إن العبد الحق مراده الله، فهو حريص على مرضاته، يتتبع كل عمل يوصله إليه، ويرضيه عنه، ومن سنن هذا الكون التي كتبها الله فيه التدرج حتى في السلوك إليه، وتطبيق شرعه، وقد جعلت أول درجات السلوك التوبة، لكونها مطهرة، ثم الدعاء فهو نعم المقربة، ثم الافتقار إلى الله وصدق اللجوء إليه.
[ ١٩ / ١ ]
الدخول على الله
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، وعلى أصحابه أجمعين.
وبعد: فإنما يراد العلم للعمل، ولا خير في علم بلا عمل، ويذكر أن خطيبًا خطب في الناس خطبة، ثم أعادها في الجمعة الثانية، ثم أعادها في الجمعة الثالثة، قيل له: يا إمام! لقد حفظناها، قال: إذا عملتم بها قلنا لكم غيرها.
والعلم ليس بكثرة الرواية، وإنما العلم الخشية من الله ﷿، وأن نعمل بما نعلم، فمن عمل بما علم ورثه الله علم ما لم يعلم، ومن لم يعمل بما يعلم تاه فيما يعمل، ولم يوفقه الله فيما يعلم.
فالإنسان المسلم يجب عليه حين يستمع أن يبادر فيطبق وينفذ.
ويقال إن سيدنا عمر بن الخطاب رضوان الله عليه حفظ البقرة في ثمان سنوات، وكان يحفظ الآية وقبل أن يحفظ الآية التي بعدها يطبق الآية التي قبلها، وبعد أن يطبقها عمليًا يحفظ الآية التي تليها، وبعد أن يحفظها يطبقها على نفسه، وبعد ذلك يحفظ الثالثة وهكذا، ونحن اليوم نعجز عن تطبيق آية واحدة أو حديث واحد.
لا يستطيع الواحد منا أن يطبقه على نفسه، نسأل الله ﷾ أن يجعلنا وإياكم من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه.
اللهم لا تدع لنا يا مولانا في هذا اليوم العظيم ذنبًا إلا غفرته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا كربًا إلا أذهبته، ولا همًا إلا فرجته، ولا دينًا إلا قضيته، ولا صدرًا ضيقًا إلا شرحته، ولا مظلومًا إلا نصرته، ولا ظالمًا إلا قصمته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا مسافرًا إلا رددته غانمًا سالمًا لأهله.
اللهم احقن دماء المسلمين.
اللهم لا تسل قطرة مسلمة من دماء المسلمين إلا في سبيلك، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، واطرد اللهم شياطين الإنس والجن عن بيوتنا.
اللهم اهد لنا زوجاتنا وأبنائنا وذرياتنا.
اللهم اجعلنا هادين مهتدين غير ضالين ولا مضلين، ثقل بهذا العلم موازيننا يوم القيامة، اجعله نورًا لنا على الصراط يوم القيامة.
اللهم اغفر لنا وارحمنا، عافنا واعف عنا، سامحنا وتقبل منا، صلنا بك ولا تقطعنا عنك، واجعلنا لديك من المقبولين.
آمين آمين.
والحمد لله رب العالمين، وصلاة وسلامًا على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
وبعد: كلنا يتساءل كيف الدخول على الله؟ عندما يسأل السائل منا: كيف أقابل الوزير الفلاني؟ -ولله المثل الأعلى- قد يقال: ندخل إلى مدير مكتبه أو بواسطة من يعرفه، أو تتصل بمدير المكتب ليحدد لك موعدًا معه.
إذًا: هذه وسائل للقاء أو للدخول على أحد المسئولين؛ المحافظ الوزير رئيس الوزراء أي شخص.
.
إذًا: هناك وسائل أو مفاتيح وأسباب للدخول على بعض المخلوقات.
أما السؤال الأهم: وهو كيف أدخل على الله؟ فلابد أن يعلم أن هناك خطوات، وهناك أبواب تطرق، وهناك مفاتيح يستطيع الإنسان أن يرد، باستخدامها على الله، قال أهل العلم: من داوم على القرع لابد أن يفتح له، ولذلك من أسماء يوم القيامة القارعة: لأنها تقرع الأسماع، ومنه قرعت طبول الحرب أي: بدأت تتأكد الحرب.
ويذكر أن هذا الكلام قيل أمام السيدة رابعة العدوية فتبسمت وقالت: ومتى أغلق باب الله حتى يقرع، إنما الذي يريد أن يدخل يدخل، ولكن الدخول له شروط! أنت عندما تريد أن تقابل أحد المسئولين تبدأ بالتفكير من الليل؛ فتحدد الملابس التي سترتديها، والورقة التي تقدمها فلابد أن يكون اللقاء لائقًا به، وإذا كنت ذاهبًا من أجل أن تقدم طلبًا ما أو مشكلة ما، فستحرص أن تكون معك المستندات اللازمة، وستحرص على أن تستحضر الكلام اللائق بما تريد، ولله المثل الأعلى، أنا عندما أريد أن أدخل على الله، فهناك خمس درجات لابد أن أصعد عليهن أولًا من أجل أن يكون دخولي في المدخل الصحيح:
[ ١٩ / ٢ ]
الدرجة الأولى للدخول على الله التوبة
[ ١٩ / ٣ ]
معنى التوبة
الدرجة الأولى من أجل أن أدخل على الله: التوبة.
والتوبة في أبسط معانيها تنظيف للعبد وتطهير له، فكما أحرص إذا أردت أن أدخل عند العظيم أن أكون نظيفًا؛ أريد ألا تقع عينه إلا على النظيف، والثياب موضع نظر الخلق، أما موضع نظر الخالق فهو القلب، فينبغي أن يقع نظره على نظيف طاهر، فكما أكون حريصًا أنني أظهر أمام غيري من الناس بالثياب الطيبة النظيفة التي لا يؤذي أعينهم منظرها؛ يجب أن أنظف قلبي؛ لأن هذا محط نظر المولى ﷿؛ إذ الله ﷿ ينظر إلى القلوب: إن القلوب في الأجساد كالأواني، وأفضل الأواني أصلبها وأرقها وأصفاها، وكذا كان قلب سيدنا الحبيب ﷺ يحمل هذه الثلاث الصفات: الرقة والصلابة والصفاء.
ورقة القلوب: هي رقة على المسلمين رقة على الأرامل رقة عند سماع كلام الله، والرقة هي معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر:٢٣]، فإن القلوب حين تخشع تخاف ثم تغشاها رهبة، ومن ثم بعد ذلك يكون فيها رجاء، ولذلك جاء أن أعرابيًا سأل الرسول ﷺ سؤالًا فقال: (يا رسول الله! من الذي يحاسبنا يوم القيامة؟ قال: أنت تعرف يا أعرابي أنه الله ﷿، فتبسم الأعرابي، وقال: مادام أن الذي يحاسبنا هو الله فإنه كريم، والكريم إذا حاسب سامح وإذا قدر عفا)، فإنك عندما تكون كريمًا مع ابنك أو كريمًا أحيانًا مع زوجتك تمر بعض الأمور التي أخطئوا فيها، فتتجاوز عنها، حالك كما قال الشاعر: ليس الغبي بسيد في قومه بل إن سيد قومه يتغابى أما الرجل الغبي فيصدق فيه قول الشاعر العربي: قال حمار الحكيم يومًا لو أنصف الدهر كنت أركب إذ الحمار لا يعجبه الحال، فقال: لو أن الدهر كان عادلًا لكنت أنا الراكب لا صاحبي، وهذا بمنطق الحمار: قال حمار الحكيم يومًا لو أنصف الدهر كنت أركب فإنني جاهل بسيط وصاحبي جهله مركب فمفهوم كلامه: إنني مخلوق وجهلي بسيط، أما المصيبة ففي الجاهل الذي يجهل أنه جاهل.
[ ١٩ / ٤ ]
أصناف الناس
قال علي: الرجال أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري، ورجل يدري ولا يدري أنه لا يدري، ورجل لا يدري ويدري أنه لا يدري، ورجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري.
فالرجل الذي يدري ويدري أنه يدري: فذلك عالم فتعلموا منه، أي: هو رجل عالم وواثق من علمه فتعلم منه.
وأما الرجل الثاني فرجل عنده تواضع وبساطة، فإنه يعلم ولكن لا يستطيع أن يوصل تلك المعلومة، وهو ما ذكره الإمام عنه أنه لا يدري أنه يدري، وفسرها بقوله: فذلك صالح فصاحبوه.
