الفصل الأول: تعقب الفارين نحو نخلة وأوطاس
المبحث الأول: التوجه نحو نخلة
المبحث الأول: التوجه إلى النخلة
لما انهزم المشركون في موقعة حنين وباءوا بالفشل انسحبوا على إثر ذلك وتفرقوا في الجبال والأودية يجرون ذيل الخزي والندامة، تاركين وراءهم كثيرا من أطفالهم ونسائهم وأموالهم، وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بمطاردتهم وتعقبهم تأديبا لهم حتى لا تسول لهم أنفسهم أن يتكتلوا أو ينقضوا على المسلمين مرة أخرى.
١١٦- قال ابن إسحاق: ولما انهزم المشركون، أتوا الطائف ومعهم مالك بن عوف وعسكر بعضهم بأوطاس١ وتوجه بعضهم نحو نخلة٢، ولم يكن فيمن توجه نحو النخلة إلا بنو غيرة٣ من ثقيف، وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك في نخلة
_________________
(١) ١ أوطاس: بفتح الهمزة وسكون الواو وطاء وسين مهملتين. قال أبو عبيد: "هو واد في ديار هوازن، وهناك عسكروا هم وثقيف ثم التقوا بحنين". وقال الديار بكري: "أوطاس واد معروف في ديار هوازن بين حنين والطائف". وقال القاضي عياض: "هو واد في دار هوازن وهو موضع خرب حنين. قال ابن حجر: وهذا الذي قاله ذهب إليه بعض أهل السير". والراجح: أن وادي أوطاس غير وادي حنين، ويوضح ذلك ما ذكر ابن إسحاق أن الوقعة كانت في وادي حنين، وأن هوازن لما انهزموا صارت طائفة منهم إلى الطائف، طائفة إلى نخلة، وطائفة إلى أوطاس، فأرسل النبي ﷺ عسكرا مقدمهم أبوعامر الأشعري إلى من مضى إلى أوطاس كما يدل عليه حديث الباب: يعني بحديث الباب، حديث البخاري لما فرغ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على الجيش إلى أوطاس وسيأتي الحديث برقم (١١٨) . (فتح الباري٨/٤٢ وتاريخ الخميس ٢/١٠٧ وشرح المواهب اللدنية٣/٢٥ والقاموس المحيط ٢/٢٥٧، ومعجم ما استعجم لأبي عبيد ١/٢١٢ قلت: ويدل على الفرق بين حنين وأوطاس: الآن يسمى (أم خرمان) وحنين يسمى (الشرائع) انظر التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٣٤٦و٤٧١و٦٥٤) وقد حصل في فتح الباري خطأ مطبعي فقال (أبو عبيدة) والصواب أبو عبيد، وقال: (بجيلة) والصواب نخلة. ٢ هي نخلة يمانية، وهو واد يصب فيه يدعان، وبه مسجد لرسول الله ﷺ، وبه عسكرت هوازن يوم حنين (معجم البلدان لياقوت ٥/٢٧٧) ويدعان: يسمى الآن (جدعان) وهو بين سبوحة والشرائع، وسبوحة: بفتح السين المهملة وضم الموحدة – واد لهذيل يصب في نخلة اليمانية من الجنوب بطرف الزيمة من مغيب الشمس، يأتي سيله من جبلي كنثيل والأشعر، تبعد عن مكة (٤٣) كيلا على طريق البمانية حيث يطؤها الطريق هنالك، وعن الزيمة كيلين فقط (المجازيين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٨) . والتعليق على كتاب مناسك الحج للحربي لحمد الجاسر ص ٣٥٣، ومعالم مكة المكرمة التاريخية لعاتق بن غيث البلادي ص ١٢٩. ٣ في مغازي الواقدي بنو (عنزة) وهو خطأ.
[ ٢٥٢ ]
من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا١، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن امرئ القيس - وكان يقال له ابن الدغنة٢ وهي أمه، فأناخ به، فإذا شيخ كبير٣، وإذا هو دريد بن الصمة ولا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد؟
قال: أقتلك.
قال: ومن أنت؟
قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه فلم يغن شيئا فقال: بئس ما أسلحتك أمك!.
خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل، وكان الرحل في الشجار، ثم اضرب به، وارفع عن العظام ٤، واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب - والله - يوم قد منعت فيه نساءك.
فزعم بنو سليم أن ربيعة لما ضربه تكشف، فإذا عجانه ٥ وبطون فخذيه مثل القرطاس٦ من ركوب الخيل أعراء ٧، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه.
_________________
(١) ١ الثنايا: العقاب، والعقاب: جبال طوال بعرض الطريق، فالطريق تأخذ فيها، وكل عقبة مسلوكة ثنية وجمعها ثنايا (لسان العرب ١٨/١٣٤) وقال البلادي: هذه الثنايا: تخرج أولاها من رأس حنين على قرابة (٥٠) كيلا شرق مكة ثم تقابلها أخرى قرب الخليصة، ثم أخرى تخرجك على وادي قرن المنازل قرب دحنا، ثم يأتي طريقها الطائف من الشمال من جهة المليساء، (معجم المعالم الجغرافية في السيرة النبوية ص ٧١-٧٢) . ٢ الدغنة: بفتح الدال المهملة، وكسر الغين المعجمة ونون خفيفة، ويقال بضم الدال والغين. ويقال: الذعنة: بالذال المعجمة، وفتح عين مهملة وسكونها، وهي أمه، وليس هوابن الدغنة المذكور في قصة أبي بكر في الهجرة (فتح الباري:٨/٤٢ وكتاب المغني لابن طاهر الهندي ص ٣٠، وقال ابن هشام: ويقال اسم الذي قتل دريد: عبد الله بن قنيع ابن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة، ويقال له: (ابن لذعة) (سيرة ابن هشام ٢/٢٥٣، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/١١ ابن لدغة) . ٣ وعند الواقدي في المغازي ٣/٩١٥: وهو شيخ كبير ابن ستين ومائة. ويروى هذا أيضا عن ابن إسحاق (انظر الروض الأنف ٧/٢٠١) . ٤ عند الواقدي ٣/٩١٥:وارفع عن «الطعام» . ٥ عجانة: ما بين فرجيه (ابن منظور: لسان العرب ١٧/١٤٩) ٦ عند الواقدي: مثل القراطيس. ٧ أعراء: جمع عرى بوزن (قفل) وهو الفرس الذي لا سرج له، (لسان العرب لابن منظور ١٩/٢٢٦) .
[ ٢٥٣ ]
فقالت: أما والله لقد أعتق أمهات١ لك ثلاثا٢.
هكذا ذكر ابن إسحاق بدون إسناد.
والحديث أخرجه الطبري من طريق سلمة٣ بن الفضل الأبرش، والطحاوي من طريق عبد الله٤ بن إدريس، والبيهقي من طريق يونس٥ ابن بكير الجميع من طريق ابن إسحاق٦.
والحديث يدل على أن قاتل دريد بن الصمة هوربيعة بن رفيع ٧، وقد أخذ الشافعي - ﵀ - من هذا جواز قتل الشيخ الكبير الذي لا يستطيع القتال، فقد جاء في الأم للشافعي ما نصه:
١١٧- قال الربيع ٨ بن سليمان قال: قال الشافعي قتل يوم حنين دريد بن الصمة ابن خمسين ومائة سنة في شجار لا يستطيع الجلوس فذكر للنبي ﷺ فلم ينكر قتله.
ثم قال الشافعي: "وقتل أعمى من بني قريظة بعد الإسار وهذا يدل على قتل من لا يقاتل من الرجال البالغين إذا أبى الإسلام والجزية".
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "في غداة واحدة، وجز ناصية أبيك قال الفتى: لم أشعر وفي الإصابة:٢/٥٠٧ فقالت له أمه: ألا تكرمت عن قتله لما أخبرك بمنه علينا، فقال: "ما كنت لأتكرم عن رضا الله ورسوله". ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٣-٤٥٤. ٣ صدوق كثير الخطأ تقدم في حديث (٣٢) . ٤ ثقة فقيه عابد تقدم في حديث (٣٢) . ٥ صدوق يخطئ تقدم في حديث (٢٣) . ٦ الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٨-٧٩. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٧أ. وانظر مغازي الواقدي ٣/٩١٤-٩١٥، وجوامع السيرة لابن حزم ٢٤٠ والروض الأنف للسهيلي ٧/١٧٧ وأسد الغابة ٢/٢١١. والكامل في التاريخ ٢/١٧٩ كلاهما لابن الأثير. والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وفتح الباري ٨/٤٢. والإصابة ٢/٥٠٧ كلاهما لابن حجر. ٧ تقدم الخلاف في قاتل دريد تحت حديث (٩٧) . ٨ الربيع بن سليمان بن عبد الجبار المرادي، أبو محمد المصري المؤذن صاحب الشافعي ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٧٠) / د س ق (التقريب ١/٢٤٥، تهذيب التهذيب ٣/٢٤٥-٢٤٦ والخلاصة للخزرجي ١/٣١٩ ورمز له في تهذيب التهذيب / ٤ د س ق والصواب أخرج له الأربعة كما في تهذيب التهذيب ٣/٢٤٦ وتذكرة الحفاظ للذهبي ٢/٥٨٦ ومقدمة تحفة الأحوذي ٢/٥٣.
[ ٢٥٤ ]
قال البيهقي: "الأعمى هو الزَّبِيْر بن باطا القرظي"١.
وأورد الطحاوي حديث أبي موسى الأشعري في بعث أبي عامر إلى أوطاس وفيه "فلقي دريد بن الصمة، فقتل دريد وهزم الله أصحابه".
ثم قال: قال أبو جعفر: "فذهب قوم إلى هذا، فقالوا: لا بأس بقتل الشيخ الكبير في الحرب، فاستدلوا على ذلك بحديث ابن إسحاق في قتل ربيعة بن رفيع دريدا، ثم قال: قالوا: فلما قتل دريد، وهو شيخ كبير فانٍ لا يدافع عن نفسه، فلم يعب رسول الله ﷺ عليهم، دل ذلك أن الشيخ الفاني يقتل في دار الحرب، وأن حكمه في ذلك حكم الشبان لا حكم النسوان.
ثم قال: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا ينبغي قتل الشيوخ في دار الحرب، وهم في ذلك، كالنساء والذرية، ثم أورد ما استدلوا به من أن رسول الله ﷺ نهى عن قتل الشيوخ والنساء، ثم قال: فدل ذلك أن من أبيح قتله هو الذي يقاتل، ولكن لما روى حديث دريدا هذا، وهذه الأحاديث الأخر، وجب أن تصحح، ولا يدفع بعضها ببعض".
فالنهي من رسول الله ﷺ في قتل الشيوخ في دار الحرب ثابت في الشيوخ الذين لا معونة لهم على شيء من أمر الحرب، من قتال ولا رأي.
وحديث دريد على الشيوخ الذين لهم معونة في الحرب، كما كان لدريد فلا بأس بقتلهم وإن لم يكونوا يقاتلون لأن تلك المعونة التي تكون منهم أشد من كثير من القتال، ولعل القتال لا يلتئم لمن يقاتل إلا بها، فإذا كان ذلك كذلك قتلوا.
ثم أورد حديث أن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة فقال: "ما كانت هذه تقاتل" ٢.
أي فلا تقتل، فإنها لا تقاتل، فإذا قاتلت قتلت، وارتفعت العلة التي لها منع من قتلها.
_________________
(١) ١ السنن الكبرى للبيهقي ٩/٩٢ وانظر قصة الزبير بن باطا مفصلة في سيرة ابن هشام ٢/٢٤٢-٢٤٣. ٢ انظر: الحديث في أبي داود ٢/٤٩و٥٠ كتاب الجهاد باب في قتل النساء.
[ ٢٥٥ ]
وفي قتلهم دريد بن الصمة للعلة التي ذكرنا، دليل على أنه لا بأس بقتل المرأة، إذا كانت أيضا ذات تدبير في الحرب، كالشيخ الكبير ذي الرأي في أمور الحرب.
ثم قال: فهذا الذي ذكرنا هو الذي يوجبه تصحيح معاني هذه الآثار١.
قلت: وما قال الطحاوي هو الصواب جمعا بين الأدلة وإذا أمكن الجمع تعين المصير إليه إذ إن العمل بجميع الأدلة أولى من ترك بعضها.
وقد ذكر أهل المغازي أن هوازن خرجت بدريد بن الصمة معها للتيمن برأيه ومعرفته بالحرب فدل على أن قتله كان لما له رأي في الحرب والمشورة.
_________________
(١) ١ الطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤-٢٢٥. وانظر: ابن التركماني: الجوهر النقي ٩/٩٢-٩٣ مع سنن البيهقي وعون المعبود ٧/٣٢٩-٣٣٠.
[ ٢٥٦ ]
المبحث الثاني: سرية أوطاس
كانت هذه السرية في شهر شوال من السنة الثامنة للهجرة، وكانت بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁.
وسببها أن هوازن لما انهزمت في حنين، ذهبت فرقة منهم، فيهم رئيس هوازن مالك بن عوف فلجأوا إلى الطائف فتحصنوا بها١.
وسارت فرقة فعسكرت بأوطاس فبعث رسول الله ﷺ في آثارهم أبا عامر الأشعري، وأمره على جمع من الصحابة فيهم أبو موسى الأشعري وسلمة بن الأكوع، والزبير بن العوام. توضح هذا الموقف الأحاديث الآتية:
ما رواه ابن إسحاق قال: ولما انهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، فبعث رسول الله ﷺ في آثار من توجه قِبل أوطاس أبا عامر الأشعري، فأدرك من الناس بعض من انهزم فناوشوه ٢ القتال، فرمي
_________________
(١) ١ البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٣٧ وتاريخ الخميس للديار بكري ٢/١٠٧. ٢ تناوش القوم في القتال إذا تناول بعضهم بعضا بالرماح ولم يتدانوا كل التداني (لسان العرب لابن منظور ٨/٢٥٤) .
[ ٢٥٦ ]
أبو عامر بسهم فقتل، فأخذ الراية أبو موسى الأشعري، وهو ابن عمه١ فقاتلهم ففتح الله على يديه وهزمهم، فيزعمون أن سلمة بن دريد هوالذي رمى أبا عامر الأشعري بسهم، فأصاب ركبته فقتله، فقال:
إن تسألوا عني فإني سلمة ابن سماد ير لمن توسمه٢
أضرب بالسيف رؤوس المسلمة وسماد ير أمه ٣.
قال الألباني: "هكذا ذكره ابن إسحاق بدون إسناد وهو صحيح، ومعناه في البخاري وابن جرير من حديث أبي موسى الأشعري"٤.
قلت: "والحديث أخرجه أيضا مسلم وغيره وهذا سياقه عند البخاري":
١١٨- حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة٥ عن بريد٦ ابن عبد الله عن أبي بردة ٧ عن أبي موسى - ﵁ - قال: "لما فرغ٨ النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس فلقي دريد بن الصمة فقتل٩ دريد وهزم الله أصحابه، قال أبو موسى: وبعثني مع أبي عامر فرمي أبو عامر في ركبته رماه جشمي١٠ بسهم فأثبته في ركبته، فانتهيت إليه، فقلت: يا عم١١ من رماك؟ فأشار
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: كذا قال ابن إسحاق، والأشهر أن أبا عامر عم أبي موسى الأشعري (فتح الباري ٨/٤٢ و١١/١٣٧و١٤١) . ٢ توسمه: أي تفرس فيه (لسان العرب ١٦/١٢٣) . ٣ سيرة ابن هشام٢/٤٥٤ وانظر حديث رقم (١١٦) والطبري: تاريخ الرسل والملوك٣/٨٠ والواقدي: المغازي ٣/٩١٥ وابن سعد: الطبقات الكبرى: ٢/١٥١-١٥٢ وابن حزم: جوامع السيرة ص ٢٤١، والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٧٨ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨٠ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٣٧ و٣٣٨. وابن حجر فتح الباري ٨/٤٢ والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١٠٧، والزرقاني: شرح المواهب ٣/ ٢٤. ٤ تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص: ٤٢٥. ٥ هو حماد بن أسامة بن زيد القرشي مولاهم أبو أسامة الكوفي. ٦ بريد: بالموحدة والراء، ووقع في معاني الآثار ٣/٢٢٤: (يزيد) بالمثناة التحتية والزاي وكذا في الاستيعاب ٤/١٣٥ مع الإصابة وهو خطأ. ٧ قيل: اسمه عامر، وقيل الحارث، وقيل: اسمه كنيته. ٨ عند الطبري: لما قدم النبي ﷺ من حنين بعث أبا عامر الخ. ٩ تقدم الخلاف في قاتله نحن حديث رقم (٩٧) . ١٠ جشمي: بضم الجيم وفتح المعجمة، أي رجل من بني جشم. وعند مسلم وأبي يعلى والطبري: "رماه رجل من بني جشم". ١١ عند أبي يعلى: "فقلت: يا أبا عامر من رماك؟ ".
[ ٢٥٧ ]
إلى أبي موسى فقال: ذاك١ قاتلي الذي رماني، فقصدت له٢ فلحقته فلما رآني ولى٣ فاتبعته وجعلت أقول له: ألا تستحي، ألا تثبت، فكف٤، فاختلفنا٥ ضربتين بالسيف فقتلته، ثم قلت لأبي عامر: قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فانتزعته فنزا منه٦ الماء، قال: يا ابن أخي اقرئ ٧ النبي ﷺ السلام، وقل له استغفر لي، واستخلفني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرا ثم مات، فرجعت فدخلت على النبي ﷺ في بيته٨ على سرير مرمل٩ وعليه فراش قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه،
_________________
(١) ١ عند مسلم وأبي يعلى والطبري: "إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني". ٢ عند مسلم وأبي يعلى والطبري: "قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته فلحقته". ٣ في المصادر السابقة: فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعه "وجعلت أقول له: ألا تستحي؟ ألست عربيا؟ ". ٤ عند الطبري: "فكر". ٥ وعند مسلم وأبي يعلى والطبري: فالتقيت أنا وهو فاختلفنا أنا وهو ضربتين، فضربته بالسيف فقتلته. ٦ نزامنه الماء: هوبالنون والزاي، يقال نزف دمه، ونزِي إذا جرى ولم ينقطع، النهاية ٥/٤٣، قال ابن حجر قال المهلب: فيه جواز نزع السهم من البدن وإن كان في غبه الموت، وليس ذلك من الالتقاء إلى التهلكة إذا كان يرجو الانتفاع بذلك، ومثله البط والكي وغير ذلك من الأمور التي يتداوى بها. وقال ابن المنير: "لعل البخاري ترجم (بنزع السهم من البدن) لئلا يتخيل أن الشهيد لا ينزع منه السهم بل يبقى فيه، كما أمر بدفنه بدمائه حتى يبعث كذلك، فبين هذه الترجمة أن هذا مما شرع" إهـ. ثم قال ابن حجر: "والذي قاله ابن المهلب أولى لأن حديث الباب يتعلق بمن أصابه ذلك وهو في الحياة بعد. والذي أبداه ابن المنير يتعلق بنزعه بعد الوفاة" (فتح الباري ٦/٨١) وانظر صحيح البخاري ٤/٢٨ كتاب الجهاد، باب "نزع السهم من البدن". ٧ وعند مسلم وأبي يعلى والطبري:يا ابن أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ فأقرئه مني السلام، وقل له: يقول لك أبو عامر: استغفر لي. ٨ في المصادر السابقة "دخلت عليه وهو في بيت". ٩ مرمل: براء مهملة ثم ميم مثقلة، أي معمول بالرمال، وهي حبال الحصر التي تظفر بها الأسرة. قال النووي: "قوله (وعليه فراش) كذا وقع في صحيح البخاري ومسلم" فقال القابسي: "الذي أحفظه في غير هذا السند (عليه فراش) قال: وأظن لفظة: (ما) سقطت لبعض الرواة، وتابعه القاضي عياض وغيره على لفظة: (ما) ساقطة وأن الصواب إثباتها، قالوا: وقد جاء في حديث عمر بن الخطاب في تخيير النبي ﷺ أزواجه، فدخلت على رسول الله ﷺ فإذا هو مضطجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه" إهـ. ونقل ابن حجر هذا الاعتراض ثم قال: "هو إنكار عجيب، فلا يلزم من كونه رقد على غير فراش كما في قصة عمر أنّ لا يكون على سريره دائما فراش إهـ. ونقل الزرقاني كلام ابن حجر ثم قال: لكن قال الشامي: يؤيد أبا الحسن – هو القابسي – قول أبي موسى قد أثر رمال السرير بظهره وجنبه"إهـ. ثم قال الزرقاني: "وقد لا يؤيده لرقة الفراش فلا يمنع تأثير الرمال فالحاصل على هذا دفع دعوى الخطأ عن الرواية". (شرح مسلم ٥/٣٦٨، وفتح الباري ٨/٤٣ وشرح المواهب ٣/٢٦-٢٧) .
[ ٢٥٨ ]
فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقال: قل له استغفر لي، فدعا بماء فتوضأ ١ ثم رفع يديه فقال: "اللهم اغفر لعبيد٢ أبي عامر ورأيت بياض إبطه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك من٣ الناس، فقلت: ولي فاستغفر، فقال: اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه، وأدخله يوم القيامة مدخلا٤ كريما، قال أبو بردة٥: إحداهما٦ لأبي عامر، والأخرى لأبي موسى٧.
والحديث أخرجه مسلم والنسائي والطبري وأبو يعلى والطحاوي، والبيهقي وابن عبد البر كلهم من طريق أبي أسامة به٨.
_________________
(١) ١ وعند الواقدي: "فصل ركعتين ثم قال: "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة! وأمر بتركة أبي عامر فدفعت إلى ابنه، قال: فقال أبو موسى: يا رسول الله إني أعلم أن الله قد غفر لأبي عامر، قتل شهيدا، فادع الله لي، فقال: "اللهم اغفر لأبي موسى واجعله في أعلى أمتي"، فيرون أن ذلك وقع يوم الحكمين (المغازي ٣/٩١٥) . قال النووي: "فيه استحباب الدعاء واستحباب رفع اليدين فيه، وأن الحديث الذي رواه أنس أنه لم يرفع يديه إلا في ثلاث مواطن، محمول على أنه لم يره، وإلاّ فقد ثبت الرفع في مواطن كثيرة فوق ثلاثين موطنا" شرح مسلم ٥/٣٦٨. وقال ابن حجر: "يستفاد منه استحباب التطهر لإرادة الدعاء، ورفع اليدين في الدعاء خلافا لمن خصه بالاستسقاء" (فتح الباري ٨/٤٣) ونقل السهيلي الخلاف في رفع اليدين في الدعاء وذكر حجة كل فريق ثم قال: ولكل شيء وجه، فمن كره، فإنما كره الإفراط في الرفع، كما كره رفع الصوت بالدعاء جدا، قال ﷺ: "أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا" (الروض الأنف ٧/٢١٦) . ٢ قوله: (لعبيد أبي عامر) قال الزّرقاني: "أبو عامر: بدل من عبيد، جمع بين اسمه وكنيته، وفي نسخ: لعبيدك: بزيادة كاف من تحريف الجهّال فالثابت في البخاري، بدون كاف وهو اسمه كما مر" (شرح المواهب ٣/٢٧) قلت: والحديث عند أحمد بلفظ "عبيدك" بإسناد ضعيف، وهو كذلك عند البلاذري وأبي يعلى، انظر ص ٢٦٠. ٣ عند مسلم: "فوق كثير من خلقك أومن النّاس". ٤ مدخلا: بضم الميم ويجوز فتحها وكلاهما بمعنى المكان والمصدر (شرح المواهب ٣/٢٧) . ٥ قال ابن حجر: "هو موصول بالإسناد المذكور" (فتح الباري ٨/٤٣) . ٦ أي: إحدى الدعوتين. ٧ البخاري: الصحيح ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة أوطاس، ٤/٢٨ كتاب الجهاد، باب نزع السهم من البدن، باختصار و٨/٦٩ كتاب الدعوات، باب الدعاء عند الوضوء، باختصار أيضا. وعلقه مختصرا جدا في ٨/٦١ باب قول الله وصل عليهم، و٨/٦٣ باب رفع الأيدي في الدعاء، من كتاب الدعوات. ٨ مسلم: الصحيح ٤/١٩٤٣ كتاب فضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى أبي عامر الأشعريين ﵄. والنسائي: السنن الكبرى كما في تحفة الأشراف للمزي٦/٤٣٩ حديث (٩٠٤٦) . والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٧٩، وأبو يعلى: المسند ٦/٦٧٢ب رقم ٣٠٦، والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٢٤، وابن عبد البر الاستيعاب ٤/١٣٥ (مع الإصابة) . والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٣٥، ٩/٥١ و٩١ ودلائل النبوة ٣/٤٦-٤٧.
[ ٢٥٩ ]
وروى الإمام أحمد والبلاذري وأبو يعلى الجميع من طريق الوليد١ ابن مسلم ثنا يحيى٢ بن عبد العزيز الأردني عن عبد الله٣ بن نعيم القيني قال: حدثني الضحاك٤ بن عبد الرحمن بن عزرب الأشعري أن أبا موسى حدثهم قال: لما هزم الله ﷿ هوازن بحنين عقد رسول الله ﷺ لأبي عامر الأشعري على خيل الطلب فطلبهم فكنت فيمن طلبهم فأسرع به فرسه فأدرك ابن دريد بن الصمة فقتل أبا عامر وأخذ اللواء، وشددت على ابن دريد فقتلته وأخذت اللواء وانصرفت بالناس فلما رآني رسول الله ﷺ أحمل اللواء، قال: يا أبا موسى قتل أبو عامر؟.
قال: قلت نعم يا رسول الله، قال: فرأيت رسول الله ﷺ رفع يديه يدعو يقول: "اللهم عُبَيْدَك عُبَيْدَ أبا عامر اجعله من الأكثرين يوم القيامة" لفظ أحمد ٥.
والحديث فيه يحيى بن عبد العزيز الأردني، وقد قال فيه ابن حجر: مقبول، وعبد الله بن نعيم قال فيه: لين الحديث، وقد عرفت أن الذي ضعف عبد الله هو ابن معين، وقد فسر قوله بأنه ليس بمشهور، والطعن فيهما إنما هو لعدم شهرتهما ومثل هذين ونحوهما يرتفع حديثهم بالمتابعة ويشهد لهذا الحديث حديث الصحيحين.
١١٩ - وروى ابن سعد والروياني من طريق حماد بن سلمة عن عاصم٦ بن بهدلة عن أبي٧ وائل عن أبي موسى الأشعري أن النبيصلى الله عليه وسلم قال: "اللهم اجعل عبيدا أبا عامر فوق أكثر الناس يوم القيامة"، فقتل يوم أوطاس فقتل أبو موسى قاتله.
_________________
(١) ١ الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي، ثقة لكنه كثير التدليس والتسوية من الثامنة /ع (التقريب ٢/٣٣٦، تهذيب التهذيب ١١/١٥١-١٥٥) . ٢ يحيى بن عبد العزيز "مقبول" تقدمت ترجمته في حديث (٦٨) . ٣ عبد الله بن نعيم لين الحديث تقدمت ترجمته في حديث (٦٨) . ٤ الضحاك بن عبد الرحمن بن عرزب ثقة تقدم في حديث (٦٨) وفي الاستيعاب ٤/١٣٥ مع الإصابة (الضحاك بن عبد الله بن عريب) وهو خطأ (انظر التقريب ١/٣٧٢-٣٧٣) . ٥ أحمد: المسند ٤/٣٩٩ والبلاذري: أنساب الأشراف ص ٣٦٦ وأبو يعلى: المسند ٦/٦٦٢-٦٦٣ ب- أرقم ٣٠٦ وانظر حديث (٦٨) . ٦ عاصم بن بهدلة – بمفتوحة وسكون هاء وإهمال دال مفتوحة – وهو ابن أبي النجود - بنون وجيم -، الأسدي - مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام، حجة في القراءة وحديثه في الصحيحين مقرون من السادسة (ت ١٢٨) / ع، (التقريب ١/٣٨٣ وتهذيب التهذيب ٥/٣٨) . وساق الذهبي ترجمته ثم قال: هو حسن الحديث، وقال أحمد وأبو زرعة: ثقة (ميزان الاعتدال ٢/٣٥٧) . ٧ هو شقيق بن سلمة الأسدي: أبو وائل الكوفي، ثقة مخضرم، (ت في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مائة سنة) / ع (التقريب ١/٣٥٤، وتهذيب التهذيب ٤/٣٦١) .
[ ٢٦٠ ]
قال أبو وائل: "إني لأرجو أن لا يجتمع أبو موسى وقاتل عبيد في النار"١.
والحديث حسن لذاته وأصله في الصحيح.
وبهذا نكون قد انتهينا من هذه السرية التي خاضها الجيش الإسلامي بقيادة أبي عامر الأشعري ﵁ وقد قتل شهيدا فيها، وقد حصل خلاف في قاتله، ففي صحيح البخاري أنه رماه جشمي بسهم فأثبته في ركبته، وعند مسلم: "رماه رجل من بني جشم بسهم"، وقال ابن حجر: "واختلف في اسم هذا الجشمي فقال ابن إسحاق: زعموا أن سلمة ابن دريد بن الصمة هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته فقتله، وأخذ الراية أبو موسى الأشعري فقاتلهم ففتح الله عليه".
وقال ابن هشام: حدثني من أثق به أن الذي رمى أبا عامر أخوان من بني جشم وهما أوفى٢ والعلاء ابنا الحارث، فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته، وقتلهما أبو موسى الأشعري وعند ابن عائذ٣ والطبراني٤ في "الأوسط" من وجه آخر عن أبي موسى الأشعري بإسناد حسن "لما هزم الله المشركين يوم حنين بعث الله رسول الله ﷺ على الخيل الطلب أبا عامر الأشعري وأنا معه فقتل ابن دريد أبا عامر، فعدلت إليه فقتلته، وأخذت اللواء" الحديث.
فهذا يؤيد ما ذكره ابن إسحاق٥. إهـ. كلام ابن حجر.
قلت: "ونحوه عند أحمد والبلاذري وأبي يعلى من طريق الوليد بن مسلم كما تقدم"٦.
وساق ابن عبد البر حديث الوليد بن مسلم المشار إليه ثم قال: وقد قيل إن أبا
_________________
(١) ١ ابن سعد: الطبقات الكبرى ٤/١١٥ والروياني مسند الصحابة ١/١١٢أرقم ٥٧٥. ٢ قال ابن حجر: وفي نسخة "وافى" بدل "أوفى". ٣ هو محمد بن عائذ: بتحتانية وإعجام ذال - الدمشقي، أبو أحمد صاحب المغازي، صدوق، رمي بالقدر، من العاشرة (ت٢٣٣) / د س (التقريب ٢/١٧٣ وتهذيب التهذيب ٩/٢٤١-٢٤٢ وميزان الاعتدال ٣/٥٨٩) . ٤ هو الحافظ الإمام العلامة الحجة بقية الحفاظ أبو القاسم سليمان بن أحمد بن أيوب ابن مطير اللخمي الشامي الطبراني، مسند الدنيا وصاحب المعاجم الثلاثة. (٢٦٠-٣٦٠-هـ) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٩١٢-٩١٧) . ٥ فتح الباري ٨/٤٢-٤٣ أي من أن قاتل أبي عامر هو ابن دريد. ٦ ص (٢٦٠) .
[ ٢٦١ ]
عامر قتل يومئذ تسعة مبارزة وأن العاشر ضربه فأثبته فحمل وبه رمق ثم قاتلهم أبو موسى فقتل قاتله، ورواية الوليد بن مسلم عندي أثبت.
وقد قيل أيضا في هذا الخبر أن دريد بن الصمة قتل أبا عامر وقتله أبو موسى الأشعري وذلك غلط وإنما كان ابن دريد، لا دريد، فقد ذكرنا قاتل دريد يوم حنين في غير هذا الموضع١. إهـ.
وقد قال ابن حجر: "ذكر ابن إسحاق أن الذي قتله أبو موسى الأشعري هو سلمة بن دريد بن الصمة وهذا أشبه فإن دريد بن الصمة، إذا ذاك لم يكن ممن قاتل لكبر سنه"٢.
وأثر هشام الذي أشار إليه ابن حجر٣ هذا نصه:
١٢٠- قال ابن هشام: وحدثني من أثق به من أهل العلم بالشعر وحديثه أن أبا عامر الأشعري لقي يوم أوطاس عشرة أخوة من المشركين، فحمل عليه أحدهم، فحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: اللهم اشهد عليه، فقتله أبو عامر، ثم حمل عليه آخر، فحمل عليه أبو عامر، وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: "اللهم أشهد عليه" فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون عليه رجلا رجلا، ويحمل أبو عامر وهو يقول ذلك، حتى قتل تسعة٤ وبقي العاشر، فحمل على أبي عامر، وحمل عليه أبو عامر وهو يدعوه إلى الإسلام ويقول: "اللهم أشهد عليه"، فقال الرجل: "اللهم لا تشهد علي"، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان رسول الله ﷺ إذا رآه قال: "هذا شريد أبي عامر"، ورمى أبا عامر أخوان: العلاء وأوفى ابنا الحارث، وبني جشم بن معاوية فأصاب أحدهما قلبه والآخر ركبته
_________________
(١) ١ ابن عبد البر: الاستيعاب٢/٥٠٧-٥٠٨ و٤/١٣٥-١٣٦مع الإصابة وابن الأثير: أسد الغابة ٦/١٨٧. ٢ الإصابة ١/٥٠٧. ٣ انظر ص (٢٦١) . ٤ وعند ابن سعد: "فقتل أبو عامر منهم تسعة مبارزة ثم برز له العاشرة معلما بعمامة صفراء فضرب أبا عامر فقتله، واستخلف أبا عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم حتى فتح الله عليه وقتل قاتل أبي عامر، فقال رسول الله ﷺ: "اللهم اغفر لأبي عامر واجعله من أعلى أمتي في الجنة"، ودعا لأبي موسى أيضا. (الطبقات الكبرى ٢/١٥١-١٥٢ ومغازي الواقدي ٣/٩١٤-٩١٥) .
[ ٢٦٢ ]
فقتلاه، وولي الناس١ أبو موسى الأشعري فحمل عليهما فقتلهما، فقال رجل من بني جشم بن معاوية يرثيهما:
إن الرزية قتل العلاء وأوفى جميعا ولم يسندا ٢
هما القاتلان أبا عامر وقد كان ذا هبة ٣ أربدا٤
هما تركاه لدى معرك كأن على عطفه مجسدا ٥
فلم تر في الناس مثليهما أقل عثارا وأرمى يدا ٦
وقد نسب ابن حجر لابن إسحاق نحو هذا.
فقال: ذكر ابن إسحاق في المغازي أن أبا عامر لقي يوم أوطاس عشرة من المشركين أخوة فقتلهم واحدا بعد واحد، حتى كان العاشر فحمل عليه وهو يدعوه إلى الإسلام وهو يقول: "اللهم اشهد عليه"، فقال الرجل: "اللهم لا تشهد علي"، فكف عنه أبو عامر ظنا منه أنه أسلم فقتله العاشر، ثم أسلم بعد فحسن إسلامه، فكان النبي ﷺ يسميه شريد٧ أبي عامر٨.
ثم عقب ابن حجر على هذا فقال: "وهذا يخالف الحديث الصحيح في أن أبا موسى قتل قاتل أبى عامر، وما في الصحيح أولى بالقبول، ولعل الذي ذكره ابن إسحاق شارك في قتله"٩.
_________________
(١) ١ قوله: "وولي الناس أبو موسى الأشعري" أي: أقروا ولايته على استخلافه عمه، كما في الصحيح أن أبا عامر استخلف أبا موسى، انظر ص ٢٥٨ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٥. ٢ لم يسندا: أي لم يدركا وبهما رمق فينسدا إلى ما يمسكهما. ٣ ذاهبة: يعني سيفا ذاهبة، وهبة السيف: اهتزازة. ٤ أربدا: الأربد: الذي فيه ربد، أي طرائق من جوهر. ٥ المعرك: موضع الحرب، والمجسد: الثوب المسبوغ بالجساد. وهو الزعفران. (القاموس المحيط ١/١٣٨ و٢٩٣ و٣٠٣ و٣/٣١٣) . ٦ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٧ والروض الأ نف للسهيلي، ٧/١٨١ وقد نسب ابن كثير هذا لابن إسحاق، وهو خلاف ما في سيرة ابن هشام والروض الأنف (انظر البداية والنهاية ٤/٣٣٨) . ٧ شريد: بالراء، وفي فتح الباري (شهيد) قال الزرقاني: وقع في خط الحافظ ابن حجر بالهاء بدل (الراء) وهو سبق قلم، فالذي في سيرة ابن إسحاق التي هو ناقل عنها (بالراء) وهو الوجيه، وبالهاء لا وجه له (شرح المواهب ٣/٢٥) . ٨ وعلى هذا يكون لابن إسحاق في قاتل أبي عامر قولان: الأول أنه سلمة بن دريد وقد قتله أبو موسى، والثاني: أنه عاشر الإخوة، وقد أسلم بعد وحسن إسلامه. ٩ فتح الباري ٨/٤٣ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٢٥.
[ ٢٦٣ ]
قال الزرقاني: "وما ذكره ابن حجر عن ابن إسحاق انتقده الشامي١ وقال: بأن هذا ليس في رواية البكائي٢، وإنما زاده ابن هشام عن بعض من يثق به، ولم يذكر أن العاشر قتل أبا عامر أصلًا بل قال رماه أخوان، والحافظ قلد القطب٣ الحلبي دون مراجعة السيرة".
قال الزرقاني: "وفيه أن اتفاق مثل هذين الحافظين٤ على نقله لا يتجه رده بما قال فإن رواة سيرة ابن هشام متعددون فهو قطعًا في رواية يونس الشيباني وإبراهيم بن سعد أو غيرهما عنه"٥. إهـ.
وبعد ذكر أقوال علماء المغازي والسير في قاتل أبي عامر، وهل أسلم أولم يسلم؛ لا يخلو الأمر من إشكال وتعارض؛ لأن بعض الروايات تقول: القاتل أخوان، وبعضها تذكر أن القاتل عاشر الإخوة الذين هاجموا أبا عامر، وبعضها - كما في الصحيح - تقول: إنه جشمي أو رجل من بني جشم، والذي ينبغي اعتماده في القاتل أنه هذا الجشمي الثابت ذكره في الصحيح، وقد ذكر اسمه في كتب السيرة أنه سلمة بن دريد، وهو جشمي. والصحيح أن القاتل لم يسلم، لأن أبا موسى قد قتله كما ثبت في الصحيحين وغيرهما من كتب الحديث، ولا شك أنّ ترجيح وتقديم ما ثبت في الصحاح وغيرها من كتب الحديث على ما تذكره كتب السير والتاريخ هو المنهج الأقوم، خاصة، إذا كان ما في الصحاح نصًا في محل النزاع كما هنا، فلا يعارض بأقوال محذوفة الأسانيد في كتب السيرة، وبذلك يزول الإشكال ونخلص من تلك الانتقادات والمناقشات التي أثارها الشامي والزرقاني وغيرهما. والله أعلم.
_________________
(١) ١ هو محمد بن يوسف الصالحي (ت: ٩٤٢) له كتاب سبل الهدى والرشاد في سيرة خير العباد. (انظر معجم المؤلفين لكحالة ١٠/٦٣) . ٢ هو: زياد بن عبد الله بن الطفيل العامري، البكائي – بفتح الموحدة وتشديد الكاف، أبو محمد الكوفي، صدوق، ثبت في المغازي وفي حديثه عن غير ابن إسحاق لين، من الثامنة ولم يثبت أن وكيعا كذبه، وله في البخاري موضع واحد متابعة (ت ١٨٣) خ م ت ق (التقريب ١/٢٦٨ وتهذيب التهذيب ٣/٣٧٥) . ٣ القطب الحلبي: هو عبد الكريم بن عبد النور بن منبر الحلبي، الحافظ المتقن المقرئ أبوعلي الحلبي ثم المصري، مفتي الديار المصرية، صنف وخرج وأفاد وشرح أكثر صحيح البخاري في عدة مجلدات ولد سنة ٦٦٤ وتوفي سنة ٧٣٥) (أبو المحاسن الدمشقي ذيل تذكرة الحفاظ ص ١٣-١٥) . ٤ هما القطب الحلبي وابن حجر. ٥ شرح المواهب ٣/٢٥ و٢٦ و٢٧ وانظر: الديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١٠٧ و١٠٨.
[ ٢٦٤ ]
المبحث الثالث: موقف الشيماء وبجاد
كان بجاد رجلا من بني سعد من هوازن قد أحدث حدثا عظيما، وذلك أنه أتاه رجل مسلم، فأخذه بجاد فقطعه عضوا عضوا، ثم حرقه بالنار، فقال رسول الله ﷺ يوم حنين: إن قدرتم على بجاد فلا يفلتنكم فظفر به المسلمون فساقوه وأهله، وساقوا معه الشيماء أخت رسول الله ﷺ من الرضاعة، وحاضنته وعنفوا عليها في السير، فقالت لهم: "إني أخت صاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها، ولما وصلوا بها إلى رسول الله ﷺ، عرفته بنفسها وأنها أخته من الرضاعة فأكرمها رسول الله ﷺ وأحسن مقامها".
وإليك ما ذكره ابن إسحاق وغيره في هذا الصدد.
١٢١- قال ابن إسحاق: حدثني بعض١ بني سعد بن بكر أن رسول الله ﷺ قال يومئذ إن قدرتم على بجاد٢، رجل من بني سعد بن بكر فلا يفلتنكم، وكان قد أحدث حدثا٣، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله وساقوا معه الشيماء٤ بنت الحارث بن عبد العزى أخت النبي ﷺ من الرضاعة٥، فعنفوا عليها في
_________________
(١) ١ يحتمل أن يكون هذا البعض هو أبو وجزة يزيد بن عبيد السعدي. كما في ص ٢٦٦ وترجع الاسنادان إلى سند واحد. ٢ بجاد – بمكسورة، وخفة جيم. ٣ عند الواقدي: وكان قد عرف جرمه فهرب، فأخذته الخيل فضموه إلى الشيماء وكانت الشيماء في السبي الذي أصابته سرية أبي عامر الأشعري. (انظر شرح المواهب اللدنية ٣/٢٥) . ٤ الشيماء: بفتح المعجمة وسكون التحتية، ويقال فيها: الشماء بلا ياء، وهو لقب غلب على اسمها فلا تعرف في قومها إلا به. واختلف في اسمها: فجزم ابن سعد وابن قتيبة بان اسمها: جدامة – بالجيم المضمومة والدال المهملة، والميم: وجزم ابن عبد البر: بأن اسمها: حذافة – بالحاء المهملة المضمومة، والذال المعجمة المفتوحة فألف ففاء، وصوبه الخشني وذكر السهيلي في ذلك وجهين: الأول ما ذكره ابن عبد البر، والثاني خذامة – بكسر الخاء وبالذال المعجمتين، والميم. (انظر: ابن سعد: الطبقات الكبرى ١/١١٠ وابن قتيبة: المعارف ص ٥٨)، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/١٥٧، وابن عبد البر: الاستيعاب٤/٢٧٧ و٣٤٤ مع الإصابة، والسهيلي: الروض الأنف ٢/١٤٥ و١٦٢ وابن الأثير: أسد الغابة ٧/٦٣ و١٦٦، وابن كثير: البداية والنهاية ٢/٢٧٣ و٤/٣٦٤، وابن حجر: الإصابة ٤/٢٧٢ و٣٤٤، والزرقاني: شرح المواهب ١/١٤٦ و٢/٢٥-٢٦. ٥ من جهة أنه ﵇ رضع أمها حليمة السعدية بلبن أخيها بن الحارث.
[ ٢٦٥ ]
السياق، فقالت للمسلمين تعلموا١ والله أني لأخت لصاحبكم من الرضاعة، فلم يصدقوها٢، حتى أتوا بها إلى رسول الله ﷺ ٣.
ومن هذه الطريق أخرجه الطبري٤.
والحديث معضل لأن ابن إسحاق من صغار التابعين، وهم الذين رأوا الواحد والاثنين من الصحابة ولم يثبت لبعضهم السماع من الصحابة٥ وعلى هذا فرواية ابن إسحاق عن التابعين فيكون الحديث معضلا. ثم ساق ابن إسحاق حديثا آخر فقال:
١٢٢- حدثني يزيد٦ بن عبيد السعدي قال: فلما انتهى٧ بها إلى رسول الله ﷺ، قالت: "يا رسول الله إني أختك من الرضاعة، قال: وما علامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك٨، قال: فعرف رسول الله العلامة، فبسط لها رداءه، فأجلسها عليه، وخيرها وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك فعلت، فقالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله ﷺ وردها إلى قومها، فزعمت بنو سعد أنه أعطاها غلاما له يقال له مكحول٩ وجارية فزوجت أحدهما الأخرى فلم
_________________
(١) ١ تعلموا: فعل جامد من أخوات ظن بمعنى اعلموا. شرح ابن عقيل ١/٤٢٠. ٢ عند الواقدي: وأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشد الناس على هوازن. ٣ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٨، والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٨٢ والكلاعي: الاكتفاء ٢/٣٣٧. ٤ تاريخ الرسل والملوك٣/٨٠وانظر: مغازي الواقدي٣/٩١٣وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٣،والدياربكري: تاريخ الخميس٢/١٠٨والزرقاني: شرح المواهب٣/٢٥-٢٦. ٥ ابن حجر: التقريب ١/٥. ٦ يزيد بن عبيد أبووجزة - بفتح الواو وسكون الجيم بعدها زاي- السعدي المدني الشاعر، ثقة من الخامسة (ت١٣٠) /دس. (التقريب ٢/٣٦٨، تهذيب التهذيب ١١/٣٤٩) . ٧ أي بالشيماء. ٨ متوركتك: حاملتك على وركي، والورك: ما فوق الفخذ ابن الأثير: النهاية٥/١٧٦. ٩ قال ابن حجر: "مكحول مولى رسول الله ﷺ، ذكره ابن إسحاق في السيرة وقال: وهب النبي ﷺ لأخته الشيماء - يعني من الرضاعة - غلاما يقال له مكحول، وجارية فزوجت الغلام للجارية، فلم يزل فيهم من نسلهم بقية والله أعلم" (الإصابة ٣/٤٥٦) . وقال ابن الأثير: "مكحول مولى رسول الله ﷺ أورده جعفر في الصحابة، فروى بإسناده عن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي ثم أورد هذا الحديث" (أسد الغابة ٥/٢٥٧) .
[ ٢٦٦ ]
يزل فيهم من نسلهما بقية١.
ومن هذه الطريق أخرجه الطبري٢.
١٢٣- ورواه البيهقي من حديث الحكم٣ بن عبد الملك عن قتادة قال: "لما كان يوم فتح هوازن جاءت جارية إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله أنا أختك أنا الشيماء بنت الحارث، فقال لها: "إن تكوني صادقة فإن بك مني أثرا لا يبلى".
قال: فكشفت عن عضدها فقالت: نعم يا رسول الله (حملتك) ٤ وأنت صغير فعضضتني هذه العضة، قال: "فبسط لها رسول الله ﷺ رداءه، ثم قال: "سلي تعطي واشفعي تشفعي" ٥.
الخلاصة: أن هذا الحديث ورد من ثلاث طرق معضلة:
الأولى: والثانية: عند ابن إسحاق، وفي الأولى قال ابن إسحاق: حدثني بعض بني سعد، وهذا البعض من التابعين لأن ابن إسحاق من صغار التابعين على رأي ابن حجر وقد ثبتت رؤيته لأنس بن مالك، والجهالة الموجودة في هذا السند تغتفر عند أهل العلم بهذا الشأن خاصة إذا كان المراد بهذا البعض جماعة٦.
والطريق الثالثة: عند البيهقي وفيها الحكم بن عبد الملك، ضعفه العلماء٧.
وهذه الآثار كلها ضعيفة ونحن في صدد قصة تاريخية فيكتفي فيها بمثل هذه الآثار، وقد أطبق العلماء الذين ألفوا في الصحابة وغيرهم على ذكر الشيماء في الصحابة
_________________
(١) ١ سيرة ابن هشام ٢/٤٥٨، والسهيلي: الروض الأنف ٧/١٨٣. ٢ تاريخ الرسل الملوك ٣/٨١ وانظر: البلاذري: أنساب الأشراف ص ٩٣ وابن حزم: جوامع السيرة ص ٢٤٥ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨٠ والواقدي: المغازي ٣/٩١٣ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٣، والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١٠٨ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٢٦. ٣ الحكم بن عبد الملك القرشي البصري، نزيل الكوفة، ضعيف من السابعة / ب خ ت س ق هكذا في التقريب ١/١٩١ وفي تهذيب التهذيب ٢/٤٣١ علم له / ب خ ت ص ق. وكذا في الخلاصة للخزرجي ١/٢٤٥ وفي ميزان الاعتدال ١/٥٧٦ ت ق وكذا في الكاشف ١/١٨٣ والظاهر أنه أخرج له (ت ق) فقط. وقد ذكره المباركفوري في مقدمة تحفة الأحوذي ٢/٤٧ في رجال جامع الترمذي. ٤ هذه الجملة سقطت من البداية والنهاية لابن كثير وهي ثابتة في الدلائل للبيهقي الذي هو ناقل عنها. ٥ دلائل النبوة للبيهقي ٣/٥٦ وانظر البداية والنهاية ٤/٦٤. ٦ انظر: دفاع عن الحديث النبوي والسيرة للألباني ص ٨١. ٧ وخاصة في قتادة انظر كتاب المجروحين لابن حبان ١/٢٤٨-٢٤٩.
[ ٢٦٧ ]
وعلى أنها قدمت على رسول الله ﷺ الجعرانة فرحب بها وأكرمها١.
وقد وردت أحاديث أخر تدل على أن أبوي رسول الله ﷺ وأخاه من الرضاعة جاءوا إلى رسول الله ﷺ وهو مقيم بالجعرانة فبسط لهم ثوبه وأجلسهم عليه، وأن أمه سألته من سبايا حنين فأعطاها نصيبه ولما رأى الناس ذلك أعطوها أنصباءهم، وفيما يلي سياق ما ورد من الآثار:
١٢٤- ما أخرجه الطبري قال: حدثنا بشر٢ قال: ثنا يزيد٣ قال: ثنا سعيد عن قتادة قال: "ذكر لنا أن أم٤ رسول الله ﷺ التي أرضعته أو ظئره من بني سعد بن بكر أتته فسألته سبايا يوم حنين، فقال رسول الله ﷺ: "إني لا أملكهم وإنما لي منهم نصيبي، ولكن ائتيني غدا فسليني والناس عندي، فإني إذا أعطيتك نصيبي أعطاك الناس"، فجاءت الغد فبسط لها ثوبا، فقعدت عليه، ثم سألته، فأعطاها نصيبه، فلما رأى ذلك الناس أعطوها أنصباءهم ٥.
١٢٥- قال ابن عبد البر: روى زيد ٦ بن أسلم عن عطاء ٧ بن يسار قال: "جاءت حليمة بنت عبد الله أم النبي ﷺ من الرضاعة إلى النبي ﷺ يوم حنين فقام إليها وبسط لها رداء فجلست عليه" ٨.
_________________
(١) ١ انظر الشفا للقاضي عياض١/١٢٨ وشرحه مزيل الخفاء: عن ألفاظ الشفاء لأحمد بن محمد الشمني ١/١٢٨، وانظر المصادر المتقدمة في ترجمة الشيماء تحت حديث (١٢١) . ٢ بشر: هو ابن معاذ العقدي، صدوق. وسعيد: هو ابن أبي عروبة اليشكري، ثقة حافظ. وقتادة: هو ابن دعامة ثقة ثبت تقدمت تراجمهم في حديث (٤٨) . ٣ يزيد: هو ابن زريع، ثقة ثبت تقدم في حديث (١) . ٤ هي حليمة السعدية. ٥ جامع البيان ١٠/١٠١. ٦ زيد بن أسلم العدوي مولى عمر بن الخطاب، أبو عبد الله أو أبو أسامة، المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة (ت١٣٦) /ع (التقريب ١/٢٧٢، تهذيب التهذيب٣/٣٩٥) . ٧ عطاء بن يسار الهلالي أبو محمد المدني، مولى ميمونة زوج النبي ﷺ، ثقة فاضل، صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثالثة، (ت ٩٤، وقيل بعد ذلك) /ع (التقريب ٢/٢٣ وتهذيب التهذيب ٧/٢١٧) . ٨ الاستيعاب٤/٢٧٠مع الإصابة، وانظر الحديث أيضا عند ابن حجر: الإصابة٤/٢٧٤ والزرقاني: شرح المواهب اللدنية ١/١٤١ وشمس الحق العظيم آبادي: عون المعبود ١٤/٥٣.
[ ٢٦٨ ]
١٢٦- ما رواه البخاري في الأدب المفرد وأبوداود وغيرهما من حديث أبي الطفيل١ وهذا سياق أبي داود قال: حدثنا ابن المثنى٢، أخبرنا أبوعاصم٣، أخبرنا جعفر٤ بن يحيى بن عمارة بن ثوبان
أنبأنا٥ عمارة٦ بن ثوبان أن أبا الطفيل أخبره قال: "رأيت النبي ﷺ يقسم لحما بالجعرانة، قال أبو الطفيل: "وأنا يومئذ غلام أحمل عظم الجزور٧ إذ أقبلت امرأة٨ حتى دنت إلى النبي ﷺ فبسط٩ لها رداءه فجلست عليه، فقلت١٠: من هي؟ فقالوا١١: هذه أمه التي أرضعته١٢".
والحديث قال في عون المعبود: "سكت عنه المنذري"١٣إهـ.
_________________
(١) ١ هو عامر بن واثلة. ٢ محمد بن المثنى بن عبيد، العنزي - بفتح النون والزاي - أبو موسى البصري المعروف بالزمن، مشهور بكنيته وباسمه، ثقة ثبت من العاشرة (ت٢٥٢/ع (التقريب ٢/٢٠٤ وتهذيب التهذيب ٩/٤٢٥-٤٢٧) . ٣ أبو عاصم هو: الضحاك بن مخلد ثقة ثبت تقدم في حديث (٤٥) . ٤ جعفر بن يحيى بن ثوبان وقيل جعفر بن يحيى بن عمارة بن ثوبان، حجازي مقبول من الثامنة، (التقريب ١/١٣٣) وفي تهذيب التهذيب ٣/١٠٩ قال: روى عن عمه عمارة بن ثوبان وعنه أبو عاصم النبيل، وعبيد بن عقيل الهلالي. قال ابن المدني: "مجهول ما روى عنه غير أبي عاصم". ثم قال ابن حجر: قلت: "وذكره ابن حبان في الثقات، وقال ابن القطان الفاسي مجهول الحال". وقد حصل في التقريب الطبعة المصرية والهندية وتهذيب التهذيب (علامة) النسائي بدل (ابن ماجه) وهوخطأ. والصواب أنه أخرج له البخاري في الأدب المفرد وأبوداود وابن ماجه انظر تهذيب الكمال للمزي ٢/١٠٤، والكاشف ١/١٨٧ وميزان الاعتدال ١/٤٢٠،والمغني في الضعفاء ١/١٣٥ كلها للذهبي، والخلاصة للخزرجي ١/١٧١، وانظر حديثه عند ابن ماجه في سننه ١/٦٣٦ كتاب النكاح، باب حسن معاشرة النساء. ٥ كذا وقع عند أبي داود والبخاري وأبي يعلى (أنبأنا عمارة بن ثوبان) قال المزي: في الأطراتف ٤/٢٣٥ حديث ٥٠٥٣ ورواه مسلم الكجي عن أبي عاصم قال: أخبرنا جعفر بن ثوبان أخبرني عمي عمارة بن ثوبان وهوالمحفوظ (يعني أن عمارة عم جعفر) وحديث أبي مسلم الكجي عند الطبراني والبيهقي انظر ص ٢٧٠. ٦ عمارة بن ثوبان، حجازي، مستور، من الخامسة / ب خ د ق (التقريب ٢/٤٩ وتهذيب التهذيب ٧/٤١٢) . ٧ عند البخاري وأبي يعلى والطبراني والبيهقي "عضو بعير". ٨ عند أبي يعلى: "فأقبلت امرأة بدوية فلما دنت من النبي ﷺ بسط لها رداءه". ٩ قوله: فبسط لها رداءه: قال صاحب عون المعبود: أي تعظيما لها وانبساطا بها، فقلت من هي: أي تعجبا من إكرامه إياها وقبولها القعود على ردائه المبارك (عون المعبود ١٤/٥٣) . ١٠ عند أبي يعلى: فسألت من هذه. ١١ عند البخاري: قيل هذه أمه. ١٢ أبو داود: السنن ٢/٦٣٠ كتاب الأدب، باب في بر الوالدين. ١٣ ١٤/٥٤.
[ ٢٦٩ ]
وأخرجه البخاري في الأدب المفرد فقال: حدثنا أبو عاصم عن جعفر بن يحيى بن ثوبان به١.
وأخرجه أبو يعلى فقال: حدثنا عمرو٢ بن الضحاك بن مخلد ثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان به"٣.
وأخرجه الطبراني والبيهقي كلاهما من طريق أبي مسلم٤ الكجي قال ثنا أبوعاصم قال: أخبرنا جعفر بن يحيى قال: أخبرني عمي عمارة بن ثوبان به٥.
وأخرجه الحاكم من طريق أبي عاصم أنبأنا جعفر بن يحيى به.
وقال: "هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه"٦.
وأورده ابن كثير ثم قال: "هذا حديث غريب".
ولعله يريد أخته٧ وقد كانت تحضنه مع أمها حليمة السعدية، وإن كان محفوظا فقد عمرت حليمة دهرا، فإن من وقت أرضعت رسول الله ﷺ إلى وقت
_________________
(١) ١ الأدب المفرد: ص ٤٤٠ باب حسن العهد. ٢ عمرو بن الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني ولد أبي عاصم النبيل، البصري، ثقة، كان على قضاء الشام، من الحادية عشرة، (ت٢٤٢) / ق (التقريب ٢/٧٢ وتهذيب التهذيب ٨/٥٥) . ووقع في التقريب: والد أبي عاصم وهو خطأ، والظاهر أن شيخ عمرو بن الضحاك قد سقط من السند وأنه أبو عاصم، فإن عمرًا يروي عن أبيه وأن هذا الحديث بجميع طرقه عن أبي عاصم عن جعفر بن يحيى، ولم أجد في ترجمة عمرو أنه يروي عن جعفر، وكذا لم أجد في ترجمة جعفر أن من تلاميذه عمرو بن الضحاك. ٣ مسند أبي يعلى ١/١٠٧ رقم ٣٠١. ٤ أبو مسلم الكجي هو: إبراهيم بن عبد الله، ثقة تقدمت ترجمته في حديث (٨٩) وقع في البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٦٤ ثنا مسلم وهو خطأ والصواب "ثنا أبو مسلم". ٥ انظر المزي: تهذيب الكمال ٦/٥٠١ فقد ساق الحديث في ترجمة عمارة بن ثوبان، بسنده إلى الطبراني. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥٦ وانظر: الشفا للقاضي عياض ١/١٢٨، وأسد الغابة لابن الأثير ٧/٦٨ والسيرة النبوية للذهبي ص ٢١، والإصابة لابن حجر ٤/٢٧٤. ٦ المستدرك ٤/١٦٤،٣/٦١٨. ٧ قلت: وقد سبق إلى هذا القول الحافظ الدمياطي فقد ذكر حديث بسط الرداء، ثم قال: هذه أخته الشيماء لا أمها حليمة. (انظر: الشمني: مزيل الخفاء عن ألفاظ الشفاء ١/١٢٨ مع الشفاء وسيأتي الجواب عن هذا في نهاية هذا المبحث. وتردد ابن قيم في ذلك فقال: واختلف في إسلام أبويه من الرضاعة فالله أعلم (زاد المعاد ١/٨٣) .
[ ٢٧٠ ]
الجعرانة أزيد من ستين سنة، وأقل ما كان عمرها حين أرضعته ﷺ ثلاثين سنة، ثم الله أعلم بما عاشت بعد ذلك.
١٢٧- وقد ورد حديث مرسل فيه أن أبويه من الرضاعة قدما عليه والله أعلم بصحته قال أبو داود في المراسيل: ثنا أحمد١ بن سعيد الهمداني، ثنا ابن٢ وهب ثنا عمرو٣ بن الحارث أن عمر٤ بن السائب حدثه أنه بلغه أن رسول الله ﷺ كان جالسا يوما فجاءه أبوه٥ من الرضاعة فوضع له بعض ثوبه فقعد عليه، ثم أقبلت أمه فوضع لها شق ثوبه من جانبه الآخر فجلست عليه، ثم أقبل أخوه ٦ من الرضاعة فقام له رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه" ٧.
قلت: "والحديث أيضا عند أبي داود في السنن"٨.
قال صاحب عون المعبود: قال المنذري: "هذا معضل؛ لأن عمر بن السائب يروي عن التابعين"٩.
وخلاصة القول في هذا أنه قد وردت أربعة أحاديث تصرح بقدوم أم رسول الله ﷺ من الرضاعة إلى الجعرانة، وهي كالتالي:
الأول: حديث الطبري وهو مرسل حسن الإسناد١٠.
_________________
(١) ١ أحمد بن سعيد بن بشر الهمداني، أبوجعفر المصري، صدوق من الحادية عشرة (ت٢٥٣) / د (التقريب ١/١٥ وتهذيب التهذيب ١/٣١) . ٢ هو عبد الله بن وهب. ٣ عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري، مولاهم، المصري، أو أيوب، ثقة فقيه حافظ، من السابعة، (ت قبل الخمسين ومائة) /ع (التقريب ٢/٦٧ وتهذيب التهذيب ٨/١٤) وقع في تهذيب التهذيب ٨/١٥ عند ذكر تلامذته منهم "عبد الله ابن أبي وهب" وهو خطأ والصواب: عبد الله ابن وهب) . ٤ عمر بن السائب بن أبي راشد المصري، مولى بني زهرة، أبو عمر صدوق فقيه، من السادسة (ت ١٣٤) التقريب ٢/٥٥ وتهذيب التهذيب ٧/٤٥٠ ووقع في تهذيب التهذيب: توفي سنة أربع وثلاثين ومائتين وهو خطأ. ٥ أبوه هو الحارث بن عبد العزى. ٦ هو عبد الله بن الحارث بن عبد العزى، (انظر سيرة ابن هشام ١/١٦١ وابن الأثير: أسد الغابة ١/٤٠٤ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/١١١ وابن حجر الإصابة ١/٢٨٢-٢٨٣ و٣/٨٨) وابن كثير: البداية والنهاية ٢/٢٧٣ وانظر عون المعبود ١٤/٥٤. ٧ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٤ والسهيلي: الروض الأنف ٢/١٤٥. ٨ ٢/٦٣٠ كتاب الأدب، باب بر الوالدين، انظر: الشفا للقاضي عياض ١/١٢٨. ٩ ١٤/٥٤. ١٠ تقدم برقم (١٢٤) .
[ ٢٧١ ]
الثاني: حديث زيد بن أسلم وهو مرسل صحيح الإسناد١.
الثالث: حديث أبي الطفيل ٢ وفيه ما يأتي:
أ- جعفر بن يحيى بن ثوبان، سكت عنه البخاري ٣.
وقال ابن أبي حاتم: "روى عن عمه عمارة وعطاء وعبد الله بن عبيد وعنه: أبو عاصم وعبيد بن عقيل، ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلًا"٤.
وقال ابن حجر: في التقريب "مقبول"٥.
وفي تهذيب التهذيب: "وثقه ابن حبان"، وقال ابن المديني: "مجهول ما روى عنه غير أبي عاصم"، وقال ابن القطان الفاسي: "مجهول الحال"٦.
ب- عمارة بن ثوبان: سكت عنه البخاري٧، وكذا ابن أبي حاتم٨.
وقال المزي: "روى عن أبي الطفيل وعطاء بن أبي رباح وموسى بن باذان وعنه ابن أخيه جعفر بن يحيى بن ثوبان، ذكره ابن حبان في كتاب الثقات"٩. ونقل ابن حجر هذا في تهذيب التهذيب، وزاد: قال ابن المديني: "عمارة بن ثوبان لم يروعنه غير جعفر بن يحيى". وقال عبد الحق١٠: "ليس بالقوي".
وقال ابن القطان الفاسي: "مجهول الحال"١١.
_________________
(١) ١ تقدم برقم (١٢٥) . ٢ تقدم برقم (١٢٦) . ٣ التاريخ الكبير٢/٢٠٢. ٤ الجرح والتعديل ٢/٤٩٢. ٥ ١/١٣٣. ٦ ٢/١٠٩ وانظر ميزان الاعتدال ١/٤٢٠. ٧ التاريخ الكبير ٦/٥٠٣. ٨ الجرح والتعديل ٦/٣٦٣. ٩ تهذيب الكمال ٦/٥٠١. ١٠ عبد الحق بن عبد الرحمن الحافظ العلامة الحجة أبو محمد الأزدي الأشبيلي، ويعرف أيضًا بابن (الخراط) قال أبو عبد الله الأبار: كان فقيها حافظا عالما بالحديث وعلله عارفًا بالرجال موصوفا بالخير والصلاح والزهد والورع ولزوم السنة، من تصانيفه الكثيرة: (الجمع بين الصحيحين) وكتاب (المعتل من الحديث) (ت ٥٨١ تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٥٠-١٣٥٢) . ١١ تهذيب التهذيب ٧/٤١٢.
[ ٢٧٢ ]
وفي التقريب قال عنه: "مستور"١.
وقال عنه الذهبي في ميزان الاعتدال والمغني في الضعفاء: "تفرد عنه ابن أخيه جعفر بن يحيى لكنه وثق".
وفي الكاشف قال: "وثق وفيه جهالة"٢.
والحديث صححه الحاكم كما تقدم٣ وصحح حديثا آخر أيضا من طريق جعفر بن يحيى بن ثوبان عن عمه عمارة بن ثوبان ووافقه الذهبي٤.
وتعقب الألباني الحاكم في تصحيحه والذهبي في موافقته فقال: "هذا غريب من الذهبي، فإنه قال عن عمارة في الضعفاء تابعي صغير مجهول"٥إهـ. وعلى هذا فقد اختلف قول الذهبي في عمارة.
ومثل عمارة هذا يتقوى بالمتابعة.
الرابع: حديث عمر بن السائب، وهومعضل كما قال المنذري٦ وفيه زيادة ذكر أبوي رسول الله ﷺ وأخيه من الرضاعة وهذه الأحاديث تدل بمجموعها على أن لهذه القصة أصلا، وقد عد العلماء حليمة السعدية وزوجها وابنها في الصحابة، فقال ابن عبد البر: حليمة السعدية هي التي أرضعت رسول الله ﷺ حتى أكملت رضاعه ورأت له برهانا وعلمًا جليلًا تركنا ذكره لشهرته.
