نشأة يثرب
مدخل
الباب الثالث: مدينة يثرب
الفصل الأول: نشأة يثرب.
الفصل الثاني: التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان.
الفصل الثالث: قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية.
الفصل الرابع: الحالة الاقتصادية.
الفصل الخامس: الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب
[ ٢٣٧ ]
صفحة فارغة
[ ٢٣٨ ]
الفصل الأول: نشأة يثرب
على بعد حوالي ثلاثمائة ميل في شمال مكة تقع يثرب، وهي واحة خصيبة التربة غزيرة المياه محصورة بين لابتين بركانيتين تعرفان بالحرتين، حرة واقم في الشرق، وحرة الوبرة في الغرب. وتكتنف الوديان الحرتين من الشرق ومن الغرب، وتحيط بالمدينة من جهاتها الأربع. ويقع جبل عير في الجنوب الغربي من يثرب١. والقادم من مكة إلى يثرب -في زمن الهجرة النبوية- كان يمكنه إذا قام بأعلى جبل عير أن يحدد صورة مكتملة لمنطقة يثرب، فوادي العقيق إلى يساره ممتد غربي المدينة فيما وراء حرة الوبرة إلى ما بعد بئر رومة في شمالها الغربي. والعريض وعوالي المدينة إلى يمينه من شرق حرة واقم. وهناك من أقصى الشمال يقوم جبل أحد ثم جبل سلع، وتقع قرية قباء في جنوب المدينة على ميلين منها٢. وبين قباء والمدينة يسير وادي بطحان ووادي رانوناء حيث يتجهان شمالًا فيما بين حرة الوبرة والمدينة. فيتصلان بوادي قناة وهو واد يقع في جنوب أحد وينحدر غربًا بينه وبين جبل سلع حتى يتصل بوادي بطحان، وتلتقي هذه الوديان عند مجتمع الأسيال من رومة، كما يوجد واد مذينب ووادي مهزور في الجنوب الشرقي من المدينة، ويحصران بينهما عوالي المدينة التي كانت زاهرة عامرة، وتبدو أودية المدينة منحدرة من الجنوب إلى الشمال، تسير في انحدارها مياه الأمطار فتجعل منها جنات ذات زرع زاهي الخضرة وبساتين تنبت أشجار الفاكهة والنخيل.
_________________
(١) ١ ياقوت ٤١/ ١٧٢. ٢ نفسه ١٨/ ٨٢، الإصطخري، ٣٢، البتنوني ٢٥٦ "يقول البتنون: إن قباء على خمسة كيلو مترات من المدينة".
[ ٢٣٩ ]
والمنطقة بين قباء والمدينة من أخصب مناطقها، بل لعلها أخصبها وهي التي تثمر جل فاكهتها وخضرها، ومن ثم كانت منتزه أهل يثرب ومصحتها في مختلف العصور، يخرج إليها الناس للتريض، ويقيم بها الناقهون استعادة النشاط والقوة.
وحرة واقم التي تحد المدينة من الشرق كانت أكثر عمرانًا من الوبرة، وحين هاجر النبي -ﷺ- إلى يثرب سنة ٦٢٢ م كانت حرة واقم مسكونة بأهم قبائل اليهود من بني النضير وقريظة، وعدد من عشائر اليهود الأخرى، كما كانت تسكنها أهم البطون الأوسية: بنو عبد الأشهل، وبنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو معاوية، وفي منازل بني عبد الأشهل كان يقوم حصنهم واقم الذي سميت الحرة باسمه. وقد ترك أصحاب هذه المنازل من اليهود والأوس آثارًا في الحرة تدل على حضارة ونظام، وتركوا بها آثار مصانع وصهاريج مياه لم يبق منها إلا أطلال دوارس ١، ولا عجب، فقد كانت هذه الحرة ميدانًا حرب منذ استقر الإسلام بالمدينة؛ فقد حاصر النبي -ﷺ- اليهود من بني النضير حتى أجلاهم، ثم حاصر بني قريظة حتى قضى عليهم، وبها وقعت موقعة الحرة في عهد يزيد بن معاوية سنة ٦٣هـ.
وحرة الوبرة التي تحد المدينة من الغرب، تبدأ قبالة قباء من الجنوب عند ذي الحليفة ميقات الإحرام لأهل يثرب وأول الطريق إلى مكة. وبأقصى حرة الوبرة من ناحية الشمال بمجتمع أسيال المدينة تقع بئر رومة، وكانت مملوكة لرجل يهودي كان يبيع ماءها للمسلمين فاشتراها منه عثمان بن عفان استجابة لرغبة النبي -ﷺ- ودفع ثمنها عشرين ألف درهم٢.
وتفصل حرة الوبرة بين المدينة ووادي العقيق، وقد كان لهذا الوادي في أنباء التاريخ من الذكر ما جعله وادي النعمة وخفض العيش والترف، حتى إنه إذا ما ذكر العقيق من أودية المدينة نسي الناس كل واد للعقيق سواه، مع أنه توجد أودية كثيرة بهذا الاسم في جزيرة العرب. ولقد كان هذا الوادي الخصيب الدافق بجداول المياه وبالعيون والآبار خاليًا من البناء لما قدم النبي -ﷺ- إلى يثرب، وعلى شفير العقيق
_________________
(١) ١ هيكل: في منزل الوحي ص ٥٥٧. ٢ أسد الغابة ٣/ ٢٨٠، البتنوني ٢٥٧، هيكل: نفسه ٥٧٩.
[ ٢٤٠ ]
الغربي تقوم جماوات العقيق، وهي مرتفعات سود كبار دون الجبال وفوق الهضاب. وأقرب هذه الجماوات إلى المدينة جماء تضارع القريبة من بئر عورة، وتجاورها وتكاد تتصل بها من ناحية الشمال جماء أم خالد، وتبعد عن هذه إلى الشمال جماء عاقل.
وفي شمال المدينة جبل أحد، يفصل بينها وبينه وادي قناة. وفي جنوب هذا الوادي إلى الشمال الغربي من المدينة يقع جبل سلع، وبه النتوء الذي يعرف بجبل عين، وعليه كان موقف الرماة من المسلمين يوم أحد١.
وتاريخ يثرب القديم مجهول، فلا توجد مدونات يمكن الرجوع إليها، وكذلك لم تقم بها أبحاث أثرية يمكن الاستفادة منها، وقد أشار صاحب كتاب آثار المدينة المنورة إلى حدوث حفريات -جرت بغير قصد البحث العلمي- كشفت عن بعض أشياء يمكن أن يستدل منها على أن المدينة الحالية قائمة على أنقاض مدينة أخرى٢؛ لكن الاهتمام العلمي لم يأخذ طريقه حتى الآن إلى مدينة الرسول -ﷺ- ولعله يأخذ طريقه إليها فيشكف لنا شيئًا يمكن الاعتماد عليه في كتابة تاريخها القديم، وكل ما لدينا من أخبار تاريخ يثرب القديم عبارة عن روايات ذكرها الإخباريون لا يمكن الاعتماد عليها اعتمادًا قاطعًا؛ لأنها لا تستند إلى دليل.
ومن المؤكد أن هذه الواحة الخصيبة والتي تقع على طريق التجارة بين اليمن والشام، لا بد أن تكون قد سكنتها القبائل منذ زمن بعيد، إذ لا يعقل أن لا يجذب خصب هذه البقعة وكثرة المياه بها الناس إلى انتجاعها والإقامة فيها، وورود اسم يثرب في الكتابات المعينية يدل على قدمها٣، وعلى أن المعنيين استعمروها فقد كانت لهم مستعمرات على طول الطريق التجاري حتى تخوم الشام، فليس من المحتمل أن يكونوا تجاوزوا يثرب دون أن ينتفعوا بموقعها وخصب أرضها وكثرة مياهها في اتخاذها مستعمرة لهم ومحطة لتجارتهم، وبخاصة أن مستعمراتهم متصلة إلى شماله على طول طريق وادي القرى.
_________________
(١) ١ عن وصف المدينة انظر: ياقوت ١٧-٨٢- ٨٨ السمهودي: وفاء الوفا ١/ ١١٢- ١٥٢، البتنوني ٢٥٢- ٢٥٩- هيكل: في منزل الوحي ٥٧١- ٥٨١. ٢ هيكل: في منزل الوحي ٥١٢- ٥١٤ عبد القدوس الأنصاري: آثار المدينة المنورة ١٢٢- ١٢٤. ٣ جواد علي ٣/ ٣٩٥.
[ ٢٤١ ]
وإذا كان اسم يثرب قد ورد في الكتابات المعينة القديمة فلا بد أنها كانت من الموضع التي سكنتها جاليات من معين، ثم صارت إلى السبئيين بعد زوال مملكة معين، وقد ذكرها بطليموس في جغرافيته باسم Lathriph Lathrippc١ وهي أيضًا Lathrippa polis التي ذكرها اصطيفانوس البيزنطي٢ وعرفت كذلك باسم المدينة من كلمة مدينتا Medinta التي تعني الحمى أي مدينة على رأي المستشرقين الذين يرون أن اليهود المتأثرين بالثقافة الآرمية أو بعض المتهودة من بني إرم الذين نزلوا إلى يثرب هم الذين دعوها مدينتا، ومنها جاءت المدينة. أما كلمة مدينة على أنها اختصار من مدينة الرسول فيرون أنه رأي متأخر قال به العلماء ٣.
ويسوق صاحب الرحلة الحجازية رأيًا آخر يعتمد فيه على الرواايت التي تقول بأن موسى حين خرج ببني إسرائيل من مصر، أرسل فرقة من جيشه لقتال العماليق وأن هؤلاء الجنود أقاموا بيثرب بعد أن قضوا على أعدائهم، وأنهم أطلقوا اسم يثرب على المدينة تحريفًا لها من الكلمة المصرية أوسربيس، كما أن اسم طيبة الذي استعمل اسمها للمدينة مأخوذ عن طيبة المصرية٤. وللأخباريين -كعاداتهم- آراء في الاسم: قالوا إنها سميت بيثرب نسبة إلى يثرب بن قاين بن مهلائيل بن إرم بن عبيل بن عوص بن إزم بن سام بن نوح، وكان أول من نزلها فسميت باسمه ٥.
وقالوا: بل قيل لها يثرب من التثريب. وزعموا أن الرسول -ﷺ- لما نزلها كره أن يدعوها يثرب كراهية للتثريب، فدعاها طيبة وطابة ٦ وذكروا لها تسعة وعشرين اسمًا ٧. غير أن هذه الأسماء التي أطلقوها على المدينة صفات أطلقها المتأخرون عليها بعد الهجرة النبوية، وبعد أن أصبحت عاصمة للدولة الإسلامية العربية.
_________________
(١) ١ F.Olemy، Vi٧٣١. ٢ جواد علي ٣/ ٣٩٥، ٤/ ٢٨١. ٣ Oloary، P. ١٣٧ جواد علي ١٤/ ١٨١. ٤ البتنوني ٢٥- ٢٥٣. ٥ المسعودي: مروج الذهب ٢/ ١٤٨، ابن خلدون ٢/ ٢٨٦، السمهودي١/ ١٠٩- ١١٠. ٦ السهيلي ٢/ ١٦. ٧ ياقوت ١٧/ ٨٢.
[ ٢٤٢ ]
والاسم الذي كان متداولًا قبل الهجرة هو اسم يثرب وقد ورد في القرآن الكريم١، وعلى أنه كان هناك حي من أحياء المدينة يسمى يثرب يقع في الجنوب الغربي من أحد بين سلع ووادي قناة، ويقال: إن هذه المنطقة هي التي كانت عامرة بالناس قبل مجيء اليهود إلى الدينة، ولعل اسم يثرب أخذ من اسم المنطقة من المدينة كما يطلق اسم القاهرة الآن على كل مدينة القاهرة مع أن القاهرة القديمة لا تشمل كل المدينة كما ورد اسم المدينة كذلك في مناسبات عدة في القرآن توحي بأن اسم المدينة هو التسمية الإسلامية لها بعد الهجرة٢. وقد طغت التسمية على الأسماء كلها، وأصبحت يثرب تدعى مدينة الرسول أو المدينة المنورة وهذا الاسم الأخير هو المستعمل اليوم.
وتاريخ المدينة الذي يمكن الاعتماد عليه هو تاريخها منذ القرن الذي سبق الهجرة النبوية أي منذ بداية القرن السادس الميلادي، إذ إن هذه الفترة ليست بعيدة بحوادثها وآثارها عن هذه الهجرة وما ترتب عليها من أحداث كبيرة غيرت مجرى التاريخ العربي، بل مجرى التاريخ العام.
_________________
(١) ١ ﴿يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقَامَ لَكُم﴾ [الأحزاب] . ٢ المنافقون: ٨، السهيلي، ٢/ ١٦.
[ ٢٤٣ ]
سكان المدينة
مدخل
سكان المدينة
كانت يثرب عند الهجرة النبوية منقسمة إلى عدة دوائر تسكنها بطون عربية ويهودية، وكل دائرة تابعة لبطن من البطون. وكانت الدائرة تنقسم إلى قسمين: يشتمل القسم الأول على الأراضي الزراعية بمنازلها وسكانها، ويشتمل القسم الثاني على الأطم أو الآطام، وكان البطن يملك أطمًا أو أكثر، وهذه الآطام كانت ملكًا خاصًّا بالأسر العريقة، ورئيس الأسرة هو صاحب السلطان في الأطم كما كان يعتبر زعيمًا من زعماء البطون٢. وكانت الآطام عظيمة الأهمية في يثرب، يفزع إليها أفراد البطن عند هجوم العدو٣، ويأوي إليها النساء والأطفال والعجزة حين يخرج الرجال للقتال٤ وكانت الآطام تستعمل كمخازن تجمع فيها الغلال والثمار؛ لأنها كانت معرضة في أماكنها المكشوفة للنهب والسلب، وفي الأطم يخزن السلاح وتكنز الأموال٥. وفي كل أطم كان يوجد بئر أو أكثر يستقي منه أهله إذا هاجمهم عدو واضطروا إلى الاحتماء بالأطم٦. كما كانت أطم اليهود تشتمل على المعابد وبيوت المدارس يجتمع فيها الزعماء للبحث والمشاورة حيث يقسمون بالكتب المقدسة حين يهمون بإبرام العقود والاتفاقات٧، على أنه قد وجدت في يثرب بطون لم تكن تملك الآطام، فكانت هذه البطون لذلك تقيم في الأحياء، حيث تحمي البطون الكبيرة مواليها من غارات البطون الأخرى، وكانت الأحياء متضامنة متلاصقًا بعضها ببعض، وإن كان كل حي يهتم بشئونه الخاصة.
_________________
(١) ١ الأطم: اسم مأخوذ من ائتطم إذا ارتفع وعلا "السهيلي٢/ ٥٢٩" أطلق اليهود على الحصن اسم الأطم؛ لأنه كان في إمكانهم أن يغلقوا أبوابه وأنه كانت له نوافذ تقفل من الخارج وتفتح من الداخل "ولفنسون ١١٣". ٢ انظر السمهودي ١/ ١٣٤- ١٥٢. ٣ ابن هشام ٣/ ١٩٢. ٤ ابن هشام ٣/ ١٣٤- ١٥٢. ٥ نفسه ٣٨١- ٣٨٩. ٦ ابن هشام ٣/ ٢٣٥، ألأغاني ١٣/ ٩٩ "طبعة مطبعة التقديم بمصر". ٧ ابن هشام "هامش الروض"٢/ ٣٨. ٤٠، ولفنسون ١١٦- ١١٧.
[ ٢٤٤ ]
ومن هذه الأحياء وتلك الدوائر المحصنة كانت تتكون مدينة يثرب، فهي في الحقيقة مجموعة من القرى تقاربت وتجمعت فتكونت منها المدينة، كما أشار القرآن الكريم إلى ذلك١.
_________________
(١) ١ ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ [الحشر] ﴿لا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلاَّ فِي قُرًى مُحَصَّنَةٍ أَوْ مِنْ وَرَاءِ جُدُرٍ﴾ [الحجر] .
[ ٢٤٥ ]
اليهود
كان اليهود جاليات كبيرة العدد متعددة الفروع، منتشرة في أماكن كثيرة من منطقة يثرب والطريق المؤدية إلى الشام. وكانت كتل اليهود الكبرى -على ما يبدو- تتركز في يثرب بالذات، حيث كانت فيها ثلاث قبائل ربما بلغ عدد رجالها البالغين أكثر من ألفين وهي قينقاع، والنضير، وقريظة١، وإلى جانبها كانت توجد بطون وعشائر يهودية متفرقة، ذكر السمهودي أنها كانت أكثر من عشرين بطنًا، منها بنو القصيص، وبنو ناغصة، وبنو مريد، وبنو معاوية، وبنو ماسكة، وبنو محمم -محمر- وبنو زعورا، وبنو زيد اللات، وبنو حجر، وبنو ثعلبة، وبنو الشطبية، وبنو عكرمة، وبنو مراية، وبنو عوف، وبنو عدل -بهدل-٢.هذا إلى أعداد أخرى من اليهود سكنوا في جهات مختلفة من يثرب.
وقد عاشت قبائل اليهود الثلاثة الكبرى في مساكنها عيشة التكتل والأحياء الخاصة؛ بينما عاشت البطون الصغيرة منتشرة إلى جوارهم أو إلى جوار البطون العربية في ثرب. وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة، وكانت من القوة والمناعة بحيث ظنوا أنها مانعتهم ممن يريدهم، وبحيث ظن العرب ذلك، ومما لا ريب فيه أن هذه الحصون والقلاع والقرى كانت وسيلة لتوطيد مركز اليهود وإقرارًا لهيبتهم في نفوس العرب. كما كانت دليلًا على ما كانوا عليه من قوة وقد ذكر السمهودي أن آطام اليهود في يثرب كانت تسعة وخمسين أطمًا٣.
_________________
(١) ١ كان رجال قينقاع المحاربون سبعمائة كما كان رجال النضير في نحو هذا العدد عند جلائهم عن المدينة، وكان الرجال البالغون من قريظة عند قتلهم بعد الأحزاب ما بين السبمعائة والتسعمائة: ابن هشام ٢/ ٤٢٨، ٢٥٩. ٢ السمهودي: وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ١/ ١١٢ وما بعدها، ولفنسون ١٤. ٣ السمهودي ١/ ١١٦.
[ ٢٤٥ ]
وقد سكن اليهود الجهات الخصيبة الغنية في منطقة يثرب؛ فقد أقام بنو النضير بالعوالي في الجنوب الشرقي للمدينة على وادي مذينب، وأقام بنو قريظة إلى شمالهم على وادي مهزور، أما بنو قينقاع فقد أقاموا عند منتهى جسر وادي بطحان مما يلي العالية، وكان لهم هناك سوق من أسواق المدينة عرفت بهم. أما بقية بطون اليهود فكانت منتشرة في أماكن أخرى متعددة من المناطق الغنية في يثرب، فبنو هذل وبنو عوف كانوا إلى جوار قريظة، ونزل بنو القصيص وبنو ناغصة بقباء، وكان بنو مربد وبنو معاوية وبنو ماسكة في شمال وادي مهزور، وبنو زعورا في منطقة العوالي عند المكان المعروف بمشربة أم إبراهيم، وكانوا بنو عكرمة -عكوة- وبنو مراية على طرف حرة واقم من ناحية الشمال في يماني وشمالي منازل بني حارثة الأوسيين؛ بينما كان بنو ثعلبة وجماعات غيرهم من اليهود بقرية زهرة بناحية العريض وكانت من أعظم قرى المدينة، كما كان يعيش في شمال المدينة بقرب أحد جماعات من اليهود١. وهكذا كان اليهود يعيشون في أخصب مناطق يثرب وأغناها.
