الفصل الأول: في مقدمات الغزوة
المبحث الأول: سبب الغزوة
المبحث الأول: سبب الغزوة
بعد فتح مكة والقضاء على أعظم قوة للشرك في الجزيرة العربية لم يبق أمام المسلمين إلا قبائل هوازن وثقيف المتاخمة لمكة المكرمة، وقد كان رسول الله - ﷺ - مصمما على مطاردة فلول الوثنية والإجهاز على معاقل الشرك في جزيرة العرب التي لا يجتمع فيها دينان، وقد ترامت أنباء فتح مكة في أنحاء الجزيرة العربية وخاصة في ديار هوازن وثقيف القريبة من مكة، وما أن سمعت قبائل هوازن بهذا الفتح الإسلامي الكبير حتى تداعت فيما بينها تتدارس هذا الحدث الجلل وترصد تحركاته نحوها، فكانت النتيجة أنها عزمت أن تهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، فأعدت عدتها وحشدت قواها المادية والبشرية، وقد جاء التصريح بحقيقة ما كانوا يبيتون للمسلمين من كيد في الروايات الآتية:
٢٣- ما رواه الحاكم قال: حدثنا أبوالعباس١محمد بن يعقوب، ثنا أحمد٢ بن
_________________
(١) ١ هو محمد بن يعقوب بن يوسف بن معقل بن سنان الأموي مولاهم النيسابوري المعروف بالأصم، الإمام المفيد الثقة المحدث المشرق. قال الحاكم: كان محدث عصره بلا مدافعة. وقال أيضا: حدث (٧٦) سنة، ولم يختلف في صدقه وسماعه (ت ٣٤٦) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٠- ٨٦٤) . ٢ أحمد بن عبد الجبار بن محمد العطاردي - بضم العين المهملة والطاء الخفيفة - أبو عمرو الكوفي، ضعيف، وسماعه للسيرة صحيح، من العاشرة، لم يثبت أن أبا داود أخرج له (ت ٢٧٢) /د (التقريب ١/١٩، وتهذيب التهذيب ١/٥١- ٥٢) .
[ ٨٧ ]
عبد الجبار، ثنا يونس١ بن بكير، عن ابن٢ إسحاق قال: حدثني عاصم٣ بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن٤ بن جابر، عن أبيه جابر ابن عبد الله - ﵄ -، أن رسول الله - ﷺ - سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال وناسا من بني عمرو٥ بن عامر بن عوف بن عامر وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبنو مالك ثم سار بهم إلى رسول الله - ﷺ - وسار مع الأموال والنساء والأبناء، فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله٦ بن أبي حدرد الأسلمي فقال: اذهب فادخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم فدخل فمكث فيهم يومًا أو يومين ثم أقبل فأخبره الخبر، فقال رسول الله - ﷺ - لعمر بن الخطاب: ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟
فقال عمر: كذب ابن أبي الحدرد، فقال ابن أبي الحدرد: إنّ كذبتني فربما كذبت من هو خير مني، فقال عمر يا رسول الله ألا تسمع ما يقول ابن أبي الحدرد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "قد كنت يا عمر ضالا فهداك الله - ﷿ –"، ثم بعث رسول الله - ﷺ
_________________
(١) ١ يونس بن بكير بن واصل الشيباني، أبو بكر الجمال الكوفي، صدوق يخطئ، من التاسعة (ت ١٩٩) /خت م د ت ز ق. (ابن حجر: التقريب ٢/٣٨٤) . وفي (تهذيب التهذيب ١١/٤٣٤- ٤٣٦)، وصفه بقوله: يونس بن بكير بن واصل الشيباني الجمال الكوفي الحافظ، ثم ساق كلام العلماء فيه والذين وثقوه أكثر ممن ضعفه. وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ ١/٣٢٦)،:يونس بن بكير بن واصل الحافظ العالم المؤرخ أبو بكر الشيباني الكوفي الجمال صاحب المغازي، ثم ذكر جماعة ممن روى عنهم ورووا عنه، ثم قال: قال ابن معين: كان صدوقا، وقال أبو حاتم: محله الصدق، وسئل عنه أبو زرعة: أي شيء ينكر عليه؟ فقال: أما الحديث فلا أعلمه، ثم نقل تضعيفه عن أبي داود، وذكر أن ابن عدي ساق له عدة أحاديث غرائب، ثم قال في ختام ترجمته: روى له مسلم متابعة واستشهد به البخاري. (انظر: ميزان الاعتدال ٤/٤٧٧- ٤٧٨، وتذكرة الحفاظ ١/٣٢٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٥- ٢٤٨) . ٢ محمد بن إسحاق بن يسار، أبو بكر المطلبي، صدوق يدلس. تقدم في حديث (١) . ٣ عاصم بن عمر بن قتادة بن النعمان الأوسي الأنصاري، أبو عمر المدني، ثقة، عالم بالمغازي، من الرابعة (ت بعد ١٢٠) /ع (التقريب ١/٣٨٥) . ٤ عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله الأنصاري، أبو عتيق المدني، ثقة، لم يصب ابن سعد في تضعيفه، من الثالثة /ع (التقريب ١/٤٧٥) . ٥ وقع هنا عند الحاكم: (وناسا من بني عمرو بن عاصم بن عوف بن عامر) وهو خطأ مطبعي، والصواب ما أثبتناه. ٦ وقع كذلك هنا: (عبد الرحمن بن أبي الحدرد) وهو خطأ أيضا وقد وقع على الصواب عند الحاكم نفسه في ٣/٥٧٢.
[ ٨٨ ]
إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها، فقال: أغصبا يا محمد؟ قال بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، ثم خرج رسول الله سائرًا.
ثم قال الحاكم: صحيح١ الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي٢.
والحديث من هذه الطريق أورده البيهقي في السنن الكبرى مختصرا، وأورده في الدلائل مطولا٣.
وأورد ابن إسحاق القصة بدون إسناد كما قال ابن كثير٤.
وكان هذا هو السبب الرئيسي لخروج رسول الله - ﷺ - إلى حنين لغزو هذه القبائل المحتشدة قبل أن يداهموا المسلمين في مكة المكرمة، ولقد سارع الرسول - ﷺ في رسم - الخطة اللازمة لملاقاة هذا العدو، بعد دراسة حال العدو العسكرية، ومعرفة عدته المادية.
_________________
(١) ١ اعترض الألباني على تصحيح الحاكم لهذا لحديث، وموافقة الذهبي له، وقال: هو حسن فقط للكلام المعروف في ابن إسحاق، والمتقرر أنه حسن الحديث إذا صرح بالتحديث كما في هذا الحديث. (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٢٠٩ تحت حديث رقم (٦٣١) . ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ص٨٢، وانظر: فتح الباري ٤/٣٢) . ٢ الحاكم: المستدرك ٣/٤٨- ٤٩. (السنن الكبرى ٦/٨٩، دلائل النبوة ٢/٤٢ ب-أ) . (البداية والنهاية٤/٣٢٤، وانظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٣٩-٤٤٠، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢- ٧٣) .
[ ٨٩ ]
المبحث الثاني: الاستعداد للمعركة
إن الاستعداد والتأهب لملاقاة العدو والأخذ بالأسباب المادية أمر لازم، وسبب من أسباب النصر، وهو لا ينافي التوكل، إذ إن المسلم يؤمن إيمانا جازما بأن النصر من عند الله - ﷿ -، وهو في نفس الوقت يؤمن بأنه مأمور بالأخذ بالأسباب، وأخذ الحيطة، والتدابير اللازمة ضد عدوه، وقد أمر الله ﷿ بذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لا تُظْلَمُونَ﴾ .١
ومن هذا المنطلق فقد روى الترمذي من حديث الزبير بن العوام.
٢٤- قال: كان على النبى - ﷺ - درعان يوم أحد، فنهض إلى الصخرة٢ فلم يستطع، فأقعد طلحة تحته، فصعد النبي - ﷺ - حتى استوى على الصخرة فقال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: "أوجب طلحة". ثم قال: هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من حديث محمد ابن إسحاق.
وفي الباب عن صفوان بن أمية، والسائب بن يزيد٣.
وأعاد الحديث في كتاب المناقب بسنده ومتنه وقال: حسن صحيح غريب٤.
قلت: الحديث عنعنه ابن إسحاق وهو مدلس ولكنه قد صرح بالتحديث عند الحاكم، ومن طريقه رواه البيهقي، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي٥.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال - آية: ٦٠. ٢ إلى الصخرة: أي صخرة كانت هناك يستوي عليها وينظر إلى الكفار، ويشرف على المؤمنين. (تحفة الأحوذي ٥/٣٤١) . ٣ السنن ٣/١١٩ أبواب الجهاد (باب ما جاء في الدرع) . ٤ ٥/٣٠٧ باب مناقب طلحة بن عبيد الله ﵁. ٥ الحاكم: المستدرك ٣/٢٥، والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٤٦.
[ ٩٠ ]
٢٥- وحديث السائب١ بن يزيد أخرجه أبو داود عن يزيد٢ أن خصيفة عن السائب، عن رجل٣ قد سماه، أن رسول الله - ﷺ - ظاهر يوم أحد بين درعين، أو لبس درعين٤. وأخرجه الترمذي في الشمائل٥.
والحديث سكت عنه المنذري٦، وفيه إبهام وهو قوله عن رجل.
وأخرجه ابن ماجه: فقال: عن السائب بن يزيد إن شاء الله تعالى: أن النبي - ﷺ - يوم أحد خذ درعين، كأنه ظاهر بينهما٧. وهو عند أحمد أيضا فحدث به يزيد بن خصيفة، عن السائب بن يزيد، مرة بالاستثناء، ومرة بدون استثناء٨.
قال المباركفوري في أثناء شرحه للحديث: قوله: كان على النبي - ﷺ - درعان "أي مبالغة في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية:٧١] .وقوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [سورة الأنفال، من الآية:٦٠] . فإنها تشمل الدرع، وإن فسرها النبي - ﷺ - بأقوى أفرادها حيث قال: ألا إن القوة الرمي، ثم قال: قال القاري٩: وفيه إشارة إلى جواز المبالغة في أسباب المجاهدة وأنه لا ينافي التوكل والتسليم بالأمور الواقعة المقدرة"١٠.
_________________
(١) ١ السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي، وقيل في نسبه غير ذلك. يعرف بابن أخت النمر - بفتح فكسر - صحابي صغير، له أحاديث قليلة، وحج به في حجة الوداع، وهو ابن سبع سنين، وولاه عمر سوق المدينة (ت ٩١) وقيل قبل ذلك، وهو آخر من مات بالمدينة من الصحابة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٢٨٣) . ٢ يزيد بن عبد الله بن خصيفة - بمعجمة وصاد مهملة وفاء مصغرا - ابن عبد الله ابن يزيد الكندي، المدني، وقد ينسب لجده، ثقة من الخامس. /ع. (المصدر السابق ٢/٣٦٧) . ٣ قوله: عن رجل (عند البيهقي: عن رجل من بني تيم، عن طلحة بن عبيد الله) . (السنن الكبرى ٩/٤٦) . ٤ أبو داود: (السنن ٢/٣٠)، كتاب الجهاد (باب في لبس الدروع) . ٥ انظر: (الأطراف للمزي ٣/٢٦٣)، حديث (٣٨٠٥)، والإتحافات الربانية بشرح الشمائل المحمدية لأحمد عبد الجواد الدومي ص١٥٠. ٦ محمد شمس الحق العظيم آبادي: (عون المعبود ٧/٢٥٣) . ٧ ابن ماجه: (السنن ٢/٩٣٨)، وقال البوصيري في الزوائد: إسناده صحيح على شرط البخاري، وقع هذا الحديث في سنن ابن ماجه من طريق هشام بن سوار، والصواب هشام بن عمار، فإن هشام بن سوار ليس من رجال التقريب. ٨ أحمد: (المسند ٣/٤٤٩) . ٩ هو الشيخ ملا علي القاري بن سلطان بن محمد الهروي الحنفي، الجامع للعلوم النقلية والعقلية، والمتضلع من السنة النبوية، أحد جماهير الأعلام ومشاهير أولي الحفظ والأفهام، توفي سنة (١٠١٤هـ) . (الشوكاني: البدر الطالع ١/٤٤٥- ٤٤٦، وكحالة: معجم المؤلفين ٧/١٠٠- ١٠١) . ١٠ (تحفة الأحوذي ٥/٣٤١، وانظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٨٠، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٠) .
[ ٩١ ]
ومن هنا فإن الرسول - ﷺ - لما أراد الخروج إلى حنين لملاقاة جموع هوازن أرسل إلى صفوان بن أمية يطلب منه دروعا ليلقى فيها عدوه، كما تقدم ذلك من حديث جابر بن عبد الله١.
وقد جاء أيضا من حديث صفوان بن أمية نفسه عند أبي داود وغيره وهذا سياقه عند أبي داود:
٢٦- قال: حدثنا الحسن٢ بن محمَّد، وسلمة٣ بن شبيب، قالا: أخبرنا يزيد٤ بن هارون، أخبرنا شريك٥، عن عبد العزيز٦ بن رفيع، عن أمية٧ ابن صفوان بن أمية، عن أبيه٨: أن رسول الله - ﷺ - استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال: أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارية مضمونة".
قال أبو داود: هذه رواية يزيد ببغداد، وفي روايته بواسط تغير على غير هذا٩.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٢٣) وهو حديث حسن. ٢ الحسن بن محمد بن الصباح - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - الزعفراني - بفتح الزاي وسكون العين المهملة - أبو علي البغدادي صاحب الشافعي، ثقة من العاشرة (ت٢٦٠) أو قبلها بسنة./خ عم. (ابن حجر: التقريب١/١٧٠، وتهذيب التهذيب ٢/٣١٨) . ٣ سلمة بن شبيب المسمعي - بكسر الميم الأولى وفتح الميم الثانية - النيسابوري، نزيل مكة، ثقة من كبار الحادية عشرة (ت بضع وأربعين بعد المائتين) /م عم. (التقريب ١/٣١٦، وتهذيب التهذيب ٤/١٤٦) . ٤ يزيد بن هارون بن زاذان السلمي، مولاهم، أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة (ت٢٠٦) /ع. (التقريب٢/٣٧٢،وتهذيب التهذيب١١/٣٦٦) ٥ شريك بن عبد الله النخعي الكوفي، القاضي بواسط، ثم الكوفة، أبو عبد الله، صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة، وكان عادلا فاضلا، عابدا شديدا على أهل البدع، من الثامنة (ت ١٧٧ أو ١٧٨) /خت م عم. (التقريب ١/٣٥١، وتهذيب التهذيب٤/٣٣٣- ٣٣٧) . وقال الذهبي في (تذكرة الحفاظ١/٢٣٢):وحديث شريك من أقسام الحسن. ٦ عبد العزيز بن رفيع - بفاء مصغرا - الأسدي، أبو عبد الملك، المكي نزيل الكوفة، ثقة من الرابعة (ت ١٠٣) وقيل بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٠٩، تهذيب التهذيب ٦/٣٣٧) . ٧ أمية بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي، المكي، مقبول من الرابعة. /بخ د ت س. (التقريب ١/٨٣، وتهذيب التهذيب ١/٣٧١) . ٨ صفوان بن أمية بن خلف الجمحي القرشي المكي، صحابي من المؤلفة، مات أيام قتل عثمان بن عفان، وقيل: سنة ٤١، وقيل: ٤٢ في أوائل خلافة معاوية. /خت م عم. (التقريب ١/٣٦٧، وتهذيب التهذيب ٣/٤٢٤- ٤٢٥) . ٩ أبو داود: السنن ٢/٢٦٥ كتاب البيوع (باب في تضمين العارية) .
[ ٩٢ ]
والحديث أخرجه النسائي، وأحمد، والدارقطني، والحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي، الجميع من طريق يزيد بن هارون، عن شريك بن عبد الله، عن عبد العزيز بن رفيع به١.
ثم قال الحاكم: وله شاهد من حديث عبد الله بن عباس:
٢٧- أن رسول الله - ﷺ - استعار من صفوان بن أمية أدرعا وسنانا في غزوة حنين، فقال: يا رسول الله: "أعارية مؤداة"؟
ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢. وسكت عنه الذهبي.
والحديث فيه شريك بن عبد الله القاضي، وقد وصف بأنه صدوق يخطئ كثيرا، وقد خالفه:
١- جرير٣ بن عبد الحميد بن قرط، فرواه عن عبد العزيز بن رفيع بلفظ:"عن أناس من آل عبد الله بن صفوان أن رسول الله - ﷺ - قال: يا صفوان هل عندك من سلاح؟ قال: عارية أم غصبا؟ " قال: "لا، بل عارية"، فأعاره ما بين الثلاثين إلى الأربعين٤ درعا" ٥.
_________________
(١) ١ النسائي: السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي ٤/١٩٠ حديث (٤٩٤٥) . وأحمد: (المسند ٣/٤٠٠- ٤٠١، ٦/٤٦٥) . و(الدارقطني: السنن ٣/٣٩) . و(الحاكم: المستدرك ٢/٤٧) . و(البيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٨) . (المستدرك ٢/٤٧، من طريق الحاكم أخرجه البيهقي ٦/٨٨. وأخرجه أيضا الدارقطني في سننه ٣/٣٨. وفيه: إسحاق بن عبد الواحد القرشي، قال الذهبي في ميزان الاعتدال ١/١٩٤- ١٩٥: واه) . ٣ جرير بن عبد الحميد بن قرط - بضم القاف وسكون الراء بعدها طاء مهملة - الضبي الكوفي نزيل الري وقاضيها، ثقة صحيح الكتاب. قيل: كان في آخر عمره يهم من حفظه (ت ١٨٨) . /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٢٧، وتهذيب التهذيب ٢/٧٥) . ٤ قال المنذري: فيه جهالة وإرسال. (انظر: عون المعبود ٩/٤٧٧) . (أبو داود: السنن٢/٢٦٥ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) .
[ ٩٣ ]
٢- أبو الأحوص١، عن عبد العزيز بن رفيع، عن عطاء٢، عن ناس من آل صفوان بن أمية نحوه٣.
٣- ورواه قيس٤ بن الربيع، عن عبد العزيز بن الرفيع، عن ابن أبي مليكة٥، عن امية بن صفوان عن أبيه٦.
فأدخل (ابن أبي مليكة) بين عبد العزيز وأمية بن صفوان.
قال الألباني والحديث مضطرب الإسناد، لكن له شاهدان:
الأول: عن جابر بن عبد الله "أن رسول الله - ﷺ - بعث إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع وما يصلحها". الحديث٧.
الثاني: من رواية جعفر٨ بن محمد، عن أبيه٩: أن صفوان بن أمية أعار رسول الله - ﷺ - سلاحا هي ثمانون درعا، فقال له: أعارية مضمونة أم غصبا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "بل عارية مضمونة".
أخرجه البيهقي١٠ وقال: وبعض هذه الأخبار، وإن كان مرسلا، فإنه يقوى بشواهده مع ما تقدم من الموصول.
_________________
(١) ١ هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم أبو الأحوص الكوفي/ ثقة متقن، من السابعة (ت١٧٩) ./ع. (التقريب ١/٣٤٢، وتهذيب التهذيب ٤/٢٨٢) . ٢ عطاء بن أبي رباح - بفتح الراء الموحدة - واسم أبي رباح: أسلم القرشي مولاهم، المكي، ثقة فقيه فاضل لكنه كثير الإرسال، من الثالثة (ت١١٤) على المشهور، وقيل: إنه تغير بآخره، ولم يكن ذلك منه./ع. (التقريب ٢/٢٢، وتهذيب التهذيب ٧/١٩٩) . ٣ أبو داود: السنن ٢/٢٦٦ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية. والدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩. ٤ قيس بن الربيع الأسدي، أبو محمد الكوفي، صدوق، تغير لما كبر، أدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به، من السابعة (ت سنة بضع وستين بعد المائة) . /د ت ق. (التقريب ٢/١٢٨، وتهذيب التهذيب ٨/٣٩١) . ٥ هو: عبد الله بن عبيد الله بن عبد الله بن أبي مليكة - بالتصغير- التيمي، المدني، أدرك ثلاثين من الصحابة، ثقة فقيه، من الثالثة (ت ١١٧) ./ع. (التقريب ١/٤٣١، وتهذيب التهذيب ٥/٣٠٦- ٣٠٧) . (الدارقطني: السنن ٣/٤٠، والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٨٩) . ٧ تقدم برقم (٢٣) وهو حديث حسن. ٨ جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب الهاشمي، أبو عبد الله المعروف بالصادق، صدوق فقيه، إمام، من السادسة (ت ١٤٨) ./بخ م عم. (التقريب ١/١٣٢، وتهذيب التهذيب ٢/١٠٣) ٩ أبوه هو: أبو جعفر الباقر، ثقة فاضل. تقدم في حديث (١٩) . ١٠ (السنن الكبرى٦/٨٩-٩٠،وأخرجه الطبري في تاريخ الرسل والملوك٣/٧٣) .
[ ٩٤ ]
ثم قال الألباني: وبالجملة فالحديث صحيح بمجموع هذه الطرق الثلاث١.
قلت:
٢٨- وروى البيهقي من مرسل الزهري أن رسول الله - ﷺ - أرسل إلى صفوان بن أمية في أداة ذكرت له عنده فسأله إياها فقال صفوان: أين الأمان، أتأخذها غصبا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: "إن شئت أن تمسك أداتك فامسكها وإن أعرتنيها فهي ضامنة علي حتى نؤديه إليك". والحديث مطول في قصة حرب حنين٢.
وجاء في هذا المعنى ما رواه ابن ماجه، وأحمد، والنسائي، والبخاري في التاريخ من حديث عبد الله بن أبي ربيعة، وهذا سياقه عند ابن ماجه:
٢٩- قال: حدثنا أبو بكر٣ بن أبي شيبة، ثنا وكيع٤، ثنا إسماعيل٥ بن إبراهيم بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، عن أبيه٦ عن جده٧: أن النبي - ﷺ - استلف منه حين غزا حنينا ثلاثين أو أربعين ألفا٨، فلما قدم قضاها إياه٩، ثم قال
_________________
(١) (إرواء الغليل ٥/٣٤٤- ٣٤٦) . ويعني بالطرق الثلاث: طريق شريك، وطريق جابر، وطريق جعفر بن محمد عن أبيه. (السنن لكبرى ٧/١٩) . ٣ هو: عبد الله بن محمد بن أبي شيبة الواسطي الأصل، أبو بكر الكوفي، ثقة حافظ، صاحب تصانيف، من العاشرة (ت٢٣٥) /خ م د س ق. (التقريب ١/٢٤٥، وتهذيب التهذيب ٦/٢- ٤) . ٤ وكيع بن الجراح بن مليح - بفتح الميم، وكسر اللام وحاء مهملة - الرؤاسي - بضم الراء وهمزة ثم مهملة - أبو سفيان الكوفي، ثقة حافظ عابد، من كبار التاسعة (ت١٩٦) /ع. (التقريب ٢/٣٣، وتهذيب التهذيب ١١/١٢٣، والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٤) . ٥ إسماعيل بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من السادسة/س ق. (التقريب١/٦٥وانظر تهذيب التهذيب١/٢٧٢وتعجيل المنفعة ص١٤) . ٦ هو إبراهيم بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي ربيعة المخزومي، (مقبول) من الثالثة/خ س ق. (المصدر السابق ١/٣٨) . ٧ هو جد إبراهيم، وهو عبد الرحمن بن أبي ربيعة، واسم أبي ربيعة: عمرو بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم، أبو عبد الرحمن المكي، صحابي، مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وهو والد عمر بن أبي ربيعة الشاعر/ س ق. (المصدر السابق ١/٤١٤، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨) . ٨ عند النسائي:"أربعين ألفا"بدون شك. وعند البخاري: استلفه مالا بضعة عشر ألفا. ٩ عند النسائي: فجاءه مال فدفعه إليّ وقال: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الحمد والأداء"، وعند البخاري: "إنما جزاء السلف الحمد والوفاء".
[ ٩٥ ]
له النبي - ﷺ -: "بارك الله لك في أهلك ومالك، إنما جزاء السلف الوفاء والحمد" ١٢.
والحديث أورده النسائي من طريق سفيان الثوري، عن إسماعيل بن إبراهيم ولم يذكر فيه (حين غزا حنينا) .
والحديث فيه:
أ - إسماعيل بن إبراهيم وقد وصفه ابن حجر بقوله: (مقبول) .
و(المقبول) عنده هو من ليس له من الحديث إلاَّ القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله٣.
وإسماعيل قد وثقه أبو داود، وابن حبان، وعلى خذا فيكون ثقة ولعل ابن حجر نظر على قول أبي حاتم فيه (شيخ)
ب - إبراهيم بن عبد الرحمن (قد وصفه ابن حجر أيضا بقوله "مقبول" وفي تهذيب التهذيب ذكر بأن ابن حبان وثقه، وابن قطان الفاسي قال فيه: "لا يعرف"، وإبراهيم قد أخرج له البخاري في الصحيح، ولذا فقد مال ابن حجر في هدي الساري٥ إلى رد قول ابن قطان، فقال: روى عنه جماعة ووثقه ابن حبان، وله في الصحيح حديث واحد في كتاب الأطعمة في دعائه - ﷺ - في تمر جابر بن عبد الله بالبركة٦.
وقد كان الشيخ أبو الحسن٧ المقدسي يقول في الرجل الذي يخرج عنه في
_________________
(١) ١ والحديث يدل أيضا على حسن المعاملة في القضاء وهو من الآداب السامية التي حث الدين الإسلامي عليها، لحديث "إن خيركم أو من خيركم أحاسنكم قضاء". رواه ابن ماجة في سننه ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات. ٢ ابن ماجة: السنن ٢/٨٠٩ كتاب الصدقات، باب حسن القضاء. وأحمد: في المسند ٤/٣٦، والنسائي: السنن - المجتبى - ٧/٢٧٦ كتاب البيوع، باب الاستقراض، والبخاري: في التاريخ الكبير ٥/٩- ١٠. ٣ انظر: (التقريب ١/٥) . ٤ انظر: (تهذيب التهذيب ١/٢٧٢) . (هدي الساري ص٣٨٨، وانظر: تهذيب التهذيب ١/١٣٨- ١٣٩) . ٦ البخاري: (الصحيح ٧/٦٩)، كتاب الأطعمة، باب الرطب والتمر. ٧ هو علي بن الفضل بن علي بن حاتم بن حسن بن جعفر الحافظ العلامة المفتي، شرف الدين أبو الحسن، ابن القاضي الأنجب أبي المكارم المقدسي ثم المالكي، سمع صحيح البخاري من القاضي أبي عبيد نعمة بن زيادة الله الغفاري، عن عيسى بن أبي ذر الهروي، وسمع من الحافظ السلفي فأكثر عنه، وانقطع إليه وتخرج به، ولد سنة (٥٤٤) توفي سنة (٦١١) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٣٩٠- ١٣٩٢) .
[ ٩٦ ]
الصحيح: هذا اجتاز القنطرة، يعني بذلك أنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه.
قال أبو الفتح١ القشيري في مختصره: وهكذا نعتقد، وبه نقول، ولا نخرج عنه إلا بحجة ظاهرة، وبيان شاف يزيد في غلبة الظن على المعنى الذي قدمناه من اتفاق الناس بعد الشيخين على تسمية كتابيهما بالصحيحين، ومن لوازم ذلك تعديل رواتهما.
وقد ردَّ ابن حجر أيضا بنحو هذا٢.
وابن قطان الفاسي قد قال عن الجماعة لا يعرفون مع أنهم معروفون عند غيره، وقد ردَّ الذهبي في صنيعه هذا، وذكر أمثلة لذلك٣.
؟- الانقطاع:
فقد قال البخاري: إبراهيم لا أدري سمع من أبيه أم لا.
وقال ابن عبد البر: يقولون لم يرو عن عبد الله بن أبي ربيعة غير إبراهيم – يعني ابن ابنه -٤.
والذي ظهر لي ان الحديث فيه انقطاع بين "إبراهيم بن عبد الرحمن" وبين جده "عبد الله بن ربيعة" وأنّ "عبد الرحمن" والد إبراهيم ليس من رجال السند، إذ لو كان من رجال السند لوجدت ترجمته في "التقريب" و"تهذيب التهذيب" ولم أجد ترجمته أيضا في التاريخ الكبير للبخاري، ولا في الجرح والتعديل لابن أبي حاتم.
كما أنني لم أجد في ترجمة "عبد الله بن أبي ربيعة" أن ابنه عبد الرحمن ممّن روى عنه.
ولا في ترجمة "إبراهيم" أنه روى عن أبيه "عبد الرحمن".
_________________
(١) ١ هو: محمد بن علي بن وهب بن مطيع بن دقيق العيد القشيري، المنفلوطي الصعيدي، المالكي ثم الشافعي، الإمام الفقيه المجتهد المحدث الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو الفتح، صاحب التصانيف منها: العدة شرح العمدة، وكتاب (الإلمام) وله كتاب في علوم الحديث، ولد سنة (٦٢٥) بقرب ينبع من الحجاز، وتوفي سنة (٧٠٢) هـ. (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٨١- ١٤٨٣) . (ابن حجر: هدي الساري ص٣٨٤) . (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٥٥٦ و٣/٤٢٦) . (ابن حجر: الإصابة ٢/٣٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/٢٠٨، والتاريخ الكبير للبخاري ٥/٩- ١٠، والاستيعاب ٢/٢٩٩) .
[ ٩٧ ]
وبهذا يكون الراوي عن "عبد الله بن أبي ربيعة" هو "إبراهيم بن ابنه"، وهو لم يدرك جده، وذلك أن عبد الله بن أبي ربيعة مات ليالي قتل عثمان بن عفان، وأن أم إبراهيم١ تزوجت بأبيه "عبد الرحمن" بعد يوم الجمل، فتكون ولادة إبراهيم بعد وفاة جده بمدة، فيكون الحديث منقطعا.
وهذه الأحاديث تدل دلالة واضحة على أنه يجب على المسلم أن يأخذ حذره، وأن يتأهب لملاقاة عدوه ويؤيدها قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ . [سورة الأنفال، من الآية: ٦٠] .
وقد ذكر بن عبد البر أن رسول الله - ﷺ - استقرض من حويطب بن عبد العزى أربعين ألف درهم، وأن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم أعان رسول الله - ﷺ - يوم حنين بثلاثة آلاف رمح فقال له رسول الله - ﷺ -: "كأني أنظر إلى رماحك يا أبا الحارث تقصف أصلاب المشركين" ٢.
_________________
(١) ١ هي أم كلثوم بنت أبي بكر الصديق وكانت قبل عبد الرحمن تحت طلحة بن عبيد الله فقتل يوم الجمل. (الطبقات الكبرى لابن سعد٨/٤٦٢) . وفي موطأ مالك ٢/٧٥٢ كتاب الأقضية، باب ما لا يجوز من النحل "ومات أبو بكر وأم كلثوم حمل في بطن أمها". (الاستيعاب ١/٣٨٥، ٣/٥٣٧، وأسد الغابة ٢/٧٥، ٥/٣٦٩، والإصابة ١/٣٦٤، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٦٣) .
[ ٩٨ ]
الفصل الثاني: في المسير إلى حنين
المبحث الأول: تاريخ الغزوة
المبحث الأول: تاريخ غزوة حنين:
تاريخ وقت هذه الغزوة مرتبط بوقت فتح مكة المكرمة، ذلك أن غزوة حنين ناشئة عنه ومتممة له، ومن هنا أطلقت بعض الروايات الخروج إلى حنين في شهر رمضان، والمعروف أن هذا إنما كان في غزوة الفتح.
ولما كانت غزوة حنين من تتمة هذا الفتح العظيم الذي أيد الله به عباده المؤمنين، وأن هذا النصر بصورته الكاملة لم يتحقق إلا بعد الانتهاء من غزوة حنين.
جاء إطلاق الخروج شاملا لهما كما جاء كثير مما تم في غزوة حنين من قسم الغنائم وغيره مذكور في فتح مكة، من ذلك:
[ ٩٩ ]
٣٠- ما رواه البخاري ومسلم من حديث أنس بن مالك قال: "لما كان١ يوم فتح مكة قسم رسول الله - ﷺ - غنائم بين قريش". الحديث٢.
٣١- وما رواه البخاري من حديث عبد الله بن عباس قال: خرج النبي - ﷺ - في رمضان إلى حنين٣ والناس مختلفون، فصائم ومفطر، فلما استوى على راحلته دعا بإناء من لبن أو ماء فوضعه على راحلته - أو على راحته - ثم نظر إلى الناس، فقال المفطرون للصوام: أفطرو ا٤.
ومن خلال هذا الاتصال بين الغزوتين فإن تاريخ غزوة حنين يتوقف على معرفة فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح، لأن المؤرخين عولوا على هذا التاريخ في هذه الغزوة، على أنه قد اختلفت الروايات في فتح مكة ومدة الإقامة فيها بعد الفتح،
_________________
(١) ١ قوله: "لما كان يوم فتح مكة قسم رسول الله - ﷺ - غنائم بين قريش" قال ابن حجر: ولأبي ذر عن شيخه "قسم غنائم في قريش". وله في رواية الكشميهني "بين قريش" وهي رواية الأصيلي. ووقع عند القابسي "غنائم قريش" ولبعضهم "غنائم من قريش" وهو خطأ، لأنه يوهم أن مكة لما فتحت قسمت غنائم قريش، وليس كذلك بل المراد بقوله "يوم فتح مكة" زمان فتح مكة وهو يشمل السنة كلها، ولما كانت غزوة حنين ناشئة عن غزوة مكة أضيفت إليها كما تقدم عكسه. وقد قرر ذلك الإسماعيلي فقال: قوله "لما فتحت مكة قسم الغنائم" يريد غنائم هوازن، فإنه لم يكن عند فتح مكة غنيمة تقسم، ولكن النبي - ﷺ - غزا حنينا بعد فتح مكة في تلك الأيام القريبة، وكان السبب في هوازن فتح مكة لأن الخلوص إلى محاربتهم كان بفتح مكة. (فتح الباري٨/٥٤، وانظر: حديث (٣١) مع التعليق عليه) . ٢ البخاري: (الصحيح ٥/١٣٠ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف) . ومسلم: (الصحيح ٣/٧٣٥ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه) . ٣ قال ابن حجر: هذا الحديث استشكله الإسماعيلي بأن حنينا كانت بعد الفتح، فيحتاج إلى تأمل، فإنه ذكر قبل ذلك أنه خرج من المدينة إلى مكة. وكذا حكى ابن التين عن الداودي أنه قال: الصواب أنه خرج إلى مكة. أو كانت "خيبر" فتصحفت. قال ابن حجر: وحمله على خيبر مردود، فإن الخروج إليها لم يكن في رمضان، وتأويله ظاهر، فإن المراد بقوله "إلى حنين" أي التي وقعت عقب الفتح لأنها لما وقعت إثرها أطلق الخروج إليها، وقد وقع نظير ذلك في حديث أبي هريرة. وبهذا جمع المحب الطبري. (فتح الباري ٨/٥) . قلت: وحديث أبي هريرة المشار إليه أخرجه البخاري في صحيحه ٥/١٢١ كتاب المغازي، باب أين ركز النبي - ﷺ - الراية يوم الفتح بلفظ "قال رسول الله ﷺ حين أراد حنينا: منزلنا غدا إن شاء الله بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر". (صحيح البخاري ٥/١٢٠ كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان) .
[ ١٠٠ ]
وسأعرض أقوال العلماء في ذلك ووجهة كل منهم، ثم أحاول الترجيح بعد ذلك ما وجدت إليه سبيلا.
والأقوال التي يمكن الاعتماد عليها في تاريخ غزوة حنين، قولان١:
الأول: أن غزوة حنين كانت في اليوم الخامس من شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة. روي ذلك عن ابن مسعود٢، وإلى هذا ذهب عروة ابن الزبير وابن إسحاق وأحمد وابن جرير الطبري٣.
٣٢- ودليل هذا القول ما رواه ابن إسحاق قال: حدثني ابن شهاب٤ الزهري، عن عبيد٥ الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود قال: "أقام رسول الله - ﷺ - بمكة بعد فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة".
قال ابن اسحاق: وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من شهر رمضان سنة ثمان٦. والحديث مرسل لأن عبيد الله لم يدرك رسول الله - ﷺ -.
وقد وصله أبو داود، وابن ماجة من طريق محمد٧ بن سلمة، عن ابن
_________________
(١) ١ هناك قول ثالث وهو أن رسول الله ﷺ خرج إلى حنين لليلتين بقيتا من رمضان. (فتح الباري ٨/٢٧) . ٢ عبد الله بن مسعود بن غافل - بمعجمة وفاء - ابن حبيب الهذلي، أبو عبد الرحمن، من السابقين الأولين، ومن كبار العلماء من الصحابة، مناقبه جمة، وأمّره عمر على الكوفة (ت ٣٢) أو في التي بعدها في المدينة./ع. (ابن حجر: التقريب ١/٤٥٠) . ٣ ابن كثير: (البداية والنهاية ٤/٣٢٢، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦) . ٤ محمد بن مسلم بن عبيد الله بن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة ابن كلاب القرشي الزهري، أبو بكر الفقيه الحافظ، متفق على جلالته وإتقانه، وهو من رؤوس الطبقة الرابعة (ت١٢٥) وقيل قبل ذلك بسنة أو سنتين./ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٠٧) . ٥ عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي، أبو عبد الله المدني، ثقة فقيه ثبت، من الثالثة (ت٩٤) وقيل: ٩٨، وقيل غير ذلك./ع. (المصدر السابق ١/٥٣٥) . (سيرة ابن هشام٢/٤٣٧، وتاريخ الرسل والملوك للطبري٣/٦٩- ٧٠، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٣، والمعارف لابن قتيبة ص١٧، وفتح الباري لابن حجر ٨/٢٧) . ٧ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، مولاهم، الحراني، ثقة، من الحادية عشرة (ت ١٩١) على الصحيح./ز م عم. (التقريب ٢/١٦٦، وتهذيب التهذيب ٩/١٩٣- ١٩٤) .
[ ١٠١ ]
إسحاق عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس رضي الله عنهما١.
ثم قال أبو داود: روى هذا الحديث عبدة٢ بن سليمان، وأحمد٣ بن خالد الوهبي، وسلمة٤ بن الفضل، عن ابن إسحاق، لم يذكروا فيه ابن عباس.
والحديث اختلف فيه على ابن إسحاق كما ترى.
فرواه عنه محمد بن سلمة موصولا. وخالفه عبدة بن سليمان، وأحمد بن خالد الوهبي، وسلمة بن الفضل، وابن إدريس٥ فأرسلوه. قال البيهقي: وهو الصحيح٦.
قلت: ومحمد بن سلمة٧ ثقة إمام مفت، وقد تفرد بزيادة الوصل، والزيادة من الثقة مقبولة. وهو مذهب الجمهور من الفقهاء، وأصحاب الحديث٨.
وقال ابن حجر: وأما رواية "خمسة عشر" فضعفها النووي في الخلاصة، وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد بها ابن إسحاق، فقد أخرجها النسائي من رواية عراك٩ بن مالك، عن عبيد الله كذلك١٠.
_________________
(١) (سنن أبي داود ١/٢٨٠ كتاب صلاة المسافر، باب متى يتم المسافر) . وسنن ابن ماجة ١/٣٤٢ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب كم يقصر المسافر إذا أقام ببلدة. ٢ عبدة بن أبي سليمان الكلابي - بكسر الكاف وتخفيف اللام - الكوفي، يقال اسمه عبد الرحمن، ثقة ثبت، من صغار الثامنة (ت ١٨٧) وقيل: بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٣٠، وتهذيب التهذيب ٦/٤٥٨، ٩/٣٩) . ٣ أحمد بن خالد بن موسى، ويقال: ابن محمد الوهبي الكندي، أبو سعيد صدوق من التاسعة، (ت ٢١٤) . /ز بخ عم. (التقريب ١/١٤، وتهذيب التهذيب ١/٢٦) . ٤ سلمة بن الفضل الأبرش - بموحدة فراء ثم معجمة - مولى الأنصار، قاضي الري، صدوق كثير الخطأ، من التاسعة (ت ١٩١) . /د ت فق. (التقريب ١/٣١٨، وتهذيب التهذيب ٣/١٥٣) . ٥ هو عبد الله بن إدريس الأودي - بمفتوحة فواو ساكنة، فدال مهملة –الزعافري– بفتح المعجمة والعين المهملة وكسر الفاء - أبو محمد الكوفي ثقة فقيه عابد، من الثامنة (ت ١٩٢) . /ع. (التقريب ١/٤٠١، وتهذيب التهذيب ٥/١٤٤، والخلاصة للخزرجي ٢/٣٩، والمغني لابن طاهر الهندي ص٨) . (السنن الكبرى ٣/١٥١) . (انظر: تذرة الحفاظ ١/٣١٦، وسير أعلام النبلاء ٩/٤٩ كلاهما للذهبي) . (انظر الكفاية للخطيب البغدادي ص٥٨٠- ٥٨١، ومقدمة ابنالصلاح ص١١١- ١١٢ مع التقييد والإيضاح، والتقريب والتيسير للنووي ص١٣٨ مع تدريب الراوي، والتبصرة والتذكرة للعراقي ١/١٧٤- ١٧٥) . ٩ عراك بن مالك الغفاري، الكناني، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة، مات في خلافة يزيد بن عبد الملك، بعد المائة./ع. (التقريب ٢/١٧، وتهذيب التهذيب ٧/١٧٢) . ١٠ (فتح الباري ٢/٥٦٢) .
[ ١٠٢ ]
ورواية النسائي المشار إليها هي:
٣٣- أخبرنا عبد الرحمن١ بن الأسود البصري، قال: حدثنا محمد٢ بن ربيعة، عن عبد الحميد٣ بن جعفر، عن يزيد٤ بن أبي حبيب، عن عراك بن مالك، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ "أقام بمكة خمسة عشر يصلي ركعتين ركعتين" ٥.
وقال البيهقي: "رواه عراك بن مالك عن النبي - ﷺ - مرسلا٦. وتعقبه ابن التركماني٧ بقوله: قلت: أخرجه النسائي عن عراك مسندا ثم ساق رواية النسائي هذه"٨.
وبهذا تكون رواية "أقام بمكة بعد الفتح خمسة عشر" صحيحة.
القول الثاني: أن غزوة حنين كانت يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، ووصل إلى حنين مساء الثلاثاء لعشر ليال خلون من الشهر المذكور. وبهذا قال الواقدي.
ودليله: أن رسول الله - ﷺ - فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، وأقام
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن الأسود بن المأمون، الهاشمي، مولاهم البصري، ثقة، من الحادية عشرة (ت بعد سنة٢٤٠) /ت س. (التقريب١/٤٧٢، وتهذيب التهذيب ٦/١٤٠) . ٢ محمد بن ربيعة الكلابي - بكسر الكاف وتخفيف اللام-ابن عم وكيع، صدوق من التاسعة (ت بعد ١٩٠) /بخ عم. (التقريب ٢/١٦٠، وتهذيب التهذيب ٩/١٦٢) . ٣ عبد الحميد بن جعفر بن عبد الله بن الحكم بن رافع الأنصاري، صدوق رمي بالقدر، وربما وهم، من السادسة (ت ١٥٣) /خت م عم (التقريب ١/٤٦٧، وتهذيب التهذيب٦/١١١- ١١٢) . ورمز له الذهبي بـ: (صح)، إشارة إلى أنه ثقة. (ميزان الاعتدال ٢/٥٣٩) . ٤ يزيد بن أبي حبيب المصري، أبو الرجاء، واسم أبيه سويد، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، وكان يرسل، من الخامسة (ت ١٢٨) /ع. (التقريب ٢/٣٦٣، وتهذيب التهذيب ١١/٣١٨) . ٥ النسائي: السنن ٣/١٠٠ كتاب تقصير الصلاة في السفر، باب المقام الذي يقصر بمثله الصلاة. ٦ السنن الكبرى ٣/١٥١. ٧ هو: علي بن عثمان بن إبراهيم بن مصطفى المارديني الحنفي، قاضي القضاة علاء الدين بن التركماني، علق على سنن البيهقي تعليقات نافعة طبعت معها بعنوان "الجوهر النقي" (ت ٧٤٩) . انظر ترجمته في: (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد المالكي ص١٢٥- ١٢٦) . (الجوهر النقي ٣/١٥١ مع سنن البيهقي) .
[ ١٠٣ ]
بمكة خمس عشرة، ثم غدا يوم السبت لست ليال خلون من شهر شوال، وانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال١.
وتابعه ابن سعد٢.
هذه هي أقوال العلماء في هذا الباب، والذي يظهر لي ما يأتي:
أ- أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى حنين في شهر شوال من السنة الثامن للهجرة، بغض النظر عن كونه خرج في خامس شوال أوسادسه.
ب- يترجح أن رسول الله - ﷺ - إليهما في سادس شهر شوال، لأنه يمكن الجمع بينه وبين القول بأن الخروج إلى حنين كان في الخامس شوال.
قال الزرقاني - بعد إن ذكر هذين القولين - وهذا الخلاف: إما أنه للاختلاف في هلال الشهر، أو أن من قال لست ليال عدّ ليلة الخروج، ومن قال لخمس لم يعدها، لأنه خرج في صبيحتها فكأنه خرج فيها.
وجمع بعضهم بأن رسول الله ﷺ بدأ بالخروج في أواخر رمضان، وسار سادس شوال، ووصل إليها في عاشره٣.
إذا أخذنا برواية ابن عباس - ﵄ - التي أخرجها أحمد وأبو داود بإسنادين أحدهما صحيح "أن رسول الله - ﷺ - أقام بمكة عام الفتح سبع عشرة" ٤.
مع ذكره النووي وابن حجر: من أن المشهور في كتب المغازي أن رسول الله - ﷺ - خرج في غزوة الفتح من المدينة لعشر خلون من رمضان، ودخل مكة لتسع عشرة خلت منه٥.
كان خروج النبي - ﷺ - إلى غزوة حنين في اليوم السادس من شهر شوال.
_________________
(١) (الواقدي: المغازي ٣/٨٨٩ و٨٩٢) . (الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، وانظر: ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٢٢، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦١، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦، والسفاريني: شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٧٨، ٧٩٣) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٦، وابن حجر: فتح الباري ٨/٢٧) . (أحمد: المسند ١/٣١٥، وأبو داود: السنن ١/٢٨٠. كتاب صلاة السفر، باب متى يتم المسافر) . (النووي: شرح مسلم ٣/١٧٦، وابن حجر: فتح الباري ٤/١٨١ و٨/٤) .
[ ١٠٤ ]
وقد وردت روايات أخر في مدة إقامة رسول الله - ﷺ - في مكة بعد الفتح، منها ثماني عشرة، وتسع عشرة، ورجح البيهقي وابن حجر رواية "تسع عشرة" لأنها أكثر ما وردت بها الروايات الصحيحة، وهي ثابتة في صحيح البخاري١، ولا منافاة بينها وبين سائر الروايات كما جمع بينها البيهقي نفسه فقال: من روى تسع عشرة عد يوم الدخول ويوم الخروج، ومن قال ثمان عشرة لم يعد أحد اليومين، ومن قال سبع عشرة لم يعدهما.
قال ابن حجر: وتحمل رواية "خمسة عشرة" على أن الراوي ظن أن الأصل رواية "سبع عشرة" فحذف منها يومي الدخول والخروج، فذكر أنها خمس عشرة٢.
وإذا أمكن الجمع بين الروايات تعين المصير إليه، لأن العمل بجميع الروايات أولى من تر ك بعضها، والخلاف في كون الخروج إلى حنين في اليوم الخامس أو السادس، ليس من الخلاف الشديد، بل القولان متقاربان كما هو ظاهر. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ٢/٣٩ كتاب تقصير الصلاة، باب ما جاء في التقصير، وكم يقيم حتى يقصر. ٢ البيهقي: السنن الكبرى ٣/١٥١، وابن حجر: فتح الباري ٢/٥٦٢، وشمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود ٤/٩٨- ٩٩.
[ ١٠٥ ]
المبحث الثاني: في تعيين الأمير على مكة:
كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد الخروج إلى غزوة أو غيرها عين أميرا يقوم مقامه مدة غيابه يعلم الناس دينهم ويتفقد أحوالهم ويحل مشكلاتهم، وكانت طاعة الأمير واجبة بطاعة الله ﷿، وطاعة رسوله - ﷺ -.
لما ورد في الصحيحين وغيرهما من حديث أبي هريرة﵁-:
٣٤- أن رسول الله - ﷺ - قال: "من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع١ أميري فقد أطاعني ومن عصى أميري فقد عصاني "٢.
_________________
(١) ١ وعند أحمد من رواية الأعرج عن أبي هريرة "ومن أطاع الأمير"، وعند مسلم "ومن يطع الأمير". قال ابن حجر: ويمكن رد اللفظين لمعنى واحد، فإن كل من يأمر بحق وكان عادلًا فهو أمير الشارع لأنه تولى بأمره وبشريعته، ويؤيده: توحيد الجواب في الأمرين. وكأن الحكمة في تخصيص أميره بالذكر أن المراد وقت الخطاب، ولأنه سبب ورود الحديث، وأما الحكم فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. (فتح الباري ١٣/١١٢) . (البخاري: الصحيح ٩/٥١ كتاب الأحكام، باب قول الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ . ومسلم: الصحيح ٣/١٤٦٦ كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية الله، وتحريمها في المعصية. والنسائي: ٧/١٣٨ كتاب البيعة، باب الترغيب في طاعة الإمام. وابن ماجة: السنن ٢/؟؟؟ كتاب الجهاد، باب طاعة الإمام. وعبد الرزاق: المصنف ١١/٣٢٩. وأحمد: المسند ٢/٢٤٤، ٢٥٢، ٢٧٠، ٣١٣، ٣٤٢، ٤١٦، ٤٧١، ٥١١) .
[ ١٠٥ ]
فحين عزم الرسول - ﷺ - على الخروج إلى حنين، استخلف عتاب بن أسيد على من بقي من أهل مكة يرعى مصالحهم ويقضي حوائجهم. وقد جاءت في ذلك الآثار الآتية:
٣٥- ما رواه الطبري قال: حدثنا ابن حميد قال: ثنا سلمة١، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله - ﷺ - ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا، واستعمل رسول الله - ﷺ - عتاب٢ بن أسيد بن أبي العيص بن أمية ابن عبد شمس على مكة أميرا على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن" ٣.
والحديث فيه ثلاث علل:
أ- ضعف ابن حميد٤.
ب- عنعنة ابن إسحاق، وهو مدلس.
_________________
(١) ١ سلمة: هو الأبرش، تقدم في حديث (٣٢)، وتقدم ابن إسحاق في حديث (١) . ٢ عتاب - بتشديد التاء - و(أسيد) مكبرا، و(العيص) - بكسر العين المهملة وسكون المثناة التحتية ثم صاد مهملة - ابن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة القرشي، الأموي، كان رجلا صالحا فاضلا نبيلا، أسلم يوم الفتح واستعمله رسول الله - ﷺ - على مكة لما سار إلى حنين، وحج بالناس في تلك السنة، وهي سنة ثمان للهجرة، ولم يزل واليا على مكة مدة حياة رسول الله - ﷺ -، ومدة خلافة أبي بكر الصديق، وكان عمره حين استعمل على مكة نيفا وعشرين سنة، وقيل: إن رسول الله - ﷺ - استعمله على مكة بعد رجوعه من حصار الطائف. ومات عتاب - ﵁ - يوم مات أبو بكر الصديق. (انظر ابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٦، وابن عبد البر: الاستيعاب ٣/١٥٣- ١٥٤ مع "الإصابة"، وابن الأثير أسد الغابة ٣/٥٥٦، وابن حجر: الإصابة ٢/٤٥١، والتقريب ٢/٣، وتهذيب التهذيب ٧/٨٩- ٩٠) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧) . ٤ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/١٥٦: محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه. وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٥٣٠: محمد بن حميد من بحور العلم، وهو ضعيف، ونقل عن جماعة من النقاد أنهم رموه بالكذب.
[ ١٠٦ ]
جـ الإرسال١.
٣٦- ما رواه خليفة ابن خياط قال: حدثني علي٢ بن محمد، عن حماد٣ بن سلمة، عن علي بن زيد، عن سعيد٤ بن المسيب قال: افتتح رسول الله ﷺ مكة سنة ثمان من مهاجره في شهر رمضان فأقام خمسة عشر يوما، ثم شخص٥، واستعمل على مكة عتاب بن أسيد٦.
والحديث فيه علتان:
أ- ضعف علي بن زيد بن جدعان٧.
ب- الإرسال.
٣٧- ما رواه البخاري في "التاريخ" والحاكم في "المستدرك" عن حرمي٨ بن
_________________
(١) ١ فإن عبد الله بن أبي بكر هو ابن محمد بن عمرو بن حزم، ذكره ابن حجر في تقريبه في الطبقة الخامسة، وهي طبقة صغار التابعين الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة، ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة. (التقريب ١/٥، ٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) . ٢ علي بن محمد أبو الحسن المدائني الأخباري صاحب التصانيف، اعتمده خليفة بن خياط فيما يتعلق بالمغازي. قال ابن عدي: ليس بالقوي في الحديث، وهو صاحب الأخبار، قل ما له من الروايات المسندة، ووثقه يحيى بن معين (ت ٢٢٥) . (انظر: الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/١٥٣، وابن حجر: لسان الميزان ٤/٢٥٣، ومقدمة تاريخ خليفة بن خياط لأكرم العمري ص١٨- ١٩) . ٣ حماد بن سلمة بن دينار البصري، ثقة عابد، أثبت الناس في ثابت البناني، وتغير حفظه بآخره، من كبار الثامنة (ت ١٦٧) . /خت م عم. (التقريب ١/١٩٧، وتهذيب التهذيب ٣/١١- ١٦) . ٤ سعيد بن المسيب بن حزن - بوزن سهل - أحد العلماء الأثبات والفقهاء الكبار، من كبار الثانية، اتفقوا على أن مرسلاته أصح المراسيل. وقال ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه. (ت بعد٩٠) وقد ناهزالثمانين./ع. (التقريب١/٣٠٥-٣٠٦،وتهذيب التهذيب٤/٨٤) . ٥ شخص: أي خرج. (النهاية لابن الأثير: ٢/٤٥٠- ٤٥١) . ٦ تاريخ خليفة بن خياط ص: ٨٧. ٧ انظر ترجمته في: التقريب ٢/٣٧، وتهذيب التهذيب ٧/٣٢٢. قال عنه في التقريب "ضعيف". ٨ حرمي - بحاء وراء مفتوحتين وياء مشددة بلفظ النسب - ابن حفص بن عمر العتكي-بفتح المهملة والمثناة - أبو علي البصري، ثقة من كبار العاشرة (ت٢٢٣) أو (٢٢٦) /خ د س. (التقريب١/١٥٩،وتهذيب التهذيب٢/٢٣٢،والمغني لابن طاهر الهندي ص٢١) .
[ ١٠٧ ]
حفص العتكي، ثنا خالد١ بن أبي عثمان، عن أيوب بن عبد الله بن يسار، عن عمرو٢ بن أبي عقرب قال: سمعت عتاب بن أسيد وهو مسند ظهره إلى بيت الله يقول:"والله ما أصبت في عملي هذا ممّا ولاني رسول الله - ﷺ - إلا ثوبين معقدين كسوتهما مولاي كيسان" ٣.
ورواه أبو عبيد، عن عبد الرحمن بن مهدي، عن خالد بن أبي عثمان الأموي به٤.
والحديث فيه: أيوب بن عبد الله بن يسار، سكت عنه البخاري وابن أبي حاتم٥.
وقال ابن حجر: إسناده حسن٦.
٣٨- ما رواه الحاكم من طريق مصعب٧ بن عبد الله الزبيري قال: استعمل رسول الله - ﷺ - عتابًا على مكة، ومات رسول الله - ﷺ - وعتاب عامله على مكة، وتوفي عتاب بن أسيد بمكة في جمادى الأخرى سنة ثلاث عشرة٨.
والحديث معضل٩.
