢. ٤ أعلام الموقعين ١/٧١-٧٢.
[ ٣٠٢ ]
شر من الحمر، وهم الذين يقولون يوم القيامة: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ " ١.
_________________
(١) ١ سورة الملك آية: ١٠.
[ ٣٠٣ ]
المبحث الثاني: أنموذج من التربية النبوية:
جاء في حديث جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "من يصعد الثنية ثنية المرار فإنه يحط ما حط عن بني إسرائيل" ١.
ويتجلى في هذا الحديث جانب عظيم من جوانب التربية النبوية جدير بالتأمل والتدبر.
فرسول الله ﷺ يستحث أصحابه على صعود الثنية ثم يخبرهم أن الذي يجتازها سينال مغفرة الله تعالى.
وحين نتأمل هذا الحديث تبرز لنا معان عظيمة أهمها أمران:
الأول: أن رسول الله ﷺ يريد أن يربط قلوب أصحابه باليوم الآخر في كل لحظة من لحظات حياتهم.
الثاني: أنه يريد لفت أنظارهم إلى أن كل حركة يتحركونها وكل عمل يقومون به - حتى ما يرون أنه من العادات أو من دواعي الغريزة - يجب استغلاله للتزود لذلك اليوم.
وكان ﷺ يسعى دائمًا لترسيخ تلك المعاني في قلوب أصحابه:
فنراه يقول في موطن آخر: "وفي بضع أحدكم صدقة" قالوا: يا رسول الله! أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: "أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر؟ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر" ٢.
ويقول في موطن ثالث: "وإنك مهما أنفقت من نفقة فإنها صدقة، حتى اللقمة التي ترفعها إلى في امرأتك"٣.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٥٢) . ٢ صحيح مسلم، كتاب الزكاة: ٥٣. ٣ صحيح البخاري مع الفتح، كتاب الوصايا: ٢٧٤٢.
[ ٣٠٣ ]
ولكن ما الذي يحدث حين تترسخ تلك المعاني في شعورهم؟
إن تلك المعاني - إذا تمكنت من قلب المسلم - لكفيلة بأن تصبغ حياته كلها بصبغة العبودية لله وحده، وإذا شملت العبادة كل نواحي حياة المسلم فإن لهذا الشمول آثارًا مباركة سوف يشعر بها الفرد في نفسه ثم يلمسها فيمن حوله "ومن أبرز تلك الآثار أمران:
الأول: أنه يصبغ حياة المسلم وأعماله فيها بالصبغة الربانية، ويجعله مشدودًا إلى الله في كل ما يؤديه، فهو يقوم بنية العابد الخاشع، وروح القانت المخبت، وهذا يدفعه إلى الاستكثار من كل عمل نافع، وكل إنتاج صالح، وكل ما ييسر له ولأبناء نوعه الانتفاع بالحياة، على أمثل وجوهها، فإن ذلك يزيد رصيده من الحسنات والقربات عند الله تعالى كما يدعوه هذا المعنى إلى إحسان عمله الدنيوي وتجويده وإتقانه، ما دام يقدمه إلى ربه سبحانه ابتغاء رضوانه وحسن مثوبته.
الثاني: أنه يمنح المسلم وحدة الوجهة، ووحدة الغاية في حياته كلها، فهو يرضى ربًا واحدًا في كل ما يأتي ويدع، ويتجه إلى هذا الرب بسعيه كله الديني والدنيوي، لا انقسما ولا صراع، ولا ازدواج في شخصيته ولا في حياته" ١.
وقد يقول قائل - انطلاقًا من واقعنا المؤلم الذي تلاشت فيه هذه المعاني أو كادت - إن هذه المعاني خيالات وأوهام لا تعدو ذهن قائلها ولا رصيد لها من الواقع، ونحن نطالبه أن يرجع إلى الوراء قليلًا فينظر واقع الصحابة رضوان الله عليهم كيف استحالت تلك المعاني إلى حقائق ملموسة في حياتهم كلها، وما حفظ الله سيرتهم إلا لتكون حجة على كل من جاء بعدهم.
_________________
(١) ١ انظر: كتاب العبادة في الإسلام: ٦٦.
[ ٣٠٤ ]
المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على العقيدة
المبحث الثالث: مثل رائع لوفاء المسلم وثباته على عقيدته:
كان من جملة الشروط التي أخذتها قريش على المسلمين في صلح الحديبية: أن على المسلمين أن يردوا من جاءهم من قبل قريش، ولا ترد قريش من جاءها من قبل المسلمين.
وقد كره المسلمون هذا الشرط إلا أن سهيل بن عمرو قد أصر عليه، وما أن وقع
[ ٣٠٤ ]
الاتفاق بين رسول الله ﷺ وسهيل بن عمرو على عقد الصلح حتى طلع عليهما أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في الحديد، وكان قد خرج فارًا بدينه إلى المسلمين.
