كان ميلاد الرسول ﷺ إيذانًا بنور الله الذي يضيء الدنيا، ورحمة الله التي تعم الوجود، وفي تذكر مولده ﷺ يعيش المرء لحظات من الأنس والفرحة التي تجلو الهموم عن القلب.
[ ٣ / ١ ]
فوائد دراسة السيرة النبوية
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين.
وبعد: تحدثنا في الحلقة السابقة وقلنا: لم اختار الله سبحانه بفضله العرب ليبعث فيهم أشرف الخلق ﷺ؟ وذكرنا أنهم لم يتصفوا بصفات شاعت بين الفرس وبين الروم، وإنما هم أناس أميون بسطاء فيهم أخلاق طيبة؛ لأنه لو كان العرب متعلمين مثل الفرس أو مثل الروم، لادعى مدع وقال: هذا تطور علمي، لكن جاء هذا الرسول بهذا الدين في أمة أمية: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [الجمعة:٢] ومعجزته أيضًا أنه كان أميًا ﷺ، لكنه الأمي الذي علمه الله، فما بالك بإنسان علمه رب العباد سبحانه! فالسيرة النبوية العطرة لها فوائد جمة كثيرة.
أول فائدة: أننا نعيش في رحاب رسول الله، نعيش معه في بيته، وفي حربه، وفي غزواته، وفي سماحته، وفي حلمه، وفي خلقه، وفي غضبه، وهو فقير، وهو غني، نعيش معه وهو أب، وهو زوج، وهو عارف، وهو متعلم، يجلس أمام جبريل ليتعلم منه ليعلمنا كيف التواضع ﷺ.
والله ﷿ قد وصفه بأجل وصف وأعظم وصف: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم:٤] وكفى بها كلمة، ليس بعد كلام الله كلام، عندما يقول الله ﷿ عن شخص: «وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ» فليس لأحد أن يصف رسول الله ﷺ.
إذًا: الفائدة الأولى: أن نقترب ممن نسير خلفه.
الفائدة الثانية: المشاكل التي تواجهنا في الحياة: والحياة صارت لنا كلها مشاكل لسبب واحد ألا وهو: بعدنا عن الله ﷿، وبافترائنا على أنفسنا أو على غيرنا، وأننا على صواب والباقي على خطأ، وهذه كارثة، كل واحد منا واضع في ذهنه أنه على الصواب، بدليل أن إخواننا الذين يجلسون على المقاهي وفي النوادي يعتبرون أصحاب المساجد ومرتاديها خائبين، مع أن البعيد عن رحمة الله هو الخائب الحقيقي، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس:٩ - ١٠]، وقال سبحانه: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون:١] اللهم اجعلنا منهم يا رب.
إذًا: المؤمن الذي عرف طريق الله هو المفلح، فعندما يفتري عليك مفتر فاعلم أن هذه سنة الله في الخلق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ﴾ [المطففين:٢٩] يعني: المجرم يضحك من المؤمن: «إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ».
فإذًا: لا تحزن؛ فهذه سنة الله في الأرض، بل لا يوجد أحد عانى من الكفار والفجار والمنافقين واليهود أكثر من رسول الله ﷺ، فلنا فيه العبرة ولنا فيه الأسوة.
الفائدة الثالثة: كيف تصبر على زوجتك في البيت؛ لأن امرأتك مادامت على الطريق فاسأل الله السلامة، وإذا لم تكن امرأتك على الطريق فاعلم أنك تزوجت حريقًا مشتعلًا ليل نهار، واسأل الله أن يهديها.
قال فيها عمر بن الخطاب: إن أحسنت لم تشكرك، وإن أسأت لم تغفر لك إساءتك.
وكان سيدنا عمر يستعيذ من زوجة ومن جار، إن رأى الواحد منهم حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أذاعها.
والحسن البصري عندما لقيه جاره وقال له: إن فلانًا يقول عنك كذا وكذا، يعني: خبرًا ليس بجيد؛ فقال له الحسن: ألم يجد الشيطان أحدًا غيرك لينقل لي ما يقول فلان؟ وإذا عرفت زوجتك دروس العلم وعرفت حقوق الزوج فتلك نعمة يجب أن تحمد الله عليها، فمن عنده زوجة صالحة إن نظر إليها سرته، تتعامل معه برفق ولين، وجاء في الحديث: (إذا أراد الله ببيت أو بأهل بيت خيرًا رزقهم الرفق واللين).