_________________
(١) ١ خالد بن أبي عثمان القرشي الأموي البصري، وهو أخو عبد الله بن أبي عثمان، وهو خالد مولى سيار الذي روى عنه شعبة، ثقة. (البخاري: التاريخ الكبير٣/١٦٣-١٦٤،وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٣/٣٤٥) . ٢ عمرو بن أبي عقرب، تابعي كبير مخضرم، سمع عتاب بن أسيد والي مكة، وعتاب مات بعد النبي - ﷺ - بسنتين فيكون لعمرو إدراك. ذكره سعيد بن يعقوب في الصحابة برواية موهومة تقتضي أن له صحبة. (ابن حجر: الإصابة ٣/١١٦، ١١٧، وانظر: الطبقات الكبرى لابن سعد٥/٤٥٧، والتاريخ الكبير للبخاري٦/٣٥٦، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٦/٢٥٢) . (التاريخ الكبير للبخاري ٧/٥٤، والمستدرك للحاكم ٣/٥٩٥) . (كتاب الأموال ص٣٨٢) . (البخاري: التاريخ الكبير١/٤١٩، وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل٢/٢٥١) . (الإصابة ٢/٤٥١) . ٧ مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي، أبو عبد الله الزبيري، المدني، نزيل بغداد، صدوق عالم بالنسب، من العاشرة (ت ٢٣٦) /س ق. (التقريب ٢/٢٥٢، وتهذيب التهذيب ١٠/١٦٢- ١٦٤) . (المستدرك ٣/٥٩٤- ٥٩٥) . ٩ الحديث المعضل: هو ما سقط من إسناده راويان فأكثر على التوالي. (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص١٢٩) .
[ ١٠٨ ]
وفي حديث أبي محذورة في قصة تعليمه الأذان، فقلت: يا رسول الله مرني باتأذين بمكة، فقال: "قد أمرتك به"، فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله - ﷺ - بمكة، فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله - ﷺ" ١.
وحسّنَ الألباني القدر الوارد من الحديث في تولية عتاب بن أسيد على مكة ثم ذكر شواهد لذلك٢.
والخلاصة: أن هذه الآثار الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على مكة عند الخروج إلى حنين على فرض أن كل أثر منها لا يخلو من مقال، لكنها تدل بمجموعها على أن لهذه القصة أصلًا.
والمعروف من هدي المصطفى - ﷺ - أنه كان إذا أراد الخروج إلى غزوة من الغزوات استخلف من يقوم مقامه حتى يرجع، والذي عليه إمام أهل المغازي والسير (ابن إسحاق) أن الذي استخلفه رسول الله - ﷺ - على مكة هو عتاب بن أسيد.
وتابعه في هذا جمهور العلماء من أهل السير والمغازي وغيرهم٣.
وذهب بعض العلماء إلى أن عتابا كان أميرا على مكة، وكان معاذ بن جبل معلما لأهلها٤.
ومسألة تولية عتاب بن أسيد أميرا على مكة متفق عليها تاريخيا فيؤخذ فيها بالروايات التاريخية وإن لم تنطبق عليها قواعد نقدة الحديث لأنه لا مناص لنا من الخذ بذلك، لأننا أمام أمرين:
إما رد هذه المريّات لضعف أسانيدها.
وإما الأخذ بها.
_________________
(١) ١ انظر تخريجه والحكم عليه برقم (٢٥٦) . ٢ تخريجه لأحاديث فقه السيرة لمحمد الغزالي ص٤٣٣. ٣ انظر: (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٠، وتاريخ خليفة بن خياط ص٨٨، ٩٧، وأنساب الأشراف للبلاذري ص٥٢٩، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٣، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٧/١١، وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٣٨، والكامل لابن الأثير ٢/١٧٨، وكتاب المعارف لابن قتيبة ص٧١، ١٢٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٩٧، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٦٨، والإصابة لابن حجر ٢/٤٥١، وبهجة المحافل للعامري ١/٤١٧، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦١) . (المستدرك للحاكم ٣/٢٧٠، وأسد الغابة لابن الأثير ٣/٢٥٦، وشرح ثلاثيات مسند أحمد للسفلريني ٢/٧٨) .
[ ١٠٩ ]
والأخذ بها هو الأولى في مثل هذه الحوادث التاريخية التي لا تتعلق بالعقائد والأحكام الشرعية، على أن مجموع الروايات يقوي بعضها بعضا، ولذلك حسّن الحديث ابن حجر لما له من الشواهد.
وحسّن الألباني القدر المتعلق بتولية عتاب أميرًا بالشواهد المقوية لذلك.
وأما ما عدا ذلك من قصة توليته وما حدث فيها فهو الذي يحسن الأخذ به من الناحية التاريخية وإن لم يقو سنده من الناحية الحديثية، وقد جرى العلماء منذ القديم على هذا المسلك. والله أعلم.
[ ١١٠ ]
المبحث الثالث: عدد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة:
الجيش الذي خرج إلى غزوة حنين مكون من:
أ- الجيش الإسلامي الذي فتح مكة المكرمة.
ب- الذين انضافوا إليهم من مسلمة الفتح.
وعدد الجيش الذي فتح مكة عشرة آلاف مقاتل، وهو نص حديث ابن عباس عند البخاري، وهذا سياقه
٣٩- قال: حدثني محمود١، أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر قال: أخبرني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس - ﵄ -: "أن النبي - ﷺ - خرج في رمضان من المدينة ومعه عشرة آلاف ٢، وذلك على رأس ثمان سنين
_________________
(١) ١ محمود: هو ابن غيلان، أبو أحمد المروزي. ٢ قال ابن حجر: وفي مرسل عروة عند ابن إسحاق وابن عائذ: "ثم خرج رسول الله - ﷺ - في اثني عشر ألفا من المهاجرين والأنصار، وأسلم، وغفار، ومزينة، وجهينة، وسليم". ثم قال: وكذا وقع في "الإكليل"، "وشرف المصطفى" ويجمع بينها أن العشرة آلاف خرج بها من المدينة، ثم تلاحق بها الألفان. (فتح الباري ٨/٤ ونسبه الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٧٠)، للطبراني وقال: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن وفيه ضعف. ونسبه ابن كثير لعروة والزهري وموسى بن عقبة. (البداية والنهاية ٤/٣٢٤- ٣٢٥) .
[ ١١٠ ]
ونصف١ من مقدمه المدينة، فسار هو ومن معه من المسلمين إلى مكة، يصوم ويصومون". الحديث٢.
وعند ابن إسحاق قال: حدثني الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس مطولا فيه: "ثم مضى رسول الله - ﷺ - حتى نزل مر الظهران٣ في عشرة آلاف من المسلمين". الحديث٤.
ومن طريق ابن إسحاق: أخرجه أحمد مختصرا، والطبري، والطحاوي والحاكم بطوله، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، وسكت عنه الذهبي٥.
وأورده الهيثمي مختصرا وقال: في الصحيح طرف منه في الصيام، رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح، غير ابن إسحاق وقد صرح بالسماع. ثم أورده مطولا وقال: رواه الطبراني، ورجاله رجال الصحيح٦.
والحديث دليل واضح على أن الذين خرجوا مع الرسول - ﷺ - لفتح مكة المكرمة، كانوا عشرة آلاف مقاتل. وقد خرجوا إلى غزوة حنين مع من انضم إليهم من الطلقاء٧.
٤٠- فقد ورد عند البخاري ومسلم من طريق معاذ٨ بن معاذ، عن
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: هكذا وقع في رواية معمر وهو وهم، والصواب على رأس سبع سنين ونصف، وإنما وقع الوهم من كون غزوة الفتح كانت في سنة ثمان، ومن أثناء ربيع الأول إلى أثناء رمضان نصف سنة سواء، فالتحرير أنها سبع سنين ونصف، وذكر توجيهات أخرى. (الفتح ٨/٤٩) . (صحيح البخاري ٥/١٢٠ كتاب المغازي، باب غزوة الفتح في رمضان) . ٣ مر الظهران: هو وادي فاطمة، يقع شمال مكة المكرمة بنحو ٣٠ كم. (انظر: غزوة بني المصطلق ص٥٤- ٥٥) . (سيرة ابن هشام ٢/٣٩٩- ٤٠٠) . (أحمد: المسند ١/٢٦٦، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٤٩، والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٣١٩- ٣٢٠، والحاكم: المستدرك ٣/٤٣) . (مجمع الزوائد٦/١٦٤-١٦٧،وابن كثير: البداية والنهاية٤/٢٨٥-٢٨٦، ٣٢٤) . ٧ الطلقاء - بضم الطاء وفتح اللام وبالمد - هم الذين أسلموا يوم فتح مكة، ومفرده طليق، يقال ذلك: لمن أطلق من أسار أو وثاق. قال القاضي عياض في المشارق: قيل لمسلمي الفتح الطلقاء لِمَنِّ النبي - ﷺ عليهم -. (مشارق الأنوار ١/٣١٩، وانظر: النهاية لابن الأثير ٣/١٣٦، وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٠ و٤/٤٦٩) . ٨ معاذ بن معاذ بن نصر بن حسان العنبري، أبو المثنى البصري، القاضي، ثقة متقن، من كبار التاسعة (ت ١٩٦) /ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٥٧) .
[ ١١١ ]
ابن عون١، عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك، عن أنس بن مالك - ﵁ -، قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان٢ وغيرهم بنعمهم٣ وذراريهم، ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف٤ ومن الطلقاء٥ الحديث٦.
والحديث يدل على أن الجيش الخارج إلى حنين عشرة آلاف من غير الطلقاء، وقد جاء عند ابن إسحاق أن الطلقاء كانوا ألفين من أهل مكة. ساق ذلك بدون إسناد٧.
وأخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر قال: "ثم خرج رسول الله - ﷺ - ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف منن أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا اثني عشر ألفا"٨.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن عون بن أرطبان - بفتح فسكون - أبو عون البصري، ثقة ثبت فاضل، من أقران أيوب في العلم والعمل والسن، من السادسة (ت ١٥٠) على الصحيح /ع. (المصدر السابق ١/٤٣٩) . ٢ نسبة إلى غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان. ٣ النعم - بفتح العين وقد تسكن - الإبل والشاء، أو خاص بالإبل. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٤/١٨٢) . ٤ وقع عند مسلم وأحمد من طريق السميط، عن أنس بن مالك ﵁ قال: افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف. الحديث. قال النووي: الرواية الأولى أصح؛ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا اثني عشر ألفا، عشرة آلاف شهدوا الفتح، وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم، وهذا معنى قوله: "ومعه عشرة آلاف ومعه الطلقاء". قال القاضي عياض: قوله: "ستة آلاف" وهم من الراوي عن أنس. والله أعلم. (انظر: صحيح مسلم ٢/٧٣٦ كتاب الزكاة، ومسند أحمد ٣/١٥٧، وشرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠١) . ٥ وعند مسلم من هذه الطريق (ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومعه الطلقاء) . وعند البخاري من طريق أزهر عن بن عون (لما كان يوم حنين التقى هوازن ومع النبي - ﷺ، عشرة آلاف والطلقاء". وعند أحمد من طريق: سليم بن أخضر عن ابن عون: "لما يوم حين وجمعت هوازن وغطفان لرسول الله - ﷺ - جمعًا كثيرًا، ورسول الله - ﷺ - في عشرة آلاف أو أكثر ومعه الطلقاء) . (البخاري: الصحيح ٥/١٣٠- ١٣١، كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، واللفظ له. ومسلم: الصحيح٢/٧٣٥ كتاب الزكاة. وأحمد: المسند ٣/١٩٠، ٢٧٩-٢٨٠. ومنتخب كنز العمال ٤/١٧١ مع مسند أحمد. ورمز له بـ (ش) عبارة على أن الحديث عند ابن أبي شيبة) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٢٤) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٣، وتقدم برقم (٣٥) .
[ ١١٢ ]
٤١- وأخرج الطبري أيضا بسنده عن السدي، وابن زيد١ في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ٢ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] .
قالا: "كانوا اثني عشر ألفا"٣.
وكلا الإسنادين مقطوع٤.
٤٢- ورواه أيضا عن عروة بن الزبير، وعن قتادة٥.
٤٣- وأخرج البيهقي في الدلائل من طريق ابن إسحاق قال: حدثنا الزهري قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى حنين في ألفين من مكة وعشرة آلاف كانوا معه فسار بهم الحديث٦.
٤٤- وساق بسنده أيضا عن الحاكم فقال: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ أبو بكر
_________________
(١) ١ ومحمد بن زيد بن المهاجر بن قنفذ- بضم القاف والفاء بينهما نون ساكنة - التيمي المدني، ثقة من الخامسة /م عم. (التقريب ٢/١٦٢) . ٢ حنين: قال ياقوت: يجوز أن يكون تصغير الحنان، وهو الرحمة تصغير ترخيم. ويجوز أن يكون تصغير الحن، وهو حي من الجن. قال السهيلي: سمي بحنين بن قانية بن مهلائيل، قال وأظنه من العماليق. وهو يذكر ويؤنث. فإن قصدت به البلد ذكرته وصرفته، كما في قوله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ . وإن قصدت به البلدة والبقعة أنثته ولم تصرفه، وهو واد قريب من مكة. (معجم البلدان ٢/٣١٣) . قلت: تصغير الترخيم عبارة عن تصغير الاسم بعد تجريده من الزوائد التي فيه، فإن كانت أصوله ثلاثة صغر على "فعيل" وإن كانت أربعة صغر على "فعيعل" (انظر: شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢/٤٨٧) ووادي حنين يسمى الآن (الشرائع) وهو يبعد عن مكة بنحو عشرين كيلا شرقي مكة. معجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص١٠٧، وحمد الجاسر: التعليق على كتاب المناسك للحربي ص٤٧١، وباشميل: غزوة حنين ص٦٠، وفؤاد حمزة: قلب جزيرة العرب ص٢٦٨) . (جامع البيان ١٠/١٠١، ١٠٣) . ٤ الخبر المقطوع ما أضيف إلى التابعي أو من دونه من قول أو فعل. (تدريب الراوي للسيوطي ص١١٧) . وفي سند السدي: أسباط بن نصر، وهو صدوق كثير الخطأ يغرب. والسدي هو إسماعيل بن عبد الرحمن، صدوق يهم ورمي بالتشيع. (التقريب ١/٥٣ و٧١- ٧٢) . وفي سند ابن زيد انقطاع بينه وبين عبد الله بن وهب. (جامع البيان ١٠/٩٩- ١٠٠) . (دلائل النبوة ٣/٤٠- ٤١ ب-أ) .
[ ١١٣ ]
القاضي١ قالا: نا أبو العباس محمد بن يعقوب قال: أنا أحمد بن عبد الجبار، قال: نا يونس بن بكير عن أبي جعفر عيسى الرازي، عن الربيع أن رجلا قال يوم حنين لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . قال الربيع: وكانوا اثني عشر ألفا، منهم ألفان من أهل مكة٢.
والحديث فيه:
أ- يونس بن بكير "صدوق يخطئ"٣
ب- أبو جعفر الرازي التميمي عيسى بن أبي عيسى "صدوق سيئ الحفظ"٤.
ج- الربيع بن أنس البكري "صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع".
قال ابن حبان: والناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر الرازي عنه، لأن في أحاديثه عنه اضطرابا كثيرا٥
د- الإرسال، فإن الربيع لم يدرك هذه الوقعة.
٥٤- وروى ابن سعد قال: أخبرنا الضحاك٦ بن مخلد الشيباني، أبو عاصم النبيل، قال: أخبرنا عبد الله٧ بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب الثقفي، أخبرني
_________________
(١) ١ هو أحمد بن الحسن القاضي، هكذا ذكر البيهقي غي "دلائل النبوة" ٣/٤٢. وتقدمت تراجم رجال بقية الحديث في حديث رقم (٢٣) . (دلائل النبوة ٣/٤١ب، والنظر المواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦١) . (التقريب ٢/٣٨٤) . (المصدر السابق ٢/٤٠٦، والمجروحين لابن حبان ٢/١٢٠) . (التقريب ١/٢٤٣، وتهذيب التهذيب ٣/٢٣٨- ٢٣٩) . ٦ هو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، أبو عاصم النبيل، البصري، ثقة ثبت، من التاسعة (ت ٢١٢) أو بعدها. /ع. (التقريب ١/٣٧٣، وتهذيب التهذيب ٤/٤٥٠) . ٧ عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى بن كعب بن يعلى، أبو يعلى الثقفي، عن عمرو ابن شعيب، وعطاء بن أبي رباح وغيرهم، وعنه الثوري، ومعتمر بن سليمان، ومروان بن معاوية، ووكيع، وابن مهدي، وابن المبارك، وأبو عاصم وغيرهم. صدوق يخطيء ويهم، من السابعة /بخ م د تم س ق. قال المزي، وتبعه ابن حجر: وقع عند ابن ماجة في التكبير في صلاة العيد سبع أو خمس "عبد الرحمن بن يعلى" وهو خطأ، والصواب هو عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى الطائفي، وكذلك سماه أبو داود في روايته. ثم قال المزي: وقد روى ابن ماجة غير هذا الحديث على الصواب. (انظر: تهذيب الكمال للمزي ٥/٤١٤، والتقريب ١/٤٢٩، ٥٠٣، وتهذيب التهذيب ٥/٢٩٨- ٢٩٩، ٦/٣٠١) . قلت: والحديث الذي أشار إليه المزي وابن حجر عند ابن ماجة في التكبير في صلاة العيد من طريق أبي كريب، وأنه قال فيه عن عبد الرحمن بن يعلى، فإن الحديث في سنن ابن ماجة الموجودة بين أيدينا "عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى". (انظر سنن ابن ماجة ١/٤٠٧ كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، باب ما جاء في كم يكبر الإمام في صلاة العيدين، و٤١٠ باب ما جاء في الصلاة قبل صلاة العيد وبعدها، وسنن أبي داود ١/٢٦٢ كتاب الصلاة، باب التكبير في العيدين) .
[ ١١٤ ]
عبد الله١ بن عياض، عن أبيه٢ أن رسول الله - ﷺ - أتى هوازن في اثني عشر ألفا، فقتل من أهل الطائف يوم حنين مثل من قتل يوم بدر، فأخذ رسول الله - ﷺ - ترابا من البطحاء فرمى به وجوهنا فانهزمنا ٣
والحديث رواه الطبراني من طريق زيد٤ بن الحريش، والعباس٥ ابن عبد العظيم العنبري، قالا: ثنا أبو عاصم به٦.
ورواه الحاكم من طريق أبي قلابة٧، ثنا أبو عاصم به٨.
ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
ومن طريق الحاكم أخرجه البيهقي٩.
_________________
(١) ١ عبد الله بن عياض روى عن أبيه وعنه أبو يعلى عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى ابن كعب الثقفي الطائفي. (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/١٢٩) . ووقع في طبقات ابن سعد "وأخبرني عبد الله بن عباس"، والصواب عبد الله بن عياض. (وإسقاط حرف العطف) . ٢ عياض بن عبد الله الثقفي، وقال ابن عبد البر: عياض الثقفي. وقال البخاري: عياض له صحبة. قال ابن حجر: فرق ابن الأثير بين عياض الثقفي، وعياض بن عبد الله الثقفي، وهو وهم. (الإصابة ٣/٤٩ و١٨٣، وأسد الغابة ٤/٣٢٢ و٣٢٥، والاستيعاب ٣/١٢٩، وتاريخ البخاري الكبير ٧/١٩) . (الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٤- ١٥٥) . ٤ زيد بن الحريش الأهوازي، نزيل البصرة، روى عن عمران بن عيينة وروى عنه إبراهيم بن يوسف الهسنجاني. (الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٥٦١) . ٥ العباس بن عبد العظيم بن إسماعيل بن توبة العنبري، أبو الفضل البصري، ثقة حافظ، من كبار الحادية عشرة (ت٢٤٠) /خت م عم. (التقريب١/٣٩٧،وتهذيب التهذيب٥/١٢١) . (المعجم الكبير ١٧/٣٦٨- ٣٦٩) . ٧ عبد الملك بن محمد الرقاشي - بفتح الراء وتخفيف القاف ثم معجمة - أبو قلابة البصري، يكنى أبا محمد، وأبو قلابة لقب، صدوق يخطيء، تغير حفظه لما سكن بغداد، من الحادية عشرة، (ت٢٧٦) /ق. (التقريب ١/٥٢٢، وتهذيب التهذيب ٦/٤١٩، ولسان الميزان ٥/٤٩ كلها لابن حجر) . (المستدرك ٢/١٢١) . (دلائل النبوة ٣/٤٥ أ) .
[ ١١٥ ]
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني وفيه: عبد الله بن عياض، ذكره ابن أبي حاتم ولم يجرحه، وبقية رجاله ثقات١.
وبهذا فإن تصحيح الحاكم لهذا الحديث، وموافقة الذهبي لهن فيه نظر.
والخلاصة في هذا أن الأحاديث الصحيحة نصت على أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى غزوة حنين بعشرة آلاف مقاتل، و(الطلقاء) ولفظ "الطلقاء" شيء زائد على العشرة الآلاف، وقد بينت هذه الأحاديث بأن الطلقاء كانوا ألفين من اهل مكة، وهي وإن كان كل حديث منها لا يسلم من مقال، إلاّ أنها بمجموعها يقوي بعضها بعضا، ولها أصل في الأحاديث الصحيحة، وهو لفظ "الطلقاء" الزائد على عشرة الآلاف، وأطبق أهل المغازي وغيرهم على أن الطلقاء كانوا ألفين من مسلمة الفتح انضافوا إلى الجيش الإسلامي القادم من المدينة لفتح مكة، وذهبوا جميعًا إلى غزوة حنين وكان عددهم اثني عشر ألفا٢. هذا على ما جاء في الروايات الصحيحة بأن الجيش القادم من المدينة المنورة كان عشرة آلاف.
وأما على رأي عروة بن الزبير، وموسى بن عقبة، والزهري، بأن الجيش القادم من المدينة اثني عشر ألفا، فيكون مجموع الجيش الخارج إلى حنين أربعة عشر ألفا، وقد تقدم توجيه ذلك٣.
وقال عطاء: كان المسلمون يوم حنين ستة عشر ألفا٤.
_________________
(١) (مجمع الزوائد ٦/١٨٦) . (انظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٤٠، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٣، وتاريخ خليفة بن خياط ص٨٨، وجوامع السيرة لابن حزم ص٢٣٨، والكامل لابن الأثير ٢/١٧٨، وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٦٨، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٢٤، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦١، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٦٣) . ٣ تقدم تحت حديث (٣٩) . (تفسير البغوي ٣/٧٢)، مع "الخازن".
[ ١١٦ ]
المبحث الرابع: استعداد هوازن العسكري:
من المعلوم أن هوازن قبيلة قوية في عددها وعددها، وقد أقامت حولا كاملا تعد العدة لحرب رسول الله - ﷺ - ١. وقد انضم إليها بعض القبائل الأخرى من
_________________
(١) (انظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٧، ١٠- ١١، ٢٠- ٢٢) .
[ ١١٦ ]
غطفان وغيرهم، فأحكموا خطتهم ووقف الجميع صفا واحدا في وجه المسلمين يريدون القضاء عليهم.
فقد جاء في حديث أنس بن مالك - ﵁ -، قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومن الطلقاء. الحديث١. وعند مسلم وأحمد من طريق السميط٢، عن انس بن مالك.
٤٦- قال: "افتتحنا مكة، ثم أنّا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت٣ الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم". الحديث٤.
وأخرج أبو داود الطيالسي وأحمد وغيرهما من طريق حماد٥ بن سلمة أنا إسحاق٦ بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك:
٤٧- "أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والنساء والإبل والنعم فجعلوهم صفوفا يكثرون على رسول الله - ﷺ - " الحديث٧.
وأخرجه ابن حبان والحاكم، كلاهما من طريق حماد بن سلمة به.
وقال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٨.
وسكت عنه الذهبي.
٤٨- وأخرج أبو داود وأحمد كلاهما من طريق نافع٩ أبي غالب الباهلي مطولا
_________________
(١) ١ تقدم برقم (٤٠) . ٢ السميط - بضم أوله - وهو ابن عمير، ويقال: ابن سمير السدوسي، البصري، أبو عبد الله، (ابن حجر: التقريب ١/٣٣٤، والخلاصة للخزرجي ١/٤٤٠) . ٣ فصفت: بابناء للمفعول. (مسلم: الصحيح ٢/٧٣٦ كتاب الزكاة، باب عطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام. واحمد: المسند ٣/١٥٧) . ٥ ثقة، تقدم في حديث (٣٦) . ٦ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري، المدني، أبو يحيى، ثقة حجة، من الرابعة (ت١٣٢) وقيل بعدها. /ع. (التقريب ١/٥٩، وتهذيب التهذيب ١/٢٣٩-٢٤٠) . ٧ أبو داود الطيالسي: المسند ٢/١٠٨- ١٠٩، بترتيب الساعاتي "منحة المعبود"، وأحمد: المسند ٣/١٩٠، ٢٧٩. (ابن حبان: موارد الظمآن ص٤١٧، والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠) . ٩ أبو غالب الباهلي مولاهم، الخياط البصري، اسمه نافع أو رافع، ثقة من الخامسة /د ت ق. (التقريب ٢/٢٩٧، ٤٦٠، وتهذيب التهذيب ١٠/٤١٥، ١٢/١٩٦) .
[ ١١٧ ]
فيه: "قال: يا أبا حمزة هل غزوت مع النبي - ﷺ؟ - قال: نعم. غزوت معه يوم حنين فخرج المشركون بكثرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا". الحديث١.
فهذه الأحاديث على اختلاف ألفاظها تدل على أن هوازن استعدت للمعركة استعدادا كاملا، ولم تدخر شيئا في وسعها.
وقد وصف ابن إسحاق جموع هوازن المتكاثرة فقال: لما سمعت هوازن برسول الله - ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك٢ بن عوف النصري، فاجتمع إليه
_________________
(١) ١ أبو داود: (السنن ٢/١٨٦)، كتاب الجنائز، باب أين يقوم الإمام من الميت إذا صلى عليه. وأحمد: المسند ٣/١٥١ واللفظ له وإسناده حسن. وأخرجه الترمذي وابن ماجة كلاهما من طريق نافع بن أبي غالب مختصرا بقصة الصلاة على الجنازة دون قصة حنين، وحسنه الترمذي. (سنن الترمذي ٢/٢٤٩- ٢٥٠ كتاب الجنائز باب ما جاء أين يقوم الإمام من الرجل والمرأة، وسنن ابن ماجة ١/٤٧٩ فيه) . ٢ مالك بن عوف بن سعد بن ربييعة بن يربوع بن واثلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن، أبو علي النصري - بالصاد المهملة - نسبة إلى جده الأعلى نصر المذكور. ووقع في بعض الكتب النضري - بالضاد المعجمة - وهو خطأ. قاد مالك جيوش هوازن في غزوة حنين وكان عمره ثلاثين سنة، أسلم في الجعرانة بعد أن هزم هو وجنده وحسن إسلامه، واستعمله رسول الله - ﷺ - على من أسلم من قومه فكان يقاتل ثقيفا فلا يخرج لهم سرح إلا أغار عليه حتى يصيبه. ثم شهد فتح دمشق وشهد القادسية مع سعد بن أبي وقاص. ووقع في المعجم الكبير للطبراني ١٧/٣٠١ عن أبي خليفة الفضل بن الحباب عن محمد بن سلام الجمحي قال: كان مالك بن عوف النصري رئيسًا مقدامًا، وكان أول ذكره وما شهر من بلائه "يوم الفجار" مع قومه كثر صنيعه يومئذ وهو على هوازن حين لقيهم رسول الله ﷺ وساق مع الناس أموالهم الخ. وذكر انهزامه ولحوقه بالطائف. وحصل خطأ في قوله: أول ما شهر من بلائه "يوم الفجار". والصواب "يوم حنين" وذلك لأن "آخر الفجارات" حضره رسول الله - ﷺ - مع عمومته وعمره (٢٠) سنة على رأي ابن إسحاق، وكانت غزوة حنين في السنة الثامنة للهجرة وبين آخر حروب الفجار وغزوة حنين (٦١) سنة، وكان عمر مالك بن عوف عندما قاد جيوش هوازن في حنين (٣٠) سنة، فتكون حرب الفجار وقعت قبل ميلاد مالك بن عوف بـ (٣١) سنة. وحديث الطبراني هذا أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٤- ١٨٥ وقال: رواه الطبراني عن خليفة بن خياط محمد بن سلام الجمحي، (وقوله: خليفة بن خياط) خطأ والصواب "أبو خليفة الفضل بن حباب" كما هو في معجم الطبراني. وقال ابن حجر: وانقلب "مالك بن عوف" على خليفة بن خياط فسماه (عوف بن مالك) . (انظر ترجمة مالك في جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٢٦٩، والاستيعاب لابن عبد البر ٣/٣٨٠ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٢، وتاريخ ابن خلدون ٢/٣١٠، والإصابة لابن حجر ٣/١٨٢، ٣٥٢، وسيرة ابن هشام ١/١٨٤، ١٨٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٠، وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٥، وتاريخ خليفة بن خياط ص٩٩) .
[ ١١٨ ]
من هوازن ثقيف كلها، واجتمعت نصر، وجشم كلها، وسعد بن بكر وناس من بني هلال وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلاّ هؤلاء، وغاب عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد١ بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن٢ برأيه ومعرفته الحرب، وكان شيخًا٣ مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهم٤، وفي الأحلاف٥ قارب٦ بن الأسود بن مسعود بن معتب، وفي بني مالك ذو الخمار٧ سبيع بن الحارث بن مالك، وأخوه أحمر بن الحارث، وجماع٨ أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري، فلما أجمع المسير إلى رسول الله - ﷺ - حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم، فلما نزل بأوطاس اجتمع إليه الناس وفيهم دريد بن الصمة في شجار٩ له يقاد به، فلما نزل قال: بأي
_________________
(١) ١ دريد بن الصمة - واسم الصمة - معاوية بن بكر بن علقمة بن خزاعة بن غزية - بوزن عطية - ابن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن، قتل كافرا في هذه الغزوة، وسيأتي الخلاف فيمن قتله في حديث (٩٧) . (جمهرة أنساب العرب لابن حزم ص٢٧٠. والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٠- ٢٠١) . ٢ التيمن: التبرك. (النهاية لابن الأثير ٥/٣٠٢، والقاموس للفيروز آبادي ٤/٢٧٨) . ٣ وعند الواقدي: ونصرها دريد بن الصمة في بني جشم وهو يومئذ ابن ستين ومائة سنة، شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن به ومعرفته بالحرب، وكان شيخا مجربا، وقد ذهب بصره يومئذ. (المغازي ٣/٨٨٦) . ٤ وعند الطبري: "وعلى ثقيف: عبد ياليل" انظر ص١٨٦. ٥ الأحلاف: هم أحد قبيلي ثقيف، فإن ثقيفا قسمان: أحدهما: بنو مالك. والثاني: الأحلاف. (ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب ١/٣٣، وأسد الغابة ٤/٣٧٥) . ٦ هو ابن أخي عروة بن مسعود كانت معه راية الأحلاف في غزوة حنين، فلما انهزم المشركون أسند الراية إلى شجرة وهرب. قدم على رسول الله - ﷺ - هو وأبو مليح بن عروة بن مسعود المدينة قبل وفد ثقيف حين قتلت ثقيف عروة بن مسعود، يريدان مفارقة ثقيف، وأن لا يجامعوهم على شيء أبدا، فأسلما فقال لهما رسول الله - ﷺ: توليا من شئتما، فقالا: نتولى الله ورسوله. (ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣٧٥- ٣٧٦) . ٧ ذو الخمار: بالخاء والميم قتل كافرا في هذه الغزوة. (سيرة ابن هشام ٢/٤٣٧ و٤٥٠. والكلاعي: الاكتفاء ٢/٣٣٣) . ووهم المعلقون على سيرة ابن هشام فقالوا: اسمه عوف بن الربيع، وعوف ابن الربيع صحابي من أسد وفد على النبي - ﷺ - وهو: ذو الخيار - بالخاء والمثناة التحتانية -. (انظر: ابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣١٠، وابن حجر: الإصابة ٣/٤٢) . ٨ في (المصباح المنير ١/١٣٣): وجماع الناس بالضم والتثقيل أخلاطهم، وكذا في (المعجم الوسيط ١/١٣٥) . ٩ الشجار: هو مركب مكشوف دون الهودج، ويقال له: مشجر أيضا. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٤٦. والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠١) .
[ ١١٩ ]
واد أنتم؟ قالوا: ب أوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزن١ ضرس ولا سهل دهس٢، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار٣ الشاء؟ قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم. قال: أين مالك؟ قيل: هذا مالك ودعي له، فقال: يا مالك٤، إنك قد أصبحت رئيس قومك، وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام، ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير، وبكاء الصغير، ويعار الشاء؟ قال: سقت مع الناس اموالهم، وأبناءهم، ونساءهم، قال: ولِمَ ذاك؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل منهم أهله وماله، ليقاتل عنهم، قال: فأنقض به٥، ثم قال: راعي ضأن٦ والله! وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك" الحديث٧.
قال ابن كثير: بعد إيراده لهذا الحديث: هكذا أورده ابن إسحاق من غير إسناد.
وقد روى يونس بن بكير عن ابن إسحاق، عن عاصم بم عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله، عن أبيه٨.
_________________
(١) ١ الحزن: بفتح الحاء وسكون الزاي، المكان الغليظ الخشن. والضرس: بكسر الضاد وسكون الراء: الأكام الخشنة. (المصدر السابق ١/٣٨٠، ٣/٨٣) . ٢ الدهس - بفتح الدال وسكون الهاء - ما سهل ولان من الأرض ولم يبلغ أن يكون رملا. (المصدر السابق ٢/١٤٥) . ٣ وعند الواقدي: "وثغاء الشاء". (المغازي ٣/٨٨٧ - والمراد: صوت الشاء) . ٤ وعند الواقدي: "يا مالك إنك تقاتل رجلا كريما وقد اصبحت رئيس قومك الخ". (المغازي ٣/٨٨٧) . ٥ وعند الواقدي: "فأنقض بيديه". (المغازي ٣/٨٨٨) . قال ابن الأثير: "وفي حديث هوازن "فأنقض به دريد"، أي نقر بلسانه في فيه، كما يزجر الحمار، فعله استجهالا به. قال الخطابي: أنقض به، أي صفق بإحدى يديه على الأخرى، حتى يسمع لهما نقيض، أي صوت. (النهاية ٥/١٠٧) . وقال السهيلي: الإنقاض بالأصبع الوسطى والإبهام كأنه يدفع بهما شيئا. (الروض الأنف ٧/٢٠١) . ٦ وعند الواقدي: "راعي ضأن ما له وللحرب؟ ". (المغازي ٣/٨٨٨) وانظر: الروض الأنف ٧/٢٠١. (سيرة ابن هشام ٢/٤٣٧، وانظر: مغازي الواقدي ٣/٨٨٥، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٤٩) . ٨ تقدم الحديث برقم (٢٣) وإسناده حسن.
[ ١٢٠ ]
وعن عمرو بن شعيب، والزهري، وعبد الله بن أبي بكر بن عمرو ابن حزم وغيرهم قصة حنين فذكر نحو ما تقدم١.
وأخرج الطبري فقال: حدثنا بشر٢ بن معاذ قال: ثنا يزيد٣، قال: ثنا سعيد٤، عن قتادة٥، قوله: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ . [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . حتى بلغ ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٦] ٦. قال: وحنين ماء بين مكة والطائف، قاتل عليها نبي الله هوازن وثقيف، وعلى هوازن مالك بن عوف أخو بني نصر، وعلى ثقيف عبد ياليل بن عمرو الثقفي" الحديث٧.
وهذه الأحاديث المتقدمة تدل على أن هوازن كانت قد جمعت جمعا كثيرا، وإن كانت لم تنص على عدد هوازن ومن معهم صراحة، وقد ورد عند الواقدي ما يدل على أن عدد هوازن ومن معهم عشرون ألفا.
قال: ودعا رسول الله - ﷺ - ابن أبي حدرد٨ الأسلمي فقال له: انطلق فادخل حتى تأتي بخبر منهم، وما يقول مالك، فخرج عبد الله فطاف في عسكرهم، ثم انتهى إلى مالك بن عوف فوجد عنده رؤساء هوازن، فسمعه يقول لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما يلقى قوما أغمارا٩ لا علم لهم بالحرب فينصر
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٣٢٤. ٢ بشر بن معاذ العقدي - بفتح المهملة والقاف- أبو سهل البصري، الضرير، صدوق، من العاشرة (ت سنة بضع وأربعين بعد المائتين) /ت س ق. (التقريب ١/١٠١، وتهذيب التهذيب ١/٤٥٨) . ٣ يزيد: هو ابن زريع البصري، أو معاوية "ثقة ثبت" تقدم في حديث (١) . ٤ هو سعيد بن أبي عروبة - بفتح مهملة وضم راء خفيفة وبموحدة - واسمه: مهران اليشكري، مولاهم أبو النضر البصري، ثقة حافظ له تصانيف، لكنه كثير التدليس، واختلط، وكان أثبت الناس في قتادة، من السادسة (ت ١٥٦، وقيل: ١٥٧) . /ع. (التقريب ١/٣٠٢، وتهذيب التهذيب ٤/٦٣، والمغني لابن طاهر الهندي ص٥٤) . ٥ قتادة بن دعامة - بكسر مهملة وخفة عين مهملة - بن قتادة السدسي، أبو الخطاب البصري ثقة ثبت، يقال: ولد أكمه وهو رأس الطبقة الرابعة (ت سنة بضع عشرة بعد المائة) /ع. (التقريب ٢/١٢٣، وتهذيب التهذيب ٨/٣٥١، والمغني لابن طاهر الهندي ص٣٠) . (الروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٣) . ٧ الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٠، وتقدم برقم (٤٢) . ٨ هو عبد الله بن أبي حدرد، وإرساله إلى هوازن ليعرف وجهتهم، ثابت من حديث جابر بن عبد الله - المتقدم برقم (٢٣) . ٩ الأغمار: جمع غمر - بالضم - وهو الجاهل الغر الذي لم يجرب الأمور. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٨٥) .
[ ١٢١ ]
عليهم فإذا كان في السحر فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونهم بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون١، واحملوا حملة رجل واحد واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا". الحديث٢.
فقوله في هذا الحديث: "فتلقونه بعشرين ألف سيف" يدل على أن القوم كانوا عشرين ألفا.
وكون هوازن كانت عشرين ألفا أو أكثر ذلك، وإن لم يرد ذلك في حديث صحيح مصرح به.
إلا أن في الأحاديث الصحيحة الثابتة ما يؤيد هذا، فقد تقدم في حديث أنس بن مالك أنه قال: "لما كان يوم حنين وجمعت هوازن وغطفان لرسول الله ﷺ جمعا كثيرا".
وفيه أيضا:"لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم"٣.
وفي حديث جابر بن عبد الله قال: "لما فرغ رسول الله - ﷺ - من فتح مكة، جمع مالك بن عوف من بني نصر وجشم، ومن سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال، وناسا من بني عمرو ابن عامر، وعوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحناف من ثقيف وبنو مالك"٤.
وفي حديث سهل بن الحنظلية: أنهم ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية، فحضرت صلاة الظهر عند رسول الله - ﷺ -، فجاء رجل فارس فقال: "يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين" الحديث٥.
فمن خلال هذه الألفاظ الواردة في الأحاديث الصحيحة يفهم منها أن القوم حشدوا جموعا كثيرة، وقد تقدم في أول هذا المبحث أنهم أقاموا حولا كاملا يعدون العدة لحرب رسول الله ﷺ.
_________________
(١) ١ جفن السيف: غمده الذي يكون فيه. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٤/٢٠٩) . (مغازي الواقدي ٣/٨٩٣) . ٣ تقدم برقم (٤٠) . ٤ تقدم برقم (٢٣) . ٥ سيأتي تخريجه برقم (٥٠) .
[ ١٢٢ ]
ولذا فقد قال ابن حجر: والعذر لمن انهزم من غير المؤلفة أن العدو كانوا ضعفهم في العدد وأكثر من ذلك١.
وعند القسطلاني: "فاستقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قط من السواد والكثرة"٢.
وعند الزرقاني: "إنهم كانوا أضعاف المسلمين".
ثم قال: "وما وقع في البيضاوي والبغوي ونحوهما أن ثقيفا وهوازن كانوا أربعة آلاف إن صح فلا ينافيه لأنهم انضم إليهم من العرب ما بلغوا به ذلك، فقد مر أنهم أقاموا حولا يجمعون لحربه ﵇ لا أنهم باعتبار ما معهم من نساء ودواب يرون ضعفا وأضعاف المسلمين، وإن كانوا في نفس الأمر أربعة آلاف، لأن بعده لا يخفى؛ لأن فيه رد كلام الحفاظ الثقات الأثبات بلا دليل، فإن أربعة داخلة في الزائد فلا يصح رد الزائد إليها بهذا الحمل المتعسف الذي يأباه قول مالك بن عوف "تلقونه بعشرين ألف سيف". فإن البهائم لا سيوف معها٣.
وهذه الجموع الهائلة جمعها مالك بن عوف في وادي أوطاس٤، ثم أرسل عيونه إلى المسلمين ليعلم مدى قوتهم واستعدادهم لخوض المعركة.
٤٩- قال ابن إسحاق: وحدثني أمية٥ بن عبد الله بن عمرو بن عثمان أنه حدث: أن مالك بن عوف بعث عيونا من رجاله، فأتوه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! فقالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق٦ فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى، فو الله مارده ذلك عن وجهه أن مضى على ما يريد٧.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٢٩. (المواهب اللدنية ١/١٦٢) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٧، ١٠، ١١، ٢٠، ٢٢) . وانظر: (باشميل: غزوة حنين ص ٦٩- ٧٠، ٧٣- ٧٤، ٧٨، ٨٠، ١١٥- ١١٦، ١٢٥، ١٢٨، ١٣٩، ١٤٨- ١٤٩) . وانظر: (تفسير القرآن الكريم للبيضاوي ص٢٢١،وتفسير البغوي٣/٧٢مع الخازن) . ٤ انظر ص ٢٥٢ تعليقة (١) . ٥ قال فيه ابن أبي حاتم: سئل عنه أبي فقال: ما بحديثه بأس. (الجرح والتعديل ٢/٣٠١- ٣٠٢) . ٦ البلق - محركة - سواد وبياض كالبلقة - بالضم - وارتفاع التحجيل إلى الفخذين. (ابن منظور: لسان العرب ١١/٣٠٧، والفيروز آبادي: القاموس ٣/٢١٤) . (ابن هشام: السيرة ٢/٤٣٩) .
[ ١٢٣ ]
ومن هذه الطريق أخرجه الطبري١.
والحديث ضعيف، لأن أمية بن عبد الله لم يصرح بمن حدثه.
وعند الواقدي: "قال: بعث مالك بن عوف رجالا من هوازن ينظرون إلى محمد وأصحابه –ثلاثة نفر– وأمرهم أن يتفرقوا في المعسكر، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ما شأنكم ويلكم؟ ".
قالوا: رأينا رجالا بيضا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! وقالوا له: ما نقاتل أهل الأرض، إن نقاتل إلا أهل السموات - وإن أفئدة عيونه تخفق٢- وإن أطعتنا رجعت بقومك فإن الناس إن رأوا مثل ما رأينا أصابهم مثل الذي أصابنا.
قال: أف٣ لكم! بل أنتم قوم أجبن أهل العسكر، فحبسهم عنده فرقا٤ أن يشيع ذلك الرعب في العسكر، وقال: دلوني على رجل شجاع، فأجمعوا له على رجل فخرج ثم رجع إليه وقد أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟
قال: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى!
فلم يثنه٥ ذلك عن وجهه٦.
والحديث رواه الواقدي عن مشايخه مرسلا، وفيه الواقدي وقد وهنه العلماء، وقد تناقل العلماء هذه المسألة في مؤلفاتهم، وهي وإن لم تثبت من الناحية الحديثية، إلا أن الجواسيس والعيون لرصد المعلومات عن العدو وقدرته القتالية قبل القيام بالهجوم المباشر أمر متعارف عليه لدى القادة والرؤساء، وهو شيء يضعه كل قائد مسؤول في مقدمة خططه وحساباته واستعداداته لمواجهة خصمه٧.
_________________
(١) (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٢، وانظر: ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٢٣) . ٢ تخفق: تتحرك وتضطرب رعبا من هول ما رأت. (ابن الأثير: النهاية ١/٥٦، والفيروز آبادي: القاموس ٣/٢٢٧- ٢٢٨) . ٣ أف لكم: كلمة معناها التضجر، والمراد بها هنا الاحتقار. (ابن الأثير: النهاية ١/٥٥) . ٤ فرقا: أي خوفا. ٥ فلم يثنه: أي لم يرده ذلك عن عزمه وتصميمه. (المصباح المنير١/١٠٥و٢/٥٦٥) . (الواقدي: المغازي ٣/٨٩٢، وانظر: ابن سعد الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، وابن الأثير: الكامل ٢/١٧٨، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٦٧، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦١، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٧) . (باشميل: غزوة حنين ص١١١) .
[ ١٢٤ ]
المبحث الخامس: تبشير الرسول - ﷺ - أصحابه بالنصر، وبيان فضل الحراسة في سبيل الله:
لما سمع رسول الله - ﷺ - بان هوازن ومن شايعها من القبائل الأخرى حشدت قواها لضرب المسلمين، اهتم رسول الله - ﷺ - لذلك غاية لاهتمام، وأعد للموقف عدته.
فأمر أحد قواده أن يذهب إلى القوم ليعلم له ذلك، وليرصد له وجهتهم وقدراتهم القتالية، زيادة في التثبت في حقيقة الأمر.
فذهب ذلك الجندي لمهمته، فدخل في القوم فوجدهم على أتم استعداد لملاقاة المسلمين، قد جمعوا جموعهم بما فيهم النساء والذراري والأموال، فعاد مسرعا، فنقل لرسول الله - ﷺ - خبرهم، فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله. وهذا هو صريح حديث سهل١ بن الحنظلية عند أبي داود وغيره.
٥٠- وهذا سياقه عند أبي داود قال: حدثنا أبو توبة٢، أخبرنا معاوية٣ - يعني ابن سلام - عن زيد٤ - يعني ابن سلام – أنه سمع أبا سلام٥ قال: حدثني
_________________
(١) ١ سهل ابن الحنظلية، اختلف في اسم أبيه. والمشهور أن اسم أبيه: عمرو بن عدي بن زيد بن جشم بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسي. والحنظلية: أمه، وقيل: أم أبيه، وقيل: أم جده. شهد سهل بيعة الرضوان، وأحدا، والخندق والمشاهد كلها ما عدا بدرا، كان فاضلا كثير الصلاة والذكر، وكان عقيما لا يولد له، مات بدمشق في خلافة معاوية بن أبي سفيان ﵄. /بخ د س. (ابن حجر: التقريب ١/٣٣٦، وتهذيب التهذيب ٤/٢٥٠، والإصابة ٢/٨٦، وابن الأثير: أسد الغابة ٢/٤٦٩، وابن قدامة: الاستبصار في نسب الصحابة من الأنصار ص٢٣٩) . ٢ هو الربيع بن نافع، أبو توبة الحلبي، نزيل طرطوس، ثقة حجة، عابد، من العاشرة (ت ٢٤١) . /خ م د س ق. (ابن حجر: التقريب ١/٢٤٦) . ٣ معاوية بن سلام - بالتشديد - ابن أبي سلام، أبو سلام الدمشقي، وكان يسكن حمص، ثقة، من السابعة (ت في حدود ١٧٠) /ع. (المصدر السابق ٢/٢٥٩) . ٤ زيد بن سلام - أخو معاوية - ابن أبي سلام ممطور، الحبشي - بالمهملة والموحدة والمعجمة - ثقة من السادسة /بخ م عم. (المصدر السابق ١/٢٧٥) . ٥ أبو سلام هو ممطور الأسود الحبشي، أبو سلام - جد زيد ومعاوية - ثقة، يرسل، من الثالثة /بخ م عم. (المصدر السابق ٢/٢٧٣) .
[ ١٢٥ ]
السلولي١ أبو كبشة أنه حدثه سهل بن الحنظلية أنهم ساروا مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين فأطنبوا٢ السير حتى كان عشية٣ فحضرت٤ صلاة عند رسول الله - ﷺ - فجاء رجل٥ فارس فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة٦ آبائهم بظعنهم٧ ونعمهم وشائهم،
_________________
(١) ١ السلولي - بفتح مهملة وتخفيف اللام - أبو كبشة الشامي، ثقة من الثانية /خ د ت س. (المصدر السابق ٢/٤٦٥) . وقد وقع في التقريب من النسخة المصرية ذكر أبي كبشة السلولي من باب التمييز، والصواب ما أثبته كما في: (تهذيل الكمال٩/٦٨، وتهذيب التهذيب ١٢/٢١٠، والتقريب الطبعة الهندية ص٤٢٣، والكاشف للذهبي٣/٣٧٠، والخلاصة للخزرجي ٣/٢٣٩) . ٢ فأطنبوا في السير: أي بالغوا فيه وتبع بعض الإبل بعضا، يقال: أطنب في الكلام إذا بالغ فيه، وأطنبت الإبل إذا تبع بعضها بعضا في السير، وأطنب الريح إذا اشتدت في غبار. (ابن منظور: لسان العرب ٢/٥٠، والفيومي: المصباح المنير ٢/٤٤٩، والفيروز آبادي: القاموس المحيط ١/٩٨) . ٣ عشية: بالنصب على أنه خبر كان، واسمها محذوف، أي كان الوقت عشية. ٤ وعند الطبراني: وحضرت الصلاة. وعند الحاكم والبيهقي: فحضرت الصلاة، وعند البيهقي أيضا في الدلائل: فحضرت صلاة الظهر. ٥ قول: "رجل فارس"، أي راكب فرسا. وقال ابن حجر في فتح الباري ٨/٢٧: وهذا الرجل قد ورد عند ابن إسحاق من حديث جابر بن عبد الله ما يدل على أنه عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي. وقد تقدم حديث جابر المشار إليه. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي. ولفظه: "عن جابر - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصري من بني نصر وجشم، ومن سعد بن بكر، وأوزاع من بني هلال" الحديث. وفيه: "فلما سمع بهم رسول الله - ﷺ - بعث عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي، فقال: اذهب فأدخل في القوم حتى تعلم لنا من علمهم، فدخل فمكث فيهم يوما أو يومين، ثم أقبل فأخبره الخبر". الحديث. تقدم برقم (٢٣) . وصرح بهذا أيضا الحلبي في سيرته (٣/٦٣) . ٦ وعند ابن أبي عاصم والطبراني والحاكم والبيهقي "على بكرة أبيهم". قال ابن الأثير: هذه كلمة للعرب يريدون بها الكثرة وتوفر العدد، وأنهم جاءوا جميعا لم يتخلف منهم أحد، وليس هناك بكرة في الحقيقة، وهي التي يستقى عليها الماء، فاستعيرت في هذاالموضع. (النهاية١/١٤٩،وابن منظور: لسان العرب٥/١٤٧) . ٧ الظعن: النساء، واحدتها ظعينة، وأصل الظعينة: الراحلة التي يرحل ويظعن عليها، أي يسار عليها. وقيل للمرأة ظعينة، لأنها تظعن مع الزوج إذا ظعن، أو لأنها تحمل على الراحلة إذا ظعنت، وقيل للظعينة: المرأة في الهودج، ثم قيل للهودج بلا امرأة، وللمرأة بلا هودج: ظعينة. وجمع الظعينة: ظعن - بضم الظاء وسكون العين وتحريكها -، وظعائن، وأظعان. والنعم: بفتح العين وقد تسكن: الإبل والبقر والغنم، والنعم: جمع لا واحد له من لفظه. وشائهم: جمع شاة، والشاة الواحدة من الغنم، تقع على الذكر والأنثى، يقال لكل واحد شاة، وقيل: تكون الشاة من الضأن والمعز والظباء والبقر والنعام وحمر الوحش. (النهاية ٣/١٥٧، ولسان العرب ١٦/٦٤، ١٧/١٤١، ٤٠٤، والمصباح المنير ١/٣٨٩، ٢/٤٥٦، والقاموس المحيط ٤/١٨٢، ٢٨٧، ٢٤٥) .
[ ١٢٦ ]
اجتمعوا١ إلى حنين فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله.
ثم قال: من يحرسنا الليلة؟ ٢.
قال أنس٣ بن أبي مرثد٤ الغنوي: أنا يا رسول الله، قال: فاركب، فركب فرسا له، وجاء إلى رسول الله - ﷺ -، فقال له رسول الله - ﷺ -: "استقبل٥ هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا نغرن٦ من قبلك الليلة، فلما أصبحنا"٧ خرج رسول الله - ﷺ - إلى مصلاه فركع ركعتين، ثم قال: "هل أحسستم٨ فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله ما أحسسناه، فثُوّب٩ بالصلاة، فجعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو
_________________
(١) ١ وعند البيهقي: متوجهون إلى حنين. وكذا عند الحاكم. ٢ وعند الحاكم والبيهقي: "قال رسول الله - ﷺ: ألا رجلا يكلأنا الليلة؟ ". ٣ هو: أنس بن أبي مرثد الغنوي، يعود نسبه إلى قيس عيلان. وقيل فيه: "أنيس" بالتصغير، يكنى أبا يزيد. اختلف في اسم أبيه، وفي سياق نسبه. فنسبه بعضهم للأنصار لحلف كان بينهم. قال ابن الأثير: وليس هذا من الأنصار في شيء، وإنما هو غنوي حليف حمزة بن عبد المطلب. (انظر سيرة ابن هشام ١/٦٧٨، ٢/١٦٩- ١٧٠، والاستيعاب لابن عبد البر ١/٦١، ٣/٤٢٩ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير١/١٥٣، ١٥٩، ٤/٥٠٠، ٥/١٣٧، والإصابة لابن حجر١/٧٣، ٣/٣٠٧، ٤/١٧٧، والتاريخ الكبير للبخاري ٢/٣٠، وتحفة الأشراف للمزي ٣/٣٢٠) . ٤ مرثد - بمفتوحة وسكون راء ومثلثة - وزن جعفر. (انظر: الإصابة لابن حجر ٣/٣٠٧، والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٠) . ٥ وعند البيهقي: "انطلق إلى هذا الشعب حتى تكون في أعلاه، ولا تنزلن إلا مصليا أو قاضي حاجة". ٦ قوله: ولا نغرن: بصيغة المتكلم مع الغير على البناء للمفعول، من الغرور، وفي آخره نون ثقيلة، أي لا يجيئنا العدو من قبلك على غفلة منك. وقد وردت هذه الفظة بالتاء والياء والفعل في الجميع مؤكد ومبني للمفعول. (عون المعبود ٧/١٧٩- ١٨٠) . ٧ وعند ابن أبي عاصم: "فلما أصبحت". وعند البيهقي:"فلما كان الغد خرج رسول الله - ﷺ - يصلي". ٨ وعند ابن أبي عاصم والطبراني والبيهقي: "هل حسستم فارسكم؟، فقال رجل: يا رسول الله، ما حسسناه". ٩ فثوب بالصلاة: بالبناء للمفعول، وعند أبي داود في كتاب الصلاة من هذا الطريق، ومن طريقه أخرجه البيهقي في كتاب الصلاة عن أبي سلام قال حدثني السلولي عن سهل بن الحنظلية قال: ثوب بالصلاة - يعني صلاة الصبح - والمعنى: أقيمت الصلاة.
[ ١٢٧ ]
يتلفت١ إلى الشعب حتى إذا قضى صلاته وسلم فقال: "أبشروا فقد جاءكم فارسكم"٢، فجعلنا ننظر إلى خلال٣ الشجر في الشعب، فإذا هو قد جاء حتى وقف على رسول الله - ﷺ - وقال: إني انطلقت حتى كنت في أعلى هذا الشعب، حيث أمرني رسول الله - ﷺ -، فلما أصبحت٤ اطلعت الشعبين كليهما فلم أر أحدا، فقال رسول الله - ﷺ -: هل نزلت٥ الليلة؟ قال: لا، إلا مصليا أو قاضيا حاجة٦، فقال له رسول الله - ﷺ -: "قد أوجبت٧ فلا عليك أن لا تعمل بعدها "٨.
