عقدت هذا الباب لبيان بعض الأحكام الفقهية التي تضمنتها هذه الغزوة وأحكامها كثيرة متشعبة".
وبما أن بحثي خاص بالناحية الحديثية والتاريخية، فقد رأيت أن أجتزئ بذكر الأحكام البارزة مع الإيجاز في تناولها، ولا شك أن بيان تواريخ التشريعات يخدم الناحية الفقهية والأصولية، كما يخدم الناحية التاريخية، فالتاريخ لهذه التشريعات يعرف الناسخ والمنسوخ عند التعارض، كما تتبين الظروف والملابسات التي أحاطت بالتشريع مما يفيد في معرفة علل الأحكام".
[ ٢ / ٥١١ ]
الحكم الأول: جواز وطء المسبية بعد الاستبراء
لقد كان وطء السبايا بملك اليمين معلوما لدى الصحابة - ﵃ - لكثرة حروبهم وأخذ الأسرى من المشركين، وإنما التبس عليهم الأمر في غزوة حنين حيث أن المسبيات ذوات أزواج في قومهن وبعضهم معروف لدى الصحابة - رضوان الله عليهم -، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنَزلت الآية من سورة النساء بإباحة ذلك".
وهذا هو ما دل عليه حديث أبي سعيد الخدري عند مسلم وغيره". وهذا سياقه عند مسلم:
٢٣٠- حدثنا عبيد الله بن عمر بن ميسرة القواريري حدثنا يزيد ابن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صالح١ أبي الخليل عن أبي علقمة٢ الهاشمي عن أبي سعيد الخدرس أن رسول الله - ﷺ، يوم حنين بعث جيشا إلى أوطاس٣ فلقوا عدوا، فقاتلوهم، فظهروا عليهم٤ وأصابوا لهم سبايا٥ فكأن ناسا من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا٦ من غشيانهن من أجل أزواجهن
_________________
(١) ١ هو صالح بن أبي مريم الضبعي - بضم المعجمة وفتح الموحدة - أبو الخليل البصري". ٢ أبو علقمة الفارسي المصري مولى بني هاشم، ويقال حليف الأنصار كان على قضاء إفريقية". ٣ عند أبي داود "أن رسول الله ﷺ بعث يوم حنين بعثا إلى أوطاس وعند الطبري "بعث يوم حنين سرية فأصابوا حيا من أحياء العرب يوم أوطاس". وعند البيهقي "بعث سرية يوم حنين فأصابوا جيشا من العرب يوم أوطاس". ٤ عند البيهقي "فقاتلوهم وهزموهم". ٥ سبايا: "جمع سبية، وهي المرأة تسبى، أي تؤسر، فعلية بمعنى مفعولة". (جامع الأصول ٨/١٢٠ والنهاية ٢/٣٤٠) . ٦ تحرجوا من غشيانهن: "أي خافوا الحرج، وهو الإثم، من غشيانهن أي من وطئهن من أجل أنهن زوجات، والمزوجة لا تحل لغير زوجها، فأنزل الله إباحتهن بقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤] ". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٦٣٧) .
[ ٢ / ٥١٣ ]
من المشركين١، فأنزل الله ﷿ في ذلك:
﴿وَالْمُحْصَنَاتُ٢ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤] .
أي فهن لكم حلال إذا انقضت عدتهن".
وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار٣ قالوا: "حدثنا عبد الأعلى٤ عن سعيد٥ عن قتادة عن أبي الخليل، أن أبا علقمة الهاشمي حدث أن أبا سعيد الخدري حدثهم، أن نبي الله ﷺ بعث يوم حنين سرية، بمعنى حديث يزيد بن زريع، غير أنه قال: "إلا ما ملكت أيمانكم منهن فحلال لكم، ولم يذكر: "إذا انقضت عدتهن".
_________________
(١) ١ وعند أحمد "أن أصحاب رسول الله ﷺ أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج من أهل الشرك فكان أناس من أصحاب رسول الله ﷺ كفوا وتأثموا من غشيانهن قال: "فنَزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤] ". وعند الترمذي وأبي يعلى "عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن، فذكروا ذلك لرسول الله ﷺ، فنَزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤]، إلى. وعند أبي بعلى "عن أبي سعيد قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج فكرهنا أن نقع عليهن فسألنا النبي ﷺ فنَزلت (المحصنات" الخ". وعند الطبري والواحدي "عن أبي سعيد قال: "لما سبى رسول الله ﷺ أهل أوطاس قلنا يا رسول الله: "كيف نقع على نساء قد عرفنا أنسابهم وأزواجهن؟ قال: "فنَزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤] ". ٢ قال النووي "والمراد بالمحصنات هنا: "المزوجات، ومعناه: "والمزوجات حرام على غير أزواجهن إلا ما ملكتم بالسبي، فإنه ينفسخ نكاح زوجها الكافر، وتحل لكم إذا انقضى استبراؤها". والمراد بقوله: "إذا انقضت عدتهن أي استبراؤهن، وهي بوضع الحمل عن الحامل، وبحيضة من الحائل، كما جاءت به الأحاديث الصحيحة (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٦٣٧) . وقال المباركفوري "والمحصنات" بفتح الصاد باتفاق القراء، وهو معطوف على "أمهاتكم" أي حرمت عليكم المحصنات، أي ذوات الأزواج لأنهن أحصن فروجهن بالتزويج، "إلا ما ملكت أيمانكم" أي ما أخذتم من أزواج الكفار بالسبي وزوجها في دار الحرب لوقوع الفرقة بتباين الدارين، فتحل للغانم بملك اليمين بعد الاستبراء (تحفة الأحوذي ٨/٣٧٠و٤/٢٨٢ وعون المعبود ٦/١٩١) . وهكذا رجح ابن كثير بأن المراد (بالمحصنات) هنا المزوجات وان المزوجة لا تحل بملك اليمين، ثم قال فإن في حديث أبي سعيد الخدري أن الآية نزلت في ذلك (تفسير بن كثير ١/٤٧٣) . وقال ابن القيم "وهو الصحيح" (زاد المعاد ٥/١٣١، وانظر أضواء البيان للشنقيطي ١/٢٨٠-٢٨١) . ٣ هو محمد بن بشار بن عثمان العبدي أبو بكر، بندار". ٤ هو عبد الأعلى بن عبد الأعلى البصري السامي (تهذيب التهذيب ٦/٩٦) . ٥ هو ابن أبي عروبة".
[ ٢ / ٥١٤ ]
وحدّثنيه يحيى١بن حبيب الحارثي حدثنا خالد٢ (يعني ابن الحارث) حدثنا شعبة عن قتادة بهذا الإسناد، نحوه".
وحدثنيه يحيى بن حبيب الحارثي حدثنا خالد بن الحارث حدثنا شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد قال: "أصابوا سبايا يوم أوطاس لهن أزواج فتخوفوا فأنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: "٢٤] .
وحدثني يحيى بن حبيب حدثنا خالد (يعني ابن الحارث) حدثنا سعيد عن قتادة، بهذا الإسناد، نحوه٣".
والحديث فيه قتادة وهو مدلس وقد عنعن ولكن في الطريق الثانية روى عنه شعبة، ويحمل حديث شعبة عن قتادة على السماع جزما٤".
وقد تابعه عثمان البتى عند الترمذي وأبي يعلى والطبري والواحدي في شيخه أبي الخليل.
والحديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد والطبري والبيهقي والواحدي". الجميع من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صالح أبي خليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري به٥.
ورواه الترمذي وأبو يعلى كلاهما من طريق هشيم بن بشير أخبرنا عثمان٦ البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - به٧".
_________________
(١) ١ هو يحيى بن حبيب بن عربي الحارثي أبو زكريا البصري (تهذيب التهذيب ١١/١٩٥) . ٢ خالد بن الحارث بن عبيد بن سليم الهجيمي أبو عثمان البصري (تهذيب التهذيب ٣/٨٢) . (صحيح مسلم ٢/١٠٧٩-١٠٨٠ كتاب الرضاع، باب جواز وطء المسبية بعد الاستبراء وإن كان لها زوج انفسخ نكاحها بالسبي وتحفة الأشراف للمزي ٣/٤٩٨ حديث ٤٤٣٤) . ٤ انظر: "فتح المغيث ١/١٧٦-١٧٧". ٥ أبو داود: " (السنن ١/٤٩٧ كتاب النكاح، باب في وطء السبايا، والنسائي: "السنن ٦/٩١ كتاب النكاح، باب تأويل قول الله ﷿ ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، وأحمد: "المسند ٣/٨٤، والطبري: "جامع البيان ٥/٢ والبيهقي: "السنن الكبرى ٩/١٢٤، والواحدي: "أسباب النزول ص ٩٩) . ٦ عثمان بن مسلم البتي - بفتح الموحدة، وتشديد المثناة- أبو عمرو البصري، صدوق، عابوا عليه الإفتاء بالرأي، من الخامسة (ت ١٤٣) /ع (التقريب ٢/١٤وتهذيب التهذيب ٧/١٥٣ وميزان الاعتدال ٣/٥٩ والخلاصة للخزرجي ٢/٢٢١) . ٧الترمذي: " (السنن ٢/٣٠٠ كتاب النكاح، باب ما جاء في الرجل يسبي الأمة ولها زوج، هل يحل له وطؤها؟، وأبو يعلى: "المسند ٢/١٣٩أرقم ٣٠٢) .
[ ٢ / ٥١٥ ]
فأسقط "أبا علقمة الهاشمي". ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وهكذا رواه الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد".
وأبو الخليل اسمه صالح بن أبي مريم".
وروى همام١ هذا الحديث عن قتادة عن صالح أبي الخليل، عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، حدثنا بذلك عبد٢ بن حميد أخبرنا حبان٣ بن هلال أخبرنا همام، هكذا قال الترمذي في كتاب النكاح، وفي كتاب التفسير ساق طريق هشيم بن بشير الخالية من ذكر "أبي علقمة".
ثم قال: "وهكذا روى الثوري عن عثمان البتي عن أبي الخليل، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ نحوه".
وليس في الحديث عن "أبي علقمة" ولا أعلم أن أحدًا ذكر أبا علقمة في الحديث إلا ما ذكر "همام عن قتادة"٤.اهـ.
قلت: "حديث الثوري المشار إليه:
أخرجه الطبري وأبو يعلى والواحدي من طريق أبي يعلى٥.
_________________
(١) ١ همام بن يحيى بن دينار العوذي-بفتح المهملة وسكون الواو وكسر المعجمة البصري، ثقة: "ربما وهم، من السابعة (ت ١٦٤أو ١٦٥) /ع (التقريب ٢/٣٢١ وتهذيب التهذيب ١١/٦٧-٧٠) . ٢ عبد بن حميد بن نصر الكسي-بمهملة - وجاء أيضا بالمعجمة - أبو محمد قيل اسمه عبد الحميد، وبذلك جزم ابن حبان وغير واحد، ثقة، حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٤٩) /خت م ت (التقريب١/٢٥٩ وتهذيب التهذيب ٦/٤٥٥ والخلاصة للخزرجي ٢/١٨٨) . ٣ حبان - بالفتح ثم موحدة- ابن هلال، أبو حبيب البصري، ثقة ثبت من التاسعة (ت ٢١٦) /ع (التقريب ١/١٤٦ وتهذيب التهذيب ٢/١٧٠) . (السنن ٤/٣٠٢ كتاب التفسير، تفسير سورة النساء) . (تفسير الطبري ٥/٢ ومسند أبي يعلى: "٢/١٣١أرقم ٣٠٢ وأسباب النزول للواحدي ص ٩٨) .
[ ٢ / ٥١٦ ]
وكذا روى الطبراي والواقدي من طريق أشعث١ بن سوار عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري٢".
وأخرجه الطبري أيضا من طريق معمر عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري قال: "نزلت في يوم أوطاس، أصاب المسلمون سبايا لهن أزواج في الشرك، فقال: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [سورة النساء، من الآية: ٢٤] .
يقول: "إلا ما أفاء الله عليكم، قال: "فاستحللنا بها فروجهن".
وحديث همام بن يحيى أخرجه الترمذي نفسه في التفسير٣، وأبو يعلى في مسنده٤".
والحاصل أن سفيان الثوري وأشعث بن سوار وهشيم بن بشير رووا هذا الحديث عن عثمان البتي عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري بإسقاط "أبي علقمة".
وقد وافق عثمان البتي على هذا قتادة عند مسلم من طريق شعبة وعند الطبري من طريق معمر كلاهما عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري بإسقاط "أبي علقمة" بين الخليل وأبي سعيد".
ورواه همام بن يحيى وسعيد بن أبي عروبة وشعبة الجميع عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري".
فقد تابع هماما "في ذكر أبي علقمة" سعيد بن أبي عروبة زشعبة كما هو عند مسلم وغيره".
وليس كما قال الترمذي - ﵀ - بأن هماما وحده هو الذي ذكر "أبا علقمة" في هذا الحديث٥، بل تابعه عليه اثنان وهما شعبة وسعيد بن أبي عروبة٦".
_________________
(١) ١ أشعث بن سَوّار الكوفي الكندي النجار، الأفرق، الأثرم، صاحب التوابيت، قاضي البصرة، وهو قاضي الأهواز مولى ثقيف، ضعيف من السادسة بخ س ق متابعة (التقريب ١/٧٩ وتهذيب التهذيب ١/٥٣٢-٥٣٤، وميزان الاعتدال ١/٢٦٣-٢٦٥) وقد تابعه سفيان الثوري عند أبي يعلى والطبري، وهشيم بن بشير عند الترمذي وأبي يعلى". (تفسير الطبري ٥/٢، وأسباب النزول للواحدي ص ٩٨-٩٩) . (٤/٣٠١-٣٠٢ تفسير سورة النساء) . (٢/١٤٨ ب برقم ٣٠٢) . ٥ انظر: " (تفسير ابن كثير ١/٤٧٣ وتحفة الأحوذي ٨/٣٧١) . ٦ انظر: " (تفسير ابن كثير ١/٤٧٣) .
[ ٢ / ٥١٧ ]
قال النووي في أثناء شرحه للحديث: "قوله: "حدثنا يزيد بن زريع حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة عن صالح أبي الخليل عن أبي علقمة الهاشمي عن أبي سعيد الخدري".
وفي الطريق الثاني: "عن عبد الأعلى عن سعيد عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي علقمة عن أبي سعيد الخدري".
وفي الطريق الآخر عن شعبة عن قتادة عن أبي الخليل عن أبي سعيد الخدري من غير ذكر أبي علقمة".
هكذا هو في جميع نسخ بلادنا، وكذا ذكره أبو علي الغساني١عن رواية الجلودي٢ وابن ماهان٣".
قال: "وكذا ذكره أبو مسعود٤ الدمشقي، قال: "ووقع في نسخة ابن الحذاء٥ بإثبات "أبي علقمة" بين أبي خليل وأبي سعيد".
قال الغساني: "ولا أدري ما صوابه.
_________________
(١) ١ هو الحافظ الإمام الثبت محدث الأندلس أبو علي الحسين بن محمد بن أحمد الجياني الأندلسي، الغساني، كان من جهابذة الحفاظ البصراء، بصيرا بالعربية واللغة والشعر والأنساب، صنف في ذلك كله ورحل الناس إليه وعولوا في النقل عليه وتصدر بجامع قرطبة وأخذ عنه الأعلام، جمع كتابا في رجال الصحيحين سماه: "تقيد المهمل وتمييز المشكل" (٤٢٧-٤٩٨هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٢٣٣-١٢٣٥) . ٢ هو أبو أحمد محمد بن عيسى بن محمد بن عبد الرحمن الجلودي - بفتح الجيم - الزاهد النيسابوري، كان زاهدا ورعا، سمع أبا بكر بن خزيمة وإبراهيم بن محمد بن سفيان الفقيه، وهو راوي كتاب صحيح مسلم عن إبراهيم بن محمد بن سفيان، وكل من حدث به عن إبراهيم بن محمد سوى الجلودي فهو غير ثقة، مات سنة ٣٨٥ هـ (اللباب في تهذيب الأنساب لأبن الأثير ١/٢٨٧-٢٨٨ ومقدمة النووي على شرح مسلم ١/٤، و٦/٧ وقال: "الجلودي: "بضم الجيم بلا خلاف". ٣ هو أبو العلاء عبد الوهاب عيسى بن عبد الرحمن بن ماهان الفارسي البغدادي، نزيل القاهرة والمتوفى بها سنة (٣٨٧هـ) (ذيل تاريخ بغداد لابن النجار ١/٣٧٥-٣٧٨ رقم الترجمة (٢٢٣) . ٤ هو إبراهيم بن محمد بن عبيد أبو مسعود الدمشقي الحافظ، مصنف كتاب الأطراف على الصحيحين، وأحد من برز في هذا العلم كان صدوقا دينا ورعا فهما له عناية بالصحيحين (مات سنة ٤٠١هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٦٨-١٧٠هـ) . (ومقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/٧٦) . ٥ هو القاضي أبو عبد الله محمد بن يحيى بن أحمد بن أحمد بن الحذاء التميمي الإمام الفقيه المحدث الحافظ له كتاب التعريف برجال الموطّأ، وكتاب الخطيب والخطباء وغير ذلك (٣٤٧-٣١٦هـ) (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ١١٢) .
[ ٢ / ٥١٨ ]
وقال القاضي عياض: "قال غير الغساني إثبات أبي علقمة هو الصواب".
ثم قال النووي: "قلت ويحتمل أن إثباته وحذفه كلاهما صواب، ويكون أبو الخليل سمع بالوجهين، فرواه تارة كذا، وتارة كذا، وقد سبق في أول الكتاب بيان أمثال هذا١".
حديث أبي سعيد الخدري أيضا عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أبي داود قال: "
٢٣١- حدثنا عمرو٢ بن عون أنبأنا شريك٣ عن قيس٤ بن وهب عن أبي الوداك٥ عن أبي سعيد الخدري، ورفعه أنه قال في سبايا أوطاس٦: "لا توطأ٧ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" ٨.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٦٣٦-٦٣٧". ٢ عمرو بن عون بن أوس الواسطي، أبو عثمان البزارالبصري، ثقة ثبت من العاشرة، (ت٢٢٥) /ع (التقريب ٢/٧٦ وتهذيب التهذيب ٨/٨٦) ٣ هو ابن عبد الله القاضي، صدوق يخطئ كثيرا تقدم في حديث (٢٦) . ٤ قيس بن وهب الهمداني الكوفي، ثقة من الخامسة /م د ق (التقريب ٢/١٣٠)، وفي تهذيب التهذيب (٨/٤٠٥)، م ق د ت وهو الصواب فقد ذكر المباركفوري قيس بن وهب في رجال الترمذي (٢/٣٥) . ٥ هو جبر بن نوف - بفتح النون وآخره فاء - الهمداني - بسكون الميم - البكالي - بكسر الموحدة وتخفيف الكاف - أبو الوداك - بفتح الواو وتشديد الدال وآخره كاف، كوفي صدوق يهم، من الرابعة / م د ت س ق (التقريب ١/١٢٥ وتهذيب التهذيب ٢/٦٠) . وقال الذهبي في: " (ميزان الاعتدال ٤/٥٨٤): "صدوق مشهور ضعفه ابن حزم". ٦ عند البيهقي "عن أبي سعيد الخدري قال: "أصبنا سايا يوم أوطاس فقال رسول الله ﷺ: "لا توطأ حامل حتى تضع حملها ولا غير حامل حتى تحيض حيضة". وعند الدارقطني: "لا يطأ رجل حاملا حتى تضع حملها ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة"، وعند أحمد "عن أبي سعيد قال: "قال النبي ﷺ في غزوة أوطاس لا توطأ الحبلى حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة"، وعنده أيضا "أن النبي ﷺ قال: "في سبي أوطاس: "لا يقع على حامل حتى تضع، وغير حامل حتى تحيض حيضة". ٧ قوله: "لا توطأ حامل حتى تضع الخ) قال صاحب العون المعبود: "هو خبر بمعنى النهي، أي لا تجامعوا مسبية حاملًا حتى تضع حملها، ولا حائلا ذات أقراء حتى تحيض حيضة كاملة، ولو ملكها وهي حائض لا تعتد بتلك الحيضة حتى تستبرئ بحيضة مستأنفة، وإن كانت لا تحيض لصغرها أو كبرها، فاستبراؤها يحصل بشهر واحد أو بثلاثة أشهر، فيه قولان للعلماء أصحها الأول". وفيه دليل على أن استحداث الملك يوجب الاستبراء، وبظاهره قال الأئمة الأربعة (عون المعبود ٦/١٩٤) . (سنن أبي داود ١/٤٩٧ كتاب النكاح، باب في وطئ السبايا". وتحفة الأشراف ٣/٣٣٩ حديث ٣٩٩٠) .
[ ٢ / ٥١٩ ]
والحديث رواه الدارمي والدارقطني والحاكم والبيهقي الجميع من طريق شريك بن عبد الله به١".
وقال الحكام: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه وسكت عنه الذهبي".
والحديث مداره على شريك بن عبد الله القاضي، وقد قال فيه ابن حجر: "صدوق يخطئ كثيرا، تغير حفظه منذ ولي القضاء بالكوفة"٢".
وقد صحح هذا الحديث الحاكم وسكت عنه الذهبي".
وقال عنه ابن حجر: "إسناده حسن٣".
وتبعه الشوكاني٤.
وللحديث شواهد يرتقي بها إلى درجة الصحيح لغيره وهي: "ما رواه ابن أبي شيبة في "مصنفه" من مرسل الشعبي وهذا سياقه:
٢٣٢- حدثنا أبو خالد٥ الأحمر عن داود٦ قال: "قلت للشعبي٧ إن أبا موسى٨ نهى يوم تستر٩ أن لا توطأ الحبلى، ولا يشارك المشركون في أولادهم فإن الماء يزيد في الولد، هو شيء قاله برأيه، أو رواه عن النبي ﷺ؟ فقال: "نهى رسول الله ﷺ يوم أوطاس أن توطأ حامل حتى تضه أو حائل١٠ حتى تستبرأ " ١١".
_________________
(١) ١ أحمد: "المسند: " (٣/٢٨، و٦٢، و٨٧، والدارمي: "السنن ٢/٩٢ كتاب النكاح باب في استبراء الأمة، والدارقطني: "السنن ٤/١١٢) . والحاكم: "المستدرك ٢/١٩٥، البيهقي: "السنن الكبرى ٧/٤٤٩ و٩/١٢٤) . (التقريب ١/٣٥١) . (التلخيص الحبير ١/١٧١-١٧٢) . (نيل الأوطار٦/٣٤٣) . ٥ هو سليمان بن حيان الأزدي، أبو خالد الأحمر الكوفي صدوق يخطئ من الثامنة (ت ١٩٠) أو قبلها /ع (التقريب ١/٣٢٣ وتهذيب التهذيب ٤/١٨١، ورمز له الذهبي ب (صح) إشارة أنه ثقة (ميزان الاعتدال ٢/٢٠٠) . ٦ داود بن أبي هند القشيري، مولاهم، أبو بكر، أو أبو محمد، البصري ثقة متقن، كان يهم بآخره، من الخامسة (ت ١٤٠) وقيل قبلها /خت م عم (التقريب ١/٢٣٥ وتهذيب التهذيب ٣/٢٠٤ و٤/١٨١) . ٧ هو عامر بن شراحيل الشعبي ثقة فقيه فاضل مشهور (تقدم في حديث (١٤٧) . ٨ هو عبد الله بن قيس أبو موسى الأشعري صحابي جليل فاضل". ٩ تستر: "بالضم ثم السكون، وفتح التاء الأخرى، وراء، أعظم مدينة بخوزستان، وكان فتحها في عهد عمر بن الخطاب بقيادة أبي موسى الأشعري ﵁ (ياقوت: "معجم البلدان ٢/٢٩، و٣٠ وابن الأثير: "اللباب ١/٢١٦) . ١٠ الحائل: "غير الحامل (النهاية لابن الأثير ١/٤٦٣) . ١١ نصب الراية للزيلعي ٤/٢٥٢".
[ ٢ / ٥٢٠ ]
ورواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن زكريا١ عن الشعبي قال: "أصاب المسلمون نساء يوم أوطاس، فأمرهم النبي ﷺ أن لا يقعوا على حامل حتى تضع ولا غير حامل حتى تحيض حيضة"٢.
قال الألباني: "إسناده مرسل صحيح، فهو شاهد٣ قوي للحديث٤".
٢٣٣- ما رواه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن عمرو٥ بن مسلم عن طاوس٦ قال: "أرسل رسول الله ﷺ مناديا في بعض مغازيه: "لا يقعن رجل على حامل، ولا حائل حتى تحيض" ٧".
حديث روفيع عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أحمد:
٢٣٤- حدثنا يعقوب٨ قال حدثنا أبي٩ عن ابن إسحاق١٠ قال: "حدثني
_________________
(١) ١ زكريا بن أبي زائدة، أبو يحيى الكوفي ثقة وكان يدلس، من السادسة/ ع (التقريب ١/٢٦١، وتهذيب التهذيب ٣/٣٢٩) . ٢ المصنف ٧/٢٢٧". ٣ الشاهد: "هو الخبر المشارك للفرد لفظا ومعنى أو معنى فقط مع الاختلاف في الصحابي، وقال بعضهم: "الشاهد ما حصل معنى سواء اتحد الصحابي أو اختلف". والمتابعة: "هي الخبر المشارك للفرد لفظا اتحد الصحابي أو اختلف وقد يطلق كل من المتابعة والشاهد على الآخر؟ (تقريب النووي ص ١٥٥ مع تدريب الرواي، وتدريب الراوي ص ١٥٥ وأطيب المنح لعبد المحسن العباد وعبد الكريم مراد ص ٢٠-٢١) . ٤ إرواء الغليل ١/٢٠٠". ٥ عمرو بن مسلم الجندي - بفتح الجيم والنون - اليماني، صدوق له أوهام، من السادسة / عخ م د ت س (التقريب ٢/٧٩ وتهذيب التهذيب ٨/١٠٤-١٠٥ وقال الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٧٩ صالح الحديث) . ٦ طاوس بن كيسان اليماني، أبو عبد الرحمن الحميري، ثقة فقيه فاضل من الثالثة (ت ١٠٦) وقيل بعد ذلك /ع (التقريب ١/٣٧٧ وتهذيب التهذيب ٥/٨) . ٧ المصنف ٧/٢٢٦-٢٢٧". ٨ يعقوب بن إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف الزهري أبو يوسف، المدني نزيل بغداد، ثقة فاضل، من صغار التاسعة (ت ٢٠٨) / ع (التقريب ٢/٣٧٤ وتهذيب التهذيب ١١/٣٨٠) . ٩ هو إبراهيم بن سعد أبو إسحاق المدني الزهري، نزيل بغداد ثقة حجة تكلم فيه بلا قادح، من الثامنة (ت ١٨٥) /ع (التقريب ١/٣٥ وتهذيب التهذيب ١/١٢١) . ١٠ هو محمد بن إسحاق بن يسار "صدوق" تقدم في حديث (١) .
[ ٢ / ٥٢١ ]
يزيد١ بن حبيب عن أبي مرزوق٢ مولى تجيب٣ عن حنش٤ الصنعاني قال: "غزونا مع روفيع٥ بن ثابت الأنصاري قرية من قرى المغرب يقال لها "جربة"٦ فقام فينا خطيبا٧ فقال: "أيها الناس إني لأقول فيكم٨ إلا ما سمعت رسول الله ﷺ يقول فينا يوم حنين، فقال: "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر يسقي ماءه زرع غيره ٩ يعني - إتيان الحبالى من السبايا - وأن يصيب١٠ امرأة ثيبا من السبي حتى يستبرئها - يعني إذا اشتراها - وأن يبيع مغنمًا حتى يقسم ١١ وأن يركب دابة من فيء
_________________
(١) ١ يزيد بن أبي حبيب واسمه سويد الأزدي مولاهم، أبو رجاء ثقة تقدم في حديث (٣٣) . ٢ أبو مرزوق التجيبي - بضم المثناة وكسر الجيم - مولاهم المصري بالميم - نزيل برقة، اسمه حبيب بن شهيد على الأشهر، ثقة من الخامسة (ت ١٥٩) / د ق (التقريب ٢/٤٧٠-٤٧١، تهذيب التهذيب ١٢/٢٢٨) . ٣ عند أحمد "وتجيب) بطن من كندة". ٤ حنش بن عبد الله، يقال بن علي بن عمرو السبائي - بفتح المهملة والموحدة بعدها همزة - أبو رشد بن الصنعاني، نزيل إفريقية، ثقة، من الثالثة (ت ١٠٠) م عم (التقريب ١/٢٠٥، تهذيب التهذيب ٣/٥٧-٥٨) ووقع في الإصابة ٣/٢٠٦ "حبيش" وهو خطأ". ٥ رويفع - بالفاء - ابن ثابت بن السكن بن عدي بن حارثة الأنصاري المدني، صحابي،) سكن مصر، وولي إمرة برقة ومات بها سنة ٥٦ / بخ د ت س (التقريب ١/٢٥٤) . (جربة) قال ياقوت: "هي بالفتح ثم السكون والباء الموحدة الخفيفة، وقد روى فيها أيضا بكسر الجيم قرية بالمغرب ثم أورد حديث رويفع هذا (معجم البلدان ٢/١١٨)، وقال ابن الأثير في: " (اللباب ١/٢٦٩)، "بفتح الجيم والراء" وقد فتحت في عهد معاوية بن أبي سفيان، بقيادة فضالة بن عبيد بن نافذ الأنصاري سنة (٤٩) (تاريخ الطبري ٥/٢٣٢) . ٧ وعند أحمد أيضا: "عن رويفع بن ثابت الأنصاري قال: "كنت مع النبي ﷺ حين افتتح حنينا فقام فينا خطيبا" الخ، وعند الطبراني "عن حنش قال: "شهدت مع رويفع بن ثابت حين فتح جربة، فلما فتحها قام فينا خطيبا فقال: "لا أقول لكم إلا ما قال لنا رسول الله ﷺ يوم حنين". ٨ وعند أبي داود والبيهقي "أما إني لا أقول لكم". ٩ قوله: "أن يسقي ماءه زرع غيره) . قال الساعاتي: "هو كناية عن وطأ الحامل، والمراد بالماء هنا "المني" وبالزرع: "ولد الغير (الفتح الرباني ١٤/١٠٥) . وقال الخطابي: "شبه ﷺ الولد إذا علق بالرحم بالزرع إذا نبت ورسخ في الأرض، وفيه كراهية وطء الحبالى إذا كان الحبل من غير الواطئ". وقال ابن قيم الجوزية: "إذا وطئ الرجل الحامل صار في الحمل جزء منه فإن الوطء يزيد في تخلقه". ثم نقل عن الإمام أحمد أنه قال: "الوطء يزيد في سمع الولد وبصره". ثم قال ابن القيم: "وقد صرح النبي ﷺ بهذا المعنى في قوله: "لا يحل لرجل أن يسقي ماءه زرع غيره" ومعلوم أن الماء الذي يسقى به الزرع يزيد فيه، ويتكون الزرع منه، وقد شبه وطء الحامل بساقي الزرع الماء، وقد جعل الله ﵎ محلّ الوطء حرثًا وشبّه النبيّ ﷺ الحمل بالزرع ووطء الحامل بسقي الزرق". (تهذيب سنن أبي داود:٦/١٩٣، مع عون المعبود (والتبيان في أقسام القرآن ص ٢٢٢-٢٢٤) . ١٠ وعند أبي داود والبيهقي "أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها". ١١ أن يبيع مغنمًا: "أي شيئا من الغنيمة حتى يقسم بين الغانمين ويخرج منه الخمس (عون المعبود ٦/١٩٥) .
[ ٢ / ٥٢٢ ]
المسلمين حتى إذا أعجفها١ ردها فيه، وأن يلبس ثوبا من فيء المسلمين حتى إذا أخلقه٢ رده فيه"٣.
والحديث رواه أبو داود عن النفيلي٤ عن محمد٥ بن سلمة عن محمد بن إسحاق حدثني يزيد بن أبي حبيب". الخ".
ثم قال: "حدثنا سعيد٦ بن منصور حدثنا أبو معاوية٧ عن ابن إسحاق بهذا الحديث قال: "حتى يستبرئها بحيضة" زاد فيه: "بحيضة" وهو وهم من أبي معاوية٨".
وهو صحيح في حديث أبي سعيد".
ثم قال: "قال أبو داود: "الحيضة ليست بمحفوظة" وهو وهم من أبي معاوية٩".
_________________
(١) ١ أعجفها: "أضعفها وأهزلها (النهاية ٣/١٨٦) . وفي عون المعبود: "قال في الفتح: "وقد اتفقوا على جواز ركوب دوابهم - يعني أهل الحرب - ولبس ثيابهم، واستعمال سلاحهم حال الحرب، ورد ذلك بعد انقضاء الحرب". وشرط الأوزاعي فيه إذن الإمام، وعليه أن يرد كلما فرغت حاجته ولا يستعمله في غير الحرب، ولا ينتظر برده انقضاء الحرب لئلا يعرضه للهلاك". قال: "وحجته حديث رويفع المذكور". (عون المعبود ٧/٣٧٦) . ٢ أخلقه: "بالقاف أي أبلاه". (مختار الصحاح ص ١٨٧) (مسند أحمد: "٤/١٠٨) . ٤ هو عبد الله بن محمد بن علي بن نفيل "ثقة حافظ" تقدم". ٥ هو الباهلي الحراني ثقة تقدم في حديث (٣٢) . ٦ سعيد بن منصور أبو عثمان الخراساني صاحب السنن"ثقة"تقدم في حديث (١٤٦) . ٧أبو معاوية الضرير محمد بن خازم"ثقة"أحفظ الناس لحديث الأعمش تقدم حديث (١٤٦) . ٨ المعنى أن لفظ "حيضة" ليست بمحفوظة في حديث رويفع بن ثابت، وإنما فيه مجرد الاستبراء بدون قيد "بحيضة" وزيادتها وهم من أبي معاوية". ولفظ "الحيضة" صحيح في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - "بلفظ: "لا توطأ حامل حتى تضع ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" تقدم في ص ٥٠٧ (عون المعبود ٦/١٩٥-١٩٦) . (سنن أبي داود ١/٤٩٧-٤٩٨ كتاب النكاح باب وطء السبايا و٢/٦١ كتاب الجهاد، باب في الرجل ينتفع من الغنيمة بشيء) .
[ ٢ / ٥٢٣ ]
ورواه الطبراني من طريق إبراهيم بن سعد عن محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب به١". دون ذكر السبايا".
ورواه البيهقي من طريق يونس٢ بن بكير عن محمد بن إسحاق، ومن طريق أبي داود عن النفيلي عن محمد بن سلمة عن محمد بن إسحاق، ثم ساق حديث محمد بن إسحاق الوارد فيه أن خطبة رويفع كانت يوم "حنين".
ثم قال: "وفي رواية ابن بكير قال: "غزونا مع أبي٣ رويفع الأنصاري، فذكره وقال: "يوم "خيبر" وزاد أن يصيب امرأة من السبي ثيبة".
والصحيح رواية محمد بن سلمة٤".
والحديث رواه الدارمي والطبراني وأحمد٥ بن خالد الوهبي ثنا محمد بن إسحاق عن يزيد بن أبي حبيب به٦".
وابن سعد من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن إسحاق عن يزيد ابن أبي حبيب عن فلان٧ الجيشاني أو قال عن أبي مرزوق مولى تجيب عن حنش عن رويفع به٨".
وابن حبان من طريق ربيعة٩ بن سليم التجيبي عن حنش بن عبد الله
_________________
(١) (المعجم الكبير ٥/١٥) . ٢ هو ابن واصل الشيباني "صدوق يخطئ" تقدم". ٣ لعل لفظ "أبي" خطأ لأنني لم أجد في ترجمته أن كنيته أبو رويفع". (السنن الكبرى ٧/٤٤٩) . ٥ أحمد بن خالد الوهبي "صدوق" تقدم في حديث (٣٢) . (سنن الدارمي ٢/١٤٥، كتاب السير، باب في استبراء الأمة، والطبراني المعجم الكبير٥/١٤) . ٧ هكذا عند ابن سعد "عن فلان الجيشاني أو قال عن أبي مرزوق" وكل الطرق التي وقفت عليها فإن يزيد بن أبي حبيب يروي عن أبي مرزوق مباشرة، ولم أجد ترجمة فلان هذا، إلا إذا كان أبو مرزوق يقال له الجيشاني فالله أعلم". (الطبقات الكبرى ٢/١١٤-١١٥)، وقال: "عن رويفع بن ثابت البلوي وهو خطأ فإن رويفع بن ثابت البلوي ليس له رواية في الكتب الستة ولذا لم يورده ابن حجر في التقريب وهذا الحديث من رواية رويفع بن ثابت الأنصاري، وقد ذكر رويفع البلوي في (٤/٣٥٤)، من الطبقات) . وفي الإصابة (١/٥٢٢): "رويفع بن ثابت البلوي، غير رويفع بن ثابت الأنصاري قاله ابن فتحون". ٩ ربيعة بن سليم بن أبي سليم أو ابن سليمان التجيبي مولاهم أبو عبد الرحمن، ويقال أبو مرزوق، المصري، مقبول من السابعة /ت (التقريب ١/٢٤٦ وفي تهذيب التهذيب ٣/٢٥٥) ذكره ابن حبان في الثقات، له في الترمذي حديث واحد في النهي عن سقي مائه زرع غيره وقد ذكر الألباني في إرواء الغليل (٧/٢١٣)، بأن ربيعة بن سليم هو أبو مرزوق التجيبي وهو خطأ فإن أبا مرزوق اسمه جبير بن شهيد كما في (التقريب ٢/٤٧٠-٤٧١) .
[ ٢ / ٥٢٤ ]
الشيباني١ عن رويفع به". الجميع بلفظ "يوم خيبر"٢ دون ذكر السبايا".
ورواه الطبراني من طريق ربيعة بن أبي سليم أنه سمع حنشا الصنعاني يحدث عن رويفع به٣".
وأحمد من طريق الحارث٤ بن يزيد عن حنش الصنعاني عن رويفع به٥".
وابن الجارود من طريق أبي مرزوق التجيبي عن حنش الصنعاني عن رويفع به٦".
والترمذي من طريق ربيعة٧ عن سليم عن بسر٨ بن عبيد الله عن رويفع بن ثابت به". بدون تقييد بغزوة خيبر أو حنين".
ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن".
وقد روي من غير وجه عن وريفع بن ثابت".
والعمل على هذا عند أهل العلم، لا يرون للرجل، إذا اشترى جارية وهي حامل، أن يطأها حتى تضع٩". وفي الباب عن ابن عباس١٠
_________________
(١) ١ كذا وقع عند ابن حبان "الشيباني" بالشين المعجمة والمثناة التحتانية، والذي في التقريب والتهذيب بالسين المهملة والباء الموحدة". (موارد الظمآن ص ٤٠٣) . (المعجم الكبير ٥/١٥) . ٤ الحارث بن يزيد الحضرمي، أبو عبد الكريم المصري، ثقة ثبت عابد، من الرابعة (ت ١٣٠) / م د س ق (التقريب ١/١٤٥ وتهذيب التهذيب ٢/١٦٣) . (المسند ٤/١٠٨و١٠٩) . (المنتقى ص ٢٤٤) . ٧ يقال فيه ربيعة بن سليم، وربيعة بن أبي سليم انظر ترجمته ص (٥١٢) . ٨ بسر بن عبيد الله الحضرمي الشامي "ثقة حافظ" من الرابعة / ع (التقريب ١/٩٧ وتهذيب التهذيب ١/٤٣٨) وقد وقع في التقريب بسر "بن عبد الله" وفي تهذيب التهذيب ٣/٢٥٥ والإصابة ١/٥٢٢ "بشر" بالشين المعجمة والصواب بالسين المهملة كما ذكره ابن حجر في التقريب وتهذيب التهذيب في باب "السين المهملة" وانظر: " (الخلاصة للخزرجي ١/١٢٢) . (سنن الترمذي ٢/٢٩٩ كتاب النكاح، باب الرجل يشتري الجارية وهي حامل". ١٠ حديث ابن عباس أخرجه النسائي في سننه (٧/٢٦٤ كتاب البيوع، باب بيع المغنم قبل أن تقسم من طريق مجاهد عن ابن عباس) . والدارقطني في سننه ٣/٢٥٧ من طريق عكرمة عن ابن عباس، والحاكم في (المستدرك ٢/١٣٧)، من طريق مجاهد عن ابن عباس، وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي وسياقه عنده "عن ابن عباس ﵄ قال: "نهى رسول الله ﷺ يوم خيبر عن بيع المغانم حتى تقسم وعن الحبالى أن يوطأن حتى يضعن ما في بطونهن، وقال: "أتسقي زرع غيرك؟ وعن أكل لحوم الحمر الإنسية وعن لحم كل ذي ناب من السباع".
[ ٢ / ٥٢٥ ]
وأبي الدرداء١ والعرباض٢ بن سارية، وأبي سعيد٣".
وحديث رويفع قد حسنه الترمذي كما تقدم٤".
حديث أبي هريرة ﵁ عند الطبراني من طريق:
٢٣٥- بقية بن الوليد عن إسماعيل بن عياش عن الحجاج بن أرطاة عن داود بن أبي هند عن الشعبي عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه نهى في وقعة أوطاس أن يقع الرجل على الحامل حتى تضع" ثم قال الطبراني:
لم يروه عن داود بن أبي هند إلا الحجاج، تفرد به إسماعيل بن عياش ولا رواه عن إسماعيل إلا بقية٥".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني في الصغير والأوسط وفيه بقية٦ والحجاج٧ بن أرطاة وكلاهما مدلس٨".
_________________
(١) ١ أبو الدرداء هو عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري وحديثه أخرجه مسلم في صحيحه (٢/١٠٦٥-١٠٦٦ كتاب النكاح، باب تحريم وطء الحامل المسيبة "وأبو داود في سننه ١/٤٩٧ كتاب النكاح باب وطء السبايا، وأبو داود الطيالسي منحة المعبود ١/٢٣٩، وأحمد في مسنده ٥/١٩٥) . وسياق الحديث عند مسلم عن أبي الدرداء عن النبي ﷺ أنه أتى بأمرأة مجح على باب فسطاط فقال: "لعله يريد أن يلم بها" فقالوا: "نعم فقال رسول الله ﷺ "لقد هممت أن ألعنه لعنا يدخل معه قبره كيف يورثه وهو لا يحل له؟ كيف يستخدمه وهو لا يحل له؟ " (والمجح هي الحامل التي قربت على ولادتها) . ٢ حديث العرباض أخرجه الترمذي في سننه: " (٣/١٨ كتاب الصيد، باب ما جاء في كراهية أكل المصبورة و٦٣ كتاب السير باب ما جاء في كراهية وطء الحبالى من السبايا، وأحمد في مسنده ٤/١٢٧ والحاكم في المستدرك ٢/١٣٥)، الجميع من طريق أم حبيبة بنت العرباض بن سارية عن أبيها". وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". ومال الألباني إلى قول الترمذي بتضعيف هذا الحديث قال لأن أم حبيبة بنت العرباض "لم يرو عنها غير واحد، ولم يوثقها أحد لكن لا بأس بهذا الطريق في الشواهد" (إرواء الغليل ١/٢٠١) . ٣ حديث أبي سعيد تقدم برقم (٢٣١) . ٤ تقدم برقم (٢٣٤) . (المعجم الصغير ١/٩٥) . ٦ بقية بن الوليد قال عنه ابن حجر في التقريب ١/١٠٥ "صدوق كثير التدليس عن الضعفاء". ٧ قال عنه ابن حجرفي التقريب ١/١٥٢: "صدوق كثير الخطأ والتدليس". (مجمع الزوائد ٥/٤ والتلخيص الحبير لابن حجر ١/١٧٢) . وقد جاء في حديث جابر بن عبد الله بإسناد صحيح عند الطيالسي كما في منحة المعبود ١/١٣٩ أن رسول الله ﷺ "نهى أن توطأ الحبالى من السبي". وعن علي ﵁ عند ابن أبي شيبة في مصنفه قال نهى رسول الله ﷺ أن توطأ الحامل حتى تضع، أو الحائل حتى تستبرأ بحيضة وقال ابن حجر: في التلخيص الحبير١/١٧٢ لكن في إسناده ضعف وانقطاع".وانظر نصب الراية للزيلعي٤/٢٥٢-٢٥٣".
[ ٢ / ٥٢٦ ]
وقد ذهب الألباني إلى أن حديث أبي سعيد الخدري صحيح بمجموع هذه الطرق١".
وهذه الأحاديث تدل على جواز وطء السبايا بوضع الحمل من ذوات الأحمال وبحيضة من غير ذوات الأحمال، وعلى أنه لا يجوز الوطء قبل الاستبراء، وفي أثناء الحمل". وتدل أيضا على أن النكاح الأول يبطل بوقوع السبي، سواء سبيت المرأة وحدها أم مع زوجها، سواء كانت المسبية كتابية أم غير كتابية، كما هو الظاهر من هذه الأحاديث".
ثم إن جمهور العلماء على إباحة وطء الأمة الكتابية بملك يمين، لعموم قوله تعالى: ﴿إِلاَّ عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾، [سورة المؤمنون، من الآية: "٦]، ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم، وأما إن كانت الأمة المملوكة مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم، فجمهور العلماء على منع وطئها بملك يمين حتى تسلم".
قال النووي: "واعلم أن مذهب الشافعي ومن قال بقوله من العلماء أن المسبية من عبدة الأوثان وغيرهم من الكفار الذين لا كتاب لهم، لا يحل وطؤها بملك اليمين حتى تسلم، فما دامت على دينها فهي محرمة".
وهؤلاء المسبيات كن من مشركي العرب٢ عبد الأوثان، فيؤول هذا الحديث٣ وشبهه على أنهن أسلمن، وهذا التأويل لا بد منه والله أعلم"٤". أهـ".
وأورد الشنقيطي نحو هذا ثم قال: "قال مقيده عفا الله عنه: "الذي يظهر من جهة الدليل - والله تعالى أعلم - جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية، لأن أكثر السبايا في عصره ﷺ من كفارالعرب وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن، ولو كان حراما لبينه، بل قال ﷺ: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة" ولم يقل حتى يسلمن ولو كان ذلك شرطا لقاله".
_________________
(١) (إرواء الغليل ١/٢٠٠-٢٠١ و٧/٢١٣ وصحيح الجامع الصغير ١/٣١٧) . ٢ يريد سبي أوطاس". ٣ يريد حديث أبي سعيد الخدري المتقدم برقم (٢٣٠) . ٤ شرح النووي على صحيح مسلم (٣/٦٣٧-٦٣٨ والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٨١-٢٨٢ وأضواء البيان للشنقيطي ١/٢٨٦) .
[ ٢ / ٥٢٧ ]
"وقد اخذ الصحابة السبايا فارس وهم مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن"١.
وقد رد ابن القيم على القائلين باشتراط الإسلام، فإنه أورد حديث أبي سعيد الخدري الوارد في سبايا أوطاس ثم قال: "ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله ﷺ في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام حتى خفي عليهم حكم هذه المسألة وحصول الإسلام من جميع السبايا وكانوا عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهم عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في لإسلام ما تقتضي مبادرتهن إليه جميعا، فمقتضى السنة، وعمل الصحابة في عهد رسول الله ﷺ وبعده جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاوس وغيره".
ومما يدل على عدم اشتراط إسلامهن، ما روى الترمذي في "جامعه" عن عرباض بن سارية، أن النبي ﷺ حرم وطء السبايا حتى يضعن ما في بطونهن"٢".
فجعل للتحريم غاية واحدة وهي وضع الحمل، ولو كان متوقفا على الإسلام لكان بيانه أهم من بيان الاستبراء".
وفي (السنن) و(المسند) "لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يقع على امرأة من السبي حتى يستبرئها" ٣".
ولم يقل: "حتى تسلم، ولأحمد: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا ينكحن شيئا من السبايا حتى تحيض"٤".
ولم يقل: "تسلم".
وفي (السنن) "قال رسول الله ﷺ في سبايا أوطاس: "لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير حامل حتى تحيض حيضة واحدة".
_________________
(١) (أضواء البيان ١/٢٨٦) . ٢ تقدم تخريج الحديث في ص ٥١٤ تعليقة (٢) . ٣ انظر حديث (٢٣٤) . ٤ الحديث في مسند أحمد ٤/١٠٩ من حديث رويفع بلفظ: "ولا ينكح ثيبا من السبي حتى تحيض".
[ ٢ / ٥٢٨ ]
"ولم يقل: "وتسلم، فلم يجيء عنه اشتراط إسلام المسبية في موضع واحد البتة"١".
وقال في أثناء الكلام على سبايا بنى المصطلق في وقوع جويرية أم المؤمنين في سهم ثابت بن قيس وهي من صريح العرب، ولم يكونوا يتوقفون في وطء سبايا العرب على الإسلام، بل كانوا يطؤونهن بعد الاستبراء، وأباح الله لهم ذلك، ولم يشترط الإسلام، بل قال تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [النساء، من الآية: "٢٤] . فأباح وطء ملك اليمين، وإن كانت محصنة إذا انقضت عدتها بالاستبراء".
وقال له سلمة بن الأكوع، لما استوهبه الجارية الفزارية من السبي: "والله يا رسول الله: "لقد أعجبتني، وما كشفت لها ثوبا"٢ ولو كان وطؤها حراما قبل الإسلام عندهم، لم يكن لهذا القول معنى، ولم تكن قد أسلمت، لأنه قد فدى بها ناسا من المسلمين بمكة، والمسلم لا يفادى به، وبالجملة فلا نعرف في أثر واحد قط اشتراط الإسلام منهم قولا أو فعلا في وطء المسبية، فالصواب الذي كان عليه هديه وهدي أصحابه استرقاق العرب، ووطء إمائهن المسبيات بملك اليمين من غير اشتراط الإسلام"٣". إهـ".
وهذا الذي ذهب إليه ابن القيم واضح في غاية الوضوح، وقد رجحه الشوكاني أيضا٤".
ومما اختلفوا فيه، في هذا الباب:
١- هل جواز وطء المسبية وانفساخ نكاحها من زوجها الكافر، مشروط بسبيها وحدها، أو ذلك يحصل ولو سبيت مع زوجها؟
ذهب الشافعي إلى العموم فقد نقل عنه البيهقي قوله: "سبى رسول الله ﷺ سبي أوطاس وسبي بني المصطلق وأسر من رجال هؤلاء وهؤلاء، وقسم السبي فأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض ولم يسأل عن ذات زوج ولا غيرها، ولا هل سبي زوج مع امرأته ولا غيره"٥.إهـ.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٥/١٣١-١٣٣ وانظر حديث (٢٣١) . ٢ أخرجه مسلم في صحيحه: " (٣/١٣٧٥)، كتاب الجهاد والسير، باب في التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى". (زاد المعاد ٣/١١٣-١١٤) . (نيل الأوطار ٦/٣٤٧ وتحفة الأحوذي ٨/٣٧٠) . (السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٢٤ وانظر الأم للشافعي ٤/١٨٤) .
[ ٢ / ٥٢٩ ]
ورجح هذا ابن القيم ورد على القائلين بخلافه١.
وقال الخطابي٢ في "المعالم" في الحديث٣ بيان أن الزوجين إذا سبيا معا فقد وقعت الفرقة بينهما كما لو سبى أحدهما دون الآخر، وإلى هذا ذهب مالك والشافعي وأبو ثور٤".
واحتجوا بأن رسول الله ﷺ قسم السبي وأمر أن لا توطأ حامل حتى تضع ولا حائل حتى تحيض، ولم يسأل عن ذات زوج وغيرها، ولا عمن كانت سبيت منهن مع الزوج أو وحدها، فدل على أن الحكم في ذلك واحد".
وقال أبو حنيفة: "إذا سبيا جميعا فهما على نكاحهما٥". إهـ.
وقال ابن قدامة: "وإذا سبي المتزوج من الكفار لم يخل من ثلاثة أحوال:
أحدها: "أن يسبي الزوجان معا فلا ينفسخ نكاحهما وبهذا قال أبو حنفية والأوزاعي. وقال مالك والثوري والليث والشافعي وأبو ثور ينفسخ نكاحهما لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [النساء، من الآية: "٢٤]، والمحصنات المتزوجات "إلا ما ملكت أيمانكم" بالسبي، قال أبو سعيد الخدري: "نزلت هذه الآية في سبي أوطاس، وقال ابن عباس: "إلا ذوات الأزواج من المسبيات، ولأنه استولى على محل حق الكافر فزال ملكه كما لو سباها وحدها".
الحال الثاني: "أن تسبي المرأة وحدها فينفسخ النكاح بلا خلاف علمناه، والآية دالة عليه، وقد روى أبو سعيد الخدري، قال: "أصبنا سبايا يوم أوطاس ولهن أزواج في قومهن فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فنَزلت: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [النساء، من الآية: "٢٤] .
إلا أن أبا حنيفة قال: "إذا سبيت المرأة وحدها ثم سبى زوجها بعدها بيوم لم ينفسخ النكاح".
_________________
(١) (زاد المعاد ٥/١٣١، وانظر أضواء البيان للشنقيطي١/٢٨٣) . ٢ هو الإمام العلامة المفيد المحدث الرحال أبو سليمان حمد بن محمد بن إبراهيم". ٣ يريد حديث أبي سعيد الخدري المتقدم برقم (٢٣٠) . ٤ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي، أبو ثور الفقيه، صاحب الشافعي، ثقة (التقريب ١/٣٥) . (عون المعبود ٦/١٩١-١٩٢) .
[ ٢ / ٥٣٠ ]
الحال الثالث: "سبي الرجل وحده فلا ينفسخ النكاح لأنه لا نص فيه ولا القياس يقتضيه، وقد سبى النبي ﷺ سبعين من الكفار يوم بدر فمن على بعضهم وفادى بعضا فلم يحكم عليهم بفسخ أنكحتهم١". إهـ".
فأنت ترى أن القائلين بعدم فسخ النكاح فيما إذا سبيا معا، هم أبو حنيفة وأحمد والأوزاعي، وقد مال صاحب المغني إلى هذا ودافع عنه".
والظاهر في هذا أن الصواب ما ذهب إليه الشافعي ومالك وغيرهما لما سبق بيانه والله أعلم".
٢- هل بيع الأمة يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾، [النساء، من الآية: "٢٤] . ذهب جماعة من العلماء إلى الأخذ بعموم الآية ورأوا أن بيع الأمة طلاق لها من زوجها٢".
قال ابن كثير: "وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها، لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة٣، وباعها مسلوبة عنها، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة٤ المخرج في الصحيحين وغيرهما فإن عائشة اشترتها واعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله ﷺ بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء، ما خيرها النبي ﷺ، فلما خيرها دل على بقاء النكاح وأن المراد من الآية المسبيات فقط"٥".
وقال الشنقيطي: "وهو التحقيق في هذه المسألة"٦. إهـ.
قلت: "وهو الظاهر المتبادر من النصوص، والله أعلم".
_________________
(١) (المغني ٨/٤٢٧ باختصار وتصرف، والإنصاف ٤/١٣٥-١٣٦) . ٢ ممن قال بهذا من الصحابة رضوان الله عليهم: "عبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله، وأبي بن كعب، وأنس بن مالك ومن التابعين: "إبراهيم النخعي، والحسن البصري، وسعيد بن المسيب". انظر: " (جامع البيان للطبري ٥/٢-٤، وتفسير ابن كثير: "١/٤٧٣-٤٧٤) . ٣ حيث زوجها لغيره". ٤ حديث بريرة في صحيح البخاري (٧/٤٢ كتاب الطلاق، باب شفاعة النبي ﷺ في زوج بريرة وصحيح مسلم ٢/١١٤٣ كتاب العتق، باب إنما الولاء لمن أعتق) . (تفسير ابن كثير ١/٤٧٣-٤٧٤، والبداية والنهاية له ٤/٣٣٩-٣٤٠) . (أضواء البيان ١/٢٨٢) .
[ ٢ / ٥٣١ ]
الحكم الثاني: وقوع العزل في أوطاس
العزل هو نزع الذكر بعد الإيلاج لينْزل خارج الفرج، وكان الصحابة يفعلون ذلك مع الإماء خشية أن تحمل الأمة فيمتنع بيعها لأنها تصير بذلك أم ولد١".
وقد جاء في هذا ما رواه الطّحاوي من حديث أبي سعيد الخدري وهذا سياقه:
٢٣٦- قال: "حدثنا نصر٢ بن مرزوق قال ثنا الخصيب٣ وقال ثنا وهيب٤ عن موسى٥ بن عقبة عن محمد٦ بن يحيى بن حبان عن ابن محيريز٧ عن أبي سعيد٨ الخدري أنهم أصابوا سبايا يوم أوطاس، فأرادوا أن يستمعوا منهن ولا تحملهن، فسألوا النبي ﷺ عن ذلك فقال: "لا عليكم أن لا تفعلوا، فإن الله ﷿ قد كتب من هو خالق إلى يوم القيامة" ٩".
_________________
(١) ١ انظر: " (هدي الساري ص: "١٥٦، والمصباح المنير للفيومي ٢/٤٨٥) . ٢ نصر بن مرزوق أبو الفتح المصري، روى عن الخصيب بن ناصح وغيره". قال ابن أبي حاتم: "كتبنا عنه، وهو "صدوق" (الجرح والتعديل ٨/٤٧٢) . ٣ الخصيب - بفتح أوّله وكسر المهملة - ابن ناصح الحارثي البصري، نزيل مصر صدوق يخطئ من التاسعة (ت ٢٠٨)، وقيل: " (٢٠٧هـ)، / سي (التقريب ١/٢٢٣)، وقال: "أبو زرعة: "ما به بأس إن شاء الله، وذكره ابن حبان في الثقات". وقال: "ربما أخطأ (تهذيب التهذيب ٣/١٤٣، والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٣٩٧ والخلاصة ١/٢٨٩-٢٩٠) . ٤ وهيب - بالتصغير - ابن خالد بن عجلان، الباهلي مولاهم أبو بكر البصري، ثقة ثبت، لكنه تغير قليلًا بآخره من السابعة (ت١٦٥) وقيل بعدها/ ع (التقريب ٢/٣٣٩ وتهذيب التهذيب ١١/١٦٩) . ٥ موسى بن عقبة بن أبي عياش، ثقة فقيه إمام في المغازي تقدم في حديث ٥٢". ٦ محمد بن يحيى بن حبان - بفتح المهملة وتشديد الموحدة - ابن منقذ الأنصاري المدني، ثقة فقيه، من الرابعة (ت ١٢١) /ع (التقريب ١/٢١٦، وتهذيب التهذيب ٦/٥٠٧) . ٧ هو عبد الله بن محيريز - بالمهملة وراء آخره زاي مصغرا - ابن جنادة بن وهب الجمحي - بضم الجيم وفتح الميم بعدها مهملة المكي، كان يتيمًا في حجر أبي محذورة بمكة، ثم نزل بيت المقدس ثقة عابد، من الثالثة (ت ٩٩) وقيل بعدها / ع (التقريب ١/ ٤٤٩، وتهذيب التهذيب ٦/٣٢) . ٨ أبو سعيد الخدري هو سعد بن مالك بن سنان بن عبيد الأنصاري له ولأبيه صحبة، استصغر في أحد، ثم شهد ما بعدها (التقريب ١/٢٨٩) . (شرح معاني الآثار ٣/٣٣) .
[ ٢ / ٥٣٢ ]
وما رواه أحمد وأبو يعلى من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا وهذا سياق أحمد قال:
٢٣٧- ثنا أبو نعيم١ حدثنا يونس٢ حدثني أبو الوداك٣ جبر بن نوف قال: "حدثني أبو سعيد قال: "أصبنا سبايًا يوم حنين، فكنا نعزل عنهن نلتمس أن نفاديهن من أهلهن، فقال بعضنا لبعض: "تفعلون هذا وفيكم رسول الله ﷺ ائتوه فسلوه، فأتيناه أو ذكرنا ذلك له، فقال: " ما من كل ماء يكون الولد إذا قضى الله أمرًا كان". الحديث٤.
والحديث روى عن أبي سعيد من طريقين:
الأولى: "فيها الخصيب وهو "صدوق يخطئ".
والثانية: "فيها أبو الوداك وهو "صدوق يهم"٥".
والحديث بطريقه يعتضد ويرتقي إلى درجة الحسن لغيره٦، وهو يدل على أن السؤال عن العزل وقع في غزوة أوطاس، وفي الصحيحين وغيرهما من طريق ابن محيريز عن أبي سعيد الخدري، أن ذلك كان في غزوة بني المصطلق وهي متقدمة على غزوة حنين". وسياق الحديث:
٢٣٨- عن أبي سعيد قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في غزوة بني المصطلق فأصبنا سبيا من سبي العرب، فاشتهينا النساء، واشتدت علينا العزبة، وأحببنا
_________________
(١) ١ هو الفضل بن دكين - مصغرا - الكوفي واسم دكين عمر بن حماد بن زهير، التيمي مولاهم، الأحول، أبو نعيم الملائي - بضم الميم - مشهور بكنيته ثقة ثبت، من التاسعة (ت ٢١٨) وقيل (٢١٩) وهو من كبار شيوخ البخاري / ع (التقريب ٢/١١٠ وتهذيب التهذيب ٨/٢٧٠ والمغني لابن طاهر الهندي ص ٣١) . ٢ يونس بن إسحاق السبيعي، أبو إسرائيل الكوفي، صدوق يهم قليلا من الخامسة (ت ١٥٢) على الصحيح /ز م ع (التقريب ٢/٣٨٤ وتهذيب التهذيب ١١/٤٣٣) . وختم الذهبي ترجمته بقوله: "صدوق ما به بأس" (ميزان الاعتدال ٤/٤٨٣) . ٣ أبو الوداك صدوق يهم تقدم في حديث (٢٣١) . ٤ أحمد: " (المسند ٣/٨٢) . وأبو يعلى: " (المسند ٢/١٣٢ برقم ٣٠٢) . ٥ انظر: " (التقريب ١/١٢٥) . ٦ في (أطيب المنح لعبد المحسن العباد وعبد الكريم مراد ص ١٦) . الحسن لغيره هو الخبر المتوقف عن قبوله كرواية المستور ونحوه إذا توبع بمثله أو أقوى منه.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
العزل، فأردنا أن نعزل وقلنا نعزل ورسول الله ﷺ بين أظهرنا قبل أن نسأله، فسألناه عن ذلك فقال: "ما عليكم أن لا تفعلوا، ما من نسمة كائنة إلى يوم القيامة إلا وهي كائنة" لفظ البخاري١.
ولعل السؤال عن هذه المسألة حصل في الغزوتين معا، ولا مانع من ذلك خاصة إذا عرفنا أن كثيرًا ممن حضروًا غزوة حنين لم يكونوا موجودين في غزوة بني المصطلق، مما يدل على خفاء مثل هذا الحكم على بعض منهم فلا يستبعد أن يسأل عن هذا الحكم في غزوة أوطاس أيضًا".
والحديث يدل على جواز العزل وعلى أنه لا يمنع شيئًا أراده الله وقدره من إيجاد ولد وعدمه".
٢٣٩- وفي حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - أن رجلًا أتى رسول الله ﷺ فقال: "إن لي جارية هي خادمنا وسانيتنا وأنا أطوف عليها وأنا أكره أن تحمل، فقال: "اعزل عنها إن شئت فإنه سيأتيها ما قدر لها".
فلبث الرجل ثم أتاه فقال: "إن الجارية قد حبلت، فقال: "قد أخبرتك أنه سيأتيها ما قدر لها" ٢.
والخلاف في حكم العزل بين العلماء مشهور وقد تناولت هذه المسالة في غزوة بني المصطلق بأوسع من هذا٣".
_________________
(١) (صحيح البخاري ٣/١٢٩ كتاب العتق، باب من ملك من العرب رقيقا و٥/٩٦ كتاب المغازي، باب غزوة بني المصطلق من خزاعة و٨/١٠٤ كتاب القدر، باب وكان أمر الله قدرا مقدورا، وصحيح مسلم ٢/١٠٦١-١٠٦٥)، كتاب النكاح باب حكم العزل". (صحيح مسلم ٢/١٠٦٤ كتاب النكاح باب حكم العزل، سنن أبي داود ١/٥٠١ كتاب النكاح، باب العزل واللفظ لمسلم) . (ص ٣٣١) .
[ ٢ / ٥٣٤ ]
الحكم الثالث: في مسئلة المتعة
الحكم الثالث: في مسألة المتعة
المتعة في اللغة الانتفاع١.
وفي الاصطلاح: "هي نكاح مؤقت إلى أجل مسمى، لا توارث فيه ولا طلاق، ينفسخ بانتهاء أجله".
وكان هذا النكاح مباحا في أوّل الإسلام ثم حرم في فتح مكة تحريما مؤبدًا٢".
وأطلق فتح مكة على أوطاس لاتصال الغزوتين ووقوعهما في سفرة واحدة، لأن عزوة أوطاس ناشئة عن فتح مكة٣".
وقد جاء في إباحة المتعة عام أوطاس ما رواه مسلم وأحمد والدارقطني والبيهقي وأبو الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي من طريق الدارقطني الجميع من طريق:
٢٤٠- أبي العميس٤ عن إياس بن سلمة عن أبيه٥، قال: "رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثا، ثم نهى عنها" لفظ مسلم٦".
ولفظ أحمد: "وخص رسول الله ﷺ في متعة النساء عام أوطاس ثلاثة أيام ثم نهى عنها "٧".
قال النووي: "قوله "رخص رسول الله ﷺ عام أوطاس في المتعة ثلاثًا ثم نهى عنها" هذا تصريح بأنها أبيحت يوم فتح مكة، وهو ويوم أوطاس شيء واحد".
وقال أيضًا: "والصواب المختار أن التحريم والإباحة كانا مرتين، وكانت حلالا قبل خيبر، ثم حرمت يوم خيبر، ثم أبيحت يوم فتح مكة وهو يوم أوطاس، لاتصالهما،
_________________
(١) (النهاية لابن الأثير ٤/٢٩٢، هدي الساري لابن حجر ص ١٨٥) . (شرح النووي على صحيح مسلم٣/٥٥٤وانظر نكاح المتعة للأهدل ص٦١-٦٢) . (السنن الكبرى للبيهقي ٧/٢٠٤) . ٤ هو عتبة بن عبد الله أبو العميس - بمهملتين مصغرا - الهذلي المسعودي الكوفي (التقريب ٢/٤، تهذيب التهذيب ٧/٩٧) . ٥ هو سلمة بن الأكوع أبو مسلم وأبو إياس صحابي جليل". (صحيح مسلم ٢/١٠٢٣ كتاب النكاح، باب نكاح المتعة) . (مسند أحمد ٤/٥٥ والدارقطني: "السنن ٣/٢٥٨ والبيهقي: "السنن الكبرى ٧/٢٠٤، وأبو الفتح المقدسي تحريم نكاح المتعة ص ١١١) .
[ ٢ / ٥٣٥ ]
ثم حرمت بعد ثلاثة أيام مؤبدا إلى يوم القيامة، واستمر التحريم"١.إهـ. ثم نقل عن القاضي عياض قوله: "واتفق العلماء على أن هذه المتعة كانت نكاحا إلى أجل لا ميراث فيها، وفراقها يحصل بانقضاء الأجل من غير طلاق".
ووقع الإجماع بعد ذلك على تحريمها من جميع العلماء إلا الروافض". وكان ابن عباس - ﵁ - يقول: "بإباحتها، ورُوِيَ عنه أنه رجع عنه".
قال: "وأجمعوا على أنه متى وقع نكاح المتعة الآن حكم ببطلانه سواء كان قبل الدخول أو بعده إلا ما سبق عن زفر! ٢".
وفي المسألة خلاف طويل في وقت تحريم المتعة وإباحتها، وهل تكررت الإباحة والتحريم أولًا، وهل يوجد من يقول بها سوى الشيعة أو لا، هذا ليس من مقصودنا في هذا المقام وإنما المقصود هنا هو توجيه حديث سلمة بن الأكوع، الوارد فيه أن المتعة أحلت يوم أوطاس، وقد ظهر من أقوال العلماء أن المراد بذلك يوم فتح مكة، وأطلق ذلك على أوطاس لاتصال الغزوتين".
وقد تقدم حديث ابن عباس وغيره أن النبي ﷺ خرج إلى حنين في رمضان والناس مختلفون فصائم ومفطر٣ والمعروف عند العلماء أن خروجه ﷺ إلى غزوة حنين كان في شهر شوال، وأن خروجه في رمضان إنما كان في غزوة الفتح وبهذا القدر أكتفي في توجيه حديث سلمة بن الأكوع وهو أنّ صحيح في ذلك أن المتعة حرمت في فتح مكة بعد إباحتها ثلاثة أيام، وأطلق ذلك على عام أوطاس لوقوعها عقب الفتح مباشرة٤".
_________________
(١) (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٥٣ و٥٥٦ وفتح الباري ٩/١٦٩، و١٧٠، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٧/٢٠٤ ورسالة الأهدل ص ١٦٢-١٦٦) . (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٥٥٢و٥٥٣و٥٥٤ وفتح الباري ٩/١٧٣-١٧٤ ونيل الأوطار ٦/١٥٤-١٥٦) . وقد نقل ابن قدامة في المغني ٦/٦٤٤ عن زفر "صحة النكاح وبطلان الشرط". ونقل بن حجر: "عن أبي الفتح الأزدي أنه قال: "زفر غير مرضي المذهب والرأي إهـ، وهذا القول من الأزدي فيه نظر وإن كان قول زفر بصحة نكاح المتعة الآن مردود، إلا أن الإطلاق بأن زفر غير مرضي المذهب والرأي فيه نظر وذلك لأن الرجل قد وصف بالعبادة والعلم والصدق، وإن كان قد غلب عليه القول برأي أبي حنيفة ومن ثم ضعف في الحديث (وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٣١٧-٣١٩، وميزان الاعتدال للذهبي ٢/٧١ واللسان لابن حجر ٢/٤٧٦) . ٣ تقدم الحديث برقم (٣١) وتوجيه ابن حجر له". ٤ وقد أوجزت القول في حكم المتعة لكثرة الدراسات القديمة والحديثة المتصلة بهذا الموضوع ومن خير من استوعب أحكام المتعة من المعاصرين فضيلة الشيخ محمد عبد الرحمن الأهدل في رسالة الماجستير بعنوتن مرويات نكاح المتعة".
[ ٢ / ٥٣٦ ]
الحكم الرابع: منع المخنثين من الدخول على النساء الأجنبيات
جاءت الشريعة الإسلامية بالمحافظة على الأعراض وسدت كل المنافذ التي يخشى منها على أعراض المجتمع الإسلامي، ومن ذلك حماية الأسرة المسلمة من دخول بعض الرجال الذين أطلق عليهم في عرف السلف المخنثون، وهم من خلق متخلقا بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن من غير تكلف، ولا إربة له في النساء أصلا، وهذا الضرب من الرجال شاذ في تكوينه، غير أن هذا الشذوذ خلقي جبلي فيه ولذلك كان بعض هؤلاء يدخلون على النساء بلا إنكار عليهم في ذلك ولكن لما بدر من بعضهم وصف النساء وتحديق النظر في مفاتن المرأة ومحاسنها حظر عليهم الشرع الإسلامي الدخول على النساء منعا للفتنة وسدا للذريعة وفي هذا الحكم وردت الأحاديث الآتية:
ما رواه البخاري ومسلم وغيرهما من حديث أم سلمة وهذا سياقه عند البخاري:
٢٤١- قال: "حدثنا الحميدي١ سمع سفيان حدثنا هشام عن أبيه عن زينب ابنة أبي سلمة عن أمها أم سلمة - ﵂ -: "دخل عليّ٢ النبي - ﷺ - وعندي
_________________
(١) ١ الحميدي: "هو أبو بكر عبد الله بن الزبير صاحب المسند، سفيان: "هو ابن عيينة وهشام: "هو ابن عروة بن الزبير، وأم سلمة هي: "أم المؤمنين هند بنت أبي أمية". قال ابن حجر: "وفي هذا الإسناد لطيفة: "رجل عن أبيه وهما تابعيان، وامرأة عن أمها وهما صحابيتان". (فتح الباري ٨/٤٤) . ٢ وعند البخاري أيضًا " عن زينب ابنة أم سلمة عن أم سلمة أن النبي ﷺ كان عندها وفي البيت مخنث". وعند أيضا وعند مسلم "عن زينب عن أم سلمة أن مخنثا كان عندها ورسول الله ﷺ في البيت". وعند أبي يعلى "عن زينب عن أم سلمة قالت: "كان رسول الله ﷺ جالسا في بيت أم سلمة وعنده مخنث جالس".
[ ٢ / ٥٣٧ ]
مخنث١ فسمعته٢ يقول لعبد الله٣ بن أبي أمية: "يا عبد الله أرأيت إن فتح الله
_________________
(١) ١ المخنث: "بكسر النون وفتحها هو الذي يشبه النساء في أخلاقه وكلامه وحركاته، ويطلق عليه مخنث سواء فعل الفاحشة أو لم يفعل، قال النووي: "قال العلماء: "المخنث ضربان: أحدهما: "من خلق كذلك ولم يتكلف التخلق بأخلاق النساء وزيهن وكلامهن وحركاتهن، بل هو خلقة خلقه الله عليها، فهذا لا ذم عليه ولا عتب ولا إثم ولا عقوبة؛ لأنه معذور لا صنع له في ذلك، ولهذا لم ينكر النبي ﷺ أولا دخوله على النساء ولا خلقه الذي هو عليه حين كان من أصل خلقته، وإنما أنكر عليه بعد ذلك معرفته لأوصاف النساء، ولم ينكر صفته وكونه مخنثا". الضرب الثاني: "من المخنث: "هو من لم يكن له ذلك خلقة، بل يتكلف أخلاق النساء وحركاتهن وهيئاتهن وكلامهن، ويتزي بزيهن، فهذا هو المذموم الذي جاء في الأحاديث الصحيحة لعنه، وهو بمعنى الحديث الآخر "لعن الله المتشبهات من النساء بالرجال والمتشبهين بالنساء من الرجال" وأما الضرب الأول فليس بملعون، ولو كان ملعونا لما أقره أولًا". والله أعلم".إهـ (شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٥و٢٦) وانظر تحفة الأحوذي ٨/٧٠) . وقال ابن كثير: "المراد بالمخنث في عرف السلف الذي لا همة له في النساء وليس المراد به الذي يؤتى، إذ لو كان كذلك لوجب قتله حتما كما دل عليه الحديث، وكما قتله أبو بكر الصديق - ﵁ -" (البداية والنهاية ٤/٣٤٩، والروض الأنف ٧/٢٧٤ وفتاوى ابن تيمية ١٥/٣٠٨-٣٠٩) . ونقل ابن حجر نحو قول النووي وقال: وأما ما كان ذلك من أصل خلقته فإنما يؤمر بتكلف تركه والإدمان على ذلك بالتدرج، فإن لم يفعل وتمادى دخله الذم، ولا سيما إذا بدا منه ما يدل على الرضا به، وأخذ هذا واضح من لفظ المتشبهين، وأما إطلاق من أطلق كالنووي وأن المخنث الخلقي لا يتجه إليه اللوم فمحمول على ما إذا لم يقدر على ترك التثني والتكسّر في المشي والكلام بعد تعاطيه المعالجة لترك ذلك، وإلا متى كان ترك ذلك ممكنا ولو بالتدرج فتركه بغير عذر لحقه اللوم". (فتح الباري ٩/٣٣٤-٣٣٥و ١٠/٣٣٢-٣٣٣) . ٢ وعند ابن ماجه "عن أم سلمة أن النبي ﷺ دخل عليها فسمع محنثا وهو يقول لعبد الله بن أبي أمية" الخ". وعند الحميدي "عن أم سلمة قالت: "دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول لعبد الله بن أبي أمية" الخ". ٣ وعند البخاري أيضا "فقال لعبد الله أخي أم سلمة". هكذا صرح في حديث أم سلمة أن القول الصادر من هذا المخنث كان لعبد الله بن أبي أمية أخي أم سلمة". قال ابن حجر: "وروى المستغفري من مرسل محمد بن المنكدر أن النبي ﷺ نفى هيتا في كلمتين تكلم بهما من أمر النساء، قال لعبد الرحمن بن أبي بكر: "إذا افتتحتم الطائف غدا فعليكم بابنة غيلان"، فذكر نحو حديث الباب وزاد "اشتد غضب الله على قوم رغبوا عن خلق الله وتشبهوا بالنساء"، ثم قال ابن حجر: "فيحمل على تعدد القول منه لكل منهما: "لأخي عائشة ولأخي أم سلمة". والعجب أنه لم يقدر أن المرأة الموصوفة حصلت لواحد منهما؛ لأن الطائف لم يفتح حينئذ، وقتل عبد الله بن أبي أمية في حال الحصار، ولما أسلم غيلان بن سلمة وأسلمت بنته بادية تزوجها عبد الرحمن بن عوف". ثم قال: "وذكر ابن إسحاق في المغازي أن اسم المخنث في حديث الباب ماتع وهو بمثناة وقيل بنون فروى عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: "كان مع النبي ﷺ في غزوة الطائف مولى لخالته فاختة بنت عمرو بن عائذ مخنث يقال له ماتع يدخل على نساء النبي ﷺ، ويكون في بيته لا يرى رسول الله أنه يفطن لشيء من أمر النساء مما يفطن له الرجال ولا أن له إربة في ذلك فسمعه يقول لخالد بن الوليد: "يا خالد إن افتتحتم الطائف، فلا تنفلتن منك بادية بنت غيلان بن سلمة، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان" الحديث وذكر البارودي في "الصحابة" من طريق إبراهيم بن مهاجر عن أبي بكر بن حفص أن عائشة قالت لمخنث كان بالمدينة يقال له أنة - بفتح الهزة وتشديد النون - ألا تدلنا على امرأة نخطبها على عبد الرحمن بن أبي بكر؟ قال: "بلى، فوصف امرأة تقبل بأربع وتدبر بثمان". قال ابن حجر: "والراجح أن اسم المذكور في حديث الباب هيت، ولا يمتنع أن يتوارد في الوصف المذكور (فتح الباري ٩/٣٣٤-٣٣٥) .
[ ٢ / ٥٣٨ ]
عليكم الطائف فعليك بابنة غيلان فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان١، فقال النبي ﷺ: "لا يدخلن عليكن".
قال ابن عيينة وقال ابن جريج٢: "المخنث هيت٣".
حدثنا محمود٤ حدّثنا أبو سلمة عن هشام بهذا وزاد: "فحاصر الطائف يومئذ".
_________________
(١) ١ وعند أبي داود وابن ماجه: "عن أم سلمة أن النبي ﷺ دخل عليها وعندها مخنث وهو يقول لعبد الله أخيها: "إن يفتح الله الطائف غدا دللتك على امرأة تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال ﷺ: "أخرجوهم من بيوتكم" ولفظ ابن ماجه "فسمع مخنثا وهو يقول الخ". وعنده أيضًا فقال رسول الله ﷺ "أخرجوه من بيوتكم" وقوله (تقبل بأربع وتدبر بثمان فسره البخاري في الحديث بقوله: "قال أبو عبد الله: "تقبل بأربع وتدبر بثمان: "يعني أربع عكن بطنها، فهي تقبل بهن، وقوله تدبر بثمان: "يعني أطراف هذه العكن الأربع لأنها محيطة بالجنين حتى لحقت، وإنما قال بثمان ولم يقل بثمانية وواحد الأطراف وهو ذكر، لأنه لم يقل بثمانية أطراف". وقال ابن كثير في (البداية النهاية ٤/٣٤٩): "ومعنى قوله تقبل بأربع وتدبر بثمان يعني بذلك عكن بطنها فإنها تكون أربعًا إذا أقبلت ثم تصير كل واحد اثنتين إذا أدبرت" وانظر: " (شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٥) . وقال ابن حجر: "قال الخطابي: "يريد أن لها في بطنها أربع عكن، فإذا أقبلت رؤيت مواضعها بارزة متكسرًا، بعضها على بعض، وإذا أدبرت كانت أطراف هذه العكن الأربع عند منقطع جنبيها ثمانية". قال ابن حجر: "وحاصله أنه وصفها بأنها مملوءة البدن بحيث يكون لبطنها عكن وذلك لا يكون إلا للسمينة من النساء، وجرت عادة الرجال غالبا في الرغبة فيمن تكون بتلك الصفة، وهذه المرأة هي بادية بنت غيلان". قال ابن حجر: "واختلف في ضبط بادية فالأكثر بموحدة، ثم تحتانية، وقيل: "بنون بدل التحتانية، حكاه أبو نعيم، ولبادية ذكر في المغازي"، ذكر ابن إسحاق أن خولة بنت حكيم قالت للنبي ﷺ: "إن فتح الله عليك الطائف أعطني حليّ بادية بنت غيلان". وكانت من أحلى نساء ثقيف، وغيلان هو ابن سلمة وهو الذي أسلم وتحته عشر نسوة فأمره النبي ﷺ أن يختار أربعا، وكان من رؤساء ثقيف وعاش إلى أواخر خلافة عمر - ﵁". (فتح الباري ٩/٣٣٥ وانظر سيرة هشام ٢/٤٨٤ والورض الأنف ٧/٢٧١) . ٢ قال ابن حجر: "هو موصول بالإسناد الأول (فتح الباري ٨/٤٤) . ٣ هيت: "بكسر الهاء وسكون التحتانية بعدها مثناة، قال ابن حجر: "وضبطه بعضهم بفتح أوله، وأما درستويه فضبطه بنون ثم موحدة - هنب - وزعم أن الأوّل تصحيف، قال: "والهنب الأحمق". وتقدم في تعليقة (٣) ص ٥٢٦ أن الراجح أن اسم المذكور في حديث الباب "هيت" وقال ابن كثير: "وهذا هو المشهور (البداية والنهاية ٤/٣٤٩) وفتح الباري ٨/٤٤ و٩/٣٣٤، وقال النووي في شرح مسلم (٥/٢٥) وهو المحفوظ". ٤ محمود: "هو ابن آدم المروزي، وأبو أسامة: "هو حماد بن أسامة".
