الفصل الأول: بيان عدد الجيش
المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده
المبحث الأول: عدد جيش المشركين، وبيان قواده
بعد أن اجتمع الوفد اليهودي بقيادة زعيمهم الحاقد حيي بن أخطب بقواد قريش وزعمائها، وبعد أن رجعوا فرحين بما جاء به ذلك الوفد المشؤوم الذي كشف الله أمره، ولعنه حيث قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا﴾ ١ الآية.
بعد ذلك كله اجتمع زعماء قريش في دار الندوة٢ للمشاورة وخرجوا بقرار نهائي هو الموافقة على ما أراده اليهود منهم وقد صادف
_________________
(١) ١ سورة النساء الآيتين ٥٢- ٥٣. ٢ دار الندوة: مكان بمكة أحدثه قصي بن كلاب بن مرة لما تملك مكة، وهي دار كانوا يجتمعون فيها للمشاورة، واللفظة مأخوذة من لفظ الندى والنادي والمنتدى، وهو مجلس القوم الذي يندون حوله أي يذهبون قريبًا منه ثم يرجعون هذا ما قاله ياقوت. معجم البلدان ٢/٤١٣، أما ابن دريد فقال: "أن قصيًا أول من بنى الكعبة بعد بناء تبع، وبني دار الندوة، وهي الدار التي كانت قريش تجتمع فيها عند النوائب في الحرب أو غيرها. الاشتقاق ١٥٥"، وقال الحلبي: "دار الندوة من جهة الحِجر وكان لها باب إلى المسجد أعدت للاجتماع"، السيرة الحلبية ٢/٢٢٢.
[ ٢٠٩ ]
هوى في نفوسهم ألا وهو استئصال الإسلام والقضاء على حامليه كما كانوا يعتقدون ذلك؛ لأن نظرتهم كانت تغتر بالعدد الكبير الذي حشدوه إلى أرض المعركة، ونسوا أن النصر من عند الله، وأنه هو الذي نصر المؤمنين مع قلتهم في بدرٍ وغيرها. تجاهلوا ذلك كله وكان يراودهم أمل متعلق بالكثرة الكاثرة التي ذهب اليهود من أجلها إلى غطفان وبقية القبائل المعادية للإسلام في ذلك الوقت.
ولكنهم كما قال الله تعالى: ﴿ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ﴾ ١.
وهم مع ذلك لا يعلمون أن الله ﷾ قال: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ ﴾ ٢ الآية.
قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٣٠. ٢ سورة البقرة الآية ٢٤٩.
[ ٢١٠ ]
الأسيال من رومة١ بين الجرف وزغابة٢ في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تبعهم من بني كنانة، وأهل تهامة وأقبلت غطفان، ومن تبعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي٣ إلى جانب أحد"٤، أهـ.
_________________
(١) ١ رومة: بضم الراء وسكون الواو: أرض بالمدينة بين الجرف وزغابة نزلها المشركون عام الخندق. وبهذا يعرف التصحيف الذي ورد عند الطبري في تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٦، حيث قال بمجتمع الأسيال من دومة: بالدال. وقلت لعله تصحيف لأن الدومة بالعالية قرب بني قريظة، وإلى جانبها الدويمة مصغرًا أما رومة فهي العرصة الكبرى التي تلتقي بالجرف وكلاهما في آخر العقيق. قال ذلك الفيروزآبادي والسمهودي. المغانم المطابة ١٧١، وفاء الوفاء ٤/١٢٢٧، ومعجم البلدان لياقوت ٣/١٠٤. ٢ زغابة: قال ياقوت بالفتح في الأول وبعد الألف باء موحدة قال ابن إسحاق: "ولما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف وزغابة في عشرة آلاف " الخ. قال ورواه أبو عبد البكري الأندلسي زغابة بضم الزاي وعين مهملة وذكره الطبري فقال بين الجرف والغابة واختار هذه الرواية، وقال لأن زغابة لا تعرف. وليس الأمر كذلك فإنه قد روي في الحديث المسند أنه ﵊ قال في ناقة أهداها إليه أعرابي فكافأه بست بكرات فلم يرض فقال ﵊ ألا تعجبون لهذا الأعرابي أهدي إلي ناقتي أعرفها بعينها ذهبت مني يوم زغابة، وقد كافأته بست فسخط الحديث، وقد جاء ذكر زغابة في حديث آخر فكيف لا يكون معروفًا؟ فالا عرف إذا عندنا زغابة بالغين المعجمة. أ. هـ. كلام ياقوت في معجم البلدان ٣/١٤١-١٤٢. وقد وافقه الفيروزآبادي في القاموس ١/٧٩. ٣ نقمي: بالتحريك والقصر: موضع من أعراض المدينة كان لآل أبي طالب، قال ابن إسحاق، وأقبلت غطفان يوم الخندق، ومن تبعها من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد أ. هـ. كلام ياقوت في معجم البلدان ٥/٣٠٠، وكذا في القاموس ٤/١٨٣، والمغانم المطابة ٤١٤كلاهما للفيروزآبادي. ٤ السيرة النبوية ٢/٢١٥، والروض الآنف ٣/٢٦١.
[ ٢١١ ]
أما ابن سعد فقد قال في سياق حديثه عن الخندق: أخبرنا أبو الوليد الطيالسي١ أخبرنا أبو عوانة٢ عن أبي بشر٣ عن سعيد بن جبير قال كان يوم الخندق بالمدينة قال فجاء أبو سفيان بن حرب ومن معه من قريش ومن تبعه من كنانة وعيينة بن حصن ومن تبعه من غطفان. وطليحة ومن تبعه من بني أسد وأبو الأعور السلمي ومن تبعه من بني سليم٤
والأثر موقوف على سعيد بن جبير: "ورجال السند ثقات".
وقد ذكر ابن سعد أن زعماء قريش دخلوا دار الندوة وعقدوا اللواء
_________________
(١) ١ أبو الوليد الطيالسي هو هشام بن عبد الملك الباهلي مولاهم البصري ثقة ثبت من التاسعة مات سنة سبع وعشرين ومائتين وله أربع وتسعون سنة روى له (ع) . التقريب ٣٦٤. ٢ أبو عوانة هو وضاح بتشديد المعجمة ثم مهملة بن عبد الله اليشكري الواسطي البزاز مشهور بالكنية - ثقة ثبت- من السابعة مات سنة خمس أو ست وسبعين (بعد المائة) روى له (ع) التقريب ٣٦٩. ٣ أبو بشر هو جعفر بن إياس بن أبي وحشية بفتح الواو وسكون المهملة وكسر المعجمة وتثقيل التحتانية - ثقة - من أثبت الناس في سعيد بن جبير ضعفه شعبة في حبيب بن سالم وفي مجاهد من الخامسة مات سنة خمس وقيل سنة ست وعشرين (بعد المائة) روى له (ع) التقريب ٥٥. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٧١.
[ ٢١٢ ]
فيها وحمله عثمان١ بن طلحة بن أبي طلحة، وذلك بعد أن ساق سنده الطويل، وفيه قال: قالوا٢: "لما أجلى رسول الله ﷺ بني النضير ساروا إلى خيبر فخرج نفر من أشرافهم ووجوههم إلى مكة فألبوا قريشًا ودعوهم إلى الخروج إلى رسول الله ﷺ، وعاهدوهم على قتاله ووعدوهم لذلك موعدًا ثم خرجوا من عندهم حتى أتوا غطفان وسليمًا ففارقوهم على مثل ما اتفقوا عليه مع قريش". قال ابن سعد: "عندئذ تجهزت قريش وجمعوا أحابيشهم ومن تبعهم من العرب فكانوا أربعة آلاف وعقدوا اللواء في دار الندوة، وحمله عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة، وقادوا معهم ثلاثمائة فرس وكان معم ألف وخمسمائة بعير قال: "وخرجوا يقودهم أبو سفيان بن حرب بن أمية"٣، ووافقهم بنو سليم
_________________
(١) ١ عثمان بن طلحة بن أبي طلحة العبدري هاجر إلى رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية مع خالد بن الوليد فلقيا عمرو بن العاص قد أتى من عند النجاشي يريد الهجرة فاصطحبوا حتى قدموا المدينة وقال ﷺ حين رآهم (ألقت إليكم مكة أفلاذ كبدها) يعني أنهم وجوه أهل مكة. أسد الغابة ٣/٢٧٣. ٢ أي السند المتقدم في أول الكتاب وهذه طريقته يقدم السند في أول الكتاب ثم يعيد لضمير إليه ويقول قالوا. ٣ أبو سفيان هو صخر بن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف الأموي صحابي مشهور أسلم عام الفتح مات سنة اثنتين وثلاثين وقيل بعدها. انظر الاستيعاب ٤/٢٤٠، والتقريب ١٥١.
[ ٢١٣ ]
بمر الظهران وهم سبعمائة يقودهم سفيان بن عبد شمس" أهـ. كلام ابن سعد١.
وقد ذكر ذلك ابن إسحاق٢، إلا أنه لم يذكر عدد جيش قريش ولكنه ذكر العدد الإجمالي لجيش الأحزاب وتابعه على ذلك ابن كثير٣.
أما الطبري فقد ساق حديثًا من طريق ابن إسحاق قال: "ثنى يزيد بن رومان في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ٤ الآية. والجنود قريش وغطفان وبنو قريظة الخ"٥.
ثم ساق حديثًا آخر طويلًا من طريق ابن إسحاق عن يزيد بن رومان عن عروة وعن محمد بن كعب القرظي وعن عاصم بن عمر بن قتادة، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم٦ وفيه:
_________________
(١) ١ الطبقات الكبرى ٢/٥. ٢ السيرة النبوية ٢/٢١٥. ٣ البداية والنهاية ٤/٩٥. ٤ سورة الأحزاب الآية ٩. ٥ جامع البيان ٢١/١٢٩ وقد تقدمت تراجم رجال السند. ٦ تقدمت تراجمهم في ص ٤٧.
[ ٢١٤ ]
"فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن والحارث بن عوف بن أبي حارثة المري في بني مرة ومسعود بن رخيلة١ الأشجعي فيمن تابعه من قومه من أشجع. فلما سمع بهم النبي ﷺ، وبما اجتمعوا له من الأمر ضرب الخندق على المدينة فلما فرغ رسول الله ﷺ من الخندق أقبلت قريش حتى نزلت بمجتمع الأسيال من رومة بين الجرف والغابة٢، في عشرة آلاف من أحابيشهم ومن تابعهم من بني كنانة وأهل تهامة وأقبلت غطفان ومن تابعهم من أهل نجد حتى نزلوا بذنب نقمي إلى جانب أحد"٣.
_________________
(١) ١ هكذا ورد اسمه في طبقات ابن سعد ٢/٦٦، وتاريخ الأمم والملوك للطبري٢/٤٤، الاستيعاب لأبي عمر ٣/٤٤٨، وأسد الغابة ٤/٣٥٧، والأمتاع للمقريزي ١/٢٣٠، والإصابة لابن حجر ٣/٤١٠ كل هذه المراجع تذكر بأن اسمه مسعود بن رخيلة بضم الراء وفتح الخاء المعجمة مصغرًا وفي السيرة النبوية لابن هشام ٢/٢١٥، وجوامع السيرة لابن حزم (١٨٦) (مسعر) وكذا الطبري في جامع البيان ٢١/١٣٠. ٢ الجرف: بالضم ثم السكون موضع على ثلاثة أميال من المدينة من جهة الشام كانت به أموال لعمر بن الخطاب -﵁- قالوا والذي سماه بهذا الاسم هو تبع مر به فقال هذا جرف الأرض، وكان يسمي قبل ذلك العرض بكسر العين. انظر معجم البلدان ٢/١٢٨، والمغانم المطابة ٨٨/٨٩. ٣ جامع البيان ٢١/١٢٩-١٣٠.
[ ٢١٥ ]
قال ابن القيم: "خرجت قريش وقائدهم أبو سفيان في أربعة آلاف ووافاهم بنو سليم بمر الظهران وخرجت بنو أسد وفزارة وأشجع وبنو مرة وجاءت غطفان وقائدهم عيينة بن حصن وكان من وافى الخندق من الكفار عشرة آلاف"١.