_________________
(١) ١ وعند أبي داود في كتاب الصلاة، والبيهقي من طريقه: "فحعل رسول الله - ﷺ - يصلي وهو يلتفت إلى الشعب، وقد كان أرسل فارسا إلى الشعب من الليل يحرس". وعند ابن أبي عاصم: "فجعل رسول الله - ﷺ - وهو يصلى يلتفت إلى الشعب". وعند الطبراني: "فجعل رسول الله - ﷺ - وهو في الصلاة يلتفت إلى الشعب". والحديث فيه جواز الالتفات في الصلاة ما لم يلو عنقه خلف ظهره. ويدل لذلك أيضا ما أخرجه الحاكم في المستدرك ١/٢٣٦- ٢٣٧ عن عكرمة، عن ابن عباس - ﵄ - قال: "كان رسول الله - ﷺ - يلتفت في صلاته يمينا وشمالا ولا يلوي عنقه خلف ظهره". ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط البخاري ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي. ثم قال: قد اتفقا على إخراج حديث أشعث بن أبي الشعثاء عن أبيه، عن مسروق، عن عائشة - ﵂ - قالت: سألت رسول الله - صلى اله عليه وسلم - عن الالتفات في الصلاة، فقال: "هو اختلاس يختلسه الشيطان من صلاة العبد". ثم قال: وهذا الالتفات غير ذاك، فإن الالتفات المباح أن يلحظ بعينه يمينا وشمالا، ثم أورد حديث الباب شاهدا لحديث ابن عباس. وأورد الحازمي: حديث ابن عباس ثم قال: تفرد به الفضل بن موسى عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند متصلا، وأرسله غيره عن عكرمة، ثم قال: وقد ذهب بعض أهل العلم إلى جواز الالتفات في الصلاة ما لم يلو عنقه، وإليه ذهب عطاء ومالك وأبو حنيفة وأصحابه والأوزاعي وأهل الكوفة، ثم أورد حديث الباب شاهدا لهم، ثم قال: وقال من ذهب إلى حديث ابن عباس هذا الحديث لا يناقض حديث سهل بن الحنظلية، لاحتمال أن الشعب كان في جهة القبلة، وكان ﷺ يلتفت إلى الشعب ولا يلوي عنقه، ثم ذكر من قال بالمنع مطلقا ومن قال بالكراهة، والمسألة خلافية. (الحازمي: الاعتبار ص٦٦، وعون المعبود ٣/١٨٤- ١٨٥) . ٢ عند الحاكم والبيهقي: "إن فارسكم قد أقبل" ٣ عند الحاكم: "فجعلنا ننظر إلى ظل الشجرة". ٤ وعند البيهقي: "فلما أصبحنا طلعت على الشعبين". ٥ عند ابن أبي عاصم: "أنزلت الليلة؟ ". وعند الطبراني والحاكم والبييهقي: "نزلت الليلة؟ "، بإسقاط أداة الاستفهام. وعن الحاكم والبيهقي: "لعلك نزلت". ٦ في بعض الألفاظ: "أو قاضي حاجة" بالإضافة. ٧ قوله:"قد أوجبت" أي علمت عملا يوجب لك الجنة، فلا ضرر ولا جناح عليك في ترك العمل بعد هذه الحراسة لأنها تكفيك لدخول الجنة. (عون المعبود٧/١٨٠) . قلت: وهذا كقول رسول الله - ﷺ - في أهل بدر: "لعل الله اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم". ولكن الصحابة رضوان الله عليهم قابلوا هذا بالشكر والمواظبة على الأعمال الصالحة ومواصلة الجهاد في سبيل الدعوة إلى الله حتى آخر لحظة من حياتهم، ولم يكن للاتكال سبيل إلى نفوسهم لكمال معرفتهم بدينهم وعظيم خشيتهم من ربهم. ٨ أبو داود: (السنن ١/٢١٠)، كتاب الصلاة، باب الرخصة في الالتفات في الصلاة، ٢/٩ كتاب الجهاد، باب في فضل الحراسة في سبيل الله ﷿.
[ ١٢٨ ]
والحديث أخرجه النسائي في "السنن الكبرى". والبخاري في "التاريخ". وابن أبي عاصم والطبراني. والحاكم والبيهقي والحازمي مختصرا ومطولا، الجميع من طريق معاوية بن سلام الدمشقي به١.
وقال الحاكم: هذا الإسناد من أوله إلى آخره صحيح على شرط الشيخين غير أنهما لم يخرجا مسانيد سهل بن الحنظلية لقلة رواية التابعين عنه وهو من كبار الصحابة. ووافقه الذهبي.
وأورده الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة وقال: أخرجه أبو داود والحاكم من طريق أبي توبة الربيع بن نافع الحلبي، ثنا معاوية بن سلام به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي، وهو كما قالا٢.
والحديث يدل على اهتمام الرسول - ﷺ - البالغ بمعرفة أعدائه، حيث كان يتابع تحركاتهم ويرقب سيرهم حتى يكون على بصيرة وخبرة بما يدبرون ضده من مؤامرات، وفيه معجزة نبوته حيث أخبر الرسول - ﷺ - أن ما حشدته هوازن من قوة ستكون غنيمة للمسلمين، وقد وقع ما أخبر به ﵊.
وفيه منقبة عظيمة لأنس بن أبي مرثد الغنوي، وفضل الحراسة في سبيل الله ﷿.
وفيه تسابق الصحابة وحرصهم على ما فيه نفع للمسلمين وخدمة لدينهم وامتثال أمر نبيهم - ﷺ -. ودقة التزامهم بأوامره - ﷺ -. فلم يبرح أنس موضعه إلا في حدود
_________________
(١) ١ انظر: تحفة الأشراف للمزي ٤/٩٥ حديث (٤٦٥٠) . والتاريخ الكبير للبخاري ٢/٣٠، وكتاب الجهاد لابن أبي عاصم ص٥٠ ضمن مجموعة (٢٧) ورقمه العام (٥٣٥) . و(المعجم الكبير للطبراني ٦/١١٥- ١١٦) . و(المستدرك للحاكم ١/٢٣٧، ٢/٨٣- ٨٤) . (السنن الكبرى للبيهقي ٢/٧، ١٣، ٣٤٨، ٩/١٤٩) . و(دلائل النبوة ٣/٤٣ب) . ٢ المجلد الأول، حديث رقم (٣٧٨) وتحقيق لأحاديث مشكاة المصابيح حاشية ٣/١٦٦٨.
[ ١٢٩ ]
الرخصة التي أذن له فيها رسول الله - ﷺ -. وهكذا يكون الاتباع والامتثال بالوقوف عند أوامر الشرع ففيها الفلاح والصلاح.
[ ١٣٠ ]
المبحث السادس: بقايا من رواسب الجاهلية:
في السنة الثامنة من الهجرة النبوية دخل رسول الله - ﷺ - مكة فاتحا وتم الاستيلاء عليها.
ثم وجه عنايته إلى حنين لمواجهة هوازن المتجمعة هناك، التي غاظها هذا الفتح العظيم، فخرج - ﷺ -، وخرج معه بعض الكفار من أهل مكة الذين لم يدخلوا في الإسلام، وأعطاهم رسول الله - صلى الله عليه - وسلم الأمان، وخرج معه أيضا بعض مسلمة الفتح الذين كانوا حديثي عهد بالإسلام، وكان منهم من بقي فيه بقية من أمر الجاهلية لقرب عهدهم بها.
فبينما هم يسيرون مع رسول الله ﷺ إلى حنين مروا بشجرة للمشركين يقال لها ذات أنواط يعلقون عليها أسلحتكم يتبركون بها، فتنادوا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط.
يوضح هذا الموقف حديث أبي واقد الليثي عند الترمذي وغيره، وهذا سياقه عند الترمذي قال:
٥١- حدثنا سعيد١ بن عبد الرحمن المخزومي، أخبرنا سفيان٢، عن الزهري٣، عن سنان٤ بن أبي سنان، عن أبي واقد الليثي٥: "أن رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) ١ سعيد بن عبد الرحمن بن حسان، أبو عبد الله المخزومي، ثقة من صغار العاشرة (ت ٢٤٩) /ت س. (التقريب ١/٣٠٠) . وفي تهذيب التهذيب ٤/٥٥: وهو ثقة في ابن عيينة. وانظر الخلاصة للخزرجي ١/٣٨٣. ٢ سفيان بن عيينة بن أبي عمران ميمون الهلالي، أبو محمد، الكوفي، ثم المكي، ثقة حافظ فقيه إمام حجة، إلا أنه تغير بآخره، وربما دلس، لكن عن الثقات، من رؤوس الطبقة الثامنة، وكان أثبت الناس في عمرو بن دينار (ت ١٩٨) /ع. (التقريب ١/٣١٢، وتهذيب التهذيب ٤/١١٧- ١٢٢) ٣ هو محمد بن مسلم، تقدم في الحديث (٣٢) . ٤ سنان بن أبي سنان الديلي - نسبة في دؤلي - المدني، ثقة من الثالثة (ت ١٠٥) /خ م ت س. (التقريب ١/٣٣٤، وتهذيب التهذيب ٤/٢٤٢) . ٥ أبو واقد الليثي الكناني، اختلف في اسمه فقيل: الحارث بن مالك، وقيل: الحارث ابن عوف، وقيل: عوف بن الحارث. كما اختلف أيضًا في وقت ميلاده، وفي وقت إسلامه. قال ابن حجر: وقد نص الزهري على أنه أسلم يوم الفتح وأسند ذلك عن سنان ابن أبي سنان الدؤلي، أخرجه ابن مندة بسند صحيح إلى الزهري، ثم قال ابن حجر: وهذا هو الصحيح. إهـ. قال ابن الأثير: وهو يؤيد هذا القول: "إخباره عن نفسه أنه كان مع النبي - ﷺ - بحنين قال: ونحن حديثو عهد بكفر". ثم قال ابن الأثير: مات أبو واقد سنة (٦٨) /ع. (الاستيعاب ٤/٢١٥- ٢١٦، وأسد الغابة ١/٤٠٩، ٣٢٥، وتهذيب الكمال للمزي ٩/٨٢٨، والكاشف للذهبي ٣/٣٨٧، والإصابة ٤/٢١٥- ٢١٦، وتهذيب التهذيب ١٢/٢٧٠، والخلاصة للخزرجي ٣/٢٥٢، ووقع في التقريب ٢/٤٨٢ الطبعة المصرية، والتقريب الطبعة الهندية ص٤٣١ (بخ) وهو خطأ. والصواب أنه أخرج له (ع) .
[ ١٣٠ ]
لما خرج١ إلى حنين مرّ بشجرة٢ للمشركين يقال لها "ذات أنواط"٣ يعلقون عليها أسلحتهم، قالوا٤: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، فقال النبي ﷺ: "سبحان الله"٥ كما قال قوم موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، والذي نفسي
_________________
(١) ١ عند أحمد والطبري: "أنهم خرجوا من مكة مع رسول اللهـ ﷺ - إلى حنين". وعند ابن إسحاق: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية". وعند الطبراني: "ونحن حدثاء عهد بكفر، ونحن حديثو عهد بكفر بجاهلية". ٢ وعند الطبري: فمررنا بسدرة، قلت: يا نبي الله اجعل لنا هذه ذات أنواط كما للكفار ذات أنواط، وكان الكفار ينوطون سلاحهم بسدرة يعكفون بها. وعنده أيضا: فمررنا بسدرة خضراء عظيمة، قال: فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط. وعند ابن إسحاق والواقدي والطبراني: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء، يقال لها ذات أنوات يأتونها كل سنة، فيعلقون أسلحتهم عليها، ويذبحون عندها، ويعكفون عليها يوما، قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله - ﷺ - سدرة خضراء عظيمة فتنادينا من جنبات الطريق: يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. لفظ الواقدي: "فرأينا شجرة عظيمة خضراء فسترتنا من جانب الطريق، فقلنا يا رسول الله: اجعل لنا ذات أنواط الخ". وعند الطبراني: ونحن حديثو عهد بكفر وكانوا أسلموا يوم الفتح فانتهينا إلى شجرة كان المشركون يعلقون عليها أسلحتهم، يعكفون عندها في السنة، يقال لها ذات أنواط. وعنده أيضا: يأتونها كل عام فيعلقون بها أسلحتهم ويريحون تحتها. ٣ ذات أنواط: هي اسم شجرة بعينها كانت للمشركين ينوطون بها سلاحهم، أي يعلقونها بها، ويعكفون حولها، وأنواط جمع نوط وهو مصدر سمي به المنوط. (ابن الأثير: النهاية ٥/١٢٨) . ٤ عند أحمد والطبري والطبراني: فقلنا: يا رسول الله. وعند الطبري: قلت: يا نبي الله. وعند الطبراني: فقلت: أي رسول الله. ٥ وعند ابن إسحاق والطبرا"ي: "الله أكبر، قلتم، والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى الخ". وعند الطبري والطبراني: "الله أكبر، هذا كما قالت بنو إسرائيل لموسى". وعند الواقدي: " الله أكبر الله أكبر".
[ ١٣١ ]
بيده لتركبن١ سنة من كان قبلكم" ٢.
والحديث أخرجه: النسائي، وأحمد، وابن أبي حاتم، والطبري، وأبو يعلى، والطبراني، وعبد الرزاق، والبيهقي، والواقدي، وابن إسحاق، كلهم من طريق الزهري، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي به٣.
والحديث رجاله ثقات.
وقال الترمذي بعد إخراجه: هذا حديث حسن صحيح.
وفي الباب عن أبي سعيد٤، وأبي هريرة.
_________________
(١) ١ قوله: "لتركبن سنة من كان قبلكم". قال المباركفوري: تركبن - بضم الموحدة - والمعنى: للتتبعن. والسنة: الطريقة حسنة كانت أو سيئة، والمراد هنا طريقة أهل الأهواء والبدع التي ابتدعوها من تلقاء أنفسهم بعد أنبيائهم من تغيير دينهم وتحريف كتابهم، كما أتى على بني إسرائيل حذو النعل بالنعل. (تحفة الحوذي ٦/٤٠٨) . وقال النووي: المراد: الموافقة في المعاصي والمخالفات، لا في الكفر. وفي هذا معجزة ظاهرة لرسول الله ﷺ فقد وقع ما أخبر به ﷺ. (شرح صحيح مسلم ٥/٥٢٥) . وعند أحمد: "إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم سنة سنة". وعند الطبري والطبراني: "إنكم ستركبون سنن الذين من قبلكم". ٢ الترمذي: (السنن٣/٣٢١-٣٢٢)،كتاب القدر، باب لتركبن سنن من كان قبلكم. ٣ النسائي: في السنن الكبرى (تحفة الأشراف للمزي ١١/١١٢ حديث (١٥٥١٦) . وأحمد: (المسند ٥/٢١٨، وابن أبي حاتم: التفسير ٣/٣٥٦- ٣٥٧ أ - ب رقم ٢٨٠، والطبري: جامع البيان ٩/٤٥- ٤٦، وأبو يعلى: المسند ٢/١٦١ أرقم ٣٠٢، والطبراني: المعجم الكبير ٣/٢٧٥- ٢٧٦، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٣ أ - ب، وعبد الرزاق: المصنف ١١/٣٧٩، والواقدي: المغازي ٣/٨٩٠- ٨٩١) . (وسيرة ابن هشام ٢/٤٤٢ إلاّ أن فيها: قال ابن إسحاق: وحدثني ابن شهاب، عن سنان بن أبي سنان الدؤلي، عن أبي واقد الليثي، أن الحارث بن مالك قال: خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين الخ". فقوله: (عن أبي واقد الليثي أن الحارث بن مالك) يوهم أنهما اثنان. والصواب: إسقاط "أن" لأن الحارث بن مالك هو أبو واقد الليثي. كما تقدم ذلك في ترجمته ص١٣٠. ٤ حديث أبي سعيد أخرجه البخاري في الصحيح ٤/١٣٥ كتاب الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ٩/٨٣ كتاب الاعتصام، باب قول النبي ﷺ (لتتبعن سنن من كان قبلكم) . ومسلم: الصحيح ٤/٢٠٥٤ كتاب العلم، باب اتباع سنن اليهود والنصارى. وأحمد: المسند ٢/٣٢٧، ٣/٨٤، ٨٩، ٩٤. ولفظه عند البخاري: أن النبي - ﷺ - قال: "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو سلكوا جحر ضب لسلكتموه، قلنا يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: "فمن". وحديث أبي هريرة أخرجه البخاري في الصحيح ٩/٨٣ كتاب الاعتصام باب لتتبعن سنن من كان قبلكم. وابن ماجة: (السنن ٢/١٣٢٢)، كتاب الفتن، باب افتراق الأمم. وأحمد: (المسند ٢/٤٥٠، ٥١١، ٥٢٧)، ولفظه قريب من حديث أبي سعيد.
[ ١٣٢ ]
وأورده الألباني، ثم قال: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين، ثم نقل قول الترمذي فيه، وقال: وقواه ابن القيم في "إغاثة اللهفان" وعزاه في مكان آخر للبخاري في "صحيحه"، وهذا وهم منه - ﵀ - فليس هو في "الصحيح" ولم يعزه النابلسي في "الذخائر" - للترمذي. وأورده ابن كثير في تفسيره من طريق ابن جرير وأحمد فقط، وكأنه ذهل من كونه في "الترمذي" أحد الستة، وإلا لما أبعد النجعة١. أهـ.
قلت: وعزاه المزي في "تحفة الأشراف" للترمذي والنسائي في الكبرى دون البخاري٢.
والحديث يبين:
أ- أن المجتمع الجاهلي وصل إلى الدرك الأسفل في فساد الاعتقاد والجهل بحقائق التوحيد والبعد عن المنهج السوي.
ب- كما يدل على أن تعليق الأسلحة على ذات أنواط هذه مع أن ظاهره لا شيء فيه تابع للباعث عليه وهو الاعتقاد، ولذلك اعتبر هذا الفعل اتخاذ إله من دون الله كما أنكر عليهم رسول الله - ﷺ - بقوله: قلتم كما قالت بنو إسرائيل لموسى اجعل لنا إله كما لهم آلهة.
جـ- فيه معجزة نبوية حيث أخبر - ﷺ - بأن أمته ستتبع سنن الأمم الماضية، وقد وقع ما أخبر به - ﷺ -، وما يشاهد في حياة المسلمين اليوم من انحراف وتقليد وتبعية في مختلف جوانب الحياة دليل ظاهر على هذه المعجزة.
_________________
(١) ١ الألباني: حجاب المرأة المسلمة ص١٠٣. وانظر: إغاثة اللهفان ١/٢٠٥، ٢/٣٠٠، وذخائر المواريث ٤/١٥٦ حديث (١٠٤٦١)، وتفسير ابن كثير ٢/٢٤٣. (تحفة الأشراف ١١/١١٢ حديث (١٥٥١٦) . وفي دليل القارئ إلى مواضع الحديث في صحيح البخاري ص٢١٩ ساق مؤلفه عبد الله الغنيمان لأبي واقد الليثي حديثا واحدا عند البخاري، وليس هو حديث "ذات أنواط".
[ ١٣٣ ]
د- فيه تحذير شديد من اتباع أهل الأهواء والزيغ من الأمم الماضية من اليهود والنصارى وغيرهم.
هـ- وفيه أيضا بيان جهالة بني إسرائيل وغباوتهم وشدة تعنتهم فقد من الله عليهم فأخرجهم من تحت سيطرة فرعون وقومه وأغرق عدوهم في البحر وهم يشاهدون بأم أعينهم، وجعل لهم البحر أرضا صلبة فعبروا ولم يغرق منهم أحد، ثم بعد ذلك كان منهم ما قصه الله ﷾ علينا فقال تعالى: ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾، [سورة الأعراف، الآية: ١٣٨] .
قال ابن كثير: يخبر الله تعالى عمّا قاله جهلة بني إسرائيل لموسى ﵇ حين جاوزا البحر وقد رأوا من آيات الله وعظيم سلطانه ما رأوا، فمروا على قوم يعكفون على أصنام لهم، قال بعض المفسرين: كانوا من الكنعانيين، وقيل: من لخم، وكانوا يعبدون أصناما على صور البقر، فقالوا يا موسى اجعل لنا إلها كما لهم آلهة، قال إنكم قوم تجهلون. أي تجهلون عظمة الله وجلاله وما يجب أن ينزه عنه من الشريك والمثيل١.
وقال الشوكاني: وصفهم بالجهل لأنهم قد شاهدوا من آيات الله ما يزجر من له أدنى علم عن طلب عبادة غير الله، ولكن بني إسرائيل أشد خلق الله عنادا وجهلا وتلونا٢.
_________________
(١) (ابن كثير: التفسير٢/٢٤٢-٢٤٣وانظر: إغاثة اللهفان لابن قيم الجوزية١/٢٠٥،٢١١) . (فتح القدير ٢/٢٤٠) .
[ ١٣٤ ]
المبحث السابع: بيان من قال في هذه الغزوة "لن نغلب اليوم من قلة":
اختلفت الآثار الواردة في هذا المقام في "القائل" يوم حنين: "لن نغلب اليوم من قلة".
أ- فعند الواقدي أن قائل ذلك هو أبو بكر الصديق - ﵁ - وهذا سياقه:
٥٢- قال: حدثني إسماعيل١ بن إبراهيم، عن موسى٢ بن عقبة، عن الزهري٣، عن سعيد بن المسيب، قال: قال أبو بكر الصديق - رضي الله - عنه: يا رسول الله، لا نغلب اليوم من قلة، فأنزل الله ﷿ في ذلك ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ﴾ . [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] الآية٤. والحديث منقطع، لأن سعيدا لم يدرك أبا بكر، وفيه الواقدي متروك٥.
ب- وعند البزار٦ من طريق علي بن عاصم، ثنا سليمان٧ التيمي، عن
٥٣- أنس بن مالك قال: "قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إلاّ أن لقينا عدونا فانهزم القوم ". الحديث٨.
_________________
(١) ١ إسماعيل بن إبراهيم بن عقبة الأسدي، مولاهم، أبو إسحاق المدني، ثقة تكلم فيه بلا حجة، من السابعة، مات في خلافة المهدي. /خ تم س. (التقريب ١/٦٥، وتهذيب التهذيب ١/٢٧٢) . ٢ موسى بن عقبة بن أبي عياش - بتحتانية ومعجمة - الأسدي، مولى آل الزبير، ثقة فقيه إمام في المغازي، من الخامسة، لم يصح أن ابن معين لينه، (ت ٤١)، وقيل: بعد ذلك./ع. (التقريب٢/٢٨٦، وتهذيب التهذيب١٠/٣٦٠) . ٣ تقدمت ترجمة الزهري في حديث (٣٢)،وسعيد بن المسيب في حديث (٣٦) . (مغازي الواقدي ٣/٨٩٠، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٠، والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٢٢) . (التقريب ٢/١٩٤) . ٦ البزار: هو الحافظ العلامة أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق البصري، صاحب المسند الكبير المعلل (ت ٢٩٢) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦٥٣- ٦٥٤) . ٧ سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري، نزل في تيم فنسب إليهم ولم يكن منهم، ثقة عابد، من الرابعة (ت ١٤٣) . /ع. (التقريب ١/٣٢٦، وتهذيب التهذيب ٤/٢٠١) . (الهيثمي: كشف الأستار عن زوائد البزار ٢/٣٤٦- ٣٤٧) . وذكر ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٣٢٢ "أن أول من انهزم بنو سليم، ثم أهل مكة، ثم بقية الناس".
[ ١٣٥ ]
قال البزار: لا نعلم أحدًا رواه بهذا اللفظ إلاّ سليمان التيمي عن أنس، ولا عن سليمان إلاّ علي بن عاصم، وعلي صدوق سيء الحفظ١.
وقال الهيثمي: فيه علي بن عاصم بن صهيب، وهو ضعيف لكثرة غلطه وتماديه فيه، وقد وثق، وبقية رجاله ثقات٢.
وقال ابن حجر: وهذا المتن الذي رواه منكر، وفيه مخالفة في مواضع لما رواه الثقات٣.
وفي الفتح حسن منه القدر المتعلق بقتل دريد بن الصمة فقال: وروى البزار في مسند أنس بإسناد حسن ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو: الزبير بن العوام٤.
وتبعه الزرقاني٥.
جـ- وعند البيهقي من طريق يونس بن بكير عن أبي جعفر عيسى الرازي، عن الربيع أن رجلا٦ قال يوم حنين: لن نغلب اليوم من قلة، فشق ذلك على رسول الله - ﷺ -، فأنزل الله تعالى ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . الحديث٧.
د- وعند ابن إسحاق قال: وزعم بعض الناس أن رجلا من بني بكر قال ذلك٨.
هـ- وعنده أيضا قال:
٥٤- حدثني بعض أهل مكة أن رسول الله - ﷺ -، قال – حين فصل من مكة إلى حنين، ورأى كثرة من معه من جنود الله -: "لن نغلب اليوم من قلة" ٩.
_________________
(١) ١ انظر: ترجمة علي بن عاصم. (التقريب ٢/٣٩، وتهذيب التهذيب ٧/٣٤٤-٣٤٨) . (مجمع الزوائد ٦/١٧٨- ١٧٩) . (مختصر زوائد مسند البزار ص٢٤٩- ٢٥٠ رقم ٨١٦) . (فتح الباري ٨/٤٢) . (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٣) . ٦ قال الزرقاني: هو غلام من الأنصار، كما في حديث أنس عند البزار، وقيل: هو مسلمة بن وقش، وقيل: هو رجل من بني بكر. حكاه ابن إسحاق. (شرح المواهب ٣/٩) . ولم أجد هذا الاسم في الإصابة، وإنما الموجود سلمة بن سلامة بن وقش الأشهلي الأنصاري، فالله أعلم. (انظر: الإصابة ٢/٦٥) . ٧ تقدم تخريجه برقم (٤٤) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٤) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٤) .
[ ١٣٦ ]
وهذا الحديث لولا وجوده في سيرة "ابن هشام" المتداولة بين الناس وخشية أن يغتر به بعض من لا دراية له بعلم الحديث لما أوردته، وذلك أن معرفة رسول الله - ﷺ - بربه وخشيته منه ومقامه الرفيع وتواضعه لله، كل ذلك يجعل المسلم يستبعد صدور هذا القول منه - ﷺ - ١.
مع أن هذا الحديث لم يثبت، فلا ينبغي لمسلم نسبته إليه - ﷺ.
وقد ورد عند الدارمي، وأحمد، والطبري، ما يبطل هذا الحديث ويبين كيف كان موقف رسول الله - ﷺ - يوم حنين، وهذا سياق الحديث عن الدارمي قال:
٥٥- أخبرنا حجاج٢ بن منهال، ثنا حماد٣، عن ثابت٤، عن عبد الرحمن٥ بن أبي ليلى، عن صهيب٦: أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو أيام حنين: "اللهم بك أحاول٧، وبك أصاول، وبك أقاتل" ٨.
ورواه أحمد والطبري والبيهقي كلهم من طريق حماد بن سلمة، ثنا ثابت به ولفظه: "أن رسول الله - ﷺ - كان أيام حنين يحرك شفتيه بعد صلاة الفجر بشيء لم نكن نراه يفعله، فقلنا يا رسول الله: إنا نراك تفعل شيئا لم تكن تفعله، فما هذا الذي تحرك
_________________
(١) ١ انظر: (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٩) . ٢ حجاج بن منهال الأنماطي، أبو محمد السلمي، مولاهم، البصري، ثقة فاضل، من التاسعة، (ت٢١٦) . /ع. (التقريب١/١٤٥، وتهذيب التهذيب٢/٢٠٦-٢٠٧) . ٣ حماد: هو ابن سلمة ثقة عابد، تقدم في حديث (٣٦) . ٤ ثابت بن أسلم البناني-بضم الموحدة ونونين مخففين-أبو محمد البصري، ثقة عابد، من الرابعة، مات بضع وعشرين ومائة./ع. (التقريب١/١١٥،وتهذيب التهذيب٢/٢-٤) . ٥ عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري المدني، ثم الكوفي، ثقة من الثانية، اختلف في سماعه من عمر، مات بوقعة الجماجم سنة (٨٦)، وقيل: غرق. /ع. (التقريب ١/٤٩٦، وتهذيب التهذيب ٦/٢٦٠) . ٦ صهيب بن سنان، أبو يحيى الرومي، أصله من النمر بن قاسط، ويقال: كان اسمه عبد الملك، وصهيب لقب. صحابي شهير (ت ٣٨) في خلافة علي، وقيل: قبل ذلك. (التقريب ١/٣٧٠، وتهذيب التهذيب ٤/٤٣٨) . ٧ قوله "اللهم بك أحاول الخ" أي بحولك وقوتك وعونك ونصرك، أقاتل أعداءك وأسطو عليهم وأقهرهم، وأنازلهم حتى لا يبقى إلا مسلم أو مسالم، مستمدا منك وحدك العون ودفع ضرر العدو وكدهم. (انظر: النهاية لابن الأثير ١/٤٦٢-٤٦٣، ٣/٦١، وعون المعبود ٧/٢٩٦ لشمس الحق العظيم آبادي، وتحفة الأحوذي للمباركفوري ١٠/٤٤) . (سنن الدارمي ٢/١٣٥)، كتاب السير، باب في الدعاء عند القتال.
[ ١٣٧ ]
شفتيك؟ قال: إن نبيا فيمن كان قبلكم أعجبته كثرة أمته فقال: لن يروم١ هؤلاء شيء، فأوحى الله إليه أن خير أمتك في إحدى ثلاث: إما أن نسلط عليهم عدوا من غيرهم فيستبيحهم، أو الجوع، وإما أن أرسل عليهم الموت. فشاورهم فقالوا: أما العدو فلا طاقة لنا بهم، وأما الجوع فلا صبر لنا عليه، ولكن الموت، فأرسل عليهم الموت فمات منهم في ثلاثة أيام سبعون ألفا.
قال رسول الله - ﷺ -: فأنا أقول الآن - حيث رأى كثرتهم -: "اللهم بك أحاول، وبك أصاول، وبك أقاتل".
ورواه من طريق عفان، وعبد الرحمن٢ بن مهدي، ثنا سليمان٣ بن المغيرة قال: ثنا ثابت به. وليس فيه لفظ "حنين"٤.
ورواه الترمذي مطولا من طريق معمر عن ثابت، مشتملا على قصة أصحاب الأخدود دون لفظ "حين"٥، ورواه مسلم من طريق ثابت بقصة أصحاب الأخدود فقط٦.
_________________
(١) ١ لن يروم هؤلاء شيء: أي لن يكافئ، أو لن يقوم لهؤلاء شيء. كما هو مصرح به في رواية أحمد الثانية من طريق عفان، وعبد الرحمن بن مهدي. ٢ عبد الرحمن بن مهدي بن حسان العنبري مولاهم، أبو سعيد البصري، ثقة ثبت عارف بالرجال والحديث. قال ابن المديني: ما رأيت أعلم منه، من التاسعة (ت ١٩٨) وهو ابن (٧٣) سنة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٤٩٩، والتهذيب ٦/٢٧٩) . ٣ سليمان بن المغيرة القيسي مولاهم، البصري أبو سعيد، ثقة، من السابعة، (ت ١٦٥) . /ع. أخرج له البخاري مقرونا وتعليقا. (التقريب ١/٤٣٠، والتهذيب ٤/٢٢٠) . ٤ أحمد: (المسند ٤/٣٣٢ و٣٣٣ و٦/١٦- ١٨) . والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٥٣، والطبري: تهذيب السنن والآثار، حديث (١٥٩ و١٦٠) . وعند أحمد أيضا: "من حديث علي - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا أراد سفرا قال: "بك الله أصول وبك أجول وبك أسير" (١/٩٠، ١٥١) . وعنده أيضا، وعند أبي داود، والترمذي من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: كان رسول الله - ﷺ - إذا غزا قال: "اللهم أنت عضدي ونصيري، بك أجول وبك أصول وبك أقاتل". لفظ أبي داود. (أحمد: المسند٣/١٨٤،وأبو داود: السنن٢/٤٠ كتاب الجهاد، باب مما يدعى عند اللقاء، والترمذي: السنن٥/ ٢٣١كتاب الدعوات، باب في فضل لاحول ولا قوة إلا بالله) . (سنن الترمذي ٥/١٠٧، أبواب التفسير، تفسير سورة البروج) . (صحيح مسلم٤/٢٢٩٩ كتاب الزهد والرقاق، باب قصة أصحاب الأخدود. وانظر: الأطراف للمزي ٤/١٩٩ حديث٤٩٦٩. وتحفة الأحوذي٩/٢٦٠) .
[ ١٣٨ ]
والحديث صحيح، وهو يبين مدى صلة رسول الله - ى الله عليه وسلم - ربه وافتقاره إليه في جميع حركاته وسكناته، وأنه يستبعد منه أن يغتر بكثرة من معه، بل كان دأبه الخضوع والتواضع لله، والتوكل عليه في كل شؤونه، ومقام النبوة أعلى وأرفع من أن يتصور وقوع مثل هذا منه - ﷺ -
واستقراء سيرته - ﷺ - وغزواته يدل على أن ما أصاب المسلمين من انكسار أمام أعدائهم كان مصدره مخالفة بعض أتباعه - ﷺ - لأوامره وتوجيهاته العسكرية، كما حصل في غزوة أحد، وكما حصل في غزوة حنين، فإن الروايات صحت أنه ﷺ وجه النصح والتنبيه للمسلمين أن لا يغتروا بكثرة عددهم كما في حديث أحمد.
وكان ﷺ يخشى أن يغتر المسلمون ويعجبوا بكثرتهم، فأراد أن يذكرهم بما حصل لمن قبلهم من الأمم من عقوبة بسبب الاغترار والإعجاب بالكثرة.
وتأمل سياق الآية يرشد إلى أن الإعجاب بالكثرة لم يكن صادرا منه ﷺ، فإن إسناد الإعجاب إلى المسلمين بصيغة الجمع، كما في قوله تعالى ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥]، ثم ترتيب الفرار والإدبار على هذا الإعجاب، كما في قوله تعالى ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥]، والرسول - ﷺ - لم يول مدبرًا، بل كان ثابتًا ثبوتًا منقطع النظير، كما هو معروف، يدل على أن هذا الإعجاب صادر من بعض المسلمين، وهذا يشبه قوله تعالى – في شأن غزوة أحد -: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ﴾، [آل عمران، من الآية: ١٥٢] .
والخلاصة إن هذه الآثار الواردة في تعيين القائل يوم حنين "لن نغلب اليوم من قلة" كلها ضعيفة مع ما حصل فيها من الاختلاف في تعيين القائل -كما أوضحت ذلك– ولكنها تتفق في شيء واحد وهو حصول هذا القول من أحد أفراد الجند الإسلامي، بغض النظر عن تسمية قائله وهي بمجموعها يؤيد بعضها بعضا ويزيدها قوة قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] .
فقد صرحت الآية بأن هناك إعجابا حصل من بعض المسلمين، وأنه ابتلوا بسبب هذا الإعجاب، وحصل ما نصت عليه الآية الكريمة.
[ ١٣٩ ]
٥٦- وقال الزرقاني: وأخرجه الحاكم وصححه، وابن المنذر١، وابن مردويه٢ من حديث أنس بن مالك قال: "لما اجتمع يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة أعجبتهم كثرتهم، فقال القوم اليوم والله نقاتل حين اجتمعنا فكره - ﷺ - ما قالوا وما أعجبهم من كثرتهم" ٣.
قلت: الحديث عند الحاكم وليس فيه "أعجبتهم كثرتهم".
وهذا سياقه عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: "التقى يوم حنين أهل مكة واهل المدينة، فاشتد القتال فولوا مدبرين، فندب٤ رسول الله - ﷺ - الأنصار فقال: يا معشر٥ المسلمين أنا رسول الله، فقالوا: إليك والله جئنا، فنكسوا ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" ٦. ثم قال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
ووافقه الذهبي.
_________________
(١) ١ هو: الحافظ العلامة الفقيه الأوحد أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري، شيخ الحرم، وصاحب الكتب التي لم يصنف مثلها ككتاب المبسوط في الفقه، وكتاب الإشراف في اختلاف العلماء، وكتاب الإجماع، وغير ذلك، وكان غاية في معرفة الاختلاف والدليل وكان مجتهدا لا يقلد أحدا (ت ٣١٨) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٧٨٢، وسير أعلام النبلاء ١٤/٤٩٠) . ٢ هو: الحافظ الثبت العلامة أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني، صاحب التفسير والتاريخ وغير ذلك (٣٢٣-٤١٠)، (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/١٠٥٠) . (شرح المواهب اللدنية ٣/٩) . ٤ فندب: أي دعاهم، فأجابوه. (النهاية لابن الأثير ٥/٣٤) . ٥ المعشر: كمسكن: الجماعة وأهل الرجل. (القاموس المحيط للفيروز آبادي ٢/٩٠) . (المستدرك ٣/٤٨) .
[ ١٤٠ ]
الفصل الثالث: في وصف المعركة
المبحث الأول: سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة
المبحث الأول: سبب هزيمة المسلمين في بداية المعركة:
إن انكشاف المسلمين وتوليهم أمام عدوّهم له عدة أسباب، منها: ما يعود إلى استعداد العدو العسكري، ودقة ممارسته للحروب والفروسية، وإحكام الخطة واختيار الموقع المناسب لهجومهم المباغت دون أن يشعر بهم المسلمون، مما أدى إلى تفوقهم وتقدمهم مبدئيا، وقد صرحت بذلك الأحاديث الصحيحة كما سنوضح ذلك.
ومنها ما يعود إلى المسلمين أنفسهم، فقد صدر من بعض أفراد الجيش الإسلامي في هذه الغزوة أمور أدت إلى انكسار المسلمين وتقهقرهم أمام هوازن، كاغترار بعضهم بكثرتهم، وطلب البعض الآخر منهم ذات أنواط ينوطون بها أسلحتهم مضاهاة منهم للكفار الذين لهم ذات أنواط.
وتهور١ البعض الآخر كذلكوخروجهم إلى هوازن دون أن يستكملوا وسائل القتال، وانكباب بعضهم على جمع الغنائم وحيازتها قبل أن يستسلم الكفار استسلاما كاملا.
هذا مجمل الأسباب التي رجحت بها كفة العدو على كفة المسلمين في بداية المعركة. وسأحاول تحليل هذه الأسباب وإيضاحها مستندًا إلى الروايات الواردة في ذلك.
_________________
(١) ١ في (القاموس المحيط ٢/١٦٢: تهور الرجل وقع في الأمر بقلة مبالاة) .
[ ١٤١ ]
أولا: أسباب نجاح هوازن في بادئ الأمر:
أ- كثرتهم الهائلة، فقد جندوا جنودا لم يواجه المسلمين مثلها في غزواتهم مع رسول الله - ﷺ -، التي سبقت هذه الغزوة، وقد مر ذلك مفصلا١.
ب- بث الحماسة والقوة المعنوية في نفوسهم والتزامهم بتوجيهات قائدهم، فعند الواقدي: أن مالك بن عوف قال لأصحابه: إن محمدا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وأنما كان يلقى قوما أغمارا لا علم لهم بالحرب فينصر عليهم، فإذا كان في السحر فصفوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم، ثم تكون الحملة منكم، واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسورة الجفون، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولا٢.
٥٧- وأخرج موسى بن عقبة في مغازيه عن الزهري أن رسول الله - ﷺ - لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن. الحديث.
وفيه: "وبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي حدرد عينا، فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم" ٣.
ج- سبقهم إلى وادي حنين وتحصنهم بين أشجاره ومضايقه وبث الكتائب التي تكمن في جميع نواحيه. وهذا ما صرح به حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق وغيره. وهذا سياقه عند ابن إسحاق قال:
٥٨- حدثني عاصم٤ بن عمرة بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله قال: "لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف٥
_________________
(١) (في مبحث استعداد هوازن العسكري ص١١٦) . (مغازي الواقدي ٣/٨٩٣) . ٣ انظر: (البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٠) . ٤ تقدمت تراجم رواة الحديث في حديث (٢٣) وكلهم ثقات. ٥أجوف: متسع، وحطوط - بفتح الحاء المهملة - الأكمة الصعبة الانحدار. (ابن منظور: لسان العرب ٩/١٤١، ١٠/٣٧٨) .
[ ١٤٢ ]
حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارا، قال: وفي عماية من الصبح١، وكان القوم قد سبقونا٢ إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه٣ وأحنائه٤ ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب٥، قد شدوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر٦ الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد". الحديث٧.
ومن هذه الطريق أخرجه أحمد وأبو يعلى والطبري وابن حبان والبيهقي٨.
وأورده الهيثمي، ثم قال: رواه أحمد وأبو يعلى وزاد: وصرخ حين كانت الهزيمة كلدة٩ - وكان أخا صفوان بن أمية وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي ضرب له
_________________
(١) ١ عماية - بفتح العين المهملة - بقية ظلمة الليل. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٠٥) . ٢وعند البيهقي: "فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله - ﷺ - إليه فأعدوا وتهيئوا في مضايق الوادي وأجنابه، وأقبل رسول الله - ﷺ - وأصحابه فينحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فكرت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد". ٣شعابه - بكسر أوله - جمع شعبة، وهي التي تعدل عن الوادي وتأخذ في طريق غير طريقه. (ابن منظور: لسان العرب ١/٤٨١) . ٤أحنائه - بالحاء المهملة - منعطفه وجوانبه. وعند أحمد والبيهقي: "أجنابه" - بالجيم - وهي بمعنى "أحنائه" بالحاء. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٠٣، ٤٥٥) . ٥الكتائب: جمع كتيبة، والكتيبة: الجيش أو الجماعة المستحيزة من الخيل، وكتيبة جرارة: ثقيلة السير لكثرتها. (الفيروز آبادي: القاموس ١/١٢١، ٣٨٩) . ٦انشمر الناس: أي مضوا راجعين، وعند أحمد: "وانهزم الناس راجعين"، وهي تبين معنى انشمر. (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٢ وهو مطول) . قال القسطلاني: "قال الن جرير الطبري: الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود، وأما الاستطراد لكثرة فهو كالمنحاز إلى فئة". (المواهب اللدنية) . وقال الزرقاني: قال صاحب الروض: "لم يجمع العلماء على أن الفرار من الكبائر إلا في يوم بدر، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾، [سورة لأنفال، من الآية: ١٦] . ثم أنزل التخفيف في الفارين يوم أحد وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ [سورة آل عمران، من الآية: ١٥٥]، وكذا: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥]، إلى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٧] ". (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٠، والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٨) . (أحمد: المسند ٣/٣٧٦، وأبو يعلى: المسند ٢/٢٠٠ رقم (٣٠٢)، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٤، وابن حبان: كما ورد في موارد الضمآن ص٤١٧، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٣- ٤٤ب) . ٩ كلدة - محركا - ابن حنبل، ويقال: ابن عبد الله بن حنبل الجمحي، المكي، صحابي له حديث، وهو أخو صفوان بن أمية لأمه. /بخ د ت س. (التقريب ٢/١٣٦، وتهذيب التهذيب ٨/٤٤٤- ٤٤٥) . وفي الإصابة ٣/٣٠٥ قال: كلدة بن الحسل - بالحاء والسين -. أهـ. وسماه ابن إسحاق: جبلة بن حنبل.
[ ١٤٣ ]
رسول الله - ﷺ – ألا بطل السحر اليوم، فقال له صفوان: اسكت فض١ الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن.
ثم قال الهيثمي: ورواه البزار باختصار، وفيه ابن إسحاق وقد صرح بالسماع في رواية أبي يعلى، وبقية رجال أحمد رجال الصحيح٢.
قلت: وقد صرح ابن إسحاق بالسماع أيضا عن ابن هشام وابن حبان والبيهقي. وقد صحح هذا الحديث الألباني٣.
وعند الواقدي: قال: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين - وهو واد أجوف ذو شعاب ومضايق - وفرق الناس فيه، وأوعز٤ إلى الناس أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة.
وعبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه وصفهم صفوفا في السحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها.
ثم ذكر الألوية في قبائل العرب وحامليها: في المهاجرين والأنصار، وأسلم وبني غفار، وبني ضمرة وبني ليث، وبني كعب بن عمرو بن ربيعة بن خزاعة، وبني مزينة وجهينة وبني أشجع وسليم٥.
ثم قال: وكان رسول الله - ﷺ - قد قدم سليما من يوم خرج من مكة فجعلهم مقدمة الخيل، واستعمل خالد بن الوليد، فلم يزل على مقدمته حتى ورد الجعرانة، وانحدر رسول الله - ﷺ - بأصحابه، وقد مضت مقدمته وهو على تعبئة في وادي حنين،
_________________
(١) ١ الفض - الكسر -، وهو دعاء عليه بأن يكسر الله أسنانه، يقال: لا يفض الله فاك، أي لا يكسر الله أسنانك. (ابن الأثير: النهاية ٣/٤٥٣) . (مجمع الزوائد ٦/١٧٩- ١٨٠) . (تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٢) . ٤ أوعز: وعز إليه في كذا أن يفعل أو يترك، وأوعز ووعز: تقدم وأمر. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٩٥) . ٥ في المعجم الكبير للطبراني ١١/٣٧٠- ٣٧١ من حديث ابن عباس قال: "شهد مع رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة ألف من بني سليم". وانظر: مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٧٧، وفي الروض الأنف ٧/٢١٨ كان بنو سليم يوم حنين تسعمائة، فأمر رسول الله - ﷺ - عليهم الضحاك بن سفيان الكلابي، وكان يعد وحده بمائة فارس، وأخبره رسول الله - ﷺ - أنه قد تمهم به ألفا.
[ ١٤٤ ]
فانحدر رسول الله - ﷺ - انحدارا - وهو وادي حدور١ - وركب رسول الله - ﷺ - بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين٢ والمغفر والبيضة، واستقبل الصفوف وطاف عليها بعضها خلف بعض ينحدرون في الوادي، فحضهم على القتال وبشرهم بالفتح إن صدقوا وصبروا، فبينا هم على ذلك ينحدرون في غلس الصبح.
فكان أنس بن مالك يحدث يقول: لما انتهينا إلى وادي حنين، وهو واد من أودية تهامة له مضايق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن شيء، لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان من السواد والكثرة!
فلما تحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل - خيل سليم – مولية فولوا، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء٣.
؟ مهارة هوازن النادرة في إصابة الهدف بحيث لا يكاد يسقط لهم سهم.
وقد صرح بذلك حديث البراء بن عازب - ﵁ - عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
٥٩- حدثنا عمرو٤ بن خالد، ثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت البراء وسأله رجل٥: أكنتم فررتم يا أبا عمارة٦ يوم حنين؟ قال: لا والله ما٧ ولى
_________________
(١) ١ الحدر: من كلّ شيء تحدره من علو إلى أسفل، والحدور والهبوط: المكان ينحدر منه. (ابن منظور: لسان العرب ٥/٢٤٤) . ٢ درع الحديد - بالكسر- وقد تذكر جمع أدرع وأدراع ودروع. والمخفر كمنبر وبهاء ككتابة: زرد من الدرع يلبس تحت القلنسوة أو حلق يتقنع به المتسلح. والبيضة: هي التي تلبس في الرأس في الحرب. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٠٣، ٣/٢٠، وابن حجر: هدي الساري ص٩١) . (الواقدي: المغازي ٣/٨٩٥، ٨٩٧) . ٤ عمرو بن خالد: هو الحراني. وزهير: هو ابن معاوية بن خديج. وأبو إسحاق: هو عمرو بن عبد الله السبيعي - بفتح المهملة وكسر الموحدة -. ووقع في منتخب كنز العمال ٤/١٦٦: "عن ابن إسحاق" قال: رجل للبراء، وهو خطأ، والصواب "عن أبي إسحاق". ٥ قال ابن حجر: "لم أقف على تسميته، ووقع في رواية أنه من قيس". (فتح الباري ٨/٢٨) . ٦ أبو عمارة: كنية البراء - ﵁ -. ٧سيأتي توجيه هذا النفي في مبحث (عوامل انتصار المسلمين) تحت حديث (٧٩) وص١٩٣- ١٩٥.
[ ١٤٥ ]
رسول الله - ﷺ -، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم١ حسرا ليس٢ بسلاح فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر ما يكاد يسقط لهم سهم فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون. الحديث٣.
وفي لفظ عند مسلم وابن أبي شيبة والطبري وأبي عوانة: "فقال البراء: أشهد على نبي الله - ﷺ - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر٤ إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق٥ من نبل كأنها رجل٦ من جراد فانكشفوا". الحديث٧.
هذه بعض المرجحات التي كانت في جانب المشركين أدت إلى تفوقهم في أول الأمر.
وخاصة خطبة مالك بن عوف فيهم، خطبته الحماسية التي كان لها أثرها الفعال ووقعها في نفوسهم، حيث أثار فيهم النخوة والشجاعة والبسالة، في قوله: "إن محمدا
_________________
(١) ١ قوله: "وأخفاؤهم" قال النووي: جمع خفيف وهم المسارعون المستعجلون ووقع هذا الحرف في رواية إبراهيم الحربي والهروي وغيرهم "جفاة" - بجيم مضمومة وبالمدـ، وفسره: بسرعانهم. قالوا: تشبيهًا بجفاء السيل وهو غثاؤه. قال القاضي - ﵁ -: إن صحت هذه الرواية، فمعناها ما سبق من خروج من خرج معهم من أهل مكة ومن انضاف إليهم ممن لم يستعدوا، وإنما خرج للغنيمة من النساء والصبيان، ومن في قلبه مرض، فشبهه بغثاء السيل. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٤، ومشارق الأنوار للقاضي عياض ١/٢٤٥ إلا أنه قال في غزوة "خيبر" بدل "حنين" وهو خطأ) . ٢ وعند مسلم والبيهقي: "ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح". (صحيح البخاري ٤/٣٥ كتاب الجهاد، باب من صف أصحابه عند الهزيمة ونزل عن دابته واستنصر. وصحيح مسلم ٣/١٤٠٠-١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة حنين) . ٤ الحسر: جمع حاسر، وهو الذي لا درع عليه ولا مغفر. (النهاية لابن الأثير ١/٣٨٣) . ٥ قوله: "برشق" بكسر الراء وهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة والرشق: بفتح الراء، مصدر رشقه يرشقه رشقا إذا رماه بالسهام. (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٢٥، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٥، ٤٠٧) . ٦ رجل من جراد: هو بكسر الراء: الجراد الكثير. (ابن الأثير: النهاية٢/٢٠٣) . وقوله: "فانكشفوا" أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها. (النووي شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٧) . (مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٠- ١٤٠١ كتاب الجهاد، باب غزوة حنين. وابن أبي شيبة والطبري كما في كنز العمال ١٠/٣٥١، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٦ من مسند أحمد، كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. وأبو عوانة: المسند٤/٢١٠-٢١١.وانظر: البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤-١٥٥) .
[ ١٤٦ ]
لم بقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قوما أغمارا لاعلم لهم بالحرب فينصر عليهم". الأمر الذي جعل هوازن يستميتون في ساحة المعركة، يتساقطون واحدا تلو الآخر وهم مصممون على الانتصار.
ثانيا: بيان الأسباب الداخلية لاندحار المسلمين في أول الأمر:
أ- اغترار بعض المسلمين بكثرتهم، كما تقدم في حديث: "لن نغلب اليوم عن قلة" ١.
وعند الواقدي: فلما فصل رسول الله - ﷺ - من مكة، قال رجل من أصحابه: "لو لقينا بني شيبان٢ ما بالينا٣ ولا يغلبنا اليوم أحد عن قلة"٤.
فكانت هذه المقالة بادرة سوء تألم منها رسول الله - ﷺ -، لأن فيها إعجاب بالعدد والكثرة وغفلة عن الله الذي لا يكون النصر للمسلمين إلاّ من عنده. ﴿وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، [آل عمران، من الآية: ١٢٦] .
ب- عدم تمكن عقيدة التوحيد في بعض المسلمين كما في حديث أبي واقد الليثي في قول بعضهم: "يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط" ٥.
وكانت هذه الكلمة مؤلمة لسمع الرسول - ﷺ - مما يدل على وجود حفنة من هذا الجيش لم يصلوا بعد إلى المستوى الإيماني المطلوب، لحداثة عهدهم بالإسلام.
؟- الخفة والعجلة التي حصلت من بعض القوم وشبانهم، حيث خرجوا إلى هوازن قبل استكمال وسائل الحرب فلم يستطيعوا الوقوف أمام سهام المشركين ونبالهم، وهذا ما صرح به حديث البراء بن عازب - ﵁ -.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٤)، وانظر حديث رقم (٥٢)، (٥٣)، (٥٤) . ٢ بنو شيبان: نسبة إلى شيبان بن ذهل بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر ابن وائل، قبيل كبير من بكر بن وائل ينسب إليه خلق كثير من الصحابة والتابعين، والأمراء والفرسان والعلماء في كل فن. (ابن الأثير: اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٢١٩) . ٣ بالى بالشيء يبالي به إذا اهتم به. (ابن منظور: لسان العرب ١٨/٩١) . والمعنى: لو لقينا بني شيبان لم نبالي بهم لكثرتنا. (مغازي الواقدي ٣/٨٨٩) . ٥ تقدم تخريجه برقم (٥١) .
[ ١٤٧ ]
فعند البخاري وغيره عن البراء قال له رجل: يا أبا عمارة ولَّيْتُم يوم حنين؟
قال: لا. والله ما ولى النبي ﷺ، ولكن ولى سرعان١ الناس، فلقيهم هوازن بالنبل. الحديث٢.
وفي لفظ: فقال البراء: "أما أنا فأشهد على أن النبي - ﷺ - لم يول، ولكن عجل سرعان القوم، فرشقتهم هوازن". الحديث٣.
وفي لفظ قال البراء: "لا. والله، ما ولى رسول الله - ﷺ -، ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم ليس عليهم سلاح أو كثير سلاح، فأتوا قوما رماة جمع هوازن وبني نصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقتهم ما يكادون يخطئون" الحديث٤.
فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه يدل على أن سرعان القوم وأخفاءهم عجلوا في مبارزة العدو قبل استكمال عدة الحرب فلم يستطيعوا الثبات أمام هجمة هوازن عليهم ففروا وفر الناس بعدهم.
د- فرار الأعراب وعدم ثبوتهم أمام المشركين مما شجع العدو في مواصلة مطاردة المسلمين.
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "ولكن ولى سرعان الناس فاستقبلتهم هوازن بالنبل". وعند الروياني: "ولكن ولى سرعان من الناس يلتقطهم هوازن بالنبل". وعند أبي عوانة: "فقال البراء: معاذ الله! قال: أما أنا فأشهد أن النبي - ﷺ - لم يول، ولكن سرعان من الناس حين رشقهم هوازن بالنبل". وعند مسلم وأبي عوانة: "أشهد على النبي - ﷺ - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر إلى هذا الحي من هوازن وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رِجل من جراد فانكشفوا". (وسَرَعان الناس) بفتح السين والراء، ويجوز تسكين الراء: أوائل الناس الذين يتسارعون إلى الشيء ويقبلون عليه بسرعة. (ابن الأثير: النهاية ٢/٣٦١) . (البخاري: الصحيح ٣/٢٦ كتاب الجهاد، باب بغلة النبي - ﷺ - البيضاء، وتمام الحديث: "والنبي - ﷺ - على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والنبي - ﷺ - يقول: أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب"٣ (البخاري: الصحيح ٥/١٢٦ كتاب المغازي، باب (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا) . و(الترمذي: السنن ٣/١١٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال) . و(أحمد: المسند ٤/٢٨٩، ٣٠٤) . و(الروياني: المسند ١/٦٦، ٦٧ ب رقم٥٧٥) . و(أبوعوانة: المسند ٤/٢٠٨) . و(البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤) . (البيهقي: السنن الكبرى ٩/١٥٤. وتقدم برقم (٥٩) .
[ ١٤٨ ]
وهذا هو صريح حديث أنس بن مالك قال: "افتتحنا مكة، ثم إنا غزونا حنينا، فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم. قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف١، وعلى مجنبة٢ خيلنا خالد ابن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوي٣ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب٤ ومن نعلم من الناس" الحديث٥.