[ ٢ / ٥٣٩ ]
والحديث رواه البخاري أيضا من طريق عبدة١ عن هشام به".
ومن طريق زهير٢حدثنا هشام بن عروة به٣".
ورواه مسلم وأبو داود وابن ماجه الجميع من طريق وكيع عن هشام بن عروة به٤".
ورواه مسلم أيضا وإسحاق بن راهويه وأبو يعلى كلهم من طريق جرير بن عبد الحميد عن هشام به٥".
ورواه مسلم أيضًا، وأحمد كلاهما من طريق أبي معاوية محمد بن خازم عن هشام به٦".
ورواه مسلم أيضا من طريق عبد الله بن نمير حدثنا هشام به٧".
ورواه الحميدي عن سفيان بن عيينة قال ثنا هشام به٨". ومن طريقه أخرجه البيهقي٩".
ورواه البيهقي أيضا من طريق يونس بن بكير عن هشام به١٠".
ورواه مالك عن هشام بن عروة عن أبيه مرسلا١١".
قال الكاندهلوي: "هكذا رواه جمهور الرواة عن مالك مرسلا.
_________________
(١) ١ عبدة: "هو ابن سليمان الكلابي، أبو محمد الكوفي". ٢ زهير: "هو ابن معاوية بن خديج أبو خيثمة الكوفي (تهذيب التهذيب ٣/٣٥١ و١٠/٣) . (البخاري ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف ٧/٣٣ كتاب النكاح، باب ما ينهى من دخول المتشبهين بالنساء على المرأة، ٧/١٣٧ كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت) . ٤ مسلم: " (الصحيح ٤/١٧١٥ كتاب السلام، باب منع المخنثين من دخول على النساء الأجانب، أبو داود: "السنن ٢/٥٨٠ كتاب الادب، باب الحكم في المخنثين، وابن ماجه السنن ١/٦١٣ كتاب النكاح، باب في المخنثين) . ٥ مسلم: " (الصحيح ٤/١٧١٥ وإسحاق بن راهويه المسند ص ٢٣٣ أرقم ٣٨٠، وأبو يعلى: "المسند ٦/٦٣٥ أرقم ٣٠٦) . (مسلم: "الصحيح ٤/١٧١٥ وأحمد: "المسند ٦/٢٩٠) . (مسلم: "الصحيح ٤/١٧١٥) . (المسند: "١/١٤٢) . (البيهقي: "السنن الكبرى ٨/٢٢٣-٢٢٤) . ١٠ (البيهقي: "السنن الكبرى ٨/٢٢٣-٢٢٤) . ١١ (الموطأ٢/٧٦٧كتاب الوصية، باب ما جاء في المؤنث من الرجال ومن أحق بالولد) .
[ ٢ / ٥٤٠ ]
ورواه سعيد١بن أبي مريم عن مالك عن هشام عن أبيه عن أم سلمة، أخرجه ابن عبد البر وقال: "الصواب ما في الموطأ٢".
ولم يسمعه عروة عن أم سلمة، وإنما رواه عن بنتها زينب عن أمها أم سلمة".
وأخرجه البخاري ومسلم وغيرهما من طرق عن هشام عن أبيه عن زينب بنت أم سلمة عن أمها أم سلمة، كذلك قال ابن عيينة وأبو معاوية عن هشام".
ثم قال الكاندهلوي: "قال الحافظ: "هكذا قال أكثر أصحاب هشام وهو المحفوظ".
وأخرج البخاري في اللباس من طريق زهير عن هشام أن عروة أخبره أن زينب بنت أم سلمة أخبرته أن أم سلمة أخبرتها٣".
وخالفهم حماد بن سلمة عن هشام فقال عن أبيه عن عمر٤بن أبي سلمة".
وقال معمر عن هشام عن أبيه عن عائشة".
وأرسله مالك فلم يذكر فوق عروة أحدًا٥".إهـ".
ما رواه مسلم وأبو داود وغيرهما من حديث عائشة وهذا سياقه عند مسلم قال:
٢٤٢- وحدثنا عبد بن حميد أخبرنا عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: "كان٦ يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث فكانوا يعدونه من غير أولى الإربة٧، قال: "فدخل النبي ﷺ يوما وهو عند بعض نسائه٨، وهو ينعت امرأة
_________________
(١) ١ هو سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم المعروف بابن أبي مريم". ٢ يعني كونه عن عروة مرسلا". وانظر: "التقصّي، لابن عبد البر ص ١٩٧-١٩٨ الحديث رقم (٦٦٨) . ٣ انظر: " (تخريج الحديث في ص: "٥٢٨) . ٤ عمر بن أبي سلمة أمه أم سلمة زوج النبي ﷺ ووقع في فتح الباري وأوجز المسالك "عمرو" والصواب ما أثبتناه". ٥ أوجز المسالك ١٢/٣٥٣ وفتح الباري ٩/٣٣٣-٣٣٤". ٦ وعند أحمد والبيهقي "كان رجل يدخل على أزواج النبي ﷺ مخنث وكانوا يعدونه من غير أولي الإربة". ٧ الإربة: "بكسر أوله وسكون الراء: "الحاجة، والمراد بها هنا: "حاجة النكاح وغير أولي الإربة: "عرفه العلماء بتعاريف خلاصتها: "أنه هو الذي يهمه بطنه دون فرجه ولا هم له ولا حاجة به إلى النساء، ولا تشتهيه النساء، (جامع البيان للطبري ١٨/١٢١-١٢٣، والسنن الكبرى للبيهقي ٧/١٩٦) . ٨ قال ابن حجر: "وعرف من حديث الباب تسمية المرأة وأنها أم سلمة (فتح الباري ٩/٣٣٤) ويعني بحديث الباب حديث أم سلمة المتقدم برقم (٢٤١) .
[ ٢ / ٥٤١ ]
قال: "إذا أقبلت أقبلت بأربع، وإذا أدبرت أدبرت بثمان، فقال: "النبي ﷺ: "ألا أرى هذا يعرف١ ما هاهنا لا يدخلن عليكن". قالت: "فحجبوه٢".
والحديث رواه أبو داود وأحمد والبيهقي الجميع من طريق معمر عن زهري عن عروة به٣".
ورواه أبو داود أيضا من طريق معمر عن الزهري وهشام بن عروة عن عروة به٤".
ورواه أبو داود أيضا من طريق يونس٥ عن الزهري عن عروة عن عائشة بهذا الحديث: "وزاد٦: "وأخرجه فكان بالبيداء يدخل كل جمعة يستطعم".
_________________
(١) ١ وعند أبي داود وأحمد والبيهقي "فقال: "ألا أرى هذا يعلم ما ههنا لا يدخلن عليكن هذا وحجبوه". (صحيح مسلم: "٤/١٧١٦ كتاب السلام، باب منع المخنث من الدخول على النساء الأجانب) . ٣ أبو داود: "السنن ٢/٣٨٣-٣٨٤ كتاب اللباس، باب في قوله (غير أولي الإربة) ولم يسق لفظه، وأحمد: "المسند ٦/١٥٢، والبيهقي السنن الكبرى ٧/٩٦". ٤ أبو داود: "السنن ٢/٣٨٣". ٥ هو يونس بن يزيد الأيلي، ثقة تقدم في حديث (٦٣) . ٦ زاد: "أي يونس في روايته وأخرجه أي أخرج النبي ﷺ المخنث، فكان بالبيداء - بالمد القفر وكل صحراء فهي بيداء كأنها تبيد سالكها أي تكاد تهلكه (عون المعبود ١١/١٦٧-١٦٨) . قال النووي: "والمحفوظ أنه هيت، قال العلماء: "وإخراجه كان لثلاثة معان: أحدها: "المعنى المذكور في الحديث أنه كان يظن من غير أولى الإربة وكان من أولى الإربة ويتكتم بذلك". والثاني: "وصفه النساء ومحاسنهن وعوراتهن بحضرة الرجال، وقد نهى أن تصف المرأةُ المرأةَ لزوجها فكيف إذا وصفها الرجل للرجل؟ والثالث: "أنه ظهر له منه أنه كان يطلع من النساء وأجسامهن وعوراتهن على ما لا يطلع عليه كثير من النساء فكيف الرجل، لا سيما على ما جاء في غير مسلم أنه وصفها حتى وصف ما بين رجليها أي فرجها وحواليه، (شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٥) . وقال ابن حجر: "قال المهلب: "إنما حجبه عن الدخول إلى النساء لما سمعه يصف المرأة بهذه الصفة التي تهيج قلوب الرجال فمنعه لئلا يصف الأزواج للناس فيسقط معنى الحجاب" اهـ". وقد ذكر ابن الكلبي: "بعد قوله وتدبر بثمان فقال: "بثغر كالأقحوان، إن قعدت تثنت، وتكلمت تغنت، وبين رجليها مثل الإناء المكفوء". وزاد المديني من طريق يزيد بن رومان عن عروة مرسلا في هذه القصة: "أسفلها كثيب وأعلاها عسيب" ثم قال ابن حجر: "وفي سياق الحديث ما يشعر بأنه حجبه لذاته أيضا لقوله: "ألا أرى هذا يعرف ما ههنا" ولقوله: "وكانوا يعدونه من غير أولى الإربة" فلما ذكر الوصف المذكور دل على أنه من أولى الإربة، فنفاه لذلك (فتح الباري ٩/٣٣٥-٣٣٦) . والروض الأنف ٧/٢٧٢".
[ ٢ / ٥٤٢ ]
ومن طريق الأوزاعي في هذه القصة "فقيل يا رسول الله إنه إذا يموت من الجوع، فأذن له أن يدخل في كل جمعة مرتين فيسأل ثم يرجع"١ وإسناده صحيح٢".
والحديث يدل على منع المخنثين من الدخول على النساء، وفيه نفي أهل المعاصي والفساد من البلاد تأديبًا لهم وتنكيلًا بهم".
قال النووي: "في الحديث منع المخنث من الدخول على النساء، ومنعهن من الظهور عليه، وبيان أن له حكم الرجال الفحول الراغبين في النساء في هذا المعنى".
وكذا حكم الخصي والمجبوب ذكره، وأما دخول المخنث أولا على أمهات المؤمنين فقد بين سببه في هذا الحديث، بأنهم كانوا يعتقدونه من غير أولى الإربة وأنه مباح دخوله عليهن، فلما سمع منه هذا الكلام علم أنه من أولي الإربة فمنعه ﷺ الدخول"٣اهـ".
وقال ابن حجر: "ويستفاد من الحديث حجب النساء عمن يفطن لمحاسنهن، وهذا الحديث أصل في إبعاد من يستراب به أمر من الأمور
وفيه أيضا تعزير من يتشبه بالنساء بالإخراج من البيوت والنفي إذا تعين ذلك طريقا لردعه".
وظاهر الأمر وجوب ذلك، وتشبه النساء بالرجال والرجال بالنساء من قاصد مختار حرام اتفاقا"٤.اهـ.
وقد جاء - لعن المخنثين والأمر بإخراجهم من البيوت ونفيهم عن البلاد - في حديث عبد الله بن عباس عند البخاري وأبي داود وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري قال:
٢٤٣- حدثنا معاذ بن فضالة حدثنا هشام٥ عن يحيى عن عكرمة عن ابن عباس قال: "لعن النبي ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات٦ من النساء وقال:
_________________
(١) (سنن أبي داود٢/٣٨٣-٣٨٤كتاب اللباس، باب في قوله تعالى: (غير أولي الإربة) . (إرواء الغليل ٦/٢٠٥) . (شرح النووي على صحيح مسلم ٥/٢٥) . ٤ فتح الباري ٩/٣٣٦ وعون المعبود ١١/١٦٦-١٦٧ و١٦٨". ٥ هشام: "هو الدستوائي: "ويحيى: "هو ابن أبي كثير (فتح الباري ١٠/٣٣٣) . ٦ المترجلات من النساء: "أي المتشبهات بهم زيا وهيئة ومشية ورفع صوت ونحوها لا رأيا وعلما، فإن التشبه بهم محمود (عون المعبود١٣/٢٧٧ وتحفة الأحوذي٨/٧٠) .
[ ٢ / ٥٤٣ ]
"أخرجوهم من بيوتكم، قال: "فأخرج النبي ﷺ فلانا، وأخرج عمر١ فلانا"٢.
والحديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد والدارمي الجميع من طريق هشام الدستوائي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به٣".
ورواه عبد الرزاق عن معمر عن يحيى بن أبي كثير وأيوب٤ كلاهما عن عكرمة به".
وساق منه إلى قوله: "والمترجلات من النساء"٥.
ورواه الترمذي من هذه الطريق٦".
ورواه النسائي أيضا من طريق الأوزاعي عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به".
ولفظه:"أن النبي ﷺ أخرج مخنثا وأن عمر أخرج فلانا وفلانًا"٧.
ورواه عبد الرزاق أيضا عن معمر عن يحيى بن أبي كثير عن عكرمة به".
ولفظه: "أن رسول الله ﷺ قال: "أخرجوا المخنثين من بيوتكم".
قال: "وأخرج النبي ﷺ مخنثا وأخرج عمر مخنثا"٨.
ورواه أيضا عن معمر عن أيوب عن عكرمة قال: "أمر النبي ﷺ برجل من
_________________
(١) ١ وعند الدارمي "وأخرج عمر فلانا أو فلانة" قال أبو محمد - هو الدارمي نفسه - فأشك". وفي المتن الذي شرح عليه ابن حجر "فأخرج النبي ﷺ فلانا وأخرج عمر فلانة" بدون شك، ثم قال ابن حجر: "كذا في رواية أبي ذر "فلانة" بالتأنيث، وكذا وقع في "شرح ابن بطال" وللباقين "فلانا" بالتذكير، وكذا عند أحمد (فتح الباري ١٠/٣٣٣و٣٣٤) . ٢ البخاري: "الصحيح ٧/١٣٧ كتاب اللباس، باب إخراج المتشبهين بالنساء من البيوت و٨/١٤٢ كتاب الحدود باب نفي أهل المعاصي والمخنثين". ٣ أبو داود: "السنن ٢/٥٨١ كتاب الأدب، باب الحكم في المخنثين، النسائي: "السنن الكبرى في عشرة النساء من طريق بشر بن المفضل، والنضر بن شميل، وعبد الصمد ابن عبد الوارث، ووهب بن جرير، وأبي داود الطيالسي، خمستهم عن هشام نحوه". (تحفة الأشراف للمزي٥/١٧٣حديث (٦٢٤٠)، وأحمد: المسند١/٢٢٥، و٢٢٦، و٢٢٧،والدارمي: السنن٢/١٩٢كتاب الاستئذان، باب لعن المخنثين والمترجلات) . ٤ أيوب: "هو ابن أبي تميمة السختياني". ٥ مصنف عبد الرزاق ١١/٢٤٢". (السنن ٤/١٩٤ كتاب الأدب، باب ما جاء في المتشبهات بالرجال من النساء) . ٧ السنن الكبرى في عشرة النساء (تحفة الأشراف للمزي ٥/١٧٣ حديث ٦٢٤٠". ٨ المصنف ١١/٢٤٢".
[ ٢ / ٥٤٤ ]
المخنثين فأخرج عن المدينة، وأمر أبو بكر برجل منهم فأخرج أيضا"١.
قال ابن حجر: "وفي هذه الأحاديث مشروعية إخراج من يحصل به التأذي للناس عن مكانه إلى أن يرجع عن ذلك أو يتوب"٢".
ثم قال ابن حجر: "وقد أخرج الطبراني وتمام٣ الرازي في "فوائده" من حديث واثلة بن الأسقع مثل حديث ابن عباس هذا بتمامه، وقال فيه: "وأخرج النبي ﷺ أنجشة"٤ وهو العبد الأسود الذي كان يحدو٥ بالنساء".
وذكر في كتاب النكاح عند شرحه لحديث أم سلمة "أن النبي ﷺ نفى عن المدينة ثلاثة من المخثنتين وهم: "ماتع" و"هيث" نفاهما إلى الحمى٦، و"أنة" نفاه إلى حمراء الأسد٧".
_________________
(١) ١ المصنف ١١/٢٤٣ وهو مرسل". ٢ فتح الباري ١٠/٣٣٤ والإصابة ١/٦٧". ٣ تمام بن محمد بن عبد الله بن جعفر الإمام الحافظ محدث الشام أبو القاسم الرازي ثم الدمشقي، قال أبو علي الأهوازي: "ما رأيت مثله في معناه، كان عالما بالحديث ومعرفة الرجال، وقال أبو بكر الحداد: "ما لقينا مثله في الحفظ والخير، له كتاب (فوائد في الحديث) (٣٣٠-٤١٤هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٥٦ ومعجم المؤلفين لكحالة ٣/٩٣) . ٤ أنجشة - بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم بعدها شين معجمة ثم هاء تأنيث - ويقال فيه: "أنجش على الترخيم، كان حبشيا يكنى أبا مارية". (فتح الباري ١٠/٣٣٤ و٥٤٤، والإصابة ١/٦٧-٦٨) وحديثه هذا المشار إليه أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٨/١٠٣-١٠٤، ولفظه: "عن واثلة قال: "لعن رسول الله ﷺ المخنثين من الرجال والمترجلات من النساء، وقال: "أخرجوهم من بيوتكم، فأخرج النبي ﷺ أنجشة وأخرج عمر فلانا" ثم قال: "رواه الطبراني وفيه حماد مولى بني أمية". اهـ". وحماد قال فيه الذهبي: "قال الأزدي: "متروك، وأورد الحديث المذكور ابن حجر وقال: "رواه الطبراني بإسناد لين (ميزان الاعتدال ١/٦٠٢ ولسان الميزان ٢/٣٥٥، والإصابة ١/٦٧-٦٨) . ٥ الحداء: "بضم أوله والمد مهموز هو ضرب من الغناء تساق به الإبل (هدي الساري لابن حجر ص ١٠٣) . ٦ الحمى: "لعله حمى النقيع بالنون وهو الذي حماه رسول لله ﷺ ثم عمر بن الخطاب من بعده كما سيأتي في حديث رقم (٢٥٠) ص ٥٤٤ تعليقة (٧) . والنقيع موقع قرب المدينة وهو من ديار مزينة يبعد عن المدينة بعشرين فرسخا". (معجم البلدان لياقوت ٥/٢٩٩و٣٠١) . وقال عاتق بن غيث البلادي: "النقيع: "فعيل من النقع وهو واد فحل من أودية الحجاز، يقع جنوب المدينة، يسيل من الحرار التي يسيل منها وادي الفرع ثم يتجه شمالا جاعلا جبال قدس على يساره، ويأخذ كل مياهها الشرقية وهو الذي حماه رسول الله ﷺ للخيل، يسمى الوادي النقيع إلى أن يقبل على بئر الماشي (٣٨) كيلا جنوب المدينة، ثم يسمى عقيق الحسا، إلى ذي الحليفة، ثم عقيق المدينة حتى يدفع في إضم في مجمع الأسيال". ثم قال: "فأول النقيع ممّا يلي المدينة يبعد عنها قرابة (٤٠) كيلا جنوبا، على طريق الفرع، وأقصاه على قرابة (١٢٠) كيلا قرب الفرع". (معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ص ٣١٩-٣٢٠) . ٧ حمراء الأسد: "قال عاتق البلادي: "حمراء الأسد: "جبل أحمر جنوب المدينة على (٢٠) كيلا، إذا خرجت من ذي الحليفة تؤم مكة رأيت حمراء الأسد جنوبا، ليس بينك وبينها من الأعلام سوى حمراء نمل القريبة من الطريق، وتقع حمراء الأسد على الضفة اليسرى لعقيق الحسا على الطريق إلى المدينة إلى الفرع". (معجم معالم الجغرافية ص ١٠٥-١٠٦) .
[ ٢ / ٥٤٥ ]
وأما الذين نفاهم عمر بن الخطاب - ﵁ -". فذركر ابن حجر أيضا أنه وقف على "كتاب المغربين" لأبي الحسن١المدايني من طريق الوليد بن سعيد قال: "سمع عمر قوما يقولون أبو ذؤيب٢ أحسن أهل المدينة، فدعا به، فقال: "أنت لعمري، فأخرج عن المدينة، فقال: "إن كنت تخرجني فإلى البصرة حيث أخرجت يا عمر نصر بن حجاج".
وساق قصة جعدة٣السلمى وأنه كان يخرج مع النساء إلى البقيع ويتحدث إليهن حتى كتب بعض الغزاة إلى عمر يشكو ذلك فأخرج".
وكذا أخرج أمية بن يزيد الأسدي، ومولى مزينة كانا يحتكران الطعام بالمدينة، فأخرجهما عمر".
ثم ذكر عدة قصص لمبهم ومعين، فيمكن التفسير في هذه القصة ببعض هؤلاء"٤. إهـ.
والحديث قال ابن بطال: "استدل به على أن المراد بالمخنثين المتشبهون بالنساء لا من يؤتى، فإن ذلك حده الرجم، ومن وجب رجمه لا ينفى".
قال ابن حجر: "وتعقب بأن حده مختلف فيه، والأكثر أن حكمه حكم الزاني فإن ثبت عليه جلد ونفي، لأنه لا يتصور فيه الإحصان، وإن كان يتشبه فقط نفي فقط".
وقيل إن في الترجمة٥ إشارة إلى ضعف القول الصائر إلى رجم الفاعل والمفعول به وأن هذا الحديث الصحيح لم يأت فيه إلا النفي".
_________________
(١) ١ هو علي بن محمد أبو الحسن المدايني الأخباري، ثقة تقدم في حديث ٠ ٣٦) . ٢ انظر قصته هو ونصر بن حجاج بن علاط في الطبقات ابن سعد الكبرى ٣/٢٨٥ إلا أنه قال: "أبو ذئب" ولعله صغر فقيل أبو ذؤيب". انظر الإصابة ٣/٥٧٩". ٣ انظر قصته في طبقات ابن سعد ٣/٢٨٥-٢٨٦ والإصابة ١/٢٦١، وفتاوى ابن تيمية ١٥/٣١٣ و٣٢/٢٥١-٢٥٢". ٤ فتح الباري ٩/٣٣٤ و١٢/١٥٩-١٦٠ وانظر حاشية ص ٥٢٦ تعليقة (٣) . ٥ يعني ترجمة البخاري بقوله "باب نفي أهل المعاصي والمخنثين" انظر: "ص: "٥٣٢ تعليقة (٢) .
[ ٢ / ٥٤٦ ]
ثم قال: "وفي هذا نظر لأنه لم يثبت عن أحد ممن أخرجهم النبي ﷺ أنه كان يؤتى".
٢٤٤- وقد أخرج أبو داود من طريق أبي هاشم عن أبي هريرة "أن رسول لله ﷺ أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه فقال: "ما بال هذا؟ قيل يتشبه بالنساء، فأمر به فنفى إلى النقيع"١ يعني بالنون٢.
وقال ابن تيمية: "وقد ذكر الشافعي وأحمد أن التغريب جاء في السنة في موضعين:
أحدهما: "في الزاني الذي لم يحصن "جلد مائة وتغريب عام".
الثاني: "نفى المخنثين". فيما روته أم سلمة ثم ساق الحديث وفيه "قال رسول الله ﷺ أخرجوهم من بيوتكم" ٣".
ومجموع ما مضى من الأحاديث يؤخذ منه الحفاظ على أعراض المسلمين وصيانتها وعدم التساهل في ذلك، خاصة فيمن يستراب في أمره وإن كان يظن إنه لا ريبة فيه، لأن الواجب في مثل ذلك الأخذ بالأحوط، وأمر المخنث من هذا الباب".
وفي الأحاديث أيضا التشديد على من يتشبه بالنساء من الرجال ومن يتشبه بالنساء بالرجال".
ولا يبعد أن يكون المتشبه بالنساء المسمى مخنثا إنما تشبه بهن لغاية في نفسه، إما بوصفهن للأجانب، وإما لأنه يود الاقتراب منهن لغرض آخر، ولهذا منعت الشريعة مثل هذا من الدخول على النساء، ويستفاد من الأحاديث أيضا إخراج من تعم به الفتنة كما فعل عمر بن الخطاب ﵁ بنصر بن حجاج وأبي ذؤيب وجعدة السلمى صيانة للمجتمع عن الفتن وانتشار الرذائل".
_________________
(١) ١ الحديث في سنن أبي داود ٢/٥٨٠ كتاب الأدب، باب الحكم في المخنثين من طريق أبي اليسار القرشي عن أبي هاشم عن أبي هريرة أن النبي ﷺ أتي بمخنث قد خضب يديه ورجليه بالحناء فقال النبي ﷺ: "ما بال هذا؟ فقيل يا رسول الله يتشبه بالنساء فأمر به فنفي إلى النقيع قالوا: "يا رسول الله، ألا نقتله؟ قال: "إني نهيت عن قتل المصلين". قال أبو أسامة - أحد رواة الحديث -: "والنقيع ناحية عن المدينة وليس بالبقيع". والحديث فيه أبو اليسار القرشي، قال أبو حاتم: "مجهول"، وقال أبو هاشم الدوسي ابن عمّ أبي هريرة". قال ابن القطان: "مجهول الحال" (التقريب ٢/٤٨٣ و٤٩٠ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٦١، و٢٨١) . ٢ فتح الباري ١٢/١٥٩-١٦٠". ٣ فتاوى ابن تيمية ٥/٣٠٨".
[ ٢ / ٥٤٧ ]
الحكم الخامس: في النهي عن قتل النساء والضعفاء ومن في حكمهم
من محاسن الإسلام أنه دين الرحمة والعدالة، ومن أبرز ما يؤكد هذه الحقيقة موقفه من الضعفاء والنساء والأطفال في حال النّزال والقتال والتقاء الصفين، لأن هؤلاء المستضعفين ليسوا أهل شوكة ولا مكيدة في الحرب، ولا ذنب لهم في الغالب فيما جره عليهم أهلوهم الكفرة من الصد عن سبيل الله ومحاربة الإسلام، فلا يجوز قتلهم ولا التنكيل بهم، إلا إذا كان الشيخ الهرم محاربا للمسلمين برأيه أو بأي وسيلة تمكنه، أو حاولت المرأة قتل أحد من المسلمين فيجوز قتلها دفاعا عن النفس، وأما الطفل فلا يتصور منه ذلك فهذا النمط من الرحمة والعطف في الحروب والمعارك الشديدة لا مثيل له في أي مبدأ من المبادئ قديما وحديثا، تاريخ الحروب البشرية شاهد صدق بذلك".
ولقد أكد رسول الله ﷺ هذا المبدأ وجعله من أهم التوصيات التي يجب أن يجعلها كل أمير جيش أو سرية نصب عينيه، فقد روى مسلم في صحيحه من حديث بريدة بن الحصيب ﵁ قال: "
٢٤٥- كان رسول الله ﷺ إذا أمر أميرا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا، ثم قال: "اغزوا باسم الله في سبيل الله قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا، ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا" الحديث١.
والشاهد من الحديث قوله "ولا تقتلوا وليدا" وهو نهي والنهي يقتضي التحريم، فيحرم قتل الصبيان والنساء والشيوخ والرهبان، الذين ليس من شأنهم أن يقاتلوا".
وهكذا امتازت الحروب الإسلامية بهذا المبدأ، فلا يقتل إلا من يتأتى منه القتال، أما الذين لا يد لهم في القتال ولا قدرة عليه، فالشريعة الإسلامية تنهى عن
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٣/١٣٥٧ كتاب الجهاد والسير، باب تأمير الأمير على البعوث ووصيته إياهم بآداب الغزو وغيرها، وقد ساق البيهقي جملة من النصوص بعدة أسانيد فيها النهي عن قتل الرهبان والشيوخ والمرضى والصبيان والنساء والوصفاء والعسفاء". (السنن الكبرى ٩/٨٩-٩١) .
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قتلهم وترويعهم، وقد جاءت جملة صالحة من الأحاديث في هذا الأمر منها: "ما رواه عبد الرزاق عن سفيان الثوري عن أبي فزارة١ عن عبد الرحمن٢ بن أبي عمرة قال: "مر النبي ﷺ يوم حنين بامرأة مقتولة، فقال: "ألم أنه عن هذا؟ ".
فقال رجل: "أردفتها فأرادت أن تقتلني، فقتلتها، فأمر النبي ﷺ بدفنها" ٣".
قال ابن حجر: "ورواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري". وهو مرسل"٤". قلت: "رجاله ثقات، رجال الصحيح".
٢٤٦- ما رواه أبو داود في مراسيله عن موسى٥ بن إسماعيل عن وهيب٦ عن أيوب٧ عن عكرمة٨ أن النبي ﷺ رأى امرأة مقتولة بالطائف فقال: "ألم أنه عن قتل النساء؟ من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ ".
فقال رجل من القوم: "أنا يا رسول الله، أردفتها فأرادت أن تصرعني فتقتلني، فأمر رسول الله ﷺ أن توارى" ٩.
والحديث مرسل ورجاله ثقات رجال الصحيح".
قال ابن حجر: "ووصله الطبراني في الكبير من حديث مقسم عن ابن عباس وفيه الحجاج بن أرطأة١٠".
قلت: "ورواه أحمد أيضا".
_________________
(١) ١ هو راشد بن كيسان العبس، الكوفي، ثقة". ٢ عبد الرحمن بن أبي عمرة الأنصاري". ٣ مصنف عبد الرزاق ٥/٢٠١ وتقدم الحديث برقم (١٠٣) مع تراجم رواته". ٤ التلخيص الحبير ٤/١٠٢". ٥ هو المنقري أبو سلمة التبوذكي "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٩١) . ٦ وهيب: "هو ابن خالد "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٢٣٦) . ٧ أيوب: "هو ابن أبي تميمة السختياني - بفتح المهملة بعدها معجمة، ثم مثناة ثم تحتانية وبعد الألف نون - أبو بكر البصري ثقة ثبت حجة من كبار الفقهاء العباد من الخامسة (ت ١٣١) / ع". (التقريب ١/٨٩ وتهذيب التهذيب ١/٣٩٧) . ٨ عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس "ثقة ثبت"، تقدم في حديث (٦٧) ٩ كتاب المراسيل لأبي داود ص ٣٦-٣٧ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٢". ١٠ التلخيص الحبير ٤/١٠٢، والحديث في المعجم الكبير للطبراني ١١/٣٨٨ وفيه الحجاج بن أرطأة وهو مدلس وقد عنعن".
[ ٢ / ٥٤٩ ]
إلا أن لفظ الطبراني "أن النبي - ﷺ - مر بامرأة يوم الخندق مقتولة" الحديث١".
ما رواه أحمد والبيهقي وغيرهما من حديث الأسود بن سريع وهذا سياقه عند أحمد:
٢٤٧- ثنا يونس٢ ثنا أبان٣ عن قتادة٤ عن الحسن٥ عن الأسود٦ بن سريع أن رسول الله ﷺ بعث سرية يوم حنين، فقاتلوا المشركين فأفضى بهم القتل إلى الذرية فلما جاؤوا قال رسول الله ﷺ: "ما حملكم إلى قتل الذرية؟ قالوا: "يا رسول الله إنما كانوا أولاد المشركين، قال: "أو هل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد إلا على الفطرة٧ حتى يعرب عنها لسانها" ٨.
والحديث رواه الحاكم من طريق يونس بن محمد بن المؤدب ثنا أبان بن يزيد عن قتادة عن الحسن عن الأسود بن سريع، إلا أنه قال: "بعث سرية يوم خيبر، بدل يوم حنين"٩".
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٢٥٦ وانظر مجمع الزوائد ٥/٣١٦". ٢ يونس بن محمد بن مسلم البغدادي، أبو محمد المؤدب، ثقة ثبت، من صغار التاسعة (ت ٢٠٧) /ع (التقريب ٢/٣٨٦ وتهذيب التهذيب١١/٤٤٧) . ٣ أبان بن يزيد العطار البصري، أبو يزيد "ثقة له أفراد" تقدم في حديث (٩) . ٤ قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي، أبو الخطاب البصري، ثقة ثبت، تقدم في حديث (٤٨)، وقتادة قد وصفه النسائي وغيره بالتدليس كما في طبقات المدلسين لابن حجر ص ٣١ وقد عنعن، ولكن تابعه يونس بن عبيد والسري بن يحيى ومبارك بن فضالة، الجميع في شيخه الحسن، كما سيأتي ص ٥٣٩". ٥ الحسن هو البصري "ثقة فاضل فقيه" وكان يرسل كثيرا ويدلس، وتقدم في حديث (١٥٦) وقد صرح بالتحديث عند النسائي والحاكم كما سيأتي ص ٥٣٩". وقد وقع عند أحمد في المسند ٤/٢٤ عن السري بن يحيى قال ثنا الحسن بن الأسود ابن سريع، ولفظ "ابن" خطأ والصواب "ثنا الحسن عن الأسود بن سريع". ٦ الأسود بن سريع - بفتح السين - التميمي السعدي، صحابي نزل البصرة، ومات بها في أيام الجمل، وقيل سنة ٤٢/بخ قد س". (التقريب ١/٧٦ وتهذيب التهذيب ١/٣٣٨) . ٧ قوله: "تولد إلا على الفطرة" المعنى أنها تولد على نوع من الجبلة والطبع المتهيء لقبول الدين، فلوة ترك المولود لاستمر على لزومها ولم يفارقها إلى غيرها، وإنما يعدل لآفة من يعدل عن آفات البشر والتقليد، وقوله "حتى يعرب عنها لسانها" يعني يبين ويوضح". (النهاية ٣/٢٠٠و ٤٥٧) والفتح الرباني ١٤/٦٥". ٨ مسند أحمد ٣/٤٣٥". ٩ المستدرك ٢/١٢٣".
[ ٢ / ٥٥٠ ]
ورواه البيهقي من طريق الحاكم هذه فقال: "يوم حنين"١ مثل رواية أحمد مما يقوي وقوع تصحيف في المستدرك الحاكم".
وقد جاء بدون تقييد عند النسائي وأحمد والدارمي والطبراني والحاكم والبيهقي الجميع من طريق يونس٢ بن عبيد عن الحسن عن الأسود بن سريع به٣".
وكذا عند أحمد والطبراني وابن حبان كلهم كمن طريق السري٤ ابن يحيى أبي الهيثم ثنا الحسن عن الأسود بن سريع به٥".
ورواه الطبراني أيضا من طريق مبارك٦ بن فضالة عن الحسن عن الأسود بن سريع به٧".
وقد صرح الحسن بالتحديث عن الأسود عند النسائي والحاكم٨".
والخلاصة: "أن الحديث جاء من طريق قتادة عن الحسن عن الأسود بن سريع به عند أحمد والبيهقي بلفظ "يوم حنين".
ورواه الحاكم من طريق قتادة هذه فقال "يوم خيبر" وجاء من طريق يونس بن عبيد السري بن يحيى ومبارك بن فضالة كلهم عن الحسن عن الأسود بن سريع به٩".
بدون "تقيد" قال الساعاتي: "والأظهر في هذه الرواية أن الواقعة وفي غزوة حنين١٠".
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٩/١٣٠". ٢ يونس بن عبيد بن دينار العبدي، أبو عبيد البصري، ثقة ثبت فاضل ورع، من الخامسة (ت١٣٩) /ع (التقريب ٢/٣٨٥ وتهذيب التهذيب ١١/٤٤٢) . ٣ النسائي: "السنن الكبرى، في السير، (تحفة الأشراف ١/٧٠ حديث "١٤٦") . وأحمد: "المسند٣/٤٣٥". والدارمي: "السنن ٢/١٤١-١٤٢كتاب السير، باب النهي عن قتل النساء والصبيان". والطبراني: "المعجم الكبير١/٢٦٠". والحاكم: "المستدرك ٢/١٢٣". والبيهقي: "السنن الكبرى ٩/٧٧". ٤ السري بن يحيى بن إياس بن حرملة الشيباني البصري، ثقة، أخطأ الأزدي في تضعيفه، من السابعة (ت ١٦٧) /بخ س". (التقريب ١/٢٨٥ وتهذيب التهذيب ٣/٤٦٠-٤٦١)، وميزان الاعتدال ٢/١١٨) . ٥ أحمد: "المسند ٤/٢٤". والطبراني: "المعجم الكبير ١/٢٥٩-٢٦٠". وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٩". ٦ مبارك بن فضالة - بفتح الفاء وتخفيف المعجمة - أبو فضالة البصري، صدوق يدلس ويسوي، من السادسة (ت ١٦٧) على الصحيح". /خت د ت ق". (التقريب ٢/٢٢٧ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٨) . ٧ المعجم الكبير ١/٢٥٩". ٨ انظر تحفة الأشراف ١/٧٠ والمستدرك ٢/١٢٣". ٩ الفتح الرباني ١٤/٦٥". ١٠ الفتح الرباني ١٤/٦٥".
[ ٢ / ٥٥١ ]
والحديث قال الحاكم صحيح على شرط الشيسخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي١".
قال الألباني: "وهو كما قالا فقد صرح الحسن، وهو البصري بالتحديث عند النسائي وهو رواية للحاكم٢".
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد بأسانيد، والطبراني في الكبير والأوسط، وبعض أسانيد أحمد رجاله رجال الصحيح٣".
٢٤٨- ما رواه ابن إسحاق قال: "حدثني بعض أصحابنا: "أن رسول الله ﷺ مر يومئذ بامرأة وقد قتلها خالد بن الوليد والناس متقصفون٤ عليها فقال: "ما هذا؟ " فقالوا: "امرأة قتلها خالد بن الوليد، فقال: "رسول الله ﷺ لبعض من معه: "أدرك خالدا، فقل له: "إن رسول الله ﷺ ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا" ٥".
والحديث فيه إبهام وإرسال".
٢٤٩- وأورده ابن كثير ثم قال: "هكذا رواه ابن إسحاق منقطعا، وقد قال الإمام أحمد: "ثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو ثنا المغيرة٦ بن عبد الرحمن عن أبي الزناد٧ حدثني المرقع٨ بن صيفي عن جده رباح٩ بن ربيع أخي١٠ حنظلة
_________________
(١) ١ المستدرك ٢/١٢٣". ٢ إرواء الغليل ٥/٣٥ و٣٦". ٣ مجمع الزوائد ٥/٣١٦ وانظر الفتح الرباني ١٤/٦٥". ٤ متقصفون: "أي مزدحمون عليها". (النهاية ٤/٧٣) . ٥ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧-٤٥٨ والروض الأنف ٧/١٨٢". والعسيف: "الأجير، جمعه عسفاء". (النهاية ٣/٢٣٦) . ٦ المغيرة بن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام - بمهملة وزاي - المدني لقبه قصي، ثقة له غرائب، من السابعة". /ع". (التقريب ٢/٢٦٩-٢٧٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦٦) . ٧ عبد الله بن ذكوان القرشي، المدني المعروف بأبي الزناد، ثقة فقيه من الخامسة، (ت١٣٠) . وقيل بعدها"./ع". (التقريب ١/٤١٣ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٣) . ٨ المرقع - بضم أوله وفتح ثانيه وكسر القاف المشددة- ابن صيفي- بمهملة وقيل ابن عبد الله بن صيفي التميمي الحنظلي، صدوق، من الثالثة". /د س ق". (التقريب ٢/٢٣٨ وتهذيب التهذيب ١٠/٨٨) . ٩ رباح - بتخفيف الموحدة - ابن الربيع بن صيفي التميمي، أخو حنظلة التميمي، ويقال فيه "رياح" بالمثناة وهو قول الأكثر". / د س ق". (التقريب ١/٢٤٢و ٢٤٥ وتهذيب التهذيب ٣/٢٣٣ والإصابة ١/٥٠١) . ١٠ وقع في البداية والنهاية "أخي بني حنظلة" والظاهر أن لفظ "بنى" خطا فإن الحديث عند أحمد وغيره بلفظ "أخي حنظلة".
[ ٢ / ٥٥٢ ]
الكاتب أنه أخبره أنه خرج مع رسول الله ﷺ في غزوة غزاها وعلى مقدمته خالد بن الوليد، فمر رباح وأصحاب رسول الله ﷺ على امرأة مقتولة مما أصابت المقدمة، فقفوا ينظرون إليها ويتعجبون من خلقها حتى لحقهم رسول الله ﷺ فقال: "ما كانت هذه لتقاتل" فقال لأحدهم "ألحق خالدا فقل له لا يقتلن ذرية ولا عسيفا" ١".
وكذلك رواه أبو داود والنسائي وابن ماجه من حديث المرقع بن صيفي به نحوه٢. إهـ.
وقال الزرقاني: "روى الواقدي أن سعد بن عبادة جعل يصيح يومئذ٣ بالخزرج ثلاثًا وأسيد بن حضير بالأوس ثلاثا فثابوا٤من كل ناحية كأنهم النحل تأوي إلى يعسوبها٥".
قال أهل المغازي فحنق٦ المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى أسرع القتل في ذراري المشكرين فبلغه ذلك ﷺ فقال: "ما بال أقوام بلغ بهم القتل حتى بلغ الذرية ألا لا تقتل الذرية ثلاثا".
فقال أسيد: "يا رسول الله أليس إنما هم أولاد المشركين؟ فقال ﷺ: "أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها فأبواها يهودانها أو ينصرانها".
ثم أورد حديث رباح بن الربيع وقال: "رواه أحمد وأبو داود٧".
قلت: "حديث رباح: "رواه النسائي وابن ماجه وأحمد والطحاوي والطبراني وابن حبان والبيهقي الجميع من طريق المغيرة بن عبد الرحمن قال: "حدثنا أبو الزناد عن المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع به٨".
_________________
(١) ١ الحديث في مسند أحمد ٣/٤٨٨". ٢ البداية والنهاية ٤/٣٣٧". ٣ يومئذ يعني يوم حنين". ٤ فثابوا: "أي رجعوا وأخذوا في قتل المشركين (النهاية ١/٢٢٦) . ٥ يعسوبها: "قال ابن الأثير: "اليعسوب السيد والرئيسي والمقدم". وأصله فحل النحل". (المصدر السابق٣/٢٣٤) . ٦ الحنق: "الحقد والغيظ". (المصدر السابق ١/٤٥١) . ٧ شرح المواهب اللدنية ٣/٢١ وانظر مغازي الواقدي ٣/٩٠٤-٩٠٥". ٨ النسائي: "السنن الكبرى في السير (تحفة الأشراف ٣/١٦٦ حديث "٣٦٠٠") وابن ماجه: "السنن ٢/٩٤٨ كتاب الجهاد، باب الغارة والبيات وقتل النساء والصبيان". وأحمد: "المسند ٣/٤٨٨". والطحاوي: شرح معاني الآثار٣/٢٢١ و١٢٢". والطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧٠". وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٨". والبيهقي: "السنن الكبرى ٩/٩١".
[ ٢ / ٥٥٣ ]
ورواه الطبراني من طريق عبد الله بن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه عن المرقع به".
ورواه أبو داود والنسائي والطبراني كلهم من طريق عمر١ بن المرقع قال حدثني أبي عن جده رباح بن الربيع به".
والبيهقي من طريق أبي داود٢".
ورواه الحاكم من طريق إسماعيل بن أويس ثنا عبد الرحمن٣ بن أبي الزناد عن أبيه قال: "حدّثني المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع٤ به".
ورواه الطبراني أيضًا من طريق موسى بن عقبة، قال: "حدثني المرقع ابن صيفي عن جده رباح بن الربيع به٥".
ورواه النسائي وابن ماجه وأحمد والطحاوي وابن حبان الجميع من طريق سفيان الثوري عن أبي الزناد فقال فيه عن المرقع بن صيفي عن حنظلة٦ الكاتب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم٧".
والحاصل أن المغيرة بن عبد الرحمن روى هذا الحديث عن أبي الزناد فقال: "عن المرقع بن صيفي عن جده رباح بن الربيع".
وتابع أبا الزناد في ذلك عمر بن المرقع وموسى بن عقبة وعبد الله ابن وهب".
ورواه سفيان الثوري عن أبي الزناد فقال عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب.
_________________
(١) ١ عمر بن المرقع - بقاف ثقيلة مكسورة - ابن صيفي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة ثم فاء مكسورة ثم تحتانية - التميمي الكوفي، صدوق من السابعة / د س". (التقريب ٢/٦٣، وتهذيب التهذيب ٧/٤٩٧) ووقع في عون المعبود ٧/٣٢٩ "عمرو" والصواب عمر بضم أوله، قاله ابن حجر في التقريب ٢/٧٨ وتهذيب التهذيب ٨/١٠٢". ٢ أبو داود: "السنن ٢/٤٩ كتاب الجهاد، باب في قتل النساء". والنسائي: "السنن الكبرى، في السير (تحفة الأشراف ٣/٨٦ حديث "٣٤٤٩") . والطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧١". البيهقي: "السنن الكبرى ٩/٨٢". ٣ عبد الرحمن بن أبي الزناد، عبد الله بن ذكوان، المدني، مولى قريش صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد، وكان فقيها، من السابعة، ولى خراج المدينة، فحمد (ت ١٧٤) ./خت م عم". (التقريب١/٤٧٩-٤٨٠، و٤٨٦ وتهذيب التهذيب ٦/١٧٠-١٧٣ و٢٠٧) . ٤ الطبراني: "المعجم الكبير ٥/٧٠". الحاكام: "المستدرك ٢/١٢٢". ٥ المعجم الكبير ٥/٧١". ٦ حنظلة بن الربيع بن صيفي التميمي، يعرف بحنظلة الكاتب، تقدم حديث (١٦٣) . ٧ النسائي: "السنن الكبرى (تحفة الأشراف ٣/٨٦) . وابن ماجه: "السنن ٢/٩٤٨ كتاب الجهاد". أحمد: "المسند ٤/١٧٨". والطحاوي: "شرح معاني الآثار ٣/٢٢٢، وابن حبان: "موارد الظمآن ص ٣٩٨".
[ ٢ / ٥٥٤ ]
وقد خطئ الثوري في ذلك لأن الحديث حديث رباح بن الربيع لا حديث حنظلة".
ولذا فقد ساق ابن ماجه حديث سفيان الثوري عن أبي الزناد عن المرقع بن صيفي عن حنظلة الكاتب".
ثم أتبعه بحديث المغيرة بن عبد الرحمن، عن أبي الزناد عن المرقع عن جده رباح بن الربيع".
ثم قال: "قال أبو بكر١ بن أبي شيبة: "يخطئ الثوري فيه". إهـ".
والحديث قال فيه الحاكم: "صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي٢".
قال الألباني: "حسبه أن يكون حسنا، فإن المرقع بن صيفي لم يوثقه غير ابن حبان، لكن روى عنه جماعة من الثقات".
وقال الحافظ في "التقريب": "صدوق"٣".
والحديث ليس نصا صريحا في أن قصة هذه المرأة المقتولة كانت في غزوة حنين، إنما فيه أن رباح بن الربيع كان مع رسول الله ﷺ في غزاة وأن مقدمة الجيش أصابت امرأة، فأرسل رسول الله ﷺ إلى خالد بن الوليد يأمره بأن لا يقتل ذرية ولا عسيفا".
وفي لفظ: "فبعث إلى خالد بن الوليد ينهاه عن قتل النساء والولدان".
وفي لفظ: "ثم اتبع رسول الله ﷺ خالدا أن لا يقتل امرأة ولا عسيفا" ٤.
ويمكن أن تفسر هذه الغزوة الواردة في حديث رباح بن الربيع، بغزوة حنين كما جاء ذلك صريحا عند ابن إسحاق والواقدي، بحصول مثل هذه القصة لخالد بن الوليد في غزوة حنين٥".
_________________
(١) ١ أبو بكر بن أبي شيبة: "هو عبد الله بن محمد". ٢ المستدرك: "٢/١٢٢". ٣ إرواء الغليل ٥/٣٥". انظر التقريب ٢/٢٣٨ وتهذيب التهذيب ١٠/٨٨". ٤ شرح معاني الآثار ٣/٢٢١و ٢٢٢". ٥ انظر سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧-٤٥٨، ومغازي الواقدي ٣/٩١٢، وانظر حديث رقم (٢٤٨) .
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وقد يلحظ هذا أيضا من صنيع ابن كثير والزرقاني، حيث أوردا حديث رباح بن الربيع في غزوة حنين عند إيرادهما لحديث ابن إسحاق المصرح فيه بقصة خالد بن الوليد مع المرأة المقتولة في غزوة حنين، فكأنهما يشران إلى أن الغزوة المبهة في حديث رباح هي غزوة حنين كما جاء ذلك عند ابن إسحاق الواقدي".
وقد جزم ابن حجر بذلك١".
ما رواه ابن حبان من حديث الصعب بن جثامة الليثي وهذا سياقه:
٢٥٠- أخبرنا جعفر٢ بن أحمد بن سنان القطان بواسط حدثنا العباس٣ بن محمد بن حاتم حدثنا محمد٤ بن عبيد حدثنا محمد٥ بن عمرو عن الزهري عن عبيد الله عن ابن عباس عن الصعب بن جثامة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا حمى إلا لله ولرسوله" وسألته عن أولاد المشركين أنقتلهم معهم؟ قال: "نعم فإنهم منهم، ثم نهى عن قتلهم يوم حنين" ٦.
قال الهيثمي: "قلت: "هو في الصحيح٧ غير النهي عن قتل الذرية.
_________________
(١) ١ انظر ص ٥٤٥". ٢ قال الذهبي: "جعفر بن أحمد بن سنان بن أسد الحافظ الثقة ابن الحافظ أبي جعفر القطان الواسطي (ت سنة ٣٠٧هـ) . (تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٢". انظر مقدمة موارد الظمآن لمحمد عبد الرزاق حمزة ص (٩) . ٣ العباس بن محمد بن حاتم بن واقد أبو الفضل الدوري البغدادي، خوارزمي الأصل، ثقة، حافظ من الحادية عشرة (ت٢٧١) . /عم (التقريب ١/٣٩٩ وتهذيب التهذيب٥/١٢٩".تاريخ بغداد١٢/١٤٤-١٤٦". تذكرة الحفاظ للذهبي٢/٥٧٩) . ٤ محمد بن عبيد بن أبي أمية الطنافسي الكوفي، الأحدب ثقة يحفظ، من الحادية عشرة (ت ٢٠٤) /ع (التقريب٢/١٨٨وتهذيب التهذيب٩/٣٢٧ وتاريخ بغداد٢/٣٦٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٣٣". وتهذيب الكمال للمزي ٧/٦١٩-٦٢٦) . ٥ محمد بن عمرو بن علقمة بن وقاص اللثي المدني، صدوق له أوهام، من السادسة (ت ١٤٥) على الصحيح"./ع (التقريب ٢/١٩٢ وتهذيب التهذيب ٩/٣٧٥ وتهذيب الكمال ٧/٦١٩-٦٢٦) . وقال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال ٣/٦٧٣: "شيخ مشهور، حسن الحديث، أخرج له الشيخان متابعة". ٦ موارد الظمآن ص ٣٩٩". ٧ الحديث في صحيح البخاري ٣/٩٨ كتاب المساقاة، باب لا حمى إلا لله ولرسوله "من طريق ابن شهاب عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس - ﵄ - أن الصعب بن جثمامة قال: "إن رسول الله ﷺ قال: "لا حمى إلا لله ولرسوله" وتمام الحديث: "وقال: "بلغنا أن النبي ﷺ حمى النقيع، وأن عمر حمى الشرف والربذة". قال ابن حجر: "قوله وقال بلغنا"، القائل هو ابن شهاب وهو موصول بالإسناد إليه، وهو مرسل أو معضل". (فتح الباري ٥/٤٥) .إهـ". وهذا النقيع غير نقيع الخضمات (انظر معجم البلدان ٥/٣٠١) .
[ ٢ / ٥٥٦ ]
قال ابن حجر: "هذه الزيادة١ مدرجة في حديث الصعب، وذلك بين في سنن أبي داود فإنه قال في آخره: "قال سفيان٢ قال الزهري: "ثم نهى رسول الله ﷺ بعد ذلك عن قتل النساء والصبيان" ٣".
ويؤكد كون النهي في غزوة حنين حديث رباح بن الربيع وفيه "فقال رسول الله ﷺ لأحدهم: "الحق خالدا فقل لا تقتل ذرية ولا عسيفا" ٤".
وخالد بن الوليد أول مشاهده مع النبي ﷺ غزوة الفتح وفي ذلك العام كانت غزوة حنين".
ثم أورد مرسل عكرمة المتقدم عند أبي داود٥".
فابن حجر ﵀ يرى أن حديث رباح بن الربيع كان في غزوة حنين كما هو واضح من كلامه".
وهذه الأحاديث تدل على النهي عن قتل الشيوخ والأطفال والنساء والأجراء الذين لا قدرة لهم على القتال ولا يد لهم فيه".
قال ابن حجر: "واتفق الجميع - كما نقل ابن بطال وغيره - على منع القصد إلى قتل النساء والولدان، أما النساء فلضعفهن، وأما الولدان فلقصورهم عن فعل الكفر، ولما في استبقائهم جميعا من الانتفاع بهم، إما بالرق، أو الفداء فيمن يجوز أن يفادى به"٦.إهـ.
وهذا النهي خاص بما إذا لم يباشر هؤلاء القتال مع الكفار أو كان فيهم ذو رأي، أو تترس بهم العدو بحيث لا يمكن انفصالهم عنه، ففي هذه الحالات يجوز قتلهم وهو قول جمهور العلماء، واستدلوا على ذلك بأدلة منها:
_________________
(١) ١ يعني زيادة "ثم نهى عن قتلهم يوم حنين". ٢ سفيان: "هو ابن عيينة (تهذيب التهذيب ٤/١١٨و ١/٦٤) . ٣ الحديث في سنن أبي داود ٢/٥٠ كتاب الجهاد، باب في قتل النساء". ٤ الحديث تقدم برقم (٢٤٩) . ٥ فتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨ وانظر مرسل عكرمة حديث (٢٤٦) . ٦ فتح الباري ٦/١٤٨".
[ ٢ / ٥٥٧ ]
١- قوله ﷺ "ما كانت هذه لتقاتل" ١ فإن مفهومه أنها لو قاتلت لجاز قتلها".
٢- قوله ﷺ عندما رأى امراة مقتولة "من صاحب هذه المرأة المقتولة؟ فقال رجل منهم: "أنا يا رسول الله أردفتها فأرادت أن تقتلني فقتلتها" فلم ينكر عليه قتله ا٢".
٣- حصاره ﷺ لأهل الطائف ورميهم بالمنجنيق مع علمه ﷺ أن فيهم الأطفال والنساء وغير ذلك".
٤- ما ورد في حديث الصعب بن جثامة الليثي قال: "سئل رسول الله ﷺ عن الذراري من المشركين يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم فقال: "هم منهم" ٣.
٥- قتل دريد بن الصمة وهو شيخ فان ولم ينكر رسول الله ﷺ على قاتله لما كان لدريد من المشورة والرأي في قومه٤".
وبهذه الأدلة وغيرها أخذ جمهور العلماء".
وذهب مالك والأوزاعي إلى أنه لا يجوز قتل النساء والصبيان بحال من الاحوال حتى لو تترس أهل الحرب بالنساء والصبيان أو تحصنوا بحصن أو سفينة وجعلوا معهم النساء والصبيان لم يجز رميهم ولا تحريقهم"٥".
ودليل هذا المذهب عموم الاحاديث الوارد فيها النهي عن قتل النساء والصبيان٦.
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٢٤٩) . قال الباجي: "قوله (ما كانت هذه لتقاتل) إنكار رسول الله ﷺ يحتمل أنه علم من حال تلك المرأة أنها لم تقاتل، ويحتمل أن يكون حمل أمرها على المعهود من حال النساء في بعدهن عن القتال". ثم قال: "فيحتمل أن النهي عن قتل النساء والصبيان، لأنهم لا يقاتلون، ويحتمل أنهن من الأمور التي يستعان بها على العدو وينتفع بها دون مخافة منهن، فأما إن قاتلوا، فإنهم يقتلون؛ لأن العلة التي منعت من قتلهن هي عدم القتال منهن، فإذا وجد منهن وجدت علة إباحة قتلهن، لأن الحاجة داعية إلى دفع مضرتهن وإزالة منعهن الموجود في الرجال". (أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكندهلوي ٨/٢٢٣ نقلا عن الباجي) . ٢ انظر الحديث ص (٥٣٧) . ٣ البخاري: "الصحيح ٤/٤٨ كتاب الجهاد، باب أهل الدار يبيتون فيصاب الولدان والذراري". ومسلم: "الصحيح ٣/١٣٦٤-١٣٦٥ كتاب الجهاد والسير، باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد". ٤ انظر شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٤". ٥ انظر فتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨". ٦ ومنها أيضا ما رواه البخاري ومسلم من حديث ابن عمر قال: "وجدت امرأة مقتولة في بعض مغازي الرسول ﷺ، فنهى رسول الله ﷺ عن قتل النساء والصبيان"، وفي لفظ "فأنكر رسول الله ﷺ قتل النساء والصبيان". (البخاري٤/٤٩كتاب الجهاد، باب قتل الصبيان في الحرب، وباب قتل النساء في الحرب".ومسلم:٣/١٣٦٤ كتاب الجهاد والسير، باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب) .
[ ٢ / ٥٥٨ ]
والراجح في هذه المسألة قول الجمهور وذلك للجمع بين الأحاديث ومتى أمكن الجمع فالمصير إليه أولى للعمل بجميع الأحاديث".
فقد ساق الطحاوي الروايات الواردة فيها النهي عن قتل النساء والصبيان ثم قال: "قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى أنه لا يجوز قتل النساء والولدان في دار الحرب على أي حال، وأنه لا يحل أن يقصد إلى قتل غيرهم، إذا كان لا يؤمن في ذلك تلفهم، من ذلك أن أهل الحرب إذا تترسوا بصبيانهم، فكان المسلمون لا يستطيعون رميهم إلا بإصابة صبيانهم، فحرام عليهم رميهم في قول هؤلاء". وكذلك إن تحصنوا بحصن وجعلوا فيه الولدان، فحرام علينا رمي ذلك الحصن عليهم إذا كنا نخاف من ذلك إصابة صبيانهم ونسائهم، واحتجوا بالآثار، التي روينها في صدر هذا الباب، ووافقهم آخرون على صحة هذه الآثار، وعلى تواترها، وقالوا: "وقع النهي في ذلك إلى القصد إلى قتل النساء والولدان فأما على طلب قتل غيرهم ممن لا يوصل إلى ذلك منه إلا بتلف صبيانهم ونسائهم، فلا بأس بذلك".
ثم ساق حديث الصعب بن جثامة قال: "سئل رسول الله ﷺ عن أهل الدار من المشركين يبيتون ليلا، فيصاب من نسائهم وصبيانهم فقال: "هم منهم".
ثم قال: "قال أبو جعفر: "فلما لم ينههم رسول الله ﷺ عن الغارة، وقد كانوا يصيبون فيها الولدان والنساء الذين يحرم القصد إلى قتلهم، دل ذلك أن ما أباح في هذه الآثار، لمعنى غير المعنى الذي من أجله حظر ما حظر في الآثار الأول، وأنّ ما حظر في الآثار الأول هو القصد إلى قتل النساء والولدان، والذي أباح هو القصد إلى المشركين، وإن كان في ذلك تلف غيرهم، ممن لا يحل القصد إلى تلفه، حتى تصح هذه الآثار المروية عن رسول الله ﷺ، ولا تتضاد".
وقد أمر رسول الله ﷺ بالغرة على العدو، وأغار على الآخرين في آثار عدد، قد ذكرناها في (باب الدعاء قبل القتال) ١ولم يمنعه من ذلك ما يحيط به، علمنا أنه
_________________
(١) ١ انظر شرح معاني الآثار ٣/٢٠٦ وما بعدها".
[ ٢ / ٥٥٩ ]
قد كان يعلم أنه لا يؤمن من تلف الولدان والنساء في ذلك ولكنه أباح ذلك لهم، لأن قصدهم كان إلى غير تلفهم، ثم قال:
فهذا يوافق المعنى الذي ذكرت مما في حديث الصعب، والنظر يدل على ذلك أيضا"١.
وقال السهيلي: "قوله ﷺ "أدرك خالدا، فقل له: "إن رسول الله ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة أو عسيفا".
وهذا منتزع من كتاب الله تعالى". لأنه يقول: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾ [سورة البقرة: "١٩٠] ٢، فاقتضى دليل الخطاب ألا تقتل المرأة إلا أن تقاتل".
وقد أخطأ من قاس مسألة المرتدة على هذه المسألة، فإن المرتدة لا تسترق ولا تسبى كما تسبى نساء الحرب وذراريهم، فتكون مالا للمسلمين، فنهى عن قتلهن لذلك٣".
وخلاصة ما تقدم من الأحاديث والآثار وأقوال أهل العلم أن من سمو تعاليم الإسلام ومحاسنه العظيمة رعايته للضعفاء والعجزة والنساء والولدان في المعارك الضارية التي تدور رحاها بين جند الله من المسلمين، وبين أعداء الله من الكافرين، ممل يؤكد لكل منصف عظمة هذا الدين وشمول تعاليمه وعالمية رسالته التي أساسها الرحمة والشفقة والهداية ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾، [سورة الأنبياء الآية: ١٠٧]، وإن قوما يبذلون مهجهم وأرواحهم في سبيل نصرة الحق ورفع رايته وإعلاء كلمته يلزمهم أن يضعوا هذه التعاليم الرحيمة نصب أعينهم خاصة في معترك النزال والتحام القتال، فقد
_________________
(١) ١ شرح معني الآثار ٣/٢٢٠ و٢٢١، و٢٢٢، و٢٢٣". انظر: "شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٤٢-٢٤٣". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٧٨". وفتح الباري ٦/١٤٧-١٤٨". وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٩-٥٠ ونيل الأوطار، للشوكاني ٧/٢٦١-٢٦٢". والفتح الرباني للساعاتي ١٤/٦٢-٦٣". عون المعبود ٧/٣٢٩-٣٣٠". وتحفة الأحوذي ٥/١٩٠-١٩١". وأوجز المسالك ٨/٢٢٣-٢٢٤". وفتاوى ابن تيمية ٢٨/٣٥٤". ٢ سورة البقرة: "آية ١٩٠". وتمامها: ﴿وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ﴾ . ٣ الروض الأنف ٧/٢١٥-٢١٦. والظاهر من قول السهيلي - ﵀ - إن المرأة إذا قاتلت قتلت وأما إذا لم تباشر القتال فلا يجوز قتلها. بخلاف المرتدة فيجب قتلها مطلقا.
[ ٢ / ٥٦٠ ]
يغفل الجندي المسلم وهو في غمرة المنازلة وشدة المجالدة عن هذه الإرشادات النبوية وهذه الرحمة الخاصة في وقت يفترض فيه الشدة والقسوة والغلظة ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ١٢٣] . ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٧٣، وسورة التحريم، الآية: ٩] .
في هذا الظرف العصيب والموقف الرهيب لا تغيب العدالة الإسلامية التي من مقتضياتها وضع الشدة في موضعها ووضع الرحمة في موضعها اللائق بها، ومن هنا يبادر الرسول ﷺ بإرسال رسله إلى قواده أن يلتزموا بهذه المبادئ السامية التي شرع الجهاد في أصله لإقرارها وتثبيتها بلا تَشَفّ ولا إجحاف، وأول ما يوجه الجنود المسلمون إليه ويذكرون به هو الغزو باسم الله وفي سبيل الله والتحلي بحلية التقوى التي لا تفارق حس المجاهد المسلم ولا ينبغي أن تفرقه، وإذا كانت هذه هي الصفات الأساسية للغزو الإسلامي الراشد فلا عجب أن نجد التنصيص الصريح على منع قتل من لا شوكة له في الحرب من ضعفاء ونساء وأطفال وشيوخ ونحوهم، ولا يتأتى تطبيق هذه المعاني الرفيعة المفعمة١ بالرحمة والإنسانية في أسمى معانيها إلا للجنود المؤمنين بالله ربًا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ورسولا، أما من عاداهم من الكفار وضعفاء اليقين فلا أحسبهم أهلا لتطبيق ذلك وما أخالهم يخطر في أذهانهم".
_________________
(١) ١ المفعمة: "الممتلئة". (القموس المحيط ٤/١٦٠) .
[ ٢ / ٥٦١ ]
الحكم السادس: العذر الذي يبيح ترك حضور صلاة الجماعة
من أهداف التشريع الإسلامي رفع الحرج والمشقة في الدين، كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، [سورة الحج، من الآية: ٧٨]، وقال تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، [سورة البقرة، من الآية: ٢٨٦] .
والصلاة أهم ركن في الإسلام بعد الشهادتين وأداؤها في جماعة هو المطلوب من كل مسلم على وجه الوجوب كما هو ظاهر النصوص، ولكن قد تحول دون أداء الصلاة في جماعة أعذار تبيح ترك حضور الجماعة، وهذا من سماحة الإسلام وتيسيره. ومن هذه الأعذار المطر والدحض والبرد الشديد ونحو ذلك.
وفي هذه الغزوة وردت أحاديث في هذا الأمر وسأوردها على النحو الآتي:
ما رواه أبو داود والنسائي وغيرهما من حديث أبي المليح عن أبيه وهذا سياقه عند النسائي:
٢٥١- قال: "أخبرنا محمد١ بن المثنى قال: "حدثنا محمد٢بن جعفر قال: "حدثنا شعبة عن قتادة٣ عن أبي المليح٤ عن أبيه٥: "قال: "كنا مع رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ محمد بن المثنى: "هو العنزي البصري "ثقة ثبت" تقدم في حديث (١٢٦) . ٢ محمد بن جعفر المدني البصري، غندر-بضم-فسكون ففتح-ثقة صحيح الكتاب، من التاسعة (ت١٩٣أو١٩٤) ./ع (التقريب٢/١٥١،تهذيب التهذيب٩/٩٦-٩٨) . ٣ قتادة ههنا عنعن وهو مدلس، ولكن الراوي عنه شبة بن الحجاج وحديث شعبة عن قتادة محمول على السماع جزما". (فتح المغيث للسخاوي ١/١٧٦-١٧٧) وقد صرح بالتحديث أيضا عند أحمد وتابعه عامر بن عبيدة الباهلي عند الطبراني والبيهقي انظر ص (٥٥٢) . ٤ أبو المليح - بفتح الميم - ابن أسامة بن عمير، اختلف في اسمه واسم أبيه- الهذلي، ثقة من الثالثة (ت ٩٨ وقيل ١٠٨ وقيل بعد ذلك) . /ع (التقريب ٢/٤٧٦ وتهذيب التهذيب ١٢/٢٤٦، والمغني لمحمد بن طاهر الهندي ص ٧٤) . ٥ هو أسامة بن عمير بن عامر بن أقيشر - بمضمومة ففتح قاف وسكون تحتية وكسر شين معجمة، وبراء - الهذلي البصري والد أبي المليح، صحابي، تفرد ولده عنه"./عم". (التقريب١/٥٣ وتهذيب التهذيب١/٢١٠ وأسد الغابة ١/٨٢، والإصابة ١/٣١-٣٢، والمغني لمحمد بن طاهر الهندي ص: "٦) . وقد وقع في الاستيعاب ١/٥٩-٦٠ مع الإصابة، والتقريب الطبعة المصرية أقيش" بدون راء".
[ ٢ / ٥٦٢ ]
بحنين١ فأصابنا مطر، فنادى منادي٢ رسول الله ﷺ أن صلوا٣ في رحالكم"٤.
والحديث رواه أحمد وابن سعد كلاهما من طريق شعبة عن قتادة عن أبي المليح به٥.
ورواه أبو داود وأحمد كلاهما من طريق همام٦ أخبرنا قتادة أن أبا المليح أخبره به٧.
ورواه أحمد أيضًا من طريق أبان٨ ثنا قتادة وأبو المليح به.
_________________
(١) ١ وعند أبي داود: "أن يوم حنين كان يوم مطر، فأمر النبي ﷺ مناديه أن الصلاة في الرحال" وعند أحمد: "أن يوم حنين كان مطيرًا" وعنده أيضًا: "أن نبي الله ﷺ قال يوم حنين في يوم مطير الصلاة في الرحال" وعند ابن خزيمة: "أصابتنا السماء مع النبي ﷺ يوم حنين فقال النبي ﷺ: "الصلاة في الرحال". ٢ جاء عند الطبراني أن هذا المنادي هو بلال ولفظ الحديث "عن أبي المليح عن أبيه قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ فخرجنا إلى حنين" الحديث وفيه: "فأمر النبي ﷺ بلالا فنادى في الناس: "إن الصلاة في الرحال" ووقع عند أبي داود وأحمد والطبراني: "أن ذلك كان يوم جمعة"، وقد ترجم أبو داود بقوله: "باب الجمعة في اليوم المطير"، قال محمد شمس الحق العظيم آبادي: "واعلم أنه في الاستدلال بهذه الرواية على ترجمة الباب نظر، لأن الراوي لم يبين أن النداء المذكور كان لصلاة الجمعة، نعم كانت هذه الواقعة يوم الجمعة فيحتمل أن هذا الأمر كان لصلاة الجمعة، وكذا يحتمل أن يكون لغيرها من الصلاة، وإن تعين احتمال يوم الجمعة فهذه واقعة سفر لا يستدل بها على الحضر". (عون المعبود ٣/٣٨٨) . ٣ الأمر هنا أمر إباحة بدليل ما جاء عند الطبراني والبيهقي في بعض ألفاظ هذا الحديث "عن أبي المليح عن أبيه قال: "شهدت مع رسول الله ﷺ حنينا فأصابنا بغش - يعني مطرًا - فنادى منادي رسول الله ﷺ "من شاء أن يصلي في رحله فليصل". وبوب على هذا الحديث ابن خزيمة بقوله: "باب إباحة الصلاة في الرحال وترك الجماعة في اليوم المطير في السفر". (صحيح ابن خزيمة ٣/٨٠) . وفي حديث جابر بن عبد الله - ﵁ - عنهما قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا، فقال: "ليصل من شاء منكم في رحله " (صحيح مسلم ١/٤٨٤-٤٨٥ كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال في المطر) والرحال: "المنازل والمساكن سواء كنت من حجر ومدر وخشب أو من شعر وصوف ووبر وغيرها، واحدها رحل". (النهاية ٢/٢٠٩ وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٤٨) . ٤ سنن النسائي ٢/٨٦ كتاب الإمامة، باب العذر في ترك الجماعة". ٥ مسند أحمد ٥/٧٤، ٧٥ وطبقات ابن سعد الكبرى ٢/١٥٧". ٦ همام: "هو ابن يحيى بن دينار الأزدي العوذي "ثقة" تقدم في حديث (٢٣٠) . ٧ سنن أبي داود ١/٢٤٤ كتاب الصلاة، باب الجمعة في اليوم المطير". ومسند أحمد ٥/٧٤، ٧٥". ٨ أبان: "هو ابن يزيد العطار "ثقة" له أفراد تقدم في حديث (٩) .
[ ٢ / ٥٦٣ ]
ومن طريق سعيد١ عن قتادة عن أبي المليح به٢.
ورواه ابن خزيمة من طريق شعبة وسعيد بن أبي عروبة، وهمام بن يحيى كلهم عن قتادة عن أبي المليح به٣.
ورواه الطبراني من طريق هؤلاء الثلاثة و"حماد بن سلمة" كلهم عن قتادة عن أبي المليح به إلا أنه لم يذكر "يوم حنين"٤.
ورواه ابن سعد والطبراني كلاهما من طريق سعيد٥ بن زربي قال حدثنا أبو المليح عن أبيه به٦.
ورواه الطبراني أيضًا والبيهقي من طريق عامر٧ بن عبيدة الباهلي عن أبي المليح به٨.
والحديث صحيح٩.
وقد رواه شعبة بن الحجاج وهمام بن يحيى وأبان بن يزيد وسعيد ابن أبي عروبة كلهم عن قتادة عن أبي المليح، بلفظ "يوم حنين".
وتابع قتادة في ذلك عامر بن عبيدة الباهلي، وسعيد١٠ بن زربي كلاهما عن أبي المليح.
_________________
(١) ١ سعيد: "هو ابن أبي عروبة مهران اليشكري "ثقة حافظ" تقدم في حديث (٤٨) . ٢ مسند أحمد ٥/٧٤، ٧٥". ٣ صحيح ابن خزيمة ٣/٨٠-٨١". ٤ المعجم الكبير١/١٥٥". ٥ سعيد بن زربي - بفتح الزاي وسكون الراء بعدها موحدة مكسورة - الخزاعي البصري العباداني، أبو عبيدة، أو أبو معاوية، منكر الحديث من السابعة". / ت". (التقريب ١/٢٩٥ وتهذيب التهذيب ٤/٢٨، وميزان الاعتدال ٢/١٣٦) . ٦ طبقات بن سعد الكبرى ٧/٤٤ والمعجم الكبير للطبراني ١/١٥٦". ٧ عامر بن عبيدة الباهلي البصري القاضي بها ثقة من الرابعة"./خت". (التقريب ١/٣٨٩، وتهذيب التهذيب ٥/٧٩) . ٨ المعجم الكبير ١/١٥٦ والبيهقي: "السنن الكبرى ٣/٧١ إلا أنه لم يقل "يوم حنين". ٩ انظر فتح الباري ٢/١١٣". ١٠ غير أن سعيد بن زربي منكر الحديث فوجوده كعدمه".
[ ٢ / ٥٦٤ ]
والحديث رواه أحمد عن وكيع بن الجراح ثنا سفيان١ بن حبيب عن خالد الحذاء٢ عنأبي قلابة٣ عن أبي المليح عن أبيه٤.
ورواه أبو داود وابن خزيمة والحاكم والبيهقي كلهم من طريق نصر٥ بن علي الجهضمي ثنا سفيان بن حبيب عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح عن أبيه أنه شهد النبي ﷺ زمن الحديبية في يوم الجمعة وأصابهم مطر لم يبتل أسفل نعالهم٦ فأمرهم النبيّ ﷺ أن يصلوا في رحالهم٧.
إلا أن أبا داود قال حدثنا نصر بن علي قال سفيان خبرنا٨ عن خالد الحذاء". بالبناء للمجهول".
_________________
(١) ١ سفيان بن حبيب البصري البزار، أبو محمد، وقيل غير ذلك، ثقة من التاسعة (ت ١٨٢، وقيل ١٨٦) / بخ عم". (التقريب ١/٣١٠ وتهذيب التهذيب ٤/١٠٧) . ٢ خالد بن مهران أبو المنازل - بفتح الميم وقيل بضمها وكسر الزاي- البصري، الحذاء - بفتح المهملة وتشديد الذال المعجمة- قيل له ذلك لأنه كان يجلس عند الحذائين، وقيل لأنه كان يقول احذ على هذا النحو، ثقة يرسل، من الخامسة". وقد عاب عليه بعضهم دخوله في عمل السلطان". وأشار حماد بن زيد إلى أن حفظه تغير لما قدم من الشام (ت ١٤٢ أو ١٤١) ./ع". (التقريب ١/٢١٩ وتهذيب التهذيب ٣/١٢٠-١٢٢) . ٣ أبو قلابة الجرمي البصري عبد الله بن زيد بن عمرو أو عامر، ثقة فاضل كثير الإرسال، قال العجلي: "فيه نصب يسير، من الثالثة مات بالشام هاربا من القضاء (سنة ١٠٤وقيل بعدها) /ع (التقريب١/٤١٧ وتهذيب التهذيب٥/٢٢٤-٢٢٦) . (مسند أحمد ٥/٧٤) . ٥ نصر بن علي بن صهبان الأزدي الجهضمي أبو عمرو البصري الصغير، ثبت، طلب للقضاء فامتنع، من العاشرة (ت ٢٥٠) أو بعدها". /ع". (التقريب ٢/٣٠٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٣٠) . ٦ قال الساعاتي: "هو كناية عن قلة المطر وخفته، فيستفاد منه أن المطر عذر وإن كان خفيفا". (الفتح الرباني ٥/١٨٧) . ٧ أبو داود: "السنن ١/٢٤٤ كتاب الصلاة، باب الجمعة في اليوم المطير، وصحيح بن خزيمة ٣/١٧٩، والمستدرك ١/٢٩٣ وقال: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه وأقره الذهبي". والبيهقي: "السنن الكبرى ٣/١٨٦". ٨ قال محمد شمس الحق: "قال سفيان خبرنا" بصيغة المجهول من التفعيل، والمخبر لسفيان بن حبيب لم يعرف، ثم أورد حديث ابن ماجه". (عون المعبود ٣/٣٨٧) . وقال الدكتور محمد مصطفى الأعظمي: "إسناده صحيح، وأخرجه جماعة، وصححه الحاكم والذهبي من هذا الوجه، وكلّهم قالوا: "ثنا سفيان بن حبيب عن خالد الحذاء، غير أبي داود، فإنه قال: "حدثنا نصر بن علي قال: "سفيان بن حبيب خبرنا عن خالد الحذاء، فمن قرأها "خبرنا" مبنيا للمجهول أعله بالانقطاع، وليس كذلك لرواية الجماعة". وهي مخرجة في "صحيح أبي داود (٩٩٩) للألباني". (التعليق على صحيح ابن خزيمة ٣/١٧٩) .
[ ٢ / ٥٦٥ ]
ورواه ابن ماجه وابن خزيمة، والطبراني كلهم من طريق إسماعيل١ ابن إبراهيم ثنا خالد الحذاء عن قلابة عن أبي المليح به٢".
إلا أن ابن ماجه قال: "عن خالد الحذاء عن أبي المليح" بإسقاط "أبي قلابة".
ورواه ابن حبان من طريق خالد٣ بن عبد الله الواسطي عن خالد الحذاء عن أبي قلابة عن أبي المليح به٤".
والبيهقي من طريق عبد الوهاب بن عطاء أنبأنا خالد عن أبي المليح به٥".
قال محمد شمس الحق: "وقد اختلف على أبي المليح في هذا الحديث فقال قتادة عنه إنّ القصة وقعت في حنين".
وقال خالد الحذاء عنه: "إنها وقعت زمن الحديبية"٦.
قلت: "وقد جاء ذلك عن قتادة أيضًا وهو ما رواه ابن حبان بإسناد صحيح من طريق شعبة عن قتادة عن أبي المليح عن أبيه قال: "كنا مع رسول الله ﷺ زمن الحديبية فأصابتنا سماء لم تبل أسافل نعالنا، فأمر رسول الله ﷺ مناديه "أن صلوا في رحالكم" ٧.
ويجمع بينهما بأن القصة تعددت، ولا مانع من وقوع مثل هذا في الحديبية وفي غزوة حنين٨ ومما يؤيد وقوعه في حنين:
ما رواه أحمد وابن سعد من حديث سمرة بن جندب وهذا سياق أحمد:
_________________
(١) ١ إسماعيل بن إبراهيم بن مقسم الأسدي مولاهم، أبو بشر البصري المعروف بابن علية، "ثقة حافظ" من الثامنة، (ت: "١٩٣) ./ع (التقريب ١/٦٥-٦٦ وتهذيب التهذيب ١/٢٧٥ و٦/٢ و١٠/ ٣٨٤) . ٢ سنن ابن ماجه ١/٣٠٢ كتاب إقامة الصلاة، باب الجامعة في الليلة المطيرة، وصحيح ابن خزيمة ٣/٨٠ والمعجم الكبير للطبراني ١/١٥٦". ٣ خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن يزيد الطحان الواسطي، المزني مولاهم، ثقة ثبت من الثامنة (ت ١٨٢) ./ ع (التقريب١/٢١٥، وتهذيب التهذيب٣/١٠٠) . ٤صحيح ابن حبان ٣/٣٩٧ترتيب الأمير علاء الدين الفارسي وموارد الظمآن ص١٢٣". ٥ السنن الكبرى ٣/٧١". ٦ عون المعبود ٣/٣٨٧". ٧ صحيح ابن حبان ٣/٣٩٩ وموارد الظمآن ص ١٢٣". ٨ انظر: "الفتح الرباني ٥/١٨٨".
[ ٢ / ٥٦٦ ]
٢٥٢- قال حدثنا بهز١ ثنا أبان٢ ثنا قتادة عن الحسن٣ عن سمرة٤ أن النبي ﷺ قال يوم حنين في يوم مطير: "الصلاة في الرحال".
ورواه أيضًا من طريق همام بن يحيى، وهشام الدستوائي كلاهما عن قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب به٥".
ورواه ابن سعد من طريق همام بن يحيى أخبرنا قتادة عن الحسن عن سمرة به٦".
والحديث فيه قتادة والحسن وهما مدلسان وقد عنعناه ولكن يؤيده حديث أبي المليح عن أبيه".
والحديثان يدلان على جواز قول "المؤذن" الصلاة في الرحال في الأذان، في حال المطر والليلة الباردة ونحو ذلك".
وعلى أن هذا الكلام ونحوه يجوز في الأذان لمن يحتاج إليه".
كما يدلان على جواز ترك حضور الجماعة في مثل هذا ونحوه٧".
ومما تجدر الإشارة إليه هو هل هذا القول الصادر من المؤذن يكون في نفس الأذان أم بعد الانتهاء منه؟
اختلف العلماء نظرا لاختلاف الأحاديث الواردة في ذلك".
٢٥٣- فقد ورد في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ بهز هو ابن أسد العمي أبو الأسود البصري "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٩١) . ٢ أبان: "هو ابن يزيد العطار "ثقة" له أفراد، تقدم في حديث ٠٩) . ٣ الحسن: "هو البصري "ثقة فاضل فقيه" يرسل كثيرا ويدلس تقدم في حديث (١٥٦) . وفي سماع الحسن من سمرة لغير حديث العقيقة خلاف معلوم". ٤ سمرة بن جندب بن هلال الفزاري، حليف الأنصار، صحابي مشهور له أحاديث، (ت بالبصرة سنة ٥٨) . / ع". (التقريب ١/٣٣٣، تهذيب التهذيب ٤/٢٣٦) . ٥ مسند أحمد ٥/٨، و١٣، و١٥، و١٩، و٢٢، و٧٤". ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٥٦". ٧ انظر: "فتح الباري ٢/٩٩ وكتاب الأم للشافعي ١/٧٦".
[ ٢ / ٥٦٧ ]
كان يأمر مؤذنا يؤذن ثم يقول على إثره: "ألا صلوا في رحالكم في الليلة الباردة أو١ المطيرة٢ في السفر٣٤".
وفي لفظ عنه أنه نادى بالصلاة في ليلة ذات برد وريح ومطر، فقال في آخر ندائه: "ألا صلوا في رحالكم ألا صلوا في رحالكم".
