الفصل الأول: دور المنافقين في المجتمع الإسلامي قبل غزوة المريسيع
المبحث الأول: ظهور المنافقين
المبحث الأول: ظهور النفاق
قبل الحديث عن ظهور النفاق وأثره في المجتمع الإسلامي يحسن بي أن أعطي نبذة عن تعريف النفاق لغة وشرعًا، فأقول:
أ- النفاق لغة: ضرب من التمويه والستر والتغطية، وحقيقته: إظهار شيء وإبطان ضده. مشتق من النافقاء أحد جحرة١، اليربوع٢، يكتمها ويظهر غيرها، فإذا طلب من واحد هرب إلى الآخر وخرج منه.
ب- وشرعا: هو إظهار الإيمان وستر الكفر.
والنفاق وما تصرف منه لم يكن معروفا عند العربية في الجاهلية بهذا
_________________
(١) ١ جحرة: كعنبة: جمع جحر. المصباح المنير ١/ ١٠٠. ٢ اليربوع: ويسمى الدرص وذا الرميح - تصغير رمح حيوان طويل الرجلين قصير اليدين جدا، وله ذنب كذنب الجرذ، يرفعه صعدا، في طرفه شبه النوارة، لونه كلون الغزال. يسكن باطن الأرض، وتسمى حفرته النافقاء والقاصعاء والراهطاء، فإذا طلب من إحدى هذه الكوى خرج من الأخرى، وظاهر بيته تراب وباطنه حفر، وكذلك المنافق: ظاهره إيمان وباطنه كفر. حياة الحيوان: للدميري ٢/ ٤٣٥.
[ ١٤٧ ]
المعنى وإن كان أصله في اللغة معروفا، يقال نافق ينافق منافقة ونفاقا. وإنما هو اسم إسلامي أطلق على من أظهر الإيمان وستر الكفر، مأخوذ من نافقاء اليربوع، لأن المنافق لما أبطن الكفر وأظهر الإيمان، وورى بشيء عن شيء، ودخل في باب الخديعة وأوهم الغير خلاف ما هو عليه أشبه في ذلك فعل اليربوع.
والمعنيان اللغوي والشرعي متلازمان، إذ إن كلا من اليربوع، والمنافق اتخذ التمويه والتلبيس ذريعة إلى ستر الحقيقة وإظهار خلاف الواقع، فوسيلة كل منهما المكر والكيد والخداع، والتضليل وقلب الحقائق، فإذا طلب من جهة فر إلى جهة أخرى ونجا بحيلته ودهائه١.
ولما وصل رسول الله ﷺ المدينة المنورة عاصمة الإسلام الأولى، واستقبله المسلمون بحرارة الإسلام وعاطفة الإيمان الجياشة، ورأى عبد الله بن أبي ابن سلول ومن شايعه من اليهود وغيرهم، ما قوبل به الرسول ﷺ والمهاجرون من حفاوة وإعزاز، ساءهم ذلك، وأخذوا يناوئون الإسلام ويعرقلون سيره، ويترصون الدوائر بالمسلمين.
أما اليهود فذلك دأبهم وديدنهم لأنهم لا يريدون للبشرية خيرا، بل يريدون أن تظل السعادة والسيادة فيهم، لأنهو شعب الله المختار في زعمهم.
وأما عبد الله بن أبي فإنه لم تخسر شخصية مكانتها في المدينة بمقدم نبي الإسلام، خسارته، ذلك أن الرجل كان ينظم له الخرز ليتوج ملكا على الأوس والخزرج، كما سيأتي ذلك واضحا في حديث أسامة بن زيد٢ وكان ذلك من أقوى الأسباب التي صرفته عن اعتناق الإسلام، بصدق وإخلاص.
وكان دخوله في الإسلام ظاهرا بعد غزوة بدر الكبرى٣
_________________
(١) ١ انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٩٨ ولسان العرب لابن منظور ١٢/ ٢٣٦- ٢٣٧ وحياة الحيوان للدميري ٢/ ٤٣٥- ٤٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٢٨٦. وشرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفاريني ١/ ٢٤٩ و٢/ ٤٠٨- ٤٠٨ والنفاق والمنافقون لإبراهيم علي سالم، المقدمة ص١. ٢ انظر ص ١٥٠ وما بعدها. ٣ انظر المصدر السابق.
[ ١٤٨ ]
وهذا أمر طبيعي فإنه يريد أن ينظر في هذا الأمر الجديد، فإن اندحر فقد خلص منه، وهذا غاية مناه، وإن حصلت به العزة والمنعة، سالمه، وهذا ما حصل بالفعل، فقد قويت شوكة الإسلام، وأخذت صخرة الكفر تتحطم تحت جحافل المسلمين، خاصة في معركة بدر الكبرى، فلما رأى عبد الله بن أبي أن لا قبل له بمقاومة الإسلام علانية عمد إلى وسيلة أخرى هي طعن الإسلام في السر والخفاء، فتظاهر بالإسلام ليحقن دمه وليقضي بذلك كثيرا من مآربه، "فكان أول ظهور النفاق، في المدينة بدخول هذا المنافق في الإسلام ظاهرا" وهو شخص متبوع، فشايعه على ذلك أتباعه من المنافقين، فكان يقوم بعليمهم النفاق، وقد كان لهذا العدو الخفي، أضراره الجسيمة على الإسلام والمسلمين، ومواقف ابن أبي وأتباعه من دعوة الإسلام تنبئ عن أخطارهم التي لا تقف عند حد.
ولكن الله خيب سعيهم وأحبط أعمالهم، ورد كيدهم في نحورهم، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾، [سورة الصف الآية: ٨] .
[ ١٤٩ ]
المبحث الثاني: موقف المنافقين قبل بدر الكبرى
لقد دخل الإسلام المدينة المنورة، قبل مقدم الرسول ﷺ إليها، وانتشر في ربوعها، وأصبح سكانها يرددون حديث الإسلام، ويلهجون بذكره في منتدياتهم ومجالسهم العامة والخاصة، منشرحين لهذا الخير الذي ساقه الله إليهم، وحباهم به.
ثم ازداد فرحهم وغبطتهم بمقدم النبي ﷺ، فالتفوا حوله يتلقون منه نور الإيمان ومبادئ الإسلام، فجمعهم الله به بعد الفرقة، وسادت بينهم المودة والإخاء بعد أن كانوا أعداء متناحرين متدابرين، يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى
[ ١٤٩ ]
شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، [سورة آل عمران، الآية: ١٠٣] .
غير أن مرض الحسد والخبث حال بين ضعفاء النفوس وبين الدخول في هذا الدين الحنيف، وعلى رأس هذا الفريق عبد الله بن أبي ابن سلول، الذي رأى أن رسول الله ﷺ سلبه عزه ومجده، إذ كان مقدمه ﷺ والأوس والخزرج ملتفون حوله، وقد باشروا نسج الخرز ليتوجوه ويرئسوه عليهم، فكان مقدم الرسول ﷺ قاطعا لدابره، إذ لم يتم له ما كان يحلم به من الرياسة والسيادة، ولما فقد مكانته في المجتمع وحرم من المنصب القيادي الذي كان يحلم به رأى أن السبب الوحيد في ذلك هو رسول الله ﷺ، وما جاء به، فامتلأ قلبه غيظا وحقدا وحسدا على النبي ﷺ وصار يحارب الإسلام سرا وعلانية مع من انضم إليه من مرضى القلوب من قومه وغيرهم وحلفائه من اليهود القاطنين في المدينة آنذاك١.
فكانوا يدا واحدة في عداوة الإسلام وأهله.
_________________
(١) وأول موقف برزت فيه عداوة عبد الله بن أبي ابن سلول للإسلام بوضوح هو ما دل عليه حديث البخاري ومسلم من حديث أسامة بن زيد٢، وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي٣ ومحمد بن رافع٤ ١ سيرة ابن هشام ١/ ٥٨٤- ٥٨٥. ٢ أسامة بن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي، الأمير أبو محمد وأبو زيد، صحابي مشهور، (ت٥٤) وهو ابن ٧٥ سنة بالمدينة / ع. التقريب ١/ ٥٣. ٣ إسحاق بن إبراهيم بن مخلد الحنظلي، أبو محمد بن راهويه المروزي، ثقة حافظ مجتهد، قرين أحمد بن حنبل، ذكر أبو داود أنه تغير قبل موته بيسير، (ت٢٣٨) وله ٧٢سنة، / خ م د ت س، المصدر السابق ١/ ٥٤. ٤ محمد بن رافع القشيري النيسابوري، ثقة عابد، من الحادية عشرة، (ت٢٤٥) / خ م د ت س، المصدر السابق ٢/ ١٦٠.
[ ١٥٠ ]
وعبد بن حميد١ و(اللفظ لابن رافع) قال ابن رافع حدثنا: وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق٢ أخبرنا معمر٣ عن الزهري عن عروة أن أسامة ين زيد أخبره: أن النبي ﷺ ركب حمارا عليه إكاف٤ تحته قطيفة فدكية٥، وأردف وراءه أسامة وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج، وذاك قبل وقعة بدر، حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين، عبدة الأوثان واليهود فيهم عبد الله بن أبي، وفي المجلس عبد الله بن رواحة، فلما غشيت المجلس عجاجة٦ الدابة خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه، ثم قال: لا تغبروا علينا، فسلم عليهم النبي ﷺ ثم وقف فنزل فدعاهم إلى الله وقرأ القرآن، فقال عبد الله بن أبي: "أيها المرء لا أحسن٧ من هذا إن كان ما تقول حقا فلا تؤذنا في مجالسنا وارجع
_________________
(١) ١ عبد بن حميد بن نصر الكسي، أبو محمد، قيل اسمه عبد الحميد وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٤٩) / خت م ت، المصدر السابق ١/ =٥٢٩. قال ابن الأثير: الكسي: بكسر أولها وتشديد السين المهملة – هذه نسبة إلى كس وهي مدينة بما وراء النهر بقرب نخشب ذكرها الحفاظ في تواريخهم كذلك. غير أن الناس يكثرون ذكرها بفتح الكاف والشين المعجمة، ينسب إليها جماعة منهم عبد الحميد بن حميد بن نصر الكسي، المعروف بعبد بن حميد. اللباب في تهذيب الأنساب ٣/ ٩٨. ٢ عبد الرزاق بن همام بن نافع، الحميري مولاهم، أبو بكر الصنعاني، ثقة حافظ مصنف شهير، عمي في آخر عمره فتغير، وكان يتشيع، من التاسعة، (ت٢١١) / ع. التقريب ١/ ٥٠٥. ٣ معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن، ثقة ثبت فاضل إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت١٤٥) / ع. المصدر السابق ٢/ ٢٦٦. ٤ إكاف: بوزن كتاب: برذعة الحمار، القاموس المحيط ٣/ ١١٨ وفي رواية للبخاري ٧/ ١٠٣ من كتاب المرضى، باب عيادة المريض (أن النبي ﷺ ركب على حمار على إكاف على قطيفة فدكية) قال ابن حجر: (عل) الثالثة بدل من الثانية وهي بدل من الأولى والحاصل أن الإكاف يلي الحمار، والقطيفة فوق الإكاف، والراكب فوق القطيفة. فتح الباري ١/ ١٢٢. ٥ قطيفة فدكية: القطيفة: كساء له خمل، والفدكية: منسوبة إلى فدك بلدة معروفة على مرحلتين من المدينة، فتح الباري ٨/ ٢٣١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤١. ٦ عجاجة الدابة: هو ما ارتفع من غبار حوافرها. ٧ قوله لا أحسن من هذا قال ابن حجر: "بنصب أحسن وقتح أوله على أنه أفعل تفضيل، ويجوز في أحسن الرفع على أنه خبر (لا) والاسم محذوفن أي أحسن من هذا، ووقع في رواية الكشميهني: بضم أوله وكسر السين وضم النون – لا أحسن – ووقع في رواية أخرى لأحسن بحذف الألف لكن بفتح السين وضم النون على أنها لام قسم كأنه قال: أحسن من هذا أن تقعد في بيتك، حكاه عياض عن أبي علي واستحسنه، وحكى ابن الجوزي: تشديد السين المهملة بغير نون من الحس أي لا أعلم منه شيئا" انتهى، فتح الباري ٨/ ٢٣٢. وقال النووي: لا أحسن من هذا: "هكذا هو في جميع نسخ بلادنا بألف في أحسن أي ليس شيء أحسن من هذا، وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم، قال: ووقع للقاضي أبي علي لأحسن من هذا بالقصر من غير ألف قال القاضي: وهو عندي أظهر، وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك ولا تأتينا". انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢.
[ ١٥١ ]
إلى رحلك فمن جاءك منا فاقصص عليه"، فقال عبد الله بن رواحة: "إغشنا في مجالسنا فإنا نحب ذلك"، قال: فاستب المسلمون والمشركون واليهود حتى هموا أن يتواثبوا فلم يزل النبي ﷺ يخفضهم، ثم ركب دابته، حتى دخل على سعد ابن عبادة فقال: "أي سعد ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب (يريد عبد الله بن أبي) " قال كذا وكذا، قال: "اعف عنه يا رسول الله واصفح، فوالله لقد أعطاك الله، ولقد اصطلح أهل هذه البحيرة١ أن يتوجوه فيعصبوه بالعصابة٢ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق٣ بذلك فذلك فعل به ما رأيت"، فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم٤.
وحدثني محمد بن رافع حدثنا حجين٥
_________________
(١) ١ البحيرة: بالتصغير قال النووي: قال القاضي: وروينا في غير مسلم هذه البحيرة مكبرة وكلاهما بمعنى، وأصلها القرية، والمراد بها هنا مدينة النبي ﷺ، شرح النووي على مسلم ٤/ ٤٤٢. ٢ فيعصبوه بالعصابة: أي اتفقوا على أن يجعلوه ملكهم وكان من عادتهم إذا ملكوا إنسانا أن يتوجوه ويعصبوه. المصدر السابق ٤/ ٤٤٢. ٣ شرق بذلك: أي غص به وهو مجاز فيما ناله من أمر رسول الله ﷺ وحل به حتى كأنه شيء لم يقدر على إساغته فغص به. النهاية لابن الأثير ٢/ ٤٦٥- ٤٦٦. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و٧/ ١٠٣ كتاب المرضى (باب عيادة المريض) و٧/ ١٤٥ كتاب اللباس (باب الارتداف على الدابة و٨/ ٣٨- ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك) . ٥ حجين: مصغرا آخره نون ابن المثنى اليمامي، أبو عمير، سكن بغداد، وولي قضاء خراسان، ثقة من التاسعة (ت٢٨٥) وقيل بعد ذلك./خ م د ت س التقريب١/١٥٥.
[ ١٥٢ ]
(يعني ابن المثنى) حدثنا ليث١ عن عقيل٢ عن ابن شهاب في هذا الإسناد بمثله.
وزاد: وذلك قبل أن يسلم عبد الله٣٤.
_________________
(١) ١ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث المصرين ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور، من السابعة، (ت١٧٥) / ع. التقريب ٢/ ١٣٨. ٢ عقيل بالتصغير ابن خالد بن عقيل مكبرا، الأيلي، بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة، ثم لام، أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة، ثم الشام، ثم مصر من السادسة، (ت١٤٤) على الصحيح/ ع. التقريب ٢/ ٢٩ وتقدمت تراجم بقية رجال الإسناد. ٣ قوله: قبل أن يسلم عبد الله: قال النووي: معناه قبل أن يظهر الإسلام، وإلا فقد كان كافرا، منافقا ظاهر النفاق، شرح النووي على صحيح مسلم ٤/ ٤٤٢. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٢- ١٨٣ كتاب الجهاد والسير، وصحيح البخاري ٤/ ٤٤ كتاب الجهاد (باب الردف على الحمار) و٦/ ٣٣ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) .
[ ١٥٣ ]
المبحث الثالث: موقف المنافقين بعد بدر الكبرى
فعند البخاري: من حديث أسامة المتقدم١: "فلما غزا رسول الله ﷺ بدرا، فقتل الله به صناديد كفار قريش، قال ابن أبي ابن سلول ومن معه من المشركين وعبدة الأوثان: هذا أمر قد توجه٢، فبايعوا الرسول ﷺ على الإسلام، فأسلموا"٣.
وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قيل للنبي ﷺ لو أتيت عبد الله بن أبي، قال: فانطلق إليه وركب حمارا، وانطلق
_________________
(١) ١ انظر ص ١٥٠ وما بعدها. ٢ توجه: أي نفذ على وجهه ومقصده. ٣ صحيح البخاري ٦/ ٣٤ كتاب التفسير (باب ولتسمعن من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ومن الذين أشركوا أذى كثيرا) و٨/ ٣٩ كتاب الأدب (باب كنية المشرك. قال ابن حجر: "هذا حديث آخر أفرده ابن أبي حاتم عن الذي قبله، وإن كان الإسناد متحدا، وقد أخرج مسلم الحديث الذي قبله مقتصرا عليه، ولم يخرج شيئا من هذا الحديث الآخر". فتح الباري ٨/ ٢٣٢.
[ ١٥٣ ]
المسلمون وهي أرض سبخة١، فلما أتاه النبي ﷺ قال: "إليك عني فوالله آذاني نتن ٢ حمارك"، قال: فقال رجل٣ من الأنصار والله لحمار رسول الله ﷺ أطيب ريحا منك، قال: فغضب لعبد الله رجل من قومه، قال: فغضب لكل واحد منهما أصحابهن قال: فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال، قال: فبلغنا أنها نزلت فيهم: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [سورة الحجرات، من الآية: ٩] ٤.
فهذا الحديث بظاهره يخالف حديث أسامة بن زيد لأن في حديث أسامة بن زيد أن النبي ﷺ خرج من بيته قاصدا عيادة سعد بن عبادة، وفي حديث أنس بن مالك: أنه ﷺ دعي إلى إتيان عبد الله بن أبي ابن سلول.
وقد حاول ابن حجر الجمع بين الروايتين فقال: "يحتمل اتحادهما بأن يكون الباعث له ﷺ عيادة سعد بن عبادة، فاتفق مروره بعبد الله بن أبي، فقيل له حينئذ لو أتيته فأتاه".
قال: "ويدل على اتحادهما أن في حديث أسامة، فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبد الله بن أبي أنفه بردائه"، ثم قال ابن حجر: "وقد استشكل ابن٥ بطال نزول الآية المذكورة في حديث أنس وهي قوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، [سورة الحجرات، من الآية: ٩]، في هذه القصة، لأن المخاصمة وقعت بين من كان
_________________
(١) ١ قوله: وهي أرض سبخة: بفتح المهملة وكسر الموحدة، بعدها معجمة، أي ذات سباخ وهي الأرض التي لا تنبت، وكانت تلك صفة الأرض التي مر بها ﷺ، إذ ذاك، وذكر ذلك للتوطئة لقول عبد الله بن أبي إذ تأذى بالغبار فتح الباري ٥/ ٢٩٨. ٢ نتن حمارك: أي ريحها. ٣ قوله فقال رجل من الأنصار: هو عبد الله بن رواحة على القول باتحاد القصتين. ٤ صحيح مسلم ٥/ ١٨٣ كتاب الجهاد، والبخاري ٣/ ١٥٩ كتاب الصلح باب الصلح باب ما جاء في الإصلاح بين الناس وأحمد ٣/ ١٥٧. ٥ ابن بطال هو الإمام أبو الحسن علي بن خلف الشهير بابن بطال المغربي المالكين له شرح على صحيح البخاري، وغالبه فقه الإمام مالك، من غير تعرض لموضوع الكتاب غالبا، أصله من قرطبة وكان عالما فقيها عني بالحديث وولي قضاء لورقة، له كتاب الاعتصام في الحديث (ت٤٤٤ أو ٤٤٩) مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/ ٢٥٥.
[ ١٥٤ ]
مع النبي ﷺ من أصحابه، وبين أصحاب عبد الله بن أبي، وكانوا إذ ذاك كفارا، فكيف ينزل فيهم ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾، ولا سيما إن كانت قصة أنس وأسامة متحدة، فإن في رواية أسامة فاستب المسلمون والمشركون".
ثم قال ابن حجر: "ويمكن أن يحمل على التغليب، ثم قال: مع أن فيها إشكالا من جهة أخرى وهي: أن حديث أسامة صريح في أن ذلك كان قبل وقعة بدر، وقبل أن يسلم عبد الله بن أبي وأصحابه، والآية المذكورة، في الحجرات، ونزولها متأخر جدا، كان في وقت مجيء الوفود، ثم أجاب عن هذا الإشكال بقوله: لكنه يحتمل أن تكون آية الإصلاح، نزلت قديما فيندفع الإشكال"١.
تلك نبذة من مواقف عبد الله بن أبي قبل أن يعلن إسلامه ظاهرا، ثم بدا له أن يظهر إسلامه في أعقاب غزوة بدر، لأن شوكة المسلمين قويت، وأصبحت مصالح عبد الله بن أبي مرهونة بأن يظهر إسلامه، وتبعه على ذلك بقية المنافقين.
ولكن عداوتهم للإسلام وإضمارهم الشر للمسلمين لم تتغير، فمازالوا يتربصون الدوائر بالمسلمين، وينتهزون الفرص المواتية للانقضاض عليهم، متعاونين في ذلك مع اليهود، يوضح ذلك انحيازهم إلى جانب يهود بني قينقاع٢، الذين نقضوا العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ بأن لا يعتدي أحد الجانبين على الآخر، ولكن اليهود لم يلتزموا بهذا العهد الذي أقروه على أنفسهم.
فقد ذكر ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: "كان من حديث بني قينقاع أن رسول الله ﷺ جمعهم
بسوق بني قينقاع، ثم قال: "يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٥/ ٢٩٩. ٢ بنو قينقاع: بفتح القاف وتثليث النون بطن من بطون يهود المدينة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٣٦ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٧٦.
[ ١٥٥ ]
قد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم"، قالوا: "يا محمد إنك ترى أنا قومك، لا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لئن حاربناك لتعلمن أنا نحن الناس".
ثم ساق ابن إسحاق بسنده عن ابن عباس قال: ما نزل هؤلاء الآيات إلا فيهم ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ١ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الأَبْصَارِ﴾ [سورة آل عمران، الآيتان:: ١٢- ١٣] ٢.
والحديث بهذه الطريق أخرجه أبو داود في سننه٣.
وحسن إسناده الحافظ ابن حجر٤.