؟- انهزام الطلقاء:
وهذا هو ما صرح به أنس بن مالك في حديثه عند مسلم وغيره، وهذا سياق مسلم:
٦٠- حدثنا أبو بكر٦ بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس أن أم سليم٧ اتخذت يوم حنين ٨
_________________
(١) ١ قوله: "ونحن كثير قد بلغنا ستة آلاف" تقدم توجيهه في الحديث رقم (٤٠) . ص١١٢ تعليقة (٤) . ٢ مجنبة - بضم الميم وفتح الجيم والنون المشددة –: هي التي تكون في الميمنة والميسرة، وهما مجنبتان والقلب بينهما. وقيل: هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ إحدى ناحيتي الطريق. والأول أصح. والمجنبة - بفتح النون-: المقدمة. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٠٣، والنووي: شرح صحيح مسلم٣/١٠٢،وابن منظور: لسان العرب١/٢٦٨،والفيروزآبادي: القاموس المحيط١/٤٨) . ٣قوله:"فجعلت خيلنا تلوي خلف ظهورنا".قال النووي: هكذا في أكثر النسخ: تلوي". وفي بعضها"تلوذ"،وكلاهما صحيح. (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٢) . ٤ الأعراب: هم سكان البادية من العرب الذين لا يقيمون في الأمصار، ولا يدخلونها إلا لحاجة. والعرب: اسم لهذا الجيل المعروف من الناس، ولا واحد له من لفظه. والنسبة إليهما: أعرابي، وعربي. (ابن الأثير: النهاية٣/٢٠٢،وابن منظور: لسان العرب٢/٧٥-٧٦، والفيروزآبادي: القاموس المحيط ١/١٠٢) . ٥ تقدم تخريج الحديث برقم (٤٠) . ٦ هو: عبد الله بن محمد أبو بكر بن أبي شيبة الكوفي صاحب التصانيف. ٧ أم سليم بنت ملحان بن خالد الأنصارية، والدة أنس بن مالك، وزوج أبي طلحة، يقال: اسمها سهلة، أو رميلة، أو رميثة، أو مليكة، أو أنيثة، وهي: الغميصاء، أو الرميصاء، اشتهرت بكنيتها، وكانت من الصحابيات الفاضلات (ت في خلافة عثمان) /خ م د ت س. (ابن حجر: التقريب ٢/٦٢٢) . ٨ يوم حنين: قال النووي: هكذا هو في النسخ المعتمدة (يوم حنين) بضم الحاء المهملة وبالنونين، وفي بعضها (يوم خيبر) بالخاء المعجمة والأول هو الصواب. (شرح مسلم ٤/٤٦٩) . ولفظ (الطلقاء) يعين ما قاله النووي، لأن (في خيبر) لم يكن هناك طلقاء.
[ ١٤٩ ]
خنجرا١، فكان معها، فرآها أبو طلحة٢ فقال: يا رسول الله! هذه أم سليم معها خنجر٣، فقال لها رسول الله - ﷺ - "ما هذه الخنجر؟ " قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت٤ به بطنه، فجعل رسول الله - ﷺ - يضحك، قالت: يا رسول الله! اقتل من بعدنا من الطلقاء٥ انهزموا بك. فقال رسول الله - ﷺ -: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" ٦.
والحديث أخرجه ابن سعد، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وعبد بن حميد، وأبو يعلى، وأبو نعيم. الجميع من طريق حماد بن سلمة، عن ثابت به٧.
_________________
(١) ١ خنجر - كجعفر -: السكين، أو العظيمة منها، ويكسر خاؤه. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/٢٤) . وقال النووي: "سكين كبيرة ذات حدين". (شرح مسلم ٤/٤٦٩) . وفي لفظ عند أحمد "أن أبا طلحة أتاها ومعها معول". قال ابن الأثير: المعول - بالكسر - الفأس، والميم زائدة وهي ميم الآلة. (النهاية ٤/٣٤٤) . ٢ هو: زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري، النجاري، أبو طلحة المشهور بكنيته، من كبار الصحابة، شهد بدرا وما بعدها (ت ٣٤)، وقال أبو زرعة الدمشقي: عاش بعد النبي - ﷺ - أربعين سنة. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٢٧٥) . ٣ وفي لفظ عند أحمد: "جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك رسول الله ﷺ من أم سليم، قال: يا رسول الله ألم تر إلى أم سليم متقلدة خنجرا". ٤ وعند أبي داود وابن أبي شيبة وأحمد وأبي يعلى: "أبعج به بطنه". وعند إسحاق بن راهويه: "بعجت به بطنه". وعند ابن ابي شيبة وأحمد: "طعنته به". والبقر والبعج: معناهما الشق. والطهن: هو الوخز بحربة ونحوها. (ابن الأثير: النهاية ١/١٣٩، ١٤٤- ١٤٥، ٥/١٦٣، وابن منظور: لسان العرب ١٧/١٣٥) . ٥ قولها: "اقتل من بعدنا من الطلقاء". قال النووي: الطلقاء هم الذين أسلموا من أهل مكة يوم الفتح، سموا بذلك لأن النبي - ﷺ - منّ عليهم وأطلقهم، وكان في إسلامهم ضعف، فاعتقدت أم سليم أنهم منافقون، وأنهم استحقوا القتل بانهزامهم وغيره، وقولها: "من بعدنا" أي من سوانا. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٦٩) . وقال الحلبي: يقال إن الطلقاء وهم أهل مكة قال بعضهم لبعض: أي من كان إسلامه مدخولا منهم - اخذلوه هذا وقته فانهزموا، فهم أول من انهزم وتبعهم الناس، وعند ذلك قال أبو قتادة لعمر - ﵄ -: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله. (السيرة الحلبية ٣/٦٥) . (مسلم: الصحيح٣/١٤٤٢ كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء مع الرجال) . (ابن سعد: الطبقات الكبرى ٨/٤٢٥، وإسحاق بن راهويه: المسند ص: ١٥ برقم (٣٧٧)، وعبد بن حميد: المسند ص: ١٥٨ برقم (٣٢٣)، وأحمد: المسند ٣/٢٨٦، وأبو نعيم: حلية الأولياء ٢/٦٠، وأبو يعلى: المسند ٣/٣٢١ و٣٣١ برقم (٣٠٣) .
[ ١٥٠ ]
وأخرجه ابن أبي شيبة، وأحمد، كلاهما من طريق سليمان١ بن المغيرة، عن ثابت به٢.
وأخرجه مسلم، وأبو داود، وأحمد، وأبو داود الطيالسي، وابن أبي شيبة. الجميع من طريق حماد بن سلمة، أخبرنا إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك٣.
وأخرجه أحمد من طريق ابن أبي عدي٤، عن حميد، عن أنس٥. فهذا الحديث رواه هؤلاء الأئمة عن أنس منهم المختصر ومنهم المطول.
٦١- وأخرجه ابن إسحاق عن عبد الله٦ بن أبي بكر مرسلًا بنحوه، وهذا سياقه قال: حدثني عبد الله بن أبي بكر أن رسول الله - ﷺ - التفت فرأى أم سليم بنت ملحان، وكانت مع زوجها أبي طلحة، وهي حازمة وسطها ببرد لها، وأنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها٧ الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته٨ مع الخطام، فقال لها رسول الله - ﷺ -: أم سليم؟ .
_________________
(١) ١ سليمان بن المغيرة القيسي. ثقة. تقدم في ص ١٣٧. (ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩٣- ٩٤ ب- أ، وانظر: منتخب كنز العمال لعلاء الدين المتقي الهندي٤/١٧١-١٧٢ مع مسند أحمد. وأحمد: المسند٣/١١٢ و١٩٨) . وفي علل الحديث لابن أبي حاتم ١/٣١١ قال: "سألت أبي عن حديث رواه أبو أسامة - هو: حماد بن أسامة - عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أنس قال: قال أبو طلحة لرسول الله - ﷺ - في بعض غزواته: ألا ترى إلى أم سليم في يدها خنجر". الحديث. قال أبي هذا خطأ، وإنما هو سليمان ابن المغيرة عن ثابت عن أنس. (مسلم: الصحيح ٣/١٤٤٣ كتاب الجهاد والسير، باب غزو النساء مع الرجال. ولم يسق لفظه. وأبو داود: السنن ٢/٦٥ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل. وأحمد: المسند ٣/١٩٠ و٢٧٩. وأبوداود الطيالسي ٢/١٠٨- ١٠٩ مع "منحة المعبود". وابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٣- ٩٤ ب- أ) . ٤ هو محمد بن إبراهيم بن أبي عدي، أبو عمرو البصري، ثقة (ت ١٩٤) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/١٤١، وتهذيب التهذيب ٩/١٢- ١٣) . ٥ المسند ٣/١٠٨. ٦ هو: عبد الله بن أبي بكر بن حزم الأنصاري، تقدمت ترجمته في حديث (٣٥) . ٧ يعزها: أي يغلبها (المصباح المنير ٢/٤٨٤) . ٨ الخزامة: حلقة من شعر تجعل في أحد جانبي منخري البعير، لينقاد بسهولة. (ابن الأثير: النهاية ٢/٢٩) .
[ ١٥١ ]
قالت: نعم، بأبي أنت وأمي يا رسول الله، اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل.
فقال رسول الله - ﷺ -: "أو يكفي الله يا أم سليم"؟
قال: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟
قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد من المشركين، بعجته به.
قال: يقول أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول أم سليم للغميصاء١.
ومن طريقه أخرجه الطبري٢.
وانكباب المسلمين عل جمع الغنائم واشتغالهم بها، وذلك أن المسلمين حملوا على الكفار فلاذوا بالفرار تاركين أموالهم وعتادهم، فظن المسلمون أن الكفار انهزموا إلى غير رجعة، فأقبلوا على جمع الغنائم وحيازتها، فانتهز المشركون غفلة المسلمين فانهالوا عليهم من كل صوب يضربون ويطعنون، فانكشف المسلمون أمام المشركين لا يلوي أحد منهم على أحد، والكفار في آثارهم يطاردونهم. وهذا ما صرح به البراء بن عازب - ﵁ - في حديثه عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياق البخاري:
عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: "أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟ فقال: لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، كانت هوازن رماة٣، وإنا لما حملنا
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٦. والغميصاء: اسم أم سليم) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٦) . ٣ وفي لفظ عند البخاري: "أن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا، فأقبل المسلمون على الغنائم واستقبلونا بالسهام". وعند مسلم والطبري: "وكانت هوازن يومئذ رماة وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم، فاستقبلونا بالسهام". وعند أبي داود الطيالسي وأبي عوانة: "أن هوازن كانوا قوما رماة فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل الناس على الغنائم واستقبلونا بالسهام، فانهزم الناس". وعند أبي عوانة أيضا: "أن هوازن كانوا قوما رماة وإنا لما التقينا انكشفوا، وأقبل أصحاب رسول الله - ﷺ - على الغنائم، ورموهم بالسهام". قال الحلبي: وسياق هذا الحديث يدل على أنّ المسلمين انهزموا مرتين: الأولى في أول الأمر، والثانية عند انكبابهم على أخذ الغنائم. (السيرة الحلبية ٣/٦٥) .
[ ١٥٢ ]
عليهم انكشفوا، فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام " الحديث١.
ومن خلال هذه الألفاظ الواردة في حديث البراء نرى كيف وصل الحال بالمسلمين عندما ذهبوا يتسابقون إلى حطام الدنيا الفانية مما جعلهم يفقدون توازنهم، ويتركون مواقعهم عندما هاجمتهم هوازن في حال انشغالهم بجمع الغنائم، فكانت كارثة عظيمة، تخلى المسلمون عن رسول الله - ﷺ - إلاّ القليل منهم.
ز- إن ما حصل للمسلمين في غزوة حنين من انكسار أمام الأعداء، كان مصدره أمر الله وقدره، وذلك ليطأطئ رؤوس أقوام رفعها الإعجاب بكثرتهم وقدرتهم القتالية، فأدبهم الرب ﷿ ليعلمهم أن النصر من عنده ﷾، وأن كثرتهم وجموعهم لا تجدي عنهم شيئا.
وهذا ما تضمنه حديث أبي قتادة٢ - ﵁ - عند البخاري وغيره. وهذا سياق البخاري:
٦٢- حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن يحيى٣ بن سعيد، عن ابن أفلح٤، عن أبي٥ محمد مولى أبي قتادة - ﵁ - قال: "خرجنا مع رسول الله - ﷺ -
_________________
(١) (البخاري: الصحيح ٤/٢٥ كتاب الجهاد، باب من قاد دابة غيره في الحرب. ومسلم: الصحيح ٣/١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، باب في غزوة حنين. وأحمد: المسند ٣/٢٨١، وابن أبي عاصم: كتاب الجهاد ص٥٩- ٦٠ ب - أضمن مجموعة (٢٧)، والطبري: جامع البيان ١٠/١٠٢، وأبو عوانة: المسند ٤/٢٠٧) . وتقدم الحديث برقم (٥٩) . ٢ أبو قتادة الأنصاري: اختلف في اسمه فقال بعضهم: الحارث، ويقال عمرو، أو النعمان ابن ربعي - بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة - ابن بُلدمة - بضم الموحدة والمهملة بينهما لام ساكنة - السلمي - بفتحتين - المدني، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا (ت ٥٤، وقيل: ٣٨) والأول أصح وأشهر. /ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٤٦٣) . ٣ هو: ابن قيس الأنصاري، ثقة ثبت، من الخامسة، (ت١٤٤ أو بعدها) . /ع. (المصدر السابق ٢/٣٤٨) . ٤ عمر بن كثير بن أفلح المدني، مولى أبي أيوب، ثقة من الرابعة. /خ م د ت كن ق. (التقريب ٢/٦٢٩) . وفي الفتح ٤/٣٢٣، ٨/٣٨ قال عنه: "عمر بن كثير بن أفلح مدني، مولى أبي أيوب الأنصاري، وثقه النسائي وغيره، وهو تابعي صغير، ولكن ابن حبان ذكره في أتباع التابعين، وليس له في البخاري سوى هذا الحديث بهذا الإسناد، لكن ذكره في مواضع: فتقدم في البيوع مختصرًا، وفي فرض الخمس تامًا، وسيأتي في الأحكام، وقد ذكرت في البيوع أن يحيى بن يحيى الأندلسي حرفه في روايته فقال: "عن عمرو بن كثير "بفتح العين، والصواب "عمر". إهـ. قلت: وقد وقع عند ابن ماجة وأحمد والطحاوي: "عمرو". ٥ هو: نافع بن عباس - بموحدة ومهملة - أو تحتانية ومعجمة - أبو محمد الأقرع، المدني، مولى أبي قتادة، قيل له ذلك: للزومه، وكان مولى عقيلة الغفارية، ثقة من الثالثة. /ع. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٩٥) . وفي تهذيب التهذيب١٠/٤٠٥-٤٠٦ قال عنه: "أبو محمد مولى أبي قتادة، ويقال: مولى عقيلة الغفارية، ويقال: أنهما اثنان". قال ابن حبان في الثقات: نافع مولى عقيلة بنت طلق الغفارية، وهو الذي يقال له: نافع مولى أبي قتادة، نسب إليه ولم يكن مولاه. ثم قال ابن حجر: ويؤيد قول ابن حبان ما وقع عند أحمد من طريق مغفل بن إبراهيم سمعت رجلا يقال له مولى أبي قتادة ولم يكن مولاه، يحدث عن أبي قتادة، فذكر حديث الحمار الوحشي. وفي رواية ابن إسحاق: عن عبد الله بن أبي سلمة، أنّ نافعًا الأقرع مولى بني غفار حدّثه، أنّ أبا قتادة حدّثه، فذكر هذا الحديث". اهـ. (انظر: حديث أحمد وابن إسحاق المشار إليهما في مسند أحمد٥/٣٠٦ و٣٠٨، غير ان الحديث عند أحمد من طريق "سعد بن إبراهيم" وهو: ابن عبد الرحمن بن عوف الزهري، وأما مغفل بن إبراهيم فلم أجده في التقريب ولا في تعجيل المنفعة، فالظاهر أنه خطأ. وقد ورد عند أحمد وأبي عوانة من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن كثير عن أبي محمد جليس كان لأبي قتادة قال: "ثنا أبو قتادة". وعند ابن إسحاق: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد، عن أبي قتادة. (انظر: مسند أحمد ٥/٢٩٥، وسيرة ابن هشام ٢/٤٤٨، ومسند أبي عوانة ٤/١١٦) . وهذه الأحاديث تدل على أن أبا محمد كان جليسا لأبي قتادة فقيل له: مولى أبي قتادة لكثرة ملازمته له ولم يكن مولاه حقيقة. قال النووي وابن حجر: "في حديث الباب ثلاثة من التابعين يروي بعضهم عن بعض، وهم: يحيى بن سعيد، وعمر بن كثير، وأبو محمد". (انظر شرح النووي على مسلم ٤/٣٥١، وفتح الباري ٤/٣٢٣) .
[ ١٥٣ ]
يوم حنين١، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة٢، فرأيت رجلا من المشركين علا٣
_________________
(١) ١ عند الشافعي: "يوم خيبر" وهو خطأ مطبعي. ٢ قوله: "كانت للمسلمين جولة" - بفتح الجيم وسكون الواو -: أي انهزام وخيفة ذهبوا فيها، وهذا إنما كان في بعض المسلمين، وأما رسول الله - ﷺ - وطائفة معه فلم يولوا. والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٣٥١) . وانظر القول في ذلك تحت حديث رقم (٧٩) وص١٩٣- ١٩٥. ٣ علا رجلا أي ظهر عليه. وعند البخاري من حديث الليث بن سعد: "لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين، وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها". وعند أحمد وابن إسحاق: قال أبو قتادة: "رأيت رجلين يقتتلان مسلم ومشرك، وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم، فأتيته فضربت يده فقطعتها واعتنقني بيده الأخرى، فوالله ما أرسلني حتى وجدت ريح الموت، فلولا أن الدم نزفه لقتلني فسقط فضربته فقتلته". قال ابن حجر: تبين من هذه الروية أن الضمير في الأولى "فضربته" لهذا الثاني الذي كان يريد أن يَخْتِل المسلم. (فتح الباري ٨/٣٧) .
[ ١٥٤ ]
رجلا من المسلمين، فاستدرت حتى أتيته من ورائه حتى ضربته بالسيف على حبل١ عاتقه، فأقبل علي فضمني٢ ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر٣ بن الخطاب فقلت٤ ما بال الناس؟ قال: "أمر٥ الله". الحديث٦.
والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجة، ومالك، والشافعي، وعبد الرزاق، والحميدي، وأحمد، وابن الجارود، والطحاوي، وأبو عوانة، والبيهقي، والحازمي٧. الجميع من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري عن عمر بن كثير بن أفلح به.
_________________
(١) ١ على حبل عاتقه: قال ابن حجر: حبل العاتق: عصبه، والعاتق: موضع الرداء من المنكب، وعرف منه أن قوله في الرواية الثانية - يعني رواية الليث - فأضرب يده فقطعتها "أن المراد باليد الذراع والعضد إلى الكتف". (فتح الباري ٨/٣٧) . وفي لفظ عند البخاري:"فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع". وعند الطحاوي:"فضربته بالسيف على حبل عاتقه ضربة حتى قطعت حبل الدرع ". قال ابن حجر: قوله: "فقطعت الدرع" أي التي كان لابسها وخلصت الضربة على يده فقطعتها. (فتح الباري ٨/٣٧) . ٢ قوله: "فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت". قال النووي: يحتمل أنه أراد شدة كشدة الموت، ويحتمل قاربت الموت. (شرح صحيح مسلم ٤/٣٥١) . ٣ قوله: "فلحقت عمر بن الخطاب" قال ابن حجر: في السياق حذف بينته الرواية الثانية - يعني رواية ليث - حيث قال: ثم أخذني فضمني شديدا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل - أي انحلت قواه - ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس فقلت له: "ما شأن الناس؟ ". ٤وعند مسلم والحازمي:"فلحقت عمر بن الخطاب فقال: ما للناس؟ "فقلت:"أمر الله". ٥ وفي لفظ عند البخاري: قال: "أمر الله ﷿". والمعنى: حكم الله وقضاؤه. (البخاري: الصحيح ٣/٥٥ كتاب البيوع، باب بيع السلاح في الفتنة وغيرها. ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب الخ، و٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب (ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم) الخ، ٩/٥٧ كتاب الأحكام، باب الشهادة تكون عند الحاكم. انظر سياق الحديث في الأحكام، الحكم رقم (١٣) ص٦٣٦) . (مسلم: الصحيح ٣/١٣٧٠- ١٣٧١ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. وأبو داود: السنن ٢/٦٤ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى للقاتل. والترمذي: السنن ٣/٦١ كتاب السير، باب ما جاء فيمن قتل قتيلا فله سلبه. وابن ماجة: السنن ٢/٩٤٦ كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب. ومالك: الموطأ ٢/٤٥٤ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السلب في النفل. والشافعي: الأم ٤/٦٦ (الأنفال) . وعبد الرزاق: المصنف ٥/٢٣٦. والحميدي: المسند ١/٢٠٤، وأحمد: المسند ٥/٢٩٥، ٢٩٦. وابن جارود: المنتقى ص٣٦٠. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٦- ٢٢٧. وأبو عوانة: المسند ٤/١١١- ١١٤، ١١٦. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٠٦، ٩/٥٠. والحازمي: الاعتبار ص٢٢١- ٢٢٢) .
[ ١٥٥ ]
منهم من ساقه بتمامه ومن هم من اقتصر على جزء منه.
وقد اتفقت جميع الطرق على ان أبا قتادة راوي الحديث هو الذي سأل عمر بن الخطاب عن سبب انهزام المسلمين، ماعدا مسلما والحازمي فإن الأمر عندهما بالعكس.
والحديث أخرجه كذلك ابن إسحاق من طريقين: قال في الأولى: حدثني عبد الله بن أبي بكر أنه حدث عن أبي قتادة.
وفي الثانية: حدثني من لا أتهم من أصحابنا عن نافع مولى بني غفار أبي محمد عن أبي قتادة، ثم ساق الحديث١.
ومن طريقه أخرجه أحمد٢، وسمى المبهم في الطريق الثانية "يحيى بن سعيد" الذي مدار حديث الباب عليه، غير أن كون يحيى بن سعيد يروي عن نافع مباشرة فيه نظر، وذلك لأن جميع طرق الحديث التي وقفت عليها أنه يروي عنه بواسطة "عمر بن كثير بن أفلح" ولم أجد مَنْ نصّ مِن العلماء أن نافعًا من شيوخ يحيى، فالظاهر أن في سند ابن إسحاق انقطاعا، وقد عرف الواسطة من طرق أخرى، وهو: "عمر بن كثير".
هذه معظم الأسباب التي عثرت عليها في سبب تخلي المسلمين عن رسول الله - ﷺ - منسحبين أمام هوازن إلاّ قلة ممّن ثبت معه - ﷺ -.
وإذا أمعنا النظر نجد أن الذين بدأوا بالفرار هم أحداث الأسنان والأعراب والطلقاء، وهؤلاء ليسوا من كبار الصحابة وأهل القدم الراسخ في الإسلام. ثم صادف ذلك انشغال بعض المسلمين بجمع الغنائم كما في بعض الروايات الصحيحة.
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨) . (المسند ٥/٣٠٦ وسياقه قال عبد الله بن أحمد حدثني أبي ثنا يعقوب ثنا أبي عن ابن إسحاق حدثني عبد بن أبي بكر أنه حدّث عن أبي قتادة. قال يعقوب بن إبراهيم قال أبي وحدثني ابن إسحاق عن يحيى بن سعيد عن نافع عن الأقرع) .
[ ١٥٦ ]
هذا هو الذي استخلصته في بيان أسباب انكشاف المسلمين في بداية المعركة، معتمدا على المرويات الواردة في ذلك، ولكن الأمر لم يدم طويلا في تلك المعركة لصالح المشركين، بل نصر الله جنده في نهاية الأمر، كما سيتبين ذلك من خلال دراستنا لهذه الغزوة.
وفي ختام هذا المبحث أحب أن أشير إلى أن من سنن الله الكونية التي لا تتخلف أن الله ﷾، جعل للنصر والظفر على الأعداء أسبابا، كما جعل للهزيمة والانحدار أسبابا، فمن أخذ بأسباب النصر جاءه النصر بإذن الله، ومن تخلى عنها أو عن بعضها جاءته الهزيمة والانتكاس.
والعبرة التي يجب تقريرها والتأكيد عليها في هذا المبحث أيضا أن الجيش الإسلامي الذي يكون قائده رسول الله - ﷺ -، إذا حصل منه تقصير في جنب الله، فإنه يعاقب بالهزيمة ولا يخرج عن سنة الله في ذلك، فلا ينتصر وهو غير مستوجب لشروط النصر وأسبابه.
فوقوع مثل هذا في جيوش المسلمين المقصرين في حق الله عليهم، والذين قوادهم من البشر العاديين أولى وأحرى، وإنه لدرس عظيم تقدمه لنا سيرة سلفنا الصالح وحياة ذلك الرعيل الأول، الذين عاش بين ظهرانيهم رسول الله - ﷺ -، والوحي ينزل عليه، وقد أذاقهم الله حلاوة النصر من عنده إذا صبروا وصدقوا واستكملوا عناصر النصر المادية والمعنوية، ولم يغفلوا عن الله.
كما أذاقهم مرارة الهزيمة، إذا هم غفلوا عن الله وتنازعوا وركنوا إلى الدنيا وبيّن لهم أن ذلك الانهزام ما جاءهم إلا من عند أنفسهم إما إعجابا بكثرتهم أو بإقبالهم على حطام الدنيا، أو بغير ذلك من الأسباب.
وفي ذلك ذكرى لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وممّا يحسن الإشارة إليه هنا – أيضا – أن المسلمين في غزوة حنين كانوا اثني عشر ألفا أو يزيدون١، وقد حصل لهم ما بيّناه في هذا المبحث من إدبارهم على رغم هذا العدد الكبير الذي لم يتوافر مثله في غزواتهم السابقة، وقد يتوهم متوهم أن هذا يعارض ما رواه أبو داود وغيره من حديث عبد الله بن عباس الوارد فيه:
_________________
(١) ١ انظر ص١١٦.
[ ١٥٧ ]
٦٣- "ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ١.
وفي لفظ عند أحمد: "لن يغلب قوم عن قلة يبلغون أن يكونوا اثني عشر ألفا".
وعند الدارمي: "وما بلغ اثنا عشر ألفا فصبروا وصدقوا فغلبوا من قلة".
وعند أبي يعلى: "وما هزم قوم بلغوا اثني عشر ألفا من قلة إذا صدقوا وصبروا".
وعند الواقدي: "ولا تغلب اثنا عشر ألفا من قلة كلمتهم واحدة" ٢.
ذلك أن هذا الحديث مقيد بقيدين وهما: "الصبر، والصدق". فإذا بلغ الجيش هذا العدد لا يغلب من قلة، إذا صبروا وصدقوا، بل ربما يكون عددهم أقل من هذا ويكون النصر حليفهم بالصبر والصدق، وإنما يغلبون لأمر آخر كالإعجاب بالكثرة وبما زين لهم الشيطان من أنفسهم من قدرتهم على الحرب وشجاعتهم وقوتهم ونحو ذلك.
والحاصل أن انتصار المسلمين مرتبط بأسباب وموانع، فإذا توفرت الأسباب وانتفت الموانع حصل النصر بإذن الله قل العدد أو كثر، كما قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾،٣. على أنه قد يقال بعدم التعارض مطلقا بين ما وقع في حنين، وما يتضمنه قوله - ﷺ -: "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" ذلك أن ما وقع في حنين ليس هزيمة كسر فيها المسلمون ولم يقم لهم بعدها قائمة في هذه المعركة، وإنما الذي حدث هو إدبار في بادئ المعركة، أعقبه بعد ذلك انتصار عظيم على الكفار، وغنيمة لما معهم، فمثل هذه الحال لا يقال فيها إنها هزيمة نهائية، وعليه فلا تعارض، وهذا أظهر واوجه. والله أعلم.
وحديث "لن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة" أخرجه أبو داود، والترمذي، وأحمد، وعبد بن حميد، وابن خزيمة، والطحاوي، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، كلهم
_________________
(١) (أبو داود: السنن ٢٨٣٥ كتاب الجهاد، باب فينا يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا) . ونص الحديث: "عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - قال: خير الصحابة أربعة، وخير السرايا أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولن يغلب اثنا عشر ألفا من قلة". (مغازي الواقدي ٣/٨٩٠) . ٣ سورة البقرة: ٢٤٩.
[ ١٥٨ ]
من طريق جرير١ بن حازم، عن يونس٢ بن يزيد الأيلي، عن الزهري٣، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ - ٤.
وأخرجه الترمذي، وأحمد وأبو يعلى، والطحاوي، كلهم من طريق حبان٥ بن علي العنزي، عن عقيل٦ بن خالد، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبيﷺ٧.
ورواه الدارمي من طريق حبان بن علي العنزي، عن يونس بن يزيد، وعقيل، عن ابن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس عن النبي - ﷺ - ٨.
والحديث قال فيه أبو داود: والصحيح أنه مرسل٩.
_________________
(١) ١ جرير بن حازم "ثقة"، تقدمت ترجمته في حديث (١) . ٢ يونس بن يزيد بن أبي النجاد، الأيلي - بفتح الهمزة وسكون التحتانية بعدها لام - أبو يزيد مولى آل أبي سفيان، ثقة، إلاّ أن في روايته عن الزهري وهما قليلا، وفي غير الزهري خطأ، من كبار السابعة (ت ١٥٩) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٣٨٦، تهذيب التهذيب ١١/٤٥٠) . ٣ تقدمت ترجمة الزهري وعبيد الله في حديث (٣٢) . (الترمذي: السنن٣/٥٦-٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. وأحمد: المسند١/٢٩٤. وعبد بن حميد: المسند ١/٩١ب رقم (٣٢٢)، وابن خزيمة: الصحيح ٤/١٤٠، والطحاوي: مشكل الآثار ١/٢٣٨، وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص٤٠٠، والبيهقي: ٩/١٥٦) . ٥ حبان - بالكسر - ابن علي العنزي - بفتح العين والنون ثم زاي - أبو علي الكوفي، ضعيف، من الثامنة، كان له فقه وفضل، (ت ١٧١ أو ١٧٢) . /ق. (التقريب ١/١٤٧، وتهذيب التهذيب ٢/١٧٣) . ٦ عقيل - بالضم - بن خالد بن عقيل - بالفتح - الأيلي - بفتح الهمزة بعدها تحتانية ساكنة ثم لام - أبو خالد الأموي، مولاهم، ثقة ثبت، سكن المدينة ثم الشام ثم مصر، من السادسة (ت ١٤٤) على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٢٩، وتهذيب التهذيب ٧/٢٥٥- ٢٥٦) . (الترمذي: السنن ٣/٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. أحمد: المسند١/٢٩٩.وأبو يعلى: المسند ٣/٢٧١أرقم٣٠٣.والطحاوي: مشكل الآثار١/٢٣٨. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٥/٢٥٨ و٣٢٧: رواه أبو داود والترمذي خلا قوله: "صدقوا وصبروا". (سنن الدارمي٢/١٣٤-١٣٥كتاب السير، باب في خير الأصحاب والسرايا والجيوش) . (سنن أبي داود ٢/٣٥ كتاب الجهاد، باب فيما يستحب من الجيوش والرفقاء والسرايا، والمراسيل له ص٣٤. ومصنف عبد الرزاق ٥/٣٠٦) .
[ ١٥٩ ]
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا يسنده كبير أحد غير جرير بن حازم، وإنما روي هذا الحديث عن الزهري، عن النبي - ﷺ - مرسلا.
وقد رواه حبان بن علي العنزي، عن عقيل، عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -.
ورواه الليث بن سعد١، عن عقيل، عن الزهري، عن النبي - صلى الله عليه مسلم -٢. إهـ
وهكذا أعله بالإرسال أيضا أبو حاتم، والطحاوي، والبيهقي٣.
والخلاصة: أن هذا الحديث تفرد بوصله جرير بن حازم، وهو ثقة. والزيادة من الثقة مقبولة، كما هو مقرر في علم المصطلح٤.
وقد قال الحاكم: هذا إسناد صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه لخلاف بين الناقلين عن الزهري٥. وسكت عنه الذهبي.
وقال ابن القطان٦: هذا ليس بعلة، فالأقرب صحته٧.
وقال البيهقي - بعد سياق الحديث -: "قال أبو داود: أسنده جرير بن حازم وهو خطأ".
_________________
(١) ١ الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي، أبو الحارث، المصري، ثقة ثبت فقيه إمام مشهور، من السابعة (ت ١٧٥) . /ع. (التقريب ٢/١٣٨، وتهذيب التهذيب ٨/٥٤٩) . (سنن الترمذي ٣/٥٧ كتاب السير، باب ما جاء في السرايا. وهذه الرواية التي علقها الترمذي، وصلها الطحاوي في مشكل الآثار ١/٢٣٩ من طريق ابن صالح حدثني الليث عن عقيل الخ. قال الألباني: وابن صالح اسمه عبد الله كاتب الليث وفيه ضعف فلا يحتج به عند التفرد، فكيف عند المخالفة؟ (سلسلة الأحاديث الصحيحة٢/٧٢٠ حديث٩٨٦) . (انظر: علل الحديث لابن أبي حاتم١ /٣٤٧، ومشكل الآثار للطحاوي ١/٢٣٨، والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٥٦) . ٤ انظر: حديث (٣٢) . (المستدرك ١/٤٤٣، ٢/١٠١) . ٦ هو الحافظ العلامة الناقد قاضي الجماعة أبو الحسن علي بن محمد بن عبد الملك بن يحيى بن إبراهيم الحميري الكتامي الفاسي الشهير بابن القطان، صاحب كتاب الوهم والإيهام كان من أبصر الناس بصناعة الحديث وأحفظم لأسماء رجاله وأشدهم عناية بالرواية، وهو رأس طلبة العلم بمراكش (ت: ٦٢٨) . (الذهبي/ تذكرة الحفاظ ٤/١٤٠٧) . ٧ انظر: (فيض القدير للمناوي ٣/٤٧٤) .
[ ١٦٠ ]
فتعقبه ابن التركماني بقوله: "هذا ممنوع، لأن جريرا ثقة، وقد زاد الإسناد فيقبل قوله"١.
وصححه أيضا السيوطي٢.
وقال الألباني: "جرير بن حازم ثقة احتج به الشيخان، وقد وصله، وهي زيادة يجب قبولها، ولا يضره رواية من قصر به على الزهري"، ولذلك قال ابن القطان: هذا ليس بعلة فالأقرب الصحة.
وقد تابعه حبان بن علي العنزي على وصله، كما ذكر الترمذي.
ثم ذكر من وصل الحديث من طريق حبان بن علي، ثم قال: ورجال الحديث كلهم ثقات رجال البخاري، غير حبان بن علي وهو ضعيف، لكنه لم يترك كما قال الذهبي٣.
فمثله يستشهد به٤.
_________________
(١) (الجوهر النقي ٩/١٥٦ مع السنن الكبرى للبيهقي) . (الجامع الصغير ٣/٤٧٤ مع فيض القدير) . (انظر: ميزان الاعتدال ١/٤٤٩) . ٤ الألباني: (سلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧١٩ حديث (٩٨٦)، وصحيح الجامع الصغير ٣/١٢١- ١٢٢ حديث (٣٢٧٣) .
[ ١٦١ ]
المبحث الثاني: مواقف مريبة إثر انكشاف المسلمين في بادئ الأمر:
لما خرج رسول الله - ﷺ - إلى حنين لمنازلة هوازن وجموعها، خرج معه كثير من أهل مكة وهم أوزاع منهم الطلقاء، ومنهم المقيم على كفره١، ومنهم المسلم الذي حسن إسلامه، ومنهم ضعيف الإيمان.
وكان خروج الأغلبية منهم يرجون الغنائم وينظرون لمن تكون الغلبة، ولا يكرهون أن تكون الهزيمة للمسلمين.
_________________
(١) ١ ذكر القسطلاني في المواهب اللدنية ١/١٦٢، والزرقاني في شرح المواهب ٣/٥، وبرهان الدين الحلبي في السيرة الحلبية ٣/٦٤: "إنه خرج مع رسول الله - ﷺ - ثمانون من أهل مكة وهم على كفرهم".
[ ١٦١ ]
قال ابن كثير قال ابن لهيعة١، عن أبي الأسود٢، عن عروة٣.
وذكر موسى بن عقبة في "مغازيه" عن الزهري، أن رسول الله - ﷺ - لما فتح الله عليه مكة وأقر بها عينه، خرج إلى هوازن معه أهل مكة لم يغادر منهم أحدًا ركبانًا ومشاة حتى خرج النساء يمشين على غير دين نظارا ينظرون ويرجون الغنائم ولا يكرهون مع ذلك أن تكون الصدمة برسول الله - ﷺ - وأصحابه.
قالوا: وكان معه أبو سفيان بن حرب وصفوان بن أمية وكانت امرأته مسلمة وهو مشرك لم يفرق بينهما، قالوا: وكان رئيس المشركين يومئذ مالك بن عوف النصري ومعه دريد بن الصمة يرعش من الكبر، ومعه النساء والذراري والنعم، فبعث رسول الله - ﷺ - عبد الله بن أبي حدرد عينا فبات فيهم فسمع مالك بن عوف يقول لأصحابه: "إذا أصبحتم فاحملوا عليهم حملة رجل واحد واكسروا أغماد سيوفكم واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا". لما أصبحوا اعتزل أبو سفيان وصفوان وحكيم بن حزام وراءهم ينظرون لمن تكون الدائرة٤.
قالوا: ومر رجل من قريش بصفوان بن أمية فقال: أبشر بهزيمة محمد وأصحابه، فوالله لا يجتبرونها أبدا، فقال له صفوان: تبشرني بظهور الأعراب، فوالله لرب من قريش أحب إلي من رب من الأعراب٥، وغضب صفوان لذلك، قال
_________________
(١) ١ عبد الله بن لهيعة - بفتح اللام وكسر الهاء - ابن عقبة الحضرمي، أبو عبد الرحمن البصري، القاضي، صدوق من السابعة، خلط بعد احتراق كتبه، ورواية ابن المبارك وابن وهب عنه أعدل من غيرهما، وله في مسلم بعض شيء مقرون (ت ١٧٤) . /م د ت ق. (التقريب ١/٤٤٤، وتهذيب التهذيب ٥/٣٧٣- ٣٧٩) . وقال الهيثمي: "ابن لهيعة فيه ضعف وحديثه حسن". مجمع الزوائد ٦/١٣٩، ١٧٣، ١٧٥، ١٩٠، ١٩٦) . ٢ هو: محد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي، أبو الأسود المدني، يتيم عروة، ثقة من السابعة، مات سنة بضع وثلاثين ومائة. /ع. (التقريب ٢/١٨٥، وتهذيب التهذيب ٩/٣٠٧) . ٣ تقدمت ترجمة عروة في حديث (٩)، وترجمة موسى بن عقبة في حديث (٥٢) . والزهري في حديث (٣٢) . ٤ الدائرة: هي الدولة بالغلبة والنصر (ابن الأثير: النهاية ٢/١٤٠) . ٥ سيأتي أن معنى هذا قاله صفوان لما قال كلدة بن الحنبل "ألا بطل السحر".وفي تارخ الخميس٢/١٠٢ أن هذا القول قاله صفوان لكلدة ولرجل آخر ولأبي سفيان بن حرب وكان أبو سفيان لما انهزم المسلمون في أول القتال استبشر وقال: غلبت هوازن لا يردهم شيء إلاّ البحر، وكان أبو سفيان أسلم يوم الفتح لكن لم يتصلب فيه بعد وكان هو وابنه معاوية يومئذ من المؤلفة قلوبهم وبعد ذلك حسن إسلامهما. وقال: "أراد صفوان: برب من قريش رسول الله - ﷺ - وبرب من هوازن رئيسهم مالك بن عوف"إهـ.
[ ١٦٢ ]
عروة: وبعث صفوان غلامًا له فقال: اسمع لمن الشعار؟ فجاءه فقال: سمعتهم يقولون: "يا بني عبد الرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عبيد الله، فقال: ظهر محمد وكان ذلك شعارهم في الحرب" الحديث١.
والحديث أخرجه البيهقي في دلائل عن عروة وموسى بن عقبة ولم يذكر الزهري٢. وفي السند إلى عروة أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد لم أجد له ترجمة.
والحديث في كلا الإسنادين مرسل، لأن عروة بن الزبير من الثانية وموسى بن عقبة من الخامسة٣.
٦٤- وعند ابن إسحاق: فلما انهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله - ﷺ - من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن٤، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وإن الأزلام٥ لمعه في كنانته، وصرخ جبلة٦ بن الحنبل - وهو مع أخيه صفوان بن أمية مشرك في المدة التي جعل له رسول الله - ﷺ -: ألا بطل السحر اليوم، فقال صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن٧.
_________________
(١) (ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٣٠، والواقدي: المغازي ٣/٨٩٠، ٨٩٤- ٨٩٥. وانظر حديث (٦٤) . وفي سيرة ابن هشام ٢/٤٠٩ كان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم فتح مكة وحنين والطائف، شعار المهاجرين: يا بني عبد الرحمن، وشعار الخزرج: يا بني عبد الله، وشعار الأوس: يا بني عبيد الله. ٢ دلائل النبوة ٣/٤٥أوتقدم الحديث برقم (٥٧) . ٣ انظر: التقريب ٢/١٩ و٢٨٦. ٤ الضغن: الحقد. (المصباح المنير ٢/٤٢٨) . ٥ الأزلام: هي القداح التي كانت في الجاهلية عليها مكتوب، الأمر والنهي، افعل ولا تفعل، وكان الرجل منهم يضعها في وعاء له، فإذا أراد سفرا أو زواجا أو أمرا مهما، أدخل يده فأخرج منها زلما، فإن خرج الأمر مضى لشأنه، وإن خرج النهي كف عنه ولم يفعله. (ابن الأثير: النهاية ٢/٣١١) . ٦ تقدم في حديث (٥٨) . (ابن هشام: السيرة النبوية٢/٤٤٣-٤٤٤، والطبري: تاريخ الرسل والملوك٣/٧٤. وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٢٧. وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٦٩- ٤٧٠. والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٦٨. والكلاعي: الاكتفاء ٢/٢٢٧- ٢٢٨) .
[ ١٦٣ ]
ذكر هذا ابن إسحاق بدون إسناد، ومن طريقه أخرجه الطبري، لكن الجزء الأخير منه - وهو قول جبلة: "بطل السحر اليوم" - وجواب صفوان له ثابت عند أبي يعلى من حديث جابر بن عبد الله، وهذا نصه:
حدثنا جعفر١، ثنا عبد٢ الأعلى، عن محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر قال: كان أمام هوازن رجل جسيم٣ على جمل أحمر في يده راية٤ سوداء إذا أدرك طعن بها وإذا فاته شيء من بين يديه رفعها لمن خلفه، فعمد٥ له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار كلاهما يريده، قال: فضربه علي على عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، قال: وضرب الأنصاري ساقه، قال: فطرح قدمه بنصف ساقه فوقع، واقتتل الناس.
وصرخ - حين كانت الهزيمة - كلدة وكان أخا صفوان٦ بن أمية وكان صفوان يومئذ مشركا، في المدة التي ضرب له رسول الله - ﷺ -: ألا بطل السحر اليوم٧. فقال له صفوان: اسكت فض الله فاك، فوالله لأن يربني رجل من قريش
_________________
(١) ١ جعفر بن مهران السباك، أبو النضر البصري، سكت عنه ابن أبي حاتم. وقال الذهبي: "موثق، له ما ينكر". وقال ابن حجر: "وثقه ابن حبان". (انظر: الجرح والتعديل٢/٤٩١، وميزان الاعتدال١/٤١٨، وتعجيل المنفعة ص٥٠-٥١) . ٢ عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري، السامي - بالمهملة - أبو محمد، وكان يغضب إذا قيل له أبو همام، ثقة من الثامنة (ت ١٨٩) . (ابن حجر: التقريب ١/٤٦٥، وفي تهذيب التهذيب ٦/٩٦ ذكر بأنه مات سنة (١٩٨) ولم يذكر خلافا في ذلك) . ٣ وعند ابن حبان: "رجل ضخم". ٤ وعند ابن إسحاق وأحمد والطبري والبيهقي: "ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء، في رأس رمح له طويل، أمام هوازن، وهوازن خلفه، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه فتبعوه". ٥ وعند ابن حبان: "فرصد له". وعند ابن إسحاق وأحمد والطبري: "بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله ذلك يصنع ما يصنع إذ هوى له على بن أبي طالب ورجل من الأنصار يريدانه، قال: فيأتيه علي من خلفه فضرب عرقوبي الجمل فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه فانجعف عن رجله، قال واجتلد الناس". ٦ وعند ابن حبان: "وكان أخا صفوان بن أمية لأمه". ٧ وعند الواقدي: فلما كانت الهزيمة حيث كانت الدائرة على المسلمين فتكلموا بما في أنفسهم م الكفر والضغن والغش، قال أبو سفيان ابن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، قال: يقول رجل من أسلم يقال له: "أبو مقيت": أما والله، لولا أني سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن قتلك لقتلتك. وقال سهيل بن عمرو: "لا يجتبرها محمد وأصحابه"، قال: يقول له عكرمة: "هذا ليس بقول، وإنما الأمر بيد الله، وليس إلى محمد من الأمر شيء، إن أديل عليه اليوم فإن له العاقبة غدا". قال: يقول سهيل: إن عهدك بخلافه لحديث، قال: يا أبا يزيد، إنا كنا والله نوضع في غير شيء وعقولنا عقولنا، نعبد الحجر لا ينفع ولا يضر. (مغازي الواقدي ٣/٩١٠- ٩١١) .
[ ١٦٤ ]
أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن"١.
ومن هذا الطريق أخرجه ابن حبان٢.
والحديث فيه: جعفر بن مهران السباك، وثقه ابن حبان وهو متساهل في التوثيق، وقال الذهبي: موثق وله ما ينكر. ولكن أصل الحديث ثابت عند أحمد وابن هشام والطبري والبيهقي من غير طريق جعفر بن مهران٣.
٦٥- وروى الواقدي عن قتادة قال: مضى سرعان المنهزمين إلى مكة يخبرون أهلها بالهزيمة، فسر بذلك قوم من أهلها وأظهروا الشماتة وقال قائلهم:"ترجع العرب إلى دين آبائها، وقد قتل محمدوتفرق أصحابه".
فقال عتاب بن أسيد: إن قتل محمد فإن دين الله قائم، والذي يعبده محمد حي لا يموت، فما أمسوا حتى جاءهم الخبر بنصره ﷺ، فسر عتاب ومعاذ بن جبل، وكبت الله من كان يسر خلاف ذلك٤.
٦٦- وأخرج الطبراني والبيهقي كلاهما من طريق أيوب٥ بن جابر، عن صدقة بن سعد، عن مصعب بن شيبة، عن أبيه٦ قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، والله ما أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على
_________________
(١) (أبو يعلى: المسند ٢/٢٠٠ب رقم ٣٠٢) . (موارد الظمآن ص٤١٧) . ٣ انظر الحديث رقم (٥٨) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١٢) . ٥ وقع في البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٣ "أبو أيوب" وكلمة "أبو" خطأ. ٦ هو: شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدري، الحجبي، المكي، من مسلمة الفتح، وله صحبة وأحاديث (ت ٩٥) . /خ د ق. كان ممن ثبت يوم حنين مع رسول الله - ﷺ - في قتال هوازن بعد أن كان خرج يريد أن يغتال رسول الله - ﷺ. (ابن حجر: التقريب ١/٣٥٧، وتهذيب التهذيب ٤/٣٧٦، والإصابة ٢/١٦١) .
[ ١٦٥ ]
قريش فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر"١
فضرب بيده في صدري ثم قال: "اللهم اهد شيبة"، ثم ضربها الثانية فقال: "اللهم اهد شيبة"، ثم ضربها الثالثة ثم قال: "اللهم اهد شيبة".
قال: فوالله ما رفع يده عن صدري في الثالثة حتى ما كان أحد من خلق الله أحب إلي منه:. الحديث٢.
والحديث ضعيف، لأن فيه:
أ - أيوب بن جابر٣.
ب - صدقة بن سعيد٤.
؟ - مصعب بن شيبة٥.
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني وفيه أيوب بن جابر وهو ضعيف٦.
٦٧- وروى الطبراني، والبيهقي – أيضا – كلاهما من طريق عبد الله٧ بن المبارك، عن أبي بكر الهذلي٨، عن عكرمة٩ مولى ابن عباس، عن شيبة بن عثمان
_________________
(١) ١ قال الزرقاني: لعل حكمة عدم رؤية المسلمين للملائكة، لئلا يعتمدوا عليهم، أو يشتغلوا بالنظر إليهم لكون قتالهم خارقا للعادة، فيفوتهم الاجتهاد في الحرب والثواب المترتب عليه. (شرح المواهب اللدنية ٣/١٥) . (الطبراني: المعجم الكبير ٧/٣٥٧) . (والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٥ب) . ٣ قال فيه ابن حجر في التقريب ١/٨٩: أيوب بن جابر بن سيار السحيمي - بمهملتين مصغرا - أبو سليمان اليمامي ثم الكوفي "ضعيف". ٤ قال فيه ابن حجر في التقريب١/٣٦٦:صدقة بن سعيد الحنفي، الكوفي، "مقبول". ٥ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٢٥١: مصعب بن شيبة العبدري "لين الحديث". وانظر: (تهذيب التهذيب ١/٣٩٩، ٤/٤١٥، ١٠/١٦٢) . (مجمع الزوائد٦/١٨٣،وانظر: ابن كثير: البداية والنهاية٤/٣٣٣،والزرقاني شرح المواهب ٣/١٢، ١٥، ١٩. والسيوطي: الدر المنثور٣/٢٢٦،والخصائص الكبرى ٢/٩٣) . ٧ عبد الله بن المبارك المروزي، مولى بني حنظلة ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة (ت١٨١) ./ع. (التقريب١/٤٤٥، وتهذيب التهذيب ٥/٣٨٢) . ٨ أبو بكر الهذلي، وقع في المعجم الكبير للطبراني:"أبو بكر الهدى" وهو خطأ. ٩ عكرمة بن عبد الله، مولى ابن عباس أصله بربري، ثقة ثبت عالم بالتفسير، ولم يثبت تكذيبه عن ابن عمر، ولا يثبت عنه بدعة، من الثالثة (ت ١٠٧) وقيل: قبل ذلك. (التقريب ٢/٣٠، وتهذيب التهذيب ٧/٢٦٣- ٢٧٣) .
[ ١٦٦ ]
قال: لما رأيت رسول الله يوم حنين قد عرى١، ذكرت أبي وعمي وقتل علي وحمزة إياهما٢، فقلت: اليوم أدرك ثأري من رسول الله - ﷺ -، قال: فذهبت لأجيئه عن يمينه فإذا بالعباس بن عبد المطلب قائم عليه بين درع بيضاء كأنها فضة ينكشف عنها العجاج٣، فقلت: عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته عن يساره فإذا بأبي سفيان٤ بن الحارث بن عبد المطلب، فقلت: ابن عمه ولن يخذله، قال: ثم جئته من خلفه فلم يبق إلا أن أساوره٥ سورة بالسيف إذ رفع شواظ٦ من نار بيني وبينه كأنه برق فخفت أن يمحشني٧، فوضعت يدي على بصري ومشيت القهقرى٨، فالتفت رسول الله - ﷺ - وقال: "يا شيبة٩ ادن مني، اللهم أذهب عنه الشيطان".
قال: فرفعت إليه بصري ولهو أحب إلي من سمعي وبصري، فقال: "يا شيبة قاتل الكفار". الحديث١٠.
والحديث أورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني وفيه أبو بكر الهذلي وهو ضعيف١١.
وقال ابن حجر: متروك الحديث١٢.
_________________
(١) ١ قد عرى: أي انكشف عنه الناس. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٤/٣٦١) . ٢ قتل في غزوة أحد كما في سيرة ابن هشام ١/١٢٧. (العجاج: الغبار. (الفيروز آبادي: ١/١٩٨) . ٤ أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي، ابن عم النبي - ﷺ -، وأخاه من الرضاعة أرضعتهما حليمة بنت ذؤيب السعدية، كان أبو سفيان من الشعراء المطبوعين، وكان سبق له هجاء في رسول الله - ﷺ -، وكان حسان بن ثابت يرد عليه يدافع عن رسول الله - ﷺ -. ثم أسلم وحسن إسلامه وشهد حنينا وأبلى فيها بلاء حسنا، مات سنة عشرين. (ابن الأثير: أسد الغابة ٦/١٤٤- ١٤٧) . ٥ أساوره: أي أعلوه بالسيف في رأسه، والسورة - بفتح أوله - الوثبة. (ابن منظور: لسان العرب ٦/٥١- ٥٢) . ٦ الشواظ: كغراب وكتاب: لهب لا دخان فيه، أو دخان النار وحرها. (الفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/٣٩٦) . ٧ أن يمحشني: أي يحرقني، والمحش: احتراق الجلد وظهور العظم. (ابن الأثير: النهاية ٤/٣٠٢) . ٨ القهقرى: هو المشي إلى الخلف من غير أن يعيد وجهه إلى جهة مشيه. (المصدر السابق ٤/١٢٩) . ٩ يا شيب: نداء ترخيم (شيبة) . (أنظر: ابن عقيل: شرح ألفية ابن مالك٢/٢٨٩) . ١٠ (الطبراني: المعجم الكبير ٧/٣٥٨، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٥ب) . ١١ (مجمع الزوائد ٦/١٨٤، وانظر: البداية والنهاية ٤/٣٣٣، والتفسير ٢/٣٤٥ كلاهما لابن كثير، والخصائص الكبرى للسيوطي ٢/٩٤- ٩٥) . ١٢ انظر: (التقريب ٢/٤٠١، وتهذيب التهذيب ١٢/٤٥) .
[ ١٦٧ ]
وأخرج البلاذري نحوه من طريق الوليد بن مسلم، ثنا يحيى١ بن عبد العزيز.
٦٨- عن عبد الله٢ بن نعيم الأردني، عن الضحاك٣ بن عبد الرحمن الأشعري قال: لما هزم الله هوازن يوم حنين عقد رسول الله - ﷺ - لأبي عامر علي خيل الطلب. الحديث. وفيه: "وكان شيبة بن عثمان العبدري شديدا على المسلمين وكان ممن أومن فسار إلى هوازن طمعا في أن يصيب من النبي - ﷺ - غرة، قال: فدنوت منه فإذا أهله محيطون به، ورآني فقال: "يا شيب إليّ، فدنوت منه، فمسح صدري، ودعا لي" فأذهب الله كل غل كان فيه وملأه إيمانا وصار أحب الناس إليّ٤.
والحديث ضعيف لأن فيه يحيى بن عبد العزيز، وعبد الله بن نعيم، وفيه أيضا الإرسال، لأن الضحاك بن عبد الرحمن لم يدرك هذه القصة.
وأخرج ابن سعد من طريق الواقدي نحو ما تقدم ولفظه:
٦٩- كان شيبة بن عثمان رجلا صالحا له فضل وكان يحدث الناس عن إسلامه وما أراد الله به من الخير ويقول: "ما رأيت أعجب ممّا كنا فيه من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ثم يقول: لما كان عام الفتح ودخل رسول الله - ﷺ - مكة عنوة فقلت: أسير مع قريش إلى هوازن بحنين فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمد غرة فأثأر منه فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها، وأقول: لو لم يبق من العرب والعجم أحد إلا اتبع محمدا ما تبعته أبدا". الحديث وهو مطول٥.
