الفصل الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم النسبية بقبائل المدينة
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
لا بد من التعريف ببني المصطلق وبيان حدود ديارهم التي قطنوها قبل الكلام على الغزوة وما جرى فيها. وسوف يشتمل هذا التعريف على مبحثين:
المبحث الأول: نسب عشيرة بني المصطلق، وصلتهم بقبائل المدينة المنورة
والحديث عن نسب قبيلة بني المصطلق ينحصر فيما يلي:
أولا: سياق نسب الحارث بن أبي ضرار قائد هذه القبيلة والمتحدث عنها.
ثانيًا: سياق نسب المصطلق الذي هو أصل هذه القبيلة ومنه تفرعت.
ثالثًا: بيان المتفق عليه من نسب هذه القبيلة والمختلف فيه، مع ذكر وجهة نظر كل فريق، وتحقيق المقام في ذلك حسب الإمكان.
فالحارث: هو ابن أبي ضرار بن حبيب بن عائذ بن مالك بن جذيمة١.
_________________
(١) ١ الاستيعاب لابن عبد البر مع الإصابة٤/٢٥٨، والروض الأنف للسهيلي ٦/٤٣٥، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٤٠٠ و٧/٥٦. وذكر ابن حجر وابن الأثير في موضع من أسد الغابة (الحارث) بين حبيب وعائذ، وسمى ابن حجر (حبيبًا) خبيبًا بالخاء المعجمة. انظر: أسد الغابة١/٤٠٠والإصابة ١/٢٨١، ومعجم قبائل العرب لكحالة ٣/١١٠٤، وجذيمة: بجيم مضمومة فذال معجمة مفتوحة فتحتانية ساكنة. انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦.
[ ٤٥ ]
وجذيمة هو: "المصطلق بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمر بن عامر ماء السماء، بطن من خزاعة"١.
وعمرو بن ربيعة هو أبو خزاعة كلها٢.
والمتفق عليه في هذا كون بني المصطلق من خزاعة، وكون خزاعة من ولد عمرو بن لحي٣٤ ولخلاف في نسب عمرو بن لحي على قولين:
القول الأول: ذهب أكثر العلماء إلى أن عمرو بن لحى من قحطان وهو: عمرو بن لحيى بن حارثة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرء القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان.
واستدلوا بما يأتي:
١- أن هذا قول أكثر علماء النسب وهم أعرف بذلك من غيرهم لأن هذا من اختصاصهم.
٢- أن هذا هو قول خزاعة أنفسهم، فكانت تقول: نحن بنو عمرو بن عامر من اليمن٥.
_________________
(١) ١ أسد الغابة ٧/٥٦، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٣/٢١٩-٢٢٠ وفتح الباري ٥/١٧١ و٧/٤٣٠، وتاج العروس للزبيدي ٦/٤١٢، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٦. وخزاعة: بضم الخاء المعجمة وفتح الزاي المخففة. ٢ انظر: أسد الغابة ٧/٥٦، ونهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، وقلائد الجمان للقلقشندي ص٩٨، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨. ٣ لحيى: باللام والمهملة مصغرًا فتح الباري ٦/٥٤٧. ٤ نهاية الأرب للنويري ٢/٣٣٢، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ١/٤٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٧، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨. ٥ انظر: سيرة ابن هشام ١/٩١. المصطلق: بضم الميم وسكون الصاد المهملة وفتح الطاء المشالة المهلمة المبدلة من التاء لأجل الصاد وكسر اللام بعدها قاف، وهو لقب جذيمة بن سعد، لقب بذلك لحسن صوته وهو أول من غنى من خزاعة (شرح المواهب اللدنية ٢/٩٦) .
[ ٤٦ ]
٣- علة التسمية بخزاعة وهو من التخزع وهو التأخر والمفارقة، وذلك أن خزاعة انخزعت من ولد عمرو بن عامر حين أقبلوا من اليمن يريدون الشام، فنزلت خزاعة بمر الظهران فأقامت بها.
ولذا قال عون بن أيوب الأنصاري في الاسلام:
فلما هبطنا بطن مر تخزعت
خزاعة منا في حلول١ كراكر٢
فعلى هذا تكون خزاعة٣ قحطانية يمنية، وجمهور العلماء على أن العرب القحطانية من اليمن وأنهم ليسوا من سلالة إسماعيل ﵇.
القول الثاني: أن خزاعة قبيلة عدنانية من ولد قمعة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. وإليه ذهب ابن اسحاق وابن حزم وابن عبد البر وابن خلدون وغيرهم٤.
واستدلوا على ذلك بأحاديث اقتصر منها على حديثين:
الأول: حديث أبي هريرة ﵁: أن رسول الله صلى الله عليه
_________________
(١) (حلول): الحلول: البيوت الكثيرة، وروى (خيول) و(كراكر): جماعات انظر التعليق على سيرة ابن هشام ١/٩٢. ٢ سيرة ابن هشام ١/٩١-٩٢، وشفاء الغرام بأخيار البلد الحرام ٢/٤٥، و٤٧، والبداية والنهاية لابن كثير ٢/١٥٦، و١٦١، ١٨٥، ١٨٧-١٨٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، والأعلام للزركلي ٢/٣٤٨. ٣ ذكر ابن كثير أن خزاعة انْتَزعت ولاية البيت من جرهم لما بغت وأكثرت الفساد والإلحاد في البلد الحرام، وأن ولاية البيت استمرت في خزاعة ثلاثمائة سنة، وقيل: خمسمائة سنة، يتوارثون ذلك كابرًا عن كابر حتى كان آخرهم حليل بن حبشية ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة الخزاعي، الذي تزوج قصيّ بن كلاب على ابنته حبى بنت حليل بن حبشية. وأن ولاية البيت صارت إليه بعد حليل قيل بوصية من حليل، وقيل: إن قصيًّا استغاث بأخوته من أمه وبني كنانة وقضاعة وقبائل من قريش على خزاعة، فأجلاهم عن ولاية البيت. انظر: البداية والنهاية ٢/١٥٦٥، و١٨٥، و١٨٧، ٢٠٥، ٢٠٦، ٢٠٧، وانظر: فتح الباري ٦/٥٣٤، و٥٤٨. ٤ سيرة ابن هشام ١/٧٦، وجمهرة أنساب العرب لابن حزم ص: ٤٨٠، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣١٥، وشفاء الغرام بأخبار البلد الحرام ٢/٤٤، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨.
[ ٤٧ ]
وسلم قال: "عمرو بن لُحيّ بن قَمَعَة بن خِنْدَف أبو خزاعة" ١.
الثاني: حديث سلمة بن الأكوع ﵁ قال: مر النبي ﷺ على نفر من أسلم٢ينتضلون٣، فقال النبي ﷺ: "ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان راميًا" الحديث٤.
وبهذين الحديثين وغيرهما ذهب هؤلاء العلماء وغيرهم إلى أن خزاعة قبيلة عدنانية، والظاهر أن خزاعة قبيلة قحطانية يمنية وهو المعروف عند أكثر العلماء.
وهذه الأحاديث التي استدل بها من قال بأن خزاعة من بني إسماعيل محتملة للتأويل، ولذا فقد أجاب عنها العلامة الهمداني: بقوله: "أما وصفهم بأنهم بنو إسماعيل فلا يدل أنهم من ولد إسماعيل من جهة الآباء، بل يحتمل أن يكون ذلك من جهة الأمهات، لأن القحطانية والعدنانية، قد اختلطوا بالمصاهرة"٥. فعلى هذا فتكون خزاعة من بني إسماعيل من جهة الأمهات فقط. وهو جمع وجيه.
وقال ابن حجر نقلًا عن ابن الكلبي: "لما تفرق أهل سبأ بسبب سيل العرم نزل بنو مازن على ماء يقال له غسان، فمن أقام به منهم فهو غساني، وانخزعت منهم بنو عمرو بن لحي عن قومهم فنزلوا مكة. وما حولها فسموا خزاعة، وتفرقت سائر الأزد".
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٤/١٤٧ كتاب المناقب (باب قصة خزاعة) واللفظ له، ومسلم ٨/١٥٥ (كتاب الجنة) . ٢ الشاهد من هذا كون أسلم من خزاعة وقد نسبها رسول الله ﷺ إلى إسماعيل ﵇. ولذا بوب البخاري بقوله باب نسبة اليمن إلى إسماعيل ثم قال: "منهم أسلم ابن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر من خزاعة" ٤/١٤٤ كتاب المناقب. ٣ ينتضلون: يرتمون بالسهم: يقال: انتضل القوم وتناضلوا: أي رموا اللسيق. انظر: النهاية لابن الأثير ٥/٧٢. ٤ صحيح البخاري ٤/٣٠ كتاب الجهاد/باب التحريض علىالرمي و٤/١١٧ كتاب أحاديث الأنبياء/ باب ﴿وَاذْكُرُوا﴾ في الكتاب إسماعيل و٤/١٤٤ كتاب المناقب، باب نسبة اليمن إلى إسماعيل. ٥ فتح الباري ٦/٥٣٩.
[ ٤٨ ]
ثم قال ابن حجر: "ووقع في حديث الباب١ أنه عمرو بن لحي بن قمعة بن خِنْدَف٢، وهذا يؤيد قول من يقول إن خزاعة من مضر، وذلك أن خندف اسم امرأة إلياس بن مضر، واسمها ليلى بنت حلوان بن عمران ابن الحاف بن قضاعة. واشتهر بنوها بالنسبة إليها دون أبيهم، لأن إلياس لما مات حزنت عليه حزنًا شديدًا بحيث هجرت أهلها ودارها وساحت في الأرض حتى ماتت، فكان من رأى أولادها الصغار يقول من هؤلاء؟ فيقال: بنو خندف، إشارة إلى أنها ضيعتهم " إلى أن قال: "وجمع بعضهم بين القولين أعني نسبة خزاعة إلى اليمن وإلى مضر، فزعم أن حارثة بن عمرو لما مات قمعة بن خندف كانت امرأته حاملًا بلحي فولدته وهي عند حارثة فتبناه فنسب إليه، فعلى هذا فهو من مضر بالولادة، ومن اليمن بالتبني".
والخلاصة: أنه اختلف في نسب خزاعة فمنهم من يراها قحطانية من جهة الآباء. ومنهم في قال بأنها قحطانية بالتبني. والذي يظهر أن خزاعة قبيلة يمنية قحطانية. فقد ذكر ابن حجر: حول قول البخاري: "باب نسبة اليمن إلى إسماعيل" منهم أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ابن خزاعة - قوله: (ابن حارثة بن عمرو بن عامر) أي: ابن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد، ثم أورد قول الرشاطي المصرح بأن الأزد من قحطان وأن من قبائل الأزد الأنصار وخزاعة فقال:
_________________
(١) ١ انظر: الحديث ص ٢٩. ٢ قمعة: بفتح القاف والميم بعدها مهملة خفيفة، وخندف: بكسر المعجمة وسكون النون وفتح الدال بعدها فاء. انظر: القاموس المحيط للفيروز أبادي ٣/٧٤ و١٣٩، وفتح الباري ٦/٥٤٨، وفي لسان العرب ١٠/٤٤٧، قال: الخندفة: مشية كالهرولة ومنه سميت فيما – زعموا – خندف امرأة إلياس بن مضر بن نزار واسمها ليلى بنت حلوان فغلبت نسبة أولادها من إلياس إليها، وذكروا إن إبلا لإلياس انتشرت ليلًا فخرج مدركة في بغائها فردها فسمي مدركة، وخندفت الأم في أثره أي أسرعت فسميت خندف، وقعد طابخة يطبخ القدر فسمي طابخة وانقمع قمعة في البيت فسمي قمعة، وقالت خندف لزوجها ما زلت أخندف في أثركم فقال لها: فأنت خندف فذهب لها اسمًا ولولد نسبًا وسميت بها القبلية.
[ ٤٩ ]
"قال الرشاطي١: "الأزد جرثومة من جراثيم قحطان، وفيهم قبائل، فمنهم الأنصار وخزاعة وغسان وبارق وغامد والعتيك، وغيرهم، وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشجب بن يعرب ابن قحطان٢"".
وهناك من ذهب إلى أن اليمن وعدنان الجميع من ولد إسماعيل ﵇ كما هو صنيع البخاري في تبويبه وإيراه الأحاديث المؤيدة لقوله ومنها حديثا الباب٣. وعلى هذا فلا اعتراض على نسبة أسلم أو خزاعة إلى العدنانية.
غير أن كون اليمن من ولد إسماعيل فيه نظر وذلك لما ورد عند أحمد وغيره، وهذا نصه عند أحمد: حدثنا أبو أحمد محمد بن عبد الله بن الزبير، قال: ثنا مسعر٤ عن عبيد٥ بن حنين بن حسن عن ابن معقل٦ عن عائشة: "أنها كان عليها رقبة من ولد إسماعيل فجاء سبي من اليمن من خولان فأرادت أن تعتق منهم ٧.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن علي بن عبد الله بن علي بن أحمد الحافظ النسابة أبو محمد اللخمي المري المعروف بالرشاطي، روى عن أبي علي الغساني وأبي علي الصدفي وابن فتحون وجماعة وعنه أبو محمد عبيد الله وابن مضار وأبو بكر بن أبي جمرة وابن خالد بن رفاعة وغيرهم. قال الذهبي: ألف كتابه الحافل المسمى باقتباس الأنوار والتماس الأزهار في أنساب رواة الآثار، وكتاب الإعلام لما في المختلف والمؤتلف للدراقطني من الأوهام الخ، ولد سنة ٤٠٦هـ واستشهد عند دخول العدو المرية في جمادى الآخرة سنة ٥٤٢هـ وكان مولده سنة ٤٠٦ وقال ابن عاف في سنة ٤٦٥ والأول أصح. تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٠٧، والبداية والنهاية لابن كثير ١٢/٢٢٣، ومعجم المؤلفين لكحالة ٦/٩٠. ٢ فتح الباري ٦/٥٣٩. ٣ انظر ص ٤٧. ٤ هو ابن كدام. ٥ عبيد بن الحسن المزني أو الثعلبي أبو الحسن الكوفي، ثقة. والظاهر أن لفظ (ابن حنين) خطأ. انظر: التقريب ١/٥٤٢، وتهذيب التهذيب ٧/٦٢. ٦ ابن معقل: بفتح أوله وسكون المهملة بعدها قاف هو عبد الله بن مقرن المزني. التقريب ١/٤٥٣. ٧ مسند أحمد ٦/٢٦٣.
[ ٥٠ ]
الحديث رجاله رجال الصحيح.
وفي مجمع الزوائد رواه أحمد والبزار بنحوه. ورجال أحمد رجال الصحيح١.
ففي هذا الحديث دلالة واضحة على أن القحطانيين لا ينحدرون من إسماعيل ﵇.
وقال محمد السفاريني حول حديث سلمة بن الأكوع المتقدم٢: "ظاهر الحديث أن أسلم من ولد إسماعيل ﵇".والمشهور أنهم من قحطان وهم بطن من خزاعة القحطانية.
ويدل على أنهم من قحطان: أنه لما وفد على النبي ﷺ عمرو٣ بن أفصى في عصابة من أسلم، فقالوا: "قد آمنا بالله ورسوله، واتبعنا مِنْهاجَك، فاجعل لنا عندك منزلة تعرف العرب فضيلتنا، فإنا أخوة الأنصار، ولك علينا الوفاء، والنصر في الشدة والرخاء، فقال رسول الله ﷺ: "أسلم سالمها الله" ٤.
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد للهيثمي ١٠/٤٦-٤٧، وفتح الباري ٥/١٧٢- ١٧٣ والحديث رواه الحاكم في المستدرك ٢/٢١٦ عن عائشة من طريقين: الأولى: عن مسعر عن عبيد بن الحسن كرواية أحمد. والثانية: عن شعبة عن عبيد بن الحسن به. وقال في الطريق الثانية: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، ووافقه الذهبي. ٢ انظر: ص ٤٨. ٣ لم أجد هذا الاسم بعد مراجعة طبقات ابن سعد وتاريخ البخاري الكبير والصغير، والاستيعاب، وأسد العابة، والإصابة، كما أني راجعت سيرة ابن هشام، وتاريخ الطبري، وابن كثير، فلم أجد هذا الاسم في جملة من وفد على رسول الله ﷺ. ٤ شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٨٠١. وانظر: الحديث في صحيح البخاري ٤/١٤٥ كتاب المناقب، باب ذكر أسلم وغفار ومزينة..الخ، وصحيح مسلم٧/١٧٨كتاب الفضائل من حديث عبد الله بن عمر. ونصه: أن رسول الله ﷺ قال على المنبر: "غفار غفر الله لها وأسلم سالمها الله وعصية عصت الله ورسوله" لفظ البخاري.
[ ٥١ ]
صلة بني المصطلق بقبائل المدينة المنورة:
أما صلة بني المصطلق بقبائل المدينة فإن الجميع يرجعون إلى الأزد القبيلة اليمانية المشهورة١.
إذ إن الأوس والخزرج ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو بن عامر بن حارثة بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن عبد الله بن الأزد بن الغوث ابن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان٢.
زاد ابن قتيبة: "ابن سبأ وهما ابنا قبيلة نسبا إلى أمهما وهما الأنصار"٣.
والمصطلق: هو جذيمة بن سعد بن عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو بن عامر وهو الجد الثاني بالنسبة للأوس والخزرج، والجد الرابع بالنسبة للمصطلق، فالأوس والخزرج وبنو المصطلق يجتمعون فيه٤.
وذكر ابن حزم بأن الأزد بن الغوث ينتهي نسبه إلى قحطان.
ثم قال: "وللأزد قبائل وهي الأنصار: وهم بنو الخزرج والأوس ابني حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف ابن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد بن الغوث"٥.
ولم يذكر خزاعة في قبائل قحطان لأنه يرى أنها قبيلة عدنانية كما تقدم٦.
وقد وافق النويري ابن حزم في سياق نسب عمرو مزيقياء وأنه ينتهي إلى الأزد بن الغوث غير أنه ذكر أن امرئ القيس يلقب البطريق وأن ثعلبة يلقب العنقاء وذكر بين مازن والأزد غسانًا وأنه يلقب بالسراج. ثم بين أن عقب عمرو مزيقياء يشكلون أفخاذًا ستة٧.
يهمنا منها ثعلبة وهم بطن الأنصار، وحارثة وهم بطن خزاعة٨ وكذلك
_________________
(١) ١ في القاموس المحيط ١/٣٧٤ (أزد بن الغوث) وبالسين أفصح أبو حي باليمن ومن أولاده: الأنصار كلهم، ويقال: أزد شنئوة وعمان والسراة. ٢ انظر: طبقات خليفة ص ٧٦. ٣ ابن قتيبة: المعارف ص ٤٩. ٤ خليفة: الطبقات ص ١٠٧ وابن قتيبة: المعارف ص ٤٩. ٥ جمهرة أنساب العرب ص ٤٨٤. ٦ انظر ص ٤٧. ٧ بقية الأفخاذ هم جفنة وعمران ومحرق وكعب. ٨ نهاية الأرب ٢/٣٢٩.
[ ٥٢ ]
قرر القلقشندي أن الأوس والخزرج وخزاعة كلهم في الأزد.
إذ بين بأن الأوس والخزرج هما ابنا حارثة بن ثعلبة بن عمرو مزيقياء١، وخزاعة هم بنو عمرو بن ربيعة بن حارثة بن عمرو مزيقياء. وإن الجميع يرجعون للأزد٢.
وبذلك يتضح أن بني المصطلق لهم رابطة قوية بأهل المدينة المنورة هي رابطة النسب والرحم. إذ عرفنا أن بني المصطلق بطن من خزاعة بلا نزاع.
_________________
(١) ١ قلائد الجمان ص ٩٣ ومزيقياء: بمضمومة وفتح زاي وسكون مثناة تحت وكسر قاف وفتح تحتية أخرى ومد همزة. (المغني لمحمد طاهر الهندي ص ٧١) . وفي القاموس المحيط٣/٢٨٣ قال: ومزيقياء لقب عمرو بن عامر ملك اليمن كان يلبس كل يوم حلتين ويمزقهما بالعشي يكره العود فيهما ويأنف أن يلبسهما غيره. ٢ قلائد الجمان ص ٩٨.
[ ٥٣ ]
المبحث الثاني: ديار بني المصطلق
أما المنطقة التي كانت تسكنها بنو المصطلق فقد عرفنا مما تقدم أن بني المصطلق بطن من خزاعة.
وبالتالي نستطيع تحديد المنطقة التي كانت تقطنها خزاعة قبل مجيء الإسلام وبعده.
ومن خلال تحديد مساكن خزاعة نعرف أماكن بني المصطلق.
وتذكر كتب التواريخ من مساكن بني المصطلق قديدًا١ فقط حيث وقعت فيه غزوة رسول الله ﷺ لهم.
وانفرد أبو إسحاق الحربي بذكر عسفان٢ على أنها من مساكن بني المصطلق٣. ولكن المؤرخين وغيرهم ذكروا ديار خزاعة، وبنو المصطلق منهم، فديارها ديارهم
_________________
(١) ١ قديد: تصغير قد وانظر تحديدها ص ٥٦. ٢ عسفان، كعثمان، وانظر تحديدها ص ٥٥. ٣ كتاب المناسك للحربي ص٤٦٣،والقاموس المحيط٢/١٣٣،وتاج العروس ٣/٥٣٩.
[ ٥٣ ]
ويتبين مما ذكرته المصادر أن منازل خزاعة تقع بمكة وما حولها. كما أنهم يشاركون بني ضمرة في جبل الأبواء. وقد سمت المصادر من منازلهم ما يأتي:
(أ) مر الظهران١:
قال الحربي: "بينها وبين مكة ثلاثة عشر ميلًا"٢ وحددها ياقوت وابن منظور والفيروز آبادي والزبيدي بمرحلة٣.
وقال الأسدي٤ والسمهودي: "بين مكة ومر الظهران سبعة عشر ميلًا"٥.
ويتضح لنا مما تقدم أن تحديد المسافة بين مر الظهران ومكة بمرحلة هو الصحيح، وأما ما ذكره الحربي من تحديد هذه المسافة بثلاثة عشر ميلًا فهو خطأ وكذلك ما نقله ياقوت عن الواقدي بأن المسافة بين مر الظهران ومكة خمسة أميال خطأ أيضًا٦ إذ أن ياقوتًا نفسه حد السفر الذي تجوز فيه قصر الصلاة بثمانية وأربعين ميلًا٧.
فتكون المرحلة أربعة وعشرين ميلًا. فيكون الفرق شاسعًا بين تحديد هذه المسافة بمرحلة وبين قول الحربي، وقول الواقدي من باب أولى.
والذي يظهر من هذا أن المسافة بين مكة ومر الظهران هي مرحلة إلاّ ربع مرحلة، وينطبق هذا على تحديد الأسدي والسمهودي.
_________________
(١) ١ مر الظهران هو وادي فاطمة بينه وبين مكة ٣٠ كلم. (ومر) بفتح الميم وتشديد الراء المضمومة، (والظهران) تثنية ظهر، وهي من ديار خزاعة. ٢ كتاب المناسك للحربي ص ٤٦٥. ٣ معجم البلدان ٥/١٠٤، ولسان العرب ٧/١٧، والأم للشافعي ٥/١٣٤. ٤ هو أبو عبد الله محمد بن أحمد بن عبد الله الأسدي، هكذا قال عنه السمهودي وقال لا يعرف زمنه غير أنه يعتقد أنه من أهل القرن الثالث. انظر: مقدمة حمد الجاسر لكتاب الحربي ص ٢٦٢ و٢٦٧. ٥ ص٤٦٥ تعليق على كتاب المناسك للحربي، وخلاصة الوفاء ص ٤٨٢. ٦ معجم البلدان ٥/١٠٤. ٧ المصدر السابق ١/٣٥.
[ ٥٤ ]
ويؤيد هذا القول أن المسافة الآن بين مكة ومر الظهران ثلاثون كيلو مترًا. والمرحلة أربعون كيلو مترًا كما قرر ذلك صاحب تيسير العلام١.
والفرق يسير بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعًا، إذا نظرنا إلى اختلاف الناس في سرعة السير، وعدمه.
فقد قطع بعضهم المسافة بمرحلة، ويقطعها غيره بأقل من ذلك. لا سيما أن الفرق بين تحديدها بمرحلة أو مرحلة إلاّ ربعًا، وهو سبعة أميال أو عشرة كيلو مترات.
وعلى كل حال فأقرب تحديد لهذه المسافة هو ما بين مرحلة أو مرحلة إلاّ ربعًا، لاختلاف الناس سرعة وبطأ.
(ب) عُسْفان٢:
ذكر الحربي نقلًا عن أبي٣ إسحاق البكري: "أن تحديد المسافة بين عسفان ومر الظهران ثلاثة وعشرون ميلًا وهي لني المصطلق من خزاعة"٤.
ونقل ياقوت عن السكري٥ وغيره تحديد المسافة بين مكة وعسفان بمرحلتين٦.
وهو أيضًا قول الفيروز آبادي والزبيدي٧.
وبهذا تكون المسافة بين عسفان ومكة مرحلتين. وهو موافق لتحديدها
_________________
(١) ١ تيسير العلام شرح عمدة الأحكام لعبد الله بن عبد الرحمن بن صالح آل بسام ١/٥٠٠- ٥٠٢. ٢ تبعد عسفان عن مر الظهران (وادي فاطمة) ٥٠ كيلو مترًا شمالًا وعن مكة ٨٠ كيلو مترًا. انظر: نسب حرب للبلادي ص ٣٧٠. ٣ أبو إسحاق البكري: هو إبراهيم بن إسحاق بن محمد بن زكريا بن طلحة بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. مقدمة كتاب المناسك للحربي ص ١٥. ٤ كتاب المناسك ص ٤٦٣. ٥ السكري: هو الحافظ أبو سعد علي بن موسى النيسابوري، معدود في حفاظ خرسان (ت ٤٦٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٦١. ٦ معجم البلدان ٤/١٢١ - ١٢٢. ٧ القاموس المحيط ٣/١٧٥، وتاج العروس ٦/١٩٨.
