إن الحياء يحفظ الرأس وما وعى والبطن وما حوى، وذكر الموت والبلى عصمة لإيمان المرء، وإذا أراد الله بعبده هلاكًا نزع منه الحياء، فيصل به الحال إلى خلع ربقة الإسلام من عنقه.
وإن من مواد الحياء إقامة المرء لصلاته بأركانها وسننها وهيئاتها، ولا يتم ذلك إلا بالمعرفة العلمية لتلك الأحكام.
[ ٢٠ / ١ ]
موقف المسلم في زمن الفتنة
أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمدًا يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلامًا على المبعوث رحمة للعالمين، سيدنا محمد، اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلامًا دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه -بمشيئة الله ﷿- الحلقة العشرون في سلسلة حديثنا عن السيرة العطرة على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى التسليمات من رب الأرض والسماوات، وهي -بمشيئة الله- الحلقة السابعة في الحديث عن الركن الأساسي في الإسلام، وهو عمود الإسلام والركن الأول بعد شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وهو الركن الذي يسأل العبد أولًا عنه يوم القيامة، فإن وجد كاملًا قبل وسائر عمله، وإن وجد ناقصًا رد وسائر عمله، وهذا الركن هو الصلاة.
فاللهم اجعلنا من المحافظين عليها، ومن الخاشعين فيها، ومن الذين تقبلت -يا ربنا- صلاتهم وعبادتهم.
اللهم لا تدع لنا ذنبًا إلا غفرته، ولا مريضًا إلا شفيته، ولا عسيرًا إلا يسرته، ولا كربًا إلا أذهبته، ولا مجاهدًا في سبيلك إلا نصرته، ولا مظلومًا إلا نصرته، ولا ظالمًا إلا قصمته، ولا ضالًا إلا هديته، ولا ميتًا إلا رحمته، ولا مسافرًا إلا غانمًا سالمًا رددته.
اللهم احفظ لنا أبناءنا في مصر وفي غيرها يا أرحم الرحمين، واحفظ أبناء المسلمين في كل بقاع العالم يا أكرم الأكرمين، وانصر الأقليات الإسلامية في بقاع الأرض.
اللهم ارم الكافرين في الكافرين، وأخرجنا من بينهم سالمين.
اللهم لا تُسل قطرة دم مسلمة إلا في سبيلك، اللهم لا تُسل دماء المسلمين إلا في سبيلك، اللهم لا تُسل دماء المسلمين إلا في سبيلك.
اللهم انزع الغل والحقد والحسد من قلوب المسلمين على المسلمين، اللهم اجعلنا على المسلمين أذلة وعلى الكافرين أعزة، واغفر لنا وارحمنا وأنت خير الغافرين، واجعل خير أعمالنا خواتيمها، وخير أيامنا يوم أن نلقاك، ولا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وولِّ أمورنا خيارنا، ولا تولِّ أمورنا شرارنا، وأصلح -يا مولانا- أحوالنا.
اللهم اغفر لنا ذنوبنا، وإسرافنا في أمرنا، وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين.
اللهم تب على كل عاصٍ، واهد كل ضال، واشفِ كل مريض.
اللهم فرج كرب المكروبين، اللهم إنك تعلم أن في كل قلب واحد منا كربًا، ففرج -اللهم- كروبنا، وأذهب غمومنا، واقض اللهم ديوننا، واشرح لنا صدورنا، اللهم اشرح صدورنا، اللهم اشرح صدورنا، اللهم اشرح صدورنا، وآمنا في أوطاننا، اللهم آمنا في أوطاننا، ولا تسلط علينا بذنوبنا من لا يخافك ولا يرحمنا.
يا أرحم الرحمين! ارحمنا، اللهم ارحمنا برحمتك الواسعة، فإن لم نكن أهلًا لرحمتك فرحمتك أهل لأن تصل إلينا، واختم لنا منك بختام السعادة أجمعين.
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
قبل الدخول في تكملة سنن الصلاة ومكروهاتها ومبطلاتها، أذكر حديثًا للصادق الأمين ﷺ، وهو -إن شاء الله- حديث صحيح رواه الإمام أحمد ورواه ابن حبان ورواه الدارقطني ورواه ابن ماجه عن سيدنا ابن عباس ﵄ عن سيدنا رسول الله ﷺ.