ثم قال: "إن رسول الله ﷺ كان يأمر المؤذن، إذا كانت ليلة باردة أو ذات مطر في السفر أن يقول: "ألا صلوا في رحالكم"٥.
٢٥٤- وفي حديث ابن عباس ﵄ أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: "إذا قلت: "أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أنّ محمدًا رسول الله، فلا تقل حي على الصلاة، قل: "صلوا في بيوتكم"٦.
_________________
(١) ١ قوله: "في الليلة الباردة أو المطيرة". قال ابن حجر: "أو" للتنويع لا للشك، وفي صحيح أبي عوانة "ليلة باردة أو ذات مطر أو ذات رياح" ثم قال ابن حجر: "ودل ذلك على أن كلا من الثلاثة عذر في التأخير عن الجماعة". ونقل ابن بطال فيه الإجماع". لكن المعروف عند الشافعية أن الريح عذر في الليل فقط، وظاهر الحديث اختصاص الثلاثة بالليل". لكن في السنن من طريق ابن إسحاق عن نافع في هذا الحديث "في الليلة المطيرة والغداة القرة" وفيها بإسناد صحيح من حديث أبي المليح عن أبيه "أنهم مطروا يوما فرخص لهم" ثم قال: "ولم أر في شيء من الأحاديث الترخيص بعذر الريح في النهار صريحة لكن القياس يقتضي الحاقة".وقد نقله ابن الرفعة وجها". (فتح الباري ٢/١١٣) . ٢ وقوله أيضا: "في الليلة الباردة أو المطيرة". قال الكرماني: "فعلية بمعنى فاعلة وإسناد المطر إليها مجاز، ولا يقال إنها بمعنى مفعولة - أي ممطور فيها - لوجود الهاء في قوله "مطيرة" إذ لا يصح ممطورة فيها". (فتح الباري ٢/١١٣) . ٣ قوله:"في السفر"قال ابن حجر: ظاهره اختصاص ذلك بالسفر، ورواية مالك عن نافع الآتية مطلقة، وبها أخذ الجمهور، لكن قاعدةحمل المطلق على المقيد تقتضي أن يختص ذلك بالمسافر مطلقًا، ويلحق به من تلحقه مشقة في الحضر دون من لا تلحقه". (فتح الباري٢/١١٣) وانظر رواية مالك عن نافع في صحيح البخاري١/١١٢كتاب الأذان، باب الرخصة في المطر والعلة أن يصلي في رحله". ٤ صحيح البخاري١/١٠٧ كتاب الأذان باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة، وقول المؤذن: "الصلاة في الرحال في الليلة الباردة أو المطيرة". ٥ صحيح مسلم ١/٤٨٤ كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال في المطر". ٦ البخاري: "الصحيح ١/١٠٦ كتاب الأذان، باب الكلام في الأذان، ١١٢ فيه باب هل يصلي الإمام بمن حضر، وهل يخطب يوم الجمعة في المطر، و٢/٦ كتاب الجمعة، باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر". ومسلم: "الصحيح ١/٤٥٨ كتاب صلاة المسافرين، باب الصلاة في الرحال في المطر واللفظ له".
[ ٢ / ٥٦٨ ]
فحديث ابن عمر صريح في أن القول المذكور بعد الفراغ من الأذان وحديث ابن عباس صريح في أنه في نفس الأذان".
قال النووي: "في حديث ابن عباس أن يقول: "ألا تصلوا في رحالكم" في نفس الأذان".
وفي حديث ابن عمر أنه قال في آخر ندائه".
والأمران جائزان نص عليهما الشافعي - رحمه الله تعالى - في الأم في كتاب الأذان".
وتابعه جمهور أصحابنا في ذلك، فيجوز بعد الأذان وفي أثنائه لثبوت السنة فيهما".
لكن قوله بعده أحسن ليبقى نظم الأذان على وضعه، ومن أصحابنا من قال: "لا يقوله إلا بعد الفراغ، وهذا ضعيف مخالف لصريح حديث ابن عباس ﵄، ثم قال: "ولا منافاة بينه وبين حديث ابن عمر ﵄ لأن هذا جرى في وقت وذلك في وقت وكلاهما صحيح"١".
وقال ابن حجر: "وقال القرطبي٢: "لما ذكر رواية مسلم بلفظ "يقول في آخر ندائه".
قال: "ويحتمل أن يكون المراد في آخره قبيل الفراغ منه، جمعا بينه وبين حديث ابن عباس".
ثم قال ابن حجر: "وقد قدمنا في "باب الكلام في الأذان" عن ابن خزيمة أنه حمل حديث ابن عباس على ظاهره وأن ذلك يقال بدلا من الحيعلة٣ نظرا إلى المعنى، لأن المعنى "حي على الصلاة" هلموا إليها، ومعنى "الصلاة في الرحال" تأخروا عن المجيء، ولا يناسب إيراد اللفظين معا لأن أحدهما نقيض الآخر".
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٤٨ وانظر الأم للشافعي ١/٧٦". ٢ هو أبو العباس أحمد بن عمر بن إبراهيم القرطبي الأنصاري، المحدث العلامة (٥٧٨-٦٥٦هـ) وكتابه يسمى "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم". وتذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٣٨ وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية لمحمد بن محمد مخلوف ص ١٩٤ ومعجم المؤلفين لكحالة٢/٢٧) . وقد وقع في مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ١/١٥٨: "أن وفاة القرطبي (٦٦٥) وهو خطأ". ٣ يعني: "حذف حي على الصلاة الخ وجعل بدلا منها "صلوا في رحالكم".
[ ٢ / ٥٦٩ ]
ثم عقب ابن حجر على هذا بقوله: "ويمكن الجمع بينهما، ولا يلزم منه ما ذكر بأن يكون معنى "الصلاة في الرحال" رخصة لمن أراد أن يترخص، ومعنى هلموا إلى الصلاة ندب لمن أراد أن يستكمل الفضيلة ولو تحمل المشقة".
ويؤيد ذلك حديث جابر عند مسلم قال: "خرجنا مع رسول الله ﷺ في سفر فمطرنا، فقال: "ليصل من شاء منكم في رحله" ١.
ولعل ما ذهب إليه ابن حجر من الجمع بين الأحاديث أولى، للعمل بجميع الأحاديث، لأنه إذا أمكن الجمع بين الأحاديث بحمل كل على محمل صحيح تعين المصير إليه".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٢/ ٩٨ و١١٣، وانظر صحيح ابن خزيمة ٣/١٢ حيث قال: "باب أمر الإمام المؤذن بحذف حي على الصلاة، والأمر بالصلاة في البيوت بدله". وحديث جابر المشار إليه عند مسلم، تقدم في ص ٥٥١ تعليقة (٣) .
[ ٢ / ٥٧٠ ]
الحكم السابع: تعليم أبي محذورة الأذان
الأذان: لغة الإعلام، قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الأَكْبَرِ﴾، [التوبة، من الآية: ٣] .
وشرعا: "هو الإعلام بدخول وقت الصلاة بألفاظ مخصوصة١".
حكمه: "ذهب جمهور العلماء إلى أنّه من السنن المؤكدة، وذهب الأوزاعي٢ وداود٣ وابن المنذر٤ إلى وجوبه مطلقا".
وقال ابن حجر: "وهو ظاهر قول مالك في الموطّأ٥".
وحكي عن محمد بن الحسن". وقيل: "واجب في الجمعة فقط، وقيل فرض كفاية".
ثم قال ابن حجر: "ومنشأ الاختلاف أن مبدأ الأذان لما كان عن مشورة أوقعها النبي ﷺ بين أصحابه حتى استقر برؤيا بعضهم فأقره كان ذلك بالمندوبات أشبه، ثم لما واظب على تقريره ولم ينقل أنه تركه ولا أمر بتركه ولا رخص في تركه، كان ذلك بالواجبات أشبه٦".
_________________
(١) ١ النهاية لابن الأثير ١/٣٤ وشرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣ وفتح الباري ٢/٧٧ ونيل الأوطار ٢/٣٥، والمغني لابن قدامة ١/٤٠٢". ٢ هو عبد الرحمن بن عمرو تقدم في حديث (١٣٥) . ٣ هو داود بن علي الحافظ الفقيه المجتهد أبو سليمان الاصبهاني، إمام الظاهرية (٢٠٠-٢٧٠هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٧٢-٥٧٣) . ٤ هو محمد بن إبراهيم بن المنذر". تقدم في حديث (٥٦) . ٥ الموطّأ ١/٧٧". ٦ فتح الباري ٢/٧٩،٨٠ نيل الأوطار ٢/٣٦ وكذلك جاء الاختلاف في وجوب الإقامة وعدمه".
[ ٢ / ٥٧١ ]
وأما ابتداء مشروعية الأذان فكان في السنة الأولى من الهجرة على ما جاء في حديث عبد الله بن عمر ﵄ أنه قال:
٢٥٥- كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون١ الصلوات وليس ينادي بها أحد فتكلموا يوما في ذلك، فقال بعضهم اتخذوا ناقوسا٢ مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم قرنا٣ مثل قرن اليهود".
فقال عمر: "أولا تبعثون رجلا ينادي بالصلاة، قال رسول الله ﷺ: " يا بلال قم فناد٤ بالصلاة" ٥.
قال ابن حجر: "وحديث ابن عمر المذكور في هذا الباب ظاهر في أن الأذان إنما شرع بعد الهجرة، فإنه نفى النداء بالصلاة قبل ذلك مطلقا".
ثم قال: "وقد جزم ابن المنذر بأنه ﷺ كان يصلي بغير أذان منذ فرضت الصلاة بمكة إلى أن هاجر إلى المدينة وإلى أن وقع التشاور في ذلك على ما في حديث عبد الله بن عمر ثم في حديث عبد الله بن زيد٦".
وقال ابن خزيمة: "باب ذكر الدليل على أن بدء الأذان إنما كان بعد هجرة النبي ﷺ إلى المدينة، وأن صلاته بمكة إنما كانت من غير نداء لها ولا إقامة".
_________________
(١) ١ فيتحينون: "بحاء مهملة بعدها مثناة تحتانية ثم نون، أي يقدرون أحيانها وليأتوا إليها، والحين الوقت من الزمن". (فتح الباري ٢/٨٠) . ٢الناقوس: "هو خشبة طويلة تضرب بخشبة أصغر منها، والنصارى يعلمون بها أوقات صلاتهم". (النهاية ٥/١٠٦) . ٣القرن: "هو البوق الذي ينفخ فيه ويزمر". قال ابن حجر: "والبوق والقرن معروفان: "والمراد أنه ينفخ فيه فيجتمعون عند سماع صوته، وهو من شعار اليهود ويسمى أيضا "الشبور" بالشين المعجمة المفتوحة والموحدة المضمونة الثقيلة". (فتح الباري ٢/٨١ ولسان العرب ٦/٦٠ و١١/٣٣٣ والقاموس المحيط ٢/٥٥ و٣/٢١٥) . ٤ قال ابن حجر: "كان اللفظ الذي ينادي به بلال للصلاة قوله "الصلاة جامعة" أخرجه ابن سعد في الطبقات من مراسيل سعيد بن المسيب". (فتح الباري ٢/٨٢، وطبقات ابن سعد ١/٢٤٦) . ٥ البخاري: "١/١٠٤ كتاب الأذان، باب بدء الأذان، ومسلم ١/٢٨٥ كتاب الصلاة، باب بدء الأذان، واللفظ له". ٦ فتح الباري ٢/٧٨و٧٩ وانظر تخريج حديث عبد الله بن عمر برقم (٢٥٥) .
[ ٢ / ٥٧٢ ]
ثم قال: "قال أبو بكر: "في خبر عبد الله بن زيد١: "كان رسول الله ﷺ حين قدم المدينة إنما يجتمع الناس إليه للصلاة بحين مواقيتها بغير دعوة" ٢.
وقد رويت أحاديث تدل على أن الأذان شرع بمكة قبل الهجرة قال ابن حجر: "والحق أنه لا يصح شيء من هذه الأحاديث"٣".
وأما سبب تعليم أبي محذورة الأذان فقد قصه هو بنفسه فيما رواه النسائي وابن ماجه وغيرهما وهذا سياق النسائي:
٢٥٦- أخبرنا إبراهيم٤ بن الحسن ويوسف٥ بن سعيد، واللفظ له، قال: "حدثنا حجاج٦ عن ابن جريج٧ قال: "حدثني عبد العزيز٨ بن أبي محذورة أن عبد الله٩ بن محيريز أخبره، وكان يتيما في حجر أبي محذورة١٠ حتى١١ جهزه إلى الشام،
_________________
(١) ١ عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، صاحب الأذان". ٢ صحيح ابن خزيمة ١/١٨٩-١٩٠ و١٩١-١٩٣ وانظر سيرة ابن هشام ١/٥٠٨". ٣ فتح الباري ٢/٧٧ و٧٨، و٧٩ ونيل الأوطار ٢/٣٥". ٤ إبراهيم بن الحسن بن الهيثم الخثعمي، أبو إسحاق المصيصي المقسمي - بكسر الميم - ثقة من الحادية عشرة"./ د س فق". (التقريب ١/٣٤ وتهذيب التهذيب ١/١١٤) . ٥ يوسف بن سعيد بن مسلم - بفتح اللام المشددة - المصيصي، ثقة حافظ من الحادية عشرة (ت ٢٧١ وقيل قبل ذلك) . /س". (التقريب ٢/٣٨١ وتهذيب التهذيب ١١/٤١٤) . ٦ حجاج بن محمد المصيصي الأعور، أبو محمد الترمذي الأصل، نزل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمر، لما قدم بغداد قبل موته من التاسعة، (ت٢٠٦) . /ع". (التقريب ١/١٥٤ وتهذيب التهذيب ٢/٢٠٥) . وفي تهذيب التهذيب هو أثبت أصحاب ابن جريج". ٧ ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز "ثقة فقيه مدلس" تقدم وقد صرح هنا بالتحديث". ٨ عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة، الجمحي المكي، المؤذن، مقبول، من السادسة". /عم". (التقريب ١/٥١٠ وتهذيب التهذيب ٦/٣٤٧) وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات". ولم يذكر فيه البخاري ولا ابن حاتم جرحا ولا تعديلا، غير أن البخاري قال: "سمع عبد الله بن محيريز (تاريخ البخاري ٦/١٨ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٥/٣٨٨ وتاعبه مكحول انظر ص ٨٩٤". ٩ عبد الله بن محيريز تقدم في حديث (٢٣٦) . ١٠ أبو محذورة الجمحي المكي مؤذن رسول الله ﷺ صحابي مشهور اختلف في اسمه واسم أبيه". / بخ م عم". مات أبو محذورة بمكة سنة ٥٩ وقيل ٧٩". (التقريب ٢/٤٦٩ وتهذيب التهذيب (١٢/٢٢٢ والإصابة ٤/١٧٦ والاستيعاب ٤/١٧٧ مع الإصابة، وأسد الغابة ١/١٧٧ و٢/٤٥٦ و٦/٢٧٨) . ١١ عند الشافعي وابن ماجه وابن حبان"حين" وهي أظهر في المعنى".
[ ٢ / ٥٧٣ ]
قال: "قلت لأبي محذورة١: "إني خارج إلى الشام وأخشى٢ أن أسأل عن تأذينك فأخبرني أن أبا محذورة قال له: "خرجت في نفر٣ فكنا ببعض طريق حنين مقفل٤ رسول الله ﷺ من حنين٥ فلقينا رسول الله ﷺ في بعض الطريق، فأذن مؤذن رسول الله ﷺ بالصلاة عند رسول الله ﷺ،فسمعنا صوت المؤذن ونحن عنه متنكبون٦، فظللنا٧ نحكيه٨ ونهزأ به، فسمع رسول الله ﷺ الصوت٩".
فأرسل إلينا١٠ حتى وقفنا بين يديه، فقال رسول الله ﷺ: "أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ فأشار القوم١١ إلي وصدقوا، فأرسلهم كلهم وحبسني، فقال: قم فأذن بالصلاة، فقمت١٢ فألقى علي رسول الله ﷺ التأذين هو بنفسه قال: "قل: "الله أكبر الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر،١٣ أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله.
_________________
(١) ١ وعند ابن ماجة والشافعي والبيهقي"فقلت لأبي محذورة: أي عم"وعند أحمد"يا عم". ٢ وعند ابن ماجة وابن حبان: "وإني أسألك عن تأذينك" ٣ النفر: "هو اسم جمع يقع على جماعة من الرجال خاصة ما بين الثلاثة إلى العشرة، ولا واحد له من لفظه". (النهاية ٥/٩٣) . ٤ وعند أحمد والشافعي والبيهقي: "فقفل". ٥ وعند البلاذري قال: "حدثني هدية بن خالد، ثنا همام عن ابن جريج أن النبي ﷺ علم أبا محذورة الأذان بالجعرانة ثم قسم غنائم حنين ثم جعله مؤذنا في المسجد الحرام". (أنساب الأشراف ص٥٢٧) . ٦ متنكبون: "أي معرضون". (النهاية ٥/١١٢) .ووقع عند الشافعي "متكئون". ٧ وعند ابن ماجة "فصرخنا نحكيه ونهزأ به". وعند أحمد والشافعي واليبيهقي: "فصرخنا نحكيه ونستهزئ به". ٨ نحكيه: أي نفعل مثل فعله، يقال حكاه وحاكاه، إذا فعل مثل فعله". (النهاية ١/٤٢١، ومختار الصحاح ص١٤٨) . ٩ وعند ابن حبان: "فسمع رسول الله ﷺ الصوت، فقال: "أيكم يعرف هذا الذي أسمع الصوت؟ قال فجئ بنا فوقفنا بين يديه". ١٠ وعند ابن ماجة: "فأرسل إلينا قوما فأقعدونا بين يديه". ١١ وعند الشافعي وأحمد والبيهقي: "فأشار القوم كلهم إلي". ١٢ وعند ابن ماجة والشافعي والبيهقي: "فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله ﷺ ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله ﷺ فألقى رسول الله ﷺ التأذين الخ". ١٣ وعند أحمد في هذا الحديث: "التكبير مرتين فقط".
[ ٢ / ٥٧٤ ]
ثم قال: "ارجع فامدد صوتك١،ثم قال: "قل أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدا رسول الله، أشهد أن محمدا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا لله".
ثم دعاني حين قضيت التأذين فأعطاني صرة فيها شيء من فضة٢
فقلت يا رسول الله، مرني٣ بالتاذين بمكة، فقال: "قد أمرتك به".
فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة فأذنت معه بالصلاة٤ عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم٥".
والحديث رواه أبو داود وابن ماجة والشافعي وأحمد وابن حبان والطبراني كلهم من طريق ابن جريج به٦".
_________________
(١) ١ وعندأحمد والبيهقي"فامدد من صوتك"وعند ابن ماجة: "ثم قال لي ارفع من صوتك" وهذا ما يسمى بالترجيع وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت". وسيأتي خلاف العلماء في ذلك، ص (٥٦٨) . ٢ وعند ابن ماجة: "فأعطاني صرة فيها شيء من فضة، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه، ثم على ثدييه، ثم على كبده، ثم بلغت يد رسول الله ﷺ سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله ﷺ: "بارك الله لك وبارك عليك" ونحو هذا عند أحمد والشافعي وابن حبان والطبراني والبيهقي". ٣ وعند ابن ماجة والشافغي وأحمد وابن حبان والبيهقي فقلت: "يا رسول الله أمرتني بالتأذين بمكة؟ قال: "نعم قد أمرتك" فذهب كل شيء كان لرسول الله ﷺ من كراهية، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله ﷺ فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله ﷺ بمكة الخ". ٤ وعند ابن حبان: "فكنت أأذن بمكة عن أمر رسول الله ﷺ". ٥ سنن النسائي ٢/٥ كتاب الأذان، باب كيف الأذان؟ ٦ أبو داود: "السنن ١/١١٨ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، مختصرًا". وابن ماجه: "السنن ١/٢٣٤-٢٣٥ كتاب الأذان، باب الترجيع في الأذان". والشافعي: "الأم ١/٧٣، وأحمد: "المسند ٣/٤٠٩". والطبراني: "المعجم الكبير ٧/٢٠٤-٢٠٥". وابن حبان: "صحيح ابن حبان ٣/١٤١". والحديث رواه من عدا أبا داود مطولا". وزاد ابن ماجه والشافعي وأحمد وابن حبان والبيهقي في هذا الحديث". قال ابن جريج: "وأخبرني بذلك من أدركت من آل أبي محذورة على نحو ما أخبرني ابن محيريز "لفظ البيهقي والباقون بمعناه". وزاد الشافعي أيضا: "وأدركت إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة يؤذن كما حكى ابن محيريز". وسمعته يحدث عن أبيه عن ابن محيريز عن أبي محذورة عن النبي ﷺ معنى ما حكى ابن جريج".
[ ٢ / ٥٧٥ ]
ورواه الدارقطني والبيهقي والبغوي الجميع من طريق الشافعي١".
ورواه الترمذي من طريق إبراهيم بن عبد العزيز مختصرا وهذا سياقه:
قال: "حدثنا بشر بن معاذ البصري حدثنا إبراهيم٢ بن عبد العزيز ابن عبد الملك بن أبي محذورة قال: "أخبرني أبي٣ وجدي٤ جميعا عن أبي محذورة٥ أن رسول الله ﷺ أقعده وألقى عليه الأذان حرفا حرفا".
قال إبراهيم: "مثل أذاننا".
قال بشر: "فقلت له: "أعد عليّ فوصف الأذان بالترجيع".
قال أبو عيسى: "حديث أبي محذورة في الأذان حديث صحيح، وقد روي عنه من غير وجه".
وعليه العمل بمكة، وهو قول الشافعي٦".
والحديث فيه أن عدد ألفاظ الأذان خمس عشرة كلمة مع تربيع التكبير في أوله، بدون ترجيع، ومع الترجيع تكون ألفاظ الأذان تسع عشرة كلمة.
ورواه أبو داود وابن حبان والطبراني والبيهقي الجميع من طريق محمد٧ بن عبد الملك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال: "قلت: "يا رسول الله علمني سنة الأذان، قال: "فمسح مقدم رأسي وقال: "تقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، ثم ساق ألفاظ الأذان تسع عشرة كلمة مع الترجيع، ولم يذكر الإقامة.
_________________
(١) ١ الدارقطني: "السنن ٢/٢٣٣، والبيهقي: "السنن الكبرى ١/٣٩٣ و٤١٩، البغوي: "شرح السنة ٢/٢٥٩-٢٦٢". ٢ قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٣٩: "صدوق يخطئ" وفي تهذيب التهذيب ١/١٤١: "وثقه ابن حبان وضعفه آخرون". ٣ هو عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي "مقبول" تقدم في الحديث (٢٥٦) . ٤ هو عبد الملك بن أبي محذورة الجمحي "مقبول" انظرك التقريب ١/٥٢٢ وتهذيب التهذيب ٦/٤١٨". ٥ اختلف في اسمه واسم أبيه تقدم في حديث (٢٥٦) . ٦ سنن الترمذي ١/١٢٣ كتاب الصلاة، باب ما جاء في الترجيع في الأذان". ٧ محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة المكي، الجمحي المؤذن "مقبول" من السابعة". / د". (التقريب ٢/١٨٦ وتهذيب التهذيب ٩/٣١٧) .
[ ٢ / ٥٧٦ ]
وزاد في آخره: "فإن كانت صلاة الصبح قلت: "الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله" ١.
ومن طريق أبي داود أخرجه البغوي٢".
ورواه أبو داود أيضًا والطبراني كلاهما من طريق إبراهيم٣ بن إسماعيل بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: "سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة يقول: "ألقى علي رسول الله ﷺ الأذان حرفًا حرفًا، ثم ساق ألفاظ الأذان مع الترجيع "تسع عشرة كلمة" ولم يذكر الإقماة أيضا".
وفي آخره قال: "وكان يقول في الفجر: "الصلاة خير من النوم"٤.
ورواه الطبراني والدارقطني والبيهقي الجميع من طريق عبد الرزاق٥.
وأبو داود من طريق أبي عاصم النبيل٦ وعبد الرزاق كلاهما عن ابن جريج قال أخبرني عثمان٧ بن السائب أخبرني أبي٨ وأم عبد الملك٩ ابن أبي محذورة عن أبي محذورة عن النبي ﷺ نحو حديث محمد بن عبد الملك بن أبي محذورة، وإبراهيم بن إسماعيل١٠".
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي١١".
_________________
(١) ١ سنن أبي داود١/١١٩كتاب الصلاة، باب كيف الأذان".وابن حبان: صحيح ابن حبان ٣/١٤٤، والطبراني: المعجم الكبير ٧/٢٠٧، والبيهقي: "السنن الكبرى١/٣٩٤". ٢ شرح السنة ٢/٢٦٣". ٣ إبراهيم بن إسماعيل "مجهول" وضعفه الأزدي من السابعة". /د". (التقريب ١/٣٢ وتهذيب التهذيب ١/١٠٥) . ٤ سنن أبي داود ١/١١٩ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان، واللفظ له، والمعجم الكبير للطبراني ٧/٢٠٥-٢٠٦". ٥ المعجم الكبير للطبراني ٧/٢٠٦ وسنن الدارقطني ١/١٢٣٥ والسنن الكبرى للبيهقي ١/٣٩٣-٣٩٤". ٦ هو الضحاك بن مخلد". ٧ عثمان بن السائب الجمحي المكي مولى أبي محذورة "مقبول". (التقريب٢/٩ وتهذيب التهذيب ٧/١١٧) . ٨ هو السائب الجمحي المكي "مقبول". (التقريب٢/٦٢٢وتهذيب التهذيب٣/٤٥١) . ٩ أم عبد الملك زوج أبي محذورة "مقبولة" (التقريب ٢/٦٢٢ وتهذيب التهذيب ١٢/٤٨٣) . ١٠ سنن أبي داود ١/١١٧". ١١ السنن الكبرى ١/٤٢٢، والحديث في مصنف عبد الرزاق ١/٤٥٧-٤٥٩".
[ ٢ / ٥٧٧ ]
ورواه النسائي والدارقطني كلاهما من طريق حجاج بن محمد عن ابن جريج قال: "أخبرني عثمان بن السائب به".
ومن طريق الدارقطني أخرجه البيهقي".
ولفظه عند النسائي: "قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من حنين خرجت عاشر عشرة١ من أهل مكة نطلبهم فسمعناهم يؤذنون بالصلاة فقمنا نؤذن نستهزئ بهم فقال رسول الله ﷺ: "قد سمعت في هؤلاء تأذين إنسان حسن الصوت فأرسل إلينا فأذنا رجل رجل، وكنت آخرهم فقال حين أذنت تعال، فأجلسني بين يديه، فمسح على ناصيتي٢ وبرك علي ثلاث مرات، ثم قال: "اذهب فأذن عند البيت الحرام" قلت: "كيف يا رسول الله؟ فعلمني كما تؤذنون الآن بها: "الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، أشهد أنّ محمدًا رسول الله، حي على الصلاة حي على الصلاة، حي على الفلاح حي على الفلاح، الصلاة خير من النوم الصلاة خير من النوم في الأولى من الصبح".
قال: "وعلمني الإقامة مرتين: "ثم ساق ألفاظ الإقامة".
وفي آخر الحديث قال: "قال ابن جريج: "أخبرني عثمان هذا الخبر كله عن أبيه وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة"٣".
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد وابن الجارود والدارمي وابن خزيمة وابن حبان والطبراني والدارقطني والبيهقي الجميع من طريق عامر الأحول٤".
_________________
(١) ١ عاشر عشرة: "أي واحد من عشرة". قال ابن هشام في شرح قطر الندى ص ٣١١ عند كلامه على العدد: "الثانية: "أن يضاف العدد إلى ما هو مشتق منه فتقول: "ثاني اثنين، وثالث ثلاثة، ورابع أربعة ومعناه واحد من اثنين، وواحد من ثلاثة، وواحد من أربعة، قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ﴾، [سورة التوبة، من الآية: "٤٠] ". وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾، [المائدة، من الآية: "٧٣] ". ٢ وعند عبد الرزاق وأبي داود والبيهقي: "قال فكان: "أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها، لأن رسول الله ﷺ مسح عليها". ٣ سنن النسائي ٢/٧ كتاب الأذان في السفر، وسنن الدارقطني١/٢٣٤". والسنن الكبرى للبيهقي ١/٤١٨". ٤هو عامر بن عبد الواحد الأحول البصري".
[ ٢ / ٥٧٨ ]
حدثني مكحول حدثه أن عبد الله بن محيريز حدثه أن أبا محذورة، حدثه أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة، والإقامة سبع عشرة كلمة"١.
ثم ساق ألفاظ الأذان مع الترجيع، والإقامة مثنى مثنى".
ورواه مسلم من طريق عامر الأحول به٢".
فذكر الأذان مثنى مثنى مع الترجيع الشهادتين".
فكان عدد ألفاظ الأذان مع الترجيع سبع عشرة كلمة مع تثنية التكبير في أوله وترجيع الشهادتين".
والحديث رواه عن أبي محذورة - ﵁ - جماعة من التابعين بصور مختلفة روى إحداها مسلم في صحيحه وقد صحح الحديث الترمذي، وقال ابن خزيمة: "خبر أبي٣ محذورة ثابت صحيح من جهة النقل"٤. إهـ.
وقد اشتمل الحديث على الصور الآتية:
أ- ترجيع الشهادتين ن في الأذان".
ب- التكبير في أول الأذان أربع مرات، وأن عدد ألفاظ الأذان خمس عشرة كلمة، بدون ترجيع، وتسع عشرة كلمة مع الترجيع.
ج- التكبير في أوّل الأذان مرتين فقط مع الترجيع الشهادتين، بحيث يصبح عدد ألفاظ الأذان ثلاث عشرة كلمة بدون ترجيع، وسبع عشرة كلمة مع الترجيع٥.
_________________
(١) ١ أبو داود: "السنن ١/١١٨ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان". والترمكذي: "السنن ١/١٢٤ كتاب الصلاة، باب ما جاء في الترجيع في الأذان". والنسائي: "السنن ٢/٥ كتاب الأذان، باب كم الأذان، وباب كيف الأذان". وابن ماجه: "السنن ١/٢٣٥ كتاب الأذان، باب الترجيع في الأذان". وأحمد: "المسند ٦/٤٠١". وابن الجارود: "المنتقى ص ٦٤". والدارمي: "١/٢١٦ السنن كتاب الصلاة، باب الترجيع في الأذان". وابن خزيمة: "الصحيح ١/١٩٥". وابن حبان: "صحيح ابن حبان ٣/١٤٣ وموارد الظمآن ص ٩٥". والطبراني: "المعجم الكبير ٧/٢٠٤، والدارقطني: "السنن ١/٢٣٧ و٢٣٨، والبيهقي: "السنن الكبرى ١/٣٩٢ و٤١٦-٤١٧". ٢ صحيح مسلم: "١/٢٨٧ كتاب الصلاة، باب صفة الأذان". ٣ في الأصل: "ابن أبي محذورة ولعل كلمة (٠ ابن" خطأ". ٤ صحيح ابن خزيمة ١/١٩٦". ٥ صحيح مسلم ١/٢٨٧ كتاب الصلاة، باب صفة الأذان".
[ ٢ / ٥٧٩ ]
د- تثنية ألفاظ الإقامة سوى كلمة التوحيد في آخرها، بحيث يصبح عدد ألفاظ الإقامة خمس عشرة كلمة١".
هـ- الصورة السابقة مع تربيع التكبير في أولها فتكون ألفاظها سبع عشرة كلمة٢".
وإفراد الإقامة سوى كلمتي التكبير وقد قامت الصلاة، فيكون عدد ألفاظها إحدى عشرة كلمة٣".
ز- التثويب في أذان الفجر، وهو قول المؤذن بعد الحيعلة "الصلاة خير من النوم".
هكذا وردت هذه الصور في حديث أبي محذورة ﵁".
وسأعطي نبذة عن كل فقرة من هذه الفقرات ناقلا في ذلك بعض ما قاله علماؤنا في هذا باختصار، فأقول:
أ- الترجيع:
قال النووي: "وفي هذا الحديث حجة بينة ودلالة واضحة لمذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء أن الترجيع٤ في الأذان ثابت مشروع، وهو العود إلى الشهادتين مرتين برفع الصوت بعد قولهما مرتين بخفض الصوت، وقال أبو حنيفة والكوفيون: "لا يشرع الترجيع عملا بحديث عبد الله بن زيد فإنه ليس فيه ترجيع، ثم قال النووي: "وحجة الجمهور هذا الحديث الصحيح، والزيادة مقدمة مع أن حديث أبي محذورة هذا متأخرا عن حديث عبد الله بن زيد، فإن حديث أبي محذورة سنة ثمان من الهجرة بعد حنين، وحديث عبد الله بن زيد في أول الأمر".
_________________
(١) ١ تقدم الحديث الوارد في ذلك ص (٥٦٦) . ٢ سنن أبي داود ١/١١٨ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان". وانظر تخريج الحديث ص (٥٦٧) . ٣ الحديث الوارد بذلك عند الدارقطني ١/٢٣٦-٢٣٨ والسنن الكبرى للبيهقي ١/١١٤ وقال ابن حجر: "ورى الدارقطني وحسنه في حديث لأبي محذورة "أن رسول الله ﷺ أمره أن يقيم واحدة واحدة". (فتح الباري ٢/٨٤) . ٤ قال النووي: "واختلف أصحابنا في الترجيع هل هو ركن لا يصح الأذان إلا به؟ أم هو سنة ليس ركنا حتى لو تركه صح الأذان مع فوات كمال الفضيلة؟ على وجهين والأصح عندهم أنه سنة". (شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨) .
[ ٢ / ٥٨٠ ]
وانضم إلى هذا كله عمل أهل مكة والمدينة وسائر الأمصار".
ثم قال: "وذهب جماعة من المحدثين وغيرهم إلى التخيير بين فعل الترجيع وتركه والصواب إثباته١". إهـ.
وبهذا يعلم أن الترجيع زيادة ثابتة في حديث أبي محذورة عند مسلم وغيره وأن القائلين بمشروعيته هم جمهور العلماء ومنهم مالك والشافعي وأحمد".
وأن القائلين بعدم مشروعيته هم الأحناف وقد حاول الطحاوي رد هذه الزيادة، فقال: "بعد أن ساق حديث أبي محذورة المشتمل على زيادة الترجيع "فهذا عبد الله بن زيد، لم يذكر في حديثه الترجيع، فقد خالف أبا محذورة في الترجيع في الأذان، فاحتمل أن يكون الترجيع الذي حكاه أبو محذورة إنما كان لأن أبا محذورة لم يمد بذلك صوته، على ما أراد النبي ﷺ منه فقال له النبي ﷺ "ارجع وامدد صوتك" ٢ هكذا اللفظ في الحديث فلما احتمل ذلك، وجب النظر، لنستخرج به من القولين قولا صحيحا، فرأينا ما سوى ما اختلف فيه من الشهادتين، أن (لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله) لا ترجيع فيه".
فالنظر على ذلك أن يكون ما اختلفوا فيه من ذلك، معطوفًا على ما أجمعوا عليه، ويكون إجماعهم، أن لا ترجيع في سائر الأذان غير الشهادة يقضي على اختلافهم في الترجيع في الشهادة وهذا الذي وصفنا وما بيناه من نفي الترجيع، قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى - "٣. إهـ.
فقد علل الطحاوي لرد زيادة الترجيع الوارد في حديث أبي محذورة بتعليلين:
_________________
(١) احتمال أن أبا محذورة لم يكن يمد بذلك صوته على ما أراد رسول الله ﷺ فأمره رسول الله ﷺ بمد صوته".
(٢) بأن هذا لم يرد في حديث عبد الله بن زيد". وردّ الأوّل: "بأن في سنن أبي داود عن أبي محذورة قال: "قلت: "يا رسول الله علمني سنة الأذان قال: "فمسح مقدم رأسي، قال: "تقول: "الله أكبر، الله أكبر، الله ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨". ٢ انظر ص ٥٦٣". ٣ شرح معاني الآثار ١/١٣٠و١٣١و١٣٢".
[ ٢ / ٥٨١ ]
أكبر، الله أكبر، ترفع بها صوتك، ثم تقول: "أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمد رسول الله، تخفض بها صوتك، ثم ترجع صوتك بالشهادة: "أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، أشهد أنّ محمّدًا رسول الله، أشهد أنّ محمّدًا رسول الله"، الحديث١.
وردّ الثاني: "بان الطحاوي نفسه قد قبل زيادة التثويب الواردة في حديث أبي محذورة دون حديث عبد الله بن زيد".
فقد قال: "كره قوم أن يقال في أذان الصبح (الصلاة خير من النوم) ".
واحتجوا في ذلك بحديث عبد الله بن زيد في الأذان الذي أمره رسول الله ﷺ تعليمه إياه بلالًا".
وخالفهم في ذلك آخرون، فاستحبوا أن يقال: "ذلك في التأذين للصبح بعد الفلاح".
وكان من الحجة لهم في ذلك أنه وإن لم يكن ذلك في حديث عبد الله بن زيد، فقد علمه رسول الله ﷺ أبا محذورة بعد ذلك وأمره أن يجعله في الأذان للصبح".
فلما علمه رسول الله ﷺ أبا محذورة كان ذلك زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد، فوجب استعمالها ٢".
وقد ردّ عليه المباركفوري - ﵀ - بقوله: "فكذلك يقال إن الترجيع، وإن لم يكن في حديث عبد الله بن زيد، فقد علمه رسول الله ﷺ أبا محذورة بعد ذلك، فلما علمه رسول الله أبا محذورة كان ذلك زيادة على ما في حديث عبد الله بن زيد فوجب استعماله"٣".
وقال الشوكاني: "وذهب الشافعي ومالك وأحمد وجمهور العلماء - كما قال النووي - إلى الترجيع في الأذان ثابت لحديث أبي محذورة، وهو حديث صحيح مشتمل على زيادة غير منافية فيجب قبولها"٤.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ١/١١٧ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان ويؤيد هذا أيضا قوله في الحديث الآخر: "علمني النبي ﷺ الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة" انظر ص (٥٦٧) . ٢ شرح معاني الآثار ١/١٣٦ و١٣٧". ٣ تحفة الأحوذي ١/٤٧٥-٥٦٩". ٤ نيل الأوطار ٢/٤٢".
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ب وجـ- التكبير في أول الأذان أربع مرات، ومرتين فقط:
قال النووي عند شرحه لحديث أبا محذورة "هكذا وقع هذا الحديث في صحيح مسلم في أكثر الأصول" في أوله "الله أكبر مرتين فقط".
ووقع في غير مسلم الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أربع مرات، قال القاضي عياض - ﵀: "ووقع في بعض طرق الفارسي١ في صحيح مسلم أربع مرات، وكذلك اختلف في حديث عبد الله بن زيد في التثنية والتربيع، والمشهور فيه التربيع، وبالتربيع قال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجمهور العلماء".
وبالتثنية قال مالك: "واحتج بهذا الحديث وبأنه عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن".
واحتج الجمهور بأن الزيادة من الثقة مقبولة، وبأن التربيع عمل أهل مكة وهي مجمع المسلمين في المواسم وغيرها ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم"٢".إهـ".
وقال الزيلعي: "وقال أبو عمر بن عبد البر: "وقد اختلفت الروايات عن أبي محذورة، إذ علمه رسول الله ﷺ الأذان بمكة عام حنين، فروي عنه فيه تربيع التكبير في أوله، وروي عنه بتثنيته،والتربيع فيه من رواية الثقات الحفاظ، وهي زيادة يجب قبولها، والعمل عندهم بمكة في آل أبي محذورة بذلك إلى زماننا، وهو في حديث عبد الله بن زيد في قصة المنام،وبه قال أبو حنيفة والشافعي وأحمد"٣".
وقال الشوكاني: "والحق أن روايات التربيع أرجح لاشتمالها على الزيادة وهي مقبولة لعدم منافاتها وصحة مخرجها"٤".
وقد عرفت أن عمدة القائلين بتثنية التكبير في أوّل الأذان هو حديث مسلم هذا".
_________________
(١) ١ هو أبو الحسين عبد الغفار بن محمد الفارسي،الفسوي ثم النيسابوري التاجر كان سماعه صحيح مسلم من الجلودي سنة (٣٦٥) وكان الفارسي ثقة صالحا صائنا محفوظا من الدين والدنيا، كان مشهورا برواية صحيح مسلم، سمع من أئمة الدنيا من الغرباء والطارئين وأهل بلده (ت٤٤٨) (مقدمة النووي على شرح صحيح مسلم ١/٦) . ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨". ٣ نصب الراية١/٢٥٨". ٤ نيل الأوطار ٢/٤١-٤٢".
[ ٢ / ٥٨٣ ]
وقال عياض بأنه وقع في بعض طرق الفارسي في صحيح مسلم الله أكبر في أول الأذان أربع مرات١".
وقال ابن حجر: "قال ابن القطان٢: "الصحيح في هذا التربيع التكبير وبه يصح كون الأذان تسع عشرة كلمة".
وقد يقع في بعض روايات مسلم بتربيع التكبير، وهي التي ينبغي أن تعد في الصحيح". إهـ".
ثم قال ابن حجر: "وقد رواه البيهقي من طريق إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام بسنده، وفيه تربيع التكبير، وقال بعده: "رواه مسلم بن الحجاج، في الصحيح عن إسحاق بن إبراهيم عن معاذ بن هشام، وكذلك أخرجه أبو عوانة في "مستخرجه" من طريق علي بن المدني عن معاذ بن هشام٣".
وأما كون التثنية عمل أهل المدينة وهم أعرف بالسنن، فيرد عليه بكون التربيع عمل أهل مكة وهي محط رحال العلماء والوافدين إليها في المواسم وغيرها من كل قطر بما فيهم أهل المدينة".
ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة وغيرهم٤".
وبهذا يعلم أن تربيع التكبير في أول الأذان هو الراجح".
د، هـ- التكبير في أول الإقامة أربع مرات، ومرتين مع تثنية بقية الألفاظ سوى كلمة التوحيد:
جاء التكبير في أول الإقامة: "أربع مرات مع تثنية بقية ألفاظ الإقامة في حديث
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨". ٢ هو أبو الحسن علي بن محمد بن القطان الفاسي تقدم في حديث (٦٣) . ٣ التلخيص الحبير ١/١٩٦-١٩٧ والسنن الكبرى للبيهقي ١/٣٩٢-٣٩٣، ونيل الأوطار ٢/٤٩ وعون المعبود ٢/١٨٢". ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٨".
[ ٢ / ٥٨٤ ]
أبي محذورة من طريق عامر الأحول عن مكحول عن عبد الله ابن محيريز عن أبي محذورة وقد تقدم الحديث١".
وجاء تثنية ألفاظ الإقامة سوى كلمة التوحيد من طريق ابن جريج أخبرني عثمان بن السائب أخبرني أبي وأم عبد الملك عن أبي محذورة، وقد تقدم أيضا٢".
وإفراد الإقامة سوى كلمتي التكبير، وقد قامت الصلاة:
ورد إفراد الإقامة عند الدارقطني والبيهقي كلاهما من طريق إبراهيم بن عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة قال: "سمعت أبي وجدي يحدثان عن أبي محذورة أنه كان يؤذن للنبي ﷺ فيفرد الإقامة، إلا أنه يقول: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة٣".
ورواه البيهقي - أيضا - من طريق حجاج بن محمد قال: "قال ابن جريج: "أخبرني عثمان بن السائب أخبرني أبي وأم عبد الملك بن أبي محذورة عن أبي محذورة قال: "لما خرج النبي ﷺ إلى حنين، فذكر الحديث، وقال في التكبير في صدر الأذان أربعا".
قال: "وعلمني الإقامة مرتين: "الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله".
ثم قال البيهقي فذكر الإقامة مفردة كما ترى وصار قوله مرتين عائدا إلى كلمة الإقامة، وعلى ذلك تدل أيضا رواية عبد الرزاق٤ عن ابن جريج حدثني عثمان بن السائب مولاهم عن أبيه الشيخ مولى أبي محذورة، وعن أم عبد الملك بن أبي محذورة أنهما سمعا ذلك من أبي محذورة فذكر الحديث نحو حديث حجاج وقال في آخره إذا أقمت فقلها مرتين قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة أسمعت؟
_________________
(١) ١ انظر تخريجه في ص (٥٦٧) وراجع سنن الدارقطني ١/٢٣٤-٢٣٥". ٢ انظر تخريجه في ص (٥٦٦) . ٣ سنن الدارقطني١/٢٣٦ و٢٣٧ و٢٣٨والسنن الكبرى للبيهقي١/٤١٤ واللفظ له". ٤ في المصنف ١/٤٥٧-٤٥٩".
[ ٢ / ٥٨٥ ]
وزاد فكان أبو محذورة لا يجز ناصيته ولا يفرقها لأن رسول الله ﷺ مسح عليها١".
والخلاصة أن المشهور من المذاهب جماهير العلماء هو إفراد الإقامة وأن عدد ألفاظها إحدى عشرة كلمة وبذلك تظاهرت النصوص".
قال النووي: "واختلف العلماء في لفظ "الإقامة" فالمشهور من مذهبنا الذي تظاهرت عليه نصوص الشافعي ﵁، وبه قال أحمد وجمهور العلماء أن الإقامة إحدى عشرة كلمة، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمّدًا رسول الله، حيّ على الصلاة، حيّ على الفلاح، قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلاّ الله".
وقال الخطابي: "مذهب جمهور العلماء والذي جرى به العمل في الحرمين والحجاز والشام واليمن ومصر والمغرب إلى أقصى بلاد الإسلام أن الإقامة فرادى".
ثم قال ﵀: "ومذهب عامة العلماء أنه يكرر قوله: "قد قامت الصلاة، قد قامت الصلاة، إلا مالكا فإن المشهور عنه أنه لا يكررها٢".
وقال الشوكاني: "قال ابن سيد الناس٣: "وقد ذهب إلى القول بأن الإقامة إحدى عشرة كلمة: "عمر بن الخطاب وابنه، وأنس بن مالك، والحسن البصري، والزهري والأوزاعي٤ وأحمد وأبو ثور٥ ويحيى بن يحيى٦ وداود وابن المنذر٧".
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ١/٤١٨ وهذا الحديث رواه البيهقي من طريق الدارقطي، بإفراد الإقامة، لكن الحديث عند الدارقطني بهذا السند الذي رواه البيهقي وفيه: "تثنية الإقامة في جميع ألفاظها سوى كلمة التوحيد"، ولذلك فقد رد على البيهقي في ذلك صاحب الجوهر النقي بأن الحديث عند الدارقطني بتثنية الإقامة". (انظر سنن الدارقطني ١/٢٣٤ والجوهر النقي ١/٤١٨-٤١٩) . ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٦". ٣ هو أبو الفتح محمد بن محمد بن سيد الناس اليعمري الأندلسي الأصل المصري الشيخ العلامة الحافظ الأديب البارع، صاحب التصانيف (٦٨١-٧٣٤هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٥٠٣ وطبقات الشافعية الكبرى لتاج الدين أبي نصر عبد الوهاب السبكي ٩/٢٦٨-٢٧٢ ومعجم المؤلفين لكحالة ١١/٢٦٩) . ٤ هو عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي تقدم في حديث (١٣٥) . ٥ هو إبراهيم بن خالد بن أبي اليمان الكلبي أبو ثور تقدم في حديث (٢٣٥) . ٦ لعله يحيى بن يحيى الليثي مولاهم القرطبي أبو محمد فقيه قليل الحديث". (التقريب ٢/٣٦٠) . ٧ هو أبو بكر محمد بن إبراهيم تقدم في حديث ٥٦) .
[ ٢ / ٥٨٦ ]
وقال البيهقي: "ممن قال بإفراد الإقامة أيضا: "سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وابن سرين وعمر بن عبد العزيز".
وقال البغوي: "وهو قول أكثر العلماء١". إهـ".
قلت: " من أدلة هذا المذهب حديث أنس بن مالك - ﵁ -:
٢٥٧- قال: "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة٢".
٢٥٨- وحديث عبد الله بن زيد بن عبد ربه وفيه: "أن عدد الإقامة إحدى عشرة كلمة".
رواه أبو داود وأحمد والترمذي مختصرًا".
وقال الترمذي: "حديث عبد الله بن زيد حديث حسن صحيح٣".
وقال أبو حنيفة: "الإقامة سبع عشرة كلمة فيثنيها كلها".
قال النووي: "وهذا المذهب شاذ٤".
وقال الشوكاني: "وذهبت الحنفية والهادوية والثوري وابن المبارك وأهل الكوفة إلى أن ألفاظ الإقامة". مثل الأذان عندهم مع زيادة قد قامت الصلاة مرتين، واستدلوا بما في رواية عبد الله بن زيد عند الترمذي، وأبي داود، بلفظ: "كان أذان رسول الله ﷺ شفعًا شفعًا في الأذان والإقامة".
وروي معنى ذلك عن بلال".
وقد أعلها العلماء.
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٢/٤٦ وانظر شرح السنة للبغوي ٢/٢٥٥". ٢ البخاري: "الصحيح ١/١٠٤ كتاب الأذان، باب الأذان مثنى مثنى". ومسلم: "الصحيح ١/٢٨٦ كتاب الصلاة، باب الأمر بشفع الأذان وإيتار الإقامة". وأبو داود: "السنن ١/١٢١ كتاب الصلاة، باب في الإقامة". والترمذي: "السنن ١/١٢٤ كتاب الصلاة، باب ما جاء في إفراد الإقامة". والنسائي: "السنن ٢/٤ كتاب الأذان، باب تثنية الأذان". وابن ماجه: "السنن ١/٢٤١ كتاب الأذان، باب في إفراد الإقامة". ٣ أبو داود: "السنن ١/١١٦ كتاب الصلاة، باب كيف الأذان". وأحمد: "المسند ٤/٤٢-٤٣ والترمذي: "السنن ١/١٢٢ كتاب الصلاة، باب ما جاء في بدء الأذان". ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٦".
[ ٢ / ٥٨٧ ]
غير أن الشوكاني: "دافع عنها وأيدها بحديث أبي محذورة الوارد فيه "أن رسول الله ﷺ علمه الأذان تسع عشرة كلمة والإقامة سبع عشرة كلمة" ١ قال: "وهو حديث صححه الترمذي وغيره". فيكون ناسخا لحديث "أمر بلال أن يشفع الأذان ويوتر الإقامة" لتأخره عن حديث بلال، لأن أبا محذورة من مسلمة الفتح، وبلالًا أمر بإفراد الإقامة أول ما شرع الأذان".
ثم قال: "وإذا عرفت هذا تبين لك أن أحاديث تثنية الإقامة صالحة للاحتجاج كما أسلفناه".
وأحاديث إفراد الإقامة وإن كانت أصح منها لكثرة طرقها وكونها في الصحيحين، ولكن أحاديث التثنية مشتملة على الزيادة، فالمصير إليها لازم لا سيما مع تأخر تاريخ بعضها كما عرفناك٢". إهـ".
فقد تبين من هذا أن أحاديث إفراد الإقامة أصح وأكثر وأن القائلين بها هم جماهير العلماء، وقد قيل للإمام أحمد بن حنبل:
أليس حديث أبي محذورة بعد حديث عبد الله بن زيد، لأن حديث أبي محذورة بعد فتح مكة، قال: "أليس قد رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة فأقر بلالًا على أذان عبد الله بن زيد".
قال الشوكاني: "ولكن هذا متوقف على نقل صحيح أن بلالًا أذن بعد رجوع النبي ﷺ المدينة وأفرد الإقامة، ومجرد قول أحمد بن حنبل لا يكفي، فإن ثبت ذلك، كان دليلًا لمذهب من قال بجواز الكلّ ويتعين المصير إليهما؛ لأن فعل كل واحد من الأمرين عقب الآخر مشعر بجواز الجميع لا بالنسخ"٣".
وأقول لعل الأسلم في ذلك هو القول بجواز الكل ما دام أن الجميع قد ورد عن رسول الله ﷺ، وقد جعله ابن خزيمة وابن حبان من الاختلاف المباح٤".
_________________
(١) ١ انظر: "ص ٥٦٧". ٢ نيل الأوطار ٢/٤٦". ٣ نيل الأوطار ٢/٤٨". ٤ صحيح ابن خزيمة ١/١٩٤ وصحيح ابن حبان ٣/١٤٣".
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وقال ابن عبد البر: "ذهب أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وداود بن علي، ومحمد بن جرير الطبري إلى إجازة القول بكل ما روى عن رسول الله ﷺ في ذلك وحملوه على الإباحة والتخيير، قالوا: "كل ذلك جائز لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ جميع ذلك وعمل به أصحابه، فمن شاء قال: الله أكبر أربعا في أول الأذان، ومن شاء ثنى الإقامة، ومن شاء أفرد، إلا قوله:"قد قامت الصلاة"فإن ذلك مرتان على كل حال١".إهـ.
وأشار ابن قيم الجوزي أيضا إلى أن هذا ونحوه من الخلاف المباح الذي لا يعنف فيه من فعله، ولا من تركه٢.
ز- التثويب في أذان الفجر وهو قول المؤذن في أذان الفجر بعد الحيعلتين: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم"٣.
وقد ورد التثويب في حديث أبي محذورة من طريق محمد بن عبد المالك بن أبي محذورة عن أبيه عن جده قال: "يا رسول الله علِّمني سنة الأذان، قال: "فمسح على رأسي، وقال: "تقول: "الله أكبر، الخ". ثم ساق ألفاظ الأذان".
وفي آخر الحديث قال: "فإن كانت صلاة الصبح قلت: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، الله أكبر،الله أكبر، لا إله إلا الله".
ومن طريق إبراهيم بن إسماعيل ابن عبد الملك بن أبي محذورة، قال: "سمعت جدي عبد الملك بن أبي محذورة يذكر أنه سمع أبا محذورة به".
ومن طريق ابن جريج قال: "أخبرني عثمان بن السائب به٤".
وقد روي التثويب - أيضًا - من حديث بلال عند الترمذي وابن ماجة وأحمد، بإسناد فيه انقطاع٥".
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٢/٤٧". ٢ زاد المعاد ١/٢٧٥، أثناء كلامه على خلاف العلماء في دعاء القنوت". ٣ هل هذا القول في الأذان الأول أو في الأذان الثاني خلاف بين العلماء". ٤ انظر ص٥٦٥و٥٦٦ وسنن الدارقطني ١/٢٣٧ و٢٣٨". ٥ سنن الترمذي ١/١٢٧كتاب الصلاة". باب ما جاء في التثويب في صلاة الفجر وسنن ابن ماجة /٢٣٧كتاب الأذان، باب السنة في الأذان، ومسند أحمد٦/١٤".
[ ٢ / ٥٨٩ ]
ومن حديث عبد الله بن عمر عند الدارقطني والبيهقي والطبراني١".
قال ابن حجر: "وسنده حسن٢".
ومن حديث أنس بن مالك٣ عند ابن خزيمة والدارقطني والبيهقي، قال: "من السنة إذا قال المؤذن في أذان الفجر: "حي على الفلاح، قال: "الصلاة خير من النوم، الصلاة خير من النوم، مرتين، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله" ٤.
قال الشوكاني: "قال ابن سيد الناس اليعمري: "وهذا إسناد صحيح".
وفي الباب عائشة عند ابن حبان".
وعن نعيم النحام عند البيهقي٥".
قال الشوكاني: "وقد ذهب إلى القول بشرعية التثويب: "عمر بن الخطاب وابنه وأنس والحسن البصري وابن سيرين والزهري ومالك والثوري وأحمد وإسحاق، وأبو ثور وداود وأصحاب الشافعي، وهو رأي الشافعي في القديم".
ومكروه عنده في الجديد، وهو مروي عن أبي حنيفة".
ثم قال: "واختلفوا في محله فالمشهور أنه في صلاة الصبح فقط".
ثم نقل عن بعض العلماء بأنه سنة في جميع الصلوات، وعن بعضهم أنه يستحب في أذان العشاء".
ثم قال: "والأحاديث لم ترد بإثباته إلا في صلاة الصبح لا في غيرها، فالواجب الاقتصار على ذلك، والجزم بأن فعله في غيرها بدعة كما صرح بذلك ابن عمر وغيره٦".
ثم قال: "وذهبت العترة٧ والشافعي في أحد قوليه إلى أن التثويب بدعة".
_________________
(١) ١ سنن الدارقطني ١/٢٤٣، والسنن الكبرى للبيهقي ١/٤٢٣". ٢ التلخيص الحبير ١/٢٠١". ٣ قال ابن حجر في التلخيص الحبير ١/٢٠١ وصححه ابن السكن". ٤ صحيح ابن خزيمة١/٢٠٢وسنن الدارقطني١/٢٤٣والسنن الكبرى للبيهقي١/٤٢٣". ٥ نيل الأوطار٢/٤٣ والحديث في السنن الكبرى للبيهقي١/٤٢٣، وانظر: "مجمع الزوائد للهيثمي ١/٣٣٠". ٦ حديث ابن عمر عند أبي داود من طريق مجاهد قال: "كنت مع ابن عمر فثوب رجل في الظهر أو العصر قال: "أخرج بنا فإن هذه بدعة". (سنن أبي داود ٢/٢٤١ كتاب الصلاة، باب في التثويب) . ٧ العترة: "- بكسر أوّله - المراد به هنا قرابة رسول الله ﷺ (المصباح المنير ٢/٤٦٤) .
[ ٢ / ٥٩٠ ]
قال في البحر١: "أحدثه عمر بن الخطاب، فقال ابنه: "هذه بدعة".
وعن عليّ - ﵁ - حين سمعه: "قال: "لا تزيدوا في الأذان ما ليس منه".
ثم قال بعد أن ذكر حديث أبي محذورة وبلال الوارد فيهما لفظ التثويب".
قلنا: "لو كان لما أنكره علي وابن عمر، وطاوس، سلمنا فأمرنا به إشعارا في حال لا شرعا جمعا بين الآثار، انتهى قول صاحب البحر".
وقد رد عليه الشوكاني: "بقوله: "وأقول قد عرفت مما سلف رفعه إلى النبي ﷺ والأمر به على جهة العموم من دون تخصيص بوقت دون وقت، وابن عمر لم ينكر مطلق التثويب بل أنكره في صلاة الظهر".
ورواية الإنكار عن عليّ - ﵁ - بعد صحتها لا تقدح في مروي غيره لأن المثبت أولى ومن علم حجة على من لا يعلم، والتثويب ثابتة فالقول بها لازم"٢".
وخلاصة القول أن الأمر بالتثويب في صلاة الفجر، ورد في أحاديث كثيرة منها الصحيح والحسن والضعيف" وهي زيادة ثابتة فيتعين قبولها".
_________________
(١) ١ البحر الزخار الجامع لمذاهب الأمصار، لمؤلفه: الإمام المهدي أحمد بن يحيى بن المرتضى ولد سنة (٧٧٥) وتوفي سنة: "٨٤٠) . (البدر الطالع للشوكاني:١/١٢٢-١٢٦) . ٢ نيل الأوطار ٢/٤٣ وشرح معاني الآثار للطحاوي ١/١٣٦-١٣٧، وشرح السنة للبغوي ٢/٢٦٤-٢٦٧، وتحفة الاوذي للمباركفوري ١/٥٩٢-٥٩٥".
[ ٢ / ٥٩١ ]
الحكم الثامن: إقامة الحدّ في دار الحرب
الحد في اللغة: "المنع والفصل بين الشيئين، فكأن حدود الشرع فصلت بين الحلال والحرام".
وفي الشرع: "هي عقوبة مقدرة شرعا في معصية لتمنع من الوقوع في مثلها١".
وفي هذه الغزوة التي نحن بصدد الحديث عنها جيء برجل إلى رسول الله ﷺ قد سكر فأمر رسول الله ﷺ من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحَثَا ﷺ عليه التراب، ردعا له جزاء ما ارتكب وتطهيرا له مما علق به من دنس المعصية".
وقد ورد في هذا ما رواه أبو داود والنسائي وأحمد والطحاوي وغيرهم وهذا سياقه عند الطحاوي:
٢٥٩- حدّثنا عليّ٢ بن شيبة قال حدّثناروح٣ بن عبادة قال ثنا أسامة٤ بن زيد قال: "حدثني ابن شهاب قال: "حدثني عبد الرحمن٥ بن أزهر الزهري قال:
_________________
(١) ١ النهاية١/٣٥٢ والقاموس المحيط١/٢٨٦، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لأبي الحسن المرداوي١٠/١٥٠، وتيسير العلام لعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام ٢/٣٣٤ والفقه على المذاهب الأربعة٥/٧، ٨، ٤٨". ٢ علي بن شيبة بن الصلت بن عصفور أبو الحسن السدوسي مولاهم، وهو أخو يعقوب بن شيبة، بصري سكن بغداد ثم انتقل إلى مصر فسكنها وحدث بها عن قبيصة بن عقبة ويحيى بن يحيى النيسابوري، والحسن بن موسى الأشيب وغيرهم، ورى عنه عبد العزيز بن أحمد الغافقي وغيره من المصريّين أحاديث مستقيمة (ت ٢٧٢) . (تاريخ بغداد للخطيب البغدادي١١/٤٣٦وشرح معاني الآثار١/٢٧و٣٥) . ٣ هو ابن العلاء أبو محمد البصري "ثقة فاضل" تقدم في حديث ٠ ١٤٢) . ٤ أسامة بن زيد الليثي مولاهم، أو زيد المدني "صدوق يهم". (التقريب ١/٥٣ وتهذيب التهذيب ١/٢٠٨-٢١٠) . ٥ عبد الرحمن بن أزهر الزهري صحابي صغير تقدم في حديث (١١٤) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
"رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس - أي يدخل بينهم - يسأل١ عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم، ثم حثا عليه التراب - أي: "رمى بيده عليه التراب - ثم أتي أبو بكر بسكران فتوخّي٢ الذي كان من ضربهم عند رسول الله ﷺ فضربه أربعين" ٣.
والحديث رواه أبو داود عن الحسن٤ بن علي أخبرنا عثمان٥. ابن عمر أخبرنا أسامة بن زيد عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "رأيت رسول الله ﷺ غداة٦ الفتح - وأنا غلام شاب - يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد فأتي بشارب فأمرهم فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثا رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر أُتي بشاربٍ فسألهم عن ضرب النبيّ ﷺ الذي ضرب فحزروه، فضرب أبو بكر أربعين، فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد أن الناس قد انهمكوا في الشرب
_________________
(١) ١ وسبب السؤال عن منزل خالد بينه ما رواه عبد الرزاق والحميدي وأحمد وأبو عوانة الجميع من طريق معمر عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "جرح خالد بن الوليد يوم حنين فمربي رسول الله ﷺ وأنا غلام وهو يقول من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ فخرجت أسعى بين يدي رسول الله وأنا أقول: "من يدل على رحل خالد بن الوليد؟ حتى أتاه رسول الله ﷺ وهو مستند إلى رحل قد أصابته جراحة فجلس رسول الله ﷺ عنده، ودعا له". قال: "وأرى فيه: "ونفث عليه" لفظ الحميدي". والقائل: "وأرى فيه: "ونفث عليه" هو الزهري فعند أحمد وأبي عوانة: "قال الزهري: "وحسبت أنه قال: "ونفث فيه رسول الله ﷺ". (مصنف عبد الرزاق ٥/٣٨٠-٣٨١ ومسند الحميدي ٢/٣٩٨ ومسند أحمد ٤/٨٨ و٣٥٠-٣٥١ ومسند أبي عوانة ٤/٢٠٣) . ٢ "تَوَخَّي": "أي قصد يقال: "توخيت الشيء أتوخاه توخيا، إذا قصدت إليه وتعمدت فعله، وتحريت فيه". (النهاية ٥/١٦٤-١٦٥) . (شرح معاني الآثار ٣/١٥٦) . ٤ هو الحلواني "ثقة حافظ" التقريب ١/١٦٨". ٥ عثمان بن عمر بن فارس العبدي بصري أصله من بخاري، ثقة، قيل: "كان يحيى بن سعيد لا يرضاه، من التاسعة (ت٢٠٩) . /ع". (التقريب ٢/١٣ وتهذيب التهذيب ٧/١٤٢ وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية أن وفاته سنة (٢٩٠) وهو خطأ". ٦ قوله: "غداة الفتح"، قال ابن حجر: "وقع عند ابن أبي حاتم عن عبد الرحمن بن أزهر أنه رأى النبي ﷺ وهو غلام عام الفتح بمكة يسأل عن منزل خالد بن الوليد فأتى بشارب قد سكر فأمرهم أن يضربوه" إهـ". ثم قال: "وقوله: "مكة، وهم منه، والذي في سياق الحديث بحنين وهو المحفوظ". (الإصابة ٢/٣٨٩-٣٩٠، والجرح والتعديل ٥/٢٠٨) .
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وتحاقروا الحدّ والعقوبة قال: "هم عندك فسلهم - وعنده المهاجرون الأولون - فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين".
قال وقال علي: "إن الرجل إذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحد الفرية"١".
ورواه عمر بن شيبة عن عثمان بن عمر به٢".
ورواه أحمد عن عثمان بن عمر ثنا أسامة بن زيد به إلى قوله: "وحثا عليه رسول الله ﷺ التراب" ٣".
ورواه النسائي والحاكم من طريق صفوان٤ بن عيسى أنبأنا أسامة ابن زيد عن الزهري قال: "حدثني عبد الرحمن بن أزهر - رضي اله عنه - قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد فأتي بسكران فأمر رسول الله ﷺ من كان عنده أن يضربوه بما كان في أيديهم، قال: "وحثا رسول الله ﷺ التراب في وجهه".
قال: "ثم أُتِيَ أبو بكر ﵁ بسكران فَتَوَخَّى الذي كان من ضربهم يومئذ فضرب أربعين وضرب عمر - ﵁ - أربعين"٥".
ورواه البيهقي من طريق روح بن عبادة ثنا أسامة بن زيد عن ابن شهاب، حدثني عبد الرحمن بن أزهر الزهري - ﵁ - قال: "رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد وأُتِىَ بسكران، فأمر من كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم وحثا رسول الله ﷺ عليه من التراب" ٦.
_________________
(١) ١ سنن أبي داود ٢/٤٧٥ كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر". والفرية المراد بها هنا: "رَمْيُ الغير بالزنى". ٢ تاريخ المدينة ٢/٧٣١". ٣ المسند ٤/٣٥٠". ٤ صفوان بن عيسى الزهري، أبو محمد البصري القسام، ثقة، من الخامسة (ت ٢٠٠هـ) وقيل قبلها بقليل أو بعدها". / خت م عم". (التقريب ١/٣٦٨ وتهذيب التهذيب ٤/٤٢٩-٤٣٠) . ٥ السنن الكبرى للنسائي كما في تحفة الأشراف للمزي ٧/١٩١-١٩٢ حديث (٩٦٨٥)، الحاكم: " المستدرك ٤/٣٧٤-٣٧٥". ٦ السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٣".
[ ٢ / ٥٩٤ ]
ورواه أحمد عن زيد١ بن الحباب ثنا أسامة بن زيد عن الزهري به إلى قوله: "بما كان في أيديهم" ٢.
ورواه أبو داود والطحاوي من طريق ابن وهب قال أخبرني أسامة ابن زيد الليثي عن ابن شهاب حدثه عن عبد الرحمن بن أزهر، قال: "كأني أنظر إلى رسول الله ﷺ الآن وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد يوم حنين فبينما هو كذلك، أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس "اضربوه" فمنهم من ضربه بالنعال، ومنهم من ضربه بالعصا، ومنهم من ضربه بالميتخة ٣ - يريد الجريدة الرطبة - ثم أخذ رسول الله ﷺ: "ترابا من الأرض فرمى به في وجهه" ٤.
ورواه النسائي من طريق صالح ٥ بن كيسان عن الزهري بلفظ "أن عبد الرحمن بن أزهر كان يحدث أنه حضر رسول الله ﷺ" الحديث٦.
ورواه الشافعي عن معمر بن راشد عن الزهري عن عبد الرحمن ابن أزهر قال: "رأيت رسول الله ﷺ عام حنين سأل عن رحل خالد بن الوليد فجريت بين يديه أسأل عن رحل خالد بن الوليد حتى أتاه جريحًا وأُتي النبي ﷺ بشارب فقال: "اضربوه" فضربوه بالأيدي والنعال وأطراف الثياب وحثوا عليه من التراب، ثم قال النبي ﷺ بكتوه فبكتوه ثم أرسله".
قال فلما كان أبو بكر - ﵁ - سأل من حضر ذلك المضروب فقومه أربعين
_________________
(١) ١ زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين - أبو الحسين العكلي - بضم المهملة وسكون الكاف - أصله من خراسان، وكان بالكوفة، ورحل في الحديث فأكثر منه، وهو صدوق يخطئ في حديث الثوري، من التاسعة (ت ٢٠٣٩ / م عم". (التقريب ١/٢٧٣ وتهذيب التهذيب ٣/٤٠٢-٤٠٣، وقد رمز له الذهبي في ميزان الاعتدال ٢/١٠٠ بصح إشارة إلى أنه ثقة". ٢ مسند أحمد ٤/٣٥٠". ٣ الميتخة: "بكسر الميم وسكون التحتية وبعدها مثناة فوقية ثم خاء معجمة- اختلف في ضبطها على أوجه هذا أحدها، فسرها ابن وهب في الحديث بالجريدة الرطبة". (النهاية ٤/٢٩١-٢٩٢ وعون المعبود ١٢/١٩٤-١٩٥) . ٤ سنن أبي داود ٢/٤٧٤-٤٧٥ كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر، والطحاوي: "شرح معاني الآثار ٣/١٥٥-١٥٦ واللفظ له". ٥ صالح بن كيسان المدني، أبو محمد، أو أبو الحارث، مؤدب ولد عمر بن عبد العزيز ثقة ثبت فقيه، من الرابعة (ت بعد سنة ١٣٠ أو بعد الأربعين) . / ع". (التقريب ١/٣٦٢ وتهذيب التهذيب ٤/٣٩٩) . ٦ تحفة الأشراف ٧/١٩٢ عن سنن النسائي الكبرى في الحدود حديث (٩٦٨٥) .
[ ٢ / ٥٩٥ ]
فضرب أبو بكر في الخمر أربعين حياته ثم عمر - ﵁ - حتّى تتابع الناس في الخمر فاستشار فضربه ثمانين"١".
والخلاصة؛ أن أسامة بن زيد اللّيثي روى هذا الحديث عن الزهري بلفظ "حدثني عبد الرحمن بن أزهر" ورواه صالح بن كيسان ومعمر بن راشد ويونس٢ بن يزيد الأيلي كلّهم عن الزهري فلم يصرحوا في روايتهم بتحديث عبد الرحمن بن أزهر للزهري".
وصرّح بالتحديث من بين أصحاب الزهري أسامة بن زيد اللّيثي، وهو: "صدوق يهم"، وخالفه عقيل٣ بن خالد فوسط بين الزهري وبين عبد الرحمن بن أزهر: "عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر".
قال ابن حاتم سألت أبي ٤ وأبا زرعة٥ عن حديث رواه أسامة ابن زيد عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "رأيت رسول الله ﷺ يسأل عن خالد بن الوليد وأنا غلام شاب وأُتي بشارب وأمرهم فضربوه فمنهم من ضربه بنعله، وذكرت لهما الحديث".
فقالا: "لم يسمع الزهري هذا الحديث من عبد الرحمن بن أزهر، يدخل بينهما عبد الله ٦ بن عبد الرحمن بن أزهر".
قلت لهما: "من يدخل بينهما ابن عبد الرحمن بن أزهر؟
قالا: "عقيل بن خالد ٧".
قلت: "رواية عقيل بن خالد المشار إليها أخْرَجَها أبو داود والنسائي والطبراني والدارقطني، الجميع من طريق ابن السرح وهذا سياقه عند أبي داود:
_________________
(١) ١ مسند الشافعي ٦/٢٣٠-٢٣١ مع الأم، وتاريخ البخاري ٥/٢٤٠". ٢ رواية يونس عند أبي عوانة في مسنده ٤/٢٠٣". ٣ عقيل ثقة ثبت، تقدم في حديث (٦٣) . ٤ هو محمد بن إدريس بن المنذر الحنظلي تقدم في حديث (٧٤) . ٥ هو عبيد الله بن عبد الكريم تقدم في حديث (٧٤) . ٦ عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر الزهري، المدني مقبول من الثالثة"./ د". (التقريب١/٤٢٧ وتهذيب التهذيب ٥/٢٩٠ وقال: "ذكره ابن حبان في الثقات) . ٧ علل الحديث ١/٤٤٦-٤٤٧ وانظر التلخيص الحبير ٤/٧٥".
[ ٢ / ٥٩٦ ]
حدثنا ابن السرح١ قال: "وجدت٢ في كتاب خالي عبد الرحمن٣ ابن عبد الحميد عن عقيل أن ابن شهاب أخبره أن عبد الله بن عبد الرحمن ابن أزهر أخبره عن أبيه قال: "أُتِيَ رسول الله ﷺ بشارب وهو بحنين٤ فحثا في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم حتى قال لهم: "ارفعوا فرفعوا".
فتوفى رسول الله صلى الله عليه وسلم٥، ثم جلد أبو بكر في الخمر أربعين ثم جلد عمر أربعين صدرًا من إمارته ثم جلد ثمانين في آخر خلافته، ثم جلد عثمان الحدين كليهما ثمانين وأربعين، ثم أثبت معاوية الحد ثمانين"٦".
إلا أن الطبراني جعل هذا الحديث من مسند أزهر والد عبد الرحمن".
قال ابن حجر: "أورد الطبراني في ترجمة أزهر٧ هذا عن أحمد بن محمّد بن نافع الطحان عن أحمد بن عمرو بن السرح قال وجدت في كتاب خالي عن ابن شهاب عن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه "أن رسول الله ﷺ أُتِىَ بشارب وهو بحنين" الحديث".
وهذا وهم من الطبراني أو من شيخه فقد أخرجه أبو داود والنسائي عن ابن
_________________
(١) ١ أحمد بن عمرو بن عبد الله بن عمرو بن السرح - بمهملات - أبو الطاهر المصري المصري، ثقة من العاشرة (ت ٢٥٥) ./م د س ق". (التقريب ١/٢٣ وتهذيب التهذيب ١/٦٤) . ٢ عند الدارقطني "قرأت" والوجادة: "مصدر وجد مولد غير مسموع من العرب وهي أن يقف على أحاديث بخط راويها غير المعاصر له، أو المعاصر ولم يلقه، أو لقيه ولم يسمع منه أو سمع منه ولكن لا يروي الواجد تلك الأحاديث الخاصة عنه بسماع ولا إجازة، فله أن يقول: "وجدت أو قرأت بخط فلان" إلخ". وهذا النوع من باب المنقطع وفيه شوب اتصال، بقوله: "وجدت بخط فلان". (تدريب الراوي ص ٢٨١-٢٨٢ وقد قال ابن حجر في تهذيب التهذيب ٦/٢١٩ بأن ابن السرح روى عن خاله سماعا ووجادة) . ٣ عبد الرحمن بن عبد الحميد بن سالم المهري - بفتح الميم وسكون الهاء- أبو رجاء المصري، المكفوف، ثقة من التاسعة (ت١٩٢) ./د س". (التقريب ١/٤٨٩ وتهذيب التهذيب ٦/٢١٩) . ٤ عند الطبراني: "وهو بخيبر" وهو خطأ وقد أورده الهيثمي في مجمع الزوائد ٦/٢٧٨-٢٧٩ بلفظ "وهو بحنين" والحديث عند أبي داود والنسائي والدارقطني من طريق ابن السرح بلفظ "وهو بحنين". ٥ عند الدارقطني "فتوفي رسول الله ﷺ وتلك السنة ثم جلد أبو بكر الخ" وعند الطبراني: "فتوفي رسول الله ﷺ وتلك سنته". ٦ سنن أبي داود ٢/٤٧٥ كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر". وسنن النسائي الكبرى في الحدود كما في تحفة الأشراف للمزي ٧/١٩١ حديث: "٩٦٨٥٨". والمعجم الكبير للطبراني ١/٣١٧". وسنن الدارقطني ٣/١٥٨". ٧ هو أزهر بن عبد عوف بن عبد بن الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري عم عبد الرحمن بن عوف، ووالد عبد الرحمن بن أزهر". (الإصابة ١/٢٩-٣٠) .
[ ٢ / ٥٩٧ ]
السرح بهذا الإسناد عن الزهري عن عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه، فالحديث من مسند ابن أزهر وهكذا رواه صالح١ بن كيسان عن الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر نفسه لم يقل عن أبيه، وكذا رواه أبو سلمة٢ بن عبد الرحمن ومحمد٣ بن إبراهيم التيمي عن عبد الرحمن بن أزهر نفسه"٤".إهـ".
قلت: "رواية أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم التيمي أخرجها النسائي والدارقطني عنهما عن الزهري عن عبد الرحمن بن أزهر قال: "أتي النبي ﷺ بشارب يوم حنين، فقال رسول الله ﷺ للناس: "قوموا إليه، فقام الناس إليه فضربوه بنعالهم".
وأخرجها الدارقطني أيضًا عن الزهري عن عبد الرحمن ٥".
وقد تبين مما تقدم أن الزهري لم يسمع هذا الحديث من عبد الرحمن بن أزهر وإنما سمعه من عبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر عن أبيه، وعبد الله بن عبد الرحمن بن أزهر".
قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول" ٦.
والحديث رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن ومحمد بن إبراهيم التيمي كلاهما عن عبد الرحمن بن أزهر".
وقد ذكر ابن أبي حاتم وابن عبد البر وابن الأثير بأنهما رويا عن عبد الرحمن بن أزهر، وروايتهما عند النسائي والدارقطني ٧.
_________________
(١) ١ تقدمت رواية صالح ص (٥٨٣) . ٢أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، المدني قيل اسمه عبد الله، وقيل إسماعيل، ثقة مكثر، من الثالثة (ت ١٩٤) وكان مولده سنة بضع وعشرين". /ع". (التقريب ٢/٤٣٠ وتهذيب التهذيب ١٢/١١٥-١١٨) . ٣ محمد بن إبراهيم بن الحارث بن خالد التيمي، أبو عبد الله، المدني، ثقة له أفراد، من الرابعة (ت١٢٠) .على الصحيح"./ ع". (التقريب٢/١٤٠وتهذيب التهذيب٩/٥-٧". ٤ الإصابة ١/٢٩-٣٠، والمعجم الكبير للطبراني ١/٣١٧". ٥ تحفة الأشراف ٧/١٩٢ عن سنن النسائي الكبرى في الحدود". وسنن الدارقطني ٣/١٥٧-١٥٨". ٦ انظر: "حاشية ص (٥٨٤) تعليقة (٦) . ٧ الجرح والتعديل لأبن أبي حاتم ٥/٢٠٨-٢٠٩ والاستيعاب ٢/٤٠٦ وأسد الغابة ٣/٤٢٤-٤٢٦".
[ ٢ / ٥٩٨ ]
فيحتمل أنهما سمعا منه مباشرة، ويحتمل أنهما رويا عنه بواسطة، والواسطة محتملة أن تكون "عبد الله بن عبد الرحمن" ويحتمل أن يكون غيره".
وقد ذكر ابن حجر نقلا عن ابن مندة بأن وفاة عبد الرحمن بن أزهر كانت في الحرة، ووقعة الحرة كانت سنة أربع وستين١".
كما ذكر بأن ولادة أبي سلمة بن عبد الرحمن كانت سنة بضع وعشرين٢ والبضع من ثلاث إلى تسع٣، فإذا أخذنا بآخر إطلاقاته فتكون ولادة أبي سلمة سنة تسع وعشرين، فيكون عمره عند وفاة عبد الرحمن بن أزهر خمسا وثلاثين سنة ٤".
وكلاهما مدنيان فيحتمل احتمالا قويا سماعه من عبد الرحمن بن أزهر ولو ثبت هذا فيكون السند متصلا ورجاله ثقات وعندها يكون الحديث صحيحًا".
والحديث جاء في معناه حديث عبادة بن الصامت - ﵁ - أن رسول الله ﷺ صلى بهم في غزاة إلى بعير من المغنم الحديث وفيه: "وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لا ئم، وأقيموا حدود الله في الحضر والسفر"٥.
قال الشوكاني: "وحديث عبادة بن الصامت أخرج أوله الطبراني في الأوسط والكبير".
قال في مجمع الزوائد: "وأسانيد أحمد وغيره ثقات".
ثم قال الشوكاني: "ويشهد لصحة هذا الحديث عمومات الكتاب والسنة وإطلاقاتهما لعدم الفرق فيها بين القريب والبعيد والمقيم والمسافر"٦". اهـ".
والحديثان يدلان على إقامة الحدود في دار الحرب، وبذلك قال مالك والشافعي وأبو ثور وابن المنذر".
قال الشافعي: "وإذا أصاب الرجل حدا وهو محاصر للعدو أقيم عليه الحد ولا
_________________
(١) ١ انظر: "البداية والنهاية لابن كثير ٨/٢٤٦". ٢ الإصابة: "٢/٣٨٩-٣٩٠". ٣ النهاية: "١/١٣٣". ٤ بطرح ٢٩ من ٦٤". ٥ سياتي تخريجه في بيان تحريم الغلول برقم (٢٨٩) ص ٦٦٩". ٦ نيل الأوطار ٧/١٤٥".
[ ٢ / ٥٩٩ ]
يمنعنا الخوف عليه من اللحوق بالمشركين أن نقيم عليه حد الله ﷿ فلو فعلنا توقيا أن يغضب ما أقمنا الحد عليه أبدًا؛ لأنه يمكنه من كل موضع أن يلحق بدار الحرب، والعلة أن يلحق بدار الحرب، فيعطل عنه الحد إبطالا لحكم الله ﷿ ثم حكم رسول اله ﷺ بعلة جهالة وغيا".
قد أقام رسول الله ﷺ الحد بالمدينة والشرك قريب منها وفيها شرك كثير موادعون وضرب الشارب بحنين والشرك قريب منه ١".