[ ٥٥ ]
بالكيلومترات إذ إن بين عسفان ومكة ثمانين كيلومترًا، وتقدم١ لنا تحديد المرحلة بأربعين كيلومترًا.
(ج) خليص - كربيز -:
ذكر الزبيدي أنها تبعد عن مكة بثلاث مراحل٢.
والذي يظهر أنها تبعد عن مكة بمرحلتين ونصف مرحلة؛ لأن بينها وبين مكة الآن ١٠٠ ك م، وهي تساوي مرحلتين ونصف٣ مرحلة وذكر الحربي المسافة بين خليص وقديد، وأنها تبعد عن قديد من جهة مكة بثمانية أميال٤.
(د) قديد٥:
ذكر الحربي أن المسافة بينها وبين عسفان ثلاثة وعشرون ميلًا، وفيها هضبة يقال لها المشلل كان بها مناة الطاغية٦
فعلى هذا تكون المسافة بين قديد ومكة ثلاث مراحل؛ لأن عسفان على مرحلتين من مكة٧.
(هـ) الجحفة:
بينها وبين قديد أربعة وعشرون ميلًا، وبينها وبين البحر نحو من ستة٨ أميال. هكذا ذكر الحربي٩.
_________________
(١) ١ تقدم ص ٥٥. ٢ تاج العروس ٤/٣٨٩. ٣ انظر: نسب حرب للبلادي ص ٣٥٧. ٤ كتاب المناسك ص ٤٦٠. ٥ قديد (يقع شمال خليص بـ١/٢ ١٣ كيلو مترات، لأن الحربي ذكر أن المسافة بين خليص وقديد ثمانية أميال، والميل يساوي ٢/٣ ١ كيلومترات، وبقديد ماء المريسيع الذي غزاهم الرسول ﷺ، وكديد غير قديد وهو جنوب بـ ٤٢ كيلو متر. ٦ كتاب المناسك ٤٥٨ –٤٦٠. ٧ انظر: ص٥٥. ٨ تقدر الستة الأميال: بـ ١٠ كيلو مترات، وانظر تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١. ٩ كتاب المناسك ص ٤٥٧ و٤٥٩.
[ ٥٦ ]
وبهذا يتضح أن الحربي يرى أن المسافة بين الجحفة ومكة أربع مراحل وهو قول ياقوت١.
ونقل ياقوت أيضًا عن السكري: أن المسافة بينها وبين مكة ثلاث مراحل، وبهذا قال النووي٢.
ونص ابن حزم على أنها تبعد عن مكة باثنين وثمانين ميلًا. وهو يساوي ثلاث مراحل ونصفًا إلاّ ميلين٣. وتبعه على هذا الفيروز آبادي والزبيدي٤.
وقرر ابن حجر أن بينها وبين مكة خمس مراحل أو ست٥.
والصحيح أن المسافة بين الجحفة ومكة خمس مراحل، وقد نص على هذا المعاصرون من أهل هذه البلاد وهو أعرف بها من غيرهم٦.
(و) الأبواء:
ومن المنازل التي استقرت فيها خزاعة قرية الأبواء التي كانت في العهد الإسلامي الأول تابعة إداريًا للفرع٧ التي تتبع بدورها المدينة المنورة.
والأبواء جبل مرتفع ليس فيه سوى نبات الخزم والبشام، سميت به القرية وهي لأخلاط من الناس. منهم خزاعة وضمرة.
_________________
(١) ١ معجم البلدان ٢/١١١. ٢ المصدر السابق ٢/١١١، وشرح صحيح مسلم ٣/٢٥٢. ٣ المحلى ٧/٦٣. ٤ القاموس المحيط ٣/١٢١،وتاج العروس ٦/٥٣. ٥ فتح الباري ٣/٣٨٥. ٦ انظر: تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٠١، وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢. ٧ الفرع: قال حمد الجاسر والفرع: بضم الفاء وإسكان الراء وقيل بضمهما عمل واسع من أعمال المدينة لا يزال معروفًا بهذا الاسم وفيه قرى كثيرة. انظر: التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٣٤١. وذكر البلادي أن الفرع قرية نسب الوادي إليها وهو واد خصب أكثر أودية الحجاز اليوم عيونًا ويجتمع مع القاحة في وادي الأبواء. ويطلق عليه الآن (وادي النخل) وهو لنبي عمرو بن حرب، ولذا يطلق عليه أيضًا وادي بني عمرو لأنهم سكانه. وهو يبعد عن المدينة المنورة جنوبًا ١٥٠ كيلو مترًا. نسب حرب لعاتق البلادي ص ٣٧٦ – ٣٧٧.
[ ٥٧ ]
وتقع شمال الجحفة بثلاثة وعشرين ميلًا، هكذا نص الحربي. وهو قول ياقوت١ وبهذا تكون المسافة بين الجحفة والأبواء ثلاثة وعشرين ميلًا، وهكذا أقر هذا التحديد من المعاصرين محمد أحمد باشميل وعبد الله آل بسام. وعلى هذا فتكون المسافة بينها مرحلة إلاّ ميلًا واحدًا.
وذكر عبد الرحمن السعدي بأن الأبواء هي المسماة (مستورة) الآن. وتعبقه عبد الله آل بسام بقوله: "قد تحققنا من أهل تلك البلاد أن الأبواء تقع عن مستورة شرقًا بنحو ثلاث كيلومترات، وأن سيلهما واحد، ويسقيهما وادي النخل"٢.
وعلى هذا فتكون المسافة بين الأبواء ومكة ست مراحل٣.
لأنه تقدم لنا أن الجحفة٤ تبعد عن مكة بخمس مراحل. وعرفنا أيضًا أن الأبواء ليست لخزاعة٥ وحدهم.
_________________
(١) ١ كتاب المناسك ص ٤٥٤،ومعجم البلدان ١/٧٩، وانظر فتح الباري ٧/٢٧٩. ٢ تيسير العلام شرح عمدة الأحكام ١/٥٨٤،وغزوة بدر لباشميل ص ١٣٢، الأبواء: بالفتح ثم السكون وواو وألف ممدودة. ٣ تقدر الست المراحل بـ ٢٤٠ كيلو مترًا. وقد ذكر البلادي أن الأبواء تقع شمال مكة بـ ٢٣٥ كيلومترًا والأمر سهل. وذكر أيضًا أن الأبواء الآن تسمى (الخريبة) تصغير خربة وهناك قبر آمنة أم النبي ﷺ وأن سكانها في وقتنا الحاضر بنو محمد من حرب. نسب حرب ص ٢٩ و٧١ و٣٣١. ٤ هي من مواقيت الحج المكانية ورد ذكرها في حديث ابن عباس وابن عمر في الصحيحين وغيرهما أن رسول الله ﷺ وقت لأهل المدينة (ذا الحليفة) ولأهل الشام (الجحفة) الحديث ولما خربت صار الناس يحرمون الآن من (رابغ) لأنها قبل حذائها بقليل من ناحية الشمال الغربي. وكانت الجحفة تسمى (مَهْيَعَة) بالفتح ثم السكون ثم ياء مفتوحة وعين مهملة. فجحفها السيل فسميت (الجحفة) بالضم ثم السكون والفاء (معجم البلدان لياقوت ٢/١١١و ٥/٢٣٥) . ٥ موجود الآن طائفة من بقايا خزاعة في وادي فاطمة من الخبث عند القنفذة وفي الشرق الجنوبي من بحرة. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٦، ومعجم قبائل العرب لكحالة ١/٣٣٨، ونسب حرب. وهم منتشرون بين مكة والمدينة، وأن قدوم قبيلة حرب إلى هذه المناطق كان في القرن الثاني الهجري قادمة من خولان من اليمن، وانكمشت خزاعة إلى أماكنها حاليًا. انظر: قلب جزيرة العرب لفؤاد حمزة ص ١٥٠- ١٥١، ونسب حرب للبلادي ص ١٤و ١١٩. وهذه الأماكن التي مرّت بنا تقطنها الآن قبائل من حرب، وهم منتشرون بين مكة والمدينة. نسب حرب لعاتق البلادي ص (١٤٨) .
[ ٥٨ ]
صورة المصطلق (١)
[ ٥٩ ]
الفصل الثاني: موقف بني المصطلق من الدعوة الإسلامية قبل المريسيع
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
المبحث الأول: موقف بني المصطلق من الإسلام
تأخر إسلام بني المصطلق شأن القبائل التهامية المجاورة لقريش؛ وذلك لما كان لقريش من السيطرة والحرمة في نفوس القبائل بحكم كونهم سكان الحرم، وحماة بيت الله الأمين، فكانت القبائل تنظر إليهم نظرة احترام وتوقير، وكانوا ينظرون ماذا تصنع مع رسول الله ﷺ، إذ إن رسول الله ﷺ منهم، فهم أعرف به من غيرهم، ولما لم يحصل منهم الإذعان لدعوة الرسول ﷺ كان ذلك داعيًا للقبائل المجاورة إلى عدم الاستجابة للرسول ﷺ، لا سيما ما كان بين قريش وبين القبائل المجاورة من تبادل المنافع والمصالح، وخاصة قبيلة خزاعة - ومنهم بنو المصطلق - بحسب موقعهم الجغرافي إذ كانت قبيلة بني المصطلق على طريق قريش التجارية إلى الشام، مما جعلها تتأخر في إعلان إسلامها، حفاظًا على مصالحها. ولكن الرسول ﷺ كان يأمن جانبها بحكم كونها فرعًا من خزاعة التي كانت محل عناية ونصح للرسول ﷺ، رغم عدم دخولها في الإسلام.
[ ٦٣ ]
ويتضح ذلك جليًا في موقف معبد بن أبي معبد الخزاعي في حمراء١ الأسد، التي وقعت عقب غزوة أحد مباشرة. وقد استهدف الرسول ﷺ تقوية معنويات المسلمين وتثبيت مركزهم داخل المدينة بعد أن أضعفتهم معنويات آثار أحد فخرج ﷺ إلى حمراء الأسد يتبع جيش أبي سفيان خشية أن تسوّل لهم أنفسهم الكرة على المسلمين لاستئصالهم - وكان الأمر كما توقّع ﷺ - فلما وصل حمراء الأسد مرّ به معبد بن أبي معبد الخزاعي فقال: "يا محمد والله لقد عز علينا ما أصابك ولوددنا أن الله عافاك مما حدث بك -" وكان معبد إذ ذاك مشركًا٢ ولكن خزاعة كانت عيبة٣ نصح لرسول الله ﷺ بتهامة، مسلمهم ومشركهم فكانوا لا يخفون عنه شيئًا حدث في مكة - ثم خرج من عند رسول الله ﷺ متجهًا نحو مكة، فلقي أبا سفيان بن حرب وجماعته بالروحاء٤ وقد أجمعوا الرجعة إلى المدينة وقالوا: "أصبنا أشرافهم وقادتهم ثم نرجع قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم، وبينما هم كذلك طلع عليهم معبد بن أبي معبد الخزاعي فلما رآه أبو سفيان قال: "ماوراءك يا معبد؟ "
_________________
(١) ١ ذكر إبراهيم الحربي أن حمراء الأسد فوق ذي الحليفة بثلاثة أميال يسرة عن الطريق إذا أصعدت إلى مكة. كتاب المناسك ص ٤٤٠، وقال خليفة بن خياط وابن عبد البر وياقوت والفيروز آبادي أنها تبعد عن المدينة بثمانية أميال، تاريخ خليفة، ص ٧٤، والاستيعاب ٣/٤٥٥، ومعجم البلدان ٢/٣٠١، والقاموس المحيط ٢/١٣، ولا فرق بين تحديد الحربي وغيره لأن ذا الحليفة على خمسة أميال ونصف من المدينة، انظر كتاب المناسك للحربي ص ٤٢٧، وهي تبعد عن المدينة بتسعة أميال. نسب حرب للبلادي ص ٣٥٩، وعلى هذا فتكون المسافة بين حمراء الأسد والمدينة بالكيلومترات ١/٣ ١٣ كيلومترًا. ٢ كون معبد إذ ذاك كان مشركًا هو المشهور عند العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/١٠٢، ومغازي الواقدي ١/٣٣٨، وتاريخ خليفة ص ٧٤، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٤٥٤ على هامش الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٢١٧-٢١٨. وذكر ابن القيم أنه أسلم في ذلك الوقت وأمره رسول الله ﷺ أن يلحق بأبي سفيان فيخذله. انظر: زاد المعاد ٢/١٢١. ومعبد هذا هو غير معبد ولد أم معبد الخزاعية. انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١ – ٤٤٢. ٣ عيبة الرجل: موضع سره انظر: النهاية لابن الأثير ٣/٣٢٧. ٤ الروحاء: على طريق مكة تبعد عن المدينة بـ ٧٣ كيلومترًا. انظر: نسب حرب للبلادي ص ١٠٧.
[ ٦٤ ]
قال: "محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط، ولا قبل لكم به، وهم يتحرّقون عليكم تحرّقًا قد اجتمع معه من كان تخلّف عنه في يومكم١ وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق ما لم أر مثله قط".
فاندهش أبو سفيان، وقال: "ويحك يا معبد انظر ما تقول؟ " فقال معبد: "والله ما أرى أن ترتحل من مكانك هذا حتى ترى نواصي الخيل".
قال أبو سفيان: "والله لقد أجمعنا الكرة عليهم، لنستأصل بقيتهم"، قال: "فإني أنهاك عن ذلك. والله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيهم أبياتًا من الشعر".
قال: "وما قلت؟ "
فأنشده شعرًا فيه تحذير له من لقاء المسلمين، وبيان قوتهم، فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، وانسحبوا في أسرع وقت يواصلون سيرهم نحو مكة٢.
فهذا يدل على إخلاص بعض رجال هذه القبيلة لرسول الله ﷺ وثقته بهم.
وأما ما يتعلّق بموقف بني المصطلق من الإسلام، فإني لم أجد ما ينص على إسلام فرد منهم بعينه قبل غزو الرسول ﷺ، وإنما يوجد بعض الأفراد من خزاعة عامة أعلنوا إسلامهم سابقًا أذكر بعضًا منهم على سبيل المثال لا الحصر فمنهم:
أ- أمينة بنت خلف بن أسعد بن عامر بن بياضة بن سبيع بن جعثمة بن سعد بن مليح بن عمرو من خزاعة هاجرت إلى الحبشة مع زوجها
_________________
(١) ١ يريد يوم أحد أضافه إليهم لكون النصر كان حليفًا لهم. ٢ سيرة ابن هشام ٢/١٠١-١٠٣، مغازي الواقدي ١/٣٣٤-٣٤٠، الكامل لابن الأثير ٢/١٦٤، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٤٩، الإصابة لابن حجر ٣/٤٤١.
[ ٦٥ ]
خالد بن سعيد بن العاص بن أمية وولدت له بأرض الحبشة سعيد ابن خالد وأمة بنت خالد، التي تزوجها الزبير فيما بعد١.
قال ابن هشام: "ويقال: همينة بنت خلف"٢.
ب- أم معبد الخزاعية٣ فقد أسلمت عندما مرّ بها رسول الله ﷺ أثناء الهجرة ونزل بها، وكان من حديثها أنها وصفت رسول الله ﷺ لزوجها عندما جاء بعد ذهاب رسول الله ﷺ، من عندها٤.
ج- معتب بن عوف بن عامر بن الفضل بن عفيف بن كليب بن حبشية بن سلول ابن كعب بن عمرو من خزاعة، وهو الذي يقال له: (عيهامة) ويعرف بابن الحمراء. وذكر ابن حجر (هيعانة) (بدل عيهامة) . كان من المهاجرين إلى الحبشة وشهد بدرًا وما بعدها ٥.
د- نافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، استشهد في بئر معونة٦.
وبهذا القدر نكتفي لأن القصد هو التمثيل لا الحصر.
_________________
(١) ١ سيرة بن هشام ١/٣٢٣. ٢ المصدر السابق١/٣٢٣، وطبقات ابن سعد ٨/٢٨٦، أنساب الأشراف للبلاذري ص ١٩٩. ٣ هي عاتكة بنت خالد بن منقذ بن ربيعة أم معبد الخزاعية. انظر: ترجمتها في الاستيعاب١/٣٩١،وأسد الغابة١/٤٥١،في ترجمة أخيها حبيش. ٤ سيرة ابن هشام١/٤٨٧-٤٨٨،وطبقات ابن سعد٨/٢٨٩،وانظر الحديث في نزول الرسول ﷺ عليها في المستدرك٣/٩-١٠ وقال: "صحيح الإسناد، ولم يخرجاه"،وأقره الذهبي. ٥ سيرة ابن هشام ١/٣٢٧، وطبقات ابن سعد ٣/٢٦٤، والاستيعاب ٣/٤٦١، مع الإصابة وأسد الغابة ٥/٢٢٤، والإصابة لابن حجر ٣/٤٤٣، ومُعَتَّب بمضمومة وفتح عين وكسر مثناة فوق مشدّدة فموحّدة (المغني لمحمد طاهر الهندي ص٧٣) . ٦ سيرة ابن هشام ٢/١٨٣ و١٨٨، وطبقات ابن سعد ٤/٢٩٤، وتاريخ خليفة بن خياط ص ٧٦، الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٥٤١ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير٥/٢٩٩، والإصابة لابن حجر ٣/٥٤٣.
[ ٦٦ ]
وبه يتضح مدى العلاقة التي تربط قبائل خزاعة عامة بالدعوة الإسلامية في أول أمرها، ومبادرة عدد من رجال هذه القبائل إلى الإسلام، لكن المصادر كما أشرت لا تنص على إسلام رجال من بني المصطلق بالذات، وأحسب أن سكوت المصادر يكفي للدلالة على بقاء هذه القبيلة على الشرك، ولا يمنع ذلك من التزامها بشيء من الولاء للمسلمين وفقًا للأعراف القبلية السائدة، والتي تلزمهم بموقف خزاعة الموالي للدولة الإسلامية.
[ ٦٧ ]
المبحث الثاني: موقف بني المصطلق من الصراع بين المسلمين وقريش
لم تشر المصادر التي بين أيدينا إلى موقف عدائي محدد صدر من بني المصطلق ضد المسلمين منذ أن تأسست دولة الإسلام حتى كانت غزوة أحد، رغم تحرّك المسلمين العسكري في أطراف المدينة من جميع نواحيها، حيث أرسلوا السرايا استهدفت عرقلة التجارة المكية إلى الشام، بتهديد طرقها الرئيسية، كما لم تسهم بنو المصطلق مع المشركين في غزوة بدر الكبرى.
وأول إشارة إلى اتخاذهم موقفًا عدائيًا واضحًا ضد المسلمين هو إسهامهم مع قريش في موقعة أحد، ضمن كتلة الأحابيش١، التي اشتركت في المعركة تأييدًا لقريش٢.
_________________
(١) ١ الأحابيش هم بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، والهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة، انظر سيرة ابن هشام ١/٣٧٣، والمعارف لابن قتيبة ص٢٦، وأنساب الأشراف للبلادي ص٥٢، وفتح الباري لابن حجر ٥/٣٣٤ و٣٤٢، وسمّوا بذلك: لأنهم تحالفوا وتعاقدوا مع قريش على أنهم يد على من سواهم، وكان ذلك عند جبل بأسفل مكة يقال به «حبشي» فنسبوا إليه، وقيل سمّوا بذلك لتجمّعهم، والتحبّش التجمع، والحباشة الجماعة. المعارف لابن قتيبة ص ٢٦٩، ولسان العرب لابن منظور ٨/١٦٦، والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/٢٦٧، فتح الباري ٥/٣٣٤. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٦١، ومغازي الواقدي ١/٢٠٠، والكامل لابن الأثير ٢/١٤٩، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٠٢، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/١٠، ونور اليقين للخضري بك ص ١٣٣، والسيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة لأبي شهبة ص ١٩٦.
[ ٦٧ ]
وبهذا نعلم أن بني المصطلق قد أثّرت فيها دعايات قريش للاشتراك معها في موقعة أحد، لتأخذ بثأرها وتغطي عار الهزيمة التي نزلت بها في موقعة بدر الكبرى.
وأما قبل ذلك فلم يوجد أي دليل على اشتراك بني المصطلق مع قريش ضد المسلمين حتى كانت عزوة أحد وما لحق بالمسلمين فيها من خسائر جسيمة ذات أثر عظيم في أرجاء شبه الجزيرة العربية، وداخل المدينة المنورة نفسها، فضعفت هيبة المسلمين وتجرّأ عليهم الأعراب، وشمت بهم اليهود والمنافقون، وقاموا بدعاية واسعة ضدهم، وقد أدت الظروف التي أعقبت غزوة (أحد) إلى ما يلي:
١- طمع المشركين في القضاء على الإسلام والمسلمين والإجهاز على الدعوة الإسلامية نهائيًا، ويتمثّل هذا في رغبة أبي سفيان في العودة إلى المسلمين لاستئصال شأفتهم، غير أنه نكص على عقبيه، بتخذيل معبد بن أبي معبد الذي مرّ ذكره١.
٢- تنفّس المنافقين واليهود الصعداء وتربّصهم الشر بالمسلمين، وهذا عدو داخلي بالمدينة المنورة نفسها.
٣- رغبة الأعداء المجاورين لعاصمة الإسلام من القبائل العربية في التحرّك ضد المسلمين، بسبب الدعايات المغرضة التي انتشرت على أيدي المرجفين في المدينة من اليهود والمنافقين٢.
وأصبح المؤمنون مدّدين في عُقر دارهم من الداخل والخارج، فمن الداخل المنافقون واليهود فكانوا يذيعون خبر المعركة، ويلفّقون الأكاذيب لإشاعة الضعف والخور في صفوف المسلمين، ولتشجيع عدوهم عليهم.
وأما من الخارج فقد صار المسلمون لا يحاربون قريشًا وحدها وإنما يواجهون الجزيرة برمتها.
_________________
(١) ١ انظر: ص ٦٤. ٢ الرسول لسعيد حوى ١/٢٢٩.
[ ٦٨ ]
ومن ذلك أن سارعت عدة قبائل إلى التجمّع للإغارة على المدينة والقضاء على المسلمين فيها، كما حدث ذلك:
أ- من بني أسد بقيادة طليحة وسلمة ابني خويلد الأسديين، من القبائل النجدية١.
ب- خالد بن سفيان الهذلي الذي كان مقيمًا في عرنة قرب عرفات٢.
فلما علم رسول الله ﷺ بتجمّعهم ومحاولتهم اقتحام المدينة بعث إليهم من يؤدّبهم في عقر دارهم، فأرسل إلى طليحة ومن شايعه أبا سلمة ابن عبد الأسد٣ على رأس مائة وخمسين رجلًا من المهاجرين والأنصار ففرّقوا جمعهم واستاقوا نعمهم وعادوا إلى المدينة سالمين.
وأرسل إلى خالد بن سفيان عبد الله بن أنيس الجهني٤ فقتله في عقر داره٥ فكان في ذلك ضربة لهم وعبرة لغيرهم ممن يحاول السير على منوالهم. وما نزل بهم حلّ بغيرهم من بني ثعلبة وبني محارب من القبائل الغطفانية التي حاولت الهجوم على المدينة المنورة كذلك فخرج رسول الله ﷺ على رأس سبعمائة مقاتل فساروا حتى نزلوا ديار العدو فلم يجدوا فيها أحدًا غير نسوة، فأخذوهن، فبلغ الخبر رجالهن فخافوا وتفرّقوا في رؤوس الجبال، ورجع
_________________
(١) ١ كان ذلك في شهر محرّم من السنة الثالثة للهجرة. انظر: طبقات ابن سعد ٢/٥٠، وزاد المعاد ٢/١٢١. ٢ المصدر السابق. ٣ عبد الله بن عبد الأسد المخزومي أخو النبي ﷺ من الرضاعة وابن عمته برة بنت عبد المطلب كان من السابقين إلى الإسلام وممن هاجر إلى الحبشة شهد بدرًا ومات في جمادى الآخرة سنة أربع هجرية، بعد أحد وتزوج رسول الله ﷺ بعده زوجه أم سلمة/ ت س ق التقريب ١/٤٢٧. ٤ عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني، حليف الأنصار، صحابي شهد العقبة وأحدًا (ت ٣٤) بالشام في خلافة معاوية، ووهم من قال توفي سنة ٨٠/ بخ م عم. المصدر السابق ١/٤٠٣. ٥ انظر الحديث في إرسال عبد الله بن أنيس إلى خالد بن سفيان: سنن أبي داود، باب صلاة الطالب ١/٢٨٧، ومسند أحمد ٣/٤٩٦، ومسند أبي يعلى ١/١٠٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٣/٢٥٦. وقال ابن حجر ٢/٣٤٧: إسناده حسن.
[ ٦٩ ]
المسلمون معزّزي الجانب، وعرفت هذه الغزوة بغزوة ذا الرقاع١.
وهكذا جنّد المسلمون أنفسهم عسكريًا وسياسيًا، ليثبتوا للقبائل بأنهم مخطئون في تصوّرهم أن المسلمين بعد معركة (أحد) لا يستطيعون مقاومة من يريد النيل منهم، فجهزّوا تلك السرايا والغزوات ليشعروا عدوهم بأنهم قادرون على سحق كل من تحدّثه نفسه بالاعتداء عليهم، أو محاولة النيل منهم، فكانت حركاتهم العسكرية ناجحة، أنزلوا فيها بالأعداء ضربات زلزلت معنوياتهم، وجعلتهم يصحّحون تصوّراتهم الخاطئة، عن مدى قوة المسلمين العسكرية، وترابطهم السياسي والمعنوي، وخاصة المعسكر القرشي واليهودي٢.