ويختلف المؤرخون في جنسية يهود يثرب، أهم عرب تهودوا أم هم إسرائيليون نزحوا إلى الأقاليم العربية؟ وعلى الرأي الأول المؤرخ اليعقوبي الذي يرى أن بني النضير وبني قريظة فرعان من قبيلة جذام العربية، تهودوا وسموا باسم المكان الذي نزلوا فيه، فبنوا النضير فخذ من جذام إلا أنهم تهودوا ونزلوا بجبل يقال له النضير فسموا به٢. وبنو قريظة فخذ من جذام إخوة النضير يقال إن تهودهم كان في أيام السموأل، ثم نزلوا بجبل يقال له قريظة، فنسبوا إليه٣. وعلى الرأي الثاني عامة المؤرخين العرب. ومن جهة أخرى تجتهد طائفة من المؤرخين الإفرنج في أن تجد لبعض أسماء القبائل اليهودية اشتقاقًا عبريًّا٤.
على أن الاستدلال ببحث لغوي على جنسية اليهود بما توحي إليه الأسماء التي يحملها اليهود قبائل وأفرادًا لا يمكن أن يعتد بها أو يعتمد عليه، سواء أكانت هذه الأسماء عربية أم عبرية، فمن الحق أن بعض أسماء القبائل اليهودية في بلاد العرب عربية محضة
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١١٢- ١١٦. ٢ اليعقوبي ٢/ ٣٦. ٣ نفسه ص ٣٩. ٤ ولفنسون ١٥.
[ ٢٤٦ ]
كما يقول اليعقوبي، ولكنها لا تدل على أنها عربية الجنس، إذ يمكن أن تكون جموع اليهود التي هاجرت إلى بلاد العرب قد اتخذت أسماء الأمكنة التي بها أسماء لها، بل الواقع أن اليهود كانوا قد تركوا منذ أمد طويل الانتساب إلى قبائلهم وأصبحوا يعرفون بأسماء المدن والقرى والأقاليم التي جاءوا منها، فكان يقال فلان الأرشليمي أو فلان الحبروني وهكذا١.
ثم إن الأفراد الذين تسموا بأسماء عربية كانت أسماء آبائهم عبرانية مثل: عبد الله بن صوريا، وكنانة بن صورياء، ووهب بن يهوذا، وزيد بن اللصيت، ونعمان بن آضا، وثعلبة بن شعيا، والزبير بن باطا، ورفاعة بن زيد بن التابوت، وسلسلة بن برهام، هناك أسماء عبرية قرنت بآباء أسماؤهم عربية مثل: شمويل بن زيد، والنحام بن زيد، وكروم بن قيس. على أن هناك أسماء عبرية محضة مثل عزال بن شمويل. وهكذا ٢.
ويشير إسرائيل ولفنسون إلى آثار اللغة العبرية الظاهرة في أسماء الأماكن التي نزلها اليهود في الحجاز، فيقول: فمع أن أسماء البلدان والأماكن التي سكنها اليهود في الحجاز كانت عربية؛ فقد وجد لبعضها اتصال باللغة العبرية مثل: وادي بطحان، فإن معناه بالعبرية الاعتماد، ووادي مهزور أو محزور معناه مجرى الماء، وقال السمهودي: سمران جبل بخيبر صلى النبي -ﷺ- على رأسه، والعامة تسميه مسمران، وضبطه بعضهم بالشين المعجمة؛ فإذا علمنا أن بفلسطين جبلًا يسمى شمران، أمكننا أن نستنتج أن شمران هذا؛ إنما هو لفظ عبري أطلقه اليهود على ذلك الجبل بعد نزولهم عنده. ثم بئر أريس نسبة إلى رجل يهودي اسمه أريس بلغة أهل الشام، ولكننا نعتقد أن هذا الاسم في الأصل غير علم، بل هو نكرة يطلق في اللغة العبرية والآرامية على الفلاح الحارث. وبئر روما اشتراها عثمان من يهودي ومعناها البئر العالية٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٣٦-١٣٨، تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣. ٢ ولفنسون ١٥. ٣ ابن هشام ٢/ ١٣٦- ١٣٨، تفسير الطبري ١٠/ ٣٠٣.
[ ٢٤٧ ]
ولكي نعرف جنسية اليهود في بلاد العرب؛ فإنه من الأفضل أن ننظر في الأخلاق والتقاليد واتجاه الأفكار والأعمال. ومن هذا السبيل نستطيع أن نحكم بأن يهود يثرب بخاصة وشمال الحجاز بعامة أقرب إلى العنصر اليهودي منهم إلى العنصر العربي.
يحتوي القرآن الكريم معلومات وافية عن اليهود في المدينة ومناطقها، وذلك للموقف الجحودي والحجاجي الذي وقفوه من الدعوة الإسلامية؛ وقد وجه القرآن الخطاب لليهود بتعبير بني إسرائيل، ونعى عليهم موقف اليهود الأقدمين مع موسى والنبيين من بعده، وما كان منهم من إحراج وتعجيز وكفر وتكذيب وغدر ونقض للشرائع وتحريف للكلام عن مواضعه، وقد جعل اليهود المعاصرين والقدماء موضع خطاب وسياق وسلسلة واحدة في كثير من الآيات، حيث يوجه الخطاب إلى بني إسرائيل أو إلى اليهود بصفة المخاطب القريب، فيقص ما كان من الأقدمين مقارنًا إياه بما يقع من المعاصرين، مما يرجح معه الصلة اللاحمة النسبية بين هؤلاء وأولئك مما جعلهم يصدرون عن جبلة واحدة وخصائص واحدة١. وتوجيه الخطاب إلى يهود يثرب بتعبير بني إسرائيل بهذا الإطلاق والشمول مع هذه الصلة اللاحمة التي يجعلها القرآن بين القدماء والمعاصرين منهم يجعلنا نجزم بأن اليهود في الحجاز كانوا طارئين وأنهم إسرائيليون، وأنهم ليسوا قبائل عربية اعتنقت اليهودية كما ذهب إليه بعض المؤرخين؛ بل وليس في الحجاز قبائل عربية يهودية الدين، وأن العرب الذين تهودوا في الحجاز لم يكونوا سوى أفراد، ولم يكونوا جماعة قبلية محسوسة. هذا إلى أن اليهود أنفسهم لم يكونوا يمليون إلى نشر ديانتهم بين الأمم، وفي ذلك يقول إسرائيل ولفنسون: ولا شك أنه كان في مقدرة اليهودية أن تزيد في بسط نفوذها الديني بين العرب حتى تبلغ منزلة أرقى مما كانت عليه لو توافرت عند اليهود النية على نشر الدعوة الدينية بطريقة مباشرة، ولكن الذي يعلم تاريخ اليهود يشهد بأن الأمة الإسرائيلية لم تمل بوجه عام إلى إرغام الأمم على اعتناق دينها، وأن نشر الدعوة الدينية من بعض الوجوه محظور على اليهود٢.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة٤٠، ٤١، ٤٧، ٥٠، ٧٢- ٧٦، ٨٣، ٨٧، ٢١١، النساء ٥٣، المائدة ٧٨- ٨١. ٢ ولفنسون ٧٢.
[ ٢٤٨ ]
وقد كان اليهود يعتبرون أنفسم شعب الله المختار من بين شعوب الأرض ولا تسمح أنفسهم أن تكون هذه الميزات لشعب آخر ليس منهم١.
ومما يؤيد هذا أنه كان إلى جوار اليهود بالمدينة بطون عربية صغيرة قبل مجيء الأوس والخزرج٢، وقد بقيت هذه البطون العربية على أديان آبائها القديمة، ولم تعتنق اليهودية على الرغم من أنها عاشت زمنًا طويلًا مع اليهود وعلى الرغم من أن اليهود كانوا أصحاب الثروة والنفوذ في يثرب.
وعند الهجرة النبوية كان المفهوم العام عند العرب واليهود على السواء أن اليهود إسرائيليون. ويشير السهيلي إلى نقطة جديرة بالاعتبار عند مناقشته لمعنى قول النبي -ﷺ- في مدح مخيرق أحد بني النضير الذي أسلم واشترك في موقعة أحد وقتل فيها: "مخيرق خير يهود". وقال: "مخيرق مسلم" ولا يجوز أن يقال في مسلم هو خير النصارى ولا خير اليهود؛ لأن أفعل من كذا إذا أضيف فهو بعض ما أضيف إليه، فإن قيل: وكيف جاز هذا؟ قلنا: لأنه قال: "خير يهود" ولم يقل خير اليهود، ويهود اسم علم كثمود، يقال: إنهم نسبوا إلى يهوذ بن يعقوب، ثم عربت الذال دالًا، فإذا قلت اليهود بالألف واللام احتمل وجهين: النسب، والدين الذي هو اليهودية، أما النسب فعلى حد قولهم التيم في التيميين، وأما الدين فعلى حد قولك النصارى والمجوس، أعني أنها صفة لا أنها نسب إلى أب. وفي القرآن لفظ ثالث لا يتصور فيه إلا معنى واحد وهو الدين دون النسب، وهو قوله سبحانه ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ [البقرة] بحذف الياء، ولم يقل كونوا يهود؛ لأنه أراد التهود وهو التدين بدينهم، ولو قال كونوا يهودًا بالتدين لجاز أيضًا على أحد الوجهين المتقدمين، ولو قيل لقوم من العرب كونوا يهود بغير تنوين لكان محالًا؛ لأن تبديل النسب حقيقة محال. وقد قيل
_________________
(١) ١ العهد القديم: تثنية إصحاح ١٤، آية ١، وما بعدها. ٢ من هذه البطون: بنو الحرمان حي من اليمن، بنو مرئد حي من بلى، وبنو نيف حي من بلى أيضًا، بنو معاوية حي من سليم، ثم من بني الحارث بن بهثة. بنو الشطية حي من غسان. انظر الأغاني ١٩/ ٩٥ طبعة مصر.
[ ٢٤٩ ]
هود جمع هائد وهو في معنى ما قلناه. فلتعرف الفرق بين قولك هودًا بغير ياء، ويهودًا بالياء والتنوين، ويهود بغير تنوين، فإنها تفرقة حسنة صحيحة ١.
وإذا تتبعن المصادر في الأقوال التي يشار فيها إلى اليهود المعروفين بإسرائيليتهم؛ وجدنا كلمة يهود هي الكلمة المستعملة، مما يقطع بأن هذا الاصطلاح كان مفهومًا بمعناه المؤدي إلى النسب سواء لدى العرب أو اليهود على السواء٢.
هذا إلى أن النسابين العرب لم يذكروا إحدى قبائل اليهود في المدينة أو غيرها من أقاليم الحجاز ضمن الأنساب العربية٣، واليهود أنفسهم لم يحاولوا نسبة أنفسهم إلى قبائل العرب، بل حرصوا على نسبة أنفسهم إلى الإسرائيليين؛ فقد كان بنو قينقاع يدعون أنهم من ذرية يوسف الصديق ٤، وبنو النضير وقريظة يسمون الكاهنين٥ وعلى العكس ذكر النسابون أنساب القبائل المتهودة في اليمن والقبائل المتنصرة في الشام، وهذه القبائل المتهودة أو المنتصرة لم تحاول أن تنسب نفسها إلى الإسرائيليين أو غيرهم من الأمم الأخرى؛ فقد كانت القبائل العربية شديدة المحافظة على أنسابها شديدة الأنفة من أن تدعي نفسها إلى غيرها، وتشير الآية القرآنية ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران] إلى أن اليهود كانوا يعتبرون ما دونهم من الأمم أممًا ثانوية ليس عليهم أي تبعة نحوها، ويبيحون لأنفسهم كل شيء معها.
_________________
(١) ١ السهيلي ٢/ ٢٦. ٢ على سبيل المثال انظر: ابن هشام ٢/ ١٣٥- ١٤١، ١٤٧، ١٦٧، ١٧٣، ١٨١، ٤٢٦، أسد الغابة ١/ ٧٠، الطبري ٢/ ٢٢٤، ٢٢٥، ابن خلدون ج٢، الكتاب الثاني ص ٢٨، سير أعلام النبلاء ٢/ ٦، / ٦٨، ٧٢، ٩٩. ٣ الأغاني ٣/ ١١٦. ٤ السمهودي ١/ ١١٥. ٥ ابن هشام ١/ ١٦، ٣ ٢٦٠ "روى ابن أسحاق حديث حيي بن أخطب حين قدم للقتل يوم قريظة: أيها الناس إنه لا بأس بأمر الله كتاب وقدر وملمحة كتبها الله على بني إسرائيل" السمهودي ١/ ١٢٥.
[ ٢٥٠ ]
وكلمة الأمين في الأصل كان يطلقها اليهود على الأمم الأخرى، وفي الحجاز أطلقوها على العرب، وتعني غير الكتابيين١، ومما يؤيد هذا أنه لم تكن لليهود في المدينة وفي أقاليم الحجاز عصبية قبلية بين العرب؛ وإنما كانت صلاتهم بالقبائل العربية صلة حلف ومصالح مشتركة؛ ولذلك لم يجدوا من قبائل العرب من يقف إلى جانبهم بدافع العصبية حين حاربهم النبي -ﷺ- وطرد بعضهم من المدينة وقضى على بعضهم الآخر؛ بل إنهم حين خرجوا من المدينة لم يلجئوا إلى قبائل العرب ينزلون عليها استنادًا إلى رابطة القربى؛ وإنما لجئوا إلى إخوانهم في خيبر وتيماء ووادي القرى، ثم رحلوا إلى الشام٢.
وقد ابتنى اليهود الحصون والقلاع والقرى المحصنة ليقيموا فيها ويتحصنوا بها في أوقات الحروب حين يغزوهم الأعراب الطامعون في أموالهم وحاصلاتهم الزراعية. ويرجح أن فكرة إقامة الحصون والآطام على قمم التلال في يثرب وفي شمال الجزيرة العربية إنما أتى به اليهود من فلسطين وطنهم الذي وفدوا منه والذي كثرت في جباله الحصون المنيعة، وهذا يدل على أنهم لم يكونوا يطمئنون كل الطمأنية في المجتمع العربي، فعمدوا إلى اتخاذ القرى والحصون ليقووا فيها على الدفاع عن أنفسهم؛ ولذلك كانوا في سكانهم منعزلين عن العرب يعيشون مع بعضهم عيشة التكتل والأحياء الخاصة على ما جرت عليه عاداتهم منذ القديم. كما يدل هذا أيضًا على أن أحداثًا خطيرة كانت تقع بين العرب واليهود من حين لآخر، اضطرتهم إلى إقامة الحصون، ثم إلى عقد المحالفات مع العرب والاندماج الظاهري في تقاليدهم العصبية الاجتماعية والقبلية.
أما لغة اليهود في بلاد العرب فقد كانت العربية بطبيعة الحال؛ ولكنها لم تكن خالصة بل كانت تشوبها الرطانة العبرية٣، لأنهم لم يتركوا استعمال اللغة العبرية تركًا تامًّا، بل كانوا يستعملونها في صلواتهم ودراستهم، فكان من الضروري أن يدخل في عربيتهم بعض العبرية٤. وقد كان لهم في المدينة كيان طائفي وديني، وكان لهم
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢/ ٢٥٧- ٢٥٩، ٦/ ٢٨١. ٢ الواقدي ١٤١، ٣٩٠. ٣ يقول المقريزي في مقتل أبي رافع اليهودي: "واستفتحوا على أبي رافع فقالت امرأته: ما شأنكم؟ فقال لها عبد الله بن عتيك -وكان يرطن باليهودية: جئت أبا رافع بهدية" إمتاع الأسماع ١/ ١٨٧. وقد أمر رسول الله زيد بن ثابت الأنصاري أن يتعلم كتاب يهود وقال: "لا آمن أن يبدلوا كتابي" نفسه. ٤ ولفنسون ٢٠.
[ ٢٥١ ]
معابد ومدارس١، وأحبار وربانيون -وكلمة حبر عبرية الأصل معناها الرفيق، وقد كانت في عهد البعثة تطلق على كل متعلم من اليهود٢- وكان لهؤلاء الربانيين والأحبار احترام عظيم وأثر كبير فيهم، وكان من أعمالهم أن يتولوا القضاء ويفصلوا للناس فيما شجر بينهم٣، كما كانوا أصحاب الأمر والنهي في الشئون الدنيوية، كما يقول القرآن الكريم ﴿لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ [المائدة] وقد نشر اليهود عن أنفسهم -على ما يظهر- علمًا واسعًا في الأديان والشرائع وأخبار الأمم وسنن الكون، وكانوا يزهون على العرب بهذا وبالدين السماوي، وكانوا يفخرون ويستفتحون، ويظهرون غرورًا وخيلاء ويزعمون أنهم أولياء الله وأحباؤه٤. ومع ذلك فقد كان لليهود أخلاقهم التي وصفهم القرآن بها، وهي: الأنانية والجشع والبخل٥، والدس والنفاق وإلقاء الشقوق في نفوس الآخرين قصد البلبة والتحكم٦، وتبرير كل وسيلة للوصول إلى الغاية والمنفعة ٧، واستحلال ما في أيدي الغير وعد أنفسهم غير مسئولين عن الأمانة لهم والوفاء بعهدهم ٨ كما كان من خلقهم اللجاج والحجاج والمكابرة، وتلك أخلاق تجعل اللحمة متصلة بين المعاصرين منهم للرسول والقدماء في هذا الخلق.
من كل ما سبق نستطيع الحكم بأن يهود الحجاز كانوا إسرائيليين طارئين على هذه الجهات، وإن كان ذلك لا يمنع من وجود عرب تهودوا ولكنهم كانوا قلة قليلة إلى جانب كتل اليهود الكبرى.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٧٩: ١٩٣، تفسير الطبري ٢/ ٣٨١، ٣٨٣، ٣٨٤، ١٠/ ٣٠٣، ٣٠٦. ٢ ولفنسون ٧٠- ٧١. ٣ ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأَحْبَارُ بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾ [المائدة] . ٤ انظر سورة البقرة ٧٩- ٨٠، ٨٩، ٩١ آل عمران ٧٨، ١٨٨، النساء ٤٩، المائدة ١٨، الجمعة ٦، تفسير الطبري ٢/ ٣٣٣، ابن هشام ٢/ ١٩٠، ابن كثير ١/ ٢٣٠. ٥ انظر سورة النساء ٥٣- ٥٤، آل عمران ١٨٠- ١٨١. ٦ انظر سورة البقرة ٧٦، آل عمران ٧٢، ٩٩، ١٠٣، المائدة ٤١. ٧ انظر سورة النساء ٤٤- ٤٦- ٥٠. ٨ انظر سورة البقرة ١٠٠، آل عمران ٧٥، ٧٧.
[ ٢٥٢ ]
أما متى وفد اليهود على يثرب وكيف، فأمر لا يمكن البت فيه برأي قاطع؛ فإن ما لدينا من معلومات هي مجموعة من روايات نقلها أصحاب الأخبار وسردتها المراجع العربية، وهذه الروايات ترجح وصول الإسرائيليين إلى يثرب واستعمارها لها إلى أيام النبي موسى بعد خروج بني إسرائيل من مصر، وخلاصتها أن المدينة كان يسكنها منذ زمن بعيد قوم من الأمم الماضية يقال لهم العماليق، وكانوا قد تفرقوا في البلاد، وكانوا أهل غزو وبغي شديد، وقد ملكوا الحجاز وكان ملكهم به يسمى الأرقم، وكانوا قد ملئوا المدينة، ولهم بها نخل كثير وزرع، وكان موسى بن عمران قد بعث الجنود إلى الجبابرة من أهل القرى يغزونهم؛ فبعث إلى العماليق جيشًا من بني إسرائيل وأمرهم أن يقتلوهم جميعًا ولا يستبقوا منهم أحدًا. وأن هذا الجيش بعد أن انتصر على أعدائه قتلهم جميعًا إلا ولدًا للأرقم كان وضيئًا فأشفقوا على شبابه؛ فحملوه معهم ليرى موسى فيه رأيه. وحين عاد الجيش إلى الشام كان موسى قد مات، وعد بنو إسرائيل إبقاء الجيش على الشاب العمليقي معصية، ورفضوا السماح للجيش بدخول الشام، فعاد على تعبئته إلى المدينة حيث أقام بها، وكان ذلك الجيش أول سكنى اليهود بالمدينة١.