وهناك سبب آخر ذكره ابن هشام بسند مرسل أن امرأة من العرب قدمت بجلب لها فباعته بسوق بني قينقاع، وجلست إلى صائغ بها فجعلوا يريدونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها، فضحكوا بها، فصاحت، فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وكان يهوديا، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، فهذان سببان ذكرا في قصة نقض بني قينقاع العهد المبرم بينهم، وبين المسلمين، وكل منهما كاف في ضرب هذه الشرذمة من اليهود، وقد كان صنيعهم هذا مستوجبا ما عاملهم به رسول الله ﷺ من ضرب الحصار وشد الخناق عليهم.
_________________
(١) ١ الفئتان: هما أصحاب بدر، أصحاب رسول الله ﷺ فئة، وقريش فئة. ٢ سيرة ابن إسحاق المسماة: المبتدأ والمبعث والمغازي ١/٢٩٤، وسيرة ابن هشام ٢/٤٧. ٣ ٢/ ١٣٨ كتاب الخراج (باب كيف كان إخراج اليهود من المدينة) . ٤ فتح الباري ٧/ ٣٣٢.
[ ١٥٦ ]
وذلك فيما رواه ابن إسحاق عن عاصم١ بن عمر بن قتادة، مرسلا، أن بني قينقاع أول يهود نقضوا ما بينهم وبين رسول الله ﷺ، وحاربوا فيما بين بدر وأحد، فحاصرهم رسول الله ﷺ حتى نزلوا على حكمه، فقام إليه عبد الله بن أبي ابن سلول، حين أمكنه الله منهم، فقال: "يا محمد أحسن في موالي" - وكانوا حلفاء الخزرج - قال: فأبطأ عليه رسول الله ﷺ، فقال: "يا محمد أحسن في موالي"، قال: فأعرض عنه، فأدخل يده في جيب درع رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: "أرسلني" وغضب رسول الله ﷺ حتى رأوا لوجهه ظللا٢، ثم قال: "ويحك أرسلني"، قال: لا والله لا أرسلك حتى تحسن في موالي، أربعمائة حاسر وثلاثمائة دارع قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداة واحدة، إني والله امرؤ أخشى الدوائر، قال: فقال رسول الله ﷺ: "هم لك" ٣.
وروى ابن إسحاق أيضا بسند مرسل من طريق عبادة٤ بن الوليد ابن عبادة بن الصامت قال: لما حاربت بنو قينقاع رسول الله ﷺ تشبث٥ بأمرهم عبد الله بن أبي ابن سلول، وقام دونهم، قال: ومشى عبادة بن الصامت إلى رسول الله ﷺ، وكان أحد بني عوف بن الخزرج لهم من حلفه مثل الذي لهم من عبد الله بن أبي، فخلعهم إلى رسول الله ﷺ، وتبرأ إلى الله ﷿، وإلى رسول الله ﷺ من حلفهم، وقال: يا رسول الله، أتولى الله ورسوله ﷺ والمؤمنين وأبرأ من حلف هؤلاء الكفار وولايتهم، قال: ففيه وفي عبد الله بن
_________________
(١) ١ تقدمت ترجمته. ٢ الظلل: جمع ظلة، وهي السحابة في الأصل فاستعارها هنا، لتغير الوجه إلى السواد إذا اشتد غضبه. ٣ سيرة ابن هشام ٢/ ٤٨ وسيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦. ٤ عبادة بن الوليد بن عبادة بن الصامت، ويقال له عبد الله، ثقة من الرابعة / خ م د س ق. التقريب ١/ ٣٩٦. ٥ تشبث: التشبث بالشيء التعلق به. مختار الصحاح، ص ٣٢٧.
[ ١٥٧ ]
أبي، نزلت هذه القصة من المائدة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾، [سورة المائدة الآيتان: ٥١-٥٢]، – لعبد الله بن أبي، وقوله: إني أخشى الدوائر- ﴿يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾، [سورة المائدة، الآيتان: ٥٢-٥٣]، ثم ذكر القصة إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾، [سورة المائدة، الآية: ٥٥] .
وذكر لتولي عبادة بن الصامت الله ورسوله والذين آمنوا، وتبرئه من بني قينقاع وحلفهم وولايتهم: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾، [سورة المائدة، الآية: ٥٦] ١.
فلقد أوضحت هذه الآيات والأحاديث أن المنافقين اتخذوا موقفا مؤازرا لبني قينقاع وسعوا في خلاصهم من العقاب بعد ما أحدثوا من تمرد في وجه الدولة والخروج على العهد الذي أقروه على أنفسهم والتزموا به.
وقد ذكر ابن حجر وغيره أن بني قينقاع أول يهود نقضوا عهدهم مع المسلمين وهذا نص كلامه: قال: كان الكفار بعد الهجرة مع النبي ﷺ على ثلاثة أقسام:
قسم وادعهم على أن لا يحاربوه ولا يمالئوا عليه عدوه، وهم طوائف اليهود الثلاثة قريظة والنضير وقينقاع.
وقسم حاربوه ونصبوا له العداوة كقريش.
وقسم تاركوه وانتظروا ما يئول إليه أمره كطوائف من العرب، فمنهم من كان يحب ظهوره في الباطن كخزاعة، ومنهم من لا يحب ظهوره كبني بكر، ومنهم من كان معه ظاهرا ومع عدوه باطنا وهم المنافقون، فكان أول من نقض العهد من اليهود بنو قينقاع فحارهم في شوال بعد وقعة بدر فنزلوا على حكمه،
_________________
(١) ١ سيرة ابن إسحاق المسماة بكتاب المبدأ والمبعث والمغازي ١/ ٢٩٥- ٢٩٦، وسيرة ابن هشام ٢/ ٤٩.
[ ١٥٨ ]
وأراد قتلهم فاستوهبهم منه عبد الله بن أبي وكانوا حلفاءه فوهبهم له، وأخرجهم من المدينة إلى أذرعات١ ثم نقض العهد بنو النضير، ثم نقضت قريظة٢.
_________________
(١) ١ أذرعات: بكسر الراء وفتحها بلدة بالشام، انظر القاموس المحيط للفيروز آبادي٣/ ٢٣، وهي الآن في (سوريا) على حدود الأردن الشمالية. ٢ فتح الباري ٧/ ٣٣٠ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٢/ ٧٩.
[ ١٥٩ ]
المبحث الرابع: موقف المنافقين في أحد
روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي وأحمد والطبري من حديث زيد١ بن ثابت ﵁ قال: لما خرج النبي ﷺ إلى غزوة أحد، رجع ناس ممن خرج معه، وكان أصحاب النبي ﷺ فرقتين: فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا نقاتلهم، فنَزلت٢: ﴿فَمَا
_________________
(١) ١ زيد بن ثابت بن الضحاك بن لوذان بفتح اللام وسكون الواو وبذال معجمة، الأنصاري النجاري، أبو سعيد وأبو خارجة، صحابي مشهور، كان يكتب الوحي، قال مسروق: كان من الراسخين في العلم، (ت٤٥ أو ٤٧) وقيل بعد الخمسين /ع. التقريب ١/ ٢٧٢. ٢ قوله: فنَزلت: فما لكم في المنافقين فئتين الخ: قال ابن حجر: "هذا هو الصحيح في سبب نزولها، وأخرج ابن أبي حاتم من طريق زيد بن أسلم عن أبي سعيد بن معاذ ن قال: نزلت هذه الآية في الأنصار، خطب رسول الله ﷺ فقال: "من لي بمن يؤذيني؟ " فذكر منازعة سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وأسيد بن حضير ومحمد بن مسلمة، قال: فأنزل الله هذه الآية" قال ابن حجر: "وفي سبب نزولها قول آخر: أخرجه أحمد من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه "أن قومًا أتوا المدينة فأسلموا، فأصابهم الوباء فرجعوا، واستقبلهم ناس من الصحابة فأخبروهم فقال بعضهم: نافقوا،، وقال بعضهم: لا، فنَزلت" وأخرجه ابن أبي حاتم من وجه آخر عن أبي سلمة مرسلا، فإن كان محفوظا احتمل أن تكون نزلت في الأمرين جميعا، فتح الباري ٧/ ٣٥٦ قلت: الراجح أنها نزلت في رجوع عبد الله ابن أبي وأصحابه يوم أحد ويدل عليه سياق الحديث حيث ذكر الخروج إلى أحد ورجوع ناس ممن خرج معه ﷺ ثم عقب بنزول الآية، وقد بينت روايات المغازي أن هؤلاء الناس هم عبد الله بن أبي ابن سلول وأصحابه. وقد رجح هذا القول الشوكاني، فقد أورد حديث زيد بن ثابت وقال: هذا أصح ما روي في سبب نزول هذه الآية، وقد رويت أسباب غير ذلك وأشار ابن كثير إلى رواية ابن أبي حاتم المصرح فيها بأن الآية نزلت في شأن قصة الإفك، ثم قال: وهذا غريب. انظر فتح القدير للشوكاني ١/ ٤٩٧ وتفسير ابن كثير ١/ ٥٣٣. وأورد الطبري الأقوال المتقدمة وغيرها، ثم قال: "وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك قول من قال نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة، وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأن اختلاف أهل ذلك إنما هو على قولين: أحدهما أنهم قوم كانوا من أهل مكة على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر أنهم كانوا من أهل المدينة، وفي قول الله تعالى: ﴿فَلاَ تَتَّخِذُوا مِنْهُم أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾، أوضح الدليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة، لأن الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر، فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيما من المنافقين وأهل الشرك فلم يكن عليه فرض هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنه ومقامه". انظر تفسير الطبري ٥/ ١٩٤. والظاهر في السبب هو ما قدمنا ترجيحه.
[ ١٥٩ ]
لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّه أَرْكَسَهُمْ١ بِمَاكَسَبُوا﴾ ٢، وقال: "إنها طيبة تنفي الذنوب كما تنفي ٣ النار خبث الفضة" ٤.
قال ابن حجر: "قوله رجع ناس ممن خرج معه: يعني عبد الله بن أبي
_________________
(١) ١ أركسهم: أي ردهم إلى كفرهم، مختار الصحاح ص ٢٥٤. ٢ سورة النساء، الآية: ٨٨، وتمامها: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا﴾ . ٣ قوله: "تنفي الذنوب": كذا وقع هنا وتقدم في فضائل المدينة: "تنفي الرجال" وفي تفسير سورة النساء تنفي الخبث، قال ابن حجر: "وهو المحفوظ والحديث في هذه المواضع الثلاثة من طريق شعبة"، وتقدم في فضائل المدينة من حديث جابر بن عبد الله "المدينة كالكير تنفي خبثها" وفي حديث أبي هريرة "تنفي الناس" هذه الألفاظ كلها عند البخاري -قال ابن حجر: وأخرج حديث زيد بن ثابت مسلم والترمذي والنسائي من طريق غندر عن شعبة باللفظ الذي أخرجه البخاري في التفسير من طريق غندر المذكور ثم قال ابن حجر: "وغندر أثبت الناس في شعبة وروايته توافق حديث جابر بلفظ "تنفي خبثها"" وأخرج مسلم من حديث أبي هريرة (تخرج الخبث) ثم قال ابن حجر: "ورواية "تنفي الرجال" لا تنافي الرواية بلفظ: "الخبث" بل هي مفسرة للرواية المشهورة- يعني تنفي الخبث- بخلاف "تنفي الذنوب" ثم قال ابن حجر:" ويحتمل أن يكون فيه حذف تقديره "تنفي أهل الذنوب" فيلتئم مع باقي الروايات". انتهى بتصرف. فتح الباري٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦. ٤ البخاري ٥/ ٨٠ كتاب المغازي باب غزوة أحد و٣/ ٢٠ كتاب الحج (باب المدينة تنفي الخبث) و٣/ ١٩ (باب فضل المدينة وأنها تنفي الناس) و٦/ ٣٩ كتاب التفسير وأخرجه مسلم ٨/ ١٢١ (كتاب صفات المنافقين وأحكامهم) و٤/ ١٢٠ كتاب الحج في صيانة المدينة من دخول الطاعون، والترمذي ٤/ ٣٠٦ التفسير. والنسائي في السنن الكبرى عن محمد بن بشار عن غندر به، انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢١٩- ٢٢٠. وأحمد ٥/ ١٨٤ والطبري في التفسير ٥/ ١٩٢.
[ ١٦٠ ]
وأصحابه"، وقد ورد ذلك صريحا في رواية موسى بن عقبة في المغازي، وأن عبد الله بن أبي كان وافق رأيه رأي النبي ﷺ على الإقامة بالمدينة، فلما أشار غيره بالخروج وأجابهم النبي ﷺ فخرج، قال: عبد الله بن أبي لأصحابه: أطاعهم وعصاني علام نقتل أنفسنا؟ فرجع بثلث الناس.
قال ابن إسحاق في روايته: "فاتبعهم عبد الله بن عمورو بن حرام وهو والد جابر وكان خزرجيا كعبد الله بن أبي فناشدهم أن يرجعوا فأبوا، فقال: أبعدكم الله"١.
قلت: رواية ابن إسحاق المشار إليها خلاصتها: أن رسول الله ﷺ لما سمع بوصول قريش ونزولها في أطراف المدينة قال للمسلمين: "إني قد رأيت والله خيرا، رأيت بقرا٢ ورأيت في ذباب سيفي ثلما، ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة فأولتها بالمدينة، فإن رأيتم أن تقيموا بالمدينة، وتدعوهم حيث نزلوا، فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا قاتلناهم فيها"، وكان رأي عبد الله بن أبي ابن سلول مع رأي رسول الله ﷺ يرى رأيه في ذلك، وألا يخرج إليهم، وكان رسول الله ﷺ يكره الخروج، فقال رجال من المسلمين، ممن أكرم الله بالشهادة يوم أحد وغيره، ممن كان فاته بدر يا رسول الله اخرج بنا إلى أعدائنا لا يرون أنا جبنا عنهم وضعفنا، فقال عبد الله بن أبي ابن سلول: "يا رسول الله أقم بالمدينة لا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدونا قط، إلا أصاب منا ولا دخلها علينا إلا أصبنا منه، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا أقاموا بشر محبس وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجههم ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوقهم وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاؤوا" فلم يزل الناس برسول الله ﷺ حتى خرج في ألف من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشوط بين المدينة وأحد، انخذل عنه عبد الله بن أبي ابن سلول بثلث الناس وقال: "أطاعهم
_________________
(١) ١ فتح الباري ٤/ ٩٧ و٧/ ٣٥٦ و٨/ ٢٥٧. ٢ وعند أحمد في مسنده ٣/ ٣٥١ "ورأيت بقرا منحرة" وفي المستدرك ٢/ ١٢٩ "ورأيت بقرا تذبح".
[ ١٦١ ]
وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس"، فرجع بمن اتبعه من قومه من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام يقول: "يا قوم أذكركم الله ألا تخذلوا قومكم ونبيكم عند من حضر عن عدوهم" فقالوا: "لو نعلم أنكم تقاتلون لما أسلمناكم، ولكنا لا نرى أنه يكون قتال"، قال: "فلما استعصوا عليه، وأبوا إلا الانصراف عنهم"، قال: "أبعدكم الله، أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه"١.
قلت: الحديث مرسل لأنه من رواية الزهري ومحمد بن يحيى بن حبان وعاصم بن عمر بن قتادة وحصين بن عبد الرحمن وهؤلاء لم يحضروا القصة، وهو من هذه الطريق عند الطبري وابن كثير٢.
ووصله أحمد من طريق أبي الزبير عن جابر بن عبد الله نحوه٣.
وله شاهد عند الحاكم والبيهقي من حديث عبد الله بن عباس ﵄، وقال الحاكم عقبه: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"، وأقره الذهبي٤.
قال ناصر الدين الألباني: "حديث أحمد على شرط مسلم، غير أن فيه أبا الزبير، مدلس وقد عنعنه. وحديث البيهقي إسناده حسن، وأشار إلى حديث الحاكم وتصحيحه له، وموافقة الذهبي له، ثم قال: الحديث صحيح"٥.
وهكذا فقد صح أن المنافقين خذلوا المسلمين في أحرج المواقف، بتأثيرهم على الضعفاء، وسحبهم ثلث جيش المسلمين، الذي خرج للتصدي للمشركين، واحتجوا لأنفسهم بأوهى الأسباب، وهو زعمهم أن القتال لن يقع - وكأن المسلمين خرجوا للنزهة - مع أنهم يعتقدون أن القتال حاصل لا محالة،
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٦٠- ٦٤. ٢ تاريخ الطبري ٢/ ٤٩٩- ٥٠٣ وتفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥. ٣ مسند أحمد ٣/ ٣٥١. ٤ المستدرك ٢/ ١٢٨- ١٢٩ وحديث البيهقي أخرجه ابن كثير في البداية والنهاية ٤/ ١١. ٥ حاشية فقه السيرة للغزالي، ص ٢٦٩.
[ ١٦٢ ]
وهو صريح قول ابن أبي "أطاعهم وعصاني ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس" ولكنهم يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، وإنما الذي صدهم عن الانضمام مع كتائب المسلمين هو كفرهم ونفاقهم كما أوضح الله ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ﴾، [سورة آل عمران، الآية: ١٦٧] .
قال ابن كثير: "في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِم﴾، يعني أنهم يقولون القول ولا يعتقدون صحته، ومنه قولهم هذا ﴿لَو نَعْلَمُ قِتَالًا لاتَّبَعْنَاكُم﴾، فإنهم يتحققون أن جندا من المشركين قد جاؤوا من بلاد بعيدة يتحرقون على المسلمين بسبب ما أصيب من أشرافهم يوم بدر، وهم أضعاف المسلمين أنه كائن بينهم قتال لا محالة"١.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ١/ ٤٢٥.
[ ١٦٣ ]
المبحث الخامس: موقف المنافقين من يهود بني النضير
تقدم١ أن يهود بني النضير ثاني طائفة من طوائف يهود نقضت عهدها مع المسلمين وكان رئيسهم حيي بن أخطب٢.
وقد وردت روايتان في سبب نقضهم العهد.
الأولى: ما رواه ابن إسحاق حدثني يزيد بن رومان أن رسول الله ﷺ، خرج إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين من بني عامر اللذين قتلهما عمرو بن أمية٣ الضمري، للجوار الذي كان رسول الله صلى الله
_________________
(١) ١ انظر: ص ١٥٨- ١٥٩ وما بعدها. وانظر فتح الباري ٧/ ٢٧٥ و٣٣٠. ٢ حيي بن أخطب: هو والد صفية أم المؤمنين ﵂. ٣ عمرو بن أمية بن خويلد بن عبد الله، أبو أمية الضمري صحابي مشهور، أول مشاهده بئر معونة، توفي في خلافة معاوية /ع. التقريب ٢/ ٦٥.
[ ١٦٣ ]
عليه وسلم عقد لهم،- وكان بين بني النضير وبين بني عامر عقد وحلف - فلما أتاهم رسول اله ﷺ يستعينهم في دية القتيلين، قالوا: "نعم، يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، مما استعنت بنا عليه"، ثم خلا بعضهم ببعض، فقالوا: "إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه - ورسول الله ﷺ إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد - فمن رجل يعلو على هذا البيت، فيلقي عليه صخرة، فيريحنا منه؟ " فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب، أحدهم، فقال: أنا لذلك، الحديث.. وفيه فسار إليهم رسول الله ﷺ بأصحابه، حتى نزلت بهم، فتحصنوا منه في الحصون، فأمر بقطع النخيل والتحريق١ فيها، فنادوه: "يا محمد قد كنت تنهى عن الفساد، وتعيبه على من صنعه، فما بال قطع النخيل وتحريقها".
وقد كان رهط من بني عوف بن الخزرج منهم، عبد الله بن أبي ابن سلول، ووديعة ومالك بن أبي قوقل، وسويد وداعس، قد بعثوا إلى بني النضير: "أن اثبتوا وتمعنوا، فإنا لن نسلمكم، وإن قوتلتم قاتلنا معكم، وإن أخرجتم خرجنا معكم"، فتربصوا ذلك من نصرهم فلم يفعلوا، وقذف الله في قلوبهم الرعب، وسألوا رسول الله ﷺ أن يجليهم ويكف عن دمائهم، علة أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم، إلا الحلقة٢. الحديث
ثم ذكر ما أنزل الله في شأن المنافقين من القرآن وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا﴾، [سورة الحشرة، الآيات: ١١-١٧]، يعني عبد الله بن أبي وأصحابه ومن كان على مثل أمرهم، ﴿يَقُولُونَ لإخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الكِتَابِ﴾، يعني: - بني النضير -إلى قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَرِيبًا ذَاقُوا وَبَالَ أَمْرِهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، [سورة الحشر، الآية: ١٥]، يعني: بني قينقاع.
ثم ذكر القصة: إلى قوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ
_________________
(١) ١ قطع نخيل بني النضير وتحريقه ثابت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ﵄، انظر البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي، ومسلم ٥/ ١٤٥ كتاب الجهاد والسير. ٢ الحلقة: بسكون اللام، السلاح عامة، وقيل الدروع خاصة. النهاية لابن الأثير ١/ ٤٢٧.
[ ١٦٤ ]
قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا وَذَلِكَ جَزَاءُ الظَّالِمِينَ﴾، [سورة الحشر الآية: ١٦] ١.