فمعرفة السيرة مهمة، فبدراستها تعرف كيف تتعامل مع أهلك، قال ﷺ: (إن المرأة خلقت من ضلع أعوج)، ولا يعني ذلك أن المرأة عوجاء، بل تكوينها هكذا؛ لأن الضلع لو عدلته ينكسر؛ لأن الله خلقه هكذا، فكيف تعاملها؟ قال: عاملها على عوجها، فالمرأة تكون عصبية في بعض الأيام، وخاصة في أيام الدورة تكون حالتها سيئة للغاية، فتركيبتها تتغير، ولا تتحمل، فالمسلم يجب أن يراعي حال زوجته، ويصبر عليها، وإذا دخل بيته سلم على زوجته وصافحها برفق وحنان من قلبه.
فإذا أحب الله بيتًا أدخل عليهم الرفق واللين، إذا مررت بجانبه لا تسمع فيه صوتًا، فتقول: هذا بيت فلان ألا يوجد به أولاد؟ يقال لك: بلى إن عنده خمسة أولاد، ولكن لا يوجد صوت؛ لأن الأب متصل بالله والأم متصلة بالله، والله رزقهم السكن والمودة والرحمة والرفق واللين فلا تسمع لهم صوتًا، وجاره لا يوجد معه إلا ولد، فتسمع المرأة تصيح والرجل يصيح، والولد يكسر ويفسد، والجيران وجيران الجيران يسمعون هذا، فهل هذا البيت فيه المودة والرحمة؟! أيضًا: من فوائد دراسة السيرة: أنها تعلمنا كيف كان يتعامل ﷺ مع أزواجه، وكيف كان الصحابة مع زوجاتهم، كيف كان أبو ذر مع زوجته، وكيف كان عبد الله بن رواحة مع امرأته، وكيف كان عبد الله بن مسعود مع امرأته زينب، كيف كان يعامل هؤلاء أزواجهم؟ هؤلاء تلاميذ الحبيب ﵊.
كذلك من فوائد دراسة السيرة: أننا نعيش في شظف العيش وغلاء المعيشة وكثرة البلايا والابتلاءات وأصبحت الصدور ضيقة، فما أن يتحدث متحدث عن رسول الله ﷺ إلا وينشرح الصدر.
[ ٣ / ٢ ]
ميلاد الرسول ﷺ
نتحدث الآن عن مولده ﷺ، فهل يا ترى حملت به أمه حملًا عاديًا؟ مهما يبحث الإنسان في قاموس الكلمات يعجز، والعجز عن الإدراك إدراك، كما قال فيه الشاعر: فمثلك قبل لم تر قط عيني ومثلك قبل لم تلد النساء فهو شخص بسببه تغير الكون كله، ولو اهتدى الكون كله والناس أجمعون إلى تعاليم الحبيب المصطفى ﷺ لانحلت مشاكل الساعة كلها، لكن القضية إما ضعيف يحب الرسول أو قوي لا يحب الرسول، فالضعيف الذي يحب الرسول لا يؤدي مهمة، والقوي الذي لا يحب الرسول كذلك لا يؤدي مهمة، نحن نريد قويًا يحب الرسول، نريد أمة قوية تحب رسول الله ولا تنافق، لكن من ينظر إلى زعامات الأمة يجد أن مصلحة الأمريكان التقت مع مصلحتهم، ونحن نقول: إن مصلحة اليهودي والمسيحي والكافر لا تلتقي مع مصلحة المسلم، أنا أقول: لا إله إلا الله، وهو يقول: إن عيسى هو الله وابن الله، فكيف تلتقي مصالحنا؟! هو يريد أن يتوسع ويسيطر على مصادر الثروات، وأنا أريد أن أعيش في أمان وفي سلام، وأريد أن أنشر المحبة في العالم.