ثم أورد حديث زيد بن أسلم المتقدم٧.
ثم قال: "روت عن النبي ﷺ، وروى عنها عبد الله٨ بن جعفر"٩.
_________________
(١) ٢/٤٩.١ ٢ ميزان الاعتدال ٣/١٧٣ والمغني في الضعفاء ٢/٤٦٠، والكاشف ٢/٣١٠. ٣ انظر ص (٢٧٠) . ٤المستدرك٤/١٧٣من حديث ابن عباس أن رسول الله ﷺ قال: خيركم، خيركم للنساء. ٥ الألباني: سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول تحت حديث (٢٨٥) . ٦ انظر حديث (١٢٨) . ٧ تقدم برقم (١٢٥) ٨ عبد الله بن جعفر بن أبي طالب الهاشمي أحد الأجواد، ولد بأرض الحبشة وله صحبة (ت ٨٠) /ع (التقريب ١/٤٠٦ وتهذيب التهذيب ٥/١٧٠) . ٩ الاستيعاب ٤/٢٧٠ مع (الإصابة) .
[ ٢٧٣ ]
ونقل ابن حجر قول ابن عبد البر هذا ثم قال: "حديث عبد الله بن جعفر بقصة إرضاعها لرسول الله ﷺ، أخرجه أبو يعلى وابن حبان في صحيحه"١، وصرح فيه بالتحديث بين عبد الله وحليمة٢.
ونقل الزرقاني قول ابن حجر ثم قال: وقول ابن كثير لم تدرك البعثة رده الحافظ ابن حجر، بأن عبد الله بن جعفر حدث عنها عند أبي يعلى والطبراني وابن حبان وهو إنما ولد بعد البعثة.
وزعم الدمياطي٣ وأبو حيان٤ النحوي أنها لم تسلم مردود، فقد ألف مغلطاي٥ فيها جزء حافلا سماه التحفة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة وارتضاه علماء عصره، فأما أبو حيان فليس من فرسان هذا الميدان يذهب إلى زيده وعمره، وأما الدمياطي فحسبنا في الرد عليه قوله: وقد وهل غير واحد فذكروها في الصحابة لأنهم مثبتون لذلك، فمن أين له الحكم عليهم، وقد ذكرها في الصحابة ابن أبي
_________________
(١) ١ الحديث عند أبي يعلى في مسنده ١/١٢٨ وابن حبان في صحيحه كما في موارد الظمآن ص ٥١٢ وليس فيه التصريح بالتحديث كما قال ابن حجر ﵀، ولذا فقد قال الألباني: "وهم الحافظ ابن حجر في هذا فإن هذا التحديث لا أصل له عند ابن حبان ولا عند غيره ممن ذكرنا. وقد وصف الحديث بالاضطراب أيضا" (دفاع عن الحديث النبوي والسيرة ص ٣٩) وانظر: الحديث عند أبي نعيم في دلائل النبوة ص ١١١ والبيهقي: في دلائل النبوة أيضا ١/١٠٨ وابن هشام: السيرة النبوية ١/١٦٢ والسهيلي: الروض الأنف ٢/١٤٥ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٢/١٥٨، والذهبي: السيرة النبوية ١٩-٢١ وقال: "هذا حديث جيد الإسناد"، وابن كثير: البداية والنهاية٢/٢٧٣-٢٧٥ وقال: هذا الحديث قد روي من طرق أخر وهو من الأحاديث المشهورة المتداولة بين أهل السير والمغازي. والحديث يدور على ابن إسحاق ﵀ وقد صرح بالتحديث في بعض الطرق. ٢ الإصابة ٤/٢٧٤. ٣ الدمياطي: الحافظ الإمام العلامة الحجة الفقيه، النسابة، شيخ المحدثين، شرف الدين، أبو محمد عبد المؤمن بن خلف الدمياطي الشافعي صاحب التصانيف (٦١٣-٧٠٥هـ) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٤٧٧-١٤٧٩، ابن كثير: البداية والنهاية١٤/٤٠والشوكاني البدر الطالع١/٤٠٣وكحالة: معجم المؤلفين٦/١٩٧. ٤ هو محمد بن يوسف بن علي الغرناطي أوحيان الأندلسي الإمام الكبير في العربية والتفسير وغيرهما من الفنون (٦٥٤-٧٤٥هـ) (الشوكاني: البدر الطالع ٢/٢٨٨-٢٩١) . ٥ مغلطاي بن قليج بن عبد الله البكجري، الحنفي التركي علاء الدين صاحب التصانيف (٦٩٠-٧٦٢هـ) من تصانيفه الكثيرة، ذيل على "تهذيب الكمال" للمزي، وله شرح على صحيح البخاري في نحو عشرين مجلدا وغير ذلك (ابن حجر: لسان الميزان:٦ /٧٢ والشوكاني: البدر الطالع ٢/٣١٢ وكحالة: معجم المؤلفين ١٢/٣١٣ ولحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد ص ١٣٣.
[ ٢٧٤ ]
خيثمة١ في تاريخه وابن عبد البر وابن الجوزي٢ في "الحداء" والمنذري في مختصر سنن أبي داود وابن حجر في الإصابة وغيرهم، وحسبك بهم حجة٣، ثم قال: وما وقع عند الواقدي أن رسول الله ﷺ سأل الشيماء عن أبويها فأخبرته أنهما ماتا لا يصح، فقد روى أبو داود وأبو يعلى وغيرهما عن أبي الطفيل أنه ﷺ كان بالجعرانة يقسم لحما فأقبلت امرأة بدوية فلما دنت منه بسط لها رداءه فجلست عليه فقلت: من هذه قالوا: أمه التي أرضعته.
وذكر ابن إسحاق: "أن زوجها الحارث عاش بعده ﵇، ثم قال: والواقدي لا يحتج به إذا انفرد فكيف إذا خالف" إهـ.
قلت: "وحديث إسلام الحارث أورده السهيلي في رواية يونس بن بكير عن ابن إسحاق وهذا سياقه":
قال: "وذكر ابن إسحاق الحارث بن عبد العزى أبا رسول الله ﷺ من الرضاعة، ولم يذكر له إسلاما ولا ذكره كثير ممن ألف في الصحابة".
١٢٨- وقد ذكره يونس بن بكير في روايته، فقال: حدثنا ابن إسحاق قال: حدثني والدي إسحاق٤ بن يسار عن رجال من بني سعد ابن بكر، قالوا: قدم الحارث بن عبد العزى أبو رسول الله ﷺ من الرضاعة على رسول الله ﷺ بمكة حين أنزل عليه القرآن، فقالت له قريش: ألا تسمع يا حار٥ ما يقول ابنك هذا؟
فقال: وما يقول؟
قالوا: "يزعم أن الله يبعث بعد الموت، وأن لله دارين يعذب فيهما من عصاه
_________________
(١) ١ أحمد بن أبي خيثمة زهير بن حرب الحافظ الحجة الإمام أبو بكر النسائي البغدادي صاحب التاريخ الكبير (١٨٥-٢٧٩هـ) (الخطيب البغدادي: تاريخ بغداد ٤/١٦٢ والذهبي: تذكرة الحفاظ ٢/٥٩٦ وكحالة: معجم المؤلفين ١/٢٢٧) . ٢ هو عبد الرحمن بن علي بن محمد جمال الدين أبو الفرج، المعروف بابن الجوزي الإمام العلامة الحافظ عالم العراق وواعظ الآفاق، صاحب التصانيف في فنون العلم، منها زاد المسير في علم التفسير، والمنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٥١٠-٥٩٧هـ) (الذهبي تذكرة الحفاظ ٤/١٣٤٢) وابن كثير البداية والنهاية ١٣/٢٨ وكحالة: معجم المؤلفين ٥/١٥٧. ٣ الزرقاني: شرح المواهب ١/١٤١ و٣/٢٦ وانظر: مغازي الواقدي ٢/٢٦٩، ٣/٩١٣، ومجمع الزوائد للهيثمي ٨/٢٢٠-٢٢١. ٤ تقدم في حديث (٨٩) . ٥ ترخيم: حارث (شرح قطر الندى لابن هشام ص ٢١٤) .
[ ٢٧٥ ]
ويكرم فيهما من أطاعه، فقد شتت أمرنا، وفرق جماعتنا، فأتاه فقال: أي بني مالك ولقومك يشكونك، ويزعمون أنك تقول: إن الناس يبعثون بعد الموت ثم يصيرون إلى جنة ونار؟ ".
فقال رسول الله ﷺ: "نعم أنا أزعم ذلك، ولو قد كان ذلك اليوم يا أبت، لقد أخذت بيدك، حتى أعرفك حديثك اليوم"، فأسلم الحارث بعد ذلك، وحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: "لو قد أخذ ابني بيدي، فعرفني ما قال، لم يرسلني إن شاء الله حتى يدخلني الجنة" ١.
وأورده ابن حجر في ترجمة الحارث ثم قال: "عند ابن سعد حديث آخر مرسل صحيح الإسناد أن هذه القصة وقعت لولد الحارث".
١٢٩- فأخرج من طريق يحيى٢ بن أبي كثير عن إسحاق٣ بن عبد الله قال: "كان لرسول الله ﷺ أخ من الرضاعة فقال للنبي ﷺ يعني بعد النبوة أترى أنه يكون بعث؟
فقال له النبي ﷺ: "أما والذي نفسي بيده لآخذن بيدك يوم القيامة ولأعرفنك".
قال: "فلما آمن بعد النبي ﷺ كان يجلس فيبكي ويقول: "أنا أرجو أن يأخذ النبي ﷺ بيدي يوم القيامة".
ثم قال ابن حجر: "ويحتمل أن يكون ذلك وقع للأب والابن، وقد سماه بعضهم عبد الله، وذكره في الصحابة، وكذا سماه ابن سعد لما ذكر أسماء أولاد حليمة"٤.
ثم أورد حديث عمر بن السائب في قدوم أبوي رسول الله ﷺ وأخيه إلى
_________________
(١) ١ السهيلي: الروض الأنف ٢/١٦٠-١٦١. ٢ يحيى بن أبي كثير الطائي، مولاهم، أو نصر اليمامي، ثقة ثبت، لكنه يدلس ويرسل، من الخامسة، (ت ١٣٢) وقيل قبل ذلك/ ع (التقريب ٢/٣٥٦ وتهذيب التهذيب ١١/ ٢٦٨ وقد ذكره ابن حجر: في المرتبة الثانية من مراتب طبقات المدلسين، وهي: من احتمل الأئمة تدليسه وأخرجوا له في الصحيح لإمامته وقلة تدليسه في جنب ما روى، أو كان لا يدلس إلا عن ثقة (طبقات المدلسين ص٧، و٢٥) . ٣ إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة الأنصاري ثقة حجة، تقدم في حديث (٤٧) . ٤ انظر طبقات الكبرى: لابن سعد ١/١١٠.
[ ٢٧٦ ]
الجعرانة ثم قال: وذكر ابن إسحاق أنه بلغه أن الحارث إنما أسلم بعد وفاة النبي ﷺ فالله أعلم١.
١٣٠- وروى ابن إسحاق قال: حدثني عمرو٢ بن شعيب عن أبيه ٣ عن جده عبد الله٤ أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وقد أسلموا فقالوا: يا رسول الله إنا أصل وعشيرة" الحديث.
وفيه "إنما في الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتي كن يكفلنك" الحديث٥.
وإسناد حسن٦.
وفي شعر زهير بن صرد أحد وفد هوازن قال:
أمنن على نسوة قد كنت ترضعها
إذ فوك تملأه من محضها درر٧
وفي هذا الشعر التصريح بنسوة منهن من كانت مرضعة للرسول ﷺ، وفي الحديث الذي قبله ذكر قرابات الرسول ﷺ من الرضاع والتصريح بحواضنه اللاتي كفلنه، ويستأنس بهذا الأثر مع ما قبله من الآثار السابقة الواردة في هذا الصدد أن أم الرسول ﷺ قدمت عليه الجعرانة، والآثار السابقة وإن كانت لا تخلو من مقال لكنها يعمل بها في مثل هذه المسألة التاريخية.
إذ لا يوجد معتمد فيها إلا هذه الآثار وليس لها معارض يدفعها.
_________________
(١) ١ ابن حجر: الإصابة١/٢٨٢-٢٨٣و٣/٨٨والزرقاني: شرح المواهب اللدنية١/١٤٢ و١٤٣. ٢ عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمروبن العاص، صدوق من الخامسة (ت ١١٨) / ز ع (التقريب ٢/٧٢ وتهذيب التهذيب ٨/٤٨) . ٣ شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوق، ثبت سماعه من جده عبد الله ابن عمرو، من الثالثة/ب خ ز ع (التقريب١/٣٥٣ وتهذيب التهذيب ٤/٣٥٦، وفي التقريب الطبعة المصرية، قال: عن (شعيب)،بأنه من الثامنة، وهو خطأ، وسقطت علامة من أخرج له من تهذيب التهذيب. وهي ثابتة في التقريب والخلاصة للخزرجي. ٤ عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي أبو محمد، وقيل أبو عبد الرحمن أحد السابقين المكثرين من الصحابة وأحد العبادلة الفقهاء، مات في ذي الحجة، ليال الحرة على الأصح، بالطائف على الراجح/ ع (التقريب ١/٤٣٦ وتهذيب التهذيب ٥/٣٣٧) . ٥ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨-٤٨٩. ٦ قال الألباني: وهو المتقرر في إسناد عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده انظر سلسلة الأحاديث الصحيحة المجلد الأول حديث (٦٢) . ٧ انظر حديث (٢١٠) .
[ ٢٧٧ ]
الفصل الثاني: في غزوة الطائف
المبحث الأول: حصار الطائف
المبحث الأول: حصار الطائف
لثقيف مواقف عدائية ضد المسلمين منذ ظهور الإسلام، ومن أبرزها موقفهم الآثم من رسول الله ﷺ عندما ذهب إليهم يدعوهم إلى الله ﷿ ويطلب منهم نجدته حتى يؤدي رسالة ربه، فردوه ردا قبيحا وأغروا سفهاءهم وصبيانهم بمطاردة رسول الله ﷺ ورميه بالأحجار حتى أدموا قدميه١ ومن تلك المواقف تكتل ثقيف مع قريش في صلح الحديبية٢، ونصرهم لها على المسلمين ولما دانت قريش بالإسلام بفتح مكة المكرمة ثارت ثائرة هوازن فأخذت في حشد قواتها للزحف على المسلمين، فكانت ثقيف أول من لبى دعوتها وانحاز إلى جانبها، فخرجت الأحلاف من ثقيف بقيادة قارب بن الأسود الثقفي، وخرجت بنو مالك بقيادة ذي الخمار سبيع بن الحارث وأخيه أحمر بن الحارث، ووقفت مع هوازن كتلة واحدة في وجه المسلمين.
_________________
(١) ١ انظر سيرة ابن هشام ١/٤١٩ والبداية والنهاية ٣/١٣٥. ٢ تقدم بيان ذلك في حديث (٥) .
[ ٢٧٨ ]
ولما اندحر الفريقان الهوازني والثقفي في موقعة حنين أمام جحافل المسلمين، انسحبوا من ساحة المعركة، فعسكر بعضهم بأوطاس، وبعضهم بنخلة١، وتوجه بعض منهم نحو الطائف ومعه مالك بن عوف النصرى، فدخلوا حصن الطائف وتحصنوا به.
ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين أمر بالغنائم فحبست في الجعرانة، ثم قرر ﷺ السير بنفسه إلى الطائف٢.
وأمر خالد بن الوليد أن يسير على مقدمته٣.
وكان ذلك في شهر شوال من السنة الثامنة، كما بوب البخاري بقوله: باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان، قاله موسى بن عقبة٤.
قال ابن حجر: كذا ذكره موسى بن عقبة في مغازيه، وهو قول جمهور أهل المغازي.
وقيل: بل وصل إليها في أول ذي القعدة٥.
١٣١- وأخرجه البيهقي عن عروة بن الزبير وموسى بن عقبة عن ابن شهاب فقال: أخبرنا أبو الحسين٦ بن الفضل القطان قال ثنا عبد الله٧ بن جعفر قال: ثنا
_________________
(١) ١ تقدم بيان ذلك في حديث (١١٦) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٧٨، والروض الأنف ٧/٢٣١، البداية والنهاية ٤/٣٤٥و٣٤٧ وزاد المعاد ٣/٤٧٢ وفتح الباري ٨/٣٣و٣٥. ٣ طبقات ابن سعد ٢/١٥٨، زاد المعاد ٣/٤٩٦. ٤ كتاب المغازي ٥/١٢٨. ٥ فتح الباري ٨/٤٤ وانظر طبقات ابن سعد ٢/١٥٨وزاد المعاد ٣/٤٩٥، شرح المواهب ٣/٢٩. ٦ هو محمد بن الحسين بن محمد بن الفضل القطان أبو الحسين الأزرق، قال الخطيب: كتبنا عنه وكان ثقة (٣٣٥-٤١٥هـ) (تاريخ بغداد ٢/٢٤٩ وموارد الخطيب للعمري ص ٤٦٨. ٧ عبد الله بن درستويه الفارسي النحوي، أبو محمد صاحب يعقوب بن سفيان الفسوي وراوية كتبه عنه، وقد رد الخطيب على الذين ضعفوه ونقل عن الحسن بن عثمان الشيرازي أنه قال: ابن درستويه: ثقة ثقة، تاريخ بغداد ٩/٤٢٩ وانظر ميزان الاعتدال٢/٤٠١،ولسان الميزان٣/٢٦٧ومقدمة تاريخ الفسوي للعمري١/٢٠-٢٢.
[ ٢٧٩ ]
يعقوب١ بن سفيان قال ثنا عثمان٢ بن صالح عن ابن لهيعة٣ قال ثنا أبو الأسود٤ عن عروة ٥.
ح - قال٦: وثنا يعقوب قال ثنا إبراهيم٧ بن المنذر قال ثنا محمد ابن فليح٨ عن موسى بن عقبة عن ابن شهاب قال: "وقاتل رسول الله ﷺ يوم حنين وحاصر الطائف في شوال سنة ثمان" ٩.
١٣٢- وقال ابن إسحاق: ولما قدم فل١٠ ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال، ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة١١ بن
_________________
(١) ١ يعقوب بن سفيان الفارسي، أبو يوسف الفسوي، ثقة حافظ، من الحادية عشرة (ت٢٧٧) وقيل بعد ذلك، /ت س (التقريب٢/٣٧٥ وتهذيب التهذيب١١/٣٨٥، وتذكرة الحفاظ ٢/٥٨٢ وسير أعلام النبلاء ١٣/١٨٠ كلاهما للذهبي وتهذيب الكمال: للمزي: ٨/٧٧٥ والخلاصة للخزرجي ٣/١٨١ ومقدمة تاريخ الفسوي لمحققّه أكرم العمري ١/١٣ وقد علم لمن أخرج له التقريب الطبعة المصرية. بعلامة (ابن ماجه) بدل (الترمذي) وهو خطأ والصواب أنه أخرج له الترمذي والنسائي دون (ابن ماجه) وانظر: مقدمة تحفة الأحوذي للمباركفوري ٢/١٣١. ٢ عثمان بن صالح بن صفوان السهمي مولاهم، أبو يحيى البصري، صدوق من كبار العاشرة (ت ٢١٩) /خ س ق (التقريب ٢٥/١٠ وتهذيب التهذيب ٧/١٢٢ وميزان الاعتدال للذهبي ٣/٣٩) . ٣ هو عبد الله بن لهيعة أبو عبد الرحمن المصري، صدوق، تقدمت ترجمته في حديث (٦٤) . ٤ هو محمد بن عبد الرحمن بن نوفل الأسدي ثقة تقدم في حديث (٦٤) . ٥ عروة بن الزبير ثقة فقيه مشهور تقدم في حديث (٩) . ٦ فاعل قال هو عبد الله بن جعفر درستويه، ويعقوب هو الفسوي. ٧ إبراهيم بن المنذر بن عبد الله الأسدي، الحزامي، صدوق، تكلم فيه أحمد بن حنبل لأجل القرآن، من العاشرة (ت٢٣٦) /خ ت س ق (التقريب١/٤٣ وتهذيب التهذيب ١/١٦٦) . وفي ميزان الاعتدال ١/٦٧ رمز له الذهبي (بصح) إشارة إلى أنه ثقة وقال عنه: حافظ من الشيوخ الأئمة وثقه ابن معين، وكتب عنه وهو من أقرانه وفي تذكرة الحفاظ٢/٤٧٠قال عنه: الإمام المحدث الثقة. وفي سير أعلام النبلاء١٠/٦٨٩ قال عنه: الإمام الحافظ الثقة. وعلى هذا فإن قول ابن حجر فيه: (صدوق) فيه نظر. ٨ محمد بن فليح بن سليمان الأسلمي، أو الخزاعي، صدوق يهم، التاسعة، (ت ١٩٧) / خ س ق (التقريب ٢/٢٠١ وتهذيب التهذيب ٩/٤٠٤ وفي هدي الساري ص ٤٤١-٤٤٢ قال ابن حجر روى له البخاري نسخة توبع على أكثرها، وله نسخة أخرى فيها ثمانية أحاديث توبع عليها أيضا. ٩ دلائل النبوة للبيهقي: ٣/٤٧ ب، البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٤٥. ١٠ قوم فل: منهزمون: جمعها فلول وأفلال. (القاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/٣٢ والمعجم الوسيط ٢/٧٠١و٧٠٢١١ انظر حديث (٢١٤) .
[ ٢٨٠ ]
مسعود ولا غيلان١ بن سلمة كانا بجرش٢ يتعلمان صنعة الدبابات والمجانيق والضبور٣، ثم سار رسول الله ﷺ حين فرغ من حنين٤، فقال كعب بن مالك حين أجمع رسول الله ﷺ السير إلى الطائف:
قضينا من تهامة كل ريب
وخيبر ثم أجمعنا السيوفا
تخيرها ولونطقت لقالت
قواطعهن: دوسا أوثقيفا ٥
قال ابن إسحاق: "فسلك رسول الله ﷺ على نخلة اليمانية٦ ثم على قرن٧،
_________________
(١) ١ غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك الثقفي، أسلم بعد فتح الطائف كان أحد وجوه ثقيف، وكان تحته عشرة نسوة في الجاهلية، فلما أسلم أمره رسول الله ﷺ أن يختار منهن أربعا ويفارق سائرهن، (أسد الغابة لابن الأثير ٤/٣٤٣) ووقع في سيرة ابن هشام٢/٤٧٨ (غيدن) بدل (غيلان) وهو خطأ وانظر الروض الأنف٧/٧٧٠-٧٧١. ٢ جرش: كزفر من مخاليف اليمن من جهة مكة، منه الأديم والإبل، (معجم البلدان ٢/١٢٦ والقاموس المحيط ٢/٣٦٥) . وقال حمد الجاسر: "جرش: المدينة المعروفة قديما، وقد خربت الآن، ولا تزال أطلالها قائمة في أعلى وادي بيشة" (التعليق على كتاب المناسك للحربي ص ٢٨٥) . ٣ الدبابة: مشددة آلة تتخذ للحروب فتدفع في أصل الحصن فينقبون وهم في جوفها. والضبور: جمع ضبر: جلود تغشى خشبا فيها رجال تقرب إلى لحصون للقتال. والمجانيق: جمع منجنيق. آلة ترمى بها الحجارة، كالمنجنوق معريقة. (القاموس المحيط ١/٦٥، و٢/٧٤، ٣/٢١٨، والروض الأنف ٧/٢٦٦-٢٦٧) . وقال محمود شيت خطاب: "يتألف المنجنيق بصورة عامة من عامود طويل قوي موضوع على عربة ذات عجلتين في رأسها حلقة أو بكرة يمر بها حبل متين، في طرفه الأعلى شبكة في هيئة كيس، توضع حجارة أو مواد محترقة في الشبكة، ثم تحرك بواسطة العامود والحبل، فيندفع ما وضع في الشبكة من القذائف ويسقط على الأسوار، فيقتل أو يحرق ما يسقط عليه". وأما الدبابة: فعبارة عن آلة من الخشب الثخين المغلف بالجلود أو اللبود تركب على عجلات مستديرة، فهي عبارة عن قلعة متحركة يستطيع المشاة الاحتماء بها من نبال الأعداء (الرسول القائد ص ٢٥ وانظر صورتها ص ٢٩٨. ٤ في معجم البلدان ٣/٤٦٥ (خيبر) وهو خطأ. ٥ هذه من جملة أبيات قالها كعب بن مالك الخزرجي وهو أحد الثلاثة الذين تخلفوا عن غزوة تبوك وكان من شعراء رسول الله ﷺ (أسد الغابة ٢/٤٨٧-٤٨٨) . ٦ تقدم تعريف بها في حديث (١١٦) . ٧ قرن: بفتح القاف وسكون الراء المراد به هنا قرن المنازل يعرف الآن بالسيل الكبير، يبعد عن مكة ثمانين كيلا، وعن الطائف (٥٣) كيلا، وهو من مواقيت الحج المكانية، ويقال له أيضا قرن الثعالب، يحرم منه أهل الطائف وأهل نجد - نجد اليمن - ونجد الحجاز، وأهل الكويت، وهذه الطريق هي طريق مكة القديمة إلى الطائف، فأعلاها وادي حنين ثم نخلة اليمانية، وهي معروفة بأسفلها قرية (الزيمة) وبأعلاها (البوباة) (البهيتا) حاليا (انظر معجم البلدان لياقوت ٤/٣٣٢) . والتعليق على كتاب المناسك للحربي للمحقق حمد الجاسر ص ٣٥٣ والمجاز بين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٨. ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٢٥٤. وتيسير العلام لعبد الله بن عبد الرحمن آل بسام ١/٥٠١.
[ ٢٨١ ]
ثم على المليح١ ثم على بحرة٢ الرغاء من لية٣ فابتني بها مسجدا فصلى فيه.
١٣٣- قال ابن إسحاق: فحدثني عمرو بن شعيب: أنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء حين نزلها بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجل من بني ليث قتل رجلا من هذيل، فقتله به، وأمر رسول الله ﷺ وهو بلية بحصن مالك بن عوف فهدم٤، ثم سلك في طريق يقال لها الضيقة٥، فلما توجه فيها رسول الله ﷺ سأل عن اسمها، فقال: "ما اسم هذه الطريق؟ فقيل له الضيقة، فقال: بل هي اليسرى٦ ثم خرج علىنخب٧ حتى نزل تحت سدرة يقال لها الصادرة قريب من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله ﷺ إما أن تخرج وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن
_________________
(١) ١ المليح: تصغير ملح: واد بالطائف مر به النبي ﷺ عند انصرافه من حنين إلى الطائف. وهو واد يصب في وادي قرن إذا تجاوز السيل الكبير، يصب فيه من ضفتيه اليمنى من الشرق، ما زال معروفا، يسكنه قوم من خزاعة وأعلاه يسمى السيل الصغير، شمال الطائف على (٣٠) كيلا (معجم البلدان لياقوت ٥/١٩٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ٢٥٤. ٢ بحرة الرغاء - بفتح الباء على الصواب، وهي معروفة اليوم بطرف ليّة من الجنوب على (١٥) كيلا جنوب الطائف (معجم البلدان لياقوت ١/٣٤٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٢٥٤) . ٣ ليّة: بتشديد الياء وكسر اللام من نواحي الطائف، مر به رسول الله ﷺ حين انصرافه من حنين يريد الطائف وأمر وهو بليّة بهدم حصن مالك بن عوف (معجم البلدان ٥/٣٠) وفي المجاز بين اليمامة والحجاز ص ٢٦٦: ليّة من أودية الطائف ينحدر من قمة جبال السروات، مشهور ببساتينه النضرة وحدائقه المثمرة ومناظره البهيجة، يلتقي بوادي نخب ويكونان واديا واحدا، سكانه بنونصر وثقيف وعتيبة وعدوان وهويسيل من السراة ويمر جنوب الطائف على (١٥) كيلا (معجم المعالم الجغرافية ص ٢٧٤) . ٤ وعند موسى بن عقبة: وزعموا أن رسول الله ﷺ حين انصرف إلى الطائف أمر بقصر مالك بن عوف فحرق، وأقاد بها رجلا من رجل قتله فيقال: "إنه أوّل قتيل أقيد في الإسلام" (دلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٧ ب) . ٥ الضيقة: بالفتح والسكون والقاف: طريق بين الطائف وحنين. (معجم البلدان ٣/٤٦٥) . ٦ فيه استحباب التفاؤل وفسره رسول الله ﷺ بأنه الكلمة الصالحة كما ورد عند البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال النبي ﷺ: "لا طيرة وخيرها الفأل، قالوا: وما الفأل يا رسول الله؟ قال: الكلمة الصالحة يسمعها أحدكم" (البخاري ٧/١١٧ كتاب الطب، باب الفأل، مسلم ٤/١٧٤٥ كتاب السلام، باب الطيرة والفأل وما يكون من الشؤم. وعند ابن ماجه من حديث أبي هريرة كان النبي ﷺ: "يعجبه الفأل الحسن ويكره الطيرة" (سنن ابن ماجه ٢/١١٧٠ كتاب الطب، باب من كان يعجبه الفأل ويكره الطيرة. وعرف الطيرة المنهي عنها بأنها هي التي ترد المسلم عن حاجته، لحديث عبد الله بن عمرو عند أحمد ٢/٢٢٠ من ردته الطيرة عن حاجة فقد أشرك. ٧ نَخِبَ- بالفتح ثم الكسرة ثم الموحدة، يقال: بفتحتين: واد من أودية الطائف مر به النبي ﷺ من طريق يقال لها الضيقة ثم خرج منها على نخب، وهو يمر جنوب الطائف على قرابة خمسة أكيال، ثم يصب في لِيّة من ضفتها اليسرى، وأهله اليوم وقدان من عتيبة (انظر معجم البلدان لياقوت: ٥/٢٧٥-٢٧٦ والمجاز بين اليمامة والحجاز لابن خميس ص ٢٦٥-٢٦٦ ومعجم المعالم الجغرافية لعاتق البلادي ص ٣١٦.
[ ٢٨٢ ]
يخرج، فأمر رسول الله ﷺ بإخراجه، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبا من الطائف فضرب به عسكره فقتل به ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف، فكانت النبل تنالهم، ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم أغلقوه دونهم، فلما أصيب أولئك النفر من أصحابه بالنبل، وضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم فحاصرهم بضعا١ وعشرين ليلة٢، ومعه امرأتان من نسائه، إحداهما أم سلمة٣ بنت أبي أمية، فضرب لهما قبتين، ما أقام، فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو٤ بن أمية بن وهب بن معتب بن مالك مسجدا، وكانت في ذلك المسجد سارية - فيما يزعمون - لا تطلع الشمس عليها يوما من الدهر إلا سمع لها نقيض فحاصرهم رسول الله ﷺ وقاتلهم قتالا شديدا وتراموا بالنبل، حتى إذا كان يوم الشدخة٥ عند جدار الطائف، دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت الدبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف٦ ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل، فقتلوا منهم رجالا، فأمر رسول الله ﷺ بقطع أعناب ثقيف، فوقع الناس فيها يقطعون"٧.
والحديث مرسل لأن عمروبن شعيب لم يدرك هذه القصة.
وأخرجه الطبري من هذه الطريق٨.
_________________
(١) ١ البضع: بالكسر وقد يفتح: مابين الثلاث إلى تسع (النهاية ١/١٣٣) . ٢ قوله:"فحاصرهم بضعا وعشرين ليلة" قال الزرقاني: "هذه رواية زياد البكائي عن ابن إسحاق، وفي رواية يونس بن بكير فقال: حدثني عبد الله بن أبي بكر وعبد الله ابن المكرم عمن أدركوا من العلماء أنه حاصرهم ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك" (شرح المواهب٣/٣١) قلت: وقد روى البيهقي من طريق يونس بن بكير (بضعا وعشرين ليلة) . ٣ والثانية: زينب بنت جحش، انظر مغازي الواقدي ٣/٩٢٦. ٤ انظر ترجمة في الإصابة ٢/٥٢٤ و٤/١١. ٥ في لسان العرب ٣/٥٠٥: الشدخ كسر الشيء الأجوف كالرأس ونحوه. ٦ وعند الواقدي: "ودخل المسلمون تحت الدبابة وهي من جلود البقر وذلك يوم يقال له الشدخة، قيل: وما الشدخة؟ قال: ما قتل من المسلمين". (مغازي الواقدي ٣/٩٢٧-٩٢٨) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٧٨-٤٨٣ والروض الأنف ٧/٢٣١-٢٣٤. ٨ تاريخ الرسل والملوك ٣/٨١و٨٣.
[ ٢٨٣ ]
وأخرج البيهقي نحوه عن ابن إسحاق ولم يذكر عمروبن شعيب، هذا سياقه:
أخبرنا أبوعبد الله١ الحافظ قال ثنا أبو العباس٢ محمد بن يعقوب قال ثنا أحمد٣ بن عبد الجبار قال ثنا يونس٤ بن بكير عن ابن إسحاق٥ قال: "أمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فحبست بالجعرانة، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل قريبًا من الطائف فضرب به عسكره، فقتل أناس من أصحابه بالنبل وذلك أن العسكر اقترب من حائط الطائف فكانت النبل تنالهم ولم يقدر المسلمون على أن يدخلوا حائطهم، فلما أصيب أولئك النفر ارتفع فوضع عسكره عند مسجده الذي بالطائف اليوم، فحاصرهم بضعًا وعشرين ليلة، ومعه امرأتان من نسائه إحداهما أم سلمة بنت أبي أمية فلما أسلمت ثقيف بنى على مصلى رسول الله ﷺ عمرو بن وهب مسجدا وكان في ذلك المسجد سارية لا تطلع عليها الشمس يوما من الدهر فيما يذكرون إلا سمع لها نقيض ٦.
والحديث يدل على أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف بضعا وعشرين ليلة، وقد روى البيهقي أيضا عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف ثلاثين ليلة أو قريبا من ذلك وهذا سياقه:
١٣٤- أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب قال ثنا أحمد بن عبد الجبار قال ثنا يونس عن إسحاق قال ثنا عبد الله بن أبي بكر بن حزم وعبد الله بن المكرم عمن أدركوا من أهل العلم قالوا: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك ثم انصرفوا عنهم ولم يؤذن فيهم فقدم المدينة فجاءه وفدهم في رمضان فأسلموا" ٧.
والحديث مرسل وهو حسن الإسناد.
_________________
(١) ١ هو الحاكم صاحب كتاب المستدرك على الصحيحين. ٢ أبو العباس هو: المعروف بالأصم. تقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٣ هو العطاردي: تقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٤ نقدمت ترجمته في حديث (٢٣) . ٥ تقدمت ترجمته في حديث (١) . ٦ دلائل النبوة ٣/٤٨. ٧ المصدر السابق ٣/٤٨ ب.
[ ٢٨٤ ]
وعند أبي داود من مرسل يحيى بن أبي كثير أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف شهرا وهذا سياقه:
١٣٥- عن أبي صالح١ عن أبي إسحاق٢ الفزاري عن الأوزاعي٣ عن يحيى٤ بن أبي كثير قال: "حاصرهم رسول الله ﷺ شهرا، قال الأوزاعي فقلت ليحيى: أبلغك أنه رماهم بالمجانيق؟ فأنكر ذلك، وقال: ما يعرف هذا".
قال البيهقي: "كذا قال يحيى أنه لم يبلغه، وزعم غيره أنه بلغه"٥.
والحديث مرسل وهو حسن الإسناد، وهو يدل كسابقه أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف شهرا.
وهذا لا يستقيم مع اتفاق العلماء على أن رسول الله ﷺ بعد رجوعه من الطائف اعتمر من الجعرانة في ذي القعدة، ومع ما جاء عند البخاري من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم فقال لهم رسول الله ﷺ: "أحب الحديث إلي أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت٦ بكم"، وقد كان رسول الله ﷺ انتظرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف" الحديث٧.
إذا علم أن رسول الله ﷺ خرج إلى هوازن في شهر شوال ووصل إلى حنين في اليوم العاشر منه ثم دارت معركة حنين بما فيها من تفاصيل وأعقب ذلك سرية أوطاس ثم بعد ذلك أمر رسول الله ﷺ بالأموال والسبايا فحبست بالجعرانة ثم توجه إلى الطائف، فإذا فرضنا أن غزوة حنين بما فيها سرية أوطاوس دامت عشرة أيام، مع
_________________
(١) ١ محبوب بن موسى، أو صالح الأنطاكي الفراء، صدوق من العاشرة لم يصح أن البخاري أخرج له، (ت ٢٣١) وله ثمانون سنة /د س. (التقريب ٢/٢٣١ وتهذيب التهذيب ١٠/٥٢-٥٤) . ٢ هو إبراهيم بن محمد بن الحارث، ثقة حافظ، له تصانيف، من الثامنة (١٨٥) /ع (المصدر السابق ١/٤١و١/١٥١) . ٣ هو عبد الرحمن بن عمرو أبو عمرو الأوزاعي الفقيه، ثقة جليل من السابعة / ع (المصدر السابق ١/٤٩٣و٦/٢٣٨) . ٤ يحيى بن أبي كثير الطائي ثقة ثبت لكن يدلس ويرسل، تقدم في حديث (١٢٩) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤. وانظر كتاب المراسيل لأبي داود ص ٣٧. ٦ استانيت بكم: أي أخرت قسم السبي لتحضروا فأبطأتم (فتح الباري: ٨/٣٤) . ٧ تقدم برقم (١٠٨) .
[ ٢٨٥ ]
وصول رسول الله ﷺ إلى حنين في اليوم العاشر من شوال، فيبقى عشرة أيام من شهر شوال، فإذا كان حصار الطائف شهرا فيكون قد أخذ عشرين يوما من ذي القعدة، ويكون قد بقى عشرة أيام من ذي القعدة فلا تكفي لرجوع رسول الله ﷺ إلى الجعرانة وانتظاره هوازن بضع عشرة ليلة ثم بعد ذلك إحرامه بالعمرة وعوده إلى الجعرانة كل هذا في ذي القعدة ثم خروجه إلى المدينة وقد وصلها لست ليال بقيت من ذي القعدة في قول ابن حزم وابن هشام١.
ومثل هذا ما أخرجه مسلم وأحمد من حديث السميط عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ ذهب إلى الطائف فحاصرهم أربعين يوما.
وهذا سياقه عند مسلم: قال: حدثنا عبيد الله٢ بن معاذ وحامد٣ بن عمر ومحمد بن عبد الأعلى. قال ابن معاذ: حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه٤ قال: حدثني السميط عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت. فصفت الخيل ثم صفت المقاتلة" الحديث وفيه "قال فنادى رسول الله ﷺ "يال٥ المهاجرين! يال المهاجرين" ثم قال: "يال الأنصار! يال الأنصار" قال: قال أنس: هذا الحديث عمية٦.
_________________
(١) ١ ابن حزم: جوامع السيرة ص ٢٤٨ وابن هشام: السيرة النبوية ٢/٥٠٠ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٨ والزرقاني: شرح المواهب: ٣/٤٢ والسهيلي الروض الأنف ٧/٢٥٥. ٢ عبيد الله هو: ابن نصر العنبري أو عمرو البصري. ٣ حامد بن عمر بضم أوله كذا هو في تهذيب التهذيب ٢/١٦٩ والخلاصة للخزرجي ١/١٨٩ والتاريخ الكبير للبخاري ٣/١٢٥. الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/٣٠٠ ووقع في التقريب الطبعة المصرية ١/١٤٦ (عمرو) بفتح أوله وهو خطأ. ٤ هو سليمان بن طرخان التيمي، أبو المعتمر البصري. ٥ قوله: "يال المهاجرين! يال المهاجرين! " ثم قال: "يال الأنصار يال الأنصار! " قال النووي: "هكذا في جميع النسخ في المواضع الأربعة (يال) بلام مفصولة مفتوحة، والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها" (شرح النووي على مسلم ٣/١٠٢) . قال محمد فؤاد عبد الباقي: "وهي لام الجر، إلا أنها تفتح في المستغاث به، فرقا بينها وبين مستغاث له، فيقال يالزيد لعمرو، بفتح الأولى وكسر في الثانية" (التعليق على صحيح مسلم ٢/٣٣٧. (انظر شرح قطر الندى لابن هشام ص ٢١٨) . ٦ قوله: "هذا حديث عمية": قال النووي: "هذه اللفظة ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه: أحدها: (عمية) بكسر العين والميم وتشديد الميم والياء. قال القاضي: "كذا روينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، وفسر بالشدة". والثاني: (عمية) كذلك إلا أنه بضم العين. والثالث: (عمية) بفتح العين وكسر الميم المشددة، وتخفيف الياء وبعدها هاء السكت، أي حدثني عمي، قال القاضي: على هذا الوجه معناه عندي: جماعتي أي: هذا حديثهم، قال صاحب العين (العم) الجماعة قال القاضي: وهذا أشبه بالحديث. الرابع: كذلك إلا أنه بتشديد الياء وهو الذي ذكره الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وفسره بعمومتي أي: هذا حديث فصل أعمامي أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي كأنه حدث بأوّل الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضوع لتفرق الناس فحدثه به من شهده من أعمامه أو جماعته الذين شهدوه ولهذا قال بعده: قال قلنا لبيك يا رسول الله. والله أعلم" (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٢) .
[ ٢٨٦ ]
قال: قلنا: لبيك يا رسول الله! قال: فتقدم رسول الله ﷺ قال: "فأيم الله! ما أتيناهم حتى هزمهم الله". قال: فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة. ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا قال: فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة من الإبل.
ثم ذكر باقي الحديث، كنحو حديث قتادة١، وأبي التياح٢، وهشام٣ بن زيد٤.
١٣٦- وأخرج ابن سعد من مرسل مكحول٥: "أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما"٦.
وقد وهم العلماء السميط في هذا الحديث في موضعين:
الأول: قوله: (قد بلغنا ستة آلاف) قال القاضي عياض: هذا وهم من الراوي عن أنس، والصحيح ما جاء في الرواية الأولى: عشرة آلاف ومعه الطلقاء، لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفا: عشرة آلاف شهدوا الفتح، وألفان من أهل مكة ومن انضاف إليهم.
_________________
(١) ١ هو ابن دعامة السدوسي. ٢ أبو التياح - بفتح أوله وتشديد التحتانية، وآخره مهملة- هو: يزيد بن حميد الضبعي- بضم المعجمة وفتح الموحدة. ٣ هشام بن زيد بن أنس بن مالك الأنصاري. ٤ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٥ مكحول هو أبو عبد الله الشامي، ثقة فقيه، كثير الإرسال، مشهور، من الخامسة (ت بضع عشرة ومائة) / م عم (التقريب ٢/٢٧٣ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٨٩) . ٦ الطبقات الكبرى ٢/١٥٩ ووقع في شرح المواهب ٣/٣١ رواه ابن مسعود وهو خطأ والصواب ابن سعد.
[ ٢٨٧ ]
الثاني: قوله: "فحاصرنا الطائف أربعين ليلة".
قال ابن كثير بعد إيراده لهذا الحديث عند أحمد: "وهكذا رواه مسلم من حديث معتمر بن سليمان وفيه من الغريب قوله: أنهم كانوا يوم هوازن ستة آلاف، وإنما كانوا اثني عشر ألفا.
وقوله: إنهم حاصروا الطائف أربعين ليلة، وإنما حاصروها قريبا من شهر ودون١ العشرين ليلة فالله أعلم". ا. هـ ٢.
والحديث في الصحيحين من طريق هشام بن زيد عن أنس بن مالك فقال فيه: "وكان مع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف ومعه الطلقاء"٣ ولم يتعرض لحصار الطائف.
وروى سميط عن أنس فقال: "بأنهم كانوا ستة آلاف، وذكر مدة الحصار أربعين ليلة"٤.
وقد وهمه العلماء.
وقد وردت أحاديث في مدة الحصار الطائف وهي:
١٣٨- ما أخرجه البيهقي عن موسى بن عقبة، وعن عروة بن الزبير وهذا سياق حديث موسى بن عقبة قال: ونزل رسول الله ﷺ بالأكمة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة يقاتلهم، قال: وقطعوا طائفة من أعنابهم ليغيظوهم بها، فقالت ثقيف: لا تفسدوا الأموال فإنها لنا ولكم، قال: واستأذنه المسلمون في مناهضة الحصن فقال: رسول الله ﷺ: "ما أرى أنّ نفحته وما أذن فيه الآن" ٥.
_________________
(١) ١ كذا في البداية والنهاية (ودون العشرين ليلة) . ولعل الصواب (أو دون العشرين ليلة) لأن دون العشرين ليلة لا يقال فيها شهر أو قريب من شهر. ٢ البداية والنهاية ٤/٣٥٦. ٣ تقدم الحديث برقم (٤٠) . ٤ تقدم الحديث برقم (٤٦) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤ ودلائل النبوة ٣/٤٧ ب.
[ ٢٨٨ ]
وحديث موسى بن عقبة معضل، لأنه لم يسمع أحدًا من الصحابة سوى أم خالد١ كما حدث هو عن نفسه٢.
وفيه: محمد بن عبد الله بن عتاب العبدي لم أجد ترجمته.
وفي حديث عروة بن الزبير الإرسال لأن عروة ولد في خلافة عمر ابن الخطاب٣.
وفيه: أبو علاثة محمد بن عمرو بن خالد لم أجد ترجمته.
وأخرج الطبري عن عروة بن الزبير أيضا أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف نصف شهر وهذا سياقه:
حدثنا علي٤ بن نصر بن علي، قال: حدثنا عبد الصمد بن عبد الوارث وحدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث قال: حدثنا أبي٥ قال أخبرنا أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة عن عروة قال: "سار رسول الله ﷺ يوم حنين من فوره ذلك - يعني منصرفه من حنين - حتى نزل الطائف، فأقام نصف شهر يقاتلهم رسول الله ﷺ وأصحابه، وقاتلتهم ثقيف من وراء الحصن، ولم يخرج إليه في ذلك أحد منهم، وأسلم من حولهم من الناس كلهم، وجاءت رسول الله ﷺ وفودهم. ثم رجع النبي ﷺ ولم يحاصرهم إلا نصف شهر حتى نزل الجعرانة، وبها السبي الذي سبى رسول الله ﷺ من حنين من نسائهم وأبنائهم" الحديث"٦.
والحديث مرسل وإسناده حسن.
_________________
(١) ١ أم خالد: هي أمة بنت خالد بن سعيد بن العاص بن أمية، صحابية بنت صحابي، ولدت بأرض الحبشة وتزوجها الزبير بن العوام وولدت له عمرا وخالدا، وعمرت دهرا طويلا حتى لحقها موسى بن عقبة / خ د س (التقريب ٢/٥٩٠ وتهذيب التهذيب ١٢/٤٠٠) . ٢ تهذيب التهذيب ١٠/٣٦٢. ٣ انظر التقريب ٢/١٩. ٤ علي بن نصر بن علي بن نصر الجهضمي. ٥ هو عبد الصمد بن عبد الوارث تقدمت تراجمهم في حديث (٩) . ٦ الطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٢ وتقدم الحديث برقم (١٠٦) وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٦.
[ ٢٨٩ ]
١٣٨- وأخرج البيهقي من طريق أسلم١ عن أبي عبيدة٢ - ﵁ - "أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف ونصب عليهم المنجنيق سبعة عشرة يومًا" ٣.
والحديث فيه عبد الله بن عمرو البصري لم أجد ترجمته وقد وصف في سياق السند بأنه كان حافظا.
وأخرج خليفة بن خياط من حديث عبد الرحمن بن عوف أن مدة الحصار كانت سبع عشرة أو تسع عشرة وهذا سياقه:
١٣٩- حدثنا عبيد الله٤ بن موسى عن طلحة٥ بن جبر عن المطلب٦ بن عبد الله عن مصعب٧ بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه٨: "أن رسول الله ﷺ حاصرهم سبع عشرة، أو تسع عشرة فلم يفتحها" ٩.
_________________
(١) ١ أسلم العدوي، مولى عمر بن الخطاب ثقة مخضرم، (ت ٨٠ وقيل بعد سنة ٦٠) ع (التقريب ١/٦٤ وتهذيب التهذيب ١/٢٦٦) . ٢ هو عامر بن عبد الله بن الجراح أبو عبيدة القرشي الفهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، شهد بدرا وما بعدها، ومات شهيدا بطاعون عمواس (سنة ١٨) /ع (التقريب ١/٣٨٨ وتهذيب التهذيب ٥/٧٣) . (السنن الكبرى ٩/٨٤) . ٤ عبيد الله بن موسى بن أبي المختار ثقة، تقدم في حديث (٧٠) . ٥ طلحة بن جبر ويقال ابن جبير قال ابن أبي حاتم: "روى عن المطلب بن عبد الله، وعنه عبيد الله بن موسى"، قال ابن معين: "طلحة بن جبر لا شيء" (الجرح والتعديل ٤/٤٨٠)، وقال الذهبي: "وهاه الجوزجاني"، فقال: "غير ثقة" وقال ابن معين: "لا شيء" وقال مرة: "ثقة" (ميزان الاعتدال ٢/٣٣٨) وقال ابن حجر: بعد أن نقل فيه قول الذهبي: قال: "ذكره ابن حبان في الثقات"، وقال جعفر بن جرير الطبري: "طلحة ممن لا تثبت بنقله حجة" (لسان الميزان ٣/٢١٠) وفي المستدرك (طلحة بن خير) بالخاء المعجمة فلعله خطأ (المستدرك ٢/١٢٠) . ٦ المطلب بن عبد الله بن حنطب بن الحارث المخزومي، صدوق كثير الإرسال والتدليس، من الرابعة أخرج حديثه الأربعة (التقريب ٢/٢٥٤ وتهذيب التهذيب ١٠/١٧٨)، وقد وقع في التقريب الطبعة المصرية، وفي تهذيب التهذيب التعليم له بعلامة أبي داود والأربعة، وهو خطأ، فإن أبا داود من الأربعة (انظر: ميزان الاعتدال ٤/١٢٩) . وفي الخلاصة ٣/٣٤ وقع فيها علامة الترمذي والأربعة وهو خطأ أيضا. ٧ هو القرشي الزهري، قال ابن أبي حاتم: كان مع ابن الزبير، قتل يوم الحرة روى عن أبيه، روى عنه المطلب بن عبد الله بن حنطب سمعت أبي يقول ذلك (الجرح والتعديل ٨/٣٠٣ وتاريخ البخاري الكبير ٧/٣٥٠) . ٨ هو عبد الرحمن بن عوف القرشي الزهري أحد العشرة المبشرين بالجنة. ٩ تاريخ خليفة ص ٨٩.
[ ٢٩٠ ]
وأخرج بن أبي شيبة والفسوي والحاكم الجميع من طريق عبيد الله ابن موسى أخبرنا طلحة بن جبر به١.
وأخرجه أبو يعلى من طريق ابن أبي شيبة٢.
إلاّ أن ابن أبي شيبة وأبا يعلى قالا: فحاصرهم رسول الله ﷺ تسع عشرة أو ثمان عشرة ليلة فلم يفتحها".
وقال الحاكم في روايته: "فحاصرهم ثمانية أو سبعة"٣، والحديث صححه الحاكم.
وتعقبه الذهبي فقال: طلحة ليس بعمدة.
قلت: وفيه أيضًا: المطلب بن عبد الله، كثير التدليس والإرسال وقد عنعن، وفيه مصعب بن عبد الرحمن لم يذكر فيه ابن أبي حاتم جرحًا ولا تعديلًا، وأخرج ابن أبي شيبة من حديث عبد الله بن سنان أن مدة حصار الطائف كانت خمسة وعشرين يوما وهذا سياقه:
١٤٠- حدثنا يزيد٤ بن هارون قال أنا قيس عن أبي حصين٥ عن عبد الله٦ بن سنان "أن النبي ﷺ حاصر أهل الطائف خمسة وعشرين يوما يدعو عليهم في دبر كل صلاة" ٧.
_________________
(١) ١ ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥-٨٦ أ- ب رقم ٦٦٥. والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٢٨٢. والحاكم: المستدرك ٢/١٢٠-١٢١. ٢ أبو يعلى: المسند ١/١٠٣رقم ٣٠١. ٣ لعل قوله ثمانية أو سبعة، ثمانية عشر يوما أو سبعة عشر يوما حتى يوافق بقية الروايات. ٤ يزيد بن هارون بن زاذان السلمي، ثقة متقن عابد، تقدم في حديث (٢٦) . ٥ هو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي - أبو حصين - بفتح المهملة - ثقة ثبت سني، وربما دلس، من الرابعة (ت١٢٧) ويقال: بعدها /ع (المصدر السابق ٢/١٠و٧/١٢٦) . ٦ عبد الله بن سنان كوفي، قال ابن أبي حاتم: روى عن ابن مسعود وسعد ابن مسعود، روى عنه الأعمش وأبو حصين، سمعت أبي يقول ذلك، ثم ساق بسنده إلى يحيى بن معين أنه قال: عبد الله بن سنان ثقة (الجرح والتعديل ٥/٦٨ والتاريخ الكبير للبخاري ٥/١١١) . وذكره ابن سعد في الطبقة الأولى من طبقات الكوفيين بعد الصحابة فقال: "عبد الله بن سنان الأسدي بني خزيمة ويكنى أبا سنان، روى عن علي وعبد اله بن مسعود والمغيرة بن شعبة، وتوفي أيام الحجاج قبل الجماجم وكان ثقة وله أحاديث" (الطبقات الكبرى ٦/١٧٨) . ٧ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥ و٨٦ ب ورقم ٦٦٥.
[ ٢٩١ ]
والحديث ضعيف لأن فيه قيس بن الربيع وصف بأنه صدوق سيء الحفظ وقد تغير لما كبر، فأدخل عليه ابنه ما ليس من حديثه فحدث به١.
وفيه الإرسال والمرسل من قسم الحديث الضعيف.
والحديث فيه "أن رسول الله ﷺ دعا على ثقيف وهو مخالف لما ورد في الآثار من أن الصحابة طلبوا من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف فقال: اللهم اهد ثقيفًا" كما سيأتي.
وخلاصة القول أن الأحاديث الواردة في مدة حصار الطائف لم تتحد في تعيين المدة كما تقدم بيان ذلك وهذه خلاصتها:
أ- كانت مدة الحصار بضعا وعشرين ليلة وهي رواية ابن إسحاق.
ب- كانت مدة ثلاثين ليلة أو قريبًا من ذلك وهي رواية أخرى عن ابن إسحاق ورواية أبي داود في المراسيل.
ج- أن مدة الحصار كانت أربعين يوما وهو حديث أنس عند أحمد ومسلم وقد بينا أن هذا الحديث والذي قبله لا يستقيم مع بقية الأحاديث.
د- أن الحصار دام بضع عشرة ليلة وهي رواية البيهقي عن موسى ابن عقبة وعروة بن الزبير.
هـ أن مدة الحصار كانت نصف شهر وهي رواية الطبري من مرسل عروة بن الزبير أيضا، ورواية الواقدي٢.
وكان الحصار سبعة عشر يومًا وهو حديث أبي عبيدة بن الجراح عند البيهقي.
ز- كانت مدة الحصار سبع عشرة أو ثمان عشرة أو تسع عشرة كما في حديث عبد الرحمن بن عوف عند خليفة بن خياط وغيره.
ح- أن مدة الحصار كانت خمسة وعشرين يومًا كما ورد في حديث عبد الله بن سنان عند ابن أبي شيبة.
_________________
(١) ١ انظر: التقريب ٢/١٢٨ وتهذيب التهذيب ٨/٣٩١ وميزان الاعتدال ٣/٣٩٣. ٢ انظر حديث الواقدي برقم (١٦٧) .
[ ٢٩٢ ]
والظاهر في هذا أن مدة الحصار كانت بضع عشرة ليلة كما رجح ذلك ابن حزم ﵀، وقال: هو الصحيح بلا شك١.
والبضع من الثلاث إلى التسع، فإذا أخذنا بأول إطلاقاته وهو الثلاث فتكون مدة الحصار ثلاث عشرة ليلة بناء على أن رسول الله ﷺ وصل الطائف في عشرين من شهر شوال فيكون الحصار قد أخذ ثلاثة أيام من شهر ذي القعدة، وهو قريب من قول من قال بأن رسول الله ﷺ عاد من الطائف إلى الجعرانة فوصلها في اليوم الخامس من ذي القعدة ٢.
وأقام بها ثلاث عشرة ليلة، ثم اعتمر منها وذهب إلى المدينة فوصلها لست بقين من ذي القعدة، أو في أوّل ذي الحجة.
قال ابن سيد الناس: "والمعروف عند أهل السير أن النبي ﷺ انتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة"٣.
فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلا وأحرم بعمرة ودخل مكة فطاف وسعى وحلق ورجع إلى الجعرانة من ليلته فكأنه كان بائتا بها، ثم رجع إلى المدينة فدخلها لست بقين من ذي القعدة، قاله ابن هشام، وقيل لثلاث بقين٤.
وعند ابن إسحاق: فقدم المدينة في بقية ذي القعدة، أوفي أول ذي الحجة٥.
وقد نصب رسول الله ﷺ منجنيقا في مدة حصاره لثقيف وقد مر بنا حديث أبي عبيدة في ذلك وهو عند البيهقي، ومرسل مكحول عند ابن سعد وهو بإسناد حسن٦.
_________________
(١) ١ جوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٣-و٢٤٨. ٢ انظر فتح الباري لابن حجر ٨/٤٨. ٣ وأخرج ابن سعد وأبي شيبة عن ابن عباس ﵄ قال: "لما قدم رسول الله ﷺ من الطائف نزل الجعرانة فقسم بها الغنائم ثم اعتمر منها، وذلك لليلتين بقيتا من شوال" (الطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٧١ وتاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٧ أ-ب رقم ٦٦٥ قال ابن سيد الناس: وهذا ضعيف (شرح المواهب٣/٤١) . ٤ الواقدي: المغازي ٣/٩٥٨، والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١١٦-١١٧، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٤١-٤٢، و٤/٢-٣، وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٦٨ وابن حجر: فتح الباري ٨/٤٨. ٥ سيرة ابن هشام ٢/٥٠٠، والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢٥٥. ٦ انظر حديث (١٣٧) وحديث (١٣٩) .
[ ٢٩٣ ]
وأخرجه أبو داود في مراسيله: عن محمد١ بن بشار عن يحيى٢ بن سعيد عن سفيان٣ عن ثور٤ عن مكحول أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وإسناده٥ صحيح٦.
ورواه الترمذي معضلا فقال: قال قتيبة٧: ثنا وكيع٨ عن رجل عن ثور٩ بن يزيد أن النبي ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف.
قال قتيبة: قلت لوكيع: "من هذا الرجل؟ "
قال: "صاحبكم عمر١٠ بن هارون"١١.
قال الزيلعي: "ورواه أبو داود في المراسيل وابن سعد في "الطبقات" عن مكحول عن النبي ﷺ".
_________________
(١) ١ هو أبوبكر بندار. ٢ هو أبو سعيد القطان ص ١٧٧. ٣ هو الثوري. ٤ ثور بن يزيد أبو خالد الحمصي، ثقة ثبت إلا أنه يرى القدر، من السابعة /خ ع (التقريب ١/١٢١ وتهذيب التهذيب٢/٣٣) . ٥ البيهقي: السنن الكبرى ٩/٨٤ وتقدم الحديث برقم (١٣٦) . عند ابن سعد وأنه نصب المنجنيق على أهل الطائف أربعين يوما. ٦ نصب الراية للزيلعي ٣/٣٨٢-٣٨٣. ٧ قتيبة بن سعيد بن جميل - بفتح الجيم - ابن طريف الثقفي، أبو رجاء البغلاني- بفتح الموحدة وسكون المعجمة - ثقة ثبت، من العاشرة (ت ٢٤٠) /ع (التقريب ٢/١٢٣ وتهذيب التهذيب ٨/٣٥٨) . ٨ وكيع بن الجراح تقدمت ترجمته في حديث (٢٩) . ٩ وقع في المشكاة المصابيح ٢/١١٥٧ حديث (٣٩٥٩) عن ثوبان بن يزيد ونسبه للترمذي، وهو خطأ وإنما هو "ثور بن يزيد" وانظر ذخائر المواريث للنابلسي ٤/٣١٣ حديث (١١٩٥٠) ومقدمة تحفة الأحوذي ٢/٤٠. ١٠ عمر بن هارون بن يزيد الثقفي مولاهم، البلخي، متروك وكان حافظا من كبار التاسعة (ت ١٩٤) /ت ق (التقريب ٢/٦٤ وتهذيب التهذيب ٧/٥٠١-٥٠٥) . ١١ الترمذي: السنن ٤/١٨٦ كتاب الاستئذان والآداب، في ضمن باب ما جاء في الأخذ من اللحية. قال المباركفوري: "فإن قلت: ما وجه ذكر التّرمذي في هذا المقام حديث المنجنيق؟ قلت: لعلّ وجه ذكره ههنا أن يتبين أن الرجل المذكور في حديث المنجنيق هو عمر ابن هارون المذكور في سند حديث الباب". أو وجه ذكره أن يتبين أن وكيعا مع جلالة قدره، قد روى عن عمر بن هارون حديث المنجنيق، والله أعلم (تحفة الأحوذي ٨/٤٥) .
[ ٢٩٤ ]
ورواه العقيلي١ في "ضعفائه" مسندا من حديث عبد الله٢ بن خراش عن العوام٣ بن حوشب عن أبي صادق٤ عن علي قال: "نصب رسول الله ﷺ المنجنيق على أهل الطائف" ٥.
١٤١- وأخرج أبو داود وأيضًا من مرسل عكرمة٦ أن النبي ﷺ نصب المجانيق على أهل الطائف٧.
وقال الشافعي: "نصب رسول الله ﷺ على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة" ٨٩.
وعند الواقدي وابن سعد: "أن رسول الله ﷺ لما أراد السير إلى الطائف بعث الطفيل١٠ بن عمرو إلى ذي الكفين، صنم عمرو١١ بن حممة الدوسي يهدمه وأمره
_________________
(١) ١ هو الحافظ الإمام أبو جعفر محمد بن عمر بن موسى بن حماد العقيلي صاحب كتاب "الضعفاء الكبير" قال الحافظ أبو الحسن بن سهل القطان أبو جعفر ثقة جليل عالم بالحديث مقدم في الحفظ (ت ٣٢٢) (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٣/٨٣٣-٨٣٤) . ٢ عبد الله بن خراش - بالخاء المعجمة - ابن حوشب الشيباني أبو جعفر الكوفي، ضعيف، وقال محمد بن عمار الموصلي: كذاب / ق (ت بعد ١٦٠) (التقريب ١/٤١٢ وتهذيب التهذيب ٥/١٩٧-١٩٨، والخلاصة للخزرجي ٢/٥٢) . ٣ العوام بن حوشب بن يزيد الشيباني، أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، من السادسة، (ت ١٤٨) / ع (التقريب ٢/٨٩ وتهذيب التهذيب ٨/١٦٣) . ٤ أبو صادق الأزدي - الكوفي، صدوق وحديثه عن علي بن أبي طالب مرسل من الرابعة / س ق (التقريب ٢/٤٣٦ وتهذيب التهذيب ١٢/١٣٠) . ٥ الزيلعي: نصب الراية ٣/٣٨٢-٣٨٣. وانظر الحديث في منتخب كنز العمال للمتقي المهندي ٤/١٧٣ مع مسند أحمد، وقد نسبه للعقيلي أيضا. ٦ عكرمة بن عبد الله مولى عبد الله بن عباس، ثقة ثبت عالم، تقدم في حديث (٦٧) . ٧ كتاب المراسيل ص ٣٧. ٨ عرادة: بالتشديد: شيء أصغر من المنجنيق (القاموس المحيط ١/٣١٣) . ٩ الأم ٤/١٦١ والسنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٤. ١٠ الطفيل بن عمرو بن طريف الأزدي الدوسي، يلقب ذا النور، قدم مكة قديما ورسول الله ﷺ بها فمشت إليه قريش وقالت له: يا طفيل إنّك قدمت بلادنا وإن هذا الرجل بين أظهرنا قد فرق جماعتنا وإنما قوله كالسحر، تحذره من رسول الله ﷺ وكان الطفيل شريفا في قومه، شاعرا لبيبا فأبى الله إلا أن يسمعه كلام الحق فسمع من رسول الله ﷺ وعاد إلى قومه داعية وطلب من رسول الله ﷺ أن يجعل له آية تكون له عونا على قومه فدعا له فكان نور في طرف عصاه فجعل القوم يتراءون ذلك النور في طرف سوطه. وبعد فتح مكة، طلب من رسول الله ﷺ أن يبعثه إلى ذي الكفين صنم عمرو بن حممة (أسد الغابة ٣/٧٨-٨١ والإصابة ٢/٢٢٥ وسيرة ابن هشام ١/٣٨٢-٣٨٥. ١١ هو عمرو بن حممة - بضم المهملة وفتح الميم الخفيفة بعدها مثلها الدوسي، ذكر أبو بكر بن دريد أنه وفد على النبي ﷺ والذي ذكره غيره أنه مات في الجاهلية، كان أحد حكام العرب في الجاهلية وأحد المعمرين يقال: إنه عاش ثلاثمائة وتسعين سنة (الإصابة ٢/٥٣٣ و١/٢٤٩) وانظر كتاب الأصنام لابن الكلبي ص ٣٧ وسيرة ابن هشام ١/٣٨٢-٣٨٥.
[ ٢٩٥ ]
أن يستمد قومه ويوافيه بالطائف، فخرج سريعا إلى قومه فهدم ذا الكفين وجعل يحشوالنار في جوفه ويقول:
يا ذا الكفين لست من عبادك ميلادنا أقدم من ميلادكا
إني حشوت النار في فؤادك
قال: "وانحدر معه من قومه أربعمائة سراعًا فوافوا النبي ﷺ، بالطائف بعد مقدمه بأربعة أيام، وقدم بدبابة ومنجنيق" ١.
وعند الواقدي: "أن رسول الله ﷺ شاور أصحابه فقال له سلمان الفارسي: يا رسول الله، أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، وإن لم يكن المنجنيق طال الثواء٢ فأمره رسول الله ﷺ فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه على حصن الطائف.
ويقال: قدم بالمنجنيق يزيد٣ بن زمعة ودبابتين.
ويقال: "خالد٤ بن سعيد قدم من جرش بالمنجنيق ودبابتين"٥.