وبعد هذا كله جاء دور بين المصطلق؛ إذ إنها كانت ضمن كتلة الأحابيش٣ التي انضمت إلى جانب قريش في معركة أحد، ثم أخذت بعد رجوعها من معركة أحد تعد العدة وتجمع الجموع، وتفتني السلاح والخيل، على مدى سنتين، كان المسلمون خلال تلك الفترة يواجهون تحركّات قبائل الجزيرة، فهم ما بين سرية وغزوة.
فانتهزت قبيلة بني المصطلق فرصة انشغال المسلمين ببقية القبائل، فأخذت تجمع الجموع، وتسعى في القبائل المجاورة لها، تحرّضها وتشجّعها على الانضمام معها في الهجوم على دولة الإسلام.
ولما وصل خبرهم إلى رسول الله ﷺ، قدّر للموقف قدره، وجعل يفكّر في مواجهة هذه القبيلة التي استعدت للمعركة استعدادًا كاملًا، فبدأ بمراقبة حركات هذا العدو مراقبة شديدة، ثم أمر بريدة٤ بن الحصيب بالذهاب إليهم ليعرف وجهتهم وقوّتهم، فخرج مسرعًا
_________________
(١) ١ كانت هذه الغزوة في السنة الرابعة في جمادى الأولى على رأي بعض العلماء. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٠٣، وزاد المعاد ٢/١٢٣، وانظر: الخلاف في وقتها في مبحث التيمّم. انظر ص ٣٤٣ وما بعدها. ٢ غزوة الأحزاب لباشميل ص ٢٠. ٣ انظر: ص. ٤ بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغّرًا، أبو سهل الأسلمي صحابي، أسلم قبل بدر (ت ٦٣هـ) / ع. التقريب ١/٩٦.
[ ٧٠ ]
حتى وصل عندهم فوجدهم قومًا مغرورين بأنفسهم وبما لديهم من القوة قد ألبّوا القبائل وجمعوا الجموع، فاتصل برئيسهم الحارث بن أبي ضرار، فسأله الحارث: "من الرجل؟ " قال: "رجل منكم قدمت لما بلغني عن جمعكم لهذا الرجل، فأسير في قومي ومن أطاعني، فتكون يدنا واحدة، حتى نستأصله"، فازداد فرح القوم بانضمام قوة جديدة إلى قوتهم، فقال له الحارث: "فنحن على ذلك فعجّل علينا"، قال بريدة: "أركب الآن فآتيكم بجمع كثيف من قومي ومن أطاعني فسرّوا بذلك منه فمضى إلى المدينة وأخبر المسلمين بأمرهم١.
_________________
(١) ١ انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، ومغازي الواقدي ١/٤٠٤- ٤٠٥، وشرح المواهب اللدنية ٢/٩٦.
[ ٧١ ]
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
الفصل الثالث: موقف المسلمين من تحركات بني المصطلق
لم يقف المسلمون من تحركات بني المصطلق الاستفزازية مكتوفي الأيدي، وإنما درسوا الموقف دراسة ميدانية، وأرسل الرسول ﷺ عيونه١ لكشف نيات هذه القبيلة ومعرفة استعدادها وتهيئها لغزو المدينة، وقد تم للمسلمين إدراك حقيقة ما تنويه هذه القبيلة من شر وما تبيته للمسلمين من وقيعة، ولم يكن للمسلمين - وقد أدركوا الأمر حق الإدارك وتيقنوا من خبث النيات السيئة لهذه القبيلة - أن يسكتوا عن الأمر ويتجاهلوا الموقف العدائي الواضح خاصة إذا عرفنا أن أعداء المسلمين كثر في تلك الآونة٢، فما لم تلقَّن هذه القبيلة درسًا قاسيًا من المسلمين يوقفها عند حدها فإن غيرها من أعداء الإسلام سيقف الموقف نفسه. ومن هنا اندفع المسلمون لكسر شوكة هذا العدو وتحطيمه في عقر داره.
كما سنفصل القول في ذلك في بداية وصف المعركة. ويحسن أن نذكر الملابسات التي صاحبت هذه الغزوة، وأول أمر يحسن البدء به هو هل أُنذرت هذه القبيلة قبل غزوها أو لا؟
_________________
(١) ١ انظر: ص. ٢ الآونة: جمع أوان وهو الحين. انظر: القاموس المحيط ٤/١٩٩.
[ ٧٥ ]
المبحث الأول: حكم إنذار العدو قبل بدئه بالقتال
قبل الحديث عن إنذار الرسول ﷺ لبني المصطلق أو عدم إنذاره لهم، يحسن أن نبدأ ببيان حكم الدعوة إلى الإسلام عمومًا، وما هي الخطوات التي كان يتبعها الرسول ﷺ مع المدعوين إلى الإسلام، وبيان الأدلة على وجوب إنذار العدو أو عدم وجوبه، وذكر الخلاف الوارد بين أهل العلم في ذلك، باختصار، ليكون ذلك تمهيدًا لما نحن بصدده، حيال غزوة بني المصطلق. وفيما يأتي أقوال العلماء:
أ- ذهب بعض العلماء إلى وجوب الدعوة إلى الإسلام مطلقًا، سواء أكان عند المدعوين علم بالإسلام أم لا، وإليه ذهب مالك وجماعة من العلماء١.
ب- وذهب أكثر العلماء إلى التفصيل بين من بلغتهم الدعوة وعلموا بها، فلا يجب في حقهم الإنذار، وبين من لم تبلغهم الدعوة ولا علموا بها، فيجب الإنذار في حقهم، وإليه ذهب الأئمة الثلاثة وأتباعهم.
ج- وهناك قول ثالث بعدم وجوب الإنذار مطلقًا، حكاه المازري٢.والقاضي عياض٣٤.
استدلّ الفريق الأول بأحاديث منها:
١- ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: "كان رسول الله ﷺ إذا بعث أميرًا على
_________________
(١) ١ منهم علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز، والهادوية. انظر: المدونة الكبرى لمالك ٢/٣، نيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤. ٢ هو أبو عبد الله محمد بن علي المازري، صاحب كتاب (المعلم بفوائد كتاب مسلم) لم يكمل (ت ٥٣٦) من مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/٢٥٨. ٣ هو عياض بن موسى اليحصبي المالكي، صاحب كتاب (الإكمال بشرح مسلم) كمل به كتاب المعلم للمازري، (ت ٥٤٤) المصدر السابق ١/٢٥٨. ٤ انظر هذه المذاهب: في الاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، شرح مسلم للنووي ٤/٣٣٠، فتح الباري ٧/٤٧٨.
[ ٧٦ ]
سرية، أو جيش أوصاه بتقوى الله في خاصة نفسه، وبمن معه من المسلمين خيرًا"، وقال: "إذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى إحدى ثلاث خصال، فأيتها أجابوك إليها فاقبل منهم وكف عنهم: ادعهم إلى الإسلام" وهو محل الشاهد. الحديث ١.
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي ﵁ أن رسول الله ﷺ قال يوم خيبر: "لأعطين هذه الراية رجلًا يفتح الله على يديه يحب الله ويحبه الله ورسوله".
قال: فبات الناس يدوكون٢ ليلتهم أيهم يعطاها، قال: فلما أصبح الناس غدوا على رسول الله ﷺ كلهم يرجون أن يعطاها، فقال: "أين علي بن أبي طالب؟ " فقالوا: هو يا رسول الله يشتكي عينيه، قال: "فأرسلوا إليه"، فأتي به فبصق رسول الله ﷺ في عينيه ودعا له فبرأ كأن لم يكن به وجع، فأعطاه الراية، فقال علي: "يا رسول الله أقاتلهم حتى يكونوا مثلنا؟ "
فقال: "انفذ٣ على رسلك حتى تنزل بساحتهم ثم ادعهم إلى الإسلام" الحديث ٤.
ووجه الدلالة من الحديثين قوله: "ادعهم إلى الإسلام" وهو أمر والأمر
_________________
(١) ١ مسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود في كتاب الجهاد باب في دعاء المشركين ٢/٣٥، واللفظ له وابن ماجة فيه في باب وصية الإمام ٢/٩٥٣، الترمذي في أبواب السير ٣/٥٣ إشارة، وعبد الرزاق في مصنفه في كتاب الجهاد باب دعاء العدو ٥/٢١٨، أحمد في المسند ٥/٣٥٢، ٣٥٨ والدارمي في كتاب السير، في باب الدعوة إلى الإسلام قبل القتال ٢/١٣٦، ومنتقى ابن الجارود في الجهاد، باب وصية رسول الله ﷺ للجيوش والأمراء ص٣٤٧، وشرح معاني الآثار للطحاوي في كتاب السير ٣/٢٠٦، والسنن الكبرى للبيهقي في كتاب السير باب الإقامة بدار الشرك ٩/١٥، باب السيرة في أهل الكتاب ٩/٤٩، وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٣٤ في كتاب الفيء، والاعتبار للحازمي ص٢١٠. ٢ يدوكون: أي يموجون ويخوضون فيمن يعطاها. انظر: النهاية لابن الأثير ٢/١٤٠. ٣ انفذ على رسلك: أي انفصل وامض سالما. النهاية لابن الأثير ٥/٩٢. ٤ البخاري في كتاب الجهاد، باب الدعاء إلى الإسلام ٤/٣٨، باب فضل من أسلم على يديه رجل ٤/٤٨ و٥/١٦، باب مناقب علي بن أبي طالب و٥/١١١ من كتاب المغازي، ومسلم واللفظ له ٧/١٢١-١٢٢، في فضائل علي بن أبي طالب.
[ ٧٧ ]
يقتضي الوجوب ما لم يكن هناك صارف، وهو صريح في وجوب الدعوة قبل القتال
واستدل الفريق الثاني بما يأتي:
١- ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث عبد الله بن عمر ﵄ وهذا نصه: حدثنا علي١ بن الحسن أخبرنا عبد الله٢، أخبرنا ابن عون٣ قال: كتبت إلى نافع٤ فكتب إلي: "أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية"، حدثني به ابن عمر٥ وكان في ذلك الجيش". لفظ البخاري.
ولفظ مسلم: عن ابن عون قال: "كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، قال: فكتب إلي إنما كان ذلك في أول الإسلام، "قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق، وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم" الحديث ٦
_________________
(١) ١ علي بن الحسن بن شفيق، أبو عبد الرحمن المروزي، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت ٢١٥) وقيل قبل ذلك / ع. التقريب ٢/٣٤. ٢ عبد الله بن المبارك المروزي مولى بني حنظلة، ثقة ثبت فقيه، عالم جواد، مجاهد جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، (ت ١٨١) /ع المصدر السابق ١/٤٤٥. ٣ عبد الله بن عون بن أرطبان، أبو عون البصري، ثقة ثبت، فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة، (ت١٥٠) على الصحيح،/ع المصدر السابق١/٤٣٩. ٤ نافع مولى ابن عمر، أبو عبد الله المدني، ثقة ثبت فقيه، مشهور، من الثالثة، (ت ١١٧) أو بعد ذلك / ع المصدر السابق ٢/٢٩٦. ٥ عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن، ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد، وهو أحد المكثرين من الصحابة، والعبادلة، وكان من أشد الناس اتباعًا للأثر، (ت ٧٣) / ع التقريب ١/٤٣٥. ٦ البخاري: في كتاب العتق باب من ملك من العرب رقيقا ٣/١٢٩، ومسلم في كتاب الجهاد ٥/١٣٩، وأبو داود فيه، باب في دعاء المشركين ٢/٤٠، ومسند الشافعي٦٠/٢٤٤،ومسند أحمد٢/٣٢ و٥١، وشرح معاني الآثار للطحاوي كتاب السير٣/٢٠٩،السنن الكبرى للبيهقي فيه باب قسمة الغنيمة في دار الحرب٩/٥٤، ٩/١٠٧، باب جواز ترك دعاء من بلغته الدعوة، كتاب الأموال لأبي عبيد ص ١٧٥، باب الحكم في رقاب أهل العنوة من الأسرى والسبي، كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٦١، والاعتبار للحازمي ص ٢١١- ٢١٢، انظر ص من هذه الرسالة.
[ ٧٨ ]
قال أبو داود بعد إيراده: "هذا حديث نبيل، رواه ابن عون عن نافع، ولم يشركه فيه أحد".
قلت: "لا يضر تفرده لأنه إمام جليل ثقة ثبت".
٢- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك ﵁: "أن رسول الله ﷺ أتى خيبر ليلًا، وكان إذا أتى قومًا بليل، لم يغر١ بهم حتى يصبح، فلما أصبح خرجت اليهود بمساحيهم٢، ومكاتلهم٣، فلما رأوه، قالوا: "محمد والله، محمد والخميس"٤، فقال النبي ﷺ: "خربت خيبر، إنا إذا نزلنا بساحة ٥ قوم فساء صباح المنذرين" ٦.
وفي لفظ: "كان رسول الله ﷺ إذا غزا قومًا لم يغر حتى يصبح، فإن سمع أذانًا أمسك، وإن لم يسمع أذانًا أغار بعدما يصبح، فنزلنا خيبر ليلًا" وفي لفظ "صبحنا خيبر بكرة، فخرج أهلها بالماسحي" الحديث٧.
ووجه الدلالة من هذين الحديثين قوله: "أغار" أي أخذهم على غرة، ويدل على هذا صراحة لفظ: (وهو غارون) أي غافلون.
_________________
(١) ١ في حديث أنس أن رسول الله ﷺ أغار على أهل خيبر ليلًا وتقدم في حديث سهل أن النبي ﷺ أمر عليا أن يدعوهم إلى الإسلام قبل القتال. وأجاب ابن حجر: بأن حديث أنس كان أول ما طرقهم رسول الله ﷺ وحديث علي بعد ذلك، فتح الباري ٧/٤٨٧. ٢ بمساحيهم: المساحي: جمع مسحاة وهي المجرفة من الحديد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/١٥٠. ٣ والمكاتل: جمع مكتل وهو الزنبيل الكبير. المصدر السابق ٤/٣٢٨. ٤ الخميس: الجيش العظيم، سمي بذلك لأنه مقسوم بخمسة أقسام، المقدمة، والساقة، والميمنة، والميسرة، والقلب. وقيل لأنه تخمس فيه الغنائم. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٧/٩٢. ٥ الساحة في اللغة الناحية وفضاء بين دور الحي، وجمعه ساح وسوح وساحات. القاموس المحيط ١/٢٣٠. ٦ البخاري في كتاب الجهاد باب دعاء النبي ﷺ الناس إلى الإسلام ٤/٣٨ و٥/١٠٨-١٠٩ من كتاب المغازي باب غزوة خيبر واللفظ له، ومسلم٥/١٨٥كتاب الجهاد. ٧ المصدر السابق.
[ ٧٩ ]
أما المذهب الثالث القائل بعدم الإنذار مطلقًا، فهو مذهب ضعيف ترفضه الأحاديث المتقدمة.
وقد صرح بضعفه المازري والقاضي عياض وغيرهما من العلماء. والراجح في هذه المسألة هو مذهب جماهير العلماء القائلين بالتفصيل بين من لم تبلغه الدعوة إلى الإسلام فتجب دعوته، وبين من بلغته الدعوة فلا تجب، وبه يمكن الجمع بين الأحاديث، ومتى أمكن الجمع فلا يصار إلى غيره، لأن العمل بجميع الأحاديث أولى من رد بعضها١.وقد وردت السنة بجواز الإغارة على من بلغته الدعوة إلى الإسلام، من فعل الرسول ﷺ:
١- كما هو في حديث عبد الله بن عمر وأنس بن مالك المتقدمين٢.
٢- ومن تقريره ﷺ كما في حديث الصعب بن جثامة الليثي: سئل رسول الله ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٣- ومن قوله ﷺ كما هو في حديث أسامة بن زيد أن رسول الله ﷺ كان عهد إليه فقال: "أغر على أبنى ٤ صباحًا وحرق" ٥.
_________________
(١) ١ انظر: الاعتبار للحازمي ص٢١١-٢١٢، شرح معاني الآثار للطحاوي٣/٢٠٧ و٢٠٨و٢١٠،وشرح مسلم للنووي٤/٣٣٠و٣٤٣،ونصب الراية للزيلعي٣/٣٧٩ و٣٨٢، وفتح الباري ٦/١١٢ و٧/٤٧٨، وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٥، ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٢٤٤ و٢٤٦ و٢٤٧. ٢ انظر: ص. ٣ البخاري ٤/٤٨ كتاب الجهاد، باب أهل الدار يبيتون، ومسلم ٥/١٤٤ فيه واللفظ له (ويبيتون) مبني للمفعول. ٤ أبنى: بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى. موضع بالشام من جهة البلقاء، معجم البلدان لياقوت ١/٧٩. ٥ رواه أبو داود في ٢/٣٦ من كتاب الجهاد باب الحرق في بلاد العدو وابن ماجه فيه ٢/٩٤٨ كلاهما من طريق صالح بن أبي الأخضر، قال فيه ابن حجر: "ضعيف يعتبر به" التقريب ١/٣٥٨ والحديث رواه الشافعي أيضًا في الأم ٤/١٧٤ من غير طريق صالح بن أبي الأخضر، ولفظه: قال الشافعي: أخبرنا بعض أصحابنا عن عبد الله بن جعفر الأزهري، قال: سمعت ابن شهاب يحدث عن عروة عن أسامة بن زيد قال: أمرني رسول الله ﷺ: "أن أغزو صباحًا على أهل أبنى وأحرق".
[ ٨٠ ]
وخلاصة القول في هذا: أن الدعوة إلى الإسلام واجبة قبل القيام بالهجوم الحربي في حق من لم تبلغه الدعوة الإسلامية ولا علم بها. فإن الإسلام دين هداية وبيان وإرشاد، وليس له غرض في الحروب المدمرة، كما هو واضح من هدي هذا الدين الحنيف.
أما من بغلته الدعوة الإسلامية وعلم بها، فلا يجب في حقه تجديد الدعوة لأن العلم بها حاصل لديه وخاصة إذا علم منه تبيت الشر للمسلمين، ومحاولة ضرب قلعة الإسلام، كما حصل من بني المصطلق.
ومن هنا يفهم الدارس لظروف وملابسات هذه الغزوة أن الرسول ﷺ لم يقم بالهجوم على هذه القبيلة إلا بعد أن علم أنها تحتشد لحربه وضرب دار الإسلام (المدينة المنورة) .
وذلك لأن الرسول ﷺ كان قد تثبت في ذلك من بعض سفرائه حين بلغه خبر هذه القبيلة، كما ذكرنا ذلك مفصلًا في محله وقد مر قريبًا١.
_________________
(١) ١ انظر ص.
[ ٨١ ]
المبحث الثاني: هل كان هناك إنذار لبني المصطلق بالحرب على وجه الخصوص
أما ما يتعلق بشأن بني المصطلق فللعلماء في ذلك قولان:
أ- ذهب فريق من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ، دعاهم قبل القتال، ولكنهم امتنعوا عن قبول الإسلام، وثبتوا للقتال، ودارت المعركة بين الفريقين، وكان النصر حليف المسلمين، وعلى رأس القائلين بهذا:
[ ٨١ ]
١- ابن إسحاق: فقد ساق بسنده حدثني عاصم١ بن عمر بن قتادة وعبد الله٢ بن أبي بكر ومحمد بن يحيى بن حبان٣، كل حدثني حديث بني المصطلق قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني المصطلق يجمعون له، الحديث.
وفيه "فلما علم بهم خرج إليهم حتى لقيهم على ماء لهم يقال له المريسيع من ناحية قديد إلى الساحل، فتزاحف الناس، واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل من قتل منهم"٤.
والحديث رجاله ثقات رجال الصحيح، ولكنه مرسل٥.
٢- الواقدي: ذكر الحديث مطولًا وفيه: "أن رسول الله ﷺ لما انتهى إلى بني المصطلق دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق، ويقال: إلى عمار بن ياسر، وراية الأنصار إلى سعد بن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس، أن قولوا: لا إله إلا الله، تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم فأبوا فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله ﷺ المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد"، الحديث وهو مرسل أيضًا.
ثم قال: "وكان ابن عمر يحدث أن رسول الله ﷺ أغار
_________________
(١) ١ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع التقريب ١/٣٨٥. ٢ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، الأنصاري المدني القاضي، ثقة، من الخامسة، (ت ١٣٥) / ع المصدر السابق ١/٤٠٥. ٣ محمد بن يحيى بن حبان بن منقذ الأنصاري المدني، ثقة، فقيه من الرابعة (ت ١٢١) /ع المصدر السابق ٢/٢١٦. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وانظر الحديث كاملًا من ص من هذه الرسالة. ٥ قال الألباني في تعليقه على فقه السيرة للغزالي ص ٣٠٨: "رواه بنحوه ابن جرير في تاريخه من طريق ابن إسحاق بسنده مرسلًا، وكذلك رواه ابن هشام في (السيرة) وهذا الإسناد مع ضعفه ليس فيه أمر لعمر بعرض الإسلام، وقد أشار الزرقاني في شرحه على المواهب إلى ضعف هذه الزيادة، وحق له ذلك، فقد صح عنه ﷺ ما يقتضي ضعفها ثم ساق ما قاله ابن القيم في ذلك، انظر قول ابن القيم ص ٨٤".
[ ٨٢ ]
على بني المطلق وهو غارون، ونعمهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم وسبى ذراريهم. والحديث الأول أثبت عندنا"١.
٣- و٤- وتابعه في هذا ابن سعد وابن سيد الناس، فقد ساقا القصة بدون إسناد، وأشارا إلى حديث ابن عمر، ثم قالا: "الأول أثبت"٢.
٥- أما ابن جرير الطبري فقد ساق حديث ابن إسحاق من طريقه٣. ولكنه لم يتعرض لذكر حديث ابن عمر.
٦- وساق ابن الأثير نحو قول ابن إسحاق بدون إسناد٤. ولم يذكر حديث ابن عمر أيضًا.
وسكوت الطبري وابن الأثير وعدم إيرادهما حديث ابن عمر، قد يفهم منه موافقتهما لابن إسحاق في رأيه.
ب- وذهب الفريق الثاني من العلماء إلى أن رسول الله ﷺ أغار عليهم دون دعوة. وعلى رأسهم:
١- ابن عبد البر: فقد صرح بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم وهم غارون.
ثم قال: وقيل إن بين المصطلق جمعوا لرسول الله ﷺ فلما بلغه ذلك خرج إليهم، فلقيهم على ماء يقال له المريسيع، فاقتتلوا فهزمهم الله.
ثم عقب بقوله: "والقول الأول أصح: أنه أغار عليهم وهم غارون"٥.
٢- ابن حزم فقد صرح بذلك أيضًا٦.
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ١/٤٠٤-٤٠٧. ٢ طبقات ابن سعد ٢/٦٣-٦٤، وعيون الأثر ٢/٩١- ٩٢. ٣ تاريخ الطبري ٢/٦٠٤. ٤ الكامل ٢/١٩٢. ٥ الدرر في اختصار المغازي والسير ص ٢٠٠. ٦ جوامع السيرة ص ٢٠٣.
[ ٨٣ ]
٣- ابن القيم: فقد ساق نحو قول ابن إسحاق وموافقيه.
ثم قال: هكذا قال عبد المؤمن١ بن خلف في سيرته وغيره، وهو وهم؛ فإنه لم يكن بينهم قتال، وإنما أغار عليهم، على الماء فسبى ذراريهم وأموالهم، كما في الصحيح: "أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون"٢.
٤- ابن كثير: فقد أورد رواية ابن إسحاق والواقدي بإسنادهما ثم عقب بقوله: وثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عون قال: كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال، فقال: "قد أغار رسول الله ﷺ على بني المصطلق وهو غارون". الحديث٣.
٥- ابن حجر: فإنه بعد أن ساق قول ابن إسحاق، قال: هكذا ذكر ابن إسحاق بأسانيد مرسلة. والذي في الصحيح من حديث ابن عمر يدل على أنه أغار عليهم على حين غفلة منهم، فأوقع بهم. وساق الحديث.
ثم رام الجمع بينه وبين رواية ابن إسحاق بقوله: ويحتمل أن يكون حين الإيقاع بهم ثبتوا قليلًا، فلما كثر فيهم القتل انهزموا، بأن يكون لما دهمهم وهم على الماء ثبتوا وتصافّوا، ووقع القتال بين الطائفتين ثم بعد ذلك وقعت الغلبة عليهم.
ثم قال: "وقد ذكر هذه القصة ابن سعد نحو ما ذكر ابن إسحاق، وأن الحارث كان جمع جموعًا وأرسل عينًا تأتيه بخبر المسلمين فظفروا به فتقلوه فلما بلغه ذلك٤ هلع وتفرق الجمع وانتهى النبي ﷺ إلى الماء وهو
_________________
(١) ١ هو الإمام العلامة الحافظ الحجة الفقيه النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي، الشافعي، صاحب التصانيف (ت ٧٠٥) تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٧–١٤٧٩، والشوكاني في البدر ١/٤٠٣-٤٠٤. ٢ زاد المعاد ٢/١٢٥. ٣ البداية والنهاية ٤/١٥٦، وانظر الحديث ص ٧٨. ٤ الهلع/ محركة: أشد الجزع والضجر. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير٥/٢٦٩،والقاموس المحيط للفيروزآبادي٣/١٠٠.
[ ٨٤ ]
المريسيع فصف أصحابه للقتال ورموهم بالنبل ثم حملوا عليهم حملة واحدة فما أفلت منهم إنسان، بل قتل منهم عشرة وأسر الباقون رجلًا ونساء". ثم قال: "وساق ذلك اليعمري في (عيون الأثر) " ثم ذكر حديث ابن عمر ثم قال: "أشار ابن سعد إلى حديث ابن عمر"، ثم قال: "الأول أثبت". قال ابن حجر قلت: "والحكم بكون الذي في السير أثبت مما في الصحيح مردود، ولا سيما مع إمكان الجمع"١.