فلما رآه والده قام إليه فضرب وجهه وأخذ يجره بثيابه ليرده إلى مكة، وأبو جندل يستنجد برسول الله ﷺ وبالمسلمين ليحولوا بينه وبين أبيه، لكن ماذا يملك رسول الله ﷺ والمسلمون؟ إنهم قد أعطوا قريشًا عهدًا على رد من جاء من قبلها، فالأمر أصبح بيد قريش، وسهيل بن عمرو هو الناطق باسمها.
وحين رأى رسول الله ﷺ إصرار سهيل بن عمرو على رد أبي جندل تركه وشأنه، ثم أوصى أبا جندل بكلمات قال فيها: "يا أبا جندل اصبر واحتسب فإن الله ﷿ جاعل لك ولمن معك من المستضعفين فرجًا ومخرجًا".
ورجع سهيل بن عمرو بأبي جندل ﵁ إلى مكة حيث الفتنة والتعذيب١.
وليست قصة أبي جندل هذه بأعجب من قصة أبي بصير ﵁، فأبو بصير ترك مكة فرارًا بدينه من الفتنة، وقدم المدينة، لكنه لم يكد يستعيد أنفاسه حتى قدم في طلبه رجلان من قبل قريش.
فما الذي سيحدث يا ترى؟
هل خوف أبي بصير على دينه من الفتنة سيشفع له في عدم إسلامه لرسولي قريش؟
إن رسول الله ﷺ كان يدرك حال أبي بصير تمامًا ويشفق عليه أيما إشفاق، كيف لا! والله ﷿ يقول في حقه: ﴿لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ٢.
لكن كان يحول بين رسول الله ﷺ وبين حماية أبي بصير من قريش العهد الذي أخذته قريش على رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ انظر قصة أبي جندل ص ٣١٤، ٣١٥. ٢ سورة التوبة آية: ١٢٨.
[ ٣٠٥ ]
فلذلك أسلم رسول الله ﷺ أبا بصير إلى رسولي قريش بعد أن زوده بنحو الوصية التي زود بها أبا جندل.
وخرج الرجلان بأبي بصير يريدان مكة، حيث الفتنة والتعذيب١.
ففي هاتين القصتين دروس عظيمة أهمها درسان:
الأول: وفاء المسلم بعهده، فقد رأينا كيف أسلم المؤمنون إخوانهم إلى الكفار وهم يعلمون أن مصيرهم ثَمّ هو التعذيب، وما فعلوا ذلك إلا وفاء بالعهد، فالوفاء صفة أصيلة في المؤمن، وقد امتدح الله المؤمنين بذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَلاَ يِنقُضُونَ الْمِيثَاقَ﴾ ٢، كما ذم الكفار بنقيض ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الأَرْضِ أُوْلَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ ٣.
الثاني: ثبات المؤمن على عقيدته مهما كلفه من ثمن، فأبو بصير وأبو جندل يعلم كل منهما ما ينتظره في مكة من الفتنة والتعذيب، لكن لم يعبأ واحد منهما لذلك إنما كان خوفهما على دينهما لأن العقيدة هي أغلى ما يملكه المؤمن، ولقد شهدت مكة نماذج كثيرة من ذلك الثبات، فقد شهدت قبل ذلك خبيب بن عدي ﵁ تتناوشه رماح قريش وهو يقول:
ما إن أبالي حين أقتل مسلمًا على أي جنب كان في الله مصرعي
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك على أوصال شلو ممزع٤
_________________
(١) ١ انظر قصة أبي بصير ص ٣٢٨. ٢ سورة الرعد آية: ١٩-٢٠. ٣ سورة الرعد آية: ٢٥. ٤ قال ذلك حين أرادت قريش قتله، وكان من قصته أنه جاء رهط من عضل والقاره إلى رسول الله ﷺ فادّعوا الإسلام وطلبوا من رسول الله ﷺ أن يرسل معهم من يعلمهم، فأرسله في تسعة من القراء، سنة ثلاث، وأميرهم عاصم بن ثابت، فغدر بهم أولئك الرهط فقتلوا بعضهم وأسروا البعض، وكان ممن أسروا خبيب بن عدي فأسلموه إلى قريش. انظر صحيح البخاري مع الفتح، كتاب المغازي: ٤٠٨٦، وسيرة ابن هشام ٣/١٦٩.
[ ٣٠٦ ]
المبحث الرابع: صروح الكفر والطغيان تتهاوى أمام عزمات الإيمان
المبحث الخامس: رعاية الله للجماعة المؤمنة:
يشعر القارئ لهذه الغزوة أن عناية الله ورعايته كانت تحوط المؤمنين وتلازمهم ملازمة ظاهرة، فحينما قدم المسلمون لهذه الغزوة - وكانوا عازمين على دخول مكة لأداء عمرتهم - حبس الله ناقة رسول الله ﷺ بالحديبية فكان ذلك الصلح العظيم.
ولما وجد الصحابة رضوان الله عليهم في نفوسهم من الصلح - بسبب شروط قريش - أنزل الله سورة الفتح فسرى بها عن أنفسهم وبشرهم بأن الصلح فتح مبين.