_________________
(١) ١ الواقدي: المغازي ٣/٩٢٣ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٧. ٢ الثواء: ثوى بالمكان ثواء وأثوى به أطال الإقامة به (القاموس ٤/٣١٠) . ٣ يزيد بن زمعة بن الأسود القرشي الأسدي، قال ابن كلبي، كان من السابقين هاجر إلى أرض الحبشة، وقال ابن سعد: بل هو مسلمة الفتح، كان من أشراف قريش وكانت إليه المشورة في الجاهلية، قتل بالطائف وهو مع رسول الله ﷺ قاله ابن الزبير، وقال ابن إسحاق: قتل في حنين، (أسد الغابة ٥/٤٨٨ والإصابة ٣/٦٥٥) . ٤ خالد بن سعيد بن العاص بن أمية القرشي الأموي، يكنى أبا سعيد، أسلم قديما هاجر إلى الحبشة الهجرة الثانية وأقام بها حتى قدم مع جعفر بن أبي طالب، وشهد مع النبي ﷺ عمرة القضاء، وفتح مكة وحنينا والطائف وتبوك، استشهد في خلافة أبي بكر (أسد الغابة ٢/٩٧) . ٥ مغازي الواقدي ٣/٩٢٧ وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/٨٤، ودلائل النبوة له ص ٤٨ ب وشرح المواهب: للزرقاني ٣/٣١ وزاد المعاد: ١/١٣٠ و٣/٩٩.
[ ٢٩٦ ]
وقال ابن هشام: "حدثني من أثق به، أن رسول الله ﷺ أول من رمى في الإسلام بالمنجنيق"١.
رمى أهل الطائف ٢.
وهذه الآثار تتقوى بمجموعها وهي نص في أن رسول الله ﷺ نصب المنجنيق على أهل الطائف وجرى على هذا أصحاب السير والمغازي.
وتدل هذه الآثار أيضا على جواز مثل هذا الفعل مع الأعداء إذا تحصنوا داخل حصونهم ولم يتمكن المسلمون منهم إلا بهذا، وعلى جواز إصابة أطفالهم ونسائهم ممن لا شأن له في القتال تبعا للمقاتلين إذ لا يمكن التميز بين المقاتلين وغيرهم من نساء وأطفال في مثل هذا الهجوم.
قال الشافعي: "إذا تحصن العدو في جبل أو حصن أو خندق أو بحسك أو بما يتحصن به، فلا بأس أن يرموا بالمجانيق والعرادات والنيران والعقارب والحيات وكل ما يكرهونه، وأن يبثقوا عليهم الماء ليغرقوهم أو يوحلوهم فيه، وسواء كان معهم الأطفال والنساء والرهبان أولم يكونوا؛ لأن الدار غير ممنوعة بإسلام ولا عهد، وكذلك لا بأس أن يحرقوا شجرهم المثمر ويخربوا عامرهم وكل ما لا روح فيه من أموالهم، فإن قال قائل: ما الحجة فيما وصفت وفيهم الولدان والنساء المنهي عن قتلهم؟ قيل الحجة فيه: أن رسول الله ﷺ نصب على أهل الطائف منجنيقا أو عرادة، ونحن نعلم أن فيهم النساء والولدان، وأن رسول الله ﷺ قطع أموال بنى النضير وحرقها"٣. ثم ساق في ذلك عدة أدلة تدل على جواز ذلك وهي مبسوطة في محلها.
_________________
(١) ١ قال الزرقاني: "وأما أول منجنيق رمي به فمنجنيق إبراهيم الخليل ﵇، عمله إبليس لما أرادوا رميه في النار. وأما في الجاهلية فيذكر أن جذيمة - بضم الجيم وفتح المعجمة مصغرًا - ابن مالك المعروف بالأبرش أوّل من رمى به وهو من ملوك الطوائف"، (شرح المواهب اللدنية ٣/٣١ وانظر: كتاب المعارف لابن قتيبة ص ٢٤١، وفي سيرة الحلبية: قال: "تقدم في غزوة خيبر أن رسول الله ﷺ وجد في أحد حصونها آلة حرب ودبابات ومنجنيقات وأنه نصب المنجنيق على حصن البرئ، وهذا يخالف قول بعضهم لم ينصب المنجنيق إلا في غزوة الطائف، إلا أن يقال بأنه في خيبر نصبه ولم يرم به وفي الطائف نصبه ورمى به فلا مخالف" (السيرة الحلبية ٢/٧٤٢و٧٤٣و٣/٨٠-٨١) انظر الروض الأنف للسهيلي ٧/٢٣٥و٢٦٦-٢٦٧. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٣. ٣ الشافعي: الأم٤/١٦٠وانظر زاد المعاد ٣/٥٠٣ لابن قيم الجوزية وانظر ص ٥٤٦.
[ ٢٩٧ ]
رسم بيان
[ ٢٩٨ ]
رسم بيان
[ ٢٩٩ ]
المبحث الثاني: ما صدر من التعليمات العسكرية للمسلمين في حصار - الطائف
مر بنا أن المشركين لما انهزموا في موقعة حنين وباءوا بالفشل، انسحبوا إثر ذلك فتوجه بعضهم نحو نخلة وأوطاس، وتوجهت أكثر ثقيف نحو الطائف ومعهم مالك بن عوف النصرى١، فدخلوا مدينة الطائف وكانت مدينة محصنة قوية ذات أسوار وحصون، ولها أبواب تغلق عليها، وأدخلوا فيها من الأقوات ما يكفيهم لسنة واستعدوا استعدادًا كاملًا وتهيأوا للقتال، ولما فرغ رسول الله ﷺ من حنين، سار إلى الطائف حتى نزل قريبا من أسوار المدينة وعسكر هناك، فصوب المشركون نبالهم نحو المسلمين كأنها رجل من جراد فأوقعوا بالمسلمين خسائر في الأرواح، فقرر رسول الله ﷺ الانسحاب بعيدا عن مرمى النبال وفكر المسلمون في وسيلة يستطيعون بها التغلب على ثقيف وإجبارهم على الاستسلام، ورأوا أن أحسن وسيلة في ذلك هي نصب المنجنيق٢ عليهم ودك حصونهم بالدبابات، وغير أن أهل الطائف أحبطوا تلك المحاولات التي قام بها المسلمون، إذ حموا قطعا من حديد بالنار وألقوها على الدبابات الخشبية فحرقتها، فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابات، فكان هذا مما زاد في جرأة ثقيف، وامتناعها عن الاستسلام، حتى أن بعضهم كان يقول:
نحن قسي وقسنا أبونا
والله لا نسلم ما حيينا. وقد بنينا حائطا حصينا.
وعند ذلك أمر رسول الله ﷺ بقطع أعنابهم ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم، فسارع المسلمون إلى ذلك وقطعوا قطعا ذريعا، حتى نادى الثقفيون يا محمد لم تقطع
_________________
(١) ١ انظر ص ٢٥٢. ٢ انظر حديث (١٣٧) و(١٣٩) و(١٤١) .
[ ٣٠٠ ]
أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم، فقال رسول الله ﷺ: "فإني أدعها لله وللرحم" ١.
ثم حث المسلمين على الرمي في سبيل الله، ورغبهم في ذلك، فقال ﷺ: "من رمى بسهم في سبيل الله فله به درجة في الجنة" كما ورد ذلك في حديث أبي نجيح٢ السلمي عند أبي داود وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٢- قال: حدثنا روح٣ قال ثنا هشام٤ بن أبي عبد الله عن قتادة٥ عن سالم٦ بن أبي الجعد عن معدان٧ بن أبي طلحة عن أبي نجيح السلمي قال: حاصرنا مع النبي صن الطائف فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من بلغ بسهم فله درجة في الجنة" قال: فبلغت يومئذ ستة عشر سهما، فسمعت رسول الله ﷺ يقول: "من رمى بسهم في سبيل الله ﷿ فهو عدل محرر" الحديث ٨.
_________________
(١) ١ الأم: للشافعي ٧/٣٢٣ والسيرة النبوية لابن هشام ٢/٤٧٨-٤٨٣، والروض الأنف للسهيلي ٧/٢٣١-٢٣٤ ومغازي الواقدي ٣/٩٢٤-٩٢٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨ وأنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٧، والتلخيص الحبير لابن حجر ٤/١١٢ والرسول القائد لمحمود شيت خطاب ص ٢٥١. ٢ هو عمرو بن عبسة - بموحدة ومهملتين مفتوحات - ابن عامر بن خالد السلمي - من سليم بن منصور أبو نجيح - بالنون المفتوحة وكسر الجيم - صحابي مشهور أسلم قديما وهاجر بعد أحد - ثم نزل الشام/م ع (التقريب٢/٧٤، تهذيب التهذيب ٨/٦٩ والإصابة ٣/٥ كلها لابن حجر، وأسد الغابة لابن الأثير ٤/٢٥١-٢٥٢) . ووقع في الطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢١٤ في سياق نسب عمرو بن عبسة فقال ابن سليم بن (منظور) بالظاء المعجمة وهو خطأ والصواب ابن (منصور) بالصاد المهملة. ٣ روح بن عبادة بن العلاء، ثقة فاضل، التقريب ١/٢٥٣ وتهذيب التهذيب ٣/٢٩٣ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٤٩-٣٥٠) . ٤ هشام بن أبي عبد الله الدستوائي - بفتح الدال وسكون السين المهملتين وفتح المثناة - أبو بكر البصري - واسم أبيه - سنبر - بمهملة ثم نون ثم موحدة، وزن جعفر - ثقة ثبت، وقد رمي بالقدر، من كبار السابعة (ت ١٥٤) / ع (المصادر السابقة ٢/٣١٩و١١/٤٣و١/١٦٤) وقد سقط من تهذيب التهذيب (علامة من أخرج له) . ٥ ابن دعامة السدوسي ثقة ثبت، تقدم في حديث (٤٨) . ٦ سالم بن أبي الجعد رافع، الغطفاني الأشجعي، مولاهم، الكوفي، ثقة وكان يرسل كثيرا من الثالثة، اختلف في سنة وفاته/ع (التقريب١/٢٧٩ وتهذيب التهذيب٣/٤٣٢) . ٧ معدان بن أبي طلحة ويقال: ابن طلحة، اليعمري - بفتح التحتانية والميم بينهما مهملة - شامي، ثقة من الثانية / م ع (المصدر السابق ٢/٢٦٣، و١٠/٢٢٨) . ٨ المسند: ٤/١١٣ و٣٨٤ وتمام الحديث: "ومن شاب شيبة في سبيل الله كانت له نورًا يوم القيامة، وأيما رجل مسلم أعتق رجلا مسلما فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامه عظما من عظام محرره من النار، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة فإن الله ﷿ جاعل وفاء كل عظم من عظامها من عظام محررها من النار".
[ ٣٠١ ]
والحديث صحيح، وقد صرح قتادة بالتحديث عند البيهقي، وأخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وأبو داواد الطيالسي وابن حبان والحاكم والبيهقي كلهم من طريق قتادة به١.
وقال الترمذي: "حديث حسن صحيح"، وأبو نجيح هو عمرو بن عبسة السلمي.
وقال الحاكم: "هذا حديث صحيح على شرط الشيخين"، فإن أبا نجيح هذا: هو عمرو٢ بن عبسة السلمي. ووافقه الذهبي.
وأورده ابن كثير عن البيهقي ثم قال: "ورواه أبو داود والترمذي وصححه٣ والنسائي من حديث قتادة به"٤.
وكان من التعليمات العسكرية أن أمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي، أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر، فخرج جماعة فأعتقهم رسول الله ﷺ، ودفع كل واحد منهم إلى رجل من المسلمين يمونه، فشق ذلك على أهل الطائف مشقة شديدة وزاد من ألمهم٥.
وكان ذلك من أعظم التدابير العسكرية التي أضعفت من قوة المشركين وفتت في عضدهم ومعنوياتهم وفرقت جمعهم، توضح هذا الأحاديث الآتية:
_________________
(١) ١ أبو داود: ٢/٣٥٤-٣٥٥ كتاب العتق، باب أي الرقاب أفضل دون "من شاب شيبة في الإسلام". والترمذي: السنن ٣/٩٦ كتاب الجهاد، باب ما جاء في فضل الرمي في سبيل الله، بقصة "الرمي" فقط. والنسائي: السنن ٦/٢٣ كتاب الجهاد، باب ثواب من رمى بسهم في سبيل الله ﷿، بقصة "الرمي" أيضا. وفي السنن الكبرى، بقصة "العتق" انظر تحفة الأشراف٨/١٦٣ حديث (١٠٧٦٨) . وأبو داود الطيالسي كما في منحة المعبود ٢/١٠٩-١١٠. وابن حبان: كما في موارد الظمآن ص٢٩٤و٣٩٦دون"من شاب شيبة في الإسلام". والحاكم: المستدرك ٢/٩٥-٩٦و١٢١و ٣/٤٩-٥٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٩/٦١ و١٠/٢٧٢ ودلائل النبوة ٣/ ٤٨أ. ٢ لعله احتراز من أبي نجيح العرباض بن سارية السلمي فإنه لم يخرج له سوى الأربعة، انظر (التقريب ٢/١٧) . ٣ وقع في البداية والنهاية "رواه أبو داود والترمذي وصححه النسائي" والظاهر أن العبارة هكذا: "رواه الترمذي وصححه والنسائي وأن حرف العطف سقط من "النسائي". لأن النسائي أخرج هذا الحديث في سننه ولم يصححه والذي صححه هو الترمذي. ٤ البداية والنهاية ٤/٣٤٩. ٥ الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨-١٥٩.
[ ٣٠٢ ]
قال البخاري: حدثنا محمد١ بن بشار حدثنا غندر حدثنا شعبة عن عاصم قال: سمعت أبا عثمان٢، قال سمعت سعدا٣ - وهو أول من رمى بسهم في سبيل الله - وأبا بكرة٤ وكان تسور٥ حصن الطائف في أناس فجاء إلى النبي ﷺ" الحديث٦.
والحديث أخرجه أحمد من طريق خالد الحذاء وعاصم الأحول، والدارمي من طريق عاصم عن أبي عثمان به.
ولفظ الدارمي: "هذا أول من رمى بسهم في سبيل الله، وهذا تدلى من حصن الطائف إلى رسول الله ﷺ" الحديث٧.
١٤٤- قال البخاري: وقال هشام وأخبرنا معمر عن عاصم عن أبي العالية٨ أو أبي عثمان النهدي قال: "سمعت سعدا أو أبا بكرة عن النبي ﷺ"، قال عاصم:
_________________
(١) ١ محمد بن بشار: هو بندار، وغندر هو محمد بن جعفر، وشعبة هو ابن الحجاج، وعاصم: ابن سليمان الأحول. ٢ هو عبد الرحمن بن مل - بلام ثقيلة والميم مثلثة - أبو عثمان النهدي - بفتح النون وسكون الهاء، مشهور بكنيته، مخضرم من كبار الثانية، ثقة ثبت عابد، (ت ٩٥) وقيل بعد ذلك وعاش (١٣٠) وقيل أكثر/ع التقريب ١/٤٩٩) . ٣ هو ابن مالك بن أبي وقاص، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة (الإصابة ٢/٣٣ وأسد الغابة ٢/٣٦٦ وانظر سيرة ابن هشام ١/٥٩١، الطبقات الكبرى لابن سعد ٢/٧ في كون سعد أول من رمى بسهم في سبيل الله. ٤ هو نفيع بن الحارث بن كلدة - بفتحتين - ابن عمرو الثقفي، أبو بكرة صحابي مشهور بكنيته، تدلى من حصن الطائف إلى النبي ﷺ فأسلم فأعتقه يومئذ (التقريب ٢/٣٠٦وتهذيب التهذيب١٠/٤٦٩والإصابة٣/٥٧١-٥٧٢ وأسد الغابة ٥/٣٥٤ و٦/٣٨) . ٥ وعند الدارمي "تدلى من حصن الطائف" قال ابن حجر: "المعنى تسور من أسفله إلى أعلاه ثم تدلى منه (فتح الباري ٨/٤٦) . ٦ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف و٨/١٣١ كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه "وتمام الحديث" فقالا: سمعنا النبي ﷺ يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم فالجنة عليه حرام" واقتصر مسلم على هذا الجزء منه من حديث خالد الحذاء وعاصم الأحوال وكذا ابن ماجه من حديث عاصم (انظر: صحيح مسلم ١/٨٠ كتاب الإيمان باب بيان من رغب عن أبيه وهو يعلم، وابن ماجه٢/٨٧٠ كتاب الحدود، باب من ادعى إلى غير أبيه، أو تولى غير مواليه. ٧ أحمد: المسند ١/١٦٩ و١٧٤ و١٧٩ و٥/٣٨ و٤٦، والدارمي: السنن ٢/١٦٠ كتاب السير، باب في الذي ينتمي إلى غير مواليه و٢/٢٤٨ كتاب الفرائض، باب من ادعى إلى غير أبيه، وعند خليفة بن خياط من طريق شعبة عن عاصم الأحوال عن أبي عثمان قال: "سبق أبو بكرة إلى رسول الله ﷺ من الطائف" (تاريخ خليفة ص ٨٩) . ٨ هو رفيع - بالتصغير - ابن مهران، أبو العالية، الرياحي - بكسر الراء وبالتحتانية (التقريب ١/٢٥٢ وتهذيب التهذيب ٣/٢٨٤) .
[ ٣٠٣ ]
قلت: "لقد شهد عندك١ رجلان حسبك بهما، قال: أجل، أما أحدهما فأول من رمى بسهم في سبيل الله، وأما الآخر فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف"٢.
قال ابن حجر: "هشام هو ابن يوسف الصنعاني، ولم يقع لي موصولا إليه.
وقد أخرجه عبد الرزاق عن معمر لكن عن أبي عثمان وحده، عن أبي بكرة وحده، وبغير شك، وغرض المصنف منه، ما فيه من بيان من أبهم في الرواية الأولى فإن فيها "تسور من حصن الطائف، في أناس" وفي هذا "فنزل إلى النبي ﷺ ثالث ثلاثة وعشرين من الطائف".
ثم قال: "وفيه رد على من زعم أن أبا بكرة لم ينزل من سور الطائف غيره، وهو شيء قاله موسى بن عقبة وتبعه الحاكم، وجمع بعضهم بين القولين، بأن أبا بكرة نزل وحده أولا، ثم نزل الباقون بعده وهو جمع حسن"٣.
قلت: حديث عبد الرزاق المشار إليه هذا سياقه:
_________________
(١) ١ الخطاب لأبي عثمان أو لأبي العالية، وعند أبي داود قال عاصم: فقلت: "يا أبا عثمان لقد شهد عندك رجلان أيما رجلين" انظر: ص ٣٠٥. قال ابن حجر: "وقد وقع في رواية هشيم عن خالد الحذاء عند مسلم في أول هذا الحديث قصة ولفظه: "عن أبي عثمان قال: لما ادعى زياد لقيت أبا بكرة فقلت: ما هذا الذي صنعتم؟ إني سمعت سعد بن أبي وقاص يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: من ادعى إلى غير أبيه وهو ويعلم فالجنة عليه حرام". فقال أبو بكرة: "وأنا سمعته من رسول الله ﷺ "والمراد بزياد الذي ادعى: زياد بن سمية وهي أمه كانت أمة للحارث بن كلدة، فزوجها لمولاه عبيد فأتت بزياد على فراشه وهم بالطائف قبل أن يسلم أهل الطائف، فلما كان في خلافة عمر بن الخطاب سمع أبو سفيان بن حرب كلام زياد عند عمر وكان بليغا فأعجبه فقال: إني لأعرف من وضعه في أمه ولو شئت لسميته، ولكن أخاف من عمر، فلما ولي معاوية بن أبي سفيان الخلافة كان زياد على فارس من قبل عليّ بن أبي طالب، وأراد معاوية مداراته، فأطمعه في أنه يلحقه بأبي سفيان فأصغى زياد إلى ذلك فجرت في ذلك خطوب إلى أن ادعاه معاوية وأمَّره على البصرة ثم على الكوفة وأكرمه، وسار زياد سيرته المشهورة، وسياسته المذكورة، فكان كثير من الصحابة والتابعين ينكرون ذلك على معاوية، محتجين بحديث "الولد للفراش" وإنما خص أبو عثمان أبا بكرة بالإنكار لأن زيادا كان أخاه من أمه، وقد نصح أبو بكرة زيادا عن هذا الادعاء فامتنع فحلف أبو بكرة لا يكلم زيادًا أبدًا، قال السهيلي: وقد غلط ابن قتيبة فجعل سمية هذه المذكورة أم عمار بن ياسر، ثم قال: سمية أم عمار كانت تحت ياسر أبي عمار وقتلها أبو جهل في أوّل المبعث". (ابن حجر: فتح الباري ١٢/٥٤ والإصابة ١/٥٨٠ و٣/٥٧١ وابن عبد البر: الاستيعاب ١/٥٦٧ و٣/٥٦٧ و٤/٢٣ مع الإصابة والروض الأنف: ٧/٢٧٥ وكتاب المعارف لابن قتيبة ص ١١١-١١٢ و١٢٥ و١٥١. ٢ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف. ٣ ابن حجر: فتح الباري ٨/٤٦.
[ ٣٠٤ ]
قال عبد الرزاق: عن معمر عن عاصم بن سليمان قال: حدثنا أبو عثمان النهدي عن أبي بكرة: "أنه خرج إلى رسول الله ﷺ - وهو محاصر أهل الطائف - بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ، فهم الذين يقال لهم العتقاء" ١.
وعند أبي داود قال عاصم: قلت: يا أبا عثمان لقد شهد عند رجلان أيما رجلين؟ فقال: أما أحدهما فأوّل من رمى بسهم في سبيل الله أو في الإسلام - يعنى سعد بن مالك - والآخر قدم من الطائف في بضعة٢ وعشرين رجلا على أقدامهم"الحديث٣.
وقد جاء عند ابن إسحاق تسمية بعضهم من مرسل عبد الله بن مكرم الثقفي وهذا سياقه:
١٤٥- قال ابن إسحاق حدثني عبد الله ٤ بن مكرم الثقفي قال: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف خرج إليه رقيق من رقيقهم أبو بكرة عبد الحارث بن كلدة، والمنبعث٥ وكان اسمه المضطجع، فسماه رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ المصنف٥/٣٠١. وفي مسند أحمد ٤/٣٦٣ عن جرير بن عبد الله البجلي قال: قال رسول الله ﷺ: "والمهاجرون والأنصار أولياء بعضهم لبعض، والطلقاء من قريش، والعتقاء من ثقيف بعضهم أولياء بعض إلى يوم القيامة" وفيه شريك بن عبد الله القاضي، صدوق يخطئ كثيرا. ٢ وعند الواقدي وابن سعد: فخرج منهم بضعة عشر رجلا (مغازي الواقدي: ٣/٩٣١ وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩) . ٣ سنن أبي داود ٢/٦٢٣ كتاب الأدب، باب في الرجل ينتمي إلى غير مواليه. وسياق الحديث: حدثنا النفيل أخبرنا زهير أخبرنا عاصم الأحول حدثني أبو عثمان قال: حدثني سعد بن مالك قال سمعته أذناني ووعاه قلبي من محمد ﷺ أنه قال: "من ادعى إلى غير أبيه وهو يعلم أنه غير أبيه فالجنة عليه حرام"، قال: فلقيت أبا بكرة فذكرت ذلك له، فقال: سمعته أذاني ووعاه قلبي من محمد ﷺ، قال عاصم: فقلت: يا أبا عثمان لقد شهد عندك رجلان. إلخ. ٤ عبد الله بن مكرم الثقفي روى عن عبد الله بن قارب، وعنه ابن إسحاق قال ابن أبي حاتم: سمعت أبي يقول ذلك (الجرح والتعديل ٥/١٨١)، البخاري: التاريخ الكبير ٥/٢١١، وفي سيرة ابن هشام، الروض الأنف، والسنن الكبرى للبيهقي "عبد الله ابن مكدم" بالدال المهملة بدل (الراء) وعند السهيلي ٧/٢٣٨ قال ابن إسحاق حدثني من لا أتهم عن عبد الله بن مكدم. ٥ المنبعث - بمضمومة وسكون نون وفتح موحدة، وكسر عين مهملة، وبمثلثة - كان عبدا لعثمان بن عامر بن معتب، نزل على رسول الله ﷺ حين كان محاصرا الطائف وأسلم (أسد الغابة لابن الأثير ٥/٢٦٢) والإصابة لابن حجر ٣/٤٥٧-٣٥٨ والمغني لابن طاهر الهندي ص ٧٥ وفي هذا الحديث استحباب تغيير الاسم إلى ما هو أحسن منه، وكان ذلك من هدي رسول الله ﷺ فقد روى البخاري من حديث سعيد بن المسيب أن جده حزنا قدم على النبي ﷺ، فقال: "ما اسمك؟ قال: اسمي حزن، قال: بل أنت سهل، قال: ما أنا بمغير اسما سمانيه أبي"، قال: قال ابن المسيب: فما زالت فينا الحزونة بعد. "صحيح البخاري٨/٣٧ كتاب الأدب، باب تحويل الاسم إلى اسم أحسن منه" وأخرجه أبو داود في سننه ٢/٥٨٦ كتاب الأدب، باب في تغيير الاسم القبيح ولفظه عن سعيد بن المسيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ قال له: "ما اسمك"؟ قال: حزن، قال: أنت سهل، قال: لا، السهل يوطأ ويمتهن، قال سعيد: فظننت أنه سيصيبنا بعده حزونة" وجاء في غزوة حنين أيضا من حديث رائطة بنت مسلم عن أبيها أنه شهد مع رسول الله ﷺ حنينا فقال له: "ما اسمك؟ قال: غراب، قال: لا، بل اسمك مسلم"، (البخاري: الأدب المفرد ص ٢٨٧ والتاريخ الكبير ٧/٢٥٢ وابن سعد ٥/٤٦٢) . وابن حجر: الإصابة ٣/٤١٧ وإسناده ضعيف. قال الدميري في حياة الحيوان ٢/١٠٥: "وإنما غير النبي ﷺ اسمه لأن الغراب حيوان خبيث الفعل، خبيث المطعم، ولذلك أمر رسول الله ﷺ بقتله في الحل والحرم".
[ ٣٠٥ ]
المنبعث ويحنس١ ووردان٢ في رهط من رقيقهم فأسلموا فلماقدم وفد أهل الطائف، فأسلموا، قالوا: يا رسول الله رد علينا رقيقنا الذين أتوك؟ قال: "لا، أولئك عتقاء الله" ورد على ذلك الرجل ولاء عبده، فجعله له" ٣.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق ابن إسحاق إلا أنه قال: "فلما قدم وفد أهل الطائف على رسول الله ﷺ فأسلموا، قالوا يا رسول الله: رد علينا رقيقنا الذين أتوك فقال: "لا، أولئك عتقاء الله ﷿ ورد على كلّ رجل ولاء عبده فجعله إليه"٤.
_________________
(١) ١ يحنس - بضم التحتية وفتح المهملة والنون المشددة وسين مهملة - النبال كان عبد اليسار بن مالك. (أسد الغابة ٥/٤٦٩ وشرح المواهب ٣/٣٢) . ٢ وردان: هو جد الفرات بن زيد بن وردان، وكان وردان عبدا لعبد الله بن ربيعة بن خرشة الثقفي (أسد الغابة ٥/٤٤٥) . وزاد الواقدي: الأزرق بن عقبة أبو عقبة الثقفي كان عبدا لكلدة الثقفي من بني مالك، وقيل كان عبدا للحارث بن كلدة طبيب العرب، إبراهيم بن جابر كان عبدا لخرشة الثقفي، ويسار، كان عبدا لعثمان بن عبد الله ونافع أبو السائب كان عبدا لغيلان بن سلمة الثقفي، فأسلم غيلان بعد فرد النبي ﷺ إليه ولاءه، ومرزوق غلام لعثمان بن عامر، وزاد ابن حجر: "الأزرق زوج سمية والدة زياد بن عبيد الذي صار يقال له زياد بن أبيه، ونافع مولى الحارث بن كلدة الثقفي طبيب العرب"، قال ابن حجر ويقال: "كان فيهم زياد بن سمية، والصحيح أنه لم يخرج حينئذ لصغره، ثم قال: ولم أعرف أسماء الباقين"، وقال الواقدي: "كل هؤلاء أعتقهم رسول الله ﷺ ودفع كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين يمونه ويحمله، فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص والأزرق إلى خالد بن سعيد، ووردان إلى أبان بن سعيد، ويحنس النبال إلى عثمان بن عفان، وكان يسار بن مالك إلى سعد ابن عبادة، وإبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير، أمرهم رسول الله ﷺ أن يقرئوهم القرآن ويعلموهم السنن، فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين - فيهم الحارث بن كلدة - يردوهم في الرق، فقال رسول الله ﷺ: "أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم، وبلغ ذلك من اهل الطائف مشقة شديدة، واغتاظوا على غلمانهم". وعند السهيلي: "وجعل النبي ﷺ هؤلاء العبيد لساداتهم حين أسلموا" (مغازي الواقدي ٣/٩٣١-٩٣٢ وفتح الباري ٨/٤٥-٤٦) . ٣ الزيلعي: نصب الراية ٣/٢٨٢ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٨ واللفظ له. ٤ السنن الكبرى ٩/٢٢٩ و١٠/٣٠٨ ودلائل النبوة ٣/٤٨ أ.
[ ٣٠٦ ]
ثم قال: "هذا منقطع"١.
وهكذا قال السهيلي: "بأن رسول الله ﷺ رد ولاء هؤلاء العبيد لسادتهم حين أسلموا، وقال: كل هذا ذكره ابن إسحاق في غير رواية ابن هشام"٢.
والحديث في سيرة ابن هشام والروض الأنف وليس فيه أن رسول الله ﷺ رد على أهل الطائف ولاء عبيدهم، وهذا نصه:
قال ابن إسحاق: "وحدثني من لا اتهم عن عبد الله بن مكرم عن رجال من ثقيف، قالوا: لما أسلم أهل الطائف تكلم نفر منهم في أولئك العبيد، فقال رسول الله ﷺ: "لا، أولئك عتقاء الله، وكان ممن تكلم فيهم الحارث بن كلدة" ٣.
ثم قال ابن هشام: "وقد سمى ابن إسحاق من نزل من أولئك العبيد، وكذا أورد ابن حجر في ترجمته الحارث بن كلدة"٤.
ما رواه أحمد وغيره من حديث ابن عباس وهذا سياقه عند أحمد:
١٤٦- قال: حدثنا أبو معاوية٥ ثنا حجاج٦ عن الحكم٧ عن مقسم٨ عن
_________________
(١) ١ المراد بالمنقطع هنا المرسل كما صرح بذلك الزيلعي، لأن المنقطع أعم من المرسل فيشمل كل ما لم يتصل إسناده عند العلماء. ٢ الروض الأنف ٧/٢٧٤-٢٧٥. ٣ يفهم من هذا أن ابن إسحاق لا يروي عن ابن مكرم مباشرة. ٤ سيرة ابن هشام٢/٤٨٥، والروض الانف ٧/٢٣٨،و٢٧٤-٢٧٦، والإصابة١/٢٩، ٢٨٨ و٣/٤٥٨، و٦٣٣، و٦٤٩، ومغازي الواقدي٣/٩٣١، وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩ وأسد الغابة ١/٤١٣ و٥/٢٦٢ و٤٤٥، ٤٦٩، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٣١-٣٢ والديار بكري: تاريخ الحميس ٢/١١١) . ٥ هو محمد بن خازم - بمعجمتين - أبو معاوية الضرير الكوفي عمي وهو صغير ثقة، أحفظ الناس لحديث الأعمش، وقد يهم في حديث غيره من كبار التاسعة (ت١٩٥) /ع (التقريب ١/١٥٧ وتهذيب التهذيب ٩/١٣٧) . ٦ حجاج بن أرطأة - بفتح الهمزة - ابن ثور بن هبيرة النخعي أبو أرطأة الكوفي القاضي، أحد الفقهاء، صدوق كثير الخطأ والتدليس من السابعة (ت ١٤٥) / بخ م عم (التقريب ١/١٥٢ وتهذيب التهذيب ٢/١٩٦) . وقال الذهبي: "وأكثر مانقم عليه التدليس، وكان فيه تيه لا يليق بأهل العلم، وكان يقول: أهلكني حب الشرف" (ميزان الاعتدال ١/٤٥٨-٤٦٠، وتذكرة الحفاظ ١/١٨٦) . ووقع في ميزان الاعتدال ذكر علامة النسائي بعد علامة الأربعة وهو خطأ لأن النسائي داخل في الأربعة. ٧ الحكم هو ابن عتيبة ثقة، ثبت، فقيه، تقدمت ترجمته في حديث (٧٣) . ٨ مقسم هو ابن بجرة أو ابن نجدة، صدوق وكان يرسل، تقدم في حديث (٧٥) .
[ ٣٠٧ ]
ابن عباس ﵄ قال: "أعتق رسول الله يوم الطائف من خرج من عبيد المشركين" ١. ورواه عن يحيى٢ بن زكريا ثنا حجاج به.
ولفظه: "لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أعتق من رقيقهم". ورواه عن يزيد بن هارون ثنا الحجاج به.
ولفظه: "أن رسول الله ﷺ كان يعتق من جاءه من البعيد قبل مواليهم إذا أسلموا٣ وقد أعتق يوم الطائف رجلين". رورواه عن عبد القدوس٤ بن بكير بن خنيس ثنا الحجاج به.
ولفظه: "حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف فخرج إليه عبدان فأعتقها٥، أحدهما أبو بكرة، وكان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا خرجوا إليه". ورواه عن نصر٦ بن باب عن الحجاج به.
ولفظه: "قال رسول الله ﷺ يوم الطائف من خرج إلينا من العبيد فهو حر، فخرج عبيد من العبيد فيهم أبو بكرة، فأعتقهم رسول الله ٧.
والحديث رواه سعيد٨ بن منصور وابن سعد وابن أبي شيبة وخليفة بن خياط
_________________
(١) ١ أحمد: المسند١/٢٢٣-٢٢٤ و٣٤٩ و٣٦٢. ٢ يحيى بن زكريا بن أبي زائدة الهمداني - بسكون الميم - أبو سعيد الكوفي، ثقة متقن، من كبار التاسعة (ت١٨٣أو١٨٤) /ع (التقريب٢/٣٤٧ وتهذيب التهذيب١١/٢٠٨) . ٣ وعند سعيد بن منصور "كان رسول الله ﷺ يعتق العبيد إذا جاءوا قبل مواليهم" ولم يذكر إسلاما. (زاد المعاد لابن القيم الجوزية ٣/٥٠٣) . ٤ عبد القدوس بن بكير بن خنيس - بمعجمة ونون مصغرا - الكوفي أبو الجهم قال أبو حاتم: لا بأس به، من التاسعة / ت ق (التقريب ١/٥١٥، وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩ وميزان الاعتدال ٢/٦٤٢. وسقط من مسند أحمد كلمة (عبد) فصار حدثنا القدوس وهو خطأ. ٥ وعند البيهقي "أن عبدين خرجا من الطائف فأسلما فأعتقهما رسول الله ﷺ أحدهما أبو بكرة"، (السنن الكبرى ٩/٢٣٠) . ٦ نصر بن باب الخراساني أبو السهل المروزي، نزل بغداد تركه جماعة (ت ١٩٣) تعجيل المنفعة لابن حجر ص ٢٧٥، وتاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١٣/٢٧٨ وميزان الاعتدال للذهبي ٤/٢٥٠. ٧ مسند أحمد ١/٢٣٦ و٢٤٣ و٢٤٨. ٨ سعيد بن منصور بن شعبة أبو عثمان الخراساني، نزيل مكة ثقة مصنف وكان لا يرجع عما في كتابه لشدة وثوقه به (ت ٢٢٧) وقيل بعدها /ع (التقريب ١/٣٠٦، وتهذيب التهذيب ٤/٨٩) .
[ ٣٠٨ ]
والدارمي وأبو يعلى والطحاوي والطبراني والبيهقي كلهم من طريق حجاج بن أرطأة عن مقسم به١. بألفاظ مختلفة.
ومدار الحديث على الحجاج وهو مدلس، وقد عنعن وبقية رجاله ثقات.
وأروده الهيثمي وقال: "رواه أحمد والطبراني باختصار وفيه الحجاج ابن أرطأة وهو ثقة، ولكنه مدلس"٢.
١٤٧- ما رواه أحمد وابن سعد والطحاوي من حديث عامر الشعبي وهذا سياقه عند أحمد:
قال: حدثنا يحيى٣ بن آدم ثنا مفضل٤ بن مهلهل عن المغيرة٥ عن شباك٦ عن الشعبي٧ عن رجل٨ من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا". الحديث.
_________________
(١) ١ زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٥٠٣ وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٦٠، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥، ٨٦ ب برقم ٦٦٥ وكنز العمال ١٠/٣٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٣ مع المسند أحمد كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي وخليفة بن خياط: تاريخ خليفة ص ٨٩. والدارمي: السنن ٢/١٥٥ كتاب السير، باب في عبيد المشركين يفرون إلى المسلمين، وأبو يعلى: المسند ٣/٢٥٣ أرقم ٣٠٣. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٧٨. والطبراني: المعجم الكبير١١/٣٨٧و٣٩٠،والبيهقي: السنن الكبرى٩/٢٢٩-٢٣٠. ٢ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥. ٣ يحيى بن آدم بن سليمان الكوفي، مولى بني أمية، ثقة حافظ فاضل، من كبار التاسعة (ت ٢٠٣) / ع (التقريب ٢/٣٤١ وتهذيب التهذيب ١١/١٧٥) . ٤ مفضل بن مهلهل، السعدي، أبو عبد الرحمن الكوفي، ثقة ثبت، نبيل عابد، من السابعة (ت ١٦٧) / م س ق (التقريب ٢/٢٧١، وتهذيب التهذيب ١٠/٢٧٥) . ٥ مغيرة بن مقسم - بكسر الميم - الضبي مولاهم، أبو هشام الكوفي، الأعمى ثقة متقن، إلا أنه كان يدلس، ولا سيما عن إبراهيم النخعي من السابعة (ت ١٣٦) على الصحيح / ع (التقريب ٢/٢٧٠ وتهذيب التهذيب ١٠/٢٧٥) . ٦ شباك - بكسر أوله ثم موحدة خفيفة ثم كاف - الضبي الكوفي، الأعمى ثقة، له ذكر في صحيح مسلم، وكان يدلس، من السادسة، / م د س ق (التقريب ١/٣٤٥ وتهذيب التهذيب ٤/٣٠٢) . ٧ هو عامر بن شراحيل الشعبي - بفتح المعجمة - أبو عمرو، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه. (ت بعد ١٠٠) / ع التقريب ١/٣٨٧ وتهذيب التهذيب ٥/٦٥) . ٨ قوله عن (رجل) هذا الإبهام لا يضر لأنه صحابي كما هو الظاهر من سياق الحديث، والصحابة كلهم عدول وعند ابن سعد: "أن ثقيفا سألوا رسول الله ﷺ.
[ ٣٠٩ ]
وفيه: "وسألناه أن يرد أبا بكرة فأبى وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله".
وكان أبو بكرة خرج إلى رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم ١.
ورواه عن علي٢ بن عاصم أخبرنا مغيرة عن شباك عن عامر أخبرني فلان الثقفي قال: "سألنا رسول الله ﷺ عن ثلاث فلم يرخص لنا" الحديث وفيه "سألناه أن يرد إلينا أبا بكرة وكان مملوكا وأسلم قبلنا، فقال: لا، هو طليق الله ثم طليق رسول الله ﷺ".
ورواه عن الوركاني٣ ثنا أبو الأحوص٤ عن مغيرة بن شباك عن الشعبي عن رجل من ثقيف عن النبي ﷺ.
ثم قال: "نحوه ولم يسق لفظه"٥. والحديث رواه ابن سعد والطحاوي كلاهما من طريق مغيرة عن شباك عن الشعبي به ٦.
غير أن ابن سعد ساقه بسندين أسقط الشعبي في أحدهما.
وأورده الهيثمي وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات ٧.
١٤٨- حديث أبي بكرة ﵁ أنه خرج إلى رسول الله ﷺ وهو محاصر الطائف بثلاثة وعشرين عبدا فأعتقهم رسول الله ﷺ وهم الذين يقال لهم عتقاء".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني ورجاله رجال الصحيح"٨.
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٤/١٦٨ ونص الحديث "عن الشعبي عن رجل من ثقيف قال: "سألنا رسول الله ﷺ ثلاثا فلم يرخص لنا: فقلنا: إن أرضنا أرض باردة فسألناه أن يرخص لنا في الطهور فلم يرخص لنا، وسألناه أن يرخص لنا في الدياء فلم يرخص لنا فيه ساعة، وسألناه أن يرد إلينا أبا بكرة فأبى، وقال: "هو طليق الله وطليق رسوله". وكان أبو بكرة خرج إلى رسول الله ﷺ حين حاصر الطائف فأسلم. ٢ علي بن عاصم بن صهيب، صدوق تقدم في حديث (٩٧) . ٣ هو محمد بن جعفر بن زياد الوركاني - بفتحتين - أبو عمران الخراساني نزيل بغداد، ثقة من العاشرة (ت ٢٢٨) /م د س (التقريب ٢/١٥٠ وتهذيب التهذيب ٩/٩٣-٩٤ وتاريخ بغداد٢/١١٦-١١٧. ٤ أبو الأحوص: هو سلام بن سليم الحنفي ثقة متقن تقدم في حديث (٢٦) . ٥ مسند أحمد ٤/١٦٨ و٣١٠. ٦ ابن سعد: الطبقات الكبرى ٧/١٥و١٦. والطحاوي: شرح معاني الآثار ٣/٢٧٨. ٧ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥. ٨ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥.
[ ٣١٠ ]
١٤٩- حديث غيلان بن سلمة الثقفي أن نافعا١ كان عبدا لغيلان ففر إلى رسول الله ﷺ وغيلان مشرك، فأسلم غيلان فرد رسول الله ﷺ عليه ولاءه".
قال الهيثمي: "رواه الطبراني: وفيه ابن لهيعة وحديثه حسن، وفيه ضعف وبقية رجاله ثقات"٢.
١٥٠- ما واه أبو داود من مرسل عبد ربه٣ بن الحكم ولفظه: "أن النبي ﷺ لما حاصر أهل الطائف خرج إليه أرقاء من أرقائهم فأسلموا فأعتقهم رسول الله ﷺ، فلما أسلم مواليهم بعد ذلك رد رسول الله ﷺ الولاء - يعني إليهم" ٤.
١٥١- حديث ابن عباس ﵄ من طريق أبي شيبة عن الحكم عن مقسم عنه قال: "لما نزل النبي ﷺ الطائف أمر مناديا فنادى "أيما عبد خرج فهو حر". فخرج إليه عبدان فأعتقهما" ٥.
قال الهيثمي: رواه الطبراني: "وفيه إبراهيم بن عثمان أبو شيبة وهو متروك"٦.
١٥٢- حديث أبي أمامة٧ - ﵁ - قال: "تدلى عبد من حصن الطائف فجاءه مولاه، فقال يا رسول الله رد علي غلامي، فقال: إن العبد إذا أسلم قبل مولاه لم يرد إليه، وإذا أسلم المولى ثم أسلم العبد دفع إليه" ٨.
_________________
(١) ١ هو نافع أبو السائب مولى غيلان بن سلمة أورده ابن الأثير في أسد الغابة: ٥/٣٠٢ وابن حجر في الإصابة ٣/٥٤٨ وساقا هذا الحديث في ترجمته. ٢ مجمع الزوائد ٤/٢٤٦ وانظر السنن الكبرى للبيهقي ١٠/٣٠٨. ٣ عبد ربه بن الحكم بن سفيان بن عبد الله، ويقال: ابن عثمان ابن بشير الثقفي الطائفي مجهول، من الثالثة، وأرسل حديثا/مد (التقريب١/٤٧٠ وتهذيب التهذيب٦/١٢٦ وفيه ذكره ابن حبان في الثقات وقال ابن القطان الفاسي: لا يعرف حاله. ٤ أبو داود: كتاب المراسيل ص ٤٠ وانظر: الزيلعي: نصب الراية ٣/٢٨١-٢٨٢. ٥ الطبراني: المعجم الكبير ١١/٣٩٨. ٦ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥ وانظر التقريب ١/٣٩. ٧ هو صدى - بالتصغير - ابن عجلان، أبو أمامة الباهلي، صحابي مشهور سكن الشام، ومات بها، سنة: (٨٦) / ع (التقريب١/٣٦٦ وتهذيب التهذيب٤/٤٢٠) . ٨ مجمع الزوائد ٤/٢٤٥-٢٤٦ والمعجم الكبير للطبراني ٨/٢٩٨.
[ ٣١١ ]
قال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه عمر١ بن موسى بن وجيه وهو متروك".
وهذه الأحاديث تدل على أن العبد إذا نزل في حال الحصار وأسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، وهل يصير حرًا حكمًا شرعيًا، أو ذلك راجع إلى اشتراط الإمام له، فيه خلاف بين العلماء:
قال ابن قيم الجوزية - ﵀ -: "ومنها٢ أن العبد إذا أبق من المشركين ولحق بالمسلمين، صار حرًا، ثم أورد حديث سعيد بن منصور المتقدم"٣.
١٥٣- ثم قال: وروى سعيد بن منصور أيضا قال: "قضى رسول الله ﷺ في العبد وسيده قضيتين، قضى أن العبد إذا خرج من دار الحرب قبل سيده أنه حر، فإن خرج سيده بعده لم يرد عليه، وقضى أن السيد إذا خرج قبل العبد ثم خرج العبد، رد على سيده.
ثم أورد حديث الشعبي المتقدم٤، ثم قال: قال ابن المنذر: "وهذا قول كل من يحفظ من أهل العلم"٥.
وأورد ابن كثير: حديث الحجاج بن أرطأة ثم قال: "تفرد به أحمد٦ ومداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف، لكن ذهب الإمام أحمد إلى هذا فعنده أن كل عبد جاء من دار الحرب إلى دار الإسلام، عتق حكمًا شرعيًا مطلقًا عامًا، وقال آخرون: إنما كان هذا شرطا لا حكمًا عامًا، ولو صح الحديث٧ لكان التشريع العام أظهر، كما في قوله ﵇: "من قتل قتيلا فله سلبه٨" ٩.
_________________
(١) ١ هو عمر بن موسى بن وجيه الأنصاري الدمشقي، قال البخاري: منكر الحديث، وقال ابن معين: ليس بثقة، وقال ابن عدي: هو ممن يضع الحديث متنا وإسنادا (ميزان الاعتدال ٣/٢٢٤) ووقع في مجمع الزوائد: عمر بن إبراهيم بن وجيه وهو خطأ. ٢ أي الأحكام المأخوذة من هذه الغزوة. ٣ انظر الحديث رقم (١٤٦) . ٤ انظر: حديث (١٤٧) . ٥ زاد المعاد ٣/١١٥، ٥٠٣-٥٠٤. ٦ انظر الحديث رقم (١٤٦) . ٧ يعني: حديث الحجاج بن أرطأة. ٨ هذا الحديث متفق عليه من حديث أبي قتادة انظر الحديث رقم (٦٢) . ٩ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٧-٣٤٨.
[ ٣١٢ ]
قلت: هذا الحديث مداره على الحجاج بن أرطأة وهو ضعيف. وضعفه آت من قبل تدليسه وقد عنعن١.
قال الذهبي: "وأكثر ما نقم على الحجاج التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم".
وقال أيضًا: "كان حجاج يقول: أهلكني حب الشرف"٢. إهـ.
ومثله يتقوى حديثه بالمتابعات والشواهد، وقد جاء عند عبد الرزاق بإسناد صحيح ما يؤيد هذا الحديث في مسألة عتق عبيد المشركين، والحديث أيضًا عند البخاري وأبي داود ولا تعرض فيه لإسلام أو عدمه وإنما فيه مجرد نزول العبيد إلى رسول الله ﷺ ٣.
وقد وردت أحاديث أخرى بأسانيد فيها الصحيح وغيره وهي دالة على ما دل عليه حديث الحجاج بن أرطأة، وقد تقدم سياق ذلك.
وهذه الأحاديث نص في كون العبد إذا أسلم ولحق بالمسلمين قبل سيده صار حرا، ويرى الإمام أحمد ذلك حكما شرعيا بينما يراه الشافعي شرطا حيث قال: وإذا استأمن العبد من المشركين على أن يكون مسلما ويعتق فذلك للإمام، أمن رسول الله ﷺ في حصار ثقيف من نزل إليه من عبيد فأسلموا فشرط لهم أنهم أحرار فنزل إليه خمسة عشر عبدا من عبيد ثقيف فأعتقهم ثم جاء سادتهم بعدهم مسلمين، فسألوا رسول الله ﷺ أن يردهم إليهم فقال: "هم أحرار لا سبيل عليهم، ولم يردهم" ٤.
قلت: يؤيد القائلين بأن هذا حكما لا شرطا ما رواه أبو داود والترمذي من حديث علي بن أبي طالب ﵁ وهذا سياقه عند أبي داود:
_________________
(١) ١ وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الرابعة من طبقات المدلسين، وهي المرتبة التي اتفق العلماء على أنه لا يحتج بشيء من حديثهم، إلاّ بما صرحوا فيه بالسماع لكثرة تدليسهم على الضعفاء والمجاهيل ص ٨ و٣٧. ٢ ميزان الاعتدال ١/٤٦٠. ٣ انظر حديث (١٤٤) . ٤ الشافعي: الأم ٤/٢٠١.
[ ٣١٣ ]
١٥٤- قال: حدثنا عبد العزيز١ بن يحيى الحراني، قال حدثني محمد٢ - يعني ابن سلمة عن محمد بن إسحاق عن أبان٣ بن صالح بن منصور٤ بن المعتمر عن ربعي٥ بن حراش عن علي بن أبي طالب قال: "خرج عبدان٦ إلى رسول الله ﷺ - يعني يوم الحديبية قبل الصلح فكتب إليه مواليهم، فقالوا: يا محمد والله ما خرجوا إليك رغبة في دينك، وإنما خرجوا هربا من الرق، فقال ناس: صدقوا يا رسول الله، ردهم إليهم فغضب رسول الله ﷺ وقال: ما أراكم تنتهون يا معشر قريش حتى يبعث الله عليكم من يضرب رقابكم على هذا وأبى أن يردهم، وقال: "هم عتقاء الله ﷿" ٧.
والحديث فيه محمد بن إسحاق مدلس وقد عنعن.
ورواه الترمذي من غير طريق ابن إسحاق لكن فيه سفيان٨ بن وكيع ولفظه عن ربعي بن حراش قال أخبرنا علي بن أبي طالب بالرحبة٩ قال: لما كان يوم
_________________
(١) ١ عبد العزيز بن يحيى بن يوسف البكائي - بفتح الباء والكاف المشددة - أبو الأصبغ الحراني، صدوق، ربما وهم من العاشرة (ت٢٣٥) / د س (التقريب ١/٥١٣ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٢) . ٢ محمد بن سلمة بن عبد الله الباهلي، ثقة (التقريب ٢/١٦٦) . ٣ أبان بن صالح بن عمير بن عبيد القرشي مولاهم وثقه جماعة، ووهم ابن حزم فجهله، وابن عبد البر فضعفه، من الخامسة (ت بضع عشرة ومائة) خت عم (المصدر السابق ١/٣٠ و١/٩٤) . ٤ منصور بن المعتمر بن عبد الله السلمي، أبو عتاب - بمثناة ثقيلة ثم موحدة - الكوفي، ثقة ثبت، وكان لا يدلس، من طبقة الأعمش (ت ١٣٢) / ع (التقريب ٢/٢٧٦ الطبعة المصرية، وص ٣٤٨ الطبعة الهندية، تهذيب التهذيب ١٠/٣١٢-٣١٥، وتذكرة الحفاظ: ١/١٤٢ وسير أعلام النبلاء ٥/٤٠٢ كلاهما للذهبي، والخلاصة للخزرجي ٣/٥٨، والمغني لابن طاهر الهندي ص ٥٣، ووقع في التقريب بطبعتيه "أبو عثاب" بمثلثة ثقيلة، ولعله خطأ. ٥ ربعي - بكسر أوله وسكون ثانية - ابن حراش - بكسر المهملة وآخره معجمة - أبو مريم العبسي، الكوفي، ثقة عابد مخضرم من الثانية (ت١٠٠) وقيل غير ذلك/ع (التقريب١/٢٤٣وتهذيب التهذيب٣/٢٣٦-٢٣٧والخلاصة للخزرجي ١/٣١٧) . والمغني لابن طاهر ص ٢٠ و٣٢. ٦ عبدان: بكسر العين وضمها وسكون الباء، جمع عبد بمعنى المملوك (عون المعبود ٧/٣٦٨) . ٧ أبو داود: السنن ٢/٥٩ كتاب الجهاد، باب في عبيد المشركين يلحقون بالمسلمين فيسلمون. ٨ قال عنه ابن حجر في التقريب ١/٣١٢ كان صدوقا إلا أنه ابتلي بوراقه فادخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه. ٩ الرحبة: أي: رحبة الكوفة والرحب فضاء وفسحة بالكوفة كان علي بن أبي طالب يقعد فيها لفصل الخصومات (المباركفوري: تحفة الأحوذي ١٠/٢١٧) .
[ ٣١٤ ]
الحديبية خرج إلينا ناس من المشركين فيهم سهيل١ بن عمرو وأناس من رؤساء المشركين، فقالوا: يا رسول الله: خرج إليك ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا وليس لهم فقه في الدين، وإنما خرجوا فرارا من أموالنا وضياعنا٢ فارددهم إلينا فإن لم يكن لهم فقه في الدين سنفقههم، فقال النبي ﷺ: يا معشر قريش لتنتهن أو ليبعثن الله عليكم رقابكم بالسيف على الدين، وقد امتحن الله قلوبهم٣ على الإيمان، قالوا: من هو يا رسول الله؟
فقال له أبو بكر: "من هو يا رسول الله، وقال عمر: من هو يا رسول الله؟ قال: "هو خاصف النعل، وكان أعطى عليا نعله يخصفها، قال: ثم التفت٤ إلينا علي فقال: إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من هذا الوجه من حديث ربعي عن علي٥.
والحديث أخرجه البيهقي من طريق عبد الله بن يحيى الحراني ثنا محمد بن سلمة الحراني عن محمد بن إسحاق عن أبان بن صالح به. مثل لفظ أبي داود٦.
_________________
(١) ١ سهيل بن عمرو بن عبد شمس القرشي، أحد أشراف قريش وعقلائهم وخطبائهم وساداتهم وهو الذي أرسلته قريش يوم صلح الحديبية للتفاوض مع رسول الله ﷺ. أسلم سهيل يوم الفتح، وروى عنه انه قال: والله لا أدع موقفا وقفته مع المشركين إلا وقفت مع المسلمين مثله، ولا نفقة أنفقتها مع المشركين إلا أنفقت على المسلمين مثلها لعل أمري أن يتلو بعضه بعضا، وموقفه من أهل مكة يوم الردة مشهور. توفي سهيل ﵁ بالشام في طاعون عمواس سنة (١٨)، وقيل استشهد باليرموك وقيل بمرج الصغر. (أسد الغابة: لابن الأثير ٢/٤٨٠ والإصابة لابن حجر ٢/٩٣-٩٤) ومعجم البلدان ٥/١٠١. ٢ الضياع: جمع ضيعة وهو ما يكون منه معاش الرجل كالصنعة والتجارة والزراعة وغير ذلك (النهاية لابن الأثير ٣/١٠٨) . ٣ قال المباركفوري: "قد امتحن الله قلوبهم: أي اختبرها، كذا وقع في بعض النسخ بجمع الضمير وهو راجع إلى قوله: ناس من أبنائنا وإخواننا وأرقائنا ووقع في بعض النسخ (قلبه) بإفراد الضمير وهو الظاهر، والضمير راجع إلى من (يخفصها) أي يخرزها من الخصيف وهو الضم والجمع (تحفة الأحوذي ١٠/٢١٨) . ٤ قوله: ثم التفت إلينا علي فقال: "إن رسول الله ﷺ قال: "من كذب علي" إلخ مقصود علي ﵁ بالالتفات إليهم وذكر حديث "من كذب" على أنه قد سمع الحديث المذكور من رسول الله ﷺ، ولم يكذب عليه. (المصدر السابق ١٠/٢١٨) . ٥ الترمذي: السنن ٥/٢٩٧-٢٩٨ كتاب المناقب، باب المناقب علي بن أبي طالب ﵁. ٦ السنن الكبرى ٩/٢٢٩.
[ ٣١٥ ]
قال صاحب عون المعبود: "وإنما غضب رسول الله ﷺ لأنهم عاضوا حكم الشرع فيهم بالظن والتخمين، وشهدوا لأوليائهم المشركين بما ادعوه أنهم خرجوا هربًا من الرق، لا رغبة في الإسلام وكان حكم الشرع فيهم، أنهم صاروا بخروجهم من ديار الحرب مستعصمين بعروة الإسلام لا يجوز ردهم إليهم، فكان معاونتهم لأوليائهم تعاونًا على العدوان١.
١٥٥- وأخرج مسلم والنسائي وابن ماجة والبيهقي من حديث أبي الزبير٢ عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: جاء عبد فبايع النبي ﷺ على الهجرة، ولم يشعر أنه عبد، فجاء سيده يريده، فقال له النبي ﷺ: "بعنيه" فاشتراه بعبدين أسودين٣، ثم لم يبايع أحدا بعد، حتى يسأله: "أعبد هو؟ " ٤. واللفظ لمسلم.
قال الشافعي - ﵀ -: "ولو كان الإسلام يعتقه لم يشتر منه حرا، ولكنه أسلم غير خارج من بلاد منصوب عليها الحرب"٥.
وخلاصة ما تضمنه الرويات السابقة أمور:
الأول: أن من التدابير العسكرية الناجحة التي استخدمها المسلمون بتوجيه رسول الله ﷺ لهم:
الأمر بقطع أعناب ثقيف ونخيلهم وتحريقها إغاظة لهم وهزا لمعنوياتهم وكان في ذلك نكاية بالغة بهم، حتى طالبوا الرسول ﷺ أن يدعها لله وللرحم، فلما بلغته مناشدتهم له بذلك، تركها، ولكن بعد أن أثر بدون شك في نفوس القوم وأضعف عزائمهم.
_________________
(١) ١ عون المعبود ٧/٣٦٨-٣٦٩. ٢ هو محمد بن مسلم بن تدرس أبو الزبير المكي. ٣ والحديث فيه جواز بيع الحيوان بالحيوان متفاضلا إذا كان يدا بيد، وهذا مما لا خلاف فيه، والخلاف في بيعه متفاضلا إذا كان نسيئة (تهذيب السنن لابن قيم الجوزية٩/٢٠٨-٢١٢ مع عون المعبود، وعون المعبود٩/٢٠٨ وتحفة الاحوذي ٤/٤٣٨. ٤ مسلم: الصحيح٣/١٢٢٥ كتاب المساقاة، باب جواز بيع الحيوان من جنسه متفاضلا. والنسائي: السنن ٧/١٣٥ كتاب البيعة، باب بيعة المماليك و٧/٢٥٧ كتاب البيوع باب بيع الحيوان بالحيوان يدا بيد متفاضلا. وابن ماجه: السنن ٢/٩٥٨ كتاب الجهاد، باب البيعة. البيهقي: السنن الكبرى ٩/٢٣٠. ٥ المصدر السابق ٩/٢٣٠.
[ ٣١٦ ]
الثاني: أن الرسول ﷺ حث المسلمين يومئذ على الرمي فقال: "من رمى بسهم في سبيل الله فله درجة في الجنة"، فكان في ذلك حافز قوي للمسلمين على التسابق في الرمي للفوز بدرجات عظيمة في الجنة حتى قال أحدهم: بلغت يومئذ ستة عشر سهما، وكانت تلك السهام الكثيرة، تنهال على ثقيف كالوابل الغزير فزلزل ذلك كفار ثقيف زلزالا شديدا وحصرهم في حصنهم وشل قدرتهم الدفاعية، حتى تركهم رسول الله ﷺ في آخر الأمر، لا لعجز عن مناجزتهم، ولكن رأى أن ثقيفا مآلها الإسلام أو الاستسلام فقد أحيطت بالمسلمين من كل مكان فلماذا يتعرض جيش المسلمين لخسائر كبيرة في حصار مدينة حصينة مآلها إلى السقوط دون أية ضحايا، طال الوقت أم قصر؟
وهل بوسع الطائف أن تقاوم طويلا وحدها بعد أن دخلت مكة في الإسلام ودانت المناطق من حولها للمسلمين؟
وكيف تصرف إنتاجها الزراعي وكيف تقوم بتجاراتها وكل مواصلاتها مقطوعة؟ وقبل ذلك كله فقد جاء في بعض الآثار أن رسول الله ﷺ قال: إن الله لم يأذن لي في فتح الطائف الآن، وأنه ﷺ لما قال له أحد الصحابة: "ادع الله على ثقيف، فقال: الله اهد ثقيفا وائت بهم، فقد علم ﷺ أن ثقيفا ستفيق من غفلتها وتستيقظ من سباتها وستأتي بنفسها تعلن ولاءها لرسول الله ﷺ والانضمام تحت رايته وهذا الذي حصل بالفعل كما سياتي ذلك في مبحث إيفاد ثقيف.
الثالث: ذلك النداء الموجه إلى العبيد الذين يعيشون تحت سيطرة سادات ثقيف "أيما عبد نزل من الحصن وخرج إلينا فهو حر"١ فما أن بلغهم هذا النداء الإسلامي حتى تسابقوا إلى المسلمين واحدا بعد آخر طلبا للحرية ورغبة في الخلاص من ظلم جبابرة الجاهلية فكانت مكافأتهم على هذه التضحية من رسول الله ﷺ أن أعتقهم وخلصهم من رق الجاهلية وأغلالها، وأسلموا وحسن إسلامهم وحسن إسلامهم وكان في ذلك إضعاف لشوكة ثقيف وخلخلة لصفوفهم من داخلها، وكان عدد العبيد الذين نزلوا من حصن الطائف ولحقوا بالمسلمين ثلاثة وعشرين عبدا٢.
_________________
(١) ١ انظر حديث (١٥١) والطبقات الكبرى لابن سعد ٢/١٥٨-١٥٩. ٢ انظر حديث رقم (١٤٤) .
[ ٣١٧ ]
المبحث الثالث: عدد القتلى من الفريقين في غزوة الطائف
كان الجيش الإسلامي قد عسكر قريبا من حصن الطائف فأخذت ثقيف تقذف المسلمين بالنبال مما أدى إلى حدوث خسائر في صفوف المسلمين، فاضطر المسلمون إلى الانسحاب بعيدا عن مرمى النبال، ضرب المسلمون حصارهم الشديد على أهل الطائف فترة من الزمن ١، غير أن هذا الحصار لم يفت في عضد ثقيف حتى تستسلم، ذلك أن ثقيفًا قد استعدت قبل ذلك وأدخلت داخل حصنها ما يكفيها من الأقوات لمدة سنة، ولما طال مقام المسلمين في هذا الحصار حاولوا الهجوم على حصن الطائف ودك أسوار المدينة، فدخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة خشبية مغشاة بالجلود وزحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت ثقيف على تلك الدبابة سكك الحديد محماة بالنار، فأحرقتها فانسحب المسلمون المحتمون بها من تحتها لئلا يحترقوا، فرمتهم ثقيف بالنبل بعد انكشافهم من حماية الدبابة، فقتلوا رجالا من المسلمين ممن كتب الله لهم الشهادة في سبيله.
وفيما يلي الآثار الواردة في ذلك:
١٥٦- روى النسائي أخبرنا إسحاق٢ بن إبراهيم قال: أنبأنا وكيع قال: حدثنا سعيد٣ بن السائب عن رجل يقال له: عبيد الله٤ بن معية قال: "أصيب
_________________
(١) ١ تقدم ذلك مبينا في مبحث حصار الطائف ص ٢٧٨. ٢ إسحاق بن إبراهيم هو ابن راهويه، ووكيع: هو ابن الجراح. ٣ سعيد بن السائب بن يسار الثقفي تقدم في حديث (٩٠) ثقة، عابد. ٤ عبيد الله بن معية - مصغرا، ويقال: عبد الله مكبرا، ويقال: عبيد بدون إضافة، من الثانية، حديثه مرسل / س (التقريب ١/٤٥٣ وتهذيب التهذيب ٦/٤١ وقال: قال ابن أبي حاتم عن أبيه: أدرك الجاهلية، وقال غيره ولد على عهد النبي ﷺ، روى عنه إبراهيم بن ميسرة وأثنى عليه أخيرا، وسعيد بن السائب. قال صالح بن أحمد عن أبيه: "عبيد الله بن معية ليس بمشهور بالعلم"، قال ابن أبي حاتم: "فذكرته لأبي فقال: هو كما قال". ثم قال ابن حجر: "وقع اسمه في سنن النسائي عبد الله مكبرا، وكذلك ذكره المؤلف هاهنا، وأما البخاري ويعقوب بن سفيان وغير واحد ممن بعدهم، فذكروا في عبيد الله مصغرا، قلت: في سنن النسائي الموجودة بأيدينا (عبيد الله مصغرا) وفي الإصابة ٢/٤٤١ قال: عبيد الله بن معية - بفتح أوله وكسر ثانية وتشديد الياء التحتانية السوائي العامري من أهل الطائف، قال ابن السكن له صحبة ورواية، ويقال: إنه أدرك الجاهلية، وقال ابن منده: له صحبة، وقال أبو عمر: يقال: إنه شهد الطائف، وأخرج النسائي والبغوي من طريق وكيع عن سعيد بن السائب سمعت شيخًا من بني عامر أحد بني سواءة يقال له عبيد الله بن معية قال أصيب رجلان من المسلمين "الحديث"" (انظر الجرح والتعديل: لابن أبي حاتم ٥/٣٣٣، وتاريخ الفسوي ٣/٣٨٣ والاستيعاب ٢/٤٣٥، وأسد الغابة ٣/٣٩٨ و٥٣٣ والبخاري: التاريخ الكبير ٥/٣٧٣ وقال: أردك الجاهلية، عن النبي ﷺ.
[ ٣١٨ ]
رجلان من المسلمين يوم الطائف فحملا إلى رسول الله ﷺ فأمر أن يدفنا حيث أصيبا، وكان ابن معية ولد على عهد رسول الله ﷺ ١.
ورواه ابن سعد فقال: أخبرنا وكيع بن الجراح وحميد٢ بن عبد الرحمن الرواسي عن سعيد بن السائب الطائفي قال: سمعت شيخنا من بني سواءة أحد بني عامر بن صعصعة يقال له: عبيد الله بن معية.
قال وكيع في حديثه: "وكان ولد على عهد النبي ﷺ أو قريبا من ذلك، وقال حميد: وكان قد أدرك الجاهلية، قال: قتل رجلان من أصحاب رسول الله ﷺ عند باب بني سالم٣ من الطّائف يوم الطّائف، فحملا إلى رسول الله ﷺ، فبلغه ذلك فبعث أن يدفنا حيث أصيبا أو حيث لقيا، فدفنا فيما بين مقتلهما وبين رسول الله ﷺ، فقبرا حيث لقيا" ٤.