أما الرجل الثالث: فإنه لا يدري -أي: أنه جاهل- ويدري أنه لا يدري، أي أنه يعرف حدود إمكانياته ولذلك فسر حاله الإمام علي فقال: ذلك جاهل فعلموه، فإنه مادام يعرف حدود إمكانياته العلمية، فينبغي أن أعلمه.
يذكر أن أعرابيًا كان شديد الحب لربه، ولكن لا يستطيع أن يعبر عن حبه لربه، فلما نزل المطر ونبت العشب أخذ حمار الأعرابي يأكل بنهم، فأراد الأعرابي أن يشكر الله ﷿، فنظر إلى السماء وقال: وعزتك وجلالك لو كان لك حمار لتركته يرعى مع حماري لأني أحبك!! فالأعرابي يحب الله ﷿، ولكن طريقة تعبيره خاطئة كونه لا يستطيع التعبير.
أما الرابع فإنه رجل لا يدري ولا يدري أنه لا يدري، فهو جاهل ويجهل أنه جاهل، وهذا خطره شديد، وضرره أكيد، ولا أقل من أن يبتعد عن هذا الرجل، فإن البلاء كله فيه، فهو جاهل ولا يعرف حدود جهله، ويظن أنه يفهم كل شيء.
لقد أصبحنا في زمن اختلط حابلها بنابلها، لا يعرف فيها الصواب من الخطأ.
[ ١٩ / ٥ ]
توبة الفضيل بن عياض
يذكر أن الفضيل بن عياض قبل أن يتوب الله عليه كان سارقًا يدخل إلى البيوت ويسرقها، وفي يوم من الأيام كان يتسلل في بيت فسمع صاحب البيت وهو يقرأ كتاب الله ﷿ في قيام الليل، -في حين أن الناس هذه الأيام لا يقومون الليل ولا يصلون الفجر في جماعة -وكان مما يقرؤه: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ [الحديد:١٦].
فكانت هذه الكلمة لها وقع عليه فدخلت في مجامع قلبه، فبكى وقال: قد آن يا رب.
[ ١٩ / ٦ ]
توبة سارق عند السيدة رابعة العدوية
ويذكر أيضًا أن سارقًا دخل منزل السيدة رابعة ليسرق، تلفت السارق يمينًا وشمالًا، قال: ما هذا البيت النكد، لا يوجد فيه شيء يسرق، فنظر إليها وإذا هي تصلي، فلما انتهت من صلاتها نادته: تعال يا عبد الله، قال: أفي البيت أحد، قالت له: نعم، لا تخرج بيديك فارغتين، قال: وهل وجدت شيئًا ولم آخذه؟ قالت: لا، ادخل وتوضأ من هذا الإبريق وصل لله ركعتين، فنزلت هذه الكلمات على قلب الرجل كالصواعق، إنه لا يصلي، فذهب وتوضأ ووقف وصلى، فلما سجد أخذ يبكي، فقالت رابعة: وقف ببابي فما أعطيته شيئًا، ووقف ببابك فلا ترده خائبًا، فهناك فرق بين أن تذهب عند شخص بخيل وتذهب عند شخص كريم.
ومثل ما تقدم ما حدث للصحابي الذي دخل على كسرى، فنظر إليه كسرى، وقال له: تمن يا أعرابي! أي أمنية وأنا أحققها لك، فقال له: أتمنى ألف دينار، قال: أعطوه ألف دينار، فقال حاشية كسرى: يا رجل! تمن عليه فهو كسرى، أتتمنى عليه ألف دينار؟!! فقال: وهل هناك أكثر من الألف؟ سبحان الله الصحابي لا يعرف أن هناك أكثر من ألف، لكنه في حسابات الآخرة من أصحاب الملايين.
[ ١٩ / ٧ ]
التوبة تمحو ما قبلها
فإذًا: من أجل أن أدخل على الله ﷿ فإن أول درجة أصعدها التوبة، والتوبة هي: أن أنزع عن الذنب وألا أعود إليه مرة أخرى وأن أعزم على عدم العودة وأن أرجع الحقوق إلى أصحابها، لكن لها حقيقة أخرى، يقول الحبيب ﷺ: (التائب حبيب الرحمن)، أنت لو أخطأت خطأً مدنيًا في القانون المدني يحسب خطأ مدنيًا، ويحكم عليك، وتعد من أصحاب السوابق، وتوضع في ملف الحالة الجنائية، ولا يمكن أن تمسح، حتى لو قضيت مدة العقوبة.
أما عند الله ﷿ فإن عمل رجل سيئات وذنوب وجرائم: لم يصل، ولم يصم وغيرها من الذنوب والمعاصي، ثم يقول: تبت إليك يا رب! فإنه لن يفتح له الملفات أو يقال له: إن صحيفتك التي فيها السوابق مليئة؟ لا، بل العكس، قال تعالى: ﴿فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ [الفرقان:٧٠]، فإنه لا يمسحها فقط، بل إن الذنوب عندما تمسح يكون له رصيد مصفى بالحسنات، أي: يكون له مكان السيئة حسنة، ولا عجب فالله هو الكريم سبحانه.
ومن ميزات التائب أيضًا ما قاله عنه الحبيب ﷺ: (عاشروا التوابين فإنهم أرق أفئدة)، وذلك لأن قلوبهم ما زالت لينة طيبة، أما الذي يصلي منذ زمن، فالبعض يظن أنه عمر بن الخطاب، يقول لك: الحمد لله نحن نصلي ونحن كذا، وكان الأحرى أن يسأل الله القبول، وأن يديمها عليه نعمة، فإن من أعظم النعم من الله على العبد أن يرزقه الهداية.
[ ١٩ / ٨ ]
الدرجة الثانية من درجات الدخول على الله
[ ١٩ / ٩ ]
أكل الحلال شرط لإجابة الدعاء
الدرجة الثانية: الدعاء المخلص لله، والدعاء له خمسة شروط: وأول شروطه: أكل الحلال، نسأل الله أن يحل اللقمة التي نأكلها، لكن وللأسف جل هذه الأموال التي نتقاضاها ربا؛ لأن غالب المعاملات المالية هذا الزمان ربوية، أو تمر عبر بنوك ربوية، لكن مادام أن المسلم ينوي نية صادقة فسييسر الله ﷾ له الحلال بإذنه ﵎.
والأكل الحلال فيه خير كثير، من ذلك الخير حفظ الله ذلك الحلال وصونه له، يذكر أن سهل بن عبد الله خطفت منه الحدأة قطعة اللحم، وذهبت بها إلى بيته، وتشاجرت هي وغراب فوق بيته، فوقعت اللحمة في بيته، فخاف من امرأته أن يعود بلا لحم كما يخاف الأزواج من زوجاتهم، فذهب الرجل إلى المسجد، ينتظر أن تهدأ زوجته؛ لأن الزمن قادر بفضل الله على تهدئة الناس، فالله ﷿ ينسي الناس البلاء.
وبعد أن انتهت الصلاة عاد إلى البيت يقدم رجلًا ويؤخر أخرى، فدخل وقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقالت: وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أما لك في الطعام؟ فقال: ومن أين لنا الطعام؟! فقالت له: بعد أن خرجت تصارعت حدأة مع غراب فوق بيتنا، فوقعت منهما قطعة لحم، فسجد لله شكرًا وقال: أشكر ربي أن أرسل لي خادمًا يحمل عني قطعة اللحم.
فهؤلاء الناس كانوا في خدمة الله فكانت الدنيا كلها في خدمتهم، ولا عجب فالدنيا كلها في خدمة أهل الإيمان، وهذا معنى ما جاء في الأثر: يا دنيا من خدمك فاستخدميه، ومن استخدمك فاخدميه.
وكان الإمام الشافعي دائمًا يقول: أمطري سماء سرنديب وفيضي جبال تكرور تبرًا أنا إن عشت لست أعدم قوتًا وإذا مت لست أعدم قبرًا همتي همة الملوك ونفسي نفس حر ترى المذلة كفرًا فالإنسان المسلم وهو يمشي في طريق الله ﷿، ويريد أن يتمثل الدرجة الثانية: درجة الدعاء المخلص لابد أن تكون أول زاوية من زوايا الدعاء أكل الحلال.
