كان العالم قبل بعثة رسول الهدى عبارة عن قوى متناطحة متشاكسة، وكان السائد فيها حكم قانون الغابة والذي ينص على أن القوي يأكل الضعيف، ويلتهم الكبير الصغير، وفشت عادات وأعراف لم يعرفها التاريخ من قبل، حتى ولد الهدى وانبلج صبح النبوة بمولد محمد ﷺ.
[ ١ ]
إجمال موضوعات السيرة النبوية
نحمد الله رب العالمين حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمدًا يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده.
وصلاةً وسلامًا على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاةً وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: نسأل الله ﷿ ألا يجعل لنا ذنبًا إلا غفره، ولا مريضًا إلا شفاه، ولا عسيرًا إلا يسره، ولا كربًا إلا أذهبه، ولا همًا إلا فرجه، ولا عيبًا إلا ستره، ولا دينًا إلا قضاه، ولا مريضًا إلا شفاه، ولا ضالًا إلا هداه، ولا ميتًا إلا رحمه، ولا مسافرًا إلا رده غانمًا سالمًا لأهله، اللهم رد إلينا المسافرين، ورد علينا الغائبين سالمين غانمين يا رب العالمين.
اللهم اجعل هذه الدروس في ميزان حسناتنا يوم القيامة، اللهم ثقل بها موازيننا، واجعلها خالصة لوجهك الكريم، ولا تجعل للشيطان فيها حظًا أو نصيبًا، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين.
اللهم انصر الإسلام والمسلمين، وأعل بفضلك كلمتي الحق والدين، وانصرنا على أعدائنا يا أكرم الأكرمين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد: فإني استشرت واستخرت كثيرًا قبل أن أبدأ بهذه الدروس ولم أجد أفضل ولا أعظم من أن نتحدث عن السيرة العطرة لسيدنا رسول الله ﷺ، وسيكون حديثنا عن حالة العرب قبل الإسلام، ومولده ﷺ، ومكثه في مكة، وزواجه من السيدة خديجة، وبعثته عندما صار عمره أربعين سنة، واستمراره في الدعوة ثلاث عشرة سنة في مكة، ثم الهجرة ومكثه في المدينة وتأسيس الدولة المسلمة، ثم الغزوات.
ومن خلال هذه السيرة العظيمة لأفضل الخلق، نستطيع الحديث عن حال المسلمين، فإذا نظرنا إلى الرسول ﷺ في ولادته وفي صغره -وما كان صغيرًا قط- نرى ونتعلم كيف نربي أولادنا، وسوف نتحدث عن تربية الأولاد في الإسلام.
وعندما يصل الرسول إلى سن الشباب، فسوف نخرج أحاديث إلى الشباب في زمن ارتكبت فيه الفتن ما ظهر منها وما بطن، ونسأل الله العصمة لنا ولشبابنا ولأبنائنا ولصغارنا وكبارنا.
ثم نتحدث عن الرسول ﷺ معلمًا، فنتحدث عن صفات المعلم، وعن صفات المتعلم وعن فضيلة العلم.
نتحدث عن الرسول داعية إلى الله، فنتعلم كيف يدعو الإنسان إلى الله ﷿، ونتحدث عن الرسول كأب؛ لنرى كيف كان أبًا في بيته، نتحدث عنه كزوج؛ لنتوقف عند حقوق الزوج على زوجته وحقوق الزوجة على زوجها، وهذه أشياء مهمة.
ونتحدث عن النبي ﷺ قائدًا محنكًا وسياسيًا بارعًا ومفاوضًا عظيمًا؛ لنتحدث عن موقف المفاوضات والمعاهدات في الإسلام، ونتحدث عن الغزوات لنرى الرسول قائدًا عسكريًا عظيمًا لا يشق له غبار وكيف كان يخطط، وكيف كان ينظم مواقف القتال ونعرف موقف الإسلام من القتال.
نتحدث عن الرسول ﷺ وهو فقير كيف كان يتعامل وهو غني، وعندما دخل الناس في دين الله أفواجًا، ونتحدث عنه في حالة اليسر وفي حالة العسر، ونتحدث مجملًا عن قول الله ﷿ فيه: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤].