_________________
(١) ١ يحيى بن عبد العزيز أبو عبد العزيز الأردني - بضم الهمزة المهملة بينهما راء ساكنة ثم نون ثقيلة - نزيل اليمامة - مقبول من السابعة، وهو والد أبي عبد الرحمن الشافعي. /بخ د. (ابن حجر ٢/٣٥٣، وتهذيب التهذيب ١١/٢٥١) . ٢ عبد الله بن نعيم بن همام القيني-بفتح القاف ثم تحتانية ساكنة ثم نون-الأردني-كالذي قبله-عابد، لين الحديث، من السابعة./قد. (المصدر السابق١/٤٥٧،٦/٥٦) . (وفي ميزان الاعتدال ٢/٥١٥)، سئل عنه ابن معين فقال: مظلم، وقال غيره: صالح الحديث. ٣ الضحاك بن عبد الله بن عرزب - بفتح المهملة وسكون الراء وفتح الزاي ثم موحدة - وقد يقال عرزم بالميم - أبو عبد الرحمن ويقال: أبو زرعة الأردني - كالذي قبله - الطبراني، ثقة من الثالثة. (ت ١٠٥) /قد ت ق. (ابن حجر: التقريب ١/٣٧٢- ٣٧٣، والتهذيب ٤/٤٤٦) . (البلاذري: أنساب الأشراف ص٣٦٦) . (ابن سيد الناس: عيون الأثر ٢/١٩٠- ١٩١، وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٧٠، وابن حجر: الإصابة ٢/١٦١) .
[ ١٦٨ ]
والحديث فيه الواقدي، وهو متروك الحديث١.
وعند ابن إسحاق بدون إسناد قال: وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة أخو بني عبد الدار، قلت: اليوم أدرك ثأري من محمد - وكان أبوه قتل يوم أحد – اليوم أقتل محمدا، قال: فأدرت برسول الله - ﷺ - لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي، فلم أطق ذاك، وعلمت أنه ممنوع مني٢.
ومن طريقه أخرجه الطبري والبيهقي٣.
والخلاصة: أن الأحاديث الواردة في سبب إسلام شيبة بن عثمان كلها ضعيفة، ولذا قال ابن السكن٤: في إسناد قصة إسلامه نظر٥.
ولكن هذه الروايات على ضعف أكثرها تدل على محاولات شيبة للقضاء على رسول الله - ﷺ - وأخذ الثأر منه، كما أن تلك الأقوال الحاقدة التي أطلقها بعض أهل مكة كانت بمثابة التشفي من المسلمين، والرغبة في اندحار الحق.
وتلتقي هذه الأقوال وتلك المحاولات من شيبة وغيره في إطار واحد يمثل ضيق نفوس هؤلاء بالإسلام، وحبهم للعهد الجاهلي وبقائه، ولكن أبى الله إلا أن يتم نوره، وينصر نبيه - ﷺ -، ولله الحمد والمنة.
_________________
(١) (انظر: ابن حجر: التقريب ٢/١٩٤) . ٢ ابن هشام: (السيرة النبوية ٢/٤٤٣- ٤٤٤) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٤- ٧٥، ودلائل النبوة ٣/٤٣- ٤٤ب) . ٤ هو: الحافظ الحجة أبو علي سعيد بن عثمان، تقدم. (ابن حجر: الإصابة ٢/١٦١) .
[ ١٦٩ ]
المبحث الثالث: عدد الثابتين مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين:
مر بنا أن مالك بن عوف سبق إلى وادي حنين وفرق جيوشه في منعطفاته ومضايقه واستعدوا وتأهبوا وأحكموا خطتهم١.
وكان المسلمون لا يعلمون بذلك، وبينما هم ينحدرون في الوادي إذ انهالت عليهم هوازن بوابل من النبال والسهام، فانكشفت مقدمة المسلمين، وتبعها بقية
_________________
(١) ١ تقدم في مبحث (سبب هزيمة المسلمين ص١٤١) .
[ ١٦٩ ]
الجيش الإسلامي، ولم يبق مع رسول الله - ﷺ - إلا قلة من المسلمين، وهذا ما نريد الحديث عنه في هذا المبحث.
على أنه قد اختلفت الروايات في عدد الذين ثبتوا مع رسول الله - ﷺ -، وهي كالآتي:
أ- ورد في حديث أنس بن مالك عند البخاري ومسلم وغيرهما قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي - ﷺ - عشرة آلاف ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده" الحديث١.
قال ابن حجر: ويجمع بين قوله "حتى بقي وحده" وبين الأخبار الدالة على أنه بقي جماعة، بأن المراد: بقي وحده متقدما مقبلا على العدو، والذين ثبتوا معه كانوا وراءه، أو وحدة بالنسبة لمباشرة القتال، وأبو سفيان ابن الحارث وغيره كانوا يخدمونه في إمساك البغلة ونحو ذلك٢.
ب- وأخرج ابن أبي شيبة والبزار من حديث بريدة بن الحصيب أن الناس تفرقوا عن رسول الله ﷺ ولم يبق معه إلا رجل واحد يقال له زيد. وهذا سياق الحديث عند البزار:
٧٠- حدثنا معمر٣ بن سهل، وصفوان٤ بن المغلس قالا: ثنا عبيد٥ بن
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٤٠) . (فتح الباري ٨/٢٩، والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . ٣ كذا وقع في السند "معمر"، ولعل الصواب: محمد بن سهل بن عسكر بن عمارة التيمي، مولاهم، أبو بكر البخاري، نزيل بغداد، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٥١) /م ت س. فإنه يروي عن عبيد الله بن موسى. انظر: (تهذيب الكمال للمزي٥/٤٤٦و٧/٦٠٣،والتقريب٢/١٦٧، وتهذيب التهذيب ٩/٢٠٧ كلاهما لابن حجر، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ٥/٣١٣) . ٤ لم أجد ترجمته. ٥ عبيد الله بن موسى بن أبي مختار، باذام - بموحدة وذال معجمة - العبسي الكوفي، أبو محمد ثقة، كان يتشيع، من التاسعة. قال أبو حاتم: "كان أثبت في إسرائيل من أبي نعيم، واستصغر في سفيان الثوري" (ت٢١٣) على الصحيح. /ع. (التقريب ١/٥٣٩-٥٤٠، وتهذيب التهذيب ٧/٥٠-٥٣ كلاهما لابن حجر. والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/٣٣٤-٣٣٥) .
[ ١٧٠ ]
موسى، ثنا يوسف١ بن صهيب، عن عبد الله٢ بن بريدة، عن أبيه٣ قال:
"تفرق الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلم يبق إلا رجل يقال له زيد٤، وهو آخذ بعنان٥ بغلة رسول الله - ﷺ - الشهباء٦، فقال له رسول الله - ﷺ -:
_________________
(١) ١ يوسف بن صهيب الكندي، الكوفي، ثقة من السادسة/ د ت س. (التقريب ٢/٣٨١، وتهذيب التهذيب ١١/٤١٥) . ٢ عبد الله بن بريدة بن الحصيب الأسلمي، أبو سهل المروزي، قاضيها، ثقة، من الثالثة (ت ١٠٥، وقيل: ١١٥) . /ع. (المصدر السابق ١/٤٠٣- ٤٠٤، و٥/١٥٧) . ٣ هو: بريدة بن الحصيب - بمهملتين مصغرا - أبو سهل الأسلمي، صحابي، أسلم قبل بدر (ت٦٣) /ع. (التقريب١/٩٦،تهذيب التهذيب١/٤٣٢- ٤٣٣) . ٤ لعله زيد بن الأرقم الأنصاري الخزرجي، فقد جاء عند الطبراني في معجمه الكبير ٥/٢١٥ عن زيد بن أرقم قال: انهزم الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين فقال: أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب وقال الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/١٨٢: "رواه الطبراني ورجاله ثقات". ٥ العنان: ككتاب: سير اللجام الذي تمسك به الدابة، جمعه أعنة وعنن. (القاموس المحيط ٤/٢٤٩) . وثبت في الأحاديث المستفيضة أن الذي كان ملازما لرسول الله - ﷺ - وآخذا بلجام البغلة وركابها هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وكان العباس هو الذي نادى المهاجرين والأنصار، ولعل هؤلاء الثلاثة كانوا يتناوبون ذلك أو أن كل واحد منهم آخذا من جهة. ٦ قوله: "على بغلة شهباء"، وكذا جاء في حديث عند الطبراني في الأوسط، وفي حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم، وفي حديث البراء عند أبي يعلى والروياني، وحديث العباس عند ابن سعد وأحمد والطبري والعسكري في الأمثال، وحديث عبد الرحمن مولى أم برثن عند الطبري. قال ابن حجر: وقع عند مسلم من حديث العباس "وكان على بغلة له بيضاء أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي"، وله من حديث سلمة بن الأكوع "وكان على بغلته الشهباء". ووقع عند ابن سعد وتبعه جماعة ممن صنفوا في السيرة أنه كان على بغلته "دلدل" - بدالين مضمومتين- وفيه نظر، لأن "دلدل" أهداها له المقوقس. وقد ذكر القطب الحلبي: أنه استشكل عند الدمياطي ما ذكره ابن سعد، فقال له: كنت تبعته فذكرت ذلك في السيرة، وكنت حينئذ سيريا محضا، وكان ينبغي لنا أن نذكر الخلاف، ثم قال القطب الحلبي: يحتمل أن يكون يومئذ ركب كلا من البغلتين إن ثبت أنها كانت صحبته، وإلا فما في الصحيح أولى. ثم قال ابن حجر: وقد أغرب النووي فقال: وقع عند مسلم "على بغلته البيضاء"، وفي أخرى "الشهباء" وهي واحدة، ولا نعرف له بغلة غيرها، قال ابن حجر: وتعقب بـ: "دلدل" فقد ذكرها غير واحد، لكن قيل: إن الاسمين لواحدة. وقال في حديث أنس بن مالك الذي فيه "أن ملك أيلة أهدى للنبي ﷺ بغلة بيضاء"، قال: ومما ينبه عليه هنا أن البغلة البيضاء التي كان عليها في حنين غير البغلة البيضاء التي أهداها له ملك أيلة، لأن ذلك كان في تبوك، وغزوة حنين كانت قبلها، وقد وقع في مسام من حديث العباس أن البغلة التي كانت تحته في حنين أهداها له فروة بن نفاثة، وهذا هو الصحيح. وذكر أبو الحسين بن عبدوس أن البغلة التي ركبها يوم حنين "دلدل" وكانت شهباء أهداها له المقوقس، وأن التي أهداها له فروة يقال لها: فضة، ذكر ذلك ابن سعد، والصحيح ما في مسلم. إهـ. كلام ابن حجر. وقال الزرقاني: "وقع في رواية لأحمد وأبي داود وغيرهما من حديث أبي عبد الرحمن الفهري أنه - ﷺ - كان يومئذ على فرس. قال الشامي: وهي شاذة، والصحيح أنه كان على بغلة". ثم قال الزرقاني: "ويحتمل أنه عبر عنها بالفرس مجازا لشبهها به في الإقدام، بحيث كان العباس يكفها، ونزوله بعد انخفاضها به، وأخذه الحصى ورميهم به، فلا تنافي". (انظر: ابن حجر: فتح الباري ٦/٧٥ و٨/٣٠، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٠-٤٠١، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٠، والزرقاني شرح المواهب اللدنية ٣/٩- ١٠، ١٣- ١٤، والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢١٧) .
[ ١٧١ ]
"ويحك١ ادع الناس"، فنادى زيد: يا أيها الناس! هذا رسول الله - ﷺ - يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص الأوس والخزرج، فنادى: يا معشر الأوس والخزرج! هذا رسول الله - ﷺ - يدعوكم، فلم يجئ أحد، فقال: ويحك خص المهاجرين فإن لي في أعناقهم بيعة، قال: فحدثني بريدة أنه أقبل منهم ألف قد طرحوا الجفون حتى أتوا رسول الله - ﷺ - فمشوا قدما حتى فتح الله عليهم".
قال البزار: لا نعلم رواه إلا بريدة، ولا رواه عن عبد الله إلا يوسف بن صهيب، وهو كوفي مشهور.
وقال الهيثمي وابن حجر: "رجاله ثقات"٢.
ونسبه ابن كثير ليونس بن بكير فقال: وروى يونس بن بكير في مغازيه عن يوسف بن صهيب، عن٣ عبد الله: أنه لم يبق مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين إلا رجل واحد اسمه زيد٤.
؟- وعند أبي يعلى والطبراني من حديث أنس بن مالك: أنه لم يبق مع رسول الله ﷺ إلا العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث، وهذا سياقه عند أبي يعلى قال:
_________________
(١) ١ "ويحك" قال ابن الأثير: ويح كلمة ترحم وتوجع، تقال لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقد يقال بمعنى المدح والتعجب، وهي منصوبة على المصدر، وقد ترفع وتضاف ولا تضاف. (النهاية ٥/٢٣٥) . (الهيثمي: كشف الأستار٢/٣٤٧-٣٤٨، ومجمع الزوائد٦/١٨١، وابن حجر: مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥٠-٢٥١،رقم (٨١٦)،والمطالب العالية ٤/٢٥٠) . وعلي المتقي الهندي: منتخب كنْز العمال ٤/١٦٧ مع "مسند أحمد". ٣ وقع في البداية والنهاية: "بن" وهو خطأ، والصواب "عن" كما تقدم في أول هذا الحديث. (البداية والنهاية ٤/٣٣٢) .
[ ١٧٢ ]
٧١- حدثنا محمد١ بن أبي بكر، ثنا عمرو٢ بن عاصم، ثنا أبو العوام، عن معمر٣، عن الزهري٤، عن أنس قال: "لما كان يوم حنين انهزم الناس عن رسول الله - ﷺ - إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبو سفيان بن الحارث". الحديث٥.
قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح، غير عمران بن دوار٦ وهو أبو العوام، وثقه ابن حبان وغيره، وضعفه ابن معين وغيره".
قلت: يشهد له حديث العباس، فقد أخرج الحاكم من طريق ابن أبي عمر٧:
٧٢- ثنا سفيان٨، عن الزهري، عن كثير٩ بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه١٠ قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلقد رأيته وما معه إلا أنا وأبو
_________________
(١) ١ محمد بن أبي بكر بن علي بن عطاء بن مقدّم - بوزن محمد - المقدّمي - بالتشديد - أبو عبد الله الثقفي، مولاهم البصري ثقة من العاشرة (ت ٢٣٤) /خ م س. (التقريب٢/١٤٨، وتهذيب التهذيب٩/٢٧٩،والمغني لابن طاهر الهندي ص٧٤) . ٢ عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي، القيسي أبو عثمان البصري، صدوق، في حفظه شيء، من صغار التاسعة (ت ٢١٣) /ع. (التقريب ٢/٧٢، وتهذيب التهذيب ٨/٥٨) . وفي هدي الساري ص٤٣١ قال: وثقه ابن معين والنسائي، وقال أبو داود: لا أنشط لحديثه. ثم عقب ابن حجر بقوله: قد احتج به أبو داود في السنن والباقون. ٣ معمر بن راشد الأزدي، مولاهم، أبو عروة البصري، نزيل اليمن ثقة ثبت، إلا أن في روايته عن ثابت والأعمش وهشام بن عروة شيئا، وكذا فيما حدث به بالبصرة، من كبار السابعة (ت ١٥٤٩ /ع. (التقريب ٢/٢٦٦، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٤٣) . ٤ تقدمت ترجمة أنس والزهري في رقم (٢٢) و(٣٢) . ٥ أبو يعلى: (المسند ٣/٣٣٨ب رقم (٣٠٣) . والهيثمي (مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم (٧٧)، ومجمع الزوائد ٦/١٨٠- ١٨١) . ٦ قال عنه ابن حجر: همران بن دوار - بفتح الواو بعدها راء - أبو العوام القطان البصري، صدوق يهم، ورمي برأي الخوارج، من السابعة (ت ١٦٠- ١٧٠) /خت عم. (التقريب ٢/٨٣، وتهذيب التهذيب٨/١٣٠) . ٧ هو: محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، نزيل مكة، صدوق صنف المسند، وكان لازم ابن عيينة، لكن قال أبو حاتم: "كانت فيه غفلة"، من العاشرة (ت٢٣٤) /م ت س ق. (التقريب ٢/٢١٨، وتهذيب التهذيب ٩/٥١٨) . ٨ سفيان: هو ابن عيينة، تقدمت ترجمته في حديث (٥١) . ٩ كثير بن العباس بن عبد المطلب الهاشمي، أبو تمام، صحابي صغير مات بالمدينة أيام عبد الملك. /خ م د س. (التقريب ٢/١٣٢، وتهذيب التهذيب ٧/٤٢٠- ٤٢١) . ١٠ عباس بن عبد المطلب بن هاشم، عم النبي ﷺ، مشهور، (ت ٣٢) أو بعدها. /ع. (التقريب ١/٣٩٧- ٣٩٨، وتهذيب التهذيب ٥/١٢٢) .
[ ١٧٣ ]
سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وهو آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ - وهو راكبها وأبو سفيان لا يألو أن يسرع نحو المشركين" ١ ثم قال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وسكت عنه الذهبي.
د- وعند ابن ابي شيبة من مرسل الحكم٢ بن عتيبة قال:
٧٣- لما فر الناس يوم حنين جعل النبي - ﷺ - يقول:
"أنا النبي لا كذب أنا بن عبد المطلب
فلم يبق معه إلا أربعة نفر، ثلاثة من بني هاشم، ورجل من غيرهم، علي، والعباس بين يديه، أبو سفيان بن الحارث آخذ بالعنان، وابن مسعود من الجانب الأيسر، قال: وليس يقبل نحوه أحد إلا قتل٣" ٤.
؟- وفي حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق ما يدل على أنه بقي مع رسول الله - ﷺ - عشرة، وهذا سياقه: قال:
لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف خطوط إنما ننحدر فيه انحدارا – قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا، فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدة رجل واحد، وانشمر الناس راجعين، لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين، ثم قال: أين أيها٥ الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض فانطلق الناس، إلا أنه قد بقي مع رسول الله - ﷺ - نفر٦ من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
_________________
(١) (المستدرك ٣/٢٥٥) . ٢ الحكم بن عتيبة - بفوقية ثم موحدة مصغرا - أبو محمد الكندي، الكوفي، ثقة ثبت فقيه، إلا أنه ربما دلس، من الخامسة (ت ١١٣) أو بعدها. /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٩٢) . ٣ قال الزرقاني: قوله "وليس يقبل نحوه أحد إلاّ قتل": أي بقتل الملائكة على المتبادر من أنه لم يبق إلاّ هؤلاء الأربعة، وبين ما انشغلوا به. وتقدم حديث عبد الرحمن فتلقانا عند صاحب البغلة رجال بيض الوجوه حسان. (شرح المواهب ٣/١٥، ١٨، وانظر حديث (٨٨) . ٤ ابن حجر: (فتح الباري ٨/٢٩، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٨) . ٥ خطاب للصحابة. ٦ النفر: اسم جمع بقع على الجماعة من الرجال خاصة، ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه. (ابن الأثير: النهاية ٥/٩٣) .
[ ١٧٤ ]
وفيمن ثبت معه من المهاجرين: أبو بكر، وعمر.
ومن أهل بيته: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث وابنه١، والفضل بن العباس، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد. الحديث٢.
والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي: الجميع من طريق ابن إسحاق، ولم يذكروا "ابن أبي سفيان:".
ووعند أحمد والبزار والطبراني والحاكم من حديث عبد الله بن مسعود أن الذين ثبتوا يوم حنين كانوا ثمانين، وهذا سياقه عند أحمد قال:
٧٤- ثنا عفان٣، ثنا عبد الواحد٤ بن زياد، ثنا الحارث٥ بن حصيرة، ثنا القاسم٦ بن عبد الرحمن، عن أبيه٧ قال: قال عبد الله بن مسعود: كنت مع رسول
_________________
(١) ١ قال ابن هشام: اسم ابن أبي سفيان بن الحارث: "جعفر"، وبعض الناس يعد فيهم قثم بن العباس، ولا يعد ابن أبي سفيان. (السيرة النبوية ٢/٤٤٣) . ٢ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٨) . ٣ عفان بن مسلم بن عبد الله الباهلي، أبو عثمان الصفار، البصري، ثقة ثبت، قال ابن المديني: كان إذا شك في حرف من الحديث تركه، وربما وهم. وقال ابن معين: "أنكرناه في صفر سنة (٢١٩) " ومات بعدها بيسير. من كبار العاشرة. /ع. (التقريب ٢/٢٥، وتهذيب التهذيب ٧/٢٣٠) . ٤ عبد الواحد بن زياد، العبدي، مولاهم، البصري، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده فيه مقال، من الثامنة (ت١٧٦) /ع. (التقريب١/٥٢٦، وتهذيب التهذيب٦/٤٣٤) . ٥ الحارث بن حصيرة - بفتح المهملة وكسر المهملة بعدها - الأزدي، أبو نعمان الكوفي، صدوق يخطئ، ورمي بالرفض، من السادسة، وله ذكر في مقدمة مسلم. /بخ س ص. (ابن حجر: التقريب ١/١٤٠، وتهذيب التهذيب ٢/١٤٠) . ووقع في البداية والنهاية لابن كثير٤/٣٣٢:"الحارث بن حصين" بالنون، وهو خطأ. ٦ القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود المسعودي، أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي، ثقة عابد، من الرابعة (ت ١٢٠) أو بعدها /خ عم. (ابن حجر: التقريب ٢/١١٨، وتهذيب التهذيب ٨/٣٢١) . ٧ هو عبدا لرحمن بن عبد الله بن مسعود الهذلي، الكوفي، ثقة من صغار الثانية (ت٧٩) وقد سمع من أبيه، لكن شيئًا يسيرًا. /ع. (المصدر السابق١/٤٨٨،٦/٢١٥) . وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية خطأ في الرمز حيث رمز له بـ ق، والصواب "ع" كما في: (تهذيب التهذيب، وميزان الاعتدال ٢/٥٧٣. والخلاصة للخزرجي ٢/١٤١) .
[ ١٧٥ ]
الله - ﷺ - يوم حنين، قال: فولى١ عنه الناس وثبت معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار فنكصنا٢ على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله ﷿ عليهم السكينة٣، قال: ورسول الله - ﷺ - على بغلته يمضي قدما فحادت٤ به فمال عن السرج فقلت له: "ارتفع رفعك الله" الحديث٥.
والحديث رواه البزار والطبراني والحاكم: كلهم من طريق عفان ابن مسلم به٦.
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه أحمد والبزار والطبراني، ورجال أحمد رجال الصحيح غير الحارث بن حصيرة وهو ثقة٧.
وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه".
وتعقبه الذهبي بقوله: "قلت: الحارث وعبد الواحد ذوا مناكير، وهذا منها، ثم فيه إرسال".
والحديث أعله الذهبي بأنه من مناكير عبد الواحد٨ والحارث، وبالإرسال.
وعبد الواحد الذي يقول فيه الذهبي إنه صاحب مناكير، قد وثقه أئمة هذا الشأن حيث نقل توثيقه عن يحيى بن معين، وأبي زرعة٩، وأبي حاتم١٠، وابن
_________________
(١) ١ وعند الطبراني والحاكم: "فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار". وعند البزار: "فتفرق الناس وبقيت في ثمانين". ٢ فنكصنا: النكوص: الرجوع على وراء وهو القهقرى. (ابن الأثير: النهاية٥/١١٦) . وعند الطبراني: "فتنكصنا"، وعند الحاكم: "فكنا". ٣ السكينة: الوقار والتاني في الحركة والسير، وقيل: السكون والرحمة، وقيل غير ذلك. (ابن الأثير: النهاية ٢/٣٨٥- ٣٨٦) . ٤ حاد عن شيء والطريق يحيد إذا عدل، إراد أن البغلة نفرت وتركت الجادة. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٦٦) . ٥ أحمد: (المسند ١/٤٥٣، وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٣٢ وقال: "تفرد به أحمد") . ٦ البزار: كما في (كشف الأستار ٢/٣٨٢) . و(الطبراني: المعجم الكبير ١٠/٢٠٩، والحاكم: المستدرك ٢/١١٧. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٤- ٤٥. والسيوطي: الدر المنثور ٣/٢٢٤) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٠ وفي ١٠/٤٠٣ قال: عن الحارث "وثق". ٨ وقع في حاشية المستدرك "عبد الله" وهو خطأ. ٩ هو: عبيد الله بن عبد الكريم بن يزيد بن فرّوخ، أبو زرعة الرازي، إمام حافظ ثقة مشهور، من الحادية عشرة (ت ٢٦٤) /م ت س ق. (التقريب ١/٥٣٦، وتهذيب التهذيب ٧/٣٠) . ١٠ هو: محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي، أبو حاتم الرازي، أحد الحفاظ، من الحادية عشرة (ت ٢٧٧) /د س. (التقريب٢/١٤٣،وتهذيب التهذيب٩/٣١) .
[ ١٧٦ ]
سعد١، والنسائي، وأبي داود، والعجلي٢، والدارقطني، وابن حبان.
وقال ابن عبد البر: "لا خلاف بينهم أنه ثقة ثبت".
وقال ابن القطان الفاسي٣: "ثقة لم يعتل عليه بقادح، ولكن أشار يحيى"٤ القطان إلى لينه، فروى ابن المديني عنه أنه قال: ما رأيته طلب حديثا قط وكنت أذاكره بحديث الأعمش فلا يعرف منه حرفا.
قال ابن حجر: "وهذا غير قادح لأنه كان صاحب كتاب، وقد احتج به الجماعة"٥.
قلت: والذهبي نفسه أورد قول يحيى بن القطان في "سير أعلام النبلاء" وعقب عليه بقوله: قلت: قد كان عبد الواحد من علماء الحديث، وحديثه مخرج في الصحاح٦.
وفي "تذكرة الحفاظ" قال عنه: عبد الواحد بن زياد الإمام الفقيه.. وثقه أحمد وغيره، وأما ابن حبان فقال: ليس بشيء، ثم عقب على هذا بقوله: قلت: كان عالما صاحب حديث وله أوهام ولكن حديثه محتج به في الكتب. ا؟٧.
قلت: وأكثر ما نقموا عليه حديثه عن الأعمش، وحديث الباب ليس من حديثه عن الأعمش.
فعلى هذا فقول الذهبي بأن عبد الواحد صاحب مناكير وأن هذا الحديث منها فيه نظر.
_________________
(١) ١ محمد بن سعد بن منيع الهاشمي مولاهم، البصري، نزيل بغداد، كاتب الواقدي، صدوق فاضل، من العاشرة (ت ٢٣٠) /د. (التقريب ٢/١٦٣، وتهذيب التهذيب ٩/١٨٢) . ٢ هو: الإمام الحافظ القدوة أبو الحسن أحمد بن عبد الله بن صالح العجلي الكوفي، نزيل طرابلس المغرب، حدّث عنه ولده صالح بمصنفه في الجرح والتعديل، وهو كتاب مفيد يدل على سعة حفظه، كانوا يعدونه مثل أحمد ويحيى بن معين (١٨٢-٢٦١) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٥٦٠- ٥٦١) . ٣ هو: أبو الحسن علي بن محمد - تقدمت ترجمته في حديث (٦٣) . ٤ يحيى بن سعيد بن فرّوخ - بفتح الفاء وتشديد الراء المضمومة وسكون الواو ثم معجمة - التميمي، أبو سعيد القطان البصري، ثقة متقن حافظ، إمام قدوة من كبار التاسعة (ت ١٩٨) /ع. (التقريب ٢/٣٤٨، وتهذيب التهذيب ١١/٢١٦) . (ابن حجر: هدي الساري ص٤٢٢، وتهذيب التهذيب ٦/٤٣٤، وابن ابي حاتم: الجرح والتعديل ٦/٢٠) . (سير أعلام النبلاء ٩/٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٥٨) . (سير أعلام النبلاء ٩/٨، وتذكرة الحفاظ ١/٢٥٨) .
[ ١٧٧ ]
وأما الحارث فوثقه قوم وضعفه آخرون ورمي بالتشيع.
وحديث الباب ليس فيه ما يدعو على التشيع.
وقد توسط فيه ابن حجر فقال: "صدوق يخطئ ورمي بالرفض".
وأما الإرسال١: فقد اختلف العلماء في سماع عبد الرحمن من أبيه، فمنهم من نفاه مطلقا، ومنهم من أثبته مطلقا، ومنهم من قال: سمع حديثا، ومنهم من قال: سمع حديثين، وقال ابن حجر: "سمع من أبيه لكن شيئا يسيرًا".
وذلك لأن عبد الرحمن عند وفاة أبيه كان عمره ست سنوات وهو وقت يمكن أن يسمع فيه بعض الأحاديث، ويصعب الجزم بأن حديث الباب من المسموع لأنهم لم ينصوا على ذلك، وإذا كان الحديث مرسلا فيكون ضعيفا لكن يشهد له حديث حارثة٢ بن النعمان وهو ما اورده ابن حجر في ترجمته فقال:
٧٥-وروى ابن شاهين٣ من طريق المسعودي٤، عن الحكم٥، عن القاسم٦،: أن حارثة أتى النبي - ﷺ - وهو يناجي رجلا ولم يسلّم، فقال جبرائيل: "أما
_________________
(١) ١ المراد بالإرسال هنا: الانقطاع بين عبد الرحمن وأبيه، لأن المرسل يطلق على كل ما لم يتصل إسناده عند بعض علماء الحديث، وهو المشهور عند الفقهاء والأصوليين. (تدريب الراوي للسيوطي ص١١٨) . ٢ حارثة بن النعمان بن رافع أو نفيع بن زيد بن عبد بن ثعلبة الأنصاري، أبو عبد الله المدني، شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها ورأى جبريل يكلم النبي - ﷺ - فسلم عليهما وكان من الفضلاء، يقال توفي في خلافة معاوية بن أبي سفيان. وقد ورد عند أحمد بإسناد صحيح، وهو عند الطبراني أيضا أن حارثة سلم على جبريل ورد جبريل - ﵇. (ابن حجر: الإصابة ١/٢٩٨- ٢٩٩. وأحمد: المسند: ٥/٤٣٣، والطبراني المعجم الكبير ٣/٢٥٧. وأبو نعيم: حلية الأولياء ١/٣٥٦) . ٣ هو: الحافظ الإمام المفيد المكثر محدث العراق، أبو حفص: عمر بن أحمد بن عثمان ابن أحمد البغدادي، الواعظ المعروف بابن شاهين، صاحب التصانيف منها: التفسير الكبير ألف جزء، والمسند ألف وثلاثمائة جزء، والتاريخ مائة وخمسون جزءا وغيرها. (٢٩٧-٣٨٥هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩٨٧- ٩٨٩) . ٤ هو: عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الكوفي، المسعودي صدوق، اختلط قبل موته، وضابطه: أن من سمع منه ببغداد فبعد الاختلاط. من السابعة (ت ١٦٠ وقيل: ١٦٥) /خت عم. (ابن حجر: التقريب ١/٤٨٧، وتهذيب التهذيب ٦/٢١٠٩. ٥ الحكم هو ابن عتيبة. ثقة ثبت، تقدم في حديث (٧٣) . ٦ القاسم: الظاهر أنه ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود فإنه شيخ المسعودي، والحكم بن عتيبة شيخ المسعودي، وعلى هذا فيحتمل أن المسعودي تارة رواه عن الحكم بن عتيبة عن القاسم وتارة رواه عن القاسم مباشرة، غير أن الحكم بن عتيبة شيخه القاسم بن مخيمرة، وهو من الثالثة، والقاسم بن عبد الرحمن من الرابعة، وكلاهما ثقة وقد قال ابن المديني: القاسم بن عبد الرحمن لم يلق من الصحابة غير جابر بن سمرة. وقال ابن معين: "القاسم بن مخيمرة لم يصح أنه سمع من أحد من الصحابة، وعلى هذا فإن الحديث منقطع سواء أكان القاسم هو ابن عبد الرحمن أو ابن مخيمرة". (المزي: تهذيب الكمال ٤/٤٠٠، ٦/٥٥٦، ٥٥٩)
[ ١٧٨ ]
أنه لو سلم لرددنا عليه، فقال رسول الله - ﷺ - لجبرائيل: وهل تعرفه؟ فقال نعم، هذا من الثمانين الذين صبروا يوم حنين رزقهم ورزق أولادهم على الجنة" ١.
ورواه الحارث٢ من وجه آخر عن المسعودي، فقال: عن القاسم٣، عن الحارث بن النعمان كذا قال.
ورواه الطبراني من طريق ابن أبي ليلى٤، عن الحكم٥، عن مقسم٦، عن ابن عباس، فذكر نحوه٧.
قلت: الحديث المشار إليه عند الطبراني هذا سياقه:
٧٦- قال: حدثنا محمد٨ بن عبد الله الحضرمي، ثنا محمد٩ بن عمران بن أبي ليلى، حدثني أبي١٠، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن مقسم عن ابن عباس
_________________
(١) ١ ابن حجر: الإصابة١/٢٩٩وعند الطبراني:"رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة". ٢ الحارث: هو الحارث بن محمد بن أبي أسامة، داهر الإمام أبومحمد التميمي، البغدادي، صاحب المسند (١٨٦-٢٨٢ هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦١٩-٦٢٠) . ٣ القاسم: هو ابن عبد الرحمن، وهو شيخ المسعودي، فيكون المسعودي تارة روى عنه مباشرة، وتارة عنه بواسطة (الحكم بن عتيبة) .كما تقدم ص:١٧٨ تعليقة (٦) . ٤ هو: محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري الكوفي القاضي، أبو عبد الرحمن صدوق، سيء الحفظ جدا، من السابعة (ت٢٤٨) عم. (ابن حجر: التقريب٢/١٨٤، والتهذيب ٩/٣٠١) . ٥ الحكم هو: ابن عتيبة. ٦ مقسم - بكسر أوله - ابن بجرة - بضم الموحدة وسكون الجيم - ويقال: نجدة - بفتح النون وبدال - أبو القاسم، مولى عبد الله بن الحارث، ويقال له: مولى ابن عباس، للزومه له، صدوق، وكان يرسل، من الرابعة (ت ١٠١) وما له في البخاري سوى حديث واحد. /خ عم. (المصدر السابق ٢/٢٧٣، ١٠/٢٨٨) . ٧ ابن حجر: الإصابة ١/٢٩٩. ٨ محمد بن عبد الله بن سليمان الحضرمي، الحافظ الكبير - مطَيَّن، محدث الكوفة، كان من أوعية العلم، حدث عنه الطبراني وأبو بكر الإسماعيلي وغيرهم (٢٠٢- ٢٩٧هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦٦٢) . ٩ محمد بن عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، أبو عبد الرحمن الكوفي، صدوق، من العاشرة. / بخ ت. (ابن حجر: التقريب ٢/١٩٧، وتهذيب التهذيب ٩/٣٨١) . ١٠ عمران بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، مقبول، من الثامنة /ت ق. (المصدر السابق ٢/٨٤، ٨/١٣٧ وقال: ذكره ابن حبان في الثقات) .
[ ١٧٩ ]
قال: "مرّ حارثة بن النعمان على رسول الله - ﷺ - ومعه جبريل - ﵇ -، يناجيه، فلن يسلم، فقال جبريل - ﵇ -: "ما منعه أن يسلم، إنه لو سلم لرددت عليه، ثم قال: أما إنه من الثمانين"، فقال رسول الله - ﷺ -: "وما الثمانون؟ ". قال: يفر الناس عنك غير ثمانين يصبرون معك، رزقهم ورزق أولادهم على الله في الجنة، فلنا رجع حارثة سلم، فقال له رسول الله - ﷺ -: "ألا سلمت حين مررت؟ ". قال: "رأيت معك إنسانا فكرهت أن أقطع حديثك، قال::فرأيته؟ " قال: نعم، قال: "ذاك جبريل - ﵇ -، وقد قال: فأخبره بما قال جبريل - ﵇ -" ١.
والحديث قال فيه الهيثمي: "رواه الطبراني والبزار بنحوه وإسناده حسن، رجالهم كلهم وثقوا وفي بعضهم خلاف"٢.
وعند البيهقي بطريق مرسل وفيه راو لم أجد ترجمته٣ عن حارثة بن النعمان: حزرت من بقي مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين فقلت: مائة واحدة٤.
وعند الواقدي: ويقال: أن رسول الله - ﷺ - لما انكشف الناس، قال لحارثة بن النعمان: "يا حارثة كم ترى الذين ثبتوا؟ قال: فلما التفت ورائي تحرجا، فنظرت عن يميني وشمالي فحزرتهم مائة، فقلت يا رسول الله هم مائة! حتى كان يوم مررت على النبي - ﷺ - وهو يناجي جبريل ﵇ عند باب المسجد، فقال جبريل - ﵇ -: من هذا يا محمد؟ فقال رسول الله - ﷺ -: حارثة بن النعمان، فقال جبريل - ﵇ -: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت - ﵇ -، فأخبره النبي - ﷺ -، فقال: ما كنت أظنه إلا دحية الكلبي واقفا معك ٥.
ز- وعند الترمذي: من حديث ابن عمر أن الثابتين يوم حنين نحو المائة، وهذا نصه:
_________________
(١) ١ الطبراني: المعجم الكبير ٣/٢٥٧، والواقدي: المغازي ٣/٩٠١. ٢ مجمع الزوائد ٩/٣١٤. ٣ هو محمد بن عمرو بن خالد أبو علاثة. (البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٥، وانظر: البلاذري: أنساب الأشراف ص: ٣٦٤- ٣٦٥، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٣/٤٨٧- ٤٨٨) . (الواقدي: المغازي ٣/٩٠٠- ٩٠١) .
[ ١٨٠ ]
٧٧ حدثنا محمد١ بن عمر بن علي المقدمي، حدثني أبي٢، عن سفيان٣ بن حسين، عن عبيد الله٤ بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر قالك "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الفئتين لموليتان وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل" ٥.
ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب من حديث عبيد الله، لا نعرفه ألا من هذا الوجه.
قال المباركفوري: قوله: "وإن الفئتين لموليتان"، كذا في النسخ الحاضرة، وأورد الحافظ هذا الحديث في الفتح نقلا عن الترمذي وفيه: "وإن الناس لملون"٦ مكان "وإن الفئتين لموليتان"٧.
والحديث فيه عمر بن علي المقدمي وهو مدلس وقد عنعن.
وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من مراتب المدلّسين، وهي المرتبة التي لا يحتج بشيء من حديث من أصحابها إلا بما صرحوا فيه بالسماع، لكثرة تدليسهم عن الضعفاء والمجاهيل٨.
والحديث حسنه الترمذي وابن حجر وجمع بينه وبين حديث ابن مسعود، وهذا
_________________
(١) ١ محمد بن عمر بن علي بن عطاء بن مقدم - بوزن محمد - المقدمي - بالتشديد - البصري، صدوق من صغار العاشرة. /عم. (ابن حجر: التقريب ٢/١٩٤، والتهذيب ٩/٣٦١) . ٢ هو: عمر بن علي بن عطاء بن مقدم، كان يدلس شديدا، من الثامنة (ت ١٩٠) وقيل: بعدها. /ع. (المصدر السابق ٢/٦١، ٧/٤٨٥- ٤٨٦) . ٣ سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد، أو أبو الحسن الواسطي، ثقة، في غير الزهري باتفاقهم، من السابعة (ت بالري مع المهدي، وقيل: في أول خلافة الرشيد) /خت م عم. (المصدر السابق ١/٣١٠ و٤/١٠٧- ١٠٨) . ٤ عبيد الله بن عمر بن حفص بن عاصم بن عمر بن الخطاب العمري، المدني، أبو عثمان، ثقة ثبت، قدمه أحمد بن صالح على مالك في نافع، وقدمه ابن المعين في القاسم عن عائشة، على الزهري عن عروة عنها، من الخامسة (ت بضع وأربعين بعد المائة على الصحيح) /ع. (ابن حجر: التقريب ١/٥٣٧، والتهذيب ٧/٣٨) . (الترمذي: السنن ٣/١١٧ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الثبات عند القتال. قال ابن حجر: وعند أبي نعيم: "تفصيل المائة: بضعة وثلاثون من المهاجرين، والبقية من الأنصار". (فتح الباري ٨/٢٩، الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١، ١٨) . وكذا عند الواقدي: (المغازي ٣/٩٠١) . ٦ في الفتح، وتحفة الأحوذي: "وإن الناس لمولين"، وعند الزرقاني في شرح المواهب ٣/١٨: "وإن الناس لمولون"، ثم قال: جملة في موضع نصب مفعول رأى الثاني. (تحفة الأحوذي ٥/٣٣٦) . ٨ ص٣٨.
[ ١٨١ ]
نص كلامه قال: وروى الترمذي من حديث ابن عمر بإسناد حسن قال: "لقد رأيتنا يوم حنين وإن الناس لمولون، وما مع رسول الله - ﷺ - مائة رجل".
ثم قال: وهذا أكثر ما وقفت عليه من عدد من ثبت يوم حنين١.
ثم قال: وروى أحمد والحاكم من حديث عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود عن أبيه، ثم ساق الحديث وقال في نهايته: "وهذا لا يخالف حديث ابن عمر فإنه نفى أن يكونوا مائة، وابن مسعود أثبت أنهم كانوا ثمانين". ا؟٢.
وعلى هذا الجمع يكون حديث ابن عمر مؤيدا لحديث ابن مسعود.
والخلاصة: أن الأحاديث اختلفت في عدد الثابتين يوم حنين كما تقدم إيضاح ذلك، وعلى إثر ذلك اختلفت أقوال العلماء تبعا لهذه الآثار وخلاصة ما ورد في الآثار:
أ- أن الذين ثبتوا يوم حنين مع رسول الله - ﷺ - أربعة٣. كما ورد في حديث الحكم بن عتيبة.
ب- وفي بعضها: عشرة، كما في حديث جابر بن عبد الله عند ابن إسحاق.
ج_ أو اثنا عشر٤.
د- أو كانوا ثمانين، كما في حديث ابن مسعود وحارثة بن النعمان.
؟- أو أنهم نحو مائة وهو الوارد في حديث عبد الله بن عمر، وهو قريب من الوارد في حديث عبد الله بن مسعود وحارثة بن النعمان.
_________________
(١) ١ وقع في التعليق على جامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٥ يوم "أحد" وهو خطأ. (فتح الباري ٨/٢٩- ٣٠، وانظر: شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٨- ١٩) . ٣ تقدم في حديث أنس بن مالك أن الصحابة أدبروا عن رسول الله - ﷺ - حتى بقي وحده. وفي حديث بريدة بن الحصيب أنه بقي رجل يقال له: زيد. انظر الحديث (٤٠ و٧٠) . ٤ قال الزرقاني: وبهذا قال النووي، وكأنه أخذه من قول ابن إسحاق الذي رواه عن جابر قال: ثبت معه: أبو بكر، وعمر، وعلي، والعباس، وابنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وابنه، وربيعة بن الحارث، وأسامة بن زيد، وأيمن بن عبيد، فهؤلاء عشرة، وتقدم في مرسل الحكم ذكر ابن مسعود، والثاني عشر يمكن تفسيره بعثمان بن عفان، فقد روى البزار عن أنس أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا ضرب كل منهم بضعة عشر ضربة. (شرح المواهب اللدنية ٣/١٩، وانظر: حديث رقم (٥٣) .
[ ١٨٢ ]
وأو كانوا مائة، ورد ذلك في حديث حارثة بن النعمان أيضا، عند الواقدي والبيهقي١.
قال الزرقاني: وجمع شيخنا، بحمل الأربعة على من بقي معه آخذا بركابه، والاثنى عشر والعشرة على المتلاحقين بسرعة، فمن قال اثنا عشر عد من كان معه أولا فيهم، ومن قال عشرة أراد الأربعة وستة ممن أسرع، وحمل الثمانين على الذين نكصوا على أقدامهم ولم يولوا الدبر، والمائة عليهم وعلى من انضم إليهم حين تقدموا إليه ﵇. إ؟٢.
وذكر ابن حجر بعض هذه الأقوال ثم قال: ووقع في شعر العباس ابن عبد المطلب:
نصرنا رسول الله في الحرب تسعة وقد فر من فر عنه فأقشعوا
وعاشرنا٣ وافي الحمام بنفسه لما مسه في الله لا يتوجع
ثم قال: ولعل هذا هو الثابت، ومن زاد على ذلك يكون عجل في الرجوع فعد فيمن لم ينهزم. ا؟٤.
قلت: لعل ما قاله ابن حجر هو الصواب، ويؤيده ما ورد عند ابن إسحاق من حديث العباس بن عبد المطلب بإسناد صحيح قال:
إني لمع رسول الله - ﷺ - آخذ بحكمة٥ بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت، قال: ورسول الله - ﷺ - يقول حين رأى ما رأى من الناس: "أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال العباس، اصرخ، يل معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، قال: فأجابوا لبيك٦ لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه، فيقذفها في عنقه،
_________________
(١) ١ انظر: شرح المواهب اللدنية ٣/١٩- ٢٠، والسيرة الحلبية ٣/٦٥. (شرح المواهب اللدنية ٣/١٩٢٠، والسيرة الحلبية ٣/٦٥) . ٣ هو: أيمن بن عبيد، وافى الحمام أي قتل شهيدا في المعركة. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٢٩-٣٠) . ٥ الحكمة: حديدة في اللجام تكون على أنف الفرس وحنكه تمنعه من مخالفة راكبه، وشجرتها بها: أي وضعتها في شجرها، أكفها بها والشجر: مفتح الفم، وقيل الذقن. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٢٠، ٢/٤٤٦) . ٦ لبيك: هو من التلبية وهي إجابة المنادي، ولم يستعمل إلا على لفظ التثنية في معنى التكرير: أي إجابة بعد إجابة. (المصدر السابق ٤/٢٢٢) .
[ ١٨٣ ]
ويأخذ سيفه وترسه، ويقتحم عن بعيره، ويخلي سبيله، فيؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله - ﷺ -، حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا". الحديث١.
فهذا يدل على ان بعضهم عاد بسرعة إلى المعركة فكأنه لم ينهزم، وممن صرح باسمه لأنه ثبت يوم حنين غير من تقدم٢:
قثم بن العباس، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، وعبد الله بن الزبير، ونوفل بن الحارث بن عبد المطلب، وعقيل بن أبي طالب، وشيبة بن عثمان الحجبي، وأبو دجانة – سماك بن خرشة الأنصاري – وأبو طلحة – زيد بن سهل الأنصاري – وسعد بن عبادة، وأسيد بن حضير، وأبو بشر المازني الأنصاري.
ومن النساء:
أم سليم - والدة أنس بن مالك -، وأم عمارة - يقال اسمها نسيبة بنت كعب بن عمرو الأنصارية، والدة عبد الله بن زيد -، وأم الحارث - جدة عمارة بن غزية الأنصارية-، وأم سليط - والدة سليط بن أبي سليط بن أبي حارثة.
هؤلاء الذين نص على أسمائهم بأنهم ثبتوا يوم حنين، وهم مفرقون في الأحاديث، ومنهم من نص عليه في ترجمته٣.
وقد تحقق لدي من خلال هذه الروايات الكثيرة المتباينة في ظاهرها حول رصد الذين ثبتوا يوم حنين من المسلمين، أن أولى الأقوال بالقبول هو قول (ابن حجر) ولا تنافي بين العشرة المذكورين في شعر العباس، وبين القول أنهم كانوا اثني عشر لتقارب العدد في ذلك، ولا شك أن هول الموقف وشدة الأزمة أديا إلى هذا الاختلاف في النظر إلى عدد الذين صمدوا مع رسول الله - ﷺ -، لكن المقبول قوله في ذلك هو العباس لأنه أعلم من غيره، حيث كان أبرز الثابتين يوم حنين مع رسول الله - ﷺ - وهو الذي طلب منه الرسول - ﷺ - أن ينادي في الناس، فكان قوله مقدما على غيره، ومن قال بأنهم ثمانون أو مائة يحمل على المسرعين في إجابة نداء العباس، وهذا ما أرجحه في هذه المسألة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٤٤- ٤٤٥. ٢ في الأحاديث الآنفة الذكر، وانظر: منتخب كنز العمال ٤/١٦٧ مع مسند أحمد، والمستدرك للحاكم ٣/٢٧٤. ٣ الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٩.
[ ١٨٤ ]
المبحث الرابع: عوامل انتصار المسلمين في حنين:
كانت معركة حنين تجربة عسكرية خطيرة في معارك المسلمين، وكانت أيضا مدرسة تربوية عظيمة إذ ذاق فيها المسلمون مرارة الاندحار، ووطأة الفرار أمام زحف المشركين ونبالهم وعظيم تخطيطهم واشتداد هجمتهم عليهم في بداية المعركة هجمة رجل واحد، كما مضى بيان ذلك١.
كما أذاقهم الله في هذه المعركة نفسها حلاوة النصر وبهجة الغلبة على أعدائهم، وتلك إحدى الحسنيين، وهذا من خصائص معركة حنين التي كانت المعركة الفاصلة الأخيرة بين المسلمين والمشركين في الجزيرة كما كانت بدرا المعركة الفاصلة الأولى بين الطائفتين.
وفي هذا المبحث نود أن نتلمس من خلال النصوص والمرويات عوامل انتصار المسلمين، ويمكن ان تكون على النحو التالي:
أ- ثبات الرسول - ﷺ - في ساحة المعركة يناشد ربه النصر والعون، ويعلن لأعداه من هوازن وغيرهم بأنه نبي حقا لا ينبغي له أن يَفِرّ مهما تكاثرت جموعهم، فكان يركض بغلته نحوهم وهو يقول:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب٢
_________________
(١) ١ تقدم ذلك في "مبحث سبب هزيمة المسلمين" ص: (١٤١) . ٢ قوله: "أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"، فيه إشارة إلى أن صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنه يقول أنا النبي، والنبي لا يكذب، فلست بكاذبٍ فيما أقول حتى أنهزم، وأنا متيقن بأن الذي وعدني الله به من النصر، حق فلا يجوز علي الفرار. "وأما نسبته إلى عبد المطلب دون أبيه عبد الله" فكأنها لشهرة عبد المطلب بين الناس لما رزق من نباهة الذكر وطول العمر، بخلاف عبد الله فإنه مات شابا، ولهذا كان كثير من العرب يدعونه ابن عبد المطلب، كما قال ضمام بن ثعلبة لما قدم: "أيكم ابن عبد المطلب" وقيل: لأنه كان اشتهر بين الناس أنه يخرج من ذرية عبد المطلب رجل يدعو إلى الله ويهدي الله الخلق على يديه ويكون خاتم الأنبياء، فانتسب إليه ليتذكر ذلك من كان يعرفه، وقد اشتهر ذلك بينهم، وذكره سيف بن ذي يزن قديما لعبد المطلب قبل أن يتزوج عبد الله آمنة، وأراد النبي - ﷺ - تنبيه أصحابه بأنه لابد من ظهوره وأن العاقبة له، لتقوى قلوبهم إذا عرفوا أنه ثابت غير منهزم. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣١- ٣٢، والنووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٦، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧، ٢٠- ٢١ وزاد: وفي الروض قال الخطابي: إنما خص عبد المطلب بالذكر في هذا المقام تثبيتا لنبوته وإزالة للشك لما اشتهر وعرف من رؤيا عبد المطلب المبشرة به - ﷺ -، ولما أنبأت به الأحبار والكهان فكأنه يقول: أنا ذاك فلا بد ممّا وعدت به لئلا ينهزموا عنه ويظنوا أنه مغلوب أو مقتول، فالله أعلم أراد ذلك رسوله أم لا. إهـ. ثم قال الزرقاني: "فليس هذا من الافتخار بالآباء في شيء، وبفرض تسليمه فهو جائز في الحرب لإرهاب العدو". وانظر: الروض الأنف للسهيلي ٧/٢٠٦- ٢٠٧، والمواهب للقسطلاني ١/١٦٣، وفيض القدير للمناوي ٣/٣٨.
[ ١٨٥ ]
ولما غشيه المشركون نزل عن بغلته واستنصر ودعا، فكان من دعائه وتضرعه ما أخرجه ابن أبي شيبة وأحمد من حديث أنس بن مالك، وهذا سياقه:
٧٨- حدثنا يزيد بن هارون١، أنا حميد، عن أنس قال: كان من دعاء رسول الله - ﷺ - يوم حنين: "اللهم إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم" ٢.
ورواه الخطيب البغدادي من طريق يزيد بن هارون، حدثنا سفيان٣ بن حسين، عن الزهري، عن أنس٤.
قال الزرقاني: "قوله: "إنك إن تشأ لاتعبد بعد اليوم"؛ لأنه أول يوم لقي فيه المشركين بعد الفتح الأعظم ومعه المشركون والمؤلفة قلوبهم، والعرب في البوادي كانت تنتظر بإسلامها قريشا فلو وقع - والعياذ بالله تعالى - خلاف ذلك لما عبد الله"٥.
وقال السفاريني: "في قوله: "إنك إن تشأ لا تعبد بعد اليوم"، أي: لأن معظم المسلمين أو كلهم إلا القليل قد كان حاضرا، وأهل مكة يومئذ لم يستحكم الإيمان فيهم، ولم تخالط بشاشته قلوبهم، بل كانوا ما بين مؤلف ومستأمن، ومظهر للإيمان على مضض منه وكره، والعرب أيضا معظمهم في ذلك اليوم حاضر، وقبائل الكفار قد تألبت واجتمعت اجتماعا لا مزيد عليه، فإذا لم ينصر الله دينه ويؤيد عبده ويعز جنده، ويكبت الكفار ويخذلهم، ويجعلهم وأموالهم غنيمة للمسلمين، نجم النفاق، وظهر الكفر والشقاق، وتكلمت الألسن بما أكنت الضمائر من العداوة والبغضاء والجحود والشرك الذي لا يرضى"٦.
والحديث أورده ابن كثير ثم قال: إسناده ثلاثي على شرط الشيخين، ولم يخرجه أحد من أصحاب الكتب٧ من هذا الوجه٨.
_________________
(١) ١ تقدمت تراجم رجال الإسناد في حديث (٢٢) و(٢٦) . ٢ ابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٠ب، وأحمد: المسند٣/١٢١وهو من ثلاثيات الإمام أحمد. ٣ سفيان بن حسين بن حسن، ثقة في غيرالزهري باتفاقهم، تقدم في حديث (٧٧) . (تاريخ بغداد ٣/٣٩٤) . (شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . (السفاريني: شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨٦) . ٧ يريد بأصحاب الكتب: البخاري، ومسلما، وأبا داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة. (البداية والنهاية ٤/٣٢٨) .
[ ١٨٦ ]
وقال السفلريني أيضا: "سنده على شرط الصحيحين"١.
وقال الزرقاني: "رجاله رجال الصحيح"٢.
وجاء في هذا المعنى ما رواه أحمد والدارمي من حديث صهيب - ﵁ - بإسناد صحيح، أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو أيام حنين: "اللهم بك أحاول، وبك أصاول وبك أقاتل" ٣.
٧٩- وعند موسى بن عقبة بن نافع: فرفع - ﷺ - يديه وهو على البغلة يدعو: "اللهم إني أنشدك ما وعدتني، اللهم لا ينبغي لهم أن يظهروا علينا" ٤.
وعند البخاري من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: "سمعت البراء وسأله رجل: أكنتم فررتم يا أبا عمارة يوم حنين؟ قال: لا والله، ما ولى رسول الله - ﷺ - ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس بسلاح، فأتوا قوما رماة، جمع هوازن وبني النصر، ما يكاد يسقط لهم سهم، فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون، فأقبلوا هنالك إلى النبي - ﷺ - وهو على بغلته البيضاء، وابن عمه أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل واستنصر، ثم قال:
أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب٥
_________________
(١) (شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨٦) . (شرح المواهب اللدنية ٣/١١) . ٣ تقدم هذا الحديث برقم (٥٥) . (الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١١، وانظر: ابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٩٧- ٩٨) . ٥ قوله: "أنا النبي لا كذب". قال النووي: "قال الإمام ابو القاسم علي بن جعفر السعدي الصقلي المعروف "بابن القطاع" في كتابه "الشافي في علم القوافي": قد رأى قوم منهم الأخفش وهو شيخ الصناعة بعد الخليل: أن مشطور الرجز ومنهوكه ليس بشعر، كقول النبي - ﷺ -: "الله مولانا ولا مولى لكم"، وقوله عندما كان في غار فنكبت أصبعه: "هل أنتِ إلا أصبع دميت وفي سبيل الله ما لقيت"، وقوله: "أنا النبي لاكذب أنا ابن عبد المطلب" وأشباه هذا. ثم قال ابن القطاع: "وهذا الذي زعمه الأخفش وغيره غلط بين، وذلك لأن الشاعر إنما سمي شاعرا لوجوه منها: أنه شعر القول وقصده، وأراده واهتدى إليه، وأتى به كلاما موزونا على طريقة العرب مقفى، فإن خلا من هذه الأوصاف أو بعضها لا يكون شعرا، ولا يكون قائله شاعرا بإجماع العلماء والشعراء، وكذا لو قفاه وقصد به الشعر، ولكن لم يأت به موزونا لم يكن شعرا، وكذا لو أتى به موزونا ةمقفى، ولكن لم يقصد به الشعر لا يكون شعرا. ويدل عليه أن كثيرا من الناس يأتون بكلام موزون مقفى غير أنهم ما قصدوه ولا أرادوه، ولا يسمى شعرا، فدل على أن الكلام الموزون لا يكون شعرا إلا بالشروط المذكورة، وهي القصد وغيره مما سبق. والنبي - ﷺ - لم يقصد بكلامه ذلك الشعر ولا أراده فلا يعد شاعرا وإن كان موزونا". وقد أجاب ابن حجر بأجوبة عن هذا، وارتضى أن ذلك خرج موزونا ولم يقصد به الشعر، قال: "وهذا أعدل الأجوبة". (انظر: شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٥-٤٠٦، ٥/١١١، ١١٣، وفتح الباري لابن حجر ٧/٣٩٤، ٨/٣١، ١٠/٥٣٨-٥٤٢، والتفسير لابن كثير ٣/٥٧٨-٥٨٠، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٦٤، وأضواء البيان لمحمد الأمين الشنقيطي ٦/٣٩٠.