وقد قَيَّد الشافعي إقامة الحد من قبل أمير الجيش فيما إذا وَلِيَ ذلك من قبل الإمام، فإن لم يول ذلك فعلى الشهود الذين يشهدون على الحد أنّ يأتوا بالمشهود عليه إلى الإمام والي ذلك ببلاد الحرب أو ببلاد السلام".
ثم قال - ﵀ - تعالى: "ولا فرق بين دار الحرب ودار السلام فيما أوجب الله على خلقه من الحدود لأن الله ﷿ يقول: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾، [سورة المائدة، من الآية:٣٨] . ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، [سورة النور، من الآية: ٢] .
وسن رسول الله ﷺ على الزاني الثيب الرجم وحد القاذف ثمانين جلدة لم يستثن من كان في بلاد الإسلام ولا في بلاد الكفر، ولم يضع عن أهله شيئا من فرائضه ولم يبح لهم شيئا مما حرم عليهم ببلاد الكفر ما هو إلا ما قلنا فهو موافق للتنزيل والسنة وهو مما يعقله المسلمون ويجتمعون عليه أن الحلال في دار الإسلام حلال في بلاد الكفر والحرام في بلاد الإسلام حرام في بلاد الكفر فمن أصاب حراما فقد حده الله على ما شاء منه ولا تضع عنه بلاد الكفر شيئًا".
أو أن يقول قائل إن الحدود بالأمصار وإلى عمال الأمصار فمن أصاب حدا ببادية من بلاد الإسلام فالحد ساقط عنه، وهذا مما لم أعلم مسلما يقوله، ومن أصاب حدا في المصر ولا والي للمصر يوم يصيب الحد كان للوالي الذي يلي بعد ما أصاب أن يقيم الحد، فكذلك عامل الجيش إن ولى الحد أقامه، وإن لم يول الحد فأول من يليه
_________________
(١) ١ الأم للشافعي ٤/١٩٩-٢٠٠ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٣، وتكملة المجموع لمحمد حسين العقبي ١٨/١٢٠، والمدونة الكبرى لمالك٦/٢٩١".
[ ٢ / ٦٠٠ ]
يقيمه وكذلك هو الحكم والقطع ببلاد الحرب وغير القطع سواء ١".
وذهب الإمام أحمد والأوزاعي وإسحاق إلى أن من ارتكب حدا ببلاد الحرب لا يقام عليه الحد من قبل الإمام ولا نائبه حتى يخرج من دار الحرب فيقام عليه".
٢٦٠- واستدلوا بحديث بسر٢ بن أرطأة قال: "سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا تقطع الأيدي في السفر".
وفي لفظ: "لا تقطع الأيدي في الغزو" ٣.
وقد اختلف العلماء في بسر بن أرطأة هل له صحبة أوّلًا، قال ابن عبد البر: "يقال إنه لم يسمع من النبي ﷺ؛ لأن رسول الله ﷺ قبض وهو صغير، هذا قول الواقدي وابن معين وأحمد وغيرهم".
وقالوا: "خرف في آخر عمره".
وأما أهل الشام: "فيقولون إنه سمع من النبي ﷺ إلى أن قال: "ولبسر ابن أرطأة حديثان هذا أحدهما والثاني: "في الدعاء أن رسول الله ﷺ كان يقول: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة" ٤.
وكان يحيى بن معين يقول: "لا تصح له صحبة وكان يقول فيه رجل سوء"٥ إهـ".
وقال المنذري: "وكان يحيى بن معين لا يحسن الثناء عليه، وهذا يدل على أنه عنده لا صحبة له، وغمزه الدارقطني"٦".أهـ.
_________________
(١) ١ الأم ٧/٣٢٢-٣٢٣". ٢ بسر بن أرطأة ويقال ابن أبي أرطأة واسمه عمير بن عويمر بن عمران القرشي العامري، نزيل الشام، من صغار الصحابة (ت ٨٦) . / د ت س". (التقريب ١/٩٦ وتهذيب التهذيب ١/٤٣٥) . ٣ سنن أبي داود ٢/٤٥٣ كتاب الحدود، باب السارق يسرق في الغزو أيقطع؟ ". وسنن الترمذي ٣/٥ كتاب الحدود، باب ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو". وسنن النسائي ٨/٨٤ كتاب السارق، باب القطع في السفر". ومسند أحمد ٤/١٨١". والدارمي ٢/١٥٠ كتاب السير، باب في أن لا يقطع الأيدي في الغزو". والطبراني: "المعجم الكبير ٢/١٩". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٤". ٤ الحديث رواه أحمد في المسند ٤/١٨١، وابن حبان كما في موارد الظمآن ص ٦٠١، والطبراني في المعجم الكبير ٢/١٩". ٥ الاستيعاب ١/١٥٤ و١٥٥ و١٥٦ مع الإصابة". ٦ عون المعبود ١٢/٨٣، وتحفة الأحوذي ٥/١٢".
[ ٢ / ٦٠١ ]
وقال الزيلعي: "قال البيهقي في "المعرفة" أهل المدينة ينكرون سماع بسر بن أرطأة من النبي ﷺ، فكان يحيى بن معين يقول: "بسر بن أرطأة رجل سوء".
قال البيهقي: "وذلك لما اشتهر من سوء فعله في قتال أهل الحرة".
وقال ابن سعد في "الطبقات"١ قال الواقدي: "بسر بن أرطأة أدرك النبي ﷺ صغيرا ولم يسمع منه شيئا، وقال غيره إنه سمع منه".
ثم قال الزيلعي: "واستدل البيهقي للشافعي في إقامة الحدود بدار الحرب بإطلاق الآيات الواردة في حد الزاني، وقطع السارق، وجلد القاذف، وبما أخرجه أبو داود في "المراسيل٢ عن مكحول٣ عن عبادة ابن الصامت أن النبي ﷺ قال: "أقيموا حدود الله في السفر والحضر، على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم". ورويناه بإسناد موصول في السنن٤".
وحديث بسر قال فيه الترمذي: "حديث غريب"، ثم قال: "والعمل على هذا عند بعض أهل العلم منهم الأوزاعي، لا يرون أن يقام الحد في الغزو وبحضرة العدو مخافة أن يلحق من يقام عليه الحد بالعدو، فإذا خرج الإمام من أرض الحرب ورجع إلى دار السلام أقام الحد على من أصابه". كذلك قال الأوزاعي٥. إهـ.
٢٦١- واستدلوا أيضًا بما روى عن الأحوص بن حكيم عن أبيه أن عمر بن الخطاب ﵁ كتب إلى الناس أن لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجلًا من المسلمين حدًا، وهو غاز حتى يقطع الدرب قافلا لئلا تلحقه حمية الشيطان فيلحق بالكفار"٦".
وفيه الأحوص ضعيف الحفظ، وأبوه حكيم بن عمير، صدوق يهم٧".
_________________
(١) ١ انظر: "الطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٤٠٩ وانظر تهذيب التهذيب ١/٤٣٥-٤٣٦ ونقل عن ابن عدي "أنه قال مشكوك في صحبته ولا أعرف له إلا هذين الحديثين". ٢ كتاب المراسيل ص ٢٦". ٣ مكحول هو الشامي ولم يسمع من عبادة كما في تهذيب التهذيب ١٠/٢٩٢". ٤ نصب الراية ٣/٣٤٤". والسنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٤". ٥ سنن الترمذي ٣/٥ كتاب الحدود، باب ما جاء أن لا يقطع الأيدي في الغزو". ٦ المغني لابن قدامة ٨/٤٧٣-٤٧٤ وتاريخ الخلفاء للسيوطي ص ١٤٠". ٧ التقريب ١/٤٩ و١٩٤".
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وقد تابع الأحوص ثور بن يزيد وهو ثقة عند البيهقي ولكن الحديث فيه إبهام".
ورى أيضًا نحو هذا الحديث عن مكحول عن زيد بن ثابت، وفيه إبهام أيضا ومكحول قال الشافعي لم ير زيد بن ثابت ١".
وروى البوصيري٢ من طريق حسان بن زاهر أن حصين بن حدير أخبره أنه سمع عمر بن الخطاب يقول: "لا تقطع اليد في الغزو ولا عام سنة"٣.
وحسان بن زاهر وحصين بن حدير، ذكرهما ابن أبي حاتم والبخاري ولم يذكرا فيهما جرحا ولا تعديلًا٤".
والخلاصة أن الأحاديث في هذا كلها لا تخلو من ضعف".
وقال أبو حنيفة: "لا حد ولا قصاص في دار الحرب ولا إذا رجع إلا إذا غزا من له ولاية الإقامة بنفسه كالخليفة وأمير المصر يقيم الحد على مرتكبيه لأنه تحت يده، بخلاف أمير العسكر والسرية لأنه لم تفوض إليهما الإقامة، ولا تقام الحدود بعد الرجوع إلى بلاد الإسلام؛ لأنه عندما ارتكب الحد في دار الحرب لم يكن للإمام عليه قدرة، فلم تنعقد موجبة، فلا ينقلب موجبة بعد الخروج من دار الحرب".
واستدل الأحناف على هذا بما استدل به الحنابلة من أنه لا تقام الحدود في دار الحرب، إلا أن الحنابلة أوجبوا إقامة الحد بعد الرجوع إلى بلاد المسلمين والأحناف عمموا عدم إقامة الحد في السفر والحضر٥".
والذي يظهر في هذا هو وجوب إقامة الحد على مرتكبيه في أي زمان ومكان لأن النصوص الواردة في ذلك عامة وصحيحة فلا يترك الحد مخافة أن يلحق من أقيم عليه الحد بالمشركين لأن احتمال لحقوقه بالمشركين لا يكون مبررا في إسقاط الحد عمن ارتكبه.
_________________
(١) ١ الأم للشافعي٧/٣٢٢والسنن الكبرى للبيهقي٩/١٠٥ونصب الراية٣/٣٤٣-٣٤٤". ٢ البوصيري: "هو أحمد بن أبي بكر بن إسماعيل البوصيري الشافعي القاهري شهاب الدين أبو العباس محدث (٧٦٢-٨٤٠) . (كحالة؛ معجم المؤلفين ١/١٧٥) . ٣ إتحاف الخيرة المهرة بزوائد المسانيد العشرة مجلد ٢/جزء ٣ص ١٤٤ أرقم ٢٣٧". ٤ الجرح والتعديل لابن أبي حاتم٢/١٩٢،و٢٣٦".والتاريخ الكبير للبخاري٣/ و٣٣". ٥ الهداية للمرغيناني ٢/١٠٢-١٠٣ ونصب الراية للزيلعي ٣/٣٤٣-٣٤٤".
[ ٢ / ٦٠٣ ]
قال الشافعي: "فإن لحق بالمشركين من أقيم عليه الحد، فهو أشقى له، ومن ترك الحد خوف أن يلحق المحدود ببلاد المشركين، تركه في سواحل المسلمين ومسالحهم التي تتصل ببلاد الحرب"١".
هذا هو الواجب على المسلمين عملا بقوله ﷺ "أقيموا حدود الله في السفر والحضر على القريب والبعيد ولا تبالوا في الله لومة لائم".
لكن يمكن أن يقال إن أمير الجيش في دار الحرب إذا خشي مفسدة كبيرة تترتب على إقامة الحد على ذي شوكة في أفراد الجيش فإن الأمر يرجع حينئذ إلى اجتهاده فلا بأس أن يؤخر عنه الحد إلى الحضر نظرا لهذه المصلحة الراجحة، وَالحَدُّ سيقام على مرتكبيه بكلّ حال وأكثر ما فيه تأخير الحدّ لمصلحة راجحة، إما من حاجة المسلمين إليه أو من خوف ارتداده ولحقوه بالكفار، وتأخير الحد لعارض أمر وردت به الشريعة، كما يؤخر عن الحامل والمرضع، وعن وقت الحر والبرد والمرض، فهذا تأخير لمصلحة المحدود، فتأخيره لمصلحة الإسلام أولى"٢".
وأما ما قاله الأحناف من سقوط الحد مطلقا في السفر والحضر فهذا غير وجيه لأن فيه تضيعا لحدود الله، بتعليلات واهية".
_________________
(١) ١الأم للشافعي٧/٣٢٢-٣٢٣و٤/١٩٩-٢٠٠والسنن الكبرى للبيهقي٩/١٠٤-١٠٥". ٢ انظر إعلام الموقعين لابن قيم الجوزية ٣/٥-٨".
[ ٢ / ٦٠٤ ]
الحكم التاسع: الاستعانة بالمشركين
مر بنا حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - وفيه قال: "ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدرعا مائة وما يصلحها من عدتها"، فقال: "أغصبا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك١".
وحديث صفوان بن أمية - ﵁ - أن رسول الله ﷺ استعار منه أدرعا يوم حنين، فقال: "أغصبا يا محمد؟ فقال: "لا، بل عارية مضمونة" ٢.
وفي حديث الهجرة أن رسول الله ﷺ استأجر عبد الله٣ بن أريقط يدله على الطريق أثناء الهجرة وكان عبد الله مشركا٤".
وهذه الأحاديث الدالة على جواز الاستعانة بالمشركين جاء ما ظاهره معارضا لها وهو ما رواه مسلم - ﵀ - من حديث عائشة - ﵂ - قالت:
٢٦٢- خرج رسول الله ﷺ قبل بدر فلما كان بحرة الوبرة ٥، أدركه رجل قد كان
_________________
(١) ١ تقدم برقم (٢٣) . وإسناده حسن". ٢ تقدم تخريجه برقم (٢٦) وهو صحيح بمجموع طرقه". ٣ عبد الله بن أريقط - بضم الهمزة وفتح الراء وسكون الياء وكسر القاف وطاء مهملة- ويقال: "أريقد - بالدال المهملة بدل الطاء- ويقال: "أريق - بقاف - بصيغة التصغير -، الليثي ثم الدؤلي، دليل النبي ﷺ وأبي بكر لما هاجرا إلى المدينة". قال ابن حجر: "لن أر من ذكره في الصحابة، إلا الذهبي في التجريد وقد جزم عبد الغني المقدسسي في السيرة له بأنه لم يعرف له إسلام وتبعه النووي في تهذيب الأسماء واللغات". (الإصابة ٢/٢٧٤ وكتاب المغني لابن طاهر الهندي ص ٤) . ٤ رواه ابن إسحاق عمن لا يتهم عن عروة عن عائشة أم المؤمنين". (انظر سيرة ابن هشام ١/٤٨٤-٤٨٥، والبداية والنهاية لابن كثير ٣/١٧٨) . ٥ قال ياقوت: "حرة الوبرة: "بثلاث فتحات مضبوطة في كتاب مسلم، وقد سكن بعضهم الباء، وهي على ثلاثة أميال من المدينة". (معجم البلدان ٢/٢٥٠) . وقال النووي: "هكذا ضبطناه بفتح الباء، وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم، قال: "وضبطه بعضهم بإسكانها، وهو موضع على نحو أربعة أميال من المدينة". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٧٩) . وعلى تحديد ياقوت لحرة الوبرة، تكون بينها وبين المدينة (٥) كيلومتر، لأن الميل يساوي ٢/٣ ١كم". (انظر: تيسير العلام لعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام ١/٥٠١، وغزوة بني المصطلق ص (٥٦) .
[ ٢ / ٦٠٥ ]
يذكر منه جرأة ونجدة١، ففرح أصحاب رسول الله ﷺ حين رأوه، فلما أدركه قال لرسول الله ﷺ جئت لأتبعك وأصيب معك، قال رسول الله ﷺ "تؤمن بالله ورسوله" قال: "لا قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك".
قالت: "ثُمَّ مضى حتّى إذا كنا٢ بالشجرة٣ أدركه لرجل فقال له كما قال أول مرة، فقال له النبي ﷺ كما قال أول مرة، قال: "فارجع فلن أستعين بمشرك"، قال: "ثم رجع فأدركه بالبيداء، فقال له كما قال أول مرة، "تؤمن بالله ورسوله؟ " قال: "نعم، فقال له رسول الله ﷺ: "فانطلق" ٤.
ومن هنا اختلف العلماء في جواز الاستعانة بالمشركين نظرا لاختلاف الأحاديث الواردة في ذلك".
قال النووي: "أثناء شرحه لحديث مسلم قوله "فارجع فلن أستعين بمشرك".
وقد جاء في الحديث الآخر"أن النبي ﷺ استعان بصفوان بن أمية".
فأخذ طائفة من العلماء بالحديث الأوّل٥ على إطلاقه".
وقال الشافعي وآخرون: "إن كان الكافر حسن الرأي في المسلمين، ودعت الحاجة إلى الاستعانة به استعان به، وإلا فيكره، وحمل الحديثين على هذين الحالين"٦".
_________________
(١) ١ الجرأة: الإقدام على الشيء والنجدة الشجاعة وشدةالبأس". (النهاية١/٢٥٣،و٥/١٨) . ٢ قوله: "حتى إذا كنا بالشجرة"، قال النووي: "هكذا هو في النسخ: "حتى إذا كنا"، فيحتمل أن عائشة كانت مع المودعين، فرأت ذلك ويحتمل أنها أرادت بقولها: "كنا" كان المسلمون". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٧٩) . ٣ الشجرة: "هي شجرة ذي الحليفة لأن مسجدها يسمى مسجد الشجرة بدليل ذكر البيداء بعد ذلك، والبيداء بعد ذي الحليفة مباشرة وفيها الآن معهد المعلمين ومركز التلفون اللاسلكي". (انظر: "المدينة بين الماضي والحاضر للعياشي ص ٤٥١، و٤٧٠، وكتاب المناسك للحربي ص ٤٢٥) . ٤ صحيح مسلم٣/١٤٤٩كتاب الجهاد والسير، باب كراهة الاستعانة في الغزو بكافر". ٥ يريد حديث مسلم". ٦ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٧٩".
[ ٢ / ٦٠٦ ]
وقال الشافعي: "ورد أن رسول الله ﷺ رد مشركا أو مشركين في غزاة بدر وأبى أن يستعين إلا بمسلم، ثم استعان بعد بدر١ بسنتين بغزاة خيبر بعدد اليهود بني قينقاع كانوا أشداء واستعان ﷺ في غزاة حنين سنة ثمان بصفوان بن أمية وهو مشرك، فالرد الأول إن كان لأن له الخيار أن يستعين بمشرك٢ أو يرده كما يكون له رد المسلم من معنى يخافه منه أو لشدة به فليس واحد من الحديثين مخالفا للآخر، وإن كان رده لأنه لم ير أن يستعين بمشرك فقد نسخه ما بعده من استعانته بمشركين، فلا بأس أن يستعان بالمشركين على قتال المشركين إذا خرجوا طوعا ويرضخ٣ لهم ولا يسهم لهم"٤".
وقال البيهقي: "باب ما جاء في الاستعانة بالمشركين". ثم ساق حديث مسلم".
ثم قال: "قال الشافعي: "لعله رده رجاء إسلامه وذلك واسع للإمام، وقد غزا بيهود بني قينقاع بعد بدر وشهد صفوان بن أمية حنينا بعد الفتح وصفوان مشرك".
ثم قال البيهقي: "أما شهود صفوان بن أمية معه حنينا وصفوان مشرك فإنه معروف بين أهل المغازي".
وأما غزوه بيهود قينقاع فإني لم أجد إلا من حديث الحسن٥ بن عمارة - وهو ضعيف - عن الحكم٦ عن ابن عباس ﵄ قال: "استعان رسول الله ﷺ بيهود قينقاع فرضخ لهم ولم يسهم لهم" ٧".
_________________
(١) ١ يريد بدر الموعد فإنها كانت بعد أحد وكانت في شهر شعبان سنة أربع من الهجرة، وبهذا يتجه كون خيبر بعدها بسنتين لأن غزوة خيبر كانت في السنة السادسة على قول بعض العلماء". (انظر: "البداية والنهاية لابن كثير ٤/٩٣-٤و١٨١". وفتح الباري ٥/٢٧٨ و٧/٣٩٣ و٤٦٤) . ٢ في الأصل "بمسلم"، ولعل ما أثبته هو الصواب بدليل ما بعده". ٣ الرضخ: "هو العطية القليلة، بمعنى أنهم يعطون شيئا من الغنيمة ولا يسهم مثل سهام المقاتلين المسلمين". (النهاية ٢/٢٢٨) . ٤الأم٤/١٧٧وانظر: الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٢١٨-٢٢٠) . ٥ هو: "الحسن بن عمارة البجلي مولاهم، أبو محمد الكوفي، قاضي بغداد، متروك، من السابعة (ت ١٥٣) ./ خت ت ق". (التقريب ١/١٦٩ وتهذيب التهذيب ٢/٣٠٤ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٥٣) . ٦ الحكم: "هو ابن عتيبة". ٧ السنن الكبرى ٩/٣٧، و٥٣".
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وقال ابن قدامة: "فصل: "ـ ولا يستعان بمشرك وبهذا قال ابن المنذر١ والجوزجاني٢ وجماعة من أهل العلم".
وعن أحمد ما يدل على جواز الاستعانة به وكلام الخرقي٣ يدل عليه أيضا عند الحاجة وهو مذهب الشافعي لخبر"صفوان بن أمية".
ويشترط أن يكون من يستعان به حسن الرأي في المسلمين، فإن كان غير مأمون عليهم لم يجز الاستعانة به".
لأننا إذا منعنا الاستعانة بمن لا يؤمن من المسلمين مثل المخذل والمرجف فالكافر أولى".
ثم قال: "ووجه الأول ما روت عائشة قالت خرج رسول الله ﷺ إلى بدر ثم ساق الحديث المتقدم عند مسلم٤".
والخلاصة أن مذهب الشافعية والحنابلة والأحناف جواز الاستعانة بالمشركين بشرطين:
الأول: "الحاجة إليهم".
والثاني: "الوثوق من جهتهم".
واستدلوا بفعل رسول الله ﷺ فقد استعان بعبد الله بن أريقط في الهجرة ليدله على الطريق".
كما ستعان بصفوان بن أمية في غزوة حنين وقد مر بيان ذلك٥".
وردوا على أدلة المانعين بأنها منسوخة بفعله ﷺ وعمله، أو على أن ذلك محمول على عدم الحاجة إليهم،
_________________
(١) ١ ابن المنذر: "هو محمد بن إبراهيم، تقدم". ٢ الجوزجاني: "هو أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب بن إسحاق، مات سنة ٢٥٦ أو ٢٥٩". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٤٩) . ٣ هو عمر بن الحسين بن عبد الله أبو القاسم الخرقي صاحب المختصر في الفروع الفقه الحنبلي وله مصنفات عدة أودعها بغداد وسافر فاحترقت كتبه ولم تكن قد انتشرت (مات بدمشق سنة ٣٣٤هـ) . (تاريخ بغداد ١١/٢٣٤-٢٣٥، والبداية والنهاية لابن كثير ١١/٢١٤، معجم المؤلفين لكحالة ٧/٢٨٢-٢٨٣". ٤ المغني ٨/٤١٤". ٥ في حديث ٢٣و٢٦و٢٧".
[ ٢ / ٦٠٨ ]
أو على عدم الوثوق بهم، وبذلك يحصل الجمع بين أدلة المنع وأدلة الجواز".
وقال ابن حجر: "والأقرب أن الاستعانة بالمشركين كانت ممنوعة ثم رخص فيها وعليه نص الشافعي"١".
وقال القرطبي: "تجوز الاستعانة بالمشرك إذا كان حكم الإسلام هو الغالب وإنما تكره الاستعانة بهم إذا كان حكم الشرك هو الظاهر، وهو قول أحمد والشافعي وأبي حنيفة"٢".
وقال ابن قيم الجوزية - في أثناء كلامه على الأحكام المستنبطة من غزوة الحديبية - ومنها: "أن الاستعانة بالمشرك المأمون في الجهاد جائز عند الحاجة، لأن عينه الخزاعي٣ كان كافرا إذا ذاك، وفيه من المصلحة أنه أقرب إلى اختلاطه بالعدو، وأخذه أخبارهم"٤".
وهو قول بعض المعاصرين٥".
وخلاصة المسألة أن الاستعانة بالمشركين جائزة بشروط وقرائن تحتف بها فإذا اختل شرط من الشروط ولم يؤمن جانب المشرك المستعان به لم تجز الاستعانة".
وإذا لم تكن هناك حاجة ملحة فلا يجوز الاستعانة، والاستعانة تكون إما بخبرته العسكرية وإما بأخذ معلومات تفيد المسلمين إن دعت الحاجة إلى ذلك، وقاعدة الإسلام في هذا الباب أن الحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها أخذها وأن الحرب خدعة، فلا بد من توافر أسباب وانتفاء موانع للاستفادة من الخبرات الكافرة، حتى لا يقع المسلمون في شرك المخادعة ومكايد العدو، والأمر واسع في ذلك، كما أنه راجع إلى اجتهاد الإمام وأهل الحل والعقد في الأمة الإسلامية".
_________________
(١) ١ التلخيص الحبير ٤/١٠٠-١٠١ وانظر: "زاد المعاد لابن قيم ٣/٤٧٩ وسبل السلام للصنعاني ٤/٤٩-٥٠ وروائع البيان للصابوني ١/٤٠٢". ٢ الجامع لأحكام القرآن ٨/٩٩-١٠٠ وانظر: "الهداية للمرغيناني ٢/١٤٧، وأوجز المسالك إلى موطّأ مالك ٩/٤٢٤و٤٢٥". ٣ هو بسر بن سفيان الخزاعي الكعبي". (الإصابة ١/١٤٩) . ٤ زاد المعاد ٣/٣٠١و٤٧٩". وصحيح البخاري ٥/١٠٤-١٠٥ كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية". ٥ هما: "الأستاذ محمد أبو زهرة في كتابه خاتم النبيين ص ٨٥٨". والدكتور محمد سعيد البوطي فقه السيرة ص ٢٣٤و٣٩٢".
[ ٢ / ٦٠٩ ]
الحكم العاشر: العارية من حيث الضمان وعدمه
العارية: "بتشديد التحتية وتخفيفها، ويقال عارة، وهي مأخذوة من عار الفرس إذا ذهب، لأن العارية تذهب من يد المعير".
وهي في الشرع: "عبارة عن تمليك المنافع بغير عوض١".
وجاء في هذا:
حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - وفيه "ثم بعث رسول الله ﷺ إلى صفوان بن أمية فسأله أدراعا مائة درع، وما يصلحها من عدتها، فقال: "أغصبا يا محمد؟ قال: "بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك"٢
حديث ابن عباس - ﵄ - أنّ رسول الله ﷺ استعار من صفوان بن أمية أدراعًا وسنانا في غزوة حنين". فقال: "يا رسول الله أعارية مؤداة؟ قال: "عارية مؤداة" ٣.
٢٦٣- حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: "استعار رسول الله ﷺ من صفوان بن أمية سلاحا، فقال صفوان: "أمؤداة يا رسول الله؟ قال: "نعم" ٤.
وفي بعض ألفاظ حديث صفوان بن أمية أن رسول الله ﷺ استعار منه يوم حنين أدراعا فقال: "أغصبا يا محمد؟
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ٢/٩٧، وكتاب المغني لابن قدامة ٥/٢٢٠، وكتاب الهداية للمرغيناني ٣/٢٢٠، وفتح الباري ٥/٢٤١، كفاية الأخيار لتقي الدين الحسيني ١/١٨٠، وحاشية الدسوقي ٣/٤٣٣". ٢ تقدم برقم (٢٣) . ٣ تقدم برقم (٢٧) . ٤ سنن الدارقطني ٣/٣٨".
[ ٢ / ٦١٠ ]
قال: "بل عارية مضمونة" قال: "فضاع بعضها فعرض عليه رسول الله أن يضمنها له، قال: "أنا اليوم في الإسلام أرغب". وفي لفظ "إنا قد فقدنا من أدراعك أدراعا فهل نغرم لك؟ قال: "لا يا رسول الله، لأن في قلبي اليوم ما لم يكن يومئذ".
قال أبو داود: "وكان أعاره قبل أن يسلم، ثم أسلم"١.
ومن خلال هذه النصوص وغيرها اختلف العلماء في ضمان العارية وعدمه".
ومنشأ الخلاف من قوله "عارية مضمونة".
قال ابن قيم الجوزية: "وفيها٢ أن رسول الله ﷺ شرط لصفوان في العارية الضمان، فقال: "عارية مضمونة".
فهل هذا إخبار عن شرعه في العارية، ووصف لها بوصف شرعه الله فيها، وأن حكمها الضمان كما يضمن المغصوب، أو إخبار عن ضمانها بالأداء بعينها ومعناه: "أني ضامن لك تأديتها، أنها لا تذهب، بل أردها إليك بعينها؟ هذا مما اختلف فيه الفقهاء".
فقال الشافعي وأحمد بالأول: "وأنها مضمونة بالتلف"٣.
وقال أبو حنيفة ومالك بالثاني: "وأنها مضمونة بالرد على تفصيل في مذهب مالك وهو أن العين إن كانت مما لا يغاب عليه٤، كالحيوان والعقار، لم تضمن بالتلف إلا أن يظهر كذبه، وإن كانت مما يغاب عليه كالحلي ونحوه، ضمنت بالتلف".
إلا أن يأتي ببينة تشهد على التلف.
_________________
(١) ١ تقدم تخريج الحديث برقم (٢٦) . ٢ أي في غزوة حنين من الأحكام". ٣يعني إذا تلف في غير الاستعمال المأذون فيه، ضمنها المستعير وإن لم يفرط". (انظر: كفاية الأخيار١/١٨١والفقه على المذاهب الأربعة لعبد الرحمن الجزيري٣/٢٨٦ و٢٨٨) . ٤ يعني الذي لا يمكن إخفاؤه وستره عن الأعين في العادة كالعقار والحيوان". والذي يغاب عليه: "الذي يمكن اخفاؤه في صندوق أو دولاب، كالثياب، والحلي فهذا يضمنه المستعير دون الأوّل". (الفقه على المذاهب الأربعة ٣/٢٨٥-٢٨٦ والشرح الكبير لأبي البركات أحمد الدردير ٣/٤٣٦ على هامش حاشية الدسوقي". وقال الشوكاني: "واستدل من فرق بين الحيوان وغيره بحديث صفوان، ولا يخفى أن دلالته على أن غير الحيوان مضمون لا يستفاد منها أن حكم الحيوان بخلافه". (نيل الأوطار ٥/٣٣٤) .
[ ٢ / ٦١١ ]
وسر مذهبه أن العارية أمانة غير مضمونة - كما قال أبو حنيفة - إلا أنه لا يقبل قوله فيما يخالف الظاهر، فلذلك فرق بين ما يغاب عليه، وما لا يغاب عليه".
ومأخذ المسألة أن قوله ﷺ لصفوان بن أمية: "بل عارية مضمونة" هل أراد به أنها مضمونة بالرد أو بالتلف؟
أي أضمنها إن تلفت، أو أضمن لك ردها، وهو يحتمل الأمرين، وهو في ضمان الرد أظهر لثلاثة أوجه:
أحدها: "أن في اللفظ الآخر: "بل عارية مؤداة" فهذا يبين أن قوله "مضمونة" المراد به: "المضمونة بالأداء".
الثّاني: "إنه لم يسأله عن تلفها، وإنما سأله هل تأخذها مني أخذ غصب تحول بيني وبينها؟ فقال: "لا، بل أخذ عارية أؤديها إليك".
ولو كان سأله عن تلفها وقال: "أخاف أن تذهب، لناسب أن يقول: "أنا ضامن لها إن تلفت".
الثالث: "أنه جعل الضمان صفة لها نفسها، ولو كان ضمان تلف، لكان الضمان لبدلها، فلما وقع الضمان على ذاتها، دل على أنه ضمان أداء".
ثم قال: "فإن قيل: "ففي القصة أن بعض الدروع ضاع، فعرض عليه النبي ﷺ أن يضمنها، فقال: "أنا اليوم في الإسلام أرغب".
قيل: "هل عرض عليه أمرا واجبا أو أمرا جائزا مستحبا الأولى فعله، وهو من مكارم الأخلاق والشيم، ومن محاسن الشريعة؟
وقد يترجح الثاني بأنه عرض عليه الضمان، ولو كان الضمان واجبا، لم يعرضه عليه، بل كان يفي له به".
ويقول: "هذا حقك، كما لو كان الذاهب بعينه موجودا فإنه لم يكن ليعرض عليه رده فتأمله"١". إهـ.
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٤٨١-٤٨٣ والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف ٦/١١٢".
[ ٢ / ٦١٢ ]
فابن القيم رحمه الله تعالى يرى أن العارية مضمونة بذاتها، لقوله: "ﷺ "بل عارية مضمونة" وأنها إذا تلفت فلا ضمان عندئذ".
وذهب الصنعاني: "إلى أن العارية تضمن إذا شرط صاحبها الضمان لقوله: "ﷺ "عارية مضمونة" ١".
وذهب جمهور العلماء ومنهم الشافعي وأحمد إلى أن العارية إذا استعملت في غير المأذون فيه فتلفت وجب ضمانها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال، وبقيمتها يوم تلفها إن لم تكن من ذوات الأمثال، واستدلوا بالأحاديث المتقدمة وما في معناها".
قال الشافعي: "العارية كلها مضمونة الدواب والرقيق والثياب لا فرق بين شيء منها، فمن استعار شيئا فتلف في يده بفعله أو بغير فعله فهو ضامن له، والأشياء لا تخلو أن تكون مضمونة أو غير مضمونة، فما كان منها مضمونًا مثل الغصب وما أشبهه فسواء ما ظهر منها هلاكه وما خفي فهو مضمون على الغاصب والمستسلف جنيا فيه أو لم يجينا، أو غير مضمونة مثل الوديعة فسواء ما ظهر هلاكه وما خفي فالقول فيها قول المستودع مع يمينه"٢".
وقال ابن قدامة: "ويجب رد العارية إن كانت باقية بغير خلاف، ويجب ضمانها إذا كانت تالفة تعدى فيها المستعير أو لم يتعد، روى ذلك ابن عباس وأبو هريرة ٣".
وإليه ذهب عطاء٤ والشافعي وإسحاق".
لقول النبي ﷺ في حديث صفوان "بل عارية مضمونة".
_________________
(١) ١ سبل السلام ٣/٦٧-٦٩". ٢ الأم ٣/٢١٧-٢١٨ ومختصر المزني ٣/٣٢ مع الأم، وسنن الترمذي ٢/٣٦٩ وكفاية الأخيار لتقي الدين الحسيني ١/١٨٠-١٨٢". ٣ أثرهما في الأم ٣/٢١٨". قال الشافعي: "وقد قال أبو هريرة وابن عباس ﵄ إن العارية مضمونة". وكان قول أبي هريرة في بعير استعير فتلف انه مضمون". ٤ عطاء: "هو ابن أبي رباح، وإسحاق: "هو ابن راهويه".
[ ٢ / ٦١٣ ]
٢٦٤- وروى الحسن١ عن سمرة عن النبي ﷺ أنه قال: "على اليد ما أخذت حتى تؤديه" ٢.
ولأنه أخذ ملك غيره لنفع نفسه منفردا بنفعه من غير استحقاق، ولا إذن في الإتلاف فكان مضمونا كالغاصب، والمأخوذ على وجه السوم٣".
وقال علاء الدين المرداوي: "قال الحارثي٤: "نص الإمام أحمد ﵀ على ضمان العارية، وإن لم يتعد فيها كثير متكرر جدًا من جماعات، وقف على رواية اثنين وعشرين رجلًا وذكرها ٥".
وذهب مالك وأبو حنيفة والحسن البصري والنخعي والشعبي وعمر بن عبد العزيز والثوري الأوزاعي وابن شبرمة٦ إلى أن العرية أمانة لا يجب ضمانها إلا بالتعدي".
٢٦٥- لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال: "ليس
_________________
(١) ١ الحسن: "هو البصري، وسمرة: "هو ابن جندب، صحابي جليل". ٢ رواه أبو داود في سننه ٢/٢٦٥ كتاب البيوع، باب في تضمين العارية". والنسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف ٤/٦٦ حديث ٤٥٨٤". والترمذي في سننه ٢/٣٦٨ كتاب البيوع، باب ما جاء أن العارية مؤداة". وقال: "هذا حديث حسن صحيح". وابن ماجه في سننه ٢/٨٠٢ كتاب الصدقات، باب العارية". والدارمي ٢/١٧٨ كتاب البيوع، باب في العارية مؤداة". وأحمد في المسند ٥/٨و١٢و١٣". والحاكم: "المستدرك ٢/٤٧". والبيهقي: "السنن الكبرى ٦/٩٠و٩٥". الجميع من طريق قتادة عن الحسن عن سمرة بن جندب". قال ابن حجر في التلخيص الحبير ٣/٥٣: "والحسن مختلف في سماعه من سمرة، وزاد فيه أكثرهم ثم نسي الحسن فقال: "هو أمينك لا ضمان عليه". قال الشوكاني: "واستدل من قال بالضمان بحديث سمرة، وبقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٥٨] . ولا يخفى أن الأمر بتأدية الأمانة لا يستلزم ضمانها إذا تلفت". (نيل الأوطار ٥/٣٣٤) . ٣ المغني ٥/٢٢٠-٢٢٤". ٤ هو مسعود بن أحمد العراقي المصري الحنبلي (٦٥٢-٧١١) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٩٥) . ٥ الإنصاف ٦/١١٢، و١١٣ وفتح الباري ٥/٢٤١ ونيل الأوطار ٥/٣٣٤ وسبل السلام ٣/٦٧". ٦ هو عبد الله بن شبرمة الكوفي القاضي (ت ١٤٤) . (التقريب ١/٤٢٢) .
[ ٢ / ٦١٤ ]
على المستعير غير المغل١ ضمان ولا على المستودع غير المغل ضمان"٢.
ولأنه قبضها بإذن مالكها فكانت أمانة كالوديعة".
٢٦٦- قالوا: وقول النبي ﷺ "العارية مؤداة"٣ يدل على أنها أمانة، لقول الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الأمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٥٨] ٤.
وأجيب عن حديث عمرو بن شعيب بأنه ضعيف، وأن الصحيح أنه من قول شريح القاضي.
وحديث "العارية مؤداة" صحيح إلا أنه قد ورد في حديث جابر ابن عبد الله وابن عباس وصفون بن أمية "بل عارية مضمونة" ٥.
وأما الآية فإنها عامة للعارية وغيرها، وحديث التضمين خاص، والخاص مقدم على العام".
وأيضا فإن العارية تخالف الوديعة، لأن الوديعة الذي يستفيد منها هو المودع، والعارية ييستفيد منها المستعير، فإذا تلفت وجب ضمانها٦".
والذي يبدو في هذه المٍسألة هو قول بضمان العارية حفظا لأموال الناس من الضياع، والتساهل في حفظها، لأن الأصل أن من أخذ شيئا من أموال الناس وجب عليه رده بعينه أو بقيمته إذا تلف إلا ما خصه الدليل من ذلك".
_________________
(١) ١ المغل: "بضم الميم ثم الغين المعجمة، مأخوذ من الإغلال وهو الخيانة، والمعنى: "ليس على المستعير غير المغل ضمان الخ (أي إذا لم يخن في العارية والوديعة فلا ضمان عليه) وقيل: "المغل ها هنا: "المستغل، وأراد به القابض لأنه بالقبض يكون مستغلا والأول الوجه: "يعني أولى". (النهاية ٣/٣٨١، سبل السلام للصنعاني ٣/٦٧) . ٢ رواه الدارقطني في سننه ٣/٤١ والبيهقي في السنن الكبرى ٦/٩١". وقالا: "الصحيح وقفه على شريح القاضي". وأما المرفوع ففيه عمرو بن عبد الجبار السنجاري عن عمه عبيدة بن حسان العنبري السنجاوي وهما ضعيفان". وقال أبو حتبان: "عبيدة بن حسان، منكر الحديث". (الجرح والتعديل ٦/٩٢) . وقال ابن حبان: "عبيدة يروي الموضوعات عن الثقات". (انظر: "كتاب المجروحين ٢/١٨٩ وميزان الاعتدال ٣/٢٦ و٢٧١) . ٣ رواه ابن ماجه في سننه ٢/٨٠٢ كتاب الصدقات، باب العارية من حديث أنس بن مالك ولفظه: "العارية مؤداة والمنيحة مردودة" وهو صحيح من زوائد ابن ماجه". ٤ الهداية للمرغيناني ٣/٢٢٠، والمغني لابن قدامة ٥/٢٢١، وفتح الباري ٥/٢٤١، وسبل السلام ٣/٦٧-٦٨، ونيل الأوطار ٥/٣٣٤". ٥ تقدم حديث جابر برقم "٢٣"، وحديث ابن عباس برقم (٢٧) وحديث صفوان برقم (٢٦) . ٦ بداية المجتهد لابن رشد ٢/٣١٤".
[ ٢ / ٦١٥ ]
الحكم الحادي عشر: قضاء الرسول في شأن محلم بن جثامة
كان من شأن محلم بن جثامة الليثي أنه خرج مع أصحاب رسول الله ﷺ في سرية مكونة من ثمانية نفر إلى بطن إضم وكان قائد السرية أبو قتادة بن ربعي١، فلما وصلوا إلى بطن إضم٢ مر بهم عامر بن الأضبط الأشجعي فسلم عليهم بتحية الإسلام فأمسكوا عن قتله وعدا عليه محلم ابن جثامة فقتله لإحن كانت بينهم في الجاهلية، وأخذ ما معه".
ولما كانت غزوة حنين اختصم في شأنهما عيينة بن حصين والأقرع بن حابس فعيينة يطالب بدم عامر بن الأضبط، والأقرع يدافع عن محلم بن جثامة وارتفعت الأصوات أمام رسول الله ﷺ فقضا فيه رسول الله ﷺ بالدية٣". يوضح هذا ما رواه أبو داود وغيره وهذا سياق أبي داود قال:
٢٦٧- حدثنا موسى٤ بن إسماعيل أخبرنا حماد٥ قال: "أخبرنا محمد٦ - يعني ابن إسحاق - فحدثني محمد٧ بن جعفر بن الزبير قال سمعت زياد٨ بن ضميرة الضمري.
_________________
(١) ١ في سيرة ابن هشام أن قائد هذه السرية هو عبد الله بن أبي حدرد". ٢ إضم: "بكسر الهمزة وفتح الضاد المعجمة، وآخره ميم". قال عاتق بن غيث البلادي: "هو وادي المدينة إذا اجتمعت أوديتها الثلاثة - بطحان وقناة والعقيق - بين أحد والشرثاء يسمى الوادي "الخيل" إلى أن يتجاوز كتانة وهي كتانة غيقة، فيسمى الوادي "وادي الحمض" إلى أن يصب في البحر بين الوجه وأم لج، هذه أسماؤه اليوم، أما اسمه قديما، فكان يسمى إضما منذ اجتماع تلك الروافد إلى أن يصب في البحر". (معجم المعالم الجغرافية ص ٢٩) . ٣ مغازي الواقدي ٢/٧٩٦-٧٩٧ وسيرة ابن هشام ٢/٦٢٦". وذكر الواقدي أن هذه السرية كانت عند خروج رسول الله ﷺ لفتح مكة ليظن الناس أن رسول الله ﷺ يريد تلك الناحية". (وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٣٣) . ٤ هو المنقري التبوذكي "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٩١) . ٥ حماد: "هو ابن سلمة "ثقة عابد" تقدم في حديث (٣٦) . ٦ محمد بن إسحاق بن يسار، صاحب السيرة "صدوق" تقدم في حديث (١) . ٧ محمد بن جعفر بن الزبير بن العوام الأسدي، المدني ثقة من السادسة (ت بضع عشرة بعد المائة) . /". (التقريب ٢/١٥٠ وتهذيب التهذيب ٩/٣٩) . ٨ زياد بن سعد بن ضميرة، ويقال: "زياد بن ضميرة بن سعد، ويقال: "زياد بن ضمرة، ويقال: "زيد بن ضميرة السلمي ويقال: "الأسلمي الحجازي". رجح المزي: "زياد بن سعد بن ضميرة". روى عن أبيه وجده، ويقال: "عن أبيه وعمه، وكانا شهدا حنينا قصة محلم بن جثامة، وعنه محمد بن جعفر بن الزبير وقيل: "عن محمد بن جعفر عن زياد بن ضميرة عن عروة بن الزبير عن أبيه". ذكره ابن حبان في الثقات في أتباع التابعين فقال: "زياد بن ضميرة بن سعد ويقال ابن ضميرة يروي عن الحجازيين، روى عن أهل بلده". (تهذيب التهذيب ٣/٣٦٩ وتحفة الأشراف للمزي ٣/٢٧٢ وقال في التقريب ١/٢٦٨: "مقبول" من الرابعة". /د ق". وقال الذهبي: "فيه جهالة". (ميزان الاعتدال ٢/٨٩) .
[ ٢ / ٦١٦ ]
ح- وأخبرنا وهب١ بن بيان وأحمد٢ بن سعيد الهمداني قالا أخبرنا ابن وهب٣ أخبرني عبد الرحمن٤ بن أبي الزناد عن عبد الرحمن٥ ابن الحارث عن محمد بن جعفر أنه سمع زياد بن ضميرة السلمي".
وهذا حديث وهب وهو أتم يحدث عروة بن الزبير عن أبيه٦ قال موسى: "وجده٧ وكانا شهدا مع رسول الله ﷺ حنينا٨ ثم رجعنا إلى حديث وهب " أن
_________________
(١) ١ وهب بن بيان الواسطي، أبو عبد الله، نزيل مصر، ثقة عابد، من العاشرة (ت ٢٤٦) . /د س". (التقريب ٢/٣٣٧ وتهذيب التهذيب ١١/١٦٠) . ٢ هو أبو جعفر المصري صاحب ابن وهب "صدوق" تقدم في حديث (١٢٧) . ٣ هو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم، أبو محمد المصري، الفقيه، ثقة حافظ عابد، من التاسعة (ت ١٩٧) . /ع". (التقريب ١/٤٦٠ وتهذيب التهذيب ٦/٧١-٧٤) . ٤ هو ابن عبد الله بن ذكوان "صدوق تغير حفظه لما قدم بغداد" تقدم". ٥ هو ابن عبد الله بن عياش "صدوق له أوهام". (التقريب ١/٤٧٦) . ٦ عن أبيه: "هو سعد بن ضمرة بن سعد بن سفيان بن مالك بن حبيب بن زغب بن مالك بن خفاف بن امرئ القيس بن بهثة بن سليم السلمي وقيل الأسلمي، وقيل فيه: "سعد بن ضميرة الضمري حجازي شهد حنينا له عند أبي داود حديث في قصة محلم بن جثامة بإسناد حسن". (الإصابة٢/٢٩ وأسد الغابة٢/٣٥٥ والاستيعاب ٢/٥٣ مع الإصابة) . ٧ وجده: "بكسر الدال أي أن زياد بن سعد يحدث عروة عن أبيه سعد وعن جده ضميرة بن سعد السلمي، وقيل ضمرة بن ربيعة، "فعروة" مفعول به "ليحدث". (الإصابة ٢/٢١٢ وأسد الغابة ٣/٥٩-٦٠ وعون المعبود ١٢/٢١٨ ووقع في سيرة ابن هشام". قال ابن إسحاق: "حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: "سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه عن جده وكانا شهدا حنينا". وعند البلاذري من طريق ابن إسحاق: "سمعت زياد بن ضميرة يحدّث عن عروة بن الزبير عن أبيه، وجدّه جميعًا". وهذا يوهم أن الحديث عن العوام، وهو لم يدرك البعثة". والحديث من طريق ابن إسحاق هذه من مسند سعد بن ضميرة عن أبيه ضميرة، كما هو عند أحمد وابن ماجه، وهو كذلك في الأطراف للمزي ٣/٢٧١، ٤/٢٠٤ حديث ٣٨٢٤ و٤٩٧٥ وذخائر المواريث ١/٢٢٧ حديث ٢٠٤٨". ٨ وعند ابن إسحاق: "وكانا شهدا حنينا مع رسول الله ﷺ، قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر ثم عمد إلى ظل شجرة فجلس تحتها، وهو بحنين". وعند ابن ماجه وأحمد: "قالا: "صلى بنا رسول الله ﷺ الظهر الخ".
[ ٢ / ٦١٧ ]
محلم١ بن جثامة الليثي قتل رجلًا٢ من أشجع في الإسلام وذلك أول غير٣ قضى به٤ رسول الله ﷺ فتكلم عيينة٥ في قتل الأشجعي؛ لأنه٦ من غطفان، وتكلم الأقرع بن حابس دون محلم؛ لأنه٧ من خندف، فارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط٨، فقال رسول الله ﷺ: "يا عيينة ألا تقبل الغير، فقال عيينة: "لا والله حتى أدخل على نسائه من الحرب والحزن ما أدخل على نسائي"٩.
_________________
(١) ١محلم - بضم الميم وفتح الحاء المهملة وكسر اللام المشددة ثم الميم - ابن جثامة- بفتح الجيم وتشديد المثلثة فألف فميم فتاء تأنيث - ابن قيس بن ربيعة بن عبد الله بن يعمر الشداخ بن عوف بن كعب بن عامر بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي، أخو الصعب بن جثامة". (الاستيعاب ٣/٤٩٦وأسد الغابة ٥/٧٦-٧٧ والإصابة ٣/٣٦٩ وشرح المواهب ٢/٢٨٥، ووقع في تاريخ الخميس والسيرة الحلبية "محكم بن جثامة" بالكاف ولعله خطأ مطبعي". ٢ جاء تسمية هذا الرجل عند ابن إسحاق وغيره بأنه "عامر بن الأظبط الأشجعي" كما سيأتي في حديث (٢٦٨) . ٣ غير: بكسر الغين المعجمة وفتح المثناة التحتيةوراء: الدية، كما فسرت في آخر الحديث". قال ابن الأثير: "الغير: "جمع الغيرة، وهي الدية، وجمع الغير: "أغيار، وقيل: "الغيرة: "الدية؛ وجمعها أغيار، مثل ضلع وأضلاع، وغيره إذا أعطاه الدية، وأصلها من المغايرة وهي المبادلة، لأنها بدل من القتل". (النهاية٣/٤٠٠وعون المعبود١٢/٢١٨) . «٤ قضى به: "أي بالغير، الذي هو الدية". ٥ في زاد المعاد ٣/٣٦٧ "ولما كان عام خيبر، جاء عيينة بن بدر يطلب بدم عامر بن الأضبط الأشجعي"، الخ". فقوله: "عام خيبر" خطأ، والصواب عام حنين". ٦ لأنه: "أي الأشجعي وهو عامر بن الأضبط، وذلك أن أشجع هو: "ابن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان، وعيينة هو: "ابن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوبة بن لوذان بن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذيبان بن بغيض بن ريث بن غطفان بن قيس بن عيلان الفزاري، فعيينة وعامر بن الأضبط يجتمعان في ريث بن غطفان". (اللباب في تهذيب الأنساب ١/٦٤ وأسد الغابة ٤/٣٣١ كلاهما لابن الأثير، وعون المعبود ١٢/٢١٨-٢١٩) . ٧ لأنه: "أي محلم بن جثامة من خندف، والاقرع بن حابس أيضا من خندف، وخندف، امرأة إلياس بن مضر واسمها ليلى بنت حلوان فغلبت نسبة أولادها من إلياس إليها". فالأقرع بن حابس ينتمي إلى تميم بن مرة بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر ومحلم ابن جثامة ينتمي إلى ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر، فالأقرع ومحلم "يجتمعان في خندف" زوج إلياس بن مضر، فهما من أولاد إلياس (أسد الغابة ١/١٢٨ و٥/٧٦-٧٧، واللباب ١/٢٢٣ و٣/١١٢ وعون المعبود ١٢/٢١٩، وغزوة بني المصطلق ص ٤٩ وعند ابن إسحاق: "فقام إليه الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر، يختصمان في عامر بن الأضبط الأشجعي، عيينة يطلب بدم عامر، وهو يومئذ رئيس غطفان، والأقرع بن حابس يدفع عن محملم لمكانه من خندف". (سير ة ابن هشام ٢/٦٢٧". انظر: "فتح الباري ١٣/٤١٨) . ٨ اللغط: "بفتحتين: "صوت وضجة لا يفهمن معناها". (النهاية ٤/٢٥٧ وعون المعبود ١٢/٢١٩) . ٩ وعند ابن إسحاق "فتداولا الخصومة عند رسول الله ﷺ ونحن نسمع، فسمعنا عيينة ابن حصن وهو يقول: "والله يا رسول الله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الخرقة مثل ما أذاق نسائي ورسول الله ﷺ يقول: "بل تأخذون الدية خمسين في سفرنا هذا، وخمسين إذا رجعنا وهو يأبى عليه". وعند البلاذري: "والله لا أدعه حتى أذيق نساءه من الحزن ما أذاق نساءنا".
[ ٢ / ٦١٨ ]
قال: "ثم ارتفعت الأصوات وكثرت الخصومة واللغط، فقال رسول الله: "يا عيينة ألا تقبل الغير؟ فقال: "عيينة مثل ذلك أيضًا".
إلى أن قام١ رجل من بني ليث يقال له مكيتل٢ عليه شكة٣ وفي يده٤ درقة فقال: "يا رسول الله إني لم أجد٥ لما فعل هذا في غرة٦ الإسلام مثلًا إلاّ غنمًا٧ وردت فرمي أولها فنفر آخرها، أسنناليوم٨ وغير غدا، فقال رسول الله ﷺ: "خمسون في فورنا٩
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "إذ قام رجل من بني ليث يقال له مكيتل قصير مجموع". وعند البلاذري: "وهو قصير مجمع". ٢ مكتيل: "بمثناة مصغرًا، وقيل: "مكيثر بكسر الثاء المثلثة وآخره راء". (الإصابة ٣/٤٥٧ وأسد الغابة ٥/٢٥٩) . ورواية "مكيثر" عند ابن إسحاق كما في سيرة ابن هشام ٢/٦٢٧". قال ابن حجر: "وفي رواية ابن هشام عن زياد البكائي "مكيثر". وذكر ابن الأثير أيضا هذه القصة: "لمطر الليثي"، وقال: "أخرجه أبو موسى". ثم قال: "وقد رواه محمد بن جعفر بن الزبير عن زياد بن ضميرة عن أبيه، وسمى هذا الرجل "مكيتلا". "أسد الغابة ٥/١٨٦". وقال ابن حجر في الإصابة ٣/٤٢٤: "مطر الليثي" في "مكيتل" فلعل "مكيتلا" لقب واسمه مطر". ٣ الشكة: "بكسر الشين المعجمة، السلاح". (النهاية ٢/٤٩٥) . ٤ وفي يده درقة أي في يد مكيتل والدرقة: "محركة الحجفة، وهي الترس من جلود بلا خشب ولا عقب". (النهاية١/٣٤٥، واللسان١٠/٣٨٣، والقاموس المحيط ٣/١٢٦) . ٥ وعند ابن إسحاق: "فقال: "والله يا رسول الله ما وجدت لهذا القتيل شبها في غرة الإسلام، إلا كغنم وردت فرميت أولاها فنفر آخرها". ٦ غرة الإسلام: "أوله وغرة كل شيء أوله". (النهاية ٣/٣٥٤) . (إلا غنمًا وردت) على الماء للشرب، (فرمي) بصيغة المجهول، أي بالنبل أو الحجارة لقتلها أو طردها، (أولها) أي الغنم، (فنفر آخرها) أي بقية الغنم لخوف القتل، فكذلك ينبغي أن تقتل هذا الأوّل حتى تكون قتله عظة وعبرة للآخرين". (عون المعبود ١٢/٢٢٠) . (أسنن اليوم) صيغة أمر من سن سنة من باب نصر، (وغير غدا) صيغة أمر من التغير، وهذا مثل ثان ضربه لترك القتل، كما أن الأوّل ضربه للقتل ولذلك ترك العطف". قال ابن الأثير: "اسنن اليوم وغير غدا: "معناه أن مثل محلم في قتله الرجل وطلبه أن لا يقتص منه وتؤخذ منه الدية، والوقت أوّل الإسلام وصدره كمثل هذه الغنم النافرة، يعني إن جرى الأمر مع أولياء القتيل على ما يريد محلم ثبط الناس عن الدخول في الإسلام معرفتهم أن القود يغير بالدية، والعرب خصوصًا وهم الحراص على درك الأوتار وفيهم الأنفة من قبول الديات، ثم حث رسول الله ﷺ على الإقادة منه بقوله: "اسنن اليوم وغير غدا" يريد إن لن تقتص منه غيرت سنتك، ولكنه أخرج الكلام على الوجه الذي يهيج المخاطب ويحثه على الإقدام والجرأة على المطلوب منه". وقال أيضًا: " (اسنن اليوم وغير غدًا) أي: "اعمل بسنتك التي سننتها في القصاص ثم بعد ذلك إذا شئت أن تغير فغير: "أي تغير ما سننت وقيل تغير: "من أخذ الغير، وهي الدية". ٠ النهاية ٢/٤١٠و ٣/٤٠٠-٤٠١، عون المعبود ١٢/٢٢٠-٢٢١) . ٩ وعند ابن إسحاق وأحمد:"في سفرنا هذا".وعند ابن ماجه والبلاذري:"في سفرنا".
[ ٢ / ٦١٩ ]
هذا، وخمسون إذا رجعنا إلى المدينة١، وذلك٢ في بعض أسفاره".
ومحلم رجل طويل آدم٣ وهو في طرف الناس، فلم يزالوا٤ حتى تخلص فجلس بين يدي رسول الله ﷺ وعيناه تدمعان، فقال: "يا رسول الله إني قد فعلت الذي بلغك وإني أتوب إلى الله، فاستغفر الله لي يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: "أقتلته بسلاحك في غرة الإسلام٥، اللهم لا تغفر لمحلم بصوت عال٦".
زاد أبو سلمة ٧: "فقام وإنه ليتلقى دموعه بطرف ردائه".
_________________
(١) ١ وعند ابن إسحاق وابن ماجه والبلاذري وأحمد: "فقبلوا الدية". وعند أحمد وابن إسحاق والبلاذري: "فقبلوا الدية ثم قالوا: "أين صاحبكم هذا، يستغفر له رسول الله ﷺ فقام رجل آدم ضرب طويل، عليه حلة له، قد كان تهيأ للقتل فيها، حتى جلس بين يدي رسول الله ﷺ فقال له: "ما اسمك؟ قال: "أنا محلم بن جثامة". ٢ وذلك: "أي القتل والقصة، أما القتل فكان في سرية إضم كما سيأتي في حديث عبد الله بن أبي حدرد، وقد تقدمت الإشارة إلى هذا في ص ٦٠٤". وأما المطالبة بهذا القتيل فكانت في غزوة حنين كما هو عند ابن هشام وأحمد والبلاذري". ٣ الأدمة في الناس: "السمرة الشديدة، وعند ابن إسحاق: "ضرب طويل" والضرب خفيف اللحم". ٠ النهاية ١/٣٢و٣/٧٨) . ٤ فلم يزالوا: "أي معاونون لمحلم (حتى تخلص) بفتح الخاء وشدة اللام بصيغة الماضي، أي: "نجا من القتل، وذلك بقبول الدية". (عون المعبود ١٢/٢٢١) . وقال ابن إسحاق: "وأخبرنا سالم أبو النضر أنه حدث: "أنّ عيينة بن حصن وقيسا حين قال الأقرع بن حابس وخلا بهم، يا معشر قيس، منعتم رسول الله ﷺ قتيلا يستصلح به الناس، أفأمنتم أن يلعنكم رسول الله ﷺ، فيلعنكم الله بلعنته، أو أن يغضب عليكم بغضبه؟ والله الذي نفس الأقرع بيده، لتسلمنه إلى رسول الله ﷺ فليصنعن فيه ما أراد، أو لآتين بخمسين رجلا من بني تميم يشهدون بالله كلهم، لقتل صاحبكم كافرا، ما صلى قط، فلأطلن دمه، فلما سمعوا ذلك قبلوا الدية". (سيرة ابن هشام ٢/٦٢٨، والروض الأنف ٧/٤٩٠) . قال ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٢٢٥: "وهذا الحديث منقطع معضل". ٥ وعند الزرقاني: "أقتلته بعدما قال أني مسلم، قال: "إنما قالها متعوذًا، قال: "أفلا شققت على قلبه لتعلم أصادق هو أم كاذب؟ قال: "وهل قلبه إلا مضغة من لحم، قال ﷺ: "إنما كان ينبئ عنه لسانه"، وفي رواية "فقال ﷺ: "لا ما في قلبه تعلم ولا لسانه صدقت". (شرح المواهب ٢/٢٨٦، والسيرة الحلبية٣/٢٠٧) . ٦ وعند ابن إسحاق: "قال: "فرفع رسول الله ﷺ يده، ثم قال: "اللهم لا تغفر لمحلم بن جثامة ثلاثا". قال: "فقام وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه قال: "فأما نحن فنقول فيما بيننا: "إنا لنرجوا أن يكون رسول الله ﷺ قد استغفر له، وأمّا ما ظهر من رسول الله ﷺ فهذا". وعند أحمد: "قال رسول الله ﷺ: "اللهم لا تغفر لمحلم لا تغفر لمحلم ثلاث مرات فقام من بين يديه، وهو يتلقى دمعه بفضل ردائه، فأما نحن بيننا: "فنقول قد استغفر له، ولكنه أظهر ما أظهر ليدع الناس بعضهم من بعض". والقائل: "أما نحن الخ هو زياد بن ضميرة الضمري عن أبيه عن جده، كما هو عند البلاذري". ٧ أبو سلمة: "هو حماد بن سلمة".
[ ٢ / ٦٢٠ ]
قال ابن إسحاق: فزعم قومه أن رسول الله ﷺ استغفر له بعد ذلك".
قال أبو داود: "قال النضر١ بن شميل: "الغير الدية٢".
والحديث رواه أحمد من طريق ابن إسحاق "حدثني محمد بن جعفر قال: "سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عروة بن الزبير عن أبيه ضمرة وعن جده"٣".
وروى بعضه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر به إلا أنه قال: "عن زيد٤ بن ضمرة حدثني أبي وعمي٥".
قال ابن كثير: "والصواب كما رواه ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضمرة عن أبيه وعن جده".
وهكذا رواه ابو داود من طريق ابن وهب عن عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد ابن ضميرة عن أبيه وجده بنحوه٦".إهـ.
والحديث في سيرة ابن هشام عن ابن إسحاق حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: "سمعت زياد بن ضميرة بن سعد السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه وجده٧".
وكذا رواه عن ابن إسحاق البلاذري٨".
وكذا رواه الطبراني من طريق ابن الزناد حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن محمد بن جعفر بن الزبير أنه سمع زياد بن سعد بن ضميرة السلمي يحدث عن عروة بن الزبير عن أبيه٩".
_________________
(١) ١ النضر بن شميل المازري النحوي "ثقة ثبت". (التقريب ٢/٣٠١) . ٢ سنن أبي داود ٢/٤٧٩-٤٨٠ كتاب الديات، باب الإمام يأمر بالعفو في الدم". ٣ المسند ٥/١١٢و٦/١٠". ٤ تقدم في حديث رقم (٢٦٧): "أن المزي رجح "زياد بن سعد بن ضميرة". ٥ سنن ابن ماجه ٢/٨٧٦ كتاب الديات، باب من قتل عمدا فرضوا بالدية". ٦ البداية والنهاية ٤/٢٢٥". ٧ سيرة ابن هشام ٢/٦٢٧ والروض الأنف ٧/٤٨٨-٤٨٩". ٨ أنساب الأشراف ص ٣٨٥". (المعجم الكبير ٦/٥١-٥٢ ووقع عنده: "عن ابن أبي زياد) والصواب: "ابن أبي الزناد".
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقد أشار ابن حجر إلى هذا في ترجمة زياد كما تقدم١".
وأورده الزرقاني عن ابن إسحاق فقال عن عروة عن أبيه عن جده٢".
وقد صوب ابن كثير رواية ابن إسحاق عن محمد بن جعفر عن زياد بن سعد بن ضميرة أنه حدث عروة بن الزبير عن أبيه وعن جده وهي رواية أحمد وأبي داود".
والحديث فيه "زياد بن سعد بن ضميرة" وصفه ابن حجر في التقريب بقوله "مقبول".
وقال الذهبي: "فيه جهالة".
وقد قال ابن حجر عن هذا الحديث: "بأنه بإسناد حسن"٣".
ولعل ذلك لما له من الشواهد الآتية:
٢٦٨- ما رواه ابن إسحاق ومن طريقه رواه أحمد وابن شبة والطبري والبلاذري والسياق لابن إسحاق قال: "حدثني يزيد٤ بن عبد الله ابن قسيط عن القعقاع٥ بن عبد الله بن أبي حدرد عن أبيه عبد الله ابن أبي حدرد، قال: "بعثنا رسول الله ﷺ إلى إضم في نفر من المسلمين، فيهم أبو قتادة٦ الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن
_________________
(١) ١ في حديث (٢٦٧) ص ٦٠٤-٦٠٥". (شرح المواهب اللدنية ٢/٢٨٦ و٢٨٧) . ٣ الإصابة ٢/٢٩". ٤ يزيد بن عبد الله بن قسيط - بقاف ومهملتين مصغرا - ابن أسامة الليثي، أبو عبد الله المدني الأعرج، ثقة من الرابعة (ت ١٢٢) . /ع". (التقريب ٢/٢٦٧ وتهذيب التهذيب ١١/٣٤٢) . ٥ اختلف في صحبته وقد ذكره ابن حجر في القسم الرابع من الإصابة ومال إلى أنه لا صحبة له، وإنما الصحبة لأبيه". (الإصابة ٣/٢٨٠) . ووقع عند البلاذري: "عن يزيد بن عبد الله بن قسيط عن أبي القعاقاع بن عبد الملك ابن أبي حدرد"، وعند الطبري: "عن أبي القعاقاع بن عبد اللله بن أبي حدرد"، والذي في سيرة ابن هشام والروض الأنف ومسند أحمد والاستيعاب وأسد الغابة والإصابة: "القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد". انظر تعجيل المنفعة لابن حجر ص ٢٢٧ وهو الأصح وأنه يروي عن أبيه مباشرة". ٦ أبو قتادة الأنصاري".
[ ٢ / ٦٢٢ ]
قيس، فخرجنا١ حتى كنا ببطن إضم٢، مر بنا عامر٣ بن الأضبط الأشجعي علىقعود٤ له، ومعه متيع٥ له، ووطب من لبن٦، قال: "فلما مر بنا سلم علينا بتحية الإسلام، فأمسكنا عنه، وحمل عليه محلم بن جثامة، فقتله لشيء كان بينه وبينه، وأخذ بعيره، وأخذ متيعه".
قال: "فلما قدمنا على رسول الله ﷺ وأخبرناه الخبر، نزل فينا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ٧ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ٨ إلى آخر الآية [سورة النساء الآية: ٩٤] .
_________________
(١) ١ عند أحمد والطبري: "فخرجت في نفر من المسلمين فيهم أبو قتادة الحارث بن ربعي ومحلم بن جثامة بن قيس الليثي فخرجنا الخ". وعند ابن سعد أن هذه السرية كانت في أول شهر رمضان سنة ثمان من مهاجر رسول الله ﷺ: "قالوا لما هم رسول الله ﷺ بغزو أهل مكة بعث أبا قتادة بن ربعي في ثمانية نفر سرية بطن إضم وهي فيما بين ذي خشب وذي المروة، وبينها وبين المدينة ثلاثة برد". (الطبقات ابن سعد ٢/١٣٣) . ٢ وقال ابن سعد بأنه "بين ذي الخشب وذي المروة" وذو خشب: "بضم المعجمتين وبموحدة واد على ليلة من المدينة، له ذكر كثير في الحديث والمغازي". وذي المروة بلفظ أخت الصفا من أعمال المدينة، على ثمانية برد منها وكانت تقع في مجتمع وادي إضم بوادي الجزل من الغرب، ووادي العيص من القبلة، وقد درست قبل القرن العشر وقامت على أنقاضها أم زرب، قرية تابعة للعلا، (التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٤١٣، و٦٥٦) . ٣ قال الزرقاني: "عامر بن الأضبط - بفتح الهمزة وسكون الضاد المعجمة وفتح الموحدة ثم طاء مهملة- الأشجعي المعدودة في الصحابة والذي ينبغي كما قال البرهان: "- عده في التابعين لأنه أسلم ولم يلق النبي مسلما وقد ذكره صاحب الإصابة في القسم الأول تسليما لمن قبله ثم أورده في القسم الثالث وهو فيمن أدرك الجاهلية والإسلام ولم يثبت أنهم اجتمعوا بالنبي ﷺ ولا رأوه سواء أسلموا في حياته أم لا". (شرح المواهب ٢/٢٨٥ وانظر: "الإصابة ١/٥-٦ و٢/٢٤٧-٢٤٨ و٣/٨٥ و٣٦٩، وأسد الغابة ٣/١١٧) . ٤ قعود له: "قال ابن الأثير: "القعود من الدواب: "ما يقتعده الرجل للركوب والحمل، ولا يكون إلا ذكرا". وقيل القعود: "ذكر والأنثى قعودة، والقعود من الأبل: "ما أمكن أن يركب، وأداناه أن يكون له سنتان، ثم هو قعود إلى أن يثني فيدخل في السنة السادسة ثم هو جمل". (النهاية ٤/٨٧) . ٥ متيع: "تصغير متاع". ٦ وطب من لبن: "الوطب بسكون الطاء المهملة الزق الذي يكون فيه السمن واللبن وهو جلد الجذع فما فوقه، وجمعه أوطاب ووطاب". (المصدر السابق ٥/٢٠٣) . ٧ قوله: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٩٤] . قال الزرقاني: "ولا ينافي قوله: "فقتله لشيء كان بينه وبينه" قوله تعالى: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٩٤]؛ لأن الحقد من عرضها المبتغى مع أنه أخذ متاعه وبعيره أيضا". (شرح المواهب ٢/٢٨٦) . ٨ وتمامها: ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ . وقد ساقها أحمد في روايته عن ابن إسحاق كاملة". وساق ابن سعد منها إلى قوله: ﴿مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ ثم قال: "فمضوا ولم يلحقوا جمعا فانصرفوا حتى انتهوا إلى ذي خشب فبلغهم أن رسول الله ﷺ قد توجه إلى مكة فلحقوه بالسقيا". (الطبقات الكبرى ٢/١٣٣) . قال الزرقاني: "وما ذكر من أنهم لحقوا رسول الله ﷺ بألفي سقيا فأخبروه الخبر وأنه قال لمحلم: "أقتلته بعدما قال آمنت الخ، وأن رسول الله ﷺ دعا على محلم بعدم المغفرة وأنه مات بعد سابعة من لقي المصطفى ﷺ بالسقيا، فإن بين هذا القول، وبين ما ذكره ابن إسحاق من أن الخصومة في شأن محلم والدعا عليه وموته كان في حنين بون بعيد، ثم قال الزرقاني: "لكن يحتمل الجمع بأنه اجتمع به السقيا حين عادوا من السرية ثم ساروا معه في الفتح حتى غزا حنينا ثم اختصم عنده عيينة والأقرع، فلما قبلوا الدية جاءوا بمحلم ليستغفر له فقال: "اللهم لا تغفر له" الخ فمات بعد سبع، فحفظ بعض الرواة مالم يحفظ الآخر ويؤيد ذلك أنه لم يقع في حديث ابن حدرد ولا ابن عمر تعيين المحل الذي أتوا به فيه، ووقع ذلك في حديث عروة بن الزبير عن أبويه بأنه في حنين فوجب قبوله لأنه زيادة ثقة". (شرح المواهب ٢/٢٨٦-٢٨٧) .
[ ٢ / ٦٢٣ ]
قال ابن هشام: "قرأ أبو عمرو١ بن العلاء: ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن أُلْقِيَ إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ ٢ لهذاالحديث٣".
والحديث رواه أحمد والبلاذري كلاهما من طريق إبراهيم بن سعد عن ابن إسحاق به٤".
إلا أن البلاذري قال: "عن أبي القعقاع بن عبد الملك بن أبي حدرد عن أبيه".
ورواه ابن شبة من طريق حماد بن سلمة عن ابن إسحاق به٥".
ورواه الطبري في تفسيره وتاريخه من طريق سلمة بن الفضل الأبرش عن ابن إسحاق به".
إلا أنه قال في التاريخ: "عن أبي القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي".
_________________
(١) ١ أبو عمرو العلاء بن عمار بن العريان التميمي المازني النحوي البصري أحد الأئمة القراء السبعة وأحد علماء العربية، ثقة من الخامسة (ت ١٥٤) . / خت قد فق". (التقريب ٢/٤٥٤، وتهذيب التهذيب ١٢/١٧٨-١٨٠) . ٢ معنى الآية ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمِنُوا إِذَا ضَرَبْتُم فِي سَبِيلِ الله﴾ سافرتم في الجهاد في سبيل الله ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ من التبين وهو التأمل، وفي قراءة ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾ بالمثلثة من التثبت، ﴿وَلاَ تَقُولُوا لِمَن أُلْقِيَ إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ بألف ودونها "السلم" أي التحية أو الانقياد يقول كلمة الشهادة التي هي إمارة على الإسلام ﴿لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ وإنما قلت تقية وتعوذا من القتل، ﴿تَبْتَغُونَ﴾ تطلبون بذلك ﴿عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ متاعها من الغنيمة، ﴿فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ﴾ تغنيكم عن قتل مثله لما له، ﴿كذلك كنتم من قبل﴾ تعصم دماؤكم وأموالكم بمجرد قولكم الشهادة ﴿مَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُم﴾ بالاشتهار بالإيمان والاستقامة ﴿فَتَبَيَّنُوا﴾ أن تقتلوا مؤمنا وافعلوا بالداخل في الإسلام كما فعل بكم ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ فيجازيكم به". (تفسير الجلالين ص ٧٧ وفتح القدير للشوكاني ١/٥٠١) . ٣ سيرة ابن هشام ٢/٦٢٦-٦٢٧، والروض الأنف ٧/٤٨٧-٤٨٨". ٤ مسند أحمد ٦/١١ وأنساب الأشراف للبلاذري ٣٨٤-٣٨٥". ٥ تاريخ المدينة ٢/٤٤٥-٤٤٦".
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وقال بعضهم: "عن ابن القعاع عن أبيه، عن عبد الله بن أبي حدرد١".
والحديث أورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني ورجاله ثقات٢".
٢٦٩- ما رواه الطبري حدثنا ابن وكيع٣ قال: "ثنا جرير٤ عن محمد بن إسحاق عن نافع٥ أن ابن عمر٦ قال: "بعث النبي ﷺ محلم بن جثامة مبعثا، فلقيهم عامر بن الأضبط، فحياهم بتحية الإسلام، وكانت بينهم إحنة٧ في الجاهلية، فرماه محلم بسهم فقتله، فجاء الخبر إلى رسول الله ﷺ فتكلم فيه عيينة والأقرع، فقال الأقرع: "يا رسول الله سن اليوم وغير غدا، فقال عيينة: "لا والله حتى تذوق نساؤه من الثكل٨ ما ذاق نسائي، فجاء محلم في بردين، فجلس بين يدي رسول الله ﷺ ليستغفر له، فقال له النبي ﷺ: "لا غفر الله لك" فقام وهو يتلقى دموعه برديه، فما مضت سابعة حتى مات ودفنوه فلفظته٩ الأرض فجاء إلى النبي ﷺ فذكروا ذلك له، فقال: "إن الأرض تقبل من هو شر من صاحبكم ولكن الله ﷿ أراد أن يعظكم".
_________________
(١) ١ جامع البيان ٥/٢٢٢-٢٢٣ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٣٥-٣٦". وقد تقدم في الحديث (٢٦٨) أن الصواب في هذا أنه القعقاع بن عبد الله بن أبي حدرد، وأنه يروي عن أبيه عبد الله بن أبي حدرد بدون واسطة". (انظر: ص ٦١٠) . ٢ مجمع الزوائد ٧/٨ وانظر المعجم الكبير للطبراني ٦/٥٢". ٣ هو سفيان بن وكيع بن الجرح أبو محمد الرؤاسي الكوفي، كان صدوقا، إلا أنه ابتلي بِوَرّاقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح ولم يقبل فسقط حديثه، من العاشرة (ت٢٤٧) . /ت ق". (التقريب ١/٣١٢ وتهذيب التهذيب ٤/١٢٣) . ٤ جرير: "هو ابن عبد الحميد بن قرط "ثقة" تقدم في حديث (٢٦) . ٥ نافع، أبو عبد الله المدني، مولى ابن عمر، ثقة ثبت فقيه، مشهور من الثالثة (ت١١٧) . أو بعد ذلك". /ع". (التقريب ٢/٢٩٦ وتهذيب التهذيب ١٠/٤١٢) . ٦ هو عبد الله بن عمر بن الخطاب العدوي، أبو عبد الرحمن ولد بعد المبعث بيسير واستصغر يوم أحد، وهو ابن أربع عشرة سنة، وهو أحد المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة، وكان من أشد الناس اتباعا للأثر (ت٧٣) في آخرها أو أوّل التي تليها". /ع". (التقريب ١/٤٣٥ وتهذيب التهذيب ٥/٣٢٦) . «٧إحنة: "بكسر الهمزة: "الحقد وجمعها إحن وإحنات". (النهاية ١/٢٧) . ٨ الثكل: "قال في النهاية (١) /٢١٧: "الثكل: "فقد الولد". ٩ فلفظته الأرض: "أي ألقته ورمته على وجهها". (النهاية ٤/٢٦٠) .
[ ٢ / ٦٢٥ ]
ثم طرحوه بين صدفي١ جبل، وألقوا عليه من الحجارة، ونزلت ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، [سورة النساء، من الآية: "٩٤] . الآية٢".
والحديث فيه سفيان بن وكيع وقد قال عنه ابن حجر بأنه "نصح فلم يقبل فسقط حديثه".
وفيه ابن إسحاق وهو مدلس وقد عنعن.
٢٧٠- ما رواه الطبراني حدثنا أبو يزيد٣ القراطيسي ثنا سعيد٤ ابن أبي مريم ثنا ابن أبي الزناد حدثني عبد الرحمن بن الحارث عن الحسن٥ بن أبي الحسن قال: "لما مات٦ دفنه قومه فلفظته الأرض ثلاث مرات فألقوه بين ضواحي٧ جبل وربوا عليه بالحجارة فأكلته السباع".
قال ابن أبي الزناد: "بلغني أن رسول الله ﷺ لما أخبر أن الأرض لفظته قال: "أما إنّ الأرض تقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يريكم عظم الدم عنده" ٨.
ورواه الواقدي فقال: "حدثني عبد الرحمن بن أبي الزناد عن عبد الرحمن بن
_________________
(١) ١ صدفي الجبل: "قال ابن الأثير: "الصدف بفتحتين وضمتين: "كل بناء عظيم مرتفع، تشبيها بصدف الجبل وهو ما قابلك من جانبه (النهاية ٣/١٧) . ٢ جامع البيان ٥/٢٢٢ والحديث أورده ابن كثير في تفسيره ١/٥٣٩ عن ابن جرير فقال عن (أبي إسحاق) والصواب عن ابن إسحاق وقال في الحديث: "سر اليوم وغر غدا" والحديث عند ابن جرير الطبري وغيره "سن اليوم وغير غدا". وروى أيضا في البداية والنهاية٤/٢٢٥ عن ابن جرير الطبري أيضًا فقال: "ابن جرير حدثنا "وكيع" وهو خطأ والصواب ابن وكيع كما هو عند الطبري وأيضا فإن الطبري لم يدرك وكيعا فإن وفاة وكيع سنة (١٩٧) وكانت ولادة الطبري سنة (٢٢٤) . (انظر تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٠٩ و٢/٧١١) . ٣ هو يوسف بن يزيد بن كامل القراطيسي، أبو يزيد، مولى بني أمية، ثقة من الحادية عشرة (ت٢٨٧) ويقال إنه عاش مائة سنة". /س". (التقريب ٢/٣٨٣ وتهذيب التهذيب ١١/٤٢٩) . ٤ سعيد بن الحكم بن محمد بن سالم بن أبي مريم الجمحي بالولاء، أو محمد المصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار العاشرة، (ت٢٢٤) . / ع". (التقريب ١/٢٩٣ وتهذيب التهذيب ٤/١٧-١٨) . ٥ هو البصري". ٦ أي محلم بن جثامة". ٧ لعله بالصاد المهملة، وصواحي الجبل جانبه وما يقبل من وجهه القائم". (النهاية ١/٥٨ والقاموس المحيط ١/٢٣٥) . ٨ المعجم الكبير ٦/٥٢".
[ ٢ / ٦٢٦ ]
الحارث عن الحسن البصري قال: "لما مات محلم بن جثامة دفنه قومه فلفظته الأرض ثم دفنوه فلفظته الأرض فطرحوه بين صخرتين فأكلته السباع١".
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه الطبراني وإسناده منقطع٢".
والحديث رواه ابن إسحاق فقال: "حدثني من لا أتهم عن الحسن البصري قال: "قال رسول الله ﷺ حين جلس بين يديه: "أمنته بالله ثم قتلته!
ثم قال له المقالة التي قال، قال: "والله مامكث محلم بن جثامة إلا سبعا حتى مات فلفظته الأرض –والذي نفس الحسن بيده- الأرض، ثم عادوا له، فلفظته الأرض ثم عادوا فلفظته، فلما غلب قومه عمدوا إلى صدين٣ فسطحوه٤ بينهما، ثم رضموا٥ عليه الحجارة حتى واروه".
قال: "فبلغ رسول الله ﷺ شأنه، فقال: "والله إن الأرض لتطابق٦ على من هو شر منه، ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم٧ مابينكم بما أراكم منه" ٨.
والحديث مرسل، والمرسل من قسم الحديث الضعيف عند جماهير المحدثين وكثير من الفقهاء وأصحاب الأصول٩".
والأحاديث بمجموعها تدل على أن هذه القصة حصلت لمحلم بن جثامة الليثي في قتله عامر بن الأضبط الأشجعي بعد أن ظهر منه ما يدل على أنه مسلم وأنه نزل في ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا﴾، [سورة النساء، من الآية: ٩٤] . الآية".