إذًا: لا تلتقي مصالحنا مع مصالحهم أبدًا أبدًا.
وكما قيل: الحق صديقي وأستاذي صديقي، فإذا اختلف الحق مع أستاذي أمشي وراء الحق، ولذلك قال أبو حنيفة: مذهبي هو الحديث الصحيح، فإن رأيتم مذهبي يخالف الحديث الصحيح فدعوا مذهبي واعملوا بالحديث الصحيح.
يعني: الذي بيننا وبين أي عالم الكتاب والسنة، والجدال لا يستحب إلا بين عالم وعالم، والجدال يكون بالكتاب والسنة: إذا كانت الآية تقول كذا فسمعًا وطاعة يا رب، والآيات التي تتكلم عن ولاية المسلم لغير المسلم لا تحتاج إلى تفسير ولا تأويل، واقرأ إن شئت في البقرة وفي آل عمران وفي المائدة، وكل سور القرآن تتحدث بوضوح عن هذا الأمر، قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾ [المائدة:٥١]، وقال تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ [النساء:١٤١].
[ ٣ / ٣ ]
مكان ميلاد الرسول ﷺ
مكان ميلاد رسول الله مكة، ومكة أشرف الأماكن على وجه الأرض؛ ففيها الكعبة، والكعبة تحت البيت المعمور، ولو وقع حجر من البيت المعمور لسقط على سقف الكعبة، والبيت المعمور تطوف حوله الملائكة، ورآه الحبيب ليلة المعراج، وأخبر أنه يدخل فيه كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة يسبحون بحمد ربهم لا يرجعون إليه إلى يوم القيامة، وأبونا آدم قبل أن ينزل إلى الأرض كان يطوف حول البيت المعمور ويسبح مثل الملائكة، فلما أهبط إلى الأرض، قال: يا رب اجعل لي مكانًا في الأرض كالبيت المعمور أطوف حوله مسبحًا بحمدك، فدلته الملائكة على مكان الكعبة.
واكتشف العلماء بالقمر الصناعي من فوق الأرض أن الكرة الأرضية البيضاوية مركزها الكعبة المشرفة.
والرسول ﷺ عندما هاجر التفت إلى مكة وقال: (يا مكة تعلمين أنك والله أحب بلاد الله إلي، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت أبدًا).
عاش فيها ثلاثًا وخمسين سنة، أربعين قبل البعثة وثلاث عشرة سنة بعد البعثة، واضطر ﷺ أن يخرج منها مهاجرًا إلى يثرب، وبعدما فتح مكة ظن الصحابة أنه سوف يمكث فيها، ولكن قال: (عودوا إلى المدينة؛ لا هجرة بعد الفتح وإنما جهاد ونية) وعاد بالصحابة إلى المدينة، حتى عمه العباس بن عبد المطلب عاد أيضًا معه رضوان الله عليه إلى المدينة.
[ ٣ / ٤ ]
زمن ميلاد النبي ﷺ
أما زمن ولادته ﷺ فقد كان في ربيع الأول، شهر من شهور الله المكرمة عند الله ﷿، قبل فجر يوم الثاني عشر من ربيع الأول لم تشعر آمنة بآلام الطلق، وهي أيضًا أثناء الحمل لم تشعر بآلامه، أيعقل أن يكون الرسول ﷺ ثقيلًا على أحد وأولهم أمه؟ وبعد ذلك قبل أن تضع بأيام سمعت هاتفًا وهي يقظة يقول: لقد حملت بخير خلق الله.
وقيل: إن هذا الهاتف كان يأتي لكل أم أنجبت نبيًا.
قال ﷺ: (إذا حملت المرأة سقطت عنها كل يوم مائة ألف سيئة، فإذا فاجأها الطلق تساقطت ذنوبها كما يتساقط ورق الشجر في اليوم الشاتي، فإذا وضعت وأرضعت كان لها بكل مصة من صدرها -أو من ثديها- كعتق رقبة من ولد إسماعيل، فإن أسهرها ابنها فكأنما قامت لله تصلي والناس نيام).