ويذكر السهيلي هذه الرواية، ويشك في صحتها لبعد عصر موسى -﵇٢. كما يذكرها ابن خلدون ويضيف إليها أنه يشك في صحتها؛ لأن اليهود لا يعرفون هذه القصة٣؛ ولكنه يحدثنا أن دواد لما خرج عليه ابنه وخلع بنو إسرائيل طاعته فر إلى خيبر وأقام بها إلى أن انتصر على ابنه فعاد إلى وطنه٤. ومثل هذه الروايات لا يمكن الاعتماد عليها؛ لأنها لا تستند إلى دليل، ولأنه لا يوجد في أسفار العهد القديم ما يؤيدها، وفي ذلك يقول الأستاذ النجار: إن مؤرخي العرب لم تكن لديهم كتب لمتقدميهم في ذلك، وهم إنما يعولون على ما رأوا في سفر العدد من
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ١١٦. ٢ السهيلي ٢/ ١٦. ٣ ابن خلدون ٢/ ٨٨. ٤ نفسه ٢/ ٩١.
[ ٢٥٣ ]
حروب بني إسرائيل والمدنيين والأموريين وغيرهم، ويتوسعون في ذلك إلى أرض الحجاز، ويزيدون على ما عند الإسرائيليين بغير سلطان أتاهم١.
ومن جهة أخرى تتحدث أسفار العهد القديم عن علاقات بني إسرائيل بسكان الجزيرة العربية: فتتحدث عن قوافل العرب التجارية التي كانت تأتي إلى أسواق مدن بني إسرائيل وكنعان٢ وتتحدث عن تجارة اليهود الذين كانوا يرحلون إلى سبأ في عهد سليمان٣. كما تحدثت عن حروب ملوك بني إسرائيل وانتصاراتهم على قبائل عربية وعماليقية غزوها، وأنهم واصلوا غزواتهم حتى وصلوا إلى الجزيرة ٤، ومثل هذه الأخبار التي وردت في أسفار التوراة لا تعطينا شيئًا يمكن الاعتماد عليه في إثبات وصول جموع إسرائيلية إلى الجزيرة العربية، وكل ما يمكن أن يقال والحالة كذلك أن القدماء اعتقدوا أنه قد وجدت في جهات يثرب وخيبر بطون إسرائيلية قبل وصول جموع اليهود المعروفة إلى الأصقاع العربية٥.
أخذت جموع كثيرة من اليهود في القرنين الأول والثاني بعد الميلاد تهاجر إلى الأقاليم العربية عمومًا وإلى ربوع الحجاز بنوع خاص. ويرد إسرائيل ولفنسون أسباب هذه الهجرة إلى الزيادة المطردة في اليهود حتى بلغ عددهم أكثر من أربعة ملايين، وهو عدد لا تتسع له بلاد ضيقة كفلسطين فاضطروا أن يهاجروا إلى ما حولهم من البلاد المجاورة كمصر والعراق والجزيرة العربية.
_________________
(١) ١ ولفنسون - حاشية ص ٦، ٧. ٢ حزقيال: إصحاح ٢٧، آية ٢١ "العرب وكل رؤساء تيدار هم تجار يديك يأتونك بالخرفان والكباش والأهندة، في هذا كانوا جارك". ٣ الملوك الأول: إصحاح ٩ آية ٢٦ "وعمل الملك سليمان سفنًا في عصيون جابر التي بجانب أيلة على شاطئ بحر سوف في الأرض أدوم. فأرسل حيرام في السفن عبيده النواتي العارفين بالبحر مع عبيد سليمان فأتوا إلى أوفير وأخذوا من هناك ذهبًا". ٤ صموئيل ج١ إصحاح ١٥. الأيام الثاني إصحاح ٢٦آية ٧. "وساعده الله على الفلسطنيين وعلى العرب الساكنين في جور بعل". ٥ ولفنسون ٧.
[ ٢٥٤ ]
ثم حدث حوالي القرن الأول ق م أن هاجمت الدولة الرومانية بلاد فلسطين وقوضت أركان الدولة اليهودية المستقلة فيها، وقد استتبع ذلك ثورات متتالية من اليهود أخضعها الرومان بشدة وقسوة، فاضطرت أعداد من اليهود إلى الهجرة إلى جزيرة العربية التي كانت بعيدة عن متناول يد الرومان؛ نظرًا لطبيعتها الصحراوية التي تعوق سير القوات المنظمة وتمنع توغلها؛ فضلًا عن أن هذه البلاد كانت تسودها الأنظمة البدوية الحرة.
وبعد حروب اليهود والرومان٧٠ ميلاديًّا التي انتهت بتدمير بيت المقدس وتشتت اليهود في أصقاع العالم قصدت جموع يهودية كبيرة بلاد العرب للمزايا السابقة. وتؤيد المصادر العربية كل هذا فتذكر أنه لما ظهرت الروم على بني إسرائيل جميعًا بالشام فوطئوهم ونكحوا نساءهم، خرج بنو النضير وبنو قريظة وبنو هدل -بهدل- هاربين إلى ما بالحجاز من بني إسرائيل لما غلبتهم الروم على الشام، فلما فصلوا عنهم بأهليهم اتبعوا الروم فأعجزوهم وهلك جند الروم في المفاوز والصحاري الخالية من الماء١، وهذه الرويات مأخذوة عن يهود المدينة أنفسهم كما حكى ياقوت٢. ثم أخذت جموع اليهود في الجزيرة العربية تزداد وتكثر بعد اضطهاد الرومان لهم، ثم قصد بنو النضير وقريظة منطقة يثرب، وارتادوا حتى تخيروا أخصب بقاعها فسكنوها.
أفكانت يثرب وخيبر ووادي القرى خالية من السكان حين نزلها اليهود بحيث استعمروها بسهولة دون أن يجدوا من ينازعهم، أم أنها كانت مأهولة ببطون عربية نازعت اليهود ثم غلبت على أمرها؟ لاتعطينا المصادر شيئًا نعتمد عليه في هذا الموضوع. ويقول مؤرخ اليهود ولفنسون: إن هذه المناطق كانت غير آهلة بكثير من العرب، وإن جموع الأعراب كانت تنتجعها ثم ترحل عنها٣. ولكننا لا نستطيع الموافقة على هذا القول. فهذه المناطق بطبيعتها أماكن استقرار دائم عامرة بالقرى، وكانت بها محطات تجارية منذ أيام المعينيين، ثم إنها مناطق خصبة كثيرة الوديان التي
_________________
(١) ١ الأغاني ١٩/ ٩٥ طبعة مصر، السمهودي ٢/ ١١٢، الطبري ١/ ٣٨٤. ٢ ياقوت ١٧/ ٨٤. ٣ ولفنسون ١٢.
[ ٢٥٥ ]
تسيل بالمياه وتكثر فيها الآبار والعيون، ولا يعقل ألا يجذب خصبها السكان إليها والإقامة بها.
وقد ذكرت المصادر أنه كان مع اليهود بالمدينة بطون عربية من اليمن ومن بلى ومن سليم ومن غسان، ثم إن قبائل عربية كبيرة كانت تعيش بجوار هذه الأماكن الخصيبة، حالفها اليهود واتخذوا منها حماة تدافع عنهم كحلف يهود خيبر مع غطفان. ولا تذكر المصادر شيئًا عن الصراع الذي حدث بين اليهود وبين القبائل العربية وهي بذلك تسكت عن تاريخ اليهود جملة ولا نراها تتعرض لشيء من تاريخهم إلا ما كان منه مرتبطًا بالأحداث التي اتصلت بالمسلمين، والأمر من ذلك معلوم وهو أن هذه المصادر أهملت تاريخ اليهود؛ نظرًا لموقفهم العدائي من الدعوة الإسلامية، وقد كرههم العرب فأغفلوا الحديث عنهم إلا من هو متصل بموقفهم العدائي هذا.
ولكننا نستنتج من كثرة الحصون والآطام التي أقامها اليهود للاحتماء بها أنهم لم يكونوا مطمئنين إلى مقامهم وأنهم كانوا يخشون هجوم القبائل عليهم؛ الأمر الذي يجعلنا نشك في أن استعمار اليهود كان هينًا سهلًا، كما نشك في حدوث هجرات يهودية كبيرة دفعة واحدة، وترجح أن هجرات اليهود كانت بأعداد قليلة متتابعة، وأن عددهم ظل يكثر شيئًا فشيئًا حتى غلبوا على هذه المناطق.
[ ٢٥٦ ]
العرب
كان العرب في وقت الهجرة النبوية أصحاب الكلمة العليا في يثرب وبيدهم كان توجيه الأمور بها، وجموع العرب بالمدينة - ما عدا بعض العشائر الصغيرة- تنتسب إلى قبيلتين كبيرتين هما الأوس والخزرج. ويقول أصحاب الأنساب: إن الأوس والخزرج أخوان، فهما أبناء ثعلبة بن عمرو بن مزيقياء بن عامر ماء السماء بن حارثة الغطريف بن امرئ القيس بن ثعلبة بن مازن بن الأزد. فهم بذلك أحد فروع الأزد اليمنية ١: وأمهما قيلة بنت الأرقم بن عمرو بن جفنة بن عمرو مزيقياء. ولذلك عرفوا ببني قيلة نسبة إلى أمهم التي تنتسب إلى الغساسنة ملوك عرب الشام٢.
_________________
(١) ١ جمهرة أنساب العرب ١١٢. ٢ نفسه ٣٥١.
[ ٢٥٦ ]
وكانت من قبيلة من القبيلتين تنقسم إلى خمسة أبطن كبرى، انقسمت بدورها إلى بطون أصغر منها وإلى عشائر، حتى بلغت البطون المعروفة من القبيلتين أكثر من أربعين بطنًا، عدا من كان يعايشها من عشائر عربية أخرى اتصلت بها برابطة الولاء. وقد سكنت بطون الأوس المنطقة الجنوبية والشرقية وهي منطقة العوالي من يثرب؛ بينما سكنت بطون الخزرج المنطقة الوسطى الشمالية وهي سافلة المدينة وليس وراءهم شيء في الغرب إلا خلاء حرة الوبرة.
[ ٢٥٧ ]
الأوس:
وبطون الأوس الكبرى خمسة أبطن هي: عوف بن مالك، وعمرو بن مالك وهم النبيت، ومرة بن مالك، وجشم بن مالك، وامرؤ القيس بن مالك.
وقد انقسم بنو عوف بن مالك بن الأوس إلى عدة أبطن أهمها: بنو تزيد الذين انقمسوا إلى ضبيعة، وأمية، وعبيد. ثم بنو معاوية، وبنو جحجبا، وبنو لوزان، هذا إلى عشائر أخرى أصغر منها، وقد سكنوا جميعًا منطقة قباء جنوبي المدينة، ما عدا بني معاوية الذين سكنوا شرقي البقيع، وبني أمية الذين سكنوا إلى جنوبهم.
وانقسم النبيت إلى عدة أبطن أهمها: بنو ظفر، وبنو حارثة، وبنو عبد الأشهل، وبنو زعوراء، وكانت مساكن هذه البطون على الطرف الشرقي لحرة واقم، فكانت منازل بني ظفر في شمال منازل قريظة على وادي مهزور، وإلى شمالهم كانت منازل بني عبد الأشهل، وإلى أقصى الشمال منازل بني حارثة، وأما باقي عشار النبيت من بني زعوراء وعمرو والجريش فكانت عند راتج.
وأهم بطون بني جشم بن مالك: بنو خطمة، وكانت منازلهم مجاورة لمنازل بن أمية.
وأهم بطون امرئ القيس بن مالك: واقف والسلم، وكانت منازلهم بالعوالي مسجد القضيخ بين منازل بني قريظة وبني النضير، وقد كان السلم حلفاء بني عمرو بن عوف بن مالك؛ ولذلك كان إسلامهم مبكرًا قبيل الهجرة وبعدها.
أما بطون مرة بن مالك فكانوا: بني أمية، وبني وائل، وبني عطية، وهؤلاء جميعًا يسمون الجعاذرة، سموا بذلك لقصر قامتهم، وكانت منازلهم بقرب قباء عند
[ ٢٥٧ ]
ملتقى بطحان ورانوناء، وبنو سعد بن مرة سكنوا راتج على طرف الحرة الشمالي، وقد سمي بذلك لقيام حصن لليهود بهذا الموضع يسمى راتج. والجعاذرة وواقف وخطمة كانوا يسمون أوس الله، وقد تأخر إسلام هذه البطون بعد الهجرة فلم تسلم إلا بعد الخندق.
[ ٢٥٨ ]
الخزرج:
وبطون الخزرج الكبرى أيضًا خمسة أبطن هي: عمرو بن الخزرج، وعوف بن الخزرج، وجشم بن الخزرج، وكعب بن الخزرج، والحارث بن الخزرج. وقد انقسمت هذه البطون الكبرى بدورها إلى بطون متعددة أصغر منها وإلى عشائر.
فانقسمت عمرو بن الخزرج إلى أربعة أبطن هي: مالك، وعدي، ومازن، ودينار. وكلها من بني النجار المعروف بتيم اللات بن ثعلبة بن عمرو بن الخزرج. وقد سكنت بطون بني النجار في المنطقة الوسطى التي حول مسجد النبي -ﷺ- فمساكن بني مالك كانت في منطقة المسجد، ومساكن بني عدي غربي المسجد، ومساكن بني مازن في قبلة المدينة، وإلى جنوبهم سكن بنو دينار خلف وادي بطحان.
وانقسم بنو عوف بن الخزرج إلى بطون أهمها: سالم، وغنم، وعنز. وقد عرفوا بالقوافل؛ لأنهم كانوا إذا أجاروا شخصًا دفعوا إليه سهمًا وقالوا له: قوقل به حيث شئت أي تنقل به حيث شئت لا تخش أحدًا، وقد سكن القواقل على طرف الحرة الغربية غربي الوادي الذي به مسجد الجمعة. ومن بطون عوف بن الخزرج بنو الحبلى، الذين كان منهم عبد الله بن أبي بن سلول. وكانت منازلهم بين قباء والمنطقة الشرقية من وادي بطحان.
وانقسم بنو جشم بن الخزرج إلى عدة أبطن أهمها: بنو بياضة، وبنو زريق، وبنو سلمة، وإلى جانبهم عشائر منهم دخلت فيهم. وقد سكن بنو سلمة في الشمال الغربي للمدينة بجوار مسجد القبلتين، وبنو سلمة تعددت فروعهم، فمنهم بنو حرام وبنو عدي وبنو عبيد، وكانت منطقتهم ممتدة من سلع إلى وادي العقيق، وسكن بنو زريق وبنو بياضة وبنو حبيب في جنوب المدينة شمال مساكن بني سالم بن عوف بن الخزرج على وادي بطحان.
وانقسم بنو الحارث بن الخزرج إلى عدة أبطن أهمها: بنو مالك الأغر بن كعب بن الخزرج الأصغر بن الحارث، وبنو جشم بن الحارث، وبنو زيد مناة بن الحارث،
[ ٢٥٨ ]
وبنو خُدرة، وجِدارة ابنا عوف بن الحارث، وبنو صخر بن الحارث. وقد سكن بنو الحارث الذين عرفوا بلحارث بالعوالي شرقي وادي بطحان: ماعدا بني جشم وبني زيد مناة الذين سكنوا السنح على ميل من مسجد رسول الله -ﷺ- من ناحية الشرق. وبني خدرة وجدارة الذين سكنوا مما يلي سوق المدينة.
وأهم بطون كعب بن الخزرج بنو ساعدة الذين انقسموا بدورهم إلى بطنين هما طريف وعمرو، ومن طريف سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر. وقد سكن بنو ساعدة عند المكان المعروف بسقيفة بني ساعدة في شرقي سوق المدينة المعروف بسوق الغنم. مما يلي باب الشام وفي بئر بضاعة، كما كان لهم منازل عند وادي بطحان توازي مساكن بني دينار.
ومما سبق نرى أن الأوس قد سكنوا المناطق الزراعية الغنية في المدينة، وأنهم جاوروا أهم قبائل اليهود وجموعهم، وأن الخزرج استوطنوا مناطق أقل خصبًا، وقد جاورهم قبيلة يهودية كبيرة واحدة هي قينقاع، وعشائر أخرى يهودية أقل عددًا هم اليهود الذين نزلوا في الشمال الغربي من المدينة عند المكان المعروف بيثرب شمال جبل سلع. وقد كان لهذا أثره الكبير في العلاقات بين العرب واليهود من ناحية وبين الأوس والخزرج من ناحية أخرى١.
أما متى وكيف قدم الأوس والخزرج إلى يثرب فإن المصادر العربية ترجع سبب قدومهم إلى هجرة الأزد من اليمن نتيجة لتهدم سد مأرب؛ فيقول ابن هشام عن هجرة الأوس والخزرج إلى جهات يثرب: وكان سبب خروج عمرو بن عامر من اليمن، أنه رأى جرذًا يحفر في سد مأرب الذي كان يحبس عليهم الماء فيصرفونه حيث شاءوا من أراضيهم، فعلم أنه لا بقاء للسد بعد ذلك، فاعتزم على النقلة من اليمن، فكاد قومه، فأمر أصغر ولده إذا أغلظ عليه ولطمه أن يقوم إليه فيلطمه ففعل ابنه ما أمره به،
_________________
(١) ١ عن أنساب الأوس والخزرج وبطونهم. انظر جمهرة أنساب العرب من ص٣١٢- ٣٤٧ وعن توزيع مساكنهم انظر السمهودي ١٣٦٥- ١٥٢، وابن هشام ٢/ ١١٢، وابن سيد الناس ١/ ١٩٤ وانظر أيضًا الخريطة التوضيحية الملحقة بهذا الفصل.
[ ٢٥٩ ]
فقال عمرو: لا أقيم ببلد لطم وجهي فيه أصغر ولدي، وعرض أمواله، فقال أشراف من أشراف اليمن: اغتنموا غضبة عمرو. فاشتروا منه أمواله، وانتقل في ولده، وولد ولده، وقالت الأزد: لا نتخلف عن عمرو بن عامر، فباعوا أموالهم وخرجوا معه، فساروا حتى نزلوا بلاد علك مجتازين يرتادون البلدان؛ فحاربتهم عك؛ فكانت حربهم سجالًا، ثم ارتحلوا عنهم، فتفرقوا في البلدان؛ فنزل آل جفنة بن عمرو بن عامر الشام، ونزلت الأوس والخزرج يثرب، ونزلت خزاعة مرًّا ثم أرسل الله تعالى على السد سيل العرم فهدمه١.
ويتضح من قول ابن هشام أن نزوح الأوس والخزرج إلى جهات يثرب كان قبل سيل العرم؛ بينما يرى صاحب الأغاني أن خروج الأزد كان بعد سيل العرم. غير أن هذه الروايات لا تحدد متى كان تهدم السد، ولا تحدد الزمن الذي هاجرت فيه قبائل الأزد، على أن رواية ابن هشام لا يمكن الأخذ بها،؛ إذ إن ارتحال قبائل من مواطنها توقعًا لحادث لم يقع يعد أمرًا يصعب تصديقه. ثم إن السد تصدع وأصلح عدة مرات كما أثبتت النقوش التي عثر العلماء عليها٢.