[ ١٩ / ١٠ ]
الدعاء وأوقات الاستجابة
الشرط الثاني: اختيار الأوقات المناسبة للدعاء: فعلى الداعي أن يعرف الله ﷿؟ وأعظم اللحظات التي يدعو فيها الله ﷿ هي لحظات صفاء القلب، وقد يسأل: ما هي علامات صفاء القلب؟ أبين علامات صفاء القلب أن تكون منشرح، وتبحث عن سبب الانشراح فتجد أنه ليس بسبب ما حصلت عليه من مرتب ولا علاوة ولا أن امرأتك راضية عنك أو أولادك، بل هو انشراح صدر بدون سبب دنيوي، وتود في نفسك أن تفعل أعمال الخير، فتقول في نفسك: أتمنى أن يكون درس في المسجد، فأحضره، أو أتمنى أن يأخذني شخص إلى زيارة شخص مريض، أو غيرها من الأعمال.
فهذه لحظات أنت قريب فيها من الله وهي أعظم اللحظات للدعاء، ولذلك ندرك معنى قول سيدنا عمر: أنا لا أحمل هم الإجابة، ولكن أحمل هم الدعاء، فإذا ألهمت الدعاء كانت معه الإجابة؛ لأن الله ﷿ وعد، فقال: منك الدعاء وعلي الإجابة، ولكن دعاء بشروط.
ومن الأوقات المناسبة، التي يصفو فيها القلب: الثلث الأخير من الليل، ووقت هطول المطر، ووقت الأذان، وما بين الأذان والإقامة، وعندما يصعد الإمام على المنبر، وبين الخطبتين، وبعد صلاة العصر إلى المغرب، وبعد صلاة الصبح حتى تطلع الشمس، وعند سفر المسافر، وعند زيارة المريض، ودعاء المسلم لأخيه في ظهر الغيب، وعندما يكون المرء في السجود، ففي الحديث: (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد).
فكل هذه الأوقات أوقات طيبة للدعاء، ومن الأوقات كذلك: عند زحف الصفوف على العدو، ولكن عندما يكون القتال في سبيل الله، وفي الحديث: (الرجل يقاتل حمية، والرجل يقاتل شجاعة، والرجل يقاتل ليذكر؟ قال: من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله)، فإذا كانت الحرب في سبيل الله، استجيب الدعاء، أما إذا كانت من أجل أرض، أو من أجل مال أو أي شيء من عرض الدنيا فلا، بل لابد أن يكون القتال في سبيل الله في سبيل الدين في سبيل إحقاق الحق في سبيل إبطال الباطل، وحينها يكون النصر والغلبة وإن كان المسلمون قلة، قال تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [البقرة:٢٤٩].
[ ١٩ / ١١ ]
إحضار الصغار عند الدعاء
الشرط الثالث: أن تحرص عندما تدعو وأنت في شدة أن تحضر أولادك الصغار، وإذا لم يكن عندك أولاد فأحضر أولاد الجيران! وذلك أن قلوبهم مازالت بيضاء من الداخل لم يكتب عليهم أي شيء، فإن تأمينهم على دعائك يوافق تأمين الملائكة، ومن وافق تأمينه تأمين الملائكة استجاب الله له.
[ ١٩ / ١٢ ]
الدعاء بعد قراءة القرآن وختمه
الشرط الرابع: الدعاء بعد قراءة القرآن أو عندما يختم المصحف، وقد يستبعد القارئ هذا مع أن الأصل في المسلم أن يكون أنيسه وجليسه القرآن، بل من لم يختم القرآن في شهر فقد بات هاجرًا لكتاب الله.
ومن السنة أن تختم المصحف كل جمعة، وإذا عزمت أن تكون على السنة فتختمه كل جمعة، كان عليك أن تقرأ كل ليلة بقدر أربعة أجزاء ونصف، فإن كنت لا تستطيع، فلتختم كل عشرة أيام، فإن لم تستطع ففي كل خمسة عشر يوم، فيكون ما تقرأه جزئين في اليوم، فإن كنت لا تستطيع ففي كل عشرين يومًا، فإن كنت لا تستطيع ففي كل شهر مرة، وإياك أن يمر عليك الشهر من غير أن تختم المصحف، وفي الحديث: (عليك بالحال المرتحل، قالوا: ما هو الحال المرتحل يا رسول الله، قال: الرجل يضرب من أول القرآن حتى آخره، كلما حل ارتحل).
وقد كان ابن عمر ﵁ يختم القرآن بطريقة عجيبة، فقد كان عندما يصل إلى سورة الناس، يفتتح بالفاتحة مرة أخرى وأول أربع آيات في البقرة وبعد ذلك يدعو ويحضر اليتامى وأطفال الحي وأولاده ويؤمنوا على دعائه، وهذا هو الحال المرتحل.
[ ١٩ / ١٣ ]
ثواب قراءة القرآن
أما ما يكون لي عندما أقرأ القرآن، فإنه أولًا عهد الله بين يدي عباده، فالله يكلم من يقرأ القرآن، فهنيئًا لك أيها المسلم إن أردت أن تكلم الله فأحسن الصلاة، وإن أردت أن يكلمك الله فاقرأ القرآن.
كما أن لك بكل حرف في القرآن عشر حسنات، قال ﷺ: (لا أقول ألف لام ميم حرف، وإنما ألف حرف ولام حرف وميم حرف)، ففي قوله تعالى: ﴿الم﴾ [البقرة:١] ثلاثون حسنة، فانظر إلى نفسك كم اقترفت من الذنوب، فتمسحها بكثرة الحسنات، وقراءة القرآن إن شاء الله مقبولة سواء بفهم أو بغير فهم.
وقد يقول قائل: أنا أقرأ في القرآن ولا أفهم، فهل لي أجر في ذلك؟ نقول له: إن أهل العلم علمونا فقالوا: اقرأ القرآن فإن الله قادر أن ينقلك من قراءة بغير فهم إلى قراءة بفهم، فهذا الحسن البصري يقول: تعلمت القرآن من عبد الله بن مسعود -أستاذه وأستاذ علم القراءات- فلما ترقى بي الحال -بسبب القراءة والتدبر- صرت كأني أسمعه من رسول الله -هو لم ير الرسول لكن كأنه يسمعه من سيدنا الحبيب- فلما ترقى بي الحال صرت كأني أسمع جبريل يقرؤه على رسول الله، فلما ترقى بي الحال كأني أسمعه من المولى ﷿.
ولا عجب؛ فقارئ القرآن في رقي بل يقال له يوم القيامة: اقرأ وترقى اقرأ وترقى وهو في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله! إذًاَ: يشرع الدعاء في دبر وختم القرآن، ومن ضمن الأدعية العظيمة في ختم القرآن: اللهم لا تجعلنا ممن يقرأ القرآن فيشقى، واجعلنا ممن يقرأ القرآن فيرقى، يا رب! لا تجعلني من الذي يقرأ القرآن فيشقى -لأنه يقرأ ولا يطبق- وإنما اجعلني من الذي يقرأ القرآن فيترقى بالقراءة، اللهم اجعلنا منهم يا رب العباد.
يروى أن هذا القرآن يأتي والمسلم على الصراط على هيئة النور فيعلق في رقبة من كان يقرؤه، فيخاف في أول وهلة، فيقول له: لا تخف يا عبد الله، إنني أنا القرآن شفيعك اليوم ونورك على الصراط وسوف آخذ بيدك إلى الجنة.
اللهم اجعلنا من أهل القرآن يا رب العالمين.
ولكي يدرك المسلم عظمة هذا القرآن ينبغي أن يستشعر أن القرآن كالحبل طرفه بيدك والطرف الآخر بيد المولى ﷿، وحينها لابد أن يكون متمسكًا بكتاب الله، يفزع إليه في أي أزمة أو شدة أو ضيق صدر، فيتوضأ ويقرأ سورة يوسف، ولا يشترط أن يكون حافظًا للقرآن عن ظهر قلب، فإن الذي يقرأ القرآن من المصحف بصوت له أنوار ثلاثة: نور في عينيه، ونور في لسانه، ونور في أذنيه، والذي يقرأ القرآن غيبًا بصوت، له نور في لسانه ونور في أذنيه، والذي يقرأ القرآن في السر له نور في لسانه أو في القلب.
فاللهم نور بالقرآن قلوبنا وأبصارنا وأسماعنا يا رب العباد.