ورواه ابن أبي شيبة فقال: حدثنا وكيع عن سعيد بن السائب به"٥.
والحديث فيه عبيد الله بن معية وقد ذكره ابن سكن وابن منده في الصحابة، وقال ابن عبد البر: "يقال: إنه شهد الطائف، ثم أورد له هذا الحديث وعلى هذا فيكون الحديث متصلا".
لكن ابن حجر: "ذكر التقريب بأن عبيد الله من الثانية وأن حديثه مرسل فالله أعلم"٦.
_________________
(١) ١ السنن ٤/٦٥ كتاب الجنائز، باب أين يدفن الشهيد. ٢ حميد بن عبد الرحمن الرؤاسي - بضم الراء بعدها همزة خفيفة - أبو عوف الكوفي، ثقة من الثامنة، (ت ١٨٩ أو ١٩٠ وقيل بعدها) / ع (التقريب ١/٢٠٣ وتهذيب التهذيب ٣/٤٤) . ٣ بنو سالم بطن من ثقيف سكن واد من روافد لية الجنوبية. معجم قبائل الحجاز للبلادي ص ١٩٦. ٤ الطبقات الكبرى ٥/٥١٧. ٥ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٦ و٨٧.أرقم ٦٦٥. ٦ الاستيعاب ٢/٣٣١ و٤٣٥ و٤٣٩ وأسد الغابة ٣/٣٩٨و٥٣٣و٥٤٨ وتهذيب التهذيب ٦/٤١ والتقريب ١/٤٥٣ والإصابة٢/٤٤١) .
[ ٣١٩ ]
ما رواه ابن سعد: أخبرنا عمرو١ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٢ أخبرنا الحسن٣ قال: حاصر رسول الله - ﷺ - أهل الطائف، قال فرمى رجل٤ من فوق سورها فقتل" ٥ والحديث إسناده حسن وهو مرسل.
ما رواه البيهقي عن عروة بن الزبير في حصار الطائف، فحاصرهم بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة، وهم في حصن الطائف وكثرت القتلى في المسلمين، وفي ثقيف" الحديث٦.
والحديث مرسل، وفيه محمد٧ بن عمرو بن خالد أبو علاثة.
ما أخرجه ابن إسحاق قال: "حدثني عمرو بن شعيب أن رسول الله ﷺ لما سار إلى الطائف نزل قريبا من حصن الطائف فضرب به عسكره فقتل ناس من أصحابه بالنبل، وذلك أن العسكر اقترب من حصن طائف، فكانت النبل تنالهم" الحديث وفيه أيضا: " حتى إذا كان يوم الشدخة عند جدار الطائف دخل نفر من أصحاب رسول الله ﷺ تحت دبابة ثم زحفوا بها إلى جدار الطائف ليخرقوه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديدة محماة بالنار، فخرجوا من تحتها، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتلوا منهم رجالا" ٨.
وقد ورد تسميتهم عند ابن إسحاق فقال:
_________________
(١) ١ عمرو بن عاصم بن عبيد الله الكلابي، صدوق تقدم في حديث (٧١) . ٢ هو جعفر بن حيان - بمفتوحة وشدة مثناة تحت - السعدي، أبو الأشهب العطاردي - بضم العين وفتح الطاء المهملتين، وبعد الألف راء ودال مهملتان مكسورتان - البصري، مشهور بكنيته، ثقة من السادسة (ت١٦٥) /ع (التقريب١/١٣٠وتهذيب التهذيب٢/٨٨واللباب في تهذيب الأنساب٢/٣٤٥،والمغني لمحمد طاهر الهندي ص ٢٥ و٥٧) . ٣ هو الحسن بن أبي الحسن البصري، الأنصاري مولاهم ثقة فقيه فاضل مشهور وكان يرسل كثيرا ويدلس، وهو رأس أهل الطبقة الثالثة (ت١١٠) / ع (التقريب ١/١٦٥ وتهذيب التهذيب ٢/٢٦٣) . ٤ وعند الواقدي ٣/٩٣٠: أن رجلا من المسلمين من مزينة رمى أبا محجن الثقفي، فلم يصنع شيئا، فرماه أبو محجن فقتله. ٥ الطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٥٩ وسيأتي سياق الحديث تاما مع الحكم عليه برقم (١٦٧) . ٦ السنن الكبرى ٩/٨٤. وتقدم برقم (١٣٧) . ٧ لم أجد ترجمته. ٨ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٢-٤٨٣، ودلائل النبوة للبيهقي ٣/٤٨أوقد تقدم الحديث بتمامه مع الحكم عليه برقم (١٣٣) .
[ ٣٢٠ ]
١٥٧- وهذه تسمية من استشهد من المسلمين مع رسول الله ﷺ يوم الطائف: من قريش، ثم من بني أمية بن عبد شمس: سعيد١ بن سعيد بن العاص بن أمية وعرفطة٢بن جناب، حليف لهم، من الأسد٣بن الغوث.
ومن بني تيم بن مرة: عبد الله٤ بن أبي بكر الصديق، رمى بسهم، فمات منه بالمدينة، بعد وفاة النبي ﷺ.
ومن بني مخزوم: عبد الله٥ بن أبي أمية بن المغيرة، من رمية رميها يومئذ.
_________________
(١) ١ هو ابن عبد شمس القرشي أخو أبان وخالد وعمرو أولاد أبي أحيحة، كان إسلامه قل فتح مكة بيسير، استعمله النبي ﷺ يوم الفتح على سوق مكة، فلما خرج رسول الله ﷺ إلى الطائف خرج معه، فاستشهد يومئذ. ٢ عرفطة - بضم المهملة وسكون الراء وضم الفاء وطاء مهملة - ابن جناب بجيم ونون خفيفة الأزدي، وعند ابن هشام وموسى بن عقبة ابن (حباب) بضم المهملة وخفة الموحدة - وهو حليف بني أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. ٣ وهو الأزد بن الغوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ، ويقال فيه: أسد بالسين الساكنة. ٤ هو شقيق أسماء بنت أبي بكر، ثبت ذكره في صحيح البخاري في قصة الهجرة عن عائشة قالت: وكان عبد الله بن أبي بكر يأتيهما بأخبار قريش وهو غلام شاب فطن فكان يبيت عندهما ويخرج من السحر فيصبح مع قريش وقال ابن عبد البر: وكان إسلامه قديما ولم يسمع له بمشهد إلا شهوده الفتح وحنينا والطائف فرماه أبو محجن الثقفي بسهم فدمل جرحه حتى انتقض به فمات منه في أول خلافة أبيه وذلك سنة إحدى عشرة فيما ذكر الواقدي (انظر: الاستيعاب ٢/٨ و٢/٢٥٨ و٣/١٥٥ وأسد الغابة٢/٣٩٠ و٣/١٨٨ و٢٩٩ و٤/٢٥ والإصابة:٢/٤٧ و٢٨٣ و٤٧٥ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٠) . ٥ عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم المخزومي القرشي أخو أم سلمة زوج النبي ﷺ من أبيها وابن عمة رسول الله عاتكة بنت عبد المطلب، كان أبوه من أجواد قريش، وكان عبد الله ابن أبي أمية شديدا على المسلمين، وهو الذي قال للنبي ﷺ ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الأَرْضِ يَنْبُوعًا أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيرًا﴾ . [سورة الإسراء، الآيتان: ٩٠-٩١] . ثم هداه الله للإسلام فهاجر هو وأبو سفيان بن الحارث ابن عم رسول الله ﷺ قبيل الفتح فلقيا رسول الله ﷺ بطرف مكة فالتمسا الدخول عليه ﷺ فمنعهما، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، ابن عمك - تعني أبا سفيان، وابن عمتك وصهرك - تعني عبد الله -، فقال: لا حاجة لي بهما، أما ابن عمي فهتك عرضي، وأما ابن عمتي فقال لي بمكة ما قال، ثم أذن لهما، فدخلا عليه، فأسلما، وحسن إسلامهما، وشهد عبد الله مع رسول الله ﷺ فتح مكة مسلما وحنينا والطائف ورمي من الطائف بسهم فقتله، ومات يومئذ. له ذكر في الصحيحين من طريق زينب بنت أبي سلمة عن أمها أم سلمة قالت: دخل علي النبي ﷺ وعندي مخنث فسمعه يقول: لعبد الله بن أبي أمية، إن فتح الله عليكم الطائف غدا فعليك بابنة غيلان، فإنها تقبل بأربع وتدبر بثمان، فقال النبي ﷺ: "لا يدخل هؤلاء عليكن" الحديث انظر رقم (٢٤١) (الاستيعاب ٢/٢٦٢، وأسد الغابة ٣/١٧٧ والإصابة ٢/٢٧٧، وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٠) .
[ ٣٢١ ]
ومن بني عدي بن كعب: عبد الله١بن عامر بن ربيعة حليف لهم.
ومن بنى سهم بن عمرو: السائب٢ بن الحارث بن قيس بن عدي، وأخوه عبد الله بن الحارث.
ومن بني سعد بن ليث: حجيلة٣ بن عبد الله.
واستشهد من الأنصار: من بني سلمة: ثابت٤ بن الْجَذَع.
ومن بني مازن بن النجار: الحرث٥ بن سهل بن صعصعة.
_________________
(١) ١ عبد الله بن عامر بن ربيعة بن مالك بن عامر العنزي - بسكون النون - حليف بني عدي بن كعب، ثم حليف الخطاب والد عمر بن الخطاب، وهو من عنز بن وائل، أخي بكر بن وائل، القبيلة المشهورة من ربيعة ابن نزار. وقيل: هو من مذحج من اليمن، وعبد الله هذا هو الأكبر صحب هو وأبوه رسول الله ﷺ، واستشهد يوم الطائف وهو مع رسول الله وله أخ يقال له: عبد الله بن عامر وهو الأصغر له رؤية قيل توفي رسول الله وله أربع سنين، وقيل خمس سنين. ٢ السائب بن الحارث بن قيس بن عدي (وقال ابن إسحاق والواقدي: ابن عدي بن سعيد بدل (سعد) بن سهم القرشي السهمي، أحد السابقين إلى الإسلام هاجر إلى الحبشة هو وأخوه عبد الله بن الحارث واستشهد هو وأخوه عبد الله بالطائف فيما ذكره ابن إسحاق والواقدي والزبير بن بكار وجماعة. وذكر موسى بن عقبة ومعمر بن راشد عن الزهري أن السائب جرح يوم الطائف وأنه عاش بعد ذلك إلى أن استشهد بالأردن يوم فحل - بكسر الفاء وسكون الحاء - في ذي القعدة سنة ثلاث عشرة أول خلافة عمر بن الخطّاب، وقال ابن الكلبي: كانت وقعة فحل سنة أربع عشرة. وأما عبد الله بن الحارث فذكر ابن إسحاق والزبير بن بكار أنه استشهد يوم الطائف وقيل: إنه قتل يوم اليمامة شهيدا هو وأخوه أبو قيس، وقد انقرض بنو الحارث بن قيس بن عدي (الاستيعاب ٢/١٠٢ و٢٧٩ و٣٥٧ وأسد الغابة ٢/٣١٢ و٣/٢٠٦ و٢٨٦ والإصابة ٢/ ٨ و٢٩٢ و٣٢٩. ٣ جليحة - بضم الجيم وفتح اللام وسكون التحتانية وحاء مهملة - ابن عبد الله بن محارب بن ناشب بن غيرة- بكسر الغين المعجمة، وفتح الياء تحتها نقطتان، ثم راء وهاء - ابن سعد بن ليث بن بكر بن عبد مناة بن كنانة بن خزيمة، والليثي، ذكره ابن إسحاق والواقدي فيمن استشهد بالطائف وهو مع رسول الله. وقيل: في جده "الحارث" بدل (محارب) . ٤ ثابت بن الجذع - بفتح المعجمة وبالمهملة - واسم الجذع: ثعلبة ابن زيد بن الحارث ابن حرام - بفتح الحاء المهملة وبالراء - ابن كعب بن غنم بن كعب بن سلمة - بكسر اللام، السلمي شهد العقبة وبدرًا والمشاهد كلها، وقتل يوم الطائف شهيدا. ٥ الحارث بن سهل بن أبي صعصعة الأنصاري من مازن بن النجار استشهد يوم الطائف، لا تعرف له رواية، قال ابن الأثير: "هكذا الحارث بن سهل ذكره يونس ابن بكير، وزياد البكائي، وسلمة الأبرش الجميع عن ابن إسحاق، وقال أبو جعفر النفيلي عبد الله بن محمد عن محمد بن سلمة الباهلي عن ابن إسحاق: حباب بن سهل بدل (الحارث) ". وقال ابن حجر: "ويحتمل أن يكونا أخوين"، (الاستيعاب ١/١٩٠و٣٠٧، وأسد الغابة ١/ ٢٦٥ و٣٤٨ و٣٩٦ والإصابة١/١٩٠ و٢٤٢ و٢٨٠ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٠) .
[ ٣٢٢ ]
ومن بني ساعدة: المنذر١ بن عبد الله.
ومن الأوس: رُقَيم٢ بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان بن معاوية.
فجميع من استشهد بالطائف من أصحاب رسول الله ﷺ اثنا عشر رجلا:
سبعة٣ من قريش، وأربعة٤ من الأنصار، ورجل٥ من بنيليث٦ هكذا ساقه ابن إسحاق بدون إسناد.
١٥٨- وممن أصيب في هذه الغزوة أبو سفيان بن حرب فقد فقئت عينه، وذلك فيما رواه ابن الزبير بن بكار عن سعيد٧ بن عبيد الثقفي قال: "رميت أبا سفيان يوم الطائف فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال: هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: "إن شئت دعوت الله فردت عليك وإن شئت فالجنة، فقال: الجنة" ٨.
_________________
(١) ١ المنذر بن عبد الله بن قوال بن وقش بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة الأنصاري الخزرجي الساعدي، ذكره ابن إسحاق والواقدي، فيمن استشهد يوم الطائف، لكن عند الواقدي المنذر بن عبد بدون إضافة، وسمى ابن عبد البر: أباه عبادا ثم أعاده في المنذر بن عبد الله، ثم قال: هو المنذر بن عباد فيما أظن. ٢ رقيم- بضم الراء وفتح القاف، ولوذان: بضم اللام وسكون الواو وذال معجمة- أبو ثابت الأنصاري، الأوسي، كذا نسبه أبو نعيم وابن منده. وقال الكلبي بعد ثعلبة: "ابن أكال بن الحارث بن أمية بن معاوية بن مالك بن عوف، استشهد يوم الطائف في قول ابن إسحاق وعروة وموسى بن عقبة وابن الكلبي وابن شهاب". وذكره الواقدي: فيمن استشهد في حنين (الاستيعاب ٢/٥٣٣ و٣/٤٦٠) وأسد الغابة ٢/٢٣٥ و٥/٢٦٨ والإصابة ٢/٥٢٠ و٣/٤٦٠ وشرح المواهب اللدنية ٣/٢٤ و٣٠. وفي مجمع الزوائد ٦/١٩٠ (رقيب) بالباء الموحدة، والصواب (رقيم) بالميم. ٣ هم: سعيد بن سعيد بن العاص، وعرفطة بن جناب، وعبد الله بن أبي بكر وعبد الله ابن أبي أمية، وعبد الله بن عامر، والسائب بن الحارث وأخوه عبد الله بن الحارث بما فيهم حلفاؤهم. ٤ هم: الحارث بن سهل، والمنذر بن عبد الله، ورقيم بن ثابت وثابت بن الجذع. ٥ هو: جليحة بن عبد الله، وقد تقدم بيان ذلك. ٦ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٦-٤٨٧ وتاريخ خليفة ص ٩٠-٩٢ وتاريخ الطبري ٣/٨٥ وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٣-٢٤٤ والروض الأنف ٧/٢٣٩ والبداية والنهاية ٤/٣٥١ وتاريخ الخميس ٢/١١٢ والسيرة الحلبية ٣/٧٨ وشرح المواهب ٣/٣٠، ومغازي الواقدي ٣/٩٢٢ و٩٣٨ إلا أنه جعل. (يزيد بن زمعة بن الأسود) بدل (رقيم بن ثابت) أما ابن إسحاق فذكر يزيد من شهداء حنين، وانظر مجمع الزوائد ٦/١٩٠. ٧ سعيد بن عبيد بن أبي أسيد بن علاج بن أبي سلمة بن عبد العزى بن غيرة بن عوف ابن ثقيف الثقفي جد إسماعيل بن طريح الشاعر، (الإصابة ٢/٤٩) . ٨ الإصابة ٢/١٧٩ وشرح المواهب ٣/٣٣-٣٤ والسيرة الحلبية ٣/٧٧.
[ ٣٢٣ ]
وأخرجه ابن عساكر من طريق سعيد بن عبيد ربه.
ولفظه: "قال رأيت أبا سفيان بن حرب يوم الطائف قاعدا في حائط أبي يعلى يأكل فرميته فأصبت عينه، فأتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله هذه عيني أصيبت في سبيل الله" الحديث ١.
وأورده السيوطي فقال: أخرج الزبير بن بكار وابن عساكر من طرق عن سعيد بن عبيد الثقفي، ثم ساق هذا الحديث٢.
قال الزرقاني: "وفي هذا قوة إيمان أبي سفيان وثبات يقينه بعدما كان من المؤلفة"٣.
وقد جاء عند ابن مندة خلاف هذا، وذلك أنه جعل أبا سفيان بن حرب هو الذي رمى سعيد بن عبيد ففقأ عينه.
قال ابن حجر: "روى ابن مندة من طريق إسماعيل بن طريح حدثني أبي عن جدي أن أبا سفيان رمى سعيد بن عبيد جده يوم الطائف بسهم فأصاب عينه فأتى رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله إن هذه عيني أصيبت في سبيل الله، فقال: إن شئت دعوت الله فرد عليك عينك، وإن شئت فعين في الجنة، قال: عين في الجنة".
ثم قال ابن مندة: "وهذا غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه".
قال ابن حجر: "قلت: فيه لفظة منكرة، فإن أبا سفيان في حصار الطائف كان مسلما فكيف يرمي سعيدا إن كان سعيدا مسلما، وأظن الصواب: أن أبا سفيان رماه سعيد".
ويؤيد ذلك ما أخرجه الزبير بن بكار من هذا الوجه فقال عن سعيد بن عبيد قال: رأيت أبا سفيان يوم الطائف قاعدا في حائط يأكل فرميته فأصبت عينه، فذكر الحديث.
_________________
(١) ١ كنْز العمال ١٠/٢٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٢ مع المسند. ٢ الخصائص الكبرى ٢/٩٢. ٣ شرح المواهب اللدنية ٣/٣٤.
[ ٣٢٤ ]
وروى ابن عائذ١ عن الوليد٢ عن سعيد٣ بن عبد العزيز أن عين أبي سفيان أصيبت يوم الطائف.
١٥٩- وروى أبو الفرج٤ الأصبهاني من طريق أسامة٥ بن زيد الليثي عن القاسم٦ بن محمد قال: لم يزل السهم الذي أصاب عبد الله بن أبي بكر عند أبي بكر حتى قدم وفد الطائف فأراهم إياه فقال سعيد بن عبيد: هذا سهمي أنا بريته وأنا رميت به، فقال أبو بكر: الحمد لله الذي أكرمه بيدك ولم يهنك بيده٧.
ثم قال ابن حجر: "وله طريق أخرى في ترجمة عبد الله بن أبي بكر، فثبتت بذلك صحبة سعيد بن عبيد، وتحررت الرواية الأولى، ولله الحمد"٨.
وفي الصحيحين وغيرهما أن المسلمين في حصار الطائف قاتلوا ثقيفا قتالا شديدا حتى كثرت الجراحات في المسلمين ٩.
فهذا الحديث صريح في أن المسلمين نالهم في هذا الحصار جراحات شديدة، وقد قتل بعضهم كما ورد ذلك في كتب التواريخ وغيرها، وقد تقدم بيان ذلك وهذا ما يتعلق بإصابة المسلمين في هذه الغزوة.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عائذ تقدم في ص ٤١٤. ٢ الوليد: هو ابن مسلم القرشي الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية تقدم في حديث (١١٨) . ٣ سعيد بن عبد العزيز التنوخي - بفتح التاء وضم النون المخففة - الدمشقي ثقة إمام، سواه أحمد بالأوزاعي وقدمه أبو مسهر على الأوزاعي، ولكنه اختلط في آخر عمره، من السابعة (ت ١٦٧) وقيل بعدها / خ م ع التقريب ١/٣٠١ وتهذيب التهذيب ٤/٥٩) . ٤ هو علي بن الحسين بن محمد أبو الفرج الأصبهاني الأموي، صاحب كتاب الأغاني، قال الذهبي: شيعي، وهذا نادر في أموي، كان إليه المنتهى في معرفة الأخبار وأيام الناس، والشعر والغناء والمحاضرات يأتي بأعاجيب بحدثنا وأخبرنا، وكان طلبه في حدود الثلاثمائة فكتب ما لا يوصف كثرة حتّى لقد اتهم. والظاهر أنه صدوق (٢٨٤-٣٥٦) ميزان الاعتدال ٣/١٢٣، وانظر تاريخ بغداد للخطيب البغدادي ١١/٣٩٨ ولسان الميزان لابن حجر ٤/٢٢١) . ٥ أسامة ابن زيد الليثي مولاهم، أبو زيد المدني، صدوق يهم، من السابعة (ت ١٥٣) خت م ع (التقريب ١/٥٣ وتهذيب التهذيب ١/٢٠٨-٢١٠) . ٦ القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق التيمي، ثقة أحد الفقهاء بالمدينة قال أبو أيوب: ما رأيت أفضل منه، من كبار الثالثة (١٠٦) على الصحيح / ع (التقريب ٢/١٢٠ وتهذيب التهذيب ٨/٣٣٣) . ٧ عند الواقدي في المغازي ٣/٩٣٠: أن الذي رمى عبد الله بن أبي بكر هو أبو محجن الثقفي، وانظر السنن الكبرى للبيهقي ٩/٩٨. ٨ ابن حجر: الإصابة ٢/٤٩-٥٠ و١٧٩، و٢٨٣، وانظر كنز العمال ١٠/٣٦١ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٢ مع المسند. ٩ سيأتي تخريج الحديث برقم (١٦٩) .
[ ٣٢٥ ]
وأما ما يتعلق بإصابات المشركين في الأرواح وغيرها، فقد تقدم في حديث عروة بن الزبير قوله: "أن رسول الله ﷺ حاصر الطائف بضع عشرة ليلة، وقاتلته ثقيف بالنبل والحجارة وهم في حصن الطائف، وكثرت القتلى في المسلمين، وفي ثقيف" ١.
فهذا الأثر صريح في أن القتل كثر في المشركين أيضا، غير أن المصادر الموجودة بأيدينا لم تنص إلا على ثلاثة فقط وفيما يلي ما ذكره العلماء في هذا الصدد:
١٦٠- أخرج أبو داود في كتاب المراسيل عن عكرمة قال: لما حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف أشرفت امرأة فكشفت قبلها فقالت: هادونكم فارموا فرماها رجل من المسلمين فما أخطأ ذلك منها.
وفي رواية "فما أخطأ أن قتلها، فأمر بها رسول الله ﷺ أن توارى" ٢.
وعند الواقدي: "أن أهل الطائف أخرجوا امرأة ساحرة، فاستقبلت الجيش بعورتها وذلك حين نزل النبي ﷺ يدفعون بذلك عن حصنهم"٣.
فلعل هذه المرأة الساحرة هي الواردة في حديث عكرمة.
١٦١- ما أخرجه الواقدي أن يزيد٤ بن زمعة بن الأسود خرج على فرس له فسأل ثقيفا الأمان يريد يكلمهم، فأعطوه الأمان، فلما دنا منهم رموه بالنبل فقتلوه.
وخرج هذيل بن أبي الصلت أخو أمية٥ بن أبي الصلت من باب الحصن، ولا يرى عنده أحدا، ويقال: إن يعقوب٦ بن زمعة كمن له فأسره حتى أتى به النبي ﷺ فقال: "قاتل أخي يا رسول الله! فسر رسول الله ﷺ حين أتى به إليه، فأمكنه النبي ﷺ فضرب عنقه" ٧.
_________________
(١) ١ انظر الحديث رقم (١٣٧) . ٢ أبو داود: كتاب المراسيل ص ٣٧. ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٢٦. ٤ هذا على قول الواقدي أن يزيد استشهد في الطائف وذكره ابن إسحاق فيمن استشهد في حنين. ٥ هو أمية بن أبي الصلت الثقفي الشاعر المشهور، وهو الذي صدقه النبي ﷺ في شعره حيث قال: قد كاد أمية أن يسلم قال ابن حجر:"لم يختلف أصحاب الأخبار أنه مات كافرا، وصح أنه عاش حتى رثى أهل بدر" (الإصابة ١/١٢٩) . ٦ يعقوب بن زمعة الأسدي (الإصابة ٣/٦٦٨) . ٧ مغازي الواقدي ٣/٩٢٦.
[ ٣٢٦ ]
١٦٢- ما أخرجه الواقدي أيضا: "أن رجلا من المشركين كان يقوم على حصن الطائف فيقول: "روحوا رعاء الشاء! روحوا جلابيب محمد! "١.
أترون نتباءس على أحبل٢ أصبتموها من كرومنا؟
فقال رسول الله ﷺ: "اللهم روح مروحا إلى النار".
قال سعيد بن أبي وقاص: "فأهوى له بسهم فوقع في نحره، وهوى من الحصن ميتا، قال: فرأيت النبي ﷺ قد سر بذلك" ٣.
هذا ما ذكرته المصادر عن قتلى المشركين، وقد ظهر من النصوص السابقة أن هذه الغزوة كانت من المواقع الشديدة بين المسلمين والمشركين، وقد أصيب المسلمون فيها بجراحات شديدة واستشهد عدد من الصحابة وقد وقع لثقيف المحاصرة قتل في الأرواح وحرق لثمارهم واشتد بأس المسلمين عليهم، واستمر حصارهم مدة من الزمن غير يسيرة٤، وعلى الرغم من ذلك كله لم تلن قناة المشركين من ثقيف ولم يستسلموا حتى تركهم المسلمون على ما هم عليه من عدم استسلامهم للمسلمين كما سنوضح ذلك في المبحث الآتي:
_________________
(١) ١ جلابيب: لقب من كان أسلم من المهاجرين، لقبهم بذلك المشركون، وأصل الجلابيب الأزر الغلاظ كانوا يلتحفون بها، فلقبوهم بذلك (لسان العرب ١/٢٦٥-٢٦٦) . ٢ أحبل: جمع حبلة - بفتح الحاء والباء- وهي الأصل أو القضيب من شجر الأعناب، والكروم: العنب (ابن الأثير: النهاية ١/٣٣٤) . ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٢٩-٩٣٠. ٤ تقدم الخلاف في مدة الحصار في مبحث (حصار الطائف) (٢٧٨) .
[ ٣٢٧ ]
المبحث الرابع: فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة
كانت مدة حصار الطائف تتراوح ما بين بضعة عشر يوما إلى أربعين يوما كما مر توضيح ذلك١.
وفي أثناء هذا الحصار كانت المفاوضة مستمرة بين رسول الله ﷺ وبين أهل الطائف.
١٦٣- فقد روى ابن عساكر٢ عن جابر بن عبد الله - ﵄ - قال: لقد بعث رسول الله ﷺ يوم الطائف حنظلة٣ بن الربيع إلى أهل الطائف فكلمهم فاحتملوه ليدخلوه حصنهم، فقال رسول الله ﷺ: "من لهؤلاء وله مثل أجر غزاتنا هذه"، فلم يقم إلا العباس بن عبد المطلب حتى أدركه في أيديهم قد كادوا أن يدخلوه الحصن فاحتضنه العباس، وكان رجلًا شديدًا، فاختطفه من أيديهم وأمطروا على العباس الحجارة من الحصن، فجعل النبي ﷺ يدعو له حتى انتهى به إلى النبي ﷺ ٤.
وذكر ابن الأثير وابن حجر عن يونس بن بكير عن ابن إسحاق أن رسول الله ﷺ بعث حنظلة بن الربيع إلى أهل الطائف يقول لهم أتريدون الصلح أم لا؟ ٥.
_________________
(١) ١ في مبحث حصار الطائف. (٢٧٨) . ٢ ابن عساكر: هو الإمام الحافظ الكبير محدث الشام فخر الأئمة ثقة الدين أبو القاسم علي بن الحسن بن هبة الله الدمشقي الشافعي صاحب التصانيف (التاريخ الكبير) (٤٩٩-٥٧١) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٣٢٨و١٣٣٣) . ٣ حنظلة بن الربيع بن صيفي - بفتح المهملة بعدها تحتانية ساكنة - التميمي الأسيدي - بضم الهمزة وفتح السين المهملة وكسر المثناة التحتنية المشددة - أبو ربعي المعروف بحنظلة الكاتب لأنه ممن كتب الوحي لرسول الله ﷺ وهو ابن أخي أكثم بن صيفي حكيم العرب، وهو القائل لأبي بكر الصديق نافق حنظلة (مات بعد علي معتزلا للفتنة) (أسد الغابة ٢/٦٥، واللباب ١/٦١ كلاهما لابن الأثير وتهذيب التهذيب ٣/٦٠ والإصابة ١/٣٥٩ والتقريب ١/٢٠٦ كلها لابن حجر) . ٤ كنْز العمال ١٠/٣٦١-٣٦٢ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٢ مع مسند أحمد كلاهما لعلاء الدين المتقي الهندي. ٥ أسد الغابة ٢/٦٥ والإصابة ١/٣٥٩ وتهذيب التهذيب ٣/٦٠.
[ ٣٢٨ ]
وعند ابن إسحاق أيضا من حديث عمرو بن شعيب قال: وتقدم أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة إلى الطائف فناديا ثقيفًا:
أن أمنونا١ حتى نكلمكم فأمنوهما، فدعوا نساء من نساء قريش وبني كنانة ليخرجن إليهما، وهما٢ يخافان عليهن السباء، فأبين، منهن٣: أمنة٤ بنت أبي سفيان، كانت عند عروة بن مسعود، له منها داود بن عروة، والفراسية بنت سويد بن عمرو بن ثعلبة٥، لها عبد الرحمن٦ بن قارب.
والفقمية٧ أميمة بنت الناسئ٨ أمية بن قلع، فلما أبين عليهما قال لهما ابن الأسود بن مسعود: "يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا أدلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني
_________________
(١) ١ وعند الوقدي: ٣/٩٢٩ فقالا: أمنوا حتى نتكلم. ٢ وعند الواقدي: "وهم يخافون السباء". ٣ وعند الواقدي: منهم ابنة أبي سفيان بن حرب". ٤ قال ابن هشام: "ويقال إن أم داود ميمونة بنت أبي سفيان، وكانت عند أبي مرة بن عروة بن مسعود فولدت له داود بن أبي مرة"، وكذا سماها ابن سعد وقال ابن حجر: "آمنة بنت أبي سفيان بن حرب بن أمية، ذكرها ابن إسحاق في غزوة الطائف وهي: أميمة بالتصغير، وكانت تحت صفوان بن أمية" (سيرة ابن هشام ٢/٤٨٣ والطبقات الكبرى لابن سعد ٨/٢٤٠، والإصابة لابن حجر ٤/٢٢٥ و٢٤١ و٣٥٨) . ٥ عند الواقدي: كانت عند قارب بن الأسود، لها منه عبد الرحمن بن قارب. ٦ عبد الرحمن بن قارب بن الأسود الثقفي، تابعي أرسل حديثا فذكره بعضهم في الصحابة. وأخرج من طريق أبي أوبيس عن إسحاق عن عبد الله بن مكرم عن عبد الرحمن بن قارب في قصة وفد ثقيف. قال البخاري وأبو حاتم: "هو مرسل". قال ابن حجر: "قلت: وقد تقدم في الربيع بن قارب أنه وفد على النبي ﷺ فحمله على ناقة وكساه برداء وسماه عبد الرحمن، فإن يكن هو هذا فالحكم على أن حديثه مرسل، وأنه تابعي مردود وإن يكن غيره فلا إشكال، ويريد بالمغايرة أن هذا ثقفي، وهذا عبسي، والله أعلم" (الإصابة ١/٥٠٥ و٢/٤١٨ و٣/١٥٤) . ٧ وعند الواقدي: وامرأة أخرى، ولم يسمها. ٨ النسيء: التأخير من تأخير الشهور بعضها إلى بعض: قال ابن إسحاق: "وكان أول من نسأ الشهور على العرب، فأحلت منها ما أحل، وحرمت منها ما حرم - القلمس وهو حذيفة بن عبد بن فقيم بن عدي بن عامر ابن ثعلبة بن الحارث بن مالك بن كنانة بن خزيمة، ثم قام بعده على ذلك ابنه عباد ابن حذيفة، ثم قام بعد عباد: قلع بن عباد، ثم قام بعد قلع أمية بن قلع، ثم قام بعد أمية: عوف بن أمية، ثم قام بعد عوف: أبو ثمامة جنادة بن عوف، وكان آخرهم وعليه قام الإسلام، وكانت العرب إذا فرغت من حجها اجتمعت إليه، فحرم الأشهر الأربعة: رجب وذا القعدة وذا الحجة، والمحرم فإذا أراد أن يحل منها المحرم فأحلوه، وحرم مكانه صفر فحرموه إلخ" (سيرة ابن هشام ١/٤٤) . وأبو ثمامة هذا ذكره ابن حجر في الإصابة ونقل عن السهيلي أنه وجد له خبرا يدل على إسلامه (الإصابة ١/٢٤٦-٢٤٧ و٤/٣٠ و١/٦٧ بناء على أنه قيل في اسمه أمية ذكره في القسم الأول.
[ ٣٢٩ ]
الأسود بن مسعود حيث علمتما وكان رسول الله ﷺ بينه وبين الطائف نازلا بواد يقال له العقيق"١.
إنه ليس بالطائف مال أبعد رشاء ولا أشد مؤنة ولا أبعد عمارة من مال بني الأسود، وإن محمدا إن قطعه لم يعمر أبدا، فكلماه فليأخذه لنفسه أو ليدعه لله والرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل، فزعموا أن رسول الله ﷺ تركه لهم.
وأخرج البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة قال: استأذن عيينة٢ بن حصن رسول الله ﷺ أن يأتي أهل الطائف يكلمهم لعل الله أن يهديهم،
_________________
(١) ١ في القاموس المحيط ٣/٢٦٦: العقيق موضع بالمدينة، وباليمامة وبالطائف وبتهامة وبنجد، وستة مواضع أخر وعند الواقدي: بواد يقال له العمق. قال ياقوت: "عمق - بفتح أوله وسكون ثانيه، وآخره قاف - واد من أودية الطائف نزله رسول الله ﷺ لما حاصر الطائف، وفيه بئر ليس بالطائف أطول رشاء منه (معجم البلدان ٤/١٥٦) . وقال البلادي في معجم المعالم الجغرافية ص ٢١٣-٢١٤ و٢١٦: "إذا كان يقصد نزول رسول الله ﷺ أثناء حصار الطائف فإنه لم يكن بالعقيق، وإنما كان بين الطائف ووج، والطائف أنذاك كان إلى الجنوب مما يعرف اليوم بباب الربع إلى جنوب غربي مسجد ابن عباس. وقد نصت نصوص كثيرة على أن رسول الله ﷺ كان نازلا في موضع مسجد عبد الله بن عباس اليوم، أما العقيق فواد إلى الشمال من الطائف، ويعرف بعقيق الطائف، وهو اليوم داخل فيها، ولا يمكن أن ينْزل العقيق من يريد حصار الطائف، كما أن رسول الله ﷺ جاء من الشمال ثم طوق الطائف من الجنوب، وذلك ليحيل بين ثقيف وبين مددهم من بني نصر القانطنين شرق وجنوب الطائف، وبين ثقيف أيضا وبين أموالهم في لية وما حولها. وقد علمنا أن العقيق في شمال الطائف ولو أراد رسول الله ﷺ أن ينزل فيه لما تجشم هذا التطويق الذي استلزم مدة ويومين على الأقل، ولكن يظهر أن رسول الله ﷺ عندما انسحب عن الطائف نزل العقيق، وكان مال بني الأسود لعله بوادي (لقيم) أو قربه فخافت ثقيف أن يقطع نخلة، وبهذا تستقيم الرواية، إذ أن رسول الله عندما انسحب كان طريقه على دحنا إلى الجعرانة وهذا يقضي أن يكون سلك من الطائف على أسفل العقيق ثم على لقيم ثم على دحنا ثم على الثنايا ثم على حنين ثم على الجعرانة". ٢ عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر بن عمرو بن جوية - بالجيم مصغرا - بن لوذان ابن ثعلبة بن عدي بن فزارة بن ذبيان بن بفيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس عيلان أبو مالك الفزاري، يقال: كان اسمه حذيفة فلقب عيينة لأنه كانت أصابته شجة فجحضت عيناه قال ابن السكن: له صحبة، وكان من المؤلفة، ولم يصح له رواية أسلم قبل الفتح وشهدها وشهد حنينا والطائف، وبعثه رسول الله ﷺ لبني تميم فسبى بعض بني العنبر، ثم كان ممن ارتد في عهد أبي بكر الصديق، ومال إلى طليحة فبايعه ثم عاد إلى الإسلام، وكان فيه جفاء سكان البوادي. دخل مرة على رسول الله ﷺ بدون إذن فقال له رسول الله ﷺ: "أين الإذن؟ " فقال: ما استأذنت على أحد من مضر". كان عيينة في الجاهلية يقود عشرة آلاف مسلح، وهو عم الحر بن قيس الرجل الصالح، ولعيينة بن حصن مواقف مع عمر بن الخطاب ومع عثمان ومواقفة في الإسلام غير محمودة وقد سماه رسول الله ﷺ الأحمق المطاع. (الاستيعاب ٣/١٦٧، وأسد الغابة ٤/٣٣١، والإصابة ٣/٥٤) . وانظر ترجمة الحر بن قيس في أسد الغابة لابن الأثير وأنه جاء إلى المدينة مع وفد بني فزارة بعد رجوع رسول الله ﷺ من تبوك.
[ ٣٣٠ ]
فأذن له فأتاهم فقال: "تمسكوا بمكانكم والله لنحن أذل من العبيد، وأقسم بالله لو حدث به١ حدث لتملكن العرب عزا ومنعة فتمسكوا بحصنكم وإياكم أن تعطوا بأيديكم، ولا يتكاثرن عليكم قطع هذه الشجر، ثم رجع فقال له رسول الله ﷺ: ماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم وأمرتهم بالإسلام ودعوتهم إليه وحذرتهم النار ودللتهم على الجنة. قال: "كذبت بل قلت لهم كذا وكذا. فقال: صدقت يا رسول الله أتوب إلى الله وإليك من ذلك" ٢..
والحديث أخرجه أبو نعيم وفي كليهما محمد٣ بن عمرو بن خالد الحراني أبو علاثة.
وأخرجه الواقدي ولفظه: وقال عيينة: "يا رسول الله، ائذن لي حتى آتي حصن الطائف فأكلمهم، فأذن له، فجاءه فقال: أدنو منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن٤ فقال: إذن فدنا فقال: ادخل فدخل عليهم الحصن، فقال فداؤكم أبي وأمي! والله لقد سرني ما رأيت منكم والله لو أن في العرب أحدا غيركم! والله ما لاقى محمد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن٥ لا تخافون قطعه! قال: فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن فإنا كرهنا دخوله، وخشينا أن يخبر محمدا بخلل إن رآه في حصننا، وقال أبو محجن: أنا كنت أعرف له، ليس منا أحد أشد على محمد منه وإن كان معه، فلما رجع إلى النبي ﷺ قال له: ما قلت لهم؟
_________________
(١) ١ الضمير في (به) يرجع لرسول الله ﷺ. ٢ البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٨ أ- ب وأبو نعيم: دلائل النبوة ص ٤٦٤ وابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٤٨-٣٤٩ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧، وانظر حديث (١٣٢) . ٣ لم أجد ترجمته وهو من شيوخ الطبراني وانظر المعجم الصغير للطبراني ٢/٣٩. ٤ أبو محجن الثقفي الشاعر مختلف في اسمه له صحبة، وهو الذي سجنه سعد بن أبي وقاص من أجل شربه الخمر وكان ذلك يوم القادسية، ولما دارت المعركة رحاها استأذن أبو محجن من زوجة سعد بن أبي وقاص أن تفكه من السجن وتعطيه فرس سعد وأعطاها العهد أن يعود من المعركة فقاتل قتال الأبطال وعاد إلى سجنه فعفا عنه سعد وتاب من شرب المسكرات (الإصابة ٤/١٧٣-١٧٦) . ٥ الواتن: الشيء الثابت الدائم في مكانه، والماء المعين الدائم (القاموس المحيط٤/٢٧٤) .
[ ٣٣١ ]
قال: "قلت ادخلوا في الإسلام، والله لا يبرح محمد عقر داركم حتى تنزلوا فخذوا لأنفسكم أمانا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم قينقاع والنضير وقريظة وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام فخذلتهم ما استطعت ورسول الله ﷺ ساكت عنه، حتى إذا فرغ من حديثه، قال له رسول الله ﷺ: "كذبت! قلت لهم كذا وكذا للذي قال. قال عيينة: "أستغفر الله! "
فقال عمر بن الخطاب ﵁: يا رسول الله، دعني أقدمه فأضرب عنقه، فقال رسول الله ﷺ: "لا يتحدث الناس أني أقتل أصحابي" ويقال: أن أبا بكر - ﵁ - أغلظ له يومئذ وقال: "ويحك يا عيينة! إنما أنت أبدا توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير وقريظة وخيبر، تجلب علينا وتقاتلنا بسيفك ثم أسلمت كما زعمت فتحرض علينا عدونا! "
قال: "أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه، لا أعود أبدا"١!
وكان استعصاء ثقيف وعدم استسلامهم في ذلك الوقت هو أن الله - جل وعلا - لم يأذن في فتح الطائف حينئذ وأن ثقيفًا ستأتي معلنة إسلامها وولاءها للمسلمين عما قريب بدون مشقة وقتال، ولذا فقد أشار رسول الله ﷺ على الصحابة بترك حصار الطائف ولما رأى في أصحابه الرغبة في مواصلة القتال والتصميم على الفتح، أذن لهم في ذلك وقال: اغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم جراحات شديدة من وقع نبال ثقيف فأعاد رسول الله ﷺ مقالته في ترك الحصار، ففرح الصحابة بذلك وعملوا أن ما رآه رسول الله ﷺ هو الصواب، وسارعوا إلى الرحيل، طالبين من رسول الله ﷺ أن يدعو على ثقيف جزاء صنيعهم السيئ ضد المسلمين، فقال ﷺ "اللهم اهد ثقيفا" وقد ذكر ابن كثير الحكمة في تأخير الفتح عامئذ فقال:
وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلا، لأنه قد تقدم أنه ﵇ لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ﷿ وذلك بعد موت عمه أبي طالب، فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهموما فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب، فإذا هو بغمامة وإذا فيها جبريل
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٢-٩٣٣.
[ ٣٣٢ ]
فناداه ملك الجبال، فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام وقد سمع قول قومك لك، وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله ﷺ: "بل أستأني بهم، لعل الله أن يخرج من أصلابهم مَنْ يعبده، لا يشرك به شيئًا". فناسب قوله: "بل أستأني أن لا يفتح حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل"١. إهـ.
وفيما يلي الأحاديث الواردة في هذا المقام:
١٦٤- أخرج ابن أبي شيبة فقال: حدثنا عبد الوهاب٢ الثقفي عن عبد الله٣ بن عثمان بن خشيم عن أبي الزبير٤ أن رسول الله ﷺ حاصر أهل الطائف فجاءه أصحابه فقالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم فقال: اللهم اهد ثقيفًا مرتين. قال: وجاءته خولة٥ فقالت: إن بنت خزاعى٦ ذات حلي فنفلني حليها إن فتح الله عليك الطائف غدا، قال: إن لم يكن أذن لنا في قتالهم، فقال رجل تراه عمر يا رسول الله ما مقامك على قوم لم يؤذن لك في قتالهم، قال: "فأذن في الناس بالرحيل فنزل الجعرانة فقسم بها غنائم حنين، ثم دخل منها بعمرة ثم انصرف إلى المدينة" ٧.
والحديث مرسل.
_________________
(١) ١ البداية والنهاية ٤/٣٥٢ والزرقاني: شرح المواهب ٣/٣٣ وانظر: حديث رقم (٠٨) . وانظر: ص ٣٣٩ تعليقة (٣) . ٢ عبد الوهاب بن عبد المجيد بن الصلت، الثقفي، أبو محمد البصري، ثقة تغير قبل موته بثلاث سنين، من الثامنة، (ت ١٩٤) /ع (التقريب ١/٥٢٨ وتهذيب التهذيب ٦/٤٤٩) . ورمز له الذهبي (بصح) إشارة إلى توثيقه وأنه لا يلتفت إلى ما قيل فيه (ميزان الاعتدال ٣/٦٨٠) . ٣ عبد الله بن عثمان بن خثيم - بالمعجمة والمثلثة، مصغرًا - القاري المكي أبو عثمان، صدوق، من الخامسة (ت١٣٢) / خت م ع (التقريب ١/٤٣٢ وتهذيب التهذيب ٥/٣١٤) . ٤ أبو الزبير هو محمد بن مسلم بن تدرس المكي، صدوق مدلس تقدم في حديث (١٠٩) . ٥ خولة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص بن مرة بن هلال بن فالج بن ذكوان بن ثعلبة بن بهثة بن سليم السلمية، امرأة عثمان بن مظعون، يقال كنيتها أم شريك. ويقال لها خويلة بالتصغير، وكانت صالحة فاضلة وهي التي وهبت نفسها للنبي ﷺ في قول بعض العلماء (الاستيعاب ٤/٢٨٩-٢٩٠ وأسد الغابة ٧/٩٣ والتقريب ٢/٥٩٦ وتهذيب التهذيب ١٢/٤١٥ والإصابة ٤/٢٩١ وطبقات ابن سعد ٨/١٥٨. ٦ في سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وكذا في الإصابة فقالت خولة: أعطني حلي بادية بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل وكانتا من أحلى نساء ثقيف) وعند الواقدي الفارعة بنت خزاعي ٣/٩٣٥. ٧ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥ و٨٦ ب رقم (٦٦٥) .
[ ٣٣٣ ]
ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا ولفظه: وأقبلت امرأة يقال لها خولة بنت حكيم وكانت ممن بايع رسول الله ﷺ وكانت تحت عثمان بن مظعون فدخلت على رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله ما يمنعك أن تنهض إلى أهل الطائف، قال: "لم يؤذن لنا حتى الآن فيهم، وماأظن أن نفتحها الآن"، فأقبل عمر بن الخطاب - ﵁ - فلقيها خارجة من عند رسول الله ﷺ فقال: هل ذكر لك رسول الله ﷺ شيئا، قالت: أخبرني أنه لم يؤذن له في قتال الطائف بعد، فلما رأى ذلك عمر بن الخطاب قال: يا رسول الله ألا تدعو الله على أهل الطائف وتنهض لعل الله يفتحها فإن أصحابك كثير وقد شق عليهم الحبس ومنعهم معاشهم، فقال رسول الله ﷺ: "لم يؤذن لنا في قتالهم" فلما رأى ذلك عمر قال: أفلا آمر الناس فلا يسرحوا ظهرهم حتى يرتحلوا بالغداة؟
قال: "بلى فانطلق عمر حتى أذن في الناس بالقفول وأمرهم أن لا يسرحوا ظهرهم، فأصبحوا فارتحل النبي ﷺ وأصحابه".
ودعا النبي - ﷺ - حين ركب قائلا: "اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.
١٦٥- وأخرجه ابن إسحاق بلاغا فقال: ثم إن خويلة بنت حكيم بن أمية بن حارثة بن الأوقص السلمية، وهي امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله أعطني إن فتح الله عليك الطائف حلي بادية٢ بنت غيلان بن سلمة أو حلي الفارعة بنت عقيل، وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فذكر لي أن رسول الله ﷺ قال لها: "وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ "
فخرجت خويلة فذكرت ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله ﷺ فقال: "يا رسول الله ماحديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أو ما أذن لك فيهم يا رسول الله؟
_________________
(١) ١ البيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ب وانظر ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيوطي: الخصائص الكبرى ٢/٩٧-٩٨ وانظر حديث (١٣٢) . ٢ بادية بنت غيلان بن سلمة الثقفي أسلمت عند إسلام أبيها ولها رواية. قال ابن حجر: "وقد حكى ابن منده: في ضبطها وجهين: (بادية) بالموحدة (ونادية) بالنون، وقال: إنه وهم، وحكى غيره فيها: بالموحدة أوّلها، ثم نون بعد الدال" (بادنة) الإصابة ٤/٢٤٩ وأسد الغابة ٧/٣٤. وقال السهيلي في الروض الأنف ٧/٢٧١ "وأما بادية بنت غيلان فقيل فيها" "بادنة" بالنون والصحيح "بادية بالياء".
[ ٣٣٤ ]
قال: لا، قال: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال: بلى، فأذن عمر بالرحيل"، فلما استقل الناس نادى سعيد١ بن عبيد بن أسيد بن أبي عمر بن علاج ألا إن الحي مقيم، قال: يقول عيينة بن حصن: أجل، والله مجدة كراما، فقال له رجل٢ من المسلمين: قاتلك الله يا عيينة، أتمدح المشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصر رسول الله ﷺ!
فقال: "إني والله ما جئت لأقاتل ثقيفا معكم، ولكني أردت أن يفتح محمد الطائف، فأصيب من ثقيف جارية أطؤها، لعلها تلد لي رجلا، فإن ثقيفا قوم مناكير"٣.
١٦٦- وأخرج ابن أبي شيبة قال: حدثنا حسين٤ بن علي عن زائدة٥ قال: قال عبد الملك٦، قال النبي ﷺ وهو محاصر ثقيفًا ما رأيت الملك منذ نزلت منزلي هذا، قال: "فانطلقت خولة بنت حكيم السلمية فحدثت ذلك عمر بن الخطاب،
_________________
(١) ١ هكذا ساق ترجمته ابن إسحاق والطبري والسهيلي وابن كثير والواقدي إلاّ أنه قال "سعد" بدل "سعيد". وقد تقدم في حديث (١٥٨) ص ٣٢٣ في سياق نسبه غير هذا. ٢ وعند الواقدي: فقال عمرو بن العاص: قاتلك الله، تمدح قوما مشركين بالامتناع من رسول الله ﷺ وقد جئت تنصره؟ فقال: "إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفًا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلا فإن ثقيف قوم مباركون. فأخبر عمرو النبي ﷺ بمقالته، فتبسم ﷺ ثم قال: "هذا الحمق المطاع". ٣ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٨٥. والسهيلي: الروض الأنف ٧/٢٣٧ وابن الأثير: الكامل ٢/١٨١. والواقدي: المغازي ٣/٩٣٥ والديار بكري: تاريخ الخميس ٢/١١١. والحلبي: السيرة الحلبية ٣/٨١ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ لابن كثير. ومناكير: أصحاب دهاء وفطنة (ابن الأثير: النهاية ٥/١١٥) . والفيروز آبادي: القاموس المحيط ٢/١٤٨) . ٤ الحسين بن علي بن الوليد الجعفي - بضم الجيم وسكون العين المهملة - المقرئ، ثقة عابد، من التاسعة (ت ٢٠٣ - أو ٢٠٤) / ع (التقريب ١/١٧٧ وتهذيب التهذيب ٢/٣٥٧) . ٥ زائدة بن قدامة الثقفي، أبو الصلت الكوفي، ثقة ثبت، صاحب سنة، من السابعة (ت١٦٠) وقيل بعدها / ع (التقريب ١/٢٥٦ وتهذيب التهذيب ٣/٣٠٦) . ٦ عبد الملك بن عمير بن سويد اللخمي، حليف بني عدي الكوفي، ويقال له: الفرسي - بفتح الراء والفاء ثم المهملة - نسبة إلى فرس له سابق، كان يقال له القبطي - بكسر القاف وسكون الموحدة وربما قيل ذلك أيضا لعبد الملك، ثقة فقيه، تغير حفظه وربما دلس من الثالثة (ت ١٣٦) / ع (التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤١١) .
[ ٣٣٥ ]
فأتى عمر النبي ﷺ فذكر له قولها، فقال: صدقت، فأشار عمر على النبي ﷺ بالرحيل، فارتحل النبي ﷺ" ١ والحديث مرسل ورجاله ثقات.
١٦٧- وأخرج ابن سعد قال: أخبرنا عمرو٢ بن عاصم الكلابي، أخبرنا أبو الأشهب٣ أخبرنا الحسن٤ قال: حاصر رسول الله ﷺ أهل الطائف، قال: فرمى رجل من فوق سورها فقتل، فأتى عمر فقال: "يا نبي الله ادع على ثقيف، قال: إن الله لم يأذن في ثقيف، قال: فكيف نقتل في قوم لم يأذن الله فيهم؟ قال: فارتحلوا، فارتحلوا٥.
والحديث مرسل، ورجاله ثقات.
وعند ابن إسحاق بلاغا أن رسول الله ﷺ قال لأبي بكر الصديق وهو محاصر ثقيفا: "يا أبا بكر، إني رأيت أني أهديت لي قعبة٦ مملوءة زبدا، فنقرها ديك فهراق ما فيها". فقال أبو بكر: "ما أظن أن تدرك منهم يومك هذا ما تريد"، فقال رسول الله ﷺ: "وأنا لا أرى ذلك" ٧.
١٦٨- وروى الواقدي من حديث أبي هريرة ﵁ قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله ﷺ نوفل٨ بن معاوية الديلي، فقال: "يا نوفل ما تقول أو ترى؟ "
_________________
(١) ١ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٦ و٨٧ أرقم (٦٦٥) . ٢ عمرو بن عاصم: صدوق تقدمت ترجمته في حديث (٧١) . ٣ أبو الأشهب: هو جعفر بن حيان، ثقة، تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) . ٤ الحسن: هو البصري، ثقة فقيه، فاضل مشهور تقدمت ترجمته في حديث (١٥٦) ومرسله ضعيف عند العلماء (انظر تدريب الراوي للسيوطي ص ١٢٣-١٢٤) . ٥ الطبقات الكبرى ٢/١٥٩. ٦ قعبة: القعب: القدح الضخم الجافي، أو إلى الصغر، أو يروي الرجل، جمع أقعب وقعاب وقعبة. والزبد: بضم الزاي وسكون الموحدة: زبد اللبن القاموس المحيط ١/١١٨و٢٩٧) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٤ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٤ والروض الأنف ٧/٢٣٦، ومغازي الواقدي ٣/٩٣٦ وتقدم الحديث برقم (١٦٤) . ٨ نوفل بن معاوية بن عروة بن صخر الديلي - بكسر المهملة وسكون التحتانية - أبو معاوية شهد بدرًا والخندق مع المشركين وكان له ذكر ونكاية. ثم أسلم وشهد الفتح وحنينا والطائف، ونزل المدينة فمات بها في خلافة معاوية وقيل في أول خلافة يزيد، عاش نوفل مائة وعشرين سنة، ستون سنة في الجاهلية وستون سنة في الإسلام (التقريب ٢/٣٠٩ وتهذيب التهذيب ١٠/٤٩٢) .
[ ٣٣٦ ]
فقال نوفل يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته، وإن تركته لم يضرك شيئا".
قال أبو هريرة: "ولم يؤذن لرسول الله ﷺ في فتحها"١.
وعنده أيضا: "قال: قال أبو محجن بن حبيب بن عمرو بن عمير الثقفي، وهو على حصن الطائف: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لاقيتم أحدا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشر محبس، ثم تنصرفون لم تدركوا شيئا مما تريدون.
نحن قسي وقسا أبونا
والله لا نسلم ما حيينا٢
وقد بنينا طائفا حصينا
فناداه عمر: "يا ابن حبيب والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج، فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك".
فقال عمر: "لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، ولن نبرح عن باب جحرك حتى تموت! "
قال: يقول أبو بكر: "يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ "
فقال: نعم، فجاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: "لم يؤذن لك يا رسول الله في فتحها؟ قال: "لا".قال: أفلا أؤذن في الناس بالرحيل! قال رسول الله ﷺ: "بلى" فأذن عمر بالرحيل، فجعل المسلمون يتكلمون، يمشي بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف!
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٦-٩٣٧ وطبقات ابن سعد ٢/١٥٩ وزاد المعاد ٣/٤٩٧ والبداية والنهاية ٤/٣٥٠ والسيرة الحلبية ٣/٨٢ وفتح الباري ٨/٤٥) . ٢ في مغازي الواقدي: "نحن قسي وأبونا قسا" وهذا لا يستقيم مع ما بعده وقد صوبتها من أنساب الأشراف للبلاذري الذي هو تلميذ ابن سعد المعروف، بكاتب الواقدي، وانظر أنساب الأشراف ص ٣٦٧.
[ ٣٣٧ ]
لا نبرح حتى يفتح الله علينا؟ والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا قد لقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرق الله تلك الجموع! وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا! وكثر القول بينهم والاختلاف، فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا، فقال أبو بكر - ﵁ -: الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى وقال: قد رأينا الحديبية ودخلني في الحديبية من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله ﷺ يومئذ بكلام ليت أني لم أفعل، وأن أهلي ومالي ذهبا ثم كانت الخيرة لنا من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرًا للناس من صلح الحديبية – بلا سيف دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل – من يوم بعث رسول الله ﷺ إلى يوم كتب الكتاب، فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله ﷺ ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدا! والأمر أمر الله وهو يوحي إلى نبيه ما يشاء! ١.
وهذه الآثار تدل على أن رسول الله ﷺ لم يؤذن له في فتح الطائف، وقد تقدم ما نقله ابن كثير من الحكمة في ذلك٢.
ولذا فإن رسول الله ﷺ لما رأى صعوبة الموقف وتأزم الأمور وكثرة الإصابات في أصحابه، أشار إليهم بترك الحصار والرجوع إلى الجعرانة ولكن لما رأى تحمس أصحابه وتصميمهم على الفتح ورغبتهم في ذلك واصل بهم حتى وافقوا في نهاية المطاف وعلموا أن المصلحة فيما رآه رسول الله ﷺ وهذا هو صريح حديث الصحيحين وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
١٦٩- حدثنا علي٣ بن عبد الله حدثنا سفيان عن عمرو عن أبي العباس الشاعر الأعمى عن عبد الله٤ بن عمرو قال: لما حاصر رسول الله ﷺ الطائف،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٥-٩٣٦. ٢ ص ٣٣٢. ٣ علي بن عبد الله هو ابن المديني، وسفيان: هو ابن عيينة، وعمرو: هو ابن دينار، وأبو العباس: هو السائب بن فرخ المكي الأعمى. ٤ اختلف في هذا الحديث هل هو عن عبد الله بن عمرو بن العاص أو عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ومدار الحديث على سفيان بن عيينة، وقد اختلف فيه عليه، فمنهم من قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، ومنهم من رواه عبد الله بن عمرو بن العاص ومنهم من رواه بالشك، وقد رجح كونه عن عبد الله بن عمر بن الخطاب: يحيى بن معين، والدارقطني، وأبو زيد المروزي، وأبو بكر البرقاني قال ابن حجر: واخرج الحديث الطبراني من رواية إبراهيم بن يسار وهو ممن لازم ابن عيينة جدا، والذي قال عن ابن عيينة في هذا الحديث: "عبد الله بن عمر" وهم الذين سمعوا منه متأخرًا كما نبه عليه الحاكم، وقد بالغ الحميدي في إيضاح ذلك فقال في مسنده في روايته لهذا الحديث عن سفيان "عبد الله بن عمر بن الخطاب" وأخرجه البيهقي في الدلائل من طريق عثمان الدارمي عن عليّ بن المديني قال: "حدثنا به سفيان غير مرة يقول عبد الله بن عمر بن الخطاب لم يقل عبد الله بن عمرو بن العاص. وعند أبي عوانة: بلغني أن إسحاق بن موسى الأنصاري وغيره قالوا": "عبد الله بن عمرو" ورواه عنه - أي سفيان - من أصحابه ممن يفهم ويضبط فقالوا: "عبد الله ابن عمر". وعند أحمد في هذا الحديث: فقيل لسفيان: ابن عمرو، قال: لا. ابن عمر (شرح النووي لصحيح مسلم ٤/٤٠٩ وفتح الباري ٨/٤٤-٤٥ و١٠/٥٠٥) .
[ ٣٣٨ ]
فلم ينل منهم شيئا، قال: إنا قافلون إن شاء الله، فثقل١ عليهم وقالوا: نذهب ولا نفتحه٢، وقال مرة: نقفل، فقال: اغدوا على القتال، فغدوا، فأصابهم جراح، فقال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فأعجبهم فضحك٣ ﷺ. وقال سفيان مرة: فتبسم. قال: قال الحميدي: حدثنا سفيان بالخبر كله٤.
ورواه عن قتيبة بن سعيد حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار به ولفظه لما كان رسول الله بالطائف قال: إنا قافلون غدا إن شاء الله، فقال ناس من أصحاب رسول الله ﷺ: لا نبرح أو نفتحها٥، فقال النبي ﷺ: "فاغدوا على القتال، فغدوا
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "فكان المسلمون كرهوا ذلك". ٢ وعند مسلم: قال أصحابه "نرجع ولم نفتحه". وعند ابن أبي شيبة: "فقال المسلمون نرجع ولم نفتحه". وعند أبي يعلى فقال أصحابه: "نرجع ولم نفتح". وعند أبي عوانة فقال المسلمون: "نرجع ولم نفتحه". ٣ قال النووي::معنى الحديث أنه ﷺ قصد الشفقة على أصحابه والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويتهم، مع أنه ﷺ علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا بلا مشقة، كما جرى، فلما رأى حرص أصحابه على المقام والجهاد أقام، وجد في القتال، فلما أصابتهم الجراح رجع إلى مكان قصده أولا من الرفق بهم ففرحوا بذلك، لما رأوا من المشقة الظاهرة، ولعلهم نظروا فعلموا أن رأي النبي ﷺ أبرك وانفع وأحمد عاقبة وأصوب من رأيهم، فوافقوا على الرحيل، وفرحوا، فضحك النبي ﷺ تعجبا من سرعة تغير رأيهم" شرح صحيح مسلم ٤/٤١٠) وشرح المواهب ٣/٣٣. ٤ البخاري: الصحيح ٥/١٢٨ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف. ٥ قوله: (لا نبرح أو نفتحها) قال ابن التين: "ضبطناه بالرفع والصواب: النصب، لأن "أو" إذا كانت بمعنى "حتى أو إلى أن نصبت"، وهي هنا كذلك (فتح الباري ١٠/٥٠٥) . وانظر: قطر الندى لابن هشام ص:٦٨،وشرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ٢/٣٤٦.
[ ٣٣٩ ]
فقاتلوهم قتالا شديدا، وكثر فيهم الجراحات، فقال رسول الله ﷺ: "إنا قافلون غدا إن شاء الله، قال فسكتوا١، فضحك رسول الله ﷺ".
ورواه عن عبد الله بن محمد٢ حدثنا ابن عيينة عن عمرو بن دينار به، ولفظه قال: "حاصر النبي ﷺ أهل الطائف فلم يفتحها، فقال: إنا قافلون إن شاء الله، فقال المسلمون: "نقفل ولم نفتح؟ " قال: فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابتهم٣ جراحات، قال النبي ﷺ: "إنا قافلون غدا إن شاء الله، فكأن٤ ذلك أعجبهم، فتبسم رسول الله ﷺ" ٥.
ورواه مسلم والحميدي وابن أبي شيبة وأحمد وأبو يعلى وأبو عوانة والبيهقي كلهم من طريق سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار به٦.
وعند الواقدي من حديث أبي هريرة قال: "وأمر رسول الله ﷺ عمر ابن الخطاب فأذن في الناس بالرحيل فضج الناس من ذلك وقالوا: نرحل ولم يفتح علينا الطائف؟ فقال رسول الله ﷺ: "فاغدوا على القتال"، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات فقال رسول الله ﷺ: "إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا وجعلوا يرحلون ورسول الله ﷺ يضحك، وقال لهم رسول الله ﷺ: قولوا لا إله إلا الله وحده صدق وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده".
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "فسر المسلمون، وضحك رسول الله ﷺ". ٢ هو أبو بكر بن أبي شيبة. ٣ وعند الحميدي "فأصابتهم جراحة شديدة". ٤ وعند الحميدي "فكأنهم اشتهوا ذلك وسكنوا إليه، قال: فضحك رسول الله ﷺ. ٥ البخاري: الصحيح ٨/٢٠ كتاب الآداب، باب التبسم والضحك و٩/١١٣ كتاب التوحيد، باب في قوله الله تعالى: تؤتي الملك من تشاء إلخ. ٦ مسلم: الصحيح ٣/١٤٠٢ كتاب الجهاد والسير، باب غزوة الطائف. الحميدي: المسند ٢/٣٠٩، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٥و ٨٦ أرقم ٦٦٥. وأحمد: المسند ٢/١١، وأبو يعلى: المسند ٥/٥٢٩ أرقم (٣٠٥) . وأبو عوانة: المسند ٤/٢١٣ و٢١٤، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٤٩ أ - ب.
[ ٣٤٠ ]
فلما ارتحلوا واستقلوا قال: "قولوا آيبون تائبون لربنا حامدون" ١.
وقيل: "يا رسول الله ادع على ثقيف، فقال: اللهم اهد ثقيفا وآت بهم" ٢.
وحديث الدعاء على ثقيف أخرجه الترمذي وأحمد من حديث أبي الزبير، مسندا، وابن أبي شيبة مرسلا.
١٧٠- وهذا سياق الترمذي: حدثنا أبو سلمة٣ يحيى بن خلف أخبرنا عبد الوهاب٤ الثقفي عن عبد الله بن عثمان بن خيثم عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: قالوا: "يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال: "اللهم أهد ثقيفا" ٥. ثم قال الترمذي: "هذا حديث حسن صحيح غريب".
قال الألباني: "هذا الحديث على شرط مسلم ولكنه من رواية أبي الزبير معنعنا وهو مدلس".