أما الطبري فقد قال: "فخرجت قريش وقائدها أبو سفيان بن حرب وخرجت غطفان وقائدها عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري على بني فزارة والحارث بن عوف المري على بني مرة ومسعود بن رخيلة بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع بن ريث بن غطفان فيمن تابعه من أشجع الخ"٢. وقد تابعه في هذا ابن حزم٣، وابن الأثير ٤، والقرطبي٥.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٢٧١. ٢ تاريخ الأمم والملوك ٢/٤٤. ٣ جوامع السيرة ١٨٦. ٤ الكامل ٢/١٢٢. ٥ الجامع لأحكام القرآن ١٤/١٢٨.
[ ٢١٦ ]
عقب ذلك قال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن مردويه عن ابن عباس قال أنزل الله في شأن الخندق وذكر نعمه عليهم وكفايته إياهم عدوهم بعد سوء الظن ومقالة من تكلم من أهل النفاق ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا﴾ ١ الآية. وكانت الجنود التي أتت المسلمين أسدًا وغطفان وسليمًا الخ"٢.
كما ذكر ابن الجوزي٣: "أن عدد قريش كان أربعة آلاف رجل قادوا معهم ثلاثمائة فرس ومائة وخمسين بعيرًا، وبنو سليم كانوا سبعمائة، وفزارة كانوا ألف رجل، وأشجع كانوا أربعمائة رجل، وبنو مرة كانوا أربعمائة"٤ وبه قال المقريزي٥. أخيرًا قال الحافظ ابن حجر، ذكر موسى بن عقبة في المغازي قال:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٩. ٢ الدر المنثور ٥/١٨٦. ٣ هو عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي بن عبيد الله بن حمادي بن أحمد بن محمد بن جعفر القرشي التيمي البكري البغدادي المعروف بابن الجوزي جمال الدين أبو الفرج. توفي سنة ٥٩٧هـ. تذكرة الحفاظ ٣/١٣٤٢، ومعجم المؤلفين ٥/١٥٧. ٤ الوفاء بأخبار المصطفى ٦٩٢. ٥ إمتاع الأسماع ١/٢١٨-٢١٩.
[ ٢١٧ ]
"خرج حيي بن أخطب بعد قتل بني النضير١ إلى مكة يحرض٢ قريشًا على حرب رسول الله ﷺ، وخرج كنانة بن الربيع بن أبي الحقيق يسعى في غطفان، ويحضهم على قتال رسول الله ﷺ على أن لهم نصف تمر خيبر فأجابه عيينة بن حصن الفزاري إلى ذلك وكتبوا إلى حلفائهم من بني أسد فأقبل إليهم طليحة بن خويلد فيمن أطاعه، وخرج أبو سفيان بن حرب بقريش فنزلوا بمر الظهران فجاء من أجابهم من بني سليم مددًا لهم فصاروا في جمع عظيم فهم الذين سماهم الله - الأحزاب - وذكر ابن إسحاق بأسانيده أن عدتهم عشرة آلاف٣.
نبذة عن القواد الخمسة المشاركين في هذه الغزوة ومتى كان إسلامهم:
_________________
(١) ١ هذا وهم أو سبق قلم - ذكر قتل بني النضير- والواقع بخلاف ذلك. حيث بين الله في كتابه الكريم أنه أخرجهم من درياهم، ولم يذكر أن الرسول ﷺ قتل أحدًا منهم حيث قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ﴾ الخ الآية من سورة الحشر رقم (٢) . أما قصة إخراجهم وسببها فقد ذكره أصحاب المغازي والسير والتفاسير من ذلك السيرة النبوية ٢/١٩٠. ٢ حرض تحرضيًا: حثه، القاموس المحيط ٢/٣٢٧. ٣ فتح الباري ٧/٣٩٣.
[ ٢١٨ ]
١- أبو سفيان صخر بن حرب بن أمية:
أسلم يوم الفتح وشارك مع الرسول ﷺ في غزوة حنين والطائف بعد أن شارك في قتاله ﷺ كثيرًا. وقد ولد قبل الفيل بعشر سنين، وقد أعطاه الرسول ﷺ من غنائم حنين مائة بعير وأربعين أوقية كما أعطى المؤلفة قلوبهم، وأعطى ابنيه يزيد ومعاوية فقال له أبو سفيان: "والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيرًا"، تولى على نجران في عهد رسول الله ﷺ ثم رجع إلى مكة بعد موت النبي ﷺ وسكنها مدة ثم عاد إلى المدينة فمات بها سنة إحدى وثلاثين، وقيل اثنتين وثلاثين، وقيل أربع وثلاثين، وقيل كان عمره ثمان وثمانين، وقيل ثلاثًا وتسعين سنة١.
٢- أما عيينة بن حصن، كنيته أبو مالك
فكان من الجفاة الغلاظ وكان اسمه حذيفة، وسمي عيينة لشتر كان بعينه، أسلم ثم ارتد، وآمن بطليحة حين تنبأ، وأخذه خالد بن الوليد أسيرًا فأتي به أبا بكر -﵁-، فمن عليه وروي أنه دخل المدينة مجموعة يداه إلى عنقه جعل الغلمان يطعنونه بأيديهم في بطنه وخاصرته،
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٣/١٢.
[ ٢١٩ ]
ويقولون أي عدو الله ارتددت عن الإسلام فيقول، والله ما كنت آمنت قط١، ولم يزل مظهرًا الإسلام على جفوته حتى مات وهو عم الحر بن قيس، وكان الحر رجلًا صالحًا من أهل القرآن، وكان عيينة أيضًا من المؤلفة قلوبهم، وهو الذي قال فيه ﷺ الأحمق المطاع لأنه كان في الجاهلية من الجرارين٢ يقود عشرة آلاف قناة٣.
٣- الحارث بن عوف المري:
وقد أسلم، ولم يذكر متى كان ذلك، وإنما قالوا٤ قدم على رسول الله ﷺ، فأسلم وبعث معه رجلًا من الأنصار إلى قومه ليسلموا فقتلوا الأنصاري، ولم يستطع الحارث أن يمنع عنه وهو صاحب الحمالة في
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٦/٣١٨، وأسد الغابة ٤/١٦٧. ٢ انفرد بها ابن الأثير ولم ادر معناها رغم بحثي في كتب الغريب ولعله كما قالت الخنساء: ترثي أخاها صخرًا حمال ألوية شهاد أندية للجيش جرار. ٣ أسد الغابة ٤/١٦٧، والسيرة النبوية ٢/٢١٥. والقناة: الرمح. ٤ أي المؤرخين مثل ابن الأثير في أسد الغابة ١/٣٤٢، وابن حجر في الإصابة ١/٢٨٦، وقد قال البيهقي في الدلائل ٣/٣٩٩ - فزعموا أن الحارث بن عوف أخا بني مرة قال لعيينة بن بدر وغطفان ياقومي أطيعوني ودعوا قتال هذا الرجل وخلوا بينه وبين عدوه من العرب فغلب عليهم الشيطان وقطع أعناقهم الطمع فانقادوا لأمر عيينة بن بدر أ. هـ.
[ ٢٢٠ ]
حرب داحس والغبراء١، وأحد رؤوس الأحزاب يوم الخندق، وقد استعمله النبي ﷺ على قومه بني مرة. انتهى.
قال ابن سعد: "وقد روى الزهري أن الحارث رجع ببني مرة فلم يشهد الخندق منهم أحد قال والأول أثبت أي أنهم - شهدوا الخندق مع الحارث بن عوف"٢-. وعلى كلٍ فقد كان الحارث أحسن قواد الكفار، وأرجحهم عقلًا، وأقلهم حقدًا على رسول الله ﷺ، وأسلم وحسن إسلامه، وعد من الصحابة الكرام.
٤- أبو الأعور السلمي:
هو سفيان بن عمرو، وهو مشهور بكنيته، ولا يعلم متى أسلم كذا قال الحلبي٣: "ولكنه شارك في القتال مع معاوية -﵁- ضد علي -﵁- يوم صفين٤. وأنه كان على مقدمة جيش معاوية ذلك اليوم" أ: هـ.
_________________
(١) ١ المعارف لابن قتية ٦١. ٢ طبقات ابن سعد ٢/٦٦. ٣ السيرة الحلبية ٢/٦٣١. ٤ البداية والنهاية ٧/٢٦١.
[ ٢٢١ ]
٥- مسعود بن رخيلة:
هو مسعود بن رخلية بن نويرة بن طريف بن سحمة بن عبد الله بن هلال بن خلاوة بن أشجع الأشجعي كان قائد أشجع يوم الأحزاب مع المشركين، أسلم فحسن إسلامه، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري١.
٦- طليحة الأسدي:
طليحة هذا كان أحد القواد لجيش الأحزاب حيث كان على رأس قومه بني أسد الذين جاءوا مساعدين لغطفان كما قيل.
وعلى كلٍ فقد تنبأ طليحة بعد وفاة النبي ﷺ، وأرسل إليه أبو بكر -﵁- خالدًا - ﵁-، وقد انضم إلى طليحة كثير من القبائل منهم عيينة بن حصن في سبعمائة من قومه بني فزارة ثم انهزم الناس عن طليحة فلما جاء المسلمون ركب على فرس قد أعدها له وأركب زوجته النوار على بعير له ثم انهزم بها إلى الشام وتفرق جمعه٢.
وقد قال ابن كثير: "إن طليحة ارتد في عهد النبي ﷺ، وقد عاد إلى الإسلام، وحسن إسلامه وشهد القتال مع خالد في بقية أيامه.
_________________
(١) ١ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٤٨، وأسد الغابة لابن الأثير ٤/٣٥٧، والإصابة ٣/٤١٠. ٢ طبقات ابن سعد ٢/٦٦، البداية والنهاية ٦/٣١٨.
[ ٢٢٢ ]
وقد سأل خالد - ﵁- بعض أصحاب طليحة ممن أسلموا عن الوحي الذي أخبرهم به فقال: إنه كان يقول: الحمام واليمام والصرد والصوام قد صمن قبلكم بأعوام ليبلغن ملكنا العراق والشام، إلى غير ذلك من الخرافات"١
وأسلم طليحة إسلامًا صحيحًا، وله في قتال الفرس في القادسية بلاءٌ حسنٌ، وقد أوصى عمر - ﵁- النعمان بن مقرن أن يستعين في حربه بطليحة وعمرو بن معدي كرب، وأن يستشيرهما في الحرب ولا يوليهما من الأمر شيئًا٢.
والخلاصة أن عدد جيش الكفار كان عشرة آلاف، وهو العدد الإجمالي الذي ذكره ابن إسحاق وغير واحد.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٦/٣١٨، السيرة الحلبية ٢/٦٣١. ٢ أسد الغابة ٣/٦٦.
[ ٢٢٣ ]
المبحث الثاني: عدد جيش المسلمين
جيش المسلمين هو ذلك الجيش الذي ضحى بالغالي والنفيس في سبيل الله في سبيل الدفاع عن هذا الدين الحنيف دين الله الذي قال فيه سبحانه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ ١. هذا الجيش رغم قلة عدده وعدته فقد كان كثيرًا قويًا بإيمانه وبعقيدته. وقد حصل في تقدير هذا الجيش خلاف على النحو التالي:
١- قال ابن إسحاق: "وخرج رسول الله ﷺ، والمسلمون حتى جعلوا ظهورهم إلى سلع في ثلاثة آلاف من المسلمين" أ. هـ٢. وتابعه في ذلك ابن سعد٣ والطبري٤ والبيهقي٥ وابن عبد البر٦ وابن الأثير٧ وابن سيد الناس٨ وابن كثير٩ وذكره الديار بكري١٠
_________________
(١) ١ سورة آل عمران الآية ٨٥. ٢ السيرة النبوية ٢/٢٢٠ والروض الآنف ٣/٢٦١. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٦. ٤ جامع البيان ٢١/١٣٠. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٥٢. ٦ الدرر في اختصار المغازي والسير ١٨١. ٧ الكامل في التاريخ ٢/١٢٣. ٨ عيون الأثر ٢/٥٧. ٩ البداية والنهاية ٤/١٠٢. ١٠ تاريخ الخميس ١/٤٨٠.