إذًا: ألا تفرح المرأة بالحمل؟! كذلك من فوائد دراسة السيرة: أن أمهات الصحابة وزوجاتهم في بيت واحد، سيقال: وهل يعقل أن امرأة تعيش مع أم زوجها وتصبر؟ هناك من النساء إلى يومنا هذا تعيش مع أم زوجها وتصبر، ونسأل الله أن يبارك في النساء الصالحات؛ لأنها تعرف أن إكرامها لأم زوجها إكرام لزوجها، والزوج عندما ينظر أن امرأته تكرم أمه سيكرمها.
فأتمنى من الزوجات الأخوات اللاتي يصلين عندنا دائمًا بفضل الله ألا أسمع عنهن إلا كل خير، فأنا أريدهن أن يكن عنوانًا للزوجة الصالحة؛ لأنهن إذا لم يكن عنوانًا صالحًا، فمن سيكون؟!
[ ٣ / ٥ ]
ذكر الأشخاص الذين لهم تعلق بميلاد النبي ﷺ
أما الأشخاص الذين لهم تعلق بميلاد الحبيب ﷺ، فالحامل آمنة بنت وهب، وآمنة من مصدر أمن يأمن، فهي ستنجب للبشرية أمنها، وهذا حصل، فهو أمان البشرية كلها ﷺ، قال الكاتب الإنجليزي برناردشو لو كان محمد بن عبد الله على قيد الحياة لحل لنا مشاكل العالم كلها ريثما صنعنا له (فنجانًا) من القهوة.
يعني: أنه ﷺ خلال عشر دقائق سيحل جميع مشاكل الدنيا؛ لأنه مؤيد من ربه ﷾.
وعندما ولد ﷺ وجدوا الحبل السري مقطوعًا، ووجدوه مختونًا، فقد نزل مطهرًا مكتملًا؛ حتى لا يرى سوأته أحد ﷺ.
وهذه الشفاء أم عبد الرحمن بن عوف كانت قابلته، يعني: تلقته بيديها، هنيئًا لك يا شفاء يا أم عبد الرحمن فقد كان أول ما استهل على يديها، والشفاء اسمها جميل؛ لأنها تلقت الشفاء، وأضيئت الحجرة عند ولادته إلى درجة أن الشفاء أغمضت عينيها من شدة الضوء، ونزل ﷺ على يديه ورجليه رافعًا رأسه إلى السماء، وتقول الشفاء: سمعت قائلًا يقول: يرحمك الله.
فهو نزل بالرحمة وهو رحمة.
وجاء عبد المطلب وحضنه، وأخذه وطاف به حول البيت سبعًا، فقيل له: ما أسميته يا عبد المطلب؟ قال: سميته محمدًا، فقيل له: ما هذا الاسم الغريب يا عبد المطلب؟ قال: لكي يحمده الله في السماء ويحمده الناس في الأرض.
فهو محمد في السماء ومحمود في الأرض، ولذلك قال ﵊: (أنا محمد وأحمد؛ والماحي الذي يمحو الله به الكفر، والحاشر الذي يحشر الناس بين يديه، والعاقب فلا نبي بعدي) ﷺ.
وقال ﵊: (أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة أخي عيسى، ورؤيا أمي التي رأتها) فهو دعوة إبراهيم عندما قال: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة:١٢٩].
وبشرى عيسى عندما قال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف:٦].
ورؤيا أمه، فقد رأت أنه خرج منها نور أضاءت منه قصور الشام.
لقد بحث العلماء في النسب الشريف من ناحية أبيه وجده وجد جده إلى عدنان الجد الأعلى، إلى سيدنا إبراهيم، ومن ناحية أمه آمنة بنت وهب فوجدوا أنها تلتقي مع عبد الله والد النبي ﷺ في جدهم كلاب الذي هو والد قصي بن كلاب بن مرة فـ كلاب هذا هو الجد الأعلى لـ آمنة وعبد الله، وأم السيدة آمنة من بني زهرة، وأم عبد المطلب من بني مخزوم، وأم كعب جده الأعلى من خزاعة، فهو من خير بطون العرب من جميع الاتجاهات.