_________________
(١) ١ هكذا ذكر هذا الدعاء الواقدي وابن سعد في هذه الغزوة، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن عمر ما يشهد لهذا ولفظه: قال ابن عمر: "كان رسول الله ﷺ إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ثم يقول: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون. صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده". (البخاري ٣/٧ كتاب العمرة، باب ما يقول إذا رجع من الحج أو العمرة أو الغزو) . و٤/٦١ كتاب الجهاد، باب ما يقول إذا رجع من الغزو. و٥/٩٣ كتاب المغازي، باب غزوة الخندق، و٨/٦٩ كتاب الدعوات، باب الدعاء إذا أراد سفرًا أو رجع. ومسلم ٢/٩٨٠ كتاب الحج، باب ما يقول إذا قفل من سفر الحج وغيره. ورواه مالك في الموطأ ١/٤٢١ كتاب الحج، باب جامع الحج. ٢ الواقدي: المغازي ٣/٩٣٦-٩٣٧، وابن سعد: الطبقات الكبرى ٢/١٥٩ والزرقاني شرح المواهب ٣/٣٤ وانظر الحديث رقم (١٦٧) . ٣ يحيى بن خلف الباهلي، أبو سلمة البصري، الجوباري - بجيم مضمومة وواو ساكنة ثم موحدة - صدوق من العاشرة (ت ٢٤٢) /م د ت ق (التقريب ٢/٣٤٦ وتهذيب التهذيب ١١/٢٠٤) . ٤ عبد الوهاب ثقة، وعبد الله بن عثمان صدوق، وقد تقدمت ترجمتها في حديث (١٦٤) . ٥ الترمذي: السنن ٥/٣٨٥-٣٨٦ كتاب المناقب، باب في ثقيف وبني حنيفة.
[ ٣٤١ ]
وقد تابعه عبد الرحمن١ بن سابط عند أحمد، ولكنه لم يسمع من جابر، كما قال ابن معين٢.
وهذا سياق حديث أحمد المشار إليه قال:
حدثنا محمد٣ بن الصباح ثنا إسماعيل٤ بن زكريا عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط وأبي الزبير عن جابر - ﵁ - قال: قال رسول الله ﷺ: "اللهم اهد ثقيفًا".
قال عبد الله٥: "وسمعته أنا من محمد بن الصباح، فذكر مثله"٦.
وهذه المتابعة لا تجدي شيئا لأن عبد الرحمن بن سابط لم يسمع من جابر فيكون الحديث منقطعا.
وأورد الذهبي هذا الحديث في ترجمة إسماعيل بن زكريا ثم قال: تفرد به عن عبد الله بن عثمان بن خثيم عن عبد الرحمن بن سابط عن جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم٧.
والحديث رواه ابن أبي شيبة عن عبد الوهاب الثقفي عن عبد الله ابن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير مرسلًا٨.
_________________
(١) ١ عبد الرحمن بن سابط، ويقال عبد الرحمن بن عبد الله بن سابط وهو الصحيح ثقة كثير الإرسال من الثالثة (ت ١١٨) م د ت س ق (التقريب ١/٤٨٠ وتهذيب التهذيب ٦/١٨٠) . ٢ حاشية مشكاة المصابيح ٣/١٦٩٠ وحاشية فقه السيرة للغزالي ص ٤٣٢ ودفاع عن الحديث النبوي والسيرة في الرد على البوطي ٧-٨ و٣٤-٣٥ وانظر: تهذيب التهذيب ٦/١٨٠. ٣ محمد بن الصباح الدولابي، أبو جعفر البغدادي، صاحب السنن- ثقة حافظ، من العاشرة (ت ٢٢٧) /ع (التقريب ٢/١٧١ وتهذيب التهذيب ٩/٢٢٩) . ٤ إسماعيل بن زكريا بن مرة، الخلقاني - بضم المعجمة وسكون اللام بعدها قاف- أبو زياد الكوفي، لقبه شقوصا- بفتح المعجمة وضم القاف الخفيفة وبالمهملة - صدوق يخطئ قليلا، من الثامنة (ت ١٧٤ وقيل قبلها) / ع (المصدر السابق ١/٦٩و١/٢٩٧ وتاريخ بغداد ٦/٢١٨ وميزان الاعتدال ١/٢٢٩) . وقد وقع في التقريب أن وفاة إسماعيل ٩٤ أي بعد المائة وهو خطأ. ٥ عبد الله هو ابن أحمد بن حنبل. ٦ مسند أحمد ٣/٣٤٣. ٧ ميزان الاعتدال ١/٢٢٨-٢٢٩. ٨ تاريخ ابن أبي شيبة ص ٨٥و٨٦ ب رقم ٦٦٥ وانظر حديث رقم (١٦٤) .
[ ٣٤٢ ]
وأخرج البيهقي عن عروة بن الزبير مرسلا أن رسول الله ﷺ دعا حين ركب فقال: "اللهم أهدهم واكفنا مؤنتهم" ١.
والخلاصة أن الدعاء لثقيف رواه ابن سعد من مرسل الحسن البصري٢ وساقه مرة أخرى بدون إسناد، ورواه الترمذي وأحمد مسندا من حديث أبي الزبير، ورواه عنه ابن أبي شيبة مرسلًا.
وأبو الزبير مدلس وقد عنعن٣.
وتابعه عبد الرحمن بن سابط عند أحمد، ولكن جزم ابن معين بأن عبد الرحمن لم يسمع من جابر، فيكون الحديث منقطعا.
وساقه ابن إسحاق بدون إسناد٤.
ورواه البيهقي من طريق ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة مرسلا. وفيه أيضا أبو علاثة٥.
فالحديث له ثلاث طرق: طريق أبي الزبير وقد عنعن وهو مدلس.
وابن إسحاق ساقه بدون إسناد، وهو من صغار التابعين فيكون الحديث معضلا. وطريق البيهقي، وفيها الإرسال، وراو لم توجد ترجمته. وطريق ابن سعد من مرسل الحسن البصري، ومرسله ضعيف عند العلماء، فالحديث بجميع طرقه ضعيف.
وهذه الآثار تدل على رحمة الرسول ﷺ وشفقته، حتى مع ألد أعدائه حيث طلب منه الصحابة أن يدعو على ثقيف. فدعا لهم بالهداية وقد استجاب الله دعاءه وجاءوا مسلمين بعد ذلك بدون عناء أو مشقة.
_________________
(١) ١ دلائل النبوة ٣/٤٩ ب وانظر حديث (١٣٨) . ٢ تقدم الحديث برقم (١٦٧) . ٣ وقد وضعه ابن حجر في المرتبة الثالثة من مراتب المدلسين وهذه المرتبة لمن أكثر من التدليس ولم يحتج من أحاديثهم إلا بما صرحوا فيه بالسماع، ومنهم من رد حديثهم مطلقا، ومنهم من قبلهم. (انظر: طبقات المدلسين ص ٧و ٣٢) . ٤ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ والبداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٥٠ و٣٥٢ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٣و٣٥ و٤/٦. ٥ هو محمد بن عمرو بن خالد الحراني، لم أجد ترجمته.
[ ٣٤٣ ]
وقد ذكر ابن إسحاق أن طريق رسول الله ﷺ حين خرج من الطائف كانت على دحنا١ حتى نزل الجعرانة فيمن معه من الناس، وكان بها سبي هوازن ٢.
وعند الواقدي فأخذ على دحنا ثم على قرن المنازل، ثم على نخلة حتى خرج إلى الجعرانة٣.
١٧١- وأخرج الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله ٤ بن أبي بكر أن رجلا من أصحاب النبي ﷺ ممن شهد معه حنينا قال: والله إني لأسير إلى جنب رسول الله ﷺ على ناقة لي، وفي رجلي نعل غليظة إذا زحمت ناقتي ناقة رسول الله ﷺ، ويقع حرف نعلي على ساق رسول الله ﷺ فأوجعه، قال: فقرع قدمي بالسوط، وقال: "أوجعتني فتأخر عني فانصرفت"، فلما كان الغد إذا رسول الله ﷺ يلتمسني، وقال: قلت: هذا والله لما كنت أصبت من رجل رسول الله ﷺ بالأمس، قال: فجئته وأنا أتوقع فقال لي: "إنك قد أصبت رجلي بالأمس، فأوجعتني فقرعت قدمك بالسوط، فدعوتك لأعوضك منها، فأعطاني ثمانين نعجة، بالضربة التي ضربني" ٥.
والحديث فيه عنعنة ابن إسحاق، وفيه انقطاع فإن عبد الله بن أبي بكر لم أجد في ترجمته أنه روى عن أحد من الصحابة سوى أنس بن مالك.
وعند الواقدي وابن سعد نحو هذه القصة٦ وأن صاحبها هو أبو رهم٧ الغفاري، لكن ذكر ابن عبد البر وابن الأثير وابن حجر: "أن أبا رهم الغفاري
_________________
(١) ١ دحنا - بفتح أوله وسكون ثانية، ونون، يروى مقصورا وممدودا، وهي من مخاليف الطائف (معجم البلدان ٢/٤٤٤) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٨٦ والروض الأنف ٧/٢٤١. ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩. ٤ عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم الأنصاري، المدني، ثقة من الخامسة (ت ١٣٥) / ع (التقريب ١/٤٠٥، وتهذيب التهذيب ٥/١٦٤) . ٥ الطبري: تاريخ الرسل ة الملوك ٣/٩٣. ٦ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩ والطبقات الكبرى لابن سعد ٤/٢٤٤. ٧ هو كلثوم بن الحصين أبو رهم - بضم الراء - صحابي مشهور من أصحاب الشجرة أسلم قديما وشهد أحد واستخلفه النبي ﷺ على المدينة مرتين، مرة في عمرة القضاء، ومرة في غزوة الفتح في خروجه إلى مكة وحنين والطائف فلم يزل أميرا عليها حتى انصرف رسول الله ﷺ من الطائف (الاستيعاب ٣/٣١٦ و٤/٦٩ مع الإصابة، وأسد الغابة:٤/٤٩٣و٦/١١٧، والإصابة ٤/٧٠-٧١ والتقريب ٢/١٣٦، وتهذيب التهذيب ٨/٤٤٣) .
[ ٣٤٤ ]
استخلفه رسول الله ﷺ على المدينة عند خروجه إلى غزوة الفتح فلم يزل عليها حتى انصرف رسول الله ﷺ عن الطائف"١.
وقد حصلت نحو هذه القصة لأبي رهم ولكن في غزوة تبوك جاء ذلك عند الإمام أحمد في مسنده ولفظه:
١٧٢- قال أبو رهم الغفاري: غزوت مع النبي ﷺ غزوة تبوك فلما فصل سرى ليلة فسرت قريبا منه وألقي علي النعاس فطفقت أستيقظ وقد دنت راحلتي من راحلته فيفزعني دنوها خشية أن أصيب رجله في الغرز فأوخر راحلتي حتى غلبتني عيني نصف الليل فركبت راحلتي راحلته ورجل النبي ﷺ في الغرز فأصابت رجله فلم أستيقظ إلا بقوله حس٢، فرفعت رأسي، فقلت: استغفر لي يا رسول الله" الحديث٣.
والحديث ضعيف لأن فيه ابن أخي أبي رهم٤.
وعند الواقدي أيضا أن مثل هذا حصل لعبد الله بن أبي حدرد في مسير رسول الله ﷺ من الطائف إلى الجعرانة، فقال: وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي يقول: كنت مع النبي ﷺ في مسيرة وهو يحادثني، فجعلت ناقتي تلصق بناقته، وكانت ناقتي شهمة ٥ فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعني، فلصقت بناقة النبي ﷺ وأصيبت رجله فقال: "أخ٦! أوجعتني! فرفع رجله من الغرز٧ كأنها جمارة، ودفع رجلي بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينْزل في عذاب".
_________________
(١) ١ انظر المصادر السابقة. ٢ حس - بكسر السين والتشديد، وفتح الحاء المهملة - كلمة يقولها الإنسان إذا أصابه ما مضة أو أحرقه غفلة، كالجمرة والضربة ونحوهما. (النهاية في غريب الحديث ١/٣٨٥) . ٣ مسند أحمد ٤/٣٤٩-٣٥٠. ٤ قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٥٣٤ ابن أخي أبي رهم "مقبول" من شيوخ الزهري، من السادسة / ع وانظر تهذيب التهذيب ١٢/٣١٨. ٥ شهمة: أي جلدة (مختار الصحاح ص ٣٥٠) . ٦ أخ: بفتح الهمزة وسكون الخاء: كلمة تكره وتأوه (القاموس المحيط ١/٢٥٦) . ٧ الغرز: ركاب كور الجمل إذا كان من جلد أو خشب، وقيل: هو الكور مطلقا مثل الركاب للسرج. والجمارة: قلب النخلة وشحمها شبه ساقه ﷺ ببياضها، والمحجن: عصا معقفة الرأس (النهاية في غريب الحديث ١/٢٩٤و٣٤٧، ٣/٣٥٩) .
[ ٣٤٥ ]
قال: فلما نزلنا قلت لأصحابي: إني أرعى لكم! ولم يكن ذلك يوم رعيتي، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغيني؟
فقالوا: رسول الله ﷺ جاء يبغيك، فقلت في نفسي: هي والله هي! قلت: من جاء؟
قالوا رجل من الأنصار، قال: فكان أكره إلي وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة، قال: ثم جاء بعد رجل من قريش يبتغيني، قال: فخرجت خائفا حتى واجهت رسول الله ﷺ، فجعل يبتسم في وجهي وقال: أوجعتك بمحجني البارحة، ثم قال: خذ هذه القطة من الغنم، قال: فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة١.
ثم قال الواقدي أيضا: وكان أبو زرعة٢ الجهني يقول: "لما أراد ﷺ أن يركب من قرن راحلته القصواء وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطوى، فركب على الرحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف الناقة بالسوط كل ذلك يصيبني، فالتفت إلي فقال: أصابك السوط؟ قلت: نعم بأبي وأمي! قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة٣ من الغنم ناحية من الغنائم فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا! قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس، قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس، قال: فتأثلت٤ بها مالًا٥.
١٧٣- وعند الواقدي أيضا من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: اعترض لرسول الله ﷺ رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله ﷺ على راحلته، فقال: يا رسول الله، هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟
قال: رجل من أسلم، قال: إني لا أقبل هدية مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب لما لي بعينه مصدقا،
_________________
(١) ١ مغازي الواقدي ٣/٩٣٩-٩٤٠ وقوله: شاة ضائنة: أي من الضأن وهي الشاة من الغنم، وهي خلاف المعز (النهاية لابن الأثير ٣/٦٩) . ٢ هو: معبد بن خالد الجهني أبو زرعة (انظر الإصابة ٣/٤٣٩) . ٣ الربضة - بكسر الراء وسكون الموحدة: الجماعة من الغنم والناس، والأصل للغنم. (لسان العرب٩/٩) . ٤ تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره (المصدر السابق١٣/٨) . ٥ مغازي الواقدي ٣/٩٤٠.
[ ٣٤٦ ]
قال: وأقبل بريدة فلحق النبي ﷺ، فقال: صدق يا رسول الله، هذا من قومي شريف ينزل بالصفاح١، قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع٢ من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فالحقنا بالجعرانة، قال: فخرج يعدو عراض٣ ناقة رسول الله وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معي إلى الجعرانة؟
فقال رسول الله ﷺ: "لا تسقها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنما أخرى إن شاء الله. قال: يا رسول الله تدركني الصلاة وأنا في عطن٤ الإبل، أفأ صلي فيه؟ قال: لا، قال: فتدركني وأنا في مراح٥ الغنم، فأصلي فيه؟ قال: نعم، قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟
_________________
(١) ١ الصفاح - بالكسر وآخره حاء مهملة: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش (معجم البلدان ٣/٤١٢) . وقال عاتق البلادي: "الصفاح: أرض خارج حدود الحرم على طريق العراق، إذا خرجت من أنصاب الحرم متجاوزا ثنية خل سرت فيها، وهي جرد أبيض سيله جنوبا إلى المغمس ثم عرنة، ويشرف عليها من الشمال جبل الستار ويغذيها بقسم كبير من مياهه". (معالم مكة المكرمة التاريخية والأثرية ص ١٥٣) . ٢ أمرع الوادي: اكلأ، والمريع: الخصيب المكلئ، كالمراع، جمع أمرع وأمراع، ومرع الوادي مثلثة الراء مراعة أكلأ كأمرع (مختار الصحاح ص ٦٢٢ والقاموس المحيط ٣/٨٤ والمعجم الوسيط ٢/٨٦١) . ٣ عراض: بكسر المهملة أي يسير حذاءه معارضا له (النهاية ٣/٢١١) . ٤ العطن: بالتحريك مبرك الإبل حول الحوض، ومربض الغنم حول الماء لتعاد للشرب مرة ثانية (النهاية ٣/٢٥٨ والقاموس المحيط ٤/٢٤٨) . ٥ المراح: بضم الميم: حيث تأوى إليه الماشية بالليل، مختار الصحاح ص ٢٦٢، والمصباح المنير ١/٢٨٨-٢٨٩) . وقد جاء الأمر بالصلاة في مرابض الغنم والنهي عنها في أعطان الإبل، في حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل". أخرجه الترمذي في سننه ١/٢١٧-٢١٨ كتاب الصلاة وقال: حسن صحيح.
[ ٣٤٧ ]
ق ال: نعم، ويتيمم١، قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض، قال: تيمم، قال: فلحق النبي ﷺ بالجعرانة فأعطاه مائة شاة٢.
موقف سراقة
وكان ممن اعترض رسول الله ﷺ في طريقه إلى الجعرانة: سراقة بن مالك بن جعشم وكان معه كتاب رسول الله ﷺ الذي كتبه له في أثناء هجرته ﷺ إلى المدينة، توضح ذلك الأحاديث الآتية:
١٧٤- قال الواقدي: وقال سراقة٣ بن جعشم: لقيت رسول الله ﷺ وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت٤، والناس يمضون أمامه أرسالًا٥، فوقعت في مقنب٦ من خيل الأنصار فجعلوا يقرعوني٧ بالرماح ويقولون: إليك! إليك! ما أنت؟
وأنكروني، حتى إذا دنوت وعرفت أنه يسمع صوتي أخذت الكتاب الذي كتبه
_________________
(١) ١ وقد جاء في حديث أبي ذر الغفاري أن رسول الله ﷺ قال: "إن الصعيد الطيب طهور المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته، فإن ذلك خير". رواه الترمذي ١/٨١ كتاب الطهارة، باب التيمم للجنب وصححه. ٢ مغازي الواقدي ٣/٩٤١-٩٤٢. ٣ سراقة بن مالك بن جعشم - بضم الجيم والمعجمة بينهما عين مهملة - ابن مالك ابن عمرو بن تيم بن مدلج - بضم الميم وسكون الدال المهملة وكسر اللام آخره جيم - ابن مرة بن مناة بن كنانة الكناني المدلجي يكنى أبا سفيان صحابي مشهور كان ينزل قديدا، كان من مسلمة الفتح كذا ذكره ابن حجر، وعند ابن إسحاق أنه أسلم في الجعرانة. مات سراقة سنة ٢٤ في خلافة عثمان وقيل بعد عثمان. (الطبقات الكبرى لابن سعد ١/١٨٨و٢٣٢ و٥/٩٠ والاستيعاب لابن عبد البر ٢/١١٩ مع الإصابة، وأسد الغابة لابن الأثير ٢/٣٣١) . التقريب ١/٢٨٤ وتهذيب التهذيب ٣/٤٥٦ والإصابة ٢/١٩ كلها لابن حجر. ٤ تحصل: تجمع وثبت. (القاموس المحيط ٣/٣٥٧) . ٥ أرسالًا: أفواجا وفرقا متقطعة يتبع بعضهم بعضا، واحدهم رسل: بفتح الراء والسين. (النهاية لابن الأثير ٢/٢٢٢) . ٦ مقنب: بكسر أوله: جماعة الخيل والفرسان (المصدر السابق ٤/١١١) . ٧ يقرعوني بالرماح: القرع الضرب بالسوط ونحوه (المصدر السابق ٤/٤٣) .
[ ٣٤٨ ]
أبو بكر، فجعلته بين أصبعين من أصابعي، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن جعشم، وهذا كتابي! فقال رسول الله ﷺ: "يوم وفاء، أدنوه! فأدنيت منه، فكأني أنظر إلى ساق رسول الله ﷺ في غرزة كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمت، وسقت إليه الصدقة فما ذكرت شيئا أسأله عنه إلا أني قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل تغشى حياضى وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله ﷺ: نعم، في كل ذات كبد حرى١ أجر" ٢.
وذكر ابن إسحاق هذه القصة في سياق حديث الهجرة، وبين أن مجيء سراقة وإسلامه كان في الجعرانة، وأنه بعد ذلك رجع إلى قومه وساق صدقته لرسول الله ﷺ.
١٧٥- وهذا سياقه: قال: حدثني الزهري أن عبد الرحمن٣ بن مالك بن جعشم حدثه عن أبيه٤، عن عمه سراقة بن مالك بن جعشم قال: "لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة، جعلت قريش فيه مئة ناقة لمن رده عليهم".
قال: "فبينا أنا جالس في نادي قومي إذ أقبل رجل منا، حتى وقف علينا فقال: والله لقد رأيت ركبة٥ ثلاثة مروا آنفا، وأني لأراهم محمدا وأصحابه، قال: فأومأت
_________________
(١) ١ حرى: بفتح أوله بوزن فعلى. والمعنى: أن في سقي كل ذي كبد حرى أجرا (النهاية ١/٣٦٤) . ٢ مغازي الواقدي: ٣/٩٤١. ٣ عبد الرحمن بن مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو بن المدلجى وثقه النسائي وابن حبان، من الثالثة/خ ق (التقريب١/٤٩٦ وتهذيب التهذيب٦/٢٦٣ وقال ابن هشام: هو عبد الرحمن بن الحارث بن مالك بن جعشم (١/٤٩١) . ٤ مالك بن مالك بن جعشم بن مالك بن عمرو المدلجي، وأكثر ما يأتي منسوبا إلى جده، ذكره ابن حبان في ثقات التابعين، وهو أخو سراقة الصحابي، قال ابن حجر: وأبوه مالك بن جعشم لم أر من ذكره في الصحابة، فالظاهر أنه مات في الجاهلية فيكون لمالك بن مالك إدراك، إن لم يكن له صحبة. أخرج له خ ق (التقريب ٢/٢٢٦ وتهذيب التهذيب ١٠/٢١ والإصابة ٣/٤٨٥) . ٥ ركبة: بالتحريك، أقل من الركب، والركب من أسماء الجمع، كنفر ورهط (النهاية ٢/٢٥٦و٢٥٧) .
[ ٣٤٩ ]
إليه بعيني: أن أسكت، ثم قلت: إنما هم بنو فلان، يبتغون ضالة لهم، قال: لعله، ثم سكت، قال: ثم مكثت قليلا ثم قمت فدخلت بيتي، ثم أمرت بفرسي، فقيد لي إلى بطن الوادي، وأمرت بسلاحي فأخرج لي من دبر حجرتي، ثم أخذت قداحي١ التي استقسم بها، ثم انطلقت فلبست لأمتي٢. ثم أخرجت قداحي، فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره"٣ قال: وكنت أرجوا لأن أرده٤ على قريش، فآخذ المائة الناقة قال: فركبت على أثره، فبينا فرسي يشتد بي عثر بي فسقطت عنه قال: فقلت: ما هذا؟
قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها، فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، قال: فركبت في أثره فبينا فرسي يشتد بي عثر بي، فسقطت عنه، قال: فقلت: ما هذا؟ قال: ثم أخرجت قداحي فاستقسمت بها فخرج السهم الذي أكره "لا يضره" قال: فأبيت إلا أن أتبعه، فركبت في أثره فلما بدا لي القوم ورأيتهم، عثر بي فرسي، فذهبت يداه في الأرض، وسقطت عنه، ثم انتزع يديه من الأرض، وتبعتهما دخان كالإعصار٥، قال: فعرفت حين رأيت ذلك أنه ظاهر، قال: فناديت القوم: فقلت: أنا سراقة بن جعشم، انظروني أكلمكم، فوالله لا أريبكم ولا يأتيكم من شيء تكرهونه، قال: فقال رسول الله ﷺ لأبي بكر: "قل له: وما تبتغي منا؟ "
_________________
(١) ١ القداح - بكسر أوله: جمع قدح، بكسر أوّله وسكون ثانيه، والاستقسام: طلب الذي قسم له وقدر مما لم يقسم ولم يقدر، وهو استفعال منه، وكانوا في الجاهلية، إذا أراد أحدهم سفرا أو تزويجا، أو نحو ذلك من المهام ضرب بالأزلام وهي القداح، وكان على بعضها مكتوب: أمرني ربي وعلى الآخر: نهاني ربي، وعلى الآخر غفل. فإن خرج "أمرني" مضى لشأنه، وإن خرج "نهاني" أمسك، وإن خرج "الغفل" عاد، وأجالها وضرب بها أخرى إلى أن يخرج الأمر والنهي (المصدر السابق ٢/٣١١ و٤/٢٠و٦٣) . ٢ اللأمة مهموزة: الدرع، وقيل السلاح، ولأمه الحرب أداته، وقد يترك الهمز تخفيفا (المصدر السابق ٤/٢٢٠) . ٣ لا يضره: أي السهم المكتوب فيه هذه الكلمة. ٤ في شرح المواهب: تعرض لهم بعد رواحهم من عند أم معبد، وذكر ابن سعد أن ذلك كان في قديد وكان يوم الثلاثاء. (شرح المواهب اللدنية ١/٣٤٦ والطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٣٢) . ٥ الإعصار: ريح معها غبار شديد. (القاموس المحيط ٢/٩٠) .
[ ٣٥٠ ]
قال: فقال ذلك أبو بكر١، قال: قلت: تكتب لي كتابا يكون آية بيني وبينك، قال: اكتب له يا أبا بكر، قال: فكتب لي كتابا في عظم، أو في رقعة٢، أو في خزفة٣ ثم ألقاه إليّ، فأخذته، فجعلته في كنانتي٤، ثم رجعت، فسكت فلم أذكر شيئا مما كان حتى إذا كان فتح مكة على رسول الله ﷺ، وفرغ من حنين والطائف، خرجت ومعي الكتاب لألقاه فلقيته، قال: فدخلت في كتيبة من خيل الأنصار، قال: فجعلوا يقرعونني بالرماح، ويقولون إليك! إليك! ماذا تريد؟
قال: فدنوت من رسول الله ﷺ وهو على ناقته، والله لكأني أنظر إلى ساقه في غرزه كأنها جمارة، قال: فرفعت يدي بالكتاب، ثم قلت يا رسول الله، هذا كتابك لي، أنا سراقة بن جعشم، قال: فقال رسول الله ﷺ: "يوم وفاء وبر، أدنه"، قال: فدنوت منه، فأسلمت. ثم تذكرت شيئا أسأل رسول الله ﷺ عنه فما أذكره، إلا أني قلت: "يا رسول الله، الضالة٥ من الإبل تغشى حياضي، وقد ملأتها لإبلي، هل لي من أجر في أن أسقيها؟ قال: "نعم، في كل ذات كبد حرى أجر".
ثم رجعت إلى قومي، فسقت إلى رسول الله ﷺ صدقتي٦.
والحديث رواه موسى بن عقبة فقال: حدثنا ابن شهاب قال: حدثني عبد الرحمن بن مالك بن جعشم المدلجي أن أباه مالكا أخبره أن أخاه سراقة بن جعشم
_________________
(١) ١ عند ابن إسحاق والواقدي: "أن الذي كتب لسراقة هو أبو بكر الصديق". وعند البخاري: "أنه عامر بن فهيرة" قال الزرقاني: "والجمع بين هذا أن عامرًا لما كتب طلب سراقة كتابة أبي بكر الصديق لشهرته وعظمته". (شرح المواهب ١/٣٤٨) . ٢ الرقعة: بالضم المراد بها هنا قطعة من أدم كما جاء عند البخاري. ٣ الخزف، محركة: كل ما عمل من طين وشوى بالنار حتى تكون فخارا. (القاموس المحيط ٣/١٣٢) . ٤ الكنانة: بالكسر: الجعبة التي يجعل فيها السهام. (النهاية ١/٢٧٤، القاموس المحيط ٤/٢٦٤) . ٥ هذا الجزء من الحديث رواه ابن ماجه من طريق ابن إسحاق، وأحمد من طريق ابن إسحاق أيضا ومن طريق معمر عن الزهري (سنن ابن ماجه: ٢/١٢١٥ كتاب الأدب، باب فضل صدقة الماء، مسند أحمد: ٤/١٧٥) . (سيرة ابن هشام ١/٤٨٩-٤٩١) .
[ ٣٥١ ]
أخبره "أنه لما خرج رسول الله ﷺ من مكة مهاجرا إلى المدينة جعلت قريش لمن رده عليهم مائة ناقة" الحديث١.
وأخرج الحميدي هذا الحديث مختصرا في قدوم سراقة إلى الجعرانة وسؤاله رسول الله ﷺ، وهذا سياقه:
حدثنا سفيان قال: سمعت الزهري يخبر عن ابن سراقة٢ أو ابن أخي سراقة عن سراقة قال: أتيت رسول الله ﷺ بالجعرانة فلم أدر ما أسأله عنه. فقلت: يا رسول الله إني أملأ حوضي أنتظر ظهري يرد علي فتجيء البهمة٣ فتشرب فهل لي من أجر؟ فقال رسول الله ﷺ: "لك في كل كبد حرى أجر"
قال سفيان: "هذا الذي حفظت عن الزهري، واختلط علي من أوله شيء فأخبرني وائل بن داود عن الزهري بعض هذا الكلام لا أخلص ما حفظت من الزهري وما أخبرنيه وائل، قال سراقة: أتيت نبي الله ﷺ وهو بالجعرانة فجعلت لا أمر على مقنب من مقانب الأنصار إلاّ قرعوا رأسي، وقالوا: إليك! إليك! فلما انتهيت إليه، رفعت الكتاب، وقلت: أنا يا رسول الله قال: وقد كان كتب لي أمانا في رقعة، فقال النبي ﷺ: "نعم، اليوم يوم وفاء وبر وصدق" ٤.
وقصة تفاصيل هجرة رسول الله ﷺ وتعرض سراقة له أثناء الهجرة ومحاولته القبض على رسول الله ﷺ وطلبه في نهاية الأمر من رسول الله ﷺ كتاب أمن، ثابت في صحيح البخاري من حديث عائشة (دون مجيء سراقة إلى الجعرانة) ٥.
_________________
(١) ١ البيهقي: دلائل النبوة ٢/٢١٩-٢٢١ وحصل خطأ مطبعي في الدلائل وهو: حتى إذا فتح الله مكة وفرغ رسول الله ﷺ من أهل "خيبر" والصواب: من أهل حنين لأن خيبر فتحت قبل فتح مكة. ٢ ابن سراقة: هو محمد بن سراقة (ذكره ابن الأثير وابن حجر في ترجمة والده ولم أجد ترجمته، والحديث رواه ابن إسحاق وموسى بن عقبة كلاهما عن الزهري عن ابن أخي سراقة بن مالك وهو عبد الرحمن بن مالك، ورواه أحمد عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري فقال: عن ابن أخي سراقة، والبخاري عن عقيل عن الزهري، فقد رواه عن الزهري بدون شك ابن إسحاق وموسى بن عقبة ومعمر وعقيل. ٣ البهمة: هي ولد الضأن الذكر والأنثى، والجمع بهم (النهاية ١/١٦٨) وقال حبيب الرحمن الأعظمي المحقق لمسند الحميدي، وفي نسخة (ظ) بهيمة، قلت: وهذه اللفظة أشمل ولعلها أرجح من لفظ (بهمة) وذلك لأن في حديث ابن إسحاق وموسى بن عقبة فتأتي الضالة من الإبل، والإبل لا تدخل في لفظ بهمة، وتدخل في لفظ بهيمة؛ لأن البهيمة كل ذات أربع قوائم ولو في الماء، أو كل حيى لا يميز جمع بهائم. (القاموس المحيط ٤/٨٢ والمصباح المنير ١/٨١) . ٤ الحميدي: المسند ٢/٤٠١وأحمد: المسند ٤/١٧٥. ٥ البخاري: الصحيح٥/٤٩-٥٢ كتاب مناقب الأنصار، باب هجرة النبي ﷺ وأصحابه إلى المدينة.
[ ٣٥٢ ]
الفصل الثالث: في تقسيم الغنائم
المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيئ والنفل
المبحث الأول: الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل
ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الألفاظ الثلاثة لا فرق بينها في أصل اللغة وأنها تلتقي وتجتمع في مطلق الزيادة والرجوع، وذلك أن الغنيمة في أصل اللغة: زيادة وعطية من الله ﷿ لهذه الأمة على ما هو أصل الأجر والثواب للمجاهد، أو أنها زيادة لهذه الأمة بعد أن كانت الغنائم محرمة على غيرها من الأمم الماضية".
ويشهد لهذا ما رواه جابر بن عبد الله ﵄:
١٧٦- أن النبي ﷺ قال: "أعطيت خمسا لم يعطهن أحد قبلي" الحديث.
وفيه: "وأحلت لي المغانم ولم تحل لأحد قبلي" ١.
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ١/٦٢-٦٣ كتاب التيمم، باب قول الله تعالى (فلم تجدوا ماء، الخ) و٧٩-٨٠ باب وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورًا. ومسلم: الصحيح ١/٣٧٠ كتاب المساجد ومواضع الصلاة.
[ ٣٥٣ ]
والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع كأنه في الأصل للمسلمين فرجع إليهم، وهو الغنيمة شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان يسمى غنيمة وفيئا.
والنفل: بالتحريك - الغنيمة والهبة والتطوع، وجمعه أنفال، ونفال، والنفل - بالسكون وقد تحرك - معناه الزيادة. وهي زيادة عما فرضه الله تعالى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾، [سورة الإسراء، الآية: ٧٩] .
فسمى سبحانه صلاة التطوع نافلة، لأنها زيادة أجر لهم على ما كتب لهم من ثواب ما فرض عليهم١.
والفرق بين هذه الألفاظ الثلاثة إنما هو في الاصطلاح الشرعي ذلك أن الغنيمة في الاصطلاح هي المال المأخوذ من الكفار بايجاف ٢ الخيل والركاب.
قال القرطبي: "واعلم أن الاتفاق حاصل على أن المراد بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، [سورة الأنفال، من الآية:٤١] .
مال الكفار: إذا ظفر المسلمون على وجه الغلبة والقهر، ولا يقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد بهذا اللفظ النوع".
ثم قال: "وقد سمى الشرع الواصل من الكفار إلينا من الأموال باسمين: غنيمة، وفيئا.
فالشيء الذي يناله المسلمون من عدوهم بالسعي وإيجاف الخيل والركاب يسمى غنيمة، لزم هذا الاسم هذا المعنى حتى صار عرفا.
_________________
(١) ١ كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٢٨ و٤٣٠ والنهاية لابن الأثير ٣/٣٨٩-٣٩٠ و٤٨٢ و٥/٩٩، ولسان العرب لابن منظور١/١١٩ و١٢١ و١٢٢ و١٤/١٩٤-١٩٦ و١٥/٣٤٢ والقاموس المحيط، للفيروزآبادي١/٢٤ و٤/٥٩ و١٥٨ والمصباح المنير للفيومي ٢/٥٤٥ و٧٥٧ ومختار الصحاح لأبي بكر الرازي ص: ٤٨٢ و٥١٦ و٦٧٤، وفتح الباري: ٦/٢٣٩ و٨/٤٧-٤٨، وهدي الساري ص ١٩٦ و١٩٧ كلاهما لابن حجر. ٢ الإيجاف: سرعة السير، والركاب: ككتاب: الإبل التي يسار عليها، واحدها راحلة ولا واحد لها من لفظها، وجمعها: ركب بضم الكاف، ككتب وركا بات وركائب. (لسان العرب لابن منظور١/٤١٤ و١١/٢٦٧-٣٦٨) والقاموس المحيط للفيروز آبادي ١/٧٥ و٣/٣٠٣.
[ ٣٥٤ ]
والفيء: مأخوذ من فاء يفيء إذا رجع، وهو كل مال دخل على المسلمين من غير حرب ولا إيجاف"١.
وقال محمد الأمين الشنقيطي: "اعلم أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة. فقالوا: الفيء ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير.
وأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية مع قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾، [سورة الحشر، الآية: ٦] .
فإن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية. ظاهر في أنه يراد به بيان ما أوجفوا عليه، وما لم يوجفوا عليه كما ترى.
ثم قال ﵀: وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات، لأن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ ذكر فيها حكم الفيء.
وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه، ثم قال: وقال بعض العلماء، إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيئا، وهذا قول قتادة ﵀، وهو المعروف في اللغة والعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة٢.
ثم قال: ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما وتدل له آية الحشر المتقدمة.
_________________
(١) ١ الجامع لأحكام القرآن ٨/١-٢ والفتاوى لابن تيمية ٢٨/٢٦٩ و٥٦٢، وتفسير ابن كثير ٢/٢٨٤ و٣١٠ وتكملة المجموع ١٨/١٣٦ لمحمد حسين العقبي وأضواء البيان للشنقيطي٢/٣٥٢، وروائع البيان للصابوني١/٥٨٨ وفتح القدير للشوكاني: ٢/٣٠٩، وجامع البيان للطبري ٩/١٧١ و١٠/٢. ٢ ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي: فلا وأبي جليلة ما أفأنا من النعم المؤبل من بعير ولكنا نهكنا القوم ضربا على الأثباج منهم والنحور يعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم ولكن بقتل الرجال، فقوله: أفأنا يعني غنمنا. (أضواء البيان ٢/٣٥٣) .
[ ٣٥٥ ]
وعلى القول قتادة: فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة: إن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ناسخة لآية ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِه﴾ وهذا القول الذي ذهب إليه باطل بلا شكّ، ولم يلجئ قتادة إلى هذا القول إلاّ دعواه اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره، لعلم أن آية الأنفال في (الغنيمة) وآية الحشر في (الفيء) ولا إشكال.
ووجه بطلان قول قتادة المذكور:
أن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر، بدليل حديث علي - ﵁ - الثابت في صحيح مسلم١ الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هذه.
وإما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين.
ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة - ﵀ - تعالى وقد ظهر لك أنه على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء لا إشكال في الآية، وكذلك على قول من يرى أمر الغنائم والفيء راجعا إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام، والله أعلم٢.
الفيء في الاصطلاح: "هو كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب".
أي: لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل استسلم بنو النضير وصارت أموالهم فيئا أفاءه الله على رسوله ﷺ فتصرف فيه كما أمره الله سبحانه فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح العامة التي ذكرها الله في آيات سورة الحشر٣.
_________________
(١) ١ انظر الحديث في صحيح مسلم ٣/١٥٦٨-١٥٧٠ كتاب الأشربة، باب تحريم الخمر الحديث مطول وفيه "أن عليا قال: كانت لي شارف من نصيبي من المغنم، يوم بدر، وكان رسول الله ﷺ أعطاني شارفا أخرى من الخمس يومئذ" والحديث أخرجه البخاري أيضا في ٤/٦٢ كتاب فرض الخمس، باب فرض الخمس. ٢ أضواء البيان٢/٣٤٥و٣٥٢-٣٥٤ وانظر: فتح الباري٦/١٩٨،وجامع بيان للطبري ١٠/١ و٢. ٣ انظر تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥ ومجموع الفتاوى لابن تيمية ٢٨/٥٦٢ وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٦٩. وأوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢١.
[ ٣٥٦ ]
وقد تقدم أن أكثر العلماء فرقوا بين الفيء والغنيمة، وأن الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر.
ومن العلماء من قال: إن الغنيمة والفيء شيء واحد، فجميع ما وصل إلينا من أموال الكفار على أي وجه كان يسمى فيئا وغنيمة.
والمشهور عند العلماء الفرق بينهما كما تقدم١.
والنفل في الاصطلاح هو: ما يعطيه الإمام لبعض الجيش دون بعض سوى سهامهم، يفعل ذلك بهم على قدر الغناء٢ عن الإسلام والنكاية في العدو٣.
١٧٧- وفي حديث عبد الله بن عمر ﵄ قال: "بعث رسول الله ﷺ سرية إلى نجد فخرجت فيها، فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهماننا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا ونفلنا رسول الله ﷺ بعيرًا بعيرًا" ٤.
وعنه - ﵄ - "أن رسول الله ﷺ كان ينفل بعض من يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش".
زاد مسلم: والخمس في ذلك واجب كله٥.
قال أبو عبيد: "وفي هذا النفل الذي ينفله الإمام سنن أربع لكل واحدة منهن موضع غير موضع الأخرى:
فإحداهن: في النفل الذي لا خمس فيه.
_________________
(١) ١ انظر ص ٣٥٥-٣٥٧. ٢ الغناء: بفتح الغين المعجمة، ممدودا، معناه النفع والكفاية (لسان العرب لابن منظور ١٩/٣٧٦ وهدي الساري لابن حجر ص ١٦٤. ٣ النكاية: هي كثرة القتل والجراح في العدو. (النهاية لابن الأثير ٥/١١٧ ولسان العرب لابن منظور ٢٠/٢١٥ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٤/٣٩٧) . ٤ البخاري: الصحيح ٤/٧١ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ. و٥/١٣١ كتاب المغازي، باب السرية التي قبل نجد. ومسلم: الصحيح ٣/١٣٦٨-١٣٦٩ كتاب الجهاد والسير، باب الأنفال. قال النووي: "قوله (والخمس في ذلك واجب كله) . (كله) مجرور تأكيد لقوله (في ذلك) وهذا تصريح بوجوب الخمس في كل الغنائم ورد على من جهل فزعم أنه لا يجب، فاغتر به بعض الناس، وهذا مخالف للإجماع، وقد أوضحت ذلك في جزء جمعته في قسمة الغنائم إهـ.. (شرح النووي لصحيح مسلم ٤/٣٥٠) . ٥ انظر: الحاشية السابقة.
[ ٣٥٧ ]
والثانية: في النفل الذي يكون من الغنيمة بعد إخراج الخمس.
والثالثة: في النفل الذي يكون من الخمس نفسه.
والرابعة: في النفل من جملة الغنيمة قبل أن يخمس منها شيء.
فأما الذي لا خمس فيه فإنه السلب، وذلك أن ينفرد الرجل بقتل المشرك فيكون له سلبه خالصا من غير أن يخمس أو يشركه فيه أحد من أهل العسكر.
وأما الذي يكون من الغنيمة بعد الخمس، فهو أن يوجه الإمام السرايا في أرض الحرب فتأتي بالغنائم، فيكون للسرية مما جاءت به الربع أو الثلث بعد الخمس.
وأما الثالث فأن تحاز الغنيمة كلها ثم تخمس، فإذا صار الخمس في يدي الإمام نفل منه على قدر ما يرى.
وأما الذي يكون من جملة الغنيمة، فما يعطي الأدلاء على عورة العدو١ ورعاء الماشية والسوق لها، وذلك أن هذا منفعة لأهل العسكر جميعا.
ثم قال: وفي كل ذلك أحاديث واختلاف.
ثم أورد الأدلة على كل مسألة من هذه المسائل المتقدمة"٢.
وقال الطبري - بعد أن ذكر اختلاف العلماء في المعنى المراد من الأنفال في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ ودليل كل - وأولى هذه الأقوال بالصواب في معنى الأنفال من قال: هي زيادات يزيدها الإمام بعض الجيش أو جميعهم، إما من سلبه على حقوقهم من القسمة، وإما مما وصل إليه بالنفل، أو ببعض أسبابه، ترغيبا له، وتحريضا لمن معه من جيشه، على ما فيه صلاحهم وصلاح المسلمين، أو صلاح أحد الفريقين، وقد يدخل في ذلك ما قال ابن عباس أنه الفرس والدرع ونحو ذلك ٣.
_________________
(١) ١ يعني على كشف مواطن الضعف في العدو والأماكن التي يسهل الدخول عليه منها. ٢ كتاب الأموال لأبي عبيد ص ٤٣٠-٤٣١ و٤٣٨ و٤٤٤ و٤٤٩. ٣ انظر قول ابن عباس عند مالك في الموطأ ٢/٤٥٥ كتاب الجهاد، باب ما جاء في سلب في النفل والطبري في الجامع البيان ٩/١٧٠ ولفظه عن القاسم بن محمد قال: سمعت رجلا سأل ابن عباس عن الأنفال، فقال ابن عباس: الفرس من النفل، والسلب من النفل، ثم عاد لمسألته، فقال ابن عباس ذلك أيضا، ثم قال الرجل: الأنفال التي قال الله في كتابه ما هي؟ قال القاسم: "فلم يزل يسأله حتى كاد يحرجه فقال ابن عباس: أتدرون ما مثل هذا؟ مثل صبيغ الذي ضربه عمر بن الخطاب ﵁".
[ ٣٥٨ ]
ويدخل ما قاله عطاء من أن ذلك ما عاد من المشركين إلى المسلمين من عبد أو فرس١.
لأن ذلك أمره إلى الإمام إذا لم يكن ما وصلوا إليه لغلبة وقهر، يفعل ما فيه صلاح أهل الإسلام.
وقد يدخل فيه ما غلب عليه الجيش بقهر.
ثم قال: وإنما قلنا ذلك أولى الأقوال بالصواب، لأن النفل في كلام العرب، إنما هو الزيادة على الشيء، يقال منه نفلتك كذا وأنفلتك: إذا زدتك فإذا كان معناه ما ذكرنا، فكل من زيد من مقاتلة الجيش على سهمه من الغنيمة إن كان ذلك لبلاء أبلاه، أو لغناء كان منه عن المسلمين، بتنفيل الوالي ذلك إياه، فيصير حكم ذلك له كالسلب الذي يسلبه القاتل، فهو منفل ما زيد من ذلك لأن الزيادة وإن كانت مستوجبة في بعض الأحوال بحق، فليست من الغنيمة التي تقع فيها القسمة.
وكذلك كل ما رضخ لمن لا سهم له في الغنيمة فهو نفل، لأنه وإن كان مغلوبا عليه، فليس مما وقعت عليه القسمة، فالفصل إذا كان الأمر على ما وصفنا بين الغنيمة والنفل: أن الغنيمة هي ما أفاء الله على المسلمين من أموال المشركين بغلبة وقهر نفل منه منفل، أو لم ينفل.
والنفل: هو ما أعطيه الرجل على البلاء والغناء عن الجيش على غير قسمة٢.
وبعد أن ذكرنا الفرق بين الغنيمة والفيء والنفل في الاصطلاح الشرعي يحسن بنا أن نذكر حكم كل من الغنيمة والفيء والنفل تكميلا للغرض المقصود من هذا المبحث.
فأقول: الغنائم قسمان: ثابت ومنقول ولكل منهما حكمه الخاص به.
فحكم الثابت كالأرض المفتوحة عنوة والعقار راجع إلى الإمام فهو بالخيار بين قسمها بين الغانمين وبين وقفها في مصالح المسلمين، أو قسم بعضها ووقف البعض، وقد فعل رسول الله ﷺ الأنواع الثلاثة، فقسم قريظة والنضير، ولم يقسم
_________________
(١) ١ انظر: قول عطاء: في المصدر السابق ٩/١٦٩-١٧٠ ولفظه عن عطاء بن أبي رباح في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ قال: يسألونك فيما شذ من المشركين إلى المسلمين في غير قتال من دابة أو عبد، فهو نفل للنبي ﷺ. ٢ الطبري: جامع البيان ٩/١٧١.
[ ٣٥٩ ]
مكة، وقسم شطر خيبر وترك شطرها الآخر وهذا هو المشهور من أقوال العلماء أن الإمام مخير بين قسم الأراضي وبين وقفها إن رأى المصلحة في ذلك١.
وإن كانت منقولة فإن جمهور العلماء على أن للغانمين فيها أربعة أخماس وأنها ملك لهم تقسم بينهم للراجل سهم، وللفارس ثلاثة أسهم سهم له، وسهمان لفرسه.
وأن أصل الغنائم كانت لرسول الله ﷺ خاصة بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ وأن هذه الآية منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ . الآية.
قال القرطبي: "لما بين الله تعالى حكم الخمس وسكت عن الباقي، دل ذلك على أنه ملك للغانمين"٢.
وقال ابن تيمية: "فالواجب في المغنم تخميسه، وصرف الخمس إلى من ذكره الله تعالى، وقسمة الباقي بين الغانمين".
قال عمر بن الخطاب - ﵁ -: "الغنيمة لمن شهد الوقعة، وهم الذين شهدوها للقتال، قاتلوا أولم يقاتلوا، ويجب قسمتها بينهم بالعدل، فلا يحابي أحد، لا لرياسته، ولا لنسبه، ولا لفضله، كما كان النبي ﷺ وخلفاؤه يقسمونها، وما زالت الغنائم تقسم بين الغانمين في دولة بني أمية، ودولة بني العباس، لما كان المسلمون يغزون الروم والترك والبربر، ولكن يجوز للإمام أن ينفل من ظهر منه زيادة نكاية: كسرية تسرت من الجيش أو رجل صعد حصنًا عاليًا ففتحه، أو حمل على مقدم العدو فقتله، فهزم العدو ونحو ذلك لأن النبي ﷺ وخلفاؤه كانوا ينفلون لذلك"٣.
وقال الشوكاني: "وقد ادعى ابن عبد البر الإجماع على أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين.
_________________
(١) ١ انظر الفتاوى لابن تيمية ١٧/٤٩٢ وزاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٣٢٨و٣٢٩ ونيل الأوطار للشوكاني ٨/١٦-١٧. ٢ تفسير أبي السعود ٥/٢٣ وفتح الباري ٦/١٩٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٣. ٣ الفتاوى ٢٨/٢٨٠-٢٧١و ٢٩/٣١٦.
[ ٣٦٠ ]
وأن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر".
ثم قال الشوكاني: "وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين وممن حكى ذلك ابن المنذر١ وابن عبد البر والداودي٢ والمازري٣ والقاضي عياض وابن العربي"٤.
والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين، وكيفيتها كثيرة جدا وقال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم - أن قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، وناسخ لقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. بل قال الجمهور: إن قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾، ناسخ وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا تبديل لكتاب الله ٥.
وقال محمد الأمين الشنقيطي: إعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم.
ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ فهو يدل على أنها غنيمة لهم، فلما قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعا، فكذلك قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أي: للغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، ثم أشار إلى الإجماع الذي ذكره الشوكاني ثم قال: وخالف في ذلك بعض أهل العلم وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري أيضا قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من مصالح المسلمين ويمنع منها الغزاة الغانمين، واحتجوا
_________________
(١) ١ ابن المنذر: هو أبو بكر محمد بن إبراهيم تقدمت ترجمته في حديث (٥٦) . ٢ هو أبو الحسين عبد الرحمن بن محمد بن مظفر الداودي (٣٧٤-٤٦٧) هـ (فتح الباري ١/٦ ومعجم المؤلفين لكحالة ٥/١٩٢. ٣ المازري هو أبو عبد الله محمد بن علي بن عمر التميمي المازري الفقيه المالكي كان ثقة متقنا، شرح صحيح مسلم بكتاب سماه "المعلم بفوائد كتاب مسلم" (ت ٥٣٦) (ابن خلكان: وفيات الأعيان ٤/٢٨٥) . ٤ هو أبو بكر محمد بن عبد الله بن محمد الأشبيلي ابن العربي، العلامة الحافظ القاضي (٤٦٨-٥٤٣) . (الذهبي: تذكرة الحفاظ ٤/١٢٩٤-١٢٩٨) . ٥ فتح القدير للشوكاني ٢/٣٠٩ وانظر أوجز المسالك إلى موطأ مالك للكندهلوي ٨/٣٠٨، وانظر الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٢ و٣.
[ ٣٦١ ]
لذلك بأدلة منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُول﴾ الآية.
قالوا: الأنفال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة، احتجوا أيضا بما وقع في فتح مكة، وقصة حنين، قالوا: إنه ﷺ فتح مكة عنوة ومن على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبا لفعله ﷺ لما فتح مكة.
وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدا، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين، الغانمين معه ﷺ، فلو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها لما وزعت الغنائم على غير الغانمين، ثم قال: وأجاب الجمهور عن هذه الاحتياجات بأن آية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ منسوخة بآية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ .
وأما الجواب عما وقع في فتح مكة، فإن مكة وإن كانت فتحت عنوة على المشهور، فإنها ليست كغيرها من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة.
وأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النبي ﷺ استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وقد عوضهم نفسه ﷺ فإن الأنصار لما قالوا يمنعنا ويعطي قريشا وسيوفنا تقطر من دمائهم فجمعهم وكلمهم بقوله: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم" فرضي القوم وطابت نفوسهم، وقالوا: "رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا" ١
قال الشوكاني: "وليس لغيره ﷺ أن يقول هذا القول"٢. وأجاب ابن تيمية عن هذا أيضا فقال: "ولو فتح الإمام بلدا وغلب على ظنه أن أهله يسلمون ويجاهدون جاز أن يمن عليهم بأنفسهم وأموالهم وأولادهم كما فعل ﷺ بأهل مكة، فإنهم أسلموا
_________________
(١) ١ أضواء البيان ٢/٣٥٤، و٣٥٦، و٣٥٧، وانظر: الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٨/٣-٤. ٢ فتح القدير ٢/٣٠٩.
[ ٣٦٢ ]
كلهم بلا خلاف، بخلاف أهل خيبر فإنه لم يسلم أحد، فأولئك قسم أرضهم لنهم كانوا كفارا مصرين على الكفر، وهؤلاء تركها لهم لأنهم كلهم صاروا مسلمين، والمقصود بالجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، وقد كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم ليتألفهم على الإسلام، فكيف لا يتألفهم بإبقاء ديارهم وأموالهم"١.
والخلاصة أن القول الأرجح في هذا أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين الذين شهدوا الوقعة هذا إذا كانت الغنائم منقولة وأما غير المنقول، فيخير الإمام بين قسمها ووقفها، وهذا هو الظاهر من نصوص الشريعة، والله أعلم.
وأما الفيء:
فقد بين الله ﷿ حكمه ومصارفه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ . [سورة الحشر، الآيتان: ٦و٧] .
قال ابن كثير في شرح هذه الآيات: "يقول تعالى: مبينا ما الفيء وما صفته وما حكمه، فالفيء كل مال أخذ من الكفار من غير قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، كأموال بني النضير هذه فإنها مما لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، أي لم يقاتلوا الأعداء فيها بالمبارزة والمصاولة، بل نزل أولئك من الرعب الذي ألقى الله في قلوبهم من هيبة رسول الله ﷺ، فأفاء هـ الله على رسوله، ولهذا تصرف فيه كما يشاء فرده على المسلمين في وجوه البر والمصالح التي ذكرها الله - ﷿ - في هذه الآيات، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ﴾ أي: من بني النضير، ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ يعني: الإبل ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ أي: هو قادر لا يغالب ولا يمانع بل هو القاهر لكل شيء ثم قال تعالى: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: جميع البلدان التي تفتح هكذا فحكمها حكم أموال بني النضير ولهذا
_________________
(١) ١ الفتاوى ١٧/٤٩٣.
[ ٣٦٣ ]
قال تعالى ﴿فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ إلى آخرها والتي بعدها فهذه مصارف أموال الفيء ووجوهه.
١٧٨- ثم قال: روى الإمام أحمد فقال: حدثنا سفيان عن عمرو ومعمر عن الزهري عن مالك١ بن أوس بن الحدثان عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: "كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله ﷺ مما لم يوجف المسلمون بخيل أو ركاب، وكانت لرسول الله ﷺ خالصة، وكان ينفق على أهله منها نفقة سنة، وقال مرة قوت سنة، وما بقي جعله في الكراع والسلاح عدة في سبيل الله ﷿"٢.
ثم قال: "هكذا أخرجه أحمد ههنا مختصرا، وقد أخرجه الجماعة٣ في كتبهم إلا ابن ماجة من حديث سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن الزهري به"٤.
وقال ابن حجر: "واختلف العلماء في مصرف الفيء، فقال مالك: الفيء والخمس سواء يجعلان في بيت المال ويعطى الإمام أقارب النبي ﷺ بحسب اجتهاده".
وفرق الجمهور بين خمس الغنيمة وبين الفيء، فقالوا: الخمس موضوع فيما عينه الله فيه من الأصناف المسمين في آية الخمس من سورة الأنفال٥، لا يتعدى به إلى غيرهم، وأما الفيء فهو الذي يرجع النظر في مصرفه إلى رأي الغمام بحسب المصلحة.
ثم قال: "انفرد الشافعي - كما قال ابن المنذر وغيره - بأن الفيء يخمس وأن أربعة أخماسه للنبي ﷺ، وله خمس الخمس كما في الغنيمة وأربعة أخماس الخمس لمستحق نظيرها من الغنيمة".
_________________
(١) ١ مالك بن أوس بن الحدثان - بمهملتين مفتوحتين ومثلثة- النصري- بالنون أبو سعيد المدني، له رؤية، وروى عن عمر، مات سنة ٩٢ وقيل (٩١) /ع ٠ التقريب ٢/٢٢٣) . ٢ انظر الحديث في مسند أحمد ١/٢٥و٤٨، والبخاري ٤/٣١ كتاب الجهاد باب المجن ومن تترس بترس صاحبه، ومسلم ٣/١٣٧٦ كتاب الجهاد والسير، باب حكم الفيء، والنسائي ٨/١١٩-١٢٠ كتاب قسم الفيء وأبو داود ٢/١٢٥ كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في صفايا رسول الله ﷺ، والترمذي ٣/٨١-٨٢ أبواب السير باب ما جاء في تركة النبي ﷺ. ٣ المراد بالجماعة: البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة. ٤ تفسير ابن كثير ٤/٣٣٥. ٥ هي قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية ٤١ من سورة الأنفال.
[ ٣٦٤ ]
وقال الجمهور: "مصرف الفيء كله إلى رسول الله ﷺ واحتجوا بقول عمر: "فكانت هذه لرسول الله ﷺ خاصة".
وتأول الشافعي قول عمر المذكور بأنه يريد الأخماس الأربعة١.
وقال النووي: "وقد أوجب الشافعي الخمس في الفيء، كما أوجبوه كلهم في الغنيمة، وقال جميع العلماء سواه: لا خمس في الفيء ثم قال: يؤيد الجمهور بأنه لا خمس في الفيء قوله في حديث الباب "كانت لرسول الله ﷺ خاصة".
وقد ذكرنا أن الشافعي أوجبه، ومذهبه أن النبي ﷺ كان له من الفيء أربعة أخماس وخمس خمس الباقي٢.
وقال ابن تيمية في أثناء كلامه على الفيء، ومن الفيء ما ضربه عمر بن الخطاب - ﵁ - على الأرض التي فتحها عنوة ولم يقسمها، كأرض مصر وأرض العراق - إلا شيئا يسيرا منها - وبر الشام، وغير ذلك، فهذا الفيء لا خمس فيه عند جماهير الأئمة: كأبي حنيفة، ومالك وأحمد، وإنما يرى تخميسه الشافعي وبعض أصحاب أحمد، وذكر ذلك رواية عنه.
قال ابن المنذر: "لا يحفظ عن أحد قبل الشافعي أن في الفيء خمسا كخمس الغنيمة"، ثم قال ابن تيمية: "وهذا الفيء لم يكن ملكا للنبي ﷺ في حياته عند أكثر العلماء".
وقال الشافعي وبعض أصحاب أحمد: "كان ملكا له"، ثم قال: "وأما مصرفه بعد موته ﷺ، فقد اتفق العلماء على أن يصرف منه أرزاق الجند المقاتلين، الذين يقاتلون الكفار، فإن تقويتهم تذل الكفار، فيؤخذ منهم الفيء، وتنازعوا هل يصرف في سائر مصالح المسلمين، أم تختص به المقاتلة؟ "
_________________
(١) ١ فتح الباري ٦/٢٠٨ و٢٦٩ وعون المعبود ٨/١٨٦-١٨٧. ٢ شرح مسلم للنووي ٤/٣٦١ وفتاوى ابن تيمية ٢٨/٥٦٤-٥٦٥ وفتح القدير للشوكاني ٥/١٩٨، ومعنى قول الشافعي ﵀ أنّ مال الفيء يقسم خمسة أقسام، فأربعة من هذه الخمسة لرسول الله ﷺ والخمس الباقي يقسم أيضا خمسة أقسام فلرسول الله ﷺ منها خمسا والأربعة الأخماس الباقية تقسم على المذكورين في آية خمس الغنيمة، انظر: الأم، للشافعي: ٤/٦٤-٦٦.
[ ٣٦٥ ]
على القولين للشافعي، ووجهين في مذهب الإمام أحمد، لكن المشهور في مذهبه، وهو مذهب أبي حنيفة ومالك: "أنه لا يختص به المقاتلة، بل يصرف في المصالح كلها. أهـ"١.
وأما النفل فقد تقدم حكمه٢.
والخلاصة في هذا أن الغنيمة والنفل والفيء تلتقي في الأصل اللغوي، وتفترق في المعنى الشرعي.
وأن أربعة أخماس الغنيمة لمن شهد الوقعة حق ثابت لهم، وأن الفيء يصرف في مصالح المسلمين، حسب المصلحة الراجحة، وأن النفل يرجع فيه إلى رأي الإمام فيعطي كلا على حسب غنائه وبلائه في مصلحة الإسلام والمسلمين.
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الفتاوى ٢٨/٥٦٤-٥٦٥. ٢ تحت حديث (١٧٧) .
[ ٣٦٦ ]
المبحث الثاني: جفاء الأعراب وغلظتهم
لقد عرف الأعراب بالجشع والحرص على أتفه متاع الدنيا مع الغلظة وشراسة الطبع والجفاء، لبعدهم عن مواطن الوعي الاجتماعي وتحررهم من قيود النظام وقوانين الحضارة الإنسانية، فالأعراب قوم من العرب يعيشون في البوادي ويتتبعون مواقع القطر وأماكن الخصب، ولا تجمعهم قرية ولا يحكمهم قانون ولا يخضعون لسلطان وقد سجل القرآن على هؤلاء الأعراب أشد الكفر والنفاق وأسوأ الجهل والفظاظة الأمر الذي يؤدي إلى كل تصرف وحشي وكل قول غليظ جاف.
قال تعالى: ﴿الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ، وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ . [سورة التوبة: آية ٩٧و٩٨] .
وتاريخ الأعراب في الجاهلية حافل بالهمجية والفوضى وما يتبع من تصرفات نادة عن الذوق والوعي والمسئولية.
والإسلام جاء ليستنقذ هؤلاء التعساء وغيرهم من الظلمات الجاهلية إلى نور الإيمان، وقد استمرت الدعوة الإسلامية في طريقها لتخليص هذه النفوس المأفونة من رق الكفر وأغلال الجاهلية فأقبل على هذه الدعوة المحمدية من علم الله فيه الخير فتحرر من تقاليد الجاهلية وانحرافها في الفكر والسلوك في العقيدة والعمل بيد أنّ كثيرًا من هؤلاء الجاهليّين ظل شاكًا في حقيقة الدعوة الإسلامية يتربص بها الدوائر يخرج مع المسلمين لا حبًا في نصر الدين وإنما للحصول على الغنائم ويبدوا أن فرار الأعراب يوم حنين لا يبعد أن يكون من دوافعه ريب في قلوبهم وشك في إيمانهم، على أنهم ليسوا على درجة واحدة في ذلك.
ومن الظواهر العجيبة التي تستحق التنبيه أن هؤلاء الأعراب كانوا أول من فر من ميدان القتال فصاروا سببا مباشرا في انكشاف المسلمين بادئ الأمر أمام جموع
[ ٣٦٧ ]
هوازن كما كانوا في نهاية المعركة أحرص الناس على الغنائم وأشدهم غلظة في القول يوضح ذلك الموقف المشار له في الأحاديث الآتية:
ما رواه مسلم وأحمد من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت، قال: فصفت الخيل، ثم صفت المقاتلة، ثم صفت النساء من وراء ذلك، ثم صفت الغنم، ثم صفت النعم، قال: ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، قال: فجعلت خيلنا تلوى خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" الحديث١.
وما رواه البخاري وغيره من حديث جبير بن مطعم وهذا سياقه عند البخاري:
١٧٩- قال: حدثنا عبد العزيز بن عبد الله الأويسي حدثنا إبراهيم بن سعد عن صالح٢ عن ابن شهاب قال: أخبرني عمر بن محمد ابن جبير بن مطعم أن محمد بن جبير قال: أخبرني جبير بن مطعم أنّه بينا هو مع رسول الله ﷺ ومعه الناس مقبلًا٣ من حنين علقت٤ رسول الله - ﷺ - الأعراب يسألونه حتى اضطروه٥ إلى
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٢ صالح: هو ابن كيسان. ٣ مقبلا: قال ابن حجر: منصوب على الحال، للكشمهيني: "مقفله من حنين" وهو بفتح الميم وسكون القاف وفتح الفاء وباللام يعني: زمن رجوعه (فتح الباري ٦/٣٥ و٢٥٤) . قلت: وهو كذلك عند عبد الرزاق وأحمد وأبي يعلى والطبراني (مقفله من حنين) وعند الطبري "مقبله من حنين". ٤ علقت: بفتح العين وكسر اللام الخفيفة بعدها قاف - أي نشبوا وتعلقوا - قال ابن حجر: وفي رواية الكشميهيني: "فطفقت" وهو بوزنه ومعناه (فتح الباري ٦/٣٥، و٢٥٤ ولسان العرب ١٢/٩٥) . وعند البخاري أيضا "فعلقت الناس يسألونه" وعند عبد الرزاق وأحمد والطبراني "علقه الأعراب" وعند الطبري "عاقت رسول الله ﷺ الأعراب". ٥ اضطروه إلى سمرة: أي ألجؤه، والسمرة: بفتح المهملة وضم الميم، شجرة طويلة متفرقة الرأس قليلة الظل، صغيرة الورق والشوك صلبة لخشب، قاله ابن التين. وقال الخطابي: ورق السمرة أثبت وظلها أكثف، ويقال: هي شجرة الطلح وقال الدوادي: السمرة هي العضاه. (فتح الباري ٦/٣٥ و٢٥٤ ولسان العرب ٦/٤٥) . وعند الطبراني: "حتى اضطره بسدرة خطفت رداءه". ذ
[ ٣٦٨ ]
سمرة فخطفت١ رداءه، فوقف رسول الله ﷺ فقال: "اعطوني ردائي، فلو كان عدد هذه العضاه٢ نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا، ولا كذوبا٣ ولا جبانا" ٤.