ونتحدث عنه كيف كان يعامل أعداءه، وكيف كان يعامل أهل الذمة، كيف كان يعامل المنافقين الذين كان يعرفهم واحدًا واحدًا، ونتحدث عنه حليمًا يحلم على الناس، فقد وسع صدره العالم كله فدخل الناس في دين الله أفواجًا محبةً في رسول الله ﷺ واقتداءً به.
نتحدث عنه عند وفاته وكيف صبر صحابته على هذه الفاجعة الكبيرة التي نحن في خضم حياتنا لا نذكرها إلا قليلًا، فنتحدث عن الصحابة كيف كانوا تلاميذ نجباء لأشرف أستاذ عرفته البشرية ﷺ.
هذا مجمل عناوين الحديث عن السيرة العطرة، وأدعو الله ﷿ إن كنا من أهل الدنيا أن يعيننا على شرحها وتوضيحها والخروج بالدروس المستفادة منها.
فاللهم اجعلنا من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه يا أكرم الأكرمين.
[ ٢ ]
فضل مجالس العلم
وقبل أن ندخل في الموضوع لابد من الحديث عن فضيلة مجالس العلم، فقد كثرت الأزمات في بيوتنا، ولعل الأزمات اشتد لهيبها وغبارها عندما انقطعت دروس العلم ودروس الإثنين والخميس، وصار كثير من المريدين لا يحضرون أي دروس في أي مكان، وهذه خلة أعتب عليهم فيها.
فالكثير من الإخوة والأخوات رفضوا الذهاب إلى دروس العلم، وبذلك استطاع الشيطان أن يغويهم، لأن العلم ودروس العلم هي التي تضيق الأبواب التي يدخل الشيطان منها، قال الحسن البصري ﵁: إن لك في المسجد فوائد سبع.
أول فائدة: أخًا مستفادًا في الله.
يعني الأخوة التي تحصل في بيت الله لا تحدث في أي مكان آخر؛ لأن زمالة العمل قد تنتهي بمجرد أن تحال على التقاعد أو تنقل من مكان إلى مكان وهذا على سبيل المثال.
لكن الأخ في الله عندما يغيب عنك قال فيه ﷺ: (تعاملوا مع الناس بحيث إنكم إذا غبتم حنوا إليكم وإذا متم ترحموا عليكم)، يعني أن المسلم عندما يغيب عن أخيه فإنه يحن له فيسأل عنه، وإذا مات ترحم الناس عليه.
فنحن عندما نسمع اسم أبي بكر فإننا نقول: ﵁، فكم هي أعداد الناس الذين يدعون لـ أبي بكر بهذا الدعاء ولـ عمر بن الخطاب وعثمان وعلي وحمزة وخالد وسعد وأم سلمة والسيدة زينب، كل الصالحين والصالحات عندما تأتي سيرتهم نقول: ﵏، ورضوان الله عليهم، وعند ذكر الصالحين تستدر الرحمات.
وعندما مرض صديق للشافعي رضوان الله عليه، ذهب الشافعي ليزوره، فبسبب مرض صاحبه وأخيه في الله وحبيبه رجع وهو مريض، فلما وصل الشافعي مريضًا إلى البيت بلغ صاحبه مرض الشافعي فقام من فراشه وذهب يزور الشافعي، وكان الشافعي لا يستطيع الجلوس، فلما رأى أخاه قادمًا إليه فمن شدة فرحته بشفاء أخيه قام من فراشه واحتضنه ثم ترجم الشافعي الكلام قائلًا: مرض الحبيب فزرته فمرضت من حزني عليه فأتى الحبيب يزورني فبرئت من نظري إليه ولا أحد يعرف الأخوة إلا الذي جربها.
لا يعرف الشوق إلا من يكابده ولا الصبابة إلا من يعانيها فأنت كمسلم من الواجب أن تراعي قضية هامة، وهي أن لك في المسجد أخًا مستفادًا في الله، وهناك أناس نحبهم على البعد وبمجرد السماع بهم.