والسيدة آمنة أرضعته ثلاثة أيام، وثويبة مولاة أبي لهب التي أعتقها أبو لهب فرحًا بابن أخيه يوم الإثنين، فلما أعتقها خفف الله عنه الحساب كل يوم إثنين في النار؛ إكرامًا لفرحته بمقدم رسول الله، فكيف بالذي يحب الرسول ﷺ محبة ليس لها نظير؟ قال سيدنا الشافعي: يا رب قلت لموسى وهارون: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] لمن قال: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى﴾ [النازعات:٢٤]، فماذا تصنع بمن قال: سبحان ربي الأعلى.
وجاء شخص إلى هارون الرشيد وقال له: يا أمير المؤمنين إني أريد أن أكلمك وأنصحك وأغلظ عليك في النصيحة، فقال له هارون الرشيد: لا تفعل، فقد أرسل الله من هو خير منك إلى من هو شر مني، أرسل موسى وهارون وهما خير منك إلى فرعون وهو شر مني، فقال لهما: ﴿فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه:٤٤] فكيف تغلظ علي في النصيحة؟! وأوقف رجل عبد الملك بن مروان وهو يمشي بالموكب، فقال له الحرس: ابتعد يا رجل، فقال له: يا أمير المؤمنين إن نملة استوقفت سليمان فكلمته فكلمها، وتبسم ضاحكًا من قولها، ولست أنت عند الله أعظم من سليمان، ولست أنا عند الله أحقر من النملة.
انظروا إلى طريقة ترتيب الكلام، وتعلمون قصة الأعرابي الذي كان لا يعرف في القرآن شيئًا، لكنه لما صلى وراء الإمام وقرأ الإمام الآية وأخطأ في نهايتها، قرأ قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ [المائدة:٣٨]، فقال الإمام: والله غفور رحيم، فالأعرابي الذي لا يحفظ القرآن، قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [المائدة:٣٨] فالإمام تذكر وأكمل الآيات بعد ذلك، فبعد ذلك قال الإمام: من رد عليّ جزاه الله خيرًا، قال له الأعرابي: أنا، قال له: بارك الله فيك، أتحفظ القرآن؟ قال له: لا، قال: أتحفظ هذه السورة؟ قال: لا، قال: أتحفظ هذه الآية؟ قال له: هذه أول مرة أسمعها، قال: فكيف عرفت؟ قال: يتحدث الله عن السارق والسارقة ويتحدث عن الحد وقطع اليد، ولو كان الله ﷿ غفورًا رحيمًا في هذه المسألة بالذات لما حكم على السارق والسارقة بقطع اليد، لكنه لما عز في عليائه حكم على السارق بقطع اليد، فتكون نهاية الآية: «عَزِيزٌ حَكِيمٌ» وليس غفورًا رحيمًا؛ فالأعرابي يفهم اللغة بالسليقة.
يقول الجاحظ: دخلت على معلم فوجدته يعلم طفلًا: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ﴾ [لقمان:١٣]، قال: ﴿يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ عَلَى إِخْوَتِكَ﴾ [يوسف:٥]، فقلت له: لقد أدخلت آية في آية، ما الذي جاء بيوسف إلى لقمان؟ ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ﴾ [لقمان:١٣]، والشيخ يقول له: ﴿لا تَقْصُصْ رُؤْيَاكَ﴾ [يوسف:٥] أدخل يوسف في لقمان، فقال الشيخ: إن أباه يدخل شهرًا في شهر ولا يدفع الأجرة، وأنت تعيب علي إدخال سورة في سورة؟! فإذًا: ثويبة أرضعته بعدما أرضعته أمه ثلاثة أيام ويقال: خمسة أيام، فـ ثويبة أرضعته إلى أن جاءت حليمة، وأم أيمن من اليُمْن وهي التي حضنته، وكان عمرها ثمانين سنة، وكانت لا تترك الرسول ﷺ يخرج في غزوة من الغزوات إلا وخرجت معه، فكانت إذا رأت بعض الصحابة تزحزحوا قليلًا إلى الوراء، قالت: اسبتوا سبت الله أقدامكم -بالسين- كانت لا تخرج لسانها؛ لأنها كانت أعجمية لم تكن عربية، فيقول لها الرسول ﷺ: (يا أم أيمن يا أماه! ادعي الله لهم بالنصر ولا تقولي: سبت)؛ لأن السبت يعني: القيد، ولذلك يسمى اليوم الذي بعد الجمعة: السبت؛ لأن اليهود لم يكونوا يتحركون فيه، فهذا اسمه القيد.