وهكذا ذكر المفسرون عند تفسير هذه الآيات أنها نزلت في المنافقين: عبد الله بن أبي وأتباعه الذين حرضوا بني النضير على تمردهم وخروجهم على الدولة الإسلامية، ونقضهم العهد الذي أبرموه على أنفسهم والتزموا به٢ فرواية ابن إسحاق، تدل على أن سبب نقضهم العهد هو تواطؤهم على الغدر برسول الله ﷺ عندما جاء يستعينهم في دية القتيلين، وقد بوب البخاري بقوله: "باب حديث بني النضير ومخرج رسول الله ﷺ إليهم في دية الرجلين وما أرادوا من الغدر برسول الله ﷺ".٣
الثانية: ما رواه أبو داود حدثنا محمد بن داود بن سفيان أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٤ بن كعب بن مالك عن رجل من أصحاب النبي ﷺ "أن كفار قريش كتبوا إلى ابن أبي ومن كان يعبد الأوثان من الأوس والخزرج، ورسول الله ﷺ يومئذ بالمدينة قبل وقعة بدر: إنكم آويتم صاحبنا وإنا نقسم بالله لتقاتلنه أو لتخرجنه أو لنسيرن إليكم بأجمعنا حتى نقتل مقاتلتكم ونستبيح نساءكم، فلما بلغ ذلك عبد الله بن أبي ومن كان معه من عبدة الأوثان اجتمعوا لقتال رسول الله ﷺ، فلما بلغ ذلك النبي ﷺ لقيهم فقال: "لقد بلغ وعيد قريش منكم المبالغ ما كانت تكيدكم بأكثر مما تريدون أن تكيدوا به أنفسكم، تريدون أن تقاتلوا أبناءكم وإخوانكم" فلما سمعوا ذلك من النبي ﷺ تفرقوا، فبلغ ذلك كفار قريش، فكتبت كفار قريش بعد
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ١٩٠- ١٩٥ وتاريخ الطبري ٢/ ٥٥١ وتفسيره ٢٨/ ٢٩ وفتح الباري ٧/ ٣٣١. ٢ تفسير الطبري ٢٨/ ٤٥ وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٤٠ وتفسير الشوكاني ٥/ ٢٠٤. ٣ البخاري ٥/ ٧٤ كتاب المغازي. ٤ عبد الرحمن بن كعب بن مالك الأنصاري، أبو الخطاب، المدني، ثقة، من كبار التابعين، ويقال ولد في عهد النبي ﷺ، مات في خلافة سليمان بن عبد الملك /ع. التقريب ١/ ٤٩٦.
[ ١٦٥ ]
وقعة بدر إلى اليهود: "إنكم أهل الحلقة، والحصون، وإنكم لتقاتلن صاحبنا أو لنفعلن كذا وكذا"، ولا يحول بيننا وبين خدم نسائكم شيء وهي الخلاليل، فلما بلغ كتابهم النبي ﷺ، أجمعت بنو النضير بالغدر، فأرسلوا إلى النبي ﷺ اخرج علينا في ثلاثين رجلا من أصحابك، وليخرج منا ثلاثون حبرا حتى نلتقي بمكان المنصف* فيسمعوا منك فإن صدقوك وآمنوا بك آمنا بك، فقص خبرهم، فلما كان الغد غدا عليهم رسول الله ﷺ. الحديث١. والحديث سكت عليه المنذري٢.وفيه محمد بن داود بن سفيان شيخ أبي داود.
قال عنه ابن حجر في تقريب التهذيب بأنه مقبول٣.
وفي تهذيب التهذيب لم يزد على قوله: محمد بن داود بن سفيان روى عن عبد الرزاق ويحيى بن حسان، وعنه أبو داود٤.
ولكن الحديث عند عبد الرزاق من هذه الطريق وليس فيه محمد ابن داود، ولكنه قال: عبد الله٥ بن عبد الرحمن بن كعب بدل (عبد الرحمن بن كعب) وفيه: فأرسلت امرأة ناصحة، من بني النضير إلى بني أخيها٦، وهو رجل مسلم من الأنصار، فأخبرته ما أراد بنو النضير من الغدر برسول الله صلى
* المنصف: بفتح الميم وسكون النون وفتح الصاد المهملة – الموضع الوسط بين الموضعين (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٦٦) .
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٢/ ١٣٩ كتاب الخراج (باب في خبر بني النضير) . ٢ انظر عون المعبود شرح سنن أبي داود ٨/ ٢٣٦. ٣ التقريب ٢/ ١٦٠. ٤ تهذيب التهذيب ٩/ ١٥٤. ٥ قال ابن حجر في تعجيل المنفعة، ص ١٥٣: أظنه انقلب، وأنه عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك شيخ الزهري، وهو مترجم في التهذيب / انظر تهذيب التهذيب ٦/ ٢١٤ أخرج له خ م د س. وتقريب التهذيب ١/ ٤٨٨ وقال عنه: ثقة عالم، من الثالثة. ٦ كذا هو في المصنف ولعله (ابن أخيها) .
[ ١٦٦ ]
الله عليه وسلم، فأقبل أخوها سريعا، حتى أدرك رسول الله ﷺ، فساره بخبرهم. الحديث١
والحديث من هذه الطريق نسبه ابن حجر لابن مردويه، وعبد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح إلى معمر عن الزهري"، ثم قال: ابن حجر: "فهذا أقوى مما ذكره ابن إسحاق من أن سبب غزوة بني النضير طلبه ﷺ أن يعينوه في دية الرجلين، لكن وافق ابن إسحاق جل أهل المغازي، فالله أعلم"٢.
والذي يهمنا من هذه الغزوة هو موقف المنافقين المتمردة الخارجة على الدولة الإسلامية وعلى العهد الذي التزمت به حيال المسلمين وهذه المواقف العدائية من المنافقين تدل على خطر النفاق وخبثه، وأنه يحمل أصحابه على اتخاذ جميع الوسائل الممكنة للحيلولة دون تقدم دعوة الإسلام، وانتصاره، ومجمل المواقف التي وقفها المنافقون من دعوة الإسلام تدور حول غرضين أساسيين:
أولهما: التخذيل عن اعتناق الإسلام، بإلقاء الرعب في صفوف الجيش الإسلامي، وتخويفه من الوقوف في وجه عدوه، كما حصل في غزوة الأحزاب.
وثانيهما: بث الشبه والتشكيك في الإسلام، ونبي الإسلام، وزرع بذور الفتنة، في ساحة الجيش الإسلامي، كما حصل ذلك في غزوة بني المصطلق التي نحن بصددها.
وقد باءت جميع محاولات المنافقين بالإخفاق، واندحر كيدهم وخاب سعيهم، ونصر الله الإسلام والمسلمين، وكان الوحي ينزل طريا بفضح هذه المواقف على اختلافها، وتثبيت نفوس المسلمين وتصفية الساحة الإسلامية مما علق بها من أدران هذه المواقف المغرضة.
_________________
(١) ١ مصنف عبد الرزاق ٥/ ٣٥٨- ٣٦١. ٢ فتح الباري ٧/ ٣٣١- ٣٣٢.
[ ١٦٧ ]
الفصل الثاني: إثارة المنافقين العصبية في غزوة المريسيع
المحبث الأول: مقالة عبد الله بن أبيّ
المبحث الأول: مقالة عبد الله بن أبي
قال البخاري: "حدثنا عبد الله١ بن رجاء حدثنا إسرائيل٢ عن أبي إسحاق٣
_________________
(١) ١ عبد الله بن رجاء بن عمر الغداني بضم الغين المعجمة وفتح الدال المخففة وبع الألف نون، بصري، صدوق يهم قليلا، من التاسعة، (ت٢٢٠) وقيل قبلها، خ خد س ق. التقريب ١/ ٤١٤. وفي تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٠: سئل أبو زرعة عنه، فأثنى عليه وقال: "حسن الحديث عن إسرائيل"، وفي ميزان الاعتدال ٢/ ٤٢١: رمز له بـ (صح) إشارة إلى أن الأئمة على توثيقه، وأنه لا يلتفت إلى من ضعفه. ٢ إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي، بفتح المهملة وكسر الموحدة، الهمداني أبو يوسف الكوفي، ثقة، تكلم فيه بلا حجة، من السابعة. (ت١٦٠) وقيل بعدها، ع المصدر السابق ١/ ٦٤. وفي تهذيب التهذيب ١/ ٢٦١- ٢٦٣: هو أثبت في أبي إسحاق. وفي ميزان الاعتدال ١/ ٢٠٨ -٢١٠، قال عنه عيسى بن يونس: قال لي أخي إسرائيل: "كنت أحفظ حديث أبي إسحاق كما أحفظ السورة من القرآن". وقال أحمد بن حنبل: "ثقة"، وجعل يعجب من حفظه، وقال أيضا: "كان ثبتا"، ونقل تضعيفه عن يحيى القطان وابن المديني وابن حزم الظاهري، ثم قال الذهبي: "قلت: إسرائيل اعتمده البخاري ومسلم في الأصول، وهو في الثبت كالأسطوانة، فلا يلتفت على تضعيف من ضعفه"، ثم قال أيضا: "نعم شعبة أثبت منه إلا في أبي إسحاق". ٣ هو عمرو بن عبد الله أبو إسحاق السبيعي الهمداني، مكثر، ثقة عابد، من الثالثة، اختلط بآخره، (ت١٢٩) وقيل قبل ذلك. ع. التقريب ٢/ ٧٣ وقد وصف بالتدليس كما في تهذيب التهذيب ٨/ ٦٦ و٦٧.
[ ١٧١ ]
عن زيد بن أرقم١،قال: كنت في غزاة٢ فسمعت عبد الله بن أبي يقول: لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله، ولئن رجعنا من عنده٣ ليخرجن الأعز منها الأذل فذكرت٤ ذلك لعمي - أو لعمر-
_________________
(١) ١ زيد بن أرقم بن زيد بن قيس الأنصاري، الخزرجي، صحابي مشهور، أول مشاهده الخندق، وأنزل الله تصديقه في سورة المنافقين. (ت٦٦ أو ٦٨)، ع: المصدر السابق ١/ ٢٧٢، وفي أسد الغابة ٢/ ٢٧٦ الإصابة ١/ ٥٦٠: استصغر يوم أحد، ويقال كان أول مشاهده المريسيع، قلت: كونه حضر غزوة المريسيع فهذا مما لا خلاف فيه لتصريح الأحاديث بذلك، وإنما الخلاف هل كانت هذه الغزوة قبل غزوة الخندق، وعلى هذا يحصل التردد في أول مشاهده. ٢ هي غزوة بني المصطلق كما سيأتي في المبحث الثاني ص ١٧٦. ٣ من (عنده) ك كذا هنا. وبقية الأحاديث لئن رجعنا إلى المدينة. ٤ فذكرت ذلك لعمي أو لعمر، فعمه هنا هو سعد بن عبادة كما بينت ذلك رواية الطبراني الآتية وعمر هو ابن الخطاب، ووقع هنا بالشك (فذكرت ذلك لعمي أو لعمر) ووقع من هذه الطريق عند البخاري في التفسير ٦/ ١٢٦و ١٢٧ والترمذي ٥/ ٨٧ "فذكرت ذلك لعمي" بدون شك. ووقع من رواية زهير بن معاوية عن أبي إسحاق، ومن رواية محمد بن كعب القرظي أن الذي أخبر النبي ﷺ هو زيد نفسه. انظر: ص ١٧٩. وقد جمع ابن حجر بين هذا الاختلاف بما يأتي: أ- يحتمل أن زيدا أطلق الإخبار مجازا، ولم يرتض هذا الجواب لأن في مرسل الحسن عند عبد الرزاق فقال له رسول الله ﷺ: "لعلك أخطأ سمعك أو شبه عليك"، وانظر الحديث في تفسير الطبري ٢٨/ ١١٤. ب- أو لعله راسل بذلك أولا على لسان عمه ثم حضر بعد ذلك فأخبر. ج- ويحتمل أن يكون أخبر بذلك حقيقة بعد أن أنكر عبد الله بن أبي فتح الباري ٨/ ٦٤٥ و٦٤٧ قلت: ويدل للتوجيه الثاني حديث الباب، وحديث الترمذي ٥/ ٨٧ "فذكرت ذلك لعمي فذكر ذلك عمي للنبي ﷺ، فدعاني النبي ﷺ فحدثته، ويدل للتوجيه الثالث رواية الطبراني في مجمع الزوائد ٧/ ١٢٤ "عن زيد بن أرقم قال: كنت جالسا مع عبد الله بن أبي فمر رسول الله ﷺ في أناس من أصحابه، فقال عبد الله بن أبي: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت سعد بن عبادة فأخبرته فأتى رسول الله فذكر له ذلك، فأرسل رسول الله إلى عبد الله بن أبي فحلف بالله ما تكلم بهذا، فنظر رسول الله إلى سعد، فقال سعد: يا رسول الله إنما أخبرنيه الغلام، زيد بن أرقم فجاء سعد فأخذ بيدي فانطلق بي، فقال: هذا حدثني فانتهرني ابن أبي، فانتهيت إلى رسول الله، وبكيت وقلت: والذي أنزل النور عليك لقد قالهن وانصرف عنه النبي - ﷺ - فأنزل الله ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ إلى آخر السورة، قال الهيثمي: "هو في الصحيح بغير سياقه رواه لطبراني عن شيخه عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم وهو ضعيف". قال ابن حجر: "بينت هذه الرواية ورواية ابن مردويه: أن المراد بعم زيد بن أرقم في هذه الروايات هو سعد بن عبادة وهو سيد قومه الخزرج، وليس عمه حقيقة، وإنما عمه حقيقة هو ثابت بن قيس له صحبة، وعمه زوج أمه عبد الله بن رواحة". فتح الباري ٨/ ٦٤٥.
[ ١٧٢ ]
فذكره للنبي - ﷺ -، فدعاني فحدثته، فأرسل١ رسول الله ﷺ إلى عبد الله بن أبي وأصحابه، فحلفوا ما قالوا فكذبني رسول الله ﷺ وصدقه فأصابني٢ هم لم يصبني مثله قط، فجلست٣ في البيت، فقال لي عمي: "ما أردت إلى أن كذبك رسول الله ﷺ ومقتك"٤، فأنزل٥ الله تعالى: ﴿إذا جاءك المنافقون﴾، [سور المنافقون، الآية: ١] ٦.
_________________
(١) ١ جاء عند الطبري في التفسير ٢٨/ ١٠٩ من هذه الطريق أن المرسل إلى عبد الله بن أبي هو علي ﵁. ٢ قوله: "فأصابني هم" وفي رواية زهير بن معاوية: "فوقع في نفسي مما قالوا شدة" انظر ص ١٨٠، وفي رواية أبي سعيد الأزدي عن زيد عند الترمذي ٥/ ٨٨ "فوقع علي من لهم ما لم يقع على أحد". ٣ فجلست في البيت "المراد به المكان الذي كان نازلا فيه". وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند البخاري ٦/ ١٢٧ "فرجعت إلى المنزل فنمت" وعند الترمذي ٥/ ٨٩ "ونمت كئيبا حزينا" انظر ص ١٧٩ وفي رواية ابن أبي ليلى عند النسائي "جلست في البيت مخافة إذا رآني الناس أن يقولوا كذبت وهي في السنن الكبرى عن إسحاق بن إبراهيم عن يحيى بن آدم عن يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن الأعمش عن عمرو بن مرة عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن زيد بن أرقم". انظر تحفة الأشراف في معرفة الأطراف للمزي ٣/ ١٩٨ وفتح الباري ٨/ ٦٤٥ وعلقها البخاري عن ابن أبي زائدة بصيغة الجزم، عقب رواية محمد بن كعب القرظي، انظر البخاري ٦/ ١٢٧ وانظر الحديث بطوله في تفسير الطبري ٢٨/ ١١٢. ٤ وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند البخاري (فلامني الأنصار) وعند الترمذي (فلامني قومي) انظر ص ١٧٩. ٥ في رواية زهير حتى أنزل الله ﷿ تصديقي في ﴿إذا جاءك المنافقون﴾ انظر ص ١٨٠. ٦ وكان نزول ذلك وهم راجعون من الغزوة إلى المدينة، كما بينت ذلك رواية الترمذي من طريق أبي سعيد الأزذي وهي: حدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبيد الله بن موسى عن إسرائيل عن السدي عن أبي سعيد الأزدي، أخبرنا زيد بن أرقم، قال: غزونا مع رسول الله صلى اله عليه وسلم الحديث وفيه "فبينا أنا أسير مع رسول الله ﷺ في سفر قد خفقت برأسي من الهم، إذ أتاني رسول الله ﷺ فعرك أذني وضحك في وجهي، فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا، ثم أن أبا بكر لحقني فقال: "ما قال لك رسول الله ﷺ؟ " قلت: ما قال لي شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: "أبشر"، ثم لحقني عمر فقلت له مثل قولي لأبي بكر، فلما أصبحنا قرأ رسول الله ﷺ سورة المنافقون" هذا حديث صحيح. الترمذي ٥/ ٨٨، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٤٨٨ وقال عقبه: "قد اتفق الشيخان على إخراج أحرف يسيرة من هذا الحديث"، من حديث أبي إسحاق السبيعي عن زيد بن أرقم، وأخرج البخاري متابعا لأبي إسحاق من حديث شعبة، عن الحكم عن محمد بن كعب القرظي، عن زيد بن أرقم، ولم يخرجاه بطوله، والإسناد صحيح وأقره الذهبي، وانظر حاشية ص ١٨٠، وفي رواية أبي الأسود عن عروة "فبينما هم يسيرون أبصروا رسول الله صلى اله عليه وسلم يوحى إليه "فنَزلت"، أي: السورة"، انظر فتح الباري ٨/ ٦٤٥.
[ ١٧٣ ]
فبعث١ إلي رسول الله ﷺ، فقرأ، فقال: "إن الله قد صدقك يا زيد" ٢ والحديث فيه أبو إسحاق السبيعي وهو مدلس وقد عنعن، ولكنه صرح بالسماع في رواية زهير بن معاوية، وتابعه محمد ابن كعب القرظي٣.
وقد رواه البخاري عن شيخين آخرين له هما آدم بن أبي إياس، وعبيد الله بن موسى، كلاهما عن إسرائيل بن يونس عن أبي إسحاق٤.
وكان سبب هذا القول الذي تضمنه حديث زيد بن أرقم هو الشجار
_________________
(١) ١ وفي رواية محمد بن كعب القرظي عند الترمذي ٥/ ٨٩ "فأتاني النبي صلى اله عليه وسلم أو أتيته، فقال: "إن الله قد صدقك" قال: فنزلت هذه لآية: ﴿هم الذين يقولون لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا﴾ " وانظر الحديث أيضا ص ١٧٩، وعند الطبري في التفسير ٢٨/ ١٩: "فأتاني رسول الله ﷺ، أو بلغني فأتيت النبي ﷺ، فقال: "إن الله ﵎ قد صدقك وعذرك"،" وفي مرسل الحسن عند الطبري أيضا في التفسير ٢٨/ ١١٤ وابن حجر في الفتح ٨/ ٦٤٦ "فأخذ النبي ﷺ بأذن الغلام، فقال: "وفت أذنك، وفت أذنك يا غلام" "وعند البخاري في التفسير ٦/ ١٢٨ من حديث أنس بن مالك قال: "حزنت على من أصيب بالحرة، فكتب إلى زيد بن أرقم وبلغه شدة حزني"، يذكر أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "اللهم اغفر للأنصار" الحديث وفيه: فسأل أنسا بعض من كان عنده فقال: هو الذي يقول رسول الله ﷺ: "هذا الذي أوفى الله له بأذنه". ٢ البخاري ٦/ ١٢٦- ١٢٧ من كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب صفات المنافقين والترمذي ٥/ ٨٧- ٨٨ كتاب التفسير وأحمد ٤/ ٣٦٨ و٣٧٣، أسباب النزول للواحدي، ص ٢٧٨، والنسائي في السنن الكبرى نحوه من رواية زهير وسنده: عن أبي داود الحراني عن الحسن بن محمد بن أعين عن زهير. انظر تحفة الأشراف للمزي ٣/ ١٩٩. ٣ البخاري ٦/ ١٢٧ كتاب التفسير ومسلم كتاب صفات المنافقين. ٤ البخاري ٦/ ١٢٦و١٢٧ كتاب التفسير.
[ ١٧٤ ]
الذي حدث بين المهاجري والأنصاري، المصرح به في حديث جابر بن عبد الله وهذا نصه:
قال البخاري: "حدثنا علي١ حدثنا سفيان قال عمرو: سمعت جابر ابن عبد الله ﵄ قال: "كنا في غزاة - قال سفيان مرة في جيش - فكسع٢ رجل من المهاجرين٣ رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري٤: يا للمهاجرين فسمع ذاك رسول الله ﷺ فقال: "ما بال دعوى الجاهلية؟ "
_________________
(١) ١ علي هو ابن المديني وسفيان هو ابن عيينة، وعمرو هو ابن دينار. ٢ فكسع: الكسع المشهور فيه: أنه ضرب الدبر باليد أو الرجل. القاموس المحيط ٣/ ٧٨ وفتح الباري ٨/ ٦٤٩، ووقع عند الطبري في هذا الحديث من طريق الحسين ابن واقد لمروزي عن عمرو بن دينار، عن جابر بن عبد الله أن رجلا من المهاجرين كسع رجلا من الأنصار برجله، وذلك في أهل اليمن شديد الحديث تفسير الطبري ٢٨/ ١١٣. ٣ ورد عند ابن إسحاق تسمية المهاجري: بأنه جهجاه بن مسعود الغفاري، أجير لعمر بن الخطاب، والأنصاري: سنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج، انظر ص ١٨٨، وسمى ابن حجر المهاجري: جهجاه بن قيس ويقال ابن سعيد الغفاري فتح الباري ٦/ ٥٤٧ و٨/ ٦٤٩. ٤ قال ابن حجر في الفتح ٨/ ٦٤٩: أثناء شرحه لهذا الحديث: "اتفقت الطرق على أن المهاجري واحد، ووقع عند مسلم من حديث أبي الزبير عن جابر" واقتتل غلامان من المهاجرين، وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار، فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا؟ أدعوى الجاهلية"، قالوا: لا، إن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر الحديث ثم قال ابن حجر: "ويمكن تأويل هذه الرواية بأن قوله: (من المهاجرين)، بيان لأحد الغلامين، والتقدير: اقتتل غلامان: غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فحذف لفظ غلام من الأول، ويؤيده قوله في بقية الخبر (فنادى المهاجري) فأفرده فتتوافق الروايات"، قلت: هذا التأويل الذي أشار إليه ابن حجر، هو نص الحديث عند مسلم، وهذا لفظه: حدثنا أحمد بن عبد اله بن يونس حدثنا زهير حدثنا أبو الزير عن جابر قال: اقتتل غلامان غلام من المهاجرين وغلام من الأنصار، فنادى المهاجري أو المهاجرون: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار"، الحديث انظر صحيح مسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب مطبعة المشهد الحسني و٤/ ١٩٩٨من تحقيق فؤاد عبد الباقي الطبعة الثانية، دار إحياء التراث العربي بيروت- لبنان و٥/ ٤٤٤ (بشرح النووي) مطابع الشعب. والحديث أيضا عند أحمد بلفظه عند مسلم ٣/ ٣٢٣. ولعل الرواية التي أشار إليها ابن حجر اطلع عليها في نسخة غير هذه النسخ الموجودة بين أيدينا.
[ ١٧٥ ]
قالوا: يا رسول الله كسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال: "دعوها١ فإنها منتنة ٢ "، فسمع بذلك عبد الله بن أبي فقال: فعلوها؟ ٣ أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، فبلغ النبي ﷺ، فقام عمر فقال: يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق٤، فقال النبي ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه".
وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد.
قال سفيان: فحفظته من عمرو، وقال عمرو: "سمعت جابرا كنا مع النبي ﷺ"٥.
_________________
(١) ١ دعوها: قال ابن حجر: أي دعوى الجاهلية، وقيل الكسعة، والأول هو المعتمد وأبعد من قال: المراد الكسعة. فتح الباري ٦/ ٥٤٧ و٨/ ٦٤٩. قلت: وقد ورد عند أحمد "دعوا الكسعة فإنها منتنة" من طريق عمرو بن دينار البصري الأعور المعروف بقهرمان، وهو ضعيف، انظر الحديث في المسند ٣/ ٣٨٥. ٢ منتة: أي مذمومة في الشرع، مجتنبة مكروهة، كما يجتنب الشيء النتن، غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٤ وقال ابن حجر: قبيحة خبيثة وقد ثبت في بعض روايات فتح الباري ٨/٦٤٩. قلت ثبت عند البخاري دعوها فإنها خبيثة» . انظر: ص ١٨٤ من رواية ابن جريج. ٣ في رواية ابن جريج عن عمرو بن دينار "أقد تداعوا علينا". انظر: ص ١٨٤. ٤ وفي رواية ابن جريج فقال عمر: "ألا نقتل يا رسول الله هذا الخبيث" انظر ص ١٨٤ وعند ابن إسحاق قال عمر بن الخطاب: مر به عباد بن بشر فليقتله. انظر ص ١٨٨ ويمكن الجمع: "بأن عمر بن الخطاب أولا طلب من رسول الله ﷺ أن يأذن له بقتله فلما لم يأذن له، قال: إن لم تأذن لي بقتله، فمر عباد بن بشر يقتله". ٥ البخاري ٤/ ١٤٦، كتاب المناقب و٦/ ١٢٨، ومسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب والترمذي ٥/ ٩٠ في التفسير، والحميدي ٢/ ٥١٩ وأحمد ٣/ ٣٩٢.
[ ١٧٦ ]
المبحث الثاني: تعيين الغزوة التي حدثت فيها مقالة ابن أبي
ورد تعيينها بأنها غزوة بني المصطلق من قول سفيان بن عيينة عند أحمد والإسماعيلي والترمذي ورواية الإسماعيلي والترمذي أصرح في ذلك، وإليك النصوص الواردة في ذلك:
[ ١٧٦ ]
قال أحمد: حدثنا حسين١ بن محمد ثنا سفيان - يعني ابن عيينة - عن عمرو قال: حدثنا جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي ﷺ في غزوة، قال: يرون أنها غزوة بني المصطلق، فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين الحديث وفيه فبلغ ذلك عبد الله بن أبي فقال: "فعلوها، والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"٢. "رجاله رجال الجماعة". والحديث عند البخاري ومسلم وليس فيه تفسير الغزوة٣.
عند الإسماعيلي٤ في مستخرجه٥ من طريق ابن أبي عمر٦ وهي زيادة صححة حكمها حكم الصحيح، لأنها خارجة من مخرجه٧.
عند الترمذي: وهذا نصه: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول كنا في غزاة ٣قال سفيان: أين يرون أنها غزوة بني المصطلق - فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار-
_________________
(١) ١ الحسين بن محمد بن بهرام، التميمي، أبو محمد، المروذي: بفتح الميم وتشديد الراء، وبذال معجمة، نزيل بغداد، ثقة من التاسعة، (ت٢١٣) أو بعدها بسنة أو بسنتين، ع. التقريب ١/ ١٧٩. ٢ مسند أحمد ٣/ ٣٩٢- ٣٩٣. ٣ البخاري ٦/ ١٢٨ كتاب التفسير (باب قوله: سواء عليهم أستغفرت لهم أم لم تستغفر لهم) ومسلم ٨/ ١٩ كتاب البر والصلة والآداب. ٤ هو أبو بكر الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس الإسماعيلي، الجرجاني كبير الشافعية بناحيته، له مستخرج على صحيح البخاري وله معجم كبير، وله غير ذلك، قال الذهبي: "من جملتها مسند عمر ﵁ هذبه في مجلدين طالعته وعلقت منه وابتهرت بحفظ هذا الإمام وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة، (ت٣٧١؟ـ) " تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/ ٩٤٧- ٩٥١. ٥ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. ٦ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق، صنف المسند وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم كانت فيه غفلة. من العاشرة (ت٢٤٣) م ت س ق التقريب ٢/ ٢١٨. ٧ انظر التبصرة والتذكرة للعراقي ١/ ٦٠. وتدريب الراوي للسيوطي، ص ٥٨.
[ ١٧٧ ]
الحديث وفيه فسمع ذلك عبد الله بن أبي ابن سلول، فقال: أوقد فعلوها؟ والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل وفي آخره زيادة على ما في الصحيح وهي: وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله:"والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل ورسول الله ﷺ العزيز ففعل"١. "هذا حديث حسن صحيح"٢.
وقد وصف ابن حجر ابن أبي عمر بأنه من رجال السنن، ولكن تابعه حسين بن محمد بن بهرام عند أحمد وهو ثقة، فيكون الحديث صحيحا لغيره.
ما أخرجه اببن أبي شيبة عن عروة بن الزبير - ﵁ - أن أصحاب رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق لما أتوا المنزل كان بين غلمان من المهاجرين، وغلمان من الأنصار الحديث وفيه فقال ابن أبي: "أما والله لو أنهم لم ينفقوا عليهم انفضوا من حوله، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل".الحديث٣. وهو مرسل.
وبنحوه عند ابن أبي حاتم من طريق عقيل عن الزهري عن عروة بن الزبير وعمر٤ بن ثابت. قال ابن حجر: "وهو مرسل جيد"٤.
وهكذا ذكر ابن إسحاق عن مشايخه، عاصم بن عمر وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان بأن قول ابن أبي هذا كان في غزوة بني المصطلق٥."
_________________
(١) ١ ففعل أبي فأقر بأنه الذليل ورسول الله ﷺ هو العزيز. ٢ الترمذي ٥/ ٩٠ كتاب التفسير. ٣ الدر المنثور للسيوطي٦/ ٢٢٥.
(٢) عمر بن ثابت الأنصاري الخزرجي المدني، ثقة من الثالثة، أخطأ من عده في الصحابة، م عم. المصدر السابق ٢/ ٥٢ وتهذيب التهذيب ٧/ ٤٣٠ وقد وقع في هذه الرواية عمرو ابن ثابت قال ابن حجر: وهو خطأ نبه عليه النسائي وقال: الصواب عمر بن ثابت. انظر تهذيب التهذيب ٨/ ١٠ والتقريب ٢/ ٦٦. ٤ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١. ٥ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩١.
[ ١٧٨ ]
رجاله رجال الجماعة وهو مرسل أيضا".
فهذه الأحاديث كلها صريحة في أن هذه الكلمة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول في غزوة بني المصطلق.
صرح الواحدي بأن هذا هو قول أهل التفسير وأصحاب السير١.
وبعد أن بينا أن هذه المقالة صدرت من ابن أبي في غزوة بني المصطلق يحسن أن نذكر الأحاديث الدالة على أن هذه المقالة صدرت من عبد الله بن أبي ابن سلول أيضا في غزوة تبوك، ثم نعقب ذلك بالقول الراجح حسب ما يظهر.
أ- جاء عند الترمذي والنسائي وهذا سياق الترمذي: حدثنا محمد ابن بشار أخبرنا محمد بن أبي عدي، قال: أنبأنا شعبة عن الحكم بن عتبة قال: سمعت محمد بن كعب القرظي منذ أربعين سنة يحدث عن زيد بن أرقم أن عبد الله بن أبي قال في غزوة تبوك: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل فأتيت النبي ﷺ فذكرت ذلك له، فحلف ما قاله، فلامني قومي، فقالوا: ما أردت إلا هذه فأتيت البيت ونمت كئيبا حزينان فأتاني النبي ﷺ، أو أتيته فقال: "إن الله قد صدقك".
قال: فنَزلت هذه الآية: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا﴾، [سورة المنافقون، من الآية: ٧]، "هذا حديث حسن صحيح"٢.
وأخرجه النسائي في السنن الكبرى: عم محمد بن بشار بندار عن محمد بن جعفر غندر وابن أبي عدي، كلاهما عن شعبة به٣. "وكلا الحديثين رجالهما رجال الجماعة".
وهو عند البخاري وأحمد من طريق شعبة عن الحكم به٤.
_________________
(١) ١ أسباب النزول، ص ٢٨٧. ٢ الترمذي ٥/ ٨٩، كتاب التفسير. ٣ تحفة الأشراف للمزي ٣/ ٢٠١. ٤ البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير وأحمد ٤/ ٣٦٨.
[ ١٧٩ ]
وليس فيه لفظ: "غزوة تبوك".
فهذا الحديث صحيح وهو صريح في صدور هذا القول من عبد الله ابن أبي في غزوة تبوك.
ب- قال ابن حجر: "ويؤيده قوله في رواية زهير في "سفر أصاب الناس فيه شدة""١.
قلت: رواية زهير المشار إليها هي ما ساقه البخاري: حدثنا عمرو ابن خالد ثنا زهير بن معاوية حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت زيد بن أرقم قال: "خرجنا مع النبي ﷺ في سفر أصاب الناس فيه شدة"٢، فقال عبد الله بن أبي لأصحابه: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله". وقال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، فأتيت النبي ﷺ، فأخبرته، فأرسل إلى عبد الله بن أبي فسأله، فاجتهد يمينه ما فعل، قالوا: كذب زيد رسول الله ﷺ، فوقع في نفسي مما قالوا شدة حتى أنزل الله ﷿ تصديقي في ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾، [سورة المنافقون، الآية: ١] .
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/ ٦٤٤. ٢ قلت: يجوز أن تكون الشدة هذه حصلت في غزوة بني المصطلق بقلة الزاد والماء الذي كان سببا في صدور هذه المقالة من عبد الله بن أبي كما صرح بذلك أبو سعيد الأزدي في روايته عن زيد بن أرقم قال: "غزونا مع رسول الله ﷺ وكان معنا أناس من الأعراب فكنا نبتدر الماء، وكان الأعراب يسبقونا إليه فيسبق الأعرابي فيملأ الحوض ويجعل حوله حجارة، ويجعل النطع عليه حتى يجيء أصحابه"، قال: فأتى رجل من الأنصار أعرابيا فأرخى زمام ناقته لتشرب فأبى أن يدعه، فانتزع قباض الماء فرفع الأعرابي خشبة فضرب بها رأس الأنصاري فشجه، فأتى عبد الله بن أبي رأس المنافقين فأخبره وكان من أصحابه، فغضب عبد الله بن أبي، ثم قال: "لا تنفقوا على من عند رسول الله حتى ينفضوا من حوله" يعني الأعراب، وكانوا يحضرون رسول الله ﷺ عند الطعام فقال عبد الله: "إذا انفضوا من عند محمد فأتوا محمدا الطعام"، ثم قال لأصحابه: "لئن رجعنا إلى المدينة فلنخرج الأعز منها الأذل". أخرجه الترمذي ٥/ ٨٨ وقال حسن صحيح، والحاكم ٢/ ٤٨٨ وقال صحيح الإسناد وأقره الذهبي.
[ ١٨٠ ]
فدعاهم النبي صلى اله عليه وسلم ليستغفر لهم، فلووا رؤوسهم الحديث١
ج- ما رواه ابن أبي حاتم: حدثنا أبو الربيع٢ الزهراني، حدثنا حماد٣ بن زيد حدثنا أيوب عن سعيد٤ ابن جبير "أن رسول الله ﷺ كان إذا نزل منزلا لم يرتحل حتى يصلي فيه، فلما كانت غزوة تبوك بلغه أن عبد الله بن أبي ابن سلول قال: "ليخرجن الأعز منها الأذل"، فارتحل قبل أن ينزل آخر النهار، وقيل لعبد الله بن أبي ائت رسول الله ﷺ حتى يستغفر لك فأنزل الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ﴾ - إلى قوله - ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُؤُوسَهُمْ﴾ [سورة المنافقون، الآيات: ١-٥] .
قال ابن كثير: "وهذا إسناد صحيح إلى سعيد بن جبير"٥.
قلت: رجاله رجال الجماعة ما عدا أبا الربيع الزهراني، فأخرج له من عدا الترمذي وابن ماجة. ونسبه ابن حجر لبعد بن حميد وقال: "بإسناد صحيح"٦.
وهكذا نسبه السيوطي لابن أبي حتم وعبد بن حميد٧.
وقد أجاب العلماء عن هذه الأحاديث الدالة بأن المقالة المذكورة كانت في غزوة بوك - بما يأتي:
قال ابن العربي: "اختلفت الرواة في هذا الحديث فروى محمد بن كعب
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ١٢٧، كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩، كتاب صفات المنافقين وأحمد ٤/ ٣٧٣. ٢ أبو الربيع الزهراني هو سليمان بن داود العتكي البصري، نزيل بغداد، ثقة، من العاشرة (ت٢٣٤)، خ م د س التقريب ١/ ٣٢٤. ٣ حماد بن زيد بن درهم الأزدي الجهضمي، من كبار الثامنة، ثقة ثبت فقيه، (ت١٧٩)، ع: المصدر السابق١/ ١٩٧. ٤ سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت فقيه من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة ٥٠، ع: المصدر السابق١/ ٢٩٢. ٥ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩. ٦ فتح الباري ٨/ ٦٤٤. ٧ الدر المنثور ٦/ ٢٢٤.
[ ١٨١ ]
القرظي أن ذلك كان في غزوة تبوك، حسبما ذكره أبو عيسى الترمذي".
وروى في الصحيح أنها كانت في غزوة بني المصطلق١، حسن صحيح وهو الصحيح، وإن كان صحح أيو عيسى حديث محمد ابن كعب، لكن صحيح الصحيح ما بيناه٢.
وقال ابن كثير عقب مرسل سعيد بن جبير المتقدم٣، قوله: "إن ذلك كان في غزوة تبوك فيه نظر، بل ليس بجيد، فإن عبد الله بن أبي ابن سلول، لم يكن ممن خرج في غزوة تبوك، بل رجع بطائفة من الجيش، وإنما المشهور عند أصحاب المغازي والسير أن ذلك كان في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق"٤.
وقال ابن حجر عقب مرسل سعيد بن جبير نفسه: "والذي عليه أهل المغازي أنها غزوة بني المصطلق٥، ويؤيده "أن في حديث جابر بن عبد الله"، وكانت الأنصار أكثر من المهاجرين، حين قدموا المدينة، ثم إن المهاجرين كثروا بعد"٦.
فهذا مما يؤيد تقدم القصة، ويوضح وهم من قال إنها كانت بتبوك، لأن المهاجرين حينئذ كانوا كثيرا جدا، وقد انضافت إليهم مسلمة الفتح في غزوة تبوك، فكانوا حينئذ أكثر من الأنصار٧ اهـ.
_________________
(١) ١ يريد حديث جابر بن عبد الله المتقدم، ص ١٧٥ وما بعدها. ٢ عارضة الأحوذي، ١٢/ ٢٠٠. والمعنى: أن الترمذي قال عن حديث جابر بن عبد الله بأنه حسن صحيح، والحديث ثابت في الصحيحين، وقال عن حديث محمد بن كعب القرظي، بأنه حسن صحيح كذلك، وحديث محمد بن كعب القرظي عند الترمذي والنسائي. فقال ابن العربي: وإن كان الترمذي قد صحح كلا الحديثين، لكن الصحيح حديث جابر بن عبد الله لأنه ثابت في الصحيحين. ٣ انظر ص ١٨١. ٤ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٦٩. ٥ فتح الباري ٨/ ٦٤٤ و٦٥٠. ٦ انظر الحديث ص ١٧٥- ١٧٦ وما بعدها. ٧ المصدر السابق ٨/ ٦٧٧ و٦٥٠.
[ ١٨٢ ]
ومن خلال هذه الأجوبة والأدلة المتقدمة يكون الأرجح أن هذه المقالة كانت في غزوة بني المصطلق.
ويضاف إلى هذا: اتفاق أهل المغازي والسير أن عبد الله بن أبي كان ممن تخلف عن غزوة تبوك ولم يحضرها، ولولا لكان القول بالتعدد أولى من الترجيح.
[ ١٨٣ ]
المبحث الثالث: القضاء على فتنة المنافقين
قال البخاري: حدثنا محمد١ أخبرنا مخلد٢ بن يزيد أخبرنا ابن جريج٣، قال أخبرني عمرو بن دينار، أنه سمع جابرا ﵁ يقول: غزونا مع النبي ﷺ، وقد ثاب٤ معه ناس من المهاجرين، حتى كثروا، وكان من المهاجرين رجل لعاب٥، فكسع أنصاريا، فغضب الأنصاري غضبا شديدا حتى تداعوا وقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فخرج النبي ﷺ، فقال: "ما بال دعوى الجاهلية"، ثم قال: "ما شأنهم؟ "
_________________
(١) ١ محمد هنا: المراد به ابن سلام، كما جزم بذلك أبو نعيم في المستخرج، وأبو علي الجياني، انظر فتح الباري ٦/ ٥٤٧، وهدي السارب مقدمة فتح الباري ص ٢٣٩، وهو محمد بن سلام بن الفرج، السلمي، مولاهم، البيكندي، بكسر الموحدة وسكون التحتانية وفتح الكاف وسكون النون، أبو جعفر، مختلف في لام أبيه والراجح التخفيف، ثقة ثبت من العاشرة (ت٢٢٧)، خ: التقريب ٢/ ١٦٨. ٢ مخلد بن يزيد القرشي، الحراني، صدوق له أوهام، من كبار التاسعة (ت١٩٣)، خ م د س ق. المصدر السابق ٢/ ٢٣٥. ٣ عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم المكي، ثقة، فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، من السادسة (ت١٥٠) أو بعدها، ع. المصدر السابق١/٥٢٠. ٤ ثاب معه: أي اجتمع. ٥ رجل لعاب: أي بطال، وقيل كان يلعب بالحراب كما تصنع الحبشة، وهو جهجاه ابن قيس الغفاري، فتح الباري ٦/ ٥٤٦ وسماه ابن إسحاق: جهجاه بن مسعود. وكان جهجاه من المتألبين على عثمان بن عفان وأنه قام إلى عثمان وهو على المنبر فأخذ عصاه وكسرها فما حال عليه الحول حتى أرسل الله في يده الأكلة فمات منها، هكذا نقل ابن حجر في الإصابة ١/ ٢٥٣.
[ ١٨٣ ]
فأخبر بكسعة المهاجري، الأنصاري، قال: فقال النبي ﷺ: "دعوها فإنها خبيثة"، وقال عبد الله ابن أبي ابن سلول: "أقد تداعوا علينا، لئن رجعنا إلى المدينة، ليخرجن الأعز منها الأذل"، فقال عمر: "ألا نقتل يا رسول هذا الخبيث" لعبد الله، فقال النبي ﷺ: "لا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه"١.
الحديث فيه مخلد بن يزيد، وصف بأن له أوهاما، كما في التقريب٢.
وفي هدي الساري قال ابن حجر: "وثقه ابن معين وغيره"، وقال أحمد: "لا بأس به"، وكان يهم، وكذا قال الساجي: "وأنكر له أبو داود حديثا وصله".
ثم عقب ابن حجر بقوله: "قلت: أخرج له البخاري أحاديث قليلة من روايته عن ابن جريج توبع عليها". وروى له مسلم والباقون سوى الترمذي، انتهى كلام ابن حجر٣.
قلت: قد ورد الحديث عن جابر بعدة طرق صحاح، وليس فيها مخلد بن يزيد. فزال ما يخشى من أوهامه، وما دام أن الحديث في البخاري فإنه صحيح لاتفاق الأمة على صحة ما فيه، ولعل ما قيل عن مخلد من أوهام لم تكن تضره حين أخرج له البخاري لما نعلم من شدة تحريه ودقة شروطه فيمن يخرج عنهم.
وعند مسلم وأحمد من طريق أبي الزبير٤ عن جابر "فخرج رسول الله ﷺ فقال: "ما هذا دعوى أهل الجاهلية"، فقالوا: لا، يا رسول الله إلا أن غلامين اقتتلا فكسع أحدهما الآخر، قال: "فلا بأس ولينصر الرجل
_________________
(١) ١ البخاري ٤/ ١٤٦-١٤٧، كتاب المناقب، باب ما ينهى من دعوى الجاهلية. ٢ / ٢٣٥. ٣ هدي الساري مقدمة فتح الباري، ص ٤٤٣. ٤ أبو الزبير هو: محمد بن مسلم بن تدرس بفتح المثناة وسكون الدال المهملة، وضم الراء الأسدي، مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق إلا أنه يدلس، من الرابعة، (ت١٢٦): ع. التقريب ٢/ ٢٠٧. وقد صرح بالتحديث هنا عن جابر كما هو عند أحمد ٣/ ٣٢٣- ٣٢٤.
[ ١٨٤ ]
أخاه ظالما أو مظلوما، إن كان ظالما فلينهه فإنه له نصر وإن كان مظلوما فلينصره"١.
قال النووي: "أما تسمية النبي ﷺ ذلك دعوى الجاهلية، فهو كراهة منه لذلك؛ فإنه مما كانت عليه الجاهلية من التعاضد بالقبائل في أمور الدنيا ومتعلقاتها، وكانت الجاهلية تأخذ حقوقها بالعصبات والقبائل، فجاء الإسلام بإبطال ذلك، وفصل القضايا بلأحكام الشرعية، فإذا اعتدى إنسان على آخر حكم القاضي بينهما وألزمه مقتضى عدوانه، كما تقرر من قواعد الإسلام.
وأما قوله ﷺ في آخر هذه القصة "لا بأس" فمعناه لم يحصل من هذه القصة بأس مما كنت خفته، فإنه خاف أن يكون حدث أمر عظيم يوجب فتنة وفسادا، وليس هو عائدا إلى رفع كراهة الدعاء بدعوى الجاهلية٢.
قال ابن حجر: "يستفاد من قوله "لا بأس" جواز القول المذكور بالقصد المذكور والتفصيل المبين، لا على ما كانوا عليه في الجاهلية من نصرة من يكون من القبيلة مطلقا"٣.