قال ابن حجر: "في هذا الحديث: ذم الخصال المذكورة وهي البخل والكذب والجبن، وأن إمام المسلمين لا يصلح أن يكون فيه خصلة منها، وفيه ما كان في النبي ﷺ من الحلم وحسن الخلق وسعة الجود والصبر على جفاة الأعراب، وفيه جواز وصف المرء نفسه بالخصال الحميدة عند الحاجة لخوف ظن أهل الجهل به خلاف ذلك، ولا
_________________
(١) ١ قوله فخطفت رداءه: وعند عبد الرزاق وهو على راحلته. قال ابن حجر: "وفي مرسل عمرو بن سعيد عند عمر بن شبة (في كتاب مكة) حتى عدلوا بناقته عن طريق، فمرت بسمرات فانتهسن ظهره وانتزعن رداءه، فقال: "ناولني ردائي" فذكر نحو حديث جبير ابن مطعم وفيه "فنَزل ونزل الناس معه فأقبلت هوازن فقالوا: جئنا نستشفع بالمؤمنين إليك، ونستشفع بك إلى المؤمنين" فذكر القصة. (فتح الباري ٦/٢٥٤) . والزرقاني شرح المواهب ٣/٤٠ ووقع عنده (عمرو بن شبة) وصوابه (عمر) . ٢ والعضاه بكسر المهملة بعدها معجمة خفيفة، وفي آخرها هاء، يقرأ في الوصل وفي الوقف بالهاء. واختلف في واحدها فقيل: عضة - بفتحتين - مثل شفة وشفاه، والأصل عضهة وشهقة فحذفت الهاء، وقيل: واحدها عضاهة. قال القزاز: "العضاه: شجر الشوك كالطلح والعوسج والسدر، ويدخل فيه السمر" (فتح الباري ٦/٢٥٤، ولسان العرب ١٧/٤١١) . ٣ وعند عبد الرزاق وأحمد وأبي يعلى والطبري والطبراني "ولا كذابا" قال الزرقاني: أي إذا جربتموني لا تجدوني ذا بخل ولا ذا كذب ولا ذا جبن، فالمراد نفي الوصف من أصله، لا نفي المبالغة التي تدل عليها الثلاثة، لأن كذوبا من صيغ المبالغة، وجبانا صفة مشبهة، وبخيلا يحتمل الأمرين. قال ابن المنير: "وفي جمعه ﷺ بين هذه الصفات اللطيفة لأنها متلازمة، وكذا أضدادها الصدق والكرم والشجاعة، وأصل المعنى هنا الشجاعة فإن الشجاع واثق من نفسه بالخلف من كسب سيفه فبالضرورة لا يبخل، وإذا سهل عليه العطاء لا يكذب بالخلف في الوعد، لأن الخلف إنما ينشأ من البخل". وقوله: "فلو كان لي عدد هذه العضاه نعما لقسمته بينكم: تنبيه بطريق الأولى لأنّه إذا سمح بمال نفسه فلأن يسمح بقسم غنائمهم عليهم أولى، واستعمال (ثم) هنا بعدما ما تقدم ذكره ليس مخالفا لمقتضاها، وإن كان الكرم يتقدم العطاء، لكن علم الناس بكرم الكريم إنما يكون بعد العطاء، وليس المراد (بثم) الدالة على تراخي العلم بالكرم عن العطاء، وإنما التراخي هنا لعلو رتبة الوصف، كأنه قال: أعلى من العطاء بما لا يتعارف أن يكون العطاء عن كرم، فقد يكون عطاء بلا كرم، كعطاء البخيل ونحو ذلك". (شرح المواهب اللدنية ٣/٤٠-٤١) والكندهلوي أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢١-٣٢٢. ٤ البخاري: الصحيح ٤/١٩ كتاب الجهاد، باب الشجاعة في الحرب والجبن ٤/٧٥ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم من الخمس ونحوه. وعبد الرزاق: المصنف ٥/٢٤٣. وأحمد: المسند ٤/٨٢-٨٤. وأبو يعلى: المسند ٦/٦٨٣ أرقم ٣٠٦. الطبري: تهذيب الآثار كما في كنز العمال ١٠/٣٥٧، ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٠، والمواهب اللدنية ١/١٦٧. والطبراني: المعجم الكبير ٢/١٣٤-١٣٦. أبو عبيد: كتاب الأموال ص ٣٥٤.
[ ٣٦٩ ]
يكون ذلك من الفخر المذموم، وفيه رضاء السائل للحق بالوعد إذا تحقق عن الواعد التنجيز، وفيه أن الإمام مخير في قسم الغنيمة إن شاء بعد فراغ الحرب، وإن شاء بعد ذلك"١.
والحديث رواه الطبراني أيضا والطبري من طريق نافع٢ بن جبير ابن مطعم عن أبيه عن رسول الله ﷺ أنه قال: وهو عند ثنية الأراكة٣ وهو يعطي حين فرغ من حنين، فاضطره الناس إلى سلمة ٤ فانتزع غصن من السلمة رداءه، فالتفت إلينا بوجهه مثل شقة القمر، فقال: "أعطوني ردائي فأعطيناه إياه، ثم قال: تخافون علي البخل، فوالذي نفسي بيده لو كان عندي صواحي هذا الجبل لأعطيتكموه". وقال: "صوحا الجبل٥ جانبا مقادمه ومآخره"٦
وقال الهيثمي: "رواه الطبراني وفيه من لم أعرفهم" ٧.
١٨٠- وما رواه الطبري أيضا من حديث أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله ﷺ عام حنين سأله الناس فأعطاهم من البقر والغنم والإبل، حتى لم يبق شيء من ذلك، فقال: "فماذا تريدون أتريدون أن تبخلوني؟ فوالله ما أنا بخيل ولا جبان ولا كذوب، فجذبوا ثوبه حتى بدا منكبه فكأنما انظر حين بدا منكبه إلى شقة قمر من بياضه" ٨.
_________________
(١) ١ ابن حجر: فتح الباري ٦/٢٥٤، والزرقاني: شرح المواهب ٣/٤١. ٢ نافع بن جبير بن مطعم النوفلي، أبو محمد، أو أبو عبد الله، المدني، ثقة فاضل، من الثالثة (ت ١٩٩) /ع (التقريب ٢/٢٩٥، وتهذيب التهذيب ١٠/٤٠٤) . ٣ ذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان ١/١٣٥ قال: أراك بالفتح وآخره كاف: وهو وادي الأراك، قرب مكة ونقل عن الأصمعي أن أراك جبل لهذيل، وقيل هو موضع من نمرة، في موضع من عرفة. ٤ السلم: بفتحتين: نوع من العضاه (لسان العرب ١٥/١٨٨) . ٥ الصوح: بفتح الصاد وضمها: الجانب من الرأس والجبل، ووجه الجبل القائم كأنه حائط، وصوحا الوادي حائطاه. لسان العرب٣/٣٥٢،والقاموس المحيط١/٢٣٥) . ٦ كنْز العمال ١٠/٣٥٨ ومنتخب كنز العمال ٤/١٧٠ ونسبه للطبري في تهذيبه، وانظر المعجم الكبير للطبراني ٢/١٤٢. ٧ مجمع الزوائد ٨/٢٨٠. ٨ منتخب كنز العمال ٤/١٧١ مع مسند أحمد ونسبه لابن جرير الطبري وقال: سنده على شرط الشيخين.
[ ٣٧٠ ]
وكان سبب هذا الفعل الصادر من الأعراب وغيرهم هو ما صرح به حديث عمرو بن شعيب عند ابن إسحاق وغيره وهو أن رسول الله ﷺ لما رد على هوازن سبيهم خاف الناس أن يرد إليهم الأموال أيضا فطالبوا بقسم الأموال بإلحاح شديد١.
وهذا سياق الحديث عن ابن إسحاق:
قال: حدثني عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص أن وفد هوازن أتوا رسول الله ﷺ وقد أسلموا، فقالوا يا رسول الله إنا أصل وعشيرة، وقد أصابنا من البلاء ما لم يخف عليك، فأمنن علينا من الله عليك، الحديث وفيه: "ولما فرغ رسول الله ﷺ من رد سبايًا حنين إلى أهلها، ركب، واتبعه الناس يقولون: يا رسول الله اقسم علينا فيئنا من الإبل والغنم، حتى ألجئوه إلى شجرة، فاختطفت رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس فوالله أن لو كان لكم بعدد شجر تهامة نعما لقسمته عليكم، ثم ما ألفيتموني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا" الحديث٢.
والحديث رواه أبو داود والنسائي وأحمد وابن الجارود والطبري والبيهقي، الجميع من طريق ابن إسحاق منهم المختصر ومنهم المطول، وقد صرح بالتحديث عند ابن الجارود والطبري والبيهقي، وكذا عند ابن هشام٣ فالحديث حسن لذاته٤.
وقد تابع ابن إسحاق على وصل هذا الحديث - يحيى٥ بن سعيد الأنصاري
_________________
(١) ١ انظر البداية والنهاية: لابن كثير ٤/٣٥٥. ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٨٨-٤٩٠ و٤٩٢ والروض الأنف ٧/٢٤١-٢٤٣ و٢٤٥ و٢٧٩ -٢٨٠. ٣ أبو داود: السنن ٢/٥٧ كتاب الجهاد، باب في الفداء الأسير بالمال والنسائي: السنن ٦/٢٢٠ كتاب الهبة٧/١١٩كتاب قسم الفيء، وأحمد: المسند٢/١٨٤ و٢١٨ وابن الجارود: المنتقى ص:٣٦٢، والطبري: تاريخ الرسل والملوك٣/٨٦-٨٧و٨٩-٩٠. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٣٦-٣٣٧ و٧/١٧ و٩/٧٥ ودلائل النبوة ٣/٥٤-٥٥ ب أب. ٤ انظر الألباني: تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٦ وصحيح الجامع الصغير ٦/٢٨٠ وإرواء الغليل ٥/٣٦-٣٧ و٧٣-٧٤، وتقدم الحديث برقم (١٣٠) مع تراجم رواته، وسيأتي تحت رقم (٢٨٨) . ٥ ثقة ثبت تقدم في حديث (١٠٩) .
[ ٣٧١ ]
عند ابن أبي شيبة والطبراني، ومحمد١ بن عجلان وعمرو٢ بن دينار عند الطبراني والبيهقي الجميع عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده٣.
ورواه مالك عن عبد الرحمن٤ بن سعيد عن عمرو بن شعيب فأرسله ولفظه أن رسول الله ﷺ حين صدر من حنين، وهو يريد الجعرانة سأله الناس حتى دنت به ناقته من شجرة، فتشبكت٥ بردائه، حتى نزعه عن ظهره، فقال رسول الله ﷺ: "ردوا علي ردائي أتخافون أن لا أقسم بينكم ما أفاء الله عليكم، والذي نفسي بيده لو أفاء الله عليكم مثل سمر تهامة نعما لقسمته بينكم، ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا" الحديث ٦.
قال ابن عبد البر: "لا خلاف عن مالك في إرساله".
_________________
(١) ١ محمد بن عجلان المدني، صدوق، إلا أنه اختلط عليه أحاديث أبي هريرة من الخامسة (ت ١٤٨) خت م ع (التقريب ٢/١٩٠ وتهذيب التهذيب ٩/٣٤١) وقال عنه الذهبي في سير أعلام النبلاء ٦/٣١٧-٣٢٢. محمد بن عجلان: الإمام القدوة الصادق بقية الأعلام، وختم ترجمته بقوله: وقد ذكرت ابن عجلان في الميزان فحديثه إن لم يبلغ رتبة الصحيح فلا ينحط عن رتبة الحسن (انظر ميزان الاعتدال ٣/٦٤٤ وتذكرة الحفاظ ١/١٦٥. ٢ عمرو بن دينار المكي، أبو محمد الأثرم، الجمحي مولاهم ثقة ثبت من الرابعة (ت ١٢٦) / ع (التقريب ٢/٦٩ وتهذيب التهذيب ٨/٢٨-٣٠) . ٣ ابن أبي شيبة: التاريخ ص ٨٧ أرقم ٦٦٥ والطبراني: كما في مجمع البحرين ٢/٢٣٥ و٢٤٤ رقم ٧٧ ومجمع الزوائد ٥/٣٣٨-٣٣٩ كلاهما للهيثمي. ٤ قال الألباني: "عبد الرحمن بن سعيد، هكذا لم أجد من ترجمه، لكن شيوخ مالك كلهم ثقات كما هو معلوم لدى العلماء بالرجال"، (إرواء الغليل ٥/٧٤) . وقال الكندهلوي: "إنما هو عبد ربه بن سعيد، هكذا في النسخ الهندية وبعض المصرية، وفي بعضها عبد الرحمن بن سعيد وليس الصحيح، وهو عبد ربه بن سعيد بن قيس الأنصاري، أخو يحيى بن سعيد له في الموطأ مرفوعا ثلاثة أحاديث هذا ثانيها. وفي التقصي: له ثلاثة أحاديث، وذكر من جملتها هذا الحديث ولم يذكر عبد الرحمن بن سعيد في شيوخ مالك في الموطأ إهـ. (أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٠) . قلت: الأحاديث المشار إليها في "التقصي" هي في ص ١٠٥-١٠٦ من التقصي وهي برقم (٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠) . وقد قرأت الموطأ بتصحيح محمد فؤاد عبد الباقي من أوله إلى آخره فلم أجد مالكا روى عن عبد الرحمن بن سعيد وإنما وجدته روى عن عبد ربه بن سعيد خمسة أحاديث من جملتها حديث الباب، وهي في الموطأ١/٢٨٩-٢٩٠ و٢/٤٥٧ و٥١٤، و٥٧٤، و٥٨٩، وهي في كتاب الجهاد، باب ما جاء في الفلول، وكتاب الفرائض، باب ميراث الجدة، وكتاب الطلاق، باب ما جاء في طلاق العبد، وباب عدة المتوفى زوجها إذا كانت حاملًا، وكتاب الصيام، باب ما جاء في صيام الذي يصبح جنبا. وأرقامها: (و٦، و١٠ و٢٢ و٤٩ و٨٣) ذكر صاحب التقصي منها رقم (١٠ و٢٢ و٨٣) فقط وهي عنده رقم ٣٢٨ و٣٢٩ و٣٣٠ ولم يذكر حديث رقم (٦/٤٩) وهما في الموطأ ٢/٥١٤ و٢/٥٧٤ من كتاب الفرائض وكتاب الطلاق وانظر ترجمة عبد ربه بن سعيد في التقريب ١/٤٧٠ وتهذيب التهذيب ٦/١٢٦. ٥ تشبكت: أي نشبت (القاموس المحيط ٣/٣٠٨) . ٦ الموطأ ٢/٤٥٧.
[ ٣٧٢ ]
قال الكاند هلوي: "ووصله النسائي، قال الحافظ بإسناد حسن من طريق حماد بن سلمة عن محمد بن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن جده. وأخرجه النسائي أيضًا بإسناد حسن من حديث عبادة، قاله الزرقاني. ثم قال: قلت: ووصله أبو داود أيضًا برواية حماد عن ابن إسحاق بهذا السند"١.
وأورد ابن كثير حديث ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ثم قال: وهذا السياق يقتضي أنه ﵇ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة كما ذهب إليه محمد بن إسحاق بن يسار خلافا لموسى بن عقبة وغيره٢.
ثم قال: "وفي صحيح البخاري من طريق الليث عن عقيل عن الزهري عن عروة عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم أن رسول الله ﷺ قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين فسألوا أن ترد إليهم أموالهم ونساؤهم فقال لهم رسول الله ﷺ: "معي من ترون واحب الحديث إليّ أصدقه فاختاروا إحدى الطائفتين إما السبي وإما المال. وقد كنت استأنيت بكم" وكان رسول الله ﷺ انتظهرهم بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف، فلما تبيّن لهم أنّ رسول الله ﷺ غير راد إليهم إلاّ إحدى الطائفتين، قالوا: إنا نختار سبينا، فقام رسول الله ﷺ في المسلمين وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: "أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء قد جاءوا تائبين وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول يفيء الله علينا فليفعل".
فقال الناس: "قد طيبنا ذلك يا رسول الله، فقال لهم: "إنا لا ندري من أذن منكم ممن لم يأذن، فارجعوا حتى يرفع إلينا عرفاؤكم أمركم". فرجع الناس فكلمهم عرفاؤهم، ثم رجعوا إلى رسول الله ﷺ فأخبروه بأنهم قد طيبوا وأذنوا" فهذا الذي بلغنا عن سبي هوازن ٣ إلى أن قال: والمقصود من هذا
_________________
(١) ١ أوجز المسالك إلى موطأ مالك ٨/٣٢٠. وسنن النسائي ٦/٢٢٠ كتاب الهبة و٧/١١٩ كتاب قسم الفيء. وسنن أبي داود ٢/٥٧ كتاب الجهاد، باب في الفداء الأسير بالمال. ٢ انظر قول موسى بن عقبة عند البيهقي في دلائل ٣/٥٤ أ. وابن حجر: فتح الباري ٨/٣٣ وانظر ص (٤٣٦) تعليقة (٦) من مبحث قدوم وفد هوازن إلى الجعرانة. ٣ قال ابن حجر:" القائل: فهذا الذي بلغنا إلخ هو الزهري" (فتح الباري ٨/٣٤) وانظر الحديث في صحيح البخاري ٥/١٢٦ كتاب المغازي باب ويوم حنين وقد تقدم برقم (١٠٨) .
[ ٣٧٣ ]
أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم بعد القسمة كما دل عليه السياق وغيره، وظاهر سياق حديث عمرو بن شعيب الذي أورده محمد بن إسحاق عن أبيه عن جده أن رسول الله ﷺ رد إلى هوازن سبيهم قبل القسمة، ولهذا لما رد السبي وركب علقت الأعراب برسول الله ﷺ يقولون اقسم علينا فيئتنا حتى اضطروه إلى سمرة فخطفت رداءه، فقال: "ردوا علي ردائي أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاه نعما لقسمته فيكم ثم لا تجدوني بخيلا ولا جبانا ولا كذابا". كما رواه البخاري عن جبير بن مطعم بنحوه.
ثم قال: "كأنهم خشوا أن يرد إلى هوازن أموالهم كما رد إليهم نسائهم وأطفالهم فسألوه قسمة ذلك فقسمها - ﵊ - بالجعرانة كما أمره الله عز وجل١.اهـ.
قلت: وقد وردت أحاديث غير هذا تدل على أن قدوم وفد هوازن، كان بعد قسم سبيهم بين المسلمين، كما سيأتي ذلك في قدوم وفد هوازن٢. والذي يهمنا هنا هو ما حصل من هؤلاء الأعراب وغيرهم من الطلقاء وغوغاء الناس الذين لم يكن همهم إلا الحصول على الغنيمة سواء أكان قدوم وفد هوازن بعد قسم نسائهم وأطفالهم على المسلمين، أم كان قدومهم قبل ذلك.
وهذه الأحاديث تدل على حلم رسول الله ﷺ وسعة صدره وصبره على عتاة الأعراب وغيرهم من ضعفاء الإيمان، ويزيد ذلك وضوحا ما رواه البخاري ومسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال:
١٨١- كنت عند رسول الله ﷺ وهو نازل بالجعرانة بين مكة والمدينة٣ ومعه بلال فأتى النبي ﷺ أعرابي٤ فقال: "ألا تنجز لي ما وعدتني" ٥.
_________________
(١) ١ ابن كثير: البداية والنهاية ٤/٣٥٤، ٣٥٥ وانظر فتح الباري ٨/٣٣، ٣٤. ٢ انظر ص ٤٣٥. ٣ قال ابن حجر: أنكر الدوادي: الشارح قوله: أن (الجعرانة) بين مكة والمدينة، وقال: إنما هي بين مكة والطائف، وكذا جزم النووي بان الجعرانة بين الطائف ومكة، وهو قول عياض والفاكهي. (فتح الباري ٨/٤٦) . ٤ وعند مسلم: "رجل أعرابي". ٥ وعند مسلم: "ألا تنجز لي يا محمد! ما وعدتني". قال ابن حجر: "يحتمل أن الوعد كان خاصا به، ويحتمل أن يكون عاما، وكان طلبه أن يعجل نصيبه من الغنيمة فإنه ﷺ، كان أمر أن تجمع غنائم حنين بالجعرانة، وتوجه هو بالعساكر إلى الطائف، فلما رجع منها قسم الغنائم حينئذ بالجعرانة فلهذا وقع في كثير ممن كان حديث عهد بالإسلام استبطاء الغنيمة واسنتجاز قسمتها ٠ فتح الباري٨/٤٦.
[ ٣٧٤ ]
فقال له: "أبشر، فقال، قد أكثرت علي من أبشر١. فأقبل على أبي موسى وبلال كهيئة الغضبان، فقال: "رد البشرى٢، فاقبلا أنتما، قالا: قبلنا، ثم دعا بقدح٣ فيه ماء، فغسل يديه ووجهه فيه ومج فيه، ثم قال: اشربا منه، وأفرغا على وجوهكما ونحوركما وابشرا، فأخذ القدح ففعلا ٤، فنادت أم سلمة من وراء الستر أن أفضلا لأمكما، فأفضلا لها منه طائفة" ٥
قال النووي: "في الحديث: فضيلة ظاهرة لأبي موسى وبلال وأم سلمة - ﵃ -، وفيه استحباب البشارة واستحباب الازدحام فيما يتبرك به وطلبه ممن هو معه، والمشاركة فيه" ٦.
ومجموع ما مضى من الأحاديث صريح في الدلالة على ضعف إيمان هؤلاء الجشعين على غنائم حنين وعلى سوء أدبهم مع الرسول ﷺ في أقوالهم وأفعالهم، ويؤخذ منها أيضا أن هم هؤلاء هو المغنم لأنهم فروا في ميدان القتال وأصابهم الهلع والجشع بعد النهاية المعركة على الغنائم، وفي ذلك دلالة واضحة على أن نفوس هؤلاء الأعراب والطلقاء ونحوهم، ولم تتهذب بأخلاق الإسلام ولم ترسخ في نفوسهم العقيدة الإسلامية ويظهر أن كثيرا من هؤلاء حسن إسلامهم فيما بعد وأصبحوا جنودًا باسلة في صفوف الجيش الإسلامي، وقد كان لحكمة الرسول ﷺ وحلمه على هؤلاء وقسمه بينهم تلك الغنائم الهائلة أثر كبير في تحسن إسلامهم ورضا نفوسهم وإيقانهم بأن هذا الكرم العظيم الذي لا يقادر قدره لا يصدر إلا من رسول حق لا يخشى الفقر ولا يقيم لحطام الدنيا وزنا. والله أعلم.
_________________
(١) ١ أبشر: بهمزة قطع، أي بقرب القسمة، أو بالثواب الجزيل على الصبر (المصدر السابق ٨/٤٦) . وعند مسلم: "فقال له الأعرابي" ٢ عند مسلم: "إن هذا قد رد البشرى". ٣ القدح: بفتح القاف والدال- آنية للشرب تروي الرجلين، وقيل هو اسم يجمع صغارها وكبارها، والجمع أقداح. ومتخذها قداح، وصنعته القداحة. (لسان العرب لابن منظور٣/٣٨٨ والقاموس المحيط للفيروزآبادي ١/٢٤١، ومختار الصحاح لبي بكر الرازي ص ٥٢٣) . ٤ عند مسلم "ففعلا ما أمرها به رسول الله ﷺ فنادتهما أم سلمة من وراء الستر: أفضلا لأمكما مما في إنائكما" قال ابن حجر: "أم سلمة هي: زوج النبي ﷺ وهي أم المؤمنين ولهذا قالت: لأمكما" (فتح الباري ٨/٤٦-٤٧) . ٥ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف و١/٤٢ كتاب الوضوء، باب الغسل والوضوء في المخضب والقدح والخشب والحجارة، ذكر طرفا منه، انظر فتح الباري ١/٢٩٥و٣٠٢و٨/٤٦، ومسلم: الصحيح ٤/١٩٤٣ كتاب الفضائل الصحابة، باب من فضائل أبي موسى وأبي عامر الأشعريين. ٦ النووي: شرح صحيح مسلم ٥/٣٦٧.
[ ٣٧٥ ]
المبحث الثالث: اعتراض ذي الخويصرة التميمي على الرسول ﷺ في قسم الغنائم
كان الرسول ﷺ قد أمر - وهو لحنين - بالغنائم أن تجتمع وأن تحبس في الجعرانة حتى يعود من الطائف، ثم توجه ﷺ بمن معه من المسلمين إلى الطائف فضرب عليها الحصار كما مر ذلك مفصلًا١.
ثم قرر ﷺ العودة إلى الجعرانة فوصلها ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة، وأقام بها ثلاث عشرة ليلة ينتظر هوازن لعلها أن تقدم مسلمة فيرد إليها سبيها وأموالها، ولما لم تقدم في هذه المدة٢، شرع ﷺ في توزيع الغنائم حسب ما تقتضيه المصلحة العامة، فوضعها في موضعها اللائق بها، غير أن بعض أهل الزيغ والنفاق عباد الدينار والدرهم انتقد رسول الله ﷺ في صنيعه هذا ونسبه إلى الجور والظلم فخاطب رسول الله ﷺ بلهجة قاسية تنبئ عما انطوت عليه نفسه من الحقد والغل والبعد عن هدي الإسلام وتعاليمه السامية "يا محمد اعدل" فتألم رسول الله ﷺ من ذلك وغضب غضبا شديدا حتى طلب عمر بن الخطاب الإذن منه في قتل هذا المنافق الخبيث، ولكن رسول الله ﷺ منعه من ذلك وقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي". ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة وله شيعة وأتباع، فالحكمة تقتضي عدم قتله وأن يتركه وما تولى، وهذا ما دلت عليه الأحاديث الآتية:
أ- فقد جاء في حديث جابر بن عبد الله - ﵄ - عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه وهذا سياق مسلم:
١٨٢- حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر، أخبرنا الليث٣ عن يحيى٤ بن سعيد عن أبي الزبير٥ عن جابر بن عبد الله قال:
_________________
(١) ١في مبحث (حصار الطائف) ص (٢٧٨) . ٢ انظر: مبحث (فك الحصار عن الطائف والعودة إلى الجعرانة)، ص (٣٢٨) . ٣ الليث: هو ابن سعد الفهمي. ٤ هو الأنصاري النجاري. ٥ أبو الزبير، هو: محمد بن مسلم بن تدرس المكي.
[ ٣٧٦ ]
أتى رجل١ رسول الله ﷺ بالجعرانة منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبض منها يعطي الناس، فقال: يا محمد! اعدل٢.
قال: "ويلك٣! ومن يعدل إذا لم أكن أعدل؟ لقد خبت٤ وخسرت، إن لم أكن أعدل".
فقال عمر بن الخطاب ﵁: "دعني٥ يا رسول الله فأقتل هذا
_________________
(١) ١ وعند أحمد "رجل من بني تميم" وفي حديث أبي سعيد الخدري وعبد الله بن عمرو ابن العاص أنه ذو الخويصرة التميمي، انظر حديث (١٨٤) وتعليقة (٤) من ص ٣٨٤ وفتح الباري ٨/٦٩. ٢ وعند البخاري: "بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة الجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، قال: "لقد شقيت إن لم أعدل" وعند الحميدي: قال قال أبو الزبير: سمعت جابر بن عبد الله يقول: كان رسول الله ﷺ يقسم غنائم حنين بالجعرانة والتبر في حجر بلال، فجاءه رجل فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل، قال: "ويحك، فمن يعدل إذا لم أعدل". وعند ابن ماجة "كان رسول الله ﷺ بالجعرانة وهو يقسم التبر والغنائم وهو في حجر بلال، فقال رجل: اعدل يا محمد، فإنك لم تعدل، فقال: "ويلك ومن يعدل بعدي إذا لم أعدل"؟ وعند أحمد: قال أبو الزبير سمعت جابرًا يقول: بصر عيني وسمعت أذني رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة ورسول الله ﷺ يقبضها للناس يعطيهم، فقال رجل: اعدل. وعند الطبراني عن جابر، قال: "أبصرت عيناي وسمعت أذناي رسول الله ﷺ بالجعرانة وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله ﷺ يقبضها للناس فيعطيهم، فقال له رجل: يا رسول الله! اعدل". ٣ ويل: كلمة تقال لمن وقع في هلكة يستحقها، والويل: حلول الشر وكلمة عذاب (هدي الساري لابن حجر ص ٢٠٧ والمعجم الوسيط ٢/١٠٦١) . ٤ عند البخاري وأحمد "لقد شقيت إن لم أعدل". قال النووي: قوله: "خبت وخسرت" روي بفتح التاء فيهما وضمهما ومعنى الضم ظاهر، وتقدير الفتح خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل لكونك تابعا ومقتديا بمن لا يعدل، والفتح أشهر". وقال ابن حجر: في رواية البخاري "لقد شقيت": هو بضم المثناة للأكثر، ومعناه ظاهر ولا محذور فيه والشرط لا يستلزم الوقوع؛ لأنه ليس ممن لا يعدل حتى يحصل له الشقاء، بل هو عادل فلا يشقى، ثم قال: وحكى عياض فتحها ورجحه النووي، وحكاه الإسماعيلي عن رواية شيخه المنيعي من طريق عثمان بن عمر عن قرة والمعنى: "لقد شقيت أي ضللت أنت أيها التابع حيث تقتدي بمن لا يعدل أو حيث تعتقد في نبيك هذا القول الذي لا يصدر عن مؤمن" (انظر: شرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٦ وفتح الباري لابن حجر ٦/٢٤٣) . ٥ وعند ابن ماجة: "دعني يا رسول الله حتى أضرب عنق هذا المنافق" وعند أحمد فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله دعني أقتل هذا المنافق الخبيث". وعنده أيضا فقال عمر: يا رسول الله ألا أقوم فأقتل هذا المنافق، قال: "معاذ الله أن تتسامع الأمم أن محمد يقتل أصحابه" وقد جاء في بعض طرق حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن خالد بن الوليد استأذن رسول الله ﷺ في قتله أيضا، قال ابن حجر: "ولا تنافي في ذلك لاحتمال أن يكون كل منهما سأل في ذلك، ثم رأيت عند مسلم من طريق جرير عن عمارة بن القعقاع بسنده فيه: "فقام عمر بن الخطاب فقال يا رسول الله ألا أضرب عنقه؟ قال: لا، ثم أدبر فقام إليه خالد بن الوليد سيف الله فقال يا رسول الله أضرب عنقه؟ قال: لا.". فهذا نص في أن كليهما سأله.. ثم قال: وقد استشكل سؤال خالد في ذلك لأن بعث علي إلى اليمن كان عقب بعث خالد بن الوليد إليها والذهب المقسوم أرسله علي من اليمن كما في صدر حديث ابن أبي نعم عن أبي سعيد، ويجاب بأن عليًّا لما وصل إلى اليمن رجع خالد منها إلى المدينة فأرسل علي الذهب فحضر خالد قسمته. وأما حديث عبد الله بن عمرو فإنه في قصة قسم وقع بالجعرانة من غنائم حنين والسائل في قتله عمر بن الخطاب جزما، وقد ظهر أن المعترض في الموضعين واحد. فتح الباري ٨/٦٩ و١٢/٢٩١ و٢٩٣) . وانظر تخريج حديث أبي سعيد الخدري تحت (١٨٤) تعليقة (٤) ص ٣٨٤ وحديث عبد الله بن عمرو (١٨٤) .
[ ٣٧٧ ]
المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي. إن هذا١ وأصحابه يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم٢ يمرقون منه٣ كما يمرق السهم من الرمية" ٤.
حدثنا محمد بن المثنى حدثنا عبد الوهاب الثقفي قال: سمعت يحيى ابن سعيد يقول أخبره أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله.
_________________
(١) ١ عند ابن ماجة "إن هذا في أصحابي أو أصيحاب له". وعند الحميدي وابن الجارود: "فإن هذا مع أصحاب له أو في أصحاب له". ٢ وعند ابن ماجة وأحمد: "لا يجاوز تراقيهم". وعند أحمد أيضا "لا يجاوز حناجرهم أو تراقيهم". وعند الطبراني: "لا يجاوز حلوقهم - أو حناجرهم" والحناجر جمع حنجرة وهي الحلقوم وهو العظم الناتيء في وسط الحلق. والتراقي جمع ترقوة - بفتح أوله وسكون الراء وضم القاف وفتح الواو- وهي العظم الذي بين نقرة النحر والعاتق، وهما ترقوتان من الجانبين. والمعنى أن قراءتهم لا يرفعها الله ولا يقبلها، وقيل لا يعملون بالقرآن فلا يثابون على قراءته فلا يحصل لهم إلا سرده. وقيل: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلاّ مروره على ألسنتهم لا يصل إلى حلوقهم فضلًا عن أن يصل إلى قلوبهم لأن المطلوب تعقله وتدبره ووقوعه في القلب. (النهاية لابن الأثير ١/١٨٧، و٤٤٩، وشرح صحيح مسلم للنووي ٣/١٠٧ وفتح الباري ١٢/٢٩٣ وهدي الساري ص ٩٢ و١٠٨، كلاهما لابن حجر) . ٣ وعند ابن ماجة وأحمد والحميدي وابن الجارود: "يمرقون من الدين" وعند أحمد أيضا والطبراني "يمرقون من الدين مرور السهم من الرمية". وعند احمد أيضا "يمرقون من الدين كما يمرق المرماة من الرمية". وفي حديث أبي سعيد الخدري "يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية". قال القاضي عياض: "معناه يخرجون منه خروج السهم إذا نفذ من الصيد من جهة أخرى، ولم يتعلق به شيئ منهم". (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧) . ٤ الرمية بفتح الراء وكسر الميم وتشديد التحتانية، أي الشيء الذي يرمى به ويطلق على الطريدة من الوحش إذا رماها الرامي، وهي فعيلة بمعنى مفعولة (فتح الباري ٦/٦١٨ و١٢/٢٨٨ و٢٨٩ وهدي الساري ص: ١٢٥ وشرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٧ والنهاية لابن الأثير ٢/٢٦٨-٢٦٩) .
[ ٣٧٨ ]
ح- وحدثنا أبو بكر١ عن أبي شيبة حدثنا زيد٢ بن الحباب، حدثنا قرة٣ بن خالد حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ كان يقسم غنائم، وساق الحديث٤.
والحديث رواه أحمد والطبراني والبيهقي الجميع من طريق يحيى بن السعيد عن أبي الزبير به٥.
ورواه ابن ماجة والحميدي وابن الجارود كلهم من طريق سفيان ابن عيينة عن أبي الزبير به٦.
ورواه أيضا أحمد من طريق معان٧ ابن رفاعة حدثنا أبو الزبير به٨.
فقد روى هذا الحديث عن أبي الزبير يحيى بن سعيد الانصاري وعيينة ومعان بن رفاعة وقرة بن خالد كما هو عند مسلم٩ من طريق زيد بن الحباب عن قرة بن خالد عن أبي الزبير١٠.
ورواه البخاري عن مسلم بن إبراهيم وأحمد عن أبي عامر١١ والعقدي كلاهما عن قرة بن خالد عن عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله.
_________________
(١) ١ هو عبد الله بن محمد. ٢ زيد بن الحباب - بضم المهملة وموحدتين -. ٣ قرة بن خالد - بضم القاف وتشديد الراء ثم هاء- السدوسي. ٤ مسلم: الصحيح ٢/٧٤٠ كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج وصفاتهم. ٥ أحمد المسند ٣/٣٥٣ والطبراني ٢/٢٠٠-٢٠١ والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٣أ. ٦ ابن ماجة: السنن١/٦١ في المقدمة باب في ذكر الخوارج والحميدي المسند٢/٥٣٤ وابن الجارود: المنتقى ص ٣٦٣. ٧ معان - بضم أوله وتخفيف المهملة أخره نون - ابن رفاعة السلامي بتخفيف اللام الشامي - لين الحديث، كثير الإرسال، من السابعة/ ق (التقريب ٢/٢٥٨ وتهذيب التهذيب ٦/٣٦٩ و١٠/٢٠١ وميزان اعتدال ٤/١٣٤. والخلاصة للخزرجي ٣/٨٢-٨٣ ووقع في المسند (معاذ) بالذال المعجمة وهو خطأ.) ٨ المسند ٣/٣٥٤-٣٥٥ ٩ الحديث عند مسلم من طريق يحيى بن سعيد الأنصاري ومن طريق قرة بن خالد كلاهما عن أبي الزبير. ١٠ تقدم في حديث ١٨٢ ١١ هو عبد الملك بن عمرو القيسي، أبو عامر العقدي - بفتح المهملة والقاف- ثقة من التاسعة (ت ٢٠٤أو ٢٠٥) / ع التقريب ١/٥٢١ وتهذيب التهذيب ٦/٤٠٩ وتذكرة الحفاظ للذهبي ١/٣٤٧ والخلاصة للخزرجي ٢/١٧٨ وقد سقطت من تهذيب التهذيب علامة من أخرج له) .
[ ٣٧٩ ]
فقرة في هذا السند يروي عن عمرو بن دينار بدل أبي الزبير.
وهذا سياق الحديث عند البخاري:
قال: حدثنا مسلم بن إبراهيم حدثنا قرة بن خالد حدثنا عمرو بن دينار عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "بينما رسول الله ﷺ يقسم غنيمة بالجعرانة إذ قال له رجل: اعدل، فقال له: "شقيت إن لم أعدل" ١.
ب- وفي حديث عبد الله بن مسعود عند البخاري ومسلم وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٣- قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة حدثنا جرير٢ عن منصور عن أبي وائل عن عبد الله - ﵁ - قال: لما كان يوم حنين آثر النبي ﷺ أناسا٣ في القسمة: فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى أناسا من أشراف العرب فآثرهم يومئذ في القسمة، قال رجل: "والله إن هذه القسمة ما عدل فيها٤ وما أريد بها وجه الله فقلت والله لأخبرن النبي ﷺ فأتيته فأخبرته٥، فقال: "فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله؟ "
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٤/٧٢ كتاب فرض الخمس، باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين إلخ. وأحمد: المسند ٣/٣٣٢. قال ابن حجر: "وقد خالف زيد بن الحباب مسلم بن إبراهيم فيه فقال: "عن قرة عن أبي الزبير" "بدل" عمرو بن دينار أخرجه مسلم، وسياقه أتم، ورواية البخاري أرجح فقد وافق شيخه على ذلك عن قرة عثمان بن عمر - هو ابن فارس - عند الإسماعيلي، والنضر بن شميل عند أبي نعيم، فاتفاق هؤلاء الحفاظ الثلاثة أرجح من انفراد زيد بن الحباب على ما في رواية هؤلاء كلهم عن قرة عن عمرو (فتح الباري ٦/٢٤٢-٢٤٣) . قلت: وكون الحديث عند قرة عن شيخين هو الظاهر بمعنى أن قرة روى الحديث عن أبي الزبير وعن "عمرو بن دينار" ويكون قد وافقه في روايته عن "أبي الزبير" ابن عيينة ويحيى بن سعيد ومعان بن رفاعة ووافقه في روايته عن (عمرو بن دينار) عثمان بن عمر والنضر بن شميل وأبو عامر العقدي. ٢ جرير: هو ابن عبد الحميد بن قرط. ومنصور: هو ابن معتمر. وأبو وائل: هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي. ٣ عند مسلم "ناسا". ٤ وعند مسلم "إن هذه لقسمة ما عدل فيها وما أريد فيها وجه الله". ٥ عند مسلم "فأتيته فأخبرته بما قال، قال: فتغير وجهه حتى كان كالصرف ثم قال: "فمن يعدل" الخ.
[ ٣٨٠ ]
رحم١ الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
وأخرجاه من طريق حفص بن غياث حدثنا الأعمش٢ قال: سمعت شقيقا يقول: قال عبد الله: "قسم النبي ﷺ قسمة - كبعض ما كان يقسم - فقال رجل من الأنصار ٣: والله إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله، قلت: أما٤ لأقولن للنبي ﷺ فأتيته - وهو في بعض أصحابه - فساررته٥ فشق ذلك على النبي ﷺ وتغير وجهه وغضب حتى وددت أني لم أكن أخبرته، ثم قال: "قد أوذي موسى بأكثر من ذلك فصبر" ٦.
_________________
(١) ١ عند مسلم "ثم قال: يرحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" قال: قلت: "لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا". ٢ الأعمش هو سليمان بن مهران. ٣ قوله: "فقال رجل من الأنصار" قال ابن حجر: "وفي رواية الواقدي: أنه معتب بن قثير من بني عمرو بن عوف وكان من المنافقين، وفيه تعقب على مغلطاي حيث قال: لم أر أحدًا قال إنه من الأنصار إلاّ ما وقع هنا، وجزم بأنه حرقوص بن زهير السعدي، وتبعه ابن الملقن وأخطأ في ذلك فإن قصة حرقوص غير هذه كما سيأتي قريبا من حديث أبي سعيد الخدري" اهـ. (فتح الباري ٨/٥٦ و٦٩ و١٠/٥١٢ و١١/١٣٨ و١٢/٢٩٢، وانظر: مغازي الواقدي ٣/٩٤٩ والروض الانف ٧/٢٨٩ وانظر الحديث رقم (٢٠٦) وقد ذكر ابن حجر معتب بن قشير في الإصابة ٣/٤٤٣ فقال قيل إنه كان منافقا، وقيل إنه تاب، وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.) . ٤ قوله (أما لأقولن) قال ابن حجر: "قال ابن التين: هي بتخفيف الميم ووقع في رواية (أما) بتشديدها، وليس ببين ثم قال ابن حجر قلت: "وقع للكشميهني "أم" بغير ألف وهو يؤيد التخفيف ويوجه التشديد على أن في الكلام حذفا تقديره أما إذا قلت: ذلك لأقولن" (فتح الباري ١٠/٥١٢) . ٥ عند مسلم "فأتيت النبي ﷺ فساررته فغضب من ذلك غضبا شديدا واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له". ٦ البخاري: الصحيح ٤/٧٥ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة قلوبهم وغيرهم من الخمس الخ. و٥/١٣١ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/٢٢ كتاب الأدب باب الصبر على الأذى، والأدب المفرد ص ١٤١ واللفظ له. ومسلم: الصحيح ٢/٧٣٩ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه. قال ابن حجر: "وفي الحديث جواز إخبار الإمام وأهل الفضل بما يقال فيهم مما لا يليق بهم ليحذورا القائل، وفيه بيان ما يباح من الغيبة والنميمة لأن صورتها موجودة في صنيع ابن مسعود هذا، ولم ينكره النبي ﷺ وذلك أن قصد ابن مسعود كان نصح النبي ﷺ وإعلامه بمن يطعن فيه ممن يظهر الإسلام ويبطن النفاق ليحذر منه، وهذا جائز كما يجوز التجسس على الكفار ليؤمن من كيدهم، وقد ارتكب الرجل المذكور بما قال إثما عظيما فلم يكن له حرمة. وفيه أن أهل الفضل قد يغيظهم ما يقال فيهم مما ليس فيهم، ومع ذلك فيتلقون ذلك بالصبر والحلم كما صنع النبي ﷺ اقتداء بموسى - ﵇ -. وأشار بقوله ﷺ: "قد أوذي أوذي أخي موسى بأكثر من ذلك فصبر" إلى قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ آذَوْا مُوسَى﴾ . قد حكي في صفة أذاهم له ثلاث قصص: إحداها: قولهم هو آدر وذلك أن اليهود كانوا يغتسلون عراة يرى أحد بعضهم عورة بعض وكان موسى - ﵇ - حييا لا يحب أن يرى أحد عورته فاتهموه لأنه آدر. الثانية: إتهامهم له بقتل هارون وذلك أنه توجه معه إلى زيارة فمات هارون فدفنه موسى، فطعن فيه بعض بني إسرائيل وقالوا: أنت قتلته. الثالثة: إتهامهم له بانه زنى بامرأة وذلك بتواطئ قارون مع بني إسرائيل، حتى يقام عليه الحد فيرجم حتى يموت فيستريحوا منه، وقد برأه الله مما قالوا فيه من زور وبهتان". (انظر فتح الباري ٦/٤٣٨ز٤٤٨ و٨/٥٦ و١٠/٤٧٦و٥١٢) .
[ ٣٨١ ]
والحديث رواه البخاري أيضا من طريق سفيان الثوري، ومن طريق أبي حمزة السكري محمد بن ميمون، ومن طريق شعبة بن الحجاج الجميع عن الأعمش به١.
ورواه أحمد عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم عن الأعمش به. ومن طريق شعبة عن الأعمش به٢.
كما رواه أيضا من طريق عاصم بن بهدلة عن أبي وائل، ولفظه يخالف ما تقدم بعض المخالفة وهذا سياقه: حدثنا يونس، حدّثنا حماد - يعني ابن زيد عن عاصم٣ عن أبي وائل عن عبد الله بن مسعود قال: لما قسم رسول الله غنائم حنين بالجعرانة، ازدحموا عليه، فقال رسول الله ﷺ: "إن عبدا من عباد الله بعثه الله إلى قومه فضربوه وشجوه٤، قال: فجعل يمسح الدم عن جبهته ويقول: رب اغفر لقومي إنهم لا يعلمون" قال عبد الله كأني انظر إلى رسول الله ﷺ يمسح الدم عن جبهته يحكي الرجل ويقول: "رب اعفر لقومي إنهم لا يعلمون".
حدثنا عفان ثنا حماد بن سلمة قال أنا عاصم بن بهدلة عن أبي وائل عن ابن مسعود قال: تكلم رجل من الأنصار كلمة فيها موجدة على النبي ﷺ فلم تقرني نفسي أن أخبرت بها النبي ﷺ، فلوددت أني افتديت منها بكل أهل ومال، فقال: "قد آذوا
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٤/١٢٥ كتاب أحاديث الأنبياء. و٥/١٣١كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٨/١٦ كتاب الأدب، باب من أخبر صاحبه بما يقال فيه، و٨/٥٤-٥٥ كتاب الاستذان، باب إذا كانوا أكثر من ثلاثة فلا بأس بالمسارة والمناجاة، و٨/٦٢ كتاب الدعوات، باب قوله الله تعالى (وصل عليهم) . ٢ أحمد المسند: ١/٣٨٠ و٤١١ و٤٤١، ورواه أيضا أبو يعلى في مسنده ٥/٤٧٠-٤٧١ ب - أو٥/٤٧٩ أرقم ٣٠٥، والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٢ ب. ٣ عاصم بن بهدلة بن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي، أبو بكر المقرئ، صدوق له أوهام حجة في القراءة وقال الذهبي هو حسن الحديث وقد تقدم في حديث١١٩. ٤ الشج مختص من الجراح بالرأس والوجه (هدي الساري ص ١٣٧) .
[ ٣٨٢ ]
موسى - ﵊ - أكثر من ذلك فصبر، ثم أخبر أن نبيا كذبه قومه وشجوه حين جاءهم بأمر الله، فقال وهو يمسح الدم عن وجهه "اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" ١.
ج- ما أخرجه ابن إسحاق من حديث عبد الله بن عمرو وهذا سياقه:
١٨٤- قال: حدثني أبو عبيدة ٢ بن محمد بن عمار بن يسار عن مقسم٣ أبي
_________________
(١) ١ مسند أحمد ١/٤٥٣ و٤٥٦ وفي الصحيحين من طريق الأعمش حدثني شقيق قال: قال عبد الله: كأني أنظر إلى النبي ﷺ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه فأدموه، فهو يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون" لفظ البخاري. (صحيح البخاري ٩/١٤ كتاب استتابة المرتدين) باب (٥) . وصحيح مسلم ٣/١٤١٧ كتاب الجهاد والسير باب غزوة أحد. قال النووي: "قوله (يحكى نبيا من الأنبياء الخ) فيه ما كانوا عليه صلوات الله وسلامه عليهم من الحلم والتصبر، والعفو والشفقة على قومهم، ودعائهم لهم بالهداية والغفران وعذرهم في جنايتهم على أنفسهم بأنهم لا يعلمون وهذا النبي المشار إليه من المتقدمين، وقد جرى لنبينا ﷺ مثل هذا في أحد" (شرح النووي على صحيح مسلم ٤/٤٣٤) وأشار ابن حجر إلى ما حصل لرسول الله ﷺ في غزوة أحد، ثم قال: وعند أحمد من رواية عاصم عن أبي وائل عن ابن مسعود أنه ﷺ قال نحو ذلك يوم حنين لما ازدحموا عليه عند قسمة الغنائم". (فتح الباري ١٢/٢٨٢)، وعلى هذا فتكون هذه الحكاية حصلت في غزوة أحد، وفي غزوة حنين. ٢ كذا في الحديث: (أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر) والحديث عند أحمد في المسند ٢/٢١٩ من طريق ابن إسحاق وفي نهاية الحديث قال عبد الله بن أحمد: أبو عبيدة اسمه محمد وهو ثقة، وأخوه سلمة بن محمد ابن عمار لم يرو عنه الأعلى بن زيد، ولا يعلم خبره. ومقسم ليس به بأس ولهذا الحديث طرق في هذا المعنى وطرق أخر في هذا المعنى صحاح قلت: وقد وثق أبا عبيدة ابن معين وقال أبو حاتم: منكر الحديث وعقب الذهبي عليه بقوله: قلت: صدوق إن شاء الله، وختم ترجمته بقوله: وثقه غير واحد. (ميزان الاعتدال ٤/٥٤٩) . أما ابن حجر فقال عنه في التقريب٢/٤٤٨: أبو عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر، أخو سلمة، وقيل هما واحد "مقبول" من الرابعة / ع (انظر تهذيب التهذيب ١٢/١٦٠-١٦١) . وعلى كل فإن أبا عبيدة يكون من رجال الحسن على أقل تقدير وقد حسن هذا الحديث ابن حجر نفسه في فتح الباري ١٢/٢٩١. ٣ مقسم قال عنه ابن حجر في التقريب ٢/٢٧٣: صدوق وكان يرسل وفي التهذيب التهذيب ١٠/٢٨٨-٢٨٩. وثقه أحمد بن صالح المصري والعجلي ويعقوب بن سفيان والدارقطني. وقال أبو حاتم: صالح الحديث لا بأس به. وضعفه ابن سعد والساجي وابن حزم. ورمز له الذهبي في ميزان الاعتدال ٤/١٧٦ (بصح) إشارة إلى توثيقه، ثم قال: والعجب من أن البخاري أخرج له في صحيحه، وذكره في كتاب الضعفاء فساق له حديث شعبة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس: "احتجم النبي ﷺ وهو صائم" ثم روى عن شعبة أن الحكم لم يسمع من مقسم حديث الحجامة. وانظر: التاريخ للبخاري ص: ١٣٣-١٣٤ وقد تقدمت ترجمة مقسم في حديثها (٧٥) .
[ ٣٨٣ ]
القاسم، مولى عبد الله بن الحارث بن نوفل قال: خرجت أنا وتليد١ بن كلاب الليثي حتى أتينا عبد الله بن عمرو بن العاص، وهو يطوف بالبيت معلقا نعله٢ بيده، فقلنا له: هل حضرت رسول الله حين كلمه التميمي٣ يوم حنين؟
قال: "نعم جاء رجل من بني تميم، يقال له ذو الخويصرة٤، فوقف عليه وهو
_________________
(١) ١ تليد بن كلاب الليثي، ذكره ابن حجر في الإصابة ١/١٨٨-١٨٩ في القسم الرابع فيمن ذكر في الصحابة على سبيل التصحيف والغلط، وقال: استدركه الذهبي في التجريد، فقال حديثه في مسند أحمد في قول ذي الخويصرة "اعدل". رواه ابن إسحاق عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار عن مقسم عن رجل عنه، ثم عقب ابن حجر على قول الذهبي هذا بقوله قلت: والحديث المذكور وقع في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص من مسند أحمد، وليس لتليد بن كلاب فيه رواية، بل له فيه مجرد ذكر. ثم ساق حديث الباب عن أحمد من طريق ابن إسحاق، ثم قال: وكذا أخرجه الطبراني في المعجم الكبير في مسند عبد الله بن عمرو بن العاص وقد تبين أن مقسما أخذ هذا الحديث عن عبد الله بن عمرو بن العاص مشافهة، وليس في السياق ما يقتضي أن يكون لتليد بن كلاب صحبة ولا له فيه رواية. ٢ عند أحمد والطبري "معلقا نعليه". ٣ عند أحمد (حين يكلمه) . ٤ جاء في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري: أن علي بن أبي طالب بعث من اليمن بذهبية فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر: بين عيينة والأقرع بن حابس وزيد الخيل، وعلقمة بن علاثة. فقال ذو الخويصرة رجل من بني تميم، يا رسول الله اعدل، قال: "ويلك من يعدل إذا لم أعدل" فقال عمر: ائذن لي فلأضرب عنقه "قال: "لا، إن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية" الحديث. قال ابن حجر: "تنبيه: هذه غير القصة المتقدمة في غزوة حنين وقد وهم من خلطها بها". ثم قال: "ولمسلم من حديث جابر بن عبد الله نحو حديث أبي سعيد وفيه فقال: عمر: دعني يا رسول الله فأقتل هذا المنافق، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي، إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم"، يمرقون منه، لكن القصة التي في حديث جابر صرح في حديثه بأنها كانت منصرف النبي ﷺ من الجعرانة، وكان ذلك في ذي القعدة سنة ثمان، وكان الذي قسمه النبي ﷺ حينئذ فضة كانت في ثوب بلال، وكان يعطي كل ما جاء منها". والقصة التي في حديث أبي سعيد صرح في رواية ابن أبي نعيم عنه أنها كانت بعد بعث عليّ إلى اليمن، وكان ذلك في سنة تسع، وكان المقسوم فيها ذهبا وخص به أربع أنفس، فهما قصتان في وقتين اتفق في كل منهما إنكار القائل، وصرح في حديث أبي سعيد أنه ذو الخويصرة التميمي ولم يسم القائل في حديث جابر ووهم من سماه ذا الخويصرة ظانا إتحاد القصتين. ووجدت لحديث جابر شاهدا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي ﷺ أنه أتاه رجل يوم حنين وهو يقسم شيئا، فقال: يا محمد اعدل، ولم يسم الرجل أيضا. وسماه محمد بن إسحاق بسند حسن عن عبد الله بن عمرو بن العاص وأخرجه أحمد والطبري أيضا ولفظه: أتي ذو الخويصرة التميمي رسول الله ﷺ وهو يقسم الغنائم بحنين فقال: يا محمد اعدل، فذكر نحو هذا الحديث المذكور، فيمكن أن يكون تكرر ذلك منه في الموضعين عند قسمة الغنائم حنين وعند قسمة الذهب الذي بعثه علي فظهر أن المعترض في الموضعين واحد إهـ. (فتح الباري ٨/٦٨ و١٢/٢٩١ و٢٩٣ بتصرف، وحديث أبي سعيد في البخاري ٤/١٠٩ و١٥٩-١٦٠ و٥/١٣٤ و٦/٥٦ و١٦٢ و٨/٣٢ و١٥ و١٠٢ و١٣٠، ومسلم: الصحيح ٢/٧٤١-٧٤٦، كتاب الزكاة، باب ذكر الخوارج. والروايات الواردة في هذا الباب جاء فيها بأن القائل لرسول الله ﷺ "لعدل" أنه رجل، وفي بعضها رجل من بني تميم وفي بعضها ذو الخويصرة التميمي، وفي بعضها ابن ذي الخويصرة التميمي وفي بعضها عبد الله بن ذي الخويصرة التميمي، وقد اتفقت جميعها بأنه تميمي، وجاء عن الثعلبي ومن طريقه أخرجه الواحدي في أسباب النُّزول، فقال: ابن ذي الخويصرة التميمي وهو حرقوص بن زهير أصل الخوارج. وكذا جاء عند أبي يعلى من طريق أفلح بن عبد الله بن المغيرة. قال ابن حجر: "وما أدري من الذي قال هو حرقوص، وقد اعتمد على ذلك ابن الأثير، فترجم لذي الخويصرة في الصحابة، ثم ذكر رواية الثعلبي وقال في نهايتها: فقد جعل في هذه الرواية اسم ذي الخويصرة حرقوها". والله أعلم قال ابن حجر: "وقد زعم بعضهم بأنه ذو الثدية وليس كذلك، وأكثر ما جاء ذكر هذا القائل في الأحاديث مبهما، ووصف بأنه مشرف الوجنتين غائر العينين ناشز الجبهة محلوق الرأس. الخ اهـ. والخلاصة: أن تسمية القائل حرقوصا، جاء في رواية الثعلبي وقد قال ابن تيمية: الثعلبي: في نفسه خير ودين ولكنه حاطب ليل وقال ابن كثير: يوجد في كتبه من الغرائب شيء كثير". وأما رواية أبي يعلى فإن فيها أبا معشر السندي، وهو ضعيف وأيضا فإن أفلح بن عبد الله قد روى هذا الحديث عن الزهري، فقال عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ابن مسعود عن أبي سعيد الخدري، بينما رواه عن الزهري معمر وشعيب فقالا: عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي سعيد الخدري، ورواه الأوزاعي عن الزهري فقال فيه عن أبي سلمة الضحاك المشرقي عن أبي سعيد الخدري، ولذا فقد قال ابن حجر: وقد شذ أفلح بن عبد الله بن المغيرة عن الزهري، فروى هذا الحديث عنه فقال عن عبيد الله بن عبد الله ابن عتبة عن أبي سعيد الخدري، أخرجه أبو يعلى. (انظر فتح الباري١٢/٢٩٢بتصرف، وأسد الغابة٢/١٧٢والبداية النهاية لابن كثير ١٢/٤٠ والتبيان في علوم القرآن للصابوني ص:٢١١ وأسباب النزول للواحدي ص:١٦٧ ومسند أبي يعلى١/١١٩ و٢/١٢٠ رقم ٣٠١ ومجمع الزوائد٦/٢٣٤.
[ ٣٨٤ ]
يعطي الناس، فقال: يا محمد، قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم، فقال رسول الله ﷺ: "أجل١ كيف رأيت؟ فقال: لم أرك عدلت، قال: "فغضب النبي ﷺ، ثم قال: "ويحك! ٢ إذا لم يكن العدل عندي، فعند من يكون! " فقال عمر بن الخطاب يا رسول الله ألا أقتله؟ فقال: "لا دعه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون٣ في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية، ينظر في النصل٤، فلا يوجد شيء، ثم في القدح٥،
_________________
(١) ١ أجل: بفتحتين: حرف جواب بمعنى "نعم". ٢ ويحك: كلمة زجر لمن أشرف على هلكة. ٣ يتعمقون في الدين: التعمق: التنطع والتعمق البعيد الغور الغالي في القصد المتشدد في الأمر الذي يطلب أقصى غايته. ٤ النصل: حديدة السهم والرمح. ٥ القدح: بالكسر السهم قبل أم يراش وينصل جمعه قداح وأقاديح.
[ ٣٨٥ ]
فلا يوجد شيء ثم في الفوق١، فلا يوجد شيء، سبق الفرث٢ والدم" ٣.
والحديث رواه أحمد والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق به٤.
وأورده الهيثمي ثم قال: "رواه أحمد والطبراني باختصار ورجال أحمد ثقات"٥.
وقال ابن حجر: "بسند حسن"٦.
ثم قال ابن إسحاق: "وحدثني محمد٧ بن علي بن الحسين أبو جعفر بمثل حديث أبي عبيد وسماه ذا الخويصرة".
وحدثني عبد الله٨ بن أبي نجيح عن أبيه٩ بمثل ذلك١٠.
ومما مضى من الأحاديث يتبين لنا جفاء من صدر منه هذا القول السيء وخبث طويته حيث خاطب نبيه ﷺ ذلك الخطاب اللاذع المملوء بالحقد والغلظة والشراسة، كما يتضح لنا جليا حلم رسول الله ﷺ وتحمله لملاقاة هذا القول وغيره إقتداء بسلفه
_________________
(١) ١ الفوق: طرف السهم الذي يباشر الوتر. ٢ الفرث: ما يوجد في الكرش (النهاية ١/٢٦ و٣/٢٩٩ و٤٨٠ و٤/٢٠ و٥/٦٧ والقاموس المحيط ١/١٧١ و٢٤١ و٢٥٦ و٣/٢٦٨ و٢٧٨، و٣٢٧ و٤/٥٧ وهدي الساري ص ٧٥ و١٦٠ و١٦٦ و١٧٠ و١٩٥ و٢٠٧. قال ابن حجر: "في معنى الحديث: أي يخرجون من الإسلام بغتة كخروج السهم إذا رماه رام قوي الساعد فأصاب ما رماه فنفذ منه بسرعة بحيث لا يعلق بالسهم ولا بشيء منه من المرمى شيء فإذا التمس الرامي سهمه وجده ولم يجد الذي رماه فينظر في السهم ليعرف هل أصاب أو أخطأ فإذا لم يره علق فيه شيء من الدم ولا غيره ظن أنه لم يصبه والفرض أنه أصابه، وإلى ذلك أشار بقوله "سبق الفرث والدم" أي: جاوزهما ولم يتعلق فيه منهما شيء، بل خرجا بعده" (فتح الباري ٦/٦١٨ و١٢/٢٩٤) . ٣ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ والروض الأنف ٧/٢٥١ والبداية والنهاية ٤/٣٦٢. ٤ أحمد: المسند ٢/٢١٩ والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٢. والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥٣ أ. ٥ مجمع الزوائد ٦/٢٢٧-٢٢٨. ٦ فتح الباري ١٢/٢٩١. ٧ هو الباقر ثقة فاضل تقدم في حديث (١٩) . ٨ عبد الله بن أبي نجيح، يسار المكي، أبو يسار الثقفي مولاهم ثقة رمي بالقدر، وربما دلس، من السادسة (ت ١٣١تو بعدها) / ع (التقريب ١/٤٥٦ وتهذيب التهذيب ٦/٥٤) . ٩ هو يسار المكي، أبو نجيح مولى ثقيف، مشهور بكنيته، ثقة من الثالثة وهو والد عبد الله بن أبي نجيح (ت١٠٩) / م د ت س (التقريب ٢/٢٧٤ وتهذيب التهذيب ١١/٣٧٧) . ١٠ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٧ والروض الأنف ٧/٢٥١ وتاريخ الرسل الملوك ٣/٩٢.
[ ٣٨٦ ]
الصالح من الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولذا قال ﷺ: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر" إن صفة الصبر والحلم من أبرز الصفات التي يجب أن تتوافر في المسلم اقتداء بالنبي ﷺ ذلك أن طريق الدعوة إلى الإسلام محفوف بالمكاره والمصاعب، فالإيذاء والبطش والاتهام والتعيير والسخرية، كلها من العقبات التي تزدحم في وجه العاملين الدائبين في الدعوة إلى الله ﷿، كي تثبط هممهم وتشل حركتهم وتصرفهم عن الدعوة إلى الله.
ومن هنا فإن مهمة الداعية أن يتحمل ما يقال له من لذعات وسخرية وأن يقابل ذلك بالصبر والحلم، ولهذا كانت التوجيهات القرآنية والنبوية تفيض بالحث على التحلى بالصبر والحلم والأناة، وفي هذه الحادثة بالذات نرى كيف قابل رسول الله ﷺ ذلك القول السيّئ "يا محمد اعدل لم أرك عدلت" كان مقتضى ذلك قتله ولكن رسول ﷺ لم يفعل ذلك، واكتفى بقوله: "ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل".
ثم قال: "رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر".
ولقد قال بعض الصحابة لرسول الله ﷺ: يا رسول الله ائذن لي في قتل هذا المنافق، فقال رسول الله ﷺ: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".
ذلك أن هذا القائل معدود في الصحابة، فلو أمر بقتله لقال الذي لا يعرف حقيقة الأمر إن محمدا يقتل أصحابه فكان في ذلك تنفير الناس عن الدخول في الإسلام، وتشويه سمعته، ولعل هذا وجه الحكمة في عدم معاقبة هذا القائل مع تصريحه بما يوجب قتله وإخبار رسول الله ﷺ بأن له أصحابا يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية.
وقد بوب البخاري بقوله: "باب من ترك قتال الخوارج للتآلف ولئلا ينفر الناس عنه" ثم ساق حديث أبي سعيد الخدري١.
قال ابن حجر: "في أثناء شرحه للحديث، قوله: "فإن له أصحابا" "هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا" بالصفة المذكورة، وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه.
_________________
(١) ١ الصحيح ٩/١٥ كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم.
[ ٣٨٧ ]
فيحتمل أن يكون لمصلحة التألف كما فهمه البخاري، لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام١.اهـ.
وقال المارزي: "وجه الحكمة في ترك قتل هذا القائل: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنما نسبه إلى ترك العدل في القسمة، والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر، فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع، واختلفوا في الصغائر، ومن جوزها منع من إضافتها إلى الأنبياء على طريق التنقيص، وحينئذ فلعله ﷺ لم يعقب هذا القائل: لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم"٢.
وقد رد هذا القاضي عياض بقوله:
"هذا التأول باطل يدفعه قوله "اعدل يا محمد" "واتق الله يا محمد" وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ حتى استأذن عمر بن الخطاب، وخالد بن الوليد النبي ﷺ في قتله، فقال: "معاذ الله أن يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه" فهذه هي العلة، وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه، لكنه صبر استبقاء لانقيادهم وتأليفًا لغيرهم، لئلا يتحدث الناس أنه يقتل أصحابه فينفروا، وقد رأى الناس هذا الصنف في جماعتهم وعدوه من جملتهم"٣اهـ.
والخلاف طويل في تكفير الخوارج وقتالهم، وليس هذا محله وقد ذكرنا ما يتطلبه المقام.
وأورد ابن تيمية اعتراض هذا المعترض على قسم رسول الله ﷺ واستئذان عمر بن الخطاب في قتله، وجواب الرسول ﷺ له بقوله: "معاذ الله أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي".
_________________
(١) ١ فتح الباري ١٢/٢٩٣. ٢ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦. ٣ شرح النووي على صحيح مسلم ٣/١٠٦.
[ ٣٨٨ ]
ثم قال: "فإن النبي ﷺ لم يمنع عمر من قتله إلا لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولم يمنعه لكونه في نفسه معصومًا كما قال في حديث حاطب بن أبي بلتعة عندما كتب لأهل مكة: يخبرهم بغزو الرسول ﷺ لهم، فقال عمر: دعني أضرب عنق هذا المنافق، فقال: "إنه شهد بدرا وما يدرك لعل الله اطلع على أهل بدر" فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم".
فبيّن ﷺ أنه باق على إيمانه، وأنه صدر منه ما يغفر له الذنوب فعلم أن دمه معصوم، وهنا علل بمفسدة زالت فعلم أن قتل مثل هذا القائل في غزوة حنين إذا أمنت هذه المفسدة جائز.
ثم قال: "ومما يشبه هذا أن عبد الله بن أبي لما قال: "لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل" استأمر عمر في قتله فقال: "إذن ترعد له أنوف كثيرة بالمدينة" وقال: "لا يتحدث الناس أنّ محمدًا يقتل أصحابه".
فعلم أن من آذى النبي ﷺ بمثل هذا الكلام جاز قتله كذلك مع القدرة، وإنما ترك النبي ﷺ قتله لما خيف في قتله من نفور الناس عن الإسلام لما كان ضعيفًا١.