ونحن إذا أخذنا نسب أحد الخزرج المعروفين عند الهجرة وهو سعد بن عبادة الخزرجي، وجعلناه مقياسًا للزمن الذي ربما تكون هاجرت فيه الأوس والخزرج إلى جهات يثرب، وجدنا أنها من المحتمل أن تكون هاجرت منذ حوالي أواخر القرن الرابع الميلادي؛ فنسب سعد كما يذكره النسابون هو سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن الخزرج الأصغر بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأكبر بن حارثة؛ فمن سعد إلى الخزرج الأكبر أحد عشر جيلًا، إذا افترضنا أن الفرق بين كل جيلين خمسة وعشرون عامًا كانت المدة ما بين الهجرة وسنة ٦٢٢م وبين الخزرج الأكبر حوالي مائتين وخمسين وسبعين سنة. أي أن هجرة الأوس والخرزج من المحتمل أن تكون حدثت في أواخر القرن الرابع الميلادي٣. وكان سببها لا يرجع
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ٩. ٢ يقول سديو ص٣٦: إن أول تصدع للسد كان سنة ١٢٠م ويقول نقش عثر عليه: إن شرحبيل بن أبي كرب أسعد الحميري أصلح السد سنة ٤٥٠-٤٥١م. ويقول نقش آخر: إن أبرهة أصلحه سنة "٤٥٠- ٤٥١" ويقول نقش آخر: إن أبرهة أصلحه سنة ٥٤٢م. "جواد علي ٣/ ١٥٦، ٣/ ١٩٧-٢٠٠" وقرر العالم جلاسر أن السيل حدث من سنة ٤٤٧-٤٥٠. عن ولفنسون ص ٥٣. ٣ يحدد سديو هجرة الأوس والخزرج إلى المدينة سنة ٣٠٠م واستيلاءهم سنة ٤٩٢م.
[ ٢٦٠ ]
إلى تهدم السد وحده؛ وإنما يرجع إلى عوامل أخرى، كما أن قبول القول بهجرة قبائل الأزد جميعًا دفعة واحدة غير ممكن، إذ إن خزاعة وهي بطن من الأزد كانت تحكم مكة إلى سنة ٤٥٠م، وقد استمرت مدة طويلة تلي أمر مكة حددها بعضهم بخمسمائة سنة وحددها بعضهم بثلاثمائة سنة١.
ومعنى ذلك أنها هاجرت حوالي منتصف القرن الثاني أو بداية القرن الثالث ٢.
وإذن فإن هجرة القبائل الأزدية كانت متفرقة وأنها كانت لعوامل متعددة؛ منها اضطراب أحوال اليمن نتيجة للتنازع السياسي بين الأقيال، وإلحاح الأحباش عليها بالغزو منذ القرن الثالث، وإهمال أمر الإرواء مما نتج عنه تصدع السد مرات متكررة مما سبب العسر الاقتصادي لإهمال الزراعة، فأخذت القبائل تهاجر كلما ضاق بها الحال، وكانت الأوس والخزرج ضمن هذه القبائل المهاجرة وكانت هجرتها متأخرة عن غيرها من بطون الأزد، وعلى هذا فالأوس والخزرج أحدث عهدًا بالمدينة من اليهود. ويقول صاحب الأغاني: إن الأوس والخزرج توجهوا بعد هجرتهم إلى المدينة، وحين وردوها نزلوا في حرار، ثم تفرقوا وكان منهم من لجأ إلى عفاء من الأرض لا ساكن فيه، ومنهم من لجأ إلى قرية من قراها، فكانوا من أهلها، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم التي نزلوها بالمدينة في جهد وضيق في المعاش ليسوا بأصحاب نخل وزرع، وليس للرجل منهم إلا الأعذاق اليسيرة والمزرعة يستخرجها من أرض موات. والأموال لليهود، فلبثوا بذلك حينًا ٣.
ثم تطورت العلاقات بينهم وبين اليهود من الجوار إلى الحلف إلى الصراع.
_________________
(١) ١ ابن كثير ٢/ ١٨٣. ٢ يحدد سديو استيلاء خزاعة على مكة سنة ٢٠٧م. ٣ الأغاني ١٩/ ٩٦ "طبعة مصر".
[ ٢٦١ ]
التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان
مدخل
الفصل الثاني: التنظيم الداخلي والعلاقة بين السكان
إذا كانت مدينة مكة قد تمتعت بالنظام المستقر وسادها جو من الهدوء والطمأنينة، نتيجة لوحدة السكان فيها، واجتماعهم على غاية واحدة هي رعاية الكعبة والقيام على تنظيم أمور التجارة الداخلية التي كانت أهم موارد الرزق في البلد الحرام؛ فإن مدينة يثرب لم تتوافر لها هذه الظروف التي ساعدت مكة على التنظيم والاستقرار، فإن سكان يثرب كانوا مختلفي الجنسية منهم العرب ومنهم اليهود، وكذلك لم تكن لهم غاية مشتركة يحرصون على الترابط بينهم من أجلها، فكانت حياتهم تقوم على تملك الأرض الزراعية واستثمارها. وفي مجتمع قبلي حيث لا توجد حكومة تقر القانون وتقهر الناس على التزامه، كانت القوة الذاتية سواء عن طريق الأفراد أو الجماعات هي الضمان الوحيد لحفظ الحقوق؛ ولذلك كان ما من شأنه أن يؤدي إلى الاستقرار، هو في ذاته عامل من عوامل التقلقل والنزاع.
فحياة الزراعة من طبيعتها أن تربط الناس بالأرض وتفرض عليها الاستقرار، ولكنها في مثل هذا المجتمع القبلي كانت مثارًا للنزاع الدائم، فقد كان كل فريق يسعى إلى أن تكون في يده أخصب البقاع وأغناها، وهذا مما يؤدي إلى التطلع إلى ما في يد الغير محاولة الحصول عليه، ولما لم يكن هناك قانون غير القوة ينظم العلاقة بين الناس، كان السعي عن طريقها هو السبيل المألوف لتوسيع الأملاك والحصول على أفضل البقاع الزراعية.
وإذا كانت القبائل التي تتالت في السيطرة على مكة قد استطاعت أن تجلي غيرها عنها وتنفرد بشئونها؛ فإن ذلك كان أمرًا ميسورًا إلى حد ما، لأنه لم تكن هناك أرض يرى الناس حياتهم ملتصقة بها، فالتاجر مع حبه للهدوء ورغبته في السلام وسعيه
[ ٢٦٣ ]
إلى حسن العلاقة مع غيره ليقوم على تجارته في جو من الأمن والسلام، لا يرى ضرورة للاستماتة من أجل بقعة معينة لا يتوافر له فيها جو السلام، أما في بلد يعتمد سكانه على الزراعة فإن إجلاء الناس عن أرض يرون معاشهم متصلًا بها أمر بالغ الصعوبة تقوم من أجله الحروب وتسفك الدماء، ولا يقبله الناس إلا أمام قوة لا يرون سبيلًا إلى قهرها.
لذلك اختلفت الخصائص العامة في مكة عنها في المدينة، وحيث حظيت الأولى بنوع من التماسك والنظام، وانقسمت الثانية إلى معسكرين متعاديين دائمًا، يترقب كل فريق الفرصة لقهر الآخر والحصول على ما في يده أو على خير ما في يده، على أن كلًا من المعسكرين لم يسلم من النزاع الداخلي لنفس هذه الغاية، ولم يربط بين الوحدات في المعسكر الواحد إلا ما كان يربطها من تقاليد العصبية القبلية، والشعور بأن الفرد وحده عاجز عن حماية نفسه ضد الآخرين، وحتى رابطة الدم نفسها فشلت في أن تكون رابطًا يؤلف بين الناس. ومن هنا أصبح القتل وسفك الدم شيئًا مألوفًا، ولم يكن أحد يجرؤ على الخروج من حيه دون أن يعرض نفسه للخطر١، وساد المدينة جو من عدم الأمن جعل الحياة فيها أمرًا عسيرًا.
ومن أجل المحافظة على النفس والمال اتجه ميل السكان بصفة عامة إلى إقامة الحصون والآطام؛ للاحتماء بها عند الحاجة، حتى أصبحت المدينة ممتلئة بهذه الحصون إلى درجة لا تكاد توجد في مدينة أخرى؛ فقد ذكر بعض المؤرخين أنه كان لليهود وحدهم تسعة وخمسون أطمًا٢ وأن العرب لم يكونوا أقل منهم رغبة في بناء الآطام حتى لقد ذكروا أنه كان لبطن واحد من بطونهم تسعة عشرة أطمًا٣.
ومع ذلك فقد ظلت الحياة القبلية تفرض نفسها بصورة واضحة في يثرب، فلم تكن حياة البطون اليثربية تتميز بشيء عن حياة القبائل البدوية في الجزيرة العربية إلا
_________________
(١) ١ يروي صاحب الأغاني أن الأوس والخزرج حين اصطلحوا بعد حرب سمير اصطلحوا بعهد وميثاق ألا يقتل رجل في داره ومعقله- والمعاقل: النخل- فإذا خرج رجل من داره أو معقله فلا دية ولا عقل، الأغاني ٣/ ٤٢. ٢ السمهودي ١/ ١١٦. ٣ نفسه ١/ ١٤٥.
[ ٢٦٤ ]
بالاستقرار الذي فرضته عليه الحياة الزراعية وحتى اليهود الذين كانوا قد وصلوا في وطنهم الأصلي إلى درجة من المدنية وانمحى من بينهم نظام القبائل وانصهروا في أمة واحدة، لم يلبثوا في المدينة أن زالت منهم هذه الصفات وتغلبت عليهم العقلية البدوية، حتى صارت صاحبة السلطان على أفكارهم ونفسياتهم١، ومع ذلك فإن الروابط القبلية بما فيها من لحمة النسب والدم، فشلت في أن تقيم مجتمعًا أكبر من مجتمعات البطون، فانقسمت يثرب إلى عدة دوائر زراعية، وكل دائرة كانت تابعة لبطن من البطون. وكان كل بطن من البطون الكبيرة يضم طائفة من البطون الصغيرة تعد موالية، يشرف على مزارعها ومتاجرها ويرعى حقوقها، وإذا وقعت إغارة عدها واقعة على رعاياه فطلب بالثأر أو دفع الدية٢. وكان البطن الصغير يلجأ إلى آطام البطن الكبير إذا هاجمهم عدو، وهو مضطر للدخول في الحرب إلى جانب البطن الكبير. ومع ذلك فقد حافظت البطون الصغيرة على شخصيتها ولم تسمح البطون الكبيرة أن تحد من حريتها، وكان من نتيجة ذلك أن تجنبت البطون الكبيرة كل ما من شأنه أن يهيج البطون الصغيرة٣.
ومن ثم فقد أصبح هناك شبه توازن في نظام الحكم بين البطون الكبيرة يثرب، فكانت البطون تثور إذا ما هم بطن كبير بالاستئثار بالنفوذ٤، ومع ذلك فقد كانت بطون القبيلة تترابط إذا هددها هجوم عام تجمعت له بطون قبيلة أخرى، لكن كان يحدث في كثير من الأحيان أن ترى بعض البطون مصلحتها في أن تهادن الفريق الآخر، فتخرج على الإجماع وتقف على الحياد٥.
وقد حكم العلاقات بين السكان في يثرب عاملان: عامل الروابط القبلية، وعامل الحياة الاقتصادية، وقد امتزج العاملان معًا بحكم الضرورة، ولكن العامل الاقتصادي كان أقوى وأظهر في توجيه هذه العلاقات
_________________
(١) ١ ولفنسون ص١٢، ١٥. ٢ السمهودي ١/ ١٥٢- ١٥٣، ابن الأثير ٣/ ٤٠٢- ٤١٨. ٣ السمهودي ١/ ١٣٦، ١٣٧، ١٤٦- ١٤٧. ٤ ولفنسون ١١٨. ٥ ابن الأثير ١/ ٤١٥، ٤١٧، ٤١٨، السمهودي ١/ ١٥٣- ١٥٤.
[ ٢٦٥ ]
وسكان يثرب -كما قدمنا- كانوا من اليهود والعرب. واليهود أقدم عهدًا بها، وقد انفردوا بشئونها فترة من الزمن، ولم يكن يساكنهم إلا بطون عربية صغيرة لم تكن على جانب من القوة فعاشت موالي لليهود، وكان اليهود في هذه الفترة هم أصحاب الثروة والنفوذ، وكانوا عدة قبائل وبطون انتشرت في منطقة يثرب. ثم قدم عليهم الأوس والخزرج، فساكنوهم وحالفوهم، ثم ما لبثوا أن تغلبوا عليهم ونقلوا السلطة إلى أيديهم، ولكنهم ما كادوا يتغلبون على اليهود حتى دخلوا في دور من الصراع بينهم صراعًا شارك فيه كل سكان يثرب.
ونحن إذا أردنا أن ندرس العلاقة بين السكان في المدينة؛ فإنه يجب علينا أن ننظر إليها من خلال هذه الفترات الثلاث؛ فتتحدث عن: العلاقات بين اليهود أنفسهم، ثم بينهم وبين الأوس والخزرج، ثم العلاقات بين الأوس والخزرج.
[ ٢٦٦ ]
١- العلاقات بين اليهود
لم تحدثنا المصادر عن العلاقات التي كانت بين القبائل والبطون اليهودية بعد قدومها إلى يثرب واستقرارها بها؛ ولذلك فإنه ليس أمامنا إلا الاستنتاج نعتمد عليه من دراسة أحوالهم في الفترة التي سبقت الهجرة مباشرة وفي عهد الهجرة النبوية.
وقد بينا -من قبل- كيف قدم اليهود إلى يثرب، وأنهم جاءوا في هجرات متتابعة نتيجة للظروف التي كانت تواجههم في موطنهم في فلسطين. وهم حين جاءوا إلى هذه المناطق من أرض الحجاز كانوا طارئين عليها، فكان من مصلحتهم أن يكونوا على علاقات طيبة فيما بينهم، وكان على السابق منهم أن يفسح مجالًا للاحق، بدافع الشعور بالمحنة المشتركة وحتى يكثر عددهم ويقووا على حماية أنفسهم في بيئتهم الجديدة.
وقد شغلوا في فترتهم الأولى بتدبير أمر أنفسهم والتقوي على مواجهة جيرانهم من البطون العربية النازلة في يثرب، ومن القبائل التي تجاورم وترجح أن حياتهم الأولى لم تكن سهلة ميسرة، وأن أحداثًا وقعت بينهم وبين جيرانهم مما جعلهم يتوسعون في إقامة الحصون والآطام حتى يقووا على مواجهة أي هجوم عليهم؛ وهم مع ذلك يعملون لاستثمار الأراضي الخصيبة التي نزلوا فيها. وقد نجحوا في كلا
[ ٢٦٦ ]
الأمرين نجاحًا كبيرًا، فاستقروا، وتجمعت في أيديهم الثروة، وعلا شأنهم حتى أصبحوا أصحاب الكلمة العليا في يثرب.
وحين استقرت أمورهم وتم لهم الغلب بدأ الدافع على التضامن يضعف لديهم. فلم يحافظوا على الروح الجامعة بينهم، بل انحدروا إلى الروح القبلية، وأخذت روح الانفصالية والتنافس تظهر بين جماعاتهم. ويبدو أن أحداثًا وحروبًا وقعت بين طوائفهم، كان من نتيجتها ذلك التفكك الذي بدا واضحًا بينهم حين وقع النزاع بينهم وبين الأوس والخزرج بعد ذلك، فإنهم لم يستطيعوا أن يجمعوا كلمتهم ويقفوا صفًّا واحدًا في وجه خصومهم، كما أنهم لم يحتفظوا بكيانهم فيما تلا ذلك من أحداث؛ فتفرقت بطونهم ودخل بعضها في محالفات مع الأوس ودخل بعضها في محالفات مع الخزرج، واشترك كل فريق في القتال إلى جانب حلفائه ضد الفريق الآخر١، وكانوا في القتال أقسى على بني جنسهم من العرب، فقد قسا بنو النضير وقريظة على بني قينقاع وأثخنوا فيهم ومزقوا شملهم في حرب بعاث بين الأوس والخزرج، مما جعل أحد شعراء اليهود من بني النضير يتألم لهذه الحالة٢.
ولا نستطيع أن نفهم سببًا لهذه القسوة إلا أن عداء كان قد استحكم بين بني قينقاع وبين بني النضير وقريظة، كما أنه لا بد من أن أحداثًا وقعت بينهم، جعلت بني قينقاع يتركون أرضهم وزرعهم ويقتصرون على الصناعة؛ فإنهم حين أجلاهم النبي - ﷺ- عن المدينة لم يكن لهم بها أرض ولا مزارع٣، وليس من المحتمل أن يكون بطن كبير مثلهم قد رغب عن الأعمال الزراعية كلية. ومما يؤيد ما كان يقع بين اليهود من قتال وسفك دماء، وإخراج بعضهم بعضًا من ديارهم جريًّا وراء المصالح والمنافع الخاصة، ما ذكرته آيات القرآن الكريم في وصفهم والتنديد بأعمالهم هذه مع مخالفتها لشريعتهم ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ، ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ٢٤. ٢ الأغاني ١٩/ ٩٥ "طبعة مصر" ولفنسون ٦٩. ٣ الواقدي ١٤٠.
[ ٢٦٧ ]
عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾ [البقرة] ١.
وبعد الهجرة كانت قبائل اليهود وبطونهم في حالة واضحة من التفكك، وكان إحساسهم بالترابط منعدمًا؛ فلم يبد أي بطن من بطونهم أي إحساس بالعطف نحو الآخرين حين وقعوا في خلاف مع النبي -ﷺ.
كل ذلك يقطع بأن العلاقات بين اليهود في يثرب لم تكن حسنة في عصر الهجرة النبوية، وقد سيطرت عليهم المنفعة الشخصية وأهدروا في سبيلها كل مصلحة مشتركة.
_________________
(١) ١ تفسير الطبري ٢/ ٣٠٥.
[ ٢٦٨ ]
٢- العلاقات بين العرب واليهود
بدأت العلاقات بين الأوس والخزرج حين قدموا يثرب وبين اليهود، علاقات سلم وجوار، فقد قدم هؤلاء العرب على قوم مستقرين في ديارهم، وبيدهم الأموال والآطام والعدد والقوة، فكان طبيعيًّا أن يقنعوا منهم بالسماح لهم بمجاورتهم والإقامة معهم، ولعلهم لم يكونوا من كثرة العدد والقوة بحيث يخشى اليهود عاديتهم. ومن الجائز أنهم فكروا في الاستفادة من خبرتهم السابقة في الزراعة في مواطنهم باليمن، فاتخذوا منهم عمالًا ومساعدين لهم في دوائرهم الزراعية أو في أعمالهم التجارية. وقنع الأوس والخزرج بهذا من اليهود فنزلوا بينهم وحواليهم؛ ولما كانت الثروة والسلطان في أيدي اليهود ومواليهم من البطون العربية، فقد عاش الأوس والخزرج في جهد وضيق في المعاش؛ إذ لم يكن لهم نعم ولا شاء؛ لأن المدينة ليست بلاد مرعى، فعمل بعضهم مأجورًا في مزارع اليهود، ومن عمل لحسابه لم يكن له إلا الأعذاق اليسيرة والمزرعة يستخرجها من أرض موت١.
وأقام اليهود والعرب على ذلك مدة طويلة يسودهم الوئام والوفاق، ويتحدث السمهودي عن دور الوفاق بين الطرفين، فيقول: وأقامت الأوس والخزرج بالمدينة، ووجدوا الأموال والآطام والنخيل في أيدي اليهود، ووجدوا العدد والقوة معهم،
_________________
(١) ١ الأغاني ١٩/ ٦٩ "طبعة مصر" ابن خلدون ٢/ ٢٨٧، السمهودي ١/ ١٢٥.
[ ٢٦٨ ]
فمكث الأوس والخزرج ما شاء الله: ثم إنهم سألوهم أن يعقدوا بينهم جوارًا وحلفًا يأمن به بعضهم من بعض ويمتنعون به ممن سواهم فتعاقدوا وتحالفوا، واشتركوا وتعاملوا؛ فلم يزالوا على ذلك زمانًا طويلًا، وأمرت الأوس والخزرج وصار لهم مال وعدد؛ فلما رأت قريظة والنضير حالهم خافوهم أن يغلبوهم على دورهم وأموالهم، فتنمروا لهم حتى قطعوا الحلف الذي بينهم. وكانت قريظة والنضير أعد وأكثر، وكان يقال لهما الكاهنان وبنو الصريح، فأقامت الأوس والخزرج في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، حتى نجم منهم مالك بن العجلان من بني سالم بن عوف بن الخزرج وسوده الحيان والأوس والخزرج١.