ومن جميل أخوة النبي ﵊ أنه عندما جاءه جعفر الطيار رضوان الله عليه من رحلة الحبشة مع إخوانه الذين كانوا مهاجرين معه كان ﵊ يحتضنه ويقبله، وكان جعفر ابن عمه، وكان أشبه الناس خلقًا برسول الله، وكان يقول فيه: (أشبهت خلقي وخلقي)، وقال ﷺ: (لا أدري بأيهما أفرح: بفتح خيبر أم بقدوم جعفر).
وكان سيدنا الحبيب يراعي هذه القضية جدًا، وكان لا يقوم لأحد أبدًا، ولكن كان يقوم لـ فاطمة عندما يجدها قادمة فيحتضنها ويقبلها بين عينيها، وكانت فاطمة تضع رأسها على صدر أبيها، فتستريح من عناء الدنيا وبلائها.
والإنسان عندما يأتي إلى الجامع يجب أن يكون ذلك لهدف وهو إرضاء الله ﷿، أو لطلب رحمة مستنزلة، يقول تعالى في الحديث القدسي: (ألا إن بيوتي في الأرض المساجد وإن زواري عمارها ألا إن من تطهر في بيته ثم زارني في بيتي فما على المزور إلا أن يكرم زائره).
والملائكة السياحون في الأرض دائمًا ما يقعدون في مجالس العلم، وأقول: لو كُشِفَ الحجاب لرأيت حولك من الملائكة مالا يعد ولا يحصى، ثم يصعدون إلى الله ﷿ وهو العليم الخبير فيسألهم (علام ما تركتم عبادي؟ فيقولون: يتدارسون العلم ويسمعون آياتك، فيقول: ماذا يريدون؟ فيقولون: يريدون الجنة، فيقول: وهل رأوا جنتي؟ فتقول الملائكة: لا يا رب، فيقول: فما بالكم لو رأوها؟ ومم يستعيذون؟ فيقولون: من النار، فيقول الله: هل رأوها؟ فيقولون: لا يا رب، فيقول: لو رأوا النار ماذا سيعملون؟ أشهدكم أني قد غفرت لهم.
فيقولون: إن فيهم فلانًا إنما جاء لحاجة، فيقول: وله قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم)، فحتى الذي جاء لمصلحة أو الذي جاء يكتب تقريرًا أو الذي أتى يعمل شيء غير حضور المجلس فربنا يغفر للكل ويكرمه سبحانه من أجل المجموعة.
ولا يسمع العلم إلا في مثل مجالس الذكر التي في المساجد، فالعلم لا أعرفه إلا في بيت الله، فطالما أن المسلم وثق بالإنسان الذي يتكلم وصارت بينهما علاقة حب في الله صار بين العالم والمريد أو الشيخ ومريده علاقة ينتج عنها ثمرة طيبة، علمًا مستظرفًا أو كلمة تدلك على هدى، أو تمنعك من ردى.
وذات يوم دخل الرسول ﷺ إلى المسجد بعد العصر فوجد صحابيًا قاعدًا في الجامع واضعًا خده على كفه فقال له ﵊: (ما الذي يجلسك في وقت ليس من أوقات الصلاة في المسجد؟ قال له: هموم وديون لزمتني يا رسول الله)، فعلمه الرسول ﷺ ثمان كلمات: (اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن، ومن العجز والكسل، ومن الجبن والبخل، ومن غلبة الدين وقهر الرجال)، فبمجرد أن يقولها الإنسان فإن ربنا يفرج الكرب.
فتسمع في المسجد كلمة تدلك على هدى، أو تمنعك من ردى، أو أن تترك الذنوب خشية أو حياء، فعندما تتعود على المسجد تستحي أن ترتكب غلطة في الخارج.