[ ١٨٧ ]
ثم صف أصحابه١.
وهو عند أبي عوانة من طريق زهير أيضا دون قوله: "ثم صف أصحابه".
واقتصر ابن جارود على قوله: "فنزل فاستنصر ثم قال:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
ثم صف أصحابه"٢.
وعند مسلم والبيهقي: (فأقبلوا هناك إلى رسول الله - ﷺ -، ورسول الله - ﷺ - على بغلته البيضاء، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب يقود به، فنزل فاستنصر وقال:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
ثم صفهم".
وعند مسلم والبيهقي أيضا وابن ابي شيبة وأبي عوانة: الجميع من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق قال: جاء رجل إلى البراء فقال: أكنتم وليتم يوم حنين يا أبا عمارة؟ فقال: أشهد على النبي - ﷺ - ما ولى، ولكنه انطلق أخفاء من الناس وحسر، إلى هذا الحي من هوازن، وهم قوم رماة فرموهم برشق من نبل كأنها رجل من جراد، فانكشفوا، فأقبل القوم إلى رسول الله - ﷺ -، وأبو سفيان بن الحارث يقود به، فنزل ودعا واستنصر وهو يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
اللهم نزل نصرك.
قال البراء: كنا والله إذا احمر٣ البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به، يعني النبي - ﷺ - ٤.
_________________
(١) ١ تقدم الحديث رقم (٥٩) . (المنتقى ص: ٣٥٦) . ٣ قال النووي: احمرار البأس كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة، أو لاستعار الحرب واشتعالها كاحمرار الجمر، كما في رواية "حمي الوطيس". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٧) . ٤ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
[ ١٨٨ ]
وعند البخاري ومسلم من طريق شعبة بن الحجاج، عن أبي إسحاق، قال رجل للبراء بن عازب - ﵄ -: أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟
قال: لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، إن هوازن كانوا قوما رماة، وإنا لما لقيناهم حملنا عليهم فانهزموا١، فأقبل المسلمون على الغنائم، واستقبلونا بالسهام، فأما رسول الله - ﷺ - لم يفر فلقد رأيته وإنه لعلى بغلته البيضاء، وأن ابا سفيان آخذ٢ بلجامها والنبي - ﷺ - يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
والحديث أخرجه أيضًا أحمد، وابن أبي عاصم، وأبو يعلى، والروياني، والطبري، وأبو عوانة: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣.
_________________
(١) ١ هذا حديث صريح في أن المسلمين لم يفروا بمجرد التلاقي، بل قاتلوا المشركين حتى كشفوهم، ثم اشتغلوا بالغنائم، فانهال العدو عليهم بالسهام، وهو يدفع ما يوهمه حديث جابر وغيره من أن المسلمين فروا بمجرد ملاقاة الكفار لهم، وقد تقدم حديث جابر برقم (٥٨) . (انظر: الزرقاني: شرح المواهب ٣/١١) . ٢ قوله: "وأن أبا سفيان آخذ بلجامها" هكذا ورد من حديث البراء أن الذي كان آخذا بلجام البغلة هو أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، ورد ذلك عند البخاري، ومسلم، والترمذي، والطيالسي، وابن سعد، وأحمد، والروياني، والطبري، وأبي عوانة، والبيهقي. وورد في حديث العباس بن عبد المطلب عند مسلم وابن إسحاق وعبد الرزاق وابن سعد وأحمد وأبي يعلى والطبري وأبي عوانة: "أن الذي كان آخذا بلجام البغلة هو العباس، وكان أبو سفيان آخذا بركاب النبي ﷺ"، وفي لفظ: "كان آخذا بغرز النبي ﷺ" "والغرز هو الركاب". وقد أجاب ابن حجر: "أن أبا سفيان كان آخذًا أوّلًا بزمامها، فلما ركضها النبي ﷺ إلى جهة المشركين خشي العباس فأخذ بلجام البغلة يكفها، وأخذ أبو سفيان بالركاب وترك اللجام للعباس إجلالا له لأنه عمه". (فتح الباري ٨/٣٠، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١١) . ووقع في منتخب كنز العمال ٤/١٦٦: عن ابن إسحاق قال: قال رجل للبراء: هل كنتم وليتم يوم حنين؟ الخ، وفي آخره: "وأبو سفيان بن حرب" يقود البغلة، أي بغلة النبي - ﷺ -. فقوله: "ابن إسحاق" وقوله "أبو سفيان بن حرب يقود بغلته" خطأ، والصواب: "وإسحاق السبيعي، وأبو سفيان بن الحارث". وعند البزار، وابن أبي شيبة من حديث بريدة بن حصيب قال: تفرق الناس عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلم يبق معه إلا رجل يقال له زيد، وهو آخذ بعنان بغلة رسول الله ﷺ الشهباء - وعند ابن أبي شيبة - أهداها له النجاشي. ولم ينعرض ابن حجر لهذه الرواية من حيث الجمع، ويمكن أن يقال لعل زيدًا أيضا كان ممن أخذ بعنان البغلة. (كشف الأستار ٢/٣٤٧- ٣٤٨، وتاريخ ابن أبي شيبة ص٩١أ، والهيثمي: مجمع الزوائد ٦/١٨١ وقال: رواه البزار ورجاله ثقات، وعلي المتقي الهندي: كنز العمال ١٠/٣٥٢، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٧ مع مسند أحمد. وانظر ص: ١٧١. ٣ أبو يعلى: المسند ٢/١٨٩ رقم (٣٠٢)، والروياني: مسند الصحابة ١/١١٢ رقم (٥٧٥)، وتقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
[ ١٨٩ ]
ورواه أبو داود الطيالسي، وأبو عوانة، والبيهقي: كلهم من طريق شعبة وعمرو بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق١.
وفي لفظ عند البخاري من طريق شعبة عن أبي إسحاق: قيل للبراء وأنا أسمع: أوليتم مع النبي - ﷺ - يوم حنين؟ قال: أما النبي - ﷺ - فلا، كانوا رماة، فقال:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
وفي لفظ عند البخاري أيضا من طريق شعبة عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجل من قيس: أفررتم عن رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟.
فقال: "لكن رسول الله - ﷺ - لم يفر، كانت هوازن رماة، وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا فأكببنا على الغنائم فاستقبلنا بالسهام، ولقد رأيت رسول الله - ﷺ - على بغلته البيضاء، وإن أبا سفيان بن الحارث آخذ بزمامها وهو يقول: أنا النبي لاكذب".
قال إسرائيل وزهير: "نزل النبي ﷺ عن بغلته" ٢.
والحديث أخرجه أيضا مسلم، وأحمد، والروياني، والطبري: الجميع من طريق شعبة، عن أبي إسحاق٣.
وفي لفظ عند البخاري، وابن سعد، والطبري، من طريق إسرائيل، عن أبي إسحاق قال: سأل رجل البراء فقال: يا أبا عمارة، أوليتم يوم حنين؟ قال البراء - وأنا أسمع -:أما رسول الله ﷺ لم يول يومئذ، كان أبو سفيان بن الحارث آخذا بعنان بغلته، فلما غشيه٤ المشركون نزل فجعل يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
قال: "فما رؤي من الناس يومئذ أشد منه "٥.
_________________
(١) ١ أبو داود الطيالسي: كما في منحة المعبود٢/١٠٨، والبيهقي: دلائل النبوة٣/٤٣أ. ٢ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) . ٣ مسلم: الصحيح٣/١٤٠١ كتاب الجهاد والسير، وأحمد: المسند٤/٢٨١، والروياني: مسند الصحابة١/٧٨أ-ب رقم (٥٧٥)، والطبري: جامع البيان١٠/١٠٢. ٤ غشيه المشركون: أي ازدحموا عليه، قال العلماء: وفي نزوله عن البغلة حين غشوه مبالغة في الشجاعة والثبات والصبر، وقيل: فعله مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين. (الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٤) . ٥ البخاري: الصحيح ٤/٥٣ كتاب الجهاد، باب من قال: خذها وأنا ابن فلان. وابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/٥١، والطبري: جامع البيان ١٠/١٠٣، وتقدم الحديث برقم (٥٩) .
[ ١٩٠ ]
وعند ابن أبي شيبة والروياني: "من طريق شريك - هو ابن عبد الله النخعي - عن أبي إسحاق، عن البراء قال: لا والله ما ولى رسول الله - ﷺ - يوم حنين دبره"، قال: والعباس وسفيان آخذان بلجام بغلته وهو يقول
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب
لفظ ابن أبي شيبة.
ولفظ الروياني: "ولقد كان العباس آخذا بلجام بغلته وأبو سفيان عن يساره فقال: من أنت؟ قال: ابن أمك١ يا رسول الله، قال: وهو يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب ٢
وفي لفظ عند ابن أبي عوانة من طريق سفيان الثوري، عن أبي إسحاق قال: سمعت البراء بن عازب - ويسأل -: يا أبا عمارة: أولى رسول الله - ﷺ - يوم حنين؟ فقال: معاذ الله! قال: أما أنا فأشهد أن النبي لم يول ولكن ولى سرعان من الناس حين رشقهم هوازن بالنبل، وأبو سفيان بن الحارث يقود بغلته، والنبي - صلى الله عليه - وسلم يقول:
أنا النبي لا كذب
أنا ابن عبد المطلب ٣
والحديث عند البخاري وابن سعد والبيهقي كلهم من طريق سفيان به بنحوه٤.
_________________
(١) ١ قوله: ابن أمك: إنما هوابن عمك، لكنه أراد أن يتقرب إليه، لأن الأم التي هي الجدة تجمعهما في النسب. (التعليق على سيرة ابن هشام ٢/٤٤٦) . ٢ ابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٠أ، والروياني: مسند الصحابة ١/٦٧ رقم (٥٧٥) . وعند ابن إسحاق والطبري: من حديث جابر بن عبد الله: والتفت رسول الله - ﷺ - إلى سفيان بن الحارث، وكان مّمن صبر فقال: من هذا؟ قال: أنا ابن أمك يا رسول الله (سيرة ابن هشام٢/٤٤٦، وتاريخ الرسل والملوك ٣/٧٦) . ٣ أبو عوانة: المسند ٤/٢٠٨ وتقدم الحديث برقم (٥٩) . (ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/٢٤- ٢٥ وتقدم الحديث برقم (٥٩) . وأخرج سعيد بن منصور وابن أبي عاصم والطبراني والبيهقي كلهم من حديث سيابة - بالسين المهملة المكسورة والمثناة التحتية الخفيفة وبعد الألف الموحدة - ابن عاصم السلمي أن النبي - ﷺ - قال يوم حنين: "أنا ابن العواتك من سليم". انظر ابن أبي عاصم: كتاب الجهاد ص٦٠أرقم (٥٣٥) ضمن مجموعة (٢٧) . والطبراني: المعجم الكبير٧/٢٠١. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٣ب. وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد٨/٢١٨-٢١٩،وقال: رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح. والحديث صححه السيوطي كما في فيض القدير للمناوي ٣/٣٨. وقال الألباني: "حسن" كما في صحيح الجامع الصغير ٢/١٣ حديث (١٤٥٩) . والحديث فيه هشيم بن بشير. قال ابن حجر في الإصابة ٢/١٠٢: "اختلف عليه فيه". وأورده ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٣٢٨ إلا أنه وقع عنده "شبابة عن ابن عاصم السلمي" بالشين المعجمة بعدها موحدة وهو خطأ. والصواب: سيابة بن عاصم. والعواتك ثلاث جدات من سليم كل تسمى عاتكة وهن عاتكة بنت هلال بن فالج ابن ذكوان وهي أم عبد مناف، والثانية: عاتكة بنت مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان وهي أم هاشم بن عبد مناف، والثالثة: عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال وهي أم وهب أبي آمنة أم رسول الله - ﷺ - (انظر ابن الأثير: النهاية ٣/١٧٩-١٨٠. والمناوي: فيض القدير ٣/٣٨) .
[ ١٩١ ]
وعند أبي عوانة أيضا من طريق عمرو بن أبي زائدة عن أبي إسحاق عن البراء قال: ما كان معنا يوم كذا وكذا - ذكر يوما من أيام رسول الله - ﷺ - فارس إلا المقداد١ بن الأسود - ﵁ - فارس رسول الله - ﷺ - فقال رجل يمازحه٢: فررتم عن رسول الله - ﷺ -: فقال البراء: "إني أشهد على رسول الله - ﷺ - ما فر يومئذ، كان والله إذا اشتد القتال واحمر البأس، اتقينا به" ٣.
وعند أبي داود: "لما لقي النبي - ﷺ - المشركين يوم حنين فانكشفوا٤ نزل عن بغلته فترجل" ٥.
وحديث البراء بجميع طرقه، يدور على أبي إسحاق السبيعي.
قال ابن حجر: "اتفقت الطرق التي أخرجها البخاري لهذا الحديث من سياق هذا الحديث إلى قوله:
"أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب"
إلاّ رواية زهير٦ بن معاوية فزاد في آخرها "ثم صف أصحابه" وزاد مسلم: في حديث البراء من رواية زكريا٧ عن أبي إسحاق قال البراء: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذيه" يعني النبي - ﷺ -." ا؟٨.
_________________
(١) ١ المقداد بن عمرو بن ثغلبة بن مالك بن ربيعة البهراني ثم الكندي، ثم الزهري، حالف أبوه كندة، وتبناه الأسود بن عبد يغوث الزهري، فنسب إليه،، صحابي مشهور من السابقين، لم يثبت أنه كان ببدر فارسا غيره، (ت ٣٣) وهو ابن سبعين سنة. /ع. (التقريب ٢/٢٧٢) . ٢ الضمير: للبراء. ٣ أبو عوانة: المسند ٤/٢٠٩. ٤ فانكشفوا: يعني المسلمين، والمراد: انهزموا. ٥ أبو داود: السنن ٢/٤٦ كتاب الجهاد، باب في الرجل يترجل عند اللقاء، ومعنى ترجل: مشى على رجليه، وفي كتب اللغة: ترجل: نزل عن ركوبته ومشى. (عون المعبود ٧/٣٢٠. والقاموس ٢/٣٨١- ٣٨٢) . ٦ وزهير بن معاوية تلميذ لأبي إسحاق انظر: من هذا الكتاب ص١٤٥ تعليقة (٤) . ٧ زكريا: هو ابن أبي زائدة أبو يحيى الكوفي الهمداني الوادعي. (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣١) .
[ ١٩٢ ]
فهذا الحديث على اختلاف ألفاظه وكذا حديث أنس بن مالك وجابر بن عبد الله والعباس بن عبد المطلب وغيرهم من الصحابة تدل دلالة واضحة على شجاعة رسول الله - ﷺ - المتناهية، ولقد نفى البراء بن عازب نفيل قاطعا كون رسول الله - ﷺ - فرَّ أو خطر بباله الفرار، فقال: "كنا والله إذا احمر البأس نتقي به، وإن الشجاع منا للذي يحاذى به".
وفي حديث العباس عند مسلم وغيره قال: فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قبل الكفار.
وقد أوضح ابن حجر سبب نفي البراء الفرار عن رسول الله - ﷺ - وإثباته لبعض الصحابة.
فقال: قول السائل: "يا أبا عمارة أتوليت يوم حنين".
وفي رواية: "أوليتم مع النبي - ﷺ - يوم حنين" وفي رواية: "أفررتم عن رسول الله - ﷺ؟ - " وكلها بمعنى.
وقوله: "أما انا فأشهد على النبي - ﷺ - أنه لم يول"١.
تضمن جواب البراء إثبات الفرار لهم، لكن لا على طريق التعميم، وأراد أن إطلاق السائل يشمل الجميع حتى النبي ﷺ لظاهر رواية "أوليتم مع النبي - ﷺ - " ويمكن الجمع بين هذه الرواية، ورواية "أفررتم عن رسول الله - ﷺ - " بحمل المعية ما قبل الهزيمة فبادر إلى استثنائه، ثم أوضح ذلك، وختم حديثه بأنه لم يكن أحد يومئذ أشد منه - ﷺ -.
ثم قال: قال النووي: هذا الجواب الذي أجاب به البراء من بديع الأدب؛ لأن تقدير الكلام: "فررتم كلكم"، فيدخل فيهم النبي - ﷺ -، فقال البراء: لا والله ما فر رسول الله - ﷺ -، ولكن جرى كيت وكيت، فأوضح ان فرار من فر لم يكن على نية الاستمرار في الفرار، وإنما انكشفوا من وقع السهام.
ثم قال ابن حجر: "وكأنه يستحضر رواية "أوليتم مع النبي - ﷺ - "، وقد ظهر من الأحاديث الواردة في هذه القصة أن الجميع لم يفروا، ويحتمل أن البراء فهم من
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٥٩) .
[ ١٩٣ ]
السائل أنه اشتبه عليه حديث سلمة بن الأكوع١، الذي خرجه مسلم بلفظ "مررت برسول الله - ﷺ - منهزمًا"، فلذلك حلف أن النبي - ﷺ لم يول.
ودل ذلك على أن "منهزمًا"حال من سلمة، ولهذا وقع في طريق أخرى "ومررت برسول الله - ﷺ - منهزما وهو على بغلته، فقال لقد رأى ابن الأكوع فزعا".
ويحتمل أن يكون السائل أخذ التعميم من قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥]، فبين له أنه من العموم الذي أريد به الخصوص. ا؟٢.
وقال النووي حول حديث سلمة بن الأكوع: "قال العلماء: قوله (منهزمًا) حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي - ﷺ - انهزم، وقد قالت الصحابة كلهم: أنه - ﷺ - ما انهزم، ولم ينقل أحد أنه انهزم - ﷺ - في موطن من المواطن، وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه - ﷺ - ولا يجوز ذلك عليه، بل كان العباس وأبو سفيان بن الحارث آخذين بلجام بغلته يكفانها عن إسراع التقدم نحو العدو". ا؟٣.
ونقل الزرقاني: "نحو قول النووي ثم قال: وقوله "قالت الصحابة كلهم أنه - ﷺ - ما انهزم، فلا يجوز أن ينقل عن سلمة ما يخالفهم بمجرد لفظ محتمل دفعته الرواية الأخرى عنه، فهذا من جملة ما استند إليه العلماء في أنه (حال من ابن الأكوع) ". ا؟٤.
وقد عقد القاضي عياض فصلا في شجاعة رسول الله - ﷺ - ونجدته فقال: "وأما الشجاعة والنجدة: فالشجاعة فضيلة قوة الغضب وانقيادها للعقل، والنجدة ثقة النفس عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها دون خوف، وكان - ﷺ - منهما بالمكان الذي لا يجهل قد حضر المواقف الصعبة وفر الكماة٥ والأبطال عنه غير مرة، وهو ثابت
_________________
(١) ١ سيأتي برقم (٨٢) . (ابن حجر: فتح الباري٨/٢٨-٢٩، والنووي شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٤) . (النووي: شرح صحيبح مسلم ٤/٤٠٨، والقسطلاني: المواهب اللدنية ١/١٦٣) . (الزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧) . ٥ الكماة: جمع كمي وهو الشجاع المتكمي في سلاحه، أي المتغطي المتستر بالدرع والبيضة. (مختار الصحاح ص٥٧٩) .
[ ١٩٤ ]
لا يبرح ومقبل لا يدبر ولا يتزحزح وما شجاع إلا وقد أحصيت له فرة وحفظت عنه جولة سواه - ﷺ -، وأن الصحابة كانوا إذا اشتد البأس والتحم القتال يتقون برسول الله - ﷺ - ". ا؟١.
قال ابن الحجر: "وفي حديث البراء بن العازب من الفوائد: حسن الأدب في الخطاب، والإرشاد إلى حسن السؤال بحسن الجواب، وذم الإعجاب، وفيه: جواز الانتساب إلى الآباء ولو ماتوا في الجاهلية، والنهي عن ذلك محمول على ما هو خارج الحرب، ومثله الرخصة في الخيلاء في الحرب دون غيرها، وفيه: جواز التعرض إلى الهلاك في سبيل الله، ولا يقال: كان النبي - ﷺ - متيقنًا بالنصر لوعد الله تعالى بذلك وهو حق لأن أبا سفيان بن الحارث - وقد ثبت معه - آخذا بلجام بغلته وليس هو في اليقين مثل النبي - ﷺ –".
وقد استشهد في تلك الحال أيمن بن أم أيمن، وفيه: ركوب البغلة إشارة إلى كزيد الثبات، لأن ركوب الفحولة مظنة الاستعداد للفرار والتولي، وإذا كان رأس الجيش قد وطن نفسه على عدم الفرار وأخذ بأسباب ذلك كان ذلك أدعى لأتباعه على الثبات، وفيه شهرة الرئيس نفسه في الحرب مبالغة في الشجاعة وعدم المبالاة بالعدو. ا؟٢.
وقال النووي: "قال العلماء: ركوبه - ﷺ - البغلة في مواطن الحرب وعند اشتداد البأس هو النهاية في الشجاعة والثبات، ولأنه أيضا يكون معتمدا يرجع المسلمون إليه، وتطمئن قلوبهم به، وبمكانه، وإنما فعل هذا عمدا وإلا فقد كانت له أفراس معروفة، ومما ذكره في الحديث - يعني حديث العباس - من شجاعته ﷺ تقدمه يركض بغلته إلى جمع المشركين، وقد فر الناس عنه، وفي الرواية الأخرى - يعني حديث سلمة بن الأكوع - أنه نزل إلى الأرض حين غشوه، وهذه مبالغة في الثبات والشجاعة والصبر، وقيل فعل ذلك مواساة لمن كان نازلا على الأرض من المسلمين وقد أخبرت الصحابة - ﵃ - بشجاعته - ﷺ - في جميع المواطن".
_________________
(١) (القاضي عياض: الشفاء ١/١١٤- ١١٨) . (فتح الباري: ٨/٣٢، والزرقاني: شرح المواهب ٣/١٧) .
[ ١٩٥ ]
وفي صحيح مسلم - يعني حديث البراء - قال: "إن الشجاع منا للذي يحاذي به، وأنهم كانوا يتقون به". ا؟١.
وقال القسطلاني: "وقد ركب ﵊ البغلة في هذا المحل الذي هو موضع الحرب والطعن والضرب تحقيقا لنبوته لما كان الله تعالى خصه به من مزيد الشجاعة وتمام القوة، وإلا فالبغال عادة من مراكب الطمأنينة ولا تصلح لمواطن الحرب في العادة إلا الخيل، فبين ﵊ أن الحرب عنده كالسلم قوة قلب وشجاعة نفس وثقة وتوكلا على الله تعالى". ا؟٢.
ومما سبق من الروايات التي ذكرناها يتجلى لنا عاملان هامان من عوامل النصر وهما الثبات في المعركة حين لقاء العدو وذكر الله ﷿ بحضور قلب وإلحاح في الدعاء، وقد ذكر الله في هذين العاملين في قوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ٣.
ولا ينتصر المسلمون على عدوهم إلا إذا حققوا في أنفسهم التحلي بهذين العاملين وغيرهما من عوامل النصر التي ذكرها الله مادية ومعنوية.
ب- رجوع المسلمين إلى المعركة:
لقد عاد المسلمون إلى المعركة مسرعين حين رأوا ثبات نبيهم - ﷺ - وحين سمعوا النداء بالرجوع كما تبينه الرواية الآتية:
٨٠- فعند مسلم وغيره من حديث كثير بن العباس عن أبيه العباس بن عبد المطلب قال: شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - ﷺ - فلم نفارقه، ورسول الله - ﷺ - على بغلة له بيضاء أهداها له فروة٤ بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون
_________________
(١) (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١- ٤٠٢) . (المواهب اللدنية ١/١٦٣ وانظر ابن كثير: التفسير ٢/٣٤٥) . ٣ سةرة الأنفال: الآية ٤٥. ٤ فروة بن نفاثة - بنون مضمومة ثم فاء ثم ثاء مثله - اختلف في اسم أبيه، فقيل: فروة بن نفاثة، وقيل: ابن نباتة، وقيل: ابن عامر، أو ابن عمرو، قال ابن حجر: "وهو أشهر، أسلم في عهد النبي - ﷺ - وبعث إليه بإسلامه، ولم ينقل انه اجتمع به، وسمي أبو عمر: جده النافرة" قال ابن إسحاق: "وبعث فروة ابن عمرو ابن النافرة النفاثي الجذامي إلى رسول الله - ﷺ - رسولا بإسلامه وأهدى له بغلة بيضاء وكان فروة عاملا للروم على من يليهم من العرب وكان منزله معان وما حوله من أرض الشام، فبلغ الروم إسلامه فطلبوه فحبسوه ثم قتلوه فقال في ذلك أبياتا منها قوله: أبلغ سراة المسلمين بأنني سلم لربي أعظمي وبناني" وأخرج ابن شاهين وابن مندة قصته من طريق الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس بسند ضعيف إلى الزهري. (الإصابة ٣/٢١٣، وسيرة ابن هشام ٢/٥٩١) . وقال النووي: "فروة بن نفاثة وفي الرواية التي بعدها رواية إسحاق بن إبراهيم قال: (فروة بن نعامة) بالعين والميم، والصحيح المعروف الأول (نفاثة) . قال القاضي عياض: واختلفوا في إسلامه فقال الطبري: أسلم وعمّر عمرا طويلا، وقال غيرهم: لم يسلم، وفي صحيح البخاري أن الذي أهدى له بغلة هو ملك أيلة، واسم ملك أيلة فيما ذكره ابن إسحاق (يحنة بن رؤبة) ". (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١، وأبو عوانة: المسند ٤/٤٠٣. وابن عبد البر الاستيعاب ٣/١٩٩ مع الإصابة. وابن الأثير: أسد الغابة ٤/٣٥٦- ٣٥٧. وابن هشام: السيرة النبوية ٢/٥٢٥ و٥٩١. وابن سعد: الطبقات الكبرى ١/٢٦٢- ٢٨١) .
[ ١٩٦ ]
مدبرين فطفق رسول الله - ﷺ - يركض١ بغلته قبل الكفار، قال عباس: وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله - ﷺ -، أكفها إرادة ألا تسرع، وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله - ﷺ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "أي عباس ناد أصحاب السمرة"٢ فقال عباس: - وكان رجلا صيتا٣- فقلت بأعلى صوتي: أين أصحاب السمرة؟ قال: فوالله! لكأن٤ عطفتهم، حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها، فقالوا: يا لبيك يا لبيك! قال: فاقتتلوا والكفار٥، والدعوة٦ في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار!
_________________
(١) ١ يركض بغلته: أي يضربها برجله الشريفة على كبدها لتسرع. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠١) . ٢ قوله: "ناد أصحاب السمرة"، هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان ومعناه: ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية. (النووي: شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٢) . ٣ رجلًا صيتًا: أي قوي الصوت. قال النووي: ذكر الحازمي في المؤتلف أن العباس - ﵁ - كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليلة وهم في الغابة فيسمعهم، قال: وبين سلع والغابة ثمانية أميال. (المصدر السابق ٤/٤٠٢) . ٤ قوله: "لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها: أي عودهم إلى أماكنهم وإقبالهم إليه - ﷺ - عطفة البقرة على أولادها، أي كان فيها انجذاب مثل ما في الأمهات حين حنت على أولادها". قال النووي: "قال العلماء: في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا، وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتح عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة، ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا، وإنما كانت هزيمتهم فجأة للانصبابهم عليهم دفعة واحدة ورشقهم بالسهام، ولاختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه، وممن يتربص بالمسلمين الدوائر، وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة فتقدم أخفاؤهم فلما رشقوهم بالنبل ولوا، فانقلبت أولاهم على أخراهم إلى أن أنزل الله السكينة على المؤمنين كما ذكر الله تعالى في القرآن". (المصدر السابق ٤/٤٠٢) . قلت: "وفي هذا رد على من يقول بأن منهزميهم وصلوا مكة وهو الواقدي" (انظر مغازيه ٣/٩٠٣) . ٥ هكذا هو في النسخ وهو ينصب الكفار أي مع الكفار. (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٣) . ٦ والدعوة في الأنصار: هي بفتح الدال يعني الاستغاثة والمناداة إليهم.
[ ١٩٧ ]
يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فقالوا: يا بني الحارث بن الخزرج! يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر رسول الله - ﷺ - وهو على بغلته كالمتطاول عليها، إلى قتالهم، فقال رسول الله - ﷺ -: "هذا حين حمي الوطيس" ١، الحديث٢.
وعند ابن إسحاق والطبري: قال العباس: إني لمع رسول الله - ﷺ - آخذ بحكمة بغلته البيضاء قد شجرتها بها، قال: وكنت امرأ جسيما شديد الصوت قال: ورسول الله - ﷺ - يقول حين رأى ما رأى من الناس: أين أيها الناس؟ فلم أر الناس يلوون على شيء، فقال: يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار، يا معشر أهل السمرة فأجابوا: لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل ليثني بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه ويأخذ سيفه وترسه٣، ويقتحم عن بعيره ويخلي سبيله حتى إذا اجتمع إليه منهم مائة استقبلوا الناس فاقتتلوا، وكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار، ثم خلصت أخيرا: يا للخزرج، وكانوا صبرا عند الحرب، فأشرف رسول الله - ﷺ - بركائبه، فنظر إلى مجتلد القوم وهم يجتلدون فقال: "الآن حمي الوطيس".
وعند ابن سعد والطبري عن العباس قال: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركون فولى المسلمون يومئذ فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه أحد إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب آخذ بفرز النبي - ﷺ -، والنبي - ﷺ - ما يألو ما أسرع نحو المشركين قال: فأتيته حتى أخذت بلجامه وهو على بغلة له شهباء فقال: يا عباس
_________________
(١) ١ الوطيس: بفتح الواو وكسر الطاء المهملة وبالسين المهملة. قال النووي: قال الأكثرون: هو شبه التنور يسجر فيه، ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره، قال آخرون: الوطيس هو التنور نفسه. وقال الأصمعي: "هي حجارة مدورة إذا حميت لم يقدر أحد يطأ عليها فيقال: الآن حمي الوطيس، وقيل هو الضرب في الحرب، وقيل: هي الحرب الذي يطيس الناس أي يدقهم، قالوا: هذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي - ﷺ -". (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٣. والروض الأنف للسهيلي ٧/١٩٩- ٢٠٠) . ٢ مسلم: الصحيح ٣/١٣٩٨- ١٤٠٠ كتاب الجهاد والسير، وتمام الحديث: قال: ثم أخذ رسول الله - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا ورب محمد"، قال: "فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيأته فيما أرى، قال: فوالله! ماهو إلا أن رماهم بحصيات، فما زلت أرى أحدهم كليلا وأمرهم مدبرا". (سيرة ابن هشام٢/٤٤٤-٤٤٥.والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٥. وعبد الرزاق: المصنف٥/٣٨٠١-٣٨١.وابن سعد: الطبقات الكبرى٤/١٨.وأحمد: المسند ١/٢٠٧. وأبو يعلى: المسند٦/٦٠٤ب رقم ٣٠٦. وأبو عوانة: المسند٤/١٩٨ و٢٠١ و٢٠٣. وعلي المتقي الهندي: منتخب كنز العمال٤/١٦٩، وكنز العمال١٠/٣٥٥- ٣٥٦) . ٣ الترس: بضم أوله يصنع من جلود يضعه المقاتل في يده يتقي به النبال وغيرها.
[ ١٩٨ ]
ناد يا أصحاب السمرة، قال: وكنت رجلا صيتا فناديت بصوتي الأعلى: أين أصحاب السمرة؟ فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها، يا لبيك، يا لبيك، يا لبيك وأقبل المشركون فالتقوا هم والمسلمون ونادت الأنصار: يا معشر الأنصار مرتين، ثم قصرت الدعوى في بني الحارث بن الخزرج، فنادوا: يا بني الحارث بن الخزرج! فنظر النبي - ﷺ - إلى قتالهم فقال: "هذا حين حمي الوطيس" الحديث١.
وعند الحميدي: عن عباس قال: كنت مع النبي - ﷺ - يوم حنين ورسول الله - ﷺ - على بغلته التي أهداها له الجذامي فلما ولى المسلمون، قال لي رسول الله - ﷺ -: "يا عباس ناد، قلت يا أصحاب سورة البقرة٢، وكنت رجلا صيتا فقلت: يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة، فرجعوا عطفة كعطفة البقرة على أولادها، وارتفعت الأصوات وهم يقولون: معشر الأنصار، يا معشر الأنصار ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن خزرج، يا بني الخزرج، قال: وتطاول رسول الله - ﷺ - على بغلته فقال: "هذا حين حمي الوطيس" الحديث٣.
_________________
(١) (ابن سعد: الطبقات الكبرى٢/١٥٥واللفظ له. والطبري: جامع البيان١٠/١٠١- ١٠٢) . ٢ قوله: (يا أصحاب سورة البقرة) . قال الزرقاني: "خصت هذه السورة بالذكر حين الفرار لتضمنها ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ [سورة البقرة، من الآية: ٢٤٩]، أو لتضمنها ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾، [سورة البقرة، من الآية: ٤٠]، أو ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [سورة البقرة، من الآية: ٢٠٧] . ثم قال: "وليس النداء بهذه السورة اجتهاد من العباس، بل بأمره - ﷺ - ففي مسلم وغيره، قال العباس: فقال - ﷺ -: يا عباس ناد يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة". (شرح المواهب اللدنية ٣/١٢) . قلت: "ليس في مسلم لفظة: أصحاب سورة البقرة، وإنما فيه "أصحاب السمرة" فقط وقد تتبعت حديث العباس في صحيح مسلم فلم أجد هذه اللفظة، وقد ورد الأمر للعباس بأن ينادي بـ يا أصحاب سورة البقرة"، عند أحمد في مسنده ١/٢٠٧ عن سفيان بن عيينة قال: سمعت الزهري مرة أو مرتين فلم أحفظه عن كثير بن عباس قال كان عباس وأبو عباس معه يعني النبي - ﷺ - قال: فخطبهم وقال: "الآن حمي الوطيس" وقال: "ناد يا أصحاب سورة البقرة" وإسناده صحيح. وعند أبي عوانة في مسنده٤/٢٠٤-٢٠٦ من طريق سفيان بن عيينة ولفظه: يا عباس ناد في الناس: "يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة! قال سفيان بن عيينة: يذكرهم البيعة التي بايعوه تحت الشجرة والشجرة سمرة بايعوه تحتها على أن لا يفروا". وعند الفسوي في المعرفة والتاريخ ٢/٧٣٢ من طريق سفيان بن عيينة أيضا ولفظه: "يا عباس ناد يا أصحاب الشجرة، يا أصحاب سورة البقرة" وإسناده صحيح. وجاء عند أبي يعلى والطبراني في الأوسط من طريق الزهري عن أنس بن مالك أن رسول الله - ﷺ - أمر العباس أن ينادي: يا أصحاب سورة البقرة، قال الهيثمي: "رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن دوار وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره". (مجمع الزوائد ٦/١٨٠-١٨١. وانظر مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم (٧٧) ومسند أبي يعلى ٣/٣٣٨ب رقم (٣٠٣) والمطالب العالية ٤/٢٥١) . (الحميدي: المسند ١/٢١٨- ٢١٩) .
[ ١٩٩ ]
والحديث رواه الفسوي من طريق الحميدي١.
ورواه الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه٢. وتعقبه الذهبي بقوله: قلت أخرجه مسلم٣.
٨١- ونعد الحاكم من حديث جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله - ﷺ - يوم حنين الأنصار فقال: "معشر الأنصار فأجابوه: لبيك، بأبينا أنت وأمنا يا رسول الله، قال: أقبلوا بوجوههم إلى الله وإلى رسوله يدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار، فأقبلوا ولهم حنين٤ حتى أحدقوا٥ به كبكبة تحاك مناكبهم يقاتلون حتى هزم الله المشركين" ٦.
ثم قال هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.
وأخرج الحاكم أيضا من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: التقى يوم حنين أهل مكة وأهل المدينة واشتد القتال فولوا مدبرين، فندب رسول الله - ﷺ - الأنصار فقال: يا معشر المسلمين أنا رسول الله.
فقالوا: "إليك والله جئنا فنكسوا ثم قاتلوا حتى فتح الله عليهم" ٧.
ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي".
وفي حديث أنس بن مالك قال: لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بنعمهم وذراريهم، ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومن الطلقاء فأدبروا عنه حتى
_________________
(١) (المعرفة والتاريخ ٢/٧٣٢- ٧٣٣) . (المستدرك ٣/٣٢٧- ٣٢٨) . (تلخيص الذهبي على المستدرك ٣/٣٢٨ وانظر الحديث رقم (٨٠) . ٤ أصل الحنين: هو ترجيع الناقة صوتها لولدها. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٥٢ن وابن حجر: هدي الساري ص١٠٩) . ٥ أحدقوا به: أي طافوا به. والكبكبة: بالضم والفتح: هي الجماعة المتضامة من الناس وغيرهم والدفعة في القتال والجري والحملة في الحرب والزحام، وأكب عليه أقبل ولزم. وتحاك بتشديد الكاف: أي اصطكت مناكبهم فحك كل منكب الآخر. (ابن الأثير: النهاية١/٣٤٥، ٤١٨و٤/١٤٤.والفيروزآبادي: القاموس المحيط ١/١٢١، ٣/٢١٩، ٢٩٩) . (المستدرك: ٣/٤٨) . ٧ تقدم تخريج الحديث برقم (٥٩) .
[ ٢٠٠ ]
بقي وحده، "فنادى١ يومئذ نداءين لم يخلط بينهما، التفت عن يمينه فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، ثم التفت عن يساره فقال: يا معشر الأنصار، قالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، وهو على بغلة بيضاء، فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله، فانهزم المشركون" الحديث٢.
؟- المعجزة النبوية التي حصلت في هذه المعركة وذلك أن رسول الله - ﷺ - نظر إلى اجتلاد المسلمين واشتباكهم مع المشركين فقال "هذا حين حمي الوطيس" ثم أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار فامتلأت أعينهم ترابا من تلك الرمية فهزمهم الله ﷿.
توضح ذلك الأحاديث الآتية:
فعند مسلم وغيره من حديث العباس بن عبد المطلب - ﵁ -، قال: "شهدت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، فلزمت أنا وسفيان بن الحارث بن عبد المطلب رسول الله - ﷺ - فلم نفارقه ورسول الله - ﷺ - على بغلة له بيضاء، أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي، فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين فطفق رسول الله - ﷺ - يركض بغلته قبل الكفار" الحديث وفيه:
فنظر رسول الله - ﷺ - وهو على بغلته كالنتطاول عليها إلى قتالهم، فقال: "هذا حين حمي الوطيس" قال: ثم أخذ٣ رسول الله - ﷺ - حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال: "انهزموا٤ ورب محمد" قال: "فذهبت أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى،
_________________
(١) ١ قال الحلبي: يجوز أن يكون هذا النداء بعد نداء العباس وقربهم منه - ﷺ -. (للسيرة الحلبية ٣/٦٦) . قلت: وتقدم في حديث (٧٠) أن رسول الله - ﷺ - أمر زيدا أن ينادي في الناس وفيه أيضا أن زيدا كان آخذا بعنان بغلة رسول الله - ﷺ -، والمشهور من الأحاديث الكثيرة الصحيحة أن المأمور بالنداء هو العباس بن عبد المطلب، ولا يبعد أن الرسولﷺ - أمر كل واحد منهما بالنداء لأن كل واحد منهما كان قريبا منه آخذا بناحية من نواحي البغلة. ٢ تقدم برقم (٤٠) . ٣ وعند ابن سعد: "ثم أخذ بيده من الحصى فرماهم بها". وعند الطبري: "ثم أخذ بيده من الحصيات فرماهم بها". والحصى والحصيات صغار الحجارة الواحدة حصاة. (ابن الأثير: النهاية ١/٣٩٣، والفيروز آبادي: القاموس ٤/٣١٨) . ٤ انهزموا: بلفظ الخبر، قال النووي: هذا فيه معجزتان ظاهرتان لرسول الله - ﷺ - إحداهما فعلية، والأخرى خبرية، فإنه - ﷺ - أخبر بهزيمتهم، ورماهم بالحصيات، فولوا مدبرين، وذكر مسلم في الرواية الأخرى (يعني حديث سلمة بن الأكوع) أنه - ﷺ - قبض قبضة من تراب الأرض، ثم استقبل لها وجوههم فقال: "شاهت الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا من تلك القبضة، وهذا أيضا فيه معجزتان خبرية وفعلية ثم قال: ويحتمل أنه أخذ قبضة من حصى وقبضة من تراب، فرمى بذا مرة، وبذا مرة، ويحتمل أنه اخذ قبضة واحدة مخلوطة من حصى وتراب. (شرح صحيح مسلم ٤/٤٠٣، وابن حجر: فتح الباري ٨/٣٢. وانظر ص٢٠٥ تعليقة (١) .
[ ٢٠١ ]
قال: فوالله! ما هو إلا أن رماهم بحصياته، فما زلت أرى حدهم١ كليلا وأمرهم مدبرا" ٢.
ثم قال مسلم: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد جميعا عن عبد الرزاق أخبرنا معمر عن الزهري بهذا الإسناد نحوه غير أنه قال: "فروة بن نعامة الجذامي، وقال: "انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة" ٣.
وزاد في الحديث حتى هزمهم الله، قال: وكأني أنظر إلى النبي - ﷺ - يركض خلفهم على بغلته.
٨٢- وعند مسلم أيضا من حديث سلمة بن الأكوع قال: غزونا مع رسول الله - ﷺ - حنينا فلما واجهنا العدو تقدمت فأعلو ثنية فاستقبلني رجل من العدو فأرميه بسهم فتوارى عني فما دريت ما صنع ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى فالتقوا هم وصحابة النبي - ﷺ - فولى صحابة النبي - ﷺ - وأرجع منهزما وعلي بردتان متزرا بإحداهما مرتديا بالأخرى فاستطلق إزاري فجمعتهما جميعا ومررت على رسول الله - ﷺ - منهزمًا وهو على بغلته الشهباء فقال رسول الله - ﷺ -: "لقد رأى ابن الأكوع فزعا فلما غشوا رسول الله - ﷺ - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب الأرض ثم استقبل به وجوههم فقال: "شاهت٤ الوجوه" فما خلق الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا بتلك القبضة فولوا مدبرين فهزمهم الله ﷿ وقسم رسول الله - ﷺ - غنائمهم بين المسلمين٥.
٨٣- وعند ابي يعلى والطبراني: من حديث أنس بن مالك بإسناد حسن قال: لما كان يوم حنين: انهزم الناس عن النبي - ﷺ - إلاّ العباس بن عبد المطلب وأبا
_________________
(١) ١ قوله: "فما زلت أرى حدهم كليلا "هو بفتح الحاء المهملة أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٠٣) . ٢ تقدم برقم (٨٠) . ٣ تقدم برقم (٨٠) . ٤ شاهت الوجوه: قبحت. (المصباح المنير ١/٣٨٩. الروض الأنف ٧/٢١٧٩. (مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٢ كتاب الزكاة. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٤أ- ب) .
[ ٢٠٢ ]
سفيان بن الحارث وأمر النبي - ﷺ - أن ينادي يا أصحاب سورة البقرة يا معشر الأنصار ثم استحر النداء في بني الحارث بن خزرج فلما سمعوا النداء أقبلوا فوالله ما شبهتهم إلا بالإبل تجري إلى أولادها، ولما التقوا التحم القتال، فقال رسول الله ﷺ: "الآن حمي الوطيس" وأخذ كفا من حصى فرمى به، وقال: "هزموا ورب الكعبة وكان علي بن ابي طالب من أشد الناس قتالا يومئذ"١.
والحديث أورده الهيثمي٢ في مجمع الزوائد وقال: رواه أبو يعلى والطبراني في الأوسط ورجالهما رجال الصحيح غير عمران بن دوار وهو أبو العوام وثقه ابن حبان وغيره وضعفه ابن معين وغيره.
٨٤- وأخرج الطبراني عن أنس قال: لنا انهزم المسلمون يوم حنين مر رسول الله - ﷺ - على بغلته الشهباء - وكان اسمها دلدل - فقال رسول الله - ﷺ -: دلدل اشتدي٣ فألزقت بطنها بالأرض حتى أخذ رسول الله ﷺ حفنة من تراب فرمى بها في وجوههم وقال: "حم لا ينصرون"٤ فانهزم القوم وما رميناهم بسهم ولا طعناهم برمح ولا ضربنا بسيف ٥.
لم يروه عن ثابت٦ إلا عمارة، تفرد به مؤمل.
_________________
(١) ١ أبو يعلى: (المسند ٣/٣٣٨ب رقم٣٠٣. والطبراني: كما في مجمع البحرين ٢/٢٤٣ رقم٧٧) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٠- ١٨١) . ٣ كذا في الأصل "اشتدي" وفي مجمع الزوائد (اسدي) بالسين المهملة والشدة القوة، واشتداد الشيء قوته وصلابته، والشد: العدو، واشتد عدا. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٥١. والفيروز آبادي: القاموس ١/٣٠٥) . وسدى تسدية وسدا بيده مدها، وأسدت الناقة: اتسع خطوها. (الفيروز آبادي: القاموس ١/٣٤١) . ٤ قوله: (حم لا ينصرون) في النهاية لابن الأثير ١/٤٤٦: معناه اللهم لا ينصرون، ويريد به الخبر، لا الدعاء، لأنه لو كان دعاء لكان مجزوما، فيقول: (حم لا ينصروا) فكأنه قال: "والله لا ينصرون". إهـ.. وفي سنن أبي داود ٢/٣١ كتاب الجهاد، باب في الرجل ينادي بالشعار، "أن رسول الله - ﷺ -، قال: "إن بُيتم فليكن شعاركم حم لا ينصرون". قال صاحب عون المعبود ٧/٢٥٨: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: "حم من أسماء الله". فكأنه حلف بالله إنهم لاينصرون. (مجمع البحرين ٢/٢٤٤ رقم ٧٧) . ٦ ثابت هو البناني، ثقة عابد، وعمارة: هو ابن زاذان الصيدلاني أبو سلمة البصري، صدوق كثير الخطأ. ومؤمل-بوزن محمد-هو ابن إسماعيل البصري، أبو عبد الرحمن نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ. (ابن حجر: التقريب ١/١١٥ و٢/٤٩، ٢٩٠) .
[ ٢٠٣ ]
والحديث أورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: رواه الطبراني في الأوسط وفيه: أحمد١ بن محمد بن القاسم وهو ضعيف٢.
قلت: "والجزء الأخير من الحديث وهو قوله: فانهزم القوم الخ ثابت معناه عند ابن حبان والحاكم من حديث أنس أيضا" وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه"، وسكت عنه الذهبي٣.
٥٨- وأخرج الطبراني أيضا عن يزيد بن عامر السوائي وكان شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم، قال: عند انكشافة انكشفها المسلمون يوم حنين، فتبعتهم الكفار فأخذ رسول الله - ﷺ - قصبة من الأرض فرمى بها وجوههم وقال: "ارجعوا شاهت الوجوه" فما منا من أحد يلقى أخاه إلا وهو يشكوا القذى أو يمسح عينيه٤.
قال الهيثمي: رواه الطبراني ورجاله ثقات.
٨٦- وقال البزار: حدثنا إسماعيل٥ بن سيف القطعي، ثنا يونس٦ ابن أرقم ثنا الأعمش٧، عن سماك٨ بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن علي بن أبي
_________________
(١) ١ هو ابن أبي بزة مؤذن المسجد الحرام، قال ابن أبي حاتم قلت لأبي: ابن أبي بزة ضعيف الحديث؟ قال: نعم، ولست أحدث عنه فإنه روى عن عبيد الله بن موسى عن الأعمش عن إبراهيم عن علقمة عن عبد الله عن النبي ﷺ حديثا منكرا. (الجرح والتعديل٢/٧١) . (مجمع الزوائد ٦/١٨٣) . ٣ ابن حبان: كما في موارد الضمآن ص٤١٧، والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠. (مجمع الزوائد ٦/١٨٢- ١٨٣) . ٥ بصري كانوا يضعفونه، وقال ابن عدي: كان القطعي يسرق الحديث روى عن الثقات أحاديث غير محفوظة. (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٢٣٣) . ٦ يونس بن أرقم لينه عبد الرحمن بن حراش. (المصدر السابق ٤/٤٧٧) . ونقل ابن حجر قول الذهبي هذا وزاد: ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يتشيع. (لسان الميزان ٦/٣٣١) . ٧ هو سليمان بن مهران الأسدي الكاهلي أبو محمدالكوفي، ثقة حافظ عارف بالقراءة، ورع لكنه يدلس، من الخامسة (ت١٤٧أ،١٤٨) /ع. (ابن حجر: التقريب٣٣١) . ٨ هو ابن أوس بن خالد الذهلي البكري الكوفي، أبو المغيرة، صدوق وروايته عن عكرمة خاصة مضطربة، وقد تغير بآخره، فكان ربما يلقن، من الرابعة (ت١٢٣) /خت م عم. (المصدر السابق ١/٣٣٢) .
[ ٢٠٤ ]
طالب ناول رسول الله - ﷺ - التراب١ فرمى به وجوه المشركين يوم حنين٢.
قال البرزار: "لا نعلمه بهذا اللفظ إلا بهذا الإسناد".
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه البزار عن إسماعيل بن سيف وهو ضعيف"٣.
قال ابن حجر: قلت: "وشيخه يونس"٤.
والخلاصة:
أن أخذ الرسول - ﷺ - يوم حنين ترابا ورميه في وجوه الكفار، جاء في أحاديث كثيرة منها الصحيح والحسن والضعيف.
فقد ورد من حديث العباس بن عبد المطلب عند مسلم وغيره٥.
ومن حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم والبيهقي٦.
ومن حديث أبي عبد الرحمن الفهري عند أحمد وأبي داود وغيرهم٧.
ومن حديث عبد الله بن مسعود عند أحمد والحاكم والبيهقي وغيرهم٨.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: ولمسلم من حديث العباس أن رسول الله - ﷺ - أخذ حصيات فرمى بهن وجوه الكفار، وله من حديث سلمة بن الأكوع، قال: لما غشوا النبي - ﷺ - نزل عن البغلة ثم قبض قبضة من تراب ثم استقبل بها وجوههم فقال: "شاهت الوجوه"، ولأحمد وألبي داود من حديث أبي عبد الرحمن الفهري في قصة حنين أن رسول الله - ﷺ - اقتحم عن فرسه فأخذ كفا من تراب، ولأحمد والحاكم من حديث ابن مسعود قال: ورسول الله - ﷺ - على بغلة يمضي قدما فحادت عن فرسه فمال عن السرج فقلت له: "ارتفع رفعك الله، فقال: ناولني كفا من تراب فضرب به وجوههم". وللبزار من حديث ابن عباس أن عليا ناول رسول الله ﷺ التراب، فرمى به وجوه المشركين يوم حنين ثم قال: ويجمع بين هذه الأحاديث بأنه - ﷺ - أوّلًا، قال لصاحبه ناولني فناوله فرماهم، ثم نزل عن البغلة فأخذ بيده فرماهم أيضا، فيحتمل أن الحصى في إحدى المرتين، وفي الأخرى التراب. (فتح الباري٨/٣١-٣٢) و(الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/١٣) وانظر ص٢٠١. (كشف الأستار ٢/٣٤٩) . (مجمع الزوائد ٧/١٨٣) . (مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم٨١٦) . ٥ تقدم الحديث برقم (٨٠) . ٦ تقدم الحديث برقم (٨٢) . ٧ سيأتي تخريجه برقم (٩١) . ٨ تقدم تخريجه برقم (٧٤) .
[ ٢٠٥ ]
ومن حديث شيبة بن عثمان العبدري عند الطبراني وغيره١.
ومن حديث عبد الرحمن بن أزهر عند أحمد وأبي عوانة٢.
ومن حديث يزيد بن عامرالسوائي عند عبد بن حميد والطبري٣.
ومن حديث أنس بن مالك عند أبي يعلى والطبراني٤
وهذه الأحاديث التي أوردتها في بيان هذا العامل من عوامل النصر، يؤخذ منها نصر الله للمسلمين بمعجزات يؤيد الله بها رسوله - ﷺ - ليزيد المؤمنين إيمانا ولتقوم الحجة على المكذبين برسالته - ﷺ -، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة.
والمسلمون إذا قوي إيمانهم بالله سبحانه فإن الله يؤيدهم وينصرهم على أعدائهم بأسباب كونية قدرية لاقبل لعدوهم بها، ولهذا شواهد لا تحصى في التاريخ الإسلامي.
د- تأييد الله للمسلمين بجند من عنده:
كان هذا التأييد السماوي بعد أن أدب الله المؤمنين الذين اغتروا وأعجبوا بكثرتهم وبعد أن ضاقت عليهم الأرض بما رحبت، وذلك بسبب ما حل بهم من الخوف عندما ركب الأعداء ظهورهم يسوقونهم، فركبت إبل المسلمين بعضها بعضا وولوا مدبرين، إلاّ رسول الله - ﷺ - وطائفة يسيرة معه، وفي هذه الحال الحرجة أنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين وأنزل جنودا من عنده تقوية لقلوب المؤمنين وتثبيتًا
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٦٧) . (أحمد: المسند ٤/٣٥١. وأبو عوانة: المسند ٤/٢٠٤. والهيثمي: مجمع الزوائد ٦/١٨٥ وقال: رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح) . ٣ عبد بن حميد: المسند ١/٦٦أرقم (٣٣٢) . والطبري: جامع البيان١٠/١٠٣. وتقدم برقم (٨٥) . ٤ تقدم تخريجه برقم (٨٣) .
[ ٢٠٦ ]
لهم، ولقد صوّر القرآن الكريم هذا أتم تصوير فقال: جل ذكره: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ٢٥] .
قال الشوكاني عند تفسير هذه الآيات قوله: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٦]، أي: أنزل ما يسكنهم فيذهب خوفهم حتى وقع منهم الاجتراء على قتال المشركين، بعد أن ولوا مدبرين، والمراد بالمؤمنين١: هم الذين لم ينهزموا، وقيل الذين انهزموا، والظاهر جميع من حضر منهم لأنهم ثبتوا بعد ذلك وقاتلوا وانتصروا، ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوهَا﴾ قال: هم الملائكة، ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بما وقع عليهم من القتل والأسر وأخذ الأموال وسبي الذرية، والإشارة بقوله ﴿وذلك﴾ إلى التعذيب المفهوم من عذب وسمى ما حل بهم من العذاب في هذا اليوم جزاء مع أنه غير كاف بل لا بدّ من عذاب الآخرة مبالغة في وصف ما وقع عليهم، وتعظيما له، وقوله ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ﴾ أي من بعد هذا التعذيب على من يشاء ممن هداه منهم إلى الإسلام، ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يغفر لمن أذنب فتاب، ﴿الرَحِيمٌ﴾ بعباده يتفضل عليهم بالمغفرة لما اقترفوه٢.