وبعد ذلك جاءت حليمة السعدية وأخذت رسول الله ﷺ وأرضعته، وأرضعت معه الحمزة عمه، وأبا سلمة المخزومي ابن عمته.
فالسيدة حليمة عندما أتت مع غيرها أخذت كل واحدة منهن ولدًا وتركن اليتيم ﷺ، وبقيت حليمة لم تجد ولدًا لترضعه فقالت لزوجها: ما رأيك أن نأخذ هذا اليتيم، ربما يجعل لنا فيه خير، بدل أن نرجع بدون ولد، فأخذت الرضيع وما أحسن حظ حليمة فمجرد أن وضعته على الأتان، فإذا بها تسرع وتسبق الدواب، وقد كانت قبل ذلك ضعيفة؛ لأن البركة بدأت، وإذا بظلة مظللة لها ورضيعها وهم في عز الظهيرة، فقالوا: إن هذا الأمر ليس أمرًا عاديًا، وهم عائدون كانت أرضهم جدباء، ولم يصبحوا الصبح إلا والمطر ينزل والعشب ينبت، وكانت غنم حليمة هزيلة لا يوجد في ضرعها ولا نقطة لبن، وإذا بغنم حليمة مليئة باللبن، ثم بعد ذلك هذا الطفل اليتيم لا يبكي كما يبكي الأطفال، إنه ليس طفلًا عاديًا، بل كلما نظرت إليه السيدة حليمة تجده باسمًا.
فالسيدة حليمة تلحظ الخير كله في وجود هذا الطفل الهاشمي، أكمل ثلاث سنوات عندها، فجاء أخو سيدنا الحبيب من الرضاعة الذي هو ابن السيدة حليمة وقال: يا أماه جاء رجلان فأخذا محمدًا فأضجعاه تحت الشجرة وشقا صدره وأخرجا منه شيئًا وغسلاه بشيء كان في الطست، ثم غادراه بعد أن أغلقا صدره وهو ممتقع اللون تحت الشجرة، فالسيدة حليمة خافت عليه فقامت بإرجاعه إلى أهله، فهذه هي حادثة شق الصدر، قال الله ﷿: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح:١].
قد يقول قائل: ماذا أخرج منه جبريل؟ لقد أخرج منه الحقد والحسد وحب الدنيا وملأه بالحكمة والإيمان، وكان من الممكن أن الله ﷿ يشرح صدره من غير شق، لكن فُعل به ذلك؛ ليُعلم أنه ليس مخلوقًا عاديًا، وليس هذا فحسب، بل كان بين كتفيه خاتم النبوة، وخاتم النبوة كحبة الخردل أو كالدينار، وهو دائرة مكتوب فيها بنفس لون جلد الحبيب ﷺ: لا إله إلا الله، محمد رسول الله.
فخافت السيدة حليمة على رسول الله ﷺ فأرجعته لأمه؛ لأن هذه أمانة، وهو من خير أبناء قريش، فلقد ورث كما يرث أي إنسان، وكل إنسان يرث ثلاثة أنواع من الوراثة: وراثة خَلقية، ووراثة خُلقية، ووراثة عامة أو خاصة، أما الوراثة الخلقية كأن يخرج الولد شبيهًا بأبيه، وتخرج البنت شبيهة بأمها، أو يخرج الولد فيشبه الأم في عينيه ويشبه الأب في شعره، وهذه تسمى الوراثة النسبية.