والصواب في هذا مع القائلين بأن رسول الله ﷺ أغار عليهم هم غارون وذلك لما يلي:
١- صحة حديث ابن عمر وصراحته في ذلك، وهو ثابت في الصحاح والسنن والمسانيد وغيرها٢.
٢- صرح كثير من العلماء بأن من بلغته الدعوة العامة إلى الإسلام، أو قربت داره أو حاول النيل من المسلمين، أنه يجوز مباغتته على غرة٣.
وهذه الأوصاف تنطبق على بني المصطلق، فقد بلغتهم الدعوة العامة وكانوا ضمن المتألبين مع قريش في معركة أحد، ضد المسلمين ولم يكتفوا بهذا بعد عودتهم إلى بلادهم بل أخذوا يجمعون الجموع ويعدون بضرب المسلمين، مما يدل على أنهم على علم وبصيرة بالدعوة الإسلامية، ومثل هؤلاء لا تجب الدعوة في حقهم٤.
٣- إن مستند القائلين بأن رسول الله ﷺ أنذرهم هو حديث ابن إسحاق٥ والواقدي وكلا الحديثين مرسل. والمرسل معدود
في قسم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٣٠-٤٣١، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٨. ٢ انظر الحديث ص. ٣ انظر شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٣٤٣، فتح الباري ٦/١١٢ و٧/٣٤٠ و٤٤٥ و٤٧٨، شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٠٧-٢١٠، والمدونة الكبرى لمالك ٢/٢، وتحفة الأحوذي ٥/١٥٥-١٥٦. ٤ انظر: ص. ٥ علما بأن قول ابن إسحاق ليس صريحًا في إنذارهم، وإنما فيه مجرد وجود القتال بين الفريقين. وقد جمع ابن حجر بين ذلك. انظر: ص.
[ ٨٥ ]
الحديث الضعيف عند جمهور العلماء، وذلك للجهل بحال الراوي المحذوف؛ لأنه يحتمل أن يكون غير صحابي، وبالتالي يحتمل أن يكون ضعيفًا.
وإن اتفق أن المرسل لا يروي إلا عن ثقة، فالتوثيق مع الإبهام غير كاف ولأنه إذا كان المجهول المسمى لا يقبل، فالمجهول عينًا وحالًا أولى١.
٤- إن الظاهر من صنيع القائلين بحجيته، فيما لو لم يوجد في الباب غيره كما صرح بذلك أبو داود٢ وغيره، خلافًا للمالكية٣.
٥- على فرض صحته فلا يقاوم الحديث المسند.
٦- ذكر الدكتور أكرم العمري أنه: "لا يمكن معارضة آية قرآنية أو حديث صحيح برواية من كتب التاريخ والأدب".
وقال في موضع آخر: "ولا شك أن مادة السيرة، في كتب الحديث موثقة يجب الاعتماد عليها وتقديمها على روايات كتب المغازي والتواريخ العامة. وخاصة إذا أوردتها كتب الحديث الصحيحة؛ لأنها ثمرة جهود جبارة، قدمها المحدثون عند تمحيص الحديث ونقده سندًا ومتنًا، وهذا التدقيق والنقد الذي حظي به الحديث، لم تحظ به الكتب التاريخية"٤.
_________________
(١) ١ انظر: مقدمة صحيح مسلم ١/٢٤، ورسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٤، والكفاية للخطيب البغدادي ص ٥٥٠-٥٥٥، ومقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٥-٦، ومقدمة ابن الصلاح ص ٧٣- ٧٥ (التقييد والإيضاح)، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٤٨، التقييد والإيضاح له ص ٧٣-٧٥، والتقريب للنووي ص ١١٩، (تدريب الراوي) وشرح مسلم له ١/٢٣، تدريب الراوي للسيوطي ص ١١٩، فتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣ و١٣٥-١٣٦. ٢ رسالة أبي داود إلى أهل مكة ص ٢٥، وفتح المغيث للسخاوي ١/١٣٣. ٣ مقدمة التمهيد لابن عبد البر ١/٦. ٤ انظر: نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية لأكرم ضياء العمري ص ١ و٣.
[ ٨٦ ]
الفصل الرابع: سبب وتاريخ غزوة بني المصطلق
الأسباب الدافعة لهذه الغزوة نلخصها فيما يلي:
الأول: تأييد هذه القبيلة لقريش وتكتلها معها في معركة أحد ضد المسلمين١.
والثاني: سيطرتها على الخط الرئيسي المؤدي إلى مكة، فكانت حاجزًا منيعًا من نفوذ المسلمين إلى مكة.
الثالث: ويعتبر أهم الأسباب في هذه الغزوة هو أن قبيلة بني المصطلق أخذت تجمع الجموع لغزو المدينة المنورة وقد أطمعها في التفكير في غزو المدينة والتصميم على ذلك، انتصار المشركين في غزوة أحد بسبب خطأ ارتكبه الرماة في هذه الغزوة كما هو معروف.
ولما بلغ رسول الله ﷺ نبأ هذه القبيلة أعد عدته، واتخذ جميع التدابير المناسبة، وباغت هذه القبيلة في عقر دارها وهزمهم شر هزيمة.
أما عن تحديد زمن هذه الغزوة، فقد اختلف العلماء في ذلك، وانحصرت أقوالهم فيها فيما بين السنة الرابعة والسادسة للهجرة، وفيما يأتي رأى كل فريق مع أدلته، ثم ترجيح ما يظهر أنه الراجح، من خلال النصوص بعد مناقشتها وتحليلها.
_________________
(١) ١ انظر: ص من هذه الرسالة.
[ ٨٩ ]
أ- القائلون بأنها سنة ست:
أول من قال بذلك ابن إسحاق: فقد قال - عقب غزوة ذي قرد١ فأقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعض جمادى الآخرة ورجبًا، ثم غزا بني المصطلق من خزاعة في شعبان سنة ست٢.
وفي مجمع الزوائد: روى الطبراني من طريق ابن إسحاق قال: "كانت غزوة بني المصطلق في شعبان سنة ست"٣. قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
وتبع ابن إسحاق في هذا خليفة بن خياط وابن جرير الطبري، وابن حزم وابن عبد البر وابن العربي، وابن الأثير وابن خلدون.
فقد صرح كل منهم بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة السادسة٤.
وقد أدى بهم هذا إلى إنكار وجود سعد بن معاذ في هذه الغزوة وتوهيم من ذكره فيها من العلماء، بناء على أنه استشهد في غزوة بني قريظة، التي وقعت عقب الخندق مباشرة، وكانت الخندق في السنة الرابعة على رأي ابن حزم وطائفة من العلماء٥.
_________________
(١) ١ ذو قرد: محركة: على يوم من المدينة، بينها وبين خيبر، وتسمى غزوة (الغابة) وذلك أن عيينة بن حصن الفزاري أغار على لقاح رسول الله ﷺ وهي ترعى في الغابة قرب المدينة، فاستاقها. واختلف في تاريخها هل هي قبل الحديبية أو بعدها. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩. ٣ مجمع الزوائد ٦/١٤٢-١٤٣. ٤ انظر: تاريخ خليفة ص ٨٠، وتاريخ الطبري ٢/٦٠٤، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٠٦، والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر ص ٢٠٠-٢٠٢، وعارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي لابن العربي ١٢/٤٩، والكامل لابن الأثير ٢/١٩٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩و ٣٣. ٥ منهم: مالك بن أنس وموسى بن عقبة، والبخاري وابن قتيبة، ويعقوب بن سفيان الفسوي، والنووي، وابن خلدون. انظر: البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، المعارف لابن قتيبة ص ٧٠، المعرفة والتاريخ للفسوي ٣/٢٥٧-٢٥٨، شرح صحيح مسلم للنووي ٤/٥٣٢، تاريخ ابن خلدون ٢/٢٩.
[ ٩٠ ]
وهذا نص كلام ابن حزم ﵀ قال: "ذكر أصحاب المغازي أن الخندق كانت سنة خمس من الهجرة، والثابت أنها في الرابعة بلا شك. لحديث عبد الله بن عمر قال: عرضت على رسول الله ﷺ يوم أحد وأنا ابن أربع عشرة سنة، فردني، ثم عرضت عليه يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة فأجازني"١. فصح أن بينهما سنة واحدة فقط٢.
وقد أجاب البيهقي عن هذا بقوله: "ولا اختلاف في الحقيقة بين من قال بأن الخندق كانت في السنة الخامسة، وبين من قال بأنها في السنة الرابعة، وذلك لأن مرادهم أن ذلك بعد مضي أربع سنوات وقبل استكمال خمس. ولا شك أن المشركين لما انصرفوا عن أحد واعدوا المسلمين إلى بدر العام القابل، فذهب النبي ﷺ وأصحابه في شعبان سنة أربع، للموعد، ورجع أبو سفيان بقريش لجدب ذلك العام، فلم يكونوا ليأتوا إلى المدينة بعد شهرين، فتعين أن الخندق في شوال سنة خمس٣" اهـ.
قال ابن كثير: "وقد صرح الزهري بأن الخندق كانت بعد أحد بسنتين، ولا خلاف أن أحدًا في شوال سنة ثلاث إلا على قول من ذهب إلى أن أول التاريخ من محرم السنة الثانية لسنة
_________________
(١) ١ انظر: الحديث في البخاري ٣/١٥٤، كتاب الشهادات، باب بلوغ الصبيان وشهادتهم، و٥/٨٩ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، وصحيح مسلم ٦/٢٩-٣٠، كتاب الإمارة، وأبو داود ٢/١٢٤، كتاب الخراج والفيء، باب متى يفرض للرجل في المقاتلة، و٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب في الغلام يصيب الحد، الترمذي ٢/١٢٧، الجهاد باب ما جاء في حد بلوغ الرجل ومتى يفرض له، ٢و/٤٠٧، أبواب الأحكام، باب ما جاء في حد بلوغ الرجل والمرأة، والنسائي ٦/١٢٧، كتاب الطلاق، باب متى يقع طلاق الصبي، وابن ماجة ٢/٨٥٠ كتاب الحدود، باب من لا يجب عليه الحد. ٢ جوامع السيرة لابن حزم ص ١٨٥. ٣ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، وفتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، وزاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، وعون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧.
[ ٩١ ]
الهجرة، ولم يعدوا الشهور الباقية من سنة الهجرة من ربيع الأول إلى آخرها، كما حكاه البيهقي عن جماعة من السلف.
وبه قال يعقوب بن سفيان الفسوي، فقد صرح بأن بدرًا في الأولى وأحدًا في الثانية وبدر الموعد في شعبان من السنة الثالثة، والخندق في شوال من السنة الرابعة".
ثم قال ابن كثير: "وهذا مخالف لقول الجمهور، فإن المشهور أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب جعل أول التاريخ من محرم سنة الهجرة، وعند مالك١ من ربيع الأول سنة الهجرة، فصارت الأقوال ثلاثة، والصحيح قول الجمهور أن أحدًا في شوال سنة ثلاث وأن الخندق في شوال أيضًا سنة خمس.
وأما حديث ابن عمر: فقد أجاب عنه جماعة من العلماء منهم البيهقي: بأن معناه أن ابن عمر كان في أحد في أول ما طعن في الرابعة عشرة وكان في الأحزاب قد استكمل الخامسة عشرة"٢.
ب- القائلون بأنها سنة خمس:
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك ابن كثير عنه بقوله:
قال موسى بن عقبة عن الزهري: "هذه مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها، يوم بدر في رمضان سنة ثنتين، ثم قاتل يوم أحد في شوال سنة ثلاث، ثم قاتل يوم الخندق - وهو يوم الأحزاب وبني قريظة - في شوال من سنة أربع، ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس.
ثم أورد ابن كثير قول البخاري عن موسى بن عقبة "أنها سنة أربع"٣ وعقب عليه بقوله: "هكذا رواه البخاري عن مغازي موسى بن عقبة أنها سنة
_________________
(١) ١ وهو قول ابن حزم أيضًا حكاه عنه ابن قيم الجوزية. انظر: زاد المعاد ٢/١٤٧. ٢ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٩٤، فتح الباري ٥/٢٧٨و ٧/٣٩٣، زاد المعاد ٢/١٣٠، ٢/١٤٧، عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/٢٣٧. ٣ انظر: صحيح البخاري ٥/٩٦، كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة.
[ ٩٢ ]
أربع، والذي حكاه موسى بن عقبة عن الزهري وعن عروة أنها كانت في شعبان سنة خمس"١.
وقد تابع ابن حجر ابن كثير في تعقبه على البخاري بقوله: "كذا ذكره البخاري، وكأنه سبق قلم، أراد أن يكتب سنة خمس فكتب سنة أربع" والذي في مغازي موسى بن عقبة من عدة طرق أخرجها الحاكم وأبو سعيد٢ النيسابوري والبيهقي في الدلائل وغيرهم سنة خمس. ولفظه عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب "ثم قاتل رسول الله ﷺ بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس" ثم قال ابن حجر: وقال الحاكم في (الإكليل): "قول عروة وغيره أنها كانت في سنة خمس أشبه من قول ابن إسحاق" ثم قال ابن حجر، مؤيدًا لقول الحاكم هذا:
"قلت: ويؤيده ما ثبت في حديث الإفك أن سعد بن معاذ تنازع هو وسعد بن عبادة في أصحاب الإفك، فلو كانت المريسيع في شعبان سنة ست مع كون الإفك كان فيها لكان ما وقع في الصحيح من ذكر سعد بن معاذ غلطًا، لأن سعد بن معاذ مات أيام قريظة وكانت سنة خمس على الصحيح كما تقدم تقريره، وإن كانت كما قيل سنة أربع فهو أشد غلطًا"٣.
فيظهر أن المريسيع كانت سنة خمس في شعبان لتكون قد وقعت قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من سنة خمس أيضًا فتكون بعدها، فيكون سعد بن معاذ موجودًا في المريسيع، ورمي بعد ذلك بسهم في الخندق ومات من جراحته في قريظة، ويؤيده أيضًا أن حديث الإفك كان سنة خمس إذ الحديث
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٣/٢٤٢ و٤/١٥٦. ٢ هو عبد الله بن محمد بن إبراهيم النيسابوري، أبو سعيد، واعظ مفسر، مشارك في بعض العلوم، من آثاره «دلائل النبوة» وكتاب التفسير وكتاب الزهد (ت ٤٠٧) معجم المؤلفين بعمر رضا كحالة ٦/١٠٨. ٣ أي إذا كانت غزوة المريسيع في سنة أربع فهو أشد غلطًا، وذلك لأن في هذه السنة وفي نفس الشهر وقعت غزوة بدر الموعد، ولا يتأتى أيضًا بأن تكون الغزوتان وقعتا في شهر واحد، وذلك لأن رسول الله ﷺ خرج إلى غزوة المريسيع لليلتين خلتا من شعبان وعاد منها لهلال رمضان. فقد استغرق الشهر كله في غزوة المريسيع. انظر: ص: ٩٦.
[ ٩٣ ]
فيه التصريح بأن القصة وقعت بعد نزول الحجاب. ثم ذكر ثلاثة أقوال في وقت نزول الحجاب وقال: أشهرها سنة أربع، فتكون المريسيع بعد ذلك، فيرجح أنها سنة خمس١.
وروى البيهقي: أخبرنا أبو الحسين٢ بن الفضل القطان ببغداد، أنبا عبد الله٣ بن جعفر ثنا يعقوب
_________________
(١) ١ فتح الباري ٧/٤٣٠ وانظر السيرة الحلبية ٢/٢٩٣، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٦، وترتيب مسند أحمد للساعاتي ٢١/٧٠. ٢ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل بن يعقوب بن يوسف بن سالم أبو الحسين الأزرق، سمع إسماعيل بن محمد الصفار، وعبد الله بن جعفر درستويه، وغيرهم، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة. انظر: تاريخ بغداد ٢/٢٤٩. ٣ عبد الله بن جعفر بن درستويه الفارسي، النحوي، أبو محمد، صاحب يعقوب الفسوي، قال الخطيب: حدَّث عنه أبو الحسن بن رزقوية، وأبو الحسين بن الفضل، وأبو علي بن بن شاذان، سمعت هبة الله بن الحسن الطبري ذكر ابن درستويه وضعفه وقال: "بلغني أنه قيل له حدث عن عباس الدوري حديثًا ونحن نعطيك درهمًا ففعل ولم يكن سمع من عباس". قال الخطيب: "وهذه الحكاية باطلة لأن أبا محمد بن درستويه كان أرفع قدرًا من أن يكذب لأجل العوض الكثير، فكيف لأجل التافه الحقير"، وقال الخطيب أيضًا: "سألت البرقاني عن ابن درستويه فقال: ضعفوه، لأنه لما روى كتاب التاريخ عن يعقوب بن سفيان أنكروا عليه ذلك، وقالوا له إنما حدث يعقوب بهذا الكتاب قديمًا فمتى سمعته منه؟ " قال الخطيب: "وفي هذا نظر، لأن جعفر بن درستويه من كبار المحدثين وفهمائهم، وعنده عن علي بن المديني وطبقته، فلا يستنكر أن يكون بكر بابنه في السماع من يعقوب بن سفيان وغيره. ونقل عن الحسين ابن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه ثقة" إلى آخر ما ذكر في ترجمته (ت ٣٤٧) تاريخ بغداد ٩/٤٢٩، وانظر ميزان الاعتدال ٢/٤٠١، اللسان ٣/٢٦٧.
[ ٩٤ ]
وثنا يعقوب وثنا إبراهيم١ بن المنذر، ثنا محمد بن٢ فليح عن موسى٣ بن عقبة عن ابن شهاب في ذكر مغازي رسول الله ﷺ قال: "ثم قاتل بني المصطلق وبني لحيان في شعبان سنة خمس".
وهذا أصح مما روي عن ابن إسحاق أن ذلك كان سنة ست٤.
قلت: الحديث مرسل.
٢- أبو معشر٥ فقد ذكرها قبل الخندق كما نقل ذلك ابن حجر عنه٦. وأبو مشعر روى عن أئمة أثبات أمثال ابن المسيب وهشام ابن عروة ومحمد بن كعب القرظي وغيرهم.
وروى عنه أئمة كذلك أمثال الثوري والليث بن سعد وابن مهدي ووكيع وغيرهم. وهو ضعيف في الحديث بصير بالمغازي، فقد أثنى عليه بذلك أحمد بن حنبل، وأبو زرعة الدمشقي وابن البرقي، والخليلي٧.
وخلاصة القول فيه أنه ضعيف في الحديث له إلمام بالمغازي. فمثله يصلح للشواهد والمتابعات.
٣- الواقدي، قال في سنة خمس خرج رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله بن المنذر بن المغيرة، بن عبد الله بن خالد بن حزام الأسدي الحزامي، صدوق تكلم فيه أحمد لأجل القرآن، من العاشرة. (ت ٢٣٦) خ ت س ق. المصدر السابق ١/٤٣. وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له (صح) دلالة منه على أنه ثقة. ٢ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي أو الخزاعي، صدوق يهم من التاسعة، (ت١٩٧) خ س ق. المصدر السابق ٢/٢٠١. ٣ موسى بن عقبة بن أبي عياش الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه، إمام في المغازي من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه (ت١٤١) وقيل بعد ذلك./ ع المصدر السابق ٢/٢٨٦. ٤ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤. ٥ هو نجيح بن عبد الرحمن السندي المدني، مولى بني هاشم مشهور بكنيته، ضعيف من السادسة. (ت١٧٠) / عم. التقريب ٢/٢٩٨. له كتاب في المغازي لكنه مفقود. ٦ فتح الباري ٧/٤٣٠. ٧ انظر: تهذيب التهذيب ١/٤١٩-٤٢٢.
[ ٩٥ ]
يوم الاثنين لليلتين خلتا من شعبان ١، وقدم المدينة لهلال رمضان وغاب شهرًا إلا ليلتين٢.
٤- وهكذا ذكر ابن سعد وابن قتيبة والبلاذري٣.
٥- وصرح الذهبي بقوله: "تزوج رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث في شعبان من السنة الخامسة، وفيها على الصحيح غزوة بني المصطلق وتسمى غزوة المريسيع"٤.
٦- وبنحو هذا قال ابن القيم٥.
وممن ذهب إلى هذا من المعاصرين:
أ- الخضري بك: فقد ذكرها في شعبان في حوادث سنة خمس٦.
ب- الغزالي: قال في نهاية حديثه عن هذه الغزوة: "وكتاب السيرة على أن حديث الإفك وغزوة بني المصطلق كانا بعد الخندق، لكننا تابعنا ابن القيم في اعتبارها من حوادث السنة الخامسة قبل هجوم الأحزاب على المدينة، والتحقيق يساند ابن القيم ومتابعيه، فستعلم أن سعد بن معاذ قتل في معركة الأحزاب مع أن لسعد في غزوة بني المصطلق شأنًا يذكر، إذ إن الرسول ﵊، اشتكى إليه عمل٧ ابن أبي ولا يتفق أن يستشهد سعد بن معاذ في غزوة الخندق ثم يحضر بعد ذلك في بني المصطلق لو صّح أنها وقعت في السنة السادسة"٨.
_________________
(١) ١ يريد بني المصطلق. ٢ مغازي الواقدي ١/٤٠٤. ٣ انظر: طبقات ابن سعد ٢/٦٣، والمعارف لابن قتيبة ص ٧٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤١ و٣٤٣. ٤ العبر في خبر من غبر ١/٧، تاريخ الإسلام له ٢/٢٧٥. ٥ زاد المعاد ٣/١٢٥. ٦ نور اليقين ص ١٥٢. ٧ قال الألباني: لعله وهم أو سبق قلم، فإن المشتكي إليه إنما هو أسيد بن حضير كما في سيرة ابن هشام، وفي الباب مما يؤيد ما ذهب إليه ابن القيم أشياء صحيحة فيراجع في فتح الباري. ٨ فقه السيرة: ٣١٦.
[ ٩٦ ]
ج- وقال الدكتور البوطي: "ذكر ابن إسحاق وبعض علماء السيرة أنها كانت في العام السادس من الهجرة، والصحيح الذي ذهب إليه عامة المحققين أنها كانت في شعبان من العام الخامس للهجرة"١.
د- الدكتور أبو شهبة قال: "اختلف في زمن هذه الغزوة فذهب ابن إسحاق إلى أنها في شعبان سنة ست، ووافقه الطبري، وقال موسى بن عقبة: إنها سنة خمس في شعبان، ووافقه الحاكم والبيهقي وأبو معشر، وهو الراجح الذي تشهد له الأحاديث الصحيحة"٢.
هـ- وهكذا ذكر الساعاتي والصابوني: "بأنها كانت في السنة الخامسة على القول الأرجح"٣.
فهؤلاء العلماء جميعًا قد صرحوا بأن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان من السنة الخامسة، وأنها قبل الخندق، لأن الخندق كانت في شوال من السنة المذكورة أيضًا٤.
ومما يؤيد هذا ما يأتي:
١- اتفاقهم على أن هذه الغزوة كانت بعد نزول آية الحجاب، وكان نزولها في زواج رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش وذلك للتصريح بذلك في حديث الإفك كما سيأتي٥.
وللعلماء في تاريخ نزول الحجاب الأقوال الآتية:
أ- كان نزوله في السنة الثالثة، وبه جزم خليفة بن خياط وأبو عبيدة٦ وغير واحد.
_________________
(١) ١ فقه السيرة للبوطي القسم الثاني: ٩٣. ٢ السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة ١٩٦. ٣ الفتح الرباني ترتيب مسند أحمد ١٤/١٠٩، روائع البيان تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/١١٩. ٤ ما عدا موسى بن عقبة وابن قتيبة فإنهما يريان أن الخندق في السنة الرابعة. انظر: ص٩٠. ٥ انظر: ص ٢٠٥. ٦ هو معمر بن المثنى التيمي، مولاهم، البصري، النحوي اللغوي، صدوق، أخباري وقد رمى برأي الخوارج، من السابعة (ت٢٠٨) وقيل بعد ذلك وقد قارب المائة. خت د، التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٦.
[ ٩٧ ]
ب- في السنة الرابعة عند جماعة من العلماء، وبه جزم الدمياطي١ والذهبي وابن حجر.
ج- كان في ذي القعدة من السنة الخامسة، وبه قال قتادة والواقدي٢.
فعلى القول بأن الحجاب كان في السنة الثالثة أو الرابعة فيترجح كون غزوة بني المصطلق بعد ذلك، في السنة الخامسة، بعد نزول الحجاب وزواج رسول ﷺ بزينب بنت جحش، للتصريح بذلك في سياق قصة الإفك. أما قول قتادة والواقدي فلا يلتفت إليه بعد جزم من ذكر بمخالفتهم٣.
٢- وجود سعد بن معاذ فيها، فهذا مما يرجح تقدمها على غزوة الأحزاب، ولا يلتفت إلى من قال: بأن ذكره في غزوة بني المصطلق وهم من بعض الرواة٤، إذ التوهيم لا يكون إلا بأمر قاطع، وما دام الخلاف قائمًا في تحديد زمن كل من الغزوتين، وتقديم أحداهما على الأخرى. فلا يستقيم التوهيم، بل الإقدام عليه من الصعوبة بمكان لا يخفى، لا سيما أنه مصرح بذكره في أصح الصحيح بعد كتاب الله صحيحي البخاري ومسلم.