فسنبدأ هذا الدرس بهذا الحديث العظيم، وكل كلام سيدنا الحبيب ﷺ يصلح أن يكون منهاج عمل، فالمسلم يأخذ كل حديث من أحاديث المعصوم ﷺ منهاج عمل في حياته، وما تعبنا منذ أن تعبنا إلا عندما نسينا كلام الصادق الأمين محمد ﷺ، وهو الذي قال: (تركتكم على المحجة البيضاء ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك).
ولقد سأله أحد الصحابة يومًا فقال: (يا رسول الله إن جاءني رجل يريد أن يأخذ مالي ويريد أن ينتهك عرضي، فيريد أن يأخذ أرضي، أأقاتله؟ قال: قاتله، قال: فإن قتلته؟ قال: فهو في النار، قال: فإن قتلني؟ قال: فأنت شهيد).
أما في زمن الفتن فهناك حديث آخر لا يعارض هذا الحديث، يعني: الفاحشة ترتكب علنًا، والناس يقتل بعضهم بعضًا، فلا يدري القاتل لم قَتل، ولا المقتول لم قُتل، فقد أمر ﷺ فيه بأن تكسر السيوف والقسي وأمر بلزوم البيوت حتى تأتي المرء منيته أو يأتيه سهم غرب، ولما قيل له: (فإن دخل علي بيتي؟! قال: كن كخير ابني آدم) إذ قال لأخيه: ﴿لَئِنْ بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ﴾ [المائدة:٢٨].
وهذا عندما تكثر الفتن وأنت لا تعرف الصواب أين هو، والغلط أين هو، تريد أن تزنها فلا توزن، فنسأل الله أن يفرج الكرب، وأن يزيل الغم، فليس لها من دون الله كاشفة.
[ ٢٠ / ٢ ]
الهلاك بذهاب الحياء
لقد قال ﷺ: (إذا أراد الله بعبد هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء فلا تراه إلا مقيتًا ممقتًا)، يعني: عندما ينزع الله الحياء من شخص يكون وقحًا يقول الكلمة ويرجع فيها مرة أخرى ولا يهمه ذلك، ويشتمك ولا يهمه ذلك، ويتطاول على الكبير والصغير.
فعندما ينزع الحياء من ابن آدم لا تجد هذا الإنسان إلا مقيتًا ممقتًا، يعني: غاضبًا، ومغضوبًا عليه، من الله ومن الناس.
وقال ﷺ: (إذا أحب الله عبدًا نادى جبريل: يا جبريل! إني أحب عبدي فلانًا فأحبه، فيحبه جبريل).
فهل سمعت من قبل عن حب إجباري؟! فالله ﷿ يلقي المحبة في نفس جبريل لك إذا كنت محبوبًا، فنسأل الله أن يجعلنا من الذين أحبهم الله؛ لأن ذرة من محبة الله تجعلك أغنى إنسان، ولكن ليس بالأموال؛ فأصحاب الخليج كانت لديهم أموال، فكانت سبب نقمة.
وفي الحديث: (إن من عبادي من لا يصلحه إلا الغنى، ولو أفقرته لفسد، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا الفقر، ولو أغنيته لفسد، وإن من عبادي من لا تصلحه إلا الصحة، ولو أسقمته لفسد، وإن من عبادي من لا يصلحه إلا السقم، ولو عافيته لفسد).
فالله ﷿ يعرف الذي ينفع هذا والذي ينفع هذا، ولذلك عندما يقول لك أخوك: لماذا أنت مضطهد لابنك محمود؟ فإنك تقول: أولادي كلهم عندي سواء، فيقول: الولد الكبير تعطيه العشرين والثلاثين جنيهًا، وهذا تعطيه الشيء القليل، فتقول: إن هذا الولد أراه يمشي مع بعض الأولاد، وأظنهم يشربون السجائر، وأنا لا أريد أن أكثر المال في جيبه من أجل ألا يتناول به ما يتناوله.
فأنت يا صاحب العقل المحدود -تعرف ما الذي يصلح ولدك وما الذي يفسده، فما بالك بالله؟! فهو الذي يعرف ما يصلحك.
إن معيار الناس لقياس الرجال هو المال، ولذا يروى أن رجلًا مر برسول الله ﷺ وأصحابه، فقال لهم: (ما تقولون في هذا؟ فقالوا: إن هذا حري إن خطب أن يجاب، وإن قال أن يسمع، وإن شفع أن يشفع.
ثم مر آخر فقير، فقال: ما تقولون في هذا؟ فقالوا: إن هذا حري إن خطب ألا يجاب، وإن قال ألا يسمع، وإن شفع ألا يشفع.