[ ٢٢٤ ]
كما ذكره صاحب المواهب اللدنية١.
٢- قال ابن حزم: "وقد قيل تسعمائة فقط قال: وهو الصحيح الذي لا شك فيه"٢.
٣- قال الديار بكري٣: "بعد أن ذكر أن عدد جيش المسلمين ثلاثة آلاف قال وقيل: كان المسلمون ألفًا. هكذا بصيغة التمريض"٤.
قلت: "ولعل القائل بذلك ذهب إلى ما ورد في حديث جابر حيث قال: في سياق الحديث الذي فيه القصة التي أضاف٥ فيها جابر النبي ﷺ على عناق وصاع من شعير وجاء الرسول ﷺ بأهل الخندق كلهم إلى أن قال وهم ألف"٦. ولا يجزم بهذا أن عدد المسلمين كانوا ألفًا على ضوء هذا، وإنما هذا العدد هو الذي كان موجودًا مع رسول الله ﷺ في ذلك الوقت في مأدبة جابر - ولعل أكثرهم كان قد استأذن منه
_________________
(١) ١ المواهب اللدنية ٢/١١٠. ٢ جوامع السيرة ١٨٧. ٣ حسين بن محمد بن الحسن الديار بكري - مؤرخ فقيه- توفي بمكة في حدود سنة ٩٦٦هـ، معجم المؤلفين ٤/٤٧. ٤ تاريخ الخميس ١/٤٨٠. ٥ مادة ضيف تأتي لعدة معاني وهي هنا بمعنى الإكرام، انظر: النهاية في غريب الحديث ٣/١٠٨-١٠٩. ٦ صحيح البخاري ٥/٤٤، وفتح الباري ٧/٣٩٦.
[ ٢٢٥ ]
ﷺ لأنهم كانوا يتناوبون في الحفر كما هو معلوم. أما ابن القيم فقد قال: "إنهم كانوا ثلاثة آلاف ثم عقب قائلًا: وقال ابن إسحاق: "خرج في سبعمائة قال: وهذا غلط من خروجه يوم أحد"١.
وقال القسطلاني وكانوا ثلاثة آلاف ثم قال: "قال الشافعي ووهم من قال كانوا سبعمائة"٢.
أما بالنسبة للرأي الثاني: فلم يشر أحد إليه وهو الذي ارتضاه ابن حزم ورفض ما عداه٣ وإذا فلعل الأولى الرأي القائل بأنهم كانوا ثلاثة آلاف لكثرة القائلين بذلك والله أعلم.
قال ابن سعد: "ولما تم حفر الخندق رفع المسلمون النساء والصبيان في الآطام وخرج رسول الله ﷺ يوم الاثنين لثمان ليال مضين٤ من ذي القعدة وكان يحمل لواء المهاجرين زيد بن حارثة وكان يحمل لواء الأنصار سعد بن عبادة
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٢٧١، وبنفس هذا الرد قال المقريزي في الإمتاع ١/٢٦٦. ٢ المواهب اللدنية ١/١١١. ٣ جوامع السيرة ١٨٧. ٤ الطبقات الكبرى ٢/٦٧، مع أن المقريزي قال أن رسول الله ﷺ عسكر يوم الثلاثاء لثمان مضت من ذي القعدة وهو في حد ذاته اتفاق مع ابن سعد. انظر الامتاع ١/٢١٦.
[ ٢٢٦ ]
وكان رسول الله ﷺ يبعث سلمة بن أسلم١ في مائتي رجل وزيد بن حارثة في ثلاثمائة رجل يحرسون المدينة ويظهرون التكبير وذلك أنه كان يخاف على الذراري من بني قريظة.
وكان عباد بن بشر٢ على حرس قبته ﷺ مع غيره من الأنصار يحرسونه كل ليلة٣. قال ابن القيم: "وهو الذي كان على حرسه وقد حرسه الزبير بن العوام أيضًا يوم الخندق" قال ابن سيد الناس٤: وقال ابن سعد في باب حراس النبي ﷺ: "حرسه يوم بدر حين نام في العريش سعد بن معاذ ويوم أحد محمد بن مسلمة ويوم الخندق الزبير بن العوام"٥.
_________________
(١) ١ سلمة بن أسلم بن حريش بن عدي بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي الحارثي يكنى أبا سعد شهد بدرًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ، وقتل يوم جسر أبي عبيد سنة أربع عشرة وهو ابن ثمان وثلاثين سنة، وقيل استشهد وهو ابن ثلاث وستين سنة. الاستيعاب ٢/١٩٨، وأسد الغابة ٢/٣٣٢. ٢ عباد بن بشر بن وقش بن زغبة بن عبد الأشهل الأنصاري الأوسي ثم الأشهلي يكنى - أبا بشر - وقيل أبو الربيع - أسلم بالمدينة على يد مصعب بن عمير قبل إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وشهد بدرًا وأحدًا والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ وكان ممن قتل كعب بن الأشرف اليهودي الذي كان يؤذي رسول الله ﷺ والمسلمين. قالت عائشة - ﵂- ثلاثة من الأنصار لم يكن يعتد عليهم فضلًا كلهم من بني عبد الأشهل سعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، وعباد بن بشر. انظر: الاستيعاب ٢/٣٥٠، وأسد الغابة ٣/١٠٠. ٣ الطبقات الكبرى ٢/٦٧. ٤ عيون الأثر ٢/٥٨. ٥ زاد المعاد ١/١٢٧.
[ ٢٢٧ ]
وعندما استقر ﷺ في معسكره المختار حسب الخطة العسكرية الناجحة نظم جنود المسلمين ووزعهم فبعضهم للحراسة على الخندق ومنافذه وبعضهم على قبته لأنها كانت مستهدفة من الأعداء.
وكان ﷺ يختلف بنفسه إلى ثلمة١ في الخندق يحرسها وكان الوقت شتاء شديد البرودة وقد روى البزار في ذلك حديثًا وفيه قال: حدثنا عبد الله بن شبيب٢ ثنا إبراهيم بن المنذر٣ ثنا إسماعيل بن داود٤ ثنا مالك ابن أنس عن يحيى بن سعيد٥ عن عمرة٦ عن
_________________
(١) ١ الثلمة والثغرة بمعنى واحد وهي الفتحة. النهاية في غريب الحديث ١/٢١٣. ٢ عبد الله بن شبيب أبو سعيد الربعي أخباري علامة لكنه واه قال أبو أحمد الحاكم ذاهب الحديث قال الذهبي: "يروي عن أصحاب مالك وبالغ - فضلك الرازي- فقال يحل ضرب عنقه، وقال عبد الرحمن بن خراش يسرق الحديث، قال ابن حبان يقلب الأحاديث ويسرقها". الميزان ٢/٤٣٨. ٣ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي - صدوق - تكلم فيه أحمد لأجل القرآن من العاشرة مات سنة ست وثلاثين ومائتين (خ ت س ق) التقريب ٢٣. ٤ إسماعيل بن داود بن عبد الله بن مخراق المخراقي روى عن مالك بن أنس وغيره قال ابن أبي حاتم سمعت أبي يقول هو ضعيف الحديث جدًا وقال في موضع آخر سمعت أبي يقول هو منكر الحديث. الجرح والتعديل ٢/١٦٧-٢٠١. ٥ يحي بن سعيد بن قيس الأنصاري ثقة (ع) التقريب ٣٦٧. ٦ عمرة بنت عبد الرحمن بن سعد بن زرارة الأنصارية المدنية أكثرت عن عائشة -ثقة- من الثالثة ماتت قبل المائة ويقال بعدها روى لها (ع) التقريب ٤٧١.
[ ٢٢٨ ]
عائشة قالت: "كنت مع رسول الله ﷺ وهو بالخندق فكان رسول الله ﷺ يتعاهد ثغرة من الجبل يخاف منها فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فيتسمع فسمع حسن إنسان عليه الحديد فانسل"١ في الجبل فقال رسول الله ﷺ: "من هذا؟ ". فقال: "أنا سعد جئتك لتأمرني بأمرك" فأمره النبي ﷺ أن يثبت في تلك الثغرة".
قالت عائشة: "فنام رسول الله في حجري حتى سمعت غطيطه٢ فقالت عائشة لا أنساها لسعد"٣.
قال الهيثمي قلت: "في الصحيح طرف منه ثم قال: رواه البزار عن شيخه عبد الله بن شبيب وهو ضعيف"٤.
أما البزار فقال: "لا نعلم رواه إلا عائشة بهذا الإسناد".
وقد روى البخاري ما يقويه ولكن بغير تصريح بذكر الخندق٥
_________________
(١) ١ أنسل أسرع خفية. القاموس المحيط ٤/٥٧ قلت لعله (ينسل) . ٢ غط النائم إذا سمع له صوت من الفم. القاموس المحيط ٢/٣٧٦. ٣ كشف الأستار ٢/٣٣٣. ٤ مجمع الزوائد ٦/١٣٥. ٥ صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢١٩ كتاب التمني وهو عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عائشة
[ ٢٢٩ ]
كما أورده الترمذي في مناقب سعد بن أبي وقاص١ بيد أنه لم يذكر أن ذلك كان في الخندق. لذلك قال ابن العربي.
وكانت عائشة مع النبي ﷺ يوم الخندق وذكرت أن رسول الله ﷺ كان يتعاهد ثغرة من الجبل يحافظ عليها ثم يزلفه٢ البرد ذلك اليوم فيأتي فيضطجع في حجري ثم يقوم فسمعت حس رجل عليه حديد وقد أسند في الجبل فقال رسول الله ﷺ: "من هذا؟ " ثم ساق الحديث بمثل ما جاء عن البزار إلا أنه صرح بأنه سعد بن أبي وقاص٣.
وقد جاءت الرواية التي عند البخاري والتي عند الترمذي في المناقب مفسرة لما كان مبهمًا عند البزار وهو سعد لأن السعود في صحابة رسول الله ﷺ كثير فتبين بالروايتين أنه سعد بن أبي وقاص -﵁-.
وحديث البزار وإن كان ضعيفًا إلا أن ما جاء عند البخاري والترمذي يقويه والحديث يدل بوضوح على: الشدة التي عاناها الرسول ﷺ، وأصحابه في هذه الغزوة وأن الخطر الذي أحدق بهم كان كبيرًا حتى أنه ﷺ كان يتعاهد تلك الثغرة بنفسه
_________________
(١) ١ تحفة الأحوذي ١٠/٢٥٦-٢٥٧. ٢ أزلفه يزلفه قرّ به والزلفة الطائفة من أول الليل والجمع زلف. المختار ٢٧٣. ٣ أحكام القرآن ٣/١٥١١.
[ ٢٣٠ ]
يخاف على المسلمين منها وأن القائد عليه ما على جنوده من حراسة ومرابطة؛ بل إن القائد هو المثل الأعلى لجنوده والرسول ﷺ كان خير قائد.
قال المقريزي: "قالت أم سلمة - ﵂-: شهدت معه مشاهد فيها قتال وخوف المريسيع وخيبر وكنا بالحديبية وفي الفتح وحنين لم يكن من ذلك أتعب لرسول الله ﷺ ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحرجة١، وأن قريظة لا نأمنها على الذراري فالمدينة تحرس حتى الصباح نسمع تكبير المسلمين فيها حتى يصبحوا خوفًا. حتى ردهم الله بغيظهم لم ينالوا خيرًا.
قال وكان رسول الله ﷺ يختلف إلى ثلمة في الخندق يحرسها فإذا آذاه البرد دخل قبته فأدفأته عائشة - ﵂- في حضنها٢ فإذا دفئ خرج إلى تلك الثلمة يحرسها ويقول ما أخشى على الناس إلا منها.
_________________
(١) ١ الحرج: أضيق الضيق. النهاية في غريب الحديث ١/٣٦١. ٢ الحضن: مادون الإبط إلى الكشح وحضن الطائر بيضه إذا ضمه إلى نفسه. مختار الصحاح ١٤٢.