ولذا قال إسماعيل٥ القاضي: "الأولى أن تكون المريسيع قبل
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته ص؟. ٢ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٤/٣١٤ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/١٢٥، والمستدرك للحاكم ٤/٣، وتاريخ الإسلام للذهبي ٢/٣٤، وتفسير ابن كثير ٣/٥٠٣، وفتح الباري ٧/٤٣٠و ٨/٤٦٢-٤٦٣. ٣ مع أن الواقدي قد تناقض في هذا فذكر في مغازيه بأن غزوة بني المصطلق كانت في السنة الخامسة من شعبان، وذكر فيها حديث الإفك المصرح بأن ذلك وقع بعد نزول الحجاب وزواج زينب بنت جحش، ثم ذكر بأن الحجاب كان في ذي القعدة من سنة خمس كما نقل عنه. انظر: المغازي للواقدي ١/٤٠٤ و٢/٤٢٨، وانظر فتح الباري ٨/٤٦٢. ٤ انظر: القائلين بهذا ص؟. ٥ هو إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد بن درهم أبو إسحاق الأزدي مولى آل جرير بن حازم من أهل البصرة، سمع مسدد بن مسرهد، والقعنبي وابن المديني وغيرهم، وعنه عبد الله بن أحمد بن حنبل، ويحيى بن صاعد وغيرهم، قال الخطيب البغدادي: كان إسماعيل فاضلًا عالمًا متقنًا فقيهًا على مذهب مالك بن أنس، ثم ذكر شيئًا من مصنفاته. (ت ٢٨٢هـ) تاريخ بغداد ٦/٢٨٤.
[ ٩٨ ]
الخندق للحديث الصحيح عن عائشة"١.
وأما ما أبداه القطب٢ الحلبي من الاحتمال بقوله: "وقع في نسخة سماعنا (فقام سعد بن معاذ) ٣ وفي موضع آخر (فقام سعد أخو بني عبد الأشهل) ٤.
فيحتمل أن يكون آخر غير سعد بن معاذ، فإن في بني عبد الأشهل جماعة من الصحابة، يسمى كل منهم سعدًا، منهم: سعد بن زيد الأشهلي، شهد بدرًا، وكان على سبايا قريظة الذين بيعوا بنجد، وله ذكر في عدة أخبار، منها: في خطبة النبي ﷺ في مرض موته، فيحتمل أن يكون هو المتكلم في قصة الإفك فهذا مردود بتصريح القطب الحلبي نفسه بأنه سعد بن معاذ، في الموضع الأول. وأما الموضع الآخر فإن الرواية أيضًا في البخاري "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" كما أثبت ذلك في الحاشية. فكيف يتطرق الاحتمال بعد هذا التصريح بأنه سعد بن معاذ، إلى غيره. وأيضًا فإن في رواية معمر بن راشد عند مسلم "فقام سعد بن معاذ الأنصاري"٥.
فيتعين بهذا أن يكون المذكور هو سعد بن معاذ، لا غيره. ويندفع الاحتمال الذي أورده القطب الحلبي ﵀.
٣- ما ذكره المقريزي: أن رسول الله ﷺ بعد الرجوع من غزوة بني المصطلق أخذ بيد سعد بن معاذ، في نفر فخرج يقود به حتى
_________________
(١) ١ انظر: شرح مسلم للنووي ٥/٦٣٥، وزاد المعاد لابن القيم ٢/١٢٨، وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٧٢. ٢ هو عبد الكريم بن عبد النور بن منير الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ، أبو علي الحلبي، ثم المصري مفيد الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد، وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات (ت ٧٣٥) . ذيل تذكرة الحفاظ لمحمد بن علي الدمشقي ص١٣. ٣ انظر هذه الرواية في البخاري ٣/١٥٣، كتاب الشهادات، باب تعديل النساء بعضهنّ بعضًا. ٤ انظر هذه الرواية في البخاري ٥/٩٨، كتاب المغازي، باب حديث الإفك. وهذا لفظها "فقام سعد بن معاذ أخو بني عبد الأشهل" وليس كما ذكر القطب الحلبي بقوله: "فقام سعد أخو بني عبد الأشهل". ٥ انظر: صحيح مسلم ٨/١١٥، كتاب التوبة. وانظر فتح الباري ٨/٤٧١-٤٧٢.
[ ٩٩ ]
دخل به على سعد بن عبادة ومن معه، فتحدثا عنده ساعة، وقرب سعد بن عبادة طعامًا، فأصاب منه رسول الله ﷺ وسعد بن معاذ ومن معه، ثم خرج رسول الله ﷺ، فمكث أيامًا، ثم أخذ بيد سعد بن عبادة ونفر معه، فانطلق به، حتى دخل منزل سعد بن معاذ، فتحدثا ساعة، وقرب سعد بن معاذ طعامًا، فأصاب منه رسول الله ﷺ وسعد بن عبادة ومن معهم، ثم خرج الرسول ﷺ، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليذهب ما كان في أنفسهم من ذلك القول الذي تقاولا١ اهـ.
٤- اتفاق أهل المغازي على أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان، وأن غزوة الأحزاب كانت في شهر شوال، فمن هذه الناحية تكون غزوة بني المصطلق قبل الأحزاب، إذا غضضنا النظر، عن الخلاف في تحديد سنة كل منهما، وبهذا التقرير يكون الراجح في تحديد زمن هذه الغزوة أنها في شعبان من سنة خمس، وبوجه أعم تكون سابقة على غزوة الأحزاب، إذ الأحزاب في شوال من السنة المذكورة على الأصح كما تقدم٢.
ويندفع ما تعلق به الذاهبون إلى تأخرها عن غزوة الأحزاب اعتمادًا على ما ذكره ابن إسحاق في تحديدها بالسنة السادسة، وأن المحاورة في شأن أهل الإفك، كانت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة، ومستند ابن إسحاق لا مطعن فيه، غير أن إطباق كتب الصحاح على ذكر سعد بن معاذ في هذه الغزوة، مما يرجح كون غزوة بني المصطلق كانت قبل الخندق، ولا داعي إلى تطرّق الوهم إلى أصحّ الكتب بعد كتاب الله؛ لأنه يمكن اللجوء في مثل هذه القضايا إلى الترجيع بين الأدلة وتمييز الصحيح والأصح أو الراجح والمرجوح، ولا شك أن ما ذكر في الصحيحين أرجح مما ذكر في غيرهما ولاسيما كتب المغازي والتواريخ٣.
_________________
(١) ١ إمتاع الأسماع ١/٢١٠، وانظر السيرة الحلبية ٢/٣١٩. ٢ انظر: ص٩٢. ٣ راجع نظرة في مصادر ودراسة السيرة النبوية، لأكرم ضياء العمري ص١و ٣.
[ ١٠٠ ]
والآن نبدأ الحديث مع القائلين بأنها كانت في السنة الرابعة.
ج- القائلون بأن غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة:
١- موسى بن عقبة كما نقل ذلك عنه البخاري، وقد تقدم أن الذي حصل للبخاري سبق قلم، وأن الثابت عن موسى بن عقبة سنة خمس١.
٢- المسعودي: ذكرها في السنة الرابعة، وذكر أن الخندق في السنة الخامسة٢.
٣- ابن العربي المالكي: صرح أيضًا بأنها في السنة الرابعة وأن الخندق بعدها٣.
٤- أبو بكر العامري: اعتمد على النقل عن موسى بن عقبة بأنها كانت في السنة الرابعة٤.
ونقل قول ابن إسحاق بأنها كانت في السادسة، ثم عقب عليه بقوله: والصواب الأول- أي أنها كانت في الرابعة - بدليل أن فيها حديث الإفك، وجرى فيه ذكر سعد بن معاذ، وسعد أصيب يوم الخندق، والخندق في السنة الرابعة على الأصح، فعلم بهذا أن المريسيع قبلها٥.
٥- ومن المعاصرين محمد أحمد باشميل فقد ذكرها في حوادث سنة أربع، ضمن الحوادث الواقعة بين غزوتي أحد والأحزاب٦.
ويلاحظ مما ذكره هؤلاء العلماء في شأن غزوة بني المصطلق: أنها سابقة على غزوة الأحزاب، وهذا من المرجحات على تقدمها على غزوة الخندق.
_________________
(١) ١ انظر: ص؟ وما بعدها. ٢ مروج الذهب ٢/٢٩٥. ٣ عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ٧/١٧٣. ٤ قال شارح بهجة المحافل محمد الأشخر: "كذا نقل البخاري عن موسى بن عقبة وهو سبق قلم والذي في مغازيه أنها في سنة خمس". ٥ بهجة المحافل ١/٢٤١. ٦ غزوة الأحزاب ص ٩٤.
[ ١٠١ ]
غير أن تحديد زمنها بالسنة الرابعة، مردود بما أطبق عليه أهل المغازي بأن في السنة الرابعة كانت بدر الموعد، وكانت في شعبان، ومن المعلوم أن غزوة بني المصطلق كانت في شعبان اتفاقًا، وكانت مدة غياب رسول الله ﷺ فيها ثمانية وعشرين يومًا، ابتداء من ليلتين خلتا من شعبان١.
فإذا كانت غزوة بني المصطلق في السنة الرابعة على ما ذهب إليه هؤلاء العلماء، فمتى كانت بدر الموعد؟.
وعلى كل حال فكون غزوة بني المصطلق في شعبان سنة أربع، لا يستقيم مع قول أهل المغازي بأن في هذا التاريخ كانت بدر الموعد، وهذا مما يرجح تأخر غزوة بني المصطلق عن هذا التحديد.
الخليفة على المدينة في غياب الرسول ﷺ:
اختلف العلماء فيمن استخلف على المدينة في غياب رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق. وأقوالهم تنحصر في أحد أشخاص أربعة:
وهم: زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، وأبو ذر الغفاري، ونميلة ابن عبد الله الليثي، وجعيل بن سراقة الضمري.
ولم أجد ما يرجح قول أحد على آخر، إذ هو مجرد قول بدون إسناد. غير أن الأكثر على أن الخليفة أبو ذر، أو نميلة بن عبد الله الليثي٢.
_________________
(١) ١ انظر: ص٩٣و٩٦. ٢ انظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٤٢، سيرة ابن هشام ٢/٢٨٩، والروض الأنف للسهيلي ٦/٣٩٩، وعيون الأثر لابن سيد الناس ٢/٩٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣٣، زاد المعاد ٢/١٢٥، شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٢/٩٧، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٣٣٨.
[ ١٠٢ ]
الفصل الخامس: وصف غزوة بني المصطلق ونتائجها
المبحث الأول: وقوع القتل في بني المصطلق
المبحث الأول: وقوع القتل والسبي في بني المصطلق
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد ابن يحيى بن حبان١ - كل قد حدثني بعض حديث بني المصطلق - قالوا: بلغ رسول الله ﷺ أن بني٢ المصطلق يجمعون له، وقائدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ، فلما سمع رسول الله ﷺ بهم، خرج٣
_________________
(١) ١ تقدمت تراجم رجال الإسناد، ص؟. ٢ وعند الواقدي: عن مشايخه قالوا: إن بني المصطلق من خزاعة كانوا ينزلون ناحية الفرع، وهم حلفاء في بني مدلج، وكان رأسهم وسيدهم الحارث بن ضرار وكان قد سار في قومه ومن قدر عليه من العرب، فدعاهم إلى حرب رسول الله ﷺ، وجعلت الركبان تقدم من ناحيتهم فيخبرون بمسيرهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فبعث بريدة بن الحصيب الأسلمي يعلم علم ذلك فخرج حتى ورد ماءهم فوجد قومًا مغرورين قد تألبوا وجمعوا الجموع، فعاد فأخبر رسول الله ﷺ، فندب الناس فأسرعوا للخروج وقادوا الخيول وهي ثلاثون فرسًا؛ من المهاجرين عشرة، وفي الأنصار عشرون. (مغازي الواقدي ١/٤٠٤، وطبقات ابن سعد ٢/٦٣) . ٣ قال الذهبي: "خرج إليهم رسول الله ﷺ في سبعمائة". (تاريخ الإسلام ١/٢٣٠ القسم الخاص بالمغازي) .
[ ١٠٥ ]
إليهم، حتى لقيهم على ماء لهم يقال له: المريسيع إلى الساحل فتزاحف الناس واقتتلوا، فهزم الله بني المصطلق، وقتل* من قتل منهم، ونفّل رسول الله ﷺ أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فأفاءهم عليه، وقد أصيب رجل من المسلمين من بني كلب بن عوف بن عامر بن ليث بن بكر، يقال له: هشام١ بن صبابة، أصابه رجل من الأنصار من رهط عبادة بن الصامت، وهو يرى أنه من العدو، فقتله خطأ.
_________________
(١) * وعند الواقدي في المغازي١/٤٠٧ فما أفلت منهم إنسان، وقتل عشرة منهم وأسر سائرهم. ١ هشام بن صبابة بن حزن بن سيار بن عبد الله بن كلب بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة، الكناني الليثي، أخو مقيس بن صبابة. انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٠٠، وساق ابن حجر نسبه عن ابن الكلبي إلى كنانة. ثم قال: وقال أبو سعيد السكري: هو هشام بن حزن، وأمه صبابة بنت مقيس بن قيس بن عدي بن سعيد بن سهم. ثم ساق ابن حجر حديث ابن إسحاق هذا ثم قال: "وفي تفسير سعيد بن جبير الذي رواه ابن لهيعة عن عطاء بن دينار عنه، وكذا في تفسير ابن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٩٣]، قال: نزلت في مقيس بن صبابة وكان قد أسلم هو وأخوه هشام فوجد مقيس أخاه قتيلًا فشكا ذلك لرسول الله ﷺ فأمر له بالدية فأخذها ثم عدا على قاتل أخيه فقتله، وارتد وأقام بمكة وقال في ذلك أبياتًا. وسمي الواقدي بسند له قاتله أوسًا. وسمى المقتول هاشمًا، وكذا وقع عن ابن شاهين من طريق محمد بن يزيد عن رجاله"، ثم قال ابن حجر، والأول أرجح وصبابة بالمهملة عند أكثر أهل اللغة، وقال ابن دريد: ضبابة بالضاد المعجمة، ومقيس: بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة". انظر: الإصابة ٣/٦٠٣، فتح الباري ٨/٢٥٨، وعند ابن جرير: حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج عن ابن جريج عن عكرمة أن رجلًا من الأنصار قتل أخا مقيس بن ضبابة، فأعطاه النبي ﷺ الدية فقبلها، ثم وثب على قاتل أخيه فقتله. قال ابن جريج وقال غيره: "ضرب النبي ﷺ ديته على بني النجار، ثم بعث مقيسًا وبعث معه رجلا من بني فهر في حاجة للنبي ﷺ فاحتمل مقيس الفهري وكان قويًا، فضرب به الأرض ورضخ رأسه بين حجرين، ثم ألفى يتغنى: قتلت به فهرًا وحملت عقله سراة بني النجار أرباب فارع فقال النبي ﷺ: "أظنه قد أحدث حدثًا، أما والله لئن كان فعل لا أؤمنه في حل ولا حرم، ولا سلم ولا حرب"، فقتل يوم الفتح، قال ابن جرير: "وفيه نزلت هذه الآية ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ "، الآية، [سورة النساء، من الآية: ٩٣]، تفسير الطبري ٥/٢١٧. والحديث أورده الواحدي عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس، في سبب نزول هذه الآية. انظر أسباب النزول للواحدي ص ١١٤. قلت: كون هذه الآية نزلت في شأن مقيس قول ضعيف. وذلك لما يأتي:
(٢) عطاء بن دينار الهذلي، لم يصح أنه سمع التفسير من ابن جبير، وإنما هي صحيفة رواها عنه. انظرك تهذيب التهذيب ٧/١٩٨ وتقريب التهذيب ٢/٢١ وميزان الاعتدال ٣/٦٩-٧٠.
(٣) الحديث المروي عن ابن عباس فيه الكلبي وهو محمد بن السائب أبو النضر الكوفي النسابة المفسر قال عبد ابن حجر: في التقريب ٢/١٦٣ متهم بالكذب ورمي بالرفض. وفي ميزان الإعتدال ٣/٥٥٩. قال ابن معين: "الكلبي ليس بثقة"، وقال الجوزجاني وغيره: "كذاب". وقال الدارقطني وجماعة: "متروك". ثم قال الذهبي: "لا يحل ذكره في الكتب فكيف الاحتجاج به". وفيه أبو صالح: وهو باذام مولى أم هانىء. ضعفه البخاري، وقال النسائي: "ليس بثقة"، ثم قال الذهبي: "أبو صالح يروي عن ابن عباس التفسير ولم ير ابن عباس". ميزان الاعتدال ١/٢٩٦، و٣/٥٥٩.
(٤) حديث الطبري فيه عنعنة ابن جريج، وفيه انقطاع لأن عكرمة لم يحضر القصة. أما كون هشام بن صبابة قتل في غزوة بني المصطلق فهو الذي أطبق عليه المؤرخون، إلاَّ ما كان من ابن عبد البر فقد ذكر في الاستيعاب ٣/٥٩٥ أنه قتل في غزوة ذي قرد، وهو شيء ذكره بدون إسناد. وأما مقيس فكان من النفر الذين أهدر رسول الله ﷺ دماءهم يوم فتح مكة، فقتله نميلة بن عبد الله وكان من قومه. انظر أسد الغابة ٥/٣٦٣ والإصابة ٣/٥٧٤ وسيرة ابن هشام ٢/٤١٠.
[ ١٠٦ ]
وقدم مقيس بن صبابة من مكة مسلمًا فيما يظهر، فقال: يا رسول الله جئتك مسلمًا وجئت أطلب دية أخي، قتل خطأ، فأمر له رسول الله ﷺ بدية أخيه هشام بن صبابة، فأقام عند رسول الله ﷺ، غير كثير، ثم عدا على قاتل أخيه، فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدًا وأصيب من بني المصطلق يومئذ ناس، وقتل علي بن أبي طالب منهم رجلين مالكًا وابنه، وقتل عبد الرحمن بن عوف رجلًا من فرسانهم، يقال له: أحمر أو أحمير.
وكان رسول الله ﷺ، قد أصاب منهم سبيًا* كثيرًا، قسمه في المسلمين، وكان فيمن أصيب يومئذ من السبايا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار زوج رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) * وعند الواقدي: وكانت الإبل ألفي بعير، وخمسة آلاف شاة وكان السبي مائتي أهل بيت مغازي الواقدي ١/١٤٠، وطبقات ابن سعد ٢/٦٤ وشرح المواهب للزرقاني ٢/٩٧-٩٨ وزاد: وكانت الأسرى أكثر من سبعمائة. ١ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠ و٢٩٣.
[ ١٠٧ ]
والحديث أورده من هذه الطريق: خليفة بن خياط، وابن جرير الطبري، وابن كثير١.
وأورده أيضًا الطبراني من هذه الطريق غير أنه قال: "فأمدهم الحارث بن أبي ضرار أبو جويرية بنت الحارث زوج رسول الله ﷺ" إلى أن قال: "فهزم الله بني المصطلق وقتل الحارث بن أبي ضرار أبا جويرية"الخ. قال الهيثمي: "رجاله ثقات"٢.
قلت: "وسبق إلى هذا القول اليعقوبي فقد صرح في تاريخه بأن والد جويرية قتل في المعركة، ولكنه أورد ذلك بدون إسناد"٣.
قلت: "وهذا وهم".
لأن والد جويرية: معدود في الصحابة، وله حديث عند أحمد، في قدومه على رسول الله ﷺ بالمدينة وإسلامه٤.
الحكم على الحديث:
والحديث مداره على ابن إسحاق، وقد صرح فيه بالتحديث، ورجال الإسناد ثقات، وهم رجال الصحيح.
غير أنه مرسل. والمرسل من قسم الحديث الضعيف. وذلك يشهد له حديث عبد الله بن عمر: "أن النبي ﷺ أغار على بني المصطلق وهم غارون وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل مقاتلتهم، وسبى ذراريهم، وأصاب يومئذ جويرية"٥.
فإنه صريح في وجود القتل والسبي فيكون الحديث حسنًا لغيره.
_________________
(١) ١ انظر تاريخ خليفة ص٨٠، وتاريخ ابن جرير ٢/٦٠٤ والبداية والنهاية ٤/١٥٦. ٢ مجمع الزوائد ٦/١٤٢. ٣ تاريخ اليعقوبي ٢/٥٣. ٤ انظر الاستيعاب على هامش الاصابة ١/٢٩٩ وأسد الغابة ١/٣٩٩-٤٠٠ والإصابة ١/١٨١ وانظر حديثه في المسند ٤/٢٧٩. ٥ انظر: الحديث، ص٧٨.
[ ١٠٨ ]
وقد جمع ابن حجر بين الحديث بقوله: ويحتمل أن يكون لما دهم المسلمون بني المصطلق وهم على الماء، ثبتوا قليلًا وقاتلوا، ولكن وقعت الغلبة عليهم١.
_________________
(١) ١ انظر ص٨٤.
[ ١٠٩ ]
المبحث الثاني: شعار المسلمين في هذه الغزوة
كان من الخطط المألوفة في معارك رسول الله ﷺ أن يتفق مع أصحابه على شعار يقولونه في المعركة وذلك خشية الاشتباه بين أفراد المسلمين والكفار ولقد كان شعار المسلمين في هذه المعركة هو "يا منصور أمت أمت"، وإليك النصوص الواردة في ذلك.
ورد في مجمع البحرين: حدثنا محمد١ بن الحسين بن مكرم، ثنا يحيى بن محمد بن السكن٢.
ثنا محمد٣ بن جهضم، ثنا محمد بن الحسن٤، عن خارجة بن
_________________
(١) ١ محمد بن الحسين بن مكرم، أبو بكر البغدادي، سمع بشر بن الوليد ومحمد بن بكار الريان، وانتقل إلى البصرة فسكنها حتى مات بها، ثم نقل توثيقه عن الدارقطني. وقال فيه إبراهيم بن فهد: "ما قدم علينا البصرة من بغداد أعلم بحديث رسول الله ﷺ من أبي بكر بن مكرم، بحديث أهل البصرة خاصة ولا أعرف منه". (ت ٣٠٩) تاريخ بغداد للخطيب ٢/٢٣٣. وفي تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٣٥ روي عنه محمد بن مخلد وأبو القاسم الطبراني وابن عدي وابن السني، وابن المقرئ، وخلق، ثم نقل فيه قول الدارقطني وإبراهيم ابن فهد. ٢ يحيى بن محمد بن السكن بن حبيب القرشي، البزاز، البصري، نزيل بغداد، صدوق، من الحادية عشرة (ت ٢٥٠) / خ د س. التقريب ٢/٣٥٧. ٣ محمد بن جهضم بن عبد الله الثقفي، أبو جعفر البصري، خراساني الأصل، صدوق من العاشرة، /خ م د س. المصدر السابق ٢/١٥١. ٤ محمد بن الحسن الشيباني، أبو عبد الله، أحد الفقهاء/ لينه النسائي وغيره، من قبل حفظه، ويروي عن مالك بن أنس وغيره، وكان من كبار أهل العلم والفقه، قويًا في مالك، انظر: ميزان الاعتدال ٣/٥١٣.
[ ١٠٩ ]
الحارث١ بن رافع بن مكيث الجهني عن أبيه٢ قال: سمعت سنان بن وبرة٣ قال: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة المريسيع، غزوة بني المصطلق، فكان شعارهم: "يا منصور أمت أمت".
لا يروى عن سنان إلا بهذا الإسناد، تفرد به جهضم٤٥.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد عن سنان المذكور وقال: رواه الطبراني في الأوسط والكبير، وإسناد الكبير حسن٦.
وأورده ابن الأثير بهذا الإسناد في ترجمة سنان بن وبرة وقال: "أخرجه ابن منده وأبو نعيم في هذه الترجمة"٧.
_________________
(١) ١ خارجة بن الحارث بن رافع بن مكيث الجهني المدني صدوق من السابقة/ بخ د. التقريب ١/٢١٠. ٢ الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، مقبول من الثالثة، وله رواية عن النبي ﷺ مرسلة/ د. التقريب ١/١٤٠، وفي تهذيب التهذيب ٢/١٤١، روى عن النبي ﷺ مرسلًا، وعن أبيه، وجابر، وسنان بن وبرة، وعنه ابنه خارجة وابن أخيه محمد بن خالد بن رافع. قلت: وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان: "لا يعرف". وقال البخاري: "الحارث بن رافع بن مكيث الجهني ثم الربعي. يعد في المدنيين، سمع جابر بن عبد الله، روى عنه ابنه خارجة"، انظر: التاريخ الكبير للبخاري ٢/٢٦٩، وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٧٤: روى عن جابر، وعنه ابنه خارجة، سمعت أبي يقول ذلك. قال أبو محمد: "روى عنه ابن أخيه محمد بن خالد بن رافع بن مكيث". ٣ سنان بن وبرة ويقال: ابن وبر الجهني حليف بني الحارث بن الخزرج وهو الذي تنازع مع جهجاه الغفاري على الماء وكادت تحصل فتنة بين المهاجرين والأنصار. انظر: سيرة ابن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩. ويقال: إنه هو الذي سمع عبد الله بن أُبيّ يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل والصحيح أن الذي سمعه هو زيد بن أرقم كما هو ثابت في الصحيحين وغيرهما. انظر: سيرة بن هشام ٢/٢٩٠، وأسد الغابة ٢/٤٥٩، والإصابة ٢/٤٨. ٤ تفرد به جهضم (كذا في الأصل وفي المسند محمد بن جهضم، وقال ابن حجر: "نقلًا عن الطبراني تفرد به محمد بن جهضم". ٥ مجمع البحرين في زوائد المعجمين ٢/٢٤٠، وتفرد ابن جهضم لا يضر لأنه محتج به ولا مخالف له. ٦ ٦/١٤٢. ٧ أسد الغابة ٢/٤٦٣ و٤٥٩.
[ ١١٠ ]
وأخرجه أبو عمر: في ترجمة سنان بن تيم١.
وقال ابن حجر في الإِصابة: "روى الطبراني من طريق خارجة بن الحارث بن رافع الجهني عن أبيه سمعت سنان بن وبرة الجهني يقول: كنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، وكان شعارنا يا منصور أمت. قال في الأوسط: لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد، تفرد به محمد بن جهضم"٢.
وأورده في الفتح مقتصرًا على قوله: "كنا مع النبي ﷺ في غزوة المريسيع غزوة بني المصطلق"رواه الطبراني من حديث سنان بن وبرة٣.
وأورده ابن هشام وغيره بدون إسناد٤.