[ ١٩ / ١٤ ]
الإلحاح في الدعاء
الشرط الخامس: وله فرعان: الفرع الأول: الإلحاح: ولذلك قال ﷺ: (إن الله يحب العبد اللحوح)، ولكن هل نحن نحب العبد اللحوح؟ لو كان عندك ولد ثقيل الطباع، وقال لك: يا أبت إنني أريد جنيهًا، يا أبت أريد جنيهًا وإلخ، فربما أنك ترمي الجنيه في وجهه: خذ يا بني لقد أضجرتني! أما الله ﷿، فإنه لا يضجر منك، بل إن الله ﷿ يحب العبد الملحاح، أي: الذي يلح في المسالة.
[ ١٩ / ١٥ ]
أن يدعو موقنًا بالإجابة
الفرع الثاني من الشرط الخامس: أن تدعو وأنت موقن بالإجابة: قال سيدنا الحسن ﵁: أنا عندما أدعو أرى من الله الإجابة.
ومن مستجابي الدعوة سيدنا سعد ﵁، فقد استجاب الله له في شخص ظلمه، ووصفه بما ليس فيه، فدعا عليه وقال: اللهم إن كان هذا كاذبًا فأرني فيه شيئًا، فتخرج ناقة شاردة نادة فتجري كأنما تبحث عن أحد فتأخذ الرجل بين قدميها حتى تهلكه.
هذا مع ما كان عليه الصحابة من العفو والتسامح فقد كانوا إذا ظلم أحدهم يقول: اللهم إن كان صادقًا فاغفر لي، وإن كاذبًا فاغفر له، وهذه درجة عالية، من السماحة نعجز عنها، بل لو نظر أحدنا إلى أخيه نظرة فقط، لسمع من العبارات النادة، والألفاظ الكريهة ما الله به عليم.
ومما يجلي سماحة الصحابة وعفوهم وحلمهم ما حدث لـ عبد الله بن مسعود ﵁ عندما سرقت أمواله فما كان منه إلا أن قال: أنا أدعو وأنتم أمنوا، قالوا: قل يا ابن مسعود قال: اللهم إن كنت تعلم أن الذي سرق نقودي محتاجًا إليها فبارك له يا رب فيها، وإن كان غير محتاج إليها فاجعله آخر ذنب يرتكبه يا أرحم الرحمين! ولا عجب فهذا نهج الدعاة والمصلحين، فهذا حبيب النجار المذكور في قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى﴾ [يس:٢٠]، إذ أخذ يدعو قومه ويستعطفهم: يا قوم يا قوم يا قوم فلم يسمعوا له، بل بطحوه أرضًا ووقفوا على بطنه حتى خرجت أمعاءه من دبره فمات، فعندما مات قال الله ﷿ عنه: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾ [يس:٢٦]، فعندما مات ودخل الجنة هل دعا على قومه؟ وهل قال: أنا وبعدي الطوفان؟ إذا مت ظمآنًا فلا نزل القطر وهل قال: إذا مت عطشان فلا أريد أن ينزل الماء على أحد بعدي؟ فيا أخي ادع للناس بالخير.
فـ حبيب النجار عندما دخل الجنة أول شيء قال: ﴿قَالَ يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ * بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾ [يس:٢٧]، فقال ﷺ: (رحم الله حبيبًا النجار وعظ أهله حيًا وتمنى لهم الخير ميتًا).
ولذلك قال الحبيب ﷺ: (عيشوا مع الناس معيشة إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم)، اللهم اجعلنا من هؤلاء، إن هناك أناسًا إذا غابوا فإن الناس تحن إليهم، وعندما يموتون فإن الناس تترحم عليهم، وهناك أناس تحل السعادة إذا غادروا المكان، لا تحل السعادة معهم.
[ ١٩ / ١٦ ]
الدرجة الثالثة من درجات الدخول على الله الافتقار
[ ١٩ / ١٧ ]
السعادة في الافتقار إلى الله لا في المال
الدرجة الثالثة بعد التوبة والدعاء: الافتقار: أي: أن تدخل على الله وأنت ذليل، فالله ﷿ نصر المسلمين في بدر وهم أذلة، فإني عندما أذل لله يعطيني مسألتي، قال الإمام الشافعي: من طلب العلم في العز لا يفلح.
نجد في واقعنا الطالب المسكين الذي يذاكر تحت عمود النور أو في الجامع يكون هو الأول، ونجد الولد المرفه الذي يحضر له أبوه مدرسين، ويحضر له كمبيوتر وبجانبه خادمة تحضر له القهوة وغير ذلك من مدرسين خصوصيين في البيت، ويدرس بمدرسة خاصة وفي الأخير يرسب، فالله ﷿ هو صاحب العطاء، تارة يعطيك قليلًا من المال ويأخذ منك قليلًا من السعادة، وتارة يعطيك قليلًا من الصحة ويأخذ منك قليلًا من المال، وإن كان ابن آدم يريد الصحة والمال والسعادة.
وللكاتب الشهير مصطفى صادق الرافعي كتاب لطيف اسمه (المساكين)، يتكلم هذا الكتاب عن شخصية اسمها شخصية الشيخ علي، وهذا الشيخ رجل زاهد في الدنيا.
مما ذكر فيه على لسان الشيخ علي قوله: يا رب! هذا رجل أعطيته المال، فيقول: يا رب هذا المال فأين السعادة؟ لأن المال لا يسعد، وإلا لأسعد دول الخليج، أليس كذلك؟ التي أصبح أغلب الموظفين المصريين يتمنى أن يذهب إليها.
فهم في هذه الدول يعانون بين الفينة والفينة المشاكل الأمنية التي تقلقهم، فالمال لا يسعد، بل قد يكون نقمة على صاحبه، وفي اللغة: إنما سمي المال مالًا؛ لأنه مال بالناس عن الحق، قال سيدنا علي ﵁: رأيت الناس قد مالوا إلى من عنده مال ومن لا عنده مال فعنه الناس قد مالوا رأيت الناس منفضة إلى من عنده فضة ومن لا عنده فضة فعنه الناس منفضة رأيت الناس قد ذهبوا إلى من عنده ذهب ومن لا عنده ذهب فعنه الناس قد ذهبوا ومن الأمثال العربية المصرية: معك قرشٌ تسوى قرشًا.
[ ١٩ / ١٨ ]
فضيلة الافتقار إلى الله
فمن أجل أن تدخل على الله ﷿ لابد من الافتقار، والتذلل إلى الله، فيكون حالك وأنت تدعو حال افتقار، فإذا قمت في الليل وتوضأت وصليت ركعتين ثم دعوت: يا رب! اهدني، وفقني، ثبت لي الإيمان، حفظني القرآن، حبب إلي كذا، قد يستجاب لك؛ لأن الله جل في علاه في كل ليلة ينزل إلى السماء الدنيا نزولًا يليق بجلاله فيتودد إلى عباده.
قال أهل العلم: ليس العجيب من فقير يتودد إلى غني، ولكن الأعجب من غني يتودد إلى فقير، وليس العجيب أن يتقرب الضعيف إلى القوي، ولكن الأعجب أن يتودد القوي إلى الضعيف! واعلم أخي أنه إذا كانت فيك ظلمة من المعاصي فإن من أسماء الله النور، وإذا كان عندك فقر فإن من أسماء الله الغني، وإذا كان عندك عصيان فمن أسماء الله التواب، وإذا كان عندك انحراف وتوهان فإن من أسماء الله الهادي، فإن كان عندك ذل من الناس والناس يزعجونك ويذهبون بك إلى المحاكم وغيرها، فإن من أسماء الله المعز، فمن التجأ إلى الله فقد التجأ إلى ركن ركين، قال سبحانه: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ [الفرقان:٥٨].
فطالما أنك طرقت بابه فستلقاه مفتوحًا مادامت السماوات والأرض، فإذا قلت: يا رب! يقول: لبيك يا عبد، فإذا قلت: أعطني، فلن يحيلك إلى أحد بل هو الذي يعطيك؛ لأن خزائنه لا تفند.
جاءني قبل سنوات شخص يقول: يا سيدنا الشيخ أنقذني، فقلت له: ما شأنك، قال: صدر في حقي قرار إزالة -إخلاء إداري- وأنا مسكين وحالتي متعبة ولا أملك شيئًا، وعندي خمسة من الأولاد وأمهم وأمي، ويريدون أن يعطونا خيمة وراء المحافظة، فقلت له: قل يا رب! فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ﴾ [الحجر:٢١]، فانصرف الرجل من عندي وهو يردد: يا رب! يا رب! فإذا به يتصل بي بعد أيام بأن الله قد استجاب دعاءه وفرج همه وعوضه خيرًا مما كان معه.