[ ٢٣١ ]
الفصل الثاني: تواطؤ اليهود مع المشركين وعزمهم على ضرب المسلمين من الخلف
لقد اشتد البلاء على المسلمين في هذه الغزوة بالذات؛ لأن قريشًا جاءت بحلفائها كما جاءت غطفان بكل قوادها وحلفائها مستهدفين استئصال الإسلام والمسلمين وفي أثناء الاستعداد لهذه الجموع الزاحفة جاء عدو الله حيي بن أخطب وهو أحد الأعضاء الذين حزبوا الأحزاب جاء إلى كعب بن أسد رئيس القبيلة الباقية من اليهود وهي قبيلة بني قريظة وجادله على نقض العهد وفتله في الذروة والغارب حتى وافق على ذلك بشروط تقبلها عدو الله حيي بن أخطب.
وبنو قريظة كما هو معروف كانوا يسكنون في العوالي أي في الجنوب الشرقي من المدينة على وادي مهزور١ إذن فهم يعتبرون خلف المسلمين ويكونون أخطر على هذه الحال لأن الضربة من الوراء تؤثر أكثر حيث أن المسلمين يستعدون ومستحفزون لأعدائهم الذين أمامهم ولكن الله نصر المسلمين وخذل أعداءه وأعداءهم وقد وصف الله سبحانه
_________________
(١) ١ مهزور وقيل مهزوز واد بالمدينة كان يسمى وادي قريظة كان يسيل بماء المطر يهبط من مفرق حرة واقم ثم يسيل ويصب في وادي بطحان. معجم البلدان ٥/٢٣٤.
[ ٢٣٥ ]
وتعالى ذلك البلاء وتلك الشدة التي أتت على المسلمين لم يأت عليهم مثلها حيث قال سبحانه:
﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا﴾ ١.
وقال تعالى مبينًا مظاهرة٢ وموافقة اليهود (بني قريظة) للأحزاب: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ٣ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٤.
أما الجهد ومشقة العيش اللتان كان يعانيهما المسلمون وخاصة في هذه الغزوة فقد بينتها الأحاديث الصحيحة وغيرها.
وسأورد ما يبين ذلك باختصار فمن ذلك ما رواه البخاري عن أبي
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٩ - ١٠. ٢ أي عاونوا الأحزاب وساعدوهم على حرب رسول الله ﷺ. تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٨. ٣ صياصيهم أي حصونهم والأصل في الصياصي هي قرون البقر ومنه قيل للحصون (الصياصي) . النهاية في غريب الحديث ٣/٦٧. ٤ سورة الأحزاب الآية ٢٥ - ٢٦.
[ ٢٣٦ ]
معمر المقعد عن عبد الوارث ١عن عبد العزيز٢ عن أنس ﵁ وفيه قال: يؤتون بملئ كفي من الشعير فيصنع لهم باهالة سنخة توضع بين يدي القوم والقوم جياع وهي بشعة في الحلق ولها ريح منتن الخ٣.
كما روى أيضًا ﵀ حديثًا آخر قال: حدثنا خلاد بن يحيى حدثنا عبد الواحد بن أيمن عن أبيه٤ قال أتيت جابرًا ﵁ فقال: "إنا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة إلى أن قال: ثم قام وبطنه معصوب بحجر ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقًا" الحديث ٥.
وقد ورد هذا الحديث من وجه آخر عن سعيد بن مينا قال سمعت جابرًا ﵁ قال: "لما حفر الخندق رأيت بالنبي ﷺ خمصًا شديدًا الخ" الحديث٦.
وكان ﷺ وأصحابه يعتمدون في أكلهم وشربهم على التمر والماء (الأسودين) يتضح ذلك باستعراض سنته ﷺ وسيرته في مأكله ومشربه.
_________________
(١) ١ عبد الوارث بن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوزي البصري ثقة ثبت وقد تقدم. ٢ عبد العزيز هو بن صهيب البناني البصري - ثقة وقد تقدم-. ٣ صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٩٣. ٤ تقدم رجال السند في ص ٩٧. ٥ تقدم في ص ١٥٥. ٦ صحيح البخاري مع فتح الباري ٧/٣٦٥- ٣٦٦.
[ ٢٣٧ ]
فقد روى ابن أبي شيبة عن عروة مرسلًا١ عن النبي ﷺ أنه صاف المشركين يوم الخندق وكان يومًا شديدًا لم يلق المسلمون مثله قط قال ورسوله الله ﷺ جالس وأبو بكر معه جالس وذلك زمان طلع النخل وكانوا يفرحون به فرحًا شديدًا لأن عيشهم فيه فرفع أبو بكر رأسه فبصر بطلعة وكانت أول طلعة رؤيت فقال هكذا بيده طلعة يارسول الله من الفرح فنظر رسول الله ﷺ وقال: "اللهم لا تنزع منا صالح ما أعطيتنا أو صالحًا أعطيتنا" ٢ والأثر ضعيف حيث رواه عروة مرسلًا.
أما الآثار الدالة على نقض بني قريظة العهد فهي كثيرة حسبي أن أورد بعضها مشيرًا إلى الباقي:
قال البخاري ﵀: حدثنا أحمد بن محمد٣ أنبأنا عبد الله٤ أخبرنا هشام بن عروة٥
_________________
(١) ١ المرسل: اتفق علماء الطوائف على أنه قول التابعي الكبير قال رسول الله ﷺ كذا أو فعله يسمى مرسلًا. تدريب الراوي ١/١٩٥. ٢ كنز العمال ١٠/٤٥٥. ٣ أحمد بن محمد بن موسى أبو العباس السمسار المعروف بمردويه - ثقة حافظ- من العاشرة مات سنة خمس وثلاثين ومائتين. روى له (خ ت س) . التقريب ١٦. ٤ عبد الله المبارك المروزي - ثقة ثبت - من الثامنة مات سنة أحدى وثمانين ومائة روى له (ع) . التقريب ٨٧. ٥ هشام بن عروة بن الزبير - ثقة فقيه ربما دلس من الخامسة مات سنة خمس أو ست وأربعين ومائة. روى له (ع) . التقريب ٣٦٤.
[ ٢٣٨ ]
عن أبيه عن عبد الله بن الزبير١ قال: "كنت يوم الأحزاب جعلت أنا وعمر ابن أبي سلمة في النساء فنظرت فإذا أنا بالزبير على فرسه يختلف إلى بني قريظة مرتين أو ثلاثًا فلما رجعت قلت: "يا أبت رأيتك تختلف" قال أو هل رأيتني يابني قلت نعم قال كان رسول الله ﷺ قال: "من يأت بني قريظة فيأتيني بخبرهم فانطلقت فلما رجعت جمع لي رسول الله ﷺ أبويه فقال فداك أبي وأمي٢.
وقال أيضًا: حدثنا أبو نعيم٣ حدثنا سفيان٤ عن محمد بن المنكدر٥ عن جابر ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "من يأتيني بخبر القوم " قال الزبير: "أنا" فقال
_________________
(١) ١ هو أول مولود في الإسلام بالمدينة من المهاجرين ولي الخلافة تسع سنين وقتل في سنة ثلاث وسبعين في ذي الحجة. روى له الجماعة. انظر: الاستيعاب ٣/٣٩، والتقريب ١٧٣. ٢ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٨٠ كتاب فضائل الصحابة. ٣ هو الفضل بن دكين الكوفي - ثقة ثبت - من التاسعة مات سنة ٢١٨- ٢١٩. وهو من كبار شيوخ البخاري. روى له (ع) . التقريب ٢٧٥. ٤ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي - ثقة حافظ - فقيه عابد إمام حجة من رؤوس الطبقة السابعة. مات سنة ١٦١هـ. روى له الجماعة. التقريب ١٢٨. ٥ محمد بن المنكدر عبد الله بن الهدير بالتصغير المدني - ثقة فاضل - من الثالثة مات ١٣٠. روى له (ع) . التقريب ٣٢٠.
[ ٢٣٩ ]
النبي ﷺ: "إن لكل نبي حواريًا وحواراي الزبير" ١.
وقال ﵀: حدثنا صدقة٢ أخبرنا ابن عيينة٣ حدثنا بن المنكدر أنه سمع جابر بن عبد الله - ﵁- قال ندب٤ رسول الله ﷺ الناس قال: "صدقة أظنه يوم الخندق فانتدب الزبير ثم ندب الناس فانتدب الزبير فقال النبي ﷺ: "أن لكل نبي حواريًا وحواري الزبير بن العوام" ٥.
قال الحميدي وقال سفيان زاد هشام بن عروة وابن عمتي٦. كما أخرجه مسلم٧، وأحمد٨، والترمذي٩، وابن ماجه١٠
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٢ كتاب الجهاد ومسند الحميدي ٢/٥١٦. ٢ صدقة بن الفضل أبو الفضل المروزي - ثقة - من العاشرة مات سنة ثلاث أو ست أو عشرين ومائتين روى له (خ) . التقريب ١٥٢. ٣ سفيان بن عينية أبو محمد الكوفي ثم المكي - ثقة حافظ - فقيه إمام حجة من رؤوس الطبقة الثامنة وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار مات في رجب سنة ثمان وتسعين ومائة وله أحدى وتسعون سنة روى له (ع) . التقريب ١٢٨. ٤ ندبه إلى الأمر كنصره إذا دعاه وحثه ووجهه. القاموس ١/١٣١. ٥ صحيح البخاري مع فتح الباري ٦/٥٣ كتاب الجهاد. ٦ مسند الحميدي ٢/٥١٦. ٧ صحيح مسلم ٤/١٨٧٩ كتاب فضائل الصحابة. ٨ مسند الإمام أحمد ٣/٣٠٧. ٩ سنن الترمذي ٥/٣٠٩ كتاب المناقب. ١٠ سنن ابن ماجة ١/٤٥.
[ ٢٤٠ ]
وقد أورده البخاري كما سبق من عدة طرق منها طريق أبي العباس مردويه والفضل بن دكين وصدقة ومحمد بن كثير والحميدي وقد رواه الحميدي عن ابن عيينة بالجزم (يوم الخندق) ولم يشك كما ظن صدقة ومن طريق علي بن عبد الله١ قال قلت لسفيان: فإن الثوري يقول: "يوم بني قريظة" فقال كذا حفظته منه كما أنك جالس (يوم الخندق) قال "سفيان هو يوم واحد وتبسم سفيان"٢.
وقال البيهقي٣ ﵀: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أخبرنا أبو بكر محمد بن أحمد بن حاتم٤ الدرابردي بمرو قال حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي٥، حدثنا أبو
_________________
(١) ١ علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح السعدي مولاهم أبو الحسن بن المديني البصري - ثقة - إمام أعلم أهل عصره بالحديث وعلله حتى قال البخاري ما استصغرت نفسي إلا عنده وقال فيه شيخه بن عينية كنت أتعلم منه أكثر مما يتعلمه مني وقال النسائي كأن الله خلقه للحديث. من العاشرة مات سنة ٢٣٤. روى له (خ د ت س فق) . التقريب ٢٤٧ ٢ صحيح البخاري مع الفتح ١٣/٢٣٩. ٣ دلائل النبوة ٣/٤٥١. ٤ أبو بكر محمد بن أحمد لم أقف له على ترجمة. ٥ أحمد بن محمد بن عيسى بن الأزهر أبو العباس البرتي القاضي ولي قضاء بغداد بعد وفاة أبي هاشم الرفاعي وكان ثقة ثبتًا حجة. تاريخ بغداد ٥/٦١.
[ ٢٤١ ]
حذيفة١ حدثنا عكرمة بن عمار٢ عن محمد بن عبيد٣ أبي قدامة الحنفي عن عبد العزيز٤ ابن أخي حذيفة قال ذكر حذيفة مشاهدهم مع رسول الله ﷺ فقال جلساؤه: "أما والله لو كنا شهدنا ذلك لفعلنا وفعلنا" فقال حذيفة: "لا تمنوا ذلك فلقد رأيتنا ليلة الأحزاب ونحن صافون قعودًا".