والحديث مداره على الحارث بن رافع بن مكيث الجهني، وقد وصفه ابن حجر بأنه (مقبول) والمقبول عنده هو: "من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإِشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع وإلاَّ فلين الحديث"٥. وهنا قد جزم الطبراني بعدم وجود المتابعة، بقوله: "لا يروى عن سنان إلاَّ بهذا الإِسناد".
والحديث: حسنه الهيثمي كما مر قريبًا٦ ولعله اعتمد على توثيق ابن حبان للحارث. وهو متساهل في التوثيق، فإنه يوثق المجاهيل٧.
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٢/٤٥٩ والاستيعاب مع الإِصابة ٢/٨١. ٢ الإِصابة ٢/٨٤. ٣ الفتح ٧/٤٣٠. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٠٥ والدرر في اختصار المغازي والسير لابن عبد البر، ص٢٠٠ ٥ التقريب ١/٥. ٦ انظر، ص١١٠. ٧ انظر لسان الميزان لابن حجر ١/١٤ و٤٩٢، وفتح المغيث للسخاوي ١/٢٩٤، وسلسلة الأحاديث الضعيفة للألباني ١/٣٢ و٣٤.
[ ١١١ ]
ولعل الهيثمي أيضًا يقول بقاعدة بعض العلماء وهو تحسين حديث المستور إذا كان من التابعين كما هو مذهب ابن كثير وابن رجب١. رحمهما الله٢.
وعلى كل حال فالقول بما رآه الهيثمي من تحسين هذا الحديث أقرب إلى الصواب، لأن الحارث من التابعين وقد روى عن جماعة، وروى عنه ابنه وابن أخيه، وقد وثقه ابن حبان. وهي مسألة تاريخية وليست من العقائد حتى نتشدد في ذلك.
وأما قول ابن القطان٣: "بأن الحارث لا يعرف، فابن القطان من المتشددين في ذلك، ولم يوافقه الذهبي على هذه القاعدة التي مشى عليها"٤.
_________________
(١) ١ هو عبد الرحمن بن أحمد بن رجب شهاب الدين صاحب كتاب (جامع العلوم والحكم) (ت ٧٩٥) انظر ذيل تذكرة الحفاظ للذهبي، ص: ١٣. ٢ انظر: سلسلة الأحاديث الصحيحة للألباني المجلد الأول، الجزء الربع، ص١٠. ٣ هو أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك الفاسي صاحب كتاب (الوهم والإيهام) (ت٦٢٨) تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧. ٤ انظر: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦ وتذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧ وانظر الرفع والتكميل في الجرح والتعديل لعبد الحي اللكنوي، ص١١٠.
[ ١١٢ ]
المبحث الثالث: ضعف مقاومة بني المصطلق
أما كون المسلمين لم يلقوا في هذه الغزوة مقاومة شديدة على الرغم من تحشد بني المصطلق واستعدادهم الكامل للمعركة، فلعل هذا يفسر بأمرين:
الأول: علم المسلمين المسبق باحتشاد هذه القبيلة للهجوم على المدينة، واستعداد المسلمين الكامل في هذه الغزوة، وأخذهم الحذر التام.
الثاني: هجوم المسلمين المبكر على هذه القبيلة قبل أن تقوم هي بالهجوم.
ومن المعلوم أن العدو إذا بوغت في عقر داره على حين غفلة، فإِنه تتحطم معنوياته وتنهار قواه، ويسهل القضاء عليه، ويصاب بالذعر والاندحار، حتى ولو كان قد أعد عدته، وجمع الجموع، كما حصل لهذه القبيلة فإِنها قد تهيأت
[ ١١٢ ]
عسكريًا وجمعت جموعها لمهاجمة المدينة المنورة، غير أن المسلمين كشفوا القضية قبل أن تقوم هذه القبيلة بالهجوم، فكان المسلمون هم المهاجمين، ولقنوا هذا العدو درسًا كان عبرة له، وردعًا لأمثاله، ممن تسول لهم أنفسهم مهاجمة عاصمة الإِسلام (المدينة المنورة) .
وهذان الأمران: يفسران عدم لقاء المسلمين أية مقاومة تذكر في هذه الغزوة، إلاَّ ما يحصل عادة من مناوشات ومحاولات يائسة للدفاع عن النفس. وبه يفسر ما ذكرته كتب المغازي من وجود صدام وقتلى، لم يؤد إلى وجود خسائر في صفوف المسلمين، مما يؤيد أن الرسول ﷺ كان قد علم بتبييت هذا العدو الغزو له، فعاملهم بنقيض قصدهم وهجم عليهم قبل أن يهجموا عليه، وهذا يدل على ما كان عليه المسلمون - بقيادة نبيهم ﷺ - من يقظة كاملة لكل تحركات الأعداء من الداخل والخارج على سواء.
[ ١١٣ ]
المبحث الرابع: موقف جويرية بنت الحارث ﵂
قال ابن إسحاق: حدثني محمد بن جعفر١ بن الزبير عن عروة٢ ابن الزبير، عن عائشة٣، قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له٤، فكاتبته على نفسها، وكانت امرأة حلوة
_________________
(١) ١ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي المدني، ثقة، من السادسة (ت بضع عشرة ومائة) / ع. انظر التقريب ٢/١٥٠. ٢ عروة بن الزبير بن العوام بن خويلد الأسدي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه مشهور، من الثانية، (ت ٩٤) على الصحيح، ومولده في خلافة عمر الفاروق/ع المصدر السابق ٢/١٩. ٣ عائشة بنت أبي بكر الصديق، أم المؤمنين، أفقه النساء مطلقًا، وأفضل أزواج النبي ﷺ، إلاَّ خديجة ففيها خلاف شهير (ت ٥٧) على الصحيح/ ع. المصدر السابق ٢/٦٠٦. ٤ وفي مغازي الواقدي ١/٤١٠ وقعت في السهم لثابت بن قيس وابن عم له – بالواو المشركة – وأن ثابتًا خلصها من ابن عمه بنخلات له بالمدينة.
[ ١١٣ ]
ملاَّحة١، لا يراها أحد إلاَّ أخذت بنفسه، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، قالت عائشة: فوالله ما هو إلاَّ أن رأيتها على باب حجرتي فكرهتها، وعرفت أنه سيرى منها ﷺ ما رأيت، فدخلت عليه فقالت: يا رسول الله، أنا جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، سيد قومه، وقد أصابني من البلاء، ما لم يخف عليك، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن الشماس، أو لابن عم له، فكاتبته على نفسي، فجئتك أستعينُك على كتابتي، قال: "فهل لك في خير من ذلك؟ ".
قالت: وما هو يا رسول الله؟.
قال: "أقضي عنك كتابتك وأتزوجك"، قالت: نعم يا رسول الله، قد فعلت، قالت: وخرج الخبر إلى الناس أن رسول الله ﷺ قد
_________________
(١) ١ ملاحة: بضم الميم وتشديد اللام أي شديدة الملاحة، وهو من أبنية المبالغة، انظر غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٥٥. وكنّت به عائشة عن جمالها، وكانت جويرية قبل رسول الله ﷺ تحت مسافع بن صفوان المصطلق ذي الشفر بن سرح بن مالك ابن جذيمة، فقتل يوم المريسيع. انظر طبقات ابن سعد ٨/١١٦، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/٥٦، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٥. وعند ابن إسجاق كانت تحت ابن عم لها يقال له: ابن ذي الشفر انظر سيرة ابن إسحاق المسماة المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥، والإصابة لابن حجر ٤/٢٦٦. وكانت وفاتها سنة ٥٦ المصادر السابقة. وهي التي روت حديث أن النبي ﷺ خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح وهي في مسجدها ثم رجع بعد أن أضحى وهي جالسة، فقال: "ما زلت على الحال التي فارقتك عليها" قالت: نعم، يا رسول ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم، لوزنتهن سبحان الله وبحمده عدد خلقه ورضا نفسه وزنة عرشه ومداد كلمات" انظر صحيح مسلم ٨/٨٣، كتاب الذكر والدعاء وهو من رواية عبد الله بن عباس عنها. قال الذهبي في تجريد أسماء الصحابة ٢/٢٧١ جويرية التي قال لها النبي ﷺ: "لقد قلت بعدك أربع كلمات لو وزنت بما قلت" الخ. قال ابن حبان في الأنواع: "هي ابنة الحارث بن عبد المطلب عم النبي ﷺ كذا قال، وإنما هي أم المؤمنين وقد رواه ابن عباس عنها". انظر الإصابة لابن حجر ٤/٢٦٧-٢٦٨ قلت: "وقد وقع في الخطأ أيضًا الدكتور وهبة الزحيلي، فقد قال بأنها: جويرية بنت الحارث بن عبد المطلب بن هاشم ابنة عم النبي ﷺ وأم المؤمنين، تزوجها قبله مسافع بن صفوان، وقتل يوم المريسيع وكان أبوها سيد قومه في الجاهلية". انظر آثار الحرب في الفقه الإسلامي دراسة مقارنة، حاشية ص ٤٤٦.
[ ١١٤ ]
تزوج جويرية ابنة الحارث بن ضرار، فقال الناس: أصهار رسول الله ﷺ، وأرسلوا ما بأيديهم، قالت: فلقد أعتق بتزويجه إياها مئة١ أهل بيت من بني المصطلق، فما أعلم امرأة كانت أعظم على قومها بركة منها٢.
وأورده أبو داود في كتاب العتق من هذه الطريق: حدثنا عبد العزيز٣ بن يحيى أبو الأصبغ الحراني، قال حدثني محمد٤ - يعني ابن سلمة عن ابن إسحاق٥ عن محمد بن جعفر بن الزبير٦ عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ قالت: "وقعت جويرية بنت الحارث بن المصطلق في سهم ثابت بن قيس بن شماس، أو ابن عم له، فكاتبت على نفسها، وكانت امرأة ملاحة تأخذها العين"، الحديث ثم قال عقبة قال أبو داود: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه"٧.
قال صاحب عون المعبود: "قال المنذري: وفيه محمد بن إسحاق بن يسار"، ثم قال صاحب العون: "قلت: وقد صرح بالتحديث في رواية يونس ابن بكير عنه. وأخرجه أحمد في مسنده"٨.
_________________
(١) (مئة أهل بيت) قال صاحب عون المعبود: "كذا بالإضافة أي مئة طائفة كل واحدة منهن أهل بيت، ولم تقل مائة هم أهل بيت لإيهام أنهم مائة نفس كلهم أهل بيت وليس مرادًا، وقد روى أنهم كانوا أكثر من سبعمائة قاله الزرقاني". عون المعبود ١٠/٤٤٤، وانظر شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٤٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٤ و٦٤٥ وانظر سيرة ابن إسحاق المسمي المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٤٥. ٣ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي بفتح الباء وتشديد الكاف الممدودة أبو الأصبغ الحراني، صدوق ربما وهم. (ت ٢٣٥) د س، التقريب ١/٥١٣. ٤ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني ثقة (ت ١٩١) على الصحيح/ زم ٤ المصدر السابق ٢/١٦٦. ٥ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، مولاهم، المدني، نزيل العراق إمام في المغازي، صدوق يدلس، ورمي بالتشيع والقدر، (ت ١٥٠) ويقال بعدها/ خت م ٤. التقريب ٢/١٤٤. ٦ تقدمت تراجم بقية رجال السند. ٧ سنن أبي داود ٢/٣٤٧. ٨ عون المعبود ١٠/٤٤١.
[ ١١٥ ]
قلت: رواية يونس المشار إليها هي عند البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله١الحافظ وأبو بكر٢ أحمد بن الحسن القاضي، قالا ثنا أبو العباس٣ محمد بن يعقوب، ثنا أحمد بن عبد الجبار٤، ثنا يونس بن بكير٥ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عروة عن عائشة ﵂ قالت: لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن شماس أو لابن عم له. الحديث٦.
ومن هذه الطريق أورده الحاكم مختصرًا بطريق العنعنة٧.
وهذا حديث أحمد المشار إليه فيما تقدم٨:
حدثنا يعقوب٩ قال حدثنا أبي١٠ عن ابن إسحاق قال: حدثني محمد بن
_________________
(١) ١ هو الحاكم محمد بن عبد الله النيسابوري صاحب المستدرك، (ت٤٠٥) . ٢ أحمد بن الحسن بن عمران بن موسى أبو بكر القاضي عن أحمد بن منصور والرمادي، وعنه أحمد بن الفرج بن الحجاج. انظر تاريخ بغداد ٤/٩٠. ٣ هو المعروف بالأصم قال فيه الذهبي: "الإمام المفيد الثقة محدث المشرق أبو العباس محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري، حدث عن جماعة كثيرة منهم هارون بن هارون بن سليمان وأحمد بن شيبان الرملي، وأحمد بن عبد الجبار العطاردي، وعنه الحاكم وابن مندة وأبو عبد الله بن الأخرم وغيرهم، قال الحاكم كان محدث عصره بلا مدافعة، وقال أيضًا حدث ٧٦ سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه، (ت ٣٤٦) " تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠-٨٦٤. ٤ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي بضم العين المهملة والطاء المخففة. أبو عمر الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له، (ت٢٧٢/ د. التقريب ١/١٩. ٥ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي صدوق يخطئ من التاسعة، (ت ١٩٩) / خت م د ت ز ق/ المصدر السابق ٢/٣٨٤. قلت: وقد تابعه محمد بن سلمة. كما عند أبي داود. ٦ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٤. ٧ المستدرك ٤/٢٦. ٨ انظر، ص١١٥. ٩ يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو يوسف المدني، نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة (ت ٢٠٨) / ع المصدر السابق ٢/٤. ١٠ هو إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أبو إسحاق المدني نزيل بغداد، ثقة حجة، تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة (ت ١٨٥) / ع. المصدر السابق ١/٣٥.
[ ١١٦ ]
جعفر بن الزبير عن عروة بن الزبير عن عائشة أم المؤمنين قالت: "لما قسم رسول الله ﷺ سبايا بني المصطلق، وقعت جويرية بنت الحارث في السهم لثابت بن قيس بن الشماس أو لابن عم له وكاتبته على نفسها الحديث"١
ورواه أيضًا خليفة بن خياط، وأبو يعلى الموصلي، وابن جرير الطبري، وابن الأثير، وابن كثير وابن حجر، جميعهم من طريق ابن إسحاق٢.
وعلى هذا فالحديث بجميع طرقه يدور على ابن إسحاق.
وقد صرح بالتحديث عند البيهقي وأحمد والسيرة الهشامية، وكذا عند ابن كثير وابن حجر. فأمن تدليسه.
قال ابن حجر: "ابن إسحاق حسن الحديث إلاَّ أنه لا يحتج به إذا خولف"٣.
وقال الألباني: "الذي استقر عليه رأي العلماء المحققين أن حديث ابن إسحاق في مرتبة الحسن بشرطين:
أن يصرح بالتحديث وأن لا يخالف من هو أوثق منه"٤.
وبهذا التقرير يكون الحديث حسنًا لذاته، وهو ظاهر في أن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وكان ذلك صداقًا لها.
وقد ورد عند ابن سعد ما يخالف هذا وهو:
_________________
(١) أخبرنا محمد بن عمر٥، حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح٦، ١ مسند أحمد ٦/٢٧٧. ٢ انظر تاريخ خليفة، ص ٨٠، ومسند أبي يعلى ٤/ق ٤٥٥ أ، وتاريخ الطبري ٢/٦١٠، أسد الغابة ٧/٥٦، والبداية والنهاية ٤/١٥٩، والإصابة ٤/٢٦٥. ٣ فتح الباري ٤/٣٢. ٤ دفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص ٨٢. ٥ محمد بن عمر هو الواقدي. ٦ عبد الله بن أبي نجيح، يسار، أبو يسار، الثقفي، مولاهم، ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١) أو بعدها/ ع. التقريب ١/٤٥٦.
[ ١١٧ ]
عن مجاهد١، قال: قالت جويرية: يا رسول الله إن نساءك يفخرن علي، يقلن لم يتزوجك رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "ألم أعظم صداقك، ألم أعتق أربعين من قومك" ٢.
والحديث عند الحاكم من هذه الطريق وليس فيه الواقدي٣:
٢- أخبرنا وكيع بن الجراح وعبد الله بن نمير والفضل بن دكين عن زكريا٤ عن عامر٥ قال: أعتق رسول الله ﷺ جويرية بنت الحارث، وجعل صداقها عتق كل مملوك من بني المصطلق، وكانت من ملك يمين النبي صلى الله عليه وسلم٦.
والحديثان ضعيفان ففي الحديث الأول عنعنة ابن أبي نجيح٧.
وفي الحديث الثاني علتان:
الأولى: عنعنة زكرياء بن أبي زائدة٨.
والثانية: الإرسال٩.
_________________
(١) ١ مجاهد بن جبر أبو الحجاج، المخزومي، مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، (ت ١٠٢أو ١٠٤) / ع. التقريب ٢/٢٢٩. ٢ طبقات ابن سعد ٨/١١٧. ٣ المستدرك ٤/٢٥. ٤ زكرياء بن أبي زائدة خالد، ويقال هبيرة بن ميمون بن فيروز، الهمداني، الوادعي، أبو يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، (ت ١٤٧أو ١٤٨أو ١٤٩) /ع. التقريب ١/٢٦١. ٥ هو ابن شراحيل الشعبي، أبو عمرو، ثقة، مشهور، فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: "ما رأيت أفقه منه"، (ت بعد المائة) / ع. المصدر السابق ١/٣٨٧. ٦ طبقات ابن سعد ٨/١١٨. ٧ وضعه ابن حجر في الطبقة الثالثة من أقسام الموصوفين بالتدليس وهي الطبقة التي لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلاَّ بما صرحوا فيه بالسماع، وقال: "أكثر عن مجاهد وكان يدلس عنه. وصفه بذلك النسائي".انظر ص٢٨من طبقات المدلسين لابن حجر. ٨ وخاصة عن الشعبي فقد قال فيه أبو زرعة: "زكرياء صويلح يدلس كثيرًا عن الشعبي". وكذلك وصفه بذلك أبو حاتم، وفي التقريب قال عنه ابن حجر: ثقة وكان يدلس. انظر تهذيب التهذيب ٣/٣٣٠. والتقريب ١/٢٦١. ٩ والمرسل ضعيف عند جمهور المحدثين، قال ابن أبي حاتم: سمعت «أبي وأبا زرعة يقولان: لا يحتج بالمراسيل، ولا تقوم الحجة إلاَّ بالأسانيد الصحاح المتصلة. انظر كتاب المراسيل لابن أبي حاتم، ص ١٣. وانظر ص ٨٥-٨٦ من هذه الرسالة.
[ ١١٨ ]
المبحث الخامس: إسلام الحارث بن أبي ضرار
بعد أن ساق ابن هشام حديث ابن إسحاق من طريق عائشة المصرح بأن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها١.
عقب قوله: قال ابن هشام: ويقال: لما انصرف رسول الله ﷺ من غزوة بني المصطلق ومعه جويرية بنت الحارث، وكان بذات الجيش٢ دفع جويرية إلى رجل من الأنصار وديعة، وأمره بالاحتفاظ بها، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار، بفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء، فرغب في بعيرين منها، فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ، وقال: يا محمد؟ أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: "فأين البعيران اللذان غيبتهما بالعقيق في شعب كذا وكذا؟
فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله، وأنك محمد رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلاَّ الله"، فأسلم الحارث، وأسلم معه ابنان له، وناس من قومه، وأرسل إلى البعيرين، فجاء بهما، فدفع الإبل إلى النبي ﷺ، ودفعت إليه ابنته جويرية، فأسلمت وحسن إسلامها، فخطبها رسول الله ﷺ، إلى أبيها، فزوجه إياها وأصدقها أربع مئة درهم٣.
وأكد السهيلي نسبة هذا القول إلى ابن هشام٤.
قلت: هذا لا يقاوم حديث عائشة. لأنه لا إسناد له، وقد صدر (بيقال) الدالة على الضعف.
_________________
(١) ١ انظر: الحديث، ص. ٢ ذات الجيش: من المدينة على بريد من جهة مكة، وبينها وبين العقيق سبعة أميال، ومعجم ما استعجم للبكري ٢/٤٠٩-٤١٠. وعلى هذا تكون المسافة بين ذات الجيش والمدينة ٢٠ كيلو مترًا لأن البريد أربع فراسخ والفرسخ يساوي خمس كيلومترات. ٣ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٥ و٢/٦٤٥-٦٤٦، وزاد: ويقال: اشتراها رسول الله ﷺ من ثابت بن قيس، فأعتقها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم. ٤ الروض الأنف، ٦/٧٠٦-٧/٥٣٧.
[ ١١٩ ]
وممن وقع في هذا الخطأ محمد الغزالي١.
فرد عليه الألباني بقوله: "هذا غير صحيح، وقد أشار لذلك ابن هشام في سيرته، فإنه ذكر هذه الرواية بدون إسناد، وصدرها بقوله: (ويقال) " ثم قال الألباني أيضًا: "والصحيح أنه ﷺ قضى عنها كتابتها وتزوجها دون أن يخطبها من أبيها، فإنها كانت أسيرة، كما رواه ابن إسحاق بسند صحيح عن عائشة ﵂، ومن طريقة أخرجه أحمد وابن هشام، وفي حديثهما (إطلاق الأسرى) "٢ انتهى قلت: وأخرجه من هذه الطريقة أبو داود أيضًا كما تقدم٣.
وقال عقبة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه".
وهذا يرد ما ذكره ابن هشام من أن رسول الله ﷺ خطبها من أبيها وتزوجها وأصدقها أربع مئة درهم، على أنه قد نسب ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر لابن إسحاق نحو ما ذكر ابن هشام، وليس فيه ذكر الزواج بعد قدوم الحارث إلى المدينة.
وهذا نصه: قال ابن إسحاق: "تزوج النبي ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار، وكانت في سبايا بني المصطلق من خزاعة، فوقعت في السهم لثابت بن قيس بن شماس، وذكر الخبر، وفيه: "فأقبل أبوها الحارث بن أبي ضرار لفداء ابنته، فلما كان بالعقيق نظر إلى الإبل التي جاء بها للفداء فرغب في بعيرين منها فغيبهما في شعب من شعاب العقيق، ثم أتى إلى النبي ﷺ، فقال: يا محمد أصبتم ابنتي وهذا فداؤها، فقال رسول الله ﷺ: "فأين البعيران اللذان غيبت بالعقيق في شعب كذا وكذا؟ فقال الحارث: "أشهد أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، فوالله ما أطلع على ذلك إلا الله"، فأسلم الحارث وأسلم معه ابنان وناس من قومه٤.
_________________
(١) ١ فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣. ٢ فقه السيرة للغزالي، ص ٣٠٨ وانظر الحديث، ص ١١٣. ٣ انظر، ص. ٤ الاستيعاب ١/٢٩٩، مع الإصابة وأسد الغابة ١/٤٠٠، والإصابة ١/٢٨١، وهذه الرواية لم أجدها في سيرة ابن هشام.
[ ١٢٠ ]
ولفظ ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق في المغازي أن الحارث بن أبي ضرار، ولد جويرة، جاء إلى المدينة ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول بي ضرار والد جويرية جاء إلى المدينة، ومعه فداء ابنته بعد أن أسرت وتزوجها رسول الله ﷺ"، ثم ساق القصة١.
فهذا يدل دلالة واضحة أن الحارث لم يكن موجودًا وقت العقد وأن قدومه إلى المدينة كان بعد زواج جويرية، وهذا هو ما دل عليه حديث عائشة ﵂.
وقد تقدم قول أبي داود عقب حديث عائشة: "وهذا حجة في أن الولي هو يزوج نفسه"٢.
فهذا مما يؤكد لنا سقوط هذه القصة التي ذكرها ابن هشام بصيغة التمريض محذوفة السند.
والصحيح في هذا أن مجيء الحارث كان سببًا في إسلامه، ولا يبعد أنه طلب ابنته كما دل عليه حديث ابن إسحاق، ولكنه لم يمكن من ذلك٣.
وقد ورد ما يدل على أن رسول الله ﷺ قال لأبيها: اذهب إليها فخيرها، فإن أرادت أن تذهب معك فخذها، فهذا لا يستبعد لعلم الرسول ﷺ أنها لا تختار عليه أحدًا، وأن ذلك يكون أدعى لتمكن الحارث من الإسلام، لما فيه من حسن المعاملة ومما دل على هذا ما رواه ابن سعد وغيره من مرسل أبي قلابة، أخبرنا عبد الله بن جعفر الرقي٤ قال:
_________________
(١) ١ الإصابة ١/٢٨١. ٢ انظر: الحديث، ص ١١٥. وانظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ١٠/٤٤٥. باب بيع المكاتب. ٣ هذا الحديث نسبه إلى ابن إسحاق كل من عبد البر وابن الأثير وابن حجر، وانظر ص. ٤ عبد الله بن جعفر بن غيلان بالمعجمة. الرقي: بفتح الراء وتشديد القاف. أبو عبد الرحمن القرشي، مولاهم، ثقة لكنه تغير بآخره، فلم يفحش اختلاطه من العاشرة (ت ٢٢٠)، ع: التقريب ١/٤٠٦.
[ ١٢١ ]
حدثنا عبيد الله١ بن عمرو عن أيوب٢ عن أبي قلابة٣: "أن النبي ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها إلى النبي ﷺ فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فأنا أكرم من ذلك فخل سبيلها، قال: "أرأيت إن خيرناها أليس قد أحسنا؟ ".
قال: بلى وأديت ما عليك، قال: فأتاها أبوها فقال: إن هذا الرجل قد خيرك فلا تفضحينا، فقالت: فإني قد اخترت رسول الله ﷺ، قال: قد والله فضحتنا٤.
وأخرجه خليفة: قال أخبرنا عبد الوهاب٥ بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن أبي قلابة أن رسول الله ﷺ سبى جويرية بنت الحارث فجاء أبوها فقال: "إن ابنتي لا تسبى" الحديث٦.