ويؤخذ من هذه الرواية أن الأوس والخزرج قنعوا بوضعهم في أول الأمر؛ لأنهم إنما كان همهم أن يستقروا ويجدوا لهم معاشًا. ثم أخذوا بعد ذلك يعملون على تثبيت مركزهم؛ فسعوا إلى عقد الحلف بينهم وبين اليهود ليأمنوا على أنفسهم، وليستطيعوا توسعة دائرة أعمالهم، وقد أتاح لهم الحلف أن يشاركوا اليهود ويتعاملوا معهم، فازدادت ثروتهم وكثر عددهم وأخذوا في تنظيم أنفسهم. وتنبهت اليهود إلى ما طرأ على حلفائهم هؤلاء وأحسوا بخطورتهم وأدركوا أن الحلف إنما يسير إلى مصلحة جيرانهم، فخافوا أن يتطور الأمر إلى أن يغلبوهم على دورهم، فغيروا مسلكهم نحوهم وأساءوا معاملتهم وانتهوا إلى قطع الحلف معهم، عند ذلك ظهرت الفتن والعدوات بين الطرفين، ولما كانت اليهود أعد وأكثر فإن الأوس والخزرج أقاموا في منازلهم خائفين أن تجليهم يهود، ولم يكن أمامهم إلا أن يبحثوا لهم عن حليف ينصرهم إن ثارت الثائرة بينهم وبين اليهود. وكان طبيعيًّا أن يتجه تفكيرهم أول ما يتجه إلى قوم تربطهم بهم رابطة قرابة ونسب، ويكونوا لهم من القوة ما يمكنهم من الانتصار بهم على خصومهم، فاتجهوا إلى الغساسنة الذين كانوا مثلهم فرع من الأزد؛ فهم أبناء عمومة فضلًَا عن رابطة الخئولة، فقد كانت أم الأوس والخزرج قيلة من غسان كما يقرر النسابون، وكان الغساسنة قد علا أمرهم بالشام وكوّنوا لهم مملكة بها. ويتحدث المؤرخون عن اتصال مالك بن العجلان الخزرجي بالغساسنة، فيقولون: إن مالك بن العجلان رحل إلى أبي جبيلة الغساني، وهو يومئذ ملك غسان، فسأله عن قومه وعن منزلتهم فأخبره بحالهم وضيق معاشهم، فقال له أبو جبيلة: والله ما نزل قوم منا بلدًا
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١٢٥- ١٢٦.
[ ٢٦٩ ]
إلا غلبوا أهله عليه، فما بالكم؟! ثم أمره بالمضي إلى قومه، وقال له: أعلمهم أني سائر إليهم، فرجع مالك بن العجلان فأخبرهم بأمر أبي جبيلة. ثم جيش أبو جبيلة جيشًا عظيمًا وأقبل كأنه يريد اليمن حتى قدم المدينة فنزل بذي حرض، وأرسل إلى أهل المدينة من الأوس والخزرج فأتوا إليه فوصلهم وأعطاهم. ثم أرسل إلى بني إسرائيل؛ يعني اليهود وقال: من أراد الحباء من الملك فليخرج إليه؛ وإنما فعل ذلك خيفة أن يتحصنوا في الحصون فلا يقدر عليهم، فخرج إليه أشراف بني إسرائيل بخواصهم وحشمهم، فأمر لهم بطعام، حتى اجتمعوا فقتلهم من عند آخرهم، وقال للأوس والخزرج: إن لم تغلبوا على البلاد بعد قتل هؤلاء فلأحرقنكم. ثم رجع إلى الشام فلما فعل ذلك صار الأوس والخزرج أعز أهل المدينة فتفرقوا في عالية يثرب وسافلتها يتبوءون منها حيث شاءوا، واتخذوا الديار والأموال والآطام١.
ثم أخذت اليهود تعترض الأوس والخزرج وتناوشهم، فرأى مالك بن العجلان أن الغلبة لم تكمل لهم بعد على اليهود، فكادهم كيدًا شبيهًا بكيد أبي جبيلة، ونجح في القضاء على عدد منهم، فذلوا وقل امتناعهم وخافوا خوفًا شديدًا، واضطرت بطونهم الصغيرة إلى الدخول في حلف مع جيرانهم من الأوس والخزرج، ولم يبق إلا بنو النضير وقريظة ويبدو أنهم كانوا أصحاب قوة وأن حصونهم كانت منيعة فاعتمدوا عليها ولم يحالفوا أحدًا منهم٢، وجعل اليهود كلما هاجمهم أحد من الأوس والخزرج بشيء يكرهونه لم يمش بعضهم إلى بعض كما كانوا يفعلون قبل ذلك، ولكن يذهب اليهودي إلى جيرانه الذين هو بين أظهرهم فيقول: إنما نحن جيرانكم ومواليكم، فكان كل قوم من اليهود قد لجئوا إلى بطن من الأوس والخزرج يتعززون بهم.
مما سبق يبدو أن العامل الاقتصادي كان هو المتحكم في العلاقات بين العرب واليهود. فالعرب قد قنعوا بوضعهم الاقتصادي السيئ أول الأمر مضطرين، ثم سعوا إلى تحسينه بالحلف مع اليهود ومشاركتهم، ثم لما اشتد أمرهم خشيهم اليهود على ما
_________________
(١) ١ الأغاني ١٩/ ٥٦- ٧٦ طبعة مصر، ابن خلدون ٢/ ٢٨٧- ٢٨٩، ابن الأثير ١/ ٤٠٢، السمهودي ١/ ١٢٧. ٢ الأغاني ٣/ ٢٤.
[ ٢٧٠ ]
في أيديهم فقطعوا الحلف معهم وأساءوا معاملتهم. والعرب بدأوا فعلًا يتطلعون إلى وضع اقتصادي أفضل عن طريق مشاركة اليهود في تملك الأراضي الخصبة أو مغالبتهم عليها، ولدينا رواية أوردتها المصادر يؤيدها هذا الاتجاه العربي. قالوا: إن عمرو بن النعمان البياضي قال لقومه بياضة: إن عامرًا قد أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، وإنه والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل١. وهذا القول وإن كانت المصادر قد أوردته في ذكر حرب بعاث بين الأوس والخزرج ومن حالف الطرفين من اليهود، إلا أنه يعطينا فكرة عن اتجاه العلاقات العامة بين السكان في يثرب، وأنه كان يحكمها ويوجهها العامل الاقتصادي.
ويحاول بعض المؤرخين أن يربط الحوادث التي وقعت بين العرب واليهود بالسياسة الدولية في ذلك الوقت وبالنضال الديني بين المسيحية واليهودية، ويقولون: إن النكبة الشديدة التي نزلت باليهود في بلاد حمير قد أنتجت نتائج سيئة لم يكن في الإمكان أن تحدث لولا هذه النوائب. وأهم هذه النتائج تحمس العناصر النصرانية التي كانت تعتمد على مؤازرة الدولة الرومانية ضد الديانة اليهودية، وتحركها لهدم كيانها والقضاء على أصولها ومبادئها في جميع أنحاء الجزيرة العربية، وتهييج طمع القبائل العربية في أموال اليهود ومستعمراتهم، ورغبتهم في الحصول عليها والاستئثار بها٢.
ويقر المؤرخ Gratez أن البطون الأوسية والخزرجية لم تصارح اليهود بالعداوة والمعصية إلا بعد النكبة التي حلت باليهود في اليمن، إذ لا يتصور أن يضطهد اليهود في الحجاز في العصر الذي كان فيه ملوك متهودون يسيطرون على اليمن ويتعصبون ليدنهم ويناهضون كل من يناهضهم أو يعتدي عليهم٣.
يسوق ولفنسون أقوال المؤرخين المحدثين هؤلاء ويعززها بما ذكره بعض مؤرخي العرب من أن الحجاز الشمالية كانت في شبه تبعية لليمن في عصر وجود حمير المتهودة
_________________
(١) ١ الأغاني ١٥/ ١٥٥- ١٥٩ "طبعة مصر" السمهودي ١/ ١٥٣ ابن الأثير ١/ ٤١٧. ٢ ولفنسون ٥٩. ٣ عن ولفنسون ٦١.
[ ٢٧١ ]
وأن واحدًا من الأسرة المالكية في اليمن كان يشرف على شئون الطوائف المختلفة في شمال الحجاز١. ويقول: وقد بقيت البطون العربية عصورًا طويلة على موالاة ومناصرة لليهود دون أن يظهر عليهم شيء يدل على أنهم يتربصون لهم الغوائل، إلى أن أخذت دولة غسان تنصب لليهود المكائد وتحرض عليهم زعماء الأوس والخزرج ليفتكوا بهم. والظاهر أن دولة غسان لم تفعل هذا إلا بإيعاز من الدولة الرومانية الشرقية التي أرسلت أسطولها لمساعدة الحبشة في كفاحها ضد اليهود في اليمن، والتي كانت سياستها واضحة كل الوضوح في الجزيرة العربية أثناء القرن الخامس والسادس الميلاديين٢.
ولنا على هذه الأقوال اعتراضات:
أولًا: ليس من اليسير تحديد الزمن الذي وقع فيه حادث استنجاد مالك بن العجلان بأبي جبيلة، وهل كان بعد انتصار الأحباش على الحميريين أم قبله؟ والذي نستطيع استنتاجه من أقوال المصادر أن هذا الحادث وقع قبل الغزو الحبشي لليمن وانتصارها على الحميريين سنة ٥٢٥ م، ويحدد سديو سيادة الأوس والخزرج على يثرب بسنة ٤٩٢م ٣ وتسنده في ذلك المصادر العربية التي تقول: إن الحرب بين الأوس والخزرج استمرت مائة وعشرين سنة إلى الإسلام ٤. ولما كانت الحرب بين القبيلتين العربيتين في يثرب لم تقع إلا بعد تغلبهم على اليهود كان الزمن الذي حدده سديو مقبولًا، وكان صراع العرب مع اليهود واستنجاد أولئك بأبي جبيلة قبل هزيمة الحميريين٥.
_________________
(١) ١ ابن الأثير ٣٠٤١ "كان سفهاء بكر قد غلبوا على عقلائهم وغلبوهم على الأمر، وأكل القوي الضعيف فنظر العقلاء في أمرهم ورأوا أن يملكوا عليهم ملكًا يأخذ للضعيف من القوي فنهاهم العرب، وعلموا أن هذا لا يستقيم بأن يكون الملك منهم؛ لأنه يطيعه قوم ويخالفه آخرون، فساروا إلى بعض تبابعة اليمن، وكانوا للعرب بمنزلة الخلفاء للمسلمين، وطلبوا منه أن يملك عليهم ملكًا". ٢ ولفنسون ٦١. ٣ سديو ٥١. ٤ السمهودي١/ ١٥٢. ٥ تذكر المصادر أن أول حرب وقعت بين الأوس والخزر كانت في عهد أحيحة بن الجلاح، وكان هذا زوجًا لسلمى بنت عمرو النجارية التي تزوجها هاشم بن عبد مناف بعد طلاقها من أحيحة، فكأن هذه الحرب كانت في عهد هاشم وبينه وبين الهجرة حوالي مائة وعشرين سنة ". انظر فصل الزعامة في مكة. وانظر أيضًا ابن الأثير ١/ ٤٠٣، ابن هشام ١/ ١٤٨".
[ ٢٧٢ ]
ثانيًا: أن أبا جبيلة لم يكن ملكًا من ملوك غسان بل كان عظيمًا عند ملك غسان. وينسبه النسابون إلى أحد بطون الخزرج الذين رحلوا إلى الشام وأقاموا مع الغساسنة١. ويورد السمهودي رواية هامة، وهي أن مالك بن العجلان بعث جماعة من قومه إلى من وقع بالشام من قومهم يخبرونهم بحالهم ويشكون إليهم غلبة اليهود٢، وتدل هذه الرواية على أن استنصار الأوس والخزرج إنما كان بقوم يمتون إليهم بصلة القرابة على ما جرت عليه العصبية القبلية، على أن الأمر من ناحية عرب الشام كان استجابة لاستصراخ الأوس والخزرج لهم كما يذكر المؤرخون ولم يكن تحريضًا من الغساسنة لهم على اليهود. ولو كان الأمر هجومًا من الغساسنة على اليهود بدافع التعصب الديني؛ لكان أولى بهم أن يهاجموا الجماعات اليهودية في خيبر ووادي القرى، وهي منهم أقرب، ويؤيد هذا الرأي ولفنسون نفسه فهو يقول: والذي يمعن النظر في تاريخ بطون يثرب يرى أن الطوائف الضعيفة في المدينة كانت تعمل سرًّا على إيجاد محالفات مع قبائل عربية قريبة وبعيدة، فمن المحتمل أن تكون الأوس والخزرج قد حالفت بطون بني غسان لمحاربة اليهود في عصر أبي جبيلة ٣.
ثالثًا: أن الديانة المسيحية لم تكن عميقة التغلغل في نفوس القبائل العربية التي اعتنقتها بحيث تتعصب لها تعصبًا شديدًا، بدليل أنها لم تلبث أن دخلت الإسلام بعد اتصالها بجيوش الخلفاء الراشدين بلا كبير مقاومة. هذا إلى أن الصراع الذي كان قائمًا بين الدول في ذلك الوقت لم يكن صراعًا دينيًّا؛ وإنما كان صراعًا سياسيًّا اقتصاديًّا وإن استخدم الدين كوسيلة من وسائله، فلم تكن الدولة الرومانية الشرقية تعمل لقهر اليهودية كدين، ولا كان الفرس يشجعونها لغرض ديني. وإنما كان الغرض سياسيًّا عند كلتا الدولتين. على أن علاقة اليهود لم تكن سيئة ببلاد الشام، بل إنها على الأرجح كانت حسنة، فكان بعض اليهود يرسل قوافله التجارية إلى بلاد الغساسنة٤، وبدليل أن اليهود حين أجلاهم النبي -ﷺ- عن يثرب هاجروا إلى بلاد الشام، ولو كانت العلاقات بينهم وبين الغساسنة أو الروم سيئة لاتجهوا إلى مكان آخر كالعراق الذي كانت
_________________
(١) ١ جمهرة ٣٣٦- ابن خلدون، ٢٠/ ٢٨٩، ابن الأثير ١/ ٤٠٢، السمهودي١/ ١٢٦. ٢ السمهودي: نفسه ٥. ٣ ولفنسون ١٠٣. ٤ تاريخ الخيس ٢/ ١٢.
[ ٢٧٣ ]
به جاليات يهودية وكان تحت سيادة الدولة الفارسية التي كانت تشجع اليهودية في بلاد العرب.
من كل ذلك نرى أن إقحام النزاع بين الأوس والخزرج وبين اليهود في المدينة في مجال العراك الدولي أو الصراع بين اليهودية والنصرانية أمر لا محل له. وأنه كان نزاعًا محليًّا أوجدته ظروف يثرب الاقتصادية واعتماد السكان فيها على استثمار الأراضي الزراعية، ويتضح ذلك من توزيع السكان في منطقة يثرب، ومن النزاع الذي وقع بين الأوس والخزرج أنفسهم بعد تغلبهم على اليهود واشتراك طوائف المدينة كلها فيه تبعًا لمصالحها الاقتصادية.
[ ٢٧٤ ]
٣- العلاقات بين الأوس والخزرج
لبث الأوس والخزرج بعد تغلبهم على اليهود زمنًا وكلمتهم واحدة وأمرهم جميع، ثم وقعت بينهم حروب كثيرة، ذكر أصحاب الأخبار عددًا من أيامهم فيها، منها حرب سمير، وحرب كعب بن عمرو المازني، ويوم السرارة، ويوم فارع، ويوم الفجار الأول والثاني، وحرب الحصين بن الأسلت، وحرب حاطب بن قيس، ثم حرب بعاث، وكان أولها حرب سمير وآخرها حرب بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات١.
وقالوا في أسباب حرب سمير: إن رجلًا من بني ثعلبة بن سعد بن ذبيان يقال له كعب بن العجلان، نزل على مالك بن العجلان السالمي؛ فحالفه وأقام معه، فخرج كعب يومًا إلى سوق بني قينقاع، فرأى رجلًا من غطفان معه فرس، وهو يقول ليأخذ هذا الفرس أعز أهل يثرب، فقال كعب: مالك بن العجلان، وقال رجل: فلان، وقال آخر: أحيحة بن الجلاح الأوسي، وقال غيرهم: فلان بن فلان اليهودي، أفضل أهلها. فدفع الغطفاني الفرس إلى مالك بن العجلان. فقال كعب: ألم أقل لكم إن حليفي مالكًا أفضلكم؟ فغضب من ذلك رجل من الأوس من بني عمرو بن عوف يقال له سمير، وشتمه وافترقا. وبقي كعب ما شاء الله. ثم قصد سوقًا لهم بقباء، فقصده سمير ولازمه حتى خلا السوق فقتله، وأخبر مالك بن العجلان بقتله، فأرسل إلى بني عمرو بن عوف يطلب قاتله، فأرسلوا: إنا لا ندري من قتله. وترددت الرسل
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١٥٢. ابن الأثير ١/ ٤٠٢- ٤١٨.
[ ٢٧٤ ]
بينهم: وهو يطلب سميرًا، وهم ينكرون قتله، ثم عرضوا عليه الدية فقبلها، وكانت دية الحليف فيهم نصف دية النسيب منهم، فأبى مالك إلا أخذ دية كاملة، وامتنعوا من ذلك وقالوا: نعطي دية الحليف وهي النصف، ولج الأمر بينهم حتى أتى إلى المحاربة. فاجتمعوا والتقوا واقتتلوا قتالًا شديدًا، وافترقوا، ودخل فيها سائر بطون الأنصار، ثم التقوا مرة أخرى واقتتلوا حتى حجز بينهم الليل. وكان الظفر يومئذ للأوس، فلما افترقوا أرسلت الأوس إلى مالك بن العجلان يدعونه إلى أن يحكم بينهم المنذر بن حرام النجاري الخزرجي جد حسان بن ثابت بن المنذر فأجابهم إلى ذلك، فأتوا المنذر فحكم بينهم بأن يدوا كعبًا حليف مالك دية الصريح، ثم يعودون إلى سنتهم القديمة، فرضوا بذلك وحملوا الدية، وافترقوا وقد شبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم١.
ثم كانت لهم بعد ذلك حروب استمرت أكثر من مائة سنة وكان آخرها يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنوات. وقالوا في حرب بعاث: وكان سببه أن الحروب المتقدمة كلها كان الظفر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى ذهبت الأوس لتحالف قريظة؛ فأرسلت إليهم الخزرج: لئن فعلتم فأذنوا بحرب، فتفرقوا وأرسلوا إلى الخزرج: إنا لا نحالفهم ولا ندخل بينكم. فقالت الخزرج لليهود: فأعطونا رهائن وإلا فلا نأمنكم. فأعطوهم أربعين غلامًا من بينهم، ففرقهم الخزرج في دورهم. فلما أيست الأوس من نصرة اليهود حالفت بطونًا منهم الخزرج. منهم بنو عمرو بن عوف، وقال سائرهم: والله لا تصالح حتى ندرك ثأرنا، فتقاتلوا وكثر القتل في الأوس لما خذلهم قومهم، وجرح سعد بن معاذ الأشهلي فأجاره عمرو بن الجموح الحرامي. فلما رأت الأوس أنهم إلى قل، عزموا على أن يكونوا حلفًا للخزرج في المدينة، ثم اشتوروا في أن يحالفوا قريشًا فأظهروا أنهم يريدون العمرة، وكان بينهم أن من أراد حجًّا أو عمرة لم يعرض له، فأجار أموالهم بعدهم البراء بن معرور الخزرجي، فأتوا مكة فحالفوا قريشًا. لكن الوليد بن المغيرة قال لقريش: والله ما نزل قوم قط على قوم إلا أخذوا شرفهم
_________________
(١) ١ الأغاني ٣/ ١٩- ٢٦، ٤١- ٤٢، ابن الأثير ١/ ٤٠٢- ٤٠٣.