ولذا ينبغي على المسلم أن يطرق باب الله، والله عنده ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر؛ لأن القضية عنده لا تحد بحد، والمشكلة أننا كبشر نريد تخطيطًا وتنظيمًا وظهورًا بأسباب ومسببات والاستعانة بالغير، غافلين عن أن الله ﷿ هو المعين سبحانه، ونحن نقرأ كل يوم في الصلاة: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة:٥].
[ ١٩ / ١٩ ]
الواقع المؤسف للمسلمين
ومن العجيب أن يأتيك بعض الناس يقول لك: والله يا سيدنا الشيخ إن امرأتي حالتها متعبة عندها مس، ماذا لو ذهبت بها إلى الشيخ محمد العسكري، فهو يقرأ على المرضى في أرض الحجاز؟ فأقول له: يا أخي! محمد العسكري لا يلقى إلا زوجتك، الجن من النار والإنس من الطين هذه طبيعة وهذه طبيعة، وإن قرأت في كتب بعض السلف أنه يجوز زواج الجني من الإنسية أو الإنسية من الجني ومثل هذا الكلام، فهذا كلام ليس فيه حديث ولا ورد به خبر صحيح، كل هذا اعتبارات أي: حوادث سماعية، والدين فيه كتاب وسنة.
وقبل أيام أتت إلي امرأة تشتكي: يا سيدنا الشيخ زوجي مريض، فقلت: ما به؟ قالت: مخاوف، أي: متزوج من تحت الأرض، قلت: وما أدراك؟ قالت: يأتي في الليل وينزل لينام تحت السرير.
وهذا يثير استغرابي؛ ففي حين أن العالم يتقدم والناس تفتك بالمسلمين وتسيل الدماء الإسلامية على أرض المسلمين وتحتل أرض المسلمين وتأخذ ثروات المسلمين وتستنزف إيراداته، والناس يعيشون في مثل هذه الأوهام.
[ ١٩ / ٢٠ ]
مثل المسلمين كشبل نشأ بين الغنم فنسي طبعه
يذكر أن راعي غنم أتى تحت شجرة فرأى شبلًا، فتلفت يمنة ويسرة فلم ير أباه ولا أمه، فأخذ الشبل ورباه وسط القطيع، فشب الأسد الصغير، وأخذ يتصرف على أنه خروف أو نعجة من القطيع يأكل الحشائش والزرع وييعر ويفعل ما تفعله النعاج، فلما كبر هجم على القطيع أسد آخر، ففر كل القطيع إلا الأسد الصغير فقد ترك كل القطيع وركض وراء الأسد الآخر، فوقف ذلك الأسد الآخر، وقال له: لماذا تطاردني؟ قال: لأنك أذعرتنا معشر الخرفان، قال له: إنك مثلي، قال له: لا، أنت أسد وأنا خروف، قال له: لا، من الذي قال لك هذا تعال، وعلى صفحة البئر قال له: انظر إلى الماء، فقال: ما هذا، قال له: هذه صورتك، قال له: والذي بجانبها؟ قال له: صورتي، قال له: لي صورتان، قال: بل أنت أسد ولك صوت حقيقي بداخلك أنا سأزأر، فزأر الأسد فزأر مثله، تفرق القطيع في كل مكان، فقال له: ارجع إلى أصلك! فالمسلمون هم هذا الشبل الصغير الذي تربى وسط الأغنام ونسي أصله ونسي حضارته ونسي تاريخه ونسي عمر بن الخطاب ونسي خالد بن الوليد ونسي ربعي بن عامر حيث بعثه سيدنا سعد إلى كسرى ليوصل له الرسالة التي جاءوا من أجلها، فجاء ربعي ودخل على كسرى، فاتجه إليه القادة من أجل أن يرعبوه، لكن سيدنا ربعي بن عامر دخل غير آبه بهم، أتى إلى كرسي كسرى أو سريره وربط فرسه وجلس بجانبه، فصرخ به الحاشية -فلكل شخص من الحكام حاشية- وقالوا له: انزل، قال: لا، فقال كسرى: اتركوه، ثم قال بلهجة وغلظة المتكبرين: يا أعرابي! سأعطي كل واحد منكم عشرة دنانير وتعودون إلى الصحراء التي جئتم منها، فإني أعلم أنه ما جاء بكم من الصحراء إلا الجوع؟ قال: يا هذا! -لم يقل يا ملك ولا يا جلالة الملك ولا يا فلان- إن الله ﷿ ابتعثنا لنخرج العباد من عبادة العباد إلى عبادة رب العباد، وجئنا لنخرج الناس من جور الأديان إلى عدل الإسلام، ومن ضيق الدنيا إلى سعة الآخرة.
أيها الملك! بيننا وبينك أمور ثلاثة: إما أن تدخل في دين الله، وإما أن تدفع الجزية صاغرًا، وإما السيف.
وهنا سؤال يفرض نفسه: ماذا كان يملك ربعي بن عامر وهو يكلم كسرى؟ لم يكن يملك ما يزعمه البعض اليوم ضرورة للكلام مع الزعماء من رأس مال أو غيره، فقد تكلم مع أعظم شخص في العالم في ذاك الزمان وهو كسرى وهو لا يملك إلا الإيمان بالله، ومادام أنه يملك الإيمان بالله فلن يطأطئ الرأس إلا لله.
[ ١٩ / ٢١ ]
عبد الله بن الزبير وموقفه عند مرور عمر بن الخطاب عليه وعلى الأطفال
وممن جسدوا هذا المعنى الجليل عبد الله بن الزبير ﵁، بينما كان يلعب مع الصبية، قد بلغ السابعة من عمره، مر عمر بن الخطاب وكانت له هيبة، من رآه هابه حتى إن سيدنا عمر كان يمشي مع الصحابة فحانت له التفاته -أي: نظر فجأة- فوقع الصحابة على الأرض من هيبته، وكان عمر طويلًا، فكان وهو يسير على الأرض رأسه برأس الراكب، على الفرس -وقد استغل هذا الطول وهذا الجسد في نشر الدين- فكيف بالإيتكيت من أولادنا في هذا الزمان الذين إذا رأوا شابًا طويلًا رشح للعب السلة، فهو حري أن يقال له: لا أفلحت أنت ولا الذين ربوك، ألم تفلح إلا في هذا الموضوع؟ عودة إلى سيدنا عمر وموقفه مع ابن الزبير، فإنه لما مر عمر فر الصبية ما عدا عبد الله بن الزبير، فانحنى عمر إليه وقال له: ما الذي أوقفك مكانك ولم تجر مع إخوانك؟ فرد عليه ردًا لطيفًا، وقال: لست مذنبًا حتى أخاف منك وليست الطريق ضيقة حتى أوسعها لك.
قال له: من أنت؟ قال: أنا عبد الله بن الزبير! ولا عجب من هذا الثبات فأبوه الزبير بن العوام وأمه أسماء بنت أبي بكر، وأنعم بهما من أبوين تقيين ورعين مؤمنين.
وهنا تنبيه أن من أعظم أسباب فساد الأبناء هو فساد دخل الآباء، فالأب حين يكون كسبه من الاختلاسات والرشاوي يأتي الابن عاقًا لوالديه، وقد يتجرأ والعياذ بالله على ضرب والديه إذا نصحاه أو أرشداه بما يخالف هواه.
[ ١٩ / ٢٢ ]
افتقار رسول الله ﷺ وتذلله لربه
والافتقار إلى الله والتذلل بين يديه شأن النبي ﷺ، فها هو في بدر بعد أن صف الصفوف ظل يدعو ويلح في الدعاء بكل انسكار وافتقار: (اللهم إن تهلك هذه العصابة فلن تعبد بعد اليوم في الأرض) فيقول أبو بكر: يا رسول الله! هون على نفسك فإن الله منجز لك ما وعد، وتقع العباءة من على كتفيه الشريفتين ويعيدها أبو بكر ويرفع يديه ويجلس في التشهد، فيراه أبو بكر يتبسم وهو يقرأ التشهد، فلما سلم قال له أبو بكر: خيرًا يا رسول الله، لقد رأيتك تتبسم، قال: مر أخي جبريل من أمامي ومعه ثلاثة آلاف من الملائكة مسومين فألقى علي السلام فتبسمت.