وأورده ابن حجر في التهذيب من طريق ابن سعد في ترجمة جويرية، وقال: هذا مرسل صحيح الإسناد٧.
وأورده في الإصابة دون أن ينسبه إلى ابن سعد وصحح إسناده أيضًا، ونصه: عن أبي قلابة قال: سبى النبي ﷺ جويرية – يعني
_________________
(١) ١ عبيد الله بن عمرو بن الوليد الرقي أبو وهب الأسدي، ثقة فقيه ربما وهم من الثامنة (ت ٢٢٠)، ع: المصدر السابق ١/٥٣٧، وقد وقع بأنه من الثالثة وأنه عبيد الله بن عمر، وهو خطأ. ٢ أيوب بن أبي تميمة كيسان السختياني بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتنية وبعد الألف نون أبو بكر البصري. ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد، من الخامسة، (ت ١٣١)، ع: المصدر السابق ١/٨٩. ٣ هو عبد الله بن زيد بن عمر أو عامر الجرمي، أبو قلابة البصري، ثقة فاضل، كثير الإرسال قال العجلي: فيه نصب يسير، من الثالثة (ت ١٠٤)، بالشام هاربًا من القضاء، ع: المصدر السابق ١/١٧. ٤ طبقات ابن سعد الكبرى ٨/١١٨. ٥ عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة (ت ١٩٤)، ع: التقريب ١/٥٢٨. ٦ تاريخ الخليفة بن خياط، ص ٨٠. ٧ تهذيب التهذيب، ١٢/٤٠٧.
[ ١٢٢ ]
وتزوجها - فجاء أبوها فقال: إن ابنتي لا يسبى مثلها فخل سبيلها، فقال: "أرأيت إن خيرتها أليس قد أحسنت؟ " قال: بلى، فأتاها أبوها فذكر لها ذلك، فقالت: اخترت الله ورسوله. ثم قال: وسنده صحيح١.
قلت: الظاهر في هذا الباب هو ما أفاده حديث عائشة من أن رسول الله ﷺ أدى عن جويرية كتابتها وتزوجها وهو صريح في ذلك، مع أن ما نسب لابن إسحاق، وكذا مرسل أبي قلابة، ليسا نصًا في أن رسول الله ﷺ دفع إلى الحارث ابنته ثم تزوجها منه بعد ذلك وإنما فيه مجرد مجيء الحارث يطلب فداء ابنته، وأمر الرسول الله ﷺ بتخييرها.
ولسنا بحاجة إلى تلمس التوفيق بين حديث ساقط لا إسناد له. وحديث عائشة الصحيح، ومن هنا يتحتم القول بما في حديث عائشة لثبوته ولا ينظر إلى ما عداه من الروايات الضعيفة.
وخلاصة القول أن هذه الآثار تدل بمجموعها على قدوم الحارث بعد الوقعة. وكان ذلك سببًا في إسلامه، وهو ما دل عليه الحديث الآتي عند أحمد أيضًا: حدثنا محمد بن سابق٢،ثنا عيسى٣ بن دينار، ثنا أبي٤ أنه سمع
_________________
(١) ١ الإصابة، ٤/٢٦٥. ٢ محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر أو أبو سعيد البزاز، الكوفي، نزيل بغداد، صدوق، من كبارالعاشرة (ت٢١٣وقيل٢١٤)، خ م د ت س. التقريب٢/١٦٣. ٣ عيسى بن دينار الخزاعي مولاهم، أبو علي الكوفي، المؤذن، ثقة من السابعة، بخ دت. المصدر السابق ٢/٩٨. ٤ هو دينار الكوفي والد عيسى، مقبول من الثالثة/ عخ دت، المصدر السابق ١/٢٣٧، وفي تهذيب الكمال٢/١٩٩ ق، وتهذيب التهذيب٣/٢١٧. روى عن مولاه عمرو ابن الحارث بن أبي ضرار، وعنه ابنه عيسى بن دينار، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٤٣٤. روى عن مولاه عمرو بن الحارث، والحارث بن أبي ضرار الخزاعي، وعنه ابنه عيسى. ويلاحظ أن المزي وابن حجر لم يذكرا أن دينارًا روى عن الحارث مع أنه موجود في هذا الحديث وتنبه لذلك ابن أبي حاتم.
[ ١٢٣ ]
الحارث١ بن ضرار الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه٢، وأقررت به، فدعاني إلى الزكاة فأقررت بها، وقلت: يا رسول الله ﷺ أرجع إلى قومي فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي جمعت زكاته، فيرسل رسول الله ﷺ، رسولًا لأبان٣ كذا وكذا، ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما جمع الحارث الزكاة ممن استجاب له، وبلغ الإبَّان الذي أراد رسول الله ﷺ أن يبعث إليه احتبس عليه الرسول، فلم يأته فظن الحارث أنه قد حدث فيه سخطة٤ من الله ﷿ ورسوله، فدعا سروات٥ قومه فقال لهم: إن رسول الله ﷺ كان وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة، وليس من رسول الله ﷺ الخلف، ولا أرى حبس رسوله، إلا من سخطة كانت، فانطلقوا فنأتي رسول الله ﷺ وبعث رسول الله ﷺ الوليد بن عقبة إلى الحارث ليقبض ما كان عنده، مما جمع من الزكاة، فلما أن سار الوليد حتى بلغ بعض الطريق، فرق٦ فرجع فأتى رسول الله ﷺ، وقال:
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "الحارث بن ضرار ويقال بن أبي ضرار الخزاعي، فرق ابن عبد البر بينه وبين والد جويرية. وجزم ابن فتحون وغيره بأن والد جويرية غير صاحب القصة والحديث، ولم يصنعوا شيئًا. والصواب أنه شخص واحد". الإصابة ١/٣٨٧. باب غلط من غلط في الصحابة. وقال الساعاتي: "الحارث بن ضرار: جاء في الإصابة وفي كتب الرجال أن اسمه الحارث بن أبي ضرار، وذكره ابن كثير في تفسيره فقال: الحارث بن ضرار بن أبي ضرار ملك بني المصطلق ووالد جويرية أم المؤمنين". ثم قال الساعاتي: "والظاهر أن اسم والده ضرار، ولكنه اشتهر باسم جده، كما قال سعد بن مالك بن أبي وقاص، فإنه اشتهر باسم جده، فقيل: سعد بن أبي وقاص، والله أعلم" اهـ. الفتح الرباني في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. ٢ كان سبب إسلامه ما رواه ابن إسحاق من قصة مجيئه لفداء ابنته وتغييب البعيرين قاله الساعاتي في ترتيب مسند أحمد ١٨/٢٨٢. وقد تقدم الحديث المشار إليه ص ١٢٠. ٣ إبان كذا بكسر الهمزة وتشديد الموحدة، أي وقت كذا، والمراد وقت حصول الثمرة. ٤ سخطة: أي عدم الرضا علينا. غريب الحديث لابن الأثير ٢/٣٥٠ ٥ سروات قومه: أي أشرافهم. المصدر السابق ٢/٣٦٣ ٦ الفرق بالتحريك: الخوف والفزع. المصدر السابق ٣/٤٣٨.
[ ١٢٤ ]
يا رسول الله إن الحارث منعني من الزكاة وأراد قتلي، فضرب رسول الله ﷺ البعث إلى الحارث، فأقبل الحارث بأصحابه فلما غشيهم١، قال لهم: إلى من بعثتم، قالوا إليك، قال، ولم؟ قالوا: إن رسول الله ﷺ كان بعث إليك الوليد بن عقبة، فزعم أنك منعته الزكاة، وأردت قتله، قال: لا والذي بعث محمدًا بالحق ما رأيته بتة٢ ولا أتاني، وما أقبلت إلا حين احتبس علي رسول الله ﷺ، وخشيت أن تكون كانت سخطة من الله ﷿، ورسوله، قال: فنزلت الحجرات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَضْلًا مِنَ الله وَنِعْمَة والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ ". [سورة الحجرات، الآيات ٦-٨] ٣.
ورواه من هذه الطريق ابن الأثير في ترجمة الحارث وقال: أخرجه الثلاثة٤، إلا أن أبا عمر قال: الحارث ابن ضرار، وقيل: ابن أبي ضرار، وقال: أخشى أن يكونا اثنين والله أعلم٥.
وقال الهيثمي في مجمع الزوائد: رواه أحمد والطبراني، إلا أن الطبراني قال: الحارث بن سرار٦، وبدل (ضرار) ثم قال الهيثمي: "ورجال أحمد ثقات"٧.
_________________
(١) ١ غشيهم: اختلط بهم. ٢ ما رأيته بتة: أي أصلا. ٣ مسند أحمد، ٤/٢٧٩. ٤ المراد بالثلاثة عم: ابن منده وأبو نعيم، وأبو عمر ابن عبد البر كما بين ذلك ابن الأثير في مقدمة كتابه ١/١١ من أسد الغابة. ٥ أسد الغابة ١/٣٩٩ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٢٩٩-٣٠٠ مع الإصابة. ٦ أورده ابن حجر في الإصابة١/٣٨٦.في القسم الرابع من الحرف الحاء، «فيمن ذكر في الصحابة ولا صحبة له، ولا إدراك وبيان غلط من غلط فيه» فقال الحارث ابن سرار الخزاعي كذا وقع عند الطبراني، والصواب: "الحارث بن أبي ضرار". ٧ مجمع الزوائد، ٧/١٠٨.
[ ١٢٥ ]
وقال ابن كثير: "ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية١ نزلت في الوليد بن عقبة بن أبي معيط حين بعثه رسول الله ﷺ على صدقات بني المصطلق وقد روى ذلك من طرق، ومن أحسنها ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن ملك بني المصطلق وهو الحارث بن أبي ضرار والد جويرية بنت الحارث أم المؤمنين ﵂، ثم ساق الحديث بإسناد أحمد".
ثم قال عقبه: "ورواه ابن أبي حاتم عن المنذر بن شاذان التمار، عن محمد بن سابق به. ورواه الطبراني من حديث محمد بن سابق به، غير أنه سماه الحارث بن سرار والصواب الحارث بن ضرار"٢.
وأورده ابن حجر في الإصابة مقتصرًا على ما يأتي: وروى أحمد والطبراني ومطين٣ وابن سكن٤
وابن مروديه٥ من طريق عيسى بن دينار المؤذن عن أبيه أنه سمع الحارث ابن أبي ضرار يقول قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه، فذكر حديثًا طويلًا فيه قصة الوليد بن عقبة إذ جاء إليه مصدقًا ونزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
وقال السيوطي: "أخرج أحمد وابن حاتم والطبراني
_________________
(١) ١ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ﴾، [سورة الحجرات، من الآية:٦] . ٢ تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢٠٩. ٣ مطين: بضم الميم وفتح الطاء المهملة بعدها تحتية مشددة مفتوحة: هو الحافظ الكبير أبو جعفر محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي الكوفي، سمع أحمد بن يونس ويحيى الحماني، وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي، كان من أوعية العلم. ولد ٢٠٢ وتوفي ٢٩٧. صنف المسند وغير ذلك وله تاريخ صغير. تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٦٢. ٤ ابن السكن: هو الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان بن السكن البغدادي نزيل مصر. سمع أبا القاسم البغوي ومحمد بن يوسف الفربري، وعنه ابن منده وعبد الغني بن سعيد ولد ٢٩٤ وتوفي ٣٥٣. المصدر السابق ٣/٩٣٧. ٥ هو الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مروديه الأصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك، سمع أحمد بن عيسى الخفاف وأحمد بن محمد بن عاصم الكراني، وعنه أبو القاسم عبد الرحمن بن منده وأخوه عبد الوهاب. ولد ٣٢٣، وتوفي ٤١٠، المصدر السابق ٣/١٥٠. ٦ الإصابة ١/٢٨١.
[ ١٢٦ ]
وابن منده١ وابن مردويه بسند عن الحارث بن ضرار٢ الخزاعي قال: قدمت على رسول الله ﷺ فدعاني إلى الإسلام فدخلت فيه وأقررت به ودعاني إلى الزكاة الحديث"٣. وفي لباب النقول قال: "وحديث أحمد رجال إسناده ثقات"٤.
الحكم على الحديث:
قال الهيثمي: "بأن رجال أحمد ثقات".
ووصفه السيوطي: "بأنه بسند جيد، وبأن رجال إسناد أحمد ثقات".
ولكن الحديث بجميع طرقه يدور على دينار الكوفي ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان وهو متساهل في التوثيق ولذا فإن ابن حجر لم يعتبر توثيقه لدينار المذكور، ووصفه بأنه (مقبول) .
(والمقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، وإليه الإشارة بلفظ (مقبول) حيث يتابع، وإلا فلين الحديث٥. ولعل الهيثمي اعتمد على توثيق ابن حبان، وتابعه السيوطي على ذلك.
والظاهر أن الحديث حسن لغيره للشواهده المتقدمة٦ عن ابن إسحاق وكذا مرسل أبي قلابة عند ابن سعد وغيره في قدوم الحارث إلى المدينة لفداء ابنته وإسلامه. ويشهد له أيضًا ما يأتي من الأحاديث الواردة في بعث الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق لجبي الزكاة وقدوم وفد بني المصطلق بعده٧.
_________________
(١) ١ هو الحافظ الإمام الرحال أبو عبد الله محمد بن يحي بن منده بن إبراهيم بن الوليد الأصبهاني، عن إسماعيل بن موسى الفزاري السدي وأبي كريب محمد بن العلاء وعنه أبو القاسم الطبرني وأبو الشيخ توفي في رجب سنة (٣٠١) تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٧٤١. ٢ صوابه أبي ضرار كما تقدم، ص ١٢٤. ٣ الدر المنثور ٦/٨٧. ٤ لباب النقول في أسباب النزول، ص ٢٠١-٢٠٢. ٥ انظر: تقريب التهذيب ١/٥. ٦ انظر: ص ١٢٠-٢٠٢. ٧ انظر: ص١٣٠.
[ ١٢٧ ]
وقد حسن المباركفوري حديثًا فيه دينار الكوفي وهو ما رواه أبو داود والترمذي في كتاب الصوم باب الشهر يكون تسعًا وعشرين من طريق عيسى بن دينار عن أبيه عن عمرو بن الحارث بن أبي ضرار عن ابن مسعود١.
قال المباركفوري: سكت عليه أبو داود والمنذري وابن حجر، ثم قال: "والظاهر أن حديث ابن مسعود حسن".انتهى٢.
وقد تتبعت رجال الحديث فوجدتهم ثقات ما عدا دينارًا الكوفي. وبهذا التقرير يكون الحديث على أقل تقدير حسنًا لغير.
وهو نص في أن الحارث بن أبي ضرار لم يعلم بقدوم الوليد بن عقبة إليه، وأن الجيش الذي بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق بعد رجوع الوليد، لم يصل إلى ديار بني المصطلق، وإنما وجده الحارث خارجًا من المدينة فلما علم وجهتهم حلف أن الوليد لم يصل إليه ثم رجع الجيش والحارث جميعًا إلى المدينة وهذا يرد على ما رواه ابن جرير الطبري: حدثنا بشر٣ قال حدثنا يزيد٤ قال ثنا سعيد٥ عن قتادة٦ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، الآية قال: "هو الوليد بن عقبة بعثه رسول الله ﷺ إلى بني المصطلق مصدقًا٧ فلما أبصروه وأقبلوا نحوه
_________________
(١) ١ انظر سنن أبي داود ١/٥٤٢ والترمذي ٢/٩٨. ٢ تحفة الأحوذي، شرح الترمذي ٣/٣٧١. ٣ بشر بن معاذ العقدي أبو سهل البصري الضرير، صدوق من العاشرة. (ت بضع وأربعين ومائتين)، ت، س، ق. التقريب ١/١٠١. ٤ يزيد بن زريع: بتقديم الزاي مصغرًا، البصري أبو معاوية، ثقة ثبت، من الثامنة (ت ١٨٢) . ع: المصدر السابق ٢/٣٦٤. ٥ سعيد بن أبي عروبة: بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة، مهران: اليشكري بفتح تحتية وشين معجمة وضم كاف. مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان من أثبت الناس في قتادة من السادسة، (ت ١٥٦ وقيل ١٥٧)، ع: المصدر السابق ١/٣٠٢. ٦ قتادة بن دعامة: بكسر المهملة وخفة عين مهملة ابن قتادة السدوسي أبو الخطاب البصري، ثقة يقال ولد أكمه، وهو رأس الطبقة الرابعة، (ت بضع عشرة ومائة)، ع: المصدر السابق ٢/١٢٣. ٧ مصدقًا أي جابيًا للزكاة.
[ ١٢٨ ]
هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام، فبعث نبي الله ﷺ خالد بن الوليد، وأمره أن يتثبت ولا يعجل، فانطلق حتى آتاهم ليلًا، فبعث عيونه، فلما جاؤوا أخبروا خالد أنهم مستمسكون بالإسلام، وسمعوا آذانهم وصلاتهم، فلما أصبحوا أتاهم خالد فرأى الذي يعجبه، فرجع إلى النبي ﷺ، فأخبره الخبر فأنزل الله ﷿، ما تسمعون١، فكان نبي الله ﷺ يقول: "التبين من الله، والعجلة من الشيطان"٢.
والحديث مرسل.
تنبيه:
ذكر الصابوني في روائع البيان نقلًا عن الفخر الرازي قوله: "ما ذكره المفسرون من أن هذه الآيات نزلت في (الوليد بن عقبة) حين بعث إلى بني المصطلق الخ إن كان مرادهم أن الآية نزلت عامة لبيان وجوب التثبيت من خبر الفاسق، وأنها نزلت في ذلك الحين الذي وقعت فيه حادثة الوليد فهذا جيد، وإن كان غرضهم أنها نزلت لهذه الحادثة بالذات فهو ضعيف، لأن الوليد لم يتقصد الإساءة إليهم، وحديث أحمد يدل على أن الوليد خاف وفرق حين رأى جماعة الحارث - وقد خرجت في انتظاره - فظنها خرجت لحربه فرجع وأخبر رسول الله ﷺ بما أخبره ظنًا منه أنهم خرجوا لقتاله، إلى أن قال: ويتأكد ما ذكرنا أن إطلاق لفظ (الفسق) على الوليد شيء بعيد، لأنه توهم وظن فأخطأ والمخطئ لا يسمى فاسقًا٣، وختم ابن حجر ترجمته بقوله: والرجل قد ثبتت صحبته وله ذنوب أمرها إلى الله تعالى والصواب السكوت والله أعلم٤.
_________________
(١) ١ يريد قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ . ٢ تفسير الطبري، ٢٦/١٢٤. ٣ روائع البيان تفسير آيات الأحكام ٢/٤٧٦. ٤ تهذيب التهذيب١١/١٤٢-١٤٤.
[ ١٢٩ ]
المبحث السادس: إسلام بني المصطلق وأداؤهم الزكاة
١- مرَّ بنا في هذا حديث أحمد في قدوم الحارث بن أبي ضرار إلى المدينة متبرئًا مما نسبه إليه الوليد بن عقبة من منع الزكاة وإرادتهم قتله١.
٢- ما رواه ابن إسحاق: حدثني يزيد٢ بن رومان: أن رسول الله ﷺ، بعث إلى بني المصطلق بعد إسلامهم الوليد٣ بن عقبة أبي معيط، فلمَّا سمعوا به، ركبوا إليه، فلما سمع بهم هابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله، ومنعوه ما قبلهم من صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم حتى همَّ رسول الله ﷺ، بأن يغزوهم، فبينا هم على ذلك، قدم وفدهم على رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله سمعنا برسولك حين بعثته إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه، ونؤدي ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعًا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنا خرجنا إليه لنقتله، ووالله ما جئنا لذلك، فأنزل الله تعالى فيه وفيهم ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ﴾، [سورة الحجرات، من الآيات: ٦-٨]، إلى آخر الآية٤.
والحديث مرسل.
وأورده الطبري من هذه الطريق في تفسيره٥.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث، ص ١٢٣. ٢ يزيد بن رومان المدني، مولى آل الزبير، ثقة، من الخامسة، (ت١٣٠)، وروايته عن أبي هريرة مرسلة. ع، التقريب ٢/٣٦٤. ٣ الوليد بن عقبة بن أبي معيط بن أبي عمرو بن أمية القرشي، الأموي، أخو عثمان بن عفان لأمه، له صحبة، وعاش إلى خلافة معاوية، د. المصدر السابق ٢/٣٣٤. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٢٩٦. ٥ ٢٦/١٢٤-١٢٥.
[ ١٣٠ ]
كما أورده أيضًا من طرق أخرى غير طريق ابن إسحاق، منها:
١- من حديث أم سلمة، وهذا نصه: حدثنا أبو كريب١ قال: ثنا جعفر بن عون٢ عن موسى٣ بن عبيدة، عن ثابت٤ مولى أم سلمة، عن أم سلمة٥ قالت: بعث رسول الله ﷺ رجلًا في صدقات بني المصطلق، بعد الوقعة، فسمع بذلك القوم فتلقوه يعظّمون أمر رسول الله ﷺ، قالت: فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله، قالت: فرجع إلى رسول الله ﷺ، فقال: إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم، فغضب رسول الله ﷺ والمسلمون، قال فبلغ القوم رجوعه، قال: فأتوا رسول الله ﷺ فصفوا له حين صلى الظهر، فقالوا: نعوذ بالله من سخط الله وسخط رسوله، بعثت إلينا رجلًا مصدقًا، فسررنا بذلك، وقرّت به أعيننا، ثم إنه رجع من بعض الطريق، فخشينا أن يكون غضبًا من الله ورسوله، فلم يزالوا يكلّمونه حتى جاء بلال، وأذّن العصر، قال: ونزلت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] ٦.
٢- من حديث ابن عباس ﵄ وهذا نصه:
_________________
(١) ١ هو محمد بن العلاء بن كريب مصغرًا، الهمداني، الكوفي، ثقة حافظ، مشهور بكنيته من العاشرة، (ت١٤٧ هـ)، ع: التقريب ٢/١٩٧. ٢ جعفر بن عون بن جعفر بن عمرو بن حريث، بمهملتين، ثم تحتانية بعدها مثلثة. مصغرًا، المخزومي، صدوق، من التاسعة، (ت٢٠٦) وقيل: ٢٠٧، ع: المصدر السابق ١/١٣١. ٣ موسى بن عبيدة. مصغرًا، ابن نشيط: بفتح النون وكسر المعجمة، بعدها تحتانية ساكنة ثم مهملة، الربذي: بفتح الراء والموحّدة، ثم معجمة، أبو عبد العزيز، ضعيف، ولا سيما في عبد الله بن دينار، وكان عابدًا، من صغار السادسة، (ت ١٥٣ هـ) تق: المصدر السابق ٢/٢٨٦. ٤ ثابت مولى أم سلمة: روى عن أم سلمة، وعنه موعس بن عبيدة الربذي. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ١/٤٦١. ٥ أم سلمة، هند بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن المغيرة بن المخزوم المخزومية أم المؤمنين تزوجها رسول الله ﷺ، بعد أبي سلمة سنة أربع وقيل سنة ثلاث من الهجرة، وعاشت بعد ذلك ستين سنة. (ت ٦٢ هـ) على الأصح/ ع: التقريب ٢/٦١. ٦ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣.
[ ١٣١ ]
حدثني محمد١ بن سعد، قال: ثني أبي٢، قال: ثني عمي٣ قال: ثني أبي٤، عن أبيه٥، عن ابن عباس: في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] .
قال: كان رسول الله ﷺ بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط، ثم أحد بني عمرو بن أمية، ثم أحد بني معيط إلى بني المصطلق، ليأخذ منهم الصدقات، وأنه أتاهم الخبر فرحوا، وخرجوا ليتلقّوا رسولَ رسولِ الله ﷺ، وأنه لما حدث الوليد أنهم خرجوا يتلقونه، رجع إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، إن بني المصطلق قد منعوا الصدقة. الحديث٦
٣- من مرسل ابن أبي ليلى، هذا لفظه:
حدثنا محمد٧ بن بشار، قال ثنا عبد الرحمن٨، قال: ثنا سفيان٩ عن
_________________
(١) ١ هو ابن عطية العوفي. ميزان الاعتدال ٣/٥٦٠. ٢ هو سعد بن محمد بن الحسن بن عطية. لسان الميزان لابن حجر ٣/١٨. ٣ هو الحسين بن الحسن بن عطية. ميزان الاعتدال ١/٥٣٢. ٤ هو الحسن بن عطية. المصدر السابق ١/٥٠٣. والتقريب ١/١٦٨. ٥ هو عطية بن سعد بن جنادة العوفي، المصدريين السابقين ٣/٧٩و٢/٢٤. وانظر الحديث في السنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٤، ولم أترجم لهؤلاء لأن كل واحد منهم لا يخلو عن ضعف وإنما عرفت بهم لأنهم وردوا في السند مثل الرموز فذكرت ذلك توضيحًا لهم. ٦ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤. ٧ محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار: بضم الموحدة وسكون النون. ثقة، من العاشرة، (٢٥٢هـ ع: التقريب ٢/١٤٧. ٨ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري، مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة، ثبت حافظ، عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه. من التاسعة، (ت ١٩٨هـ، ع: المصدر السابق ١/٤٩٩. ٩ سفيان هنا: هو ابن عينية لأن هلالا الوزان لم يذكر في تلاميذه غير ابن عينية (انظر: تهذيب التهذيب ١١/٧٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٠٧، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٩/٧٥) .
[ ١٣٢ ]
هلال الوزان١ عن ابن أبي ليلى٢، في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: نزلت في الوليد ابن عقبة بن أبي معيط٣.