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٢١". ٢ مجمع الزوائد ٧/٢٩٤". ٣ صدين: "الصد: "بضم الصاد وفتحها: "الجبل وناحية الوادي". ٤ فسطحوه: "أضجعوه بينهما". ٥ رضموا عليه: "الرضم ويحرك وكتاب صخور عظام يرضم بعضها فوق بعض في البناء، والمعنى ألقوا عليه عليه من الحجارة حتى ستروه وغطوه". (القاموس المحيط ١/٢٢٨، ٣٠٦ و٤/١٢٠) . ٦ لتطابق: "بتشديد الطاء: "أي تضم وتغطي". (المصدر السابق ٣/٢٥٦) . ٧ حرم: "أي يريد الله أن يعلمكم حرمة ما بينكم وأن المسلم لا يجوز انتهاك حرمته لأنه معتصم بالإسلام ممتنع بحرمته ممن أراده أو أراد ماله". (النهاية ١/٣٧٢ والقاموس المحيط ٤/٩٥) . ٨ سيرة ابن هشام ٢/٦٢٨ والروض الأنف ٧/٤٩٠، وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٨٦". ٩ انظر تدريب الراوي ص ١٨٩".
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وأن رسول الله ﷺ دعا على محلم فمات فدفن فألقته الأرض على ظهرها، فأخبر رسول الله ﷺ بذلك فقال: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه ولكن الله أراد أن يعظكم في حرم ما بينكم بما أراكم منه".
وقد أورد ابن عبد البر هذه الأحاديث في ترجمة محلم بن جثامة، ثم قال: "وقد قيل إن هذا ليس محلم بن جثامة، فإن محلم بن جثامة نزل حمص بآخره ومات بها في إمارة ابن الزبير١".
والاختلاف في المراد بهذه الآية كثير مضطرب فيه جدا.
قيل نزلت في المقداد، وقيل نزلت في أسامة بن زيد، وقيل نزلت في محلم بن جثامة.
وقال ابن عباس نزلت في سرية ولم يسم أحدا، وقيل نزلت في غالب الليثي وقيل نزلت في رجل من بني ليث يقال له فليت كان على سرية وقيل نزلت في أبي الدرداء، وهذا اضطراب شديد جدًا، ومعلوم أن قتله كان خطأ لا عمدا لأن قاتله لم يصدقه في قوله". والله أعلم٢.
وذكر ابن حجر بعضا ممن قيل إن الآية نزلت بسببه، ومنهم محلم بن جثامة ثم قال: "ولا مانع أن تنزل الآية في الأمرين معا٣".
وقال الزرقاني: "يحتمل تعدد القصة وتكرير نزول الآية ٤".
وقال القرطبي: "واختلف في تعين القاتل والمقتول في هذه النازلة فالذي عليه الأكثر وهو في سير ابن إسحاق ومصنف أبي داود والاستيعاب لابن عبد البر أن القاتل محلم بن جثامة، والمقتول عامر بن الأضبط". فدعا ﵇ على محلم فما عاش بعد ذلك إلا سبعا ثم دفن فلم تقلبه الأرض ثم دفن فلم تقبله ثم دفن ثالثة فلم تقبله، فلما رأوا أن الأرض لا تقبله ألقوه في بعض تلك الشعاب".
_________________
(١) ١ وقال البلاذري من جعل هذه القصة لمحلم بن جثامة وأنه هو الذي مات في حياة رسول الله ﷺ ولفظته الأرض، قال: "إن الذي مات بحمص: "هو الصعب بن جثامة، أخو محلم". ٢ الاستيعاب ٣/٤٨٦-٤٩٨ مع الإصابة، وانظر هذه الأقوال في سبب نزول الآية: "جامع البيان للطبري ٥/٢٢٢-٢٢٦ وتفسير ابن كثير ١/٥٣٨-٥٤٠ والدر المنثور للسيوطي ٢/١٩٩-٢٠١". وفتح القدير للشوكاني ٣/٥٠٢". ٣ فتح الباري ٨/٢٥٨-٢٥٩". ٤ شرح المواهب ٢/٢٨٦".
[ ٢ / ٦٢٨ ]
وقال ﵇: "إن الأرض لتقبل من هو شر منه".
وقال الحسن: "أم إنها تحبس من هو شر منه ولكنه وعظ القوم ألا يعودوا".
ثم ذكر بيقة الأقوال فيمن قيل إن الآية نزلت بسببه أيضا ثم قال: "ولا خلاف أن الذي لفظته الأرض حين مات هو محلم الذي ذكرناه، ولعل هذه الأحوال جرت في زمان متقارب فنزلت الآية في الجميع١".إهـ".
وقال أحمد مصطفى المراغي: "ولا مانع من تعدد الوقائع قبل نزول الآية وأن النبي ﷺ كان يقرؤها على أصحاب كل واقعة فيرون أنهم سبب نزولها٢".
وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن القاتل في سرية إضم هو محلم بن جثامة وأن المقتول هو عامر بن الأضبط وأنه نزل بسبب ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، الآية".
وأن عيينة بن حصن والأقرع بن حابس اختصما في شأنهما أمام رسول الله ﷺ في غزوة حنين ٣". ويستفاد من هذه القصة عظم شأن دماء المسلمين وأن الأصل فيمن أظهر الإسلام أنه مسلم يحرم دمه وماله، وأن قاتله بعد إظهاره إسلامه ارتكب كبيرة عظيمة".
ويؤخذ من الأحاديث درء الحدود بالشبهات حيث حكم الرسول الله ﷺ بالدية ولم يقتل القاتل".
وفي لفظ الأرض له بعد دفنه الزجر والتهديد والعظة ما يجعل دماء المسلمين من أعظم المحرمات التي لا يجوز التساهل فيها كما قال ﷺ "ولكن الله أراد أن يعظكم ويريكم عظم الدم عنده".
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٥/٣٣٦-٣٣٨". ٢ تفسير المراغي ٥/١٢٦". ٣ سيرة ابن هشام ٢/٦٢٦-٦٢٩ والروض الأنف ٧/٤٨٧-٤٩١، ومغازي الواقدي ٢/٧٩٦-٧٩٧و٣/٩١٩-٩٢١،والطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٢٣ و٤/٢٨٢، وتاريخ خليفة ص ٨٥، وتاريخ الرسل والملوك للطبري ٣/٣٥-٣٦، والكامل لابن الأثير٢/١٥٨، وأسد الغابة له٢/٣٥٥ و٣/٥٩-٦٠ و٥/٧٦-٧٧ و١٨٦ و٢٥٩، والشفا للقاضي عياض ١/٣٢٩، وزاد المعاد ٣/٣٦٦-٣٦٧، والبداية والنهاية ٤/٢٢٤-٢٢٦، وتاريخ الخميس للديار بكري ٢/٧٦، والمواهب اللدنية للقسطلاني ١/١٤٧-١٤٨، وشرح المواهب للزرقاني ٢/٢٨٥-٢٨٧، والسير الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٢٠٦-٢٠٨".
[ ٢ / ٦٢٩ ]
الحكم الثاني عشر: في بيان نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم
جاء في هذا الحكم عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام".
ولما رجع رسول الله ﷺ من غزوة الطائف ونزل الجعرانة وقسم بها غنائم هوزان، سأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ عن نذره في الجاهلية، فقال له رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك".
وقد ورد هذا الحديث من مسند عمر بن الخطاب، ومن مسند ابنه عبد الله بن عمر أيضا".
أما وروده من مسند عمر بن الخطاب فأخرجه:٢٧١ أ- البخاري من رواية إسماعيل١ بن عبد الله عن أخيه٢ عن سليمان٣ عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن عبد الله بن عمر عن عمر بن الخطاب - ﵁، أنه قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية٤ أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال له النبي ﷺ: "أوف بنذرك" فاعتكف٥ ليلة٦".
_________________
(١) ١ هو ابن أويس أبو عبد الله بن أبي أويس الأصبحي". ٢ هو عبد الحميد بن عبد الله أبو بكر بن أبي أويس". ٣ هو ابن بلال التيمي". ٤ قوله: "إني نذرت في الجاهلية": قال ابن حجر: "زاد حفص بن غياث عن عبيد الله عند مسلم "فلما أسلمت سألت" وفيه رد على من زعم أن المراد بالجاهلية ما قبل فتح مكة، وأنه إنما نذر في الإسلام، وأصرح من ذلك ما أخرجه الدارقطني من طريق سعيد بن بشير عن عبيد الله بلفظ "نذر عمر أن يعتكف في الشرك" فأوضح ابن حجر: "أن المراد بالجاهلية في الحديث قبل إسلام عمر لأن جاهلية كل أحد بحسبه، وليس ما قبل فتح مكة، ولا زمن فترة النبوة، وهو ما قبل بعثة نبينا ﷺ، لأن ذلك يتوقف على نقل، وقد تقدم أن عمر نذر قبل أن يسلم، وبين البعثة وإسلامه مدة". (انظر فتح الباري ٤/٢٧٤ و١١/٥٨٢، وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/١٣٣ وسنن الدارقطني ٢/٢٠١) . ٥ عند الدارقطي ٢/١٩٩ من طريق محمد بن فليح بن سليمان عن عبيد الله بن عمر فاعتكف عمر ليلة" وقال: "إسناد ثابت". ٦ صحيح البخاري ٣/٤٤-٤٥ كتاب الاعتكاف، باب من لم ير عليه إذا اعتكف صوما". قال ابن حجر: في الحديث رد على من قال: "أقل الاعتكاف عشرة أيام أو أكثر من يوم، وقد تقدم نقله في أول الاعتكاف، وتظهر فائدة الخلاف فيمن نذر اعتكافا مبهما". وقال في أول الاعتكاف: "واتفقوا على أنه لا حد لأكثره واختلفوا في أقله فمن شرط فيه الصيام قال أقله يوم، ومنهم من قال يصح مع شرط الصيام في دون اليوم حكاه ابن قدامة". وعن مالك يشترط عشرة أيام، وعنه يوم أو يومان". ومن لم يشترط الصوم، قالوا أقله ما يطلق عليه اسم لبث ولا يشترط القعود، وقيل يكفي المرور مع النية كوقوف عرفة. وروى عبد الرزاق عن يعلى بن أمية الصحابي قال: "إني لأمكث في المسجد الساعة وما أمكث إلا لأعتكف". (فتح الباري ٤/٢٧٢ و٢٧٥، ومصنف عبد الرزاق ٤/٣٤٦) .
[ ٢ / ٦٣٠ ]
ب - ورواه أحمد وأبو داود والترمذي الجميع من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "يا رسول الله إني كنت نذرت أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية، قال: "أوف بنذرك"١ لفظ الترمذي".
وقال الترمذي: "حسن صحيح".
ج- ورواه النسائي وابن ماجه كلاهما عن إسحاق٢ بن موسى الخطمي ثنا سفيان بن عيينة عن أيوب٣ عن نافع عن ابن عمر عن عمر أنه كان عليه نذر ليلة في الجاهلية يعتكفها فسأل النبي ﷺ "فأمره أن يعتكف" لفظ ابن ماجه٤".
د- ورواه ابن ماجه والدارمي والطحاوي كلهم من طريق حفص٥ بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر ابن الخطاب قال: "نذرت نذرًا في الجاهلية، فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت، فأمرني أن أُوفي بنذري" ٦ لفظ ابن ماجه.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٣٧و٢/٢٠ وسنن أبي داود ٢/٢١٧ كتاب الأيمان والنذور، باب من نذر في الجاهلية ثم أدرك الإسلام، ورواه عن أحمد بن حنبل ثنا يحيى بن سعيد القطان". ٢ هو أبو موسى المدني قاضي نيسابور "ثقة متقن" من العاشرة، (ت٢٤٤) . /م ت س ق". (التقريب ١/٦١، وتهذيب التهذيب ١/٢٥١) . ٣ أيوب: "هو السختياني". ٤ سنن النسائي ٧/٢٠ كتاب الأيمان والنذور، باب إذا نذر ثمّ أسلم قبل أن يفي. وسنن ابن ماجه ١/٥٦٣ كتاب الصيام، باب في اعتكاف يوم أو ليلة. ٥ حفص بن غياث بن طلق. ٦ سنن ابن ماجه ١/٦٨٧ كتاب الكفارات، باب الوفاء بالنذر". وسنن الدارمي ٢/١٠٤ كتاب النذور والأيمان، باب الوفاء بالنذر". وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/١٣٣". وانظر ذخائر المواريث ٣/٦٠ حديث (٥٨٥٣) وتحفة الأشراف للمزي ٨/٦٥-٦٧ حديث (١٠٥٥٠) .
[ ٢ / ٦٣١ ]
ولفظ الدارمي "عن عمر قال قلت: "يا رسول الله إني نذرت نذرا في الجاهلية، ثم جاء الإسلام، قال: "أوف بنذرك".
ولفظ الطحاوي: "عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أراه١ عن عمر - ﵁ -، قال: "قلت يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية نذرا، وقد جاء الله بالإسلام، فقال: "أوف بنذرك".
وأما ورود الحديث من مسند عبد الله بن عمر فأخرجه البخاري: "حدثنا مسدد٢ حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيد الله أخبرني نافع عن ابن عمر - ﵄ -: "أن عمر سأل النبي ﷺ قال: "كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال: "أوف بنذرك".
ورواه عن محمد بن مقاتل أبي الحسن، أخبرنا عبد الله٣ أخبرنا عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أَنَّ عمر، قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام، قال:"أوف بنذرك".
ثُمَّ قال البخاري - أيضًا -: "حدّثنا أبو النعمان٤ حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر قال٥:يا رسول الله٦".
_________________
(١) ١ أراه بضم الهمزة: "أي أظنه". ٢ قوله: "حدثنا مسدد حدثنا يحيى بن سعيد": قال ابن حجر: "وهو القطان، كذا رواه مسدد من مسند ابن عمر، ووافقه المقدمي وغيره عند مسلم وغيره، وخالفهم يعقوب بن إبراهيم عن يحيى فقال "عن ابن عمر عن عمر" أخرجه النسائي، وكذا أخرجه أبو داود عن أحمد لكنه في المسند كما قال مسدد، (يعني من مسند ابن عمر) فاختلف فيه على عبيد الله بن عمر عن نافع وعلى أيوب عن نافع". (فتح الباري ٤/٢٧٤) . ورواية يعقوب بن إبراهيم أخرجها النسائي في السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف ٨/٦٥ حديث (١٠٥٥٠) والحديث عند أحمد "من مسند عمر" وليس كما قال الحافظ ابن حجر بأنه عند أحمد كما قال مسدد، يعني أنه من مسند ابن عمر، انظر ص (٦١٩)، والحديث رواه ابن خزيمة في صحيحه ٣/٣٥١ عن محمد بن بشار حدثنا يحيى مثل رواية مسدد، يعني فجعله من مسند ابن عمر. ٣ هو ابن المبارك". ٤ أبو النعمان: "هو محمد بن الفضل السدوسي، المعروف "بعارم". ٥ قوله: "عن نافع أن عمر قال: "يا رسول الله"، قال ابن حجر: "هكذا ذكره البخاري مرسلا مختصرا، ثم عقبه برواية معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر موصولا تاما". وإنما أورد طريق حماد بن زيد المرسلة للإشارة إلى أن روايته مرجوحة لأن جماعة من أصحاب شيخه أيوب خالفوه فوصلوه بل بعض أصحاب حماد بن زيد رواه عنه موصولا كما أشار إليه البخاري".أيضا هنا-يعني قوله-وقال بعضهم: حماد عن أيوب عن نافع الخ". (فتح الباري٨/٣٥-٣٦) .وقد تقدم مزيد لهذا في حديث (٢١٢) . ٦ تقدم حديث برقم (٢١٢) .
[ ٢ / ٦٣٢ ]
ح- وحدثني محمد بن مقاتل أخبرنا عبد الله أخبرنا معمر، عن أيوب عن نافع عن ابن عمر - ﵁ - قال: "لما قفلنا من حنين سأل عمر النبي ﷺ عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف، فأمره بوفائه".
وقال بعضهم: حماد١ عن أيوب عن نافع عن ابن عمر عن النبيصلى الله عليه وسلم".
ورواه أيضا عن عبيد بن إسماعيل حدثنا أبو أسامة٢ عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر أن عمر - ﵁ - نذر في الجاهلية أن يعتكف في المسجد الحرام - قال: "أراه٣ قال ليلة - فقال له رسول الله ﷺ: "أوف بنذرك" ٤.
ورواه مسلم عن محمد بن أبي بكر المقدمي ومحمد بن المثنى وزهير ابن حرب واللفظ لزهير" حدثنا يحيى "وهو ابن سعيد القطان" عن عبيد الله قال: أخبرني نافع عن ابن عمر أن عمر قال: " يا رسول الله ﷺ إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: "فأوف بنذرك".
ورواه من طريق أبي أسامة.
ومن طريق عبد الوهاب الثقفي.
ومن طريق حفص بن غياث.
ومن طريق شعبة كلهم عن عبيد الله عن نافع عن ابن عمر.
وقال حفص من بينهم عن عمر بهذا الحديث.
أما أبو أسامة والثقفي ففي حديثهما اعتكاف ليلة.
وأما في حديث شعبة فقال: "جعل عليه يوما يعتكفه". وليس في حديث حفص ذكر يوم ولا ليلة.
_________________
(١) ١ حماد: "قال ابن حجر: "هو حماد بن زيد،فإنه ذكر عقبه رواية حماد بن سلمة وهي مخالفة لسياقه". (فتح الباري ٨/٣٥) . ٢ هو حماد بن أسامة أبو أسامة الكوفي". ٣ قوله: "قال أراه" بضم أوله أي أظنه، والقائل ذلك هو عبيد شيخ البخاري أو البخاري نفسه، فقد رواه الإسماعيلي وغيره من طريق أخرى عن أبي أسامة بغير شك". (فتح الباري ٤/٢٨٤) . ٤ صحيح البخاري ٣/٤٢-٤٣كتاب الاعتكاف، باب الاعتكاف ليلا. و٣/٤٤ باب من لم ير عليه صوما إذا اعتكف، و٤٥باب إذا نذر في الجاهلية أن يعتكف ثم أسلم، و٤/٧٤ كتاب فرض الخمس،باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، و٨/١٢٠ كتاب الإيمان والنذور، باب إذا نذر أو حلف أن لا يكلم إنسانا في الجاهلية ثم أسلم". وتقدم الحديث برقم (٢١٢) وأخرجه البغوي من طريق البخاري عن مسدد عن يحيى القطان". (شرح السنة ٦/٤٠٢) .
[ ٢ / ٦٣٣ ]
ورواه من طريق حماد١ بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال: "لم يعتمر منها٢، قال: وكان عمر نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية٣".
ورواه الدارقطني من طريق يحيى بن سعيد القطان عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام في الجاهلية فسأل النبي ﷺ فقال:"أوف بنذرك" هذا إسناد صحيح.
ورواه من طريق محمد بن فليح بن سليمان، عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - كان نذر في الجاهلية أن يعتكف ليلة في المسجد الحرام، فلما كان الإسلام سأل عنه رسول الله ﷺ فقال له:"أوف بنذرك فاعتكف عمر ليلة".إسناد ثابت٤.
ورواه النسائي والحميدي وابن خزيمة كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال: " كان على عمر نذر في اعتكاف ليلة في المسجد الحرام فسأل رسول الله ﷺ في ذلك فأمره أن يعتكف" ٥.
وهذه الأحاديث الماضية جاء فيها أن عمر بن الخطاب ﵁ "اعتكف ليلة".
وقد جاء أيضا في الأحاديث الآتية أنه اعتكف يوما "وهو:
أ- ما رواه البخاري من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع أن عمر بن
_________________
(١) ١ وكذا رواه ابن خزيمة من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع وتقدم برقم (٢١٢) . ٢ سيأتي الجواب عن نفي ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة في مبحث عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة في ص ٧١٩". ٣ صحيح مسلم ٣/١٢٧٧-١٢٧٨ كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم وانظر تحفة الإشراف ٦/٦٦-٦٧ و١٢٧ و١٤١ و١٥٨، و١٧٦ حديث (٧٥٢١ و٧٨٢٨، و٧٩١٦ و٨٠٣٩ و٨١٥٧، وتقدم الحديث برقم (٢١٢) . ٤ سنن الدارقطني٢/١٩٨-١٩٩) . ٥ سنن النسائي ٧/٢٠ كتاب الأيمان والنذور، بابا إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي واللفظ له، ومسند الحميدي ٢/٣٠٤، وصحيح ابن خزيمة ٣/٣٤٧ وزاد: "وكان النبي ﷺ قد وهب له جارية من سبي حنينا، فبينا هو معتكف في المسجد إذ دخل الناس يكبرون فقال: "ما هذا؟ قالوا: "رسول الله ﷺ أرسل سبي حنين، قال: "فأرسلوا تلك الجارية".
[ ٢ / ٦٣٤ ]
الخطاب ﵁ قال: "يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية، فأمره أن يفي به١".
ب- ما رواه مسلم والطحاوي والبيهقي كلهم من طريق جريج ابن حازم أن أيوب حدثه أن نافعا حدثه أن عبد الله بن عمر حدثه أن عمر ابن الخطاب سأل رسول الله ﷺ وهو بالجعرانة بعد أن رجع من الطائف، فقال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف يوما في المسجد الحرام،فكيف ترى؟ قال "اذهب فاعتكف يوما" الحديث٢. لفظ مسلم.
ج- ورواه أحمد ومسلم كلاهما من طريق معمر عن أيوب عن نافع عن ابن عمر قال:لما قفل النبي ﷺ من حنين سأل عمر عن نذر كان نذره في الجاهلية اعتكاف يوم، فأمره به ٣ لفظ أحمد".
د- ورواه مسلم أيضا من طريق حجاج بن المنهال حدثنا حماد عن أيوب ومن طريق عبد الأعلى عن محمد بن إسحاق كلاهما عن نافع عن ابن عمر بهذا الحديث٤ في النذر وفي حديثهما جميعا: اعتكاف يوم٥.
هـ- ورواه أحمد ومسلم والنسائي كلهم من طريق شعبة عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر: "أن عمر كان قد جعل عليه يومًا يعتكفه في الجاهلية فسأل رسول الله ﷺ عن ذلك فأمره أن يعتكف" لفظ أحمد٦.
_________________
(١) ١ صحيح البخاري ٤/٧٤، كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه". ٢ صحيح مسلم ٣/١٢٧٧ كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم". وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/١٣٣". والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٣٨". ٣ مسند أحمد ٢/٣٥ وصحيح مسلم ٣/١٢٧٨ كتاب الأيمان، باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم، وتقدم الحديث برقم (٢١٢) . ٤ يشير إلى حديث حماد بن سلمة عن أيوب عن نافع قال: "ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة". قوله: "وفي حديثهما": "يريد ابن إسحاق وأيوب". ٥ صحيح مسلم ٣/١٢٧٨ كتاب الأيمان باب نذر الكافر وما يفعل فيه إذا أسلم. ٦ مسند أحمد ٢/٨٢ وسنن النسائي ٧/٢٠ كتاب الأيمان والنذور، باب إذا نذر ثم أسلم قبل أن يفي، وتقدم حديث مسلم ص (٦٢١) .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وجاء بدون تقييد بيوم ولا ليلة:
١- عند أحمد من طريق حماد بن سلمة.
والبخاري١ من طريق معمر كلاهما عن أيوب عن نافع عن ابن عمر أن عمر - ﵁ - سأل رسول الله ﷺ بالجعرانة فقال: "إني كنت نذرت في الجاهلية أن أعتكف في المسجد الحرام"٢ لفظ أحمد.
٢- ورواه مسلم من طريق حفص بن غياث٣، والبيقهي من طريق سفيان٤ كليهما عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄: قال: "قال عمر بن الخطاب ﵁ نذرت أن أعتكف في المسجد الحرام فلما أسلمت سألت النبي ﷺ عن ذلك، فقال: "أوف بنذرك" ٥ لفظ البيهقي.
وقد جاء أيضًا في الحديث عن عمر قال: "نذرت نذرا في الجاهلية فسألت النبي ﷺ بعدما أسلمت، فأمرني أن أوفي بنذري" بدون ذكر اعتكاف وقد تقدم٦".
وقد تبيّن مما تقدم أن الحديث ورد بلفظ "اعتكاف ليلة" وبلفظ "اعتكاف يوم"، وقد أجاب العلماء عن هذا بجوابين:
الأوّل: "الجمع بين الحديثين وهو ما أجاب به ابن خزيمة وغيره، فإنه بعد أن ساق الحديث الوارد فيه "لفظ ليلة".
قال: وقال بعض الرواة: "في خبر نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "إني نذرت أن أعتكف يومًا، فإن ثبتت هذه اللفظة، فهذا من الجنس الذي أعلمت أن العرب
_________________
(١) ١ انظر: "حديث البخاري في ص (٦٢١) . ٢ المسند ٢/١٥٣ والحديث رواه أحمد عن عبد الصمد وعفان كليهما عن حماد بن سلمة وتقدم الحديث برقم (٢١٢) . ٣ تقدم حديث مسلم في ص: " () . ٤ تقدم حديث مسلم ص (٦٢١) ٥ سفيان: "هنا الظاهر أنه الثوري، لأن البيهقي روى هذا الحديث من طريق يزيد بن أبي حكيم الكناني عن سفيان، وفي ترجمة يزيد ذكر أن شيخه سفيان الثوري". (انظر تهذيب التهذيب ١١/٣١٩) . ٦ في ص (٦١٩) .
[ ٢ / ٦٣٦ ]
قد تقول يوما١ بليلته، وتقول ليلة تريد بيومها، وقد ثبتت الحجة في كتاب الله ﷿ في هذا٢". إهـ.
وقال ابن حجر: "وقد جمع ابن حبان وغيره بين الروايتين بأن عمر نذر اعتكاف يوم وليلة، فمن أطلق ليلة أراد بيومها ومن أطلق يومًا أراد بليلته٣". إهـ.
وأجاب النووي عن ذكر (اليوم) باحتمال أن عمر سأل النبي ﷺ عن اعتكاف ليلة، وسأله عن اعتكاف يوم، فأمره بالوفاء بما نذر، فحصل منه صحة اعتكاف الليل وحده٤".
الثاني: "الترجيح: "وهو ما أجاب به البيهقي وغيره، فقد ساق البيهقي الحديث من طريق عبدان أنبأ عبد الله بن المبارك عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أن عمر قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن اعتكف ليلة في المسجد الحرام".
ثم قال: "رواه البخاري في الصحيح عن محمد بن مقاتل عن عبد الله ابن المبارك".
وكذلك رواه سليمان بن بلال ويحيى بن سعيد القطان وأبو أسامة وعبد الوهاب الثقفي عن عبيد الله، قالوا فيه: "ليلة".
وكذلك قاله حماد٥ بن زيد عن أيوب عن نافع عن ابن عمر٦.
وقال جرير بن حازم ومعمر عن أيوب "يوم" بدل "ليلة" وكذلك رواه شعبة عن عبيد الله.
_________________
(١) ١ نحو قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ٤١]، أي: "بلياليها". ونحو: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا﴾، [سورة آل عمران، من الآية: ٤١]، أي: "بأيامها". (انظر: "تفسير الجلالين ص ٤٦، و٢٥٤) . ٢ صحيح ابن خزيمة ٣/٣٤٧-٣٤٨. ٣ فتح الباري ٤/٢٧٤ وتحفة الأحوذي ٥/١٤٢ وعون المعبود ٩/١٥٥. ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٥". ٥ ورواه حماد بن زيد عن أيوب أيضًا بلفظ: "اعتكاف يوم"، وكذلك رواه حماد بن سلمة ومحمد بن إسحاق عن أيوب". (انظر: "ص ٦٢٣) . ٦ وكذلك رواه ابن عيينة عن أيوب عن نافع عن ابن عمر بلفظ "اعتكاف ليلة". (انظر ص ٦١٩ و٦٢٢) .
[ ٢ / ٦٣٧ ]
ورواية الجماعة عن عبيد الله أولى، وحماد بن زيد أعرف بأيوب من غيره١".إهـ.
وقال ابن حجر: "ورواية من روى "يوما" "شاذة" وقد وقع في رواية سليمان بن بلال "فاعتكف ليلة"٢ فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه، وأنه لا يشترط له حد معين٣".
ويؤخذ من قصة عمر بن الخطاب مسألتان:
الأولى: "إذا نذر الكافر ثم أسلم هل يجب عليه الوفاء بما نذر، أو أن ذلك من باب الاستحباب".
الثانية: " هل الصيام شرط لصحة الاعتكاف أو أن الاعتكاف يصح بدون صوم". خلاف بين العلماء في ذلك".
المسألة الأولى:
قال النووي: "اختلف العلماء في صحة نذر الكافر، فقال مالك وأبو حنفية وسائر الكوفيين وجمهور أصحابنا: "لا يصح".
وقال المغيرة٤ المخزومي وأبو ثور والبخاري وابن جرير وبعض أصحابنا:
يصح وحجتهم ظاهر حديث عمر".
وأجاب الأولون عنه بأنه محمول على الاستحباب، أي يستحب لك أن تفعل الآن مثل ذلك الذي نذرته في الجاهلية٥".
وساق الطحاوي حديث عمر الوارد فيه "أوف بنذرك" ثم قال: "قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى أن الرجل إذا أوجب على نفسه في حال شركه، من اعتكاف أو صدقة
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٤/٣١٨". ٢ انظر حديث رقم ٢٧١". ٣ فتح الباري ٤/٢٧٤". ٤ المغيرة بن سلمة المخزومي، أبو هشام البصري، ثقة ثبت، من صغار التاسعة (ت ٢٠٠) . / خت م د س ق (التقريب ٢/٢٦٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٦١) . ٥ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٤".
[ ٢ / ٦٣٨ ]
أو شيء مما يوجبه المسلمون لله، ثم أسلم - أن ذلك واجب عليه واحتجوا في ذلك بهذه الآثار".
وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: "لا يجب عليه من ذلك شيء واحتجوا في ذلك بما روي عن رسول الله ﷺ، ثم ساق حديث عائشة عن رسول الله ﷺ:
٢٧٢- "من نذر أن يعصي الله فلا يعصه" ١.
٢٧٣- وحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده "إنما النذر ما ابتغى به وجه الله".
ثم قال: "قالوا: "فلما كانت النذور إنما تجب إذا كانت مما يتقرب به إلى الله تعالى، ولا تجب إذا كانت معاصي الله وكان الكافر إذا قال: "لله عليّ صيام"، أو قال: "لله عليّ اعتكاف" فهو لو فعل ذلك، لم يكن به متقربا إلى الله وهو في وقت ما أوجبه، إنما قصد به إلى ربه الذي يعبده من دون الله وذلك معصية".
فدخل ذلك في قول رسول الله ﷺ: "لا نذر في معصية".
وقد يجوز أيضا أن يكون قول رسول الله ﷺ لعمر "ف بنذرك" ليس من طريق أن ذلك كان واجبا عليه ولكن أنه قد كان سمح في حال ما نذره أن يفعله، فهو في معصية الله ﷿، فأمره النبي ﷺ أن يفعله الآن، على أنه طاعة لله ﷿".
فكان ما أمره به، خلاف ما إذا كان أوجبه هو على نفسه".
وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد - رحمهم الله تعالى -٢".إهـ.
وقال البغوي عند شرحه لحديث عمر: "في هذا الحديث دليل على أن من نذر في حال كفره بما يجوز نذره في الإسلام، صحّ نذره ويجب عليه الوفاء به بعد الإسلام"٣.
وقال الصنعاني: "دل الحديث على أنه يجب على الكافر الوفاء بما نذر به إذا أسلم وإليه ذهب البخاري وابن جرير وجماعة من الشافعية لهذا الحديث.
_________________
(١) ١ هذا الحديث في صحيح البخاري وقد خرجته في ص ٦٣٥ تعليقة (٣) . ٢ شرح معاني الآثار ٣/١٣٣-١٣٤". ٣ شرح السنة ٦/٤٠٢ كتاب الصوم، باب من نذر اعتكاف ليلة".
[ ٢ / ٦٣٩ ]
وذهب الجماهير إلى أنه لا ينعقد النذر من الكافر، قال الطحاوي: "لا يصح منه التقرب بالعبادة، قال: "ولكنه يحتمل أن النبي ﷺ فهم من عمر أنه سمح بفعل ما كان نذر فأمره به لأن فعله طاعة، وليس هو ما كان نذر به في الجاهلية".
وذهب بعض المالكية إلى أنه ﷺ إنما أمر به استحبابا، وإن كان التزمه في حال لا ينعقد فيها.
ثم عقب الصنعاني على هذا بقوله: "ولا يخفى أن القول الأوّل١ أوفق بالحديث والتأويل تعسف٢".
وقال الشوكاني: "وفي حديث عمر دليل على أنه يجب الوفاء بالنذر من الكافر متى أسلم، وقد ذهب إلى هذا بعض أصحاب الشافعي".
وعند الجمهور لا ينعقد النذر من الكافر، وحديث عمر حجة عليهم".
وقد أجابوا عنه بأن النبي ﷺ لما عرف أن عمر قد تبرع بفعل ذلك أذن له به لأن الاعتكاف طاعة".
ثم قال: "ولا يخفى ما في هذا الجواب من مخالفة الصواب، وأجاب بعضهم بأنه ﷺ أمره بالوفاء استحبابا لا وجوبا".
ثم قال: "ويرد بأن هذا الجواب لا يصلح لمن ادعى عدم الانعقاد٣".
وقال ابن حزم: "مسألة ومن نذر في حال كفره طاعة لله ﷿ ثم أسلم لزمه الوفاء به"
٢٧٤- ثم ساق حديث حكيم بن حزم أنه قال: "أي رسول الله أرأيت أمورا كنت اتحنث٤ بها في الجاهلية من صدقة، أو عتاقة، أو صلة رحم، أفيها أجر؟
فقال رسول الله ﷺ: "أسلمت على ما أسلفت من خير" ٥.
_________________
(١) ١ يريد وجوب الوفاء بما نذره الكافر (٢) سبل السلام ٤/١١٥". ٢ سبل السلام (٤/١١٥) . ٣ نيل الأوطار ٨/٢٥٨، والدراري المضيئة ٢/١٥٤-١٥٧، وتحفة الأحوذي ٥/١٤٢، عون المعبود ٩/١٥٥". ٤أتحنث بها: "أي أتعبد وأتقرب بها إلى الله". (النهاية ١/٤٤٩) . ٥ الحديث في صحيح البخاري ٢/٩٧ كتاب الزكاة، باب من تصدق في الشرك ثم أسلم. وصحيح مسلم ١/١١٣-١١٤ كتاب الأيمان، باب بيان حكم عمل الكافر إذا أسلم بعده. وقال النّووي: "وذهب ابن بطال وغيره من المحقّقين إلى أنّ الحديث على ظاهره، وأنه إذا أسلم الكافر ومات على الإسلام يثاب على ما فعله من الخير في حال الكفر". (شرح النووي على صحيح مسلم ١/٣٢٧) .
[ ٢ / ٦٤٠ ]
ثم ساق حديث عمر بن الخطاب من طريق حفص بن غياث عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر عن عمر قال: "نذرت نذرا في الجاهلية ثم أسلمت فسألت رسول الله ﷺ فأمرني أن أوفى بنذري".
ثم قال: "فهذا حكم لا يسع أحدا الخروج عنه١".إهـ.
وأما المسالة الثانية؛ فإن حديث عمر الصحيح ليس فيه ذكر للصوم وإنما فيه أن عمر نذر أن يعتكف ليلة في الجاهلية، والليل ليس محلا للصوم، نعم ورد في بعض ألفاظ هذا الحديث أن عمر بن الخطاب نذر اعتكاف يوم، ولكنه ليس فيه ذكر الصوم، وقد روى الأمر بالصوم في حديث عمر ولكنه ضعيف".
قال ابن حجر: "وقد ورد الأمر بالصوم في رواية عمرو بن دينار عن ابن عمر صريحا لكن إسنادها ضعيف".
وقد زاد فيها: "أن النبي ﷺ قال له: "اعتكف وصم" أخرجه أبو داود والنسائي من طريق عبد الله بن بديل٢ وهو ضعيف".
وذكر ابن عدي والدارقطني أنه تفرد بذلك عن عمرو بن دينار، ورواية من روى "يومًا" شاذة، وقد وقع في رواية سليمان بن بلال "فاَعْتَكَف ليلة" فدل على أنه لم يزد على نذره شيئا وأن الاعتكاف لا صوم فيه وأنه لا يشترط له حد معين٣.
قلت: "الحديث المشار إليه عند أبي داود والنسائي أخرجه أيضا أبو داود الطيالسي وأبو يعلى والدارقطني والبيهقي كلهم من طريق عبد الله ابن بديل عن عمرو بن دينار".
٢٧٥- عن ابن عمر أن عمر - ﵁ - جعل عليه أن يعتكف في الجاهلية ليلة أو يوما عند الكعبة، فسأل النبي ﷺ فقال: "اعتكف وصم" لفظ أبي داود٤".
_________________
(١) ١ المحلى ٨/٣٧١-٣٧٣". ٢ قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٤٠٣: "عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي ويقال الليثي المكي، صدوق يخطئ". ٣ فتح الباري ٤/٢٧٤". ٤ سنن أبي داود ١/٥٧٦ كتاب الصيام، باب المعتكف يعود المريض". وسنن النسائي الكبرى في الاعتكاف (تحفة الأشراف للمزي ٦/١٩ حديث ٧٣٥٤) . ومسند الطيالسي ١/٢٤٧-٢٤٨ منحة المعبود". ومسند أبي يعلى ٥/٥١٦ برقم ٣٠٥". وسنن الدارقطني ٢/٢٠٠". والسنن الكبرى للبيهقي ٤/٣١٦-٣١٧".
[ ٢ / ٦٤١ ]
قال الدارقطني: "تفرد به ابن بديل عن عمرو، وهو ضعيف الحديث سمعت أبا بكر النيسابوري١ يقول: "هذا حديث منكر، لأنّ الثقات من أصحاب عمرو بن دينار لم يذكروه، منهم ابن جريج وابن عيينة وحماد ابن سلمة وحماد بن زيد وغيرهم، وابن بديل ضعيف الحديث".
٢٧٦- ثم ساق الدارقطني أيضًا حديثًا آخر من طريق سعيد٢ ابن بشير عن عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر أنّ عمر نذر أن يعتكف في الشرك ويصوم، فسأل النبي ﷺ بعد إسلامه، قال: "أوف بنذرك"، ثم قال: "وهذا إسناد حسن تفرد بهذا اللفظ سعيد بن بشير عن عبيد الله٣".
وقال البيهقي: "ذكر نذر الصوم مع الاعتكاف غريب تفرد به سعيد بن بشير عن عبيد الله٤".
وأرود ابن حجر قول البيهقي هذا ثم قال: "وقال عبد الحق٥: "تفرد به سعيد بن بشير وهو مختلف فيه".
وضعف ابن الجوزي٦ في "التحقيق" هذا الحديث من أجله٧".
٢٧٧- وروى الحاكم من حديث عبد الله بن عباس أن النبي ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام إلا أن يجعله على نفسه" ٨.
ثم قال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ولفقهاء الكوفة في ضد هذا
_________________
(١) ١ أبو بكر النيسابوري هو محمد بن إسحاق بن خزيمة، صاحب الصحيح، قال عنه الذهبي: "الحافظ الكبير، إمام الأئمة، شيخ الإسلام (٢٢٣-٣١١هـ) . (تذكرة الحفاظ ٢/٧٢٠-٧٣١) . ٢ قال ابن عنه حجر: "سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، أبو عبد الرحمن أو أبو سلمة الشامي، أصله من البصرة، أو واسط، ضعيف من الثامنة". (ت ١٦٨أو١٦٩) . /عم". (التقريب١/٢٩٢ وتهذيب التهذيب٤/٨-١٠ وميزان الاعتدال٢/١٢٨-١٣٠) . ٣ سنن الدارقطني ٢/٢٠١". ٤ السنن الكبرى ٤/٣١٧". ٥ هو عبد الحق بن عبد الرحمن أبو محمد الأزدي الأشبيلي تقدم في ص ٢٧٢". ٦ هو عبد الرحمن بن علي، تقدم". ٧ التلخيص الحبير ٢/٢١٨". ٨ هذا الحديث رجح الدارقطني والبيهقي وفقه على ابن عباس". قال البيهقي: "الصحيح موقوف، ورفعه وهم". قلت: "اختلفت الروايات عن ابن عباس فورد عنه القول بوجوب الصوم وورد عنه القول بعدم الصوم". (انظر سنن الدارقطني ٢/١٩٩، والسنن الكبرى للبيهقي ٤/٣١٧-٣١٩) .
[ ٢ / ٦٤٢ ]
حديثان أذكرهما وإن كانا لا يقاومان هذا الخبر في عدالة الرواة ثم ساق الحديث الأول من طريق عبد الله بن بديل عن عمرو بن دينار عن عبد الله بن عمر أن عمر نذر في الجاهلية أن يعتكف يوما فسأل النبي ﷺ فقال النبي ﷺ: "اعتكف وصم".
٢٧٨- وساق الحديث الثاني من طريق سويد١ بن عبد العزيز ثنا سفيان٢ بن حسين عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: "لا اعتكاف إلا بصوم" ثم قال: "لم يحتج الشيخان بسفيان بن حسين وعبد الله٣ بن بديل".
وسكت عنه الذهبي٤".
وقال الدارقطني: "تفرد بهذا الحديث سويد عن سفيان بن حسين٥".
وقال البيهقي: "وهذا وهم من سفيان بن حسين أو من سويد بن عبد العزيز وسويد بن عبد العزيز الدمشقي ضعيف بمرة لا يقبل منه ما تفرد به".
ثم ساق بسنده من طريق عطاء عن عائشة ﵂ - موقوفا عليها- قالت: "من اعتكف فعليه الصيام"٦.
وروى أبو داود من طريق عبد الرحمن٧ بن إسحاق عن الزهري عن عروة عن عائشة أنها قالت: "السنة على المعتكف أن لا يعود مريضا، ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها، ولا يخرج لحاجة إلا لما لابد منه، ولا اعتكاف إلا بصوم، ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع".
قال أبو داود: "غير عبد الرحمن بن إسحاق لا يقول فيه، قالت: السنة".
قال أبو داود: "جعله قول عائشة٨".
_________________
(١) ١ قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٣٤٠: "لين الحديث". وساق الذهبي أقوال العلماء فيه ثم قال: "قلت: "بل هو واه جدا". (ميزان الاعتدال ٢/٢٥١-٢٥٢) . ٢ سفيان بن حسين بن حسن، أبو محمد، أو الحسن الواسطي، ثقة في غير الزهري باتفاقهم، تقدم". ٣ وقع في المستدرك "عبد الله بن يزيد" وهو خطأ". ٤ المستدرك ١/٤٣٩-٤٤٠". ٥ السنن ٢/١٩٩-٢٠٠". ٦ السنن الكبرى للبيهقي ٤/٣١٧". ٧ عبد الرحمن بن إسحاق بن عبد الله بن الحارث بن كنانة المدني نزيل البصرة، ويقال له: "عباد بن إسحاق، صدوق، رمى بالقدر، من السادسة". /خت بخ م عم". (التقريب ١/٤٧٢ وتهذيب التهذيب ٦/١٣٧) . ٨ سنن أبي داود ١/٥٧٥-٥٧٦ كتاب الصيام، باب المعتكف يعود المريض".
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وقال الدارقطني: "يقال: "إن قوله: "وأن السنة للمعتكف إلى آخره"، ليس من قول النبي ﷺ، وأنه من كلام الزهري، ومن أدرجه في الحديث فقد وهم١".
ورواه البيهقي من طريق عقيل عن ابن شهاب، وفي آخره قال: "قال الشيخ قد ذهب كثير من الحفاظ إلى أن هذا الكلام من قول من دون عائشة وأن من أدرجه في الحديث وهم فيه، فقد رواه سفيان الثوري عن هشام بن عروة عن عروة قال: "المعتكف لا يشهد جنازة ولا يعود مريضا ولا يجيب دعوة، ولا اعتكاف إلا بصيام ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع٢".
وقال الشوكاني: "من ادعى أن الصوم شرط لصحة الاعتكاف فالدليل عليه لأنه أثبت شرطا متنازعا فيه".
والوقوف في موقف المنع، والقيام في مقام عدم التسليم يكفي من لم يقل بالشرطية ولم يصح في اشتراطه شيء عن رسول الله ﷺ، وما قيل إنه مرفوع لم يصح".
وما كان موقوفا على بعض الصحابة فلا حجة فيه، فإن تبرع من لم يقل بالشرطية بالدليل فله أن يقول:
٢٧٩- صح عن رسول الله ﷺ في الصحيحين وغيرهما "أنه اعتكف في غير رمضان"٣".
وثبت في الصحيحين وغيرهما "أن عمر بن الخطاب قال: "يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام فقال ﷺ: "أوف بنذرك"، ولم
_________________
(١) ١ السنن ٢/٢٠١ وانظر فتح الباري ٤/٢٧٣". ٢ السنن الكبرى للبيهقي ٤/٣٢٠-٣٢١ و٣١٥و٣١٧". ٣ يشير إلى حديث عائشة ﵂ "أن النبي ﷺ أراد أن يعتكف فلما انصرف إلى المكان الذي أراد أن يعتكف إذا أخبية: "خباء عائشة وخباء حفصة، وخباء زينب، فقال آلبرّ تقولن بهن؟ ثم انصرف فلم يعتكف حتى اعتكف عشرا من شوال". أخرجه البخاري ٣/٤٣، و٤٤، و٤٥، كتاب الاعتكاف، باب اعتكاف النساء، وباب الأخبية في المسجد، وباب الاعتكاف في شوال، وباب من أراد أن يعتكف ثم بدا له أن يخرج. ورواه مسلم ٢/٨٣١ كتاب الاعتكاف، باب متى يدخل من أراد الاعتكاف في معتكفه. وأبو داود ١/٥٧٣-٥٧٤ كتاب الصوم، باب الاعتكاف. والنسائي ٢/٣٥ كتاب المساجد، باب ضرب الخباء في المساجد. وابن ماجه١/٥٦٣ كتاب الصيام، باب ما جاء فيمن يبتدي الاعتكاف وقضاء الاعتكاف.
[ ٢ / ٦٤٤ ]
يرو من وجه صحيح يصح العمل به أنه ﷺ صام أيام اعتكافه في شوال ولا صحّ أنه أمر عمر بالصوم.
وأما ما أخرجه أبو داود عن عائشة أنها قالت: "السنة على المعتكف ألا يعود مريضا ولا يشهد جنازة ولا يمس امرأة ولا يباشرها ولا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له منه، ولا اعتكاف إلا بصوم ولا اعتكاف إلا في مسجد جامع".
فقد أخرجه في الموطأ١ والنسائي٢ وليست فيه: "قالت: "السنة" وجزم الدارقطني بأن القدر المرفوع من حديث عائشة قولها: "لا يخرج"٣ وما عداه ممن دونها". وكذلك قال البيهقي كما ذكره ابن كثير في الإرشاد٤".
وأما ما أخرجه الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وقال: "صحيح على شرط مسلم: "أنه لا اعتكاف إلا بصوم" فقد صحح الدارقطني والبيهقي وابن حجر أنه موقوف على ابن عباس، وأيضا فقد أخرج الحاكم عن ابن عباس مرفوعا وصححه أنه ﷺ قال: "ليس على المعتكف صيام" ورجح الدارقطني والبيهقي وقفه على ابن عباس، فتعارضت الرواية عن ابن عباس كما ترى ولاحجة في قوله٥".
وقال في نيل الأوطار: "وقد استدل بعض القائلين٦ بأن الصوم شرط في الاعتكاف بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ [سورة البقرة، من الآية: "١٨٧] .
_________________
(١) ١ انظر الحديث في موطّأ مالك ١/٣١٢ كتاب الاعتكاف، باب ذكر الاعتكاف". ٢ النسائي ١/١٢١ كتاب الطهارة، باب غسل الحائض رأس زوجها". وانظر تحفة الأشراف ١٢/٧٨و١١٧ (حديث ١٦٦٠٢و١٦٧٤٦) . ٣ يعني "لا يخرج إلا لما بد منه". (انظر فتح الباري ٤/٢٧٣) . ٤ انظر: "ص (٦٣١) . ٥ السيل الجرار ٢/١٣٤-١٣٥". ٦ هذا قول بعض المالكية كما صرح بذلك ابن حجر، وقد روى مالك في الموطأ أنه بلغه أن القاسم بن محمد ونافعا مولى عبد الله بن عمر قالا: "لا اعتكاف إلا بصيام، بقول الله ﵎ في كتابه: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، [سورة البقرة، من الآية: ١٨٧]، فإنما ذكر الله الاعتكاف مع الصيام". قال مالك: "وعلى ذلك الأمر عندنا، أنه لا اعتكاف إلا بصيام". (الموطّأ١/٣١٥ كتاب الاعتكاف، باب ما لا يجوز الاعتكاف إلا به".وانظر فتح الباري٤/٢٧٤-٢٧٥) .
[ ٢ / ٦٤٥ ]
قال: "فذكر الاعتكاف عقب الصوم".
وتعقب بأنه ليس فيها ما يدل على تلازمهما، وإلاّ لزم ألا صوم إلا باعتكاف ولا قائل به١".
وقال ابن حزم: "مسألة: "وليس الصوم من شروط الاعتكاف، لكن إن شاء المعتكف صام وإن شاء لم يصم".
ثم ساق الأدلة على ذلك وعلى أنه ليس على المعتكف صيام إلا أن يوجبه على نفسه".
ورد على القائلين بوجوب الصيام على المعتكف٢".
إذا علم هذا فقد نقل النووي أن القائلين بصحة الاعتكاف بدون صوم هم الشافعي والحسن البصري وأبو ثور وداود وابن المنذر، وهو أصح الروايتين عن أحمد".
وقال ابن المنذر: "وهو مروي عن علي وابن مسعود".
وقال ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير والزهري ومالك والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة وإسحاق وأحمد في رواية عنهما: "لا يصح إلا بصوم، وهو قول أكثر العلماء٣".
وأقول قد تشعبت أقوال العلماء في اشتراط الصوم لصحة الاعتكاف أو عدم اشتراطه، وكذلك في حكم الكافر إذا أسلم وقد ألزم نفسه بطاعة لله ﷿ في حال كفره فهل يجب عليه الوفاء بما التزم أوّلًا".
اختلفت أنظار العلماء في ذلك وتباينت آراؤهم، وكل قد أدلى بحجته ووجهة نظره، وأقوالهم وأدلتهم مبسوطة في كتب الفروع، وقد لخصت ما قاله العلماء في ذلك وتبين لي من خلال سوق النصوص أن الظاهر في هذا هو جواز الاعتكاف بدون صوم وأن الصوم ليس شرطا لصحة الاعتكاف، كما ظهر لي كذلك كما ظهر لي كذلك وجوب الوفاء بما التزم
_________________
(١) ١ نيل الأوطار ٤/٣٠٠-٣٠١. ٢ المحلى ٥/١٦٧-١٦٩. ٣ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٥-٢٠٦.
[ ٢ / ٦٤٦ ]
به الكافر في حال كفره من طاعة، وهذا هو الذي تؤيّده النصوص وحديث عمر بن الخطاب صريح في هذا١".
ومما ينبغي التنبيه عليه قوله ﷺ لحكيم بن حزام "أسلمت على ما أسلفت من خير".
فهذا من محاسن دين الإسلام، وإن الرسول ﷺ بعث ليتمم مكارم الأخلاق، وقد قال ﷺ:
٢٨٠- "خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا" ٢.
والإسلام لا يهدم الفضائل السابقة عليه وإنما يشجعها وينميها، ومن هنا قال ﷺ لعمر بن الخطاب: "أوف بنذرك".
ومن قال بأن هذا النذر من عمر نذر معصية فقد أبعد النجعة لأن الرسول ﷺ يستحيل أن يأمر بالوفاء بنذر معصية، وهو القائل "من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصيه" ٣.
ومن قال من العلماء بأن الوفاء من الكافر بنذره بعد إسلامه مستحب لا واجب، فهذا قريب، لكنه خلاف ظاهر النص كما سبق. والله أعلم.
_________________
(١) ١ انظر شرح معاني الآثار للطحاوي٣/١٣٣-١٣٤، وشرح السنة للبغوي٦/٤٠٢-٤٠٣. والمغني لابن قدامة ٣/١٨٥-١٨٧ و٨/٦٧٧، و٩/٣". والهداية لبرهان الدين المرغيناني١/١٣٢،والمحلى لابن حزم٥/٢٦٨-٢٧٤و٨/٣٧١-٣٧٣". وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٤-٢٠٦. وفتح الباري ٤/٢٧٤-٢٧٥ و٢٨٤ و١١/٥٨٢-٥٨٣. وكشاف القناع للبهوتي ٢/٤٠٦. وسبل السلام للصنعاني ٢/١٧٥، ٤/١١٥. ونيل الاوطار للشوكاني ٤/٣٠٠ و٨/٢٥٨. والسيل الجرار ٢/١٣٤".والدراري المضيئة٢/٣٠و١٥٤و١٥٧ له. وتحفة الأحوذي للمباركفوري ٥/١٤١-١٤٣. وعون المعبود لشمس الحق العظيم آبادي ٧/١٤٤ و١٥١-١٥٢ و٩/١٥٤. وأوجز المسالك إلى موطأ مالك للكندهلوي ٥/٢١٥-٢١٨. ٢ صحيح البخاري ٤/١١٧-١١٨ كتاب أحاديث الأنبياء، باب أم كنتم شهداء إ‘ذ حضر يعقوب الموت الخ. وصحيح مسلم ٤/١٨٤٦-١٨٤٧ كتاب الفضائل، باب من فضائل يوسف ﵇ من حديث أبي هريرة - ﵁ -. ٣ صحيح البخاري ٨/١١٩-١٢٠ كتاب الأيمان والنذور، باب النذر في الطاعة، و١٢٠ باب النذر فيما لا يملك والنذر في معصية من حديث عائشة ﵂، تقدم برقم (٢٧٢) .
[ ٢ / ٦٤٧ ]
الحكم الثالث عشر: استحقاق القاتل سلب القتيل
السلب: "بالتحريك هو ما على القتيل ومعه من سلاح وثياب ودابة وغيرها١".
وقد ورد في هذا الحكم الأحاديث الآتية:
أ- حديث أبي قتادة عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
قال: "حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن يحيى٢ بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح عن أبي محمد مولى أبي قتادة عن أبي قتادة قال: "خرجنا مع النبي ﷺ عام حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين، فضربته من ورائه على حبل عاتقه بالسيف فقطعت الدرع، وأقبل علي فضمني ضمة وجدت منا ريح الموت ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر فقلت: "ما بال الناس؟ قال: "أمر الله ﷿، ثم رجعوا٣، وجلس النبي ﷺ فقال: "من قتل قتيلا
_________________
(١) ١ انظر ص (٦٥٩) . ٢ يحيى بن سعيد: "هو الأنصاري تقدم التعريف برجال الإسناد في حديث (٦٢) . ٣ وعندي البخاري أيضا من طريق الليث: "ثم تراجع الناس إلى رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "من أقام بينة على قتيل قتله فله سلبه، فقمت لألتمس بينة على قتيلي، فلم أر أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله ﷺ، فقال رجل من جلسائه: "سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطيه أصبيغ من قريش، ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله". قال: "فقام رسول الله ﷺ فأداه إلي، فاشتريت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام".
[ ٢ / ٦٤٨ ]
له عليه بينة فله سلبه١، فقلت: "من يشهد لي؟ ثم جلست فقال النبي ﷺ مثله".
قال: "ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت فقلت: "من يشهد لي، ثم جلست، قال ثم قال النبي ﷺ مثله، فقمت، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فأخبرته٢، فقال رجل: "صدق، وسلبه عندي، فأرضه مني، فقال أبو بكر: "لا ها الله٣ إذا لا يعمد إلى أسد
_________________
(١) ١ وعند ابن إسحاق: "فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم، قال رسول الله ﷺ: "من قتل قتيلا فله سلبه، فقلت: "يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلا ذا سلب، فأجهضني عنه القتال، فما أدري من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: "صدق يا رسول الله، وسلب ذلك القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق رضي اله عنه: "لا والله لا يرضيه منه، تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله تقاسمه سلبه أردد عليه سلبه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق أردد عليه سلب قتيله، قال أبو قتادة: "فأخذته منه، فبعته فاشتريت بثمنه مخرفا، فإنه لأول مال اعتقدته". (سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨) . ٢ وعند أبي عوانة: "فنهضت ثم جلست، فقال: "مالك يا أبا قتادة؟ فحدثته الذي كان من أمري وأنه ليست لي بينة، فقال رجل من القوم: "أنا سلبت هذا الرجل الذي يقول فأرضه يا رسول الله من سلبه". فسكت رسول الله ﷺ فقال أبو بكر: "لا ترضه من سلبه أيعمد أحدكم إلى سلب رجل قتله أسد من آساد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فتأخذه ثم تقول: "أرضه يا رسول الله منه؟ لعمري لا ترضه منه، فقال رسول الله ﷺ: "صدق، فأعطه سلبه فأخذت سلبه فاشتريت به مخرطا - أو مخرفا - فإنه أول مال اتخذته من ذلك السلب". وعند البخاري أيضا ومالك وأبي داود: "فاقتصصت عليه القصة". وعند الواقدي: "فقام عبد الله بن أنيس فشهد لي، ثم لقيت الأسود بن الخزاعي فشهد لي، وإذا صاحبي الذي أخذ السلب لا ينكر أني قتلته - وقد قصصت على النبي ﷺ القصة- فقال: "يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي فأرضه مني". الخ (مغازي الواقدي ٣/٩٠٨) . ٣ قوله: "لا ها الله إذا". قال ابن حجر: "هكذا ضبطناه في الأصول المعتمدة من الصحيحين وغيرهما بهذه الأحرف "لا ها الله إذا" فأما (لا ها الله) فقال الجوهري: " (ها) للتنبيه وقد يقسم بها يقال: "لا ها الله ما فعلت كذا". قال ابن مالك: "فيه شاهد على جواز الاستغناء عن واو القسم بحرف التنبيه، قالك ولا يكون ذلك إلا مع الله أي لم يسمع لا ها الرحمن كما سمع لا والرحمن". وفي النطق بها أربعة أوجه: أحدها: " (ها الله) باللام بعد الهاء بغير إظهار شيء من الألفين". ثانيهما: "مثله لكن بإظهار ألف واحدة بغير همز، كقولهم التقت حلقتا البطان". ثالثها: "ثبوت الألفين بهمزة قطع". رابعها: "بحذف الألف وثبوت همزة القطع، انتهى كلام ابن مالك". ثم قال ابن حجر: "والمشهور في الرواية من هذه الأوجه الثالث ثم الأول". وأما (إذا) فقد أطال ابن حجر أيضًا القول في توجيهها، وذكر أن هذا اللفظ ورد عن عدة من الصحابة ثم قال في نهاية كلامه والذي يظهر من تقدير الكلام بعد أن تقرر أن "إذا" حرف جواب وجزاء أنه كأنه قال: "إذًا والله أقول لك نعم، وكذا في النفي كأنه أجابه بقوله: "إذًا والله لا نعطيك، إذًا والله لا أشترط، إذًا والله لا ألبس، وأخر حرف الجواب في الأمثلة كلها". (فتح الباري ٨/٣٧-٤٠) .
[ ٢ / ٦٤٩ ]
من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله ﷺ فيعطيك سلبه، فقال النبي ﷺ: "صدق فأعطه، فأعطانيه١، فابتعت٢ به مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام٣".
وهذا الحديث رواه عن يحيى بن سعيد الأنصاري مالك بن أنس وسفيان بن عيينة وهشيم بن بشير والليث بن سعد".
ووقع في حديث الليث وحده، فقال أبو بكر: "كلا لا يعطه أصبيغ٤ من قريش ويدع أسد من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله، فقام رسول الله فأداه إلى،
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "قال أبو قتادة: "فأعطانيه، فقال لي حاطب بن أبي بلتعة يا أبا قتادة، أتبيع السلاح؟ فبعته منه بسبع أواق، فأتيت المدينة فاشتريت به مخرفًا في بني سلمة يقال له الرّديني، فإنه لأول مال لي نلته في الإسلام، فلم نزل نعيش منه إلى يومنا هذا". (مغازي الواقدي ٣/٩٠٩) . وعند أحمد في مسنده ٥/٣٠٧ عن إسحاق بن عيسى بن نجيح أبي يعقوب بن الطباع، ثنا عبد الله بن لهيعة عن عبيد الله بن أبي جعفر المصري عن عبد الرحمن بن هرمز الأعرج عن أبي قتادة الأنصاري أنه قتل رجلا من الكفار فنفله رسول الله ﷺ سلبه ودرعه فباعه بخمس أواق". قال الألباني: "وابن لهيعة سيء الحفظ، فلا يحتج بزيادته، ثم رأيت الحديث عند الطحاوي من طريق عبد الله بن المبارك عن ابن لهيعة، وحديثه عنه صحيح". (إرواء الغليل ٥/٥٣ وانظر شرح معاني الآثار ٣/٢٢٧) . ٢ قوله: "فابتعت به مخرفًا"، ابتعت اشتريت، والمخرف: "بفتح الميم والراء ويجوز كسر الراء أي بستانا، وسمى بذلك لأنه يخترف منه الثمر أي يجتني". وأما بكسر الميم فهو اسم الآلة التي يخترف بها". وفي رواية "خرافا" وهو بكسر أوله وهو الثمر الذي يخترف أي يجتنى وأطلق على البستان مجازا فكأنه قال بستان خراف". وقوله: "في بني سلمة" بكسر اللام هم بطن من الأنصار وهم قوم أبي قتادة". وقوله: "تأثلته" بمثناة ثم مثلثة أي أصلته، وأثلة كل شيء أصله". وفي رواية ابن إسحاق "أول مال أعتقدته" أي جعلته عقدة، والأصل فيه من العقد لأن من ملك شيئا عقد عليه". (فتح الباري ٨/٤٠-٤١ وانظر سيرة ابن هشام ٢/٤٤٨-٤٤٩ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٣ وجامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٢-٤٠٣) . ٣ تقدم تخريج الحديث برقم (٦٢) . ٤ قوله: "أصبيغ" قال ابن حجر: "هو بمهملة ثم معجمة عند القابسي". وبمعجمة ثم مهملة عند أبي ذر". وقال ابن التين: "وصفه بالضعف والمهانة، والأصبيغ نوع من الطير، أو شبهه بنبات ضعيف، يقال له الصبغاء إذا طلع من الأرض يكون أول ما يلي الشمس منه أصفر، ذكر ذلك الخطابي". وعلى هذه الرواية القابسي". وعلى الثاني تصغير الضبع على غير قياس، كأنه لما عظم أبا قتادة بأنه أسد صغر خصمه وشبهه بالضبع لضعف افتراسه وما يوصف به من العجز". وقال ابن مالك: "أضيبع بمعجمة وعين مهملة تصغير أضبع ويكنى به عن الضعف". (فتح الباري ٨/٤١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٣-٣٥٤ وجامع الأصول لابن الأثير ٨/٤٠٣) .
[ ٢ / ٦٥٠ ]
فاشترت منه خرافا، فكان أوّل مال تأثلته في الإسلام١".
ب- حديث أنس بن مالك عند أبي داود الطيالسي وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند أبي داود الطيالسي:
قال: "حماد بن سلمة عن إسحاق٢ بن عبد الله بن أنس قال: "جاءت هوزان يوم حنين تكثر على رسول الله ﷺ بالنساء والصبيان والإبل والغنم فانهزم المسلمون يومئذ فجعل يقول: "يا معشر المهاجرين والأنصار إني عبد الله ورسوله، يا معشر المسلمين إليّ أنا عبد الله ورسوله، فهزم المشركون من غير أن يطعن برمح أو يرمي بسهم، فقال رسول الله ﷺ يومئذ: "من قتل مسلما فله سلبه، فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا وأخذ أسلابهم". قال أبو قتادة: "إني حملت على رجل فضربته على حبل العاتق فأجهضت عنه وعليه درع فانظر من أخذها فقال رجل: "أنا أخذتها يا رسول الله، فأعطينيها وأرضه منها، وكان رسول الله ﷺ لا يسأل شيئا إلا أعطاه أو يسكت، فقال عمر٣: "لا والله لا يفيئها الله على أسد من أسده، ثم يعطيكها فقال رسول الله ﷺ: "صدق عمر" ٤.
قال: "ورأى أبو طلحة مع أم سليم خنجرا فقال: "ما تصنعين بهذا؟ قالت: "أريد إن دنا أحد من المشركين أن أبعج بطنه، فذكر ذلك أبو طلحة
_________________
(١) ١ وانظر ص ٦٣٦ تعليقة (٣) . ٢ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة". ٣ قوله: "في هذا الحديث فقال عمر الخ". وقد تقدم في حديث أبي قتادة في الصحيحين: "أن القائل أبو بكر الصديق - ﵁ -". انظر: "حديث رقم (٦٢) . قال ابن كثير: "وقول عمر في هذا مستغرب والمشهور أن ذلك أبو بكر الصديق". وقال في موضع آخر: "وقع من رواية نافع أبي غالب عن أنس أن القائل لذلك عمر ابن الخطاب فلعله قاله متابعة لأبي بكر الصديق ومساعدة وموافقة له، أو قد اشتبه على الراوي والله أعلم". (البداية والنهاية ٤/٣٢٧ و٣٢٩) . وقوله: "من رواية نافع أبي غالب" خطأ". والصواب: "من رواية إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة عن أنس كما هو عند ابن كثير نفسه". وقال ابن حجر تنبيه: "وقع في حديث أنس أن الذي خاطب النبي ﷺ بذلك عمر أخرجه احمد من طريق حماد بن سلمة عن إسحاق بن أبي طلحة عنه،" وهذا الإسناد قد أخرج به مسلم بعض هذا الحديث وكذلك أبو داود، لكن الراجح أن الذي قال ذلك أبو بكر كما رواه أبو قتادة وهو صاحب القصة فهو أتقن لما وقع فيها من غيره، ويحتمل الجمع بأن يكون عمر أيضا قال ذلك تقوية لقول أبي بكر". (فتح الباري ٨/٤٠ وأوجز المسالك ٨/٣٠١) . ٤ وعند ابن أبي شيبة وأحمد والبيهقي "فضحك رسول الله ﷺ، وقال: "صدق عمر".
[ ٢ / ٦٥١ ]
لرسول الله ﷺ فضحك رسول الله ﷺ، وقال: " يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن".
قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك" ١.
جـ حديث سلمة بن الأكوع عند مسلم وأحمد وأبي داود وغيرهم وهذا سياقه عند مسلم قال:
حدثنا زهير بن حرب حدثنا عمر بن يونس الحنفي حدثنا حدثنا عكرمة بن عمار حدثني إياس بن سلمة، حدّثني أبي سلمة بن الأكوع، قال: "غزونا٢ مع رسول الله ﷺ هوزان، فبينا نحن نتضحى مع رسول الله ﷺ إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقًا٣ من حقبة فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر وبعضنا مشاة، إذ خرج٤ يشتد فأتى جمله فأطلق قيده ثم أناخه وقعد عليه فأثاره، فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء".
قال سلمة: "وخرجت٥، أشتد فكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت
_________________
(١) ١ ما بين القوسين من مسند أحمد، وأما في مسند الطيالسي فجاءت هذه الجملة هكذا "فقالت: "يا رسول الله فأقتل هؤلاء ينهزموا بك". قال الساعاتي: "قال مصححو الكتاب هذه الجملة كلها مصحفة فليحرر". ثم قال الساعاتي: "قلت: "جاء هذا الحديث في مسند أحمد وفيه قال: "وكانت أم سليم معها خنجر فقال أبو طلحة: "ما هذا معك؟ قالت: "اتخذته إن دنا مني بعض المشركين أن أبعج به بطنه، فقال أبو طلحة يا رسول الله ألا تسمع ما تقول أم سليم؟ قالت: "يا رسول الله اقتل من بعدنا من الطلقاء الذين انهزموا بك، قال: "إن الله قد كفانا وأحسن يا أم سليم". (مسند أحمد ٣/١٩٠ومنحة المعبود والتعليق المحمود على منحة المعبود ٢/١٠٩) . وتقدم الحديث برقم (٤٧) و(٦٠) انظر ص ١١٦-١١٧ و١٤٩". ٢ وعند أحمد وأبي داود وابن أبي شيبة (قال: "غزوت مع رسول الله ﷺ هوزان، قال فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة وفينا ضعفة إذ جاء رجل الخ". ٣ وعند أحمد "فانتزع شيئًا من حقب البعير فقيد به البعير، ثم جاء يمشي حتى قعد معنا يتغدى قال: "فنظر في القوم فإذا ظهرهم فيه قلة وأكثرهم مشاة". وعند أحمد أيضًا". "فبينما نحن نتضحى وعامتنا مشاة، فينا ضعفة، إذ جاء رجل على جمل أحمر فانتزع طلقا على حقبه فقيد به جمله رجل شاب ثم جاء يتغدى مع القوم". ٤ وعند أبي داود: "فلما رأى ضعفتهم ورقة ظهرهم خرج يعدو إلى جمله فأطلقه ثم أناخه فقعد عليه ثم خرج يركضه واتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء هي أمثل ظهر القوم". وعند أحمد: "فلما نظر إلى القوم خرج يعدو، قال فأتى بعيره فقعد عليه، قال: "فخرج يركضه، وهو طليعة للكفار فاتبعه رجل منا من أسلم على ناقة له ورقاء، قال إياس: "قال أبى فاتبعته أعدو على رجلي" وعند ابن أبي شيبة وأحمد:"وتبعه رجل من أسلم من صحابة النبي ﷺ على ناقة ورقاء". ٥ وعند أبي داود: "فخرجت أعدو فأدركته ورأس الناقة عند ورك الجمل، وكنت عند ورك الناقة ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل الخ".
[ ٢ / ٦٥٢ ]
عند ورك الجمل ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل١ فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت٢ سيفي فضربت رأس الرجل فندر ثم جئت بالجمل أقوده عليه رحله وسلاحه٣، فاستقبلني رسول الله ﷺ والناس معه فقال: "من قتل الرجل؟ " قالوا: "ابن الأكوع، قال: "له سلبه ٤ أجمع" ٥.
والحديث أخرجه أحمد وابن أبي شيبة وأبو داود وأبو عوانة والطبراني والبيهقي الجميع من طريق عكرمة بن عمار به ٦".
٢٨١- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند البخاري وأبي داود وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري قال: "حدثنا أبو نعيم٧ حدثنا أبو العميس٨ عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "أتى النبي ﷺ عين من المشركين٩ - وهو في سفر -
_________________
(١) ١ وعند أحمد "حتى أخذت بخطام الجمل فقلت له أخ فلما وضع الجمل ركبته إلى الأرض اخترطت سيفي فضربت رأسه". وعند أبي عوانة "فأخذت بخطام الجمل فقلت: "أخ! أخ فما عدا أن وضع ركبته إلى الأرض فأضرب رأس الطليعة فندر". ٢ اخترط سيفه: "أي سله وأخرجه من غمده". وقوله: "فندر" أي طار عن بدنه وسقط على الأرض". (النهاية لابن الاثير ٢/٢٣و٥/٣٥ وجامع البيان ٨/٣٩٩) . ٣ وعند أبي داود: "فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله ﷺ في الناس مقبلا فقال: "من قتل الرجل؟ ". وعند أبي عوانة: "ثم جئت بالجمل ورحله وأداته وسيفه أقوده". ٤ وعند أبي عوانة: "له السلب كله". وعند البيهقي: "له السلب أجمع". وعند ابن أبي شيبة: "فنفله سلبه" ٥ صحيح مسلم ٣/١٣٧٤-١٣٧٥ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل. ٦ مسند أحمد ٤/٤٦، و٤٩، و٥١، وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٩٤ أ، وكنز العمال ١٠/٣٥٤-٣٥٥، ومنتخب كنز العمال ٤/١٦٨ مع (مسند أحمد)، وسنن أبي داود ٢/٤٥-٤٦، كتاب الجهاد ن باب في الجاسوس المستأمن، ومسند أبي عوانة ٤/١١٩، و١٢٠، و١٢٤، والمعجم الكبير للطبراني ٧/١٧، والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٧". وتقدم هذا الحديث برقم (١٠٢) . ٧ أبو نعيم هو الفضل بن دكين". ٨ أبو العميس: "بمهملتين مصغرا هو عتبة بن عبد الله بن عتبة بن مسعود الهذلي المسعودي الكوفي". ٩ وعند أحمد: "جاء عين للمشركين إلى رسول الله ﷺ". قال ابن حجر: "لم أقف على اسمه ووقع في رواية عكرمة ابن عمار عن إياس، عند مسلم أن ذلك كان في غزوة هوزان، ثم قال: "وسمي الجاسوس عينًا؛ لأن جل عمله بعينه، أو لشدة اهتمامه بالرؤية واستغراقه فيها كأن جميع بدنه صار عينا". (فتح الباري ٦/١٦٨) .
[ ٢ / ٦٥٣ ]
فجلس عند أصحابه يتحدث ثم انفتل١ فقال النبي - ﷺ - "اطلبوه واقتلوه٢، فقتلته، فنفله٣ سلبه" ٤.
والحديث رواه أبو داود عن الحسن بن علي الحلواني حدثنا أو نعيم قال حدثنا أبو العميس به٥".
ورواه النسائي عن أحمد بن سليمان أبو الحسين الجزري عن جعفر بن عون عن أبي العميس٦".
_________________
(١) ١ وعند النسائي وأحمد وأبي عوانة من طريق جعفر بن عون عن أبي العميس "فلما طعم انسل". وفي رواية عكرمة بن عمار عند مسلم "فقيد الجمل ثم تقدم يتغدى مع القوم وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر إذ خرج يشتد". (فتح الباري ٦/١٦٨) . ٢ قوله: "اطلبوه واقتلوه"، قال ابن حجر: "زاد أبو نعيم في المستخرج من طريق يحيى الحماني عن أبي العميس "أدركوه فإنه عين". وزاد أبو داود عن الحسن بن علي عن أبي نعيم فيه "فسبقتهم إليه فقتلته". (فتح الباري ٦/١٦٩) . قلت: "وعند أحمد وأبي عوانة"من طريق جعفر بن عون عن أبي عميس فقال رسول الله ﷺ علي بالرجل اقتلوه فابتدره القوم وكان أبي يسبق الفرس شدًا فسبقهم إليه فأخذ بخطام ناقته ثم قتله". ٣ قوله: "فنفله سلبه"، قال ابن حجر: "كذا فيه، وفيه، التفات من ضمير المتكلم إلى الغيبة، وكان السياق يقتضي أن يقول فنفلني، وهي رواية أبي داود وزاد هو ومسلم من طريق عكرمة بن عمار "فاتبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء، فخرجت أعدو حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته فلما وضع ركبته بالأرض اخترطت سيفي، فأضرب رأسه فندر، فجئت براحلته وما عليها أقودها فاستقبلني رسول الله ﷺ فقال: "من قتل الرجل؟ قالوا: "ابن الأكوع قال: "له أسلبه أجمع". وترجم عليه النسائي "قتل عيون المشركين". وقد ظهر من رواية عكرمة بن عمار الباعث على قتله وأنه اطلع على عورة المسلمين وبادر ليعلم أصحابه فيغتنموا غرتهم، وكان في قتله مصلحة للمسلمين". قال النووي: "فيه قتل الجاسوس الحربي الكافر وهو باتفاق". وأما المعاهد والذمي فقال مالك والأوزاعي: "ينتقض عهده بذلك". وعند الشافعية خلاف أما لو شرط عليه ذلك في عهده فينتقض اتفاقا". (فتح الباري ٦/١٦٩ وانظر شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٩) . ٤ صحيح البخاري٤/٥٥ كتاب الجهاد، باب الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان". ٥ سنن أبي داود ٢/٤٥، كتاب: "الجهاد، باب في الجاسوس المستأمن". ٦ السنن الكبرى، تحفة الاشراف ٤/٣٧ (٤٥١٤) . وهذا الحديث أفرده البيهقي وكذا المزي في الأطراف والنابلسي في الذخائر عن الحديث المروي عن سلمة ابن الأكوع من طريق عكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة عن سلمة ابن الأكوع". (انظر السنن الكبرى ٦/٣٠٧، ٩/١٤٧، والأطراف للمزي ٤/٣٧ (حديث ٤٥١٤) وذخائر المواريث ٢/٢٤٤ حديث ٢١٩٥) .
[ ٢ / ٦٥٤ ]
ورواه أحمد وأبو عوانة كلاهما من طريق جعفر بن عون قال حدثنا أبو عميس به١".
ورواه أبو عوانة والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق أبي نعيم الفضل بن دكين قال حدثنا أبو العميس به٢".
هـ- حديث سلمة بن الأكوع أيضا عند ابن ماجة وأحمد وهذا سياقه عند ابن ماجة قال: حدثنا علي٣ بن محمد ثنا وكيع ثنا أبو العميس وعكرمة بن عمار عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: "بارزت رجلا فقتلته فنفلني رسول الله ﷺ سلبه" ٤.
وفي الزوائد: "إسناده صحيح ورجاله ثقات٥".
ورواه أحمد عن وكيع ثنا أبو عميس به٦".
وهذه الأحاديث تدل بظاهرها على أن من قتل كافرا له عليه بينة استحق سلبه، سواء أكان ذلك السلب قليلا أم كثيرا، وسواء أذن الإمام أو لم يأذن، كما تدل على أن السلب من أصل الغنيمة وعلى أنه لا يخمس، هذا هو الظاهر من هذه النصوص٧".
وقد اختلف العلماء من هذا الحكم في مسائل أقتصر على أهمها:
الأولى: "هل القاتل يستحق سلب القتيل سواء أذن أمير الجيش أم لم يأذن وبهذا قال جمهور العلماء.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/٥٠ ومسند أبي عوانة ٤/١٢٣". ٢ المصدر السابق ٤/١٢٢ وشرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٧ والمعجم الكبير للطبراني ٧/٢٩ والسنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٠٧ و٩/١٤٧". ٣ علي بن محمد يحتمل أن يكون هو الطنافسي، وهو ثقة، ويحتمل أن يكون ابن أبي الخصيب القرشي الكوفي وهو "صدوق ربما أخطأ" فإن كل واحد منهما شيخه وكيع وتلميذه ابن ماجة (انظر تهذيب التهذيب ٧/٣٧٨و٣٧٩ والتقريب ٢/٤٣) وعلى كل حال فإن الحديث صحيح فقد رواه أحمد عن وكيع ثنا أبو عميس الخ". ٤ سنن أبن ماجة ٢/٩٤٦ كتاب الجهاد، باب المبارزة والسلب". ٥ هذا الحديث أفرده أيضا المزي في الأطراف ٤/٤١ (حديث ٤٥٢٩) فنسبه لابن ماجة وحده". وقال الألباني في إرواء الغليل ٥/٥٥ وأورده البوصيري في (زوائد سنن ابن ماجة) وقال:"هذه إسناد صحيح رجاله ثقات" واسم أبي العميس عتبة بن عبد الله"، فخفي عليه أنه على شرط كل من الشيخين، وأنهما أخرجاه بأتم منه، ولولا ذلك لما أورده". ٦ مسند أحمد ٤/٤٥ ٧ انظر: "زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/١٠٠و٤٩٤ و٥/٧٢".
[ ٢ / ٦٥٥ ]
قال النووي: "عند شرحه لحديث أبي قتادة:
اختلف العلماء في معنى هذا الحديث، فقال الشافعي والأوزاعي والليث والثوري١ وأبو ثور وأحمد وإسحاق وابن جرير وغيرهم: "يستحق القاتل سلب القتيل في جميع الحروب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك: من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك قالوا وهذه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن حكم الشرع فلا يتوقف على أحد٢".
وبوب البخاري بقوله: "باب من لم يخمس الأسلاب، ومن قتل قتيلا فله سلبه من غير أن يخمس، وحكم الإمام فيه".
ثم ساق تحت هذا الباب حديث أبي قتادة وفيه "فقال رسول الله ﷺ من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه"٣".
قال ابن حجر: "وإلى ما تضمنته الترجمة ذهب الجمهور، وهو أن القاتل يستحق السلب سواء قال أمير الجيش قبل ذلك من قتل قتيلا فله سلبه أو لم يقل ذلك، وهو ظاهر حديث أبي قتادة".
وقالوا: "إنه فتوى من النبي ﷺ وإخبار عن الحكم الشرعي٤".اهـ
وساق أبو عبيد حديث أبي قتادة ثم قال: "قال أبو عبيد: فقد تبين لنا أن النبي ﷺ حكم لأبي قتادة بالسلب،من غير أن يكون نفله إياه قبل ذلك، ألا ترى أن رسول الله ﷺ إنما قال: "قال بعد قتل أبي قتادة صاحبه، فهذا عندنا بين واضح: أن السلب مقضي به للقاتل بسنة ماضية من رسول الله ﷺ، جعله له الإمام قبل ذلك أم لم يجعله له٥".اهـ.
_________________
(١) ١ في المغني لابن قدامة ٨/٣٩٢ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠، أن الثوري معدود مع القائلين بأن القاتل لا يستحق السلب إلا أن يقول الإمام ذلك، وهو كذلك عند القرطبي في الجامع لأحكام القرآن ٨/٥". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥١ والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٥ وزاد: "ابن المنذر وأبا عبيد". ٣صحيح البخاري ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس". ٤ فتح الباري ٦/٢٤٧ ٥ كتاب الأموال ص: "٤٣٧-٤٣٨".
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وقال الخرقي: "ومن قتل منا أحدًا منهم مقبلًا١ على القتال فله سلبه غير مخموس، قال ذلك الإمام أو لم يقل".
قال ابن قدامة: "في هذه المسألة فصول ستة:
أحدها: "أن القاتل يستحق السلب في الجملة ولا نعلم فيه خلافا، والأصل فيه قول النبي ﷺ "من قتل كافرا فله سلبه".
ثم أورد حديث أبي قتادة، حديث أنس بن مالك٢، أن رسول الله ﷺ قال يوم حنين: "من قتل قتيلا فله سلبه" قال: "فقتل أبو طلحة يومئذ عشرين رجلا فاخذ أسلابهم".
وقال أيضًا الفصل السادس: "أن القاتل يستحق السلب قال ذلك الإمام أو لم يقل، وبه قال الأوزاعي والليث والشافعي وإسحاق وأبو ثور٣".