وهناك وراثة خُلقية، كأن يرث الولد عن أبيه الكرم، أو يرث عن أبيه الفداء والتضحية والجهاد، أو يرث عن أ
[ ٣ / ٦ ]
ذكر وصف النبي ﷺ
إن علماء السيرة وصفوا سيدنا الحبيب ﷺ أعظم وصف، ومن الصحابة من وصف خلقته ﷺ وشكله العام، كالصحابي الجليل هند بن أبي هالة وهو ابن السيدة خديجة من زوجها الأول، فـ أبو هالة كان متزوجًا السيدة خديجة وأنجب منها هندًا، وهند اسم يطلق على الرجل والمرأة.
قال الحسن بن علي ﵁: صف لي رسول الله ﷺ يا خال! وهذا من أدب الحسن، فـ هند ابن السيدة خديجة ﵂، وفاطمة أيضًا بنت السيدة خديجة، فهو أخو السيدة فاطمة من أمها، فلما أراد الحسن من هند بن أبي هالة أن يصف له رسول الله ﷺ قال له: يا خال.
والصحابي الجليل هند استشهد في موقعة الجمل وهو يحارب في صف علي كرم الله وجهه، والكلام الذي وصف به النبي ﷺ كلام عربي.
قال: (كان ﷺ فخمًا مفخمًا)، أي: تنظر إليه فتحترمه وله هيبة، (يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة التمام)، وهذا كوصف خالد بن الوليد ﵁ له، قال: كان ﷺ نضاح المحيا، أي: كمن هو خارج من الحمام بعد أن اغتسل، قالوا: يا خالد! حتى في المعركة؟ قال: حتى في المعركة، فأنت حين تنظر إلى العسكري بعد التدريبات، أو عندما يلبس البدلة العسكرية حدث عنه ولا حرج، ويجوز للعسكري أن يصلي بالبيادة، ويجوز له أن يصلي في النعل، فيمسحه هكذا على الأرض بيديه ويذهب للصلاة، بل إن ابن مسعود ﵁ كان يكره أن يخلع المصلي حذاءه فيقول: لو أن الله يسلط عليها سارقًا يسرق نعله، حتى يحرم أن يخلعها مرة أخرى.
قال: (أطول من المربوع وأقصر من المشذب)، والمربوع: الرجل الطويل العادي، فلا هو بالطويل البين ولا بالقصير البين، ومع أنه كان متوسط الطول ﷺ، لكن إذا سار معه أحد أطول منه رأى الرائي أن الرسول ﷺ أطول.
قال: (عظيم الهامة) أي رأسه ﷺ مرفوع، ومؤخر رأسه فيه شيء من الضخامة.
قال: (رجل الشعر إن انفرقت عقيصته فرقها)، رجل الشعر أي: مسترسل ناعم، لو فرقه بيده هكذا افترق، وكان شعره كله أسود.
سيدنا أبو بكر ذات مرة كان يسوي للرسول ﷺ شعره، فقال: عددت لك سبع عشرة شعرة قد شابت يا رسول الله! ولم يزل كذلك ﷺ حتى انتقل للرفيق الأعلى، وقد كان العربي في ذلك الزمن لا يشيب إلا بعد سن السبعين والثمانين، وكان الرسول ﷺ قد شاب وعمره ثلاث وأربعون سنة، فلما سئل عن ذلك قال: (شيبتني هود وأخواتها)، وأخوات هود: التكوير والانفطار والنبأ والانشقاق، وما شاكل هذه السور التي تتحدث عن يوم القيامة وما فيه من الرعب ومصارع السابقين.
قال: (يجاوز شعره شحمة أذنيه)، لطول شعره ﷺ.
قال: (أزج الحواجب) أي: أن الحواجب مقترنة ببعضها وملتصقة.
قال: (أزهر اللون)، أي: أبيض مع شيء من الحمرة، فليس بأبهق، إذ يقال عن الأبهق: عدو الشمس.
قال: (واسع الجبين) أي: جبهته ﷺ واسعة.
قال: (أقنى العرنين)، يعني: أنفه ﷺ طويلة فلا هي عريضة ولا معكوفة ولا مائلة، وإنما أقنى العرنين ﷺ.
قال: (له نور يعلوه، يحسبه من لم يتأمله أن الشمس تطل من جبينه) لضيائه وإشراقه ﷺ.
قال: (كث اللحية، سهل الخدين)، يعني: ليس كلثومًا، والكلثوم: ذات الوجه المدور الممتلئ.