قلت: كانت هذه الكلمة شعار أهل الجاهلية، وهو نصرة الأخ مطلقا ولو كان يعلم أنه على باطل، فما دام من قبيلته أو من أحلافه فتجب نصرته، فجاء الإسلام فهذب هذه الكلمة وجعل معناها غير ما تعارف عليه أهل الجاهلية، فجعل كف الظالم عن ظلمه نصرا له، ونصره حقيقة إن كان مظلوما حتى يتوصل إلى حقه، وقد تضمن الحديث المتقدم، آنفا بيان هذا المبدأ.
وقد ورد عند البخاري ما يزيد هذا المعنى وضوحًا.
وهذا نصه: حدثنا محمد بن عبد الرحيم٤ ثنا سعيد٥ بن سليمان حدثنا
_________________
(١) ١ مسلم ٨/ ١٩، وأحمد ٣/ ٣٢٣ –٣٢٤. ٢ شرح النووي على مسلم ٥/ ٤٤٤. ٣ فتح الباري ٨/ ٦٤٩. ٤ محمد بن عبد الرحيم، ابن أبي زهير البغدادي، أبو يحيى البزاز، المعروف بصاعقة، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٥٥)، خ د ت س. التقريب ٢/ ١٨٥. ٥ سعيد بن سليمان الضبي أبو عثمان الواسطي، نزيل بغداد، البزاز، لقبه سعدويه، ثقة حافظ، من كبار العاشرة، (ت٢٢٥): ع، المصدر السابق ١/ ٢٩٨.
[ ١٨٥ ]
هشيم١ أخبرنا عبيد الله٢ بن أبي بكر بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما"، فقال رجل: يا رسول الله أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إذا كان ظالما كيف أنصره؟
قال: "تحجزه أو تمنعه من الظلم، فإن ذلك نصره"٣.
وهكذا قضى رسول الله ﷺ على هذه الفتنة التي كادت تفكك وحدة المسلمين وتمزق شملهم وتجعلهم شيعا وأحزابا، فتقر بذلك أعين المنافقين وأعداء الدين، لكن الإيمان الذي ربى رسول الله ﷺ أصحابه عليه، كان أقوى من مكيدة المنافقين، فما أن سمع المسلمون كلام الرسول ﷺ بأمرهم بترك دعوى الجاهلية، حتى خمدت الفتنة التي أوقد المنافقون نارها، ثم اتخذ الرسول الكريم التدابير التي تقضي على آثارها وتعيد الإخاء والمودة إلى نفوس المسلمين، كما سيأتي في المبحث التالي.
_________________
(١) ١ هشيم بالتصغير، ابن بشير بوزن عظيم، ابن القاسم بن دينار السلمي، أبو معاوية ابن أبي خازم، بمعجمتين، الواسطي، ثقة ثبت، كثير التدليس والإرسال الخفاي، من السابعة (ت١٨٣)، ع: المصدر السابق٢/ ٣٢٠. ٢ عبيد الله بن أبي بكر بن أنس بن مالك، أبو معاذ، ثقة من الرابعة: ع. المصدر السابق١/٥٣١. ٣ البخاري ٩/ ٢٠، كتاب الإكراه.
[ ١٨٦ ]
المبحث الرابع: معالجة آثار الفتنة
قال البخاري: "حدثنا الحميدي١ حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين فسمعها رسول الله ﷺ. الحديث "
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن الزبير بن عيسى القرشي الحميدي المكي، أبو بكر، ثقة حافظ فقيه، أجل أصحاب ابن عيينة، من العاشرة، (ت٢١٩)، وقيل بعدها. قال الحاكم: كان البخاري إذا وجد الحديث عن الحميدي، لا يعدوه إلى غيره / خ مق د ت س فق. التقريب ١/ ٤١٥.
[ ١٨٦ ]
وفيه: قال عمر بن الخطاب ﵁: "دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق"، قال النبي ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" ١.
قال النووي: "قوله ﷺ: "دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه"، فيه ما كان عليه ﷺ من الحلم، وفيه ترك بعض الأمور المختارة والصبر على بعض المفاسد، خوفا من أن تترتب على ذلك مفسدة أعظم منه"، وكان ﷺ يتألف الناس ويصبر على جفاء الأعراب والمنافقين وغيرهم لتقوى شوكة المسلمين، وتتم دعوة الإسلام، ويتمكن الإيمان من قلوب المؤلفة، ويرغب غيرهم في الإسلام، وكان يعطيهم الأموال الجزيلة لذلك، ولم يقتل المنافقين لهذا المعنى، ولإظهارهم الإسلام، وقد أمر بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر، ولأنهم كانوا معدودين في أصحابه ﷺ، ويجاهدون معه، إما حمية وإما لطلب دنيا أو عصبية لمن معه من عشائرهم٢.
وقال ابن العربي: "قول النبي ﷺ: "لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" هو إخبار عن وجه المصلحة في الإمساك عن قتلهم، لما يرجى من تأليف الكلمة بالعفو عنه، والاستدراك لما فاتهم في المستقبل من أمرهم توقعا لسوء الأحدوثة المنفرة عن القبول للنبي ﷺ والإقبال عليه"٣.
وعند ابن إسحاق من طريق عاصم بم عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكرن ومحمد بن حبان، قال: كل قد حدثني حديث بني المصطلق وساق الحديث بتفاصيل الغزوة وفيه "فبينا رسول الله ﷺ على ذلك
_________________
(١) ١ البخاري ٦/ ١٢٨، كتاب التفسير، باب قوله: يقولون لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، ومسند الحميدي ٢/ ٥١٩. ٢ شرح صحيح مسلم للنووي ٥/ ٤٤٥. ٣ عارضة الأحوذي شرح جامع الترمذي ١٢/ ٢٠٤ وانظر شرح ثلاثيات مسند أحمد لمحمد السفارني ٢/ ٤١٢- ٤١٣.
[ ١٨٧ ]
الماء١ وردت واردة الناس، ومع عمر بن لخطاب أجير له، من بني غفار يقال له جهجاه بن مسعود يقود فرسه، فازدحم جهجاه وسنان بن وبر الجهني حليف بني عوف بن الخزرج على الماء، فاقتتلا، فصرخ الجهني: يا معشر٢ الأنصار، وصرخ جهجاه: يا معشر المهاجرين، فغضب عبد الله بن أبي ابن سلول، وعنده رهط من قومه، فيهم: زيد بن أرقم غلام حدث، فقال: "أو قد فعلوها؟ قد نافرونا وكاثرونا في بلادنا، والله ما أعدنا وجلابيب٣ قريش إلا كما قال الأول٤:سمن كلبك يأكلك، أما والله لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، ثم أقبل على من حضره من قومه، فقال لهم: "هذا ما فعلتم بأنفسكم أحللتموه بلادكم، وقاسمتموه أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحولوا إلى غير داركم"، فسمع ذلك زيد بن أرقم فمشى به إلى رسول ﷺ، وذلك عند فراغ رسول الله ﷺ من عدوه، فأخبره، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: "مر به عباد بن بشر فليقتله"، فقال له رسول الله ﷺ: "فكيف يا عمر إذا تحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، لا"، ولكن أذن بالرحيل، وذلك ساعة لم يكن رسول الله ﷺ يرتحل فيها، فارتحل الناس، وقد مشى عبد الله٥ بن أبي بن سلول إلى رسول الله ﷺ، حين بلغه أن
_________________
(١) ١ هو ماء المريسيع. ٢ معشر: كمسكن: الجماعة وأهل الرجل. القاموس المحيط ٢/ ٩٠. ٣ جلابيب: لقب لمن أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون، وأصل الجلابيب: الأزر الغلاظ، كانوا يلتحفون بها، فلقبوهم بذلك. ٤ كما قال الأول: سمن كلبك يأكلك، وعند الطبري كما قال القائل، وهو مثل من أمثال عرب، وأول من قاله: حازم بن المنذر الحماني، وذلك أنه مر بمحلة همدان فوجد غلاما ملفوفا في ثوب، فرحمه وحمله معه وقدم به منزله وأمر أمة له أن ترضعه حتى كبر وراهق الحلم، فجعله راعيا لغنمه وسماه جحيشا، وكان لحازم ابنة يقال لها: راعوم فهويت الغلام وهويها وانتبه حازم لهذا فترصد لهم حتى عرف الحقيقة ووجدهم على الفاحشة، فقال: سمن كلبك يأكلك، فأرسلها مثلا وشد على جحيش ليقتله ففر ولحق بقبيلته، انظر مجمع الأمثال للميداني ١/ ٣٣٣. ورقم المثل (١٧٨٧) . ٥ قال القسطلاني في إرشاد الساري شرح البخاري ٧/ ٢٥٧، دار الكتاب العربي، بيروت، عبد الله بن أبي ابن سلول برفع ابن لأنه صفة لعبد الله، لا لأبي وسلول غير منصرف للتأنيث والعلمية، لأنها أمه.
[ ١٨٨ ]
زيد بن أرقم قد بلغه ما سمع منه، فحلف بالله: ما قلت ما قال: ولا تكلمت به - وكان شريفا عظيما - فقال من حضر رسول الله ﷺ من الأنصار من أصحابه: "يا رسول الله عسى أن يكون الغلام قد أوهم في حديثه، ولم يحفظ ما قال الرجل"، حدبا١ على ابن أبي ابن سلول، ودفعا عنه، فلما استقل رسول الله ﷺ، وسار لقيه أسيد بن حضير، فحياه بتحية النبوة وسلم عليه، ثم قال: "يا نبي الله، والله لقد رحت في ساعة مبكرة، ما كنت تروح في مثلها"، فقال له رسول الله ﷺ: "أو ما بلغك ما قال صاحبكم؟ " قال: وأي صاحب يا رسول الله؟
قال: "عبد الله بن أبي"، قال: وما قال؟ قال: "زعم أنه إن رجع إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل"، قال: فأنت يا رسول الله، والله تخرجه منها إن شئت، هو والله الذليل، وأنت العزيز، ثم قال: "يا رسول الله ارفق به٢، فوالله لقد جاءنا الله بك وإن قومه ينظمون له الخرز ليتوجوه، فإنه ليرى أنك قد استلبته ملكا". ثم مشى رسول الله ﷺ بالناس يومهم ذلك حتى أمسى، وليلتهم حتى أصبح وصدر يومهم ذلك حتى آذنهم الشمس، ثم نزل بالناس، فلم يلبثوا أن وجدوا مس الأرض فوقعوا نياما، وإنما فعل ذلك رسول الله ﷺ ليشغل الناس عن الحديث الذي كان بالأمس، من حديث عبد الله بن أبي، إلى أن قال: "وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه، ويأخذونه ويعنفونه"، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه ذلك من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت ٣ له آنف لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته".
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"٤.
_________________
(١) ١ حدبا على ابن أبي: أي عطفا عليه. ٢ هذه الكلمة قالها أيضا سعد بن عبادة عندما عاده رسول الله ﷺ. انظر ص ١٥٢ مما تقدم. ٣ لأرعدت له آنف: أي انتفخت واضطربت أنوفهم حمية وعصبية. ٤ سيرم ابن هشام ٢/ ٢٩٠- ٢٩٣.
[ ١٨٩ ]
"الحديث رجاله ثقات، ولكنه مرسل". وأورده ابن جرير الطبري من هذه الطريق نفسها١.
وله شاهد عند ابن أبي حاتم من مرسل عروة بن الزبير، وعمر بن ثابت الأنصاري.
وهو مرسل جيد كما قال ابن حجر٢. وهو أيضا عند ابن أبي شيبة من مرسل عروة وحده٣.
وأصله في الصحيحين من حديث زيد بن أرقم وجابر بن عبد الله٤. وبهذا يكون الحديث حسنا لغيره.
والحكمة ظاهرة من أمره ﷺ بالرحيل في وقت غير معتاد، وهي أن ترك مثل هذا الخبر ينتشر في الجيش يسبب بلبلة في الأفكار، ويثير القيل والقال مما ويصرف أذهان الجند الإسلامي إلى مهاترات كلامية، لا تحمد عقباها، فكانت مسيرة الجيش المتصلة ليلا ونهارا، مما أجهدهم، حتى وقعوا نياما، فمسح النوم العميق بعد النصب الشديد آثار الفتنة.
وهذا منهج في سياسة الأمور ينبغي أن يسلكه القادة الراشدون في كل زمان ومكان.
_________________
(١) ١ تاريخ الطبري٢/ ٦٠٥. ٢ فتح الباري ٨/ ٦٤٩، وانظر تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧١. ٣ الدر المنثور للسيوطي ٦/ ٢٢٥. ٤ انظر ص ١٧١- ١٧٤ وما بعدها.
[ ١٩٠ ]
المبحث الخامس: موقف عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه
١- ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة: أن عبد الله أتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إنه بلغني أنك تريد قتل عبد الله بن أبي فيما بلغنك عنه، فإن كنت لابد فاعلا فمرني به، فأنا
[ ١٩٠ ]
أحمل إليك رأسه، فوالله لقد علمت الخزرج ما كان لها من رجل أبر بوالده مني، وإني أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعني نفسي أنظر إلى قاتل عبد الله بن أبي يمشي في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر، فأدخل النار"، فقال رسول الله ﷺ: "بل نترفق به، ونحسن صحبته ما بقي معنا".
وجعل بعد ذلك إذا أحدث الحدث كان قومه هم الذين يعاتبونه ويأخذونه، ويعنفونه، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب حين بلغه من شانهم: "كيف ترى يا عمر، أما والله لو قتلته يوم قلت لي اقتله، لأرعدت له آنف، لو أمرتها اليوم بقتله لقتلته".
قال: قال عمر: "قد والله علمت لأمر رسول الله ﷺ أعظم بركة من أمري"١.
ومن طريقه رواه ابن جرير الطبري وابن كثير٢.
٢- ما رواه الحميدي: حدثنا سفيان٣ قال: ثنا أبو٤ هارون المدني قال: قال عبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول لأبيه: "والله لا تدخل المدينة أبدا حتى تقول رسول الله ﷺ الأعز وأنا الأذل"، قال: وجاء إلى النبي ﷺ فقال: "يا رسول الله، إنه بلغني أنك تريد أن تقتل أبي، فوالذي بعثك بالحق ما تأملت وجهه قط هيبة له، وإن شئت أن آتيك برأسه، أتيتك، فإني أكره أن أرى قاتل أبي"٥.
٣- ورواه الطبراني من طريق عروة بن الزبير ولفظه: أن عبد الله ابن عبد الله بن أبي استأذن النبي ﷺ أن يقتل أباه،
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢- ٢٩٣. ٢ تفسير الطبري ٢٨/ ١١٦، والتاريخ ٢/ ٦٠٨، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، والبداية والنهاية ٤/ ١٥٨. ٣ هو ابن عيينة وذلك لأن الحميدي كان رئيس أصحاب ابن عيينة، انظر تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٥. ٤ هو موسى بن أبي عيسى الحناط، بمهملة ونون ثقيلة آخره مهملة الغفاري، أبو هارون المدني، مشهور بكنيته واسم أبيه ميسرة، ثقة، من السادسة/ خت م د ق. التقريب ٢/ ٢٨٧. ٥ مسند الحميدي ٢/ ٥٢٠، وتفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢.
[ ١٩١ ]
قال: "لا تقتل أباك"١. قال الهيثمي: "رجاله رجال الصحيح"، إلا أن عروة بن الزبير لم يدرك عبد الله بن عبد الله بن أبي.
قلت: وذلك لأن عبد الله بن عبد الله بن أبي، قتل في خلافة أبي بكر الصديق سنة اثنتي عشرة، كما ذكر ذلك ابن سعد وابن الأثير وابن حجر٢. وكانت ولادة عروة في خلافة عمر بن الخطاب٣.
فتكون ولادته بعد وفاة عبد الله.
٤- ورواه البزار من حديث أبي هريرة ولفظه: قال: مر رسول الله ﷺ بعبد الله بن أبي وهو في ظل أطم٤، فقال، عبر علينا ابن أبي كبشة٥، فقال: ابنه عبد الله بن عبد الله: يا رسول الله، والذي أكرمك، لئن شئت أتيتك برأسه، فقال: "لا، ولكن بر أباك وأحسن صحبته" ٦.
قال الهيثمي: "رجاله ثقات".
٥- ما أورده ابن كثير بقوله: وذكر عكرمة٧ وابن زيد٨ وغيرهما أن
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨. ٢ انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤٢، وأسد الغابة ٣/ ٢٩٨، والإصابة ٢/ ٣٣٦. ٣ انظر تهذيب التهذيب ٧/ ١٨٣- ١٨٤. والتقريب ٢/ ١٩. ٤ الأطم: بالضم: بناء مرتفع، وجمعه آطام، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/٥٤. ٥ ابن أبي كبشة: يريد به النبي ﷺ قال ابن حجر: "قال ابن قتيبة والخطابي والدارقطني: هو رجل من خزاعة خالف قريشا في عبادة الأوثان فعبد الشعرى فنسبوا النبي ﷺ إليه للاشتراك في مطلق المخالفة"، ثم قال ابن حجر: "وكذا قاله ابن الزبير قال: واسم هذا الرجل: وجز بن عامر بن غالب وقيل غير ذلك". وقد ورد في حديث أبي سفيان عند هرقل لما سأله عن أمر النبي ﷺ فقال أبو سفيان لما خرجوا من عند هرقل وسمع منه تعظيمه لأمر النبي ﷺ قال: "لقد أمر أمر ابن أبي كبشة". انظر صحيح البخاري ١/٦- ٧ (باب كيف كان بدء الوحي)، وفتح الباري ١/ ٤٠. ٦ مجمع الزوائد ٩/ ٣١٨. ٧ عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس، أصله بربري، ثقة ثبت، عالم بالتفسير، لم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة، (ت١٠٧) وقيل بعدها/ ع. التقريب ٢/ ٣٠. ٨ هو محمد بن يزيد بن المهاجر بن قنفذ، بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة وآخره ذال عجمة، التيمي، المدني، ثقة، من الخامسة/م عم. المصدر السابق٢/ ١٦٢.
[ ١٩٢ ]
الناس لما قفلوا راجعين على المدينة وقف عبد الله بن عبد الله هذا على باب المدينة واستل سيفه فجعل الناس يمرون عليه، فلما جاء أبو عبد الله ابن أبي، قال له ابنه وراءك؟ فقال مالك ويلك؟ فقال: "والله لا تجوز من ههنا حتى يأذن لك رسول الله ﷺ فإنه العزيز وأنت الذليل"، قلما جاء رسول الله ﷺ، وكان إنما يسير ساقة فشكا إليه عبد الله بن أبي ابنه، فقال ابنه عبد الله: "والله يا رسول الله لا يدخلها حتى تأذن له"، فأذن له رسول الله ﷺ فقال: "أما إذا أذن لك رسول الله ﷺ، فجز الآن"١.
قلت: وهو منقطع أيضا وذلك لما تقدم من أن وفاة عبد الله بن عبد الله بن أبي، كانت سنة اثنتي عشرة، وعكرمة أقل ما قيل في وفاته أنها سنة (١٠٤) وكان عمره ثمانين سنة، فتكون ولادته سنة أربع وعشرين بعد وفاة عبد الله باثنتي عشرة سنة٢، وبهذا تكون الأحاديث الأربعة منقطعة، ولكن بمجموعها يؤيد بعضها بعضا وترتقي إلى درجة الحسن لغيره.
ويقويها ما رواه الترمذي: حدثنا ابن أبي عمر أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار سمع جابر بن عبد الله يقول: "كنا في غزاة قال سفيان يرون أنها غزوة بني المصطلق فكسع رجل من المهاجرين رجلا من الأنصار، فقال المهاجري: يا للمهاجرين، وقال الأنصاري: يا للأنصار". الحديث
وفي آخره، وقال غير عمرو فقال له ابنه عبد الله بن عبد الله: والله لا تنقلب حتى تقر أنك الذليل، ورسول الله ﷺ العزيز ففعل. "هذا حديث حسن صحيح"٣.
والحديث أخرجه الشيخان دون هذه الزيادة، وقد تقدم٤. ومجموع هذه الروايات المختلفة يبرز لنا موقفا صلبا قويا من مواقف العقيدة الإسلامية إذا
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٧٢، وتاريخه ٤/ ١٥٨. ٢ انظر تهذيب التهذيب ٧/ ٢٧١. ٣ الترمذي ٥/ ٩٠، كتاب التفسير. ٤ انظر ص ١٧٥، وما بعدها.
[ ١٩٣ ]
تمكنت من قلب المسلم ورسخت فيه، ذلك لأن بناء الشخصية الإسلامية على هذه العقيدة يخرج للبشرية نمطا فريدا من الناس يتحدون جميع الروابط والأواصر التي عهدها البشر في أعرافهم وتقاليدهم ومذاهبهم الاجتماعية، وتكون الآصرة الوحيدة في حياة المسلم هي آصرة العقيدة وحدها، ومن هنا نفهم ما ورد في التاريخ الإسلامي من رسوخ المسلم وثباته في وجه أبيه وأخيه الكافرين ولو أدى به ذلك إلى قتلهما، لأن أغلى شيء يملكه المسلم هو عقيدته، فإذا وقف في سبيل الدعوة إليها عرف اجتماعي أو رابطة قبلية أو مذاهب تقليدية، تحداها المسلم بعزم وإصرار.
ومن ذلك هذا الموقف المشرف الذي وقفه عبد الله بن عبد الله بن أبي من أبيه عبد الله بن أبي ابن سلول، حتى وصل به الأمر إلى مراودة الرسول ﷺ واستئذانه في قتله إن كان يحب ذلك.
وليس في الدنيا مذهب يخلق هذا النوع الفريد من التفاني في سبيل المبدأ أو العقيدة وتلك معجزة عقيدة الإسلام التي يفتقر إليها الناس في كل زمان ومكان، وهي وحدها الكفيلة بسعادة البشرية ووحدتها وقوتها فما أحوجها إلى مثل هذا الغرس الطيب لينشأ جيل فريد في تصوره الإسلامي، وسلوكه العملي في واقع الحياة، لانتشال شباب الأمة الإسلامية من وهده الضلال إلى قمة العقيدة الإسلامية واستعلائها. ﴿وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ١٣٩] .
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، [سورة المجادلة، الآية: ٢٢] .