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "واحتج من قال: "باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقا بعموم الأدلة لأن النبي ﷺ، صرح بان من قتل قتيلا فله سلبه، ولم يخصص بشيء، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول٤".
وقال الصنعاني: "عند شرحه لحديث عوف بن مالك الأشجعي أن النبي ﷺ "قضى بالسلب للقاتل" ٥.
_________________
(١) ١ قال محمد الأمين الشنقيطي: "والحق أنه لا يشترط في ذاك أن يكون القتل في مبارزة، ولا يكون الكافر المقتول مقبلا". أما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلا إليه: "فحديث سلمة بن الأكوع ثم أورد حديث سلمة في قصة قتل عين المشركين وفيه "قال سلمة: "فاتَّبعه رجل من أسلم على ناقة ورقاء، قال سلمة: "وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته على الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر". الحديث ثم قال: "وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلا، لا مدبرًا كما ترى وكذلك حديث أبي قتادة يدل على عدم اشتراط المبارزة أيضًا". (أضواء البيان ٢/٣٨٨ وانظر سياق حديث أبي قتادة ص ٦٣٦ وحديث سلمة ص ٦٤٠-٦٤٢، وانظر حديث (٢٨١) . ٢ انظر حديث أبي قتادة ص ٦٣٦ وحديث أنس ص ٦٣٩". ٣ المغني ٨/٣٨٦-٣٨٧و ٣٩٢". ٤ أضواء البيان ٢/٣٩٠". ٥ الحديث رواه مسلم وأبو داود وأحمد".انظر حديث رقم (٢٨٣)،وص٦٥٣-٦٥٥".
[ ٢ / ٦٥٧ ]
قال: "فيه دليل على أن السلب الذي يؤخذ من العدو الكافر يستحقه قاتله سواء قال الإمام قبل القتال: "من قتل قتيلا فله سلبه أو لا، وسواء كان القاتل مقبلا أو منهزما، وسواء كان ممن يستحق السهم في المغنم أو لا١، إذ قوله "قضى بالسلب للقاتل" حكم مطلق غير مقيد بشيء من الأشياء".
قال الشافعي: "وقد حفظ هذا الحكم عن رسول الله ﷺ في مواطن كثيرة:
منها يوم بدر، فإنه ﷺ حكم بسلب أبي جهل٢ لمعاذ بن الجموح لما كان هو المؤثر في قتل أبي جهل وكذا في قتل حاطب بن أبي بلتعة لرجل يوم أحد أعطاه سلبه ٣".
والأحاديث في هذا الحكم كثيرة:
وقوله ﷺ في يوم حنين "من قتل قتيلا فله سلبه" بعد القتال لا ينافي هذا بل هو مقرر للحكم السابق، فإن هذا كان معلوما عند الصحابة من قبل حنين، ولذا قال عبد الله بن جحش٤: "اللهم ارزقني رجلا شديدا إلى قوله: "أقتله وآخذ سلبه"٥.إهـ.
وقال أبو حنيفة ومالك ومَن تابعهما لا يستحق القاتل سلب القتيل بمجرد القتل، بل هو لجميع الغانمين كسائر الغنيمة إلا أن يقول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه".
_________________
(١) ١ كالمرأة والصبي والعبد". ٢ انظر: "الحديث رقم (٢٨٢) . ٣ رواه الحاكم من حديث أنس بن مالك ومن طريقه أخرجه البيهقي، وفيه "أن المقتول عتبة بن أبي وقاص وأن حاطب قتله وأخذ رأسه وسلبه وفرسه وجاء بها إلى النبي ﷺ فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه ودعا له". (المستدرك ٣/٣٠٠-٣٠١ والسنن الكبرى ٦/٣٠٨) . ٤ الحديث رواه البيهقي من طريق إسحاق بن سعد بن أبي وقاص قال: "حدثني أبي أن عبد الله بن جحش قال يوم أحد ألا تأتي ندعو الله فخلوا في ناحية فدعا سعد قال: "يا رب إذا لقينا القوم غدا فلقني رجلًا شديدًا بأسه شديدًا حرده فأقاتله فيك ويقاتلني ثم ارزقني عليه الظفر حتى أقتله وآخذ سلبه فأمن عبد الله بن جحش ثم قال: "اللهم ارزقني غدًا رجلًا شديدًا حرده شديدًا بأسه أقاتله فيك ويقاتلني ثم يأخذني فيجدع أنفي فإذا لقيتك غدًا". قلت: "يا عبد الله فيم جدع أنفك وأذنك؟ ". فأقول فيك وفي رسولك ﷺ فتقول صدقت".، قال سعد بن أبي وقاص: "يا بني كانت دعوة عبد الله بن جحش خيرا من دعوتي لقد رأيته آخر النهار وإن أذنه وأنفه معلقتان في خيط". (السنن الكبرى ٦/٣٠٧-٣٠٨) وقال ابن حجر في الفتح ٦/٢٤٨: "روه الحاكم والبيهقي من حديث سعد بن أبي وقاص بإسناد صحيح". ٥ سبل السلام ٤/٥٢-٥٣".
[ ٢ / ٦٥٨ ]
إلا أنه عند مالك يكون قول الإمام من قتل قتيلا فله سلبه بعد انقضاء الحرب لأنه جعل السلب من جملة الأنفال".
ويكره للإمام أن يقول ذلك قبل انقضاء القتال لأنه يؤدي ذلك إلى صرف نيات المجاهدين لقتال الدنيا، ويجوز بعد القدرة على العدو لأنه لا محذور فيه عندئذ ١".
واستدل الحنفية والمالكية بأدلة منها:
- حديث أبي قتادة الوارد فيه "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" ٢ قالوا: "وقد دفع رسول الله ﷺ السلب لأبي قتادة، وغير بينة ولا يمين ولو كان يستحق السلب بمجرد القتل لطولب بالبينة على أنه قتله".
٢٨٢- حديث عبد الرحمن بن عوف المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر، فإن فيه ثم انصرفا إلى رسول الله ﷺ فأخبراه، فقال: "أيكما قتله؟ ".
فقال كل واحد منها: "أنا قتلته، فقال: "هل مسحتما سيفيكما؟ قالا: "لا، فنظر في السيفين، فقال: "كلاكما قتله" وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح" ٣.
قالوا: "فتصريحه ﷺ في هذا الحديث المتفق عليه، بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر، صريح في أن القاتل لا يستحق السلب، إلا بقول الإمام: "أنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن العفراء وجه، مع النبي ﷺ صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما بالسوية لاشتراكهما في قتله".
- حديث عوف بن مالك الأشجعي عند أحمد ومسلم وأبي داود وهذا سياقه عند مسلم:
_________________
(١) ١ حاشية الدسوقي ٢/١٩٠-١٩١ وأوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٢٨٥، والهداية لبرهان الدين المرغيناني ٢/١٤٩ وشرح معاني الآثار٣/٢٢٧، والمغني لابن قدامة ٨/٣٩٢ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥١، وزاد المعاد ٣/٤٨٩ وفتح الباري ٦/٢٤٧ والمحلى لابن حزم ٧/٥٤٧ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠". ٢ الحديث تقدم في ص ٦٣٦". ٣ البخاري: "الصحيح ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس، باب من لم يخمس الأسلاب الخ". ومسلم: الصحيح٣/١٣٧٢كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل".
[ ٢ / ٦٥٩ ]
٢٨٣- عن عوف بن مالك قال: "قتل رجل من حمير رجلا من العدو فأراد سلبه فمنعه خالد بن الوليد وكان واليا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ فأخبره، فقال لخالد "ما منعك أن تعطيه سلبه؟ ". قال: "استكثرته يا رسول الله! قال: "ادفعه إليه" فمر خالد بن بعوف فجر بردائه١ ثم قال: "هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله ﷺ؟ فسمعه رسول الله ﷺ فاستغضب٢، فقال: "لا تعطه يا خالد لا تعطه يا خالد! هل أنتم تاركون لي أمرائي" الحديث.
وفي رواية عند مسلم أيضا عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة، ورافقني مددي٣ من اليمن وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه غير أنه قال في الحديث: "قال عوف: "فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته٤".
قالوا: "فقول النبي ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لا تعطه يا خالد" دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النبي ﷺ".
٢٨٤- ما واه ابن أبي شيبة قال: "حدثنا أبو الأحوص٥ عن الأسود٦ بن قيس عن شبر٧ بن علقمة قال: "بارزت رجلا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه
_________________
(١) ١ فجر بردائه: "أي جذب عوف برداء خالد وتكلم عليه لمنعه من السلب". ٢ فاستغضب: "بالبناء للمجهول: "أي صار رسول الله ﷺ مغضبا". ٣ مددى: "يعني رجلا من المدد الذين جاؤا يمدون مؤتة ويساعدونهم". ٤ صحيح مسلم ٣/١٣٧٣-١٣٧٤ كتاب الجهاد والسير، باب استحقاق القاتل سلب القتيل، وانظر تخريج الحديث عند أبي داود وأحمد ص ٦٥٣-٦٥٥". ٥ أبو الأحوص: "هو سلام بن سليم الحنفي مولاهم الكوفي "ثقة متقن" تقدم في حديث (٢٧) . ٦ الأسود بن قيس العبدي، ويقال العجلي الكوفي، يكنى أبا قيس، ثقة من الرابعة". /ع". (التقريب ١/٧٦ وتهذيب التهذيب ١/٣٤١) . ٧ شبر بن علقمة العبدي الكوفي. ذكره ابن حجر في الإصابة ١/١٦٣ في القسم الثالث من حرف الشين وقال: "له إدراك وشهد القادسية له رواية عن ابن مسعود، ثم أورد له هذا الحديث من طريق الأسود بن قيس وقال: "رواه عبد الرزاق وابن أبي شيبة". ووقع في أضواء البيان الشنقيطي ٢/٣٩٢: "بشر بن علقمة" بتقديم الموحدة على المعجمة وهو خطأ، وكذا وقع في المحلى لابن حزم ٣/٥٤٥".
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فأتيت به سعدًا فخطب سعد أصحابه ثم قال: "هذا سلب شبر بن علقمة فهو خير من أثنى عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه" قالوا: "فلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي ﷺ، لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم ولأخذه القاتل دون أمرهم".
٢٨٥- ما ذكره مالك في الموطأ قال: "لم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه" إلا يوم حنين١.
هذا أهم ما استدل به المالكية والحنفية على ما ذهبوا إليه من أن القاتل لا يستحق سلب قتيله إلا إذا قال الإمام قبل القتال من قتل قتيلا فله سلبه٢.
ورد القائلون - باستحقاق السلب للقاتل مطلقا- على هذه الأدلة بما يأتي:
أ- حديث أبي قتادة، أجاب عنه ابن قدامة بقوله: "وأما أبو قتادة؛ فإن خصمه اعترف له به وصدقه فجرى مجرى البينة ولأن السلب مأخوذ من الغنيمة بغير تقدير الإمام واجتهاده فلم يفتقر إلى شرطه كالسهم٣".
وأجاب القرطبي عنه بقوله: "سمعت شيخنا عبد العظيم المنذري يقول: "إنما أعطى النبي ﷺ أبا قتادة سلب قتيله بشهادة الأسود٤ بن خزاعى وعبد الله٥ بن أنيس، وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال ويطرد الحكم٦".إهـ.
_________________
(١) ١ موطّأ مالك ٢/٤٥٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في السلب في النفل". وانظر: "هذه الأدلة في شرح معاني الآثار للطحاوي ٣/٢٢٧ والمغني لابن قدامة ٨/٣٩٣، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٦-٧، ونصب الراية للزيلعي ٣/٤٣١-٤٣٤، وفتح الباري لابن حجر٦/٢٤٧-٢٤٨، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٠-٣٩٣، والمحلى لابن حزم ٣/٥٤٧-٥٥٣، والأم ٤/٦٧-٦٨". ٢ إلا أن هذا القول عند مالك ﵀ يكون بعد انقضاء الحرب، كما تقدم في ص ٦٤٧". ٣ المغني ٨/٣٩٣و٣٩٦". ٤ الأسود بن خزاعى الأسلمي حليف بني سلمة من الأنصار". قال ابن حجر: "ذكره موسى بن عقبة عن الزهري فيمن قتل ابن أبي الحقيق، وسماه ابن إسحاق: "خزاعي بن الأسود وكذلك معمر عن الزهري، وذكر الواقدي أنه شهد لأبي قتادة بسلب قتيله يوم حنين". (الإصابة ١/٤٢-٤٣) . ٥ عبد الله بن أنيس الجهني أبو يحيى المدني حليف بني سلمة من الأنصار بعثه رسول الله ﷺ إلى خالد بن نبيح الهذلي فقتله". (الإصابة ١/٤٢-٤٣ و٢/٢٧٨-٢٧٩ ومغازي الواقدي ٣/٩٠٨) . ٦ الجامع لأحكام القرآن ٨/٩ وقال: "وأما المالكية؛ فيخرج على قولهم أنه لا يحتاج الإمام فيه إلى بينة، لأنه من الإمام ابتداء عطية فإن شرط الشهادة كان له، وإن لم يشترط جاز أن يعطيه من غير شهادة، وانظر: أضواء البيان للشنقيطي٢/٣٩٧".
[ ٢ / ٦٦١ ]
ب- حديث عبد الرحمن بن عوف في قصة قتل أبي جهل".
قال الزيلعي: "أجاب عنه البيهقي في "المعرفة" بقوله: "وهذا حجة لهم فيه، فإن غنيمة بدر كانت للنبي ﷺ بنص الكتاب يعطي منها من يشاء، وقد قسم لجماعة لم يشهدوا، ثم نزلت الآية في الغنيمة بعد بدر، وقضى - ﵇ - بالسلب للقاتل، واستقر الأمر على ذلك، ويجوز أن يكون أحدهما أثخنه، والثاني جرحه بعد، فقضى بسلبه للأوّل١".إهـ".
وأجاب ابن حزم بقوله: "قال: "أبو محمد: "ولا حجة لهم في هذا كله، وأين يوم بدر من يوم حنين وبينهما أعوام؟ وما نزل حكم الغنائم إلا بعد يوم بدر فكيف يكون السلب للقاتل٢".
وقال ابن حجر: "أجاب الجمهور عن هذا الحديث بأن في سياق دلالة على أن السلب يستحقه من أثخن في القتل ولو شاركه غيره في الضرب أو الطعن".
قال المهلب٣: "نظره ﷺ في السيفين واستلاله لهما هو ليرى ما بلغ الدم من سيفيهما ومقدار العمق دخولهما في جسم المقتول ليحكم بالسلب لمن كان في ذلك أبلغ، ولذلك سألهما أولا هل مسحتما سيفيكما أم لا؟ لأنهما لو مسحاهما لما تبين المراد من ذلك وإنما قال: "كلاكما قتله" وإن كان أحدهما هو الذي أثخنه ليطيب نفس الآخر".
وقال الإسماعيلي ٤: "أقول إن الأنصاريين ضرباه فأثخناه٥ وبلغا به المبلغ الذي يعلم معه أنه لا يجوز بقاؤه على تلك الحال إلا قدر ما يطفأ، وقد دل قوله: "كلاكما قتله" على أن كلا منهما وصل إلى قطع الحشوة٦ إبانتها أو بما يعلم أن عمل كل من سيفيهما كعمل الآخر، غير أن أحدهما سبق بالضرب فصار في حكم المثبت
_________________
(١) ١ نصب الراية ٣/٤٣٢". ٢ المحلى ٧/٥٥٠". ٣ هو القاضي أبو القاسم المهلب بن أحمد بن أبي صفرة التميمي الفقيه الحافظ المحدث العالم المتفنن، شرح البخاري واختصره اختصارا مشهورا وله تعليق على البخاري حسن، (مات سنة ٤٣٥أو ٤٣٦) . (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ١١٤ ومقدمة البخاري ١/١٢٧) . ٤ هو الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام أبو بكر أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني، له تخريج على صحيح البخاري، ولد عام ٢٧٧ ومات سنة ٣٧١هـ". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٩٤٧-٩٥١) . ٥ أثخناه: "أي أثقلاه بالجراح". (النهاية ١/٢٠٨) . ٦ الحشوة: "بالضم والكسر: "الأمعاء". (المصدر السابق ١/٣٩٢) .
[ ٢ / ٦٦٢ ]
لجراحه حتى وقعت به ضربة الثاني فاشتركا في االقتل، إلا أن أحدهما قتله وهو ممتنع والآخر قتله وهو مثبت فلذلك قضى بالسلب للسابق إلى إثخانه١".
جـ وأما حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته مع خالد بن الوليد، فأجاب الخطابي عنه بقوله: "إنما منع ﵇ خالدا في الثانية أن يرد على عوف سلبه زجرا لعوف، لئلا يتجرأ الناس على الأئمة، لأن خالدا كان مجتهدا في صنعه، لما رأى فيه من المصلحة، فأمضى ﵇ اجتهاده، واليسير من الضرر يحتمل الكثير من النفع، قال: "ويشبه أن يكون النبي ﷺ قد عوض المددى من الخمس الذي هو له وترضى خالدا بالنصح له والتسليم الحكم له في السلب ٢".
وأجاب عنه ابن حزم بقوله:
قال أبو محمد: "لا حجة لهم في هذا، بل هو حجة عليهم لوجوه:
أوّلها: "أن فيه نصا جليا أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل وهذا قولنا".
وثانيها: "أنه ﵇ أمر خالدا بالرد عليه".
وثالثها: "أن في نصه أن النبي ﷺ إنما أمره بأن لا يرد عليه، لأنه علم أن القاتل صاحب السلب أعطاه بطيب نفس ولم يطلب خالدا به، وأن عوفًا يتكلم فيما لا حق له فيه وهذا هو نص الخبر".
ورابعها: "أنه لو كان كما يوهمون لما كان لهم فيه حجة، لأن يوم حنين الذي قال فيه ﵇ "من قتل كافرا فله سلبه" كان بعد يوم مؤتة٣ بلا خلاف". ويوم حنين كان بعد فتح مكة" فيوم حنين حكمه ناسخ لما تقدم لو كان خلافه٤".
د- وأما حديث شبر بن علقمة وقول سعد بن أبي وقاص إنا قد نفلناه إياه فأجاب عنه ابن قدامة بقوله: "أما خبر شبر فإنما أنفذ له سعد ما قضى له به رسول الله ﷺ وسماه نفلا لأنه في الحقيقة نفل لأنه زيادة على سهمه٥".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/٢٤٨ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٥". ٢ الاعتبار في الناسخ والمنسوخ من الآثار للحازمي ص٢٢٥ ونصب الراية للزيلعي ٣/٤٣٢". ٣ كانت غزوة مؤتة في جمادى الأولى سنة ثمان من الهجرة". (سيرة ابن هشام ٢/٣٧٣) . ٤ المحلى ٧/٥٤٩، ومعنى قوله (لو كان خلافه) يعني أنه لو سلم لهم بأن رسول الله ﷺ منع القاتل سلب قتيله، لكان ما قاله ﵇ يوم حنين ناسخا لما كان في غزوة مؤتة". ٥ المغني ٨/٣٩٣".
[ ٢ / ٦٦٣ ]
هـ- وأما قول مالك: "بم يبلغني أن رسول الله ﷺ قال: "من قتل قتيلا فله سلبه إلا يوم حنين".
فأجاب عنه ابن حجر بقوله: "وأجاب الشافعي وغيره بأن ذلك حفظ عن النبي ﷺ في مواطن:
منها: "يوم بدر، كما في قصة أبي جهل".
ومنها: "حديث حاطب بن أبي بلتعة في قتله رجلا يوم أحد فأعطاه رسول الله ﷺ سلبه".
ومنها: "حديث عوف بن مالك في قصة قتل المددي رجلا من العدو".
ومنها: "قصة عبد الله بن جحش وسعد بن أبي وقاص في دعائهما يوم أحد وقول سعد: "اللهم ارزقني رجلا شديدا أقتله وآخذ سلبه، وغير ذلك من المواطن التي ورد فيها لفظ السلب قبل غزوة حنين".
وأجاب ابن حجر أيضا بقوله: فإن أراد مالك أن ابتداء هذا الحكم كان يوم حنين فهو مردود، لكن على غير مالك ممن منعه فإن مالكا إنما نفى البلاغ، وقد ثبت في سنن أبي داود عن عوف بن مالك أنه قال لخالد بن الوليد في غزوة مؤتة: "إن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل" وكانت مؤتة قبل حنين بالاتفاق١.اهـ.
وقال بن حزم: "وقال بعضهم: "لم يقل ذلك٢ رسول الله ﷺ إلاّ يوم حنين".
قال أبو محمد: "فكان هذا عجبا، نعم، فهبك أنه لم يقله - ﵇ - قط إلا مرة يومئذ، أو قاله قبل وبعد، أترى أنهم يجدون في أنفسهم حرجا مما قضى به مرة أو يرونه باطلا حتى يكرر القضاء به؟..".
فلا فرق بين ما قاله مرة، أو ألف ألف مرة، كله دين وكله حق، كله حكم الله تعالى، وكله لا يحل لأحد خلافه"٣.
المسألة الثانية: "من مسائل هذا الحكم: تخميس السلب، وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: "
القول الأول: "أن السلب لا يخمس قلَّ أم كثر".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/١٦٩ و٢٤٧-٢٤٨، والأم للشافعي ٤/٦٦/٦٨ وسبل السلام للصنعاني ٤/٥٢-٥٣ وانظر ص (٦٤٦) وحديث (٢٨٢) و(٢٨٣) . ٢ يعني (من قتل قتيلا فله سلبه) . ٣ المحلى ٧/٥٤٧".
[ ٢ / ٦٦٤ ]
قال ابن قدامة: "روي ذلك عن سعد بن أبي وقاص، وبه قال الشافعي وابن المنذر وابن جرير١".اهـ.
وقال النووي: "واختلفوا في تخميس السلب، وللشافعي فيه قولان:
الصحيح منها عند أصحابه، لا يخمس وهو ظاهر الأحاديث وبه قال: أحمد وابن جرير وابن المنذر وآخرون٢".اهـ".
وقال أبو عبيد: "وفي النفل٣ الذي ينفله الإمام سنن أربع، لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى".
فإحداهن: "في النفل الذي لا خمس فيه".
والثانية: "في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس".
والثالثة: "في النفل الذي يكون من الخمس نفسه".
والرابعة: "في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء".
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه مسلما من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر٤".
وقال ابن حزم: "وكل من قتل قتيلا من المشركين فله سلبه قال ذلك الإمام أو لم يقله، كيف ما قتله صبرًا، أو في القتال، ولا يخمس السلب قلّ أو كثر"٥.
وقال ابن قيم الجوزية: حكم النبي ﷺ بالسلب كله للقاتل ولم يخمسه، ولم يحعله من الخمس، بل من أصل الغنيمة، وهذا حكمه وقضاؤه"٦".اهـ.
وأدلة هذا القول الأحاديث المتقدمة مثل حديث أبي قتادة: "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وحديث سلمة بن الأكوع في قتله طليعة المشركين، وقول الرسول ﷺ من قتل الرجل فقالوا: "سلمة بن الأكوع، فقال ﷺ: "له سلبه أجمع".
_________________
(١) ١ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١". ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢". ٣ تقدم بيان النفل في ص ٣٥٣". ٤ كتاب الأموال ص ٤٣٠". ٥ المحلى ٧/٥٤٤ ٦ زاد المعاد ٥/٧٢و٣/٤٩٣-٤٩٤".
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وحديث أنس بن مالك "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخد أسلابهم"١ ".
وساق القرطبي في تفسيره حديث عوف بن مالك الذي رواه مسلم، ثم قال: "وأخرجه أبو بكر٢ البرقاني بإسناده الذي أخرجه به مسلم، وزاد بيانا أن عوف بن مالك، قال: "إن رسول الله ﷺ لم يكن يخمس السلب"٣.
وروى الإمام أحمد فقال: "حدثنا أبو المغيرة٤ قال ثنا صفوان٥ بن عمرو قال: "حدثني عبد الرحمن٦ بن جبير بن نفير عن أبيه٧ عن عوف ابن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن النبي ﷺ لم يخمس السلب".
ورواه من هذه الطريق أيضا مطولا".
ورواه أيضا عن الوليد بن مسلم قال حدثني صفوان بن عمرو به مطولا أيضا ٨".
وأخرجه أبو داود من طريق أحمد الأخيرة".
_________________
(١) ١ تقدم هذه الأحاديث في ص ٦٣٦-٦٣٧ و٦٤٠-٦٤٢". ٢ هو الإمام الحافظ شيخ الفقهاء والمحدثين أبو بكر أحمد بن محمد بن أحمد بن غالب الخوارزمي البرقاني الشافعي شيخ بغداد، صنف التصانيف وخرج على الصحيحين، حدث عنه البيهقي والخطيب البغدادي وغيرهم". قال الخطيب: "كان ثقة ورعًا ثبتا لم نر في شيوخنا أثبت منه، عارفا بالفقه له حظ من علم العربية كثير، صنف مسندا ضمنه ما اشتمل عليه صحيح البخاري ومسلم، ولد سنة ٣٣٦ ومات ببغداد سنة٤٢٥ هـ". (تذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١٠٧٤-١٠٧٦ وتاريخ بغداد ٤/٣٧٣-٣٧٦) . ٣ الجامع لأحكام القرآن ٨/٧-٨، وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤-٣٩٥". ٤ هو عبد القدوس بن الحجاج الخولاني، أبو المغيرة الحمصي، ثقة، من التاسعة (ت ٢١٢) ./ع". (التقريب ١/٥١٥ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩) . ٥ صفوان بن عمرو بن هرم السكسكي، أبو عمرو الحمصي، ثقة من الخامسة (ت١٥٥أو بعدها) .بخ م عم (التقريب١/٣٦٨،وتهذيب التهذيب٤/٢٢٨-٢٢٩) . ٦ عبد الرحمن بن جبير بجيم وموحدة مصغرا ابن نفير بنون وفاء مصغرا الحضرمي الحمصي، ثقة من الرابعة (ت ١١٨) . بخ م عم". (التقريب ١/٤٧٥ وتهذيب التهذيب ٦/١٥٤ وقد سقط من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) . ٧ هو جبير بن نفير بن مالك بن عامر الحضرمي، الحمصي، ثقة جليل، من الثانية مخضرم، ولأبيه صحبة فكأنه هو ما وفد إلا في عهد عمر (ت٨٠ وقيل بعدها) . بخ م". عم". (التقريب ١/١٢٦ وتهذيب التهذيب ٢/٦٤-٦٥) . ٨ المسند ٦/٢٦و٢٧-٢٨".
[ ٢ / ٦٦٦ ]
ومن طريق أبي داود أخرجه البيهقي ١".
وأخرجه أبو داود أيضا مختصرا من طريق إسماعيل بن عياش عن صفوان بن عمرو عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه عن عوف ن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب" ٢.
ورواه ابن الجارود من طريق أبي المغيرة قال ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي وخالد بن الوليد - ﵄ - أن النبي ﷺ لم يخمس السلب" ٣.
رواه الطحاوي من طريق الوليد بن مسلم قال: "ثنا صفوان بن عمرو به ولفظه "عن عوف بن مالك الأشجعي قال: "قلت لخالد بن الوليد يوم مؤتة ألم تعلم أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب؟ قال: "بلى" ٤.
ورواه البيهقي أيضا من طريق الوليد بن مسلم عن صفوان بن عمرو به٥".
ولمسلم من طريق الوليد بن مسلم حدثنا صفوان بن عمرو به بلفظ "قال عوف: "فقلت: "يا خالد! أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟ قال: "بلى، ولكني استكثرته" ٦.
والحديث صحيح وهو نص في أن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب".
القول الثاني: "أن السلب يخمس مطلقًا".
قال ابن قدامة: "وهو قول ابن عباس والأوزاعي ومكحول٧".
ونسبه النووي أيضا لمالك وقال: "وهو قول ضعيف للشافعي".
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٦/٣١٠". ٢ سنن أبي داود ٢/٦٥و٦٦ كتاب الجهاد، باب في السلب لا يخمس". ٣ المنتقى ص ٣٦١". ٤ شرح معاني الآثار ٣/٢٢٦". ٥ السنن الكبرى ٦/٣١٠ وانظر إرواء الغليل ٥/٥٥-٥٧". ٦ تقدم الحديث برقم (٢٨٣) . ٧ المغني ٨/٣٩١.
[ ٢ / ٦٦٧ ]
ثم قال: "وعن مالك رواية اختارها إسماعيل القاضي١ أن الإمام بالخيار إن شاء خمسه وإلا فلا٢".
واستدل من قال بأن السلب يخمس بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ [سورة الأنفال، من الآية:٤١] .ولم يستثن شيئا".
ورد الجمهور على هذا الدليل بقوله ﷺ "من قتل قتيلا فله سلبه" وبغير ذلك من الأحاديث القاضية بأن السلب للقاتل، وهي مخصصة لعموم الآية ٣".
القول الثالث: "أن السلب إن كان كثيرا خمس، وإلا فلا".
وهو قول عمر بن الخطاب ﵁ وإسحاق بن راهويه ودليل هذا القول هو ما رواه سعيد بن منصور في "سننه".
٢٨٦- عن ابن سيرين٤ أن البراء بن مالك٥ بارز مرزبان٦ الزارة٧
_________________
(١) ١ هو أبو إسحاق إسماعيل بن إسحاق بن إسماعيل بن حماد بن زيد الأزدي مولاهم البصري، ثم البغدادي المالكي، الحافظ شيخ الإسلام صاحب التصانيف وشيخ مالكية العراق وعالمهم". قال الخطيب: "كان عالما متقنا فقيها شرح مذهب مالك واحتج له، وصنف المسند، وصنف في علوم القرآن، وجمع حديث أيوب وحديث مالك". قال الذهبي: "وصنف الموطأ، وصنف كتابا حافلا نحو مائتي جزء في الرد على محمد تبن الحسن لم يتمه، (ولد سنة ١٧٩ ومات سنة ٢٨٢) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٦٢٥-٦٢٦ وتاريخ بغداد ٦/٢٨٤) . ٢ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤". ٣ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٠-٣٩١ وشرح النووي على صحيح مسلم ٤/٣٥٢ وفتح الباري ٦/٢٤٧ وأضواء البيان الشنقيطي ٢/٣٩٤و٣٩٥، وزاد المعاد ٣/٤٩٤". ٤ هو محمد بن سيرين الأنصاري، أبو بكر بن أبي عمرة البصري، ثقة ثبت عابد كبير القدر، كان لا يرى الرواية بالمعنى، من الثالثة (ت ١١٠) . /ع". (التقريب ٢/١٦٩ وتهذيب التهذيب ٩/٢١٤) . ٥ البراء بن مالك بن النضر، الأنصاري، أخو أنس بن مالك لأبيه وأمه، وأمهما أم سليم، قال أبو حاتم: "أخوه لأبيه، كان شجاعا مقداما شهد المشاهد كلها مع رسول الله ﷺ إلا بدرا، وهو الذي فتح حديقة مسيلمة التي تحصن فيها هو وجنده يوم اليمامة، واستشهد البراء يوم حصن تستر في خلافة عمر بن الخطاب سنة عشرين وقيل توفي سنة ٢٣". (أسد الغابة ١/٢٠٦ والإصابة ١/١٤٣ والاستيعاب ١/١٣٧ مع الإصابة) . ٦ في القاموس المحيط١/٧٣:والمرزبة كمرحلة رياسة الفرس وهو مرزبانهم بضم الزاي". ٧ الزارة: "بالزاي وفتح الراء المخففة، وقال أبو منصور: "عين الزارة بالبحرين معروفة، والزارة قرية كبيرة بها، ومنها مرزبان الزارة، وله ذكر في الفتوح، وفتحت الزارة في سنة ١٢هـ في أيام أبي بكر الصديق - ﵁ - وصولحوا". قال أبو أحمد العسكري: "الخط والزارة والقطيف قرى بالبحرين وهجر". (معجم البلدان لياقوت ٣/١٢٦) .
[ ٢ / ٦٦٨ ]
بالبحرين، فطعنه فدق صلبه، وأخذسواريه١ وسلبه، فلما صلى عمر الظهر، أتى أبا طلحة في داره، فقال: "إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالا وأنا خامسه فكان أوّل سلب خمس في الإسلام، سلب البراء، وبلغ ثلاثين ألفا"٢.
والحديث نسبه ابن حزم أيضًا لابن أبي شيبة قال: "حدثنا عبد الرحيم٣ بن سليمان عن هشام٤ بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك قال: "كان السلب لا يخمس وكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء بن مالك، وكان قتل مرزبان الزارة وقطع منطقته وسواريه، فلما قدمن المدينة صلى عمر الصبح، ثم أتانا فقال: "السلام عليكم أثم أبو طلحة؟ فقالوا: "نعم، فخرج إليه فقال عمر: "إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء مال وغني خامسه، فدعا المقومين فقوموا ثلاثين ألفا، فأخذ منها ستة آلاف٥".
والحديث أخرجه الطحاوي من طريق سفيان عن أيوب عن ابن سيرين عن أنس بن مالك به٦".
ورواه البيهقي من طريق عبد الله بن المبارك عن هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أنس بن مالك به".
ومن طريق حماد بن زيد عن أيوب عن محمد بن سيرين عن أنس ابن مالك به٧".
_________________
(١) ١ السوار: "بكسر السين وضمها هو ما يتحلى به النساء في أيديهن". (النهاية ٢/٤٢٠ والقاموس ٢/٥٣ وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٣٥) . ٢ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١-٣٩٢ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٣٩٤". ٣ عبد الرحيم بن سليمان الكناني، أبو الطائي، أبو علي الأشل، المروزي نزيل الكوفة ثقة له تصانيف، من صغار الثامنة، (ت ١٨٧) . /ع". (التقريب ١/٥٠٤ وتهذيب التهذيب ٦/٣٠٦) . ٤ هشام بن حسان الأزدي القردوسي - بضم القاف والدال- أبو عبد الله البصري، ثقة من أثبت الناس في ابن سيرين، في روايته عن الحسن وعطاء مقال، لأنه قيل كان يرسل عنهما، من السادسة (ت١٤٧-١٤٨) . /ع". (التقريب٢/٣١٨ وتهذيب التهذيب ١١/٣٤) . ٥ المحلى لابن حزم ٧/٥٤٥-٥٤٦". ٦ شرح معاني الآثار ٣/٢٢٩". ٧ السنن الكبرى ٦/٣١٠-٣١١، وانظر إرواء الغليل ٥/٥٧-٥٨".
[ ٢ / ٦٦٩ ]
ورد هذا الحديث ابن قدامة بقوله: "ولنا ما روى عوف بن مالك وخالد بن الوليد أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل ولم يخمس السلب".
وعموم الأخبار التي ذكرناها، وخبر عمر بن الخطاب حجة لنا فإنه قال: "إنا كنا لا نخمس، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام، يعني أن النبي ﷺ وأبا بكر وعمر صدرا من خلافته لم يخمسوا سلبا واتباع ذلك أولى".
قال الجوزجاني١: "لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول ﷺ شيء إلا اتباعه ولا حجة في قول أحد مع قول رسول الله صلى الله عليه وسلم٢".
ثم قال ابن قدامة: "وما ذكرناه يصلح أن يخصص به عموم الآية".
وإذا ثبت هذا: "فإن السلب من أصل الغنيمة، وقال مالك: "هو من خمس الخمس".
ولنا: "أن النبي ﷺ قضى بالسلب للقاتل مطلقا ولم ينقل عنه أنه احتسب به من الخمس، ولأنه لو احتسب به من خمس الخمس احتيج إلى معرفة قيمته وقدره ولم ينقل ذلك، ولأن سببه لا يفتقر إلى اجتهاد الإمام فلم يكن من خمس الخمس كسهم الفارس والراجل ٣".إهـ.
وقال ابن قيم الجوزية: "قوله ﷺ "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه" دليل على أن له سلبه كله غير مخمس، وقد صرح بهذا في قوله لسلمة بن الأكوع لما قتل قتيلا: "له سلبه أجمع".
وفي المسألة ثلاثة مذاهب، هذا أحدها.
_________________
(١) ١ الجوزجاني: "هو إبراهيم بن يعقوب السعدي "ثقة حافظ". ٢ أقول إن ما عمله عمر بن الخطاب - ﵁ - من تخميس سلب البراء بن مالك يمكن القول به لأنه راعى فيه المصلحة العامة، وليس فيه مخالفة لما قاله الرسول ﷺ ولم يكن خافيا على عمر ﵁، لأنه قال: "إنا كنا لا نخمس السلب وإن سلب البراء قد بلغ ما لا وأنا خامسه". فعمر - ﵁ - نظر هنا إلى كثرة هذا السلب، ورأى بفهمه الثاقب وفقهه العميق لمقاصد الشريعة أن فيه حقا لبيت مال المسلمين، فلو ذهب إلى هذا النظر إمام من أئمة المسلمين لكان له فيه سند وسلف من عمر - ﵁". والله أعلم. ٣ المغني لابن قدامة ٨/٣٩١-٣٩٢ وأضواء البيان للشنقيطي ٢/٣٩٦".
[ ٢ / ٦٧٠ ]
والثاني: "أنه يخمس كالغنيمة، وهذا قول الأوزاعي وأهل الشام، وهو مذهب ابن عباس لدخوله في آية الغنيمة".
والثالث: "أن الإمام إن استكثره خمسه، وإن استقله لم يخمسه وهو قول إسحاق وفعله عمر بن الخطاب".
ثم أورد حديث ابن سيرين في قصة تخميس عمر بن الخطاب سلب البراء بن مالك".
ثم قال: "والأوّل: "أصح، فإن رسول الله ﷺ لم يخمس السلب وقال: "هو له أجمع، ومضت على ذلك سنته وسنة الصديق بعده، وما رآه عمر اجتهاد منه أداه إليه رأيه، ثم قال: "والحديث يدل على أنه من أصل الغنيمة فإن النبي ﷺ قضى به للقاتل، ولم ينظر في قيمته، وقدره، واعتبار خروجه من خمس الخمس١".إهـ.
المسألة الثالثة: من مسائل هذا الحكم ما هو سلب؟
قال ابن قدامة: "السلب هو ما كان القتيل لابسا له من ثياب وعمامة وقلنسوة٢ ومنطقة٣ ودرع ومغفر وبيضة وتاج وأسورةوران٤ وخف بما في ذلك من حلية ونحو ذلك؛ لأن المفهوم من السلب اللباس، وكذلك السلاح من السيف والرمح والسكين ونحوه؛ لأنه يستعين به في قتاله فهو أولى بالأخذ من اللباس، وكذلك الدابة لأنه يستعين بها فهي كالسلاح وأبلغ منه، ولذلك استحق بها زيادة السهمان بخلاف السلاح، فأما المال الذي معه في كمراته وخريطته فليس بسلب؛ لأنه ليس من الملبوس ولا مما يستعين به الحرب، وكذلك رحله وأثاثه وما ليست يده عليه من ماله ليس من سلبه، وبهذا قال الأوزاعي ومكحول والشافعي".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٣/٤٩٣-٤٩٤ و٥/٧٢". ٢ قلنسوة: "بفتح أوله وضم السين المفتوحة: "ما يوضع على الرأس". (القاموس المحيط ٢/٢٤٢، وهدي الساري مقدمة فتح الباري ص ١٧٥". ٣ منطقة: "بكسر أوله ما يشد به الرجل على وسطه". المغفر: "كمنبر: "يلبس في الرأس تحت القلنسوة". والبيضة: "من حديد تلبس في الرأس في الحرب". (القاموس المحيط ٢/١٠٣و٣٢٥و٣/٢٨٥ وهدي الساري ص ٩١) . ٤ الران: "كالخف إلا أنه لا قدم له وهو أطول من الخلف". (القاموس ٤/٢٣٠) .
[ ٢ / ٦٧١ ]
إلا أن الشافعي قال: "ما لا يحتاج إليه في الحرب كالتاج والسوار والطوق والهيمان١ الذي للنفقة ليس من السلب في أحد القولين لأنه مما لا يستعان به في الحرب فأشبه المال الذي في خريطته".
ثم قال ابن قدامة أيضا: "وإذا ثبت هذا فإن الدابة وما عليها من سرجها ولجامها وتجفيفها٢ وحلية إن كانت عليها وجميع آلاتها من السلب لأنه تابع لها ويستعان به في الحرب".
وإنما يكون السلب إذا كان راكبا عليها، وإن كانت في منزله أو مع غيره أو منفلتة لم يكن من السلب كالسلاح الذي ليس معه وإن كان راكبا عليها فصرعه عنها أو أشعره عليها ثم قتله بعد نزوله عنها فهي من السلب، وهكذا قول الأوزاعي".
وإن كان ممسكا بعنانها غير راكب عليها فعن أحمد فيها روايتان:
إحداهما: "من السلب وهو قول الشافعي لأنه متمكن من القتال عليها فأشبهت سيفه أو رمحه في يده".
والثانية: "ليست من السلب وهو ظاهر كلام الخرقي٣ واختيار الخلال٤؛ لأنه ليس براكب عليها فأشبه ما لو كانت مع غلامه٥".
وقال برهان الدين المرغيناني: "والسلب ما على المقتول من ثيابه وسلاحه ومركبه، وكذا ما كان على مركبه من السرج والآلة، وكذا ما معه على الدابة من ماله في حقيبته أو على وسطه، وما عدا ذلك فليس بسلب٦".
وقال الدسوقي: "والسلب هو ما اعتيد وجوده مع المقتول حال الحرب كدابته المركوبة له أو الممسوكة بيده أو يد غلامه للقتال وسرجه ودرعه وسلاحه ومنطقته
_________________
(١) ١ الهيمان: "بكسر شداد السراويل ووعاء الدراهم". (القاموس المحيط ٤/٤٠٤) . ٢ التجفاف: "آلة للحرب يلبسه الفرس والإنسان ليقيه في الحرب". (القاموس المحيط ٣/١٢٤) . ٣ هو عمر بن الحسين أبو القاسم الخرقي تقدم في حديث (٢٦٢) . ٤ الخلال: "هو أحمد بن محمد بن هارون، أبو بكر المعروف بالخلال له التصانيف الدائرة، والكتب السائرة، من ذلك الجامع في الفقه الحنبلي والعلل والسنة والطبقات وغير ذلك، مات سنة ٣١١هـ". (طبقات الحنابلة للقاضي أبي يعلى ٢/١٢-١٥ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/٧٨٥-٧٨٦) . ٥ المغني لابن قدامة ٨/٣٩٤و٣٩٥-٣٩٦ والأم للشافعي ٤/٦٧". ٦ الهداية ٢/١٤٩".
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وما فيها من حلي وثيابه التي عليه". لا سوار وصليب وعين ذهب أو فضة ودابة غير مركوبة ولا ممسوكة للقتال بل جنيب أمامه بيد غلامه للافتخار فلا يكون للقتال لأنها من غير المعتاد، وله المعتاد١".
وقال ابن حزم: "والسلب: "فرس المقتول وسرجه، ولجامه، وكل ما عليه من لباس، وحلية، ومهاميز٢، وكل ما معه من سلاح، وكل ما معه من مال في نطاقه أو في يده، أو كيفما كان معه٣".
وبعد عرض مذاهب العلماء فيما هو المراد بالسلب، فإن الظاهر في هذا هو ما ذهب إليه ابن حزم رحمه الله تعالى، لأن الأحاديث الواردة في ذلك عامة ولم تخصص شيئا دون شيء، ففي حديث أبي قتادة "من قتل قتيلا له عليه بينة فله سلبه".
وفي حديث سلمة بن الأكوع "من قتل الرجل قالوا: "سلمة بن الأكوع، فقال رسول الله ﷺ "له سلبه أجمع".
وفي لفظ: "فنفلني رسول الله ﷺ سلبه".
وفي حديث أنس بن مالك: "أن أبا طلحة قتل عشرين رجلا يوم حنين وأخذ أسلابهم".
وهذه النصوص عامة كما ترى".
وفي حديث البراء بن مالك: "أنه بارز مرزبان الزارة بالبحرين، فطعنه فدق صلبه وأخذ سواريه وسلبه" الحديث".
وفيه أن عمر بن الخطاب خمسه وكان قد بلغ ثلاثين ألفا دفع بقيته إلى البراء٤".
وفي حديث عوف بن مالك الأشجعي في قصته قتل المددي لرجل من الروم
_________________
(١) ١ حاشية الدسوقي ٢/١٩١". ٢ المهاميز: "عصى، واحدتها مهمزة وهي عصا في رأسها حديدة ينخس بها الحمار، والمهمزة أيضا: "المقرعة". (لسان العرب ٧/٢٩٢، والقاموس المحيط ٢/١٩٦) . ٣ المحلى لابن حزم ٧/٥٤٦". ٤ تقدم الحديث برقم (٢٨٦) .
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وكان الرومي على فرس له عليه سرج مذهب وسلاح مذهب فجعل الرومي يفري بالمسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعقرب فرسه فخر وعلاه فقتله وحاز فرسه وسلاحه، فلما فتح الله ﷿ للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد فأخذ من السلب".
قال عوف فأتيته فقلت: "يا خالد أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل؟
قال: "بلى، ولكنني استكثرته" الحديث١.
المسألة الرابعة: من مسائل هذا الحكم من هو المقتول الذي يستحق قاتله أخذ سلبه.
قال ابن قدامة: "الفصل الرابع: "أنه إنما يستحق السلب بشروط:
أحدها: "أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتلهم فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا أو ضعيف مهينا ونحوهم ممن لا يقاتل لم يستحق سلبه لا نعلم فيه خلافا، وإن كان أحد هؤلاء يقاتل استحق قاتله سلبه لأنه يجوز قتله، ومن قتل أسيرا له أو لغيره لم يستحق سلبه لذلك".
الثاني: "أن يكون المقتول فيه منفعة غير مثخن بالجراح، فإن كان مثخن بالجراح فليس لقاتله شيء من سلبه..".وإن قطع يدي رجل ورجليه وقتله آخر فالسلب للقاطع دون القاتل لأن القاطع هو الذي كفى المسلمين شره".
الثالث: "أن يقتله أو يثخنه بجراح تجعله في حكم المقتول ٢".
وقال القرطبي: "قال أبو العباس٣ بن سريج من أصحاب الشافعي ليس الحديث "من قتل قتيلا فله سلبه" على عمومه لإجماع العلماء على أن من قتل أسيرا أو امرأة أو شيخا أنه ليس له سلب واحد منهم".
_________________
(١) ١ تقدم الحديث برقم (٢٨٣) . وانظر ص ٦٥٣-٦٥٥".) . ٢ المغني ٨/٣٨٩-٣٩٠ وقد اشترط بعض العلماء أن يكون القتل في مبارزة وأن يكون المقتول مقبلا غير مدبر، وقد تقدم في حاشية ص ٦٤٥ قول الشنقيطي: "أن الحق في هذا انه لا يشترط شيء من ذلك". ٣ هو الإمام العلامة شيخ الإسلام القاضي أبوالعباس أحمد بن عمر بن سريج البغدادي قدوة الشافعية، (مات سنة ٣٠٣هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي٣/٨١١-٨١٣) .
[ ٢ / ٦٧٤ ]
وكذلك من ذفف على جريح، ومن قتل من قطعت يداه ورجلاه١.إهـ.
وقال الأمين الشنقيطي: "ولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذي يجوز قتالهم، فأما إن قتل امرأة أو صبيا أو شيخا فانيا، أو ضعيفا مهينا، أو مثخنا بالجراح لم تبقى فيه منفعة، فليس له سلبه".
ثم قال: "ولا خلاف بين العلماء: "في أن من قتل صبيا أو امرأة أو شيخا فانيا لا يستحق سلبهم، إلا قولًا ضَعِيفًا جدا يروى عن أبي ثور، وابن المنذر، في استحقاق سلب المرأة، ثم قال: "والدليل على أن من قتل مثخن بالجراح لا يستحق سلبه، أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر وحز رأسه٢، وقد قضى النبي ﷺ بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئا ثم قال: "وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن ابن مسعود "أن رسول الله ﷺ نفله سيف أبي جهل يوم بدر" ٣؛ لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة ولم يسمع منه".
وكذلك المقدم للقتل صبرا لا يستحق قاتله سلبه، لأن النبي ﷺ أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرا يوم بدر، ولم يعطي من قتلهما شيئا من سلبهما".
واختلفوا فيمن أسر أسيرا: "هل يستحق سلبه إلحاقا للأسر بالقتل أو لا؟
والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل فيجب استصحاب عموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾، [سورة الأنفال، من الآية: ٤١]، الآية.
حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النبي ﷺ والمسلمون، أسارى بدر، وقتل بعضهم صبرا كما ذكرنا، ولم يعطي أحد من الذين أسروهم شيئا من أسلابهم، ولا من فدائهم بل جعل فداءهم غنيمة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/٥-٦". ٢ انظر: "الحديث في سيرة ابن هشام ١/٦٣٣". ٣ انظر: "الحديث سنن أبي داود ٢/٦٦ كتاب الجهاد، باب من أجاز على جريح مثخن ينفل من سلبه، ومسند أحمد١/٤٤٤، قال المنذري: "أبو عبيدة لم يسمع من أبيه (عون المعبود٧/٣٩٣) وقال ابن حجر في التقريب٢/٤٤٨أبو عبيدة بن عبد الله ابن مسعود، مشهور بكنيته والأشهر أن لا اسم له غيرها ويقال اسمه عامر، كوفي ثقة، من كبار الثالثة، والراجح أنه لا يصح سماعه من أبيه (ت بعد سنة٨٠) ./ عم".
[ ٢ / ٦٧٥ ]
أما إذا قاتلت المرأة أو الصبي المسلمين: "فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه، لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم "من قتل قتيلا فله سلبه" الحديث، وبهذا جزم غير واحد". والعلم عند الله تعالى ١ إهـ.
وأقول: "اختلف العلماء في مسائل هذا الحكم كعادتهم في كثير من المسائل الفقهية والناظر في مسائل هذا الحكم بالذات يجد أن مسائله متداخلة غير متميز بعضها عن بعض، حتى يكاد الطالب يقف أمامها واجما لا يستطيع أن يخرج بنتيجة مرضية لتشابكها وتداخلها.
وقد حاولت إبراز بعض هذه الجوانب وترتيبها ترتيبا متناسبا وذلك بجعل كل مسألة على حدى مع ذكر القائلين بها والمخالفين لها ثم إيراد دليل كل قول مع مناقشة الأدلة، حتى تكون مسائل هذا الحكم قريبة التناول سهلة المأخذ.
وقد ظهر لي من خلال ذلك أن الظاهر في هذا القول باستحقاق القاتل سلب قتيله، سواء قال الإمام من قتل قتيلا فله سلبه أم لم يقل ذلك، وأن السلب هو كل ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح وحلية ودابة وغير ذلك، وأن هذا السلب للقاتل قل أو كثر بدون تخميس، وأنه من أصل الغنيمة".
وسواء أكان القتل مبارزة أم غير مبارزة، مقبلا أو مدبرا بشرط أن يقيم بنية على أنه قتله أو أثخنه بالجراح حتى جعله في حكم المقتول".
وهذا هو الذي تؤيده الأدلة الواردة في هذا الحكم". والله أعلم".
_________________
(١) ١أضواء البيان ٢/٣٨٩-٣٩٠".
[ ٢ / ٦٧٦ ]
الحكم الرابع عشر: في بيان تحريم الغلول في الغنيمة
الغلول: "هو اعتداء بعض أفراد الجيش على أموال الغنيمة قبل قسمها وهو من كبائر الذنوب، ولا يقدم عليه إلا ضعيف الإيمان ضعيف النفس يحمله جشعه وسوء طبعه على هذه الخيانة العظيمة لإخوانه المجاهدين معه في سبيل الله ولعظيم خطر الغلول جاءت النصوص في الكتاب والسنة تحذر من الوقوع فيه وتبين أنه ذنب عظيم وجريمة أخلاقية فظيعة، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ﴾ [سورة آل عمران، الآية: ١٦١] .
قال الشوكاني: "قوله: ﴿يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ أي يأت به حاملا له على ظهره كما صح عن النبي ﷺ فيفضحه بين الخلائق، وهذه الجملة تتضمن تأكيد تحريم الغلول والتنفير منه بأنه ذنب يختص فاعله بعقوبة على رؤوس الأشهاد يطلع عليها أهل المحشر، وهي مجيئه يوم القيامة بما غله حاملا له قبل أن يحاسب عليه ويعاقب عليه".
وقوله: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾، [سورة البقرة، من الآية: ٢٨١]، أي تعطى جزاء ما كسبت وافيا من خير وشر، وهذه الآية تعم كل من كسب خيرًا أو شرًا، ويدخل تحتها الغال دخولًا أوليا لكون السياق فيه١".إهـ".
٢٨٧- وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: "قام فينا رسول الله ﷺ ذات
_________________
(١) ١ فتح القدير ١/٣٩٤".
[ ٢ / ٦٧٧ ]
يوم فذكر الغلول١ فعظمه وعظم أمره٢ ثم قال: "لا ألفين٣ أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته بعير له رغاء٤، يقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئًا٥ قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته فرس له حمحمة٦، فيقول يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته شاة لها ثغاء٧، يقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة، على رقبته نفس لها صياح٨، فيقول يا رسول الله! أغثني، فأقول: "لا أملك شيئا قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة على رقبته رقاع٩ تخفق١٠، فيقول: "يا رسول الله! أغثني، فأقول: "لا أملك شيئا، قد أبلغتك، لا ألفين أحدكم يجيء يوم القيامة
_________________
(١) ١ الغلول: "بضم المعجمة واللام، الخيانة في المغنم". قال ابن قتيبة: "سمي بذلك لأن آخذه يغله في متاعه، أي يخفيه فيه". وقال أبو عبيد: "الغلول من المغنم خاصة، ولا نراه من الخيانة ولا من الحقد، ومما يبين ذلك أنه يقال من الخيانة: "أغل يغل، ومن الحقد: "غل يغل بالكسر، ومن الغلول غل يغل بالضم". (لسان العرب لابن منظرو١٤/١٣،وفتح الباري لابن حجر٦/١٨٥) . «٢قوله: "ذكر الغلول فعظمه وعظم أمره"، قال النووي: "هذا تصريح بغلظ تحريم الغلول، وأصل الغلول: "الخيانة مطلقًا، ثم غلب اختصاصه في الاستعمال بالخيانة في الغنيمة قال نفطويه: "سمي بذلك؛ لأن الأيدي مغلولة عنه، أي محبوسة، يقال: "غل غلولًا، وأغل إغلالًا". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٩٥) . ٣ قوله ﷺ: "لا ألفين أحدكم إلخ"، (ألفين) بضم الهمزة وبالفاء المكسورة أي لا أجدن أحدكم على هذه الصفة، ومعناه لا تعمل عملا أجدكم بسببه على هذه الصفة". قال عياض: "وفي رواية العذري "لا ألفين" بفتح الهمزة والقاف وله وجه كنحو ما سبق لكن المشهور الأوّل". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٩٥) . ٤رغاء: "الرغاء صوت الإبل". (النهاية لابن الأثير ٢/٢٤٠) . ٥ قوله ﷺ: "لا أملك لك شيئا"، قال النووي: "قال القاضي: "معناه من المغفرة والشفاعة إلا بإذن الله تعالى، قال: "ويكون ذلك أولًا غضبًا عليهم لمخالفته ثم يشفع في جميع الموحدين بعد ذلك، كما سبق في كتاب الإيمان في شفاعات النبي ﷺ". (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٩٥) . ٦ حمحمة: "هو صوت الفرس دون الصهيل". (ثغاء) هو صوت الغنم". «٨ (صياح): "هو صوت الإنسان". (رقاع) جمع رقعة والمراد بها هنا الثياب". ١٠ (تخفق): "تضطرب".
[ ٢ / ٦٧٨ ]
على رقبته صامت١، فيقول: "يا رسول الله! أغثني فأقول: "لا أملك لك شيئا قد أبلغتك" ٢".
٢٨٨- وفي حديث عبد الله بن عمرو بن العاص - ﵄ - قال: "كان على ثقل٣ النبي ﷺ رجل يقال له كركرة٤، فمات، فقال رسول الله ﷺ: "هو في النار"٥. فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلها ٦ ".
والأحاديث الوردة في النهي عن الغلول وعقوبة فاعله كثيرة جدًا، وحسبنا في ذلك أن نقتصر على الأحاديث الواردة في غزوتنا هذه، وهي حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده الحديث طويل وفيه: "
ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايا حنين إلى أهلها ركب، واتبعه الناس يقولون: "يا رسول الله أقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم حتى ألجئوه إلى شجرة فاختطفت رداءه، فقال: "أدو علي ردائي أيها الناس، فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابًا ثم قام إلى جنب بعير، فأخذ وبرة٧ من سنامه فجعلها بين أصبعيه، ثم رفعها، ثم قال:
_________________
(١) ١الصامت: "الصامت من المال: "الذهب والفضة". (انظر: "النهاية في غريب الحديث ١/٢١٤-٤٣٦ و٢/٢٥١و٣/٥٢) . ٢ البخاري: "الصحيح ٤/٥٩ كتاب الجهاد باب الغلول". ومسلم: "الصحيح ٣/١٤٦١ كتاب الإمارة، باب غلظ تحريم الغلول والرفض له". «٣ثقل: "بمثلثة وقاف مفتوحتين: "العيال وما يثقل حمله من الأمتعة". (فتح الباري ٦/١٨٧ والمصباح المنير ١/١٠٢-١٠٣) . ٤ كركرة: "ذكر القاضي عياض أنه يقال: "بفتح الكافين وبكسرهما". ونقل البخاري: "الخلاف في كافه هل هي بالفتح أو بالكسر". وقال النووي: "إنما اختلفوا في كافه الأولى، وأما الثانية فمكسورة اتفاقا". وكركرة هذا هو: "مولى رسول الله ﷺ كان نوبيا أهداه له هوذة بن علي الحنفي، صاحب اليمامة، فاعتقه وذكر البلاذري: "انه مات في الرق قال ابن مندة: "له صحبة ولا تعرف له رواية، وقال الواقدي: "كان يمسك دابة النبي ﷺ عند القتال يوم خيبر". (مشارق الأنوار للقاضي عياض ١/٣٥٢ وفتح الباري ٦/١٨٧-١٨٨ والإصابة ٣/٢٩٣، ومغازي الواقدي ٢/٦٨١ والمغني لابن طاهر الهندي ص ٦٦) . «٥قوله: "هو في النار"، أي: "يعذب على معصيته أو المراد هو في النار إن لم يعف الله عنه". (فتح الباري ٦/١٨٨) . ٦ البخاري: "الصحيح ٤/٥٩ كتاب الجهاد، باب القليل من الغلول". ٧ والوبر: "محركة صوف الإبل والأرانب ونحوها وجمعه أوبار". (القاموس المحيط ٢/١٥١ والمصباح المنير ٢/٧٩٩) . وعند مالك: "ثم تناول من الأرض وبرة من بعير أو شيئا" وعند عبد الرزاق: "ثم رفع شعرات أو وبرة من بعيره"، وعند بن أبي شيبة: "ثم تناول شعرة من بعير"، وعند أحمد وأبي داود: "ثم دنا من بعير فأخذ وبرة من سنامه فجعلها بين أصابعه السبابة والوسطى ثم رفعها" وعند البيهقي "ثم أخذ وبرة من وبر سنام البعير فرفعها".
[ ٢ / ٦٧٩ ]
"أيها الناس، والله ما لي من فيئكم ولا هذه الوبرة١ إلا الخمس٢، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخياط٣ والمخيط، فإن الغلول يكون على أهله عارًا٤ ونارًا وشنارًا يوم القيامة، قال: "فجاء رجل من الأنصار بكبة٥ من خيوط شعر، فقال: "يا رسول الله، أخذت هذه الكبة أعمل بها برذعة٦ بعير لي دبر٧، فقال أما نصيْبِي ٨ منها فلك،
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "يا أيها الناس ليس لي من هذا الفيء هؤلاء هذه إلا الخمس"، وعند مالك وعبد الرزاق والطبراني والبيهقي: "ما لي مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه إلا الخمس"، وعند النسائي: "إنه ليس لي من الفيء شيء ولا هذه إلا الخمس". ٢ الخمس: "بضم الميم وسكونها، وقد ضبط بالرفع والنصب، فالرفع على البدل، وهو الأفصح والنصب على الاستثناء، والمعنى (إلا الخمس) لي أتصرف فيه كيف أشاء أو أملكه أو أقسمه على الاختلاف في معناه". (أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٣) . وقوله: "والخمس مردود عليكم" أي والخمس المذكور مع كونه لي "مردود عليكم" أيضا أي مصروف في مصالحكم". (مصدر السابق ٨/٣٢٢) . ٣ قوله: "أدوا الخياط والمخيط". الخياط: "ككتاب الخيط لوروده في حديث عبادة بن الصامت الآتي بلفظ: "أدوا الخيط والمخيط" والمخيط: "بزنة منبر: "الإبرة، وعند عبد الرزاق وأحمد والطبراني واللبيهقي: "ردوا الخياط والمخيط". قال الخطابي: "فيه دليل على أن قليل ما يغنم وكثيره مقسوم بين من شهد الوقعة ليس لأحد أن يستبد منه بشيء وإن قل، إلا الطعام الذي قد وردت فيه الرخصة، وهذا قول الشافعي". (عون المعبود٧/٣٦٠، وانظر أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٢) . ٤ قوله: "عارا ونارا وشنارا يوم القيامة" أي: "يلزم منه شين وسبة في الدنيا، (ونار) جهنم يوم القيامة". (وشنارا) بفتح الشين المعجمة والنون الخفيفة فألف فراء، أي أقبح العيب والعار، قال ابن عبد البر: "الشنار لفظة جامعة لمعنى النار والعار، ومعناها الشين والنار، يوم القيامة، وقال أبو عبيدة: "الشنار العيب والعار (يوم القيامة) يريد أن الغلول شين وعار ومنقصة في الدنيا وعذاب ونار في الآخرة". (أوجز المسالك إلى موطأ مالك٨/٣٢٣ والنهاية لابن الأثير ٢/٥٠٤ والمنتقى للباجي ٣/١٩٩-٢٠٠) . ٥ الكبة: "بضم الكاف وتشديد الموحدة، أي قطعة مكبكبة من غزل شعر". (لسان العرب ٢/١٩٠ وعون المعبود ٧/٣٦٠) . ٦ برذعة: البرذعة الحلس الذي يلقى تحت الرحل، والجمع البراذع، وخص بعضهم به الحمار، وهي بالدال والذال، وفي القاموس: "وإهمال داله أكثر". (لسان العرب ٩/٣٥٥، والقاموس المحيط ٣-٤) . ٧ دبر: "بالتحريك: "الجرح الذي يكون في ظهر البعير، يقال: دبر يدبر دبرا". (النهاية في غريب الحديث ٢/٩٧ والقاموس المحيط ١/٢٦) . ٨ وعند أبي داود والنسائي وأحمد "أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لك"، وعند ابن الجارود "أما ما كان لي فهو لك".
[ ٢ / ٦٨٠ ]
قال: أما إذا بلغت١ هذا فلا حاجة لي بها ثم طرحها من يده"٢.
حديث عبادة بن الصامت - ﵁ -، وقد ورد من أربع طرق:
أ- من طريق يعلى بن شداد عن عبادة عند ابن ماجة والفسوي وهذا سياقه عند ابن ماجة قال: "
٢٨٩- حدّثنا عليّ٣ بن مُحمّد ثناأبو أسامة٤ عن أبي سنان عيسى بن سنان عن يعلى٥ بن شداد، عن عبادة بن الصامت قال: "صلى بنا رسول الله ﷺ يوم حنين، إلى جنب بعير من المقاسم، ثم تناول شيئا من البعير، فأخذ منه قردة٦ - يعني وبرة - فجعل بين أصبعيه ثم قال: "يا أيها الناس إن هذا من غنائمكم، أدوا الخيط والمخيط، فما فوق ذلك، فما دون ذلك، فإن الغلول عار على أهله يوم القيامة وشنار ونار "٧.
والحديث من زوائد ابن ماجة.
_________________
(١) ١ وعند أبي داود والنسائي وأحمد "أما إذا بلغت ما أرى فلا إرب لي فيها ونبذها". ٢ الحديث سياقه لابن إسحاق وقد تقدم برقم (١٣٠) وتحت رقم (١٨٠) . وعند الواقدي: "وأمر رسول الله ﷺ بالغنائم تجمع، ونادى مناديه: "من كان يؤمن بالله وباليوم الآخر، فلا يغل،! وجعل الناس غنائمهم في موضع حتى استعمل رسول الله ﷺ عليها،وكان عقيل بن أبي طالب دخل على زوجته وسيفه متلطخ دما، فقالت: إني قد علمت أنك قد قاتلت المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟ قال: "هذه الإبرة تخيطين بها فدفعها إليها، وفيه فسمع منادي رسول الله ﷺ يقول: "من أصاب شيئا من المغنم فليرده فرجع عقيل فقال: "والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت فألقاها في الغنائم". (مغازي الواقدي٣/٩١٧-٩١٨وشرح المواهب للزرقاني٣/٣٦) . ٣ علي بن محمد بن إسحاق الطنافسي - بفتح المهملة وتخفيف النون وبعد الألف فاء ثم مهملة - ثقة عابد، من العاشرة (ت ٢٣٣ وقيل ٢٣٥) . /عس ق". (التقريب ٢/٤٣ وتهذيب التهذيب ٧/٣٧٨) . ٤ هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، الكوفي، أبو أسامة مشهور بكنيته ثقة ثبت، ربما دلس، من كبار التاسعة (ت ٢٠١) . / ع". (التقريب ١/١٩٥ وتهذيب التهذيب ٣/٢-٣) . ٥ يعلى بن شداد بن أوس الأنصاري، أبو ثابت المدني، صدوق، نزيل الشام، من الثالثة". /د ق". (المصدر السابق ٢/٣٧٨، و١١/٤٠٢) . ٦ القرد: "محركة ما تمعط من الوبر والصوف أو نفايته والسعف سل خوصها، واحدته بهاء، هو أردأ ما يكون من الوبر والصوف". (النهاية لابن الأثير ٤/٣٧ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ١/٣٢٦) . ٧ ابن ماجه: "السنن ٢/٩٥٠ كتاب الجهاد، باب الغلول". والفسوي المعرفة والتاريخ ٢/٣٦٠-٣٦١".
[ ٢ / ٦٨١ ]
قال البوصيري: "في إسناده عيسى١ بن سنان، اختلف فيه كلام ابن معين قال: "لين لحديث وليس بالقوي، وقيل: "ضعيف، وقيل: "لا بأس به، وذكره ابن حبان في الثقات، وباقي رجال الإسناد ثقات".إهـ.
ولكن الحديث له طرق أخرى عن عبادة يتقوى بها وهي:
ب- طريق أبي أمامة الباهلي عن عبادة عند أحمد وغيره وهذا سياق أحمد قال: "حدثنا معاوية٢ بن عمرو ثنا أبو إسحاق٣ - يعني الفزاري - عن عبد الرحمن٤ ابن الحارث بن عياش عن سليمان٥ بن موسى عن مكحول٦ عن أبي سلام٧ عن أبي أمامة٨ الباهلي، عن عبادة ابن الصامت ﵁ عن النبي ﷺ قال: "أدوا الخيط والمخيط وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة".
_________________
(١) ١ هو أبو سنان القسملي - بفتح القاف وسكون المهملة، وفتح الميم وتخفيف اللام - الفلسطيني نزيل البصرة". قال عنه ابن حجر في التقريب: " (لين الحديث) ./بخ قد ت ق". (التقريب ٢/٩٨ وتهذيب التهذيب ٨/٢١١-٢١٢ وتهذيب الكمال للمزي ٦/٥٤٠ وميزان الاعتدال ٣/٣١٢، والكاشف ٢/٣٦٧ كلاهما للذهبي، والخلاصة للخزرجي ٢/٣١٧) . ووقع في التقريب الطبعة المصرية (س) بدل (ق) وهو خطأ". ٢ معاوية بن عمرو بن المهلب الأزدي، المعنى - بفتح الميم وسكون المهملة وكسر النون- أبو عمرو البغدادي، ويعرف بابن الكرماني، ثقة من صغار التاسعة (ت٢١٤) على الصحيح"./ ع". (التقريب ٢/٢٤٠وتهذيب التهذيب ١٠/٢١٥ وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٣/١٩٧ والخلاصة للخزرجي ٣/٤١) . ووقع عند ابن كثير في التفسير ٢/٢٨٣ في هذا الإسناد عن أحمد حدثنا (أبو معاوية بن عمر) بدل (معاوية بن عمرو) ولعله خطأ". ٣ أبو إسحاق الفزاري هو إبراهيم بن محمد، ثقة حافظ، تقدم في حديث (١٣٥) . ٤صدوق له أوهام، تقدم في حديث (٢٦٧) . ووقع في إرواء الغليل ٥/٧٤ للألباني (عبد الرحمن بن عباس) بالسين المهملة والباء الموحدة، وهو خطأ". ٥ سليمان بن موسى الأموي، مولاهم الدمشقي الأشدق، صدوق فقيه، في حديثه بعض لين وخلط قبل موته بقليل، من الخامسة". /م عم". (التقريب ١/٣٣١ وتهذيب التهذيب ٤/٢٢٦) . وفي ميزان الاعتدال ٢/٢٢٥-٢٢٦ قال الذهبي: "كان سليمان مقدما على أصحاب مكحول، ثم ذكر له بعض الأحاديث التي انتقد من أجلها، ثم قال: "قلت: "كان سليمان فقيه أهل الشام في وقته قبل الأوزاعي وهذه الغرائب التي تستنكر له، يجوز أن يكون حفظها". ٦ مكحول هو أبو عبد الله الشامي، ثقة فقيه كثير الإرسال تقدم في حديث (١٣٦) .وسقط من أحد أسانيد أحمد ٥/٣٢٣ وكذا عند ابن كثير في التفسير ٢/٢٨٣". ٧ أبو سلام هو ممطور الأسود، ثقة يرسل، تقدم في حديث (٥٠) ووقع عند ابن كثير في التفسير ٢/٢٨٣ (أبي سلامة) وهو خطأ". ٨ أبو أمامة الباهلي تقدم في حديث (١٥٢) . هو صدى ابن عجلان صحابي مشهور".
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وفي لفظ عن عبادة قال: "أخذ النبي ﷺ وبرة من جنب بعير فقال: "أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم".
وجاء بهذا الإسناد في قصة بدر١.
وفيه: "قال عبادة: "وكان رسول الله ﷺ إذا أغار في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعًا وكلَّ الناس نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم". هكذا روى الإمام أحمد هذا الحديث عن عبادة مفرقا٢.
وكذا روى بعضه الدارمي مفرقا أيضًا٣.
وروى البيهقي منه هذا الجزء الأخير٤.
ورواه ابن حبان في صحيحه مجموعًا في سياق واحد، مشتملا على قصة بدر.
وفيه "وكان رسول الله ﷺ ينفلهم إذا خرجوا بادئين الربع، وينفلهم إذا قفلوا الثلث".
وقال: "أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير ثم قال: "يا أيها الناس، إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا
_________________
(١) ١ وسياق الحديث: "قال عبادة: "خرجنا مع النبي ﷺ فشهدت معه بدرا فالتقى الناس فهزم الله ﵎ العدو، فانطلقت طائفة في آثارهم يهزمون ويقتلون، فأكبت طائفة على العسكر يحوزونه ويجمعونه، وأحدقت طائفة برسول الله ﷺ لا يصيب العدو منه غرة، حتى إذا كان الليل وفاء الناس بعضهم إلى بعض قال الذين جمعوا الغنائم نحن حويناها وجمعناها فليس لأحد فيها نصيب، وقال الذين خرجوا في طلب العدو: "لستم بأحق بها منّا نحن نفينا عنها العدو وهزمناهم، وقال الذين أحدقوا برسول الله ﷺ: "لستم بأحق بها منّا نحن أحدقنا برسول الله ﷺ، وخفنا أن يصيب العدو منه غرة، واشتغلنا به، فنَزلت: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [سورة الأنفال الآية: "١]، فقسمها رسول اله ﷺ على فواق بين المسلمين، قال وكان رسول الله ﷺ إذا أغار الخ". وروى الحاكم هذا القدر من الحديث من هذا الطريق وقال: "صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". (مسند أحمد ٥/٣٢٣-٣٢٤ ومستدرك الحاكم ٢/١٣٥-١٣٦".) . ٢ المسند ٥/٣١٨-٣١٩-٣٢٣-٣٢٤) . ٣ سنن الدارمي ٢/١٤٧-١٤٨) . كتاب السير، باب ما جاء في أن ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة الثلث، وباب في كراهية الأنفال، وباب ما جاء أنه قال: "أدو الخيط والمخيط". ٤ السنن الكبرى ٦/٣١٥".
[ ٢ / ٦٨٣ ]
الخيط والمخيط، وإياكم والغلول فإنه عار على أهله يوم القيامة، وعليكم بالجهاد في سبيل الله فإنه من أبواب الجنة يذهب الله به الهم والغم، قال: "وكان رسول الله ﷺ يكره الأنفال ويقول: "ليرد قوي١ المؤمنين على ضعيفهم" ٢.
ورواه الطحاوي والحاكم كلاهما من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى الأشدق به، دون قصة بدر٣".
ورواه النسائي والبيهقي كلاهما من طريق عبد الرحمن بن الحارث عن سليمان بن موسى به قوله: "أخذ رسول الله ﷺ يوم حنين وبرة من جنب بعير فقال: "يا أيها الناس إنه لا يحل لي مما أفاء الله عليكم قدر هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم" ٤".
جـ طريق ابن أبي مريم عن أبي سلام عن المقدام بن معد يكرب الكندي عند أحمد وهذا سياق الحديث:
_________________
(١) ١ قوله: "ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم أي لا يفضل أحد من أقوياء المؤمنين مما أفاء الله عليهم لقوته على ضعيفهم لضعفه، ويستوون في ذلك". شرح معاني الآثار ٣/٢٤١) . ٢ موارد الظمآن ص ٤١٠، رواه من طريق إسماعيل بن جعفر حدثني محمد بن الحارث بن عياش بن أبي ربيعة عن سليمان بن موسى به، والظاهر أن قوله (محمد ابن الحارث) الخ خطأ مطبعي وذلك لما يأتي: أولًا: "أن جميع طرق هذا الحديث عن عبد الرحمن بن الحارث بن عبد الله بن عياش بن أبي ربيعة عن سليمان بن موسى". ثانيًا: "لم أجد ترجمة (محمد هذا) ولم يذكر في تلاميذ سليمان بن موسى، وإنما المعروف بالرواية لهذا الحديث عن سليمان هو عبد الرحمن بن الحارث". ثالثًا: "أورد ابن كثير هذا الحديث في التفسير ٢/٢٨٣-٢٨٤ منسوبا لأحمد بن حنبل ثم قال: "ورواه ابن حبان في صحيحه والحاكم في مستدركه من حديث عبد الرحمن ابن الحارث، وقال الحاكم: "صحيح الإسناد ولم يخرجاه". (المستدرك ٢/١٣٥-١٣٦- و٣/٤٩) . فظهر من هذا أن ذكر محمد بن الحارث خطأ، وأن الصواب (عبد الرحمن بن الحارث) . ٣ الطحاوي: "شرح معاني الآثار ٣/٢٤١ والحاكم المستدرك ٣/٤٩ ووقع في المستدرك عن أبي سلام الباهلي ﵁ صاحب رسول الله ﷺ عن عبادة بن الصامت، وصوابه: "عن أبي سلام عن أبي أمامة الباهلي صاحب رسول الله ﷺ عن عبادة بن الصامت". وقد رواه الحاكم على الصواب في المستدرك ٢/١٣٥-١٣٦". وأيضا فإن أبا سلام ليس صحابيًا ولا باهليًا". ٤ النسائي: "السنن ٧/١١٩ كتاب قسم الفيء". والبيهقي: "السنن الكبرى ٦/٣٠٣ و٣١٥".
[ ٢ / ٦٨٤ ]
حدثنا أبو اليمان١ وإسحاق٢ بن عيسى قالا ثنا إسماعيل٣ بن عياش عن أبي بكر٤ بن عبد الله بن أبي مريم عن أبي سلام، قال إسحاق٥: "- الأعرج - عن المقدام٦ بن معديكرب الكندي أنه جلس مع عبادة بن الصامت وأبي الدرداء٧ والحارث٨ بن معاوية الكندي فتذاكروا حديث رسول الله ﷺ،فقال أبو الدرداء لعبادة: "يا عبادة كلمات رسول الله ﷺ في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس فقال عبادة: قال إسحاق في حديثه: "إن رسول الله ﷺ، صلى بهم في غزوهم إلى بعير من المقسم، فلما سلم قام رسول الله ﷺ فتناول وبرة بين أنملته٩ فقال: إن هذه من غنائمكم وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم، إلا الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأكبر من ذلك وأصغر ولا تغلوا فإن الغلول نار وعار على أصحابه في الدنيا والآخرة" ١٠ الحديث.
قال الألباني في إرواء الغليل: "هذا إسناد جيد في المتابعات أبو سلام الأعرج هو ممطور الحبشي الدمشقي وهو ثقة من رجال مسلم، وابن أبي مريم ضعيف
_________________
(١) ١ هو: "الحكم بن نافع البهراني- بفتح الموحدة وسكون الهاء - أبو اليمان الحمصي، مشهور بكنيته، ثقة ثبت، من العاشرة، (ت٢٢٢) ./ع". (التقريب ١/١٩٣ وتهذيب التهذيب٢/٤٤١) . ٢ إسحاق بن عيسى بن نجيح البغدادي، أبو يعقوب بن الطباع سكن أذنة، صدوق من التاسعة (ت١١٤) وقيل بعدها بسنة"./م ت س ق". (المصدر السابق ١/٦٠ و١/٢٤٥) . ٣ إسماعيل بن عياش بن سليم العنسي _بفتح العين وسكون النون_أبو عتبة الحمصي، صدوق في روايته عن أهل بلده، مخلط في غيرهم، من الثامنة (ت١٨١أو١٨٢) . /ي عم". (المصدر السابق ١/٧٣ و١/٣٢١-٣٢٦، وروايته هنا عن أهل بلده) . ٤ هو الغسائي الشامي، وقد ينسب إلى جده، ضعيف، وكان قد سرق بيته فاختلط، من السابعة (ت١٥٦) ./د ت ق". (المصدر السابق ٢/٣٩٨و١٢/٢٨-٣٠) . ٥ أي: "قال إسحاق بن عيسى أن أبا سلام هو الأعرج". ٦ المقدام بن معد يكرب بن عمرو الكندي، صحابي مشهور نزل الشام (ت٨٧) على الصحيح". /خ عم". (المصدر السابق ٢/٢٧٢ و١٠/٢٨٧) . ٧ أبو الدرداء: "هو عويمر بن عامر الأنصاري الخزرجي صحابي جليل". ٨ الحارث بن معاوية: "اختلف في صحبته ورجح ابن حجر أنه مخضرم أدرك زمن النبي ﷺ، ووفد في خلافة عمر بن الخطاب". (الإصابة ١/٢٩٠-٢٩١ وتعجيل المنفعة ص٥٦) . «٩الأنملة: "بفتح الهمزة: "المفصل الأعلى الذي فيه الظفر من الأصبع والجمع أنامل وأنملات وهي رؤوس الأصابع". (لسان العرب ١٤/٢٠٣) . ١٠ أحمد: "المسند ٥/٣١٦ و٣٢٦ و٣٣٠ وتمام الحديث: "وجاهدوا الناس في الله ﵎، القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم وأقيموا الحدود في الحضر والسفر، وجاهدوا في سبيل الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم، ينجي الله - ﵎ - به من الغم والهم".
[ ٢ / ٦٨٥ ]
لاختلاطه، لكن تابعه أبو يزيد غيلان، أخرجه الدولابي في "الكنى"١ ثم قال: وأبو يزيد مقبول كما في "التقريب"٢ وساق سند الدولابي٣ في سلسلة الأحاديث الصحيحة، ثم قال: "وقع في إسناده في الأصل: "بياض بين كعب ومعد، ولعل الصواب: "المقدام بن معديكرب فقد أورد الحديث الحافظ في الإصابة وقال: "قال أبو نعيم: "رواه أبو سلام عن المقدام الكندي فقال: "الحارث بن معاوية الكندي".
والمقدام الكندي هو ابن معد يكرب وهو صحابي مشهور".
ثم ذكر الخلاف في صحبة الحارث وأشار إلى ترجيح ابن حجر بأنه مخضرم".
ثم قال: "وغيلان هو ابن أنس قال في "التقريب" مقبول"٤".
وبقية الرجال ثقات غير منصور الخولاني، فلم أجد له ترجمة٥".اهـ".
قلت: "وهذا الحديث المشارإليه عند الدولابي أَخْرَجَهُ أيضًا الفسوي ومن طريقه أخرجه البيهقي وهذا سياقه عند الفسوي قال: حدثني منصور عن أبي يزيد غيلان مولى كنانة عن أبي سلام الحبشي عن المقدام بن معد كرب عن الحارث بن معاوية قال: حدثنا عبادة بن الصامت وعنده أبو الدرداء أن نبي الله ﷺ صلى إلى بعير من المقاسم، فلما فرغ من صلاته أخذ منه قردة بين أصبعيه- وهي وبرة- فقال: "ألا إن هذا من غنائمكم وليس لي منه إلا الخمس والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط وأصغر من ذلك وأكبر فإن الغلول عار على أهله في الدنيا والآخرة" الحديث٦.
د- طريق ربيعة بن ناجد عن عبادة عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وهذا سياقه:
_________________
(١) ١ انظر: كتاب الكنى ٢/١٦٣ وإسناده: "أخبرني أحمد بن شعيب عن محمد بن وهب قال حدثنا محمد بن سلامة قال حدثني أبو عبد الرحيم قال: حدثني منصور الخولاني عن أبي يزيد غيلان الخ وفي إسناده البياض الذي ذكر الألباني". ٢ انظر: "التقريب ٢/١٠٦ ٣ الدولابي: "هو أبو بشر محمد بن أحمد بن حماد الأنصاري الرازي الوراق صاحب التصانيف الحافظ (٣٢٤/٣١٠) . (الذهبي: "تذكرة الحفاظ ٢/٧٥٩ ومعجم المؤلفين لكحالة ٨/٢٥٥) . ٤ انظر التقريب ٢/١٠٦". ٥ إرواء الغليل ٥/١١٤-١١٥ وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧١٦-٨١٧ رقم (٩٨٥) . ٦ الفسوي: المعرفة والتاريخ٢/٣٥٩-٣٦٠،والبيهقي: السنن الكبرى٩/١٠٣-١٠٤".