_________________
(١) ١ ابن تيمية: الصارم المسلول على شاتم الرسول ص ١٧٨-١٧٩ بتصرف، وانظر: قصة حاطب وعبد الله بن أبي غزوة بني المصطلق ص ١٧٢ و١٨٤ و١٨٧ و١٨٩، وحاشية ص ٢١١ تعليقة (٦) من غزوة بني المصطلق أيضًا.
[ ٣٨٩ ]
المبحث الرابع: في بيان حكمة توزيع الغنائم على قوم دون آخرين
في نهاية غزوة حنين وزع رسول الله ﷺ الغنائم بطريقة لم تكن مألوفة للصحابة من قبل، فقد خص ﷺ المؤلفة قلوبهم بالحظ الأوفر من هذه الغنائم.
ولقد أحدث ذلك التقسيم في نفوس أجلاء الصحابة تساؤلا فيما بينهم وعجب بعض مشاهير الصحابة من ذلك الأسلوب الذي اتبع في توزيع غنائم حنين وظن بعض الصحابة أن في ذلك حرمانا لهم وهم القاعدة الصلبة التي تحطمت عليها جحافل الشرك في الغزوات كلها ومنها غزوة حنين، ولم يكن أولئك المؤلفة قلوبهم ومن شاكلتهم ليبلغوا معشار ما بلغه مشاهير الصحابة من النجدة والجهاد والصمود في وجوه أعداء الله ورسوله ﷺ، ومن هنا كان لا بد للباحث أن يبين الحكمة في توزيع غنائم حنين خاصة إذا ظهر أنها قد خفيت على أولئك العظماء من أصحاب الرسول ﷺ، ولم تظهر لهم إلا بعد أن بين لهم رسول الله ﷺ وجه الحكمة من ذلك، فاستبانوا الأمر وزال عنهم الإشكال، وسوف نمضي سياق النصوص الواردة في هذا الصدد لندرك من خلال التأمل والتدبر فيها وجه الحكمة في توزيع الغنائم ويزول الإشكال الذي عبر عنه بعض الأنصار بقولهم: "إن هذا لهو العجب إن سيوفنا تقطر من دمائهم وإن غنائمنا ترد عليهم"١.
لقد حظي بهذه الغنائم الطلقاء والأعراب والرؤساء الذين يحملون الحقد للإسلام ونبي الإسلام والذين كانوا من جملة الأسباب في هزيمة المسلمين في بداية المعركة فقد جاء في حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن أم سليم اتخذت يوم حنين خنجرا فكان معها، فرآها أبو طلحة فقال: يا رسول الله هذه أم سليم معها خنجر! ٢، فقال لها رسول الله ﷺ: "ما هذا الخنجر"؟ قالت: اتخذته إن دنا مني أحد من المشركين بقرت به بطنه، فجعل رسول الله يضحك، قالت: يا رسول الله
_________________
(١) ١ انظر: ٤١٩-٤٢٠ من مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم تحت الحديث ٢٠٣. ٢ تقدم تخريجه برقم (٤٧) و(٦٠) .
[ ٣٩٠ ]
اقتل من بعدنا من الطلقاء انهزموا بك، فقال رسول الله ﷺ: "يا أم سليم إن الله قد كفى وأحسن" وفي حديثه أيضا قال: "افتتحنا مكة ثم إنا غزونا حنينا" الحديث وفيه: "ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف، وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد، وقال: فجعلت خلينا تلوي خلف ظهورنا فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرت الأعراب ومن نعلم من الناس" ١.
وفي حديث صفوان بن أمية - ﵁ - عند مسلم والترمذي وغيرهما وهذا سياق الترمذي:
١٨٥- "حدثنا الحسن٢ بن علي الخلال أخبرنا يحيى٣ بن آدم عن ابن المبارك٤ عن يونس٥ عن الزهري عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية قال: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الخلق إلي، فمازال يعطيني حتى أنه لأحب الخلق إلي".
قال أبو عيسى: "حدثني بن علي بهذا أو شبهه".
ثم قال: حديث صفوان: "رواه معمر وغيره عن الزهري عن سعيد ابن المسيب أن صفوان بن أمية قال: أعطاني رسول الله ﷺ وكأن هذا الحديث أصح وأشبه، إنما سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية"٦.
وعند مسلم عن ابن شهاب قال: "غزا رسول الله ﷺ غزوة الفتح فتح مكة، ثم خرج رسول الله ﷺ بمن معه من المسلمين فاقتتلوا بحنين، فنصر الله دينه والمسلمين وأعطى رسول الله ﷺ يومئذ صفوان بن أمية مائة من النعم، ثم مائة، ثم مائة" ٧.
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (٤٦) . ٢ هو الحرواني ثقة حافظ. ٣ هو ابن سليمان الكوفي أبو زكريا مولى بني أمية ثقة حافظ. ٤ هو عبد الله بن المبارك، ثقة ثبت. ٥ هو ابن يزيد الأيلي ثقة، إلا أنه في روايته عن الزهري وهما قليلا، قاله ابن حجر في التقريب ٢/٣٨٦. ٦ الترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة باب ما جاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. ٧ وعند الواقدي: "ويقال إن صفوان طاف مع النبي ﷺ، والنبي ﷺ يتصفح الغنائم إذ مر بشعب مما أفاء الله عليه، وفيه غنم وإبل ورعاؤها مملوء فأعجب صفوان، وجعل ينظر إليه فقال رسول الله ﷺ: أعجبك يا أبا وهب هذا الشعب؟ قال: نعم، قال: هو لك وما فيه. فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط، إلا نبي وأشهد أنك رسول الله (مغازي الواقدي ٣/٩٤٦) . وانظر: أنساب الأشراف للبلاذري ص ٣٦٢.
[ ٣٩١ ]
قال ابن شهاب: حدثني سعيد بن المسيب أن صفوان قال: "والله! لقد أعطاني١ رسول الله ﷺ ما أعطاني وإنه لأبغض الناس إلي فما برح يعطيني حتى إنه لأحب الناس إلي" ٢.
والحديث عند الترمذي وابن سعد وأحمد والطبراني بلفظ عن سعيد بن المسيب "عن صفوان بن أمية" وظاهره الاتصال وعند مسلم والفسوي وابن عبد البر والبيهقي: "أن صفون بن أمية"٣ وظاهره الانقطاع بين "سعيد بن المسيب وصفوان بن أمية".
وقد رجح الترمذي الأخير.
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين وإنه لأبغض الناس إلي فمازال يعطيني حتى صار وإنه لأحب الناس إلي". وعند ابن سعد: "لقد أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتى إنه لمن أحبّ الناس إليّ". ٢ مسلم: الصحيح ٤/١٨٠٦كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: "لا وكثرة عطائه ". والترمذي: السنن ٢/٨٨ كتاب الزكاة، باب ماجاء في إعطاء المؤلفة قلوبهم. وابن سعد: الطبقات الكبرى ٥/٤٤٩ والطبراني المعجم الكبير ٨/٦٠ وأحمد: المسند ٣/٤٠١ و٦/٤٦٥ وقد رواه بسندين: الأول: قال حدثنا زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب عن صفوان بن أمية به. والثاني: حدثنا زكريا بن عدي قال أنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري عن سعيد ابن المسيب عن صفوان بن أمية به. ففي سند أحمد الأوّل زكريا بن عدي عن سعيد بن المسيب مباشرة، وفي السند الثاني بينه وبين سعيد بن المسيب ثلاثة من الرواة، وبهذا يكون قد سقط من السند الأوّل ثلاثة من الرواة. وأيضًا فقد ذكر ابن حجر في تقريبه: سعيد بن المسيب من كبار الطبقة الثانية وزكريا في كبار العاشرة، فبينهما ثمان طبقات (انظر: التقريب ١/٢٦١و٣٠٥) . ٣ الفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٠٩ وابن عبد البر: الشفا ١/١٢٣، والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٩. وحديث صفوان هذا نسبه الزرقاني في شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ للبخاري ومسلم ونسبه السفاريني في شرح ثلاثيات مسند أحمد ٢/٢٨-٢٩، للبخاري دون مسلم، والظاهر أن نسبته للبخاري خطأ وإنما هو عند مسلم عن أبي الطاهر، وأحمد ابن عمرو بن السرح أخبرنا ابن وهب أخبرني يونس عن ابن شهاب، وقد نسبه ابن الجوزي والمزي والنابلسي لمسلم دون البخاري. انظر: تحفة الأشراف للمزي ٤/١٨٩، حديث (٤٩٤٤) . وذخائر المواريث للنابلسي ١/٢٧٠ حديث (٢٤٢٣) وتلقيح فهوم أهل الأثر لابن الجوزي ص ٣٩٤. والحديث رواه الطبري أيضا في جامع البيان ١٠/١٦٢ من طريق معمر عن الزهري قال: قال صفوان بن أمية الخ بإسقاط "سعيد بن المسيب".
[ ٣٩٢ ]
وأيده ابن العربي في عارضة الأحوذي حيث قال: الصحيح من هذا عن سعيد بن المسيب أن صفوان بن أمية؛ لأن سعيدا لم يسمع من صفوان شيئا وإنما يقول الراوي فلان عن فلان إذا سمع شيئا ولو حديثًا واحدًا، فيحمل سائر الأحاديث التي سمعها من واسطة عنه على العنعنة، فأما إذا لم يسمع منه شيئا فلا سبيل إلى أن يحدث عنه لا بعنعنة ولا بغيرها١. اهـ.
إن هذا العطاء الجزيل من رسول الله ﷺ للمؤلفة قلوبهم وغيرهم ليدل على علو نفسه وغزارة جوده وعظيم سخائه، ومعرفته الكاملة بالدواء الذي يحسم الداء من أصله.
إن الحكمة والسياسة العادلة في هذا العطاء لأقوام دون آخرين هي إنقاذ أناس من النار بحطام زائل من الدنيا، ووكل آخرين إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى والخير، والإيمان واليقين، ويدل على هذا حديث عمرو ابن تغلب عند البخاري وأحمد وغيرهما وهذا سياقه عند البخاري:
١٨٦- حدثنا محمد٢ بن معمر قال حدثنا أبو عاصم٣ عن جرير بن حازم، قال سمعت الحسن٤ يقول حدثنا عمرو٥ بن تغلب أن رسول الله ﷺ أتي٦ بمال أو سبي٧ فقسمه، فأعطى رجالا وترك رجالا فبلغه أن الذين ترك عتبوا٨، فحمد٩ الله ثم أثنى عليه ثم قال: "أما بعد: فوالله إني لأعطي الرجل وأدع الرجل، والذي أدع
_________________
(١) ١ انظر: المباركفوري: تحفة الأحوذي ٣/٣٣٥ والألباني: تخريج أحاديث فقه السيرة للغزالي ص ٤٢٧-٤٢٨. ٢ هو ابن ربعي القيسي البصري البحراني - بالموحدة والمهملة. ٣ أبو عاصم هو الضحاك بن مخلد الشيباني. ٤ الحسن: هو البصري. ٥ عمرو بن تغلب - بفتح المثناة وسكون المعجمة وكسر اللام ثم الموحدة - النمري - بفتح النون والميم - صحابي تأخر إلى الأربعين / خ س ق (التقريب ٢/٦٦ وتهذيب التهذيب ٨/٨-٩) . ٦ وفي لفظ عند البخاري والفسوي "قال: أتى النبي ﷺ مال، فأعطى قومًا ومنع آخرين، فكأنهم عتبوا عليه" وعند أحمد "أن رسول الله ﷺ أتاه شيء فأعطاه ناسا وترك ناسا فبلغه عن الذين ترك أنهم عتبوا وقالوا". ٧ قال ابن حجر: "في رواية الكشميهني "بشيء" وهو أشمل" (فتح الباري ٦/٢٥٤) وفي رواية أحمد "أتاه شيء". ٨ عتب عليه يعتب ويعتب عتبا ومعتبًا، والاسم المعتبة بفتح التاء وكسرها من الموجدة والغضب (النهاية ٣/١٧٥) . ٩ وعند أحمد "فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه وقال: " إني أعطي ناسا وأدع ناسًا وأعطي رجالا وأدع رجالًا"، وعنده أيضًا، "إني أعطي أقوامًا وأرد آخرين".
[ ٣٩٣ ]
أحب إلي من الذي أعطي ولكن أعطي أقواما لما أرى في قلوبهم من الجزع والهلع١ وأكل أقواما إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى٢ والخير، فيهم عمرو بن تغلب٣. "فوالله٤ ما أحب أن لي بكلمة٥ رسول الله ﷺ حمر النعم"٦. تابعه يونس٧.
وفي حديث أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله ﷺ قال: "إني لأعطي رجالًا حدثاء عهد بكفر أتألفهم أو قال: أستألفهم" ٨.
١٨٧- وفي حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: قسم رسول الله ﷺ قسمًا، فقلت: يا رسول الله! اعط فلانًا؛ فإنه مؤمن، فقال النبي ﷺ: "أو مسلم" أقولها ثلاثًا، ويردها على ثلاثًا "أو مسلم" ثم قال: "إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه مخافة٩ أن يكبه الله في النار" ١٠.
_________________
(١) ١ الجزع - محرك ضد الصبر، والهلع: أشد الجزع والضجر. (النهاية ٥/٢٦٩ ومختار الصحاح ص:١٠٣،و٦٩٧) .وفي لفظ عند البخاري "إني أعطي قومًا أخاف ظلعهم وجزعهم".وعنده وعند الفسوي "أعطي أقوامًا لما في قلوبهم من الجزع والهلع". ٢ الغني: بالكسر والقصر: ضد الفقر (مختار الصحاح ص: ٤٨٣) وفي لفظ عند البخاري "من الخير والغنى". ٣ وفي لفظ عند البخاري وأحمد والفسوي وأبي نعيم "منهم عمرو بن تغلب". ٤ وعند البخاري أيضا "فقال عمرو بن تغلب: ما أحب أن لي بكلمة رسول الله الخ" وعند أحمد "قال: وكنت جالسًا تلقاء وجه رسول الله ﷺ". ٥ قوله: "ما أحب أن لي بكلمة من رسول الله الخ" أي التي قالها في حقه وهي إدخاله إياه في أهل الخير والغنى. وقيل المراد: "الكلمة التي قالها في حق غيره، فالمعنى: لا أحب أن يكون لي حمر النعم بدلا من الكلمة المذكورة التي لي، أو يكون لي ذلك، وتقال تلك الكلمة في حقي" (فتح الباري ٦/٢٥٣) . ٦ البخاري: الصحيح ٢/١٠، كتاب الجمعة، باب من قال في الخطبة بعد الثناء أما بعد) ٤/٧٤ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس ونحوه. و٩/١٢٥-١٢٦ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾ وأحمد: المسند ٥/٦٥ والفسوي: المعرفة والتاريخ ١/٣٣٠ وأبو نعيم: حلية الأولياء ٢/١١ والبيهقي: السنن الكبرى ٧/١٨) . ٧ قال ابن حجر: "يونس هو: ابن عبيد، وقد وصله أبو نعيم في مسند يونس بن عبيد له، بإسناده عنه عن الحسن عن عمر بن تغلب" (فتح الباري ٢/٤٠٥) والمعنى: أن يونس تابع جريرًا في شيخه الحسن البصري. ٨ انظر مبحث موقف الأنصار من توزيع الغنائم حاشية (٤) ص: ٤١٨. ٩ وفي لفظ "خشية أن يكب في النار على وجهه". ١٠ البخاري: الصحيح ١/١١ كتاب الإيمان، باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة الخ، ٢/١٠٥-١٠٦،كتاب الزكاة، باب قول الله تعالى: ﴿لا يَسْأَلونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾، ومسلم: الصحيح١/١٣٢-١٣٣كتاب الإيمان، باب تأليف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، و٢/٧٣٢-٧٣٣ كتاب الزكاة باب إعطاء من يخاف على إيمانه واللفظ له وأحمد: المسند١/١٧٦-١٨٢.
[ ٣٩٤ ]
قال ابن حجر: "الرجل المتروك اسمه: جعيل بن سراقة الضمري، سماه الواقدي في المغازي"١.
قلت: قول الواقدي المشار إليه هو "قال سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله، أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة، وتركت جعيل بن سراقة الضمري!.
فقال رسول الله ﷺ: "أما والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع٢ الأرض كلها مثل عيينة والأقرع، ولكني تألفتهما ليسلما ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه" ٣.
١٨٨- وأخرج ابن إسحاق قال: حدثني محد بن إبراهيم بن الحارث التيمي أن قائلا قال: لرسول الله ﷺ من أصحابه: يا رسول الله اعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة ومائة وتركت جعيل بن سراقة الضمري! "٤.
ثم ساق مثل حديث الواقدي.
وأورده ابن حجر في الإصابة ثم قال: هذا مرسل حسن: لكن له شاهد موصول.
١٨٩- روى الروياني٥ في مسنده وابن عبد الحكم٦ في فتوح مصر من طريق بكر٧ بن سوادة عن أبي سالم٨ الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ قال له: "كيف ترى جعيلا؟ ".
_________________
(١) ١ فتح الباري ١/٨٠. ٢ طلاع الأرض، أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل (النهاية ٣/١٣٣) . ٣ مغازي الواقدي ٣/٩٤٨. ٤ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٦ وتاريخ الرسل والملوك ٣/٩١ والروض الأنف ٧/٢٥٠. ٥ الروياني، هو: الإمام الحافظ أبو بكر محمد بن هارون، صاحب المسند المشهور مات سنة سبع وثلاث مائة (تذكرة الحفاظ للذهبي ١/٧٥٢-٧٥٨) . ٦ هو عبد الرحمن بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين المصري، ثقة من الحادية عشرة (ت ٢٥٧) س / له تاريخ مصر وغيره (التقريب ١/٤٨٧ وتهذيب التهذيب ٦/٢٠٨، وشجرة النور الزكية في طبقات المالكية ص ٦٧. ٧ بكر بن سوادة بن ثمامة الجذامي أبو ثمامة المصري، ثقة فقيه من الثالثة (ت بضع وعشرين ومائة / خت م ع التقريب ١/١٠٦ وتهذيب التهذيب ١/٤٨٣) . ٨ هو سفيان بن هانئ المصري، أبو سالم الجيشاني - بفتح الجيم وسكون التحتانية بعدها معجمة - تابعي مخضرم، شهد فتح مصر، ويقال له صحبة، مات بعد ثمانين / م د س (المصدر السابق ١/٣١٢و٤/١٢٣) وفي الإصابة (٢/١١٣) قال ابن مندة اختلف في صحبته، ثم قال ابن حجر، قلت: "اتفق البخاري ومسلم وأبو حاتم والعجلي وابن حبان على أنه تابعي، وقال ابن يونس: شهد فتح مصر وله رواية عن علي بن أبي طالب - ﵁ - وكان قد وفد عليه وصحبه وروى أيضا عن أبي ذر وعقبة بن عامر وعبد الله بن عمرو بن العاص وغيرهم، وروى عنه ابنه سالم وحفيده سعيد بن سالم ويزيد بن أبي حبيب وبكر بن سوادة وآخرون ومات بالإسكندارية في إمرة عبد العزيز بن مروان، وكان عبد العزيز بن مروان أميرًا على مصر من قبل أبيه واستمر عشرين سنة من سنة (٦٠) إلى سنة (٨٦) وهو والد عمر بن عبد العزيز (تهذيب التهذيب ٦/٣٥٦) .
[ ٣٩٥ ]
قلت: مسكينا كشكله من الناس.
قال: "وكيف ترى فلانا؟ "
قلت: سيد من السادات
قال: "لجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا".
قال: قلت يا رسول الله، فلان هكذا وتصنع به ما تصنع.
قال: "إنه رأس قومه فتألفهم". إسناده صحيح وأخرجه ابن حبان من وجه آخر عن أبي ذر، ولكن لم يسم جعيلا١.
١٩٠- وأخرجه البخاري من حديث سهل بن سعد، فأبهم جعيلا وأبا ذر٢.
وأخرجه أبو نعيم من طريق بكر بن سوادة أيضًا٣.
_________________
(١) ١ الحديث أخرجه ابن حبان مطولا كما في موارد الظمآن ص ٦٣٥ وفيه "قال أبو ذرّ: سألني رسول الله ﷺ عن رجل من قريش قال: "هل تعرف فلانا؟ " قلت: نعم يا رسول الله. قال: "فكيف تراه أو تره"؟ قلت: إذا سأل أعطي، وإذا حضر أدخل قال: "ثم سألني عن رجل من أهل الصفة" قال: هل تعرف فلانا؟ قلت: لا والله ما أعرفه يا رسول الله، فما زال يحليه وينعته حتى عرفته يا رسول الله فقلت: قد عرفته يا رسول الله، قال: فكيف تراه؟ فقلت: هو رجل مسكين من أهل الصفة فقال: "هو خير من طلاع الأرض من الآخر"، قلت: "يا رسول الله أفلا يعطى من بعض ما يعطى من بعض الآخر؟ فقال: إذا أعطي خيرا فهو أهله، وإذا صرف عنه فقد أعطي حسنة". ٢ الإصابة ١/٢٣٩ والحديث في صحيح البخاري ٧/٨، كتاب النكاح، باب الأكفاء في الدين ٨/٨٠، كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، ولفظه: "عن سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - قال: مرّ رجل على رسول الله ﷺ فقال: "ما تقولون في هذا؟ " قالوا: حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، وإن قال: أن يستمع"، قال: ثم سكت،. فمرّ رجل من فقراء المسلمين، فقال: ما تقولون في هذا؟ "، قالوا: حري إن خطب أن لا ينكح، وإن شفع أن لا يشفع، وإن قال: أن لا يستمع"، فقال: رسول الله ﷺ: "هذا خير من ملء الأرض مثل هذا". وأخرجه أيضا ابن ماجه في ٢/١٣٧٩ كتاب الزهد، باب فضل الفقراء، قال ابن حجر: في هذا الحديث قوله (مر برجل) لم أقف على اسمه ويؤخذ من رواية ابن إسحاق أنه عيينة بن حصن الفزاري، والأقرع بن حابس ثم ساق حديث ابن إسحاق. وأما المار الثاني: فإني لم أقف على اسمه ويؤخذ مما أخرجه الروياني في مسنده وابن عبد الحكم (في فتوح مصر) أنه جعيل بن سراقة (فتح الباري ٩/١٣٦ و١١/٢٢٧) . ٣ حلية الأولياء ١/٣٥٣.
[ ٣٩٦ ]
١٩١- وفي حديث رافع بن خديج - ﵁ - عند مسلم وغيره وهذا سياق مسلم:
حدثنا محمد١ بن أبي عمر المكي حدثنا سفيان٢ عن عمر٣ بن سعيد بن مسروق عن أبيه٤، عن عباية٥ بن رفاعة عن رافع بن خديج قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان بن حرب وصفوان٦ بن أمية وعيينة بن حصن والأقرع بن حابس كل إنسان منهم مائة من الإبل، وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك، فقال عباس بن مرداس:
أتجعل نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع؟
فما كان بدر ولا حابس يفوقان مرداس٧ في المجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال: فأتم له رسول الله ﷺ مائة.
ثم قال مسلم: وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي أخبرنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق بهذا الإسناد أن النبي ﷺ قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل، وساق الحديث بنحوه.
وزاد: وأعطى علقمة بن علاثة٨ مائة٩.
وفي حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: لما كان يوم حنين آثر رسول
_________________
(١) ١ هو العدني. ٢ هو ابن عيينة. ٣ هو أخو سفيان الثوري. ٤ هو سعيد بن مسروق الثوري. ٥ عباية - بفتح أوله والموحدة الخفيفة وبعد الألف تحتانية - خفيفة ابن رفاعة بن رافع ابن خديج الأنصاري الزرقي، من الثالثة. ٦ تقدم في حديث (١٨٥)، أن رسول الله ﷺ أعطاه مائة من الغنم، ثم مائة، ثم مائة. ٧ قوله (يفوقان مرادس)، قال النووي: هو كذا في جميع الروايات غير مصروف وهو حجة لمن جوز ترك الصرف بعلة واحدة، وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر (شرح النووي ٣/١٠٣) . ٨ علاثة: بضم العين المهملة وتخفيف اللام وبثاء مثلثة المصدر السابق ٣/١٠٣. ٩ مسلم: الصحيح ٢/٧٣٧ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، والحميدي: المسند ١/٢٠٠، والمعجم الكبير للطبراني ٤/٣٢٥، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥١ ب.
[ ٣٩٧ ]
الله ﷺ أناسًا في القسمة، فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وأعطى عيينة مثل ذلك، وأعطى ناسًا من أشراف العرب، فآثارهم يومئذ في القسمة" الحديث١.
وفي حديث أنس بن مالك إن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يوم حنين" الحديث٢.
وفي لفظ "لما أفاء الله على رسوله أموال هوازن فطفق رسول الله ﷺ يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل" ٣.
وفي لفظ: "وأصاب رسول الله ﷺ من غنائم كثيرة فقسم في المهاجرين والطلقاء" ٤.
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم ﵁ قال: "لما أفاء الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم" الحديث٥.
١٩٢- وعند الطبراني قال: حدثنا إسحاق٦ بن إبراهيم الدبري عن عبد الرزاق عن معمر٧ عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير، وعن هشام بن عروة عن أبيه، قال أعطى النبي ﷺ حكيم بن حزام يوم حنين عطاء
_________________
(١) ١ تقدم تخريجه برقم (١٨٣) . ٢ انظر حديث (٢٠٤) . ٣ انظر تحت حديث (٢٠٣) تعلقة (٦) ص ٤١٧) . ٤ انظر تحت حديث (٢٠٣) ص: (٤١٦) . ٥ انظر تخريجه برقم: (٢٠٥) . ٦ إسحاق بن إبراهيم بن عباد أبو يعقوب - الدبر - بفتح الدال المهملة والباء الموحدة وبعدها راء - راوي كتب عبد الرزاق عنه. وقد استصغر في عبد الرزاق فسمع منه تصانيفه وهو ابن سبع سنين أو نحوها وقد روى عن عبد الرزاق أحاديث منكرة فوقع التردد فيها، هل هي منه فانفرد بها، أو هي معروفة مما تفرد به عبد الرزاق. وقد احتج بالدبري أبو عوانة في صحيحه وغيره وأكثر عنه الطبراني. قال الدارقطني في رواية الحاكم: "صدوق ما رأيت فيه خلافا، إنما قيل لم يكن من رجال هذا الشأن قلت: ويدخل في الصحيح! قال: إي والله وقد رمز له الذهبي بـ (صح) إشارة إلى أنه ثقة، مات سنة ٢٨٥ على الأشهر أو ٢٨٧" (ميزان الاعتدال ١/١٨١-١٨٢ ولسان الميزان لابن حجر ١/٣٤٩-٣٥٠ واللباب لابن الأثير ١/٤٨٩) . ٧ أي: إن معمرًا روى هذا الحديث عن الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير. ورواه أيضا عن هشام بن عروة عن أبيه عروة بن الزبير.
[ ٣٩٨ ]
فاستقبله١ فزاده، فقال: يا رسول الله أي عطيتك خير؟ قال: "الأولى". فقال له النبي ﷺ: "يا حكيم بن حزام إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذها بسخاوة نفس وحسن أكلة بورك له فيه، ومن أخذه باستشراف نفس وسوء أكلة لم يبارك له، وكان الذي يأكل ولا يشبع، اليد العليا خير من اليد السفلى". قال: ومنك يا رسول الله، قال: "ومني". قال: "فوالذي بعثك بالحق لا أرزأ٢ بعدك أحدًا شيئًا أبدًا". قال: "فلم يقبل ديوانا ٣ ولا عطاء حتى مات" ٤.
فكان عمر بن الخطاب - ﵁ - يقول: "اللهم إني أشهدك على حكيم بن حزام أني ادعوه لحقه من هذا المال وهو يأبى، فقال: "إني والله لا أرزاك ولا غيرك، فمات حين مات وإنه لمن أكثر قريش مالًا"٥.
والحديث أخرجه الواقدي من طريق سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير عن حكيم بن حزام قال: سألت رسول الله ﷺ بحنين، مائة من الإبل فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم سألته مائة فأعطنيها، ثم قال رسول الله ﷺ: "يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه" الحديث.
ثم قال الواقدي أيضا وحدثني ابن أبي الزناد٦ قال: "أخذ حكيم المائة الأولى ثم ترك" ٧.
_________________
(١) ١ لعل الصواب: فاستقله. ٢ لا أرزأ: أي لا آخذ من أحد شيئا بعدك (النهاية ٢/٢١٨) . ٣ الديوان - ويفتح مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش، وأهل العطية، وأول من وضعه عمر بن الخطاب ﵁، جمعه دواوين ودياوين (القاموس المحيط ٤/٢٢٤) . ٤ قال ابن حجر: "وإنما امتنع حكيم من أخذ العطاء مع أنه حقه لأنه خشي أن يقبل من أحد شيئا فيعتاد الأخذ فتتجاوز به نفسه إلى ما لا يريده ففطمها عن ذلك وترك ما يريبه، وإنما أشهد عليه عمر - ﵁ - لأنه أراد أن لا ينسبه أحد لم يعرف باطن الأمر إلى منع حكيم من حقه" (فتح الباري ٣/٣٣٦) . ٥ المعجم الكبير للطبراني ٣/٢١٠. ٦ ابن أبي الزناد: هو عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان. ٧ مغازي الواقدي ٣/٩٤٥.
[ ٣٩٩ ]
١٩٣- والحديث في الصحيحين وغيرهما من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير نحوه١ وليس فيه لفظ "حنين".
ومن المعلوم أن حكيم بن حزام من مسلمة الفتح، ومن مؤلفة قلوبهم، وأن هذا تأليف لأهل مكة إنما كان في غزوة حنين.
كما صرّح حديث الطبراني والواقدي بذلك، وأن تلك الأموال الكثيرة إنما كانت في غزوة حنين، ولم يقع بعد فتح مكة، غزوة حصلت فيها مثل تلك الغنائم في العهد النبوي سوى غزوة حنين، إن هذه العطايا من رسول الله ﷺ قد وقعت من نفوس القوم موقعها وظهرت الحكمة جلية من وراء ذلك، وهو استئلاف أناس للدخول في الإسلام أو تثبيتهم عليه، ووكل آخرين إلى إيمانهم.
قال ابن حجر: "اقتضت حكمة الله أن غنائم الكفار لما حصلت ثم قسمت على من لم يتمكن الإيمان من قلبه لما بقي من الطبع البشرى في محبة المال فقسمه فيهم لتطمئن قلوبهم وتجتمع على محبته، لأنها جلبت على حب من أحسن إليها، ومنع أهل الجهاد من أكابر المهاجرين ورؤساء الأنصار مع ظهور استحقاقهم لجميعها، لأنه لو قسم ذلك فيهم لكان مقصورا عليهم، خلاف قسمته على المؤلفة، لأن فيه
_________________
(١) ١ البخاري: الصحيح ٢/١٠٤ كتاب الزكاة، باب الاستعفاف عن المسألة، و٤/٥ كتاب الوصايا، باب تأويل قوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ و٤/٧٣ كتاب الفرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطي المؤلفة وغيرهم من الخمس، و٨/٧٩ كتاب الرقاق، باب قول النبي ﷺ: "هذا المال خضرة حلوة". ومسلم: الصحيح ٢/٧١٧ كتاب الزكاة، باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، الترمذي: السنن ٤/٥٦ كتاب صفة القيامة. والنسائي: السنن ٥/٤٥ كتاب الوكالة، باب اليد العليا، ٥/٧٥-٧٧ من كتاب الزكاة أيضا، باب مسألة الرجل في أمر لا بد منه. والحميدي: المسند ١/٢٥٣ والدارمي: السنن ١/٣٢٦ كتاب الزكاة، باب النهي عن المسألة و٢/٢١٩ كتاب الرقاق، باب الدنيا خضرة حلوة. واحمد: المسند ٣/٤٣٤ والطبراني: المعجم الكبير ٣/٢١٠-٢١٣ والبيهقي: السنن الكبرى ٤/١٩٦ وقد نسب المزي في الأطراف وتبعه صاحب ذخائر المواريث - هذا الحديث للترمذي في كتاب الزهد عن سويد بن نصر، ولم أجده في كتاب الزهد بعد مراجعته مرارًا في الطبعة التي بين يدي، وقد تحصلت على الحديث في كتاب القيامة، وهو عن سويد بن نصر. (انظر: الأطراف للمزي ٣/٧٤ حديث: (٣٤٢٦)، وذخائر المواريث ١/١٩٧، حديث ١٧٨٨) .
[ ٤٠٠ ]
استجلاب قلوب أتباعهم الذين كانوا يرضون إذا رضي رئيسهم فلما كان ذلك العطاء سببا لدخولهم في الإسلام ولتقوية قلب من دخل فيه قبل تبعهم من دونهم في الدخول، فكان في ذلك عظيم المصلحة". إهـ١.
١٩٤- "وفي حديث أنس بن مالك ﵁ قال: ما سئل رسول الله ﷺ على الإسلام شيئا إلا أعطاه" ٢.
ومن خلال ما سبق من النصوص التاريخية والأحاديث النبوية تبرز أمامنا حقيقتان:
الأولى: دقة نظر رسول الله ﷺ وعمق معرفته بدخائل النفوس البشرية وما يقوم اعوجاجها، حيث أعطى تلك العطايا السخية ومنح تلك المنح الهائلة لأناس يعادونه، وكفار لم يدخلوا في دين الله بعد وآخرين يتألف بهم قومهم لعلهم يهتدون ويسلمون، وكانت النتيجة التي توخها ﷺ من تخصيص هؤلاء الذين تألفهم بهذه العطايا أن أسلموا وحسن إسلامهم وكانوا جنودا صادقين في الدفاع عن الإسلام والانخراط في سلك المهاجرين والأنصار الذين رضي الله عنهم ورضوا عنه كما دلت على ذلك النصوص السابقة.
وعلى وجه الإيجاز كانت تلك الأعطيات بردا وسلاما على نفوس أولئك النفر وشفاء لما في صدورهم من مرض الضلال وحب المادة وقد عبروا أنفسهم عن هذا الإحساس وهذا التحول النفسي الخطير حين قال بعضهم "أعطاني رسول الله ﷺ يوم حنين، وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لحب الخلق إلي" وكفى بهذه النتيجة العظيمة دليلا على حسن ذلك التقسيم للغنائم، وأنه واقع موقعه، وكيف لا يكون كذلك وهو عمل المعصوم ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٩. ٢ صحيح مسلم ٤/١٨٠٦ كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط فقال: لا، وكثرة عطائه.
[ ٤٠١ ]
الحقيقة الثانية: في هذه الغزوة تجلت قوة إيمان أصحاب الرسول ﷺ وثباتهم العظيم أمام مغريات المادة وأنهم كانوا كما قيل "يقلون عند الطمع ويكثرون عند الفزع"١.
بل إنهم أعظم من هذا بكثير كانت غايتهم - ﵃ - الدفاع عن دينه ونشر الحق، ولم تكن المادة مسيطرة على نفوسهم ولا باعثة لهم على الجهاد كما يزعم ذلك أعداء اله من المستشرقين وأذنابهم، وهذا الموقف العظيم لهم من أعظم الأدلة على طهارة نفوسهم ووضوح هدفهم ونبل مقاصدهم في جهادهم في سبيل الله، ولقد رباهم الرسول الله ﷺ التربية الإسلامية الكاملة في معناها، ووثق ﷺ من إيمانهم ووكلهم إلى هذا الإيمان، وما كان تساؤلهم في مبدأ توزيع الغنائم ولا تعجبهم من ذلك التقسيم لها إلا بسبب خفاء الحكمة عليهم في ذلك حتى بين لهم الرسول ﷺ الحكمة من ذلك فرضوا وسلموا له تسليما ولم يبق في نفوسهم حرج ولا ميل عن الحق، بل كانوا مغتبطين بما أوضحه الرسول ﷺ لهم من أنه وكلهم إلى ما في قلوبهم من الغنى والخير والإيمان واليقين.
وما دام الحديث عن المؤلفة قلوبهم والحكمة من إعطائهم فيحسن بنا أن نعرفهم ونسرد أسماءهم كما ذكر ذلك أهل المغازي وغيرهم فنقول:
_________________
(١) ١ ذكر ذلك الجاحظ في البيان والتبيين ٢/٤٥ بلفظ "فمن كلامه ﷺ حين ذكر الأنصار فقال: "أما والله ما علمتكم إلا لتقلون عند الطمع وتكثرون عند الفزع" ولم أجده في كتاب من كتب الحديث.
[ ٤٠٢ ]
المؤلفة قلوبهم
أ- المؤلفة: جمع مؤلف، مأخوذ من التأليف، وهو المدارة والإيناس، يقال: تألف فلان فلانا إذا داراه وآنسه وقاربه وواصله حتى يستمليه١ إليه.
ب- وفي الاصطلاح: هم السادة المطاعون في عشائرهم ممن يرجى إسلامه أو يخشى شره، أو يرجى بعطيته قوة الإيمان منه، أو إسلام نظيره، أو جباية الزكاة ممن لا يعطيها، أو الدفع عن المسلمين٢.
قال ابن حجر: "المراد بالمؤلفة ناس من قريش أسلموا يوم الفتح إسلاما ضعيفا، وقيل كان فيهم من لم يسلم بعد كصفوان بن أمية، وقد اختلف في المراد بالمؤلفة قلوبهم الذين هم أحد المستحقين للزكاة فقيل: كفار يعطون ترغيبا في الإسلام، وقيل مسلمون لهم أتباع كفار ليتألفوهم وقيل مسلمون أوّل ما دخلوا في الإسلام ليتمكن الإسلام من قلوبهم".
ثم قال: "وأما المراد بالمؤلفة هنا: فهذا الأخير، لقوله في الحديث "فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر أتألفهم" ٣.
١٩٥- وقال ابن إسحاق٤: أعطي رسول الله ﷺ المؤلفة قلوبهم وكانوا أشرافًا من أشراف الناس، يتألفهم ويتألف بهم قومهم، فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة بعير٥، وأعطى ابنه معاوية مائة بعير، وأعطى حكيم ابن حزام مئة بعير٦، وأعطى
_________________
(١) ١ القاموس المحيط ٣/١١٩ ولسان العرب ١٠/ ٣٥٣ والمصباح المنير ١/٢٦) . ٢ جامع البيان للطبري ١٠/١٦١ والإفصاح لابن هبيرة ١/٢٢٤-٢٢٥، والمغني لابن قدامة ٦/٤٢٨-٤٢٩ والعدة شرح العمدة للمقدسي ص ١٤٢-١٤٣ والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف لعلاء الدين المرداوي ٣/٢٢٧ وتاريخ الخميس للدياربكري ٢/١١٤ والسيرة الحلبية لبرهان الحلبي٣/٨٥ والفقه على المذاهب الأربعة للجزيري ١/٦٢٣ و٦٢٤ و٦٢٥ ومنهاج المسلم للجزائري ص ٢٥٦. ٣ فتح الباري ٨/٤٨. ٤ وساق الطبري أسماء المؤلفة قلوبهم من غير طريق ابن إسحاق: فقال: حدثنا عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير: أن المؤلفة قلوبهم الخ (جامع البيان ١٠/١٦١-١٦٢. ٥ وأربعين أوقية فضة، وأعطى ابنه معاوية ويزيد كل واحد مثله، فقال أبو سفيان لرسول الله ﷺ والله إنك لكريم فداك أبي وأمي، والله لقد حاربتك فلنعم المحارب كنت، ولقد سالمتك فنعم المسالم أنت جزاك الله خيرًا (مغازي الواقدي ٣/٩٤٤-٩٤٥) . ٦ وعند الواقدي: أنه سأل رسول الله ﷺ فأعطاه مائة، ثم مئة ثم مئة، ثم وعظه رسول الله ﷺ فأخذ المائة الأولى ثم ترك.
[ ٤٠٣ ]
الحارث١ بن الحارث بن كلدة مئة بعير، وأعطى الحارث بن هشام مئة بعير، وأعطى سهيل بن عمرو ومئة بعير٢، وأعطى حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس مئة بعير٣، وأعطى العلاء٤ ابن جارية الثقفي حليف بني زهرة مئة بعير، وأعطى عيينة بن حصن بن حذيفة بن بدر مئة بعير، وأعطى صفوان بن أمية مئة بعير٥، فهؤلاء أصحاب المئين.
وأعطى دون المائة رجالا من قريش منهم:
مخرمة بن نوفل الزهري٦، وعمير بن وهب الجمحي٧.
وهشام٨ بن عمرو أخو بني عامر بن لؤي لا أحفظ ما أعطاهم وقد عرفت أنها دون المئة.
وأعطى سعيد بن يربوع بن عن كثة بن عامر بن مخزوم خمسين من الإبل٩،
_________________
(١) ١ كان أبوه طبيب العرب وحكيمها، وهو من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قومه وأما أبوه الحارث بن كلدة فمات أوّل الإسلام ولم يصح إسلامه. (انظر: أسد الغابة ١/٣٨٤ و٤٢٠ و٢/٤٥ و٣/١٠ و٥/٢٠٩ و٤٩١ و٦/١٤٨-١٤٩) وانظر: ترجمة الحارث بن كلدة في الإصابة ١/٢٨٨) . ٢ زاد الزرقاني: (أخوه سهل) (شرح المواهب ٣/٣٧ وأسد الغابة ٢/٤٧٥. ٣ انظر: الطبقات الكبرى لابن سعد ٥/٤٥٤. ٤ العلاء بن جارية - بجيم وتحتية- كذا في الإصابة ٢/٤٩٧ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧ ووقع في أسد الغابة ٤/٧٣ وفتح الباري ٨/٤٨. العلاء بن (حارثة) بالحاء المهملة والمثلثة وكذا في جامع البيان للطبري ١٠/١٦٢ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ أن رسول الله ﷺ أعطاه خمسين بعيرا. ٥ تقدم في حديث (١٨٥) أن رسول الله ﷺ أعطاه مائة من النعم ثم مائة، ثم مائة. ٦ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ وأسد الغابة ٥/١٢٥ أن رسول الله ﷺ أعطاه خمسين بعيرا. ٧ في شرح المواهب قال: أعطاه رسول الله ﷺ خمسين من الإبل وذكر ابن عبد البر في المؤلفة: عمير بن ودقة وقال: "لم يبلغه رسول الله ﷺ مائة من الإبل من غنائم حنين وكذا قيس بن مخرمة وعباس بن مرداس وهشام بن عمرو وسعيد بن يربوع وسائر المؤلفة قلوبهم أعطاهم مائة مائة" (الاستيعاب ٢/٤٨٩) . وقال ابن حجر: "لم يذكر ابن إسحاق عمير بن ودقة في المؤلفة وذكر بدله "عمير بن وهب الجمحي" وبدل "قيس بن مخرمة" "مخرمة بن نوفل" الإصابة ٣/٣٥) . ٨ وعند الواقدي ٣/٩٤٦ أعطاه خمسين من الإبل. ٩ انظر الاستيعاب: لابن عبد البر ٢/٤٨٩ مع الإصابة، والإصابة ٢/٥١-٥٢.
[ ٤٠٤ ]
وأعطى السهمي خمسين من الإبل١، وأعطى عباس بن مرداس أبا عمر فسخطها، فعاتب فيها رسول الله ﷺ، فقال عباس بن مرداس يعاتب رسول الله ﷺ
كانت نهابا تلافيتها بكري على المهر في الأجرع ٢
وإيقاظي القوم أن يرقدوا إذا هجع الناس لم أهجع
فأصبح نهبي ونهب العبيد بين عيينة والأقرع٣
وقد كنت في الحرب ذا تدرا فلم أعط شيئا ولم أمنع
إلاّ أفائل٤ أعطيتها عديد قوامها الأربع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان شَيْخِيَّ في المجمع٥
وما كنت دون امرئ منها ومن تضع اليوم لا يرفع
فقال رسول الله ﷺ: "اذهبوا به، فاقطعوا عني لسانه، فأعطوه حتى رضي٦، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله ﷺ" ٧.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "قال ابن هشام: اسمه عدي بن قيس السهمي، وروى ابن مردويه من طريق بكر بن بكار عن علي بن المبارك عن يحيى ابن أبي كثير في تسمية المؤلفة عدي بن قيس السهمي". ثم قال ابن حجر: "عند ذكره قيس بن عدي السهمي: قال: ذكره ابن إسحاق في السيرة الكبرى، وعبد الله بن أبي بكر بن حزم فيمن أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين في المؤلفة دون المائة". وذكره الواقدي فيمن أعطاه مائة، ثم قال: "فلا أدري هل عدي بن قيس، وقيس بن عدي واحد انقلب، أو اثنان". وقال الزرقاني: "قال الشامي: الظاهر أنهما اثنان، لاتفاق ابن إسحاق والواقدي على ذلك". (انظر الإصابة ٢/٤٧١ و٣/٣٥ و٢٥٥ ومغازي الواقدي ٣/٩٤٦ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٢ الأجرع: الأرض ذات الحزونة متشاكل الرمل. (المعجم الوسيط ١/١١٨) . ٣ قال ابن هشام: وحدثني بعض أهل العلم: أن عباس بن مرداس أتى رسول الله ﷺ، فقال له رسول الله ﷺ: أنت القائل: فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة ، فقال أبو بكر الصديق: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله ﷺ هما واحد. فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾، [سورة يّس: من الآية: ٦٩] . (سيرة ابن هشام ٢/٤٩٤) . ونسبه ابن كثير: لعروة بن الزبير وموسى بن عقبة عن الزهري (البداية والنهاية ٤/٣٦٠) . ٤ في القاموس المحيط ٣/٣٢٩: أفيل: كأمير ابن المخاض فما فوقه، والفصيل، جمعه أفال كجمال، وأفائل. ٥ شيخي: يعني أباه مرداسا، ويروى "شَيْخِيَّ" بتشديد الياء يريد أباه وجده، قال ابن هشام: "أنشدني يونس النحوي" فما كان حصن ولا حابس.. يفوقان (مرداس) في المجمع واستشهد بهذا البيت على ترك صرف ما ينصرف لضرورة الشعر. ٦ وعند مسلم في الصحيح أن رسول الله ﷺ أتم له مائة انظر حديث (١٩١) . ٧ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٢-٤٩٤ والروض الأنف ٧/٢٤٦-٢٤٨.
[ ٤٠٥ ]
الحديث أخرجه الطبري من طريق ابن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر بن حزم به، ثم ساق سندا آخر عن عبد الله الأعلى عن محمد بن ثور عن معمر عن يحيى بن أبي كثير ثم ساق جملة من المؤلفة١.
وقد سرد ابن هشام تسمية المؤلفة قلوبهم ونسبهم إلى بطونهم فقال:
١٩٦- حدثني من أثق به من أهل العلم في إسناد له، عن ابن شهاب الزهري عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة عن ابن عباس قال: "بايع رسول الله ﷺ من قريش وغيرهم، فأعطاهم يوم الجعرانة من غنائم حنين:
أ- من بني أمية بن عبد شمس: أبو سفيان بن حرب بن أمية، وطليق بن سفيان بن أمية، وخالد بن أسيد بن أبي العيص بن أمية٢.
ب- ومن بني عبد الدار بن قصي: شيبة٣ بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وأبو السنابل٤ بن بعكك ابن الحارث بن عميلة بن السباق بن عبد الدار، وعكرمة بن عامر بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.
ج- ومن بني مخزوم بن يقظة: زهير٥ بن أبي أمية بن المغيرة، والحارث بن هشام بن المغيرة، وهشام بن الوليد بن المغيرة، وسفيان بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، وخالد بن هشام بن المغيرة، والسائب بن أبي السائب بن عائذ بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.
_________________
(١) ١ تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٠ وجامع البيان ١٠/١٦١-١٦٢. ٢ وزاد غيره فيهم: معاوية بن أبي سفيان ويزيد بن أبي سفيان. وانظر حديث (١٩٥) وخالد بن أسيد - بفتح الهمزة وكسر السين هو أخو عتاب بن أسيد، وطليق بن سفيان كان هو وابنه حكيم بن طليق من المؤلفة قلوبهم، وعند ابن حزم: أن رسول الله ﷺ أعطى طليقًا وخالد بن أسيد كل واحد دون المائة (جوامع السيرة ص (٢٤٦) وانظر: أسد الغابة ٢/٨٩ و٣/٩٦) . ٣ هو الذي حاول الفتك برسول الله ﷺ يوم حنين، وكان ممن ثبت بعد ذلك وقاتل مع رسول الله ﷺ، ذكر ابن حزم أن رسول الله ﷺ أعطاه دون المائة. ٤ أبو السنابل: جمع سنبلة، وبعكك - بموحدة فمهملة، فكافين وزن جعفر - كره ابن حزم فيمن أعطي دون المائة، وكذا عكرمة بن عامر بن هاشم. ٥ قيل أنه أخو أم سلمة زوج رسول الله ﷺ، وزاد بعضهم في بني مخزوم: سعيد بن يربوع انظر حديث (١٩٥) . وعبد الرحمن بن يربوع، عثمان بن وهب المخزومي.
[ ٤٠٦ ]
د- ومن بني عدي بن كعب: مطيع بن الأسود بن حارثة بن نضلة، وأبو جهم بن حذيفة بن غانم١.
هـ- ومن بني جمح بن عمرو: صفوان بن أمية بن خلف، وأحيحة٢ بن أمية بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف، وعمير بن وهب بن خلف.
وومن بني سهم: عدي بن قيس بن حذافة السهمي٣.
ز- ومن بني عامر بن لؤي: حويطب بن عبد العزى بن أبي قيس ابن عبدود، وهشام بن عمرو بن ربيعة بن الحارث بن حبيب.
ومن أفناء القبائل:
ح- من بنى بكر بن عبد مناة بن كنانة: نوفل بن معاوية بن عروة ابن صخر بن رزن بن يعمر بن نفاثة بن عدي بن الديل.
ط- ومن بنى قيس، ثم من بني عامر بن صعصعة ثم من بني كلاب ابن ربيعة بن عامر بن صعصعة: علقمة٤ بن علاثة بن عوف بن الأحوص ابن جعفر بن كلاب، ولبيد٥ بن ربيعة بن مالك بن جعفر بن كلاب.
_________________
(١) ١ انظر: أسد الغابة ٢/٢٦١، و٥٣٤، و١١٢، و٣/٥٠١، و٤/٧٣، ٥/١٩١، و٦/٥٧، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٦) . ٢ أحيحة - بمهملتين مصغرا - أخو صفوان بن أمية، كان من المؤلفة قلوبهم (انظر أسد الغابة ١/٦٩، والإصابة ١/٢٣، شرح المواهب ٣/٣٧) . ٣ تقدم في حديث (١٩٥) حاشية ص ٤٠٥ تعليقة (١) قول ابن حجر: فلا أدري هل عدي بن قيس وقيس بن عدي واحد انقلب أو اثنان. وزاد الزرقاني في شرح المواهب ٣/٣٧: الجد بن قيس السهمي وقال: أورده ابن الجوزي في التلقيح. وقد راجعت أسد الغابة والإصابة فلم أجد من اسمه الجد بن قيس السهمي، وإنما الموجود الجد بن قيس الأنصاري السلمي وكان ممن يظن فيه النفاق وفيه نزل قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلا تَفْتِنِّي أَلا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾، [سورة التوبة، الآية: ٤٩] . (أسد الغابة: ١/٣٢٧ والإصابة ١/٢٢٨) . ٤ قال ابن حجر: ثبت ذكره في الصحيح في حديث أبي سعيد الخدري من رواية عبد الرحمن بن أبي نعم عنه قال: بعث علي بن أبي طالب ﵁ إلى النبي ﷺ بذهبية في تربتها، فقسمها بين (أربعة نفر: عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وعلقمة بن علاثة / وزيد الخيل) الحديث (الإصابة ٢/٥٠٣) . والحديث في صحيح البخاري ٤/١٠٩ كتاب الأنبياء، باب قول الله تعالى (وإلى عاد أخاهم هودا) . وصحيح مسلم: ٢/٧٤١-٧٤٢ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام، إلخ. وكذا ثبت ذكره في حديث رافع بن خديج عند مسلم انظر حديث (١٩١) . ٥ في أسد الغابة ٤/٥١٦: وكان لبيد بن ربيعة، وعلقمة بن علاثة العامريان من المؤلفة قلوبهم، وحسن إسلامهما.
[ ٤٠٧ ]
ي- ومن بني عامر بن ربيعة: خالد بن هوذة بن ربيعة بن عمرو ابن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة، وحرملة بن هوذة بن ربيعة بن عمرو.
ك- ومن بني نصر بن معاوية: مالك بن عوف بن سعيد بن يربوع.
ل- ومن بني سليم بن منصور: عباس بن مرداس بن أبي عامر: أخو بني الحارث بن بهثة بن سليم١.
م- ومن بني غطفان، ثم من بني فزارة: عيينة بن حصن بن حذيفة ابن بدر.
ن- ومن بني تميم ثم من بني حنظلة: الأقرع بن حابس بن عقال، من بني مجاشع بن دارم٢.
فهؤلاء تسعة وعشرون شخصا ذكرهم ابن هشام.
قلت: وزاد غيره:
س- في بني أمية بن عبد شمس: معاوية بن أبي سفيان، يزيد بن أبي سفيان، خالد بن أسيد، طليق بن سفيان وابنه حكيم بن طليق٣.
ع- وفي بني مخزوم بن يقظة: سعيد بن يربوع، وعبد الرحمن بن يربوع، عثمان بن وهب المخزومي، عكرمة بن أبي جهل٤.
ف- وفي بني سهم: الجد بن قيس السهمي٥.
ص- وفي بني سليم: عمير بن مرداس اخو عباس بن مرداس.
ق- ومن بني هاشم: أبو سفيان الحارث بن عبد المطلب٦.
_________________
(١) ١ وزاد ابن الجوزي: عمير بن مرداس، أخو عباس بن مرداس، ذكر ذلك ابن حجر في الفتح ٨/٤٨ والزرقاني في شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٤ -٤٩٦ والروض الأنف ٧/٢٤٨-٢٥٠. ٣ انظر حاشية ص ٤٠٦ تحت حديث (١٩٦) والقاموس المحيط ٣/١١٨. ٤ انظر شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٥انظر: حاشية ص٤٠٧تعليقة (٣) تحت حديث (١٩٦) والقاموس المحيط٣/١١٨-١١٩. ٦ انظر جامع البيان للطبري ١٠/١٦٢، نصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤ وشرح المواهب اللدنية للزرقاني ٣/٣٧.
[ ٤٠٨ ]
ر- ومن ثقيف: العلاء بن جارية الثقفي١، وأسيد٢ بن جارية الثقفي، والأخنس٣ بن شريق، عمير بن الأخنس بن شريف٤.
ش- ومن بني تميم: عمرو بن الأهتم٥.
ت- ومن بني أسد بن عبد العزى: حكيم بن حزام٦.
ث- ومن بني عبد مناف: جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف النوفلي٧.
خ-ومن بني نبهان: زيد بن مهلهل النبهاني، المعروف بزيد الخيل٨.
ذ- ومن بني عبد شمس بن عبدود: سهيل بن عمرو العامري، وأخوه سهيل بن عمرو٩.
ض-كعب بن الأخنس١٠.
فهؤلاء اثنان وخمسون رجلا.
قال الزرقاني: "وقد سردهم ابن الجوزي١١ في التلقيح وابن طاهر١٢ في "مبهماته" والحافظ في "الفتح" والبرهان١٣ في "النور" وهو أحسنهم وعند كل ما ليس
_________________
(١) ١ انظر حديث (١٩٥) . ٢ أسيد - بفتح الهمزة - (أسد الغابة ١/١٠٩ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧) . ٣ شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٤ الإصابة ٣/٢٨-٢٩. ٥ أسد الغابة ٤/١٩٦ وفتح الباري ٨/٤٨ وشرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ٦ انظر حديث (١٩٥) . ٧ انظر القاموس المحيط ٣/١١٨. ٨ انظر القاموس المحيط ٣/١١٨ وتعليقة (٤) من حاشية ص ٤٠٧ ٩ انظر شرح المواهب الدنية ٣/٣٧ وحديث (١٩٥) وتعليقة (٢) من ص ٤٠٤. ١٠ انظر شرح المواهب اللدنية ٣/٣٧. ١١ هو أبو الفرج عبد الرحمن بن علي المعروف بابن الجوزي، وكتابه هذا يسمى "تلقيح فهوم أهل الأثر في عيون التواريخ والسير" وقد راجعته فلم أجده ذكر أسماء المؤلفة قلوبهم على نحو ما أشار الزرقاني. ١٢ هو أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي المعروف (بابن القيسراني) (ولد سنة ٤٤٨ وتوفي سنة ٥٠٧) (تذكرة الحفاظ للذهبي ٤/١٢٤٢-١٢٤٥ والكتاني: الرسالة المستطرقة ص ١٠٢) . ١٣ هو برهان الدين إبراهيم بن محمد بن خليل الطرابلسي الأصل (طرابلس الشام) المعروف (بسبط ابن العجمي)، ولد سنة: (٧٥٣هـ)، وتوفي سنة: (٨٤)، وله كتاب يسمى: (نور النبراس على سيرة ابن سيد الناس) . (البدر الطالع للشوكاني ١/٢٨-٣٠ ومعجم المؤلفين لكحالة ١/٩٢-٩٣) .
[ ٤٠٩ ]
عند الآخر، ثم ساقهم الزرقاني فأوصلهم سبعة وخمسين رجلا ثم قال: فهؤلاء سبع وخمسون نفسا".
ثم قال: قال الحافظ: "وفي عد العلاء بن جارية ومالك بن عوف النصرى نظر. وقد قيل إنهما أتيا طائعين من الطائف إلى الجعرانة"١.اهـ.
وهؤلاء المؤلفة قلوبهم حسن إسلامهم وصاروا مجاهدين في سبيل الله الناشرين للدين الإسلامي في الآفاق، والذابين عنه.
قال ابن حزم: "وقد حسن إسلام جميع المؤلفة قلوبهم، حاشا عيينة ابن حصن فلم يزل مغموزًا".
وكان المؤلفة - مع حسن إسلامهم - متفاضلين في الإسلام، منهم الفاضل المجتهد: كالحارث بن هشام، وسهيل بن عمرو، حيكم بن حزام. وفيهم خيار دون هؤلاء: كصفوان بن أمية، وعمرو بن وهب، ومطيع بن الأسود/ ومعاوية بن أبي سفيان. وسائرهم لا نظن بهم إلا الخير.
وكان ممن أسلم يوم الفتح وبعده، من الأشارف نظراء من ذكرنا - ووثق رسول الله ﷺ بصحة إيمانهم، وقوة نياتهم في الإسلام لله تعالى فلم يدخلهم مدخل من
_________________
(١) ١ شرح المواهب اللدنية ٣/٣٦-٣٧.وانظر: مغازي الواقدي٣/٩٤٤-٩٤٨ والطبقات الكبرى لابن سعد٢/١٥٢-١٥٣ وتاريخ خليفة بن خياط ص:٩٠، والتفسير لابن أبي حاتم ٤/١١٤أرقم ٢٨٣، وكتاب المنمق في أخبار قريش لمحمد بن حبيب البغدادي ص ٥٣٢-٥٣٣ وكتاب المعارف لابن قتيبة ص: ١٤٩، وجامع البيان للطبري ١٠/١٠٠ و١٦١-١٦٢، وجوامع السيرة لابن حزم ص ٢٤٥-٢٤٧، ولسان العرب ١٠/٣٥٣ ونصب الراية للزيلعي ٢/٣٩٤ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/١١٨-١١٩ وفتح الباري لابن حجر ٨/٤٨ وتاريخ الخميس للديار بكري ٢/١١٤، والسيرة الحلبية لبرهان الدين الحلبي ٣/٨٤-٨٥ ونيل الأوطار للشوكاني ٧/٣٠٨، وسيأتي في الأحكام بيان من أين يعطون وهل حكمهم باق أولا انظر ص (٦٨٤) .
[ ٤١٠ ]
أعطاه - عكرمة بن أبي جهل، وعتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وجبير١ بن مطعم٢.
قال ابن الجوزي: "اعلم أن من المؤلّفة أقوامًا تؤلفوا في بدء الإسلام ثم تمكن الإسلام في قلوبهم فخرجوا بذلك عن حدّ المؤلّفة".
وإنما ذكرهم العلماء في المؤلفة اعتبار ببداية أحوالهم، وفيهم من لم يعلم منه حسن الإسلام، والظاهر بقاؤه على حالة التأليف، ولا يمكن أن يفرق بين من حسن إسلامه، وبين من لم يحسن إسلامه، لجواز أن يكون من ظننا به شرا أنه على خلاف ذلك، إذ الإنسان قد يتغير عن حاله ولا ينقل إلينا أمره، فالواجب أن نظن بكل من نقل عنه الإسلام خيرًا.
١٩٧- وقد جاء عن أنس - ﵁ - قال: "كان٣ الرجل يأتي النبي ﷺ فيسلم لشيء يعطاه من الدنيا، فلا يمسي حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما فيها"٤.
_________________
(١) ١ قد عد في المؤلفة جبير بن مطعم وعكرمة بن أبي جهل انظر فقرة (ث) و(ع) ص ٤٠٨-٤٠٩. ٢ جوامع السيرة ص ٢٤٨. ٣ الحديث في صحيح مسلم ولفظه "عن أنس ﵁ أن رجلا سأل النبي ﷺ غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه فقال: أي قوم أسلموا فوالله إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر". فقال أنس: "إن كان الرجل ليسلم ما يريد إلاّ الدنيا، فما يسلم حتى يكون الإسلام أحب إليه من الدنيا وما عليها" (٤/١٨٠٦ كتاب الفضائل، باب ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قط، فقال: لا وكثرة عطائه. ٤ السيرة الحلبية ٣/٨٥-٨٦.
[ ٤١١ ]
المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول ﷺ فيهم
المبحث الخامس: موقف الأنصار من توزيع الغنائم وخطبة الرسول فيهم
وجد الأنصار في أنفسهم على رسول الله ﷺ حيث لم ينلهم ما نال غيرهم من الغنائم، مع بلائهم الشديد في هذه الغزوة وفي غيرها من معارك الإسلام الفاصلة.
ولقد كانوا - لكثرة عددهم وشدة بأسهم في الحرب- أعمدة أساسية للجيش النبوي في أية معركة ضد أعداء الإسلام، فهم الذين ناصروا هذا الدين وقام على كواهلهم، وفتحوا قلوبهم وأبوبهم لكل من جاءهم من إخوانهم المهاجرين الفارين بدينهم، وناضلوا أشد النضال من أجل إقامة هذا الدين وتثبيت دعائمه.
ولقد سجل الله لهم ذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، [سورة الحشر، الآية: ٩] .
وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾، [سورة الأنفال، الآية: ٧٤] .
فهم أنصار الله وأنصار رسوله ﷺ حقا وصدقًا.
١٩٨- وفي صحيح البخاري من طريق غيلان بن جرير قال: "قلت لأنس بن مالك: اسم الأنصار١ كنتم تسمون به. أم سماكم الله؟ قال: بل سمانا الله"٢.
ولقد عرف رسول الله ﷺ لهم تلك المواقف العظيمة وأثنى عليهم ثناء عطرا وأوصى بهم خيرا، وكان ذلك في آخر رمق من حياته ﷺ.
_________________
(١) ١ الأنصار: جمع ناصر، كأصحاب وصاحب، أو جمع نصير كأشراف وشريف واللام فيه للعهد، أي أنصار رسول الله ﷺ، والمراد الأوس والخزرج، وكانوا قبل ذلك يعرفون بابني قيلة، اسم امرأة - بقاف مفتوحة وياء تحتانية ساكنة - وهي الأم التي تجمع القبيلتين - فسماهم النبي ﷺ الأنصار، فصاروا علما عليهم، وأطلق ذلك على أولادهم، وحلفائهم، ومواليهم وخصوا بهذه المنقبة العظمى لما فازوا به دون غيرهم من القبائل من إيواء النبي ﷺ ومن معه، والقيام بأمرهم، ومواساتهم بأنفسهم وأموالهم، (شرح ثلاثيات مسند أحمد ١/٦٧٣) . ٢ ٥/٢٦ كتاب المناقب، باب مناقب الأنصار والذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم.
[ ٤١٢ ]
١٩٩- فقد روى البخاري من حديث هشام بن زيد بن أنس بن مالك قال: سمعت أنس بن مالك يقول: "مر أبو بكر والعباس - ﵄ - بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقال: ما يبكيكم؟ ١، قالوا ذكرنا مجلس النبي ﷺ منا، فدخل على النبي ﷺ فأخبره بذلك، قال: فخرج النبي ﷺ وقد عصب على رأسه حاشية برد، قال: فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي٢ وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم" ٣.
٢٠٠- وفي حديث ابن عباس - ﵄ - قال: "خرج رسول الله ﷺ وعليه ملحفة متعطفا بها على منكبيه، وعليه عصابة دسماء٤، حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: "أما بعد أيها الناس إن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام٥، فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم" ٦.
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "لم أقف على اسم الذي خاطبهم بذلك هل هو أبو بكر الصديق أو العباس بن عبد المطلب ويظهر لي أنه العباس. (فتح الباري ٧/١٢١) . ٢ كرشي- الكرش بوزن الكبد، لكل مجتر بمنزلة المعدة للإنسان والكرش أيضا الجماعة من الناس. والعيبة: بفتح المهلمة وسكون المثناة بعدها موحدة أراد أنهم بطانته وموضع سره، والذين يعتمد عليهم في أموره أي أنتم خاصتي وموضع سري، والعرب تكني عن القلوب والصدور بالعياب، لأنها مستودع السرائر كما أن العياب مستودع الثياب (النهاية في غريب الحديث ٣/٣٢٧، و٤/١٦٣-١٦٤، ومختار الصحاح ص: ٥٦٧ وفتح الباري ٧/١٢١. وفي القاموس المحيط ١/١٠٩ والعيبة: زنبيل من أدم وما يجعل فيه الثياب ومن الرجل موضع سره، جمعه عيب، وعيبات وعياب. ٣ ٥/٢٩ كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. ٤ دسماء: أي لونها كلون الدسم وهو الدهن، وقيل المراد أنها سوداء لكن ليست خالصة السواد ويحتمل أن تكون اسودت من العرق أو من الطيب كالغالية، وقد تبين من حديث أنس أنها كانت حاشية البرد، والحاشية غالبا تكون من لون غير الأصل. (فتح الباري ٧/١٢٢) . ٥ قوله: "إن الناس يكثرون وتقل الأنصار"، فيه إشارة إلى دخول قبائل العرب والعجم في الإسلام وهم أضعاف أضعاف قبيلة الأنصار، فمهما فرض الأنصار من الكثرة كالتناسل فرض في كل طائفة من أولئك، فهم أبدا بالنسبة إلى غيرهم قليل، ويحتمل أن يكون ﷺ اطلع على أنهم يقلون مطلقا فأخبر بذلك فكان كما أخبر؛ لأن الموجودين الآن من ذرية علي بن أبي طالب ممن يتحقق نسبه إليه أضعاف من يوجد من قبيلتي الأوس والخزرج ممن يتحقق نسبه وقس على ذلك ولا التفات إلى كثرة من يدعي أنه منهم بغير برهان. وقوله: "حتى يكونوا كالملح في الطعام"، وفي لفظ "بمنزلة الملح في الطعام" أي في القلة، لأنه جعل غاية قلتهم الانتهاء إلى ذلك والملح بالنسبة إلى جملة الطعام جزء يسير منه والمراد بذلك المعتدل (فتح الباري ٧/١٢٢) . ٦ البخاري: الصحيح ٥/٢٩ كتاب المناقب، باب قول النبي ﷺ اقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم و٤/١٦٤ كتاب المناقب، باب علامات النبوة.