قال ابن كثير: "قوله ﴿وَلَو كَانُوا آبَاءَهم﴾ نزلت في أبي عبيدة قتل أباه يوم بدر. ﴿أَوْ أَبْنَاءَهَم﴾ نزلت في أبي بكر الصديق هم ﷺ يومئذ بقتل ابنه عبد الرحمن،
[ ١٩٤ ]
﴿أَوْ إِخْوَانَهُم﴾ في مصعب بن عمير قتل أخاه عبيد بن عمير يومئذ، ﴿أَوْ عَشِيْرَتَهُم﴾ في عمر بن الخطاب قتل قريبا له يومئذ.
وفي حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث قتلوا: عقبة وشيبة والوليد بن عتبة يومئذ وهو من عشيرتهم"١.
_________________
(١) ١ تفسير ابن كثير ٤/ ٣٢٩.
[ ١٩٥ ]
المبحث السادس: هبوب العاصفة في طريق العودة من المريسيع
ذكر ابن إسحاق في حديثه الطويل الذي يرويه عن مشايخه: عاصم ابن عمر بن قتادة وعبد الله بن أبي بكر، ومحمد بن يحيى بن حبان أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة بني المصطلق سلك بالناس طريق الحجاز، حتى نزل على ماء بالحجاز فويق النقيع١ يقال له: نقعاء، فلما راح رسول الله ﷺ هبت ريح شديدة آذتهم، وتخوفوها، فقال رسول الله ﷺ: "لا تخافوها فإنما هبت لموت عظيم من عظماء الكفار"، فلما قدموا المدينة، وجدوا رفاعة بن زيد ابن التابوت أحد بني قينقاع، وكان عظيما من عظماء يهود، وكهفا للمنافقين، مات في ذلك اليوم، الحديث٢
والحديث عند ابن جرير الطبري من هذه الطريق٣. وكذا أورده ابن كثير من هذه الطريق أيضا، وزاد: وهكذا ذكر موسى بن عقبة والواقدي، ثم قال:
_________________
(١) ١ النقيع من ديار مزينة، وكان طريق رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق، ونقعاء: موضع فوق النقيع، وبين النقيع والمدينة عشرون فرسخا، معجم البلدان لياقوت ٥/ ٢٩٩ و٣٠١. قلت: وهو يقدر ب ١٠٠ كيلومتر لأن الفرسخ يعادل خمس كيلوات. انظر نسب حرب ص ٣٨٩. ٢ سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٢. ٣ تفسير الطبري ٢٨/ ١١٥- ١١٦، وتاريخه ٢/ ٦٠٤- ٦٠٧.
[ ١٩٥ ]
وروى مسلم من طريق الأعمش عن أبي سفيان١ عن جابر، نحو هذه القصة، إلا أنه لم يسم الذي مات من المنافقين، قال: هبت ريح شديدة، والنبي ﷺ في بعض أسفاره، فقال: "هذه لموت منافق"، فلما قدمنا المدينة إذا هو قد مات عظيم من عظماء المنافقين. انتهى٢.
قلت: حديث مسلم المشار إليه هو: حدثني أبو كريب٣ محمد بن العلاء حدثنا حفص٤ (يعني بن غياث) عن الأعمش٥، عن أبي سفيان، عن جابر أن رسول الله ﷺ قدم من سفر فلما كان قرب المدينة هاجت ريح شديدة تكاد أن تدفن الراكب فزعم أن رسول الله ﷺ قال: "بعثت هذه الريح لموت منافق"، فلما قدم المدينة، فإذا منافق عظيم من المنافقين قد مات٦.
وأورده عبد بن حميد من هذه الطريق وسمى المنافق رافع بن التابوت وهذا نصه: حدثنا إبراهيم٧ بن الأشعث، ثنا فضيل٨ بن عياض عن سليمان٩، عن أبي سفيان، عن جابر - ﵁ - "كنا مع النبي صلى الله
_________________
(١) ١ أبو سفيان: هو طلحة بن نافع، أبو سفيان الإسكاف، نزيل مكة، صدوق من الرابعة /ع. تقريب التذيب ١/ ٣٨٠. ٢ البداية والنهاية ٤/ ١٥٨. ٣ تقدمت ترجمته. ٤ حفص بن غياث بمعجمة مكسورة، وياء ومثلثة، ابن طلق بن معاوية النغعي، أبو عمر الكوفي، القاضي، ثقة فقيه، تغير حفظه قليلا في الآخر، من الثامنة، (ت١٩٤) / ع. التقريب ١/ ١٨٩. ٥ سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي، أبو محمد الكوفي، الأعمش، ثقة حافظ، عارف بالقراءة ورع، لكنه يدلس، من الخامسة، (ت١٤٧أو١٤٨) /ع. المصدر السابق١/ ٣٣١. ٦ مسلم ٨/ ١٢٤، كتاب صفة المنافقين. ٧ إبراهيم بن الأشعث خادم الفضيل، وثقه ابن حبان، والحاكم وضعفه أبو حاتم: لسان الميزان ١/ ٣٦. ٨ فضيل بن عياض بن مسعود أبو علي الزاهد المشهور، أصله من خراسان وسكن مكة ثقة، عابد إمام ن من الثامنة، (ت١٨٧) وقيل قبلها/ خ م د ت س. المصدر السابق ٢/ ١١٣. ٩ سليمان: هو الأعمش.
[ ١٩٦ ]
عليه وسلم في سفر، فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب، فقال رسول الله ﷺ: "هبت هذه الريح لموت منافق"، فلما رجعنا إلى المدينة وجدنا مات في ذلك اليوم منافق عظيم النفاق، فسمعت بعد يقولون هو رافع بن التابوت١.
وأورده أحمد من ثلاث طرق:
١- من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر.
٢ و٣- ومن طريق ابن لهيعة، عن أبي الزبير، عن جابر، وبين في طريق ابن لهيعة جهة السفر الذي عصفت فيه الريح.
وهذا نص الحديث: حدثنا حسن٢، ثنا ابن لهيعة، ثنا أبو الزبير، عن جابر أنهم غزوا فيما بين مكة والمدينة، فهاجت عليهم ريح شديدة حتى دفعت الرجال، فقال رسول الله ﷺ: "هذا لموت المنافق"، فرجعنا إلى المدينة فوجدنا منافقا عظيم النفاق قد مات٣.
وأورده الواقدي من ثلاث طرق أيضًا:
أ- من طريق جابر بن عبد الله وهذا نصه: حدثني خارجة بن الحارث، عن عباس٤ بن سهل، عن جابر بن عبد الله قال: كانت الريح يومئذ أشد ما كانت قط، إلى أن زالت الشمس، ثم سكنت آخر النهار، قال جابر: فسألت حين قدمت قبل أن أدخل بيتي، من مات؟ فقالوا: زيد بن رفاعة بن التابوت.
وذكر أهل المدينة أنهم وجدوا مثل ذلك من شدة الريح حتى دفن عدو الله فسكنت الريح٥.
_________________
(١) ١ مسند عبد بن حميد ٢/ ١٣٥ ق. أ. ٢ الحسن بن موسى الأشيب بمعجمة، ثم تحتانية أبو علي البغدادي، قاضي الموصل وغيرها، ثقة من التاسعة، (ت٢٠٩) /ع. التقريب ١/ ١٧١. ٣ مسند أحمد ٣/ ٣١٥ و٣٤١ و٣٤٦. ٤ عباس بن سهل بن سعد الساعدي، ثقة، من الرابعة، (ت١٢٠)، وقيل قبل ذلك / خ م د ت ق. التقريب ١/ ٣٩٧. ٥ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
[ ١٩٧ ]
ب- من حديث رافع بن خديج: حدثني عبيد الله١ بن الهرير عن أبيه٢، عن رافع بن خديج، قال: لما رجعنا من المريسيع قبل الزوال كان الجهد بيننا يومنا وليلتنا الحديث طويل وفيه "ثم راح رسول الله ﷺ بالناس مبردًا، فنزل من الغد ماء يقال له نقعاء فوق النقيع، وسرح الناس ظهرهم، فأخذتهم ريح شديدة حتى أشفق الناس منها، وسألوا رسول الله ﷺ وخافوا أن يكون عيينة بن حصن خالف إلى المدينة، وقالوا: لم تهج هذه الريح إلا من حدث وإنما بالمدينة الذراري والصبيان، وكانت بين النبي ﷺ وبين عيينة بن حصن مدة، فكان ذلك حين انقضائها، فدخلهم أشد الخوف، فبلغ رسول الله ﷺ خوفهم، فقال: "ليس عليكم بأس منها، ما بالمدينة من نقب ٣ إلا عليه ملك يحرسه، وما كان ليدخلها عدو حتى تأتوها، ولكنه مات اليوم منافق عظيم النفاق بالمدينة، فلذلك عصفت الريح، وكان موته للمنافقين غيظا شديدا"، وهو زيد بن رفاعة بن التابوت، مات ذلك اليوم٤.
ج- ومن حديث عبادة بن الصامت: حدثني عبد الحميد٥ بن جعفر
_________________
(١) ١ عبيد الله بن الهرير بن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري، الحارثي، المدني، مستور، من السابعة، /د. التقريب ١/ ٥٤٠.وفي تهذيب التهذيب ٧/ ٥٤ روى عن أبيه وعمرو بن عبيد الله بن حنظلة، وعنه ابن أبي فديك والواقدي، قال البخاري: حديثه ليس بالمشهور، وذكره ابن حبان في الثقات. وفي ميزان الاعتدال: ٣/ ١٦- ١٧، ما رأيت من وثقه. ٢ هرير مصغرا ابن عبد الرحمن بن رافع بن خديج الأنصاري المدني، مقبول من الخامسة، /د. المصدر السابق ٢/ ٣١٧، وفي تهذيب التهذيب ١١/ ٢٩، وثقه ابن معين وابن حبان، وقال الأزدي يتكلمون في حديثه. ٣ النقب: الطريق بين جبلين. غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٠٢. ٤ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٢. ٥ عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة، (ت١٥٣)، /خت م عم. التقريب ١/ ٤٦٧.
[ ١٩٨ ]
عن أبيه١ قال: قال عبادة بن الصامت٢ يومئذ لابن أبي: "أبا حباب٣، مات خليلك! ". قال: "أي أخلائي؟ "
قال: "من موته فتح للإسلام وأهله"، قال: "من؟ " قال: "زيد بن رفاعة ابن التابوت".
قال: "يا ويلاه، كان والله وكان! " فجعل يذكر٤، فقلت: "اعتصمت بالذنب الأبتر"٥، قال: "من أخبرك يا أبا الوليد بموته؟ " قلت: "رسول الله ﷺ أخبرنا الساعة أنه مات هذه الساعة"، قال: "فأسقط في يديه وانصرف كئيبا حزينا"، قالوا: "وسكنت الريح آخر النهار، فجمع الناس ظهورهم"٦.
مناقشة الأحاديث:
حديث ابن إسحاق مرسل ورجاله ثقات.
_________________
(١) ١ هو جعفر بن عبد الله بن الحكم الأنصاري والد عبد الحميد، ثقة، من الثالثة/ بخ م عم. التقريب ١/ ١٣١. ٢ عبادة بن الصامت بن قيس الأنصاري، الخزرجي أبو الوليد المدني، أحد النقباء، بدري مشهور، مات بالرملة سنة ٣٤ وله ٧٢ سنة، وقيل عاش إلى خلافة معاوية /ع. المصدر السابق ١/ ٣٩٥. ٣ أبو حباب: كنية عبد الله بن أبي ابن سلول، بابنه عبد الله بن عبد الله، كان اسمه حبابا فكان يكتني به، فسماه رسول الله ﷺ عبد الله، وكان من خيرة الصحابة، انظر الاستعياب لابن عبد البر ٢/ ٣٣٥، والإصابة لابن حجر ٢/ ٣٣٥- ٣٣٦. وأسد الغابة لابن الأثير ٣/ ٢٩٦، وقد ورد النهي عن تسمية حباب، فروى ابن سعد بسند مرسل: أن رسول الله ﷺ قال لعبد الله بن عبد الله بن أبي ابن سلول، وكان اسمه حبابا، فقال: "أنت عبد الله، فإن حبابا اسم شيطان"، وأورد أيضا من مرسل عروة بن الزبير وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وعامر الشعبي أن رسول الله ﷺ قال: "الحباب: شيطان"، انظر طبقات ابن سعد ٣/ ٥٤١، والبداية والنهاية لابن كثير ٦/٣٣٨. ٤ أي يعدد محاسنه. ٥ الأبتر: المقطوع، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٩٣. ٦ مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٣.
[ ١٩٩ ]
وحديث مسلم وعبد بن حميد فيهما الأعمش وأبو سفيان، والأعمش مدلس وقد عنعن١، وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثانية من طبقات المدلسين وهي المرتبة التي احتمل الأئمة تدليسهم.
وهذا نص كلامه: "الثانية: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، كالثوري، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة كابن عيينة"٢.
وقال النووي في تقريبه: "وما كان في الصحيحين وشبههما عن المدلسين بعن محمول على ثبوت السماع من جهة أخرى"٣.
وأما أبو سفيان: "فقال أبو خيثمة٤ عن ابن عيينة ووكيع عن شعبة: حديث أبي سفيان عن جابر إنما هي صحيفة"، وقال أبو حاتم٥: "عن شعبة أيضان لم يسمع أبو سفيان من جابر إلا أربعة أحاديث، وكذا قال علي ابن المديني".
قال ابن حجر: "ولم يخرج البخاري له سوى أربعة أحاديث عن جابر وأظنها التي عناها شيخه علي ابن المديني. منها حديثان في الأشربة والثالث في الفضائل حديث اهتز العرش - يعني لموت سعد بن معاذ - مقرونا بأبي صالح٦، والرابع في تفسير سورة الجمعة قرنه
_________________
(١) ١ وقد صرّح الأعمش بالتحديث عند أبي يعلى ٢/٢٣٤. وهذا نصّ الحديث: ثنا ابن نمير - محمّد بن عبد الله - ثنا محاضر - ابن مورع - ثنا الأعمش، ثنا أبو سفيان عن جابر، قال: خرجنا مع النبي ﷺ في سفر فهاجت ريح تكاد تدفن الراكب. ثم ساق الحديث كسياق مسلم. ٢ طبقات المدلسين لابن حجر ص (٢٣) . ٣ تقريب النووي ص ١٤ (تدريب الراوي) انظر فتح المغيث للسخاوي١/ ١٧٦. ٤ هو زهير بن حرب بن شداد، أبو خيثمة النسائي، نزيل بغداد، ثقة ثبت من العاشرة، (ت٢٣٤) / خ م د س ق. التقريب ١/ ٢٦٤. ٥ أبو حاتم: هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي الرازي أحد الأئمة الأعلام (ت٢٧٧)، ومقدمة علل الحديث لابن أبي حاتم ١/ ٨. ٦ هو ذكوان السمان.
[ ٢٠٠ ]
بسالم بن أبي الجعد". انتهى كلام ابن حجر١.
وعلى هذا فرواية أبي سفيان عن جابر بطريق الوجادة، وهي مختلف في الاحتجاج بها لأنها من قبيل المنقطع٢.
ولكن قد تابعه أبو الزبير في جابر بن عبد الله وصرح بإخبار جابر له عند أحمد في مسنده٣.
وبهذا يكون الحديث قد ورد مرسلا عند ابن إسحاق ورجاله ثقات ووصله مسلم وأحمد وعبد بن حميد والواقدي. فيكون حديث ابن إسحاق عندئذ حسنا لغيره.
_________________
(١) ١ تهذيب التهذيب ٥/ ٢٧، وانظر الأحاديث الأربعة في البخاري ٥/ ٣٠، كتاب الفضائل (باب مناقب سعد بن معاذ) و٦/ ١٢٦ كتاب التفسير و٧/ ٩٤، كتاب الأشربة باب شرب اللبن. ٢ انظر تقريب النووي ٢٨١- ٢٨٤ (تدريب الراوي) . ٣ مسند الإمام أحمد ٣/ ٣٤٦.
[ ٢٠١ ]
الفصل الثالث: اختلاق المنافقين حادثة الإفك
حاك المنافقون في هذه الغزوة حادثة الإفك بعد أن فشل كيدهم في المحاولة الأولى لإثارة النعرة الجاهلية. وقد تضمن حديث مسلم سياق القصة وبيانها أحسن بيان، وهذا نصه:
حدثنا حبان١ بن موسى أخبرنا عبد الله بن المبارك أخبرنا يونس٢ بن يزيد الأيلي، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمّد ابن رافع وعبد بن حميد، قال ابن رافع: حدثنا، وقال الآخران: أخبرنا عبد الرزاق أخبرنا معمر٣، والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع، قال يونس ومعمر جميعا عن الزهري: أخبرني سعيد٤ بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة٥ بن وقاص
_________________
(١) ١ حبان بكسر المهملة بعدها موحدة، ابن موسى بن سوار: بفتح السين المهملة بعدها واو ثقيلة مفتوحة، السلمي، أبو محمد المروزي، ثقة من العاشرة، (ت٢٣٣) / خ م ت س. التقريب ١/ ١٤٧. ٢ يونس بن يزيد بن أبي النجاد الأيلي، بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام، أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة إلا أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة (ت١٥٩) على الصحيح/ع. المصدر السابق٢/٣٨٦. ٣ تقدمت تراجم بقية رجال الإسناد. ٤ سعيد بن المسيب بن حزن بفتح الحاء المهملة وسكون الزاي بعدها نون، ابن أبي وهب بن عمرو بن عابد بن عمران بن مخزوم القرشي المخزومي، أحد العلماء الأثبات، الفقهاء الكبار، من كبار الثانية، (ت بعد التسعين/ع. التقريب١/ ٣٠٥) . ٥ علقمة بن وقاص بتشديد القاف الليثي المدني، ثقة ثبت من الثانية، أخطأ من زعم أن له صحبة، وقيل إنه ولد في عهد النبي ﷺ، (ت في خلافة عبد الملك) / ع. المصدر السابق ٢٠/ ٣١.
[ ٢٠٥ ]
وعبيد الله١ بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة زوج النبي ﷺ حين قال لها أهل الإفك ما قالوا، فبرأها الله مما قالوا.
وكلهم حدثني٢ طائفة من حديثها، وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا، وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني، وبعض حديثهم يصدق بعضا، ذكروا أن عائشة زوج النبي ﷺ قالت: "كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يخرج سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها رسول الله ﷺ معه"، قالت عائشة: "فأقرع بيننا في غزوة غزاها٣ فخرج فيها سهمي، فخرجت مع رسول الله ﷺ وذلك بعدما أنزل الحجاب٤، فأنا أحمل في هودجي٥، وأنزل فيه مسيرنا، حتى إذا فرغ رسول الله ﷺ من غزوه وقفل، ودنونا من المدينة آذن ليلة بالرحيل".
سبب تأخر عائشة عن الجيش:
فقمت حين آذنوا بالرحيل، فمشيت حتى جاوزت الجيش، فلما قضيت
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه، ثبت من الثالثة، (ت٩٤ وقيل ٩٨ وقيل غير ذلك) / ع. المصدر السابق١/ ٥٣٥. ٢ هو من قول الزهري، كما في رواية فليح عن الزهري، قال الزهري: وكلهم حدثني طائفة من حديثها انظر البخاري ٣/ ١٥١ كتاب الشهادات (باب تعديل النساء بعضهن بعضا) وتاريخ ابن شبة ١/١٠١ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤. ٣ في غزوة غزاها: هي غزوة بني المصطلق كما هو عند ابن إسحاق من رواية عباد ابن عبد الله بن الزبير وعمرة بنت عبد الرحمن عن عائشة، ومن طريق ابن إسحاق أخرجها ابن جرير الطبري. وعند أبي يعلى من رواية صالح بن كيسان عن الزهري عن عروة وابن المسيب وعلقمة وعبيد الله ولفظه: "قالت عائشة: كان رسول الله ﷺ إذا أراد سفرا أقرع بين نسائه، فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه، فلما كانت غزوة بني المصطلق أقرع بين نسائه كما كان يصنع فخرج سهمي عليهن فخرج بي رسول الله ﷺ". انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٧ وتاريخ الطبري ٢/ ٦١١ وتفسيره ١٨/ ٩٣ ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٥٠ وانظر فتح الباري ٨/ ٤٥٨، وسيأتي بحث القرعة في الأحكام ص ٣١٨. ٤ تقدم الكلام على وقت نزول الحجاب ص ٩٤. ٥ الهودج: مركب النساء. انظر القاموس المحيط١/ ٢١٢. وفي فتح الباري٨/ ٤٥٨. الهودج: بفتح الهاء والدال بينهما واو ساكنة وآخره جيم: محمل له قبة تستر بالثياب ونحوه، يوضع على ظهر البعير يركب فيه النساء ليكون أستر لهن.
[ ٢٠٦ ]
من شأني أقبلت إلى الرحيل فلمست صدري فإذا عقدي من جزع١ ظفار قد انقطع، فرجعت فالتمست عقدي، فحبسني اتغاؤه، وأقبل الرهط٢ الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب، وهم يحسبون أني فيه، قالت وكانت النساء إذ ذاك خفاف لم يهبلن٣ ولم يغشن٤
_________________
(١) ١ جزع ظفار: بفتح الجيم وسكون الزاي بعدها مهملة، في رواية فليح بن سليمان عن الزهري «من جزع أظفار» بزيادة الف انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا. ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤. قال ابن بطال: الرواية (أظفار) بألف وأهل اللغة لا يعرفونه بألف، ويقولون: (ظفار) وقال القرطبي: "وقع في بعض راوايات مسلم (أظفار) وهي خطأ"، قال ابن حجر: معقبا على هذا قلت: لكنها في أكثر روايات أصحاب الزهري، حتى إن في رواية صالح ابن أبي الأخضر، عند الطبراني "جزع الأظافير" إلى أن قال: وإن ثبتت الرواية "أنه جزع أظفار" فلعل عقدها كان من الظفر أحد أنواع القسط وهو طيب الرائحة يتبخر به، فلعله عمل مثل الخرز، فأطلقت عليه جزعا تشبيها به، ونظمته قلادة إما لحسن لونه، أو لطيب رائحته، وقد حكى ابن التين: أن قيمته كانت اثني عشر درهما وهذا يؤيد أنه ليس جزعا ظفاريا، إذا لو كان كذلك لكانت قيمته أكثر من ذلك انظر فتح الباري ٨/ ٤٥٩. والجزع: هو الخرز اليماني الصيني فيه سواد وبياض تشبع الأعين، وظفار "بوزن قطام وهي مبنية على الكسر، اسم مدينة لحمير باليمن". انظر النهاير في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٢٦٩ والقاموس المحيط ٣/ ١٢، وشرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٠، وفتح الباري ٨/ ٤٥٩. ٢ الرهط من الرجال ما دون العشرة وقيل إلى الأربعين ولا تكون فيهم امرأة، ولا واحد له من لفظه، ويجمع على أرهط وأرهاط وأراهط جمع الجمع. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٣. وقال ابن حجر: "لم أعرف منهم هنا أحدا إلا أن في رواية الواقدي أن أحدهم أبو موهوبة مولى رسول الله ﷺ، وعند البلاذري: شهد أبو مويهبة غزوة المريسيع وكان يقود بعير عائشة، وكان من مولدي مزينة، وكأن الأصل أبو موهوبة ويصغر فيقال: أبو مويهبة". فتح الباري ٨/ ٤٥٩. وانظر مغازي الواقدي ٢/ ٤٢٦ وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٤٨٨. ٣ يهبلن: بضم التحتانية وتشديد الموحدة أي لم يكثر عليهن اللحم، يقال هبله اللحم إذا كثر عليه وركب بعضه بعضا. (ابن الأثير: النهاية ٥/ ٢٤٠) . ٤ لم يغشهن اللحم: أي لم يغط اللحم بعضه بعضا، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٤٠ و٣/ ٣٦٩ ومختار الصحاح ص ٦٨٩ و٤٧٥. وفي رواية فليح: "لم يثقلن ولم يغشهن اللحم" البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا وابن شيبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي رواية الليث عن يونس: "لم يثقلهن اللحم" البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير وقال ابن أبي جمرة: ليس هذا تكرار لأن كل سمين ثقيل من غير عكس، لأن الهزيل قد يمتلئ بطنه طعاما فيثقل بدنه، فأشارت إلى أن المعنيين لم يكونا في نساء ذلك الزمان. فتح الباري ٨/ ٤٥٩- ٤٦٠.