[ ٢ / ٦٨٦ ]
حدثني عبد الله ١ بن سالم الكوفي المفلوج، كان ثقة ثنا عبيدة ٢ ابن الأسود عن القاسم٣ بن الوليد عن أبي صادق٤ عن ربيعة٥ بن ناجد عن عبادة بن الصامت أن النبي ﷺ كان يأخذ الوبرة من جنب البعير من المغنم، فيقول: "مالي فيه إلا مثل ما لأحدكم منه، وإياكم والغلول، فإن الغلول خزي على صاحبه يوم القيامة أدو الخيط والمخيط وما فوق ذلك، وجاهدوا في سبيل الله تعالى القريب والبعيد " الحديث٦.
والخلاصة أن الحديث ورد من أربع طرق:
الأولى: "طريق يعلى بن شداد عند ابن ماجة والفسوي، وفيها (عيسى بن سنان) وهو ضعيف كما تقدم٧".
الثانية: "طريق أبي أمامة الباهلي عن عبادة عند أحمد وغيره وقد حسنها الزرقاني٨".
وقال الألباني عن هذا الحديث في صحيح الجامع: "صحيح" وفي سلسلة الأحاديث الصحيحة، قال: "إسناده حسن رجاله كلهم ثقات، وفي عبد الرحمن بن الحارث وشيخه سليمان بن موسى الأشدق، كلام لا ينزل حديثهما عن رتبة الحسن، لا سيما وقد جاء الحديث من طرق".
وفي إرواء الغليل، قال: "الحديث سكت عليه الحاكم والذهبي، وإسناده
_________________
(١) ١ عبد الله بن سالم، أو ابن محمد بن سالم الزبيدي- بالضم - أبو محمد الكوفي القزاز المفلوج، ثقة، ربما خالف، من كبار الحادية عشرة (ت ٢٣٥) ./د عس ق". (التقريب ١/٤١٧ وتهذيب التهذيب ٥/٢٢٨) . ٢ عبيدة - بضم أوله- ابن الأسود بن سعيد الهمداني الكوفي، صدوق، ربما دلس، من الثامنة"./د ت ق". (المصدر السابق ١/٥٤٨ و٧/٨٦) . ٣ القاسم بن الوليد الهمداني أبو عبد الرحمن الكوفي، القاضي، صدوق يغرب، من السابعة (ت١٤١) ./ ق". (التقريب ٢/١٢١ وفي تهذيب التهذيب ٨/٣٤٠: "نقل توثيقه عن ابن معين والعجلي وابن سعد، وذكره ابن حبان في الثقات، وقال يخطئ ويخالف) . ٤ أبو صادق الأزدي الكوفي، صدوق، تقدم في حديث (١٤٠) . ٥ ربيعة بن ناجد - بالنون والجيم ثم مهملة- الأزدي الكوفي، يقال أخو أبي صادق الراوي عنه، ثقة من الثانية"./ص ق". (المصدر السابق ١/٢٤٨، و٣/٢٦٣-٢٦٤) . وعلم له في التقريب ط".المصرية (س ق) والصواب (ص ق) كما في تهذيب التهذيب والخلاصة للخزرجي". ١/٣٢٣) . ٦ مسند أحمد ٥/٣٣٠". ٧ انظر: "حديث (٢٨٩) . ٨ انظر: "أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٠".
[ ٢ / ٦٨٧ ]
حسن عندي وفي عبد الرحمن وسليمان كلام لا ينزل به حديثهما عن المرتبة التي ذكرنا"١.
قلت: "وقد روى الحاكم هذا الحديث في موضع آخر بهذا الإسناد مقتصرا فيه على ما حصل من الصحابة من الاختلاف في غنائم بدر، ثم قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه٢". ووافقه الذهبي".
الثالثة: "طريق ابن أبي مريم عند أحمد، وفيها (ابن أبي مريم) وهو ضعيف".
وقد تابعه غيلان بن أنس الكلبي أبو يزيد عند الدولابي والفسوي والبيهقي (وغيلان) قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول"٣".
وفي الإسناد أيضا منصور الخولاني ولم أجد ترجمته".
الرابعة: "طريق ربيعة بن ماجد عند عبد الله بن أحمد في زوائد المسند وإسناده حسن".
وخلاصة القول أن النهي عن الغلول في غزوة حنين ورد من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده وإسناده حسن٤".
ومن حديث عبادة بن الصامت وإسناده حسن على أقل تقدير".
وهذه الأحاديث تدل على تحريم الغلول وعلى عقوبة من يتعاطى ذلك، وأنه من الكبائر التي توبق صاحبها وتعرضه للمقت يوم القيامة".
قال النووي: "أجمع المسلمون على تغليظ تحريم الغلول، وأنه من الكبائر وأجمعوا على أن على الغال رد ما غل، فإن تفرق الجيش وتعذر إيصال حق كل واحد إليه، ففه خلاف بين العلماء، قال الشافعي وطائفة: "يجب تسليمه إلى الإمام أو الحاكم كسائر الأموال الضائعة.
_________________
(١) ١ صحيح الجامع ٦/٢٧٢ وسلسلة الأحاديث الصحيحة ٢/٧١٦-٨١٧ حديث رقم (٩٨٥) . وإرواء الغليل ٥/٧٤". ٢ المستدرك ٢/١٣٥-١٣٦". ٣ انظر: "التقريب ٢/١٠٦ ٤ وقال الألباني عنه (صحيح) . (انظر صحيح الجامع الصغير ٦/٢٧٢-٢٧٣) . وذلك لكثرة طرقه وشواهده المتعددة". وانظر حديث عمرو بن شعيب ص ٦٦٧".
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وقال ابن مسعود وابن عباس ومعاوية والحسن والزهري والأوزاعي ومالك والثوري والليث وأحمد والجمهور: "يدفع خمسه إلى الإمام ويتصدق بالباقي".
واختلفوا في صفة عقوبة الغال، فقال جمهور العلماء وأئمة الأمصار: "يعزر على حسب ما يراه الإمام ولا يحرق متاعه".
وهذا قول مالك والشافعي وأبي حنيفة ومن لا يحصى من الصحابة والتابعين ومن بعدهم".
وقال مكحول والحسن والأوزاعي١: "يحرق رحله ومتاعه كله، قال الأوزاعي: "إلا سلاحه وثيابه التي عليه، وقال الحسن: "إلا الحيوان والمصحف ٢".
٢٩٠- واحتجوا بحديث عبد الله بن عمر ﵄ في تحريق رحله٣".
_________________
(١) ١ مكحول: "هو أبو عبد الله الشامي، والحسن هو البصري، والأوزاعي هو عبد الرحمن بن عمرو". ٢ انظر أقوالهم في: "مصنف عبد الرزاق ٥/٢٤٦-٢٤٧، وهو قول إسحاق بن راهويه ورواية عن أحمد ذكر ذلك الترمذي والباجي وابن حجر". ٣ الحديث رواه أبو داود في السنن ٢/٦٣كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال، والترمذي: "في السنن ٣/١١ كتاب الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به، وأحمد: "المسند ١/٢٢، والدارمي: "السنن ٢/١٤٩ كتاب السير، باب في عقوبة الغال، والحاكم: "المستدرك ٢/١٢٧-١٢٨ ومن طريقه رواه البيهقي في السنن الكبرى ٩/١٠٢-١٠٣". الجميع من طريق صالح بن محمد بن زائدة قال: "دخلت مع مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فأتى برجل قد غل، فسأل سالما عنه فقال: "سمعت أبي يحدث عن عمر ابن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه واضربوه" قال: "فوجدنا في متاعه مصحفا فَسُئِلَ سالم عنه فقال: "بعه وتصدق بثمنه" والحديث رجح أبو داود وقفه على سالم". وقال الترمذي: "بعد إخراجه هذا حديث غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه والعمل عند بعض أهل العلم، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق". وسألت محمدًا - يعني البخاري - عن هذا الحديث فقال: "إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة وهو أبو واقد الليثي وهو منكر الحديث". قال محمد - يعني البخاري- وقد روي في غير حديث عن النبي ﷺ في الغال". ولم يأمر فيه بحرق متاعه". وأورد الذهبي وابن حجر هذا الحديث في ترجمة صالح بن محمد ثم قالا: قال البخاري: "هذا الحديث باطل ليس له أصل، وصالح هذا لا يعتمد عيه". (ميزان الاعتدال ٢/٣٠٠ وتهذيب التهذيب ٤/٤٠٢ وفي التقريب ١/٢٦٢) قال عنه "ضعيف". وقال الدارقطني أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد قال: "وهذا ضعيف لم يتابع عليه ولا أصل لهذا الحديث عن رسول الله ﷺ (عون المعبود ٧/٣٨٢) . وقد قال الحاكم عن هذا الحديث". صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وبهذا تعلم عدم صحة هذا التصحيح وهذه الموافقة من الذهبي بعد أن عرفت بعض أقوال العلماء في (صالح بن محمد) راوي هذا الحديث، ومنهم الذهبي نفسه كما في ميزان الاعتدال".
[ ٢ / ٦٨٩ ]
قال الجمهور: "وهذا حديث ضعيف لأنه مما انفرد به صالح بن محمد عن سالم وهو ضعيف".
قال الطحاوي: "ولو صح يحمل على أنه كان حين كانت العقوبة بالأموال كأخذ شطر المال من مانع الزكاة وضالة الإبل، وسارق التمر وكل ذلك منسوخ ١".إهـ.
وبوب البخاري بقوله (باب القليل من الغلول) .
ثم قال: "ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه حرق متاعه وهذا أصح".
ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو المتقدم في قصة (كركرة) ٢".
قال ابن حجر: "قوله ولم يذكر عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ أنه حرق متاعه يعني في حديثه الذي ساقه في الباب في قصة الذي غل العباءة".
وقوله: "وهذا أصح"، أشار إلى تضعيف ما روي عن عبد الله بن عمر في الأمر بحرق رحل الغال".
والإشارة بقوله (هذا) إلى الحديث الذي ساقه".
ثم قال ابن حجر: "والأمر بحرق رحل الغال، أخرجه أبو داود من طريق صالح بن محمد بن زائدة الليثي المدني أحد الضعفاء، قال: "دخلت مع مسلمة بن عبد الملك أرض الروم فأتى رجل قد غل فسأل سالما أي- ابن عبد الله بن عمر - عنه فقال: "سمعت أبي يحدث عن عمر بن الخطاب ﵁ عن النبي ﷺ قال: "إذا وجدتم الرجل قد غل فأحرقوا متاعه" ٣.
ثم ساق من وجه آخر عن سالم موقوفا ثم قال أبو داود: "وهذا أصح٤".
_________________
(١) ١ النووي: "شرح صحيح مسلم ٤/٤٩٦ وانظر فتح الباري ٦/١٨٦-١٨٨ وفيض القدير للمناوي ٦/٤٥١، والمنتقى للباجي ٣/٢٠٤". ٢ تقدم تخريج الحديث برقم (٢٨٨) . ٣ تقدم تخريجه برقم (٢٩٠) . ٤ وسياقه عند أبي داود: "حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي قال أنبأنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد قال: "غزونا مع الوليد بن هشام ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز فغل رجل متاعا فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به ولم يعطه سهمه". قال أبو داود هذا أصح الحديثين (سنن أبي داود ٢/٦٣ كتاب الجهاد، باب في عقوبة الغال، قال في عون المعبود ٧/٣٨٣: "المعنى أن هذا الحديث الموقوف أصح من الحديث المرفوع الذي قبله". إهـ، والذي أمر الوليد بن هشام بحرق متاعه هو: "زياد بن سعد الملقب (زياد شعر) كما في سنن أبي داود".
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وقال البخاري في (التاريخ) يحتجون بهذا الحديث في إحراق رحل الغال، وهو باطل ليس له أصل وراويه لا يعتمد عليه، ثم قال ابن حجر: "وروى الترمذي عنه أيضًا أنه قال: " (صالح) منكر الحديث".
وقد جاء في غير حديث ذكر الغال وليس فيه الأمر بحرق متاعه١، ثم قال ابن حجر: "قلت وقد جاء من غير طريق صالح بن محمد".
٢٩١- أخرجه أبو داود أيضا من طريق زهير بن محمد عن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده ٢".
ثم أخرجه من وجه آخر عن زهير عن عمرو بن شعيب موقوفا عليه وهو الراجح٣".
ثم قال ابن حجر: "وقد أخذ بظاهر هذا الحديث أحمد في رواية، وهو قول مكحول والأوزاعي".
وعن الحسن يحرق متاعه إلا الحيوان والمصحف".
وقال الطحاوي: "لو صح الحديث لاحتمل أن يكون حين كانت العقوبة بالمال٤".إهـ.
ورجح ابن قيم الجوزية عدم النسخ وقال: "الصواب أن هذا من باب التعزير والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة بحسب المصلحة، فإنه ﷺ حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده٥".
_________________
(١) ١انظر سنن الترمذي ٣/١١ كتاب الحدود، باب ما جاء في الغال ما يصنع به، وانظر: "تاريخ البخاري الكبير ٤/٢٩١ والتاريخ الصغير ص ١٧١". ٢ وسياقه عند أبي داود ٢/٦٣: "حدثنا محمد بن عوف حدثنا موسى بن أيوب قال: "حدثنا الوليد بن مسلم حدثنا زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ وأبا بكر وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه". ٣ وسياقه قال أبو داود: "وحدثنا به الوليد بن عتبة وعبد الوهاب بن نجدة قالا حدثنا الوليد بن مسلم عن زهير بن محمد عن عمرو بن شعيب قوله". أهـ. وزهير بن محمد الراوي لهذا الحديث عن عمرو بن شعيب وعنه الوليد بن مسلم هو: "الخراساني نزيل مكة". قال البيهقي: "ويقال إن زهيرًا هذا مجهول وليس بالمكي". (السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٢، وتهذيب التهذيب لابن حجر ٣/٣٥٠) . ٤ فتح الباري ٦/١٨٦-١٨٨". ٥ دليله حديث عمرو بن شعيب المتقدم برقم (٢٩١) وهو حديث ضعيف".
[ ٢ / ٦٩١ ]
ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة١.
فليس بحد ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام٢.إهـ.
ومال محمد الأمين الشنقيطي إلى اختيار ابن قيم الجوزية هذا، وقال: "وإنما قلنا: "إن هذا القول أرجح عندنا لأن الجمع واجب إذا أمكن وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة كما علم في الأصول٣".إهـ.
وهذا الترجيح الذي مال إليه ابن قيم الجوزية وتابعه الشنقيطي في العقوبة بالمال وجيه، غير أن الحديث الوارد في حرق متاع الغال بخصوصه لم يثبت٤، وإنما يصار إلى الجمع بين الأدلة على هذا الوجه إذا كانت متكافئة في الصحة، ومادام الحديث في حرق متاع الغال لم يثبت فيكون الراجح في هذا قول جمهور العلماء وهو تعزير الغال بما يراه الإمام دون حرق المتاع، وذلك لأن في حرق المتاع مفسدة للمال الذي يمكن أن يستفيد منه المسلمون، خاصة أن الأحاديث الصحيحة الواردة عنه ﷺ بعقوبة الغال، ليس فيها الأمر بحرق متاع الغال كما تقدم في حديث عبد الله ابن عمرو في قصة (كركرة) أن رسول الله ﷺ قال: "هو في النار" ولم يأمر بحرق رحله٥.
_________________
(١) ١ أخرجه أو داود والترمذي، وابن ماجة من حديث معاوية بن أبي سفيان. وأبو داود والنسائي من حديث عبد الله بن عمر. وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة من حديث أبي هريرة. وأبو داود من حديث قبيصة بن ذؤيب". والترمذي من حديث جابر بن عبد الله. (سنن أبي داود ٢/٤٧٣-٤٧٤ كتاب الحدود، باب إذا تتابع في شرب الخمر) . والترمذي: السنن ٢/٤٤٩-٤٥٠ كتاب الحدود، باب ما جاء مَن شرب الخمر فاجلدوه فإن عاد في الرابعة فاقتلوه. والنسائي ٨/٢٨١ كتاب الأشربة باب ذكر الروايات المغلظات في شرب الخمر. وابن ماجة ٢/٨٥٩ كتاب الحدود، باب في شرب الخمر مرارا، وهو حديث صحيح وقد أخرجه غير هؤلاء. ٢ زاد المعاد ٣/١٠٦ و١٠٨ و١٠٩. ٣ أضواء البيان ٢/٤٠٧ ٤ انظر: "السنن الكبرى للبيهقي ٩/١٠٢-١٠٣". ٥ انظر: "الحديث رقم (٢٨٨) .
[ ٢ / ٦٩٢ ]
٢٩٢- وفي حديث زيد١ بن خالد الجهني، بإسناد صحيح، قال: "تفي رجل من أشجع بخيبر٢ فقال النبي ﷺ:
"صلوا على صاحبكم" فأنكر الناس ذلك وتغيرت له وجوههم، فلما رأى ذلك قال: "إن صاحبكم غل في سبيل الله" ٣.
قال زيد: "فالتمسوا في متاعه، فإذا خرزات٤ من خرز يهود ما تساوي درهمين ٥".
ولم يأمر ﷺ بحرق رحله".
قال الكندهلوي: "قوله: "فتغيرت وجوه الناس لذلك".
قال الباجي٦: "يحتمل أن يريد به وجه المؤمنين لامتناعه من الصلاة على من هو من جملتهم، ولا يعلمون له ذنبًا انفرد به، فخافوا أن يكون المانع أمرا يشملهم فيهلكوا بذلك، ويحتمل أن يريد به قبيلة وطائفة تغيرت وجوههم لما يخصهم من أمره، ولما خافوا أن يكون ذلك المعنى شائع فيهم"٧".
_________________
(١) ١ زيد بن خالد الجهني المدني صحابي مشهور مات بالكوفة، سنة ٦٨ أو ٧٠ وله ٨٥ سنة"./ع". (التقريب ١/٢٧٤) . ٢ وقع في الموطأ (يوم حنين) قال العلماء: "وهو وهم". (المنتقى للباجي ٣/٢٠٠) . ٣ أخرجه أبو داود: "في السنن ٢/٦٢ كتاب الجهاد، باب في تعظيم الغلول". والنسائي: "السنن ٤/٥٢ كتاب الجنائز، باب الصلاة على من غل". وابن ماجه: "السنن ٢/٥٥٠كتاب الجهاد باب في الغلول، وموطأ مالك ٢/٤٥٨ كتاب الجهاد، باب ما جاء في الغلول". وأحمد: "المسند٤/١١٤ و٥/١٩٢ والحاكم: "المستدرك ٢/١٢٧-١٢٨". والبيهقي السنن الكبرى ٩/١٠١". ٤ الخرز بفتحتين الذي ينظم، والواحدة خرزة". (لسان العرب ٧/٢٢١، ومختار الصحاح ص ١٧٢) . ٥ قوله: "ما تساوي درهمين"، قال الكاندهلوي: "ليعلم لتفاهة قيمتها وأن أخذ هذا المقدار على تفاهته من جملة الكبائر التي تمنع من صلاة النبي ﷺ". (أوجز المسالك ٨/٣٣٣) . ٦ الباجي: "هو أبو الوليد سليمان بن خلف التجيبي، القرطبي، الذهبي المالكي، الحافظ العلامة صاحب الفنون، له مصنفات كثيرة من جملتها كتاب المعاني في شرح الموطأ عديم النظير". (وفيات الأعيان لابن خلكان ٢/٤٠٨-٤٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٣/١١٧٨-١١٨٣ ومعجم المؤلفين لكحالة ٤/٢٦١-٢٦٢) . ٧ انظر: "المنتقى شرح موطأ الإمام مالك للباجي ٣/٢٠٠".
[ ٢ / ٦٩٣ ]
ثم قال الكاندهلوي: "قلت أو تغيرت وجوههم لأجل هذا الرجل خاصة لأنهم قد علموا من حاله أنه لا يمتنع من الصلاة إلا على لا ترضى حاله، وأنه قد علم أنه أحدث حدثا يمنعه من الصلاة".
فقال زيد: "إن رسول الله ﷺ قال: "إن صاحبكم قد غل في سبيل الله" أي خان في الغنيمة، فبين المعنى الذي امتنع به عن الصلاة عليه".
ثم قال: "قال الشيخ١ في البذل: "فلهذا قالت الفقهاء إذا مات الفاسق المصر على الفسق يجوز أن لا يصلي عليه الأئمة الذين يقتدى بهم، بل يأمرون الناس أن يصلوا عليه".
ثم قال الكاندهلوي: "قال الباجي: "وهذه سنة في امتناع الأئمة، وأهل الفضل من الصلاة على أهل الكبائر على وجه الردع والزجر على مثل فعلهم، وأمر غيره - ﵊ - بالصلاة عليه دليل على أن لهم حكم الإيمان لا يخرجون عنه بما أحدثوه من المعصية وقد روى ابن سحنون٢ عن أبيه٣ عن مالك أنه قال: "لا بأس أن يُصُلَّى على من غل وذلك يحتمل وجهين:
أحدهما: "أن يريد به أن يصلي عليه غير الإمام".
والثاني: "أن الإمام مخير إن شاء صلى، وإن شاء ترك وإن ما فعل النبي ﷺ من الامتناع لم يكن على وجه المنع على الصلاة عليه وإنما كان ذلك لأنه رأى ذلك في ذلك الوقت أفضل، وأن رأى الصلاة في وقت تكون الصلاة أفضل أن يصلي". وقد قال ﷺ في الصلاة على المنافقين إني خيرت٤ فاخترت٥". إهـ".
_________________
(١) ١ هو خليل الدين أحمد السهارنفوري المتوفى سنة (١٣٤٦هـ) واسم كتابه (بذل المجهود في حل أبي داود) . ٢ هو محمد بن عبد السلام بن سحنون بن سعيد التنوخي، القيرواني، المالكي أبو عبد الله، فقيه حافظ (٢٠٢-٢٥٦هـ) . (معجم المؤلفين لكحالة ١٠/١٦٩) . ٣ هو عبد السلام بن سعيد الملقب سحنون الفقيه المالكي، صاحب المدونة الكبرى في الفقه المالكي، (١٦٠-٢٤٠هـ) . (وفيات الأعيان لابن خلكان ٣/١٨٠-١٨٢ ومعجم المؤلفين لكحالة ٥/٢٢٤) . ٤ يشير إلى ما أخرجه البخاري في صحيحه في قصة الصلاة على عبد الله بن أبي ابن سلول، وأن عمر قال: "يا رسول الله أتصلي عليه، وقد قال يوم كذا وكذا كذا وكذا أعدد عليه قوله، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: "أخر عني يا عمر فلما أكثرت عليه قال: "إني خيرت فاخترت". الحديث". (انظر صحيح البخاري ٢/٨٤ كتاب الجنائز، باب ما يكره من الصلاة على المنافقين والاستغفار للمشركين) . ٥ أوجز المسالك ٨/٣٣٢، والمنتقى شرح موطأ مالك للباجي ٣/٢٠٠".
[ ٢ / ٦٩٤ ]
وفي هذه الأحاديث تظهر عناية الإسلام بالحقوق العامة وتقديمها على المصلحة الخاصة، وذلك أن الغنائم حق مشاع لجميع أفراد الجيش لا يجوز لفرد منهم أن تغلبه مصلحة نفسه فيأخذ من هذا الحق المشاع لنفسه بحجة أن له حقًا فيها، ولذلك جاءت هذه النصوص تنذر بالويل والعذاب الأليم لمن يغل ويخون في الغنائم قبل أن تتميز الحقوق وتظهر بالقسمة العادلة حصة كل فرد من أفراد الجيش الإسلامي، ويتضح ذلك جليا في تشديد الرسول ﷺ في أخذ الخيط والمخيط وما فوق ذلك وما دون ذلك فهو أعظم حماية للحقوق العامة وأجل صيانة لاحترام المصالح العامة للأمة، وفي نفس الوقت فإن حقوق الفرد لا تضيع فسوف تقسم هذه الغنائم ويأخذ كل فرد حقه كاملا غير منقوص، وهذه خصائص الدين الإسلامي العظيمة التي يجب فهمها وتطبيقها بالعلم والعدل".
[ ٢ / ٦٩٥ ]
الحكم الخامس عشر: المؤلفة قلوبهم
مر بنا تعريف المؤلفة قلوبهم وأقسامهم ومقدار ما أخذ كل واحد منهم في غزوة حنين١.
ومن المعلوم أن المؤلفة قلوبهم هم أحد الأصناف الثمانية الذين نصت عليه آية مصارف الزكاة وأنهم يأخذون من الزكاة كغيرهم من بقية الأصناف وقصدنا من هذا المبحث أمران:
الأمر الأوّل: "هل أعطيات المؤلفة قلوبهم في غزوة حنين كانت من صلب الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس".
الأمر الثاني: "هل حكم المؤلفة باقي أو أن ذلك زال بقوة الإسلام وعزة أهله".
أما الأمر الأول، فإن ظاهر الأحاديث الواردة في غزوة حنين تدل على أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة".
ومنها: "حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن ناسًا من الأنصار قالوا لرسول الله ﷺ حين أفاء الله على رسوله ﷺ من أموال هوازن ما أفاء، فطفق يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل، فقالوا: "يغفر الله لرسول الله ﷺ يعطي قريشا ويدعنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم" الحديث.
وفي لفظ "لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم فقال: ما الذي بلغني عنكم؟
قالوا: "هو الذي بلغك وكانوا لا يكذبون، قال: "أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلا بيوتهم وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ " الحديث.
_________________
(١) ١ انظر ص (٤٠٣) .
[ ٢ / ٦٩٦ ]
وفي لفظ "لما كان يوم حنين أقبلت هوازن، وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع النبي ﷺ عشرة آلاف ومعه من الطلقاء فأدبروا عنه حتى بقي وحده قال: "فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئا قال: "فالتفت عن يمينه فقال: "يا معشر الأنصار، فقالوا: لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك قال: ثم التفت عن يساره فقال: "يا معشر الأنصار، قالوا: "لبيك يا رسول الله أبشر نحن معك، قال: "وهو على بغلة بيضاء فنزل فقال: أنا عبد الله ورسوله فانهزم المشركون وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة فقسم في المهجرين والطلقاء ولم يعط الأنصار شيئا فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة فنحن ندعى وتعطى الغنائم غيرنا، فبلغه ذلك فجمعهم في قبة فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم؟ فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم؟ قالوا: "بلى يا رسول الله رضينا" الحديث.
وفي لفظ فقال رسول الله ﷺ: "إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم"١".
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ قال: لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، الحديث وفيه "ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ " ٢".
فهذه الأحاديث وغيرها تدل بظاهرها على أن عطاء المؤلفة قلوبهم كان من صلب الغنيمة، إذ لو كان العطاء المذكور من الخمس أو من خمس الخمس، كما قال بعض العلماء٣، لما كان يحق للأنصار أن يتكلموا بما تكلموا به، ولما أقرهم رسول الله ﷺ على ذلك، ولما ترضاهم بما ترضاهم به، ولناسب أن يقول لهم إنما أعطيت من
_________________
(١) ١ انظر حديث رقم (٣٠ و٤٠ و٤٦ و٢٠٤) . ٢ انظر حديث (٢٠٥) . ٣ وهذا قول مالك والشافعي كما سيأتي في ص (٦٨٧-٦٨٨) .
[ ٢ / ٦٩٧ ]
أعطيت مما لا حق لكم فيه، ولأن الخمس مخصوص بأصناف١ وكذا خمس الخمس خاص برسول الله ﷺ يدعه حيث شاء لا اعتراض عليه في ذلك.
فلما لم يحصل شيء من ذلك، بل الذي حصل هو استطابة نفوس الأنصار بقوله ﷺ "أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم" دلك ذلك على أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة التي أحرزها الأنصار بسيوفهم ودمائهم، ولهم الحق فيها وقد أقرهم رسول الله ﷺ على ذلك، وعوضهم عنها نفسه ﷺ تطيبا لنفوسهم.
قال ابن حجر: "عند شرحه لحديث عبد الله بن زيد: "قوله: "ولم يعط الأنصار شيئا"، ظاهر في أن العطية المذكورة كانت من جميع الغنيمة".
وقال القرطبي٢ في "المفهم" الإجراء على أصول الشريعة أن العطاء المذكور كان من الخمس، ومنه كان أكثر عطاياه، وقد قال في هذه الغزوة للأعرابي "ما لي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم".
وعلى الأول فيكون ذلك مخصوصا بهذه الواقعة، وقد ذكر السبب في ذلك في رواية قتادة عن أنس في الباب حيث قال: "إن قريشًا حديث عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم". اهـ.
ثم عقب ابن حجر بقوله: "الأوّل هو المعتمد، والذي رجحه القرطبي جزم به الواقدي، ولكنه ليس بحجة إذا انفرد فكيف إذا خالف٣".
ثم قال ابن حجر: "ويؤكد أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة ما جاء في رواية هشام بن زيد عن أنس: "إذا كانت شديدة فنحن ندعى، ويعطي الغنيمة غيرنا".
_________________
(١) ١ هم من سماهم الله في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، [سورة الأنفال، من الآية: ٤١] . الآية ٤١من سورة الأنفال. ٢ هو أبو العباس: "أحمد بن عمر وهذا غير القرطبي المفسر". ٣ وهو أيضا قول أبي عبيد". (انظر فتح الباري ٨/٤٩) .
[ ٢ / ٦٩٨ ]
وهذا ظاهر في أن العطاء كان من صلب الغنيمة بخلاف ما رجحه القرطبي١".اهـ.
وقال السهيلي: "وأما إعطاء رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم من غنائم حنين حتى تكلمت الأنصار في ذلك وكثرت منهم القالة"، وقالت: "يعطي صناديد العرب ولا يعطينا، وأسيافنا تقطر من دمائم، فللعلماء في هذه المسألة ثلاثة أقوال:
أحدها: "أنه أعطاهم من خمس الخمس، وهذا القول مردود لأن خمس الخمس ملك له ولا كلام لأحد فيه".
القول الثاني: "أنه أعطاهم من رأس الغنيمة، وأن ذلك خصوص بالنبي ﷺ لقوله ﵎: ﴿قُلِ الأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، [سورة الأنفال، من الآية: "١] . وهذا القول أيضا يرده ما تقدم من نسخ هذه الآية، وقد تقدم الكلام عليها في غزوة بدر٢، غير أن بعض العلماء احتج لهذا القول بأن الأنصار لما انهزموا يوم حنين فأيد الله رسوله وأمده بملائكته، فلم يرجعوا حتّى كان الفتح، رد الله تعالى أمر الغنائم إلى رسوله من أجل ذلك فلم يعطهم منها شيئا وقال لهم: "ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم، فطيب نفوسهم بذلك بعد ما فعل ما أمر به.
القول الثالث: "وهو الذي اختاره أبو عبيد أن إعطائهم كان من الخمس حيث يرى أن فيه مصلحة للمسلمين٣".
وقال ابن قيم الجوزية: "وهذا العطاء الذي أعطاه النبي ﷺ لقريش، والمؤلفة قلوبهم، هل هو من أصل الغنيمة أو من الخمس، أو من خمس الخمس؟
فقال الشافعي ومالك: "هو من خمس الخمس، وهو سهمه ﷺ الذي جعله الله له من الخمس، وهو غير الصفي٤ وغير ما يصيبه من المغنم لأن النبي ﷺ لم يستأذن الغانمين في تلك العطية، ولو كان العطاء من أصل الغنيمة، لاستأذنهم لأنهم ملكوها
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٨-٥٠ ومغازى الواقدي ٣/٩٤٧-٩٤٨، كتاب الأموال لأبي عبيد، ٤٤٤ و٤٤٧ و٤٥١-٤٥٢ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٩". ٢ انظر: "الروض الألف ٥/٢٢٧ ٣ الروض الألف ٧/٢٨٣". ٤ الصفي: "ما كان يأخذه ريئس الجيش ويختاره لنفسه من الغنيمة قبل القسمة ويقال له الصفية، والجمع الصفايا". (النهاية لابن الأثير ٣/٤٠) .
[ ٢ / ٦٩٩ ]
بحوزها والاستيلاء عليها، وليس من أصل الخمس، لأنه مقسوم على خمس، فهو إذا من خمس الخمس".
وقد نصّ الإمام أحمد على أن النفل يكون من أربعة أخماس الغنيمة، وهذا العطاء هو من النفل، نفل النبي ﷺ به رؤوس القبائل والعشائر لتألفهم به وقومهم على الإسلام، فهو أولى من تنفيل الثلث بعد الخمس، والربع بعضه١، لما فيه من تقوية الإسلام وشوكته وأهله، واستجلاب عدوه إليه، هكذا وقع سواء كما قال بعض هؤلاء٢ الذين نفلهم: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إليّ" فما ظنك بعطاء قوى الإسلام وأهله، وأذل الكفر وحزبه، واستجلب به قلوب رؤوس القبائل والعشائر الذين إذا غضبوا، غضب لغضبهم أتباعهم، وإذا رضوا، رضوا لرضاهم، فإذا أسلم هؤلاء، لم يتخلف عنهم أحد من قومهم، فلله ما أعظم هذا العطاء وما أجداه وأنفعه للإسلام وأهله٣".أهـ.
والحاصل أن للعلماء في إعطاء المؤلفة قلوبهم يوم حنين ثلاثة أقوال:
القول الأول: "أنه من الخمس وبهذا قال الواقدي وابن سعد وأبو عبيد وابن حزم والحلبي ومال إلى هذا القول السهيلي، ورجحه القرطبي في (المفهم) ٤".
وهو اختيار القاضي عياض فقد نقل عنه النووي أثناء شرحه لحديث أنس بن مالك في إعطاء المؤلفة قوله: "ليس في هذا تصريح بأنه ﷺ أعطاهم قبل إخراج الخمس، وأنه لم يحسب ما أعطاهم من الخمس، قال: "والمعروف في باقي الأحاديث
_________________
(١) ١ قوله: "فهو أولى بالجواز من تنفيل الثلث بعد الخمس والربع بعده"، معنى ذلكأن الإمام أو نائبه إذا دخل درا الحرب غازيا بعث سرية بين يديه تغير على العدو ويجعل لهم الربع بعد الخمس، فما قدمت به السرية من شيء أخرج خمسه ثم أعطى السرية ما جعل لهم وهو ربع الباقي ثم قسم ما بقي في الجيش والسرية معه، فإذا قفل راجعا بعث سرية تغير وجعل لهم الثلث بعد الخمس فما قدمت به السرية أخرج خمسه، ثم أعطى السيرة ثلث ما بقي ثم قسم باقيه في الجيش والسرية معه". (المغني لابن قدامة ٨/٣٧٩) . ٢ هو صفوان بن أمية". انظر: "ص (٦٩١) . ٣ زاد المعاد ٣/٤٨٤-٤٨٥". ٤انظر مغازي الواقدي ٣/٩٤٧-٩٤٨". والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٣ وكتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٤٤-٤٤٧ و٤٥١-٤٥٢، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥ والسيرة الحلبية للبرهان الدين الحلبي ٣/٨٦ والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٨٣".
[ ٢ / ٧٠٠ ]
أنه ﷺ إنما أعطاهم من الخمس ففيه أن للإمام صرف الخمس وتفضيل الناس فيه على ما يراه وأن يعطي الواحد منه الكثير، وأنه يصرفه في مصالح المسلمين وله أن يعطي الغني منه لمصلحة ١".أهـ.
وبوب البخاري بقوله: "باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس ونحوه، رواه عبد الله٢ بن زيد عن النبي ﷺ".
ثم ساق تحت هذا الباب جملة أحاديث من ضمنها الأحاديث الواردة في قسمة الغنائم يوم حنين٣".
وقال ابن حجر: "قال إسماعيل القاضي: "في إعطاء النبي ﷺ للمؤلفة من الخمس دلالة على أن الخمس إلى الإمام يفعل فيه ما يرى من المصلحة".
وقال الطبري: "استدل بهذه الأحاديث من زعم أن النبي ﷺ كان يعطي من أصل الغنيمة لغير المقاتلين، قال: "وهو قول مردود بدليل القرآن والآثار الثابتة".
ثم قال ابن حجر: "قيل ليس في الأحاديث الباب شيء صريح بالإعطاء من نفس الخمس٤".
القول الثاني: "أن العطاء كان من خمس الخمس وهو قول مالك والشافعي وابن خلدون٥".
القول الثالث: "أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة وهو اختيار ابن تيمية وابن حجر٦".
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٨". ٢ قال ابن حجر: "قوله: "رواه عبد الله بن زيد عن النبي ﷺ"، يشير إلى حديثه الطويل في قصة حنين وسيأتي هناك موصولا مع الكلام عليه والغرض منه هنا قوله: " (لما أفاء الله على رسوله يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم) . الحديث (فتح الباري ٦/٢٥٢) . وانظر الحديث برقم (٢٠٥) . ٣ صحيح البخاري ٤/٧٣ كتاب فرض الخمس". ٤ فتح الباري ٦/٢٥٢ و٨/٤٩-٥٠، وانظر: "شرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٩". ٥ السنن الكبرى للبيهقي ٦/٣٣٨ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٨٤ وتاريخ ابن خلدون ٢/٤٨ وأوجز المسالك إلى موطأ مالك لكاندهلوي ٨/٢٥١". ٦ الفتاوى لابن تيمية ١٧/٤٩٣-٤٩٥، وفتح الباري ٨/٤٩-٥٠".
[ ٢ / ٧٠١ ]
وعن الإمام أحمد أن النفل كان من أربعة أخماس الغنيمة١".
قال ابن قيم الجوزية: "وهذا العطاء هو من النفل٢".
وظاهر الأحاديث الواردة في غزوة حنين أن العطاء المذكور كان من صلب الغنيمة وأن الأنصار لما تكلموا في ذلك حيث إنه لم يصبهم من الغنيمة جمعهم رسول الله ﷺ وقال لهم: "أما ترضون يا معشر الأنصار أن يرجع الناس بالشاة والبعير وترجعوا برسول الله ﷺ إلى رحالكم" قالوا: "رضينا، فكان في ذلك تعويضا لهم عن الغنيمة التي لم ينالوا منها شيئًا".
قال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ ٣ فهو يدل على أنها غنيمة لهم فلما قال: ﴿فَأَنَّ لله خُمْسَهُ﴾، علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم فقوله: ﴿فَأَنَّ لله خُمْسَهُ﴾، أي: "وللغانمين ما بقي". وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء".
ثم قال: "وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، هو أن النبي ﷺ استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه ﷺ لما سمع أن بعض الأنصار قال: "يمنعنا ويعطي قريشا، وسيوفينا تقطر من دمائهم، جمعهم النبي ﷺ وكلمهم كلامه المشهور البالغ في الحسن ومن جملته أنه قال لهم: "ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله ﷺ إلى رحالكم". إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت نفوسهم، وقالوا: "رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا، وهذا ثابت في الصحيح٤".إهـ".
وأما الأمر الثاني: "وهو هل حكم المؤلفة قلوبهم باق أو أن ذلك منسوخ فقد
_________________
(١) ١ كتاب المغني لابن قدامة ٨/٣٨٤-٣٨٦، والإنصاف لعلي بن سليمان المرادي ٤/١٧٠". ٢ زاد المعاد ٣/٤٨٤". ٣ يشير إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، الآية. ٤ أضواء البيان ٢/٣٥٤و٣٥٦-٣٥٧ وانظر ص ٣٦٢".
[ ٢ / ٧٠٢ ]
ساق الترمذي حديث صفوان بن أمية قال: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي فما زال يعطيني حتى إنه أحب الخلق إلي" ١.
ثم قال: "وقد اختلف أهل العلم في إعطاء المؤلفة قلوبهم، فرأى أكثر أهل العلم أن لا يعطوا وقالوا إنما كانوا قوما على عهد رسول الله ﷺ، كان يتألفهم على الإسلام حتى أسلموا، ولم يروا أن يعطوا اليوم من الزكاة على مثل هذا المعنى".
وهو قول سفيان الثوري وأهل الكوفة وغيرهم، وبه يقول أحمد٢ وإسحاق".
وقال بعضهم: "من كان اليوم على مثل حال هؤلاء ورأى الإمام أن يتألفهم على الإسلام فأعطاهم جاز ذلك وهو قول الشافعي٣".
وقال النووي في أثناء شرحه لحديث صفوان وما ورد في معناه: "وفي هذا مع ما بعده إعطاء المؤلفة، ولا خلاف في إعطاء مؤلفة المسلمين، لكن هل يعطون من الزكاة؟
فيه خلاف، والأصح عندنا أنهم يعطون من الزكاة ومن بيت المال".
والثاني: "لا يعطون من الزكاة، بل من بيت المال خاصة، وأما مؤلفة الكفار فلا يعطون من الزكاة، وفي إعطائهم من غيرها خلاف، الأصح عندنا لا يعطون، لأن الله تعالى قد أعز الإسلام عن التألف، بخلاف أول الأمر، ووقت قلة المسلمين٤".إهـ".
والظاهر في هذا هو جواز إعطاء المؤلفة قلوبهم من الزكاة ومن غيرها سواء أكانوا مسلمين أم كافرين، لأن الله تعالى قال: ﴿وَالمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم﴾ والآية عامة وهي أصل في جواز إعطاء المؤلفة من الزكاة ولم تخصص مسلما من غيره، وهي محكمة غير منسوخة". وأما إعطاء مؤلفة الكفار من بيت المال من خمس الخمس أو نحوه فذلك زيادة لهم على إعطائهم من الزكاة".
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (١٨٥) . ٢ هو قول مرجوح لأحمد، انظر ص (٦٩٢) . ٣ سنن الترمذي ٢/٨٨-٨٩ كتاب الزكاة، باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم وقوله وهو قول الشافعي، يوضح قول الشافعي ما قاله النووي". ٤ شرح النووي على صحيح مسلم ٥/١٦٩ وكفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر الحسيني ١/١٢٢-١٢٣".
[ ٢ / ٧٠٣ ]
ومن المعلوم أن من أهداف التأليف استمالة القلوب إلى الإسلام أو تثبيتها عليه، أو كسب أنصار له، أو كف شر عن دعوته ودولته، فهو بهذا المعنى يحقق مصلحة عامة للمسلمين، ولا تهدر هذه المصلحة لأن من القواعد المقررة أنه متى وجدت المصلحة فثم شرع الله، وما كان كذلك فإن حكمه باق متى دعت الحاجة إليه.
قال ابن هبيرة: "اختلف العلماء في المؤلفة قلوبهم، هل بقي الآن لهم حكم؟ "
فقال أحمد: "حكمهم باق لم ينسخ، ومتى وجد الإمام قومًا من المشركين فخاف الضرر بهم، وعلم أن في إسلامهم مصلحة، وجاز أن يتألفهم من مال الزكاة".
وعنه رواية أخرى أن حكمهم منسوخ١". إهـ.
وقال ابن قدامة: "وأحكام الأصناف الثمانية المنصوص عليهم في آية براءة٢،كلها باقية، وبهذا قال الحسن والزهري، وأبو جعفر٣ محمد بن عليّ٤".
وقال علاء الدين المرداوي: "الصحيح من المذهب أن حكم المؤلفة باق وعليه الأصحاب، وهو من المفردات٥".
وقال أبو عبيد: "الآية محكمة، لا نعلم لها ناسخا من كتاب ولا سنة، فإذا كان قوم هذه حالهم، لا رغبة لهم في الإسلام، لما عندهم من العز والأنفة فرأى الإمام أن يرضخ لهم من الصدقة، فعل ذلك لخلال ثلاث:
إحداهن: "الأخذ بالكتاب والسنة".
والثانية: "البقيا على المسلمين".
والثالثة: "أنه ليس بيائس منهم إن تمادى بهم الإسلام، أن يتفقهوه وتحسن فيه رغبتهم ٦".إهـ.
_________________
(١) ١الإفصاح ١/٢٢٤". ٢ هي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾، [سورة التوبة، من الآية: "٦٠] ". ٣ أبو جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين الهاشمي، عده النسائي وغيره في فقهاء التابعين بالمدينة". (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/١٢٤-١٢٥) وقد تقدمت ترجمته في حديث (١٩) . ٤ المغني ٢/٦٦٦". ٥ الإنصاف ٣/٢٢٨ وقوله: "من المفردات" يعني أن الإمام أحمد تفرد بالقول ببقاء حكم المؤلفة عن الأئمة الثلاثة". ٦ كتاب الأموال ص ٧٩٧".
[ ٢ / ٧٠٤ ]
قلت: "وهذا هو الهدف الأساسي من التأليف هو ترغيب الناس في الدخول في هذا الدين الحنيف، ولقد كان رسول الله ﷺ يعطي على الإسلام ما لايعطي على غيره، فقد جاء في حديث أنس بن مالك ﵁: قال: "ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه، قال: "فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه، فقال: "يا قوم! أسلموا فإن محمدا يعطي عطاء من لا يخشى الفاقة".
وفي لفظ: "أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين فأعطاه إياه فأتى قومه فقال: "أي قوم! فوالله! إن محمد ليعطي عطاء ما يخاف الفقر".
فقال أنس: "إن١ كان الرجل ليسلم ما يريد إلا الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنياوما عليها"٢".
وذهب الحنفية والشعبي ومالك والشافعي إلى أن هذا المصرف "المؤلفة قلوبهم" إنما كان في عهد رسول الله ﷺ في حال قلة عدد المسلمين وكثرة عدوهم، وأما بعد وفاته ﵊ فإنهم لا يعطون من الزكاة شيئا لزوال العلة التي من أجلها كان إعطاؤهم وهي الحاجة إليهم، فقد أعز الله الإسلام وأهله، وأغنى عن تألفيهم، فلا يعطى مشرك تأليفا بحال من الأحوال.
ورأوا أن حكمهم منسوخ بإجماع الصحابة على ذلك، فإن أبا بكر وعمر ﵄ لم يعطيا المؤلفة قلوبهم شيئا من الصدقات، ولم ينكر عليها أحد من الصحابة فيكون إجماعا منهم ٣.
ورد هذا ابن قدامة بقوله:
ولنا: "كتاب الله وسنة رسوله، فإن الله تعالى سمى المؤلفة في الأصناف الذين
_________________
(١) (إن) هي المخففة من الثقيلة وإذا أهملت لزمتها اللام فارقة بينها وبين (إن) النافية وهي هنا مهملة لوجود اللام في جوابها "ليسلم". (شرح ابن عقيل ١/٣٧٨) . ٢ تقدم تخريجه برقم (١٩٤) وانظر حديث (١٩٧) . ٣ كتاب الإفصاح لابن هبيرة ١/٢٢٤-٢٢٥، المغني لابن قدامة ٢/٦٦٦، الهداية للمرغيناني١/١١٢،والشرح الكبير لأحمد الدردير مع حاشية الدسوقي١/٤٩٥، والأم للشافعي٢/٦١،والمنتقى للباجي٢/١٥٣،والمجموع للنووي٦/٢١٠، وكفاية الأخيار لتقي الدين أبي بكر الحسيني ١/١٢٢، نصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤-٣٩٥، نيل الأوطار للشوكاني ٤/١٨٧ وفتح القدير له ٢/٣٧٣".
[ ٢ / ٧٠٥ ]
سمى الصدقة لهم والنبي ﷺ قال: "إن الله تعالى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء"١.
وكان يعطي المؤلفة كثيرا في أخبار مشهورة، ولم يزل كذلك حتى مات، ولا يجوز ترك كتاب الله وسنة رسوله إلا بنسخ والنسخ لا يثبت بالاحتمال، ثم إن النسخ، إنما يكون في حياة النبي ﷺ لأن النسخ إنما يكون بنص، ولا يكون النسخ بعد موت النبي ﷺ وانقراض زمن الوحي، ثم إن القرآن لا ينسخ إلا بالقرآن، وليس في القرآن نسخ كذلك ولا في السنة، فكيف يترك الكتاب والسنة بمجرد الآراء والتحكم، أو بقول صحابي أو غيره؟
على أنهم لا يرون قول الصحابي حجة يترك بها قياس، فكيف يتركون به الكتاب والسنة؟
وقال الزهري: "لا أعلم شيئا نسخ حكم المؤلفة على أن ما ذكروه من المعنى لا خلاف بينه وبين الكتاب والسنة، فإن الغنى عنهم لا يوجب رفع حكمهم وإنما يمنع عطيتهم حال الغنى عنهم فمتى دعت الحاجة إلى إعطائهم أعطوا، فكذلك جميع الأصناف إذا عدم منهم صنف في بعض الزمان سقط حكمه في ذلك الزمان خاصة، فإذا وجد عاد حكمه، كذا هنا٢".
وقال الطبري: "والصواب من القول في ذلك عندي: "أن الله جعل الصدقة في معنيين: "أحدهما سد خلة المسلمين، والآخر معونة الإسلام وتقويته، فما في معونة الإسلام وتقوية أسبابه، فإنه يعطاه الغني والفقير، لأنه لا يعطاه من يعطاه بالحاجة منه إليه، وإنما يعطاه معونة للدين، وذلك كما يعطى الذي يعطاه بالجهاد في سبيل الله، فإنه يعطى ذلك غنيًا كان أو فقيرا للغزو لا لسد خلته، وكذلك المؤلفة قلوبهم يعطون ذلك وإن كانوا أغنياء، استصلاحًا بإعطائهم أمر الإسلام، وطلب تقويته
_________________
(١) ١ هذا الحديث رواه أبو داود من حديث زياد بن الحارث الصدائي قال: "أتيت رسول الله ﷺ فبايعته، فذكر حديثا طويلا، قال: "فأتاه رجل فقال: "أعطني من الصدقة، فقال له رسول الله ﷺ: "إن الله تعالى لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها هو، فجزأها ثمانية أجزاء، فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك". (سنن أبي داود ١/٣٧٨-٣٧٩ كتاب الزكاة، باب من يعطى من الصدقة وحد الغني) وفيه: "عبد الرحمن بن زياد بن أنعم الأفريقي" قال ابن حجر في التقريب ١/٤٨٠: "ضعيف في حفظه، ووقع في ميزان الاعتدال للذهبي٢/٥٦١ "عبد الله بن زياد". ٢ المغني ٢/٦٦٦ وفتح القدير للشوكاني ٢/٣٧٣".
[ ٢ / ٧٠٦ ]
وتأييده، وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى من المؤلفة قلوبهم، بعد أن فتح الله عليه الفتوح، وفشا الإسلام وعز أهله، فلا حاجة لمحتج بأن يقول:
لا يتألف اليوم على الإسلام أحد لامتناع أهله بكثرة العدد ممن أرادهم وقد أعطى النبي ﷺ من أعطى منهم في الحال التي وصفت١".
وقال الفخر الرازي: "والصحيح أن حكم المؤلفة غير منسوخ، وأن للإمام أن يتألف قوما على هذا الوصف، ويدفع إليهم سهم المؤلفة، لأنه لا دليل على نسخه ألبتة٢".
وقال ابن العربي المالكي: "والذي عندي أنه إن قوي الإسلام زالوا وإن احتيج إليهم أعطوا سهمهم، كما كان النبي ﷺ يعطيهم".
وهذا بناء على أن العلة في إعطائهم هي حاجتنا إليهم، أما على القول بأن القصد من إعطائهم ترغيبهم في الإسلام، أو تثبيتهم عليه لإنقاذهم من عذاب الله تعالى فيعطون مطلقا ٣".
وقال الشوكاني: "والظاهر جواز التأليف عند الحاجة إليه، فإذا كان في زمن الإمام قوم لا يطيعونه إلا للدنيا ولا يقدر على إدخالهم تحت طاعته بالقسر والغلب فله أن يتألفهم ولا يكون لفشو الإسلام تأثير لأنه لم ينفع في خصوص هذه الواقعة ٤".إهـ".
وبهذا التقرير يعلم بأن حكم المؤلفة باق لم ينسخ فإن التأليف حكم باق في كتاب الله ﷿، وقد جعلهم الله أحد الأصناف الثمانية الذين تصرف فيهم الزكاة، وجاءت بهذا السنة المتواترة القاطعةن والنسخ لم يثبت كما تقدم تقريره، وليس في منع أبي بكر وعمر - ﵄ - للمؤلفة ما يفيد النسخ، وغاية ما فيه أن ذلك لأجل عزة الإسلام ومنعته، فإذا دعت الحاجة إلى التأليف فالحكم باق والمصلحة تقتضيه، وهذا ما رجحه المحققون من العلماء كما سبق بيانه".
_________________
(١) ١ جامع البيان ١٠/١٦٣ ٢ تفسير الرازي ١٦/١١١ ٣ أحكام القرآن ٢/٩٦٦ وتحفة الأحوذي ٣/٣٣٦". ٤ نيل الأوطار ٤/١٨٧، والسيل الجرار ٢/٥٧-٥٨".
[ ٢ / ٧٠٧ ]
الحكم السادس عشر: بعض ما يجتنبه المحرم
جاء في هذا الحكم ما رواه يعلى بن أمية أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وعليه جبة وهو متضمخ بطيب فقال: "يا رسول الله كيف ترى في الرجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بالطيب؟ فقال ﷺ: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأم الجبة فانزعها عنك، ثم اصنع في عمرتك، كما تصنع في حجك". والحديث رواه البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
٢٩٣- قال: "حدثنا أبو نعيم١ حدثنا همام حدثنا عطاء قال: "حدثني صفوان بن يعلى بن أمية - يعني - عن أبيه٢ أن رجلًا٣ أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخلوق٤ - أو قال صفرة - فقال: "كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ ٥".
_________________
(١) ١ أبو نعيم: "هو الفضل بن دكين، وهمام: "هو ابن يحيى بن دينار الأزدي، وعطاء: "هو ابن أبي رباح". ٢ هو يعلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميمي، حليف قريش وهو يعلى بن منيه - بضم الميم وسكون النون بعدها تحتانية مفتوحة- وهي أمه، ويقال جدته، صحابي مشهور، مات سنة بضع وأربعين". /ع". (التقريب ٢/٢٧٧، وتهذيب التهذيب ١١/٣٩٩) . ٣ وعند البخاري أيضا: "عن يعلى قال: "فبينا النبي ﷺ بالجعرانة - وعليه ثوب قد أظل به معه ناس من أصحابه - إذ جاءه أعرابي عليه جبة متضمخ بطيب". قال ابن حجر: "ولم أقف على اسمه لكن ذكر ابن فتحون في "الذيل" عن "تفسير الطرطوشي" أن اسمه عطاء بن منية، قال ابن فتحون: "إن ثبت ذلك فهو أخو يعلى ابن منية راوي الخبر، قال ابن حجر: "ويجوز أن يكون خطأ من اسم الراوي فإنه من رواية عطاء عن صفوان بن يعلى بن منية عن أبيه ومنهم من لم يذكر بين عطاء ويعلى أحدا". (فتح الباري ٣/٣٩٤، ونيل الاوطار ٥/٨) . ٤ الخلوق: "بفتح الخاء المعجمة: "نوع من الطيب مركب فيه زعفران تغلب عليه الحمرة والصفرة". (النهاية ٢/٧٢، وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٤٩، وفتح الباري ٣/٣٩٣) . وعند مسلم: "جاء رجل إلى النبي ﷺ وهو بالجعرانة عليه جبة وعليها خلوق - أو قال- أثر صفرة". ٥ وعند البخاري أيضا: "كيف ترى في رجل أحرم بعمرة وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي ﷺ فجاءه الوحي". وعنده أيضا: "كيف ترى في رجل أحرم في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر النبي ﷺ ساعة فجاءه الوحي". وعند مسلم: "فنظر إليه النبي ﷺ ثم سكت فجاءه الوحي".
[ ٢ / ٧٠٨ ]
فأنزل الله على النبي - ﷺ - ١، فستر بثوب، وودت٢ أني قد رأيت النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي، فقال عمر: "تعال، أيسرك٣ أن تنظر إلى النبي ﷺ وقد أنزل الله عليه الوحي؟ قلت: "نعم، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط٤ - وأحسبه قال: "كغطيط البكر٥ - فلما سري٦ عنه قال: "أين السائل عن العمرة؟ ٧".
_________________
(١) ١ قوله: "فأنزل الله على النبي ﷺ"، قال ابن حجر: "لم أقف في شيء من الروايات على بيان المنَزل حينئذ من القرآن، وقد استدل به جماعة من العلماء على أن من الوحي ما لا يتلى، ولكن وقع عند الطبراني وابن ماجة وابن أبي حاتم من طريق أخرى أن المنزل عليه حينئذ قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الحَجَّ وَالعُمْرَةَ﴾ ثم قال: "ووجه الدلالة منه على المطلوب عموم الأمر بالإتمام فإنه يتناول الهيئات والصفات". وقال أيضا في مكان آخر: "ويستفاد منه أن المأمور به وهو الإتمام يستدعي وجوب اجتناب ما يقع في العمرة". (فتح الباري ٣/٣٩٤و٦١٤) . ٢ وعند مسلم: "وكان يعلى يقول: "وددت أني أرى النبي ﷺ وقد أنزل عليه الوحي". وعند أحمد: "عن يعلى بن أمية أنه كان مع عمر في سفر وأنه طلب إلى عمر أن يريه النبي ﷺ إذا نزل عليه الوحي، قال: "فبينما النبي ﷺ في سفر وكان عليه ستر مستور من الشمس إذ أتاه رجل عليه جبة وعليه ردع من زعفران". ٣ وعند الحميدي: "عن يعلى بن أمية قال: "قلت لعمر بن الخطاب إني أشتهي أن أرى رسول الله ﷺ إذا نزل عليه الوحي قال: "فبينا أنا بالجعرانة إذ دعاني عمر فأتيت فإذا رسول الله ﷺ مسجى ثوبا فكشف لي عمر وجهه فإذا هو محمر وجهه". وعند مسلم "وكان يعلى يقول: "وددت أني أرى النبي ﷺ وقد نزل عليه الوحي". وعنده أيضا: "أن يعلى كان يقول لعمر بن الخطاب ﵁: "ليتني أرى نبي الله ﷺ حين ينزل عليه". وعنده أيضا: "وكان عمر يستره إذا أنزل عليه الوحي، ويظله فقلت لعمر - ﵁: "إني أحب إذا أنزل عليه الوحي، أن أدخل رأسي معه في الثوب، فلما أنزل عليه خمره عمر - ﵁ - بالثوب فجئته فأدخلت رأسي معه في الثوب، فنظرت إليه". ٤ له غطيط: "الغطيط صوت النفس المتردد من النائم أو المغمى وسبب ذلك شدة ثقل الوحي". (فتح الباري ٣/٣٩٤ والمصباح المنير ٢/٥٣٨) . وعند البخاري ومسلم: "فأشار عمر بيده إلى يعلى بن أمية: "تعال فجاء يعلى فأدخل رأسه فإذا النبي ﷺ محمر الوجه يغط كذلك ساعة ثم سري عنه". قال ابن حجر: "وكان سبب إدخال يعلى رأسه عليه ﷺ في تلك الحال أنه كان يحب لو رآه في حالة نزول الوحي". (فتح الباري ٣/٣٩٤) . ٥ البكر: "هو بفتح الباء وهو الفتي من الإبل". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٠، والمصباح المنير ١/٧٥) . ٦ سري عنه: "هو بضم السين وكسر الراء المشددة، أي أزيل ما به وكشف عنه شيئا بعد شيء". (شرح النووي ٣/٢٥٠ وفتح الباري ٣/٣٩٤ والنهاية ٢/٣٦٤) . ٧ وعند مسلم: "فقال أين الذي سألني عن العمرة آنفا" فالتمس الرجل فجيء به فقال النبي ﷺ: "أما الطيب الذي بك، فاغسله ثلاث مرات وأما الجبة، فأنزعها، ثم أصنع في عمرتك ما تصنع في حجك". وعند البخاري: "أين الذي يسألني عن العمرة آنفا"؟ وعنده أيضًا: "من رواية أبي عاصم عن ابن جريج" فقال: "أين الذي سأل عن العمرة؟ " فأتى برجل فقال: "أغسل الطيب ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك". قلت لعطاء: "أراد الإنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: "نعم". قال ابن حجر: "والقائل لعطاء: "هو ابن جريج وهو دال على أنه فهم من السياق أن قوله: "ثلاث مرات" من لفظ النبي ﷺ، ويحتمل أن يكون من كلام الصحابي وأنه ﷺ أعاد لفظة "اغسله" مرة ثم مرة على عادته أنه كان إذا تكلّم بكلمة اعادها ثلاثا لتفهم عنه، ونبه عليه عياض". (فتح الباري ٣/٣٩٥) . وقال النووي: قوله: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات"، إنما أمر بالثلاث مبالغة في إزالة لونه وريحه، والواجب الإزالة، فإن حصلت بمرة كفت، ولم تجب الزيادة، ولعل الطيب الذي كان على هذا الرجل كثير، ويؤيده قوله: "متضمخ". ثم قال: "قال القاضي: "ويحتمل أنه قال ثلاث مرات أغسله، فكرر القول ثلاثًا، والصواب ما يبق، والله أعلم". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٢) .
[ ٢ / ٧٠٩ ]
اخلع عنك الجبة١، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق٢ الصفرة، واصنع٣ في عمرتك كما تصنع في حجك"٤.
_________________
(١) ١الجبة: "ضرب من مقطعات الثياب تلبس، وجمعها جبب وجباب". ٠ لسان العرب ١/٢٤٢) وعند أبي داود "أخلع جبتك فخلعها من رأسه". وعنده أيضًا: "فأمره رسول الله ﷺ أن ينزعها نزعا ويغتسل مرتين أو ثلاثا". «٢قوله: "وأنق الصفرة"، قال ابن حجر: "بفتح الهمزة وسكون النون، ووقع للمستملي هنا بهمزة وصل ومثناة مشددة من التقوى، قال صاحب المطالع: "وهي أوجه وإن رجعا إلى معنى واحد". ووقع لابن السكن "اغسل أثر الخلوق وأثر الصفرة" والأول هو المشهور". (فتح الباري٣/٦١٤) . ٣ وعند مسلم: "عن يعلى قال أتى النبي ﷺ رجل وهو بالجعرانة وأنا عند النبي ﷺ وعليه مقطعات" (يعني جبة) وهو متضمخ بالخلوق فقال إني أحرمت بعمرة وعلى هذا وأنا متضمخ بالخلوق". فقال له النبي ﷺ: "ما كنت صانعًا في حجّك؟ ". قال: "أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذه الخلوق". فقال له النّبي ﷺ: "ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك". وعنده أيضا: فقال النبي ﷺ: "انزع عنك جبتك واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلا في حجك". وعند النسائي: "أن رجلا أتى النبي ﷺ وقد أهل بعمرة وعليه مقطعات وهو متضمخ بخلوق فقال: "أهللت بعمرة فما أصنع؟ فقال النبي ﷺ: "ما كنت صانعًا في حجك". قال: "كنت أتقي هذا وأغسله، فقال: "ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك". وعنده وعند مسلم: "أن رجلا أتى النبي ﷺ وهو بالجعرانة وه ومصفر لحيته ورأسه وعليه جبة فقال: "يا رسول الله إني أحرمت بعمرة وأنا كما ترى فقال: "أنزع عنك الجبة وأغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك". وعند أحمد: "قال جاء أعرابي إلى رسول الله ﷺ وعليه جبة وعليه ردع من زعفران فقال يا رسول اله إني أحرمت فيما ترى والناس يسخرون مني وأطرق هنيهة، قال: "ثم دعاه، فقال: "اخلع عنك هذه الجبة واغسل عنك هذا الزعفران واصنع في عمرتك ما تصنع في حجك". ٤ صحيح البخاري ٣/٦ كتاب العمرة، باب يفعل في العمرة ما يفعل في الحج".
[ ٢ / ٧١٠ ]
والحديث رواه البخاري أيضا في كتاب جزاء الصيد عن أبي الوليد١حدثنا همام حدثناعطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى عن أبيه به٢.
ورواه في كتاب المغازي عن يعقوب٣ بن إبراهيم حدثنا إسماعيل حدثنا ابن جريج قال أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره، أن يعلى كان يقول: "ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه٤".
وعلقه في كتاب الحج عن أبي عاصم فقال: "قال أبو عاصم٥ أخبرنا ابن جريج أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى أخبره به٦".
ورواه في فضائل القرآن عن أبي نعيم حدثنا همام حدثنا عطاء".
وعلقه عن مسدد فقال: "وقال مسدد٧ حدثنا يحيى عن ابن جريج قال أخبرني عطاء قال أخبرني صفوان بن يعلى بن أمية أن يعلى٨ كان يقول: "ليتني أرى رسول الله ﷺ حين ينزل عليه الوحي". الحديث٩".
_________________
(١) ١ أبو الوليد هو الطيالسي هشام بن عبد الملك". ٢ صحيح البخاري ٣/١٥-١٦ باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص". ٣ يعقوب بن إبراهيم: "هو ابن كثير بن زيد بن أفلح، وإسماعيل: "هو ابن إبراهيم المعروف "بابن علية". ٤ صحيح البخاري ٥/١٢٩ باب غزوة الطائف". ٥ أبو عاصم: "هو النبيل الضحاك بن مخلد". قال ابن حجر:: "قوله: "قال أبو عاصم"، هو من شيوخ البخاري ولم أره عنه إلا بصيغة التعليق، وبذلك جزم الإسماعيلي، فقال: "ذكره عن أبي عاصم بلا خبر". وأبو نعيم: "فقال: "ذكره بلا رواية". وحكى الكرماني أنه وقع في بعض النسخ "حدثنا محمد حدثنا أبو عاصم" ومحمد هو ابن معمر أو ابن بشار، ويحتمل أن يكون البخاري". (فتح الباري ٣/٣٩٣) . ٦ صحيح البخاري ٢/١١٤-١١٥ باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب". ٧ مسدد من شيوخ البخاري، قال ابن حجر: "قوله: "وقال مسدد حدثنا يحيى في رواية أبي ذر "يحيى بن سعيد" وهو القطان، وهذا الحديث وقع لنا موصولا في رواية مسدد من رواية معاذ بن المثنى عنه كما بينته في "تغليق التعليق". (فتح الباري ٩/١٠) . ٨ قوله:"أن يعلى كان يقول الخ"، قال ابن حجر: "هذا صورته مرسل؛ لأن صفوان بن يعلى ما حضر القصة، وقد أورده في كتاب العمرة من كتاب الحج بالإسناد الآخر المذكور هنا عن أبي نعيم عن همام فقال فيه: "عن صفوان بن يعلى عن أبيه" فوضح أنه ساقه هنا على لفظ رواية ابن جريج". وقد أخرجه أبو نعيم من طريق محمد بن خلاد عن يحيى بن سعيد بنحو اللفظ الذي ساقه المصنف هنا". (فتح الباري ٩/١٠) . ٩ صحيح البخاري ٦/١٥٠ باب نزل القرآن بلسان قريش والعرب، وقال ابن بطال: "مناسبة الحديث للترجمة أن الوحي كله متلوا كان أو غير متلو إنما نزل بلسان العرب، ولا يرد على هذا كونه ﷺ بعث إلى الناس كافة عربا وعجما وغيرهم لأن اللسان الذي نزل عليه به الوحي عربي وهو يبلغه إلى طوائف العرب، وهم يترجمونه لغير العرب بألسنتهم". قال ابن حجر: "ولذا قال ابن المنير: "كان إدخال هذا الحديث في الباب الذي قبله أليق، لكن لعله قصد التنبيه على أن الوحي بالقرآن والسنة كان على صفة واحدة ولسان واحد". (فتح الباري ٩/١٠ والباب المشار إليه في كلام بن النير هو: "باب كيف نزل الوحي) .
[ ٢ / ٧١١ ]
ورواه مسلم وأبو داود والبيهقي الجميع من طريق همام بن يحيى حدثنا عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى به١".
ورواه أحمد ومسلم والنسائي والحميدي وابن خزيمة والبيهقي الجميع من طريق ابن جريج قال: "أخبرني عطاء أن صفوان بن يعلى بن أمية أخبره به٢".
ورواه مسلم وأبو داود والنسائي والطحاوي والحازمي كلهم من طريق قيس بن سعد المكي يحدث عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية به٣".
رواه مسلم أيضا من طرق رباح بن أبي معروف قال سمعت عطاء قال: "أخبرني صفوان بن يعلى به٤".
ورواه مسلم أيضًا والحميدي والشافعي وأحمد والترمذي ابن خزيمة الجميع من طريق سفيان بن عيينة قال حدثنا عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية به٥".
ورواه البيهقي من طريق الشافعي٦".
_________________
(١) ١ صحيح مسلم ٢/٨٣٦و ٨٣٨ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه". وسنن أبي داود ١/٤٢٢-٤٢٣ كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه". والسنن الكبرى ٥/٥٦، ٧/٥٠ ودلائل النبوة ٣/٥٦ كلاهما للبيهقي". ٢ مسند أحمد ٤/٢٢٢". وصحيح مسلم ٢/٨٣٧ كتبا الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه". سنن النسائي ٥/٩٩-١٠٠ كتاب المناسك، باب الجبة في الإحرام". ومسند الحميدي ٢/٣٤٧، وصحيح ابن خزيمة ٤/١٩١-١٩٢". والسنن الكبرى للبيهقي ٧/٥٠". ٣ صحيح مسلم ٢/٨٣٧-٨٣٨ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة وما لا يباح وبيان تحريم الطيب عليه". وسنن أبي داود ١/٤٢٣ كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه". وسنن النسائي ٥/١١٠ كتاب المناسك باب في الخلوق للمحرم". شرح معاني الآثار للطحاوي ٢/١٢٦، والاعتبار للحازمي ص ١٤٨". ٤ صحيح مسلم ٢/٨٣٨ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة الخ". ٥ المصدر السابق ٢/٨٣٦-٨٣٧". مسند الحميدي ٢/٣٤٧، والأم للشافعي ٢/١٣٠". ومسند أحمد ٤/٢٢٤، وسنن الترمذي ٢/١٦٥ كتاب الحج، باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة". صحيح ابن خزيمة ٤/١٩٤". ٦ السنن الكبرى ٥/٥٦".
[ ٢ / ٧١٢ ]
ورواه أبو داود من طريق هشيم١ بن الحجاج عن عطاء عن صفوان بن يعلى به".
ومن طريق الليث بن سعد عن عطاء بن أبي رباح عن ابن يعلى ابن منية به ٢".
وأخرجه البيهقي من طريق أبي داود الثانية ٣".
ورواه الحازمي من طريق عبيد الله٤ بن أبي زياد عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية به٥.
ورواه مالك عن حميد بن قيس عن عطاء بن أبي رباح أن أعرابيا جاء إلى رسول الله ﷺ وهو بحنين وعلى الأعرابي قميص الحديث٦.
والحديث رواه همام بن يحيى وعبد الملك بن جريج وقيس بن سعد وعبيد الله بن أبي زياد ورباح بن أبي معروف وعمرو بن دينار والليث بن سعد والحجاج بن أرطأة كلهم عن عطاء بن أبي رباح عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه يعلى بن أمية.
بذكر "صفوان" بين عطاء ويعلى.
_________________
(١) ١ هشيم: "هو ابن بشير، والحجاج: "هو ابن أرطأة". ٢ سنن أبي داود ١/٤٢٣ كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه، ويعلى بن منية: "هو يعلى بن أمية انظر ص (٦٩٦) . ٣ السنن الكبرى ٥/٥٧". ٤ عبيد الله بن أبي زياد القداح، أبو الحصين، المكي ليس بالقوي، من الخامسة (ت ١٥٠) . /د ت س". (التقريب١/٥٣٣ وتهذيب التهذيب٧/١٤ والخلاصة للخزرجي ٢/١٩١، وفي ميزان الاعتدال ٣/٨ رمز لمن أخرج له ب (د ت ق) . وقال ابن حجر: "في التهذيب له عند (ق) حديث في الاسم الأعظم بعد أن علم لمن أخرج له بـ (د ت س) . والحديث عند ابن ماجه في ٢/١٢٦٧ كتاب الدعاء، باب اسم الله الأعظم، لكن وقع هناك "عبد الله" مكبرا، والصواب "عبيد الله" بالتصغير وبهذا يظهر أن الذي أخرج لعبيد الله هو أبو داود والترمذي (انظر مقدمة تحفة الأحوذي ٢/٨٨) وابن ماجة دون النسائي". «٥الاعتبار ص ١٤٨". ٦ الموطأ ١/٣٢٨ كتاب الحج، باب ما جاء في الطيب للمحرم". قال الكاندهلوي: "هكذا مرسلا في الموطأ ووصله الشيخان وأبو داود والنسائي والترمذي من طرق عن عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه". (أوجز المسالك ٦/٢٠٤) .
[ ٢ / ٧١٣ ]
ورواه أبو داود من طريق أبي بشر١ عن عطاء عن يعلى بن أمية٢.
ورواه أحمد من طريق منصور٣ وعبد الملك٤ عن عطاء عن يعلى ابن أمية٥".
ورواه الترمذي من طريق عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن يعلى بن أمية٦.
ورواه أبو داود الطيالسي من طريق قتادة عن عطاء عن يعلى بن أمية٧.
ومن طريق أبي داود الطيالسي أخرجه البيهقي٨.
فأبو بشر ومنصور وعبد الملك وقتادة رووا هذا الحديث عن عطاء عن يعلى بن أمية، بإسقاط "صفوان بن يعلى" بين عطاء ويعلى.
وقد ساق الترمذي الحديث من طريق عبد الملك فقال: "حدثنا قتيبة أخبرنا عبد الله بن إدريس عن عبد الملك بن أبي سليمان عن عطاء عن يعلى بن أمية قال: "رأى رسول الله ﷺ أعرابيا قد أحرم وعليه جبة فأمره أن ينزعها".
ثم قال: "حدثنا ابن أبي عمر٩ أخبرنا سفيان عن عمرو بن دينار عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه عن النبي ﷺ نحوه بمعناه".
_________________
(١) ١ هو بيان بن بشر الأحمسي - بمهملتين - أبو بشر الكوفي، ثقة ثبت، من الخامسة". /ع". (التقريب ١/١١١ وتهذيب التهذيب ١/٥٠٦) . ٢ سنن أبي داود ١/٤٢٣ كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه". ٣ منصور بن زاذان - بزاي وذال معجمة - الواسطي، أبو المغيرة الثقفي، ثقة ثبت عابد، من السادسة (ت ١٢٩) . على الصحيح". /ع". (التقريب ٢/٢٧٥ وتهذيب التهذيب ١٠/٣٠٦) . ٤ عبد الملك بن أبي سليمان - واسمه ميسرة - العرزمي- بفتح المهملة وسكون الراء، وبالزاي المفتوحة- صدوق، له أوهام من الخامسة (ت ١٤٥) . /خت م عم". (التقريب ١/٥١٩ وتهذيب التهذيب ٦/٣٩٦) وقد رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة، وقال عنه: "أحد الثقات المشهورين، تكلم فيه شعبة لتفرده عن عطاء بخبر الشفعة للجار". (ميزان الاعتدال ٢/٦٥٦) . ٥ المسند ٤/٢٢٤". ٦ سنن الترمذي:٢/١٦٥كتاب الحج، باب ماجاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة". ٧ منحة المعبود ١/٢١٢". ٨ السنن لكبرى ٥/٥٧". ٩ هو محمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، صدوق". قلت: "تابعه الحميدي والشافعي وأحمد في شيخه ابن عيينة". (انظر ص ١٠٨٨) .
[ ٢ / ٧١٤ ]
قال أبو عيسى: "وهذا أصح١ وفي الحديث قصة".
وهكذا روى قتادة الحجاج بن أرطأة وغير واحد عن عطاء عن يعلى بن أمية٢".
والصحيح ما روى عمرو بن دينار وابن جريج٣ عن عطاء عن صفوان بن يعلى عن أبيه عن النبي ﷺ ٤".
والحديث بجميع طرقه فيه أن السائل عن الإحرام غير يعلى بن أمية راوي الحديث وأن الرسول الله ﷺ أمره بنزع الجبة وغسل الخلوق ولم يأمره بإحداث إحرام من جديد".
إلا ما جاء عند النسائي من حديث نوح بن حبيب وهذا سياقه:
أخبرنا نوح٥ بن حبيب القومسي قال حدثنا يحيى بن سعيد٦ قال: "حدثنا ابن جريج قال: "حدثني عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه أنه قال: "ليتني أرى رسول الله ﷺ وهو ينزل عليه".
فبينا نحن بالجعرانة والنبي ﷺ في قبة فأتاه الوحي، فأشار إلى عمر أن تعال.
فأدخلت رأسي القبة فأتاه رجل قد أحرم في جبة بعمرة مضمخ بطيب فقال:
_________________
(١) ١ قال المباركفوري: "قوله: "وهذا أصح" أي رواية ابن أبي عمر بزيادة صفوان بين عطاء ويعلى، أصح من رواية قتيبة بن سعيد". ٢ وقوله: "وهكذا روى قتادة والحجاج بن أرطأة وغير واحد عن عطاء عن يعلى بن أمية أي بعدم ذكر "صفوان" بين عطاء ويعلى". (تحفة الأحوذي ٣/٥٧٥) . ٣ ورواية عمرو بن دينار عند مسلم والحميدي والشافعي وأحمد والترمذي وابن خزيمة". ورواية ابن جريج في الصحيحين وغيرهما". (انظر ص ٦٩٩-٧٠٠) . وقد وافقهما همام بن يحيى، وقيس بن سعد، ورباح بن أبي معروف، والليث بن سعد، وعبيد الله بن أبي زياد، كلّهم رووا هذا الحديث عن عطاء، فذكروا: "صفوان"، بين عطاء ويعلى بن أمية". (انظر ص: "٧٠١) . ٤ سنن الترمذي ٢/١٦٥-١٦٦ كتاب الحج، باب ما جاء في الذي يحرم وعليه قميص أو جبة". ٥ نوح بن حبيب القومسي - بضم القاف وسكون الواو آخره مهملة - البذشي- بفتح الموحدة بعدها المعجمة - أبو محمد، ثقة سني، من العاشرة (ت٢٤٢) ./ د س". (التقريب٢/٣٠٨ وتهذيب التهذيب١٠/٤٨١ والخلاصة للخزرجي٣/١٠١) . ووقع في التقريب الطبعة الهندية والمصرية "نوح بن أبي حبيب". ٦ يحيى بن سعيد: "هو القطان".
[ ٢ / ٧١٥ ]
يا رسول الله، ما تقول في رجل قد أحرم في جبة، إذ أنزل عليه الوحي، فجعل النبي ﷺ يغط١ لذلك، فسري عنه فقال: "أين الرجل الذي سألني آنفا؟ ". فَأُتِيَ بالرجل فقال: "أما الجبة فاخلعها، وأما الطيب فاغسله ثم أحدث إحراما".
ثم قال النسائي: "قال أبو عبد الرحمن: "ثم أحدث إحراما" ما أعلم أحدًا قاله غير نوح بن حبيب، ولا أحسبه محفوظًا٢".
وأورد ابن حجر قول النسائي هذا".
ثم قال: "وقال البيهقي: "رواه جماعات غير نوح بن حبيب فلم يذكروها ٣، ولم يقبلها أهل العلم بالحديث من نوح بن حبيب٤".
ووقع عند الطحاوي أن الذي أحرم وعليه جبة هو يعلى بن أمية راوي الحديث وهذا سياقه:
حدثنا سليمان٥ قال: "ثنا عبد الرحمن٦ قال: "ثنا شعبة عن قتادة عن عطاء بن أبي رباح: "أن رجلا يقال له يعلى بن أمية أحرم وعليه جبة، فأمره رسول الله ﷺ أن ينْزعها" ٧.
قلت: "والحديث معضل".
والصحيح أن الذي أحرم في جبة غير يعلى بن أمية كما هو صريح الأحاديث المتقدمة عن يعلى في الصحيحين وغيرهما".
_________________
(١) ١ يغط: "بفتح أوله وكسر المعجمة وتشديد الطاء المهملة أي ينفخ". (فتح الباري ٣/٣٩٤) . ٢ سنن النسائي في ٥/٩٩-١٠٠ كتاب المناسك، باب الجبة في الإحرام". ٣ أي زيادة (٠ ثم أحدث إحراما". ٤ التلخيص الحبير ٢/٢٧٣". ٥ سليمان بن شعيب الكسائي المصري، ذكره ابن حجر في لسان الميزان ٣/٩٦ في ترجمة سليمان بن شعيب بن الليث بن سعد المصري، فقال: "فأما سليمان بن شعيب الكسائي المصري، فوثقه العقيلي وأصله من نيسابور يروي عن أسد بن موسى وخالد بن نزار ووهب بن جرير وعدة، روى عنه الطحاوي والحضائري وآخرون (ت ٢٧٨) . ٦ عبد الرحمن بن زياد الرصاصي، روى عن شعبة وغيره، وعنه الحميدي ودحيم ويوسف بن عدي وسعيد بن أسيد ويحيى بن سليمان وغيرهم، قال ابن أبي حاتم: "سألت أبي عنه فقال: "صدوق". (الجرح والتعديل ٥/٢٣٥) . ٧ شرح معاني الآثار ٢/١٣٩ وانظر نيل الأوطار للشوكاني ٥/٨".
[ ٢ / ٧١٦ ]
وقد أخذ العلماء من هذا الحديث المسائل الآتية:
المسألة الأولى: "أن السائل عن أحكام العمرة كان عارفا بأحكام الحج، ولذا قال له ﷺ: "وما كنت صانعا في حجك فاصنع في عمرتك".
قال النووي: "وهذا الحديث ظاهر في أن هذا السائل كان عالمًا بصفة الحج دون العمرة، فلهذا قال له ﷺ: "اصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك" ١".
وقال ابن حجر: "وهذا الحديث دال على أنه كان يعرف أعمال الحج قبل ذلك".