[ ٢٧٥ ]
وورثوا ديارهم، فأقطعوا حلف الأوس، فقال: بأي! قال: بأي شيء؟ قال: إن في القوم حمية، قولوا لهم إنا نسينا شيئًا لم نذكره لكم، إنا قوم إذا كان النساء بالبيت، فرأى الرجل امرأة تعجبه قبلها ولمسها بيده؛ فلما قالوا ذلك للأوس نفرت، وقالوا: اقطعوا الحلف بيننا وبينكم، فقطعوه، فلما لم يتم لهم الحلف ذهبت النبيت أو بعضهم إلى خيبر.
فلما رأت الخزرج أن قد ظفرت بالأوس، افتخروا عليهم في أشعارهم، وقال عمرو بن النعمان البياضي: يا قوم إن بياضة بن عمرو قد أنزلكم منزل سوء بين سبخة ومفازة، والله لا يمس رأسي غسل حتى أنزلكم منازل بني قريظة والنضير على عذب الماء وكريم النخل. ثم راسلهم: إما أن تخلوا بيننا وبين دياركم نسكنها أو نقتل رهنكم، فهموا أن يخرجوا من ديارهم.
وبلغ من كان في المدينة من الأوس، فمشوا إلى كعب بن أسد القرظي فدعوه إلى المحالفة على الخزرج، ثم تحالفوا مع قريظة والنضير ثم أجمعوا أن ينزل كل أهل بيت من النبيت على بيت من قريظة والنضير، وأرسلوا إلى النبيت يأمرونهم بإتيانهم وتعاهدوا ألا يسلموهم أبدًا وأن يقاتلوا معهم حتى لا يبقى منهم أحد، فجاءتهم النبيت فنزلوا مع قريظة والنضير، فأخذت الخزرج في قتل الرهن، فقال لهم كعب بن أسد القرظي: إنما هي ليلة ثم تسعة أشهر وقد جاء الخلف. ثم أرسل إلى سائر الأوس في الحرب والقيام معهم على الخزرج فأجابوهم إلى ذلك، فاجتمع الملأ منهم واستحكم أمرهم ودخلت بينهم قبائل من أهل المدينة. فلما سمعت بذلك الخزرج اجتمعوا وخرجوا حتى أتوا عبد الله بن أبي، فقالوا: مالك لا تقتل الرهن؟ فقال: لا أغدرهم أبدًا وأنتم البغاة، وقد بلغني أن الأوس تقول: منعونا الحياة فيمنعونا الموت؟ ووالله ما يموتون أو تهلكوا عامتكم. فقال عمرو بن النعمان: انتفخ والله سحرك. فقال: إني لا أحضركم ولا أحد أطاعني أبدًا، ولكأني أنظر إليك قتيلًا يحملك أربعة في كساء. فاجتمع الخزرج ورأسوا عمرو بن النعمان.
ولبثت الأوس والخزرج ليلة يتصنعون للحرب، ويجمع بعضهم لبعض، ويرسلون إلى حلفائهم من قبائل العرب؛ فأرسلت الخزرج إلى جهينة وأشجع فأقبلوا إليهم، وأرسلت إلى الأوس إلى مزينة فجاءتهم، ثم ألتقت ببيعات -وبعاث من أموال
[ ٢٧٦ ]
قريظة- فيها مرزعة يقال لها قورى١ فكان النصر أول النهار للخزرج، ثم ثبت حضير -رئيس الأوس- الكتائب فرجعوا، وكانت الدبرة على الخزرج، وقتل عمرو بن النعمان وجيء به تحمله أربعة كما قال له ابن أبي، ووضعت الأوس فيهم السلاح، وصاح صائح: يا معشر الأوس اسجحوا ولا تهلكوا إخوانكم فجوارهم خير من جوار الثعالب، فتناهت الأوس وكفت عن سلبهم بعد إثخان فيهم، وسلبتهم قريظة والنضير.
وجعلت الأوس تحرق على الخزرج نخلها ودورها، فخرج سعد بن معاذ الأشهلي حتى وقف على باب بني سلمة أجارهم وأموالهم، جزاء لهم بيوم الرعل وكان للخزرج على الأوس، وكان سعد بن معاذ حمل يومئذ جريحًا إلى عمرو بن الجموح فمن عليه وأجاره وأخاه يوم الرعل، وأجار أموالهم من القطع والحرق فكافأه سعد بمثل ذلك يوم بعاث.
وحلفت اليهود لتهدمن حصن عبد الله بن أبي، فلما أحاطوا بالحصن، قال لهم عبد الله: أما أنا فلم أحضر معهم، وهؤلاء أولادكم عندي فإنني لم أقتل منهم أحدًا، ونهيت الخزرج فعصوني. وكان جل من عنده من الرهن من أولاد بني النضير، ففرحوا حين سمعوا بذلك فأجاروه من الأوس ومن قريظة، فأطلق أولادهم وحالفهم، ولم يزل حتى ردهم حلفاء للخرزج بحيل تحيلها.
وكان يوم بعاث قبل الهجرة بخمس سنين. وهو اليوم الذي تقول فيه عائشة -﵂-: كان يوم بعاث يومًا قدمه الله لرسوله -ﷺ- وقد افترق ملؤهم، وقتلت سرواتهم، وجرحوا، قدمه الله لرسوله -ﷺ- في دخولهم الإسلام٢.
هذا خلاصة ما روته المصادر عن يوم بعاث بين الأوس والخزرج قد سقناها، مع خلاف بسيط فيها تجاوزنا عنه لعدم أهميته، ولما كانت حوادث هذا اليوم قد وقعت قبل الهجرة بخمس سنوات، وكان كثير من زعماء الأوس والخزرج واليهود الذين شاركوا
_________________
(١) ١ ياقوت ٤/ ٤٥١. ٢ السمهودي ١/ ١٥٢- ١٥٥. الأغاني ٣/ ١٩- ٤٢. ابن الأثير ١/ ٤١٥- ٤١٨ الطبري ٢/ ٨٥. ابن هشام ١/ ١٨٣. البخاري ٥/ ٤٤.
[ ٢٧٧ ]
في حوادثه وخاضوا غمار الوغى فيه، وقد أدركوا الإسلام وكان لهم أثر ظاهر في حوادث المدينة في عهد النبي -ﷺ- ولما كانت ذكريات هذا اليوم قد ظلت باقية في النفوس بين أهل يثرب، حتى لقد أوشك الحديث فيها يومًا أن يعيد العداوة بين الأوس والخزرج مرة أخرى١، فإنه مما لا شك فيه أنه يوم حقيقي وأن معظم ما وصلنا من أخباره صحيح. وقد سقنا أخبار هذا اليوم، كما سقنا أخبار اليوم الأول من حروب الأوس والخزرج، لنستطيع من ذلك أن ندرك الأسباب الحقيقية للنزاع الذي وقع بين الأوس والخزرج وشمل بطون المدينة كلها.
رأينا -من قبل- كيف أن النزاع الاقتصادي بين العرب واليهود قد أدى إلى تغلب العرب وانتقال السطلة إلى أيديهم، وانتشارهم في منطقة يثرب يتبوءون منها حيث شاءوا؛ لكن نظرة إلى مساكن الأوس والخزرج في منطقة يثرب تجعلنا ندرك أن هذا الغلب الذي أحرزه العرب لا يمكن أن يؤدي إلى استقرار الأمور في المدينة، فلم تكن هناك خطة مرسومة سار عليها الأوس والخزرج في تملك الأراضي الزراعية، وإنما جاء الأمر -فيما يبدو- على غير تقدير مرسوم، فحدث أن احتل الأوس بقاعًا أخصب وأغنى من الجهات التي نزلها الخزرج، ولذلك كان حتمًا أن يقع الخلاف بينهم ويحصل التنازع على نفس الغاية التي حدث عليها بين العرب واليهود من قبل.
ولما كان من مصلحة اليهود ألا تظل كلمة العرب واحدة، فيستمروا في الضغط عليهم حتى يجلوهم نهائيًّا عن منطقة يثرب، فإننا نرجح أنهم عملوا من جانبهم على الدس بينهم وتشجيع عوامل الفرقة وإذكاء روح التحاسد التي بدأت تظهر بين الأوس والخزرج حتى يشغلوهم بأنفسهم عنهم، وقد أدرك العرب منهم ذلك فلقبوهم الثعالب؛ لما عرفوا فيهم من مكر وحيلة وخديعة، وفضلوا جوار إخوانهم -على ما بينهم من تنازع- عن جوار هؤلاء الثعالب. ولدينا رواية ذكرها ابن إسحاق تؤيد ما نتجه إليه، قال: ومرشاس بن قيس، وكان شيخًا قد عشا عظيم الكفر شديد الضغن على المسلمين، شديد الحسد لهم، على نفر من أصحاب رسول الله -ﷺ- من الأوس والخزرج في مجلس جمعهم يتحدثون فيه، فغاظه ما رأى من ألفتهم وجماعتهم.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٨٣.
[ ٢٧٨ ]
وصلاح ذات بينهم على الإسلام بعد الذي كان بينهم من العداوة في الجاهلية: فقال: قد اجتمع ملأ بني قيلة بهذه البلاد: لا والله ما لنا معهم إذا اجتمع ملؤهم بها من قرار. فأمر فتًى شابًّا من يهود كان معه، فقال: اعمد إليهم فاجلس معهم، ثم اذكر يوم بعاث وما كان قبله، وأنشدهم بعض ما كانوا تقاولوا فيه من الأشعار، ففعل فتكلم القوم عند ذلك وتنازعوا وتفاخروا حتى تواثب رجلان من الحيين..١، وهذه الرواية وإن ذكرها ابن إسحاق في حوادث ما بعد الهجرة، إلا أنها تعطينا فكرة عن الروح العامة لدى اليهود، وأنهم كانوا يرون في اجتماع كلمة الأوس والخزرج أمرًا مهددًا لكيانهم في المدينة فعملوا على تحطيم الاتحاد بين القبيلتين العربيتين، ونستطيع أن نقول: إن هذا الاتجاه هو الذي اتجه إليه اليهود بعد تغلب الأوس والخزرج عليهم في يثرب، وإن كانت الظروف قد اضطرتهم إلى أن تدخل بطونهم في أحلاف مع الأوس والخزرج كل بسبب ظروفه التي وجد فيها.
وقد بدأ التنازع بين الأوس والخزرج -بحسب الروايات التي سقناها- تنافسًا قبليًّا على الرياسة وعلى احتلال مركز الصدارة في يثرب، ولما كان تفوق العرب وانتصارهم على اليهود قد جاء على يد رجل من الخزرج أصبح له الذكر والشرف عليهم٢، كان طبيعيًّا أن يعمل الخزرج على الاحتفاظ بمركز الصدارة في المدينة، لكن حدث أن الأوس تملكوا أفضل البقاع الزراعية، وأصبح الوضع الاقتصادي في مصلحتهم لذلك لم يقبلوا أن تكون للخزرج هذه المنزلة عليهم، وساءهم أن يؤكد أحد الوافدين من رجال القبائل البدوية حول يثرب هذه المنزلة لزعيم الخزرج مالك بن العجلان، وأن يفاخر بذلك حليف لمالك على محفل من أهل المدينة، فترصده رجل من الأوس وقتله. وطالب مالك به، فعرضت عليه الدية بحسب الأصول القبلية المعروفة -وهي دية الحليف نصف دية الصريح- لكن مالكًا رأى أن يؤكد سيادته فأصر على ألا يقبل في حليفه إلا دية الصريح، ورفضت الأوس ذلك بطبيعة الحال، فاقتتل الفريقان، ثم تحاكموا فقضي لمالك بدية الصريح إرضاء له على أن يعود الأمر بعد ذلك إلى السنن المعروفة. لكن هذا الحل كان أمرًا موقوتًا، إذ إن دواعي الخلاف
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١٨٣- ١٨٤. ٢ الأغاني: ٣/ ٤٠.
[ ٢٧٩ ]
الحقيقة بقيت خفية في النفوس لم يجرؤ أحد على إظهارها، وزاد الأمر تعقيدًا وقوع الدماء بين الطرفين، فشبت البغضاء في نفوسهم وتمكنت العداوة بينهم، فتتالت الوقائع بين الفريقين في مظهر من مظاهر التنافس القبلي، كان النصر في أكثرها للخزرج على الأوس، حتى أحست الأوس بالضعف وبعدم قدرتها على الصمود بنفسها أمام الخزرج الذين بدا واضحًا أن نياتهم تتجه إلى الحصول على ما في أيديهم من الأرض الخصبة. ولما كانت الأوس تجاور قبيلتين قويتين من قبائل اليهود وهما قريظة والنضير اللتان استطاعتا الاحتفاظ بما في أيديهما من أفضل الأراضي الخصيبة وكانتا من القوة بحيث لم تدخلا في حلف مع إحدى القبيلتين العربيتين؛ فإنها فكرت في إقناع هؤلاء اليهود بالدخول معها في حلف للوقوف في وجه أطماع الخزرج التي تهدد الطرفين على السواء.
وحين أحست الخزرج بهذا الاتجاه الأوسي، أنذرت اليهود بالحرب إن هم انحازوا إلى جانب الأوس، ويبدو أن الخزرج كانت قد وصلت إلى درجة من القوة حتى أخافت اليهود، فخضعوا لهذا التهديد وقدموا رهنًا من أبنائهم ضمانًا لوفائهم بالتزام جانب الحياد، وحتى إن بطونًا من الأوس نفسها حالفت الخزرج ضمانًا لمصالحها.
وبذلت البطون الأوسية الغنية محاولات للصمود في وجه الخزرج لكنها باءت بالهزيمة، وحين عجزت عن الصمود وأيست من نصرة اليهود واتجهت إلى عنصر خارجي، فأرسلت وفدًا إلى مكة لاستعداء قريش على الخزرج١. لكن قريشًا كانت دائمًا تبتعد عن كل ما من شأنه أن يورطها أو يجرها إلى حروب قد تضر بمصالحها التجارية، فرفضت هذا الحلف الذي يشتم منه رائحة الدماء. واضطرت الأوس أمام هذا الفشل إلى الخضوع، كما اضطرت بعض بطونها إلى الخروج عن مساكنها أمام ضغط الخزرج.
غير أن الوضع ما لبث أن تغير فقد أسفر الخزرج عن نياتهم في الحصول على ما في أيدي قريظة والنضير من الأراضي والدور، وفعلًا أذنوهم بالحرب أو أن يسلموا
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٣٦-٣٧، أسد الغابة ١/ ١٢٤، ١٥٨.
[ ٢٨٠ ]
ما بأيديهم. ولم يكن هذا العمل من زعماء الخزرج -في هذا الوقت- ينطوي على شيء من الحكمة فإن هذا الموقف وحد بين الأوس واليهود من قريظة والنضير، إذ وجد هؤلاء أن عليهم إن أرادوا البقاء في يثرب أن يخوضوا ضد الخزرج معركة فاصلة، ولم يكن الخزرج بأقل منهم رغبة في خوض هذه المعركة لتأكيد سيادتهم ولتغيير لوضع الاقتصادي تغييرًا نهائيًّا، ولما كانت المعركة معركة حياة أو موت فقد حشد لها الطرفان كل إمكانياتهما واستجلبا حلفاءهما من قبائل البادية. ولما كانت المعركة بالنسبة للأوس وحلفائهم هي معركة الحياة فقد استماتوا في القتال وألحقوا بخصومهم هزيمة كبيرة، ولم ينقذ الخزرج من الكارثة إلا خشية الأوس من أن يستعيد اليهود مركزهم السابق في يثرب، فيضطر الأوس لمواجهتهم على انفراد لو قضي على قوة الخزرج، وفعلًا بدت نيات اليهود واضحة في تحطيم الخزرج وإذلالهم؛ ولذلك فضلت الأوس الاكتفاء بالقضاء على روح التسلط في الخزرج دون القضاء عليهم، ورأت أن جوارهم خير من جوار الثعالب.
وقد استغل أحد زعماء الخزرج -وهو عبد الله بن أبي- موقفه الحيادي الشخصي ولصالح قبيلته، فاستطاع أن يحمي أمواله من الاعتداء عليها، وأن يكسب لنفسه مركزًا أدبيًّا في هذا الجو المضطرب بين طوائف المدينة المختلفة، فاتجهت إليه أنظار الطرفين على السواء كرجل يمكن أن يكون واسطة التجميع وحل النزاع. كما أنه استطاع أن يضم إلى جانب قبيلته إحدى قبيلتي اليهود القويتين وهم بنو النضير، وبذلك حدث توازن بين المعسكرين المتخاصمين.
من كل ذلك نرى أن العامل الاقتصادي كان هو العامل المتحكم في العلاقات العامة بين السكان في يثرب. وحتى بين بطون القبيلة الواحدة أو بين عشائر البطن الواحدلم تستطع لحمة الدم أن تتغلب على الدوافع الاقتصادية التي كثيرًا ما كانت تثير النزاع بينها، وإذا كانت بطون الأوس أو بطون الخزرج كانت تتجمع تحت راية قبيلته في النزاع العام بحكم رابطة الدم، فإن كثيرًا ما كانت بطون من الطرفين ترى أن مصلحتها الاقتصادية تقتضيها التزام جانب الحياد، كما أنها كثيرًا ما كانت تتنازع فيما بينها فيحاول بعضها أن يستولي على ما في يد الآخر من الأراضي والدور، كما حدث مثلًا بين بني حارثة وبني عبد الأشهل وهما بطنان من فرع واحد من الأوس وهو
[ ٢٨١ ]
النبيت، كانا متجاورين في منازلهما، تقاتلا فأجلى بنو حارثة بني عبد الأشهل حتى ألحقوهم بأرض بني سليم، ثم عاد هؤلاء بحلفائهم من سليم فهزموا بني حارثة وأجلوهم إلى خيبر فأقاموا بها قريبًا من سنة حتى تم الصلح بينهما١. وكما حدث بين بني بياضة وبني زريق وهما بطنان من فرع واحد من الخزرج إذ اقتتلوا وأجلى الأولون الآخرين عن منازلهم ٢.
وهكذا أصبحت مدينة يثرب تغلي بالخلافات وتضارب المصالح والأهواء. لكن يوم بعاث أصاب الفريقين بأضرار كبيرة؛ فقد قتل عدد كبير من سروات القوم جميعًا ورؤسائهم، وأصيبت الممتلكات بأضرار فادحة نتيجة التقطيع والتحريق. الأمر الذي جعل الناس يفكرون في ضرورة وضع حد لهذه المنازعات.. فبدأت الأفكار تتجه إلى إيجاد جو من السلام ينصرف الناس فيه لأعمالهم ويتذوقون لذة الراحة وهناء العيش، وبخاصة البطون الصغيرة التي لم تكن لها مصالح في النزاع وكان همها أن تعيش في سلام؛ لذلك سعى كثير من الزعماء وذوي النفوذ من الطرفين لكف كل من تحدثه نفسه بمحاولة إثارة الفتنة وإيقاد نار العداوة.
وعلى العموم فإن بعاث قد أضعف بطون يثرب كلها وأوجد فيها ميلًا إلى الاتحاد، حتى إنه ليقال إنها أرادت أن تملك عليها ملكًا من الخزرج، كما يحدثنا ابن إسحاق: وقدم رسول الله -ﷺ- المدينة وسيد أهلها عبد الله بن أبي بن سلول العوفي لا يختلف عليه في شرقه من قومه اثنان، لم تجتمع الأوس والخزرج قبله ولا بعده على رجل من أحد الفريقين فكان قومه قد نظموا له الخرز ليتوجوه ثم يملكوه عليهم، فجاءهم الله تعالى برسوله -ﷺ- وهم على ذلك. فلما انصرف قومه عنه إلى الإسلام ضغن ورأى أن رسول الله -ﷺ- قد استلبه ملكًا، فلما رأى قومه قد أبوا إلا الإسلام دخل فيه كارهًا مصرًّا على نفاق وضغن٣.