دعا الله ﷿ فأنزل الملائكة مباشرة لمؤازرته ونصره، وكان الكفار ينظرون إلى المسلمين وقلتهم بالنسبة لعدد الكفار، فالحساب المادي يذكر أن النسبة بينهم ثلاثة على واحد، فالكفار ألف وهؤلاء ثلاثمائة مع فارق شاسع، لكن الله جعل المشركين ينظرون إلى المسلمين فيرونهم كثيرين، أي: كثرهم الله في أعينهم.
وجعل المسلمين كذلك ينظرون إلى المشركين فيجدونهم قلة، ثم ينزل الله المطر في أرض معركة بدر ليثبت الرمال من تحت أقدام المسلمين وتتزحلق الأرض من تحت أقدام المشركين، وهذه أرض وهذه أرض وهو مطر واحد؛ إلا أن الأمر بيد الواحد، فالله ﷿ عندما يمكر بمن يستحق المكر فإنما يقول للشيء كن فيكون، سبحانه!
[ ١٩ / ٢٣ ]
الدرجة الرابعة للدخول على الله صدق اللجوء إليه
[ ١٩ / ٢٤ ]
اللجوء إلى الله في كل شأن
الدرجة الرابعة: صدق اللجوء إلى الله: فتكون لاجئًا إلى الله ﷿، موقنًا بأنه ليس لك إلا هو، وليس المعنى بأنك تلجأ إلى الله وقت الأزمة فحسب، بل تلجأ إلى الله في كل شأن من شئونك؛ لأن المسلم إذا صدق في لجوئه إلى الله أتاه نصر الله، ولذلك قيل: اشتدي أزمة تنفرجي قد آذن ليلك بالبلج فمادام أن الأزمة تشتد وتزيد شدة، فقد قرب انفراجها، وهكذا كل أزمة عندما تشتد وتضيق ندرك أنه ما تبقى لها إلا قليل، وأن حلها قد دنى، كما أن انتظار الفرج نوع من العبادات.
قال سيدنا علي: عندي أمل في أي شيء.
يعني: أعيش على الأمل، فإن حصل فيكون خيرًا، وإذا لم يحصل فيكون خيرًا، لكن الناس من خوف الخوف في خوف، ومن خوف الذل في ذل، ومن خوف الفقر في فقر، يظل الواحد يتكلم عن الفقر وعن الخوف، فليكن عندك أمل في نصر الله ﷿، لكن علينا أن ننصر الله أولًا، قال تعالى: ﴿إِنْ تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ﴾ [محمد:٧].
فلابد أن تدرك أنك بغير الله عاجز، عاجز في بيتك في عملك ولو كنت مديرًا ولو كنت رئيسًا ولو كنت وزيرًا، قال شاعرنا العربي: لقد كانت الأمثال تضرب بيننا بجور سدوم وهو من أظلم البشر هذا سدوم كان قاضيًا أو حاكمًا.
فلما بدت في الأرض آيات ظمهم إذا بسدوم في حكومته عمر وسدوم كان أظلم شخص، فلما ظهر بعد ذلك آيات أخرى فإن سدومًا كأنه عمر بن الخطاب.
[ ١٩ / ٢٥ ]
معنى صدق اللجوء إلى الله
ومعنى صدق اللجوء إلى الله: أن لا أشرك مع الله أحدًا، فلو عمل المسلم من الأعمال (٩٩.
٩٩%) لله و(٠.
٠١%) لغير الله، فلن يقبل منه، وفي الحديث القدسي: (أنا أغنى الأغنياء عن الشرك، فمن أشرك في عمل معي غيري تركته وشركه)؛ لأن الله ﷿ يريد أن يكون العمل (١٠٠%) له وحده.
ومما ينافي صدق اللجوء النذر للأموات كمن ينذر للسيد البدوي أو غيره، فالنذر عبادة لا تكون إلا لله، ومن العجيب أن نجد ممن يدعي العلم ينصح الناس بهذه الشركيات، وإذا استمر الأمر كذلك فستكون الكارثة.
لا ننكر أن هؤلاء الذين ينذر لهم كانوا صالحين، بل منهم من كان مجاهدًا في سبيل الله لكنه وللأسف ألصق به أشياء أغرب من الخيال، فلا ينبغي أن يطاف بقبر من القبور، ولا تطوف بشيء إلا بالكعبة، ولا تقبل شيئًا من جماد إلا الحجر الأسود، وليعلم المسلم أننا حين نعمل هذه الأعمال نظهر تعبدنا لله ﷿ بتنفيذ أوامره، ولذلك قال سيدنا عمر وهو يقبل الحجر الأسود: أعلم أنك حجر لا تنفع ولا تضر، ولولا أني رأيت رسول الله يقبلك ما قبلتك.
حكى لي إمام أحد المساجد التي فيها قبور أنه فتح صندوق القبر فوجد فيه ورقة لامرأة تشتكي عمها الذي أكل عليها الميراث، فهل هذا من الإسلام، وهل يعقل أن يكون المسلم بهذه العقيدة وهذا العقل؟! ورجل آخر وللأسف ممن يتعلم الناس على يديه، كان جالسًا في مجلس فدخل ولد صغير، فقال: إن هذا الولد ابن شيخنا الفلاني، ثم ناداه فقال له: كيف حالك يا بني؟ قل لأبيك يوصي علينا سيدنا الحسين بأن ينتبه لي قليلًا!! فقام رجل من العوام الجالسين وقال له: يا سيدنا الشيخ إذا كان الحسين سينتبه لك كان من الأولى أن ينتبه أولًا لنفسه في كربلاء.
الدرجة الخامسة: حب الناس، ولذا إن لم يكن في قلبك حب للناس فثق أن أعمالك لن تقبل، ولذلك يقول الله ﷿: ﴿وَلا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحشر:١٠]؛ لأن المؤمن مع المؤمن لا يغل أبدًا.
[ ١٩ / ٢٦ ]
السنن الراتبة بعد الفرائض وقبلها
تحدثنا في السنن عن رفع اليدين في الصلاة، وذكرنا أن الفقهاء عدو من السنن في الصلاة رفع اليدين في أربعة مواضع: الموضع الأول: تكبيرة الإحرام.
الثاني: عند الركوع.
الثالث: الرفع من الركوع، الرابع عند القيام من التشهد الأوسط للركعة الثالثة.
وهذه سنن لا تبطل الصلاة بعدم عملها، فلو لم يعملها المصلي فإن الصلاة صحيحة بإذن الله.
ومن السنن كذلك دعاء الاستفتاح، ويقال بعد تكبيرة الإحرام، حينما يسكت الإمام قبل أن يقرأ الفاتحة، فإنه يدعو دعاء الاستفتاح.
ومن السنن كذلك قول المأمومين خلف الإمام: (آمين) بعد فراغ الإمام من الفاتحة، والجهر بها، ومعنى قولنا: آمين أي: استجب يا رب.
والملائكة الذين يصلون معنا يؤمنون على ذلك أيضًا.
قال الفقهاء: إذا صلى المرء إمامًا لجماعة فسلم: السلام عليكم ورحمة الله، فإنه يسلم على المسلمين خلفه والملائكة والجن المؤمن، وقد يقول قائل: الجني إذًا يصلي معنا، فأنا حين أصلي، أصلي وبجانبي أحد الجن، فنقول: قد كفاكهم الله ﷿ حيث قال: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف:٢٧].
فإذا صلى مأمومًا سلم على جاره الذي عن يمينه وجاره الذي على يساره.
وإذا كان منفردًا سلم على الملك الذي عن يمينه والملك الذي عن شماله.
ويجدر التنبيه هنا على مسألة: وهي قول الحبيب ﷺ: (من صلى بالناس فدعا لنفسه دونهم فقد خان الأمانة)، أي: لا يصح أن أصلي بك إمام وأدعو لنفسي، بل بنبغي علي أن أدعو للكل، فإذا أردت أن أدعو لنفسي فأدعو عندما أكون منفردًا، أو أكون مأمومًا.
ومن المسائل المهمة التي ينبه عليها إخواننا الذين يحتجون ويقولون: لماذا لا تتركونا نصلي السنة بعد العشاء؟ نقول لهم: الأصل في السنن أن تصلى في البيوت، والفرائض في المسجد؛ لأن البيت الذي تصلى فيه السنن يراه أهل السماء مضاء كما نرى نحن أهل الأرض الكوكب الدري الغابر في الأفق، فبيوت المسلمين التي فيها قيام ليل منيرة كما نرى الكواكب في السماء.