فقال ﷺ: لهذا خير من ملء الأرض من هذا).
ويقول الناس: إن الغني إذا تكلم كاذبًا قالوا صدقت وما نطقت محالا أما الفقير إذا تكلم صادقًا قالوا كذبت وأبطلوا ما قالا إن الدراهم في المواطن كلها تكسو الرجال مهابة وجلالا فهي اللسان لمن أراد فصاحة وهي السلاح لمن أراد قتالا وقال سيدنا علي: حتى الكلاب إن رأت غنيًا حركت أذنابها، وإن رأت فقيرًا كشرت أنيابها.
فاحمد الذي سواك فأحسن خلقك، وأغناك من فضله، وقنعك بما آتاك، وإذا قنعك بما آتاك فأنت أغنى الأغنياء؛ لأن الحسن البصري قال: إن بيني وبين الأغنياء يومًا لا يوجد غيره، فالأمس مضى، والغد لا أخافه ويخافونه، فليس بيني وبينهم إلا اليوم، وأنا مشغول فيه بذكر الله.
ونعيم أهل الغنى والعز والجاه في الأمس مضى، وفقر وبؤس الفقراء مضى.
قال: والغد لست خائفًا منه، وأما الغني فخائف، يحسب للدولار حسابه، والوزير الجالس على الكرسي يخاف أن يسحب الكرسي من تحته، بل إن الذي يراقبك تجده يسهر إلى الفجر ليعلم أين ذهبت ومن أين أتيت، وأنت في نوم عميق.
[ ٢٠ / ٣ ]
بيان المراد بالحياء
فالله ﷿ إذا أراد بعبد هلاكًا -والعياذ بالله- نزع منه الحياء.
والحياء: أن تحفظ الرأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، وأن تعد نفسك مع الموتى، وأن تؤثر ما يبقى على ما يفنى.
وإذا كان المسلم عنده إيمان فإن عنده حياء.
وفي الحديث يقول ﷺ: (ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام)، وأنا سأضرب لك مثلًا: أدخلت المرأة المستشفى وأولادها الخمسة جالسون بجانبها يخافون أن تموت أو يحدث لها شيء، وذلك من باب البر بالأم، ففي هذه اللحظة تستغل حنان الأم فيها، وعندها بنت واحدة، فتقول لأولادها: اسمع يا محمود، اسمع يا أشرف، اسمع يا أحمد، اسمع يا عبد الغني، أنتم تعرفون أن فاطمة أختكم هي الورطة التي وسطكم، فيقولون: مري يا أماه! فتقول: إذا كنتم موافقين أن يكون ذهبي لأختكم، وكل الذي في الدولاب لأختكم أتوافقون على ذلك؟ فبالله عليك ماذا سيقول الأولاد في هذه اللحظة! لاشك أنهم سيوافقون حياء وإحراجًا، فهذه الفلوس والذهب والأشياء التي أخذتها فاطمة حرام، لأن ما أخذ بسيف الحياء فهو حرام؛ ولأنها استغلت سيف الحياء لتأخذ موافقة مشكوكًا في أمرها من أولادها وهم غير راضين.
(ورأى النبي ﷺ رجلًا يعظ أخاه في الحياء، فقال له: دعه؛ فإن الحياء لا يأتي إلا بخير)، والحياء شعبة من الإيمان، فمن كان عنده إيمان سيكون عنده حياء.
وقد كان في الزمن الماضي شيء اسمه: (حياء العذارى)، فعندما يذكر الزواج أمام بنت تحمر وتخضر وتصفر وتختبئ من أبيها، وأما الآن فإن البنت تجلس وتضع رجلًا على رجل وتفكر في فتى أحلامها، وتذكر الشروط، كأن يكون ممشوق القوام، وشعره أسود، ونحو ذلك.
ولكن في زمن حياء العذارى كان إذا تقدم الرجل لبنت يقول الأب لامرأته: جاء خاطب، فتدخل المرأة لتكلم البنت، هكذا كانت الأمور، وكل بيوتنا كانت هكذا، وكان الناس إذا دخل الواحد منهم بيت غيره يغض البصر، ويظل واقفًا، وهذه هي الآداب الإسلامية، أي أن أظل واقفًا في البيت الذي دخلت ضيفًا فيه حتى يشير صاحب البيت إلى الكرسي الذي أجلس فيه، فليس أنا الذي أختار الكرسي؛ لأن الضيف أسير إلى درجة أنني عندما أبيت في بيت صاحبي وأحب أن أصبح صائمًا أستأذنه؛ لأنني أسير.