فدروس العلم كلها فائدة، ولن ينشرح الصدر إلا بدروس العلم، ولن تشعر أنك قريب من الله إلا بدروس العلم، والإنسان الذي يحضر دروس العلم يعلم الفرق بين الصلاة التي تكون قبل الدرس والصلاة التي تكون بعده، فأنت تأتي إلى صلاة المغرب ولا زالت هموم العمل والدنيا ومشاغلها عالقة في ذهنك، ثم تجلس في الدرس وتستمع الشيخ وتصلي بعد ذلك العشاء، فالنفسية التي صليت بها العشاء تختلف تمامًا عن النفسية التي صليت بها المغرب؛ لأن صلاة العشاء تأتي بعد درس العلم، ولذلك فالصحابة رضوان الله عليهم كان عندهم الخشوع لله ﷿ في جميع الصلوات؛ لأنهم كانوا مع الله في كل وقت، وكانوا موصولين بالله ﷿.
فدرس واحد أو مجلس واحد من مجالس العلم يكبر سبعين مجلسًا من مجالس الذنوب، وكل مجلس من مجالسنا ليس فيها ذكر لله فهي من مجالس الذنوب.
[ ٣ ]
حالة العالم قبل الإسلام
قبل الحديث عن مولد سيدنا رسول الله ﷺ لابد أن نعلم كيف كانت حالة العالم قبل ميلاد رسول الله.
وسيجد المتأمل قوى متطاحنة، وقوى متقاتلة، ففارس والروم مثل أوروبا وأمريكا الآن، وكان جماعة من الهنود يبيحون زواج المحارم، فكان الواحد منهم يتزوج ابنته، ويتزوج أخته، ويتزوج عمته وخالته.
واليونانيون عندهم فلسفة كذابة، والرومان -مثل أمريكا الآن- عندهم ميول استعمارية، والفرس كانوا يعبدون النار، وقد أوقدت نيرانهم منذ نبوة سيدنا موسى ولم تنطفئ إلا يوم أن ولد رسول الله.
وقبل أن نتحدث عن حالة العالم قبل مولد رسول الله ﷺ، نأخذ لمحة سريعة عن الأنبياء قبل رسول الله ﷺ.
[ ٤ ]
حال الأنبياء السابقين مع الدعوة
فالدين كله من بداية عهد آدم ﵇ إلى سيدنا محمد يقوم على أمرين: العقيدة والتشريع، ولذلك يقول ﷺ بتواضعه الجم: (الأنبياء إخوة دينهم واحد وأمهاتهم شتى)، يعني دينهم واحد لكن الأمهات مختلفة.
وقال في حديث آخر: (الأنبياء إخوة لعلات)، والعلات: الضرائر.
وأول الدعاة على وجه الأرض هو سيدنا نوح وظل يدعو قومه تسعمائة وخمسين سنة.
﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا﴾ [نوح:٥] وهذا دليل أنه كان يعظهم موعظة في الصبح وموعظة في الليل ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا﴾ [نوح:٧].
فصبر هذه السنين كلها، نسأل الله الستر، والله لو سترك الله لم يفضحك أحد، ومن كرم ربنا أنه إذا سترك في الدنيا فهو أكرم من أن يفضحك على رءوس الخلائق يوم القيامة، لكن يفضحك لو فضحت نفسك وجاهرت بالمعاصي.
فظل يدعو إلى أن قال له ربه: يا نوح! اصنع الفلك، وقال له: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ﴾ [المؤمنون:٢٧] أي: إلا امرأتك، وبعد أن ركب نادى على ابنه فلا يزال يؤمل فيه خيرًا: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ﴾ [هود:٤٢] أي: عن الخير وعن الحق وعن الاستقامة ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَب مَّعَنَا وَلا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ * قَالَ سَآوِي إِلَى إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ قَالَ لا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود:٤٢ - ٤٣].
ووصلت السفينة إلى جبل الجودي في العراق، ووصل نوح إلى بر السلامة ومتعه الله ﷿ ومن آمن معه، وما آمن معه إلا قليل، وقيل: إن مع سيدنا نوح سبعين واحدًا.
ثم بعد ذلك انحرفت البشرية فبعث الله رسولًا من الرسل، وقد عرفنا قصص قوم صالح وقوم هود وقوم لوط، ثم جاء الخليل ﵇ والذي يعتبر النبي ﵊ من سلالته.
وقد وصف الله ﷿ سيدنا إبراهيم بقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم:٣٧].