وأبو سفيان ومن معه فوقنا وقريظة اليهود أسفل منا نخافهم على ذرارينا وما أتت علينا ليلة قط أشد ظلمة ولا أشد ريحًا في أصوات ريحها أمثال الصواعق وهي ظلمة ما يرى أحدنا اصبعه الخ الحديث٥.
وقد أشار ابن كثير إلى هذه الرواية فقال:
_________________
(١) ١ أبو حذيفة هو موسى بن مسعود النهدي البصري صدوق سيء الحفظ يصحف من صغار التاسعة مات سنة ٢٢٧ أو بعدها وقد جاوز التسعين وحديثه عند البخاري في المتابعات (خ د ت ق) . التقريب ٣٥٢. ٢ عكرمة بن عمار العجلي أبو عمار اليمامي أصله من البصرة صدوق يغلط وفي روايته عن يحيى بن أبي كثير اضطراب ولم يكن له كتاب. من الخامسة مات قبل الستين ومائة (خت س ق) . التقريب ٢٤٢. ٣ كذا عند البيهقي وفي التقريب هو محمد بن عبد الله بن أبي قدامة الحنفي ويقال أبو قدامة مقبول (د) . التقريب ٣٠٦. ٤ عبد العزيز أخو حذيفة ويقال ابن أخيه وثقه ابن حبان من الثانية وذكره بعضهم في الصحابة (د) . التقريب ٢١٦. ٥ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٥١.
[ ٢٤٢ ]
"وقد أخرجه الحاكم والبيهقي في الدلائل من حديث عكرمة بن عمار عن محمد بن عبد الله الدؤلي عن عبد العزيز بن أخي حذيفة به"١
وقال السيوطي: "أخرج الحاكم وصححه وابن مردويه وابن عساكر وأبو نعيم والبيهقي كلاهما في الدلائل من طرق عن حذيفة بنفس اللفظ"٢. كما أورده الطبري عن ابن حميد عن فتى من أهل الكوفة ولم يذكر فيه بني قريظة٣. ولكنه ﵀ أورد حديثًا آخر قال فيه: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة قال ثنى محمد ابن إسحاق عن يزيد بن رومان وعن الزهري وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم وعن محمد بن كعب القرظي وعن غيرهم من علمائنا٤ وفيه:
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧١، البداية والنهاية ٤/١١٤. ٢ الدر المنثور ٥/١٨٤، وانظر: دلائل النبوة لأبي نعيم ٤٣٣. ٣ جامع البيان ٢١/١٢٧. ٤ السند فيه ابن حميد وسلمة. الأول ضعيف والثاني صدوق كثير الخطأ أما ابن إسحاق فهو وإن كان صدوقًا يدلس إلا أنه إمام في المغازي. وقد تقدم السند في ص ٤٧ ما عدا ابن حميد وسلمة.
[ ٢٤٣ ]
"وخرج عدو الله حيي بن أخطب النضري حتى أتى كعب بن أسعد القرظي صاحب عقد بني قريظة١، وعهدهم وكان قد وادع رسول الله ﷺ على قومه عاقده على ذلك وعاهده فلما سمع كعب بحيي بن أخطب أغلق دونه باب حصنه فاستأذن عليه فأبى أن يفتح له فناداه حيي ويحك٢ يا كعب افتح لي قال ويحك يا حيي إنك امرؤ مشؤم وإني قد عاهدت محمدًا فلست بناقض ما بيني وبينه ولم أر منه إلا وفاءً وصدقًا"، قال: "ويحك افتح أكلمك". قال: "ما أنا بفاعل قال والله إن أغلقت دوني إلا عن جشيشتك٣ أن آكل معك منها فاحفظ٤ الرجل ففتح له".
فقال: "ويحك يا كعب جئتك بعز الدهر ببحر طام٥ جئتك بقريش على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بمجتمع الأسيال من رومة، وبغطفان على قادتها وسادتها حتى أنزلتهم بذنب نقمي إلى جانب أحد. قد عاهدوني
_________________
(١) ١ أي أنه كان رئيسهم وسيدهم. ٢ ويح: كلمة ترحّم وتوجّع تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها وقد يقال بمعنى المدح والتعجب وهي منصوبة على المصدر. النهاية ٥/٢٣٥. ٣ الجشيشة: طعام يصنع من الجشيش وهو البر يطحن غليظًا ثم تجعل في القدور ويلقى عليها لحم أو تمر وتطبخ. النهاية في غريب الحديث ١/٢٧٣. ٤ احفظه: أغضبه. ٥ طام: مرتفع ويريد كثرة الرجال.
[ ٢٤٤ ]
وعاقدوني على أن لا يبرحوا١ حتى نستأصل محمدًا ومن معه قال فقال له كعب جئتني والله بذل الدهر وبجهام٢ قد هراق ماؤه فهو يرعد ويبرق ليس فيه شيء ويحك يا حيي فدعني وما أنا عليه فإني لم أر من محمد إلا صدقًا ووفاءًا فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب٣ حتى سمع له على أن أعطاه عهدًا (من الله) وميثاقًا لئن رجعت قريش وغطفان ولم يصيبوا محمدًا أن أدخل معك في حصنك حتى يصيبني ما أصابك فنقض كعب بن أسد عهده وبرئ مما كان بينه وبين رسول الله ﷺ"٤.
وقد أرسل النبي ﷺ عيونه متحريًا عن نقض اليهود للعهد الذي أبرموه معه ﷺ قال ابن إسحاق:
فلما انتهى إلى رسول الله ﷺ الخبر وإلى المسلمين بعث رسول الله ﷺ سعد بن معاذ بن النعمان وهو يومئذ سيد الأوس وسعد بن عبادة بن دليم أحد بني ساعدة بن كعب بن الخزرج وهو يومئذ سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة أخو بني الحارث بن الخزرج وخوات بن جبير
_________________
(١) ١ على أن لا يتركوا أو يغادروا المكان. ٢ الجهام السحاب الرقيق الذي لا ماء فيه. ٣ هذا مثل وأصله في البعير يستعصي عليك فتأخذ القراد من ذروته وغارب سنامه وتفتل هناك فيجد لذة فيأنس عند ذلك. ٤ جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣٠.
[ ٢٤٥ ]
أخو بني عمرو بن عوف فقال انطلقوا حتى تنظروا أحق ما بلغنا عن هؤلاء القوم أم لا؟ فإن كان حقًا فالحنوا لي لحنًا١ أعرفه ولا تفتوا في أعضاد الناس وإن كانوا على الوفاء فيما بيننا وبينهم فاجهروا به للناس. قال فخرجوا حتى أتوهم فوجدوهم على أخبث ما بلغهم عنهم (فيما) ٢ نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد ولا عقد، فشاتمهم سعد ابن معاذ٣ وشاتموه، وكان رجلًا فيه حدة فقال له سعد بن عبادة دع عنك مشاتمتهم فما بيننا وبينهم أربى٤ من المشاتمة ثم أقبل سعد وسعد ومن معهما إلى رسول الله ﷺ فسلموا عليه ثم قالوا عضل والقارة أي كغدر عضل والقارة بأصحاب الرجيع خبيب وأصحابه فقال رسول الله ﷺ: "الله أكبر أبشروا يا معشر المسلمين" ٥.
_________________
(١) ١ الحنوا لي لحنا: أي قولوا لي قولًا أفهمه ويخفى على غيري. القاموس ٤/٣٦٦. ٢ قوله (فيما نالو) وعند الطبري ونالوا. ٣ فشاتمهم سعد بن معاذ (عند الطبري فشاتمهم سعد بن عبادة) وكذا عند ابن كثير في البداية ٤/١٠٤. ٤ أربى مأخوذ من الربا وهو لغة الزيادة. ٥ السيرة النبوية ٢/٢٢٠- ٢٢١- ٢٢٢ وقد ذكرت القصة في: أ- طبقات ابن سعد باقتضاب ٢/٦٧. ب- ابن كثير في البداية وفيها زيادة سأوردها فيما بعد. جـ- جامع البيان ٢١/١٢٩- ١٣١، وتاريخ الأمم الملوك ٣/٤٦، ٤٧. د- السهيلي في الروض الأنف ٣/٢٦٨. وعيون الأثر ٣/٥٩.
[ ٢٤٦ ]
وقد أورد ابن كثير هذه القصة وفيها زيادة حسنة فقال بعد أن ذكر محاورة حيي بن أخطب لكعب:
وقد تكلم عمرو بن سعد القرظي١ فأحسن فيما ذكره موسى بن عقبة.
ذكرهم ميثاق رسول الله ﷺ وعهده ومعاقدتهم إياه على نصره وقال: "إذا لم تنصروه فاتركوه وعدوّه" ثم قال٢: قال ابن إسحاق: "فلم يزل حيي بكعب يفتله في الذروة والغارب حتى سمع له - يعني في نقض عهد رسول الله ﷺ وفي محاربته مع الأحزاب ثم ساق الحديث إلى أن قال: قال موسى بن عقبة وأمر كعب بن أسد وبنو قريظة حييًا أن يأخذ لهم من قريش وغطفان رهائن تكون عندهم لئلا ينالهم ضيم إن هم رجعوا ولم يناجزوا محمدًا. قالوا وتكون الرهائن تسعين رجلًا٣ من أشرافهم فنازلهم٤ حيي
_________________
(١) ١ ذكره ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٣ وقال ابن الأثير في أسد الغابة ٤/١٠٧ عمرو بن سعد من بني قريظة نزل من حصن بني قريظة في الليلة التي صبيحتها فتح حصنهم فبات في مسجد رسول الله ﷺ حتى أصبح فلما أصبح لم يدر أين هو حتى الساعة. ٢ أي ابن كثير. ٣ هكذا عند البيهقي في الدلائل ٣/٤٤٦وعند ابن كثير في البداية ٤/١٠٣وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٣٧ أنهم طلبوا سبعين رجلًا منهم. ٤ أي التزم لهم بذلك.
[ ٢٤٧ ]
على ذلك فعند ذلك نقضوا العهد ومزقوا الصحيفة التي كان فيها العقد إلا بني سعنة١ أسد وأسيد وثعلبة فإنهم خرجوا إلى رسول الله ﷺ".
قال ابن إسحاق: "فلما انتهى الخبر إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين بعث سعد بن معاذ سيد الأوس، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ومعهما عبد الله بن رواحة وخوات بن جبير"٢. قال: "انطلقوا حتى تأتوا هؤلاء القوم فتنظروا أحق ما بلغنا عنهم فإن كان حقًا فالحنوا لى لحنًا أعرفه ولا تفتوا في أعضاد المسلمين وإن كانوا على الوفاء فاجهروا به للناس" ٣. قال٤: "فخرجوا حتى أتوهم" قال موسى ابن عقبة: "فدخلوا معهم حصنهم فدعوهم إلى الموادعة وتجديد الحلف فقالوا الآن وقد كسر جناحنا وأخرجهم يريدون - بني نضير - ونالوا من رسول الله ﷺ فجعل سعد بن عبادة يشاتهم فأغضبوه فقال له سعد بن معاذ: "والله ما جئنا لهذا ولما بيننا أكبر من المشاتمة".
_________________
(١) ١ هكذا بالنون وعند البيهقي في الدلائل ٣/٤٠١ وعند المقريزي في الإمتاع ١/٢٤٤ بالمثناة التحتانية وهم من اليهود إلا أن ابن هشام قال إنهم ليسو من بني قريظة وإنما هم من بني هدل ونسبهم فوق ذلك وهم بنو عم القوم. السيرة النبوية ٢/٢٣٨. ٢ خوات ابن جبير الأنصاري الأوسي يكنى أبا عبد الله وقيل أبو صالح وكان أحد فرسان رسول الله ﷺ. انظر: أسد الغابة ٢/١٢٥. ٣ البداية والنهاية ٤/١٠٣- ١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٤ أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤.