[ ٢٠ / ٤ ]
حصول المقت بذهاب الحياء
إذًا: إذا أراد الله بعبد هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع الحياء فلا تجده إلا مقيتًا ممقتًا، فالله ﷿ عندما يحب عبدًا ينادي جبريل: يا جبريل! إني أحب عبدي فلانًا فأحبه، فيقع حب العبد عند جبريل، فينادي جبريل في الملائكة: يا ملائكة السماء، يا ملائكة الأرض! إن ربكم يحب عبده فلانًا وأنا أحبه فأحبوه، وذلك لأنه رئيس الملائكة، فهو الرئيس الذي يصدر أوامره للملائكة كلها.
فسيدنا جبريل يقول: (أحبوه)، فيحبونه، وبعد ذلك يوضع له القبول في الأرض.
ولذلك عندما من الله على سيدنا موسى قال له: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه:٣٩]، أي أنه لا أحد يرى موسى إلا أحبه، إلى درجة أن فرعون كان يحبه وهو عدو له.
وحين أتوا به من الصندوق قذف الله حبه في قلب زوجته، فقالت: ﴿قُرَّةُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ [القصص:٩]، فقال لها فرعون: لك أنت وحدك، قال سيدنا الحبيب: (لو قال لها: قرة عين لي ولك لهداه الله)، ولكن قال لها: لك أنت وحدك.
مثل الرجل الصالح الذي أراد سفرًا وامرأته حامل، فقال: اللهم إني أستودعتك ما في بطنها.
وسافر، فرجع، فقالوا له: البقاء لله، فإن امرأتك قد ماتت.
فقال: سأزور القبر، فذهب فسمع صوتًا بداخل القبر، فقال لهم: متى ماتت؟ فقالوا له: ماتت قبل يومين، ففتح القبر، فلقي الرضيع بجانب أمه الميتة، فأخذ الرضيع فصاح، فأغلق القبر فسمع صوتًا يقول: يا فلان! استودعت ربك ما في بطنها فوجدته؛ لأن وديعة الله لا تضيع.
فسيدنا موسى كان صغيرًا لا يقدر على شيء، فقالوا: كيف نعمل به؟! فقال: اتركوه لا تقتلوه، وأحضروا من يرضعه.
وكان الأمر قد صدر من السماء وهم لا يعلمون: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾ [القصص:١٢]، فأتت أخته فقالت: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ﴾ [القصص:١٢]، فقيل لها: ائتي بها الآن.
فأحضرت أم سيدنا موسى، فقيل لها: خذيه وأرضعيه، وكانوا من قبل يحضرون له مرضعات فيرفض، وحين أتت أمه التقم ثديها، فقال فرعون: أنا أشك في أن هذه أمه، فهل أنت أمه؟ فقالت له: نحن قوم لا يرفضنا الأطفال، فهاتوا أي ولد وضعوه على صدري.
فكلما أتوا بولد رضيع ووضعوه على صدر أم سيدنا موسى يمسك بصدرها ويرضع، فقالوا: هذا صحيح.
وبعد قليل كبر سيدنا موسى ثم ضرب فرعون على وجهه، فشك فرعون، فقال: سأعمل له امتحانًا.
فأحضر تمرة وجمرة لينظر أين سيضع يده، أعلى التمرة أم على الجمرة؟ فأراد موسى أخذ التمرة، فنزل جبريل فأخذ يد سيدنا موسى ووضعها على الجمرة، ومع ذلك لم يكن فرعون مطمئنًا؛ لأنه رأى رؤيا تفسيرها أن ولدًا من بني إسرائيل سيكون على يديه زوال ملك فرعون.
وبعد ذلك قالت أم موسى: إن كنتم تريدون إرضاعه فأحضروه عندي، فصرفوا لها مرتبًا عاليًا من القصر الملكي.
وهنا مسألة، وهي عندما ترضع زوجتك ابنك هل ستعطيها أجرة؟ إن الواجب عليك أن تعطيها أجرة فالإسلام يقول: من حقوق المرأة على زوجها أن تأخذ أجرة الرضاعة.
ففي الفقه أنني أعطي زوجتي أجر الرضاعة، وإذا لم تأخذ فإنه إذا مص الطفل من صدر أمه مصة كتب لها حسنة وحط عنها سيئة ورفع لها عند الله درجة.