وعندما قدم بعض المهاجرات فرارًا بدينهن من فتنة قريش أرسلت قريش في ردهن فأنزل الله آية الامتحان، تنهى المؤمنين عن ردهن إلى الكفار.
وقد أبرزت سورة الفتح جوانب كثيرة من مظاهر رعاية الله للمؤمنين في تلك الغزوة.
فهل يا ترى هذه الرعاية - التي أولاها الله رسوله ﷺ والصحابة رضوان الله عليهم - كانت خاصة بهم، أم أن هناك أسبابًا بذلوها فأهلتهم لتلك الرعاية من الله سبحانه؟
إن الله ﷾ قد بين في كتابه المؤهلات لرعايته وعنايته فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ﴾ ١.
وقال: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٢.
وقال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا* وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ﴾ ٣.
وقال: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ ٤.
وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ ٥.
فهذه الصفات قد توافرت في الصحابة رضوان الله عليهم فنالوا تلك الرعاية والعناية من الله، ومتى توافرت في شخص أو أمة في كل زمان ومكان فإن رعاية الله سوف تتنزل عليهم، لأن الله قد وعد بذلك ووعده الحق.
_________________
(١) ١ سورة النحل آية: ١٢٨. ٢ سورة الأعراف آية: ٥٦. ٣ سورة الطلاق آية: ٢. ٤ سورة الطلاق آية: ٣. ٥ سورة العنكبوت آية: ٦٩.
[ ٣٠٨ ]
الخاتمة
بعد أن أتممت هذا البحث - بعون الله وتوفيقه - أحب أن أشير في الختام إلى أبرز النتائج التي توصلت إليها فيه.
فأقول وبالله التوفيق:
قسمت البحث إلى أربعة أبواب وقد حصرت المرويات في الثلاثة الأبواب الأولى منه، وجعلت الباب الأخير لفقه المرويات.
أ - وكانت أبرز نتائج الباب الأول هي:
(١) بيان أن العنوان المناسب لهذه الحادثة هو: "غزوة الحديبية" مع ذكر المرجحات لذلك.
(٢) بيان الصواب في تسمية الخزاعي الذي بعثه النبي ﷺ عينًا إلى مكة.
(٣) إضافة قصة "غيقة" إلى هذه الغزوة، ولم يذكرها قبل أحد ممن كتب في المغازي - حسب علمي - ولم تذكر في جملة السرايا كذلك.
(٤) ترجيح أن صلاة الخوف المذكورة في حديث أبي عياش الزرقي كانت في غزوة الحديبية وبيان أنها أول صلاة وقعت في الخوف.
(٥) هناك أحاديث ذكرت فيها صفة صلاة الخوف، أوردها بعض العلماء على ما في حديث أبي عياش والظاهر مغايرتها له.
ب - وأبرز نتائج الباب الثاني:
(١) بيان أن بديل بن ورقاء لم يكن رسولًا لأي من الفريقين.
(٢) ترجيح أن عروة بن مسعود الثقفي إنما أسلم في السنة التاسعة.
(٣) بيان الراجح في تسمية أول من بايع بيعة الرضوان.
(٤) توضيح أسباب الصلح وبيان أنها مشتركة بين الطرفين.
(٥) بيان أن المسلمين لم يردوا إخوانهم إلى قريش إلا وفاء بالعهد، وأن عدم ردهم للمهاجرات لم يكن إخلالًا بالعهد.
[ ٣٠٩ ]
(٦) بيان أن الذي أخذ عير أبي العاص هو زيد بن حارثة وليس أبا بصير.
جـ - وأبرز نتائج الباب الثالث:
(١) بيان أن نهي النبي ﷺ عن لحوم الحمر الأهلية كان في غزوة خيبر، لا في غزوة الحديبية.
(٢) ترجيح أن الصحابة رضوان الله عليهم نحروا البدنة - في الحديبية - عن سبعة فقط.
(٣) ترجيح أن الصحابة نحروا بعض الهدي في الحل، وبعضه في الحرم.
(٤) ترجيح أن نوم المسلمين عن صلاة الصبح حصل في أكثر من غزوة، منها غزوة الحديبية.
(٥) بيان أن معجزة النبي ﷺ في تكثير الماء - في غزوة الحديبية - وقعت مرتين:
الأولى: حال نزولهم الحديبية.
الثانية: في طريق عودتهم.
(٦) ذكر أهم نتائج الغزوة وتشتمل: آثار صلح الحديبية، وما حصل للمسلمين بسبب هذه الغزوة من مغانم أخروية مثل رضا الله عنهم، وتبشير الرسول ﷺ لهم بالجنة والنجاة من النار، ومغانم دنيوية مثل: إحرازهم غنائم خيبر، وما شرع لهم في هذه الغزوة من رخص وأحكام.
د - وأما الباب الرابع فكان في فقه المرويات:
وتضمن أحكامًا في الجهاد والعقيدة وردت في الغزوة، وبعض الدروس، والعبر المستقاة منها.
و﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ..
[ ٣١٠ ]