والسنن المؤكدة في اليوم والليلة ثنتا عشرة ركعة، أولها: ركعتا الفجر، وفي الحديث أن عائشة ﵂ قالت: عجبت يا رسول الله لمن يصلي الفجر بعد شروق الشمس كيف يرزقه الله؟ قال ﷺ: (يا عائشة! يرزقه، ولكن لا يبارك له في رزقه)، أي أن البركة مسلوبة.
وفي الحديث الآخر: (صلوهما ولو طردتكم الخيل).
ثانيها: أربع قبل الظهر، قد يقول قائل: نقرأ في كتب الفقه أن الرسول ﷺ كان يصلي اثنتين قبل الظهر واثنتين بعده، وللتوفيق بين هذين المذهبين لابد أن يعلم أن الرسول ﷺ كان أحيانًا يصلي في البيت قبل الظهر ركعتين، بعد أن يؤذن بلال، ويصلي الركعتين الأخريين عندما يدخل المسجد، فيكون مجموع الركعات أربعًا.
فالذي رأى صلاة الحبيب ركعتين فإنه رأى الرسول في المسجد فقط، أما عبد الله بن مسعود الذي كان يؤذن له بالدخول على رسول الله ﷺ كان ينظر إلى الرسول وهو يصلي ركعتين في البيت، وركعتين في المسجد، فجاء الحديث عن ابن مسعود أنه كان يصلي قبل الظهر أربعًا، لكن الصحابي الذي لم يكن يدخل بيت الرسول ﷺ يحدث أن الرسول ﷺ كان يصلي قبل الظهر ركعتين، وهذا هو أصل الخلاف القائم والأصل عدم الخلاف، فهذا وصل له شيء.
وهذا وصل له شيء، وقد تقدم أن الإمام الشافعي عندما لم يصل له حديث: (لا صلاة إلا بأم الكتاب)، كاملًا، وبقيته: (إلا أن تكون مأمومًا)، أوجب قراءة الفاتحة على المصلي إمامًا أو مأمومًا أو منفردًا.
قال الفقهاء: إن الإمام يجبر المأموم، فإن أخطأ فخطؤه عليه ولا خطأ عليهم، ولذلك من أهم شروط الإمام أن يكون من يصلي وراءه راضين به؛ لأني حين أصلي وراء إمام ولست راضيًا عنه فإنني أغتابه وأنا أصلي.
كما ينبغي على الإمام ألا يفرض نفسه على الناس، لا كما يحدث في بعض المناطق يقحم نفسه أحدهم إمامًا وإن كان في المصلين من هو أحفظ منه وأقرأ منه، وفي الحديث: (يؤم الناس أقرؤهم لكتاب الله.
فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في العلم سواء فأقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فأكبرهم في السن).
فذكر شروط الإمامة بالتفصيل، ولم يقل كما قال بعض الفقهاء: أجملهم ثوبًا أو أجملهم زوجة وغيرها من الشروط التي لم يرد بها أثر.
إذًا: أنت تصلي أربعًا قبل الظهر وركعتين بعد الظهر.
ثالثها: ركعتان بعد المغرب، وكان الحبيب ﷺ أحيانًا يصلي بعد المغرب ستًا، يصليها مثنى مثنى، ويسميها بعض الفقهاء صلاة الأوابين.
رابعها: ركعتان بعد صلاة العشاء، فمجموعها اثنتا عشرة ركعة، وهي سنن مؤكدة، من حافظ عليهن وجبت له شفاعة المصطفى، فالذي ينبغي على المسلم أن يحافظ عليها، فإنها من الفرائض كالسور للبيت، ومثل من يصلي السنن كمثل رجل عنده بيت وحول البيت بستان، فجاء السارق يسرقه، فدخل على البستان، وما أن وصل إلى باب القصر أو باب البيت يكون الحارس قد انتبه له وأمسك به.
ومثل من لا يصلي النوافل كمثل رجل له بيت لا يحوطه بستان فإن السارق يدخل على البيت مباشرة.
فالفريضة كالبيت، والسنن كالحديقة والشيطان كالسارق يريد الدخول لإفساد الفريضة، ولذا فإنه يأتي إلى الذي يحافظ على السنن فيكسله عنها واحدة تلو الأخرى؛ لكنه لا يكاد يثنيه عن أغلبها حتى ينتبه لمكره ويستأنف نشاطه، أما من لا يصلي السنن فإنه يساومه على تأخير الفرض أو تعجيله ثم تركه بالكلية فهو على خطر.
والذي ينبغي أن ينتبه له أن على المصلي أن يثب على الصلاة إذا سمع النداء، ومن العجيب كيف يتوانى المسلم وهو يسمع: حي على الصلاة حي الفلاح، وكلمة حي: اسم فعل أمر بمعنى تعال هلم، نداء لكل مسلم لا لإبراهيم فقط أو محمد فقط أو محمود فقط أو سعيد فقط أو مبروك فقط، بل لكل مسلم شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ.
وقد كان الصحابي إذا سمع حي على الصلاة يترك كل ما في يده، وهو يقول: لا بورك في عمل سمع صاحبه نداء الله ثم لم يجب، نذهب نصلي ثم نرجع.
ولا يقول كبعض الناس اليوم: أكمل الذي في يدي أذهب، وقد يطول العمل فتفوته الصلاة في جماعة، بل قد يخرج وقت الصلاة ولم يكمل بعد.
ولذا ينبغي إذا حضرت الصلاة أن تقول لصاحبك في المكتب وفي المعمل وفي الشغل وفي البيت: قم إلى الصلاة، وكذلك الزوج لزوجته، والمرأة لزوجها، الكل ينبغي أن يحض على الصلاة.
وفي الحديث: (رحم الله رجلًا قام من الليل فصلى وأيقظ زوجته، فإن لم تستيقظ نضح في وجهها الماء، ورحم الله امرأة قامت من الليل فصلت وأيقظت زوجها، فإن لم يستيقظ نضحت في وجهه الماء).
ولكن هناك بعض الأخوات يفهمن الكلام على غير المراد، توقظ زوجها لصلاة الفجر وهو لا يصلي الظهر والعصر، فكيف سيصلي الفجر؟ فتأخذ الماء من الثلاجة فتصبه عليه، فيقوم الرجل وهو غاضب فيقول: من الذي قال هذا؟ فتقول: الشيخ عمر! وبعدها ترى شرًا ولا تسأل عن الخبر.
والمرأة أخذت الكلام بجد.
وأنا أقول: عندما ترى رؤيا سيئة -كابوس- تستعيذ بالله من الشيطان الرجيم وتتفل على يسارك ثلاثًا، فإحدى النساء رأت في المنام أن البيت يقع عليها فقامت فزعة من الرؤيا وذكرت محاضرتنا، فتفلت ثلاثًا فجاء على وجه زوجها! فتخيل أنت وأنت في الساعة الرابعة قبل الفجر والبصاق نازل على وجهك؟ فقام الرجل فقال: ما هذا يا امرأة؟ فقالت: والله الرجل قال كذا وكذا، وأنا رأيت كابوسًا فقال: أنا لا دخل لي في الكابوس، ما الذي حصل بعد الكابوس؟ فقالت: الشيخ عمر قال، فقال لها: الشيخ عمر؟ أنت طالق ثلاثًا إن ذهبت إلى محاضرة مرة أخرى، لكن الله هداه بعد ذلك، وأصبح ما شاء الله عليه صاحبي وحبيبي الآن يزرني وأزوره، وكلكم أحبابي نسأل الله أن يديم الحب في الله ﷾.
[ ١٩ / ٢٧ ]
الأسئلة
[ ١٩ / ٢٨ ]
كيفية توجيه الميت في القبر
السؤال
في بعض مناطق الريف عندما يموت الإنسان يضعون رأسه ناحية الغرب وقدمه ناحية القبلة وعند الدفن كذلك، فهل هذا صحيح؟
الجواب
الصحيح أن يوضع الميت ناحية القبلة، بحيث الذي يصلي عليه يكون متجهًا للقبلة.
[ ١٩ / ٢٩ ]
ختان الإناث
السؤال
هل ختان البنات سنة أو واجب أو فرض؟
الجواب
لا حديث صحيح ورد في ختان البنات.
[ ١٩ / ٣٠ ]
حكم النقاب
السؤال
سمعت من الشيخ محمد الغزالي بالأمس أن النقاب ليس له دليل أو أصل في الإسلام؛ ودليله على ذلك أنه لن يبقى شيء يغض المؤمنون أبصارهم منه إن كن النساء متسترات بالنقاب؟
الجواب
هناك رأي من الفقهاء يفرض النقاب، وهناك رأي لا يراه فرضًا، وما تراه أفضل فافعله وكله خير.