[ ٤١٣ ]
وقد جعل ﷺ حبهم من علامات الإيمان، وبغضهم من علامات النفاق.
٢٠١- فقد ورد في حديث أنس بن مالك - ﵁ - عن النبي ﷺ قال: "آية الإيمان حب الأنصار، آية النفاق بغض الأنصار" ١.
٢٠٢- وفي حديث البراء بن عازب - ﵄ - قال: سمعت النبي ﷺ - أو قال: قال النبي ﷺ - "الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم أحبه الله، ومن أبغضهم أبغضه الله" ٢.
٢٠٣- وفي حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ - أو قال أبو القاسم ﷺ ٣-، "لو أن الأنصار سلكوا واديا٤ أو شعبًا، لسلكت في وادي الأنصار، ولولا الهجرة٥ لكنت امرأ من الأنصار"، فقال أبو هريرة: "ما ظلم
_________________
(١) ١ المصدر السابق ٥/٢٧، كتاب المناقب، باب حب الأنصار واللفظ له، ومسلم الصحيح ١/٨٥، كتاب الإيمان باب الدليل على أن حب الأنصار وعلي بن أبي طالب - ﵃ - من الإيمان وعلاماته الخ. ٢ البخاري: الصحيح ٥/٢٧ كتاب مناقب الأنصار، باب حب الأنصار، ومسلم: الصحيح ١/٨٥ كتاب الإيمان، باب الدليل على أن حب الأنصار من الإيمان الخ. ٣ وعند أحمد: "قال: قال رسول الله ﷺ أو أبو القاسم". ٤ واديا: هو المكان المنخفض، وقيل الذي فيه ماء والمراد هنا بلدهم. والشعب: بكسر الشين المعجمة، وهو اسم لما انفرج بين جبلين، وقيل الطريق في الجبل. وأراد ﷺ بهذا: التنبيه على جزيل ما حصل لهم من ثواب النصرة والقناعة بالله ورسوله عن الدنيا، ومن هذا وصفه فحقه أن يسلك طريقه ويتبع حاله. قال الخطابي:" لما كانت العادة أن المرء يكون في نزوله وارتحاله مع قومه وأرض الحجاز كثيرة الأودية والشعاب، فإذا تفرقت في السفر الطرق سلك كل قوم منهم واديا وشعبا فأراد أنه مع الأنصار" (فتح الباري ٨/٥١-٥٢) . ٥ قوله: "ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار"، قال الخطابي: "أراد بهذا الكلام تألف الأنصار واستطابة نفوسهم والثناء عليهم في دينهم حتى رضي أن يكون واحدًا منهم لولا ما يمنعه من الهجرة التي لا يجوز تبديلها وقد اختلف العلماء في تمني رسول الله ﷺ الانتساب إلى الأنصار، لولا مانع الهجرة": فقال بعضهم: "لم يرد بذلك الانتقال عن نسب آبائه، لأنه ممتنع قطعا، وإنما أراد النسبة إلى دارهم، ولولا أن النسبة الهجرية لا يسعه تركها ويحتمل أنه لما كان الأنصار أخواله لكون أم عبد المطلب منهم، أراد أن ينتسب إليهم بهذه الولادة لولا مانع الهجرة". وقال بعضهم: "معناه لتسميت باسمكم وانتسبت إليكم كما كانوا ينتسبون بالحلف، لكن خصوصية الهجرة وتربيتها سبقت فمنعت من ذلك، وهي أعلى وأشرف فلا تتبدل بغيرها. وقيل: "التقدير لولا أن ثواب الهجرة أعظم لاخترت أن يكون ثوابي ثواب الأنصار ولم يرد ظاهر النسب أصلا". وقيل: "لولا التزامي بشروط الهجرة ومنها ترك الإقامة بمكة فوق ثلاثة لاخترت أن أكون من الأنصار فيباح لي ذلك، أي الإقامة بمكة" (فتح الباري ٨/٥١ بتصرف) .
[ ٤١٤ ]
- بأبي وأمي- آووه ونصروه، أو كلمة أخرى"١.
ومن هنا لم يكن الرسول الله ﷺ - بحرمانه الأنصار من الغنائم يجهل حقهم أو يحط من قدرهم حاشاه ﷺ من ذلك، وإنما تركهم ثقة منه بقوة إيمانهم وسخاوة نفوسهم، وأعطى الغنائم أناسًا يخاف هلعهم وجزعهم ويتألفهم على الإسلام.
ويبدوا أن الأنصار خفي عليهم ما أراده رسول الله ﷺ من توزيع الغنائم على ذلك النحو، فصدرت منهم هذه المقالة:
"إذا كانت الشدة فنحن ندعى، وترد غنائمنا على غيرنا"٢.
ولما بلغت هذه المقالة رسول الله ﷺ جمعهم في مكان واحد بين لهم وجهة نظره في إيثاره المؤلفة قلوبهم، فزال ما علق بأذهان الأنصار وطابت نفوسهم، وبرهنوا بذلك على صدق إخلاصهم لله في جهادهم وعظيم حبهم لنبيهم ﷺ، وأن متاع الدنيا لم يكن غاية لجهادهم.
وهذا ما تدل عليه الأحاديث الآتية:
١- حديث أنس بن مالك وقد جاء عنه من أربعة أوجه.
أ- من طريق هشام بن زيد بن أنس بن مالك عنه قال:
"لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان وغيرهم بذراريهم ونعمهم ومع النبي ﷺ يومئذ عشرة آلاف، ومعه الطلقاء، فأدبروا عنه حتى بقي وحده"٣.
_________________
(١) ١ وعند أحمد: "فقال أبو هريرة فما ظلم بأبي وأمي ﷺ لآووه ونصروه، قال: وأحسبه قال: "وواسوه". وفي لفظ "لقد آووه ونصروه وكلمة أخرى". وفي لفظ: "قال أبو هريرة: وما ظلم بأبي وأمي لقد آووه ونصروه أو واسوه ونصروه". قال ابن حجر: قوله: " (ما ظلم)، أي: ما تعدى في القول المذكور ولا أعطاهم فوق حقهم، ثم بين وجه ذلك بقوله "آووه ونصروه". وقوله: "لسلكت في وادي الأنصار" أراد بذلك حسن موافقتهم له لما شاهده من حسن الجوار والوفاء بالعهد وليس المراد أنه يصير تابعًا لهم، بل هو المتبوع المفترض الطاعة على كل مؤمن" (فتح الباري ٧/١١٢) . ٢ البخاري: الصحيح ٥/٢٦ كتاب مناقب الأنصار، باب قول النبي ﷺ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار ٩/٧٠ كتاب التمني، باب ما يجوز من اللو واللفظ له، وأحمد المسند ٢/٤١٠، و٤١٤ و٤٦٩ وإسحاق بن راهويه: المسند ص: ٢٢ أ- ب رقم ٣٧٧. ٣ وعند أحمد وابن أبي شيبة: "فلما التقوا ولى الناس".
[ ٤١٥ ]
قال فنادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما شيئًا١، قال: فالتفت عن يمنيه فقال: "يا معشر٢ الأنصار! " فقالوا: لبيك يا رسول الله! ٣ أبشر نحن معك، قال: وهو على بغلة بيضاء٤ فنَزل فقال: أنا عبد الله ورسوله٥، فانهزم المشركون٦ وأصاب رسول الله ﷺ غنائم كثيرة، فقسم في المهاجرين والطلقاء٧، ولم يعط الأنصار شيئا، فقالت الأنصار: إذا كانت الشدة٨ فنحن ندعى، وتعطى الغنائم غيرنا!.
فبلغه ذلك، فجمعهم في قبة٩ فقال: "يا معشر الأنصار! ما حديث بلغني عنكم" فسكتوا، فقال: "يا معشر الأنصار١٠! أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد ﷺ تحوزونه إلى بيوتكم" ١١.
قالوا: بلى يا رسول الله! رضينا قال: فقال: "لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لأخذت١٢ شعب الأنصار".
_________________
(١) ١ وعند أحمد وابن أبي شيبة: "ونادى يومئذ نداءين لم يخلط بينهما كلام". ٢ المعشر: كمسكن الجماعة وأهل الرجل (القاموس المحيط ٢/٩٠) . ٣ وعند البخاري: "قالوا: لبيك يا رسول الله وسعديك، لبيك نحن بين يديك". ٤ وعند أحمد وابن أبي شيبة: "والنبي ﷺ يومئذ على بغلة بيضاء". ٥ وعند أحمد وابن أبي شيبة: "فنزل وقال: إني عبد الله ورسوله". ٦ وعند ابن أبي شيبة: "ثم نزل إلى الأرض فالتقوا فهزموا ". وعند احمد: "ثم نزل بالأرض والتقو فهزموا". ٧ وعند البخاري: "فأعطى الطلقاء والمهاجرين". وعند ابن أبي شيبة "وأصابوا من الغنائم، فأعطى النبي ﷺ الطلقاء وقسم فيها". ٨ وعند البخاري: "إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا". وعند أحمد: "ندعى عند الكرة وتقسم الغنيمة لغيرنا". ٩ وعند أحمد وابن أبي شيبة: "فجمعهم وقعد في قبة". وعند البخاري ومسلم في لفظ وأحمد: "فجمعهم وقعد في قبة من أدم". والقبة: من الخيام: بيت صغير مستدير، وهو من بيوت العرب (النهاية (٤/٣) . ١٠ وعند أحمد وابن أبي شيبة فقال: "أي: معشر الأنصار". ١١ تحوزونه بالحاء المهملة والزاي من الحوز وهو الضم يقال: حزت الشيء أحوزه حوزا وحيازة ضممته وجمعته، وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه (المصباح المنير للفيومي ١/١٨٨) . ١٢ عند البخاري "لاخترت شعب الأنصار".
[ ٤١٦ ]
قال هشام١: فقلت: يا أبا حمزة! أنت شاهد ذاك؟ ٢ قال: وأين أغيب عنه.
ب- من طريق الزهري قال أخبرني أنس بن مالك أن أناسًا٣ من الأنصار قالوا يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله٤ من أموال هوازن ما أفاء فطفق رسول الله، يعطي رجالًا من قريش٥ المائة من الإبل فقالوا: يغفر الله٦ لرسول الله، يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم! قال أنس بن مالك: فحدث ذلك رسول الله ﷺ من قولهم فأرسل إلى الأنصار، فجمعهم في قبة من أدم٧ فلما اجتمعوا٨، جاءهم رسول الله ﷺ، فقال: "ما حديث بلغني عنكم؟ " فقال له فقهاء الأنصار٩: أما ذوو رأينا١٠ يا رسول الله! فلم يقولوا شيئًا،
_________________
(١) ١ قال ابن حجر: "هو موصول بالإسناد المذكور، أبو حمزة: هو أنس بن مالك". اهـ. قلت: والإسناد المشار إليه هو: حدثنا محمد بن بشار حدثنا معاذ بن معاذ حدثنا ابن عون عن هشام بن زيد بن أنس بن مالك عن أنس بن مالك (انظر فتح الباري ٨/٥٣و٥٥) . ٢ عند البخاري: "وأنت شاهد ذلك؟ ". ٣ عند البخاري: "قال ناس من الأنصار". وعند أحمد: "أن ناسا من الأنصار". ٤ عند البخاري: "حين أفاء الله على رسوله ﷺ ما أفاء من أموال هوازن". ٥ عند البخاري: "يعطي رجالا المائة من الإبل". وعند أحمد: "يعطي رجالا من قريش المائة من الإبل كل رجل". ٦ عند البخاري وأحمد: "فقالوا: يغفر الله لرسول الله ﷺ قال الزرقاني: قالوا ذلك توطئة وتمهيدا لما بعده من العتاب، كقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾، [سورة التوبة، من الآية: ٤٣] . شرح المواهب ٣/٣٨. ٧ قوله:"من أدم":بفتح الهمزة المقصورة والدال جلد مدبوغ (شرح المواهب٣/٣٩) . ٨ وعند أحمد: "ولم يدع أحدا غيرهم". وعند البخاري "ولم يدع معهم غيرهم، فلما اجتمعوا قام النبي ﷺ فقال: "ما حديث بلغني عنكم". ٩ عند أحمد "فقالت الأنصار". ١٠ عند البخاري "أما رؤساؤنا يا رسول الله فلم يقولوا شيئا" وتقدم في ص: ٤١٦ في رواية هشام بن زيد عن أنس "فقال: يا معشر الأنصار ما حديث بلغني عنكم" فسكتوا. قال ابن حجر: "يحمل على أن بعضهم سكت وبعضهم أجاب، وفي رواية أبي التياح عن أنس عند الإسماعيلي فجمعهم فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟ " قالوا: "هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون". ولأحمد من طريق ثابت عن أنس بت مالك "أن رسول الله ﷺ أعطى أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الآخرين يوم حنين، فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم وهم يذهبون بالمغنم" فذكر الحديث وفيه "ثم قال: أقلتم كذا وكذا؟ قالوا نعم، وكذا ذكر ابن إسحاق عن أبي سعيد الخدري أن الذي أخبر النبي ﷺ بمقالتهم سعد بن عبادة ولفظه: "لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطي من تلك العطايا في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة، فدخل عليه سعد بن عبادة فذكر له ذلك فقال له: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ قال: ما أنا إلاّ من قومي: قال: فاجمع لي قومك فجمعهم" الحديث. وأخرجه أحمد من هذا الوجه وهذا يعكر على الرواية التي فيها: "أما رؤساؤنا فلم يقولوا شيئا"؛ لأن سعد بن عبادة من رؤساء الأنصار بلا ريب إلا أن يحمل على الأغلب الأكثر، وأن الذي خاطبه بذلك سعد بن عبادة ولم يرد إدخال نفسه في النفي أو أنه لم يقل لفظا وإن كان - ﵁ - رضي بالقول المذكور فقال: ما أنا إلا من قومي وهذا أوجه اهـ. (فتح الباري ٨/٥٠) انظر حديث ٢٠٤و ٢٠٦.
[ ٤١٧ ]
وأما أناس١ منا حديثة أسنانهم، قالوا٢: يغفر الله لرسوله يعطي قريشًا وتركنا٣، وسيوفنا تقطر من دمائهم! فقال رسول الله ﷺ: "فإني أعطي٤ رجالًا حديثي عهد بكفر أتألفهم، أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون٥ إلى رحالكم٦ برسول الله؟ فوالله، لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به".
فقالوا: بلى يا رسول الله، قد رضينا، قال: "فإنكم ستجدون٧ أثرة٨ شديدة، فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإني على الحوض٩ قالوا: سنصبر١٠.
ج- من طريق شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك قال: جمع١١ رسول الله ﷺ الأنصار، فقال: أفيكم١٢ أحد من غيركم؟ ".
_________________
(١) ١ عند البخاري وأحمد: "وأما ناس". ٢ وعند أحمد: "فقالوا: كذا وكذا اللذي قالوا". ٣ وعند البخاري "من حديث شعبة عن قتادة عن أنس" يعطي قريشًا ويدعنا. ٤ عند البخاري البخاري: "إني لأعطي رجالًا حديث عهدهم بكفر". وعند أحمد: "إني لأعطي رجالًا حدثاء عهد بكفر أتألفهم، أو قال أستألفهم ومعنى: أتألفهم، أي: أستميل قلوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإسلام، رغبة في المال". ٥ عند البخاري "وتذهبون برسول الله ﷺ إلى رحالكم". ٦ رحالكم: بالحاء المهملة، أي بيوتكم، وهي رواية قتادة عن أنس. انظر ص (٤١٩) (فتح الباري ٨/٥١) . ٧ عند البخاري "سترون بعدي أثرة شديدة". (أثرة) قال النووي: فيها لغتان: إحداهما ضم الهمزة وإسكان الثاء، وأصحها وأشهرهما بفتحهما جميعًا. والأثرة: الاستئثار بالمشترك، أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق (شرح النووي على صحيح مسلم ٣/٩٩) . ٩ وعند البخاري: "موعدكم الحوض". وعند أحمد "فإني فرطكم على الحوض". ١٠ وعند مسلم أيضًا: "قالوا: نصبر" وعند البخاري "قال أنس فلم يصبروا" وعند البخاري أيضا وأحمد: "قال أنس: فلم نصبر". ١١ وعند البخاري والترمذي: "جمع رسول الله ﷺ ناسا من الأنصار" وعند البخاري أيضا "دعا النبي ﷺ الأنصار". ١٢ وعند البخاري وأحمد: "هل فيكم أحد من غيركم".
[ ٤١٨ ]
فقالوا: لا، إلاّ ابن أخت لنا١، فقال رسول الله ﷺ: "إن ابن أخت القوم منهم فقال: "إن قريشا حديث٢ عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم٣ وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ " لو سلك الناس واديا٤ وسلك الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار".
د- وفي لفظ من طريق أبي التياح٥ قال سمعت أنس بن مالك قال: لما
_________________
(١) ١ قوله: "إلا ابن أخت لنا"، قال ابن حجر: "هو النعمان بن مقرن المزني كما أخرجه أحمد من طريق شعبة عن معاوية بن قرة في حديث أنس هذا وكانت أم النعمان أنصارية" (فتح الباري ٦/٥٥٢و ١٢/٤٩) قلت: والحديث في مسند أحمد ٣/١٩ بإسناد صحيح وسياقه: حدثنا وكيع ثنا شعبة قال قلت لمعاوية بن قرة أسمعت أنسا يقول: قال رسول الله ﷺ للنعمان بن مقرن ابن أخت القوم منهم قال: نعم، قال النووي: "استدل بحديث الباب من يورث ذوي الأرحام وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد وآخرين". ومذهب مالك والشافعي وآخرين أنهم لا يرثون، وأجابوا بأنه ليس في هذا اللفظ ما يقتضي توريثه، وإنما معناه أن بينه وبينهم ارتباطًا وقرابة، ولم يتعرض للإرث، وسياق الحديث يقتضي أن المراد أنه كالواحد منهم في إفشاء سرهم بحضرته ونحو ذلك اهـ. شرح النووي على صحيح مسلم (٣/٩٩-١٠٠) . قلت: بوب البخاري بقوله: "باب مولى القوم من أنفسهم وابن أخت القوم منهم" ثم ساق حديث: "ابن أخت القوم منهم أو من أنفسهم". قال ابن حجر: وكأن البخاري رمز إلى الجواب بإيراد هذا الحديث، لأنه لو صح الاستدلال بقوله "ابن أخت القوم منهم" على إدارة الميراث لصح الاستدلال به على أن العتيق يرث ممن أعتقه لورود مثله في حقه، فدل على أن المراد بقوله "من أنفسهم" كذا "منهم" في المعاونة أو الانتصار والبر والشفقة ونحو ذلك لا في الميراث. ثم قال ابن حجر: "وقال ابن أبي جمرة: الحكمة في ذكر ذلك إبطال ما كانوا عليه في الجاهلية من عدم الالتفات إلى أولاد البنات فضلًا عن أولاد الأخوات حتى قال قائلهم: بنونا بنو أبنائنا وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد فأراد بهذا الكلام التحريض على الألفة بين الأقارب. اهـ. (فتح الباري ١٢/٤٩) . ٢ قال ابن حجر: "كذا وقع بالإفراد في الصحيحين، والمعروف حديثو عهد، وكتبها الدمياطي بخطه "حديثو عهد" وفيه نظر. وقد وقع عند الإسماعيلي "إن قريشا كانوا قريب عهد".اهـ. (فتح الباري ٨/٥٤) . وقال محمد فؤاد عبد الباقي بعد أن أشار إلى ما ذكره ابن حجر قال: "وفعيل يستوي فيه الإفراد وغيره (تعليقه على صحيح مسلم، وهذا معروف في اللغة انظر: شرح ابن عقيل (١/٦١) . ٣ قوله: (أن أجبرهم) قال ابن حجر: "كذا للأكثر - بفتح أوله وسكون الجيم بعدها موحدة ثم راء مهملة - للسرخسي والمستملي: بضم أوله وكسر الجيم بعدها تحتانية ساكنة ثم زاي - من الجائزة" (فتح الباري ٨/٥٤) . ٤ وعند الترمذي: "لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار وشعبهم"، وعند البخاري: "لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار". ٥ أبو التياح - بمثناة ثم تحتانية ثقيلة آخره مهملة- هو يزيد بن حميد.
[ ٤١٩ ]
فتحت مكة قسم الغنائم في قريش١ فقالت الأنصار: إن هذا لهو العجب٢ إن سيوفنا تقطر من دمائهم٣، وإن غنائمنا ترد عليهم، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فجمعهم، فقال: "ما الذي بلغني عنكم؟ ". قالوا: هو الذي بلغك، وكانوا لا يكذبون، قال: "أما ترضون٤ أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله ﷺ؟ لو سلك الأنصار واديًا أو شعبا وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار" ٥.
ورواه مسلم وأحمد والبيهقي الجميع عن طريق السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال: افتتحنا مكة ثم غزونا حنينا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت" الحديث.
_________________
(١) ١ وعند البخاري وأحمد: "فقسم الغنائم في قريش" وفي لفظ عند البخاري أيضا "لما كان يوم فتح مكة قسم رسول الله ﷺ غنائم بين قريش فغضبت الانصار". قال ابن حجر: "ووقع عند القابسي: قسم رسول الله ﷺ "غنائم قريش" ولبعضهم "غنائم من قريش" وهو خطأ؛ لأنه يوهم أن مكة لما فتحت قسمت غنائم قريش، وليس كذلك بل المراد بقوله: "يوم فتح مكة" زمن فتح مكة وهو يشمل السنة كلها، ولما كانت غزوة حنين ناشئة عن غزوة فتح مكة أضيفت إليها" (فتح الباري٨/٥٤) . ٢ وعند البخاري: "والله إن هذا لهو العجب". ٣ وعند البخاري وأبي يعلى: "إن سيوفنا تقطر من دماء قريش". ٤ عند البخاري "أولا ترضون أن يرجع الناس بالغنائم إلى بيوتهم وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ ". ٥ البخاري: الصحيح ٤/٧٤ كتاب فرض الخمس، باب ما كان النبي ﷺ يعطى المؤلفة وغيرهم، الخ و١٤٥ كتاب المناقب، باب ابن أخت القوم منهم ومولى القوم منهم ٥/٢٦ و٢٨ كتاب فضائل أصحاب النبي، باب مناقب الأنصار والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم الخ. وباب قول النبي ﷺ للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض و١٣٠و ١٣١ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف، و٧/ كتاب اللباس، باب القبة الحمراء من أدم. و٨/١٣٠ كتاب الفرائض، باب مولى القوم من أنفسهم وابن الأخت منهم و٩/١٠٦ كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى، وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة، ومسلم: الصحيح ٢/٧٣٣-٧٣٦ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه واللفظ له، وأحمد: المسند ٣/١٦٥-١٦٦ و١٦٩ و١٧٦ و٢٢٢ و٢٤٩ و٢٧٥ و٢٧٦، و٢٧٧، و٢٧٩-٢٨٠. والترمذي: السنن ٥/٣٧١ كتاب المناقب، باب في فضل الأنصار وقريش، والسنائي: السنن ٥/٨٠، كتاب الزكاة، باب ابن أخت القوم منهم، مختصرا جدا، وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩٠. وأبو يعلى: المسند ٣/٢٩٢ و٣٠٧ و٣٣٧ ورقم ٣٠٣. والبيهقي: السنن الكبرى ٦/٣٣٧-٣٣٨ ودلائل النبوة ٣/٥٠-٥١، هكذا أخرج هؤلاء الأئمة هذا الحديث مطولًا ومختصرًا. تقدم برقم (٤٠) .
[ ٤٢٠ ]
وفيه: "قال فنادى رسول الله ﷺ: "يا للمهاجرين يا للمهاجرين" ثم قال: "يا للأنصار يا للأنصار".
قال أنس: هذا حديث عمية، قال: قلنا لبيك يا رسول الله، قال: فتقدم رسول الله ﷺ، فأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله، قال: فقبضنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة، قال: فنزلنا فجعل رسول الله ﷺ يعطي الرجل المائة ويعطي الرجل المائة١ قال: فتحدث الأنصار بينهم، أما من قاتله فيعطيه، وأما من لم يقاتله فلا يعطيه، قال: فرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ، ثم أمر بسراة٢ المهاجرين والأنصار أن يدخلوا عليه، ثم قال: "لا يدخل على إلاّ أنصاري أو الأنصار" قال: فدخلنا القبة حتى ملأنا القبة، قال نبي الله ﷺ: "يا معشر الأنصار – أو كما قال- ما حديث أتاني؟ " قالوا ما أتاك يا رسول الله؟ قال: "ألا ترضون أن يذهب الناس بالأموال وتذهبون برسول الله ﷺ، حتى تدخلوا بيوتكم؟ ".
قالوا: رضينا يا رسول الله، قال: قال رسول الله ﷺ: "لو أخذ الناس شعبا وأخذت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار" قالوا: يا رسول الله رضينا قال: "فارضوا أو كما قال" ٣.
٢٠٤- ورواه أحمد وابن أبي شيبة عن يزيد٤ بن هارون قال: أنبأنا حميد٥ عن أنس قال: أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين الأقرع بن حابس مائة من الإبل، وعيينة بن حصن مائة من الإبل، فقال ناس من الأنصار: يعطي٦ رسول الله ﷺ
_________________
(١) ١ هذا العطاء كان بالجعرانة؛ لأن قسمة الغنائم كانت بها، ولا يفهم من قوله رجعنا إلى مكة أن قسم الغنائم كان بمكة. ٢ سراة المهاجرين والأنصار: أي أشرافهم (النهاية ٢/٣٦٣) . ٣ أحمد: المسند ٣/١٥٧ واللفظ له، مسلم: الصحيح ٢/٧٣٦ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، والبيهقي دلائل النبوة ٣/٥٠ أ، وتقدم برقم (٤٦) . ٤ هو ابن زاذان السلمي مولاهم، أبو خالد الواسطي. ٥ هو ابن أبي حميد الطويل. ٦ وفي لفظ عند أحمد أيضًا: "فقالت الأنصار: أيعطي غنائمنا من تقطر سيوفنا من دمائهم، أو تقطر دماؤهم من سيوفنا".
[ ٤٢١ ]
غنائمنا ناس تقطر سيوفهم من دمائنا أو تقطر سيوفنا من دمائهم، فبلغه ذلك فأرسل إلى الأنصار فقال: "هل فيكم من غيركم؟ ". قالوا: لا، إلا ابن أخت لنا، فقال رسول الله ﷺ: "ابن الأخت القوم منهم، أقلتم١ كذا وكذا؟ أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد إلى دياركم؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "والذي نفسي٢ بيده، لو أخذ الناس واديًا أو شعبًا، أخذت وادي الأنصار أو شعبهم، الأنصار كرشي وعيبتي، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" ٣.
ورواه أحمد أيضا من:
أ- طريق ثابت البناني عن أنس بن مالك إلا أنه قال: أعطى رسول الله ﷺ أبا سفيان وعيينة والأقرع وسهيل بن عمرو في الأخيرين يوم حنين. فقالت الأنصار: يا رسول الله سيوفنا تقطر من دمائهم، وهم يذهبون بالمغنم، فبلغ ذلك النبي ﷺ، فجمعهم في قبة له حتى فاضت، فقال: "أفيكم أحد من غيركم؟ ". قالوا: لا، إلا ابن اختنا، قال: "ابن الأخت القوم منهم". ثم قال: "أقلتم كذا وكذا؟ " قالوا: نعم، قال: "أنتم الشعار٤ والناس دثار، أما ترضون أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وتذهبون برسول الله ﷺ إلى دياركم" الحديث٥.
ب- حدثنا عبيدة٦ بن حميد عن حميد عن أنس بن مالك قال: أعطى النبي ﷺ من غنائم حنين عيينة والأقرع وغيرهما، فقالت الأنصار: أيعطي غنائمنا من تقطر
_________________
(١) ١ وعند ابن أبي شيبة فقال: قلتم كذا وكذا؟ ". ٢ وفي لفظ عند أحمد: "والذي نفس محمد بيده". ٣ أحمد: المسند ٣/٢٠١ واللفظ له وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩٢ ب. ٤ الشعار: بكسر المعجمة بعدها مهملة خفيفة، الثوب الذي يلي الجلد من الجسد، والدثار: بكسر المهملة ومثلثة خفيفة: الذي فوق الشعار، وأرد أنهم بطانته وخاصته وأنهم ألصق به وأقرب إليه من غيرهم (فتح الباري ٨/٥٢ والنهاية ٢/١٠٠ و٤٨٠ والقاموس المحيط ٢/٢٧و ٥٩) . ٥ مسند أحمد ٣/٢٤٦. وقال ابن حجر: إسناده على شرط مسلم ٨/٥٠. ٦ عبيدة - بفتح أوله هو الكوفي أبو عبد الرحمن المعروف بالحذاء صدوق نحوي ربما أخطا (التقريب ١/٥٤٧) .
[ ٤٢٢ ]
سيوفنا من دمائهم، أو تقطر دماؤهم من سيوفنا، فبلغ ذلك النبي ﷺ فدعا الأنصار فقال: "يا معشر الأنصار، أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد إلى دياركم؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: والذي نفس محمد بيده لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار، الأنصار كرشي وعيبتي، ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار" ١.
ج- حدثنا بن أبي عدي٢ عن حميد عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ قال: "يا معشر الأنصار ألم آتكم ضلالا٣ فهداكم الله ﷿ بِيَ، ألم آتكم متفرقين فجمعكم الله بي، ألم آتكم أعداء فألف الله بين قلوبكم بي؟ ". قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "أفلا تقولون جئتنا خائفا فأمناك٤ وطريدًا فآوينك ومخذولًا ٥ فنصرناك؟ "٦. فقالوا: بل٧ لله ﵎ المن به علينا ولرسوله ﷺ ٨.حمد وابن أبي شيبة عن يزيد
_________________
(١) ١ مسند أحمد ٣/١٨٨ وإسناده حسن. ٢ هو محمد بن إبراهيم. ٣ ضلالًا: بالضم والتشديد جمع ضال والمراد هنا ضلالة الشرك بالهداية الإيمان، وقد رتب ﷺ ما من الله عليهم على يديه من النعم ترتيبا بالغا فبدأ بنعمة الإيمان التي لا يوازها شيء من أمر الدنيا، وثنى بنعمة الألفة وهي أعظم من نعمة المال، لأن الأموال تبذل في تحصيله وقد لا تحصل، وقد كانت الأنصار قبل الهجرة في غاية التنافر والتقاطع لما وقع بينهم من حرب بعاث وغيرها، فزال ذلك كله بالإسلام، كما قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ﴾، [سورة الأنفال، من الآية: ٦٣]، (فتح الباري ٨/٥٠) . ٤ خائفًا فأمناك: بمناصرتنا لك، وقيامنا بنصرتك، وطريدًا: من بلدك قد آذاك قومك. ٥ مخذولًا: أي غير منصور يقال: خذله خذلا وخذلانا - بالكسر - ترك نصرته. ٦ فنصرناك: أي: على من عاداك وآزرناك على من ناوأك. (بل) إضراب عما قال ﷺ، وعدد من أياديهم ومنهم. (لله) ﷾: (المن علينا ولرسوله) ﷺ، إذ هدانا الله تعالى به إلى الدين القويم والصراط المستقيم. والمن: بفتح الميم، وتشديد النون - العطاء والإحسان. ومن أسمائه تعالى؟ المنان، هو المنعم المعطي من المن الذي هو العطاء (السفاريني: شرح ثلاثيات مسند أحمد ١/٦٧٦-٦٧٧) النهاية لابن الأثير ٤/٣٦٥. ٨ أحمد: المسند ٣/١٠٤-١٠٥ و٢٥٣ قال ابن حجر: وإسناده صحيح (فتح الباري ٨/٥١) . والحديث من ثلاثيات الإمام أحمد.
[ ٤٢٣ ]
وفي حديث عبد الله بن زيد بن عاصم عند البخاري ومسلم وغيرهما، وهذا سياقه عند البخاري:
٢٠٥- حدثنا موسى١ بن إسماعيل، حدثنا وهيب٢، عن عمرو٣ بن يحيى بن عباد بن تميم عن عبد الله بن زيد بن عاصم، قال:
لما أفاء٤ الله على رسوله ﷺ يوم حنين قسم في الناس في المؤلفة قلوبهم٥، ولم يعط الأنصار شيئا، فكأنهم وجدوا٦ إذ لم يصبهم ما أصاب الناس، فخطبهم فقال: "يا معشر الأنصار! ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي، وكنتم متفرقين فألفكم الله بي، وعالة ٧ فأغناكم الله بي؟ ". كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن ٨. قال: "ما يمنعكم أن تجيبوا رسول الله ﷺ؟ " ٩. قال: "كلما قال شيئا، قالوا: الله ورسوله أمن.
_________________
(١) ١ هو المنقري بكسر الميم وسكون النون وفتح القاف. ٢ وهيب - مصغرًا - هو ابن خالد بن عجلان. ٣ هو ابن عمارة بن أبي الحسن المازني، المدني. ٤ قوله: "لما أفاء الله على رسوله يوم حنين"، أي: أعطاهم غنائم الذين قاتلهم يوم حنين، وأصل الفيء الرد والرجوع، ومنه سمي الظل بعد الزوال فيئا لأنه رجع من جانب إلى جانب، فكأن أموال الكفار سميت فيئا لأنها كانت في الأصل للمؤمنين إذا الإيمان هو الأصل والكفر طاريء عليه، فإذا غلب الكفار على شيء من المال فهو بطريق التعدي، فإذا غنمه المسلمون منهم فكأنه رجع إليهم ما كان لهم (فتح الباري ٨/٤٧-٤٨) . ٥ المؤلفة قلوبهم: بدل من الناس وهو بدل بعض من كل (المصدر السابق ٨/٤٨) . ٦ يقال وجد عليه يجد ويجد جدًا وجدة وموجدة إذا غضب، وفي الحب والحزن وجد يجد وجدًا فقط. (القاموس المحيط ١/٣٤٣) . قال ابن حجر: "وفي (مغازي سليمان التيمي) أن سبب حزنهم أنهم خافوا أن يكون رسول الله ﷺ يريد الإقامة بمكة، والأصح ما في الصحيح حيث قال: إذ لم يصبهم ما أصاب الناس" على أنه لا يمتنع الجمع وهذا أولى" (فتح الباري ٨/٥٠) . قلت: وفي مرسل قتادة عند الطبري "أن الأنصار قالوا) والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" (انظر ص ٤٣٣) . وعليه فيكون الجمع أظهر من غيره فالأنصار قالوا ما قالوا للسببين وهما خوفهم من بقاء رسول الله ﷺ بمكة كما جاء ذلك صريحا في صحيح مسلم وكما في هذا الأثر عن قتادة، وحينما شاهدوا قسم الغنائم على الأعراب والطلقاء وغيرهم من أهل مكة ولم ينالوا منها شيئا ازداد خوفهم وصدر منهم ما صدر من القول فبين لهم بعد ذلك رسول الله ﷺ وجه الحكمة في قسمة الغنائم وبين لهم أنه معهم في الحياة والممات فقال المحيا محياكم والممات مماتكم". (انظر ص ٤٣٣ تعليقة (١) . ٧ عالة بالمهملة أي فقراء لا مال لكم، العيلة الفقر، جمع عائل وهو الفقير (النهاية لابن الأثير ٣/٣٢٣) وفتح الباري لابن حجر ٨/٥٠. ٨ أمن بفتح الهمزة والميم والنون المشددة: أفعل تفضيل من المن. (المصدر السابق ٨/٥٠) . ٩ وعند أحمد: "ما يمنعكم أن تجيبوني" وعند مسلم: "فقال: ألا تجيبوني".
[ ٤٢٤ ]
قال: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا ١، ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاة٢ والبعير، وتذهبون بالنبي ﷺ إلى رحالكم؟ لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، ولو سلك الناس واديا وشعبا لسلكت وادي الأنصار وشعبها٣، الأنصار شعار والناس دثار، إنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" ٤.
_________________
(١) ١ قوله: "لو شئتم قلتم جئتنا كذا وكذا". وعند مسلم من طريق إسماعيل بن جعفر "أما إنكم لو شئتم أن تقولوا كذا وكذا، وكان من الأمر كذا وكذا" لأشياء عددها زعم عمرو - وهو ابن يحيى المازني المدني راوي الحديث - أنه لا يحفظها. قال ابن حجر: "وهذا رد على من قال أن الراوي كنى عن ذلك عمدا على طريق التأدب، وقد جوز بعضهم أن يكون المراد جئتنا ونحن على ضلالة فهدينا بك "وفيه بعد، فقد فسر ذلك في حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - عند ابن إسحاق ولفظه: "أما والله لشئتم لقلتم فلصدقتم ولصدقتم: أتيتنا مكذبًا فصدقناك، مخذولا فنصرناك وطريدًا فآويناك وعائلًا فواسيناك" ونحوه في مغازي أبي الأسود عن عروة مرسلا، وابن عائذ من حديث ابن عباس موصولا، وفي مغازي سليمان التيمي أنهم قالوا في جواب ذلك: "رضينا عن الله ورسوله" وكذا ذكر موسى بن عقبة في مغازيه بغير إسناد. وأخرجه أحمد عن ابن عدي عن حميد عن أنس بلفظ "أفلا تقلون جئتنا خائفا فأمناك وطريدا فآويناك، ومخذولًا فنصرناك" فقالوا: "بل لله ﵎ المن وعلينا ولرسوله ﷺ". وروى أحمد من وجه آخر عن أبي سعيد قال: "قال رجل من الأنصار لأصحابه: لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم قال: فردوا عليه ردا عنيفا" الحديث وفيه "قال: أفلا تقولون قاتلك قومك فناصرناك وأخرجك قومك فآويناك؟ ". قالوا: "نحن لا نقول ذلك يا رسول الله، أنت تقوله". ثم قال ابن حجر: "وإنما قال ﷺ ذلك تواضعا منه وإنصافا وإلا ففي الحقيقة الحجة البالغة والمنة الظاهرة في جميع ذلك له عليهم، فإنه لولا هجرته إليهم وسكناه عندهم لما كان بينهم وبين غيرهم فرق، وقد نبه على ذلك، بقوله ﷺ "ألا ترضون" الخ، فنبههم على ما غفلوا عنه من عظيم ما اختصوا به منه بالنسبة إلى ما حصل عليه غيرهم من غرض الدنيا الفانية". (فتح الباري ٨/٥١ بتصرف يسير) . ٢ الشاة والبعير: اسم جنس فيهما والشاة تقع على الذكر والأنثى وكذا البعير (فتح الباري ٨/٥١) وعند مسلم (بالشاء والإبل) . ٣ وعند مسلم وابن أبي شيبة وأحمد "وشعبهم". ٤ البخاري: الصحيح ٥/١٢٩ كتاب المغازي، باب غزوة الطائف و٩/٧٠ كتاب التمني باب ما يجوز من اللو، وفي تحفة الأشراف، للمزي ٤/٣٤ حديث (٥٣٠٣)، قال رواه البخاري في المغازي بتمامه، وفي التمني ببعضه عن موسى بن وهيب والصواب عن موسى عن وهيب، ب (عن) بدل (بن) . ٥ مسلم: الصحيح ٢/٧٣٨ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، وابن أبي شيبة: التاريخ ص: ٩٤ ب وأحمد: المسند٤/٤٢.
[ ٤٢٥ ]
والحديث رواه مسلم وابن أبي شيبة وأحمد الجميع من طريق عمرو بن يحيى به١.
وروى ابن إسحاق من حديث أبي سعيد الخدري قال:
٢٠٦- وحدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن محمود٢ بن لبيد عن أبي سعيد٣ قال: لما أعطى رسول الله ﷺ ما أعطى من تلك العطايا، في قريش وفي قبائل العرب، ولم يكن في الأنصار منها شيء وجد هذا الحي من الأنصار في أنفسهم، حتى كثرت منهم القالة٤، حتى قال قائلهم: لقد لقي والله رسول الله ﷺ قومه٥ فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال: يا رسول الله إن هذا الحي٦ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم، لما صنعت في هذا الفيء الذي أصبت، قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظاما في قبائل العرب، ولم يك في هذا الحي من الأنصار منها شيء، قال: "فأين أنت من ذلك يا سعد؟ ". قال: يا رسول الله، ما أنا إلا من قومي، قال: فاجمع لي قومك في هذه الحظيرة٧، قال: فخرج سعد، فجمع الأنصار في تلك الحظيرة، قال: فجاء رجال
_________________
(١) ١ مسلم: الصحيح ٢/٧٣٨ كتاب الزكاة، باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوي إيمانه، وابن أبي شيبة: التاريخ ص: ٩٤ ب وأحمد: المسند٤/٤٢. ٢ محمود بن لبيد بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي، أبو نعيم المدني صحابي صغير، وجل روايته عن الصحابة (ت ٩٦ وقيل ٩٧) / ب خ م ع (التقريب ٢/٢٣٣) وفي تهذيب التهذيب ٣/٣٨٧ والإصابة ٣/٣٨٧ وأسد الغابة ٥/١١٧-١١٨ اختلف العلماء في صحبته ورجح البخاري صحبته وأيده ابن عبد البر. انظر: الاستيعاب ٣/٤٢٣-٤٢٤ مع الإصابة. ٣ أبو سعيد: هو سعد بن مالك بن سنان الأنصاري، له ولأبيه صحبة. ٤ القالة: الكلام الرديء وفي القاموس ٤/٤٢: القال والقيل والقالة في الشر. ٥ وعند الواقدي: "أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنا نعلم ممن كان هذا إن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان هذا من رأي رسول الله ﷺ استعتبناه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ فغضب من ذلك غضبا شديدًا فدخل عليه سعد بن عبادة، فقال رسول الله ﷺ: "ما يقول فِيَّ قومك" قال: ما يقولون يا رسول الله؟ قال: يقولون: أما حين القتال فنحن أصحابه، وأمّا حين القسم فقومه وعشيرته، ووددنا أنانعلم من أين هذا إن كان من قبل الله صبرنا وإن كان من رأي رسول الله ﷺ استعتبناه، فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: يا رسول الله، ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ قال رسول الله ﷺ: "فاجمع من كان هاهنا من الأنصار في هذه الحظيرة"، الخ (مغازي الواقدي ٣/٩٥٦-٩٥٧) . ٦ الحي: هو اسم لمنْزل القبيلة سميت القبيلة به؛ لأن بعضهم يحيا ببعض (فتح الباري ١/١٣١ وفي القاموس ٤/٣٢٢ والحي: البطن من بطونهم جمعه أحياء. ٧ الحظيرة: هي الموضع الذي يحاط عليه لتأوي إليه الغنم والإبل يقيهما البرد والريح. (النهاية لابن الأثير ٤/٤١٤) .
[ ٤٢٦ ]
من المهاجرين فتركهم فدخلوا، وجاء آخرون فردهم، فلما اجتمعوا له أتاه سعد، فقال: قد اجتمع لك هذا الحي من الأنصار، فأتاهم رسول الله ﷺ، فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله، ثم قال: "يا معشر الأنصار: ما قَالَةٌ بلغتني عنكم، وجدة وجدتموها علي في أنفسكم؟ ". ألم آتكم ضلالا فهداكم الله، وعالة فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قال: بلى، الله ورسوله أمن وأفضل، ثم قال: "ألا تجيبونني يا معشر الأنصار؟ ".
قالو: بماذا نجيبك يا رسول الله؟ لله ولرسوله المن والفضل، قال: ﷺ: "أما والله لو شئتم لقلتم فلصدقتم، ولصدقتم، أتيتنا مكذبا فصدقناك، ومخذولًا١ فنصرناك، وطريدا فآويناك، وعائلًا٢ فآسيناك، أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة٣ من الدنيا تألفت بها قوما ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم، ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب النّاس بالشاة والبعير، وترجعون برسول الله إلى رحالكم؟ فوالذي نفس محمد بيده، لولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبا وسلكت الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار٤، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء
_________________
(١) ١ الخذل والخذلان ترك الإغاثة والنصرة (المصدر السابق ٢/١٦ ولسان العرب لابن منظور ١٣/٢١٤ والقاموس المحيط للفيروز آبادي ٣/٣٦٧) . ٢ عائلًا: فقيرًا: وآسيناك: أي جعناك كأحدنا، والمواساة: المشاركة والمساهمة في المعاش والرزق، وأصلها الهمزة فقبلت واو تخفيفا. (النهاية ١/٥٠ والقاموس المحيط ٤/٢٩٩) . ٣ اللعاعة: بالضم: نبت ناعم في أول ما ينبت، يعنى أن الدنيا كالنبات الأخضر قليل البقاء (النهاية ٤/٢٥٤ ولسان العرب ١٠/١٩٥ والقاموس المحيط ٣/٨١) . ٤ وذكر الواقدي في مغازيه ٣/٩٥٨: أن رسول الله ﷺ دعا الأنصار ليكتب لهم بالبحرين كتابا من بعده تكون لهم خاصة دون الناس، فهي يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأرض، فأبو وقالوا: ماحاجتنا بالدنيا بعدك يا رسول الله؟ قال: "أمالا فسترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم". اهـ. قلت: وإشارة رسول الله ﷺ على الأنصار أن يكتب لهم كتابًا بالبحرين ثابت في صحيح البخاري من حديث أنس بن مالك وليس فيه أن ذلك كان في غزوة حنين. ولفظه: "دعا النبي ﷺ الأنصار ليكتب لهم بالبحرين، فقالوا: لا والله حتى تكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فقال: ذاك لهم ما شاء الله على ذلك يقولون له قال: "فإنكم سترون بعدي أثرة، فاصبروا حتى تلقوني". وفي لفظ "دعا النبي ﷺ الأنصار إلى أن يقطع لهم البحرين، فقالوا: لا، إلا أن تقطع لإخواننا من المهاجرين مثلها" وفي لفظ "دعا النبي ﷺ الأنصار ليقطع لهم بالبحرين، فقالوا: يا رسول الله إن فعلت فاكتب لإخواننا من قريش بمثلها، فلم يكن ذلك عند النبي ﷺ، فقال: "إنكم سترون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني". (البخاري: الصحيح ٣/١٠٠ كتاب المساقاة، باب القطائع و٤/٧٨ كتاب الجزية، باب ما أقطع النبي ﷺ من البحرين الخ و٥/٢٨ كتاب المناقب، باب قول النبي ﷺ للأنصار اصبروا حتى تلقوني على الحوض وقال ابن حجر: "وذكر ابن سعد أن النبي ﷺ - بعد قسمة الغنائم بالجعرانة - أرسل العلاء ابن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي عامل البحرين يدعوه إلى الإسلام فأسلم وصالح مجوس تلك البلاد على الجزية وكان ذلك في سنة الوفود سنة تسع من الهجرة" (فتح الباري ٦/٢٦٢. وانظر الطبقات الكبرى لابن سعد ١/٢٦٣ و٤/٣٥٩-٣٦٠، فهذا يدل على أن الكتابة للأنصار بالبحرين متأخرة عن غزوة حنين.
[ ٤٢٧ ]
الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار، قال: فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم١، وقالوا: رضينا برسول الله ﷺ قسما وحظا. ثم انصرف رسول الله ﷺ وتفرقوا ٢.
والحديث رواه أحمد وابن أبي شيبة والطبري والبيهقي الجميع من طريق ابن إسحاق٣.
ورواه أحمد أيضا من غير طريق ابن إسحاق وذلك من الأوجه الآتية:
٢٠٧- أ- حدثنا يحيى٤ بن أبي بكير ثنا الفضيل٥ بن مرزوق عن عطية العوفي قال: قال أبو سعيد قال رجل من الأنصار لأصحابه أما والله لقد كنت أحدثكم أنه لو قد استقامت الأمور قد آثر عليكم، قالوا: فردوا عليه ردا عنيفا، قال: فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، قال: فجاءهم فقال لهم أشياء لا أحفظها، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "فكنتم لا تركبون الخيل، فكلما قال: قال لهم شيئًا، قالوا بلى يا رسول الله، قال: فلما رآهم لا يردون عليه شيئا، قال: "أفلا تقولون: قاتلك قومك فنصرناك وأخرجك قومك فآويناك؟
_________________
(١) ١ أخضلوا لحاهم - بفتح الهمزة وسكون الخاء وفتح الضاد المعجمتين - أي بلوها بالدموع (النهاية ٢/٤٣ وشرح ثلاثيات مسند أحمد ١/٦٧٩) . ٢ سيرة ابن هشام ٢/٤٩٨-٥٠٠ والروض الأنف ٧/٢٥٢-٢٥٤ وهو حسن لذاته. ٣ أحمد: المسند ٣/٦٧و٧٦-٧٧ وابن أبي شيبة: التاريخ ص ٩٢ ب-أ، والطبري: تاريخ الرسل والملوك ٣/٩٣-٩٤، والبيهقي: دلائل النبوة ٣/٥١ أ، ٤ هو: الكرماني، كوفي الأصل نزل بغداد ثقة من التاسعة (ت ٢٠٨أو ٢٠٩) / ع (التقريب ٢/٣٤٤، وتهذيب التهذيب ١١/١٩٠) . ٥ هو الأغر - بالمعجمة والراء - الرقاشين الكوفي، أبو عبد الرحمن ووقع في البداية والنهاية لابن كثير ٤/٣٥٩ (يحيى بن بكير) عن (الفضل) بن مرزوق وهو خطا مطبعي، والصواب: يحيى بن أبي بكير (والفضيل) .
[ ٤٢٨ ]
قالوا: نحن لا نقول ذلك يا رسول الله أنت تقوله، قال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون أنتم برسول الله ﷺ؟ قالوا: بلى يا رسول الله، قال: "يا معشر الأنصار ألا ترضون أن الناس لو سلكوا واديا وسلكتم واديا لسلكت وادي الأنصار؟ " قالوا: بلى يا رسول الله. قال: "لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، الأنصار كرشي وأهل بيتي وعيبتي التي آوي إليها، فاعفوا عن مسيئهم واقبلوا من محسنهم".
قال أبو سعيد: "قلت لمعاوية١ أما إن رسول الله ﷺ حدثنا أننا سنرى بعده أثرة"، قال معاوية: "فما أمركم، قلت: أمرنا أن نصبر قال: فاصبروا إذا"٢.
والحديث ضعيف؛ لأن فيه عطية٣ العوفي، وفضيل٤ بن مرزوق.
ب- حدثنا إبراهيم٥ بن خالد ثنا رباح ٦ عن معمر عن الأعمش عن أبي صالح ٧ عن أبي سعيد الخدري قال: اجتمع أناس من الأنصار فقالوا: آثر علينا غيرنا فبلغ ذلك النبي ﷺ فجمعهم ثم خطبهم فقال: "يا معشر الأنصار ألم تكونوا أذلة فأعزكم الله؟ قالوا: صدق الله ورسوله، قال: "الم تكونوا ضلالا فهداكم الله؟ " قالوا: صدق الله ورسوله، قال: "ألم تكونوا فقراء فأغناكم الله؟ " قالوا: صدق الله ورسوله.
_________________
(١) ١ هو معاوية بن أبي سفيان. ٢ مسند أحمد ٣/٨٩. ٣ هو ابن جنادة - بضم الجيم بعدها نون خفيفة - أبو الحسن قال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ كثيرا، كان متشيعًا مدلّسًا، وقال ابن حبان: سمع من أبي سعيد الخدري أحاديث فلما مات أبو سعيد جعل يجالس الكلبي ويحضر قصصه فإذا قال الكلبي قال رسول الله بكذا فيحفظه وكناه أبا سعيد ويروي عنه فإذا قيل له: من حدثك بهذا؟. فيقول: "حدثني أبو سعيد فيتوهمون أنه يريد أبا سعيد الخدري وإنما أراد الكلبي، فلا يحل الاحتجاج به ولا كتابة حديثه إلا على جهة التعجب. ٤ قال عنه ابن حجر: "صدوق يهم ورمي بالتشيع" وقال أحمد: "لا يكاد يحدث عن غير عطية العوفي. وقال ابن حبان: كان يخطئ على الثقات، ويروي عن عطية الموضوعات" (انظر: التقريب ٢/١١٣ و٣٤٤ وتهذيب التهذيب ٧/٢٩٨-٣٠٠ و١١/١٩٠ والمجروحين لابن حبان ٢/١٧٦و ٢٠٩) . ٥ هو ابن عبيد القرشي الصنعاني المؤذن، ثقة (تهذيب التهذيب ١/١١٧ والتقريب ١/٣٥) . ٦ رباح: هو ابن زيد القرشي مولاهم الصنعاني، ثقة (تهذيب التهذيب ٣/٢٣٣ والتقريب ١/٢٤٢) . ٧ أبو صالح هو ذكوان السمان الزيات المدني ثقة ثبت (تهذيب التهذيب ٣/٢١٩) .
[ ٤٢٩ ]
ثم قال: "ألا تجيبونني؟ " ألا تقولون: "أتيتنا طريدا فآويناك، وأتيتنا خائفا فآمنك؟ ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والبقران - يعني البقر- وتذهبون برسول الله ﷺ فتدخلونه بيوتكم؟ لو أن الناس سلكوا واديا أو شعبة١ وسلكتم واديًا أو شعبة سلكت واديكم أو شعبتكم، لولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار، وإنكم ستلقون بعدي أثرة فاصبروا حتى تلقوني على الحوض" ٢.
ورواه عبد بن حميد من طريق معمر عن الأعمش به٣.
والحديث من رواية معمر عن الأعمش٤.
وفيه عنعنة الأعمش وهو مدلس٥.
ج- من حديث جابر بن عبد الله وهذا سياقه:
٢٠٨- حدثنا موسى٦ حدثنا ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر ابن عبد الله - ﵄ - أن رسول الله ﷺ لما فتحت حنين بعث سرايا فأتوا بالإبل والشاء فقسموها في قريش، قال: "فوجدنا أيها الأنصار عليه، فبلغه ذلك فجمعنا فخطبنا
_________________
(١) ١ في القاموس المحيط ١/٨٢ والشعبة بالضم: المسيل في الرمل وما صغر من التلعة وما عظم من سواقي الأودية وصدع في الجبل يأوي إليه المطر، وتجمع على شعب وشعاب. ٢ أحمد: المسند ٣/٥٧. ٣ المسند: ٢/١٢١ ب رقم ٣٢٣. ٤ قال ابن معين: "إذا حدثك معمر عن العراقيين فخالفه إلاّ عن الزهري وابن طاوس فإن حديثه عنهما مستقيم، فأمّا أهل الكوفة وأهل البصرة فلا، وما عمل في حديث الأعمش شيئًا". وفي التقريب: "معمر بن راشد ثقة ثبت فاضل، إلا أن في روايته عن ثابت وهشام بن عروة والأعمش شيئا". (تهذيب التهذيب ١٠/٢٤٥ والتقريب ٢/٢٦٦) . ٥ تدليس تسوية وهو شر أنواع التدليس وهو مذموم جدا، وهو أن يعمد الراوي إلى ضعيف بين ثقتين لقي أحدهما الآخر فيسقطه ويروي الحديث عن شيخه عن الأعلى لكونه سمع منه أو أدركه فيوهم الآخرين أن الحديث عن الثقة عن الثقة الآخر، وأنه لا يوجد واسطة بينهم والحال أن بينهما رجلا ضعيفا وقد أسقطه قال ابن حجر: فيقبل من الثقة ما صرح فيه بالحديث ويتوقف عما عداه. (انظر: جامع التحصيل للعلائي ص١١٦-١١٧،وطبقات المدلسين لابن حجر ص١١،وص٢٣. ٦ قال ابن كثير في البداية والنهاية ٤/٣٥٩ بأن موسى هو ابن عقبة صاحب المغازي، لم يدركه الإمام أحمد - ﵀ -، ذلك أن وفاة موسى كانت سنة (١٤١ أو ١٤٢ هـ-) . وكانت ولادة الإمام أحمد سنة (١٦٤هـ) فبين ولادة أحمد ووفاة موسى (٢٣أو ٢٢ سنة)، والظاهر أن موسى هنا هو ابن داود الضبي، فإنه من تلاميذ ابن لهيعة ومن شيوخ أحمد، (انظر: تهذيب الكامل للمزي ٧/٦٩٢ وتهذيب التهذيب لابن حجر ١٠/٣٤٢) .
[ ٤٣٠ ]
فقال: "ألا ترضون أنكم أعطيتم رسول الله ﷺ، فوالله لو سلكت الناس واديا وسلكتم شعبا لاتبعت شعبكم".
قالوا: رضينا يا رسول الله ١.
قال الهيثمي: رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وهو حسن الحديث وبقية رجاله رجال الصحيح٢.
قلت: وفيه أبو الزبير - محمد بن مسلم بن تدرس - وهو مدلس وقد عنعن.
وأخرج الطبراني نحوه من حديث ابن عباس رضي الله عنهما٣.
قال الهيثمي: رواه الطبراني وفيه محمد بن جابر السحيمي وهو ضعيف وقد وثق٤.
٢٠٩- وأخرجه البزار أيضا من حديث ابن عباس مختصرًا٥، قال الهيثمي: وفيه حفص بن عمر العدني وهو ضعيف٦ وقال ابن الطهراني٧: كان ثقة٨.
وروى الطبري من حديث قتادة، فقال: حدثنا بشر٩ بن معاذ، قال ثنا يزيد عن قتادة، قوله: "لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين" قال وذكر لنا أنه خرج يومئذ مع رسول الله ﷺ اثنا عشر ألفا، عشرة آلاف من المهاجرين والأنصار وألفان من الطلقاء" الحديث.
_________________
(١) ١ أحمد: المسند ٣/٣٤٧. ٢ مجمع الزوائد ١٠/٣٠. ٣ المعجم الكبير ١٢/١٩٦. ٤ مجمع الزوائد ١٠/٣١. ٥ كشف الأستار ٢/٣٥٣. ٦ انظر: التقريب ١/١٨٨ وتهذيب التهذيب ٢/٤١٠ والجرح والتعديل لابن أبي حاتم ٣/١٨٢. ٧ لعله محمد بن حماد أبو عبد الله الرازي الطهراني - بكسر المهملة وسكون الهاء - ثقة - حافظ لم يصب من ضعفه من التاسعة (ت ٢٧١) فإنه يعرف بابن الطهراني كما في تهذيب التهذيب ووقع في الخلاصة للخزرجي الظهراني - بالظاء المعجمة وهو خطأ فقد قال ابن الأثير بأنه منسوب إلى طهران الري بالطاء المهملة. (انظر: التقريب ٢/١٥٥ وتهذيب التهذيب ٩/١٢٤-١٢٦) وميزان الاعتدال ٣/٥٢٧ وتذكرة الحفاظ ٢/٦١٠ وسير أعلام النبلاء ١٢/٦٢٨ كلها للذهبي والخلاصة للخزرجي ٢/٣٩٥ واللباب لابن الأثير ٢/٢٩١. ٨ مجمع الزوائد ٦/١٨٩. ٩ بشر: هو العقدي، ويزيد: هو ابن زريع، وقتادة: هو ابن دعامة السدوسي، تقدموا في حديث (١) و(٤٧) .
[ ٤٣١ ]
وفيه: "فلما جمع رسول الله ﷺ الغنائم، وأتى الجعرانة فقسم بها مغانم حنين، وتألف أناسًا من الناس فيهم أبو سفيان بن حرب والحارث ابن هشام، وسهيل بن عمرو، والأقرع بن حابس، فقالت الأنصار: حن الرجل إلى قومه، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ وهو في قبة له من أدم، فقال: يا معشر الأنصار، ما هذا الذي بلغني ألم تكونوا ضلالا فهداكم الله، وكنتم أذلة فأعزكم الله١ وكنتم وكنتم، قال: فقال: سعد بن عبادة - ﵁ -: ائذن لي فأتكلم، قال: تكلم، قال: أما قولك: كنتم ضلالا فهداكم الله، كنا كذلك، وكنتم أذلة فأعزكم الله، فقد علمت العرب ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا، فقال رسول الله ﷺ: "يا سعد أتدري من تكلم". فقال: نعم أكلم رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "والذي نفسي بيده لو سلكت الأنصار واديًا والناس واديًا لسلكت واديًا الأنصار، ولولا الهجرة لكنت امرءا من الأنصار".
وذكر لنا أن نبي الله ﷺ كان يقول: "الأنصار كرشي وعيبتي، فاقبلوا من محسنهم، وتجاوزوا عن مسيئهم".
ثم قال رسول الله ﷺ: "يا معشر الأنصار أما ترضون أن ينقلب الناس بالإبل والشاء، وتنقلبون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ ".
فقالت الأنصار: "رضينا عن الله ورسوله، والله ما قلنا ذلك إلا حرصا على
_________________
(١) ١ قوله: "وكنتم أذلة فأعزكم الله"، هذه الجملة جاءت في حديث أبي سعيد الخدري وكان جواب الأنصار: "صدق الله ورسوله" انظر ص ٤٢٩ وفي هذا الحديث فقال سعد بن عبادة "فقد علمت العرب ما كان حي من أحياء العرب أمنع لما وراء ظهورهم منا" وكلا الحديثين ضعيف. والأحاديث الصحيحة لم ترد فيها هذه الجلمة "وكنتم أذلة فأعزكم الله" كما أن هذا الجواب من سعد بن عبادة لم يرد في الأحاديث الصحيحة وقد تفرد بها قتادة وسندها ضعيف، ولا شك أن عزة الإسلام أرفع وأمنع من المنعة والحمية التي كان عليها الأنصار قبل الإسلام، وما كان لسعد بن عبادة في يقينه وعظيم إيمانه أن يخفى عليه ذلك، ولا أن يجيب الرسول ﷺ بهذا الجواب، وبخاصة أن الروايات الصحيحة لم ترد فيها الجملة وقد سلم الأنصار لكل ما قاله رسول الله ﷺ. والله أعلم.
[ ٤٣٢ ]
رسول الله ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إن الله ورسوله١ يصدقانكم ويعذرانكم" ٢.
والحديث فيه قتادة من صغار التابعين ولم يصرح بمن حدثه ٣.
وروى البيهقي نحوه من مرسل عروة بن الزبير وموسى بن عقبة٤.
وهذه الآثار يشد بعضها بعضا، وتؤيدها الأحاديث الصحيحة الواردة في هذا المبحث وقد تقدمت.
وهي تدل على أن الأنصار وجدوا في أنفسهم حيث اختص بالغنائم غيرهم ولم ينلهم منها شيء، حتى حصل منهم ما حصل وتكلم منهم من تكلم، وكان ذلك قبل أن تظهر لهم وجه الحكمة في توزيع الغنائم على سائر القبائل دونهم، ولما تبين لهم الأمر واتضح الحال، وعرفوا الهدف الذي قصده رسول الله ﷺ، طابت نفوسهم واغتبطوا برسول الله ﷺ ورضوا به قسما وحظا وعلموا يقينا أن الذي حظوا به لا يوازيه ولا يدانيه شيء، وما الدنيا وحطامها أمام رضى رسول الله ﷺ عنهم وتمنيه أن يكون واحدا منهم ووجوده بين أظهرهم حيا وميتا، إنه لشرف عظيم حظيت به الأنصار دون سائر القبائل.
وقد أشار ابن حجر إلى وجه الحكمة في قسم غنائم حنين على المؤلفة دون غيرهم ممن قوي إيمانه، فقال: "اقتضت تلك الحكمة أن تقسم تلك الغنائم في المؤلفة قلوبهم ويوكل من قبله ممتلئ بالإيمان إلى إيمانه، ثم كان من تمام التأليف رد من سبي
_________________
(١) ١ جاءت جملة: "إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم" في صحيح مسلم٣/١٤٠٨ كتاب الجهاد، باب فتح مكة من حديث أبي هريرة مطول وفيه "وجاءت الأنصار فأطلقوا بالصفا، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، قال أبو سفيان: قال رسول الله ﷺ: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن ومن أغلق بابه فهو آمن". فقالت الأنصار: "أما الرجل فقد أخذته الرأفة بعشيرته ورغبة في قريته ونزل الوحي على رسول الله ﷺ، قال: "قلتم: أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته، ألا فما اسمي إذا (ثلاث مرات) أنا محمد بن عبد الله ورسوله، هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم" قالوا: والله ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله، قال: "فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم". ٢ جامع البيان ١٠/١٠٠-١٠١ وتقدم الحديث برقم (٤٢) . ٣ فهو من مراسيل قتادة ومراسيله بمنزلة الريح، كما قال: يحيى بن سعيد القطان. انظر فتح المغيث ١/١٤٨ وتدريب الراوي للسيوطي ص ١٢٥. ٤ تقدم الحديث برقم (٤٣) .
[ ٤٣٣ ]
من المشركين إليهم، فانشرحت صدورهم للإسلام فدخلوا طائعين راغبين، وجبر ذلك قلوب أهل مكة بما نالهم من النصر والغنيمة، عما حصل لهم من الكسر والرعب فصرف عنهم شر من كان يجاورهم من أشد العرب من هوازن وثقيف بما وقع بهم من الكسرة، وبما قيض لهم من الدخول في الإسلام، ولولا ذلك ما كان أهل مكة يطيقون مقاومة تلك القبائل مع شدتها وكثرتها.
وأما قصة الأنصار وقول من قال منهم فقد اعتذر رؤساؤهم بأن ذلك كان من بعض أتباعهم، ولما شرح لهم ﷺ ما خفي عليهم من الحكمة فيما صنع رجعوا مذعنين ورأوا أن الغنيمة العظمى ما حصل لهم من عود رسول الله ﷺ إلى بلادهم، فسلوا عن الشاة والبعير والسبايا من الأنثى والصغير، بما حازوه من الفوز العظيم، مجاورة النبي الكريم لهم حيا وميتا. وهذا دأب الحكيم يعطي كل أحد ما يناسبه"١. اهـ.
_________________
(١) ١ فتح الباري ٨/٤٩ وانظر: زاد المعاد لابن قيم الجوزية ٣/٣٧٧ والصارم المسلول لابن تيمية ص ١٨٩-١٩٤.
[ ٤٣٤ ]
المجلد الثاني