٤- من مرسل قتادة، ولفظه:
حدثنا بشر قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد عن قتادة، في قوله، تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾، [سورة الحجرات، الآية: ٦] . قال: هو ابن أبي معيط الوليد ابن عقبة، بعثه النبي ﷺ مصدّقًا إلى بني المصطلق، فلما أبصروه أقبلوا نحوه، فهابهم، فرجع إلى رسول الله ﷺ، فأخبره أنهم قد ارتدوا عن الإسلام. الحديث٤. وقد تقدّم٥.
الحكم على هذه الأحاديث:
هذه الأحاديث الواردة في إرسال الوليد بن عقبة إلى بني المصطلق مصدقًا، ونزول الآية المذكورة من سورة الحجرات، لا يخلو كل حديث منها عن ضعف وذلك لما يأتي:
أ- حديث أم سلمة فيه موسى بن عبيدة الربذي وهو ضعيف، وفيه ثابت مولى أم سلمة وهو مجهول، لأنني لم أجد من ترجم له غير
_________________
(١) ١ هلال بن أبي حميد أو ابن مقلاص: بكسر الميم وسكون القاف. أو ابن عبد الله الجهني، مولاهم، أبو الجهم، ويقال غير ذلك في اسم أبيه، وفي كنيته، الصيرفي الوزان الكوفي، ثقة، من السادسة، / خ، م،د، ت،س. التقريب ٢/٣٢٣. ٢ هو عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري، المدني، ثم الكوفي، ثقة، من الثانية. اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم، سنة ٨٦هـ/ع. المصدر السابق ١/٤٩٦. وكانت وقعة الجماجم بين ابن الأشعث ومعه أهل العراق، وبين الحجاج ومعه أهل الشام، وكانت في عهد عبد الملك بن مروان، وكانت سنة ٨٢هـ، ودامت أكثر من سنة. البداية والنهاية ٩/٤٠. ٣ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٤. ٤ وذكر ابن سعد أنه بعد أن قدم وفد بني المصطلق ونزلت الآية بتكذيب الوليد، وتصديقهم، يعث رسول الله ﷺ، معهم عباد بن بشر، يأخذ صدقاتهم، ويعلّمهم شرائع الإسلام، فأقام عندهم عشرًا، ثم انصرف إلى رسول الله ﷺ، راضيًا. انظر طبقات ابن سعد ٢/١٦١-١٦٢. ٥ تقدم الحديث مع تراجم رجاله، ص ١٢٨.
[ ١٣٣ ]
ابن أبي حاتم، ولم يزد في ترجمته على قوله: روى عن أم سلمة وروى عنه موسى بن عبيدة الربذي.
ب- وحديث ابن عباس مسلسل بالضعفاء.
ج- والأحاديث الباقية مراسيل، وعلى هذا فهذه الأحاديث لا يسلم واحد منها عن قدح، غير أن اختلاف مخرج المرسل يدل على أن للحديث أصلًا، فإذا انضم بعضها إلى بعض تقّوت وارتقت إلى درجة الحسن لغيره.
وقد أشار إلى هذه القاعدة ابن الصلاح في مقدمته بقوله:
ثم اعلم أن حكم المرسل حكم الحديث الضعيف، إلا أن يصح مخرجه من وجه آخر١.
وهنا قد وجد هذا الشرط الذي أوضحه ابن الصلاح، إذ أن ابن إسحاق أورده من مرسل يزيد بن رومان. وأورده ابن جرير الطبري من مرسل ابن أبي ليلى، وقتادة ومجاهد٢.
وقال ابن كثير: "ذكر غير واحد من السلف منهم ابن أبي ليلى ويزيد بن رومان والضّحاك٣ ومقاتل٤ بن حيان وغيرهم، في هذه الآية، أنها نزلت في الوليد ابن عقبة"٥.
فهذا الحديث قد ورد من ثلاثة طرق مرفوعة، وهي حديث أحمد في قدوم الحارث ابن أبي ضرار المدينة، وإسلامه، وحديث أم سلمة وابن عباس.
_________________
(١) ١ مقدّمة ابن صلاح، ص ٧٣. مع (التقييد والإيضاح) . ٢ تفسير الطبري ٢٦/١٢٣-١٢٥. ٣ الضّحاك بن مزاحم الهلالي، أبو القاسم، أبو محمد الخراساني، صدوق كثير الإرسال، من الخامسة، (ت بعد المائة) / عم التقريب ١/٣٧٣. ٤ مقاتل بن حيان النبطي، بفتح النون الموحدة، أبو سطام، الخزاز منقوطتين، صدوق فاضل، من السادسة / م عم التقريب ٢/٢٧٢. ٥ تفسير ابن كثير ٤/٢٠٨-٢١٠.
[ ١٣٤ ]
كما ورد من خمس طرق مرسلة. ولذلك قال الشوكاني: بعد إيراده حديث أحمد في قدوم الحارث المدينة، "قال ابن كثير: هذا من أحسن ما روي في سبب نزول هذه الآية". ثم قال الشوكاني: "وقد رويت روايات كثيرة متفقة على أن سبب نزول هذه الآية. الوليد بن عقبة، وأنه المراد بها، وإن اختلفت القصص"١ قلت: ويؤيد ما تقدّم، ما ذكر ابن عبد البر من اتفاق العلماء بالتأويل على أن هذه الآية نزلت في الوليد٢.
وبهذا نكون قد انتهينا إلى أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لغيره.
_________________
(١) ١ فتح القدير ٥/٦٠-٦٢. ٢ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣٢. (مع الإصابة) وأسد الغابة ٥/٤٥١ لابن الأثير. وتهذيب التهذيب ١١/١٤٣. والإصابة لابن حجر ٣/٦٣٧، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقطي ٧/٦٢٦. وروائع البيان، تفسير آيات الأحكام للصابوني ٢/٤٧٥-٤٧٦.
[ ١٣٥ ]
المبحث السابع: التحقيق في عمر الوليد بن عقبة عام الفتح
اتفق الذين ترجموا له أنه أسلم عام فتح مكة، وأنه خرج زمن هدنة الحديبية مع أخيه١ ليردّا أختهما أم كلثوم بنت عقبة لما خرجت مهاجرة إلى المدينة، وكان من الشروط التي وافق عليها رسول الله ﷺ أن من جاء منهم إلى الرسول الله ﷺ يردّه عليهم، حتى نزلت الآية٢ التي أخرجت النساء من هذا الشرط٣.
_________________
(١) ١ هو عمارة بن عقبة بن أبي معيط القرشي الأموي، قال ابن عبد البركان عمارة وأخوه الوليد وخالد من مسلمة الفتح. انظر الاستيعاب ٣/٢١. وأسد الغابة ٤/١٤٢. والإصابة ٢/٥١٦. ٢ هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾، [سورة الممتحنة، من الآية: ١٠] . ٣ الاستيعاب ٣/٦٣١، وأسد الغابة ٥/٤٥١، وتهذيب التهذيب ١١/١٤٢، ١٤٤/ والإصابة ٣/٦٣٧. وانظر ترجمة أم كلثوم، المصادر السابقة ٤/٤٨٨، و٧/٣٨٦، ٤/٤٩١، و١٢/٤٧٦، وسيرة ابن هشام ٢/٣٥٢، وطبقات ابن سعد ٨/٢٣٠.
[ ١٣٥ ]
قلت: هذا يرد قول من قال: بأن الوليد بن عقبة كان زمن فتح مكة صبيًا مخلقًا١ وأنه جيء به إلى النبي ﷺ: ليمسح رأسه ويدعو له كما فعل بغيره من الصبيان، فامتنع بسبب الخلوق الذي خلقته أمه به، وعمدتهم في ذلك هو: ما رواه أبو داود: حدثنا أيوب٢ بن محمد الرقي، ثنا عمر٣ بن أيوب بن جعفر٤ بن برقان، عن ثابت٥ بن الحجاج، عن عبد الله٦ الهمداني، عن الوليد بن عقبة قال: لما فتح نبي الله ﷺ مكة جعل أهل مكة يأتونه بصبيانهم فيدعو لهم البركة، ويمسح رؤوسهم، قال: فجيء بي إليه، وأنا مخلق فلم يمسني من أجل الخلوق٧.
ورواه أحمد من طريق فياض٨ بن محمد الرقي عن جعفر بن برقان به٩.
_________________
(١) ١ الخلوق: طيب معروف مركب يتخذ من الزعفان وغيره من أنواع الطيب وتغلب عليه الحمرة والصفرة. النهاية لابن الأثير ٢/٧١. ٢ أيوب بن محمد بن زياد الوزان، أبو محمد الرقي بفتح الراء وتشديد القاف، نسبة إلى رقة بلد بالشام. مولى ابن عباس، ثقة من العاشرة، (ت ٢٤٩) دسق. التقريب١/١٩. ٣ عمر بن أيوب العبدي الموصلي، صدوق له أوهام، من التاسعة، (ت ١٨٨) م، د،س، ق. المصدر السابق ٢/٥٢. ٤ جعفر بن برقان بضم الموحدة وسكون الراء بعدها قاف. الكلابي: بكسر الكاف، بعدها لام ممدودة خفيفة آخرها موحدة مكسورة، أبو عبد الله الرقي، صدوق يهم، في حديث الزهري من السابعة (ت١٥٠) وقيل بعدها/بخ م عم المصدر السابق١/١٢٩. ٥ ثابت بن الحجاج، الكلابي، الرقي، ثقة، من الثّالثة / د. المصدر السابق ١/١١٥. ٦ عبد الله الهمداني بسكون الميم والدال المهملة، أبو موسى، مجهول، وخبره منكر، قاله ابن عبد البر من الرابعة/د. المصدر السابق١/٤٦٣.وفي لسان الميزان ٧/١١٢، أبو موسى الهمداني، عن الوليد بن عقبة بن معيط، وعنه ثابت بن الحجاج، قال البخاري في التاريخ الأوسط: اسمه عبد الله لا يعرف ولا يتابع عليه. ٧ سنن أبي داود ٢/٣٩٩. (كتاب الترجّل) باب في الخلوق للرجل. ٨ فياض بن محمد بن سنان الرقي، أبو محمد محله الصدق، قاله الحسيني، وقال في الإكمال: ليس به بأس، وذكره ابن أبي حاتم وابن خلقون في الثقات. تعجيل المنفعة لابن حجر، ص ٢٢١. ٩ مسند أحمد ٤/٣٢.
[ ١٣٦ ]
وأخرجه البيهقي من طريق أحمد ومن طريق يونس بن بكير، عن جعفر بن برقان به١.
فالحديث بجميع طرقه يدور على عبد الله الهمداني وقد قال فيه ابن عبد البر: "هذا الحديث رواه جعفر بن برقان، عن ثابت بن الحجاج عن أبي موسى الهمداني، ويقال الهمداني، ذكره البخاري على الشك، عن الوليد بن عقبة، وقالوا: أبو موسى هذا مجهول، والحديث منكر مضطرب، لا يصح، ولا يمكن أن يكون من بعث مصدقًا في زمن النبي ﷺ صبيًا يوم الفتح، ويدل أيضًا على فساد ما رواه أبو موسى المجهول، أن الزبير٢ وغيره من أهل مكة بالسير والخبر ذكروا أن الوليد وعمارة ابني عقبة خرجا ليردا أختهما أم كلثوم عن الهجرة، وكانت هجرتها في الهدنة بين النبي ﷺ وبين أهل مكة، وقد ذكرنا الخبر في ذلك باب أم كلثوم، ومن كان غلامًا مخلقًا يوم الفتح، ليس يجيء منه مثل هذا، وذلك واضح"٣.
وقال البيهقي: أخبرنا أبو عبد الله٤ الحافظ، ثنا أبو العباس٥، ثنا أحمد بن عبد الجبّار٦، ثنا يونس٧ عن محمد بن إسحاق قال: حدثني الزهري٨ وعبد الله٩ بن أبي بكر قالا: هاجرت أم كلثوم بنت
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٩/٥٥. ٢ الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام، القرشي، الأسدي، أبو عبد الله الزبيري، عالم، نسابه، أخباري، من أهل المدينة، ولي القضاء مكة، وقدم بغداد، وحدث بها، ولد سنة (١٧٢هـ)، وتوفي بمكة سنة (٢٥٦هـ) من تصانيفه الكثيرة، أنساب قريش وأخبارها. وأخبار العرب وأيامها الخ انظر معجم المؤلفين لكحالة ٤/١٨٠. ٣ الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٣١ و٤/٤٨٨. (مع الإصابة) وسيرة ابن هشام ٢/٣٢٥. والإصابة ٤/٤٩١. ٤ هو الحاكم صاحب المستدرك. ٥ هو الأصم محمد بن يعقوب. ٦ هو العطاردي. ٧ هو ابن بكير بن واصل الشيباني. ٨ هو ابن شهاب محمد بن مسلم. ٩ هو ابن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري.
[ ١٣٧ ]
عقبة بن أبي معيط إلى رسول ﷺ عام الحديبية، فجاء أخواها الوليد وفلان ابنا عقبة إلى رسول ﷺ يطلبانها، فأبى أن يردّها عليهما١.
قلت: الحديث مرسل، لأن الزهري وعبد الله بن أبي بكر، لم يحضرا القصة ولكن يشهد له الحديث عند البخاري غير أنه قال: وجاء أهلها يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم.
وهذا نصه: حدثنا يحي٢ بن بكير حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير أنه سمع مروان٣ والمسور٤ بن مخرمة ﵄ يخبران عن أصحاب رسول ﷺ قال: "لما كاتب سهيل بن عمرو ويومئذ كان فيما اشترط سهيل بن عمرو على النبي ﷺ، أن لا يأتيك منا أحد - وإن كان على دينك - إلا رددته إلينا وخليت بيننا وبينه. فكره المؤمنون ذلك وامتعضوا٥ منه وأبى سهيل إلا ذلك، فكاتبه النبي ﷺ على ذلك، فرّد يومئذ أبا جندل إلى أبيه سهيل بن عمرو، ولم يأته أحمد من الرجال إلا رده في تلك المدة وإن كان مسلمًا.
وجاءت المؤمنات مهاجرات، وكانت أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط ممن خرج إلى رسول ﷺ يومئذ - وهي عاتق٦ - فجاء أهلها
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٢٢٩. وانظر طبقات بن سعد ٨/٢٣١. ٢ هو عبد الله المخزومي مولاهم، ثقة في الليث. / خ، م،ق. من كبار العاشرة، (٢٣١) التقريب ٢/٣٥١. ٣ هو ابن الحكم بن أبي العاص الأموي، لا يثبت له صحبة، من الثانية، /خ عم. مصدر السابق ٢/٢٣٨. ٤ ابن نوفل بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة، له، وله ولأبيه صحبة. (ت: ٦٤)، ع. المصدر السابق ٢/٢٤٩. ٥ امتعضوا منه: أي شق عليهم ذلك وعظم، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/٣٤٢. ٦ العاتق: هي الشابة أول ما تدرك، وقيل: هي التي لم تبن من والديها ولم تزوج، وقد أدركت وشبّت، وتجمّع العتق والعواتق. انظر: النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/١٧٨-١٧٩.
[ ١٣٨ ]
يسألون النبي ﷺ أن يرجعها إليهم فلم يرجعها إليهم، لما أنزل الله فيهن ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ﴾،١- إلى قوله - ﴿وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ ٢.
قال ابن حجر: "هذا الحديث من مسند من لم يسم من الصحابة، ولم يصب من أخرجه من أطراف في مسند المسور أو مروان، لأن مروان لا يصح له سماع من النبي ﷺ، ولا صحبة، وأما المسور فصح سماعه منه ﷺ، لكنه، إنما قدم مع أبيه وهو صغير بعد الفتح وكانت هذه القصة قبل ذلك بسنتين"٣.
قلت: لا يضر هنا الإبهام ولا الإرسال لأننا عرفنا أن المبهم أو المحذوف صحابي قطعًا. والصحابة كلهم عدول.
والخلاصة في هذا أن الراجح في إسلام الوليد أنه يوم فتح مكة وأنه كان قد ناهز الاحتلام كما قال ابن عبد البر، وأما الحديث الذي فيه أن الوليد كان يوم فتح مكة طفلًا مخلقًا وأن رسول الله ﷺ امتنع من المسح على رأسه لوجود الخلوق فهو حديث ضعيف لا يعول عليه. لأن الذي يخرج في زمن هدنة الحديبية يرد أخته وكان ذلك في السنة السادسة، فلا يمكن أن يكون في فتح مكة طفلًا مخلقًا.
وقال ابن حجر: ومما يؤيد أنه كان في الفتح رجلًا أنه قدم في فداء ابن عم أبيه الحارث بن أبي وجزة بن أبي عمرو بن أمية، وكان أسر يوم بدر فافتداه بأربعة آلاف. حكاه أصحاب المغازي٤. مع أنه يمكن أن يكون الخلوق
_________________
(١) ١ من سورة الممتحنة آية: ١٠، وهي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَاسْأَلُوا مَا أَنْفَقْتُمْ وَلْيَسْأَلوا مَا أَنْفَقُوا ذَلِكُمْ حُكْمُ اللَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، [سورة الممتحنة، الآية: ١٠] . ٢ صحيح البخاري ٣/١٦٥، كتاب الشروط (باب ما يجوز من الشروط في الإسلام والأحكام والمبايعة) . وانظر تفسير ابن كثير ٤/٣٥٠. ٣ فتح الباري، ٥/٣١٣. ٤ الإصابة ٣/٦٣٨.
[ ١٣٩ ]
في يده كما ورد ذلك في أخيه عمارة أن رسول الله ﷺ لما جاء عمارة يريد مبايعته عام الفتح فقبض رسول الله ﷺ يده، قال: فقال بعض القوم: إنما يمنعه هذا الخلوق الذي في يدك، قال: فذهب فغسله، ثم جاء فبايعه رسول الله صلى الله عليه وسلم١.
_________________
(١) ١ انظر أسد الغابة ٤/١٤٢، والإصابة ٢/٥١٦.
[ ١٤٠ ]
المبحث الثامن: موقف بني المصطلق بعد الغزوة
لقد صار بنو المصطلق بعد الغزوة دعاة إلى الله ﷿، منضمّين تحت لواء رسول الله ﷺ، وأصبحوا محل عناية واحترام بين المؤمنين، إذ كان زواج رسول الله ﷺ منهم رفعة لهم، وإعلاء لشأنهم، ومنزلتهم، فكان لهذه المصاهرة، أثرها الفعّال في نفوس المسلمين، حتى أطلق المسلمون ما بأيديهم من أسرى بني المصطلق، وكبر عليهم استرقاقهم، بعد أن صاروا أصهار رسول الله ﷺ، وقد كان لهذه المعاملة الحسنة من رسول الله ﷺ وصحبه الكرام لأسرى بني المصطلق أثر جميل في قلوب بني المصطلق، فسارعوا إلى الإسلام واعتنقوه عن الإيمان راسخ وقناعة كاملة، ورأوا أن مثل هذه الأخلاق الكريمة لا يمكن أن تصدر إلا من نبي، لأن القوم يعرفون تاريخ الحروب القبلية وما يحصل فيها من فتك ونهب، وسلب، وكان الشعار المعروف لديهم "من عز بز"١.
وأنه لا مكان في عرف القوى الجاهلية للمغلوب المنهزم، ولا للضعيف
_________________
(١) ١ أي من غلب سلب، وهو مثل، وأول من قاله رجل من طيء يقال له: جابر بن رألان بفتح الراء وسكون الهمزة أحد بني ثعل بضم الثاء وفتح العين المهملة، وكان من حديثه أنه خرج ومعه صاحبان له، حتى إذا كانوا بظهر الحيرة، وكان للمنذر بن ماء السماء يوم يركب فيه، فلا يلقى أحدًا إلا قتله، فلقي في ذلك اليوم جابرًا وصاحبيه فأخذتهم الخيل بالسوية فأتى بهم المنذر، فقال: اقترعوا فأيكم قرع خليت سبيله، وقتلت الباقين، فاقترعوا، فقرعم جابر بن رألان فخلى سبيله وقتل صاحبيه، فلما رآهما يقادان ليقتلا، قال: (من عز بز) فأرسلها مثلًا. مجمع الأمثال للميداني ٢/٣٠٧، رقم ٤٠٤٤.
[ ١٤٠ ]
المنكوب، فحين غزاهم رسول الله ﷺ وهزمهم، كانت معاملته لهم بعد الهزيمة على خلاف ما كان يتوقّعه هؤلاء القوم، فقد عاملهم بالرفق واللين، وتزوج ابنة شريفهم لجبر خاطرها وردّ اعتبارها إليها وإلى قومها، وانطلق المسلمون يفكون أسراهم حين انتشر خبر زواجه ﷺ من جويرية، فلم يعد يحسن استرقاق أصهار رسول الله ﷺ، وكم كان لهذا الصنيع الإسلامي من جميل الأثر وعظيم الوقع في نفوس بني المصطلق جميعًا فلم يكن موقف هؤلاء بعد هذه الغزوة إلا الانضمام فورًا لكتائب الإسلام المجاهدة وبذل المج والأرواح لنشر هذه المبادئ الإسلامية السامية، التي شملتهم بعطفها وحنانها وذاقوا حلاوة المعاملة الإنسانية الرفيعة تحت توجيهات نبيهم ﷺ ومما يدل على حسن إسلام هذه القبيلة، وما كان لها من دور فعّال في سبيل الدعوة إلى الإسلام وإعلاء كلمة الله ما رواه أحمد والبيهقي أن الحارث بن أبي ضرار قدم على رسول الله ﷺ المدينة المنورة معلنًا إسلامه فقال: يا رسول الله أرجع إلى قومي، فأدعوهم إلى الإسلام وأداء الزكاة فمن استجاب لي منهم جمعت زكاته، إذا كان وقت كذا وكذا، أرسل إلي رسولك كان وقت كذا وكذا أرسل إلي رسولك ليأتيك ما جمعت من الزكاة، فلما بلغ الوقت الذي أراد من رسول الله ﷺ أن يبعث إليه من يأتيه بالزكاة، لم يأت أحد، فشق ذلك عليه وظن أنه قد حدث سخطة، من الله ﷿ ورسوله، فدعا بسروات قومه، وقال لهم: إن رسول الله ﷺ وقت لي وقتًا يرسل إلي رسوله ليقبض ما كان عندي من الزكاة وليس من رسول الله ﷺ الخلف ولا أرى حبس رسوله إلا من سخطة، كانت فلننطلق لإلى المدينة، وكان رسول الله ﷺ بعث إليهم الوليد بن عقبة، فلما وصل إلى بعض الطريق رجع، وقال: يا رسول الله ﷺ إن الحارث منعني الزكاة وهم بقتلي، فأمر رسول الله ﷺ الجيش بالذهاب إلى الحارث ولما وصل الحارث المدينة دخل على رسول الله ﷺ فقال له رسول الله ﷺ: "بعثت إليك الوليد فزعم أنك منعته الزكاة وأردت قتله"، فحلف الحارث بالله ما رأيته، ولا أتاني، فأنزل الله تصديقه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِين فَضْلًا مِنَ اللَّهِ
[ ١٤١ ]
وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾، [الحجرات، الآيات:٦-٨] ١.
فهذه الرواية توضح حسن إسلام بني المصطلق وحرصهم على طاعة الله ورسوله ﷺ، بأدائهم الزكاة التي يشق على العرب دفعها، مما يدل على حسن إسلامهم أيضاَ تكريم الله بإنزاله قرآنًا في تصديقهم، ويدل الحديث كذلك على ما قامت به هذه القبيلة من خدمات جليلة للإسلام، فلقد كان بنو المصطلق عام الفتح ضمن الكتائب الإسلامية الزاحفة نحو مكة وكان رسول الله ﷺ قد أرسل إليه بشر٢ بن سفيان وبديل٣ بن ورقاء يستنفرانهم، ولما بلغ رسول الله ﷺ قديدًا من بلاد بني المصطلق عبأ الجيش وعقد الألوية، واجتمع إليه من كان تخلّف من القبائل، ودخلت خزاعة في خمسمائة مقاتل من ضمنهم بنو المصطلق وعقد لهم رسول الله ﷺ ثلاثة ألوية بقيادة ثلاثة من أبطالهم وهم: عمرو٤ بن سالم، وبشر بن سفيان، وأبو شريح٥ الكعبي خويلد بن عمرو، وهكذا ظل بنو المصطلق دعاة إلى الله ﷿ ومجاهدين لإعزاز الإسلام ونصرته. فجزاهم الله عن الإسلام والمسلمين خير الجزاء.
_________________
(١) ١ مسند الإمام أحمد ٤/٢٧٩؛ وسنن البيهقي الكبرى ٩/٥٤-٥٥؛ وتقدّم الحديث مع الكلام على الإسناد، ص ١٢٣. ٢ بشر بن سفيان بن عمرو بن عويمر بن صرمة بن عبد الله بن قمير مصغرًا ابن حبُشِيَّة، بضم الحاء المهملة وسكون الباء الموحدة ووكسر الشين المعجمة، ابن سلول بن كعب بن عمرو بن ربيعة وهو لحى الخزاعي الكعبي، كان شريفًا في قومه، كتب إليه رسول الله ﷺ عندما يدعوه إلى الإسلام، وله ذكر في قصة الحديبية، وشهد الحديبية مع رسول الله ﷺ ١/٢١٦، أسد الغابة. ٣ بيدل بضم الباء الموحدة وفتح الدال المهملة بعدها تحتانية ساكنة، ابن ورقاء بن عمرو بن ربيع بن جزي بن عامر بن مازن الخزاعي، المصدر السابق ١/٢٠٣. ٤ عمرو بن سالم الخزاعي الكعبي، قدم على رسول الله ﷺ عندما كان من أمر خزاعة، وبني بكر، ومساعدة قريش لبني بكر ضد خزاعة، فقال له رسول الله ﷺ نصرت يا عمرو بن سالم. المصدر السابق٤/٢٢٤. ٥ هو خويلد بن عمرو أو عكسه، وقيل عبد الرحمن بن عمرو، وقيل هانء، وقيل كعب صحابي، نزل المدينة، (ت ٦٨) / ع. التقريب ٤٣٤.
[ ١٤٢ ]