وقد وردت بعض الآثار تبين أن المراد (بالجنود) في الآية هم الملائكة.
فقد أخرج ابن أبي حاتم قال: أخبرنا أحمد٣ بن عثمان بن حكيم فيما كتب إلي
_________________
(١) ١ قوله: والمراد بالمؤمنين هم الذين لم ينهزموا فقد ورد في حديث ابن مسعود قال: كنت مع النبي - ﷺ - يوم حنين فولى عنه الناس وبقيت معه في ثمانين رجلا من المهاجرين والأنصار، فنكصنا على أقدامنا نحوا من ثمانين قدما ولم نولهم الدبر، وهم الذين أنزل الله - ﷿ - عليهم السكينة. تقدم الحديث برقم (٧٤) . والظاهر جميع من حضر من المؤمنين كما قال الشوكاني، يؤيد هذا ما قاله الطبري: "الانهزام المنهي عنه هو ما وقع على غير نية العود وأما الاستطراد للكثرة فهو كالتحيز إلى فئة". (ابن حجر: فتح الباري ٨/٣٠، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٠) . ٢ الشوكاني: فتح القدير ٢/٣٤٨. ٣ أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي، أبو عبد الله الكوفي، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٦١) /خ م س ق. (ابن حجر: التقريب ١/٢١، وتهذيب التهذيب ١/٦١. وابن أبي حاتم: الجرح والتعديل ٢/٦٣) .
[ ٢٠٧ ]
ثنا أحمد١ بن مفضل، ثنا أسباط٢ عن السدي٣،في قوله: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ قال: هم الملائكة٤.
وأخرج الطبري نحوه: من طريق أحمد بن المفضل به٥، والحديث ضعيف كما علم من خلال تراجم رجاله، وهو مقطوع، لأن السدي من التابعين، وقد قيل إن تفسيره هذا قد جعل له إسنادا واستكلفه٦.
٨٨- وعند الطبري قال: حدثنا القاسم٧، قال: ثنا الحسن بن عرفة٨، قال: ثني المعتمر٩ بن سليمان، عن عوف١٠ قال: سمعت عبد الرحمن١١ مولى أم برثن أو أم مريم، قال: ثني جل كان من المشركين يوم حنين، قال: "لما التقينا نحن
_________________
(١) ١ أحمد بن المفضل الحفري - بفتح المهملة والفاء - أبو علي الكوفي، صدوق شيعي، في حفظه شيء (ت٢١٥) /م د س. (ابن حجر: التقريب ١/٢٦) . وفي تهذيب التهذيب ١/٨١ قال: قال أبو حاتم: كان صدوقا وأثنى عليه بن أبي شيبة خيرا، وذكره ابن حبان في الثقات. قال الأزدي: منكر الحديث. ٢ أسباط بن نصر الهمداني-بسكون الميم- أبو يوسف، ويقال: أبو نصر صدوق كثير الخطأ، يغرب من الثامنة/خت م عم. (المصدر السابق١/٥٣و١/٢١١-٢١٢) . ٣ إسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي كريمة السدي - بضم المهملة وتشديد الدال - وهو السدي الكبير، أبو محمد الكوفي، صدوق يهم، ورمي بالتشيع من الرابعة (ت ١٢٧) /م عم. (المصدر السابق ١/٧١- ٧٢ و١/٣١٣- ٣١٤) . (تفسير ابن أبي حاتم ٤/٧٠أ) . (جامع البيان ١٠/١٠١ وتقدم برقم (٤١) . (ابن حجر: تهذيب التهذيب ١/٣١٤) . ٧ القاسم: هو ابن زكرياء بن يحيى أبو بكر المقرئ المعروف: بالمطرز - بزنة اسم الفاعل -. ذكر الخطيب مشايخه وتلاميذه وقال: كان ثقة ثبتا. (تاريخ بغداد ١٢/٤٤١ و٧/٣٩٤) . وذكره الحافظ ابن حجر تمييزا وقال: حافظ ثقة. (التقريب ٢/١٢٦ وتهذيب التهذيب ٨/٣١٤) . ٨ الحسن بن عرفة بن يزيد العبدي أبو علي البغدادي، صدوق من العاشرة (ت ٢٥٧) /ت س ق. (ابن حجر: التقريب١/١٦٨ وتهذيب التهذيب ٣/٢٩٣) . ٩ المعتمر بن سليمان بن طرخان - بفتح طاء مهملة وقيل بكسرها وبخاء وراء ونون - التيمي، أبو محمد البصري: يلقب بالطفيل، ثقة من كبار التاسعة (ت ١١٧) وقد جاوز الثمانين /ع. (المصدر السابق ٢/٢٦٣، ١٠/٢٢٧) . ١٠ عوف بن أبي جميلة - بفتح الجيم - الأعرابي، العبدي، البصري، ثقة رمي بالقدر، وبالتشيع، من السادسة (ت١٤٦ أو١٤٧) /ع. (المصدر السابق٢/٨٩، ٨/١٦٦) . ١١ عبد الرحمن بن آدم البصري المعروف بصاحب السقاية، مولى أم برثن-بضم الموحدة وسكون الراء بعدها مثلثة مضمومة ثم نون-وقد تبدل النون ميما فيقال: (برثم) صدوق من الثالثة/م د. (المصدر السابق١/٤٧٢ و٦/١٣٤) . والظاهر (أن قوله في مسند ابن جرير "مولى مريم" خطأ. والصواب "مولى أم برثم" أو "برثن".
[ ٢٠٨ ]
وأصحاب رسول الله - ﷺ - يوم حنين لم يقوموا لنا حلب١ شاة، قال: فلما كشفناهم جعلنا نسوقهم في أدبارهم، حتى انتهينا إلى صاحب البغلة البيضاء، فإذا هو رسول الله - ﷺ - قال: فتلقانا عنده رجال بيض، حسان الوجوه، فقالوا لنا: شاهت الوجوه ارجعوا، قال فانهزمنا وركبوا أكتافنا، فكانت إياها" ٢
والحديث حسن لذاته وجهالة الرجل لا تضر لأن الظاهر أنه أسلم وحدث عبد الرحمن بهذه القصة، جهالة الصحابي لا تضر لأنهم كلهم عدول، وقد قال ابن حجر: "بأن عبد الرحمن روى عن رجل من الصحابة ولم يسمه٣ فالظاهر أنه هذا". والله أعلم.
وتقدم في حديث عثمان بن شيبة العبدري أنه قال: خرجت مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين والله مال أخرجني إسلام ولا معرفة به، ولكن أبيت أن تظهر هوازن على قريش، فقلت وأنا واقف معه: يا رسول الله إني أرى خيلا بلقا، فقال: "يا شيبة إنه لا يراها إلا كافر" الحديث٤.
٨٩- وقال ابن إسحاق: حدثني أبي إسحاق٥ بن يسار أنه حدث عن جبير٦ بن مطعم قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد٧ الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم، فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد
_________________
(١) ١ قوله: لم يقوموا لنا حلب شاة: أي مقدار حلبها بل ولوا من رشق النبل ونيتهم العود. (شرح المواهب ٣/١٥) . (الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٣- ١٠٤) . (تهذيب التهذيب ٦/١٣٤) . ٤ تقدم الحديث برقم (٦٦) . ٥ إسحاق بن يسار المدني والد ابن إسحاق، ثقة من الثالثة /مد. (ابن حجر: التقريب ١/٦٢ وتهذيب التهذيب ١/٢٥٧) . ٦ جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف القرشي النوفلي، صحابي عارف بالأنساب (ت٥٨ أو ٥٩) /ع. (المصدر السابق ١/١٢٦ و٢/٦٣- ٦٤) . ٧ أورد ابن الأثير في النهاية١/٩٦ هذا الحديث وقال: "البجاد الكساء وجمعه بجد، أراد الملائكة التي أيدهم الله بهم" وقال الزرقاني: البجاد بالموحدة المكسورة والجيم الخفيفة آخره دال مهملة: الكساء. ثم نقل قول ابن الأثير وقال: لأنه لكثرتهم واختلاط بعضهم ببعض صاروا كالبجاد المتصل أجزاؤه بنسجه، وروى الواقدي عن شيوخ من الأنصار قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركاما فنظرنا فإذا نمل مبثوث فإن كنا ننفضه عن ثيابنا فكان نصر الله أيدنا به. وانظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٢١٢. ثم قال الزرقاني: قال شيخنا: "ولعل نزول الملائكة في صورة النمل ليظهر للمسلمين فيسألوا عنه، ويتوصلوا بذلك للعلم بهم، فيعلموا من ذلك من معجزاته فيقوى بذلك إيمانهم" (شرح المواهب٣/١٦) . وانظر مغازي الواقدي٣/٩٠٥.
[ ٢٠٩ ]
ملأ الوادي، لم يشك أحد أنها الملائكة ثم لم يكن إلا هزيمة القوم١.
والحديث أخرجه الطبري عن ابن إسحاق عن أبيه أنه: حدث عن جبير بن مطعم٢.
وأخرجه الطبراني من طريق ابن إسحاق أيضا وصرح بسماع إسحاق من جبير بن مطعم.
وهذا سياقه: قال: "حدثنا أبو مسلم٣ ثنا عبيد الله٤ بن محمد بن عائشة ثنا حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبيه قال: سمعت جبير بن مطعم يقول رأيت يوم حنين شيئا أسود مثل البجاد". الحديث٥.
ثم قال الطبراني: "لا يروى هذا عن جبير إلا بهذا الإسناد، تفرد به ابن إسحاق".
ثم ساق سندا آخر فقال حديثنا محمد٦ بن أبان ثنا محمد٧ بن عباد بن آدم ثنا أبي٨ ثنا حماد بن سلمة فذكر نحوه٩.
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني في الأوسط بإسنادين في أحدهما عباد بن آدم لم يوثقه أحد ولم يجرحه"١٠.
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٩) . (تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧، والروض الأنف ٧/١٧٣) . ٣ أبو مسلم الكجي الحافظ المسند، إبراهيم بن عبد الله بن مسلم بن ماعز البصري صاحب كتاب السنن، سمع أبا عاصم النبيل والأصمعي، وعنه أبو بكر القطيعي وأبو قاسم الطبراني، كان من أهل الفضل والعلم والأمانة، وكان سريا نبيلا عالما بالحديث وثقه الدارقطني وغيره (٢٠٠- ٢٩٢هـ) (الخطيب: تاريخ بغداد ٦/١٢٠- ١٢٤. الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٦٢٠- ٦٢١) . ٤ عبيد الله بن محمد بن عائشة، اسم جده حفص بن عمر بن موسى بن عبيد الله بن معمر التيمي، وقيل له: ابن عائشة، والعائشي والعيشي، نسبة إلى عائشة بنت طلحة، لأنه من ذريتها، ثقة جواد، رمي بالقدر ولم يثبت، من كبار العاشرة، (ت ٢٢٨) /د ت س. (ابن حجر: التقريب ١/٥٣٨ وتهذيب التهذيب ٧/٤٥) . (مجمع البحرين ٢/٣٤٣ رقم (٧٧) . ٦ محمد بن أبان الأصبهاني، كذا في ترجمة شيخه محمد بن عباد ولم أجد ترجمته. ٧ محمد بن عباد بن آدم الهذلي البصري، مقبول، من العاشرة (ت٢٦٨) /سق. (التقريب ٢/١٧٤، وتهذيب التهذيب ٩/٣٤٣) . ٨ عباد بن آدم الهذلي البصري، مجهول، من التاسعة /ق. (التقريب ١/٣٩١، وتهذيب التهذيب ٥/٩٠) . (مجمع البحرين ٢/٣٤٣ رقم (٧٧) . ١٠ (مجمع الزوائد ٦/١٨٣) .
[ ٢١٠ ]
وأورده ابن كثير عن ابن إسحاق فقال: وقال محمد بن إسحاق: "حدثني والدي إسحاق بن يسار عمن حدثه عن جبير بن مطعم". ثم ساق الحديث.
ثم قال: رواه البيهقي١ عن الحاكم عن الأصم٢ عن أحمد بن عبد الجبار عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق به٣.
والظاهر أن في الحديث انقطاعا بين إسحاق بن يسار وبين جبير ابن مطعم وأن رواية الطبراني الواردة فيها التصريح بسماع إسحاق من جبير بن مطعم "خطأ".
ولعلها تحرفت من حدث عن جبير بن مطعم إلى حدثني فرواها بعض الرواة بالمعنى "سمعت".
وذلك لأن المزي وابن حجر لم يذكرا في شيوخ إسحاق، جبير بن مطعم كما لم يذكرا أيضا إسحاق في تلاميذ جبير بن مطعم٤.
وعلى كل فإن الحديث يتقوى بالأحاديث السابقة والآتية وهي: ما رواه عبد بن حميد قال: حدثني موسى٥ بن مسعود ثنا سعيد٦ بن السائب الطائفي حدثني أبي السائب٧ بن يسار، قال: سمعت يزيد٨ بن عامر السوائي وكان شهد
_________________
(١) ١ رواه في الدلائل ٣/٤٥ب. ٢ هو محمد بن يعقوب أبو العباس الأصم تقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . (تفسير ابن كثير ٢/٣٤٥ والبداية والنهاية له ٤/٣٣٤. وانظر فتح القدير للشوكاني ٢/٣٤٩، وشرح المواهب للزرقاني ٣/١٥- ١٦) . (تهذيب الكمال ٢/٤٩٥ وتهذيب التهذيب ١/٢٥٧، ٢/٦٣- ٦٤) . ٥ موسى بن مسعود النهدي - بفتح النون - أبو حذيفة البصري، صدوق سيئ الحفظ، وكان يصحف، من صغار التاسعة (ت٢٢٠) أو بعدها، وحديثه عند البخاري في المتابعات. /خ د ت ق. (التقريب ٢/٢٨٨، وتهذيب التهذيب ١٠/٣٧٠ وسرد أقوال العلماء فيه في هدي الساري ص٤٤٦) . ٦ سعيد بن السائب بن يسار الثقفي الطائفي وهو ابن يسار، ثقة عابد، من السابعة (ت ١٧١) . /د س ق. (التقريب ١/٢٩٦، وتهذيب التهذيب ٤/٣٥- ٣٦) . ٧ قال ابن أبي حاتم: "السائب الطائفي عن يزيد بن عامر السوائي، روى عنه ابنه سعيد بن السائب سمعت أبي يقول ذلك". (الجرح والتعديل ٤/٢٤٥، وانظر التاريخ الكبير للبخاري ٤/١٥٥) . ٨ يزيد بن عامر بن الأسود العامري ثم السوائي - بضم المهملة - أبو حاجز، صحابي له حديث عند أبي داود في الصلاة، شهد حنينا مع المشركين ثم أسلم. /د. (التقريب ٢/٣٦٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٣٩، والإصابة ٣/٦٥٩، وانظر حديثه عند أبي داود في سننه ١/١٣٦ كتاب الصلاة، باب فيمن صلى في منزله ثم أدرك الجماعة يصلي معهم) .
[ ٢١١ ]
حنينا مع المشركين ثم أسلم فنحن نسأله عن الرعب الذي ألقاه الله في قلوب المشركين يوم حنين كيف كان؟
قال: "كان يأخذ لنا الحصاة فيرمي بها الطست فيطن، قال: كنا نجد في أجوافنا مثل هذا ١.
والحديث أورده ابن حجر في المطالب العالية ونسبه لعبد بن حميد٢.
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: "رواه الطبراني ورجاله ثقات"٣.
وأخرجه الطبري فقال: حدثنا محمد٤ بن يزيد الآدمي، قال ثنا معن٥ بن عيسى عن سعيد بن السائب الطائفي عن أبيه عن يزيد بن عامر٦.
والحديث فيه السائب الطائفي ولم يذكر فيه جرح ولا تعديل، وقد قال الهيثمي: بأن رجاله ثقات.
٩١- وعند أحمد وغيره من حديث أبي٧ عبد الرحمن الفهري وهذا سياقه عند أحمد قال: ثنا بهز٨ ثنا حماد٩ بن سلمة أخبرني يعلى١٠ بن عطاء عن أبي همام١١ - قال أبو الأسود هو: عبد الله بن يسار - عن أبي عبد الرحمن الفهري قال: "كنت مع
_________________
(١) ١ عبد بن حميد: المسند ١/٦٥- ٦٦ ب- أرقم٣٢٢ وتقدم برقم (٨٥) . ٢ ٤/٢٥١. ٣ ٦/١٨٣. ٤ محمد بن يزيد الآدمي، أبو جعفر الخراز، - بمعجمة ثم مهملة وآخره زاي - البغدادي، ثقة عابد، من صغار العاشرة (ت ٢٤٥) /س. (ابن حجر: التقريب ٢/٢٢٠ والتهذيب ٩/٥٣٠) . ٥ معن بن عيسى بن يحيى، الأشجعي مولاهم أبو يحيى المدني القزاز، ثقة ثبت. قال أبو حاتم: هو أثبت أصحاب مالك، من كبار العاشرة (ت ١٩٨) /ع. (المصدر السابق ٢/٢٦٧، ١٠/٢٥٢) . ٦ جامع البيان ١٠/١٠٣، وانظر البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٥. ٧ أبو عبد الرحمن الفهري، صحابي، وقيل اسمه يزيد بن إياس، وقيل الحارث بن هشام، وقيل عبيد، وقيل كرز بن ثعلبة، شهد حنينا ثم فتح مصر، روى عن النبي - ﷺ - وعنه أبو همام عبد الله بن يسار. /د. (ابن حجر: التقريب ٢/٤٤٦ وتهذيب التهذيب ١٢/١٥٤) . ٨ بهز بن أسد العمي - بفتح العين وتشديد الميم - أبو الأسود البصري، ثقة ثبت، من التاسعة (ت بعد المائتين وقيل قبلها) /ع. (ابن حجر: التقريب ١/١٠٩، وتهذيب التهذيب ١/٤٩٧) . ٩ ثقة عابد، تقدمت ترجمته في حديث (٣٦) . ١٠ يعلى بن عطاء العامري، ويقال: الليثي الطائفي ثقة، من الرابعة (ت ١٢٠) أو بعدها. /ز م عم. (المصدر السابق ٢/٣٧٨، ١١/٤٠٣) . ١١ عبد الله بن يسار أبو همام الكوفي ويقال: عبد الله بن نافع، مجهول من الثالثة. /د عس. (ابن حجر: التقريب ١/٤٦٢، وفي تهذيب التهذيب ٦/٨٥) . قال: روى عن علي وعمرو بن حريث وأبي عبد الرحمن الفهري في غزوة حنين وعنه يعلى بن عطاء العامري، ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن المديني: هو شيخ مجهول وكذا قال أبو جعفر الطبري وقد سماه غير يعلى بن عطاء: عبد الله بن نافع، وكذا قال هشيم عن يعلى بن عطاء. إهـ. ولم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحا ولا تعديلا. (الجرح والتعديل ٥/٢٠٢) .
[ ٢١٢ ]
رسول الله - ﷺ - في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال الشجر فلما زالت الشمس لبست لأمتي١ وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله - ﷺ - وهو في فسطاطه٢، فقلت: السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله، حان الرواح؟ فقال: أجل، فقال: يا بلال فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر، فقال: لبيك وسعديك وأنا فداؤك، فقال: اسرج لي فرسي، فأخرج سرجا دفتاه من ليف٣ ليس فيهما أشر ولا بطر، قال: فأسرج قال: فركب وركبنا فصاففناهم عشيتنا وليلتنا، فتشامت٤ الخيلان، فولى المسلمون مدبرين كما قال الله - ﷿ -، فقال رسول الله - ﷺ -: "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله، ثم قال: يا معشر المهاجرين: أنا عبد الله ورسوله"، قال: "ثم اقتحم رسول الله - ﷺ - عن فرسه فأخذ كفا من تراب، فأخبرني الذي كان أدنى إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال: شاهت الوجوه، فهزمهم الله - ﷿ -، قال يعلى بن عطاء: فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: لم يبق منا أحد إلا امتلأت عينه وفمه ترابا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست٥ الحديد٦.
_________________
(١) ١ اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل: السلاح، ولأمة الحرب: أداته وقد يترك الهمز تخفيفا. (ابن الأثير: النهاية ٤/٢٢٠) . (الفسطاط: بيت من شعر (ابن منظور: لسان العرب ٩/٢٤٦) . ٣ الليف: هو ما يخرج من أصول سعف النخل يحشى بها الوسائد، ويفتل منها الحبال، ودفتاه: جانباه. (هدي الساري لابن حجر ص١٨٥) . ٤ فتشامت الخيلان: بتخفيف الشين المعجمة وتشديد الميم أي تقاربت والتقت. وورد فتسامت بالسين المهملة. وعند الطبري: "فلما التقى الخيلان". وعند أبي داود الطيالسي: "فلقينا العدو وتشامت الخيلان، فقاتلناهم فولى المسلمون مدبرين"، وهذا الحديث وما ورد في معناه من الأحاديث لا يؤخذ منها بأن المسلمين ولوا الأدبار بمجرد التلاقي للأعداء كما يفهم أيضا من حديث جابر بن عبد الله، وإنما قاتلوا الأعداء حتى كشفوهم، ثم اشتغلوا بجمع الغنائم ظانين أن العدو ولى إلى غير رجعة، ولكن العدو انتهز فرصة انشغالهم بجمع الغنائم فانهال عليهم بالسهام من كل ناحية. فولى المسلمون عندئذ وهذا هو صريح حديث البراء بن عازب - ﵁ -. (انظر: الزرقاني: شرح المواهب ٣/١١، والمعجم الوسيط ١/٤٤٧) . ٥ على الطست الحديد: ورد الحديد: بالحاء المهملة، وورد (الجديد) بالجيم. قاال الزرقاني: الجديد: بالجيم تنبيها على قوة الصوت الذي سمعوه فإن صوت الجديد أقوى من العتيق (شرح المواهب ٣/١٤) . ٦ أحمد: (المسند ٥/٢٨٦) .
[ ٢١٣ ]
ثم ساق سندا آخر فقال: ثنا عفان١ ثنا حماد بن سلمة أنا يعلى ابن عطاء عن عبد الله بن يسار أبي همام عن أبي عبد الرحمن الفهري، قال: "كنت مع رسول الله - ﷺ - في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ، فذكر مثله" ٢.
والحديث أخرجه أبو داود عن موسى٣ بن إسماعيل أخبرنا حماد ابن سلمة به وساق منه إلى "فأخرج سرجا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر، فركب وركبنا" ثم قال:
قال أبو داود: أبو عبد الرحمن الفهري ليس له إلا هذا الحديث. وهو حديث نبيل٤ جاء به حماد بن سلمة٥.
وأخرجه ابن سعد وابن أبي شيبة عن عفان بن مسلم أخبرنا حماد به بتمامه٦. وأخرجه الطيالسي عن حماد بن سلمة به وساقه تاما ومن طريقه أخرجه البيهقي٧. وأخرجه الدارمي عن حجاج٨ بن منهال وعفان قالا: ثنا حماد بن سلمة به٩.
وأخرجه الطبري عن علي١٠ بن سهل قال: ثنا مؤمل١١ قال: ثنا حماد بن سلمة به١٢.
_________________
(١) ١ عفان بن مسلم تقدمت ترجمته في حديث (٧٤) . ٢ أحمد: (المسند ٥/٢٨٦) . ٣ موسى بن إسماعيل المنقري - بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف - أبو سلمة التبوذكي-بفتح المثناة وضم الموحدة وسكون الواو وفتح المعجمة-مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت، من صغار التاسعة، ولا التفات إلى قول ابن خراش: تكلم الناس فيه (ت ٢٢٣) /ع. (ابن حجر: التقريب٢/٢٨٠ وتهذيب التهذيب١٠/٣٣٣) . ٤ قال شمس الحق العظيم آبادي: "حديث نبيل: النبيل على وزن الأمير هو الماهر في الأمور"، وهذا ثناء من المؤلف ليعلى بن عطاء شيخ لحماد بن سلمة. (عون المعبود: ١٤/١٤٨) . (السنن: ٢/٦٤٩ كتاب الأدب، باب الرجل ينادي الرجل فيقول لبيك) . (ابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٦. وابن أبي شيبة: التاريخ ص٩٢أ- ب) . (منحة المعبود ٢/١٠٧. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٤ب) . ٨ حجاج بن منهال الأنماطي، ثقة فاضل تقدمت ترجمته في حديث (٥٥) . (السنن٢/١٣٩ كتاب السير، باب قول النبي ﷺ شاهت الوجوه) . ١٠ علي بن سهل بن قادم الرملي، نسائي الأصل، صدوق من كبار الحادية عشرة، (ت ٢٦١) /د س. (ابن حجر: التقريب ٢/٣٨ وتهذيب التهذيب ٧/٣٢٩) . ١١ مؤمل - بهمزة بوزن محمد - بن إسماعيل البصري، أبو عبد الرحمن، نزيل مكة، صدوق سيئ الحفظ، من صغار التاسعة (ت ٢٠٦) /خت قد ت س ق. (المصدر السابق ٢/٢٩٠، ١٠/٣٨٠) . ١٢ (جامع البيان ١٠/١٠٢) .
[ ٢١٤ ]
وساق كل من الدارمي والطبري إلى "فحدثني أبناؤهم عن آبائهم قالوا: ما بقي منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابا".
وأخرجه البزار عن عبد الواحد١ بن غياث، ثنا حماد بن سلمة به، بتمامه٢. وفي آخره قال:
قال البزار: "ما روى الفهري إلا هذا، وما رواه إلا حماد".
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد وقال: روى أبو داود منه إلى قوله "ليس فيه أشر ولا بطر" ورواه البزار والطبراني ورجالهما ثقات٣.
وأورده ابن حجر وقال: "أصله في سنن أبي داود ورجاله ثقات"٤.
وساقه ابن كثير في تفسيره عن أحمد وفي آخره قال: وهكذا رواه الحافظ البيهقي في دلائل النبوة من حديث أبي داود الطيالسي عن حماد بن سلمة به٥.
وفي البداية والنهاية ساق الحديث عن أبي داود الطيالسي وفي آخره قال: ورواه أبو داود السجستاني في سننه عن موسى بن إسماعيل عن حماد بن سلمة به نحوه٦.
وأورده الزرقاني وقال: رواه أحمد وأبو داود والدارمي وابن سعد وابن أبي شيبة والطبراني وابن مردويه٧ والبيهقي، ورجاله ثقات، كلهم من حديث أبي عبد الرحمن الفهري٨.
_________________
(١) ١ عبد الواحد بن غياث - بمعجمة مكسورة ومثلثة - البصري أبو البحر الصيرفي، صدوق، من صغار التاسعة (ت ٢٤٠) وقيل قبل ذلك. /د. (ابن حجر: التقريب ١/٥٢٦ و٦/٤٣٨) . (كشف الأستار ٢/٣٥٠) . ٣ ٦/١٨١- ١٨٢. (مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم (٨١٦) . ٥ ٢/٣٣٤. ٦ ٤/٣٣١- ٣٣٢ ٧ أبو بكر أحمد بن موسى بن مردويه الأصبهاني تقدم في حديث (٥٦) . ٨ شرح المواهب ٣/١٣.
[ ٢١٥ ]
وأورده ابن الأثير في ترجمة أبي عبد الرحمن الفهري وقال: رواه حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عن أبي عبد الرحمن١ الفهري٢.
وقال ابن حجر في الإصابة: "أخرج حديثه أبو داود والبغوي ووقع لنا بعلو في مسند الدارمي من طريق يعلى بن عطاء عن أبي همام عبد الله بن يسار عنه أنه شهد حنينا"٣.
والحديث بجميع طرقه يدور على أبي همام عبد الله بن يسار، ووصف بأنه مجهول. ولم يوثقه أحد سوى ابن حبان، وهو متساهل في التوثيق، واعتمد ابن حجر فيه قول ابن المديني "شيخ مجهول".
وقد قال ابن حجر أيضا والهيثمي والزرقاني عن هذا الحديث بأن رجاله ثقات٤ وقال أبو داود: هو حديث نبيل٥، مع أنه يدور على أبي همام المذكور والحديث مع الأحاديث المتقدمة يشد بعضها بعضا.
٩٢- وعند الطبري قال: حدثنا ابن حميد٦ قال: ثنا جرير٧ عن يعقوب٨ عن
_________________
(١) ١ قال ابن عبد البر: "أبو عبد الرحمن الفهري القرشي هو الذي وصف الحرب يوم حنين، وهو الذي سأله ابن عباس عن مقام رسول الله ﷺ عند الكعبة، وكذا قال المنذري. وقال ابن حجر: وقد فرق بينهما ابن مندة وأن الذي وصف صلاة رسول الله - ﷺ - هو القرشي لا الفهري وهو الذي يظهر رجحانه فقد صرح غير واحد بأن عبد الله بن يسار تفرد بالرواية عن أبي عبد الرحمن الفهري، وكأن أبا عمر لما رأى أن الفهري والقرشي نسبة واحدة ظنهما واحدا". (ابن عبد البر: الاستيعاب ٤/١٣٧- ١٣٨ مع الإصابة، وابن حجر: الإصابة ٤/١٢٨ وتهذيب التهذيب ١٢/١٥٤) . وعون المعبود ١٤/١٤٧. ٢ أسد الغابة ٦/١٩٩. ٣ ٤/١٢٨، وقد عزا ابن حجر في فتح الباري ٨/٣٢ حديث أبي عبد الرحمن الفهري إلى الترمذي وتبعه في هذا الزرقاني في شرح المواهب ٣/١٣، ونسبة هذا الحديث للترمذي (وهم) فقد عزاه ابن حجر نفسه في الإصابة والتقريب لأبي داود فقط وسقطت علامة أبي داود من تهذيب التهذيب، وكذا عزاه المزي في تحفة الأشراف ٩/٢٣٢ حديث (١٢٠٦٧) والنابلسي في ذخائر المواريث ٣/٢٠٦ حدث (٨٠٤٧) لأبي داود فقط. وأيضا المباركفوري لم يذكر أبا عبد الرحمن الفهري في رجال الترمذي. (انظر مقدمة تحفة الأحوذي ٢/١٤٥) . ٤ انظر: (مختصر مسند البزار لابن حجر ص٢٥١ رقم (٨١٦) ومجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٨١- ١٨٢ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/١٣) . (سنن أبي داود ٢/٦٤٩ كتاب الأدب، باب الرجل ينادي الرجل فيقول لبيك) . ٦ محمد بن حميد بن حيان الرازي، حافظ ضعيف وكان ابن معين حسن الرأي فيه، من العاشرة (ت ٢٣٠) /د ت ق. (التقريب ٢/١٥٦ وتهذيب التهذيب ٩/١٢٧) . ٧ جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط، ثقة، تقدم في حديث (٢٦) . ٨ يعقوب بن عبد الله بن سعد الأشعري، أبو الحسن القمي - بضم القاف وتشديد الميم - صدوق يهم، من الثامنة (ت ١٧٤) /خت عم. (التقريب ٢/٣٧٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٠- ٣٩١) .
[ ٢١٦ ]
جعفر١ عن سعيد٢ قال: أمد الله نبيه - ﷺ - يوم حنين بخمسة آلاف من الملائكة مسومين٣، وقال: ويومئذ سمى الله الأنصار مؤمنين قال: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾، [سورة التوبة، من الآية:٤٠] . ٤.
والحديث أورده الزرقاني والشوكاني: ونسباه لابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير، ثم ساقا مثل ألفاظ حديث الطبري٥
والحديث فيه محمد بن حميد وهو ضعيف وفيه جعفر بن أبي المغيرة، قال ابن مندة٦ ليس بالقوي في سعيد بن جبير٧، ثم الحديث مقطوع.
وهذا الحديث لا تقوم به حجة في كون الملائكة الذين حضورا غزوة حنين كانوا خمسة آلاف.
قال الشوكاني: "وقد اختلف في عدد الملائكة الذين اشتركوا في حنين على أقوال: قيل خمسة آلاف، وقيل ثمانية آلاف، وقيل ستة عشر ألفا، وقيل غير ذلك وهذا لايعرف إلا من طريق النبوة٨.إهـ
هذا وقد اختلف أيضا في قتال الملائكة مع المسلمين.
قال القسطلاني: "قاتلت الملائكة مع المسلمين في غزوة بدر وحنين"٩.
_________________
(١) ١ جعفر بن أبي المغيرة الخزاعي، القمي، صدوق يهم، من الخامسة. /بخ د ت س فق. (التقريب ١/١٣٣ وتهذيب التهذيب ٢/١٠٨) . ٢ سعيد بن جبير الأسدي مولاهم، الكوفي، ثقة ثبت، من الثالثة، قتل بين يدي الحجاج سنة (٥٩) ولم يكمل الخمسين./ع. (التقريب١/ ٢٩٢ وتهذيب التهذيب٤/١١) . ٣ مسومين: أي لهم علامات يعرفون بها. (النهاية لابن الأثير: ٢/٤٢٥) . (جامع البيان ١٠/١٠٣) . (الشوكاني: فتح القدير ٢/٣٤٩. والزرقاني شرح المواهب ٣/١٦) . ٦ هو الحافظ الإمام الرحال أبو عبد الله محمد بن يحيى بن مندة واسم مندة: إبراهيم ابن الوليد الأصبهاني، سمع محمد بن العلاء أبا كريب ومحمد بن سليمان لوين وعنه أبو القاسم الطبراني وأبو الشيخ مات في رجب سنة (٣٠١هـ) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٧٤١) . (الذهبي: ميزان الاعتدال ١/٤١٧، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٢/١٠٨) . (الشوكاني: فتح القدير ٢/٣٤٨) . (المواهب اللدنية ١/١٦٤) .
[ ٢١٧ ]
قال الزرقاني: "والجمهور على أنها لم تقاتل يوم حنين كما قدمه المصنف في (بدر) ١ لأن الله تعالى قال: ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لمَ تَرَوهَا﴾ ولا دلالة فيه على قتال، وفي تفسير ابن كثير: المعروف من قتال الملائكة إنما كان يوم بدر"٢.
قال ابن مرزوق٣: "وهو المختار من الأقوال، ثم قال الزرقاني: وثالث الأقوال: أنها لم تقاتل في بدر ولا في غيرها، وإنما كانوا يكثرون السواد ويثبتون المؤمنين، وإلا فملك واحد يكفي في إهلاك الدنيا، وهذه شبهة دفعها الإمام السبكي٤ بقوله: سئلت عن الحكمة في قتال الملائكة معه - ﷺ - مع قدرة جبريل على دفع الكفار بريشة من جناحه، فقلت: ذلك لإرادة أن يكون الفعل للنبي - ﷺ - وتكون الملائكة مددا على عادة مدد الجيوش رعاية لصورة الأسباب وسننها التي أجراها الله في عباده، والله فاعل الجميع"٥. إهـ.
والخلاصة في هذا أن الآية ذكرت بأن هناك جنودا أنزلها الله في غزوة حنين لتثبيت المؤمنين وتقويتهم، ووردت هذه الآثار تدل على اشتراك الملائكة في هذه الغزوة وهذه الآثار تشد بعضها بعضًا وفيها ما نص العلماء على أن رجالها ثقات وبمجموعها تكون على أقل تقدير من قبيبل الحسن لغيره وجرت عادة المفسرين أنهم يذكرون حول تفسير هذه الآية هذه الآثار وأن المراد بالجنود في الآية هم الملائكة على أن الآية لم تتعرض لعدد الملائكة الذين نزلوا لتأييد المؤمنين، كما أنها لم تتعرض أيضا لبيان أن الملائكة باشرت القتال مع المسلمين.
_________________
(١) ١ انظر: (المواهب اللدنية ١/٨٢) . (تفسير ابن كثير ١/٤٠١) . ٣ ابن مرزوق: ذكر كحالة في معجم المؤلفين أربعة كل واحد منهم يقال له ابن مرزوق وكلهم مؤلفون وكلهم فبل الزرقاني، ولم أستطع تمييز واحد من بينهم. (انظر: معجم المؤلفين لكحالة٦/٢٧٠، ٨/٣١٧ و٩/١٦و١١/١٨٧) . ٤ هو علي بن عبد الكافي بن علي بن تمام بن يوسف بن موسى بن تمام، تقي الدين السبكي، الخزرجي الأنصاري، أبو الحسن الدمشقي الشافعي صاحب كتاب "شفاء السقام في زيارة خير الأنام" في الرد على ابن تيمية، وكمل على شرح المهذب للنووي في خمس مجلدات وهو والد تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب صاحب كتاب "طبقات الشافعية الكبرى" (٦٨٣- ٧٥٦هـ) أبو المحاسن محمد بن علي تلميذ. الذهبي: تذكرة الحفاظ ص٣٩- ٤٠، تلميذ الذهبي: ذيل تذكرة الحفاظ ص٣٩- ٤٠. (الزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٣. وابن حجر: فتح الباري ٧/٣١٣) .
[ ٢١٨ ]
٩٣- وقد روى الطبري من حديث ابن عباس قال: "لم تقاتل الملائكة مع النبي - ﷺ - إلاّ يوم بدر، وكانت فيما سوى ذلك إمداد١".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الكبير والأوسط وفيه عبد العزيز٢ بن عمران، ضعيف"٣.
٩٤- وأخرج أيضا من حديث ابن عباس قال: "كان سيما الملائكة يوم بدر عمائم بيض قد أرسلوها إلى ظهورهم، ويوم حنين عمائم حمر، ولم تقاتل الملائكة في يوم إلا يوم بدر، إنما كانوا يكونون عددا ومددا لا يضربون"٤.
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه عمار٥ بن أبي مالك الجنبي، ضعفه الأزدي".
وقال الشوكاني: "وأخرج ابن أبي شيبة عن مجاهد قال: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر"٦.
ويتبن من الروايات السابقة أن الله سبحانه أيد عباده المؤمنين بجنود من عنده لينصر بهم أولياءه ويخذل بهم أعداءه لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى، وسواء قاتلت الملائكة فعلا في معركة حنين أو لم تقاتل فإن فائدة نزو لهم تحقق ولاشك سواء كان ذلك عن طريق القتال الفعلي أو عن طريق أمر آخر يريده الله من إنزالهم لنصرة الحق ودحض الباطل وأما اختصاص قتال الملائكة (ببدر الكبرى) دون غيرها من الغزوات فهذا قول فيه نظر وذلك لما ثبت في صحيح البخاري ومسلم ومسند أبي داود الطيالسي من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁ قال:
٩٥- "لقد رأيت يوم أحد، عن يمين رسول الله - ﷺ - وعن يساره، رجلين عليهما ثياب بيض يقاتلان عنه كأشد القتال، ما رأيتهما قبل ولا بعد".
_________________
(١) (مجمع الزوائد ٦/٨٢- ٨٣. والمعجم الكبير للطبراني ١١/١٦٥- ١٦٦، ٣٨٩) . ٢ قال ابن حجر في التقريب ١/٥١١: "متروك احترقت كتبه فحدث من حفظه فاشتد غلطه". (مجمع الزوائد ٦/٨٢- ٨٣) . (مجمع الزوائد ٦/٨٢- ٨٣. والمعجم الكبير للطبراني ١١/١٦٥- ١٦٦، ٣٨٩) . ٥ انظر: (الذهبي: ميزان الاعتدال ٣/١٦٧. وابن حجر: لسان الميزان ٤/٢٧٤) . (فتح القدير ٢/٢٩٣) .
[ ٢١٩ ]
وفي لفظ لمسلم: "ما رأيتهما قبل ولا بعد يعني جبريل وميكائيل - ﵉ - " ١.
ولفظ الطيالسي: "ما رأيتهما قبل ذلك اليوم ولا بعده".
قال النووي - ﵀ -: "في الحديث بيان كرامة النبي ﷺ على الله تعالى، وإكرامه إياه بإنزال الملائكة تقاتل معه، وبيان أن الملائكة تقاتل، وأن قتالهم لم يختص بيوم بدر، وهذا هو الصواب، خلافا لمن زعم اختصاصه، فهذا صريح في الرد عليه. وفيه: فضيلة الثياب البيض، وأن رؤية الملائكة لا تختص بالأنبياء، بل يراهم الصحابة والأولياء".
وفيه: منقبة لسعد بن أبي وقاص الذي رأى الملائكة". والله أعلم٢.
_________________
(١) (البخاري: الصحيح ٥/٨١ كتاب المغازي - باب إذ همت طائفتان منكم أن تفشلا، ٧/١٢٨ كتاب اللباس، باب الثياب البيض. ومسلم: الصحيح ٤/١٨٠٢ كتاب الفضائل، باب في قتال جبريل وميكائيل عن النبي - ﷺ - واللفظ له. وأبو داود الطيالسي: كما في منحة المعبود ٢/١٠٠) . ٢ شرح صحيح مسلم ٥/١٦٣. وتقدم ص ١٨٠ رؤية حارثة بن النعمان لجبريل، وقد ثبتت رؤية الصحابة لجبريل في غزوة بني قريظة في صورة دحية الكلبي. وهذه الأحاديث ترد ما روي أن رسول الله ﷺ قال لشيبة: "يا شيب إنه لا يراها إلا كافر" أي الملائكة. انظر ص ٢٦٢.
[ ٢٢٠ ]
الفصل الرابع: ما أسفرت عنه معركة حنين من ضحايا وغنائم
المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه الغزوة
المبحث الأول: خسائر المشركين في هذه المعركة
تنحصر خسائر المشركين في هذه المعركة في شيئين:
أ- خسائر في الأرواح.
ب- خسائر في الأولاد والأموال والعتاد.
أ- أما خسائر المشركين في الأرواح فقد فقد المشركون في هذه المعركة من رجالهم وأبطالهم وأهل النجدة فيهم ما يزيد على مئات القتلى.
ذلك أن معركة حنين من المعارك الفاصلة التي لم ير المسلمون مثلها ضراوة وشدة في عهدهم الأول.
لقد استمات فيها المشركون وقاتلوا ببسالة نادرة فقتل من بني مالك وحدهم سبعون١ رجلا يتساقطون في ساحة المعركة واحدا تلو الآخر، وهم مصممون على الانتصار يوضح ذلك الآثار الآتية:
٩٦- قال ابن إسحاق: "فلما انهزمت هوازن استحر٢ القتل من ثقيف في بني
_________________
(١) ١ وعند الواقدي في مغازيه ٣/٩٠٧ أن عدد القتلى منهم قريب من مائة رجل. ٢ استحر: بالحاء المهملة: اشتد وكثر، وهواستفعل من الحر والمراد به الشدة (ابن الأثير: النهاية ١/٣٦٤) . ووقع عند الزرقاني "استجر" بالجيم، وفسره باشتداد الحرب أيضا. (شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤) .
[ ٢٢١ ]
مالك، فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم فيهم عثمان ابن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب١، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل"٢.
هكذا ساق ابن إسحاق بدون إسناد.
ومن طريقه أخرجه الطبري٣.
٩٧- قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب٤ بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل٥ قال: فبينا رجل من الأنصار يسلب قتلى ثقيف، إذ كشف العبد يسلبه، فوجده أغرل، قال: "فصاح بأعلى صوته: يا معشر العرب: يعلم الله أن ثقيفا غرل، قال المغيرة٦ بن شعبة فأخذت بيده وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذاك، فداك أبي وأمي، إنما هو غلام لنا نصراني، قال: ثم جعلت أكشف له عن القتلى وأقول له: ألا تراهم مختنين كما ترى". قال ابن إسحاق: "وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود، فلما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل من
_________________
(١) ١ زاد الطبري: وهو جد ابن أم الحكم بنت أبي سفيان. قلت: وابن أم الحكم هو عبد الرحمن بن عبد الله بن أبي عقيل الثقفي ثم المالكي نسب لأمه وهي أم حكم بنت أبي سفيان بن حرب. (انظر الإصابة لابن حجر: ٣/٧٠- ٧١) . ٢ عند ابن إسحاق والطبري: أن رسول الله - ﷺ - لما بلغه قتل عثمان بن عبد الله، قال: "أبعده الله فإنه كان يبغض قريشا". وعند الواقدي: "أن الذي قتل عثمان بن عبد الله، وهو عبد الله بن أبي أمية فبلغ النبي - ﷺ - فقال: "يرحم الله عبد الله بن أبي أمية، وأبعد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة، فإنه كان يبغض قريشا". ثم قال الواقدي: "وكان دعاء رسول الله - ﷺ - لعبد الله برحمة الله فبلغه فقال: إني لأرجو أن يرزقني الله الشهادة في وجهي هذا! فقتل في حصار الطائف". (مغازي الواقدي ٣/٩١١- ٩١٢) . ٣ تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧. ٤ يعقوب: ثقة من السادسة (ت ١٢٨) /د س ق. التقريب ٢/٣٧٦ وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٢) . ٥ الأغرل: هو غير المختتن، والغرلة: هي الجلدة التي يقطعها الخاتن وتسمى القلفة. (ابن الأثير: النهاية ٣/٣٦٢. وابن حجر: هدي الساري ص١٦٢) . ٦ المغيرة بن شعبة بن مسعود بن متعب، الثقفي، صحابي مشهور أسلم قبل الحديبية، وولي إمرة البصرة، ثم الكوفة لعمر بن الخطاب ﵁، مات سنة خمسين على الصحيح. /ع. (التقريب ٢/٢٦٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦٢) .
[ ٢٢٢ ]
الأحلاف غير رجلين: رجل من غيرة١ يقال له وهب، وآخر من بني كبة٢ يقال له: "الجلاح٣ فقال رسول الله - ﷺ - حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف، إلا من كان من ابن هنيدة، يعني الحارث بن أويس"٤ ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري٥.
والحديث معضل٦.
والحاصل: أن ابن إسحاق ذكر أنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
وذكر الواقدي: "أنه قتل منهم ما يقارب المائة".
وقال القسطلاني: "قتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلًا"٧.
ولم يقيده ببني مالك أو غيرهم.
وجمع الزرقاني بين الروايات فقال: قوله: "قتل من المشركين أكثر من سبعين" أي وقت الحرب فلا ينافي حديث أنس عند البزار أن الزبير ومن معه قتلوا ثلاثمائة لأنه بعد انهزام الكفار ولا يخالف قوله: "أكثر من سبعين" قول ابن إسحاق وغيره واستحر القتل من بني مالك من ثقيف فقتل منهم سبعون رجلا تحت رايتهم.
وما رواه البيهقي عن عبد الله٨ بن الحارث عن أبيه قال: قتل من أهل
_________________
(١) ١ غيرة: بوزن عنبة. (اللباب في تهذيب الأنساب ٢/٣٩٧- ٣٩٨) . ٢ كبة: بضم الكاف وتشديد الباء الموحدة، كذا هو عند ابن هشام وابن كثير نقلا عن إسحاق، قال أبو ذر: وهو الصواب. وعند الطبري عن ابن إسحاق "كنة" بالنون المشددة، وكذا عند الواقدي فقد قال: كنة امرأة من غامد يمانية. وقال ابن منظور في لسان العرب١٧/٢٤٣: وبنو كنة: بطن من العرب نسبوا إلى أمهم. ٣ الجلاح: بضم الجيم وتخفيف اللام آخره حاء مهملة، كذا عند ابن إسحاق ومن تبعه. وعند الواقدي: "اللجلاج" بجيمين بينهما لام خفيفة. قال: وكان اللجلاج رجل من بني كنة وقال رسول الله - ﷺ - لأخي بني كنة: هذا سيد شبان كنة إلاّ هنيدة الحارث بن عبد الله بن يعمر بن إياس ابن أوس بن ربيعة بن الحارث وكان رسول الله - ﷺ - يضحك، وكانت كنة امرأة من غامد يمانية قد ولدت في قبائل العرب وكانت أمة، فأعتق الحارث كل مملوك من بني كنة. (مغازي الواقدي ٣/٩٠٧) . (سيرة ابن هشام ٢/٤٥٠. والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٧٤) . ٥ تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٨ إلا أن عنده "الحارث بن أوس". وانظر البداية والنهاية ٤/٣٣٥. ٦ لأن يعقوب بن عتبة من صغار التابعين. ٧ المواهب اللدنية ١/١٦٥. ٨ صوابه: عبد الله بن عياض كما تقدم في الحديث برقم (٤٥) .
[ ٢٢٣ ]
الطائف يوم حنين مثل ما قتل يوم بدر، لأن الزائد على السبعين ممن اجتمع معهم من الأخلاط١. ا؟.
قلت: حديث البيهقي المشار إليه رواه أيضا الحاكم، ومن طريقه أخرجه البيهقي٢.
وحديث البزار هو: حدثنا علي٣بن شعيب وعبد الله٤ بن أيوب المخرمي ثنا علي٥ بن عاصم، ثنا سليمان٦ التيمي عن أنس قال: قال غلام منا من الأنصار يوم حنين: لم نغلب اليوم من قلة، فما هو إلا أن لقينا عدونا فانهزم القوم٧، وكان رسول الله - ﷺ - على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغرزها، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذا شخص قد أقبل فقال٨: إليك من أنت؟ قال أنا أبو بكر فداك أبي وأمي، وبه بضعة٩ عشر ضربة، ثم إذا شخص قد أقبل فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عمر بن الخطاب فداك أبي وأمي، وبه بضعة عشر ضربة، وإذا شخص قد أقبل وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا عثمان بن عفان فداك أبي وأمي، ثم إذا شخص قد أقبل، وبه بضعة عشر ضربة فقال: إليك من أنت؟ فقال: أنا علي بن أبي طالب فداك أبي
_________________
(١) ١ الزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٢٤. ٢ تقدم الحديث برقم (٤٥) مع الحكم عليه. ٣ علي بن شعيب بن عدي السمسار البزاز، البغدادي فارسي الأصل ثقة من كبار الحادية عشرة (ت ٢٧٣) /س. وفي تهذيب التهذيب ٧/٣٣١ "البزار" آخره راء، بدل (البزاز) و(طوسي الأصل) بدل (فارسي الأصل) وطوس من مدن فارس. وكذا في تاريخ الخطيب البغدادي ١١/٤٣٥- ٤٣٦. ٤ عبد الله بن محمد بن أيوب بن صبيح، أبو محمد المخرمي - بضم الميم وفتح الخاء المعجمة وكسر الراء المشددة - قال ابن أبي حاتم سمعت منه مع أبي وهو صدوق (ت ٢٦٥) وقد حصل خطأ في تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤، حيث ذكر عبد الله بن أيوب في تلاميذ علي بن عاصم وقال: "المخزومي" والصواب "المخرمي". (تاريخ بغداد ١٠/٨١ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم٥/١١وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٦٥. ٥ علي بن عاصم صدوق يخطئ ويصر، تقدم في حديث (٥٣) . ٦ سليمان بن طرخان التيمي ثقة عابد تقدم في حديث (٥٣) . ٧ أي المسلمين. ٨ القائل: هو رسول الله - ﷺ - وإليك بمعنى تنح وابتعد عني. ٩ البضع: من ثلاثة إلى تسعة والمعنى هنا من ثلاث عشرة إلى تسع عشرة. المصباح المنير ١/٦٤. وفيه: "تثبت الهاء في بضع مع المذكر، وتحذف مع المؤنث".
[ ٢٢٤ ]
وأمي، ثم أقبل الناس، فقال النبي - ﷺ - "ألا رجل صَيّت١ ينطلق فينادي في القوم"، فانطلق رجل٢ فصاح، فما هو إلا أن وقع صوته في أسماعهم، فأقبلوا راجعين فحمل النبي - ﷺ - وحمل المسلمون معه، فانهزم المشركون وانحاز دريد بن الصمة على جبيل.
أو قال: على أكمة في زهاء ستمائة، فقال له بعض أصحابه: أرى والله كتيبة قد أقبلت، فقال: "حلوهم٣ لي، فقالوا: سيماهم كذا حليتهم كذا، قال لا بأس عليكم، قُضاعة٤. منطلقة في آثار القوم، قالوا: نرى والله كتيبة خشناء قد أقبلت، قال: حلوهم لي: قالوا: سيماهم كذا من هيئتهم كذا، قال: لا بأس عليكم هذه سليم٥، قالوا: نرى فارسا قد أقبل، فقال: ويلكم وحده، فقالوا: وحده، قال: حلوه لي، قالوا: معتجر بعمامة سوداء قال دريد: ذاك -والله-الزبير٦ بن العوام وهو - والله - قاتلكم ومخرجكم من مكانكم هذا، قال فالتفت إليهم، فقال: علام، هؤلاء ها هنا؟ فمضى ومن أتبعه، فقتل بها ثلاثمائة وجز رأس دريد٧
_________________
(١) ١ صيت: بفتح المهملة، وتشديد المثناة التحتية: أي مرتفع الصوت. (المعجم الوسيط١/٥٢٨) . ٢ وقع في صحيح مسلم وغيره أن الذي أمر بذلك هو العباس عم رسول الله ﷺ وكان شديد الصوت. ٣ حلوهم لي: اذكروا لي حليتهم وصفوهم لي، وقد وقع في فتح الباري ٨/٤٢ وشرح المواهب اللدنية ٣/٢٣: خلوهم لي فخلوهم: بالخاء المعجمة وهو خطأ. ٤ قضاعة: شعب عظيم يشتمل على قبائل كثيرة، منهم: كلب وبلى وجهينة وغيرها، وقد اختلف في قضاعة فقيل إنه من معد وقيل: من اليمن. (ابن الأثير: تهذيب الأنساب٣/٤٣، قلت: فعلى أنها من معد فهم: قضاعة بن معد بن عدنان، وعلى أنها من اليمن: فهم قضاعة بن مالك بن عمرو بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير قال القلقشندي: وهو المشهور فيه وعليه جرى الكلبي وابن إسحاق وغيرهما وقال السهيلي: أكثر النسابين على أن قضاعة هو ابن معد، وهو مذهب الزبيريين وابن هشام. معجم قبائل العرب: ٣/٩٥٧) . ٥ يعني بني سليم وسليم هوابن منصور. ٦ الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي بن كلاب أبو عبد الله القرشي، الأسدي، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة قتل سنة (٣٦) بعد منصرفه من وقعة الجمل. /ع. (ابن حجر التقريب ١/٢٥٩ وتهذيب الهذيب ٣/٣١٨) . ٧ قال ابن حجر: "واختلف في قاتل دريد فجزم محمد بن إسحاق بأنه ربيعة بن رفيع-بالفاء مصغرا-ابن وهبان بن ثعلبة بن ربيعة السلمي، وكان يقال له ابن الدغنة". وفي حديث البزار هذا ما يشعر بأن قاتل دريد بن الصمة هو الزبير بن العوام. ثم قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون ابن الدغنة كان في جماعة الزبير فباشر قتله فنسب إلى الزبير مجازا". وفي الصحيحين من حديث البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري قال: لما فرغ النبي - ﷺ من - حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه قال ابن حجر: كذا رويناه على البناء للمجهول. (فتح الباري ٨/٤٢) . وفي الإصابة: قال: وفي حديث أبي موسى الأشعري، عند مسلم، أنه الذي قتل دريد بن الصمة بعد أن قتل دريد عمه أبا عامر الأشعري لكن ذكر ابن إسحاق أن الذي قتله أبو موسى هو سلمة بن دريد بن الصمة وهذا أسبه، فإن دريد بن الصمة إذ ذاك لم يكن ممن قاتل لكبر سنه. (الإصابة: ١/٥٠٧) . قلت: لم أجد هذا اللفظ في مسلم في النسخ الموجودة بين أيدينا مع شروحها، والذي فيها هو البناء للمجهول. وسيأتي حديث الصحيحين برقم (١١٨) ووقع ذلك عند الطبري بإسناد صحيح عن أبي بردة عن أبيه قال: "ولما قدم النبي - ﷺ - من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريدا، وهزم الله أصحابه" أهـ. وما قدمه ابن حجر من الجمع في قاتل دريد هو الأظهر. (انظر: سيرة ابن هشام ٢/٤٥٣-٤٥٤. والروض الأنف للسهيلي ٧/١٧٧ و١٧٨-١٧٩. وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٧٩. وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٢١١. وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٣. وانظر حديث (١١٦) .
[ ٢٢٥ ]
ابن الصمة، فجعله بين يديه" ١.
قال البزار: "لا نعلم رواه بهذا اللفظ إلا سليمان التيمي عن أنس ولا عن سليمان إلا علي"٢. وحسن إسناده ابن حجر.