فكأن قلوب أهل يثرب على اختلاف قبائلها وكثرة نزعاتها سئمت حالة الجفاء والعداوة، وأحست بالحاجة إلى من يخرجهم منها ويوجه نشاطهم إلى ما هو أجدى عليهم وأكثر نفعًا.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١٣٦. ٢ نفسه ١/ ١٤٦. ٣ ابن هشام ١/ ٢١٦.
[ ٢٨٢ ]
الفصل الثالث: قوة يثرب وعلاقاتها الخارجية
إن الخصائص العامة للصلة بين البيئات الزراعية وبين جيرانها من البدو الرحل هي العلاقات المزعزعة التي تتسم عادة بالحذر والتربص؛ فالبدو دائمًا يطمعون في خيرات هذه المناطق الخصيبة، وهم ينتهزون كل فرصة تسنح للإغارة عليها لسلب ما تقع عليه أيديهم من حاصلاتها ومواشيها؛ ولذلك كثيرًا ما كان أهل القرى يلقون عنتًا كبيرًا وتصاب زراعاتهم وممتلكاتهم بأضرار فادحة من جراء سطو هؤلاء البدو وغاراتهم الجريئة. وحتى الدول الكبرى ذات القوة كثيرًا ما كانت تتعرض حدودها المجاورة للقبائل البدوية لغارات رجال هذه القبائل المدمرة، فكات لذلك تتخذ من الإجراءات السليمة والحربية ما تكف به عادية هؤلاء الطامعين الجريئين: فهي في بعض الأحيان تصطنع وسائل الاستمالة عن طريق الحلف أو دفع إتاوات لرؤساء القبائل، ولكنها دائمًا تعد من وسائل القوة التي تخيفهم ويكبح جماحهم؛ فإن أي بادرة من الضعف تبدو في نظر هؤلاء البدو كانت تغريهم بالانقلاب على حلفائهم والإغارة عليهم، لذلك كانت تقيم المسالح والحصون وتراقب حركات البدو مراقبة دقيقة، وتعد حملات حربية لتأديبهم عند ظهور أي علامة على تمردهم وعدوانهم.
وقد انطبعت علاقات المدينة مع جيرانها بهذا الطابع، وما الإكثار من إقامة الحصون والآطام في كل أنحاء منطقة يثرب إلا مظهر من مظاهر هذه العلاقات بين هذه المنطقة الزراعية وبين جيرانها من القبائل البدوية الضاربة حولها، وهو إجراء دفاعي ضد ما يقع على الممتلكات والحاصلات من غارات لا بد كانت تحدث على منطقة يثرب. وإذا كانت المصادر لم تحدثنا عن هذه الغارات فإن الروايات التي ذكرها المؤرخون عن الأحداث التي وقعت في عهد الإسلام لتشير إلى هذه الغارات إشارات ظاهرة، فيذكر المؤرخون حين يتحدثون عن المداولات التي جرت بين النبي -ﷺ- والمسلمين في يوم أحد أن عبد الله بن أبي بن سلول الخرزجي قال: كنا نقاتل في الجاهلية فيها -المدينة- ونجعل النساء والذراري في هذه الصياصي، ونجعل معهم الحجارة ونشبك المدينة بالبنيان فتكون كالحصن من كل ناحية، وترمي المرأة والصبي
[ ٢٨٣ ]
من فوق الصياصي والآطام، ونقاتل بأسيافنا في السكك يا رسول الله، إن مدينتنا عذارء ما فضت علينا قط، وما خرجنا إلى عدو قط إلا ما أصاب منا، وما دخل علينا قط إلا أصبناه يا رسول الله، أطعني في هذا الأمر، واعلم أني ورثت هذا الرأي عن أكابر قومي وأهل الرأي منهم فهم أهل الحرب والتجربة١، وقال إياس بن أوس بن عتيك الأوسي: لا أحب أن ترجع قريش إلى قومها فيقولون حصرنا محمدًا في صياصي يثرب وآطامها فتكون هذه مجرأة لقريش، وقد وطئوا سعفنا؛ فإذا لم نذب عن عرضنا لم يزرع، وقد كنا يا رسول الله -ﷺ- في جاهليتنا والعرب يأتوننا فلا يطمعون بهذا منا حتى نخر إليهم بأسيافنا حتى نذبهم عنا٢. وقال خيثمة أبو سعد بن خيثمة الأوسي: يا رسول الله، إن قريشًا مكثت حولًا تجمع الجموع وتستجلب العرب من بواديها ومن تبعها من أحابيشها، ثم جاءونا قادوا الخيل وامتطوا الإبل، حتى نزلوا بساحتنا، فيحصروننا في بيوتنا وصياصينا، ثم يرجعون وافرين لم يكلموا، فيجريهم ذلك علينا حتى يشنوا الغارات علينا ويصيبوا أطرافنا ويضعوا العيون والأرصاد علينا مع ما قد صنعوا بحرثنا، وتجترئ علينا العرب حولنا حتى يطمعوا فينا إذا رأونا لم نخرج إليهم فنذبهم عن حرانا٣. وحين فكر النبي -ﷺ- في أن يصالح غطفان على ثلث ثمار يثرب إن رجعوا قد كنا نحن وهؤلاء على الشرك بالله وعبادة الأوثان لا نعبد الله ولا نعرفه، وهم لا يطمعون أن يأكلوا منها ثمرة إلا قرى أو بيعًا، أفحين أكرمنا الله بالإسلام وهدانا له وأعزنا بك وبه نعطيهم أموالنا، والله ما لنا بهذا من حاجة، ووالله لا نعطيهم إلا السيف يحكم الله بيننا وبينهم٤.
من ذلك نستطيع القول بأن المدينة تتعرض من حين لآخر إلى غارات القبائل البدوية على منطقتها، وكان أهل المدينة يصدونها بقوة السلاح، وبالاعتماد
_________________
(١) ١ ابن هشام ٣/ ٧. الواقدي ١٦٤- ١٦٥. ٢ الواقدي ١٦٦. ٣ الواقدي ١٦٦. ٤ ابن هشام ٣/ ٢٣٩، ابن سعد ٣/ ١١١. إمتاع ١/ ٢٣٦.
[ ٢٨٤ ]
على الحصون والآطام يجتمعون بها ويتخذونها مخازن لحفظ حاصلاتهم، وكانت الآطام هي عزهم ومنعهم وحصونهم التي يتحرزون فيها من عدوهم١. وكان أهل المدينة أهل قوة وجلد وبصر بالحرب، تمرسوا عليها فيما وقع بينهم من صراع وأيام، وفيما حدث بينهم وبين جيرانهم من احتكاك، كما كانوا أهل عدة ونجدة وسلاح، وقد عرفت لهم العرب أن مدينتهم دار منعة وهم قوم أهل حلقة وبأس٢، وقد اعتدوا بأنفسهم حتى لا يبالون بعداوة من عاداهم، يشهد بذلك إقدامهم على مخالفة النبي -ﷺ- بدعوته للخروج إلى بلدهم، في الوقت الذي خشيت فيه كل قبائل العرب الإقدام على هذا الموقف إشفاقًا من عداوة قريش وما يترتب عليها، وقد بصرهم العباس بن عبد المطلب عند بيعة العقبة الكبرى بما يترتب على عملهم هذا من خطورة معاداة قبيلة تحالفها كل قبائل العرب وترتبط معها بمصالح قوية قال: فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر واستقلال بعداوة العرب ترميكم عن قوس واحدة فارتأوا رأيكم وأتمروا أمركم ولا تفترقوا إلا عن ملأ منكم واجتماع٣. وكان ردهم بعد هذا التبصير أن قال قائلهم: يا رسول الله، بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر٤.
ولقد كانت يثرب تملك من القوة الحربية ما تستطيع به فعلًا أن تحمي نفسها وأن ترد عادية القبائل عنها، وليس لدينا إحصاء عن عدد رجال الأوس والخزرج، ولكنا نستطيع تحديد قوتهم الحربية من المعارك التي خاضوها بعد الهجرة، فقد بلغ عدد محاربيهم في يوم فتح مكة -وهو الوقت الذي كان أهل المدينة منهم قد دخلوا فيه كلهم في الإسلام- أربعة آلاف مقاتل٥. أما عدد اليهود قد بلغ عد الرجال البالغين من قبائلهم الثلاث حوالي الألفين؛ هذا بالإضافة إلى أعداد البطون الصغيرة من اليهود، فكأن يثرب كانت تستطيع أن توجه إلى ميدان القتال عند الضرورة ستة آلاف محارب، وإن كان هذا العدد لم يتحقق في معركة من معاركها، وذلك للصراع الداخلي بين
_________________
(١) ١ الأغاني ١٣/ ١١٨ طبعة مصر. ٢ ابن سعد ١/ ٢١٠- ٢١٢. ٣ نفسه ١/ ٢٠٦. ٤ نفسه ١/ ٢٠٦. ٥ إمتاع ١/ ٣٦٤.
[ ٢٨٥ ]
بطونها في الجاهلية، ولأن موقفها بالنسبة لجيرانها كان موقفًا دفاعيًّا، فلم تذكر المصادر أن أهل يثرب قاموا في الجاهلية بغزو خارجي لجيرانهم، ثم إن اليهود لم يشاركوا بقوتهم في معارك الإسلام؛ لذلك كان أكثر جيش حشدته يثرب أربعة آلاف من العرب من أهلها.
وقد كان رجال يثرب مرهوبي القوة على جانب عظيم من الشجاعة وقوة البأس، تشهد بذلك مواقفهم في معارك الإسلام، كما يشهد بذلك تقدير قريش لبأسهم وخوف زعمائهم منهم يوم بدر على الرغم من قلة عددهم١.
ولقد اكتسب أهل المدينة خبرة بالقتال من حروبهم الداخلية ومن استعدادهم دائمًا للدفاع عن أراضيهم وممتلكاتهم، وكان لديهم من عدة الحرب وسلاحها ما يستطيعون به تسليح قوة مرهوبة، فقد كانت المدينة موطنًا من مواطن صناعة الأسلحة من دروع اشتهر اليهود بصناعتها وروجوا لها بأنهم إنما ورثوا صناعتها عن داود النبي٢. كما اشتهروا بصناعة السيوف، وكانت يثرب كذلك مشهورة بصناعة السهام حتى قالوا: إن أجود السهام سهام يثرب٣. ومن قائمة الأسلحة التي غنمها المسلمون من بني قريظة -وهم لم يكونوا من أقوى البطون اليهودية بله البطون العربية- نستطيع أن نحكم على مقدار ما كانت تملكه بطون يثرب من أسلحة متنوعة، فقد كانت مخلفات قريظة ألفًا وخمسمائة سيف وألفي رمح وألفًا وخمسمائة ترس وجحفة وثلاثمائة درع٤.
_________________
(١) ١ كان عدد المسلمين يوم بدر حوالي الثلاثمائة، وكان عدد قريش تسعمائة وخمسين، قال عمير بن وهب الجمحي -وقد ذهب يحرز عدد المسلمين-: "يا معشر قريش، البلايا تحمل المنايا، نواضح يثرب تحمل الموت الناقع، قوم ليست لهم منعة ولا ملجأ إلا سيوفهم، ألا ترونهم خرسًا لا يتكلمون، يتلمظون تلمظ الأفاعي". الواقدي ٤٤. الطبري ٢/ ٤٤٦. ٢ ومن نسج داود موضونة ترى للقواضب فيها صليلا المفضليات ١/ ٧٥. ٣ منعت قياس الماسخية رأسه بسهام يثرب أو سهام بلام ديوان الأعشى ٩٨. ٤ ابن سعد ٣/ ١١٧/ إمتاع ١/ ٢٤٥.
[ ٢٨٦ ]
كما كانت عدة الحرب عزيزة عند من يمتلكها لا يبيعها ولا يراها تفضل عنه١، لشدة حاجتهم إليها في الدفاع عن أنفسهم حتى ليرونها عديل الولد٢.
ولولا خلافات يثرب الداخلية التي مزقت وحدتها وشتت جهودها؛ لكان من الممكن أن يكون لها شأن خطير في الجاهلية، ولكان من الممكن أن تكون منافسًا خطيرًا لمركز مكة ولربما تغلبت عليها كما حدث بعد الهجرة.
ولما كانت العلاقات بين يثرب وجيرانها من البدو علاقة حذر وتربص؛ فإن يثرب قد اطمأنت إلى قوتها، ولم تتوسع في علاقاتها مع القبائل العربية إلا بحسب ظروف الأخذ والعطاء من بيع وشراء مع القبائل المجاورة لها. وقد ذكرت المصادر محالفات للبطون اليثربية العربية مع بعض القبائل الضاربة حول يثرب، فحالفت بعض بطون الأوس قبائل سليم ومزينة التي كانت تعيش إلى شرقي يثرب، وحالفت بطون الخزرج قبائل جهنية التي كانت تعيش إلى غربي المدينة وأشجع التي كانت تعيش إلى شمالها الغربي٣. لكن المحالفات القبلية حالات طارئة اقتضتها ظروف المصالح المشتركة؛ ولذلك كثيرًا ما كانت تنقض القبائل محالفاتها وتتجه بها إلى حيث تكون مصالحها.
ومن هنا رأينا بعض هذه القبائل التي حالفت الأوس والخزرج خرجت على هذا الحلف في أيام الصراع بين مكة والمدينة بعد الهجرة، وقد اشتركت سليم وأشجع في الهجوم على المدينة في غزو الأحزاب٤. لكنها عادت بعد ذلك فاشتركت بكل قواتها إلى جانب يثرب عند فتح مكة، وهي في كلتا الحالتين كانت تجري وراء مصالحها. ولم نر ليثرب محالفات واسعة مع القبائل العربية البعيدة عن المدينة، مما يدل على أن نشاط يثرب كان محدودًا في الجزيرة العربية، وأنها كانت مشغولة بظروفها الداخلية وبنشاطها الزراعي، فلم تتوسع في نشاطها الخارجي.
ولم تكن ليهود يثرب محالفات خارجية، ويبدو أنهم لم يروا في هذه المحالفات منفعة لهم في صراعهم ضد الأوس والخزرج، إذ إنهم لو جلبوا قبائل أخرى إلى
_________________
(١) ١ الأغاني ١٣/ ١٢٠ طبعة مصر. ٢ انظر ابن هشام ٢/ ٤٣٧ عن مفاوضة بعض الأنصار مع كعب بن الأشرف. ٣ الأغاني ١٥/ ١٥٩ طبعة مصر. ٤ إمتاع ١/ ٢١٨- ٢١٩.
[ ٢٨٧ ]
يثرب، لربما هيجوا أطماع هذه القبائل فيما عندهم ولكانت العاقبة تهديد العرب واليهود في يثرب على السواء، فلم يشاءوا أن يوسعوا دائرة النزاع، واطمأنوا إلى قوة عرب المدينة في الدفاع عنها ضد العدو الخارجي، ومن ثم اكتفوا بأن تكون علاقاتهم بالقبائل علاقة منفعة مادية يجدونها في البيع والشراء، ومزاولة الربا واستغلال حاجة الأعراب إلى حاصلات المدينة ومصنوعاتها ولتنمية ثرواتهم.
وكانت علاقة أهل يثرب جميعًا طيبة مع مدن الحجاز؛ فكانت علاقتهم حسنة مع مكة والطائف وخيبر حيث كانوا يتبادلون المنافع؛ فيصرف اليهود صناعاتهم من حلي وسلاح، ويمتار أهل مكة ما يحتاجون إليه من تمر المدينة، كما يحصل أهل يثرب على ما يحتاجون إليه من المجلوبات الخارجية التي تتاجر فيها قريش، ومن حاصلات الطائف.
أما علاقات يثرب بالممالك والدول على أطراف الجزيرة وخارجها فكانت محدودة؛ فلم تحدثنا المصادر بشيء عن علاقات قامت بين أهل يثرب وبين الفرس أو الروم، ويرجع ذلك إلى أن المدينة لم تشارك في التجارة الخارجية في الجزيرة العربية مشاركة ذات أثر، وإن كان لا يستبعد أن يكون بعض رجالها قد ذهبوا إلى البلاد التابعة للدولتين في بعض التجارات.
أما علاقات يثرب بالغساسنة، فقد رأينا صورة منها في استنجاد الأوس والخزرج بعرب غسان ضد اليهود. لكننا لم نجد استمرارًا لهذه العلاقة بعد ذلك. فلم يذكر المؤرخون شيئًا عن اتصال الغساسنة بشئون يثرب الداخلية بعد ذلك، وإن كانت العلاقات الحسنة قد ظلت بين الطرفين، إذ تحدثنا المصادر عن وفادات شاعر المدينة حسان بن ثابت الخزرجي على ملوك غسان ومدحه لهم وصلاتهم له١.
أما صلات المدينة باليمن فهي قديمة ترجع إلى أيام المعنيين، فقد كان يثرب إحدى المحطات على طريق التجارة المار بالحجاز، وحين قدم اليهود إليها كانت بها بطون عربية من اليمن. ثم إن الأوس والخزرج أنفهسم قدموا إليها من اليمن بعد تفرق قبائل الأزد اليمنية وهجراتها نحو الشمال، وترى المصادر أن التبع أبا كرب تبان أسعد
_________________
(١) ١ الأغاني ١٤/ ٢- ٣.
[ ٢٨٨ ]
الحميري أقبل يريد المشرق كما كانت التبابعة تفعل، فمر بالمدينة، ووقع له مع أهلها خلاف جعله يجمع لحربها، فوقعت بينه وبين أهلها حروب انتهت برجوعه عنها، وقد أقنعه حبران يهوديان بالتهود فتهود ونقل اليهودية إلى اليمن ١. وبغض النظر عن صحة هذه الروايات أو عدم صحتها، فإنها تعيطنا فكرة عن علاقة الحجاز كله بالجنوب وأنه كان في شبه تبعية لليمن حتى نهاية القرن الخامس الميلادي. وإذا كانت قد قامت مثل هذه الصلة بين يثرب واليمن في وقت سيادة النفوذ الجنوبي في شبه الجزيرة العربية، فإن المصادرلم تحدثنا بشيء عن استمرار هذه الصلة بعد زوال النفوذ اليمني واحتلال عرب الشمال مركز الصدراة، ويرجع ذلك إلى انصراف أهل يثرب إلى خلافاتهم الداخلية؛ الأمر الذي حد كثيرًا من نشاطهم الخارجي، فلم يأخذوا منه بنصيب يتناسب مع موقع المدينة وظروفها الطبيعية.
_________________
(١) ١ ابن هشام ١/ ١٤- ١٧ الأغاني ١٣/ ١١٥- ١١٨ مصر.
[ ٢٨٩ ]
صفحة فارغة
[ ٢٩٠ ]
*
الفصل الرابع: الحالة الاقتصادية
كانت الحالة الاقتصادية في يثرب متعددة الجوانب؛ فالمدينة تقع في منطقة خصيبة تسيل فيها الوديان بما يغذي هذه المنطقة بالمياه الكافية لقيام زراعة جيدة فيها، إلى جانب الآبار والعيون التي كثرت في منطقتها والتي حفرها السكان للانتفاع بمياهها للشرب وللسقي. ولذلك عمل أهلها بالزراعة، وكانت خصوبة التربة تغنيهم عن الضرب في الأرض ابتغاء الرزق بوجه الإجمال. وقد وردت آيات قرآنية كثيرة تشير إلى جانب النخيل والأعناب والزروع الأخرى ومن بينها الحبوب والبقول١، بما يمكن أن يقوم برهانًا على أن أهل المدينة كانوا على حظ غير يسير من الأعمال الزراعية المتنوعة؛ وأن هذه الزراعات كانت توفر الجزء الأكبر من حاجة السكان الغذائية، كما أن أهل البادية كانوا يمتارون منها ما هم في حاجة إليه من غذاء بخاصة التمر، وقد حفلت الآيات كثيرًا بذكر النخيل مما يوحي بأنه كان يسد كثيرًا من حاجة السكان الغذائية.