[ ٢٤٨ ]
ثم ناداهم سعد بن معاذ فقال: "إنكم قد علمتم الذي يبننا وبينكم يا بني قريظة وأنا خائف عليكم مثل يوم بني النضير أو أمرَّ منه فقالوا - لعنهم الله - أكلت ايرأبيك فقال غير هذا من القول كان أجمل بكم وأحسن".
وقال ابن إسحاق١: "نالوا من رسول الله ﷺ وقالوا من رسول الله؟ لا عهد بيننا وبين محمد فشاتمهم سعد بن معاذ وشاتموه وكارجلًا فيه حدةٌ "٢ وقد تقدم كلام ابن إسحاق.
تنبيه:
ذكر ابن إسحاق٣ أن الذي كان فيه حدة من السعدين ﵄ هو سعد بن معاذ. أما الطبري٤ فقد بين في كتابه أنه ابن عبادة وتبعه البيهقي٥ ونقل ابن سيد الناس عن ابن عائذ أنه سعد بن عبادة٦.
_________________
(١) ١ أي ابن كثير في البداية والنهاية ٤/١٠٤، والسيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٢ المصدر السابق ٤/١٠٣- ١٠٤، والحدة: كالنشاط والسرعة في الأمور والمضاء فيها. انظر: النهاية لابن الأثير ٣٥٢. ٣ السيرة النبوية ٢/٢٢٢. ٤ جامع البيان ٢١/١٣١، وتاريخ الأمم والملوك ٣/٤٧. ٥ دلائل النبوة ٣/٤٢٩. ٦ عيون الأثر ٢/٥٩.
[ ٢٤٩ ]
أما ابن كثير فقد اكتفى بالنقل عن ابن إسحاق وموسى بن عقبة ولم يرجح١.
أما صاحب السيرة الحلبية فقال: "فشتمهم سعد بن معاذ وهم - حلفاؤه - أي وقيل سعد بن عبادة أي وكان فيه حدة فشاتموه قال ولا مانع من وجود الأمرين" أ. هـ. ٢ وقد تابع في ذلك ابن خلدون بدليل أنهم أحلافه ومواليه٣.
أقول وهذا الذي ذكره صاحب السيرة الحلبية هو أوجه حيث أنه ذكر أنه شتمهم لأنهم حلفاؤه وإذا كانت هناك حدة فلم تذكر في ترجمتهما وإنما قد يكون المشهور بالحدة هو ابن عبادة ﵁؛ لأنه ذكر أنه كانت فيه غيرة شديدة - وهي مذكورة في كتب التاريخ والسنة- وقد يغضب ويغار عندما يسمع سب الرسول ﷺ فيشاتمهم ومن هنا قد تأتي الحدة المذكورة والأرجح أنه سعد بن معاذ ﵁ للتعليل الذي ذكره ابن خلدون وتبعه الحلبي.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٠٤. ٢ السيرة الحلبية ٢/٦٣٨. ٣ تاريخ ابن خلدون ٢/٧٧٣.
[ ٢٥٠ ]
وقال ابن كثير١: عند تفسيره لقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَأُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ ٢.
قال: "قد تقدم أن بني قريظة لما قدم جنود الأحزاب ونزلوا على المدينة. نقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد وكان ذلك بسفارة حيي بن أخطب النضري لعنه الله دخل حصنهم ولم يزل بسيدهم كعب بن أسد حتى نقض العهد".
وعند قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ . قال: "يعني بني قريظة من اليهود من بعض أسباط بني إسرائيل كان قد نزل آباؤهم الحجاز قديمًا طمعًا في إتباع النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبًا عن هم في التوراة الإنجيل. ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ ٣.
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧- ٤٧٨. ٢ سورة الأحزاب الآيتين ٢٥ - ٢٦. ٣ سورة البقرة الآية ٨٩.
[ ٢٥١ ]
وعند قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾ قال: "هو الخوف لأنهم كانوا مالؤا المشركين على حرب رسول الله ﷺ وليس من يعلم كمن لا يعلم واخافوا المسلمين وراموا قتلهم ليعزواهم - في الدنيا - ويسودوا فيها- فانعكس عليهم الحال وانقلب إليهم القتال وانشمر المشركون ففازوا بصفقة المغبون فكما راموا العز ذلوا وأرادوا استئصال المسلمين فاستؤصلوا الخ".
ثم قال في ختام ذلك: "وأضيف إلى ذلك شقاوة الآخرة فصارت الجملة أن هذه هي الصفقة الخاسرة. ولهذا قال تعالى: ﴿فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا﴾ الآية١. فالذين قتلوا هم المقاتلة والأسراء هم الأصاغر والنساء"٢. أ. هـ.
وأخيرًا أود أن أشير إلى أنه قد مر بنا في الأحاديث الصحيحة أن الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة هو الزبير بن العوام.
كما أنه مر أن الذي قام بنفس المهمة السعدان وابن رواحة وخوات بن جبير ﵃ وإزاء هذا الأشكال قال الحافظ٣:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ٢٦. ٢ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٧ - ٤٧٨. ٣ هو ابن حجر.
[ ٢٥٢ ]
"قد استشكل ذكر الزبير في هذه القصة فقال شيخنا ابن الملقن١ اعلم أنه وقع هنا أن الزبير هو الذي ذهب لكشف خبر بني قريظة والمشهور كما قاله شيخنا أبو الفتح اليعمري"٢. أن الذي توجه ليأتي بخبر القوم حذيفة كما روينا من طريق ابن إسحاق وغيره. قلت٣. وهذا الحصر مردود فإن القصة التي ذهب لكشفها غير القصة التي ذهب حذيفة لكشفها.
فقصة الزبير كانت لكشف خبر بني قريظة هل نقضوا العهد بينهم وبين المسلمين ووافقوا قريشًا على محاربة المسلمين.
وقصة حذيفة كانت لما أشتد الحصار على المسلمين بالخندق وتمالأت عليهم الطوائف، ثم وقع بين الأحزاب الاختلاف والقصة في ذلك مشهورة٤. وستأتي إن شاء الله.
_________________
(١) ١ ابن الملقن هو عمر بن علي بن أحمد بن محمد بن عبد الله الأنصاري الواد ياشي الأندلسي التكروري الأصل المصري الشافعي (أبو حفص فقيه أصولي محدث حافظ مؤرخ مشارك في بعض العلوم ولد بالقاهرة ٧٢٣هـ. وتوفي بها عام ٨٠٤هـ. انظر: الضوء اللامع ٦/١٠٠، معجم المؤلفين ٧/٢٩٧. ٢ هو ابن سيد الناس وقد تقدم في ص ٥٠. ٣ أي الحافظ ابن حجر. ٤ فتح الباري ٧/٤٠٦- ٤٠٧.
[ ٢٥٣ ]
وهذا الخلاف الذي ساقه الحافظ قد أغفل ما ذكره أصحاب المغازي والسير وقد ذكروا أن الوفد الذي تم إرساله هو السعدان ومن معهما.
ويمكن الجمع بين هذه الأقوال:
بأن الزبير بن العوام ﵁ ذهب للاستكشاف العام والملاحظة، وهل عند بني قريظة استعداد ظاهر يدل على نقضهم العهد أو لا؟، وقد عاد يقول بأنهم يصلحون حصونهم ويدربون طرقهم وقد جمعوا ماشيتهم. أما السعدان ومن معهما فكان استكشافهم خاصًا حيث دار الحوار بينهم وبين اليهود وظهر للعيان نقضهم للعهد وخبثهم.
وقد ذكر المقريزي١: "أن الرسول ﷺ بعث خوات بن جبير لينظر غرة لنبي قريظة فكمن لهم فحمله رجل منهم وقد أخذه النوم فأمكنه الله من الرجل وقتله ولحق بالنبي ﷺ فأخبره.
وفيه غرابة. ووجه الغرابة - أن اليهود وبعد نقضهم العهد ووضوح خبثهم والوقت ليس هزل بل هو وقت خوف وشدة على الجانبين وكلاهما يتمنى أن يقتل من الجانب الآخر من ظفر به فكيف
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ١/٢٢٧- ٢٢٨.
[ ٢٥٤ ]
يتسنى فعل هذا وكيف يقدم على حمل عدوه ويأمنه وهو أعلى منه والله أعلم. أما قصة حذيفة فهي واضحة لورودها في الصحيح وهي أنها كانت في اللحظات الأخيرة من الشدة والبلاء.
وبعدها نصر الله دينه ورسوله وأعز جنده وهزم الأحزاب وحده حيث عاد ﵁ يبشر الرسول ﷺ بانصراف الأحزاب وأنه رأي أبا سفيان قد ركب بعيره وهو معقول"١.
_________________
(١) ١ فقه السيرة ٣٣٣.
[ ٢٥٥ ]
الفصل الثالث: تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
الفصل الثالث: في تخذيل المنافقين للصف الإسلامي
موقف المنافقين وخذلانهم للمسلمين في الأوقات الحرجة أوقات الضيق والمواقف الصعبة بينها الله ﷾ أولًا بأول ونحن عندما نستعرض القرآن الكريم نجد وفي أول سورة منه وهي البقرة١ بين لنا الله ﷾ مبدأهم وأنهم إنما يخادعون الله بأعمالهم وما شعروا أنهم لا يخدعون إلا أنفسهم بين الله سبحانه هذا الموقف بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ﴾ ٢، وبين ﷾ أن في قلوبهم مرضًا وزادهم الله مرضًا فتأصل فيهم المرض وذلك بعد أن وضح لهم الطريق على لسان محمد ﷺ قال ابن كثير٣: "وإنما نزلت صفات المنافقين في السور المدنية لأن مكة لم يكن فيها نفاق بل كان خلافه، بين الناس من كان يظهر الكفر وهو في الباطن مؤمن فلما هاجر رسول الله
_________________
(١) ١ قيل إنها أول سورة نزلت بالمدينة ما عدا ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فقد كانت آخر ما نزل كما قيل. انظر: تفسير القرآن العظيم ١/٣٥. ٢ سورة البقرة الآتين ٧، ٨. ٣ تفسير القرآن العظيم ١/٤٧.
[ ٢٥٩ ]
ﷺ إلى المدينة وكان بها الأنصار من الأوس والخزرج، وكانوا في جاهليتهم يعبدون الأصنام على طريقة مشركي العرب، قال فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة وأسلم من أسلم من الأنصار ولم يكن إذ ذاك نفاق أيضًا؛ لأنه لم يكن للمسلمين شوكة تخاف، أقول: إن الحسد كان من مقومات نفاقهم - فلما كانت وقعة بدر العظمى وأظهر الله كلمته وأعز دينه قال عبد الله بن أبي بن سلول وكان رأسًا في المدينة وهو من الخزرج وكان سيد الطائفتين في الجاهلية وكانوا قد عزموا على أن يملكوه عليهم فجاءهم الخير وأسلموا واشتغلوا عنه فبقي في نفسه من الإسلام وأهله فلما كانت وقعة بدر قال: هذا أمر قد توجه فأظهر الدخول في الإسلام ودخل معه طوائف ممن هم على طريقته ونحلته وآخرون من أهل الكتاب فمن ثم وجد النفاق في أهل المدينة ومن حولها من الأعراب" أ. هـ.
قال١: "وقد نبه الله سبحانه على صفات المنافقين لئلا يغتر بظاهر أمرهم المؤمنون فيقع بذلك فساد عريض ولذلك قال سبحانه لنبيه موضحًا له ما ينطوون عليه من الكذب. ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ ٢.
_________________
(١) ١ أي ابن كثير. ٢ سورة المنافقين الآية١٦.
[ ٢٦٠ ]
وقال ابن القيم: "وقد هتك الله سبحانه أستار المنافقين وكشف أسرارهم في القرآن وجلى لعباده أمورهم ليكونوا منها، ومن أهلها على حذر وذكر طوائف العالم الثلاث في أول سورة البقرة المؤمنين والكفار والمنافقين فذكر في المؤمنين أربع آيات، وفي الكفار آيتين، وفي المنافقين ثلاث عشر آية لكثرتهم وعموم الابتلاء بهم، وشدة فتنتهم على الإسلام وأهله فإن بلية الإسلام بهم شديدة جدًا لأنهم منسوبون إليه وإلى نصرته وموالاته وهم أعداؤه في الحقيقة يخرجون عداوته في كل قالب يظن الجاهل أنه علم وإصلاح، وهو غاية الجهل والإفساد ثم استطرد قائلًا فلله كم من معقل للإسلام قد هدموه، وكم من حصن له قد قلعوا أساسه وخربوه وكم من علم له قد طمسوه" الخ١.