[ ١٩ / ٣١ ]
اعتياد سجود السهو
السؤال
أحاول جاهدة الخشوع في الصلاة، ولكن على الرغم من ذلك أشعر باضطراب في حصر عدد الركعات يختلط علي الأمر، فأصلي في نهاية كل صلاة أؤديها سجدة السهو؟
الجواب
مادام صار السهو لنا عادة فلا نسجد للسهو، بل نبني على الأكثر.
[ ١٩ / ٣٢ ]
ارتداء الخمار عند قراءة القرآن
السؤال
هل يجب أن أرتدي الخمار أثناء قراءة القرآن؟
الجواب
أتمنى ذلك.
[ ١٩ / ٣٣ ]
رفع المصلي بصره إلى السماء عند القيام من الركوع
السؤال
يرفع بعض المصلين رءوسهم إلى أعلى وأبصارهم إلى السماء عند القيام من الركوع، فهل هذا جائز؟
الجواب
هذا حرام، لا يصح أن ينظر المصلي إلى الأعلى وهو في الصلاة، أو أن يصلي ووجهه إلى الأعلى، وإنما يكون نظره محل سجوده.
[ ١٩ / ٣٤ ]
قراءة الفاتحة على الميت والدعاء له
السؤال
ما حكم قراءة الفاتحة على الميت، والصوم والصلاة والصدقة، وما هي الصيغة السليمة للدعاء له؟
الجواب
لم يرد عن رسول الله ﷺ أنه قرأ الفاتحة على الميت أو قرأ قرآن على الميت وأفضل الدعاء: اللهم اغفر له وارحمه.
[ ١٩ / ٣٥ ]
حكم شهادات الاستثمار ذات المرتب الشهري
السؤال
حكم شهادات الاستثمار ذات المرتب الشهري؟
الجواب
ربا.
السؤال: والأخرى ذات القيمة المتضاعفة؟ وما حكم فائدة البنوك؟ الجواب: ربا.
السؤال: والاستثمار الأفضل؟ الجواب: ضعها في بنك إسلامي والحجة عليه.
[ ١٩ / ٣٦ ]
صيام الإثنين والخميس سنة
السؤال
حكم الإسلام في صيام يوم الإثنين والخميس؟
الجواب
سنة.
[ ١٩ / ٣٧ ]
إعفاء اللحية
السؤال
شاب مسلم أريد أن أكمل إيماني بإعفاء اللحية، ووالدي ووالدتي يريدون مني حلق اللحية وأنا لا أرغب في ذلك؟
الجواب
مادام أنك ربيتها فلا تحلقها.
[ ١٩ / ٣٨ ]
حكم الصلاة الفائتة
السؤال
هل تظل الصلاة الفائتة دينًا على المسلم؟
الجواب
تظل دينًا على المسلم.
[ ١٩ / ٣٩ ]
حكم تبرع غير المسلم بالدم للمسلم
السؤال
هل يجوز تبرع غير المسلم بالدم للمسلم؟
الجواب
نعم.
يجوز.
[ ١٩ / ٤٠ ]
حكم إخراج الزكاة عن الكفن
السؤال
اشتريت كفنًا وأحفظه في المنزل فهل علي إخراج زكاة عليه؟
الجواب
وهل اشتريت كفنًا بثلاثة آلاف جنيه؟ لكن إذا كان الكفن قيمته ثلاث آلاف جنيه -وهذا حرام- فأخرج فيه الزكاة.
[ ١٩ / ٤١ ]
حكم أكل الرجال والنساء على مائدة واحدة
السؤال
هل يجوز أن تأكل النساء والرجال معًا على مائدة واحدة؟
الجواب
إذا كانوا محارم ويؤمن الفتنة فلا شيء في ذلك، وإذا لم يكن فيا ليت للرجال مكان وللنساء مكان.
[ ١٩ / ٤٢ ]
هل يلزم الإمام الجهر بالنافلة إن أم مفترضًا
السؤال
جاء أخ ليصلي خلفي صلاة المغرب وكنت أصلي السنة، فهل أجهر بالسنة؟
الجواب
يجوز ذلك.
[ ١٩ / ٤٣ ]
من تاب تاب الله عليه
السؤال
لي صديق ارتكب الفحشاء أكثر من مرة وتاب، فما رأيك فيه؟
الجواب
تاب الله عليه، نسأل الله أن يتوب علينا وعليك يا أخي.
[ ١٩ / ٤٤ ]
حكم الصور وتعليقها
السؤال
أعطيت خطيبتي كرت فيه صورة فوتوغرافية لي، فعلقته في الصالون، فحضرت ثاني يوم ولم أجده، فسألتها، فقالت: إن الصور تمنع دخول الملائكة البيت، فهل هذه الصورة المنهي عنها، أم الصورة المجسدة؟ السؤال: العلماء كذلك على رأيين ولا داعي للصور إلا لضرورة، لكن للعلماء رأي يقول: إن الصور ليست محرمة إنما الحرام التماثيل، ولكن من باب أولى تركها، ومادام أنه مازال خطيبها فمن غير الصحيح وضع صورتك من الآن أمامها فقد تضجر منك.
[ ١٩ / ٤٥ ]
حكم إعفاء اللحية
السؤال
حكم الدين في تربية اللحية؟
الجواب
واجب، وأنا مقصر فيها.
[ ١٩ / ٤٦ ]
حكم التكبير عند الشروع في قراءة سورة من القرآن
السؤال
هل يجوز التكبير عند بداية قراءة أي سورة من القرآن؟
الجواب
لا، وإنما التكبير في القرآن في سور معينة، هذا في علم القراءات.
[ ١٩ / ٤٧ ]
حكم لعب الشطرنج إذا لم يله عن الصلاة
السؤال
ما حكم لعب الشطرنج إذا كان لا يلهي عن الصلاة؟
الجواب
أجازه أبو حنيفة.
[ ١٩ / ٤٨ ]
مشروعية الوضوء لمن أحدث والصلاة لمن توضأ والدعاء لمن صلى
السؤال
قرأت حديثًا قدسيًا فيه: (من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل فقد جفاني، ومن لم يصل ولم يدعني فقد جفاني)؟
الجواب
هذه أحاديث للندب، وليست فرضًا.
[ ١٩ / ٤٩ ]
حكم الصلاة في مسجد فيه قبر
السؤال
حكم الصلاة في مسجد فيه قبر؟
الجواب
إذا كان وراءه، وكان مضطرًا للصلاة في هذا المسجد فليصل.
[ ١٩ / ٥٠ ]
صحة حديث (من صلى أربعًا قبل الظهر)
السؤال
قال ﷺ: (من صلى أربعًا أقبل الظهر وأربعًا بعدها حرم الله لحمه على النار)، ما مدى صحته؟
الجواب
الحديث صحيح؛ أخرجه الترمذي في صحيحه.
[ ١٩ / ٥١ ]
ما هي النخامة
السؤال
ما هي النخامة؟
الجواب
النخامة هي البصاق.
[ ١٩ / ٥٢ ]
ذكر آية فيها سجود في مجلس علم من غير تلاوة
السؤال
إذا ذكرت آية فيها سجدة في مناقشة أو مجلس علم وليس في تلاوة؟
الجواب
عليك سجدة بعدما تعود.
[ ١٩ / ٥٣ ]
الضرائب لا تغني عن الزكاة
السؤال
هل ضرائب الحكومة تغني عن الزكاة؟
الجواب
لا.
[ ١٩ / ٥٤ ]
حكم تحية المسجد أثناء الخطبة
السؤال
هل تحية المسجد واجبة في أثناء الخطبة؟
الجواب
لا.
[ ١٩ / ٥٥ ]
حكم صلاة السنن قبل الأذان
السؤال
هل من الممكن صلاة السنة قبل أن يؤذن للصلاة؟
الجواب
لا.
[ ١٩ / ٥٦ ]
إيتار التسبيح في الركوع والسجود
السؤال
هل يجب أن يكون التسبيح في السجود والركوع وترًا؟
الجواب
طبعًا، (إن الله وتر يحب الوتر).
[ ١٩ / ٥٧ ]
معنى المعصية والذنب والخطيئة والسيئة
السؤال
ما معنى: المعصية، الذنب، الخطيئة، السيئة؟
الجواب
كلها خطأ، نسأل الله التوبة.
[ ١٩ / ٥٨ ]