فالحاصل أن الله إذا أحب عبدًا وضع له القبول في الأرض، وكذلك إذا أبغض عبدًا فإنه يبغضه جبريل، وتبغضه الملائكة، ثم توضع له البغضاء في الأرض، فكل واحد يقول: إن فلانًا هذا دمه ثقيل على قلبي، لا أحبه أبدًا.
فاللهم اجعلنا من الذين تحبهم، واجعلنا من المتاحبين فيك يا أرحم الرحمين.
[ ٢٠ / ٥ ]
أثر ذهاب الحياء على نزع الأمانة
يقول ﷺ: (إذا أراد الله بعبد هلاكًا نزع منه الحياء، فإذا نزع منه الحياء فلا تراه إلا مقيتًا ممقتًا، فإذا لقيته مقيتًا ممقتًا نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لا تراه إلا خائنًا مخونًا).
والأمانة كلمة واسعة، فالوضوء أمانة، والصلاة أمانة، والعبادة كلها أمانة، والكلمة أمانة، والدين والإسلام عندك أمانة، فالواجب أن تحافظ عليه مثل ابن من أبنائك.
وعمرك أمانة، وزوجتك أمانة، وأولادك أمانة، وجارك أمانة، والبيت -إذا كنت مستأجرًا- أمانة، والعمل أمانة، والآلة التي تعمل عليها أمانة، وكل الجوارح أمانة، والله ﷿ سوف يسألني: ماذا صنعت في هذه الأمانات؟ فإذا أراد الله بعبده هلاكًا نزع منه الحياء، ثم تنزع منه الأمانة، فلا تلقاه إلا خائنًا مخونًا، والخائن قال فيه ﷺ: (خمسة من أهل النار وذكر منهم الخائن الذي لا يخفى له طمع وإن دق إلا خانه)، يعني: إن كان الشيء صغيرًا فإنه يخونك فيه أيضًا.
[ ٢٠ / ٦ ]
أثر ذهاب الحياء على نزع الرحمة
قال ﷺ: (فإن لم تلقه إلا خائنًا مخونًا نزعت منه الرحمة).
فتخيل واحدًا ليس عنده رحمة، فلا يقبل رأي آخر، ولا يقبل من أحد أن يعارضه.
قال ﷺ: (فإذا نزعت منه الرحمة فلا تلقاه إلا رجيمًا ملعنًا) فهو شخص ليس عنده رحمة بالناس ولا بالفقير ولا بالأرملة ولا باليتيم ولا بالمسلم ولا بامرأته ولا بأولاده.
والمسلم كله رحمة، قال تعالى في نبيه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران:١٥٩].
وانظر إلى رحمة سيدنا الحبيب ﷺ، فقد قال لـ عمر في عبد الله بن أبي: (يا عمر لو أعلم أن الله سيغفر له إذا زدت على سبعين لاستغفرت له).
وفي المحشر يذهب الناس يوم القيامة إلى آدم، فيقولون: (يا آدم! أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، ونفخ فيك منه روحه، وأسجد لك الملائكة، يا آدم! اشفع لنا عند ربنا.
فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضبًا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى نوح، فيأتونه فيقول: لقد غضب ربي اليوم غضبًا لم يغضب مثله قبله، ولن يغضب بعده مثله، اذهبوا إلى إبراهيم.
فيأتون إبراهيم ثم موسى ثم عيسى وكلهم يقول ذلك ويذكر ذنبًا خلا عيسى ﵇، فيقول لهم عيسى: اذهبوا إلى أخي محمد ﵊، فيأتونه فيقول: أنا لها.
ثم ينطلق فيسجد تحت العرش، ويحمد الله بمحامد يلهمها، فيقول الله ﷿: يا محمد! ارفع رأسك، وسل تعط، واشفع تشفع، فيقول: يا رب! أمتي.
فيفصل الله بين الخلائق).
[ ٢٠ / ٧ ]
أثر ذهاب الحياء على الطرد من رحمة الله وخلع ربقة الإسلام
فإذا أراد الله بعبد هلاكًا نزع منه الحياء، فيكون مقيتًا ممقتًا، ثم تنزع منه الأمانة، فيكون خائنًا مخونًا، فعندما تلقاه خائنًا مخونًا تنزع منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لا تجده إلا رجيمًا ملعنًا، فيطرد -والعياذ بالله- من رحمة الله، فإذا لم تلقه إلا رجيمًا ملعنًا نزع الله منه ربقة الإسلام -والعياذ بالله رب العالمين- فيموت على شر حال، فاللهم اجعل خير أعمالنا خواتيمها يا رب العالمين.