[ ٢٠٧ ]
اللحم إنما يأكلن العلقة١ من الطعام، فلم يستنكر القوم ثقل٢ الهودج حين رحلوه ورفعوه، وكنت جارية حديثة السن، فبعثوا الجمل وساروا، ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش، فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب، فتيممت منزلي الذي كنت فيه، وظننت أن القوم سيفقدوني، فيرجعون إلي فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت، وكان صفوان بن المعطل السلمي ثم الذكواني قد عرس٣ من وراء الجيش فادلج٤، فأصبح عند منزلي، فرأى سواد إنسان نائم، فأتاني، فعرفني حين رآني، وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي، فاستيقظت باسترجاعه٥ حين عرفني، فخمرت٦ وجهي بجلبابي، ووالله ما يكلمني٧ كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه، حتى أناخ راحلته فوطئ على يدها فركبتها، فانطلق يقود بي الراحلة حتى أتينا الجيش
_________________
(١) ١ العلقة: بضم المهملة وسكون اللام من الطعام: أي البلغة منه، النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٨٩. ٢ في رواية الليث عن يونس "فلم يستنكر القوم خفة الهودج"، البخاري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير قال ابن حجر: وهو أوضح لأن مرادها إقامة عذرهم في تحميل هودجها وهي ليست فيه، فكأنها تقول: كأنها لخفة جسمها بحيث إن الذين يحملون هودجها لا فرق عندهم بين وجودها فيه وعدمها، ولهذا أردفت ذلك بقولها: وكنت جارية حديثة السن، أي أنها مع نحافتها صغيرة السن فذلك أبلغ في خفتها. فتح الباري ٨/٤٦٠. ٣ عرس: التعريس هو نزول المسافر آخر الليل نزلة للنوم والاستراحة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦. ٤ فادلج: بالتشديد سار آخر الليل. المصدر السابق ٢/ ١٢٩. يقال: أدلج بالتخفيف إذا سار أول اليل، وادلج بالتشديد إذا سار من آخره. ٥ باسترجاعه: أي قوله: إنا لله وإنا إليه راجعون. كما صرحت بذلك رواية ابن إسحاق انظر سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٨. ٦ فخمرت وجهي: أي غطيته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٧٧. ٧ قال ابن حجر: عبرت بهذه الصيغة إشارة إلى أنه استمر منه ترك المخاطبة لئلا يفهم لو عبرت بصيغة الماضي اختصاص النفي بحال الاستيقاظ، فعبرت بصيغة المضارعة. انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٣.
[ ٢٠٨ ]
بعد ما نزلوا موغرين١ في نحر الظهيرة٢، فهلك من هلك في شأني، وكان الذي تولى كبره عبد الله بن أبي ابن سلول".
انتشار الدعاية في المدينة:
فقدمنا المدينة، فاشتكيت حين قدمنا المدينة شهرا، والناس يفيضون في قول أهل الإفك ولا أشعر بشيء من ذلك٣، وهو يريبني٤ في وجعي أني لا أعرف من رسول الله ﷺ اللطف٥ الذي كنت أرى منه
_________________
(١) ١ موغرين: الوغرة: بسكون الغين المعجمة شدة الحر. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٠٨. وكذا فسرها عبد الرزاق بقوله: الوغرة شدة الحر، عندما سأله عبد بن حميد بقوله: ما قوله موغرين، انظر صحيح مسلم ٨/ ١١٨، كتاب التوبة وفي رواية فليح بن سليمان "معرسين" بدل موغرين، انظر البخاري ٣/ ١٥٢ كتاب الشهادات باب تعديل النساء بعضهن بعضا ومسند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ وفي غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٢٠٦ "أن التعريس هو نزول المسافر آخر الليل" ولكن قال ابن زيد: التعريس النزول في السفر في أي وقت كان فيحمل الحديث على هذا، قال ابن حجر: وروى "موغرين: والتغوير النزول في وقت القائلة". انظر فتح الباري ٨/ ٤٦١ و٤٦٤ وفي صحيح مسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن أبيه عن صالح بن كيسان "موعرين" بعين وراء مهملتين. قال النووي: روايته بالعين ضعيف. شرح مسلم للنووي ٥/ ٣٦١. لكن قال ابن حجر: بأن رواية يعقوب بن إبراهيم عند مسلم إنما هي "موعزين" بعين مهملة وزاي، قال "ووجهها القرطبي بقوله: كأنه من وعزت إلى فلان بكذا أي تقدمت والأول أولى -يعني موغرين - وصحفه بعضهم بمهملتين وهو غلط". فتح الباري ٨/ ٢٦٣ قلت: الرواية في صحيح مسلم الموجود بأيدينا "موعرين"بعين وراء مهملتين. وقول النووي بأنه ضعيف أولى من قول القرطبي بأنه تصحيف، وذلك أن في القاموس المحيط ٢/ ١٥٥"وعر صدره لغة في وغر". ٢ نحر الظهيرة: أولها وفي القاموس المحيط ٢/ ١٣٩ نحر النهار والشهر أوله. ٣ وفي رواية ابن إسحاق من حديث عباد وعمرة عن عائشة، وقد انتهى الحديث إلى رسول الله ﷺ وإلى أبوي ولا يذكرون لي قليلا ولا كثيرا، انظر: سيرة ابن هشام٢/٢٩٩،ومن طريقه أخرجه ابن جرير الطبري في التاريخ٢/٦١٣. ٤ يريبني: يشككني، يقال: رابني الشيء وأرابني بمعنى شككني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٨٦. ٥ في رواية ابن إسحاق "كنت إذا اشتكيت وحمني ولطف بي، فلم يفعل ذلك بي، في شكواي تلك، فأنكرت ذلك منه، كان إذا دخل علي وعندي أمي تمرضني، قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩.
[ ٢٠٩ ]
حين أشتكي، إنما يدخل رسول الله ﷺ، فيسلم ثم يقول: "كيف تيكم؟ " فذاك يربيني ولا أشعر بالشر حتى خرجت بعدما نقهت١ وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع٢، وهو متبرزنا، ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل، وذلك قبل أن نتخذ الكنف٣ قريبا من بيوتنا، وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه٤ وكنا نتأذى بالكنف٥ أن نتخذها عند بيوتنا، فانطلقت أنا وأم مسطح٦، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، وأمها ابنة صخر بن
_________________
(١) ١ نقه المريض من باب طرب وخضع إذا برأ وأفاق وكان قريب العهد بالمرض، ولم يرجع إليه كمال صحته وقوته. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١١١ والقاموس المحيط ٤/ ٢٩٤. ومختار الصحاح ص ٦٧٨. وعند ابن إسحاق حتى نقهت من وجعي بعد بضع وعشرين ليلة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. ٢ المناصع: المواضع التي يتخلى فيها لقضاء الحاجة واحدها منصع كمقعد. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٦٥ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/ ٨٩ وفي فتح الباري ١/ ٢٤٩ "المناصع أماكن معروفة من ناحية البقيع". ٣ الكنف: جمع كنيف، المكان الساتر وأرادت به هنا المكان المعد لقضاء الحاجة. القاموس المحيط ٣/ ١٩٢ ومختار الصحاح ص ٥٨٠. ٤ التّنَزه: البعد لقضاء الحاجة. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٤٣ وعند ابن إسحاق: وكنا قوما عربا لا نتخذ في بيوتنا هذه الكنف التي تتخذها الأعاجم، نعافها ونكرهها، وإنما كنا نذهب في فسح المدينة. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩ ٥ نتأذى: أي نتقذر. ٦ قال ابن عبد البر: اسمها سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم وهي ابنة خالة أبي بكر الصديق. وقيل - أم مسطح بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف - وأمها ريطة بنت صخر بن عامر خالة أبي بكر الصديق. والظاهر أنها سلمى بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف، واسم أبي رهم أنيس مكبرا لا سلمى بنت صخر فإن هذا نسب أم أبي بكر الصديق خالة أم مسطح وهي سلمى بنت صخر بن عامر الخ ووالدة أم مسطح اسمها ريطة بنت صخر بن عامر بن سعد بن تيم، وقال ابن حجر: رائطة حكاه أبو نعيم. انظر الاستيعاب على هامش الإصابة ٣/ ٤٩٤ وطبقات ابن سعد ٨/ ٢٢٨ و٣/ ٥٣ و١٦٩ وأسد الغابة لابن الأثير ٤/ ٣٠٨ و٥/ ١٥٦ و٧/ ٣٢٦ و٣٩٣. وفتح الباري ٨/ ٤٦٥.
[ ٢١٠ ]
عامر خالة أبي بكر الصديق وابنها مسطح١ بن أثاثة بن عباد بن المطلب، فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي حين فرغنا٢ من شأننا.
فعثرت٣ أم مسطح في مرطها٤ فقالت: "تعس٥ مسطح" فقلت لها: "بئس ما قلت أتسبين رجلا قد شهد بدرا"٦؟!!
قالت: "أي هنتاه٧ أولم تسمعي ما قال؟ " قلت: "وماذا قال؟ "
_________________
(١) ١ مسطح: بمكسور وسكون سين وطاء مهملة- لقب واسمه عوف يكنى أبا عباد وقيل أبا عبد الله، (ت٣٤) في خلافة عثمان، ويقال عاش إلى خلافة علي ﵁ وشهد معه صفين ومات سنة ٣٧، انظر الاستيعاب ٣/ ٤٩٤ وأسد الغابة ٤/ ٣٠٨ و٥/ ١٥٦ والإصابة ٣/ ٤٠٨ وفتح الباري ٨/ ٤٦٥. ٢ ظاهر هذا الحديث وحديث البخاري من رواية يونس عن الزهري ٦/ ٨٥ كتاب التفسير "أن أم مسطح عثرت بعد أن قضت عائشة حاجتها ثم أخبرتها الخبر"، لكن في حديث أبي أسامة عن هشام بن عروة وفيه: "أن أم مسطح عثرت ثلاث مرات في كل مرة تقول لها عائشة: تسبين ابنك وفي الثالثة انتهرتها عائشة، فقالت: "والله ما أسبه إلا فيك"، فقلت: "في أي شأني"، قالت: "فبقرت لي الحديث" فقلت: "وقد كان هذا؟ " قالت:"نعم والله". "فرجعت إلى بيتي كأن الذي خرجت له لا أجد منه قليلا ولا كثيرا" وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما قدرت على أن أقضي حاجتي ورجعت" وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص "فذهب عني الذي خرجت له حتى ما أجد منه شيئا" انظر البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣و ٩٥ وسيرة ابن هشام قال ابن حجر: "ويجمع بين الأحاديث بأن معنى قولها: قد فرغنا من شأننا أي المسير، لا من قضاء الحاجة". فتح الباري ٨/ ٤٦٦. ٣ فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١. ٤ فعثرت في مرطها: أي وطئته برجلها فسقطت، والمرط: بكسر الميم واحد المروط وهي أكسية من صوف أو خز، كان يؤتزر بها. مختار الصحاح ص ٤١٢و ٦٢١. ٥ تعس: يتعس إذا عثر وانكب لوجهه وهو دعاء عليه بالهلاك، غريب الحديث لابن الأثير ١/ ١٩٠ وفتح الباري ٨/ ٤٦٦. ٦ فيه منقبة عظيمة لمن شهد بدرا، ويزيد ذلك وضوحا قصة حاطب بن أبي بلتعه عندما كتب إلى أهل مكة يخبرهم أن رسول الله ﷺ يريد أن يغزوكم في عام فتح مكة، وكشف أمره واعتذر إلى رسول الله ﷺ مما صنع "وفيها فقال عمر: "يا رسول الله دعني أضرب عنق هذا المنافق"، فقال رسول الله ﷺ: "قد شهد بدرا وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرا، قال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". البخاري ٥/ ١١٩باب غزوة الفتح. ٧ أي هنتاه: وتفتح النون وتسكن وتضم الهاء الآخرة وتسكن ومعناها: يا بلهاء كأنها نسبت إلى قلة المعرفة، بمكايد الناس وشرورهم. صلى الله عليه وسلما النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ٢٧٩- ٢٨٠.
[ ٢١١ ]
قالت: "فأخبرتني بقول١ أهل الإفك، فازددت مرضا إلى مرضي، فلما رجعت على بيتي فدخل رسول الله ﷺ ثم قال: "كيف تيكم؟ "
قلت: أتأذن لي أن آتي أبوي؟ قالت: وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما، فأذن لي رسول الله ﷺ فجئت٢ أبوي فقلت لأمي: "يا أمتاه ما يتحدث الناس"، فقالت: "يا بنية هوني عليك، فوالله لقلما كانت امرأة قط وضيئة٣ عند رجل يحبها ولها ضرائر إلا كثرن٤ عليها"، قالت: "قلت: سبحان
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "طرق الحديث الإفك مجتمعة على أن عائشة بلغها الخبر من أم مسطح لكن وقع عند البخاري في لمغازي من حديث أم رومان ما يخالف هذا ولفظه: "بينا أنا وعائشة إذ ولجت امرأة من الأنصار، فقالت: فعل الله بفلان وفعل، فقالت أم روما: وما ذاك؟ قالت: ابني فيمن حدث الحديث، قالت: وما ذاك؟ قالت: كذا وكذا"، وفي قصة يوسف "قالت: فعل الله بفلان وفعل، قالت: " فقلت لم؟ " قالت:" إنه نمى ذكر الحديث " فقالت عائشة:" أي حديث؟ "فأخبرتها"، قالت: "فسمعه أبو بكر ورسول الله ﷺ؟ " قالت: "نعم"، فخرت مغشيا عليها"، انظر البخاري كتاب الأنبياء ٤/ ١٢٠ وكتاب المغازي ٥/ ١٠٠ قال ابن حجر: "وطريق الجمع: أنها سمعت ذلك أولا من أم مسطح، ثم ذهبت لبيت أمها لتستيقن الخبر منها فأخبرتها أمها بالأمر مجملا بقولها هوني عليك وما أشبه لها ثم دخلت الأنصارية فأخبرتها بمثل ذلك بحضرة أمها فقوي عندها القطع بوقوع ذلك فسألت هل سمعه أبوها وزوجها؟ ترجيا منها أن لا يكون سمعا ذلك، ليكون أسهل عليها، فلما قالت لها أنهما سمعاه غشي عليها، ثم قال ابن حجر: ولم أقف على اسم هذه المرأة الأنصارية ولا على اسم ولدها انظر فتح الباري ٨/ ٤٦٧. ٢ في رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "فأرسل معي الغلام، فدخلت الدار فوجدت أم رومان في السفل وأبا بكر فوق البيت يقرأ، فقالت أمي: ما جاء بك يا بنية؟ فأخبرتها وذكرت لها الحديث، وإذا هو لم يبلغ منها مثل ما بلغ مني". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣ وهذا لا يعارض رواية بن إسحاق "كان رسول الله ﷺ إذا دخل على وعندي أمي تمرضني قال: "كيف تيكم" لا يزيد على ذلك" لأن أمها كانت تمرضها فلما نقهت ذهبت إلى بيتها. سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. ٣ الوضاءة: الحسن والبهجة. النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ١٩٥ وفي رواية أبي أسامة عن هشام "لقلما كانت امرأة حسناء عند رجل يحبها لها ضرائر إلا حسدنها" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤ وفي رواية ابن حاطب عن علقمة بن وقاص لقل رجل أحب امرأة قط إلا قالوا لها نحو الذي قالوا لك. مسند إسحاق ابن رهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤/ ٩٥. ٤ كثرن عليها: أي القول في عيبها.
[ ٢١٢ ]
الله! وقد تحدث الناس بهذا١؟ "
قالت: "فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ٢ لي دمع ولا اكتحل بنوم ثم أصبحت أبكي".
استشارة رسول الله ﷺ أصحابه عند تأخر نزول الوحي:
ودعا رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب وأسامة ابن زيد حين استلبث٣ الوحي يستشيرهما في فراق أهله، قالت: فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله ﷺ بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم من نفسه لهم من الود فقال: "يا رسول الله هم أهلك٤ ولا نعلم إلا خيرا"،
_________________
(١) ١ وفي رواية محمد بن ثور عن معمر عند الطبري في التفسير ١٨/ ٨٩- ٩٢ "قلت: سبحان الله، أو قد تحدث الناس بهذا، وبلغ رسول الله ﷺ قالت: نعم، وفي رواية أبي أسامة عن هشام بن عروة قلت: وقد علم به أبي؟ قالت نعم. قلت: ورسوله الله ﷺ؟ قالت: "نعم ورسول الله ﷺ" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ وفي وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وفي رواية ابن إسحاق "قلت لأمي: يغفر الله لك تحدث الناس بما تحدثوا به ولا تذكرين لي من ذلك شيئا". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٩٩. وفي رواية ابن حاطب "ورجعت على أبوي أبي بكر وأم رومان فقلت: أما اتقيتما الله في ووصلتما رحمي، قد قال رسول الله ﷺ الذي قال: وتحدث الناس بما تحدثوا به"، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤- ٩٥. وفي رواية أبي أسامة عن هشامك فاستعبرت فبكيت، فسمع صوتي أبو بكر وهو فوق البيت يقرأ فنزل، فقال لأمي: ما شانها؟ فقالت: بلغها الذي ذكر من أمرها، ففاضت عيناه، فقال: أقسمت عليك يا بنية إلا رجعت إلى بيتك فرجعت. البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه، وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ لا يرقأ لي دمع: أي لا ينقطع ولا يسكن، انظر النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٤٨. ٣ استلبث الوحي: استفعل من اللبث وهو الإبطاء والتأخر النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٤/ ٢٢٤، وفي فتح الباري ٨/ ٤٦٨،: استلبث الوحي بالرفع: طال لبث نزوله، وبالنصب استبطأ النبي ﷺ نزوله. ٤ مبتدأ وخبر، وعند البخاري ٦/ ٨٦ كتاب التفسير من رواية الليث عن يونس فقال: "يا رسول الله أهلك" بالنصب على تقدير أمسك أهلك.
[ ٢١٣ ]
وأما علي١ بن أبي طالب فقال: "لم يضيق الله عليك والنساء سواها كثير٢، وإن تسأل الجارية تصدقك"، فدعا رسول الله ﷺ بريرة فقال: "طأي بريرة هل رأيت من شيء يريبك من عائشة؟ " قالت له بريرة: "والذي بعثك بالحق إن رأيت عليها أمرا أغمصه٣ عليها أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن٤، فتأكله" قالت: فقام رسول الله ﷺ علىالمنبر٥،فاستعذر٦ من عبد الله بن أبي ابن سلول، قالت: فقال رسول الله ﷺ وهو على المنبر: "يا معشر المسلمين
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "وقع بسبب هذا الكلام من علي أن نسبته عائشة إلى الإساءة في شأنها"، فتح الباري ٨/ ٤٦٩ وسيأتي الجواب عن هذا في مواقف بعض الصحابة من حادثة الإفك. انظر ص ٢٦١. ٢ وعند ابن إسحاق "إن النساء لكثير وإنك لقادر على أن تستخلف" سيرة ابن هشام ٢/٣٠١. ٣ أغمصه عليها: أي أعيبها به وأطعن به عليها،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ٣٨٦. وفي رواية أبي أسامة عهن هشام "وانتهرها بعض أصحابه فقال: اصدقي رسول الله ﷺ حتى أسقطوا لها به، فقالت: سبحان الله، والله ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر" البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. وبينت هذا المبهم في رواية هشام بن عروة "رواية ابن إسحاق" فقام إليها علي بن أبي طالب فضربها ضربا شديدا ويقول: أصدقي رسول الله ﷺ سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وفي رواية ابن حاطب "وسأل الجارية الحبشية فقالت: والله لعائشة أطيب من طيب الذهب، وما بها عيب إلا أنها ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها، ولئن كانت صنعت ما قال الناسن ليخبرنك الله"، قال: فعجب الناس من فقهها، مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٤ الداجن: هي الشاة التي يعلفها الناس في منازلهم، وقد يقع على غير الشاة من كل ما يألف البيوت من الطير وغيرها، النهاية في غريب الحديث لابن الاثير ٢/ ١٠٢ قلت: والمراد به هنا الشاة لرواية ابن حاطب التي مر ذكرها، ورواية أبي أسامة عن هشام بن عروة "والله ما علمت عليها عيبا إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل خميرها أو عجينها". البخاري ٦/ ٩٨ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة والترمذي٥/ ١٣كتاب التفسير وأحمد٦/٦٠وتفسير الطبري١٨/٩٤. ٥ المنبر: المراد به هنا الذي اتخذ في السنة الثانية، وكان من الطين وأما الذي اتخذ من خشب إنما كان في السنة الثامنة، وغزوة بني المصطلق كانت في الخامسة أو السادسة. السيرة الحلبية ٢/ ٣١٨. ٦ فاستعذر: أي قال: من يقوم بعذري إن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٣/ ١٩٧.