وقد بلغ إبراهيم من العمر ٨٠ عامًا ويئس هو وزوجته من الولد فإذا بها تحمل بإسماعيل جد العرب وجد رسول الله ﷺ، وبعد أن كبر أمر الأب أن يأخذ إسماعيل وأمه ويضعهما بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ.
كبر سيدنا إسماعيل ووصل عمره إلى خمس عشرة أو ست عشرة سنة، وإبراهيم لم يره، فأول ما قابل أباه قبله واحتضنه وقبل يديه، وقال له: يا إسماعيل! ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى﴾ [الصافات:١٠٢] فكان جوابه أن قال: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات:١٠٢]، وقد قال الله تعالى في سيدنا إسماعيل: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا﴾ [مريم:٥٤].
فهو من سلالة سيدنا إبراهيم ﵇ الذي كان أبوه آزر يصنع التماثيل التي يعبدونها، وكان عمر سيدنا إبراهيم عشر سنين، فكان يقول آزر: يا إبراهيم! بع هذه الآلهة، والآلهة أنواع: آلهة ذهب للأغنياء وآلهة حجر وآلهة طين، فكان سيدنا إبراهيم يربط الآلهة بحبل، ويمشي يقول: يا أيها الناس! من الذي يشتري من لا ينفع ولا يضر، فكان لا يشتري منه أحد بسبب تروجيه الرائع.
وذات يوم دخل سيدنا إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلى المعبد وذلك يوم العيد، وكسر الأصنام كلها وعلق الفأس على كتف كبيرهم، فجاء القوم وقالوا: من الذي فعل هذا بآلهتنا؟ وكان هذا أحد أساليب دعوته التي كاد أن يسلم قومه بسببها.
وهذا يذكرنا بقصة أبي ذر الذي وجد صنمه مبتلًا قد تبول عليه ثعلبان وكان أبو ذر لا يعرف عن الإسلام شيئًا فقال: أرب يبول الثعلبان برأسه لقد ذل من بالت عليه الثعالب فلو كان ربًا كان يمنع نفسه فلا خير في رب تصبه المصائب برئت من الأصنام في الأرض كلها وآمنت بالله الذي هو غالب فيدخل على الرسول من أجل أن يعلن إسلامه، فقال له ﵊: (ماذا فعل الثعلبان بصنمك يا أبا ذر؟).
ومن ذلك قصة سيدنا عمر بن الخطاب فقد كان أبوه قاس وكان هؤلاء الناس ليس لهم عقول، فكان للخطاب إله من العجوة يعبده، وفي ذات يوم ذهب الخطاب ووصى ابنه عمر على هذا الصنم، وكان عمره عشر سنين فظل منتظرًا أباه حتى شعر بالجوع قال: فقلت: يا إلهي! أطعمني، فلم يجبه، يا إلهني اسقني قال: فأخذت ذراعه فأكلته فلم يتكلم -وجد العجوة طعمها حلو- فراح وأخذ ذراعه الثانية وأكله فلم يتكلم، حتى أكله كله، فتذكر سيدنا عمر غلظة الخطاب، فكلم أمه أن تصنع صنمًا آخر، فأخذت عجوة صنعت بها تمثالًا.
فإذًا منطقة العرب كانت منطقه غريبة جدًا في مسألة العبادة.
وكان سيدنا نوح يدعو إلى التوحيد ونبذ الفاحشة، وجاء من بعدهم سيدنا داود وسليمان والملكان اللذان أعطاهما رب العباد ما لم يعط أحدًا من العالمين.
فسيدنا داود ألان الله له الحديد، قال تعالى عنه: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ:١١] أي: دروعًا للحروب والسيوف والرماح.
وأما سيدنا سليمان فيقول: ﴿عُلِّمْنَا مَنطِقَ الطَّيْرِ﴾ [النمل:١٦]، وكان سيدنا داود يقرأ الزبور الكتاب المنزل عليه فمن شدة حلاوة وجمال صوته كان الماء يتوقف عن الجريان وكانت الطيور تردد معه تسبيحه لله ﷿، قال تعالى: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ﴾ [سبأ:١٠]، ثم جاء من بعده ابنه سليمان وورث أباه وأعطاه الله ما لم يعط أحدًا من قبل ولا من بعد فقد سخر الله له الريح غدوها شهر ورواحها شهر ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ * وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ﴾ [ص:٣٦ - ٣٧] يأتون له باللؤلؤ والمرجان من تحت البحر وكان ملكه في بيت المقدس الذي يريد اليهود الآن أن يهدموا المسجد الأقصى بغرض إخراج هيكل سليمان من تحته.