[ ٢٠ / ٨ ]
ذكر بعض أحكام الصلاة
قلنا: إن السنة عن النبي ﷺ قد تكون فعلًا أو قولًا أو سكوتًا على شيء حدث أمامه ﷺ، ولا يسكت الرسول ﷺ على باطل أبدًا.
وإن من سنن الصلاة رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، وعند الهوي إلى الركوع، وعند الرفع منه، وعند الهوي إلى السجود كما أجازه البعض، فهذه مواضع أربعة لرفع اليدين.
أما الاطمئنان في الركوع والتمكن في الجلوس ففرض، فعندما آتي وأركع لابد من أن أطمئن في ركوعي إلى درجة أنه لو وضع كأس فوق ظهري لما انكفأ.
وكان رسول الله ﷺكما ورد- إذا ركع شد رجليه وشد ذراعيه، والتقم بأصابعه ركبتيه، ثم بعد ذلك يسوي ظهره، ورأسه حتى قال الصحابة: لو وضع إناء من ماء على ظهر الحبيب لاستقر.
وليحرص المرء على بصره في الصلاة، فإن من أبصر إلى السماء وهو يصلي أوشك أن يخطف الله بصره والعياذ بالله.
كما يحرص على متابعة الإمام، فمن كان يسبق الإمام في الرفع من الركوع أو في الهوي إلى السجود فإنه يخشى عليه أن يمسخ الله وجهه وجه حمار.
فلابد على المسلم من أن يدرك هذا؛ لأن الصلاة لها قانون، فلها أركان وسنن ومكروهات ومستحبات ومبطلات، وكيف يكون للكرة قانون وليس للصلاة قانون؟! فقانونها كما تعلمنا من سيدنا الحبيب ﷺ في قوله: (صلوا كما رأيتموني أصلي).
وهناك مسألة، وهي تغميض العينين، فمن باب المصالح المرسلة إن رأيت أن إغماضك لعينيك جالب للخشوع فذلك طيب، وحين أركع يكون نظري إلى أطراف أصابع قدمي.
[ ٢٠ / ٩ ]
بيان موضع وضع اليدين على الصدر حال القيام
وقد ثبت عن النبي ﷺ: (أنه نهى عن الإقماح)، قال ربنا: ﴿فَهُمْ مُقْمَحُونَ﴾ [يس:٨]، فما معنى الإقماح؟ الإقماح: هو أن يوضع الإنسان -والعياذ بالله- في الأغلال، وذلك برفع اليدين وضمهما مع العنق.
فالمرء حال قيامه يضع يده ناحية قلبه، فيضع الشمال وفوقها اليمين، وهذه هيئة صلاة رسول الله ﷺ، ولا ينزل في وضعهما عن السرة، وأما الإقماح فممنوع.
وفي حال الركوع أجعل رجلي مشدودة جدًا ليست منثنية؛ لأن الصحابة قالوا: رأينا النبي ﷺ شادًا ساقية شادًا ذراعيه.
فهذه هيئة الصلاة التي تجعل المسلم خاشعًا في ركوعه، وأنت مكلف بأن توضح لوالدك ولأختك ولبنتك ولزوجتك ذلك.
فوضع اليدين على الصدر سنة، وقد تجد بعض الناس قد أرسل يديه، فتقول له: لماذا يا أخي؟ فيقول لك: أنا مالكي.
ولا يدري أن الإمام مالكًا عذب حتى خلعت ذراعه، فلم يكن يستطيع أن يرفع يده، فكان يصلي مرسلًا يديه، فرأى بعض الناس مالكًا ولم يقرءوا الموطأ الذي جمع فيه الأحاديث، أو المدونة الكبرى التي دون فيها فقه الإمام مالك، فظنوا أن هذه هيئة صلاة، مع أن جمهور الفقهاء على أن النبي ﷺ كان يضع يديه على صدر، لو أنني أرسلت يدي فالصلاة صحيحة إن شاء الله تعالى.
ونحن نريد أن نصلي كما كان الحبيب يصلي.
[ ٢٠ / ١٠ ]
الأسئلة
[ ٢٠ / ١١ ]
حكم صلاة من تيممت في مسجد ليس فيه محل وضوء للنساء
السؤال
ذهبت إلى حلقة علم في مسجد، فلم أجد مكانًا لوضوء النساء، فتيممت لأصلي المغرب، وعند صلاة العشاء لم أتيمم، ثم أعدت صلاتي في بيتي، فهل علي وزر؟
الجواب
لا وزر إن شاء الله.