[ ٢١٤ ]
من يعذرني من رجل بلغ أذاه في أهل بيتي١، فوالله٢ ما علمت على أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا٣ ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلي إلا معي"٤، فقام سعد ابن معاذ الأنصاري فقال: "أنا أعذرك منه يا رسول الله إن كان من الأوس ضربنا عنقه٥، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك".
آثار فتنة الإفك:
قالت: فقام سعد٦ بن عبادة وهو سيد الخزرج، وكان رجلًا٧ صالحا، ولكن اجتهلته٨ الحمية، فقال لسعد بن معاذ: "كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا
_________________
(١) ١ في رواية هشام بن عروة "شيروا علي - بلفظ الأمر - في أناس أبنوا أهلي وأيم الله ما علمت على أهلي من سوء، وأبنوهم بمن والله ما علمت عليه من سوء قط". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه، وأحمد ٦/ ٥٩ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٣. والابن: التهمة، كما في النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/ ١٧ وفي الاعتصام عند البخاري ٩/ ٩٢ "ما تشيرون علي في قوم يسبون أهلي" بصيغة الاستفهام. وفي رواية ابن حاطب "كيف ترون فيمن يؤذيني في أهلي، ويجمع في بيته من يؤذيني"، انظر مسند إسحاق بن راهويه ٤/ ١٣٤ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٢ في رواية فليح بن سليمان عند أبي يعلى ٤/ ٤٤٤ "فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا" ثلاث مرات. ٣ هو صفوان بن معطل كما هو مصرح به في أول الحديث انظر ص ٢٠٨. ٤ زاد هشام بن عروة في روايته "ولا غبت في سفر إلا غاب معي". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير ومسلم ٨/ ١١٩ كتاب التوبة. ٥ في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "ضربت عنقه"، بإسناد الضمير إلى نفسه. قال ابن حجر: "إنما قال ذلك لنه سيدهم، فجزم بأن حكمه فيهم نافذ" فتح الباري ٨/ ٤٧٢. ٦ في رواية صالح بن كيسان عند البخاري ٥/ ٩٨ كتاب المغازي باب حديث الإفك "فقام رجل من الخزرج وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه، وهو سعد ابن عبادة وهو سيد الخزرج"، وفي رواية أبي أسامة عن هشام: "وقام رجل من بني الخزرج وكانت أم حسان بن ثابت من رهط ذلك الرجل". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير. ٧ وعند الواقدي في مغازيه١٢/٤٣١ "وكان قبل ذلك رجلا صالحا ولكن الغضب بلغ منه وعلى ذلك ما غمص عليه في نفاق ولا غير ذلك، إلا أن الغضب يبلغ من أهله". ٨ اجتهلته الحمية: أي حملته الأنفة والغضب على الجهل. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٣٢٢ وفي حديث يونس عن الزهري وابن كيسان عن الزهري أيضا: "احتملته الحمية". البخاري ٥/ ٩٩ و٦/ ٨٦ ومسلم ٨/ ١١٨ كتاب التوبة. وهو كذلك في رواية فليح بن سليمان عن الزهري، البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات وابن شبة ١/ ١٠١ وأبي يعلى: ٤/ ٤٤٤ ولذا قال ابن حجر: "احتملته الحمية كذا للأكثر. ومعناه أغضبته". فتح الباري ٨/ ٤٧٢.
[ ٢١٥ ]
تقدر على قتله"، فقام أسيد بن حضير وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة: "كذبت لعمر الله لنقتلنه فإنك منافق تجادل عن المنافقين"، فثار١ الحيان الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا، ورسول الله ﷺ قائم على المنبر، فلم يزل رسول الله ﷺ يخفضهم حتى سكتوا، وسكت٢، قالت وبكيت يومي ذلك، لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، ثم بكيت ليلتي المقبلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم، وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي، فبينما هما جالسان عندي وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة٣ من الأنصار، فأذنت لها، فجلست تبكي، قالت: فبينا نحن على ذلك، دخل علينا رسول٤ الله ﷺ فسلم ثم جلس، قالت: ولم يجلس عندي منذ ما قيل لي ما قيل.
_________________
(١) ١ فثار الحيان: أي تناهضوا للنزاع والعصبية، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٥. ٢ في رواية ابن حاطب "وكثر اللغط في الحيين في المسجد، ورسول الله ﷺ جالس على المنبر فما زال النبي ﷺ يومئ بيده إلى الناس، ههنا وههنا حتى هدأ الصوت" تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية فليح بن سليمان "فنزل فخفضهم حتى سكتوا وسكت" البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. باب تعديل النساء بعضهن بعضا. قال ابن حجر: "ويحمل على أنه سكتهم وهو على المنبر ثم نزل إليهم أيضا ليكمل تسكيتهم". فتح الباري ٨/ ٤٧٤. ٣ قال ابن حجر لم أقف على اسمها. ٤ وفي رواية هشام بن عروة "وأصبح عندي، فلم يزالا حتى دخل رسول الله ﷺ وقد صلى العصر ثم دخل وقد اكتنفني أبواي عن يميني وعن شمالي"، البخاري ٦/ ٨٩. كتاب التفسيرن والترمذي ٥/ ١٣ فيه وفي رواية ابن حاطب "فجاء أبواي فدخلا وجاء رسول الله ﷺ حتى جلس على سرير وجاهي". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية محمد بن ثور عن معمر "ثم جلس عندي، ولم يجلس عندي منذ قيل ما قيل". المصدر السابق ١٨/ ٩٥. وعند البخاري ٥/ ١٠٠ كتاب المغازي من حديث أم رومان "أن عائشة في تلك الحالة كانتبها الحمى النافض، وأن النبي ﷺ لما دخل فوجدها كذلك، فقال: "ما شأن هذه؟ " قلت: يا رسول الله أخذتها الحمى ينافض، قال: "فلعل في حديث تحدث به؟ " قالت: نعم، فقعدت عائشة".
[ ٢١٦ ]
مفاتحة الرسول ﷺ لعائشة وجوابها له:
وقد لبث شهرا١ لا يوحى إليه في شأني بشيء، قال: فتشهد٢ رسول الله ﷺ حين جلس، ثم قال: "أما بعد يا عائشة فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا٣، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه، فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه"، قالت: فلما قضى رسول الله ﷺ مقالته، قلص٤ دمعي حتى ما أحس منه قطرة، فقلت لأبي: أجب عني رسول الله ﷺ، فيما قال، فقال: والله ما أدري ما أقول٥ لرسول الله ﷺ، فقلت
_________________
(١) ١ وعند ابن حزم: "أن المدة كانت خمسين يوما أو أزيد"، جوامع السيرة ٢٠٦ قال ابن حجر: "ويجمع بأنها المدة التي كانت بين قدومهم المدينة ونزول القرآن في قصة الإفك وأما التقييد بالشهر فهو المدة التي أولها إتيان عائشة إلى بيت أبويها حين بلغها الخبر" فتح الباري ٨/ ٤٧٥. ٢ وفي رواية هشام "فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال أما بعد". البخاري ٦/ ٨٩ كتاب التفسير. ٣ كذا وكذا: قال ابن حجر: "هو كناية عما رميت به من الإفك، ولم أر في شيء من الطرق التصريح، فلعل الكناية من لفظ النبي ﷺ". فتح الباري ٨/ ٤٧٥. وعند ابن إسحاق قال: "يا عائشة إنه قد كان ما قد بلغك من قول الناس فاتقي الله، وإن كنت قد قارفت سوءا مما يقول الناس، فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١ وعند ابن حاطب "فقال أبواي: أي بنية إن كنت صنعت ما قال الناس، فاستغفري الله، وإن لم تكوني صنعتيه، فأخبري رسول الله ﷺ بعذرك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية هشام: "قال: "يا عائشة إن كنت قارفت سوءا وظلمت فتوبي إلى الله، فإن الله يقبل التوبة عن عباده"، قالت: وقد جاءت امرأة من الأنصار فهي جالسة بالباب، فقلت: ألا تستحي من هذه المرأة أن تذكر شيئا". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه أحمد ٦/ ٦٠. ٤ قلص دمعي: أي ارتفع وذهب،. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٤/ ١٠٠. ٥ في رواية هشام بن عروة: "فماذا أقول". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير الترمذي ٥/ ١٣ فيه. قال النووي: قولها لأبويها: "أجيبا عني، فيه تفويض الكلام إلى الكبار، لأنهم أعرف بمقاصده واللائق بالمواطن منه، وأبواها يعرفان حالها، وأما قول أبويها: لا ندري ما نقول: فمعناه أن الأمر الذي سألها عنه، لا يقفان منه على زائد على ما عند رسول الله ﷺ، قبل نزول الوحي من حسن الظن بها، والسرائر إلى الله تعالى"، شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٦.وقال ابن حجر: "قيل إنما قالت عائشة لأبيها ذلك مع أن السؤال إنما وقع عما في باطن الأمر، وهو لا اطلاع له على ذلك لكن قالته إشارة إلى أنها لم يقع منها شيء في الباطن يخالف الظاهر الذي هو يطلع عليه، فكأنها قالت له: برئني بما شئت وأنت على ثقة من الصدق فيما تقول، وإنما أجابها أبو بكر بقوله: لا أدري لأنه كثير الاتباع لرسول الله ﷺ فأجاب بما يطابق السؤال في المعنى، ولأنه وإن كان يتحقق براءتها لكنه كره أن يزكي ولده، وكذا الجواب عن قول أمها لا أدري". فتح الباري ٨/ ٤٧٥.
[ ٢١٧ ]
لأمي: أجيبي عني رسول الله ﷺ، فقالت: والله ما أدري ما أقول لرسول الله ﷺ، فقلت١، وأنا جارية حديثة السن لا أقرأ كثيرا من القرآن٢، إني والله لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر٣ في نفوسكم، وصدقتم به، فإن قلت لكم: إني بريئة - والله يعلم أني بريئة - لا تصدقوني - ولئن اعترفت لكم بأمر- الله يعلم أني بريئة - لتصدقونني٤ - وإني والله ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف٥
_________________
(١) ١ في رواية هشام بن عروة "فلما لم يجيباه تشهدت فحمدت الله وأثنيت عليه بما هو أهله ثم قلت: أما بعد". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣ فيه وأحمد ٦/ ٦٠ وتفسير الطبري ١٨/ ٩٤. ٢ قال ابن حجر: قالت: "هذا توطئة لعذرها لكونها لم تستحضر اسم يعقوب ﵇". فتح الباري ٨/ ٤٧٥. ٣ في رواية فليح: "لقد علمت أنكم سمعتم ما يتحدث به الناس ووقر في أنفسكم". البخاري ٣/ ١٥٣ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام "فوالله لئن قلت لكم أني لم أفعل - والله ﷿ يشهد أني لصادقة - ما ذاك بنافعي عندكم، لقد تكلمتم به وأشربته قلوبكم". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي حديث أم رومان "فقالت والله لئن حلفت لا تصدقوني، ولئن اعتذرت لا تعذروني". المصدر السابق ٤/ ١٢٠ كتاب لأنبياء "باب: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ﴾ ". ٤ قالت ذلك لأن المرء مؤاخذ بإقراره واعترافه. ٥ في رواية الليث عن يونس عند البخاري ٦/ ٨٧ كتاب التفسير "والله ما أجد لكم إلا قول أبي يوسف". وفي رواية هشام بن عروة وابن حاطب "والتمست اسم يعقوب فلم أقدر عليه". المصدر السابق ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣. وتفسير الطبري ١٨/ ٩٥ وفي رواية ابن إسحاق "ثم التمست اسم يعقوب فما أذكره". سيرة ابن هشام ٢/ ٢٠١ فهذه الروايات تدل على أنها لم تستحضر اسم يعقوب عليه والسلام. لكن وقع في حديث أم رومان "مثلي ومثلكم كيعقوب وبنيه"، فهذا تصريح منها باسم يعقوب، انظر البخاري ٦/ ٤٦ كتاب التفسير باب: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا﴾ لكن قال ابن حجر: "إنها رواية المعنى، وذلك للتصريح في حديث هشام وغيره بأنها لم تستحضر اسمه". فتح الباري ٨/ ٤٧٦.
[ ٢١٨ ]
﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾، [سورة يوسف، الآية: ١٨] ١.
قالت: ثم تحولت فاضطجعت على فراشي، قالت: وأنا والله حينئذ أعلم أني بريئة، وأن الله مبرئي ببرائتي، ولكن والله ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى، ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله ﷿ في بأمر يتلى٢، ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله ﷺ في النوم رؤيا يبرئني الله بها".
نزول الوحي ببراءة عائشة:
قالت: فوالله ما رام٣ رسول الله ﷺ مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله ﷿ على نبيه ﷺ، فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء٤ عند الوحي، حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان٥ من العرق في اليوم الشات من ثقل القول الذي أنزل عليه، قالت:
_________________
(١) ١ جزء من آية ١٨ من سورة يوسف: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ . ٢ وفي رواية ابن إسحاق "يقرأ به في المساجد ويصلى به". انظر: سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠١. ٣ ما رام: أي ما برح وما فارق مجلسهن يقال: رام يريم إذا برح وزال من مكانه، وأكثر ما يستعمل في النفي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٢/ ٢٩٠. وفي رواية ابن إسحاق "فوالله ما برح رسول الله ﷺ مجلسه حتى تغشاه من الله ما كان يتغشاه فسجى بثوبه ووضعت له وسادة من أدم تحت رأسه فأما أنا حين رأيت من ذلك ما رأيت فوالله ما فزعت ولا باليت قد عرفت أني بريئة، وأن الله ﷿ غير ظالمي، وأما أبواي فوالذي نفس عائشة بيده ما سري عن رسول الله ﷺ، حتى ظننت لتخرجن أنفسهما فرقا من أن يأتي من الله تحقيق ما قال الناس". سيرة ابن هشام ٢/ ٣٠٢ وفي حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري عن عائشة قالت: "رميت بالذي رميت به وأنا غافلة بينما رسول لله ﷺ عندي جالس، إذ أوحي إليه، قالت: وكان إذا أوحي إليه أخذه كهيئة السبات فأوحي إليه وهو جالس عندي ثم استوى جالسا فمسح وجهه ثم قال: "يا عائشة أبشري" فقلت: "بحمد الله لا بحمدك" مسند عبد بن حميد ٢/ ١٩٥ب. ٤ البرحاء: شدة الكرب من ثقل الوحي. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير١/١١٣. ٥ الجمان: هو اللؤلؤ الصغار وقيل حب يتخذ من الفضة أمثال اللؤلؤ المصدر السابق ١/ ٣٠١.
[ ٢١٩ ]
فلما سري١ عن رسول الله ﷺ وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال: "أبشري ٢ يا عائشة، أما والله فقد برأك الله"، فقالت لي أمي: قومي إليه، فقلت: والله لا أقوم إليه، ولا أحمد٣ إلا الله هو الذي برأني قالت: فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾، [عشر آيات من سورة النور: من الآية١١-٢٠] فأنزل الله ﷿ هؤلاء الآيات ببراءتي قالت: فقال أبو بكر وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره - والله لا أنفق عليه شيئا أبدا بعد الذي قال لعائشة، فأنزل الله ﷿: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة النور، الآية: ٢٢] .
قال حبان بن موسى، قال عبد الله بن المبارك: "هذه أرجى آية في كتاب الله" فقال أبو بكر: "والله إني لأحب أن يغفر الله٤ لي"، فرجع إلى مسطح النفقة
_________________
(١) ١ سري: انكشف عنه ما يجده من لهم والثقل. مختار الصحاح ص ٢٩٧. وفي رواية هشام بن عروة "فرفع عنه وإني لا أتبين السرور في وجهه وهو يمسح جبينه ويقول: "أبشري"". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير. وفي رواية ابن حاطب "فوالذي أكرمه وأنزل عليه الكتاب ما زال يضحك حتى إني لأنظر إلى نواجذه سرورا ثم مسح وجهه". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. ٢ وفي رواية فليح أن قال لي: "يا عائشة إحمدي الله فقد برأك الله".البخاري٣/١٥٤. ٣ وفي رواية ابن حاطب "قلت: بحمد الله لا بحمدك ولا بحمد أصحابك". تفسير الطبري ١٨/ ٩٥. وفي رواية هشام: "أبشري يا عائشة فقد أنزل الله براءتك" قالت: وكنت أشد ما كنت غضبا فقال لي أبواي: "قومي إليه"، فقلت: "والله لا أقوم إليه ولا أحمده ولا أحمدكما، ولكن أحمد الله الذي أنزل براءتي، لقد سمعتموه فما أنكرتموه ولا غيرتموه". البخاري ٦/ ٩٠ كتاب التفسير والترمذي ٥/ ١٣فيه وقال النووي: "قالت عائشة ما قالت إدلالا عليه وعتبا، لكونهم شكوا في حالها، مع علمهم بحسن طرائقها، وجميل أحوالها، وارتفاعها عن هذا الباطل الذي افتراه ظالمون، ولا حجة له ولا شبهة فيه، قالت: وإنما أحمد ربي ﷾ الذي أنزل براءتي وأنعم علي بما لم أكن أتوقعه، كما قالت: ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله تعالى في بأمر يتلى". ا؟. شرح مسلم للنووي ٥/ ٦٣٨ وقال ابن حجر: "يحتمل أن تكون تمسكت بظاهر قوله ﷺ لها: "إحمدي الله" ففهمت منه أمرها بإفراد الله تعالى بالحمد، فقالت ذلك، وما أضافته إليه من الألفاظ المذكورة كان من باعث الغضب". فتح الباري ٨/ ٤٧٧. ٤ وفي رواية فليح "فقال أبو بكر: "بلى والله إني لأحب أن يغفر الله لي"، فرجع إلى مسطح الذي كان يجري عليه". البخاري ٣/ ١٥٤ كتاب الشهادات. وفي رواية هشام: "قال أبو بكر: "بلى والله يا ربنا إنا لنحب أن تغفر لنا" وعاد له بما كان يصنع". المصدر السابق ٦/٩٠ كتاب التفسير.
[ ٢٢٠ ]
التي كان ينفق عليه، وقال: "لا أنزعها منه أبدا"، قالت عائشة: "وكان رسول الله ﷺ سأل زينب بنت جحش زوج النبي ﷺ عن أمري، ما علمت أو ما رأيت"، فقالت: "يا رسول الله أحمي سمعي١ وبصري، والله ما علمت إلا خيرا"، قالت عائشة: "وهي التي كانت تساميني٢ من أزواج النبي ﷺ فعصمها الله بالورع"٣.
تورط حمنة بنت جحش وجماعة آخرين:
وطفقت أختها حمنة بنت جحش تحارب لها، فهلكت فيمن هلك، قال الزهري: "فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط".
وقال في حديث يونس: "احتملته الحمية"٤.
وحدثني أبو الربيع العتكي، حدثنا فليح٥ بن سليمان، ح وحدثنا الحسن٦ بن علي الحلواني، وعبد بن حميد قالا: حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد، حدثنا أبي عن صالح٧ بن كيسان كلاهما٨ عن الزهري، بمثل حديث يونس ومعمر بإسنادهما.
_________________
(١) ١ أحمي سمعي وبصري: أي أمنعهما من أن أنسب إليهما ما لم يدركاه، ومن العذاب لو كذبت عليهما. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ١/ ٤٤٨. ٢ تساميني: أي تعالني وتفاخرني، وهو مفاعلة من السمو، أي تطاولني عنده ﷺ المصدر السابق ٢/ ٤٠٥. ٣ في رواية هشام: "فعصمها الله بدينها فلم تقل إلا خيرا". البخاري ٦/ ٩٠ ومعنى عصمها: حفظها ومنعها، والورع في الأصل: الكف عن المحارم والتحرج منه. النهاية في غريب الحديث لابن الأثير ٥/ ١٧٤. ٤ صحيح مسلم ٨/ ١١٢- ١١٨ (كتاب التوبة) . ٥ فليح بن سليمان بن أبي المغيرة الخزاعي، أو الأسلمي، أبو يحيى المدني، ويقال: فليح لقب واسمه عبد الملك، صدوق كثير الخطأ، من السابعة (ت١٦٧) /ع. التقريب ٢/ ١١٤. ولم يرو له مسلم سوى هذا الحديث. انظر هدي الساري ص ٤٣٥. ٦ الحسن بن علي بن محمد الهذلي، أبو علي الخلال، الحلواني، نزيل مكة، ثقة حافظ، له تصانيف، من الحادية عشرة، (ت٢٤٢) / خ م د ت ق. التقريب ١/ ١٦٨. ٧ صالح بن كيسان المدني، أبو محمد أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز، ثقة ثبت، من الرابعة، (ت١٣٠،أو بعد ١٤٠) / ع. التقريب ١/ ٣٦٢. وتقدمت ترجمة بقية رجال الإسناد. ٨ الضمير: لصالح بن كيسان وفليح بن سليمان.
[ ٢٢١ ]
وفي حديث فليح "احتملته الحمية"، كما قال معمر، وفي حديث صالح "احتملته الحمية"، كقول يونس. وزاد في حديث صالح: قال عروة: "كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان وتقول: فإنه قال: "فإن أبي ووالده وعرضي لعرض محمد منكم وقاء".
وزاد أيضا: قال عروة: قالت عائشة: "والله إن الرجل١ الذي قيل له ما قيل، ليقول سبحان الله، فو الذي نفسي بيده ما كشفت عن كنف أنثى قط".
قالت: "ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله".
وفي حديث يعقوب بن إبراهيم "موعرين٢ في نحر الظهيرة".
وقال عبد الرزاق: "موغرين".
قال عبد بن حميد: "قلت لعبد الرزاق ما قوله موغرين؟ " قال: "الوغرة شدة الحر"٣.
قلت: في الحديث الثاني الذي أورده مسلم (فليح بن سليمان) وهو كثير الخطأ. ولكن قد تابعه يونس ومعمر وصالح بن كيسان في الزهري.
_________________
(١) ١ الرجل هو صفوان بن المعطل، انظر ترجمته وافية من ص ٢٤٧- ٢٦٠ من هذه الرسالة. ٢ انظر ص ٢٠٩ حاشية رقم (١) عما تقدم. ٣ مسلم ٨/ ١١٨ (كتاب التوبة) .
[ ٢٢٢ ]