قال ابن العربي: "كأنهم كانوا في الجاهلية يخلعون الثياب ويجتنبون الطيب في الإحرام إذا حجوا، وكانوا يتساهلون في ذلك في العمرة، فأخبره النبي ﷺ أن مجراهما واحد".
وقال ابن المنير في "الحاشية" قوله "واصنع" معناه اترك لأن المراد بيان ما يجتنبه المحرم فيؤخذ منه فائدة حسنة وهي أن الترك فعل".
وأما قول ابن بطال أراد الأدعية وغيرها مما يشترك فيه الحج والعمرة ففيه نظر، لأن التروك مشتركة، بخلاف الأعمال فإن في الحج أشياء زائدة على العمرة كالوقوف وما بعده".
وقال الباجي: "المأمور به غير نزع الثوب وغسل الخلوق، لأنه صرح له بهما فلم يبق إلا الفدية٢، قال ابن حجر: "كذا قال ولا وجه لهذا الحصر، بل الذي تبين من طريق أخرى أن المأمور به الغسل والنزع، وذلك عند مسلم والنسائي من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عطاء في هذا الحديث أن رجلا أتى النبي ﷺ وقد أهل بعمرة وعليه مقطعات٣ - يعني جبة - وهو متضمخ بخلوق فقال: "أهللت بعمرة فما أصنع؟ ". فقال له النبي ﷺ: "ما كنت صانعا في حجك؟ ".
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٠، والمنتقى للباجي ٢/٢٠٢. ٢ انظر: "المنتقى للباجي: "٢/٢٠٢. ٣ مقطعات: "هي بفتح الطاء المشددة وهي الثياب المخيطة، وأوضحه في الحديث بقوله "يعني جبة" ومتضمخ: "بالضاد والخاء المعجمتين، أي متلوث به مكثر منه". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥١) .
[ ٢ / ٧١٧ ]
قال: "كنت أنزع عني هذه الثياب وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له النبي ﷺ: "ما كنت صانعا في حجك فاصنعه في عمرتك" ١.
المسألة الثانية: "أن من تطيب أو ليس جاهلًا ناسيًا لإحرامه فلا كفارة عليه".
قال البخاري: "باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص".
ثم قال: "قال عطاء: "إذا تطيب أو لبس جاهلًا أو ناسيًا فلا كفارة عليه".
ثم ساق في الباب حديث يعلى بن أمية من طريق عطاء٢".
قال ابن حجر: "قوله باب إذا أحرم جاهلا وعليه قميص، أي هل يلزمه فدية أولا؟
وإنما لم يجزم بالحكم لأن حديث الباب لا تصريح فيه بإسقاط الفدية، ومن ثم استظهر المصنف للراجح بقول عطاء راوي الحديث كأنه يشير إلى أنه لو كانت الفدية واجبة لما خفيت عن عطاء وهو راوي الحديث".
وقال ابن بطال وغيره: "وجه الدلالة منه أنه لو لزمته الفدية لبينها ﷺ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز".
وفرق مالك - فيمن تطيب أو لبس ناسيا - بين من بادر فنزع وغسل وبين من تمادى".
والشافعي أشد موافقة للحديث لأن السائل في حديث الباب كان غير عارف بالحكم وقد تمادى ومع ذلك لم يؤمر بالفدية".
وقول مالك فيه احتياط٣.
وقال النووي: "وفي الحديث أن من أصابه طيب ناسيا أو جاهلا ثم علم وجبت عليه المبادرة إلى إزالته، وفيه أن من أصابه في إحرامه طيب ناسيا أو جاهلا لا كفارة عليه".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٣/٣٩٤-٣٩٥، وعون المعبود ٥/٢٦٦، ونيل الأوطار ٥/٨-٩ والحديث المشار إليه عند مسلم والنسائي، صحيح مسلم ٢/٨٣٦-٨٣٧ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح، بيان تحريم الطيب عليه". سنن النسائي ٥/١١٠ كتاب المناسك، باب في الخلوق للمحرم، مسند الحميدي ٢/٣٤٧ وانظر تعليقة (٣) ص (٦٩٨) . ٢ صحيح البخاري ٣/١٥-١٦ كتاب جزاء الصيد". ٣ فتح الباري ٤/٦٣ والأم للشافعي ٢/١٣٠-١٣١". وصحيح ابن خزيمة ٤/١٩١".
[ ٢ / ٧١٨ ]
وهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء والثوري وإسحاق وداود.
وقال مالك وأبو حنيفة والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: "عليه الفدية، لكن الصحيح من مذهب مالك أنه إنما تجب الفدية على المتطيب ناسيا أو جاهلا إذا طال لبثه عليه١".
وقال ابن حجر: "واستدل بالحديث على أن من أصابه طيب في إحرامه ناسيا أو جاهلا ثم علم فبادر إلى إزالته فلا كفارة عليه".
وقال مالك: "إن طال ذلك عليه لزمه".
وعن أبي حنيفة وأحمد في رواية يجب مطلقًا٢".
وأجاب ابن المنير: "في "الحاشية" عن هذا الحديث بأن الوقت الذي أحرم فيه الرجل في الجبة كان قبل نزول الحكم ولهذا انتظر النبي ﷺ الوحي".
قال: "ولا خلاف أن التكاليف لا يتوجه على المكلف قبل نزول الحكم فلهذا لم يؤمر الرجل بفدية عما مضى".
بخلاف من لبس الآن جاهلا فإنه جهل حكما استقر وقصر في علم ما كان عليه أن يتعلمه لكونه مكلفا به وقد تمكن من تعلمه٣".
المسألة الثالثة: "استحباب الطيب لمن أراد الإحرام وجواز استدامة".
قال ابن هبيرة: "اتفق العلماء على استحباب الطيب من أراد الإحرام إلا مالكا فإنه قال: "يكره للمحرم أن يتطيب قبل الإحرام بما بقي ريحه بعده٤".
وقال ابن رشد: "أجمع العلماء على أن الطيب كله يحرم على المحرم بالحج والعمرة في حال إحرامه".
واختلفوا في جوازه للمحرم عند الإحرام قبل أن يحرم لما بقي من أثره عليه بعد
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٠". ٢ فتح الباري ٣/٣٩٥ ونيل الاوطار للشوكاني ٥/٩ وعون المعبود ٥/٢٦٨". ٣ فتح الباري ٤/٦٣". ٤ الإفصاح ١/٢٧٠، والمنتقى للباجي ٢/٢٠١".
[ ٢ / ٧١٩ ]
الإحرام، فكرهه قوم وأجازه آخرون، وممن كرهه مالك، ورواه عن عمر بن الخطاب١، وهو قول عثمان وابن عمر وجماعة من التابعين".
وممن أجازه أبو حنيفة والشافعي والثوري وأحمد وداود، والحجة لمالك حديث يعلى بن أمية ثم ساق الحديث والشاهد منه "قول الرسول ﷺ للسائل: "أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها".
ثم قال: "وعمدة الفريق الثاني ما رواه مالك عن عائشة أنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم لحله قبل أن يطوف بالبيت٢".
وقال ابن حجر: "واستدل بحديث يعلى على منع استدامة الطيب بعد الإحرام للأمر بغسل أثره من الثوب والبدن، وهو قول مالك ومحمد ابن الحسن".
وأجاب الجمهور بأن قصة يعلى كانت بالجعرانة كما ثبت في هذا الحديث، وهي سنة ثمان بلا خلاف، وقد ثبت عن عائشة - ﵂ - قالت:
٢٩٤- "طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف، وبسطت يديها"٣.
وكان ذلك في حجة الوداع سنة عشر بلا خلاف، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من الأمر، وبأن المأمور بغسله في قصة يعلى إنما هو الخلوق لا مطلق الطيب، فلعل علة الأمر فيه ما خالطه من الزعفران، وقد ثبت النهي عن تزعفر الرجل مطلقا محرما وغير محرم٤".
_________________
(١) ١ الحديث في الموطأ ١/٣٢٩ كتاب الحج، باب ما جاء في الطيب في الحج ونص الحديث: "أن عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيب وهو بالشجرة فقال: "ممن ريح هذا الطيب؟ فقال معاوية بن أبي سفيان: "مني يا أمير المؤمنين، فقال: "منك؟ لعمر الله، فقال معاوية: "إن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين". فقال عمر: "عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه". وانظر: "الإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي ص١٠٣-١٠٤". ٢ بداية المجتهد ١/٣٢٨ وحديث عائشة في الموطأ ١/٣٢٨ كتاب الحج، باب ما جاء في الطيب في الحج". ورواه البخاري ومسلم في صحيحيهما كلاهما من طريق مالك انظر صحيح البخاري ٢/١١٥ كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، صحيح مسلم ٢/٨٤٦ كتاب الحج، باب الطيب للمحرم عند الإحرام، وانظر: "أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكاندهلوي ٦/١٩٨". ٣ الحديث في صحيح البخاري ٢/١١٥ كتاب الحج، باب الطيب عند الإحرام، و٢/١٤٩ باب الطيب بعد رمي الجمار، و٧/١٤٠-١٤١ كتاب اللباس، باب تطييب المرأة زوجها بيديها، باب الطيب في الرأس واللحية، وباب الذريرة". وصحيح مسلم ٢/٨٤٦-٨٥٠ كتاب الحج، باب طيب للمحرم عند الإحرام". ٤ الحديث في صحيح البخاري ٧/١٣١ كتاب اللباس، باب التزعفر للرجال".
[ ٢ / ٧٢٠ ]
٢٩٥- وفي حديث ابن عمر: "ولا يلبس - أي المحرم - من الثياب شيئا مسه زعفران"١.
٢٩٦- وفي حديث ابن عباس٢ ولم ينه إلا عن الثياب المزعفرة"٣. إهـ.
وقد استدل القائلون بكراهية التطيب للمحرم قبل إحرامه بأدلة أخرى، وقد أجاب عنها العلماء وبينوا بأنها لا تقوى على دفع الأحاديث الواردة بجواز التطيب لمن أراد الإحرام قبل إحرامه وذلك لصراحتها وصحتها وتأخرها٤.
ففي حديث عائشة الثابت في الصحيحين وغيرهما أنها قالت: "كنت أطيب رسول الله ﷺ لإحرامه قبل أن يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت".
وفي لفظ: قالت: "طيبت رسول الله بيدي بذريرة٥ في حجة الوادع للحل والإحرام".
وفي لفظ عنها عند النسائي قالت: "لقد رأيت وبيص الطيب في مفارق رسول الله ﷺ بعد ثلاث" ٦
المسألة الرابعة: "أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه ولا يلزمه تمزيقه.
_________________
(١) ١ الحديث في صحيح البخاري٢/١١٥-١١٦كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب، وصحيح مسلم ٢/٨٣٤-٨٣٥ كتاب الحج، باب ما يباح للمحرم بحج أو عمرة، وما لا يباح، بيان تحريم الطيب عليه". ٢ حديث ابن عباس في صحيح البخاري ٢/١١٦ كتاب الحج، باب ما يلبس المحرم من الثياب والأردية والأزر ولفظه: "فلم ينه عن شيء من الأردية والأزر تلبس إلا المزعفرة التي تردع على الجلد". ٣ فتح الباري ٣/٣٩٥و٣٩٦و٣٩٨ وشرح معاني الآثار للطحاوي ٢/١٢٦، والمغني لابن قدامة ٣/٢٧٣-٢٧٤، وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٦٨". ٤ أو المنهي عنه في حديث يعلى بن أمية هو الخلوق وهو حرام على الرجال في حال الإحرام وغيره". ٥ الذريرة: "بفتح الذال المعجمة وراءين بوزن عظيمة، نوع من الطيب مجموع من أخلاط". وقيل: "وهي فتات القصب طيب: "يجاء به من الهند". (النهاية لابن الأثير ٢/١٥٧، وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٧٠، وهدي الساري لابن حجر ص ١١٨ وفتح الباري ١٠/٣٨١) . ٦ سنن النسائي ٥/١٠٨-١٠٩ كتاب المناسك، باب موضع الطيب". وانظر: "الأم للشافعي ٢/١٣٠-١٣١". وشرح معاني الآثار للطحاوي ٢/١٢٦-١٣٣، والمحلى لابن حزم٧/٨٥-٩٩". وصحيح ابن خزيمة ٤/١٩٢-١٩٤، والمغني لابن قدامة ٣/٢٧٣-٢٧٤". وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٦٨". وفتح الباري لابن حجر ٣/٣٩٨-٤٠٠ و٥٨٥". نيل الأوطار للشوكاني ٤/٣٤٠-٣٤١ والسيل الجرار له ٢/١٨٠-١٨١". وانظر: "حديث (٢٩٤) .
[ ٢ / ٧٢١ ]
قال النووي: "قوله ﷺ في الحديث "واخلع عنك جبتك" دليل لمالك وأبي حنيفة والشافعي والجمهور أن المحرم إذا صار عليه مخيط ينزعه، ولا يلزمه شقه".
وقال الشعبي والنخعي: "لا يجوز نزعه لئلا يصير مغطيا رأسه، بل يلزمه شقة، وهذا مذهب ضعيف١".
وقال الخرقي: "ومن أحرم وعليه قميص خلعه ولم يشقه"٢.
قال ابن قدامة: "هذا قول أكثر أهل العلم، وحكي عن الشعبي٣ والنخعي٤ وأبي قلابة٥ وأبي صالح ذكوان٦: "أنه يشق ثيابه لئلا يتغطى رأسه حين ينزع القميص منه".
ولنا: "ما روى يعلى بن أمية "أن رجلا أتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله كيف ترى في رجل أحرم بعمرة في جبة بعدما تضمخ بطيب؟ فنظر إليه رسول الله ساعة ثم سكت، فجاءه الوحي فقال له النبي ﷺ: "أنا الطيب الذي بك فاغسله، وأما الجبة فانزعها ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك".
ثم قال: "قال عطاء: "كنا قبل أن نسمع هذا الحديث نقول فيمن أحرم وعليه قميص أو جبة فليخرقها عنه، فلما بلغنا هذا الحديث أخذنا به، وتركنا ما كنا نفتي به قبل ذلك، لأن في شق الثوب إضاعة ماليته وقد نهى النبي ﷺ عن إضاعة المال٧".أهـ.
٢٩٧- قلت: "وقد روى أبو داود الطيالسي والطحاوي كلاهما من طريق شعبة عن قتادة عن عطاء عن يعلى بن أمية "أن النبي ﷺ رأى رجلا عليه جبة عليها أثر
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٢٥٠". ٢ المختصر مع المغني ٣/٢٩٤". ٣ الشعبي: "هو عامر بن شراحيل "ثقة فقيه مشهور" تقدم". ٤ هو إبراهيم بن يزيد بن قيس بن الأسود النخعي، أبو عمران الكوفي، الفقيه ثقة، إلا أنه يرسل كثيرا، من الخامسة (ت ١٩٦) ./ ع". (التقريب ١/٤٦) . ٥ أبو قلابة هو عبد الله بن زيد الجرمي، تقدم في حديث (٢٥١) . ٦ هو: "ذكوان أبو صالح، السمان الزيات". ٧ المغني لابن قدامة ٣/٢٩٤، وفتح الباري لابن حجر ٣/٣٩٥".
[ ٢ / ٧٢٢ ]
الخلوق أو صفرة، فقال: "اخلعها عنك واجعل في عمرتك ما تجعل في حجك".
قال قتادة: "فقلت لعطاء نسمع أن قال: "شقها، قال: "هذا فساد والله لا يحب الفساد١".
٢٩٨- وقال الشافعي: "أخبرنا سعيد٢ بن سالم عن ابن جريج عن عطاء أنه كان يقول: "من أحرم في قميص أو جبة فلينزعها نزعا ولا يشقها".
قال الشافعي: "والسنة كما قال عطاء لأن رسول الله ﷺ أمر صاحب الجبة أن ينزعها ولم يأمره بشقها٣".
وروى أبو داود من طريق عطاء عن صفوان بن يعلى بن أمية عن أبيه قصة السائل عن العمرة في الجعرانة، فقال له النبي ﷺ "اخلع جبتك، فخلعها من رأسه" ٤".
قال الخطابي: "في هذا الحديث من الفقه أن من أحرم وعليه ثياب مخيط من قميص وجبة ونحوهما لم يكن عليه تمزيقه وأنه إذا نزعه من رأسه لم يلزمه دم، وقد روى عن إبراهيم النخعي أنه قال: "يشقه". وعن الشعبي قال: "يمزق ثيابه". اهـ.
قال صاحب عون المعبود: "وهذا خلاف السنة لأن النبي ﷺ أمره بخلع الجبة وخلعها الرجل من رأسه فلم يوجب عليه غرمة، وقد نهى ﷺ عن إضاعة المال، وتمزيق الثياب تضييع له، فهو غير جائز٥".
_________________
(١) ١ منحة المعبود ١/٢١٢ واللفظ له، وشرح معاني الآثار للطحاوي ٢/١٣٩". ٢ سعيد بن سالم القداح، أبو عثمان المكي، أصله من خراسان أو الكوفة، صدوق يهم رمي بالإرجاء، وكان فقيها من كبار التاسعة (ت قبل ٢٠٠) . /د س". (التقريب ١/٢٩٦ وتهذيب التهذيب ٤/٣٥) . ٣ الأم ٢/١٣٠ وصحيح ابن خزيمة ٤/١٩٥". ٤ سنن أبي داود ١/٤٢٣ كتاب المناسك، باب الرجل يحرم في ثيابه". ٥ عون المعبود ٥/٢٦٦".
[ ٢ / ٧٢٣ ]
الحكم السابع عشر: عمرة الرسول ﷺ من الجعرانة
بعد أن رجع رسول الله ﷺ من حصار الطائف نزل الجعرانة وكان بها غنائم هوازن، فمكث بها بضع عشرة ليلة قسم خلالها الغنائم بين المقاتلين ثم أحرم منها بعمرة ثم توجه إلى مكة ولما فرغ من عمرته عاد إلى الجعرانة من ليلته ثم توجه منها إلى المدينة المنورة.
قال ابن إسحاق: "ثم خرج رسول الله ﷺ من الجعرانة١ معتمرا، وأمر ببقايا الفيء فحبس بمجنة بناحية مر الظهران، فلما فرغ رسول الله ﷺ من عمرته انصرف راجعا إلى المدينة، واستخلف عتاب بن أسيد على مكة، وخلف معاذ بن جبل، يفقه الناس في الدين، ويعلمهم القرآن، واتبع رسول الله ﷺ ببقايا الفيء٢".
ونقل ابن كثير قول ابن إسحاق هذا ثم قال: "الظاهر أنه ﵇ إنما استبقى بعض المغنم ليتألف به من يلقاه من الأعراب فيما بين مكة والمدينة ٣".
وقد وردت في عمرة الجعرانة الأحاديث الآتية: "حديث أنس بن مالك عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
٢٩٩- قال: "حدثنا هدبة٤ بن خالد حدثنا همام عن قتادة أن أنسًا - ﵁ - أخبره قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عُمَرٍ، كلهن في ذي القعدة إلا التي كانت مع حجته: "عمرة الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة،
_________________
(١) ١ قال السهيلي في الروض الأنف ٧/٢٧٩: "وقد ذكر أن المرأة التي نقضت غزلها من بعد قوة كانت تُلقب بالجعرانة، واسمها: "ريطة بنت سعد، وأن الموضع يسمى بها". ٢ سيرة ابن هشام ٢/٥٠٠ وتاريخ الطبري ٣/٩٤-٩٥". ٣ البداية والنهاية ٤/٣٦٨". ٤ هدبة - بضم أوّله وسكون الدال، بعدها موحدة - ابن خالد بن الأسود القيسي، أبو خالد البصري- ويقال له: "هداب بالتثقيل وفتح أوله". وهمام: "هو ابن يحيى".
[ ٢ / ٧٢٤ ]
وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة وعمرة مع حجته" ١.
والحديث رواه مسلم وأبو داود والترمذي وأحمد وابن سعد والدارمي وأبو يعلى وابن خزيمة والبيهقي الجميع من طريق همام بن يحيى عن قتادة به٢.
وفي لفظ عند مسلم وأحمد عن قتادة قال: "سألت أنسًا كَمْ حج رسول الله ﷺ قال واحدة ٣، واعتمر أربع عمر".
حديث ابن عباس عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أبي داود:
_________________
(١) ١ صحيح البخاري٣/٤كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي ﷺ، و٤/٥٨كتاب الجهاد، باب من قسم الغنيمة في غزوه وسفره،٥/١٠١كتاب المغازي، باب غزوة الحديبية". ٢ صحيح مسلم ٢/٩١٦ كتاب الحج، باب بيان عمر النبي ﷺ وزمانهن". وسنن أبي داود ١/٤٦٠ كتاب المناسك، باب العمرة". وسنن الترمذي ٢/١٥٦ كتاب الحج، باب ما جاء كَمْ حجّ النبي ﷺ؟ ومسند أحمد ٣/١٣٤و٢٤٥، و٢٥٦، والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧١". وسنن الدارمي ١/٣٦٠". ومسند أبي يعلى ٣/٢٨٣ و٢٩٨ أوب رقم (٣٠٣) . وصحيح ابن خزيمة ٤/٣٥٨". والسنن الكبرى ٤/٣٤٥ و٣٥٧، و٩/٥٦". ودلائل النبوة ٣/٥٦ ب كلاهما للبيهقي". ٣ وروى مسلم من طريق أبي إسحاق السبيعي قال: "حدثني زيد بن أرقم "أن رسول الله ﷺ غزا تسع عشرة، وأنه حج بعد ما هاجر حجة واحدة، حجة الوداع". قال أبو إسحاق: "وبمكة أخرى". (صحيح مسلم ٢/٩١٦ كتاب الحج، باب بيان عدد عمر النبي ﷺ) قال النووي: "قوله: "قال أبو إسحاق: "وبمكة أخرى" يعني قبل الهجرة، وقد روي في غير مسلم: "قبل الهجرة حجتان، (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٩١) . قلت: "الحديث الذي أشار إليه النووي عند غير مسلم: "رواه الترمذي وابن خزيمة والدارقطني كلهم من طريق زيد بن الحباب ثنا سفيان الثوري عن جعفر بن محمد ابن علي بن الحسين الهاشمي عن أبيه عن جابر بن عبد الله "أن النبي ﷺ حج ثلاث حجج: "حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعد ما هاجر معها عمرة" الحديث". ثم قال الترمذي: "هذا حديث غريب من حديث سفيان لا نعرفه إلا من حديث زيد ابن الحباب، ورأيت عبد الله بن عبد الرحمن - يعني الدارمي - روى هذا الحديث في كتبه عن عبد الله بن أبي الزياد، وسألت محمدا - يعني البخاري - عن هذا فلم يعرفه من حديث الثوري عن جعفر عن أبيه عن جابر عن النّبي ﷺ، ورأيته لا يعدّ هذا الحديث محفوظًا". وقال: "إنما يروى عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد مرسلًا". (سنن الترمذي ٢/١٥٥ كتاب الحج، باب ما جاء كَمْ حجّ النبي ﷺ وصحيح ابن خزيمة ٤/٣٥٢ وسنن الدارقطني ٢/٢٧٨) . قلت: "في التقريب ١/٢٧٣: "زيد بن الحباب: "صدوق يخطىء في حديث النووي". إهـ". وقد تابعه عبد الله بن داود الخريْبِي في شيخه سفيان الثوري عند ابن ماجة وعبد الله ثقة، وهي متابعة تامة، ورجال ابن ماجة ثقات، ما عدا جعفر بن محمد فقال عنه ابن حجر: "صدوق". (سنن ابن ماجة ٢/١٠٢٧ كتاب المناسك، باب حجة رسول الله ﷺ) .
[ ٢ / ٧٢٥ ]
٣٠٠- قال: "حدثنا أبو سلمة١ موسى ثنا حماد عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس "أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا٢ بالبيت وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم قد قذفوها على عواتقهم٣ اليسرى" ٤".
والحديث رواه أحمد والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حماد بن سلمة عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس به".
وزادوا بعد قوله "الجعرانة" فاضطبعوا٥".
ورواه أيضا أبو داود وأحمد والطبراني كلهم من طريق حماد بن سلمة أنبأنا عبد اله بن عثمان بن خيثم عن أبي الطفيل٦ عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ وأصحابه اعتمروا من الجعرانة فرملوا بالبيت ثلاثًا ومشوا أربعًا" ٧.
ورواه البيهقي من طريق يحيى٨ بن سليم الطائفي عن عبد الله بن عثمان بن
_________________
(١) ١ أبو سلمة: "هو التبوذكي، ثقة ثبت تقدم في حديث (٩١)، وحماد: "ابن سلمة "ثقة عابد" تقدم في حديث (٣٦) وابن خُثيم "صدوق" تقدم في حديث (١٦٤) وسعيد بن جبير "ثقة ثبت فقيه" تقدم في حديث (٩٢) . ٢ قوله: "فرملوا"، قال النووي: "الرمل بفتح الراء والميم، وهو إسراع المشي مع تقارب الخطى، ولا يثب وثبا، والرمل مستحب في الطوفات الثلاث الأول من السبع، ولا يسن ذلك إلا في طواف العمرة، وفي طواف واحد في الحج واختلفوا في ذلك الطواف وهما قولان للشافعي ففي أصحهما: "أنه إنما يشرع في طواف يعقبه سعي". ويتصوّر ذلك في طواف القدوم، ويتصوّر في طواف الإفاضة، ولا يتصوّر في طواف الوداع؛ لأن شرط طواف الوداع أن يكون قد طاف للإفاضة، فعلى هذا القول إذا طاف للقدوم وفي نيته أنه يسعى بعده استحب الرمل فيه، وإن لم يكن هذا في نيته لم يرمل فيه، بل يرمل في طواف الإفاضة". والقول الثاني: "أنه يرمل في طواف القدوم سواء أراد السعي بعده أم لا، واتفق العلماء على أن الرمل لا يشرع للنساء كما لا يشرع لهن شدة السعي بين الصفا المروة". (شرح النووي ٣/٣٩٧) . ونقل ابن المنذر الإجماع على ذلك (العدة للمقدسي ص ١٨٨) . ٣ العاتق: "ما بين المنكب والعنق، والمراد أن يجعل الرداء تحت العاتق الأيمن ويجعل أطرافه على عاتقه الأيسر". (المصباح المنير ٢/٤٦٥، وعون المعبود ٥/٣٣٧) . ٤ سنن أبي داود ١/٤٣٥ كتاب المناسك، باب الاضطباع في الطواف". ٥ مسند أحمد ١/٣٠٦و٣٧١ والمعجم الكبير للطبراني ١٢/٦٢". والسنن الكبرى ٥/٧٩ ودلائل النبوة ٣/٥٦ ب كلاهما للبيهقي". ٦ أبو الطفيل: "هو عامر بن واثلة". ٧سنن أبي داود ١/٤٣٦ كتاب المناسك، باب في الرمل". ومسند أحمد ١/٢٩٥ و٣٠٦". والمعجم الكبير للطبراني ١٠/٣٢٨". ٨ قال فيه ابن حجر في التقريب ٢/٣٤٩: "صدوق سيء الحفظ".
[ ٢ / ٧٢٦ ]
خُثيم عن أبي الطُّفيل عن عبد الله بن عباس قال: "اضطبع رسول الله ﷺ هو وأصحابه ورملوا ثلاثة أشواط ومشوا أربعا" ١.
فهذا الحديث رواه عبد الله بن عثمان بن خُثيم عن شيخين هما سعيد بن جبير وأبو الطفيل، وتابع يحيى بن سليم الطائفي حماد بن سلمة في شيخه عبد الله بن عثمان بن خثيم.
وحديث ابن عباس من طريق سعيد بن جبير عنه قال فيه الشوكاني: "وحديث ابن عباس أخرج نحوه الطبراني، وسكت عنه أبو داود والمنذري والحافظ في التلخيص ورجاله رجال الصحيح".
وقد صحح حديث الاضطباع النووي في شرح مسلم٢. إهـ.
وصححه الألباني أيضا٣.
وحديث ابن عباس الثاني من طريق أبي الطُّفيل عنه.
رجاله رجال الصحيح أيضًا.
وقال الألباني: "هذا إسناد صحيح٤".
حديث ابن عباس أيضا عند أبي داود والترمذي وابن ماجة وغيرهم وهذا سياقه عند أبي داود قال:
٣٠١- حدثنا النفيلي٥ وقتيبة٦ قالا أخبرنا داود٧ بن عبد الرحمن العطار عن عمرو٨ بن دينار عن عكرمة٩ عن ابن عباس قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر:
_________________
(١) ١ السنن الكبرى ٥/٧٩". ٢ نيل الأوطار ٥/٤٤ وانظر التلخيص الحبير ٢/٢٣١". ٣ إرواء الغليل ٤/٢٩٢-٢٩٣. ٤ المصدر السابق ٤/٢٩٣. ٥ النفيلي: "هو عبد الله بن محمد "ثقة حافظ". (التقريب ١/٤٤٨) . ٦ قتيبة بن سعد بن جميل، ثقة ثبت. ٧ داود بن عبد الرحمن العطار أبو سليمان المكي، ثقة، لم يثبت أن ابن معين تكلم فيه، من الثامنة، (ت١٧٤أو١٧٥) ./ع". (التقريب١/٢٣٣ وتهذيب التهذيب٣/١٩٢) . ٨ عمرو بن دينار المكي، ثقة ثبت". ٩ عكرمة بن عبد الله مولى ابن عباس "ثقة ثبت" تقدم في حديث (٦٧) .
[ ٢ / ٧٢٧ ]
الأولى: "عمرة الحديبية".
والثانية: "حين١ تواطؤوا على عمرة من قابل:
والثالثة: "من الجعرانة:
والرابعة: "التي قرن مع حجته" ٢.
والحديث رواه الترمذي وابن ماجة وأحمد والدارمي وابن سعد وابن حبان، والحاكم الجميع من طريق داود بن عبد الرحمن العطار به٣".
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي". وأعله الترمذي بالإرسال، فقد ساق الحديث عن قتيبة عن داود ابن عبد الرحمن العطار عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس: "أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر" الحديث".
ثم قال: "وفي الباب عن أنس٤ وعبد الله٥ بن عمرو وابن عمر، قال أبو عيسى: "حديث ابن عباس حديث غريب".
وروى ابن عيينة هذا الحديث عن عمرو بن دينار عن عكرمة أن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر، ولم يذكر فيه عن ابن عباس".
حدثنا بذلك سعيد٦ بن عبد الرحمن المخزومي أخبرنا سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة عن النبي ﷺ فذكر نحوه٧".إهـ.
_________________
(١) ١ قوله: "حين تواطؤوا على عمرة من قابل"، أي: "حين توافقوا وصالحوا في الحديبية على أداء العمرة في السنة القابلة". (عون المعبود ٥/٤٧٠) . ٢ سنن أبي داود ١/٤٦٠ كتاب المناسك، باب العمرة. ٣ سنن الترمذي ٢/١٥٦ كتاب الحج باب ما جاءكم اعتمر النبي ﷺ. وسنن ابن ماجة ٢/٩٩٩ كتاب المناسك، باب كم اعتمر النبي ﷺ. ومسند أحمد ١/٢٤٦و ٣٢١. وسنن الدارمي ١/٣٧٩ كتاب المناسك، باب كَمِ اعتمر النبي ﷺ. والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧٠، وصحيح ابن حبان كما في موارد الظمآن ص ٢٥١، المستدرك للحاكم ٣/٥٠. ٤ حديث أنس تقدم برقم (٢٩٩) . ٥ وحديث عبد الله بن عمرو، قال المباركفوري: "فلينظر من أخرجه". (تحفة الأحوذي ٣/٥٤٧) . ٦ ثقة تقدم في حديث (٥١)، وسفيان بن عيينة تقدم في حديث (٥١) . ٧ سنن الترمذي ٢/١٥٦ كتاب الحج، باب ما جاء كم اعتمر النبي ﷺ".
[ ٢ / ٧٢٨ ]
وحديث ابن عمر أخرجه البخاري ومسلم كلاهما من طريق منصور١ عن مجاهد عنه إلاّ أنه قال: "اعتمر رسول الله ﷺ أربع عمر إحداهن في رجب". وهذا سياقه:
٣٠٢- عن مجاهد قال: "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله بن عمر ﵄ جالس إلى حجرة عائشة وإذا ناس يصلون صلاة الضحى، قال فسألناه عن صلاتهم فقال: "بدعة٢، ثم قال له٣: "كم اعتمر رسول الله ﷺ؟
قال: "أربعا، إحداهن في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال: "وسمعنا استنان٤ عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: "يا أماه يا أم المؤمنين، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ ٥". قالت: "ما يقول؟ قال: "يقول: "إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب، قالت: "يرحم الله أبو عبد الرحمن، ما اعتمر النبي ﷺ إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط" ٦.
وفي لفظ عند مسلم: فقالت: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن لعمري ما اعتمر في رجب وما اعتمر من عمرة إلا وإنه لمعه، قال: "وابن عمر يسمع فما قال: "لا، ولا نعم، سكت" ٧.
قال النووي: "- أثناء شرحه لحديث أنس بن مالك، قوله: "اعتمر النبي ﷺ
_________________
(١) ١ منصور: "هو ابن المعتمر". (فتح الباري ٣/٦٠٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٣١٢) . ٢ قال النووي: "وأما ما صح عن ابن عمر أنه قال في الضحى: "هي بدعة فمحمول على أن صلاتها في المسجد والتظاهر بها كما كانوا يفعلونه بدعة، لا أنّ أصلاتها في البيوت ونحوها مذموم، أو يقال قوله: "بدعة أي المواظبة عليها، لأن النبي ﷺ لم يواظب عليها خشية أن تفرض، وهذا في حقه ﷺ، وقد ثبت استحباب المحافظة في حقنًا بحديث أبي الدرداء، وأبي ذر، أو يقال: "إن ابن عمر لم يبلغه فعل النبي ﷺ الضحى وأمره بها، ثم قال: "وكيف كان فجمهور العلماء على استحباب الضحى، وإنما نقل التوقف فيها عن ابن مسعود وابن عمر". (شرح النووي على صحيح مسلم ٢/٣٧٠ و٣/٣٩٢) . ٣ عند مسلم: "فقال له عروة يا أبا عبد الرحمن". ٤ الاستنان: "استعمال السواك، وهو افتعال من الأسنان: "أي يمره عليها". (النهاية لابن الأثير ٢/٤١١) . ٥ أبو عبد الرحمن: "كنيتة عبد الله بن عمر". ٦ صحيح البخاري ٣/٣ كتب العمرة، باب كم اعتمر النبي ﷺ و٥/١١٧ كتاب المغازي، باب عمرة القضاء". ٧ صحيح مسلم٢/٩١٦-٩١٧ كتاب الحج، باب بيان عدد عمر النبي ﷺ وزمانهن".
[ ٢ / ٧٢٩ ]
أربع عمر كلهن في ذي القعدة إلا التي مع حجته:
عمرة من العام المقبل في ذي القعدة.
وعمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة.
وعمرة الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة.
وعمرة مع حجته.
وفي الرواية الأخرى "حج حجة واحدة واعتمر أربع عمر" هذه رواية أنس.
وفي رواية ابن عمر "أربع عمر إحداهن في رجب" وأنكرت ذلك عائشة وقالت لم يعتمر النبي ﷺ قط في رجب، فالحاصل من رواية أنس وابن عمر اتفاقهما على أربع عمر، وكانت:
إحداهن: "في ذي القعدة عام الحديبية سنة ست من الهجرة وصدوا فيها فتحللوا وحسبت لهم عمرة".
والثانية: "في ذي القعدة وهي سنة سبع، وهي عمرة القضاء".
والثّالثة: "في ذي القعدة سنة ثمان، وهي عام الفتح".
والرابعة: "مع حجته وكان إحرامها في ذي القعدة وأعمالها في ذي الحجة".
وأما قول ابن عمر إن إحداهن في رجب، فقد أنكرته عائشة، وسكت ابن عمر حين أنكرته".
قال العلماء: "هذا يدل على أنه اشتبه عليه أو نسي أو شك، ولهذا سكت عن الإنكار على عائشة ومراجعتها بالكلام، فهذا الذي ذكرته هو الصواب الذي يتعين المصير إليه"١".
وقال ابن قيم الجوزية: "من قال من العلماء بأنه ﷺ اعتمر في رجب فقد غلط، فإن عمره ﷺ مضبوطة محفوظة، لم يخرج في رجب إلى شيء البتة".
ثم قال: "وعذر من قال بأنه اعتمر في رجب، حديث عبد الله بن عمر أن النبي ﷺ اعتمر في رجب" وهو متفق عليه".
وقد غلطته عائشة وغيرها، كما في الصحيحين".
عن مجاهد، قال: "دخلت أنا وعروة بن الزبير المسجد، فإذا عبد الله ابن عمر جالس إلى حجرة عائشة" الحديث.
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٩٠ وفتح الباري ٣/٦٠٢، والإجابة لإيراد ما استدركته عائشة على الصحابة للزركشي ص ١٠٤-١٠٥".
[ ٢ / ٧٣٠ ]
وفيه "ثم قلنا له: "كم اعتمر رسول الله ﷺ؟ قال: "أربعا، إحداهن: "في رجب، فكرهنا أن نرد عليه، قال: "وسمعنا استنان عائشة أم المؤمنين في الحجرة، فقال عروة: "يا أمه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: "ما يقول؟
قال: يقول:"إن رسول الله ﷺ اعتمر أربع عمر إحداهن في رجب".
قالت: "يرحم الله أبا عبد الرحمن، ما اعتمر عمرة قط إلا وهو شاهده وما اعتمر في رجب قط".
وكذلك قال أنس وابن عباس: "إن عمره كلها كانت في ذي القعدة، وهذا هو الصواب١".
وقال ابن حجر: "وفي هذا الحديث أن الصحابي الجليل المكثر الشديد الملازمة للنبي ﷺ قد يخفى عليه بعض أحواله، وقد يدخله الوهم والنسيان لكونه غير معصوم".
وفيه رد بعض العلماء على بعض وحسن الأدب في الرد وحسن التلطف في استكشاف الصواب إذا ظن السامع خطأ المحدث"٢". إهـ".
وهكذا فقد خفيت على ابن عمر عمرة الجعرانة أيضا فقد روى مسلم وابن خزيمة كلاهما من طريق حماد بن زيد حدثنا أيوب عن نافع قال: "ذكر عند ابن عمر عمرة رسول الله ﷺ من الجعرانة فقال لم يعتمر منها" الحديث٣".
ورواه البخاري من طريق حماد بن زيد عن أيوب عن نافع "أن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: "يا رسول الله إنه كان علي اعتكاف يوم في الجاهلية" الحديث وفيه "قال نافع: "ولم يعتمر رسول الله ﷺ من الجعرانة، ولو اعتمر لم يخف على عبد الله"٤".
_________________
(١) ١ زاد المعاد ٢/١٢٢و ١٢٤". ٢ فتح الباري ٣/٦٠٢". ٣ تقدم تخريجه برقم (٢١٢) وتحت رقم (٢٧١) . ٤ تقدم تخريجه برقم (٢١٢) وتحت رقم (٢٧١) .
[ ٢ / ٧٣١ ]
قال النووي: "نفي ابن عمر هذا محمول على نفي علمه، أي أنه لم يعلم ذلك، وقد ثبت أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة والإثبات مقدم على النفي لما فيه من زيادة علم".
وقد ذكر مسلم في كتاب الحج اعتمار النبي ﷺ من الجعرانة عام حنين من رواية أنس رضي الله عنه١".
وقال ابن كثير: "وهذا غريب جدا عن ابن عمر وعن مولاه نافع في إنكارهما عمرة الجعرانة، وقد أطبق النقلة ممن عداهما على رواية ذلك من أصحاب الصحاح والسنن والمسانيد وذكر ذلك أصحاب المغازي والسنن كلهم".
إلى أن قال: "والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها٢".
وقال ابن حجر: "وقد خفيت عمرة الجعرانة على ابن عمر كما خفيت على غيره كما ذكر ذلك محرش٣ الكعبي فيما أخرجه الترمذي٤".
قلت: "الحديث أيضًا، أخرجه أبو داود والنسائي والحميدي والدارمي والفسوي والشافعي وأحمد وابن سعد والبيهقي وهذا سياقه عند الترمذي:
٣٠٣- قال: "حدثنا محمد٥ بن بشار أخبرنا يحيى بن سعيد٦ عن ابن جريج٧
_________________
(١) ١ شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٢٠٦ وانظر حديث أنس ص (٧١٢) . ٢ البداية والنهاية ٤/٣٦٦". ٣ محرش - بضم أوله وفتح المهملة وكسر الراء الثقيلة - وشين معجمة، ويقال: "بسكون الحاء المهملة - وفتح الراء وكسر الميم - وهو ابن سويد بن عبد الله بن مرة الخزاعي الكعبي، عداده في أهل مكة، صحابي له حديث في عمرة الجعرانة". وهكذا قال الحميدي وعمرو بن علي الفلاس، بأنه بالحاء المهملة، وقيل: "إنه مخرش - بالخاء المعجمة"./ د ت س". (التقريب ٢/٢٣٢ وتهذيب التهذيب١٠/٥٨-٥٩ والإصابة ٣/٣٦٩، والاستيعاب٣/٥٠٤ معالإصابة وأسد الغابة٥/١٠٤، والخلاصة للخزرجي ٣/٧٧) . ٤ فتح الباري ٣/٦٠٠و ٦/٢٥٣". ٥ محمد بن بشار بن عثمان العبدي، البصري، أبو بكر، بندار - بضم الباء الموحدة وسكون النون - ثقة من العاشرة (ت ٢٥٢) . / ع". (التقريب ٢/١٤٧، وتهذيب التهذيب ٩/٧٠، والمغني لابن طاهر الهندي ص ١١) . ٦ يحيى بن سعيد هو القطان "ثقة متقن حافظ" تقدم في حديث (٧٤) . ٧ ابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز "ثقة فقيه فاضل يدلس" (التقريب١/٥٢٠) .
[ ٢ / ٧٣٢ ]
عن مزاحم١ بن أبي مزاحم عن عبد العزيز٢ بن عبد الله عن محرش الكعبي أن رسول الله ﷺ خرج من الجعرانة٣ ليلًا معتمرًا فدخل مكة ليلا فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة كبائت، فلما زالت الشمس من الغد خرج في بطن سرف حتى جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف فمن أجل ذلك خفيت عمرته على الناس".
قال أبو عيسى: "هذا الحديث حسن غريب، ولا نعرف لمحرش الكعبي عن النبي ﷺ غير هذا الحديث٤".
والحديث رواه أحمد والنسائي والدارمي وابن سعد والبيهقي والشافعي الجميع من طريق ابن جريج قال: " أخبرني مزاحم بن أبي مزاحم به٥".
_________________
(١) ١ مزاحم بن أبي مزاحم المكي، مولى عمر بن عبد العزيز، ويقال مولى طلحة، مقبول، من السادسة". / د ت س". (التقريب ٢/٢٤٠ وفي تهذيب التهذيب ١٠/١٠١، والخلاصة ٣/٢٠ وثقة ابن حبان، وقيل هو: "مزاحم بن زفر بن الحارث الضبي ورده ابن حجر، ولم يذكر البخاري وابن أبي حاتم في مزاحم بن أبي مزاحم جرحا ولا تعديلا". (التاريخ الكبير للبخاري ٨/٢٣ والجرح والتعديل ٨/٤٠٥) . ٢ عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد - بفتح الهمزة- الأموي، ثقة: "من الثالثة، ولي إمرة مكة، لعبد الملك بن مروان، (ت في خلافة هشام بن عبد الملك) ووهم من ذكره في الصحابة"./ د ت س". (التقريب١/٥٠١، وتهذيب التهذيب٦/٣٤٢ والإصابة ٣/١٥٦) . ٣ قال ابن قيم الجوزية: "ثم دخل رسول الله ﷺ مكة بعمرة من الجعرانة ودخلها في هذه العمرة ليلا، وخرج ليلا، فلم يخرج من مكة إلى الجعرانة ليعتمر كما يفعل أهل مكة اليوم، وإنما أحرم منها في حال دخوله إلى مكة، ولما قضى عمرته ليلا، رجع من فوره إلى الجعرانة، فبات بها فلما أصبح وزالت الشمس، خرج من بطن سرف حتى جامع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، ولهذا خفيت هذه العمرة على كثير من الناس". (زاد المعاد ٢/٩٥) . وقال ابن حجر: "وقد نقل أنه ﵊ اعتمر من الجعرانة مرتين مرة في عمرة القضاء، ومرة في عمرة هوازن، ثم قال: "وهو غلط واضح، فإنه ﷺ لم يعتمر في عمرة القضاء من الجعرانة، وكيف يتصور أن يتوجه ﷺ من المدينة إلى جهة الطائف حتى يحرم من الجعرانة، ويتجاوز ميقات المدينة؟ وكيف يلتئم هذا؟ مع قول من نقل هذا القيل إنه ﷺ لم يحرم إلا من الميقات، بل في الصحيحين من حديث أنس أنه ﷺ اعتمر أربع عمر كلهن في ذي القعدة". إلا التي مع حجته: "عمرة من الحديبية أو زمن الحديبية في ذي القعدة، وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة مع حجته". ثم قال: "وذكر الواقدي أن إحرامه من الجعرانة كان ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة، بقيت من ذي القعدة". (التلخيص الحبير ٢/٢٣٠-٢٣١ ومغازي الواقدي ٣/٩٥٨) . ٤ سنن الترمذي ٢/٢٠٧ كتاب الحج، باب ما جاء في العمرة من الجعرانة". ٥ مسند أحمد ٣/٤٢٦و ٤٢٧، وسنن النسائي ٥/١٥٧ كتاب المناسك، باب دخول مكة ليلا". وسنن الدارمي١/٣٨٠ كتاب المناسك، باب الميقات في العمرة". والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧١". والسنن الكبرى للبيهقي ٤/٣٥٧". ومسند الشافعي ٥/١٣٦ مع الأم".
[ ٢ / ٧٣٣ ]
ورواه أبو داود من طريق سعيد١ بن مزاحم بن أبي مزاحم حدثني أبي مزاحم به٢".
ورواه الشافعي وأحمد والحميدي والنسائي وابن عبد البر كلهم من طريق سفيان بن عيينة قال: "ثنا إسماعيل٣ بن أمية عن مزاحم بن أبي مزاحم به". بلفظ "أن النبي ﷺ خرج من الجعرانة ليلا كأنه سبيكة فضة فاعتمر ثم أصبح بها كبائت" لفظ النسائي٤.
ولفظ الحميدي وأحمد "فنظرت إلى ظهره كأنه سبيكة فضة".
ورواه يعقوب بن سفيان الفسوي من طريق الحميدي٥".
والبيهقي من طريق الشافعي٦".
ورواه مالك بلاغًا٧".
والحديث مداره على مزاحم بن أبي مزاحم، وقد قال عنه ابن حجر في التقريب "مقبول"٨".
وحسن حديثه هذا في الإصابة ٩".إهـ".
وعمرة الجعرانة ثابتة من حديث أنس بن مالك وعبد الله بن عباس١٠".
ومن حديث أبي هريرة ابن خزيمة، وابن حبان من طريقه، وهذا سياقه عند ابن خزيمة:
_________________
(١) ١ سعيد بن مزاحم بن أبي مزاحم الأموي مولاهم، مقبول، من الثامنة". /د س". (التقريب ١/٣٠٥ وتهذيب التهذيب ٤/٨٢) . ٢ سنن أبي داود ١/٤٦١ كتاب المناسك، باب المُهِلَّة بالعمرة تحيض فيدركها الحج". ٣ إسماعيل بن أمية بن عمرو بن سعيد بن العاص بن أمية الأموي، ثقة ثبت، تقدم في حديث (١) . ٤ سنن النسائي ٥/١٥٧-١٥٨ كتاب المناسك، باب دخول مكة ليلا". ومسند الشافعي ٥/١٣٦ مع الأم، ومسند أحمد ٣/٤٢٦و ٥/٣٨٠ ومسند الحميدي ٢/٣٨٠ والاستيعاب ٣/٥٠٤ مع الإصابة ٥ المعرفة والتاريخ ٣/٢٧٩ ٦ السنن الكبرى ٤/٣٥٧ ٧ الموطأ ١/٣٣١ ٨ ٢/٢٤٠". ٩ ٣/٣٦٩". ١٠ تقدم حديث أنس برقم ٢٩٩".وحديث ابن عباس برقم ٣٠٠، و٣٠١".
[ ٢ / ٧٣٤ ]
٣٠٤- قال حدثنا أحمد١ بن منصور الرمادي، ثنا عبد الرزاق أخبرني معمر عن الزهري عن ابن المسيب٢ عن أبي هريرة في قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، [سورة التوبة، من الآية: "١] . قال: "لما قفل النبي ﷺ من حنين اعتمر من الجعرانة ثم أمر أبا بكر على تلك الحجة" ٣.
والحديث أخرجه ابن حبان من هذه الطريق وبهذا المتن دون قوله: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ١] ٤.
والحديث رجاله ثقات".
وقد عزاه ابن كثير لعبد الرزاق بهذا الإسناد والمتن ثم قال: "وهذا السياق فيه غرابة من جهة أن أمير الحج كان سنة عمرة الجعرانة إنما هو عتاب بن أسيد فأما أبو بكر فإنما كان أميرا سنة تسع٥".
٣٠٥- وأخرج ابن سعد قال: "أخبرنا موسى٦ ابن داود أخبرنا ابن لعيهة٧ عن عياض٨ بن عبد الرحمن عن محمد٩ بن جعفر: "أن النبي ﷺ اعتمر من الجعرانة، وقال: "اعتمر منها سبعون نبيا" ١٠. والحديث معضل".
وأورده السيوطي في الخصائص الكبرى فقال: "وأخرج ابن سعد عن محمد بن جعفر ثم ساق الحديث١١".
_________________
(١) ١ أحمد ابن منصور ابن سيار البغدادي، الرمادي - موضع باليمن - أبو بكر، ثقة حافظ، طعن فيه أبو دواد لمذهبه في الوقف في القرآن، من الحادية عشرة (ت ٢٦٥) ./ق". (التقريب ١/٢٦ وتهذيب التهذيب ١/٨٣، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير ٢/٣٦) . ٢ هو سعيد بن المسيب". ٣ صحيح ابن خزيمة ٤/٣٦٢". «٤موارد الظمآن ص ٢٥١". «٥تفسير ابن كثير ٢/٣٣٢". وحديث (١٠٧) . «٦موسى ابن داود الضبي "صدوق فقيه زاهد له أوهام" تقدم في حديث (٢١٩) . «٧عبد الله بن لهيعة "صدوق" تقدم في حديث ٦٤". ٨ عياض بن عبد الله بن عبد الرحمن، الفهري المدني، نزيل مصر، فيه لين، من السابعة". /م د س ق". (التقريب ٢/٩٦ وتهذيب التهذيب ٨/٢٠١ والخلاصة للخزرجي ٢/٢١٥، وفي ميزان الاعتدال ٣/٣٠٧ رمز له ب (صح) إشارة إلى أنه ثقة ثم قال: "عن ابن المنكدر، وثق، وقال أبو حاتم: "ليس بالقوي، سمع منه ابن وهب، وعلم له بـ (م س ق)، وأسقط (د) فالله أعلم بالصواب". ٩ لعله محمد بن جعفر بن الزبير الأسدي، وهو ثقة من السادسة". ١٠ الطبقات الكبرى ٢/١٧٢". ١١ الخصائص ٢/٩٩، قال محقق الخصائص الدكتور / محمد خليل هراس: "قوله: "اعتمر منها سبعون نبيا" فهي زيادة لم أقف لها على أصل".
[ ٢ / ٧٣٥ ]
ومما تقدم يتّضح لنا أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح، وأن من نفاها فلا حجة معه في مقابلة من أثبتها، وأن الأحاديث الصحيحة دلت أيضا على أن هذه العمرة كانت في ذي القعدة".
قال ابن كثير: "والمقصود أن عمرة الجعرانة ثابتة بالنقل الصحيح الذي لا يمكن منعه ولا دفعه ومن نفاها لا حجة معه في مقابلة من أثبتها".
وهم كالمجمعين على أنها كانت في ذي القعدة بعد غزوة الطائف وقسم غنائم حنين".
وما رواه الحافظ أبو القاسم الطبراني في معجمه الكبير قائلا:
٣٠٦- حدثنا الحسن١ بن إسحاق التستري ثنا عثمان٢ بن أبي شيبة ثنا محمد٣ بن الحسن الأسدي ثنا إبراهيم٤ بن طهمان عن أبي الزبير٥ عن عمير٦ مولى ابن عباس عن ابن عباس، قال: "لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم، اعتمر منها وذلك لليلتين بقيتا من شوال٧".
فإنه غريب جدا وفي إسناده نظر٨".إهـ".
_________________
(١) ١ كذا هنا "الحسن" وفي المعجم الكبير للطبراني والصغير ١/ ١٣٩ "الحسين" ولم أجد ترجمة "الحسن" ولا "الحسين". ٢ عثمان بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبسي، أبو الحسن بن أبي شيبة الكوفي، ثقة حافظ شهير، وله أوهام، من العاشرة (ت ٢٣٩) . / خ م د س ق". (التقريب ٢/١٣-١٤ وتهذيب التهذيب ٧/١٤٩) . ٣ محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي الكوفي، لقبه، التل - بفتح المثناة وتشديد اللام - صدوق فيه لين، من التاسعة (ت ٢٠٠) / خ س ق". (التقريب ٢/١٥٤وتهذيب التهذيب ٩/١١٧، والخلاصة ٢/٣٩٣، وفي هدي الساري، له في البخاري حديثان وروى له أبو داود والنسائي ورمز لمن أخرج له (خ د س ت) انظر ص ٤٣٨". وذكر (ت)، خطأ فإن المباركفوري لم يذكر محمد بن الحسن بن الزبير في رجال الترمذي (مقدمة تحفة الأحوذي ٢/١٠٨) . ٤ إبراهيم بن طهمان الخراساني، أبو سعيد، سكن نيسابور ثم مكة، ثقة يغرب، تكلم فيه، للإرجاء، ويقال رجع عنه، من السابعة (ت ١٦٨) ./ع". (التقريب ١/٣٦ وتهذيب التهذيب ١/١٢٩) . ورمز له الذهبي بـ (صح) إشارة منه إلى أنه ثقة". (ميزان الاعتدال ١/٣٨) . ٥ هو محمد بن مسلم بن تدرس، صدوق، إلا أنه يدلس، تقدم في حديث (١٠٩) . ٦ عمير بن عبد الله الهلالي، أبو عبد الله المدني، مولى أم الفضل، ثقة، ويقال له مولى ابن عباس (ت ١٠٤) / خ م د س". (التقريب ٢/٨٦ وتهذيب التهذيب ٨/١٤٨، الخلاصة للخزرجي ٢/٣٠٤) . ٧ الحديث في المعجم الكبير للطبراني ١١/٤٣١". ٨ البداية والنهاية ٤/٣٦٦-٣٦٧".
[ ٢ / ٧٣٦ ]
قلت: "والحديث رواه ابن سعد عن محمد بن سابق١".
وابن أبي شيبة عن محمد بن الحسن الأسدي كلاهما عن إبراهيم ابن طهمان به إلاّ أنهما قالا: "عتبة مولى ابن عباس"٢ بدل "عمير".
وعزاه الهيثمي لأبي يعلى، وقال: "وفيه عتبة مولى ابن عباس ولم أعرفه ولم ينسبه إلى الطبراني٣".
والحديث ضعيف لأن أبا الزبير عنعنه وهو مدلس، وقد ذكره ابن حجر في المرتبة الثالثة من طبقات المدلسين، وهذه المرتبة لا يحتج الأئمة من أحاديثهم إلا بما صرّحوا فيه بالسماع٤، وعلى فرض صحة هذا الحديث فإنه لا يقوى على دفع حديث الصحيحين المصرح فيه بأن عمرة الجعرانة كانت في ذي القعدة".
وأطبق على ذلك أهل المغازي والسير".
وقال الواقدي: "وكان الذي حلق رأس رسول الله ﷺ في هذه العمرة، أبا هند٥ عبد بني بياضة، ويقال حلقهخراش٦ بن أمية٧".
وصوب النووي والمحب٨ الطبري وابن قيم الجوزية وابن كثير أن الذي قصر لرسول الله ﷺ في عمرة الجعرانة هو معاوية بن أبي سفيان ﵁ استنباطا مما رواه أحمد والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي الجميع من طريق ابن جريج قال:
_________________
(١) ١ محمد بن سابق التميمي، أبو جعفر، أو أبو سعيد البزار، الكوفي نزيل بغداد، صدوق من كبار العاشرة (ت ٢١٣ وقيل ٢١٤) . / خ م د ت س". (التقريب ٢/١٦٣، وتهذيب التهذيب ٩/١٧٤) . ٢ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٧١ وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٧أ - برقم ٦٦٥". ٣ مجمع الزوائد ٣/٢٧٩". ٤ طبقات المدلسين ص ٧، ٣٢". ٥ أبو هند الحجام البياضي، مولى بني بياضة، واسمه عبد الله، وقيل يسار تخلف عن بدر، وشهد ما بعدها من المشاهد". (أسد الغابة ٦/٣٢٢، والإصابة ٤/٢١١) . ٦ خراش بن أمية الكعبي الخزاعي، شهد الحديبية وخيبر وما بعدها، وذكر ابن عبد البر بأن خراشا إنما حلق لرسول الله ﷺ في عمرة الحديبية". وقال ابن حجر: "في عمرة الحديبية أو في عمرة القضاء". (الاستيعاب ١/٤٢٧-٤٢٨، مع الإصابة، وأسد الغابة ٢/١٢٥-١٢٦، والإصابة ١/٤٢١) . ٧ مغازي الواقدي ٣/٩٥٩". ٨ المحب الطبري: "هو الإمام المحدث المفتي فقيه الحرم وحافظ الحجاز بلا مدافعة محب الدين أبو العباس أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر الطبري، ثم المكي الشافعي مصنف "الأحكام الكبرى" (٦١٥-٦٧٤ هـ) . (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٤٧٤-١٤٧٥ وطبقات الشافعية الكبرى لابن السبكي ٨/١٨-٢٠) .
[ ٢ / ٧٣٧ ]
٣٠٧- حدثني الحسن بن مسلم عن طاووس عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: "قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص١ وهو على المروة" لفظ مسلم، ولفظ البخاري: "عن معاوية قال: "قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص".
وعند النسائي: "عن معاوية أنه قصر عن النبي ﷺ بمشقص في عمرة على المروة" ٢.
والحديث رواه أيضا مسلم والنسائي كلاهما من طريق سفيان بن عيينة عن هشام بن حجير عن طاوس قال: "قال لي معاوية: "أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ عند المروة بمشقص؟ فقلت له: "لا أعلم هذا إلا حجة عليك" ٣. لفظ مسلم".
ولفظ النسائي: "قال معاوية لابن عباس: "أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله ﷺ عند المروة؟
_________________
(١) ١ المشقص: "كمنبر: "نصل السهم إذا كان طويلا غير عريض، فإذا كان عريضا فهو المعبلة، وقيل: "المراد به المقص، وهو الأشبه في هذا المحل". (النهاية لابن الأثير٢/٤٩٠ ولسان العرب لابن منظور٨/٣١٥ والقاموسالمحيط٢/٣٠٦، والتعليق على صحيح مسلم لفؤاد عبد الباقي٢/٩١٣، قال النووي: "في هذا الحديث جواز الاقتصار على التقصير، وإن كان الحلق أفضل، وسواء في ذلك الحاج والمعتمر إلا أنه يستحب للمتمتع أن يقصر في العمرة ويحلق في الحج، ليقع الحلق في أكمل العبادتين، وفيه أنه يستحب أن يكون تقصير المعتمر أو حلقه عند المروة، لأنها موضع تحلله كما يستحب للحاج أن يكون حلقه أو تقصيره بمنى، لأنها موضع تحلله وحيث حلقا أو قصرا من الحرم كله جاز". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٧) . ٢ مسند أحمد٤/٩٦و٩٨وصحيح البخاري٢/١٤٥كتاب الحج، باب الحلق والتقصير، وصحيح مسلم٢/٩١٣،كتاب الحج، باب التقصير في العمرة، وسنن أبي داود ١/٤١٨ كتاب المناسك، باب الإقران، وسنن النسائي ٥/١٩٦، كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر؟ ". ٣ أخذ ابن حجر من رواية مسلم هذه ورواية النسائي أن ابن عباس ﵁ حمل حلق معاوية هذا لرسول الله ﷺ على حجة الوداع، لقول ابن عباس: "لا أعلم هذا إلا حجة عليك" إذ لو كان في العمرة لما كان فيه على معاوية حجة". ثم قال: "وأصرح منه ما وقع عند أحمد من طريق قيس بن سعد عن عطاء "أن معاوية حدث أنه أخذ من أطراف شعر رسول الله ﷺ في أيام العشر بمشقص معي وهو محرم". ثم قال: "وفي كونه في حجة الوداع نظر، لأن النبي ﷺ لم يحل حتى بلغ الهدي محله فكيف يقصر عنه على المروة". (فتح الباري ٣/٣٦٥) . قلت: "وتمام الرواية عند أحمد: " "وهي أيضا عند النسائي من طريق قيس عن عطاء" قال قيس: "والناس ينكرون هذا على معاوية". (مسند أحمد ٤/٩٢، وسنن النسائي ٥/١٩٧ كتاب المناسك، باب كيف يقصر) . وردّها ابن قيم الجوزية، فإنه قال: "وأما رواية من روى "في أيام العشر" فليست في الصحيح وهي معلولة، أو وهم من معاوية، قال قيس بن سعد راويها عن عطاء عن ابن عباس عنه "والناس ينكرون هذا على معاوية"ثم قال ابن قيم الجوزية وصدق قيس، فنحن نحلف بالله: "أن هذا ما كان في العشر قط". (زاد المعاد ٢/١٣٧) .
[ ٢ / ٧٣٨ ]
قال: " لا، يقول ابن عباس: "هذا معاوية ينهى الناس عن المتعة، وقد تمتع النبي ﷺ ١".
ورواه أبو داود والنسائي كلاهما من طريق عبد الرزاق أنبأنا معمر عن ابن طاوس٢ عن أبيه عن ابن عباس أن معاوية قال له: "ما علمت أنى قصرت عن رسول الله ﷺ بمشقص أعرابي على المروة" ٣".
ورواه أحمد من طريق خصيف٤ عن مجاهد وعطاء عن ابن عباس أن معاوية أخبره أنه رأى رسول الله ﷺ قصر من شعره بمشقص، فقلنا لابن عباس ما بلغنا هذا الأمر إلا عن معاوية، فقال: "ما كان معاوية على رسول الله ﷺ متهما٥".
قال النووي: "وحديث معاوية هذا محمول على أنه قصر عن النبي ﷺ في عمرة الجعرانة لأن النبي ﷺ في حجة الوداع كان قارنا، وثبت أنه ﷺ حلق بمنى، وفرق أبو طلحة رضي اله عنه شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلما، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح
_________________
(١) ١ مسلم ٢/٩١٣ كتاب الحج، والنسائي ٥/١١٩ كتاب المناسك باب التمتع". ٢ هو عبد الله بن طاوس بن كيسان اليماني، أبو محمد، ثقة فاضل عابد، من السادسة (ت ١٣٢) . / ع". (التقريب ١/٤٢٤ وتهذيب التهذيب ٥/٢٦٧) . ٣ سنن أبي داود ١/٤١٩ كتاب المناسك، باب في الإقران، وسنن النسائي ٥/١٩٦-١٩٧ كتاب المناسك، باب أين يقصر المعتمر؟ ٤ خصيف - بضم الخاء المعجمة وفتح الصاد المهملة وسكون المثناة التحتية آخره فاء- ابن عبد الرحمن الجزري، أبو عون الخضرمي - بكسر الخاء وسكون الضاد المعجمتين وكسر الراء بعدها ميم، هذه النسبة إلى خضرمة - صدوق سيء الحفظ، خلط بآخره، ورمى بالإرجاء، من الخامسة (ت١٣٧) وقيل غير ذلك"./عم". (التقريب ١/٢٢٤وتهذيب التهذيب٣/١٤٣ وميزان الاعتدال١/٦٥٣ والخلاصة للخزرجي ١/٢٩٩ واللباب في تهذيب الأنساب لابن الأثير١/٤٥٠) . وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية "الخصيب" بالباء الموحدة ووقع في تهذيب التهذيب "الحضرمي" بالحاء المهملة، والصواب "الخصيف" بالفاء، و"الحضرمي" بالخاء المعجمة". ٥ مسند أحمد ٤/٩٥و١٠٢".
[ ٢ / ٧٣٩ ]
المشهور١، ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه ﷺ كان متمتعا، لأن هذا غلط فاحش، فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة في مسلم وغيره أن النبي ﷺ قيل له: "ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ فقال: "إني لبدت رأسي وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي" ٢.
وأورد ابن كثير حديث معاوية المذكور، ثم قال: "والمقصود أن هذا إنما يتوجه أن يكون في عمرة الجعرانة وذلك أن عمرة الحديبية لم يدخل رسول الله ﷺ إلى مكة بل صد عنها، وأما عمرة القضاء فلم يكن أبو سفيان أسلم ولم يبق بمكة من أهلها أحد حين دخل رسول الله ﷺ بل خرجوا منها، وتغيبوا عنها مدة مقامه ﵇ بها تلك الثلاثة الأيام، وعمرته التي كانت مع حجته لم يتحلل منها بالاتفاق".
فتعين أن هذا التقصير الذي تعاطاه معاوية بن أبي سفيان ﵄ من رأس رسول الله ﷺ عند المروة إنما كان في عمرة الجعرانة كما قلنا٣".إهـ.
وجمع ابن حجر بين قول من قال بأن الذي حلق لرسول الله ﷺ في عمرة الجعرانة: "أبو هند عبد بني بياضة، وقول من قال الذي حلق لرسول الله ﷺ في هذه العمرة هو معاوية بن أبي سفيان".
فقال: "أخرج الحاكم في "الإكليل" في آخر قصة غزوة حنين أن الذي حلق رأس رسول الله ﷺ في عمرة الجعرانة أبو هند٤ عبد بني بياضة، فإن ثبت هذا وثبت أن معاوية كان حينئذ معه، أو كان بمكة فقصر عنه بالمروة أمكن الجمع بأن يكون معاوية
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "والذي رجحه النووي من كون معاوية إنما أسلم يوم الفتح صحيح من حيث السند، ولكن يمكن الجمع بأنه كان أسلم خفية وكان يكتم إسلامه ولم يتمكن من إظهاره إلا يوم الفتح، وقد أخرج ابن عساكر في تاريخ دمشق في ترجمة معاوية تصريح معاوية بأنه أسلم بين الحديبية والقضية وأنه كان يُخفي إسلامه خوفا من أبويه، وكان النبي ﷺ لما دخل مكة في عمرة القضية خرج أكثر أهلها عنها حتى لا ينظرونه وأصحابه يطوفون بالبيت، فلعل معاوية كان ممن تخلف بمكة لسبب اقتضاءه". (فتح الباري ٣/٥٦٥ وفي الإصابة ٣/٤٣٣ نسب القول بإسلام معاوية بعد الحديبية للواقدي وابن سعد ذكر ذلك بدون إسناد فقال: "وكان يذكر أنه أسلم عام الحديبية وكان يكتم إسلامه، إهـ، فعل عمدة ابن عساكر هو الواقدي". (انظر مغازي الواقدي ٣/٩٥٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٧/٤٠٦) . ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٣٨٧". «٣البدايةوالنهاية٤/٣٦٧-٣٦٨وزادالمعاد٢/١٣٦-١٣٨،وفتح الباري٣/٥٦٥-٥٦٦". ٤ تقدم تحت حديث (٣٠٦) أن هذا قول الواقدي، ولعل الحاكم رواه عنه".
[ ٢ / ٧٤٠ ]
قصر عنه أولا وكان الحلاق غائبا في بعض حاجته ثم حضر فأمره أن يكمل إزالة الشعر بالحلق لأنه أفضل ففعل".
وإن ثبت أن ذلك كان في عمرة القضية وثبت أنه ﷺ حلق فيها جاء هذا الاحتمال بعينه وحصل التوفيق بين الأخبار كلها".
ثم قال: "وهذا مما فتح الله علي به في هذا الفتح ولله الحمد ثم الحمد لله أبدا ١".إهـ.
هذه نماذج يسيرة مما تضمنت غزوة حنين من أحكام ولم أرد الاستقصاء خوف الإطالة والخروج إلى مباحث فقهية موسعة تطغى على الغرض الأساسي من دراسة هذه الغزوة وتحقيق مروياتها سندا ومتنا، ومن أراد أن يستقصي أحكام هذه الغزوة تفصيلا فإنه يحتاج إلى مؤلف مستقل، بل إن كل حكم من أحكامها يكفي لرسالة متخصصة".
ولعل هذه اللمحات اليسيرة من أحكام هذه الغزوة تكون بمثابة البرهان على غزارة مادتها العلمية وتعدّد معطياتها المتكاثرة وفوائدها العظيمة".
وصلى الله على سيدنا ونبيّنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا".
_________________
(١) ١ فتح الباري ٣/٥٦٦.
[ ٢ / ٧٤١ ]
الخاتمة
بعد تلك الرحلة العلمية الممتعة في دراسة غزوة حنين وتحقيق مروياتها وترتيب أبوابها وفصولها ومباحثها ووضع كل جزئية علمية بازاء ما يشاكلها ويلائمها، وبعد الفراغ من ذلك التطواف الحثيث في غضون المصادر العلمية لرصد كل ما يمت بصلة إلى هذه الغزوة بعد تمحيصه وتحقيقه".
بعد ذلك كله أريد أن أنوّه إلى أبرز النتائج العلمية التي يحسن ذكرها ولا يجمل بالباحث إهمالها، وما من شك أن أي باحث يمارس عملا علميا معينا تمر به نتائج كثيرة وقضايا متعددة تستحق الإشادة والبيان.
ولكني أجتزئ بذكر أبرز هذه المعركة مشيرا إلى بعض ما توصلت إليه بإيجاز من خلال معايشتي لهذا الموضوع العلمي الخطير.
وفي البداية أود أن أقرر أنّ هذا البحث بهذه الصورة التي انتهيت إليها في دراسة هذه لغزوة لم يسبق له نظير - في حدود علمي - لم أطرافها وجمع شتاتها وحقق مروياتها ونظم معلوماتها على هذا النسق العلمي الذي أعانني الله على إنجازه، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
ولا ينبغي أن يغيب عن البال أن هذه المعركة وما تبعها من أحداث تشكل في سلسلة غزوات الرسول ﷺ خطورة بالغة، وأهمية قصوى فقد كان ينتظر نتائجها الفريقان: "المؤمنون والمشركون، وقد أدرك حماة الوثنية العربية أن نجاح المسلمين في غزواتهم السابقة وآخرها فتح مكة يعني الإجهاز عليهم والقضاء على معاقل العبادة الوثنية من أصنام وأوثان، ومن هنا رصدوا تحركات المسلمين نحوهم وجمعوا قواهم المادية والمعنوية وقرروا في أنفسهم أن هذه هي آخر تجربة يخوضها الإسلام مع الشرك، وفي الصورة المقابلة كان المسلمون قد اغتبطوا بانتصاراتهم المتلاحقة وكانوا على يقظة تامة بما يبيته المشركون من هوازن وثقيف وسائر القبائل الأخرى الباقية على شركها وضلالها، وعلم المسلمون بعزم المشركين المجاورين لمكة على القتال والنضال فأعدوا
[ ٢ / ٧٤٣ ]
العدة وخرج الرسول ﷺ ومعه تلك الأعداد الغفيرة التي لم يسبق لها مثيل في الكثرة، وكان في هذه الكثرة بعض المغموزين في إسلامهم من الأعراب والطلقاء وذوي الريب في حقيقة الإسلام، ودارت المعركة الخطيرة التي لا تقل خطورة عن معركة بدر الكبرى، فقد كانت معركة بدر الكبرى أول تجربة عسكرية للمسلمين مع المشركين كما كانت معركة حنين آخر تجربة عسكرية مع الوثنية.
فالأولى أرهبتهم وكسرت من حدتهم وجعلت للمسلمين هيبة في قلوب أعدائهم.
ومعركة حنين استفرغت قواهم واستنفدت سهامهم وأذلت جمعهم، فلم يجدوا بدا من الدخول في دين الله ١.
ولذلك لا يبالغ الباحث إذا قال إن معركة حنين هي خاتمة المطاف في مواجهة تحديات الوثنية العربية وتكون هذه النتيجة العظيمة أبرز نتائج هذه المعركة، ولا يعكر على ذلك اندحار المسلمين في بداية الغزوة فقد تبين بما لا يدع مجالا للشك أن ذلك كان تربية من الله لجنده وحزبه لكي لا يغفلوا عن مصدر انتصارهم ولا ينخدعوا بكثرتهم، والعبرة في الانتصارات الحربية إنما هي بالخاتمة التي تنتهي إليها المعارك الإنسانية، والنهاية كانت كما قال الله ﷿: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ٢٦] .
إنها نهاية العذاب للكافرين ونهاية النصر للمؤمنين، ومن مظاهر تعذيبهم الكافرين هدم أوثانهم وتحطيم معبوداتهم وأسرهم وغنيمة أموالهم وسبي ذراريهم ونسائهم وقتل العديد منهم، كما فصلت ذلك في أمكانه من البحث.
ومما ينبغي ملاحظته في هذه الغزوة أن الجيش الإسلامي لم يخل بعض أفراده من رواسب الوثنية لحداثة عهدهم بالجاهلية، فقد حن بعضهم إلى جاهليته حيث طلب من الرسول ﷺ أن يجعل لهم ذات أنواط كما للمشركين ذات أنواط، وهذا الصنف من الناس كان من جملة الجيش الذي خرج لحرب المشركين، كما كان في
_________________
(١) ١ انظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٤٧٩
[ ٢ / ٧٤٤ ]
الجيش الإسلامي أيضا الطلقاء والأعراب الجفاة وبعض المغموزين في إسلامهم، وقد سمح لهم الرسول ﷺ جميعا أن يخرجوا معه مجاهدين.
والنتيجة التي يخلص منها الباحث إذا تأمل هذا الموقف أنه لا مانع أن يكون في جيوش المسلمين بعض ضعفاء الإيمان مع وجوب العمل على تقوية إيمانهم وتعليمهم بحكمة وصبر، فإن الرسول ﷺ واجه جفاء الأعراب وسؤال السائلين له أن يجعل لهم ذات أنواط وبعض الأخبار التي كانت تنقل إليه من بعض المغموزين، واجه كل ذلك بحلم وصبر وحكمة عظيمة، يجب الاقتداء به ﷺ فيها، كما أنه ﷺ تحامل بخلقه العظيم وشجاعته النادرة بعض النيات الخبيثة التي كانت تحاول اغتياله كما يتضح ذلك في موقفه من شيبة بن عثمان وما آل إليه أمر شيبة حيث صار جنديا من جنود الإسلام وعد فيمن ثبت يوم حنين مع رسول الله ﷺ، بعد أن كان الهدف من خروجه إلى غزوة حنين أن يجد من رسول الله ﷺ غرة فيقتله ثأرا بأبيه كما حدَّث هو عن نفسه.
وقد اتهم ﷺ - وحاشاه من ذلك - بعدم العدالة وصبر على ذلك القول الجائر "اعدل يا محمد فإنك لم تعدل" وقال لقائله "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل".
وهو في ذلك يقتدي بمن سبقه من الأنبياء الذين صبروا على الأذى، فقد قال في هذا الموقف: "رحم الله موسى لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
وقد امتثل ﷺ قول الله ﵎ له ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى الله فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِه﴾ . [سورة الأنعام، الآية: ٩٠] .
ولقد واجه الرسول ﷺ كل تلك المواقف الحرجة بما حباه الله به من حكمة وشجاعة وصبر وخلق عظيم، فحري بالدعاة إلى الله أن يتمثلوا بهذه المواقف ويأخذوا منها القدوة الحسنة لهم في حياتهم العملية، وهذا من الدروس العظيمة التي تقدمها لنا سيرته العطرة المليئة بمثل هذه النماذج العالية في حسم المواقف وعلاج أمراض القلوب ومواجهة النفسيات المختلفة.
ولا أدل على ذلك من الأسلوب الذي قسم به ﷺ غنائم هذه الغزوة فقد منح أولئك المتطلعين إلى حطام الدنيا وأعطاهم عطايا عظيمة جعلتهم يطلقون عبارات
[ ٢ / ٧٤٥ ]
الشكر والثناء ويعترفون صراحة أن هذا العطاء الهائل لا يكون إلا من نبي لا يخشى الفقر، وهم على علم بأن كل بشر عادي ولو كان أكرم الناس يخشى الفقر، وقد صرح بعضهم بأن محمدا ﷺ يعطيه وإنه لأبغض الناس إليه فما يزال يعطيه حتى يصير أحب الناس إليه، وهذه هي النتيجة التي كان يتوخَّاها ﷺ من قسم الغنائم على أولئك المغموزين ووكل أهل الإيمان واليقين إلى إيمانهم وثباتهم على الحق كما مر تفصيل ذلك في محله، غير أن هذا التقسيم في الأظهر خاص بتلك الغزوة فليس لأحد غير رسول الله ﷺ أن يحرم الجيش الإسلامي المقاتل الغنائم التي غنموها ويعطيها لغيرهم والمسألة خلافية، ولكن هذا هو المذهب الأمثل الذي توصلت إليه في ذلك.
ولقد انهال على المدينة المنورة بعد هذه الغزوة الوفود من عرب الجزيرة معلنين إسلامهم، ومن تلك الوفود وفد هوازن ووفد ثقيف وكان ذلك من نتائج هذه المعركة الفاصلة بين الكفر والإيمان، ومن المعلوم أن العرب كانوا ينتظرون نتائج فتح مكة، فلما خضعت قريش للإسلام وهم قوم الرسول ﷺ وسكان بيت الله الحرام ومصدر التشريع للعرب جميعا كان ذلك مؤذنا بزوال الشرك وتمكن التوحيد في أرض الجزيرة، والذين لم يخضعوا بعد، وغرتهم قوتهم وجموعهم هم قبائل هوازن وثقيف كما سبق، فلما دارت الدائرة عليهم للمسلمين لم يبق أمام العرب جميعا قوة تذكر لمقاومة الإسلام والمسلمين، فما بقي أمام الجاهليّين إلا أن يفدوا على عاصمة الإسلام المدينة المنورة ليعلنوا إسلامهم أو ليتفاوضوا مع الرسول ﷺ في ذلك، وتعد سنة الوفود نتيجة طبيعية لهذه الغزوة وقد تعنت وفد ثقيف في شروطهم للدخول في الإسلام فطلبوا أن يبقوا على الكثير من أنماط الجاهلية مثل شرب الخمور والزنا وترك الصلاة لأنها دناءة في نظرهم، والتمسوا أن يدع الرسول ﷺ صنمهم ثلاثة أعوام أو عاما أو شهرًا لا يهدم وأن لا يغتسلوا من الجنابة ولا يزكوا ولا يجاهدوا في سبيل الله، وقد أنزلهم الرسول ﷺ في المسجد ليشاهدوا عمليًا عبادة المسلمين وأحسن استقبالهم وصبر على تعنتهم ولاطفهم كثيرًا وتسامح معهم في ترك الزكاة والجهاد وبين ﵊ أنهم إذا أسلموا فسيجاهدون ويزكون، ولقد أعلن القوم إسلامهم وكانوا جنودا في صفوف المسلمين على رغم ذلك التعنت والتشدد في الشروط التي أرادوا إملاءها على المسلمين، وما ذلك إلا بحكمته ﷺ وعظيم رحمته بأمته، فقد طلب منه الصحابة في الطائف أن يدعو على ثقيف فقال: "اللهم اهد ثقيفًا وأت بهم" وقد تحقق ذلك فعلا.
[ ٢ / ٧٤٦ ]
وفي الختام لا يسعني إلا التأكيد على قضية ذات بال وهي أن من أبرز النتائج التي توصلت إليها من خلال هذه الدراسة لهذه الغزوة أن السيرة النبوية الطاهرة محفوظة بحفظ الله لها وأنها مروية بالأسانيد في كتب العلماء من السلف الصالح وأن الباحث البصير يتمكن في أي وقت شاء أن يقرر الحق في قضايا السيرة النبوية ويدرس أسانيدها وفق طرائق المحدثين ويعرف الصحيح والحسن والضعيف المنجبر والضعيف الذي لا ينجبر ويتمكن الدارس كذلك من نفي الكذب عن السيرة واستبعاد الإضافات التي لا أساس لها من الصّحّة، والتي تنافي مقام النبوّة، أو تلك الإضافات التي تبالغ في مقام النبي ﷺ واحترامه على حساب الحقائق العلمية الثابتة، ولقد تبين لي من خلال بحثي في السيرة أن المسلمين يجب أن يطمئنوا إلى سيرة نبيهم وأنها هي هي كما رواها الخلف عن السلف وأن المزيد فيها يظهر لكل دارس يبغي الحق ولا يتبع الهوى في بحثه، وإذا كان الخبثاء من المستشرقين وأذنابهم يريدون أن يشككوا المسلمين في سيرة نبيهم وفي غير ذلك من قضايا دينهم، فإن الرد المناسب عليهم هو الاطلاع على التراث ودراسته دراسة علمية واعية وفق أسس علوم الحديث، ولعل هذا البحث المتواضع واحد من الدراسات العلمية الجادة التي تعيد الحق في نصابه وتدمغ الباطل فإذا هو زاهق، ولا شك أن في هذا البحث استدراكات كثيرة وتصويبات عديدة ووقفات علمية لها شأن وهي مبثوثة في ثناياه لمن أراد أن يطلع عليه.
ولا أدعي الكمال في ذلك، وإنما هو جهد متواضع ومحاولة جيّدة للوصول إلى الحق وإبراز هذا البحث في صورة واضحة، ولم أدخر شيئا في وسعي، ولكن الكمال المطلق لله وحده، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا إلى يوم الدين".
كان الفراغ من تبييض هذا البحث في يوم الجمعة في السادس والعشرين من شهر شوال من عام ثلاث وأربعمائة وألف من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليم.
[ ٢ / ٧٤٧ ]