[ ٢٠ / ١٢ ]
حكم بيع المسجد الصغير لبناء مسجد كبير
السؤال
في بلدتنا مسجد صغير بني قديمًا، وأهل البلدة كثر عددهم، فأرادوا أن يبنوا مسجدًا كبيرًا حتى يسع الناس، فقرروا أن يبيعوا المسجد القديم لأحد الناس لكي يتخذه مسكنًا ثم يشتروا بثمنه قطعة أرض، فما الحكم؟
الجواب
المساجد لا تباع، فليبنوا المسجد الثاني، ونسأل الله أن يرزقهم.
[ ٢٠ / ١٣ ]
حكم نقل أعضاء الميت إلى الحي
السؤال
هل نقل أعضاء الميت إلى شخص آخر على قيد الحياة في أشد الحاجة إلى هذه الأعضاء حلال أو حرام؟
الجواب
حرام.
[ ٢٠ / ١٤ ]
حكم دخول الحمام بما فيه ذكر الله
السؤال
قد يكون معي في المحفظة ورقة فيها أسماء الله الحسنى، فهل يجوز لي أن أدخل بها دورة المياه؟
الجواب
الأفضل أن تتركها خارج دورة المياه إن كنت في بيتك، فإن كنت في غير البيت وتخاف عليها فأدخلها في الجيب.
[ ٢٠ / ١٥ ]
ما يقال في سجدتي السهو
السؤال
ماذا يقال أثناء سجدتي السهو؟
الجواب
يمكن أن يقول الإنسان: سبحان من لا ينام، أو: سبحان من لا تأخذه سنة ولا نوم، أو: سبحان ربي الأعلى.
[ ٢٠ / ١٦ ]
حكم القراءة من المصحف في الصلاة
السؤال
إذا قرأ المصلي من مصحف يمسكه بيده أثناء الصلاة فهل تبطل صلاته؟
الجواب
أجاز البعض هذا في صلاة النفل.
[ ٢٠ / ١٧ ]
حكم استعمال أحمر الشفاة المصنوع من شحم الخنزير
السؤال
سمعت في حديث لكم أن أحمر الشفاه يوضع فيه شحم الخنزير، فهل معنى ذلك أنه محرم على أن أضعه لزوجي في المنزل، وهل هذا يقتصر على بعض الأنواع المستوردة؟
الجواب
أنا لا أعرف حقيقة هذا الأمر، ولكن قال لي بعض إخواننا من أصحاب الصيدلة: إن فعلًا أدوات المكياج كلها التي تستخدمها النساء يوضع فيها أنواع من شحوم الخنزير، فإذا كان كذلك فإن المرأة إذا وضعت لا يجوز لها أن تصلي.
[ ٢٠ / ١٨ ]
حكم الائتمام بالمدخن
السؤال
ما حكم الصلاة التي يؤم المصلين فيها إمام يدخن؟
الجواب
التدخين حرام، والإمام الذي لا ترتاح له لا داعي إلى أن تصلي وراءه، من أجل ألا تغتابه؛ لأن غيبة المسلم حرام، وغيبة العالم أشد حرمة.
[ ٢٠ / ١٩ ]
حكم الأكل في المطاعم والطرقات
السؤال
ما حكم الأكل في المطاعم؟
الجواب
المطاعم العامة ليس فيها شيء؛ لأن الكل يأكل فيها، ولكن لأن من أكل في الشارع فإن مروءته تسقط، وقد يسقط حياؤه، قال أبو حنيفة: الآكل في الطريق لا يشهد أمام القاضي المسلم، فتسقط شهادته، وكذلك الذي يبول في الطريق.
[ ٢٠ / ٢٠ ]
حكم قضاء السنن الفائتة
السؤال
هل نقضي سنن الصلاة؟
الجواب
لا.
[ ٢٠ / ٢١ ]
حكم الاستعانة بالكافرين على المسلمين
السؤال
ما حكم الاستعانة بالكافرين على المسلمين؟
الجواب
لا تجوز الاستعانة بمشرك على مسلم، واسأل أي عالم، فسيقول لك نفس هذا الكلام.
[ ٢٠ / ٢٢ ]
حكم الدم الخارج من الإنسان
السؤال
ما حكم الدم الذي يخرج من الإنسان؟
الجواب
هو نجس إذا كان بحجم الدرهم، أما يسير الدم فمعفو عنه.