واستمر هذا الوضع الخطير حتى جاءت غزوة أحد وخرج رسول الله ﷺ لملاقاة أعدائه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم وعصاني٢ ما ندري علام
_________________
(١) ١ صفات المنافقين ١٦. ٢ يشير إلى المشاورة التي دارت قبل الخروج إلى أحد وكان من رأي كبير المنافقين القعود في المدينة ووافق الرسول مع القائلين بالخروج فأخذ من هذا حجة وذريعة.
[ ٢٦١ ]
نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس فرجع بمن إتبعه من قومه من أهل النفاق، والريب هكذا قال ابن إسحاق١ واستمر وضعهم هذا حتى جاءت هذه الغزوة - غزوة الخندق- فأنزل الله ﷾ فيهم سورة الأحزاب كما قال شيخ المفسرين وابن كثير وصاحب٢ الفتوحات الإلهية٣ أنها نزلت في المنافقين وإيذائهم رسول الله ﷺ أما الآيات من سورة الأحزاب فقد ذكر سبحانه المنافقين في تسع آيات منها حيث قال تعالى بعد أن ذكر وامتن على عباده المؤمنين بنعمته عليهم وصرف عدوهم، وبين مجئ الأحزاب والحالة الشديدة التي عاناها المسلمون والبلاء الذي امتحنهم الله به فثبت المؤمنون وانكشف أعداء الله المنافقون فقال تعالى:
١- ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ السيرة النبوية ٢/٦٤. ٢ وهو سليمان بن عمر بن منصور العجيلي المصري المعروف بالجمل ت ١٢٠٤هـ. انظر: معجم المؤلفين ٤/٢٧١. ٣ انظر: تفسير الطبري ٢١/١٣٣، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٠، والفتوحات الإلهية ٣/٤٢١. ٤ سورة الأحزاب الآية ١٢.
[ ٢٦٢ ]
٢- ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ ١.
٣- ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾ .
٤- ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ .
٥- ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
٦- ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ .
٧- ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ .
٨- ﴿أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا﴾ .
٩- ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٣. ٢ سورة الأحزاب الآيات من ١١- ٢٠.
[ ٢٦٣ ]
وسأورد ملخصًا بتفسير الآيات من تفسير ابن كثير حيث قال في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ﴾ . يقول تعالى مخبرًا عن ذلك الحال حين نزلت الأحزاب حول المدينة والمسلمون محصورون في غاية الجهد والضيق ورسول الله ﷺ بين أظهرهم أنهم ابتلوا واختبروا وزلزلوا زلزالًا شديدًا فحينئذ ظهر النفاق وتكلم الذين في قلوبهم مرض بما في أنفسهم ثم قال بعد إيراد الآية الأولى - ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ ﴾: أما المنافق فنجم نفاقه، والذي في قلبه شبهة أو حسكة لضعف حاله فتنفس بما يجده من الوسواس في نفسه لضعف إيمانه، وشدة ما هو فيه من ضيق الحال، وقوم آخرون قالوا كما قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ يعني المدينة كما جاء في الصحيح١: "أريت في المنام دار هجرتكم أرض بين حرتين فذهب وهلى٢ أنها هجر فإذا هي يثرب".
قوله: ﴿لا مُقَامَ لَكُمْ﴾ ٣. أي ها هنا يعنون عند النبي ﷺ في مقام المرابطة. أما ابن الجوزي٤ فقد قال: "إن المنافقين قالوا ذلك لكثرة العدو"
_________________
(١) ١ صحيح البخاري مع الفتح ٧/٢٢٦. ٢ الوهل - وهل إلى الشيء بالفتح يهل بالكسر وهلا بالسكون إذا ذهب وهمه إليه النهاية ٥/٣٣٣. ٣ سورة الأحزاب الآية ١٣. ٤ زاد المسير ٦/٣٥٩.
[ ٢٦٤ ]
قال: وهذا قول الجمهور قال: "وحكى الماوردي قولين آخرين أحدهما: لا مقام لكم على دين محمد فارجعوا إلى دين مشركي العرب قاله الحسن١، والثاني لا مقام لكم على القتال فارجعوا إلى طلب الأمان قاله الكلبي". أ. هـ٢.
وقوله ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال العوفي عن ابن عباس -﵄-: "هم بنو حارثة قالوا بيوتنا نخاف عليها السراق" قال ابن كثير: "وكذا قال غير واحد، قال وذكر ابن إسحاق أن القائل لذلك هو أوس بن قيظي يعني اعتذروا في الرجوع إلى منازلهم بأنها عورة أي ليس دونها ما يحجبها من العدو فهم يخشون عليها منهم ثم كذبهم الله فقال ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ﴾ أي ليست كما يزعمون ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ أي هربًا من الزحف"٣.
_________________
(١) ١ هو الحسن البصري. ٢ هو: محمد بن السائب بن بشر بن عمرو بن الحارث الكلبي (أبو النضر) مفسر أخباري نسابة راوية ولد بالكوفة وشهد دير الجماجم مع ابن الأشعث. وتوفي في الكوفة سنة ١٤٦. من آثاره تفسير القرآن وهو متهم بالكذب عند المحدثين روى له (ت فق) . انظر في ذلك: التقريب ٢٩٨، وانظر ترجمته في معجم المؤلفين ١٥/١٥. ٣ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣.
[ ٢٦٥ ]
قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا ﴾ الآيات.
قال ابن كثير: "يخبر تعالى عن هؤلاء الذين ﴿يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ الآية﴾ أنهم لو دخل عليهم الأعداء من كل جانب من جوانب المدينة وقطر من أقطارها ثم سئلوا الفتنة وهي الدخول في الكفر لكفروا سريعًا. وهم لا يحافظون على الإيمان ولا يستمسكون به مع أدنى خوف وفزع وهذا ذم لهم في غاية الذم".
ثم قال تعالى يذكرهم بما كانوا عاهدوا الله من قبل هذا الخوف أن لا يولوا الأدبار ولا يفرون من الزحف: ﴿وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ أي وأن الله تعالى سيسألهم عن ذلك العهد لابد من ذلك. ثم قال تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ ﴾ الآيات١.
_________________
(١) ١ يشير إلى أن أناسًا غابوا عن بدر ورأو ما أعز الله به دينه وما أعطى عباده من الفضل والكرامة قالوا لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن فساق الله إليهم ذلك حتى كان في ناحية المدينة فصنعوا ما قص الله عليكم قاله قتادة. انظر: الدر المنثور ٥/١٨٨ قال ابن جرير وذكر أن ذلك نزل في بني حارثة لما كان من فعلهم في الخندق بعد الذي كان منهم بأحد. جامع البيان ٢١/١٣٧.
[ ٢٦٦ ]
وقال: "يخبر تعالى عن احاطة علمه بالمعوقين لغيرهم عن شهود الحرب والقائلين لإخوانهم أي أصحابهم وعشرائهم وخلطائهم ﴿هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ أي إلى ما نحن فيه من الإقامة في الظلال والثمار وهم مع ذلك ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ويستمر ﷾ يبين لنبيه صفات هؤلاء المنافقين وأنهم من جبنهم وخوفهم ﴿يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا﴾ وذلك لضعف يقينهم والله ﷾ العالم بهم"١.
الآثار الواردة في ذلك:
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة قوله: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٢ قال: "قال ذلك أناس من المنافقين قد كان محمد يعدنا فتح فارس والروم وقد حصرنا ههنا ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته ما وعدنا ورسوله إلا غرورا٣. والأثر على ضوء هذا السند يعتبر حسنًا".
_________________
(١) ١ تفسير القرآن العظيم ٣/٤٧٣. ٢ الأحزاب الآية ١١. ٣ جامع البيان ٢١/١٣١.
[ ٢٦٧ ]
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد١ قال: "قال رجل يوم الأحزاب لرجل من صحابة النبي ﷺ يا فلان أرأيت إذ يقول رسول الله ﷺ: "إذا هلك قيصر فلا قيصر بعده، وإذا هلك كسرى فلا كسرى بعده، والذي نفسي بيده لتنفقن كنوزهما في سبيل الله" فأين هذا من هذا وأحدنا لا يستطيع أن يخرج يبول من الخوف ﴿مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ فقال له كذبت لأخبرن رسول الله خبرك قال: فأتى رسول الله ﷺ فأخبره فدعاه فقال: ما قلت؟ فقال: كذب عليّ يا رسول الله ما قلت شيئًا ما خرج هذا من فمي قط قال الله ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ مَا قَالُوا وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ﴾ حتى بلغ ﴿وَمَا لَهُمْ فِي الْأَرْضِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ﴾ قال فهذا قول الله ﴿إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةَ﴾ " ٢. والأثر ضعيف لضعف ابن زيد لكنه يتقوى بانضمام غيره إليه.
وقال: حدثنا ابن بشار٣ قال ثنا محمد بن خالد بن عثمة قال ثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني قال ثنى أبي عن أبيه قال: "خط رسول الله ﷺ الخندق وساق الحديث إلى أن قال:
_________________
(١) ١ هو عبد الرحمن بن زيد بن أسلم العدوي مولاهم ضعيف من الثامنة مات سنة اثنتين وثمانين بعد المائة. روى له الترمذي وابن ماجه. التقريب ٢٠٢. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٣. ٣ هو محمد بن بشار وقد تقدم السند.
[ ٢٦٨ ]
"فحفرنا تحت دوبار حتى بلغنا الصرى أخرج الله من بطن الخندق صخرة بيضاء مروة فكسرت حديدنا وشقت علينا فقلنا يا سلمان ارق إلى رسول الله ﷺ فأخبره خبر هذه الصخرة فإما أن نعدل عنها فإن المعدل١ قريب وإما أن يأمرنا فيها بأمره فإنا لا نحب أن نجاوز خطه فرقى سلمان حتى أتى رسول الله ﷺ وهو ضارب عليه قبة تركية٢ فقال يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا خرجت صخرة بيضاء من بطن الخندق مروة٣ فكسرت حديدنا وشقت علينا حتى ما يجئ منها قليل ولا كثير فمرنا بأمرك فإنا لا نحب أن نجاوز خطك".
فهبط رسول الله ﷺ مع سلمان في الخندق ورقينا نحن التسعة على شفة الخندق فأخذ رسول الله ﷺ المعول من سلمان فضرب الصخرة ضربة صدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها٤ يعني لابتي المدينة حتى لكأن مصباحًا في جوف بيت مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون.
_________________
(١) ١ عدل عن الطريق جار ومال. انظر: مختار الصحاح ٤١٨. ٢ لعلها مصنوعة بها فتنسب إليها. ٣ المروة هي الحجارة البيض البراقة توري النار أو أصل الحجارة. القاموس المحيط ٤/٣٩٢. ٤ اللابة هي الحرة والحرة هي الأرض ذات الحجارة السود. النهاية في غريب الحديث ٤/٢٧٤.
[ ٢٦٩ ]
وضربها رسول الله ﷺ الثانية فصدعها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحًا في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح وكبر المسلمون، ثم ضربها الثالثة فكسرها وبرقت منها برقة أضاءت ما بين لابتيها حتى لكأن مصباحًا في جوف مظلم فكبر رسول الله ﷺ تكبير فتح. ثم أخذ بيد سلمان فرقى. فقال سلمان بأبي أنت وأمي يا رسول الله لقد رأيت شيئًا ما رأيته قط فالتفت رسول الله ﷺ فقال: "هل رأيتم ما يقول سلمان؟ قالوا نعم يا رسول الله بأبينا أنت وأمنا"١.