وكان سيدنا الحبيب ﷺ سهل الخدين.
قال: (ضليع الفم) أي: كان ﷺ إذا تكلم خرج الكلام من كل فمه.
وتصفه السيدة عائشة فتقول: (كأن كلماته حبات در انتظمت في عقد)، أي: كالحبات في العقد منتظمة واحدة فواحدة.
قالت: (كان لا يسرد كلامه كسردكم) أي: كان يخرج منه الكلام واضحًا يفهمه الأعرابي.
حتى إن الأعرابي إذا نظر إلى وجهه ﷺ يقول: (والله ما هذا بوجه كذاب).
قال هند ﵁: (مفلج الأسنان)، أي: أسنانه ليست ملتصقة ببعضها، ولم يكن على أسنانه بقايا أكل ﷺ، وكان رغم ذلك يستاك قبل الصلاة، قال رسول الله ﷺ: (ولولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة).
ومن الناس من إذا لم يجد السواك أدخل إصبعه في فمه وهذا غلط؛ فالإصبع ليس بسواك إنما السواك بالمسواك؛ لأن المسواك فيه مواد كيميائية قادرة على قتل أي نوع من البكتيريا في فمك بفضل الله رب العالمين، ومن كانت نفسيته ضعيفة لا تتحمل الفرشة، لو استخدم السواك لكان الشفاء إن شاء الله.
قال: (دقيق المسربة)، أي: شعر ما تحت السرة.
قال: (كأن عنقه جيد دمية في صفاء الفضة، معتدل الخلق، بادن متماسك)، بادن يعني: ليس نحيفًا، ومتماسك أي: ثابت جسمه عند مشيه لا يهتز.
قال: (سواء البطن والصدر) يعني: صدره مستو مع بطنه.
قال: (عريض الصدر، بعيد ما بين المنكبين، ضخم الكراديس)، أي: العظم الذي في ناحية الصدر.
قال: (أنور المتجرد) أي: إذا انكشف عضو من جسمه أضاء، ﷺ.
قال: (عاري الثديين والبطن) أي: عار من الشعر.
قال: (طويل الزندين) أي: الذراعين.
قال: (رحب الراحة) أي: يده واسعة.
قال: (سائل الأطراف) أي: أصابعه منسالة، فلا إصبع صغيرة ولا إصبع طويلة.
قال: (مسيح القدمين) أي: أن رجليه لينتان وناعمتان، وبواطن أصابعه منحطة على الأرض.
قال: (إذا زال زال قلعًا) يعني: إذا مشى كأنه يأخذ رجليه من رمل، وكأنما تطوى له الأرض طيًا، وكأنما ينصب من علو، ولذلك كان يرأف بالصحابة رضوان الله عليهم، فكان يأمرهم أن يمشوا قدامه ويقول: (دعوا ظهري لملائكة ربي).
قال: (يمشي هونًا، إذا التفت التفت جميعًا) يعني: كان يلتفت بجميع جسمه إذا أراد أن يكلم أحدًا.
قال: (خافض الطرف، نظره إلى الأرض أطول من نظره إلى السماء، جل نظره الملاحظة).
هذا وصف سريع لـ هند بن أبي هالة لسيدنا الحبيب المصطفى ﷺ.
[ ٣ / ٧ ]
بعض النقاط المستنبطة من مولد النبي ﷺ
الأولى: إن محمدًا ﷺ لما ولد جاء أمانًا لأهل الأرض، وبه دمر الله كيان الوثنية.
النقطة الثانية: أكرمنا الله به بأن جعلنا خير أمة أخرجت للناس، وجعلنا أتباعًا له ﷺ.
النقطة الثالثة: جعل كلمة محمد رسول الله مقرونة بشهادة التوحيد، فمن يقل: أشهد أن لا إله إلا الله فقط، لا تنفعه يوم القيامة؛ لأنه لم يقرنها بمحمد رسول الله ﷺ.
النقطة الرابعة: النبي ليس رحمة للمسلمين فقط، بل هو رحمة للعالمين ﷺ.
[ ٣ / ٨ ]