[ ٢٠ / ٢٣ ]
حكم قص الأظافر بعد الوضوء
السؤال
ما حكم قص الأظافر بعد الوضوء؟
الجواب
الإمام مالك يقول: إنه ينقض الوضوء؛ لاحتمال أن تأخذ قطعة من الجلد، فمن الأحوط قص أظافرك قبل الوضوء.
[ ٢٠ / ٢٤ ]
حكم الحج عن الميت
السؤال
هل أحج عن الميت؟
الجواب
حج عن الميت.
[ ٢٠ / ٢٥ ]
حكم الصلاة خلف من يسب الدين
السؤال
أبي كثيرًا ما يسب الدين، ثم أدخل المسجد فأجده يصلي بالناس إمامًا، فهل أصلي وراءه؟
الجواب
الذي يسب الدين ولا يتوب يخرج من الملة كما تخرج الشعرة من العجين، وإن لم يتب فإنه كافر لا يغسل ولا يكفن ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين، فكيف يصلي إمامًا بالناس!
[ ٢٠ / ٢٦ ]
حكم صلاة من لا يتقن إخراج بعض الحروف
السؤال
عندي عيب خلقي في اللسان، وعند الصلاة لا أستطيع إخراج بعض الحروف الصحيحة، فما حكم صلاتي؟
الجواب
صلاتك صحيحة.
[ ٢٠ / ٢٧ ]
القول في طلعة رجب
السؤال
هل هناك ما يسمى بطلعة رجب؟
الجواب
ليس هناك في الشرع طلعة رجب ولا طلعة نوفمبر، فالنساء يردن أن يخرجن من البيوت وتذهب إلى المقابر، وإذا رأيتم شخصًا يأكل ويشرب أو يضحك أو يتكلم عند المقابر فاعلم أنه مطموس البصيرة والعياذ بالله.
[ ٢٠ / ٢٨ ]
حكم صلاة من به سلس بول
السؤال
ما حكم صلاة الذي عنده سلسل بول أو قطرات بول؟
الجواب
يتوضأ لكل صلاة، وصلاته صحيحة.
[ ٢٠ / ٢٩ ]
حكم الصلاة في محل العمل
السؤال
نحن نصلي في مكان العمل، فهل يجوز ذلك؟
الجواب
جيد أنهم يتركونكم تصلون في العمل، فاحمد الله ﷿ يا أخي.
[ ٢٠ / ٣٠ ]
حكم تهذيب اللحية
السؤال
هل من السنة تسوية اللحية؟
الجواب
يجوز لك أن تهذبها.
[ ٢٠ / ٣١ ]
حكم تغطية الرأس
السؤال
هل من السنة تغطية الرأس؟
الجواب
هذه عادة وليست عبادة.
[ ٢٠ / ٣٢ ]
حكم صلاة النافلة حال إقامة الصلاة
السؤال
قد أصلي في المسجد نافلة، فتقام الصلاة وأنا أصلي، فهل أقطع صلاتي؟
الجواب
لا، بل أكمل الصلاة.
[ ٢٠ / ٣٣ ]
حكم تحنيط الحيوانات
السؤال
هل تحنيط الطيور والحيوانات حرام؟
الجواب
إذا كان لغرض علمي فليس فيه حرمة، وإذا كان لشيء آخر فلا.
[ ٢٠ / ٣٤ ]
مدى صحة ما يذكر من مغفرة الله لذاكريه إذا انقطعت عنهم الإضاءة
السؤال
يشاع كثيرًا على ألسنة الناس أنه إذا انقطعت الإضاءة عن قوم يذكرون الله أو يتدارسون القرآن أو يتكلمون في أمور دينهم، فقد غفر الله لهم، فهل هذه المقولة صحيحة؟
الجواب
أظن أن الذي قال هذه المقولة من أصحاب الكهرباء، فلا يوجد لها سند يثبتها.
[ ٢٠ / ٣٥ ]
حكم الصلاة على رسول الله والاستغفار قبل البدء بأذكار الصلاة
السؤال
عرفنا أذكار الصلاة التي تقال دبر كل صلاة، ولكن قبل أذكار الصلاة أقول بعض الأذكار مثل الصلاة على النبي والاستغفار فهل هذا صحيح؟
الجواب
الذكر في أي وقت صحيح إن شاء الله.
[ ٢٠ / ٣٦ ]