وقصة الهدهد التي حدثت مع نبي الله سليمان نتعلم منها كلنا، فذات يوم كان سليمان قاعدًا في ملكه تظلله الطيور، والجن والشياطين والوحوش أمامه، فرأى شعاع الشمس وقد نفذ إليه فقال: لابد أن هناك طيرًا غير موجود ﴿مَا لِيَ لا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل:٢٠] وبعد قليل جاءه الهدهد وقال: ﴿وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل:٢٢] وقال: إنه يوجد من الإنس امرأة تحكمهم ويسجد قومها للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم فأضلهم عن السبيل، فتحدث الهدهد في قضية الإيمان والتوحيد والعقيدة، فأراد سليمان أن يتأكد وأن يستوثق من كلام الهدهد ومن الخبر الذي جاء به.
فأرسل معه كتابًا قال له: خذ هذا الكتاب فألقه إليهم، فقطع الهدهد المسافة من بيت المقدس إلى صنعاء، وطار حاملًا رسالة نبي الله سليمان، أخذ الهدهد الرسالة وذهب إلى ملكة سبأ وألقى إليهم الخطاب، فقالت: ﴿إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتَابٌ كَرِيمٌ﴾ [النمل:٢٩]؛ لأن الخط يدل على أنه خط ملوك وشعار الملك عليه، فأكيد إن الرسالة من نبي الله سليمان، ثم سألتهم عن رأيهم فقالوا: ﴿نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ﴾ [النمل:٣٣]، وقد صدق رسول الله ﷺ حين قال: (تعس قوم ولوا أمورهم امرأة)، فأنا كنت أتمنى أن المصالح الحكومية يديرها الرجال، والمدرسة التي تكون فيها مديرة أتمنى أن كل الذي تحت يدها يكن نساء، لكن أن الرجل يعمل تحت إمرة المرأة فهذا لا ينبغي، والمرأة عقلها كالرجل تمامًا ولكن مكانها البيت أساسًا.
ويا ليت تراعى هذه القضية فإن المرأة بطبيعتها تمر عليها أيام تكون فيها عصبية، بسبب الإفرازات المعينة التي تحصل لها في جسمها وهذا ما يجعلها في حالة عصبية، فأحيانًا تجد المرأة راضية عنك تمامًا ولكن بعد خمس دقائق يتبخر هذا الرضا ولا تعرف أين ذهب، فهذه حالتها.
ليس معنى هذا أن النساء بهن شيء من الجنون فكلمة حنان واحدة تجعل المرأة راضية كل الرضا كما قالت بنت محلم الشيباني: يا بنية كوني له أمة يكن لك عبدًا.
يعني: كوني لزوجك مثل الخدامة فهو سيكون عندك عبدًا.
قالت: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ﴾ [النمل:٣٥] فدخل رسلها على سليمان في ملكه وكان الشياطين والجن قد صنعوا الطريق المؤدي إلى العرش الذي يجلس عليه سليمان من الذهب الخالص فدخل الرسل ومعهم هدايا من الذهب، والتي تعتبر قليلة بالنسبة لسليمان فقال: ﴿أَتُمِدُّونَنِ بِمَالٍ فَمَا آتَانِيَ اللَّهُ خَيْرٌ مِمَّا آتَاكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بِهَدِيَّتِكُمْ تَفْرَحُونَ﴾ [النمل:٣٦] فأيقن نبي الله سليمان أنهم سوف يأتون إليه مسلمين فعرض الأمر على جنوده من الجن من يأتي بعرش بلقيس قبل أن تصل ﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ﴾ [النمل:٣٩].
فقال عفريت مؤمن بالله ﷿ عنده علم من الكتاب: ﴿أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ﴾ [النمل:٤٠] فبمجرد أ
[ ٥ ]