قد رأيناك تضرب فيخرج برق كالموج فرأيناك تكبر فنكبر ولا نرى شيئًا غير ذلك قال: "صدقتم ضربت ضربتي الأولى فبرق الذي رأيتم أضاء لي منه قصور الحيرة ومدائن كسرى كأنها أنياب الكلاب فأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها. ثم ضربت ضربتي الثانية فبرق الذي رأيتم أضاء لي منها قصور الحمر من أرض الروم كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل أن أمتي ظاهر عليها.
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ٢٧٠ ]
ثم ضربت ضربتي الثالثة وبرق منها الذي رأيتم أضاءت لي منها قصور صنعاء كأنها أنياب الكلاب وأخبرني جبرائيل ﵇ أن أمتي ظاهرة عليها فأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر وأبشروا يبلغهم النصر " فاستبشر المسلمون وقالوا: الحمد لله موعود صدق بأن وعدنا الله النصر بعد الحصر. فطبقت الأحزاب فقال المسلمون: ﴿ هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ ﴾ . الآية١.
وقال المنافقون: "ألا تعجبون يحدثكم ويمنيكم ويعدكم الباطل يخبركم أنه يبصر من يثرب قصور الحيرة ومدائن كسرى وأنها تفتح لكم وأنتم تحفرون الخندق من الفرق٢. ولا تستطيعون أن تبرزوا"٣.
وأنزل القرآن ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ٤٥.وهكذا انتهى هذا الحديث الطويل مع أني اختصرت أوله؛ بل حذفته ومداره على كثير المزني وهو ضعيف كما تقدم إلا أن الحديث يتقوى بالشواهد والمتابعات.
_________________
(١) ١ سورة لأحزاب جزء من آية ١٢. ٢ الفرق: بفتح الفاء المعجمة الموحدة والراء المهملة. الخوف. مختار الصحاح ٥٠٠. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٤. ٤ سورة الأحزاب الآية ١٢. ٥ جامع البيان ٢١/١٣٤.
[ ٢٧١ ]
وقد جاء بمعناه عند النسائي١ إلا إن عنده في الضربة الثالثة قال
"فرفعت لي مدائن الحبشة" وأخرجه أبو نعيم٢. كما أخرجه البيهقي٣ بلفظ مقارب له وقد ذكره ابن كثير٤ وقال في آخره: حديث غريب.
وقد ذكر ابن كثير عن الطبراني حديثًا يقوي الحديث السابق وهو مطابق له في المعنى مخالف له في اللفظ من طريق عبد الله بن يزيد٥ وفيه قال: "فلما أتاها أخذ المعول فضرب به ضربة وكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت فارس، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط" فقال: "فتحت الروم، ثم ضرب أخرى فكبر فسمعت هدة لم أسمع مثلها قط فقال: جاء الله بحمير أعوانا وأنصارًا" الحديث٦.
_________________
(١) ١ سنن النسائي ٦/٤٣- ٤٤. ٢ في الدلائل ٣/٤٣٢. ٣ في دلائل النبوة ٣/٣٩٩. وفيه ذكر فتح الشام وفارس واليمن. ٤ البداية والنهاية ٤/١٠١. ٥ هو عبد الله المعافري أبو عبد الرحمن الحبلي بضم المهملة والموحدة - ثقة - من الثالثة مات سنة مائة بأفريقية روى له (بخ م ٤) أي البخاري في الأدب المفرد ومسلم والأربعة. ٦ البداية والنهاية ٤/١٠٠.
[ ٢٧٢ ]
قال ابن كثير: "حديث غريب من هذا الوجه وقال: عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي - أحد رجال السند- فيه ضعف- إلا أنه لم يرد فيه ذكر للمنافقين. ثم أورد حديثًا آخر عند الطبراني وهو عن عكرمة عن ابن عباس وفيه قال: "اذهبوا بنا إلى سلمان وإذا صخرة بين يديه قد ضعف عنها فقال رسول الله ﷺ: "دعوني فأكون أول من ضربها وقال بسم الله فضربها فوقعت فلقة ثلثها فقال: الله أكبر قصور الشام ورب الكعبة، ثم ضرب أخرى فوقعت فلقة فقال الله أكبر قصور فارس ورب الكعبة. فقال عندها المنافقون نحن نخندق على أنفسنا وهو يعدنا قصور فارس والروم" ١.
وقد سكت ابن كثير عن هذا الحديث أما الهيثمي٢ فقال: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح غير عبد الله بن أحمد ونعيم العنبري وهما ثقتان".
وهذه الأحاديث متقاربة المعنى ويشد بعضها بعضا.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/١٠١. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٣٢ وقد تقدم الحديث بكامله في مبحث: دور المنافقين في هذه الغزوة.
[ ٢٧٣ ]
قال الطبري: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثنى يزيد بن رومان في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ﴾ ١ الآية إلى قوله تعالى فرارا﴾ .
يقول أوس بن قيظي: "ومن كان على ذلك من رأيه من قومه٢. والسند إلى يزيد بن رومان فيه ضعف لضعف ابن حميد".
قال ابن إسحاق: "وحتى قال أوس بن قيظي أحد بني حارثة بن الحارث يا رسول الله: إن بيوتنا عورة من العدو وذلك في ملأ من قومه"أ: هـ٣.
وقال السيوطي: "وأخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر والبيهقي في الدلائل عن عروة بن الزبير ومحمد بن كعب القرظي قالا قال متعب بن قشير كان محمدًا يرى أن يأكل من كنوز كسرى وقيصر وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى الغائط.
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية رقم ١٣: ويثرب اسم للمدينة قديم فغيرها النبي ﷺ وسماها طيبة وطابة كراهية التثريب وهو اللوم والتغيير، وقيل هو اسم أرضها، وقيل سميت باسم رجل من العماليق. النهاية في غريب الحديث ٥/٢٩٢. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٥. ٣ السيرة النبوية ٣/٢٢٢، تفسير ابن كثير ٣/٤٧٣، البداية والنهاية ٤/١٠٤.
[ ٢٧٤ ]
وقال أوس بن قيظي في ملأ من قومه بني حارثة: "إن بيوتنا عورة وهي خارجة من المدينة آئذن لنا فنرجع إلى نسائنا وأبنائنا وذرارينا" فأنزل الله على رسوله حين فرغ منهم ما كانوا فيه من البلاء يذكر نعمته عليهم وكفايته إياهم بعد سوء الظن منهم ومقالة من قال من أهل النفاق: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الخ الآية١. ثم قال الطبري معقبًا على ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيّ﴾ الآية قال: "يقول تعالى ذكره: ويستأذن بعضهم رسول الله ﷺ في الإذن بالانصراف عنه إلى منزله ولكنه يريد الفرار والهرب من عسكر رسول الله ﷺ"٢.
قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِمْ مِنْ أَقْطَارِهَا﴾ أي لو دخل عليهم من نواحي المدينة ثم سئلوا الفتنة أي الشرك ﴿لَآتَوْهَا﴾ ٣ يقول: لأعطوها ﴿وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا﴾
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٥/١٨٦. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٥. ٣ قوله تعالى لآتوها: فيها قراءتان بالمد أعطوها وبالقصر جاءوها. انظر: جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧.
[ ٢٧٥ ]
يقول: "إلا أعطوها طيبة بها أنفسهم"١
وعند قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ وَكَانَ عَهْدُ اللَّهِ مَسْؤُولًا﴾ الآية٢.
وقال ﵀: حدثنا ابن حميد قال ثنا سلمة عن ابن إسحاق قال ثني يزيد بن رومان في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية وهم بنو حارثة وهم الذين هموا أن يفشلوا يوم أحد مع بني سلمة حين هما بالفشل يوم أحد ثم عاهدوا الله لا يعودون لمثلها فذكر الله لهم الذي أعطوه من أنفسهم٣. مشيرًا بذلك إلى قوله تعالى: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ ٤.
وقال السيوطي أيضا: "أخرج ابن أبي حاتم عن السدي٥ ﵁ في قوله:
_________________
(١) ١ جامع البيان ٢١/١٣٦- ١٣٧. ٢ سورة الأحزاب الآية ١٥. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٧. ٤ سورة آل عمران الآية ١٢٢. ٥ هو إسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير القرشي (أبو محمد) مفسر سكن الكوفة توفي سنة ١٢٧هـ. من آثاره التفسير. معجم المؤلفين ١/٢٧٦. وهو عند المحدثين صدوق يهم روى له (م والأربعة) وانظر في ذلك التقريب ٣٤.
[ ٢٧٦ ]
﴿وَإِذْ قَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا﴾ قال: "إلى المدينة عن قتال أبي سفيان ﴿وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ﴾ قال: "جاءه رجلان من الأنصار من بني حارثة أحدهما يدعى أبا عرابة بن أوس والآخر يدعى أوس بن قيظي فقالا يارسول الله: "أن بيوتتنا عورة يعنون أنها ذليلة الحيطان وهي في أقصي المدينة ونحن نخاف السرق فائذن لنا فقال الله ﴿وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا﴾ " الآية١.
وقال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَانُوا عَاهَدُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الْأَدْبَارَ﴾ الآية. قال: "كان ناس غابوا عن وقعة بدر ورأوا ما أعطى الله أصحاب بدر من الكرامة والفضيلة" فقالوا: "لئن أشهدنا الله قتالًا لنقاتلن فساق الله ذلك إليهم حتى كان في ناحية المدينة"٢.
هذا الأثر سنده حسن إلى قتادة حيث إن بشر العقدي صدوق ويزيد وسعيد ثقتان. وهكذا بين الله ﷾ لنبيه بأن هؤلاء الذين
_________________
(١) ١ الدر المنثور ٥/١٨٨. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٧.
[ ٢٧٧ ]
يستأذنون بأنه لن ينفعهم الفرار وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا﴾ .الآيات١.
وقال بالنسبة للمعوقين: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ ٢.
أما الآثار فقد قال الطبري ﵀: حدثنا بشر قال ثنا يزيد قال ثنا سعيد عن قتادة في قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾: "قال هؤلاء ناس من المنافقين كانوا يقولون لإخوانهم ما محمد وأصحابه إلا أكلة رأس ولو كانوا لحمًا لا لتهمهم أبو سفيان وأصحابه دعوا هذا الرجل فإنه هالك. وقوله: ﴿وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ أي لا يشهدون القتال يغيبون عنه" الخ٣. وسند هذا الأثر مثل سابقه.
وقال ﵀: حدثني يونس قال أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد في قوله:
_________________
(١) ١ سورة الأحزاب الآية ١٥، ١٦. ٢ سورة الأحزاب الآية ١٧. ٣ جامع البيان ٢١/١٣٩.
[ ٢٧٨ ]
﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ﴾ الخ الآية قال: "هذا يوم الأحزاب انصرف رجل من عند رسول الله ﷺ فوجد أخاه بين يديه شواء ورغيف ونبيذ فقال له أنت ههنا في الشواء والرغيف والنبيذ ورسول الله ﷺ بين الرماح والسيوف؟ فقال: "هلم إلى هذا فقد بلغ بك وبصاحبك والذي يحلف به لا يستقبلها١ محمد أبدًا فقال كذبت والذي يحلف به" قال: "وكان أخاه من أبيه وأمه أما والله لأخبرن النبي ﷺ أمرك".
قال وذهب إلى رسول الله ﷺ ليخبره قال فوجده قد نزل جبرائيل ﵇ يخبره ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ﴾ ". الخ٢.
سند هذا الأثر ضعيف لضعف ابن زيد وكون يونس - صدوق يخطئ أما ابن وهب فهو ثقة وقد ذكره السيوطي عن أبن أبي حاتم ينفس اللفظ٣.
_________________
(١) ١ قال في جامع البيان ٢١ (هامش ١٣٩ قال كذا في الأصل وفي الدر المنثور للسيوطي - لا يستقي لها- وما ذكره السيوطي ليس بواضح والذي ذكره الطبري أوضح نوعًا ما ومعناه والله أعلم: أن محمدًا وأصحابه مهزومون لا محالة ولا يمكن أن يستقبل هذه الجموع مرة أخرى. ٢ جامع البيان ٢١/١٣٩. ٣ الدر المنثور ٥/١٨٨.
[ ٢٧٩ ]