وهذا أكثر ما وقفت عليه في عدد القتلى من المشركين يوم حنين.
وقد صرح الزرقاني بأن هؤلاء القتلى الواردون في حديث البزار إنما كان بعد انسحاب المشركين من المعركة٣.
وتقدم قول ابن إسحاق بأنه قتل من بني مالك وحدهم سبعون رجلا وعند الواقدي نحو مائة٤.
هذا ما رواه ابن إسحاق أيضا بقوله:
٩٨- واستحر القتل من بني نصر في بني رئاب، فزعموا أن عبد الله٥ بن قيس وهو الذي يقال له ابن العواء، وهو أحد بني وهب بن رئاب قال: يا رسول الله،
_________________
(١) (كشف الأستار ٢/٣٤٦ وتقدم بعضه برقم (٥٣) مع الحكم عليه) . ٢ علي بن عاصم بن صهيب الواسطي، التميمي مولاهم وقد وثقه قوم وضعفه آخرون. وضعفه آت من قبل كثرة غلطه وتماديه فيه، ولم يكن متهما بالكذب ومن وسمه بذلك فقوله مردود بقول الأئمة الآخرين الذين وصفوه بالصدق والصلاح، ولقد ختم الذهبي ترجمته بقوله: صدوق له صولة كبيرة في زمانه. وقد ساق له ابن عدي جملة أحاديث بواطيل، ورد ذلك الذهبي وقال: المتهم بها غيره. لا (انظر: الذهبي: تذكرة الحفاظ١/٣١٦-٣١٧، وسير أعلام النبلاء ٩/٢٤٩-٢٦٢ وميزان الاعتدال ٣/١٣٥-١٣٨، وابن حجر: تهذيب التهذيب ٧/٣٤٤-٣٤٨) . قلت: ولذا فقد حكم ابن حجر على هذا الحديث بأنه بإسناد حسن. ٣ انظر قول الزرقاني ص (٢٢٣) . ٤ انظر الحديث رقم (٩٦) . ٥ انظر ترجمته في الإصابة لابن حجر ٢/٣٩١.
[ ٢٢٦ ]
هلكت بنو رئاب فزعموا أن رسول الله - ﷺ - قال: اللهم اجبر مصيبتهم ١.
وهكذا ذكر ابن سعد إلا أنه قال: "واستحر القتل في بني نصر بن معاوية ثم في بني رئاب"٢.
وبنو رئاب غير بني مالك، ومعلوم أن قبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن، فهي تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها أن قتلها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من قبائل هوازن الكثيرة يظهر من حديث المؤرخين عن ضحاياها أنها بلغت المئات، فكم تكون الضحايا بين العشائر الأخرى من سائر قبائل هوازن وغيرها التي اشتركت في المعركة لاشك أنها تعد بالمئات كذلك، وقد نظر الرسول - ﷺ - إلى هذه المعركة، فقال عنها: "الآن حمي الوطيس".
وهذا القول لم يصدر من رسول الله - ﷺ - في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته، مما يدل على عظم خطرها وكثرة ضحاياها، وقد أمر رسول الله - ﷺ - بمطاردة المشركين وقتل من قدر عليه منهم.
فقد روى البزار من حديث أنس بن مالك ﵁ قال:
٩٩- حدثنا الوليد٣ بن عمرو بن سَكَيْن ثنا محمد٤ بن عبد الله بن المثنى عن أبيه٥ عن ثمامة٦ عن أنس أن رسول الله - ﷺ - قال يوم حنين: "جزوهم٧ جزا وأومأ بيده إلى الحلق".
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٥. ٢ الطبقات الكبرى ٢/١٥٢. ومغازي الواقدي ٣/٩١٦. ٣ الوليد بن عمرو بن السكين - بضم أوله وفتح ثانيه وسكون ثالثه - البصري، أبو العباس، صدوق من الحادية عشرة. /ق. (التقريب ٢/٣٣٤ وتهذيب التهذيب ١١/١٤٤- ١٤٥ و٩/٢٧٤ كلاهما لابن حجر. والخلاصة للخزرجي ٣/١٣٣) . وقد وقع في كشف الأستار "الوليد بن عمر" بضم العين. ٤ محمد بن عبد الله بن المثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري البصري القاضي، ثقة، من التاسعة (ت٢١٥) /ع. (التقريب٢/١٨٠، وتهذيب التهذيب٩/٢٧٤) . ٥ هو عبد الله بن االمثنى بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، أبو المثنى البصري، صدوق كثير الغلط، من السادسة./خ ت ق. (المصدر السابق١/٤٤٥ و٥/٣٨٧-٣٨٨. وفي ميزان الاعتدال ٢/٤٩٩ رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة) . ٦ ثمامة بن عبد الله بن أنس بن مالك الأنصاري، قاضيها، صدوق من الرابعة. /ع. (التقريب١/١٢٠وتهذيب التهذيب٢/٢٨. وميزان الاعتدال١/٣٧٢ للذهبي ورمز له بـ (صح) إشارة إلى توثيقه) . ٧ الجز القطع والقص. (النهاية ١/٢٦٨ والقاموس المحيط ٢/١٦٩) .
[ ٢٢٧ ]
قال البزار: "لا نعلم رواه إلا أنس، ولا له عنه إلا هذا الطريق١، وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد ثم قال: "رواه البزار ورجاله ثقات"٢.
وكذا قال ابن حجر والزرقاني٣.
١٠٠- وعند الواقدي: عن شيوخ من ثقيف - أسلموا بعد وكانوا حضروا ذلك اليوم - قالوا: ما زال رسول الله - ﷺ - في طلبنا فيما نرى ونحن مولون حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة٤.
١٠١- وعنده أيضا أن سعد بن عبادة كان يصيح يومئذ بالخزرج: يا للخزرج، وأسيد بن حضير: يا للأوس ثلاثا، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل إلى يعسوبها، قال: فحنق المسلمون عليهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: "ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تُقتل الذرية ثلاثا".
قال أسيد بن حضير: "يا رسول الله، أليس إنما هم أولاد المشركين؟ "
فقال رسول الله - ﷺ -: "أوليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب٥ عنها لسانها، فأبواها يهودانها أو ينصرانها" ٦.
وعند أحمد من حديث الأسود بن سريع أن "رسول الله - ﷺ - بعث سرية يوم حنين فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا، قال رسول الله - ﷺ -: "ما حملكم على قتل الذرية؟ "
قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين؟ "
قال: "أو هل خياركم إلاّ أولاد المشركين؟،
_________________
(١) ١ كشف الأستار ٢/٣٤٩. ٢ ٦/١٨١. ٣ ابن حجر: مختصر زوائد مسند البزار ص٢٥١ رقم ٨١٦. والزرقاني شرح المواهب ٣/٢١ إلا أنه قال: "اجزروهم جزرا" بدل: "جزوهم جزًا". ٤ مغازي الواقدي ٣/٩٠٨. ٥ يعرب عنها لسانها: أي حتى ينطق ويتكلم. (ابن الأثير: النهاية ٣/٢٠٠- ٢٠١) . ٦ مغازي الواقدي ٣/٩٠٤.
[ ٢٢٨ ]
والذي نفس محمّد بيده ما من نسمة تولد إلاّ على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها" ١.
وفي حديث أنس بن مالك عند أبي داود وغيره أن أبا طلحة٢ وحده قتل عشرين رجلا وأخذ أسلابهم وهذا سياقه عند أبي داود قال: حدثنا موسى٣ بن إسماعيل حدثنا حماد٤ عن إسحاق٥ بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: يومئذ - يعني يوم حنين٦- "من قتل كافرًا فله سلبه"، فقتل أبو طلحة يومئذٍ عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم. ولقي أبو طلحة أم سليم٧ ومعها خنجر، فقال: يا أم سليم ما هذا معك؟ قالت: أردت والله إن دنا مني بعضهم أبعج به بطنه، فأخبر بذلك أبو طلحة رسول الله - ﷺ -".
قال أبو داود: "هذا حديث حسن"٨.
ورواه الدارمي وابن أبي شيبة والطحاوي كلهم من طريق حماد بن سلمة دون "قصة أم سليم"٩.
وأخرجه ابن حبان من طريق حماد بن سلمة "بقصة أبي طلحة" وزاد: قال أبو قتادة١٠: "يا رسول الله ضربت رجلا على حبل العاتق عليه درع فأجهضت، فقال رجل: أنا أخذتها فارضه منها وأعطنيها، وكان النبي ﷺ لا يسأل
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ٣/٤٣٥ وهو حديث صحيح وقد سقت طرقه في رقم (٢٤٧) . ٢ هو زيد بن سهيل الأنصاري النجاري. تقدم في حديث (٦٠) . ٣ هو المنقري التبوذكي تقدم في حديث (٩١) . ٤ حماد: هو ابن سلمة ثقة، تقدم في حديث (٣٦) . ٥ إسحاق ثقة حجة، تقدم في حديث (٤٧) . ٦ قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: يعني يوم حنين تفسير من بعض الرواة ثم قال المنذري: وأخرج مسلم قصة أم سليم في الخنجر بنحوه. (عون المعبود ٧/٣٨٨) وانظر حديث رقم (٦٠) . ٧ أم سليم تقدمت ترجمتها في حديث (٦٠) . ٨ أبو داود: السنن ٢/٦٥ كتاب الجهاد، باب في السلب يعطى القاتل. ٩ الدارمي: السنن ٢/١٤٧ كتاب السير، باب من قتل قتيلا فله سلبه. وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩١أ. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧. ١٠ أبو قتادة الأنصاري السلمي - بفتحتين - المدني، اختلف في اسمه، شهد أحدا وما بعدها، ولم يصح شهوده بدرا، مات سنة (٥٤) على الأصح. /ع. (التقريب ٢/٤٦٣ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٠٤) .
[ ٢٢٩ ]
شيئا إلا أعطاه أو سكت، فسكت النبي ﷺ" فقال عمر١ ﵁: "والله لا ينعمها الله على أسد من أسده ويعطيكها، فضحك النبي ﷺ وقال: صدق عمر".
قال الهيثمي: "قصة أبي قتادة في الصحيح٢ من حديث أبي قتادة، وهذا الحديث كله من حديث أنس".
وله طرق تأتي في غزوة حنين٣.
وأخرجه أبو داود الطيالسي وأحمد والحاكم والبيهقي الجميع من طريق حماد بن سلمة به.
ولفظه: عن أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالنساء والصبيان والإبل والغنم فجعلوها صفوفا وكثرن على رسول الله ﷺ فلما التقوا ولى المسلمون مدبرين كما قال الله ﷿:٤، فقال رسول الله ﷺ: "يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ثم قال: يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله"، فهزم الله المشركين، ولم يضربوا بسيف ولم يطعنوا برمح قال: وقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل كافرا فله سلبه".
قال: فقتل أبو طلحة٥ يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم، وقال قتادة: "يا رسول الله إني ضربت رجلا على حبل العاتق وعليه درع له وأجهضت عنه".
وقد قال حماد: "أيضا فأجهضت عنه - فانظر من أخذها قال رجل فقال: أنا أخذتها، فارضه منها، وأعطينها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو
_________________
(١) ١ وقد ورد أيضا أن صاحب هذا القول أبو بكر الصديق، وسيأتي التوفيق بين القولين في الأحكام في ص ٦٣٩ تعليقة (٢) . ٢ انظر الحديث رقم (٦٢) . ٣ موارد الظمآن ص ٤٠٢ ووقع في الأصل في غزوة خيبر وهو خطأ، وذلك: أ- أن ابن حبان ساق الحديث في غزوة حنين. ب- قال الهيثمي عقب الحديث: وله طرق تأتي في غزوة (خيبر) ولم تأت هذه الطرق إلا في غزوة حنين. ج- وكذا أخرج الحديث أحمد والدارمي وأبو داود والحاكم وغيرهم بلفظ غزوة حنين. ٤ يشير إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٢٥] . ٥ عند الحاكم "فقتل أبو قتادة" وهو خطأ فإن قاتل العشرين هو أبو طلحة كما هو مصرح به عند غير الحاكم، وإن أبا قتادة هو قاتل صاحب الدرع.
[ ٢٣٠ ]
سكت، قال: فسكت رسول الله ﷺ قال: فقال عمر: والله لا يفيئها الله على أسد من أسده ويعطيكها، قال: فقال رسول الله: "صدق عمر" فضحك النبي ﷺ وقال: "صدق عمر" ولقى أبو طلحة أم سليم ومعها خنجر فقال أبو طلحة: ما هذا معك: قالت: أردت إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه. فقال أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم؟
قالت: يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال: "إن الله قد كفى وأحسن يا أم سليم" ١ لفظ أحمد.
قال الحاكم بعد إخراجه صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي.
وفي حديث جابر بن عبد الله ﵁ أن علي بن أبي طالب ورجلا من الأنصار ﵄ قتلا صاحب راية هوازن٢.
١٠٢- وفي حديث سلمة ابن الأكوع - ﵁ - قال: غزونا مع رسول الله ﷺ هوازن، فبينا نحن نتضحى٣ مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغذى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مشاة، إذ خرج يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد بالجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء، قال
_________________
(١) ١ أبو داود الطيالسي ٢/ ١٠٨-١٠٩ (منحة المعبود) . وأحمد: (المسند ٣/٢٧٩. وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص ٤١٧. والحاكم: المستدرك ٢/١٣٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٠٦، ودلائل النبوة ٣/٤٦) . ٢ تقدم الحديث برقم (٥٨) . (نتضحى) أي نتغذى. (طلقا) الطلق: قيد يتخذ من الجلود. (من حقبه) الحقب: محركا: حبل يشد على بطن البعير مما يلي مؤخره. (ورقة في الظهر)، الظهر: المركوب، والرقة في حال الضعف. (ورقاء) ذات لون أسمر، والورقة: السمرة. (فندر) ندر رأسه أي: طار عن بدنه. (ابن الأثير: جامع الأصول ٨/٣٩٨-٣٩٩) .
[ ٢٣١ ]
سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الجمل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ ".
قالوا: ابن الأكوع، قال: "له سلبه أجمع" ١.
١٠٣- وأخرج عبد الرزاق عن الثوري٢ عن أبي فزارة٣ عن عبد الرحمن٤ بن أبي عمرة قال: مر النبي ﷺ يوم حنين بامرأة مقتولة فقال: ألم أنه عن هذا؟
فقال رجل: "أردفتها، فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي ﷺ بدفنها" ٥.
هذا الذي توصلت إليه من قتلى هوازن في هذه المعركة ولم تذكر المصادر أسماء القتلى سوى:
١- دريد بن الصمة.
٢- عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن حبيب كان ممن حمل راية هوازن في حنين.
٣- غلام نصراني لعثمان بن عبد الله.
٤- الجلاح، أو اللجلاج.
٥- رجل يقال له وهب.
٦- ذو الخمار سبيع بن الحارث بن مالك وكان حاملا لراية بني مالك من ثقيف٦.
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح ٣/١٣٧٤-١٣٧٧ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. وأبو داود: السنن ٢/٤٥-٤٦ كتاب الجهاد، باب في الجاسوس المستأمن. وانظر ص ١٠٠١-١٠٠٤. ٢ سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري أبو عبد الله الكوفي، ثقة حافظ فقيه، عابد إمام حجة، من رءوس الطبقة السابعة، وكان ربما دلس (ت١٦١) / ع. (التقريب ١/٣١١ وتهذيب التهذيب ٤/١١١-١١٥) . ٣ هو راشد بن كيسان العبسي- بالموحدة - أبو فزارة الكوفي، ثقة من الخامسة / بخ م ت ق. (التقريب ١/٢٤٠ وتهذيب التهذيب ٣/٢٢٧) . ٤ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري النجاري، يقال ولد على عهد النبي ﷺ وقال ابن أبي حاتم: ليست له صحبة /ع. (التقريب ١/٤٩٣ وتهذيب التهذيب ٦/٢٤٢ وعلى هذا فالحديث مرسل، ورجاله ثقات وله شواهد تقويه. انظر حديث ٢٤٥، ٢٤٦، ٢٤٧، ٢٤٨، ٢٤٩،. وانظر الإصابة ٣/٧٢. ٥ المصنف: ٥/٢٠١-٢٠٢. ٦ انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٣٧ و٤٤٩-٤٥٠ و٤٥٣. والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٧ و٧٨ و٧٩. والسهيلي: الروض الأنف٧/١٧٤-١٧٥ و١٧٧. وابن كثير: البداية والنهاية٤/٣٣٥.
[ ٢٣٢ ]
هكذا كانت ضحايا هوازن في هذه المعركة تعد بالمئات من القتلى.
ب- أما عن خسارتهم في الأهل والأولاد والأموال والعتاد، فقد فقدوا أفلاذ أكبادهم وأغلى أموالهم، ذلك أن مالك بن عوف ساق مع الناس أموالهم ونساءهم وأولادهم، وكان يهدف من رواء ذلك أن يكثر على المسلمين من ناحية وأن يحرض قومه على القتال والصمود في المعركة للدفاع عن أطفالهم ونسائهم من ناحية، وأن لا يفكر واحد منهم في الفرار. فصارت جميع تلك الأموال والنساء والنعم بأنواعها رزقا ساقه اله للمسلمين على يد هؤلاء الكفار الذين قذف الله في قلوبهم إخراج أموالهم ونعمهم وشائهم وذراريهم معهم.
فعند أبي داود وغيره من حديث سهل بن الحنظلية إنهم ساروا مع رسول الله ﷺ يوم حنين فأطنبوا السير حتى كان عشية فحضرت صلاة عند رسول الله ﷺ فجاء رجل فارس فقال: يا رسول الله إني انطلقت بين أيديكم حتى طلعت جبل كذا وكذا، فإذا أنا بهوازن على بكرة آبائهم بظعنهم ونعمهم وشائهم، اجتمعوا إلى حنين، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "تلك غنيمة المسلمين غدا إن شاء الله" الحديث١.
وفي حديث انس بن مالك قال: "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم"٢.
وفي حديث جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ: "سار إلى حنين لما فرغ من فتح مكة، جمع مالك بن عوف النصرى من بني نصر وجشم ومن سعد بن بكر وأوزاع من بني هلال، وناسا من بني عمرو بن عامر وعوف بن عامر، وأوزعت معهم الأحلاف من ثقيف وبني مالك، ثم سار بهم إلى رسول الله ﷺ، وسار مع الأموال والنساء والأطفال" الحديث٣.
وفي حديث أنس بن مالك أن هوازن جاءت يوم حنين بالصبيان والإبل والنساء والنعم فجعلوهم صفوفا يكثرون على رسول الله ﷺ الحديث٤.
وعند ابن إسحاق وغيره أن هوازن لما اجتمعت على حرب رسول الله ﷺ سألت
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٥٠) . ٢ تقدم الحديث برقم (٤٠) . ٣ تقدم الحديث برقم (٢٣) . ٤ تقدم الحديث برقم (٤٧) .
[ ٢٣٣ ]
دريد بن الصمة الرياسة عليها فقال: "وما ذاك، وقد عمي بصري وما أستمسك على ظهر الفرس، ولكن أحضر معكم لأشير عليكم رأيي بشرط أن لا أخالف فإن ظننتم أني مخالف أقمت ولم أخرج، فقالوا: لا نخالفك، وجاءه مالك، وكان جماع مرهم إليه، فقال له: لا نخالفك فيما تراه، فقال: تريد أنك تقاتل رجلا كريما قد أوطأ العرب وخافته العجم ومن بالشام وأجلى يهود الحجاز إما قتلا وإما خروجا عن ذل وصغار، ويومك هذا الذي تلقى فيه محمدا ما بعده يوم".
قال مالك: "إني لأطمع أن ترى ما يسرك، قال دريد: منزلي حيث ترى فإذا جمعت الناس سرت إليك، فلما خرج مالك بالظعن والأموال وأقبل دريد قال لمالك أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير وخوار البقر؟ قال مالك: أردت أن أجعل خلف كل إنسان أهله وماله يقاتل عنهم. فانتقص به دريد وقال: راعي ضأن والله ما له وللحرب، وصفق بإحدى يديه على الأخرى تعجبا، وقال: هل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك، إنك لم تصنع بتقديم بيضة هوازن إلى نحور الخيل فارفع الأموال والنساء والذراري إلى ممتنع بلادهم ثم ألق القوم على متون الخيل والرجال بين أصناف الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك، فقال مالك: والله لا أفعل ولا أغير أمرا فعلته، إنك قد كبرت وكبر عقلك، فغضب دريد وقال: يا معشر هوازن ما هذا برأي إن هذا فاضحكم في عوراتكم وممكن منكم عدوكم ولا حق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا وتركوه، فسل مالك سيفه وقال: إن لم تطيعوني لأقتلن نفسي، وكره أن يكون لدريد فيها ذكر أو رأي، فمشى بعضهم إلى بعض فقالوا: لئن عصيناه ليقتلن نفسه وهو شاب ونبقى مع دريد وهو شيخ كبير لا قتال معه فأجمعوا رأيكم مع مالك، فلما رأى دريد أنهم خالفوه قال:
يا ليتني فيها جذع أخب فيها وأضع
أقود وطفاء الزمع كأنها شاة صدع١
_________________
(١) ١ انظر: ابن هشام: السيرة النبوية ٢/٤٣٧-٤٣٩ وابن قيم الجوزية: زاد المعاد ٣/٤٦٥-٤٦٧. والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ٣/٨
[ ٢٣٤ ]
وهذه الأحاديث وغيرها يؤخذ منها كثرة ما خرجت به هوازن من الجموع والأموال والنساء والأطفال، وأما عن إحصاء هذه الغنائم فقد ذكر ابن إسحاق:
١٠٤- أنه كان مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن ستة آلاف من الذراري والنساء ومن الإبل ما لا يدري ما عدته١.
ومن طريق ابن إسحاق أخرجه الطبري إلا أنه قال: "وكان معه مع رسول الله ﷺ من سبي هوازن من النساء والذراري عدد كثير، ومن الإبل ستة آلاف بعير، ومن الشاء ما لا يحصى" ٢.
وعنده ابن سعد قال: "وأمر رسول الله ﷺ بالسبي والغنائم تجمع، فجمع ذلك كله وحدروه إلى الجعرانة، فوقف إلى أن انصرف رسول الله ﷺ، من الطائف وهم في حظائرهم٣ يستظلون بها من الشمس، وكان السبي ستة آلاف رأس٤، والإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، وأربعة آلاف أوقية فضة" ٥.
١٠٥- وقال غروة وموسى بن عقبة عن الزهري: ثم سار رسول الله ﷺ إلى الطائف وترك السبي بالجعرانة وملئت عرش٦ مكة منهم"٧.
_________________
(١) ١ سيرة ابن شام: ٢/٤٨٨ والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٤١، ٢٨٢ والبداية والنهاية لابن كثير ٢/٢٧٩ و٤/٣٥٢ وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥. ٢ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٦. ٣ الحظائر: جمع حظيرة وهي الموضع الذي يحاط عليه لتأوى إليه الغنم والإبل يقيهما البرد والريح. (ابن الأثير: النهاية ١/٤٠٤) . ٤ قال الزرقاني: "وإطلاق السبي على الإبل والغنم والفضة تغليب، ولم يذكر عدة البقر والحمير مع أنهما كانا معهم كما ذكره ابن إسحاق وغيره أن دريد بن الصمة قال لمالك بن عوف: ما لي أسمع بكاء الصغير ورغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وخوار البقر". ثم قال: "ولعله لم يذكرهما لقلتها بالنسبة لما ذكر، أو أنه لم يتحرر عدتهما". (شرح المواهب اللدنية ٣/٣٦) . ٥ الطبقات الكبرى لابن سعد: ٢/٥٢والوفا بأحوال المصطفى لابن الجوزي ص ٧٠٦ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٧٢-٤٧٣، وفتح الباري لابن حجر: ٨/٤٨) . ٦ عرش: جمع عريش، وهي البيوت تتخذ من عيدان تنصب ويظلل عليها. (ابن الأثير: النهاية ٣/٢٠٧-٢٠٨، ومحمد بن أبي بكر الرازي: مختار الصحاح ص ٤٢٤) . ٧ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٧.
[ ٢٣٥ ]
هكذا ذكر أهل المغازي هذه الأعداد بدون إسناد، وقد ورد في الأحاديث الآتية:
١٠٦- ما رواه الطبري من مرسل عروة بن الزبير قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم" الحديث.
وفيه: "ثم رجع رسول الله ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، ويزعمون أن ذلك السبي الذي أصاب يومئذ من هوازن كان عدته ستة آلاف من نسائهم وأبنائهم" الحديث١.
١٠٧- وعنده أيضا قال: حدثنا ابن عبد الأعلى٢، قال ثنا محمد٣ بن ثور عن معمر عن قتادة عن الزهري عن سعيد بن المسيب: "أنهم أصابوا يومئذ ستة آلف سبي، ثم جاء قومهم مسلمين بعد ذلك فقالوا: يا رسول الله أنت خير الناس وأبر الناس، وقد أخذت أبناءنا ونساءنا وأموالنا، فقال النبي ﷺ: "إن عندي من ترون، وإن خير القول أصدقه اختاروا إما ذراريكم ونساءكم، وإما أموالكم، قالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا" الحديث٤.
ورواه عبد الرزاق وابن سعد كلاهما من طريق الزهري قال: أخبرني سعيد بن المسيب به٥.
وأصل هذا الحديث في صحيح البخاري من حديث مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة "دون ذكر عدد السبي".
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٢ وتقدمت تراجم رجال السند في حديث (٩) وهم من رجال الحسن. ٢ هو محمد بن عبد الأعلى الصناعني، القيسى، أبو عبد الله البصري، ثقة من العاشرة (ت ٢٤٥) / م قد ت س ق. (التقريب ٢/١٨٢ وتهذيب التهذيب ٩/٢٨٩) . ٣ محمد بن ثور الصنعاني، أبو عبد الله العابد، ثقة من اتاسعة (ت ١٩٠) تقريبا، د س. (التقريب ٢/١٤٩ وتهذيب التهذيب ٩/٨٧) . وتقدمت تراجم بقية الرواية في حديث (٣٢) و(٣٦) و(٤٨) (٧١) وهم ثقات. ٤ الطبري: جامع البيان ١٠/١٠٢. ٥ عبد الرزاق: المصنف ٥/ ٣٨١ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٥.
[ ٢٣٦ ]
١٠٨ - ولفظه عن ابن شهاب عن عروة أن مروان بن الحكم والمسور بن مخرمة أخبراه أن النبي ﷺ قال حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي وإما المال، الحديث وفيه "فلما تبين لهم أن النبي ﷺ غير راد إليهم إلا أحدى الطائفتين، قالوا: فانا نختار سبينا" ١.قال ابن حجر: "تقدم ذكر الحديث من وجهين عن الزهري، وقد تقدم في أول الشروط في قصة صلح الحديبية٢ أن الزهري رواه عن عروة عن المسور ومروان عن أصحاب النبي ﷺ، فدل على أنه في بقية المواضع حيث لا يذكر عن أصحاب النبي ﷺ أنه يرسله، فإن المسور يصغر في عن إدراك القصة، ومروان أصغر منه، نعم كان المسور في قصة٣ حنين مميزا فقد ضبط في ذلك الأوان قصة خطبة علي بن أبي طالب لابنة أبي جهل، والله أعلم٤ إهـ.
١٠٩ - وأخرج الحاكم قال: أخبرنا أبو عبد الله محمد٥ بن يعقوب ثنا الحسين٦ بن علي القباني ثنا المنذر٧ بن الوليد الجارودي ثنا عبد الأعلى٨ بن
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٣/٨٧ كتاب الوكالة، باب إذا وهب شيئا لوكيل أو شفيع قوم جاز. و١٢٩ كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقا الخ. و١٣٧ "كتاب الهبة" باب من رأى الهبة الغابة جائزة. و١٤١ باب إذا وهب جماعة لقوم. ٤/٧٠ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين. و٥/١٢٦ كتب المغازي، باب ويوم حنين إذا أعجبتكم كثرتكم. و٩/٥٩ كتاب الحاكم، باب العرفاء للناس. ٢انظر: صحيح البخاري٣/١٦٥كتاب الشروط، باب ما يجوز من الشروط في الإسلام. ٣ يريد قصة وفد هوازن يوم حنين. ٤ فتح الباري ٥/٣١٣ و٨/٣٣. ٥ محمد بن يعقوب بن يوسف الشيباني النيسابوري ابن الأخرزم، ويعرف أبوه بابن الكرماني (٢٥٠-٣٤٤) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٦٤) . ٦ في الأصل "الحسن" ولعله الحسين بن محمد بن زياد العبدي النيسابوري أبوعلي الحافظ المعروف بالقباني، فإنه من شيوخ ابن الأخرم، وهوثقة حافظ مصنف (انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٨٠-٦٨٢ وتهذيب التهذيب ٢/٣٦٨-٣٦٩ والتقريب ١/١٧٩ كلاهما لابن حجر) . ٧ المنذر بن الوليد بن عبد الرحمن بن حبيب العبدي الجارودي البصري ثقة، من صغار العاشرة / خ د. (التقريب ٢/٢٧٥ وتهذيب التهذيب ١٠/٣٠٤) . ٨ هو السامي ثقة تقدمت ترجمته في حديث (٦٤) .
[ ٢٣٧ ]
عبد الأعلى ثنا يحيى١ بن سعيد الأنصاري حدثني أبو الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: "كنا مع رسول الله ﷺ بالطائف في غزوة حنين فلما بلغ الجعرانة قسم فضة بين الناس" ٣.
ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه".
وسكت عنه الذهبي.
والأحاديث الواردة في هذا الباب فيما غنمه المسلمون من هوازن كثيرة جدا تقدم بعضها في مبحث "استعداد هوازن العسكري"٤.
وسيأتي بعضها أيضا في الباب الثاني عند التعرض لقسم الغنائم وهذه الغنائم تتمثل في الإبل والغنم والبقر والسبي وهي غنائم كثيرة لم تحصل للمسلمين في غزواتهم والأموال، فآلت هذه كلها إلى المسلمين غنيمة ساقها الله عليهم.
وكانت هذه الغنائم التي حازها المسلمون في غزوة حنين قد سيقت إلى الجعرانة وحفظت هناك حتى عاد الرسول ﷺ من حصار الطائف.
وقد اختلفت الروايات الواردة فيمن استخلفه رسول الله ﷺ على حفظ الغنائم وهي على النحو الآتي:
١١٠ أ- قال ابن إسحاق: ثم جمعت إلى رسول الله ﷺ سبايا حنين وأموالها، وكان على المغانم مسعود٥ بن عمرو القاري، وأمر رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ يحيى بن سعيد بن قيس الأنصاري المدني، ثقة ثبت من الخامسة (ت١٤٤) أو بعدها. /ع. (التقريب ٢/٣٤٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢٢١ وقد سقط الحكم عليه من التقريب الطبعة المصرية وهو ثابت في التقريب الطبعة الهندية ص ٣٧٦) . ٢ هو محمد بن مسلم بن تدرس - بفتح المثناة وسكون الدال المهملة وضم الراء - الأسدي مولاهم، أبو الزبير المكي، صدوق، إلا أنه يدلس من الرابعة (ت ١٢٦) / ع. (التقريب ٢/٢٠٧ وتهذيب التهذيب ٩/٤٤٠) . ٣ المستدرك ٢/١٢١. ٤ ص ١٦٦. ٥ مسعود بن عمرو القاري - بالتشديد بغير همز، من القارة، كان على المغانم يوم حنين، فأمره رسول الله ﷺ أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة. (انظر: الاستيعاب لابن عبد البر٣/٤٥٢ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٥/١٦٤ والإصابة لابن حجر٣/٤١٢ ووقع في سيرة ابن هشام والروض الأنف والبداية والنهاية وشرح المواهب اللدنية (الغفاري) بدل "القاري" وهو خطأ) .
[ ٢٣٨ ]
بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست١ بها".
ب- وفي مرسل سعيد بن المسيب أن رسول الله ﷺ سبى يوم حنين ستة آلاف بين غلام وامرأة فجعل عليهم أبا سفيان بن حرب٢.
١١١- ج- وأخرج البخاري في التاريخ قال:
حدثني سعيد٣بن يحيى قال حدثني أبي٤عن ابن إسحاق٥ فحدثني ابن أبي عبلة٦ عن ابن بديل٧ بن ورقاء عن أبيه٨ أن النبي ﷺ أمر بديلا أن يحبس السبايا والأموال بالجعرانة حتى يقدم عليه فحبسه" ٩.
والحديث رواه البزار والطبراني كلاهما من طريق إبراهيم١٠ بن سعيد الجوهري ثنا يحيى بن سعيد الأموي به١١.
_________________
(١) (سيرة ابن هشام ٢/٤٥٩، وتاريخ الرسل الملوك للطبري ٣/٨ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٤ والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٩) . ٢ عبد الرزاق: المصنف ٥/٣٨٠-٣٨١ وتقدم الحديث برقم (١٠٧) . ٣ سعيد بن يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو عثمان البغدادي، ثقة ربما أخطأ من العاشرة (ت ٢٤٩) / خ م د س ت. (التقريب ١/٣٠٨ وتهذيب التهذيب ٤/٩٧-٩٨) . ٤ هو يحيى بن سعيد بن أبان بن سعيد بن العاص الأموي، أبو أيوب الكوفي نزيل بغداد، لقبه الجمل، صدوق يغرب، من كبار التاسعة (ت ١٩٤) / ع. (التقريب ٢/٣٤٨ وتهذيب التهذيب ١١/٢١٣) وهدي الساري ص: ٤٥١. ٥ هو محمد بن إسحاق بن يسار، صدوق يدلس، وقد صرح بالتحديث، تقدم ترجمته في حديث رقم (١) ووقع في الاستيعاب "عن أبي إسحاق" وهو خطأ. ٦ هو إبراهيم بن أبي عبلة - بفتح المهملة وسكون الموحدة - واسمه شمر - بكسر المعجمة وسكون الميم - ابن يقظان الشامي، يكنى أبا إسماعيل ثقة من الخامسة (ت ١٥٢) / خ م د س ق. (التقريب ١/٣٩ وتهذيب التهذيب ١/١٤٢ والخلاصة للخزرجي ١/٥٠) . ٧ بديل بن ورقاء له ابنان عبد الله وعبد الرحمن وهما صحابيان ولعل الوارد في الحديث أحدهما وقد ورد أن بديلا وابنه عبد الله شهدا حنينا والطائف. (انظر الاستيعاب لابن عبد البر ١/١٦٥، ٢/٢٦٨ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ١/٢٠٣-٢٠٤، ٣/١٨٤، ٤٢٩، والإصابة لابن حجر ٢/٢٨٠) . ٨ هو بديل بن ورقتاء بن عمرو بن ربيعة بن عبد العزى الخزاعي، وكان من مسلمة الفتح، وقال بعضهم أسلم هو وابنه عبد الله وحكيم بن حزام يوم فتح مكة بمر الظهران. (الاستيعاب لابن عبد البر١/١٦٥وأسدالغابة١/٢٠٣) والإصابة١/١٤١) . ٩ البخاري: التاريخ الكبير ٢/١٤١. ١٠ إبراهيم بن سعيد الجوهري أبو إسحاق الطبري: نزيل بغداد، ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، (ت في حدود ٢٥٠) م عم، (التقريب ١/٣٥ وتهذيب التهذيب ١/١٢٣-١٢٤) وتاريخ الخطيب البغدادي ٦/٩٣-٩٥، وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥١٥-٥١٦ ولم يذكروا إبراهيم بن سعيد في تلاميذ يحيى - ولا في شيوخ البزار فالله أعلم. كما أنه وقع عند الطبراني في الكبير، ومنتخب كنز العمال (إبراهيم بن سعد الجوهري) . ١١ البزار كما في كشف الأستار ٢/٣٥٣ والطبراني في المعجم الكبير ٢/١٦ والأوسط كما في مجمع البحرين ٢/٢٤٤ رقم (٧٧) وقال: لم يروه عن إبراهيم بن أبي عبلة إلا ابن إسحاق، تفرد به يحيى.
[ ٢٣٩ ]
وأورده الهيثمي ثم قال: رواه الطبراني في الكبير والأوسط والبزار عن ابن بديل عن أبيه ولم يسم ابن بديل، وبقية رجاله ثقات١.
وأورده ابن حجر ثم قال: رواه البخاري في تاريخه والبغوي وإسناده حسن٢.
د- قال ابن حجر: قال الزبير٣ بن بكار: حدثني محمد٤ بن سلام حدثني يزيد٥ بن عياض قال:
١١٢- استعمل النبي ﷺ على النفل يوم حنين أبا الجهم٦ بن حذيفة العدوي، فجاء خالد٧ بن البرصاء فتناول زماما من شعر فمنعه أبو جهم فقال: "إن نصيبي فيه أكثر، فتدافعا فعلاه أبو جهم فشجه٨ منقلة، فقضى فيها النبي ﷺ بخمس عشرة فريضة، ورواه الزبير من وجه آخر موصولا ولم يسم خالدا، وأخرجه أبو داود والنسائي من طريق معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة أن النبي ﷺ بعث
_________________
(١) ١ مجمع الزوائد ٦/١٨٦ وانظر كنز العمال ١٠/٣٥١ ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٦ مع (مسند أحمد) كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. ٢ الإصابة ١/١٤١. ٣ الزبير بن بكار بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله بن الزبير الأسدي المدني أبو عبد الله بن أبي بكر، قاضي المدينة، ثقة، أخطأ أحمد بن علي السليماني في تضعيفه، من صغار العاشرة (ت ٢٥٦) / ق. (القريب ١/٢٥٧ وتهذيب التهذيب ٣/٣١٢) إلا أنه رمز لمن أخرج له (ت) وهو خطأ وانظر الخلاصة للخزرجي ١/٣٣٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٢٨. ٤ محمد بن سلام بن فرج، السلمي مولاهم، البيكندي - بكسر الموحدة وسكون التحتانية وفتح الكاف وسكون النون - أبو جعفر، مختلف في لام أبيه، والراجح التخفيف، ثقة ثبت، من العاشرة (ت ٢٢٧) / خ. (التقريب ١/٢٥٧ وتهذيب التهذيب ٩/٢١٢) . ٥ يزيد بن عياض بن جعدية - بضم الجيم والمهملة ساكنة - الليثي أبو الحكم المدني، نزيل البصرة، وقد ينسب لجده كذبه مالك وغيره، من السادسة/ ت ق. (التقريب ٢/٣٦٩ وتهذيب التهذيب١١/٣٥٢ وميزان الاعتدال للذهبي٤/٤٣٦-٤٣٨) . ٦ أبو جهم بن حذيفة بن غانم بن عامر بن عبد الله القرشي العدوي، كان من مسلمة الفتح كان عالما بالنسب وكان أحد من تولى دفن عثمان بن عفان ﵁، ثبت ذكره في الصحيحين من طريق عروة عن عائشة قالت: صلى النبي ﷺ في خميصة لها أعلام فقال: اذهبوا بخمصيتي هذه إلى أبي جهم وأئتوني بأنبجانية أبي جهم. (الإصابة لابن حجر ٤/٣٥-٣٦) . ٧ خالد بن البرصاء، هو ابن مالك بن قيس بن عوف الكناني الليثي والبرصاء أمه وقيل أم أبيه. (المصدر السابق ١/٢٧٤و٢٨٩و٤٠٢) . ٨ الشج في الرأس خاصة في الأصل، ثم استعمل في غيره من الأعضاء. والمنقلة: هي التي تخرج منها صغار العظام، وتنتقل عن أماكنها، وقيل: التي تنقل العظم: أي تكسره. (ابن الأثير: النهاية ٢/٤٤٥و٥/١١٠) .
[ ٢٤٠ ]
أبا جهم بن حذيفة مصدقا، فلاجه١ رجل فضربه أبو جهم فشجه فذكر الحديث بمعناه ولم يسم خالدا أيضا.٢اهـ.
قلت: والحديث أخرجه أيضا ابن ماجة٣.
والخلاصة: أن الأحاديث الواردة فيمن ولاه رسول الله ﷺ أمر الغنائم يوم حنين أمثلها حديث بديل بن ورقاء، وأما حديث ابن إسحاق فإنه ذكر ذلك بدون إسناد.
وأما ما رواة عبد الرزاق من توليه أبي سفيان، فقال الزرقاني: هذا فيه نظر فإن أبا سفيان شهد الطائف، فإن صح فكأنه جعله عليها أولا ثم بداله فجعل غيره وسار هو معه.
وحديث الزبير بن بكار معضل.
وما ذكر من الموصول، فإنه وارد في جباية الصدقات لا في الغنائم.
وأيضا فإن خالد بن البرصاء الذي هو صاحب القصة غير موجود في الحديث الموصول.
على أنه يمكن التوفيق بين هذه الآثار بجواز أن يكون الرسول ﷺ ولاهم جميعا على حفظ الغنائم بجعل كل واحد منهم على نوع من الغنائم، وهذا غير بعيد لأن الغنائم كانت كثيرة جدا ومتنوعة من السبايا والبقر والإبل والغنم والحمير، وهذه الأنواع الكثيرة تحتاج في حفظها إلى تعدد الولاة المسئولين عنها، نظرا لكثرتها فلا يقوم بها إلا عدد من الولاة. والله أعلم.
_________________
(١) ١ فلاجه: نازعه وخاصمه من اللجاج، وفي نسخة للخطابي: فلاحاه: بالحاء المهملة منقوصا وهما بمعنى. (محمد شمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود ١٢/٢٦٦) . ٢ الإصابة ١/٤٠٢ وانظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٤٨٢. ٣ وانظر الحديث عند أبي داود في سننه ٢/٤٨٩ كتاب الديات، باب العامل يصاب على يديه خطأ. والنسائي: السنن ٨/٣١ كتاب القسامة، باب السلطان يصاب على يديه. وابن ماجه: السنن ٢/٨٨١ كتاب الديات، باب الجارح يفتدي بالقود. ولكن الحديث عن أصحاب السنن إنما هو في جباية الصدقة.
[ ٢٤١ ]
المبحث الثاني: إصابات المسلمين في هذه الغزوة
كانت إصابات المسلمين في هذه الغزوة طفيفة رغم خطورة المعركة وشدة وطأتها وضخامتها، وهذه الإصابات تتمثل في جراحات لحقت بعضهم واستشهاد أربعة منهم كما تدل على ذلك الأحاديث الآتية:
١١٣- ما رواه البخاري قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا إسماعيل١ رأيت بيد بن أبي أوفى ضربة قال: "ضربتها مع النبي ﷺ يوم حنين".
قلت: "شهدت حنينا؟ "
قال: "قبل٢ ذلك٣.
والحديث رواه الحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وابن سعد كلهم من طريق إسماعيل بن أبي خالد.
ولفظه عند الحميدي: سمعت عبد الله بن أبي أوفى يقول: "اعتمرن مع رسول الله ﷺ، فكنا نستره حين طاف من صبيان أهل مكة لا يؤذونه".
قال سفيان٤: "أراه في عمرة القضاء".
_________________
(١) ١ إسماعيل: هو ابن أبي خالد الأحمسي مولاهم. وابن أبي أوفى: هو عبد الله بن أبي أوفى. ٢ قوله: (قبل ذلك) قال ابن حجر: مراده بما قبل ذلك من قبل حنين من المشاهد، وأول مشاهده الحديبية فيما ذكره من صنف في الرجال، ووقفت في كتاب الجهاد من البخاري مايدل على أنه شهد الخندق (فتح الباري٨/٢٨وتهذيب التهذيب٦/١٥٢) وحديث البخاري المشار إليه أخرجه البخاري في ٤/٣٥ كتاب الجهاد، باب الدعاء على المشركين بالهزيمة والزلزلة ولفظه عن إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله ابن أبي أوفى يقول: "دعا رسول الله ﷺ يوم الأحزاب على المشركين فقال: "اللهم منزل الكتاب، سريع الحساب، اللهم أهزم الأحزاب اللهم أهزمهم وزلزلهم". ٣ الصحيح ٥/١٢٦ كتاب المغازي، باب ويم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم. ٤ هو ابن عيينة.
[ ٢٤٢ ]
قال إسماعيل: "وأرانا ابن أبي أوفى ضربة مع رسول الله ﷺ يوم حنين" ١.
ورواه أحمد وفيه زيادة دعاء الرسول ﷺ على الأحزاب وفيه قال إسماعيل: "ورأيت بيده ضربة على ساعده فقلت: ما هذه؟ "
قال: "ضربتها يوم حنين، فقلت له أشهدت معه حنينا؟ "
قال: "نعم وقبل ذلك" ٢.
١١٤- ما رواه الحميدي قال: حدثنا سفيان قال: ثنا معمر عن الزهري عن عبد الرحمن٣ بن أزهر قال: جرح خالد٤ بن الوليد يوم حنين فمر بي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ "
فخرجت أسعى بين يدي رسول الله ﷺ وأنا أقول: من يدل على رحل خالد بن الوليد؟
حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة فجلس رسول الله ﷺ عنده، ودعا له، وأرى٥ فيه: نفث عليه ٦.
_________________
(١) ١ الحميدي: المسند ٢/٣١٤ وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩١ ب وابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/٣٠١. ٢ المسند ٤/٣٥٥. ولفظ الحديث عند أحمد: عن إسماعيل عن عبد الله بن أبي أوفى قال: اعتمر النبي ﷺ فطاف باليت وطفنا معه وصلى خلف المقام وصلينا معه، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة ونحن معه نستره من أهل مكة لا يرميه أحد أو يصيبه أحد بشيء، قال: فدعا على الأحزاب فقال: "اللهم منزل الكتاب سريع الحساب هازم الأحزاب، اللهم اهزمهم وزلزلهم". قال: ورأيت بيده ضربة على ساعده. الحديث. ٣ عبد الرحمن بن أزهر الزهري، أبو جبير، المدني، ابن عم عبد الرحمن بن عوف، وقيل غير ذلك، صحابي صغير، شهد حنينا. قال ابن سعد: "وهو نحو ابن عباس في السن"، مات قبل الحرة / د س. (التقريب ١/٤٧٢، تهذيب التهذيب ٦/١٣٥-١٣٦) . ٤ خالد بن الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومي، سيف الله، يكنى أبا سليمان، من كبار الصحابة وكان إسلامه بين الحديبية والفتح، وكان أميرا على قتال أهل الردة وغيرها من الفتوح، إلى أن مات سنة ٢١أو٢٢ / خ م د س ت. (التقريب ١/٢١٩ وتهذيب التهذيب ٣/١٢٤) . ٥ أرى: بضم الهمزة أي أظن. ٦ والنفث: شبيه بالنفخنه وهو أقل من النفل، لأن التفل لا يكون إلا معه شيء من الريق. (ابن الأثير: النهاية ٥/٨٨) . مسند الحميدي ٢/٣٩٨.
[ ٢٤٣ ]
والحديث صحيح وقد رواه أيضا عبد الرزاق وأحمد وأبو عوانة كلهم من طريق الزهري انه سمع عبد الرحمن بن أزهر يسأل عن رحل خالد بن الوليد. الحديث١.
وفي حديث أنس بن مالك عند البزار في وصف المعركة وفيه: "وكان رسول الله ﷺ على بغلة له، وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها، والعباس عمه آخذ بغَرْزها٢، وكنا في واد دهس، فارتفع النقع، فما منا أحد يبصر كفه، إذ شخص قد أقبل، فقال: إليك من أنت؟ "
قال: "أنا أبو بكر فداك أبي وأمي وبه بضعة عشر ضربة، ثم إذا شخص أقبل وبه بضعة عشر ضربة، فقال: إليك من أنت؟ "
فقال علي بن أبي طالب: "فداك أبي وأمي". الحديث٣.
هذا ما توصلت إليه من الإصابات التي لحقت بالمسلمين وأما الذين استشهدوا في حنين فقد ذكر ابن إسحاق إمام أهل المغازي والسير أربعة٤.
١١٥- حيث قال: "وهذه تسمية من استشهد يوم حنين من المسلمين، من قريش ثم من بني هاشم":
١- أيمن٥ بن عبيد.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٨٨ و٣٥٠ - ٣٥١، ومصنف عبد الرزاق ٥/٣٨٠-٣٨١ ومسند أبي عوانة ٤/٢٠٣. ٢ الغرز: بفتح أوله وسكون ثانية ثم زاي، هو ركاب البعير. (ابن حجر: هدي الساري ص ١٦٢) . ٣ تقدم الحديث مع الحكم برقم (٥٣) وسياقه بتمامه في مبحث "خسائر المشركين في هذه المعركة" ص ٢٢٤. ٤ وزاد ابن حجر في الإصابة ١/١٣ آبي اللحم الغفاري بأنه شهد حنينا وقتل بها بلا خلاف. ٥ أيمن بن عبيد عمرو بن بلال بن أبي الجرباء بن قيس بن مالك بن سالم بن غنم بن عوف بن الخزرج، وهو ابن أم أيمن حاضنة النبي ﷺ. قال الزرقاني: كذا نسبه إلى الخزرج ابن سعد وابن مندة، وأما أبو عمر بن عبد البر، فقال: الحبشي، وقد فرق ابن أبي خيثمة بين الحبشي وبين ابن أم أيمن وهو الصواب. فإن أيمن بن عبيد الحبشي أحد من جاء مع جعفر بن أبي طالب، قاله في الإصابة، والخزرجي أحد الثابتين في حنين (انظر: الطبقات الكبرى: لابن سعد٢/١٥٢ والاستيعاب لابن عبد البر ١/٨٨ مع الإصابة وأسد الغابة لابن الأثير ١/١٨٩ والإصابة لابن حجر ١/٩٢ و٤/٤٣٢ وشرح المواهب للزرقاني ٣/٢٤) .
[ ٢٤٤ ]
ومن بنى أسد بن عبد العزى:
٢- يزيد١ بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد. جمح به فرس يقال له الجناح٢ فقتل.
ومن الأنصار:
٣- سراقة بن الحارث بن عدي من بني العجلان٣.
ومن الأشعريين:
٤- أبو عامر٤ الأشعري٥.
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد، ومن طريقة أخرجه الطبري٦، وخليفة بن الخياط٧ إلا أنه قال: سراقة بن "الحباب"، بدل سراقة بن "الحارث"٨.
وذكر الواقدي ما ذكره ابن إسحاق إلا أنه جعل الثاني "رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان".
_________________
(١) ١ وانظز: الاستيعاب لابن عبد البر ٣/٦٤٧-٦٤٨ مع الإصابة. وأسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٨٨ والإصابة لابن حجر: ٣/٦٥٥-٦٥٦. ٢ الجناح: بلفظ جناح الطائر. (الزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٤) . ٣ انظر: الاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٢٩، والإصابة لابن حجر ٢/١٨. ٤ اسمه عبيد بن سليم بن حضار، وهو عم أبي موسى الأشعري، وقيل عبيد بن وهب. (انظر: الاستيعاب٢/٣٧١-و٤/١٣٥ مع الإصابة، وأسد الغابة ٣/٣٦٧ و٥٤١ و٦/١٨٦-١٨٨ واللباب ١/٦٤ كلاهما لابن الأثير، والإصابة لابن حجر ٢/٣٥٩ و٤/١٢٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٤/١٠٥و٣٥٧) وانظر حديث (١١٨)، (١١٩) . ٥ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٩ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٨٣ وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤١، مجمع الزوائد للهيثمي ٦/١٨٩-١٩٠. ٦ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨١. ٧ تاريخ خليفة بن خياط ص ٨٨-٨٩. ٨ قال ابن الأثير: جعل أبو عمر بن عبد البر سراقة بن الحارث، وسراقة بن الحباب ترجمتين وجعلهما قتلا يوم حنين. وأما ابن مندة وأبو نعيم فلم يذكرا إلا سراقة بن الحباب، والحق معهما فإنهما واحد. وإنما عبد الملك بن هشام روى عن زياد بن عبد الله البكائي عن ابن إسحاق فيمن قتل بحنين، فقال: سراقة بن الحارث، وروى يونس بن بكير عن إسحاق فقال: "سراقة بن الحباب، فالحق مع ابن مندة وأبي نعيم، هما واحد، فلوقالا: - يعني ابن مندة وأبا نعيم - وقيل: سراقة بن الحارث لكان حسنا وأما بأن يكونا اثنين فلا". قال ابن حجر: "وكذا نبه عليه ابن فرحون". (انظر الاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة إلا أن عنده سراقة بن أبي الحباب، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٢٩ والإصابة لابن حجر ٢/١٨) .
[ ٢٤٥ ]
وذكر يزيد بن زمعة فيمن استشهد بالطائف١.
هذا ما وقفت عليه في عدد شهداء المسلمين في غزوة حنين.
وبعض٢ الباحثين المعاصرين يستبعد ذلك ويرى أن قتلى المسلمين في هذه الغزوة يبلغون المئات، مستدلا بشدة المعركة وضراوتها وانهزام المسلمين في بداية المعركة أمام نبال قبائل هوازن التي صبت عليهم وادعي أن المؤرخين سجلوا ما نقله الرواة بأمانة لكن واقع المعركة وجودها يقتضي مزيدا من الضحايا، وأخذ يذكر أنه لا يوجد في عهد الرسول ﷺ قسم إداري يهتم بإحصاء عدد القتلى ويقدم بهم قوائم وفق النظام المتبع في الجيوش العصرية، ولا يوجد ديوان إحصاء للجند يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش الإسلامي، بحيث يمكن الرجوع إلى هذا السجل لمعرفة عدد الشهداء المفقودين، وأضاف أن الجيش الإسلامي مؤلف من قبائل متفرقة فلما انتهت المعركة عادوا إلى أماكنهم كل قبيلة تعرف شهداءها، وفات تسجيل ذلك على المؤرخين لأن الاهتمام بتدوين أخبار المغازي والحروب الإسلامية لم يكن إلا في أواسط القرن الثاني الهجري، فلا يتمكن العلماء في هذا الزمن المتأخر من الاتصال بأولئك البدو المتفرقين في جنبات الجزيرة.
هذه خلاصة أدلة هذا الباحث في استبعاد أن يكون شهداء المسلمين في هذه الغزوة أربعة فقط كما ذكر ذلك المؤرخون المختصون بذلك.
والظاهر أن ما ذكره من الأدلة غير مسلم به في جملته لأن فرار المسلمين أمام نبال هوازن لا يلزم منه كثرة القتل في المسلمين وإنما يلزم منه كثرة الإصابات من جراحات وغير ذلك، ولأن عدم وجود قسم إداري يهتم بالإحصاء وعدم وجود سجل يدون فيه عدد الجيش الإسلامي لا يلزم منه هذه المفارقات الكبيرة في تسجيل الأحداث، ذلك أنّ المؤرخين المختصين قالوا: إن عدد القتلى أربعة فقط وصاحب هذه
_________________
(١) (مغازي الواقدي ٣/٩٢٢، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٢، وهكذا ذكر الزبير بن بكار: يزيد بن زمعة في شهداء الطائف. انظر: أسد الغابة لابن الأثير ٥/٤٨٨) ٢ هو: محمّد أحمد باشميل. انظر: (كتابه: غزوة حنين، ص: ٣٥٥-٣٥٨) .
[ ٢٤٦ ]
الدعوى يقول عنهم يبلغون المئات والتوفيق في مثل هذه الحال بين هذين القولين محال، ولا يمكن أن يفوت على المسلمين مئات القتلى منهم دون أن يشيروا إلى ذلك، وهذا مخالف لما عرف عن المسلمين من الاهتمام بالشهداء، ومخالف لما هو معلوم مطرد في المعارك الأخرى من ذكر المسلمين لعدد شهدائهم، وهذا يبعد القول بأن الشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضًا ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء كانوا مئات لا أربعة فقط، وتأخر تدوين التاريخ لا يلزم منه أيضا ما أراده الباحث من فوات ذكر الشهداء، لأن الرسول ﷺ وأصحابه كانوا يهتمون بشهداء المعركة، ولأن القبائل على تفرقها تفتخر بشهيد المعركة وتسجيل له ذلك الموقف شعرا ونثرا، وأيضا فقد أحصى المسلمون عدد السبي والإبل والشاء مما غمنوه في هذه الموقعة، أفلا يحصون عدد شهدائهم؟
فعلينا أن ننتهي إلى ما انتهى إليه علماؤنا ولا نتعدى ذلك إلا بأدلة واضحة لا بمجرد الاستنتاج والتلمسات البعيدة.
[ ٢٤٧ ]