كما أنه قد ورد كثيرًا من الآيات المدنية فيها بعض الأوامر والنواهي والتشريعات الخاصة بالتجارة والأعمال التجارية، مما يمكن أن يلهم بأنه كان في المدينة حركة تجارية غير ضعيفة.
كما أن مجتمعًا مدنيًّا كمجتمع يثرب لا بد أن تقوم فيه صناعة لسد حاجة السكان بما يحتاجون إليه من صناعات هي من مستلزمات الحياة الزراعية ومستعملات السكان اليومية، وما يترفهون به ويتحلون وما يحتاجون إليه من سلاح كان ضروريًّا للدفاع عن أنفسهم وممتلكاتهم، ولا يعقل أن يجلبوا كل ما يحتاجون إليه من هذه الأدوات والحاجيات المتنوعة الكثيرة مصنوعًا من الخارج.
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ٢٦١، ٢٦٤، ٢٦٦ الأنعام ٩٩، ١٤١. الكهف ٣٣- ٣٤. المؤمنون ١٩ يس ٣٣- ٣٤. ق ٧ -١١.
[ ٢٩١ ]
النشاط الزراعي
كانت الحرفة الرئيسية لسكان يثرب هي الزراعة نظرًا لطبيعة المنطقة، فقد كانت أرضها بركانية التربة خصبة، وكانت تسيل بها وديان كثيرة تفيض بمياه السيول التي تتجمع في الحرات الشرقية والجنوبية في فترة مختلفة من السنة١، فتسيل إلى الغرب والشمال، حتى تتجمع آخر الأمر في شمال غرب المدينة عند مجتمع الأسيال حيث تنصب في وادي إضم الذي يسيل شمال غربي أحد٢، وهذه الوديان كانت تتخلل منطقة المدينة كلها، فتروي أرضها وتسيل مياهها من شراج الحرة الشرقية في مياه قليلة عادة لا تصل إلى أكثر من ارتفاع الكعبين؛ ولكنها كانت أحيانًا تفيض حتى تصل إلى أنصاف النخل٣، وكان الزراع يسقون نخيلهم وزروعهم من هذه المياه، فيسوقون الماء بينهم، بأن يحبس الماء صاحب الأرض العالية حتى تسقي نخله فتصل إلى جذوره بارتفاع الكعبين، ثم يرسلها إلى من هو أسفل منه فيسقي٤. وفي الأوقات التي تشح فيها مياه الوديان أو تنقطع، وفي الأماكن التي لم تكن تصل إليها، كان الناس يستخدمون مياه الآبار في إرواء مزروعاتهم فيرفعونها من الآبار لري الأراضي القريبة من البئر، أو يحملونها على الجمال النواضح لري الجهات التي تبعد عنها٥.
وأهم مزروعات المدينة أشجار النخيل يزرعونها في مغارس كبيرة، وقد يحوطونها فتكون حدائق، وكانت أرض المدينة صالحة لزراعة النخيل حتى ليقال: إن ودّية النخل تثمر بعد عام من زرعها، وعلى إنتاج النخيل كان يعتمد السكان. فكان من
_________________
(١) ١ ياقوت ١٧/ ٩١، ٨/ ٢٣٤. ٢ السمهودي ٢/ ١٩. ٣ نفسه ٢١٨- ٢١٩. ٤ البخاري ٣/ ١١١. ٥ الأغاني ١٣/ ١١٨ "مصر" البعير الناضح هو الذي يحمل الماء لسقي الزرع من البئر، القاموس مادة "ن ض ح".
[ ٢٩٢ ]
التمر جل طعامهم، كما كان به التعامل بينهم، فتدفع منه الأجور وتسدد الديوان١، كما كان ينتفعون بكل شيء في النخلة: يأكلون جمَّارها٢ ويستخدمون جريدها في سقوف منازلهم ويعملون من خوصها المكاتل والقفف٣. ويستخدمون جذوعها أعمدة لبيوتهم وحمالات لسقوفها، ويستخدمون الشوك والكرانيف للوقود، كما كانوا يرضخون النوى بالمراضخ حتى يتكسر فيكون علفًا للإبل، فالنخلة من أكرم الأشجار عليهم حتى لقد شبه النبي -ﷺ- المؤمن بالنخلة كل ما فيه خير.
وتمر المدينة متعدد الأنواع منه الجيد ومنه غير الجيد٤ ومن أشهر أنواعه: الصيحاني، وابن طاب، وعذق زيد، والعجوة، والصرفان وهو نوع من التمر أحمر هو أوزن التمر كله، والجنيب وهو من أجود أنواع التمر، وقد كان ليهود بني النضير نوع فاخر من التمر يقال له اللوز أصفر شديد الصفرة ترى النواة فيه من اللحمة٥.
والشعير هو الغلة الثانية بعد التمر، وكانوا يزرعونه في حقول؛ ولكنهم عادة كانوا يزرعونه تحت النخيل٦ وكان عليه اعتمادهم بعد التمر. وليس لدينا إحصاء عن مقدار غلة المدينة من التمر ومن الشعير، ولكن الراجح أن محصول الشعير كان يساوي ربع محصول التمر٧، وأن محصول التمر كان يكفي حاجة السكان ويسمح ببيع الفائض، بينما كان أهل يثرب يستوردون بعض الشعير لسد النقص في حاجتهم.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٦٣، ٧٦، ٧٠، ٧١، ١١٧، ١٣٧، التراتيب الإدارية: ١/ ٤٠٠- ٤٠٣ السمهودي ٢/ ١٥٥. ٢ البخاري ٣/ ٧٨. "الجمار - شحم النخل وهو أعلى الساق تحت الجريد" القاموس مادة "ج م ر". ٣ الدلالات السمعية ٦٦٩. ٤ البخاري ٣/ ٥٨. ٥ البخاري ٣/ ٥٧، ٦٧، ٧٨، الواقدي ٢٨٩. ٦ إمتاع ١/ ١٨٢، ٣٢٨. ٧ "قياسًا على ما كانت تتجه خيبر وهي واحة شبيهة بالمدينة، فقد كانت تنتج أربعين ألفًا وسق من التمر وعشرة آلاف وسق من الشعير" إمتاع ١/ ٣٢٨- ٣٢٩.
[ ٢٩٣ ]
وإلى جانب هاتين الغلتين الرئيسيتين كان يزرع قليل من القمح والكروم، وبعض أنواع الفاكهة الأخرى من رومان وموز وليمون وبطيخ وقاوون، كما كانت تزرع بعض الخضروات والبقول كالقرع واللوبيا والسلق والبصل والثوم والقثاء١.
وكان جل أهل المدينة يعملون بالزراعة، منهم من كان يملك الأراضي الواسعة يزرعها لحسابه أو يزارع عليها غيره أو يكريها -يؤجرها- ومنهم من كان يملك قدرًا يقوم على زراعته بنفسه، ومنهم من لم يكن له ملك خاص فيزرع في أرض غيره مزارعة أو كراء.
وكانت لهم طرق في المزارعة والمؤاجرة ٢، بحسب جودة الأرض، فقد كانوا يزارعون على الثلث أو على الربع وأحيانًا على النصف مما تنتجه الأرض٣، أما المؤاجرة فلم تكن المعاملة فيها بالدنانير أو بالدراهم؛ وإنما كان لهم فيها أيضًا عدة طرق؛ إما أن يؤجر الشخص حقله على الربع من المحصول مع شيء من التبن أو شيء من المحصول يستثنيه صاحب الأرض، أو يؤجرها على عدد محدد من أوسق التمر والشعير. أو أن يسمى قسم من الحقل لصاحب الأرض وقسم للزارع، وكل منها يأخذ ما ينتجه قسمه قل أو كثر، وكان ربما يحدث أن يصاب أحد القسمين فيضعف محصوله أو لا ينتج أصلًا فلا يلتزم صاحب القسم الآخر تجاهه بشيء ٤.
وعلى الرغم من اشتغال معظم السكان بالزراعة فإن حاصلات المدينة الزراعية لم تكن كافية لتموين سكانها، فكانوا يستوردون ما يسد حاجتهم من الخارج من بلاد الشام، وكانت تبلغ بهم الحاجة إلى أن يسلفوا نبيط أهل الشام في الحنطة والشعير والزبيب إلى أجل مسمى قد يبلغ السنة والسنتين٥؛ حتى يضمنوا أن يحصلوا على
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٢، ٦٥، ١٠٩. الدلالات السمعية ٦٥٦ البتنوني ٢٥٨. ٢ المزارعة أن يعهد شخص إلى آخر بالقيام بزراعة الأرض وسقيها وتعهدها وله نصيب من المحصول ١/ ٣٢٨ حاشية "١". ٣ البخاري ٣/ ١٠٧. ٤ البخاري ٤/ ١٠٤- ١٠٩. ٥ نفسه ٣/ ٨٥ -٨٧: السلف: "نوع من البيوع يعجل فيه الثمن وتضبط السلعة بالوصف إلى أجل معلوم. القاموس مادة س ل ف".
[ ٢٩٤ ]
حاجتهم منه. وكانت أخصب الأراضي وأكثرها غلة في أيدي سكان العوالي من منطقة المدينة من اليهود والعرب؛ ولذلك كان الأغنياء منهم وبخاصة اليهود يستغلون حاجة الفقراء أو أصحاب الأراضي القليلة والضعيفة والإنتاج إلى الاستدانة منهم نظير رهن يقدمونه١ أو يضطرون إلى بيع ثمار نخلهم وأعنابهم مزابنة، ومحاصيل شعيرهم وقمحهم محاقلة، فيزيد هؤلاء الأغنياء من ثرواتهم بينما يصاب الفقراء بالخسارة والخراب، وربما يضطر صاحب الأرض القليلة إلى التخلي عنها وفاء لديونه٢، وقد كان هذا الأمر مما يشعر بالهوة بين الأغنياء من أصحاب الأراضي وبين الفقراء، ويؤدي إلى إثارة المطامع والأحقاد، وقيام التنازع بين البطون رغبة في تملك الأراضي الزراعية، وما كان يحدث بسببه من حروب، كان الخصم يتجه فيها إلى تدمير ثروة خصمه بقطع نخله وإتلاف مزروعاته، مما كان يؤدي إلى إضعاف قوة المدينة الاقتصادية نتيجة هذه الخسائر المادية.
وكان اليهود أكثر غنًى من العرب بوجه عام؛ لذلك لم تكن حاصلات العرب تكفي لسد حاجتهم إلا بصعوبة، وكثيرًا ما كانوا يستدينون من اليهود٣، وهذا يفسر لنا مقدار الجهد الذي تحمله عرب المدينة حين نزل عليهم المهاجرون من أهل مكة فأقاموا معهم في ضيافتهم ثم عملوا في أراضيهم مزارعة ٤.
وعلى الرغم من أن عدد المهاجرين لم يكن يتجاوز المائة أسرة؛ فإن هذا العدد القليل أثر على حياة الأنصار الاقتصادية، ولم تتحسن الأحوال إلا بعد إجلاء بعض القبائل اليهودية عن المدينة، وبعد أن استقر أمر المهاجرين وأخذوا يجدون لهم رزقًا في العمل بالتجارة٥.
لكن الزراعة بالمدينة انتعشت بعد استقرار أحوالها بعد الهجرة والقضاء على المنازعات الداخلية فيها، حتى استوعبت المدينة عددًا كبيرًا من المهاجرين إليها
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٦، ٥٧، ٧٢، ٧٧. ٢ نفسه ٣/ ٧٣- ٧٥ "المزابنة: بيع التمر في رءوس النخل بتمر كيلًا. والمحاقلة بيع الزرع في سنبله: الشعير بشعير كيلًا والقمح بقمح كيلًا. القاموس مادة "ز ب ن". و"ح ق ل". ٣ البخاري ٣/ ٦٧. ٤ نفسه ٣/ ١٠٤، ١٥٥، ١٦٦. ٥ ابن هشام ٣/ ٢٣٣- ٢٣٤، البخاري ٣/ ٧٥.
[ ٢٩٥ ]
والوافدين عليها من قبائل العرب، وكثر عمرانها وبدأ الناس في استغلال الأراضي واستصلاح مواتها وإعدادها للزراعة.
[ ٢٩٦ ]
*
النشاط الرعوي
لم تكن منطقة المدينة بلاد رعي؛ فقد كانت الأراضي الصالحة للزراعة تستغل في إنتاج الحاصلات الزراعية، وما وراء منطقة يثرب كان مجالًا لنشاط القبائل البدوية،. ومع ذلك فقد كان لأهل المدينة ثروة من الإبل والماشية والأغنام، يرعونها ما تنبت منطقة المدينة من أشجار وشجيرات رعوية١، كما كانت توجد إلى الشمال الغربي للمدينة منطقة رعوية هي منطقة زغابة والغابة تبدأ من مجتمع الأسيال على سبعة أميال من جبل سلع على طريق الشام، وبها أشجار ومراع يحتطب منها الناس ويرعون شجرها٢، وإلى جنوب المدينة على طريق مكة توجد مراع بين المدينة والربذة حماها النبي -ﷺ - بعد الهجرة لإبل الصدقة ترعاها ٣ كما حما منطقة تسمى نقيع الخضمات في الناحية الجنوبية الغربية من المدينة لخيول المسلمين.
وقد كان أهل المدينة يملكون عددًا من البقر لحرث الأرض، كما كانوا يستخدمون الإبل في ري الأراضي يحملون عليها الماء من الآبار، ويسمونها الإبل النواضح، وكان بعضهم يملك منها عددًا قد يصل إلى المائة يستخدمها لهذا الغرض٥ كما كان البدو يجلبون إلى المدينة أغنامهم وإبلهم يبيعونها لأهلها٦.
لكن ما كان يملكه أهل يثرب من الإبل والدواب والخيول كان قليلًا بالقياس إلى ما كانت تملكه مكة أو تملكه القبائل البدوية منها٧ لكنها زادت شيئًا فشيئًا بعد الهجرة
_________________
(١) ١ إمتاع ١/ ٢٤٧. ٢ ياقوت ١٠/ ١٤١- ١٤٢، ١٤/ ١٨٢. ٣ السمهودي ٢/ ٢٢٢. ٤ ياقوت ٢/ ٤٠٤- ٤٠٥. ٥ "يروي صاحب الأغاني أن أحيحة بن الجلاح الأوسي كان يملك تسعة وتسعين بعيرًا كلها ينتضح عليها" الأغاني ١٣/ ١١٨ "مصر". ٦ البخاري ٣/ ٦٢، ٨٠. ٧ "كانت الإبل التي خرج عليها المسلمون يوم بدر سبعين بعيرًا يعتقبها ثلاثمائة رجل، بينما خرجت قريش ومعها سبعمائة بعير يعتقبها تسعمائة وخمسون رجلًا، وكانت خيول المسلمون فرسين، بينما كانت خيول أهل مكة مائة فرس" "ابن هشام ٢/ ٢٥١. إمتاع ١/ ٦٥".
[ ٢٩٦ ]
تبعًا لحاجة المسلمين إليها في حروبهم، فكثر جلب الخيل من البادية، يأتي بها الأعراب لبيعها، وقد صارت لها سوق خاصة بالمدينة؛ كان بنو سليم المشهورون باقتناء الخيل يجلبونها إليها، وأصبح يطلق على هذه السوق بقيع الخيل١، كما كانت تجلب إلى هذه السوق الإبل والغنم أيضًا. وقد ازدادت ثروة المدينة الحيوانية بالتدريج بعد الهجرة وقيام الدولة الإسلامية بها وكثرة الغزوات ضد القبائل العربية التي كانت تناوئ المدينة، بما كان يقع في أيدي المسلمين من غنائم من الإبل والأغنام٢، وبما كان يشتريه المسلمون من الخيول لسد حاجتهم الحربية٣، حتى لقد بلغ عدد الخيول في جيش المدينة عند فتح مكة سنة ٨ هـ ألفي فرس، كان الأنصار يملكون منها خمسمائة فرس ويملك المهاجرون ثلاثين فرسًا والباقي تملكه القبائل التي والت المدينة، وانضمت إليها ٤، وبلغ ما استطاع أن يمد به رجل واحد من المسلمين -هو عثمان بن عفان- جيش تبوك تسعمائة وخمسين بعيرًا وخمسين فرسًا٥؛ الأمر الذي يقطع بنمو الثروة الحيوانية في يثرب نموًّا كبيرًا بعد الهجرة النبوية.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ٥٤٤. ٢ "على سبيل المثال: غنم المسلمون في غزوة بني المصطلق ألفي بعير وخمسة آلاف شاة، وفي غزوة حنين أربعة وعشرين ألف بعير وأربعين ألف شاة". ٣ ابن هشام ٣/ ٣٦٤. ٤ إمتاع ١/ ٣٦٤. ٥ الدلالات السمعية ٦٤١.
[ ٢٩٧ ]
الصيد:
كان الصيد حرفة من الحرف التي يزاولها العرب سواء منهم أهل الحضر وأهل البادية، وكانت وسيلة من وسائل المعاش عند بعض الناس. ولقد زاول أفراد من أهل المدينة حرفة الصيد وبرعوا فيها، وكانت حيوانات الصحراء التي تصاد هي الحمر الوحشية والغزلان والأرانب والضباب يطاردونها بالخيل والرماح أو يرمونها بالسهام،
[ ٢٩٧ ]
كما كانوا يستخدمون الكلاب المعلمة١ والبزاة للقبض على الصيد، أو تعطيل الحيوان حتى يصل إليه الصائد فيرميه بالسهم، أو يطعنه بالرمح، أو بالمعراض وهو خشبة محددة الطرف أويوضع في طرفها حديدة. كما كانوا يستخدمون الفخاخ والشباك والأشواك المنشورة، ومنها ما يدس تحت التراب من الحديد للبقر والحمير؛ فإذا تخطت فيه حطت أرجلها ولذعها فرمحت فيقطع أعصابها حتى لا يكون بها حراك ثم يدركها الصائد٢.
أما صيد البحر فقد كان مزاولًا يزاوله سكان السواحل، وقد يزاوله أهل الحاضرة، ولا يستبعد أن يكون بعض أهل المدينة قد زاولوه في أسفارهم ورحلاتهم، وقد ورد ذكر الصيد بنوعيه في القرآن الكريم مما يدل على أن الناس كانوا يزاولونه، وينتفعون به ويعولون عليه في حياتهم ومعاشهم٣.
_________________
(١) ١ البخاري ١/ ٤٢. ٢ نفسه ٢/ ١١- ١٣: الدلالات السمعية ٦٦٩- ٧٧٠. ٣ ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ، أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ﴾ [المائدة] .
[ ٢٩٨ ]
*
النشاط التجاري
من البديهي ألا تشذ يثرب عن حياة المدن والقرى الاستقرارية التي تتحمل الأعمال الدائمة وتتلازم مع الأعمال الزراعية والصناعية والتجارية. وإذا كان أهلها -في الأغلب- يعيشون على غلات الأرض والبساتين، وكانت خصوبة التربة تغنيهم عن الضرب في مناكب الأرض ابتغاء الرزق؛ فإن طبيعة كونها مدينة وحولها القرى والأعراب لا بد أن تجعل فيها حركة تجارية، وأن يكون كثير من أهلها قد تفرغوا لأعمال التجارة. ولقد وردت في القرآن الكرريم آيات مدنية كثيرة فيها بعض الأوامر والنواهي والتشريعات١، بما يمكن أن يلهم أنه كان في المدينة حركة تجارية غير
_________________
(١) ١ انظر سورة البقرة ٣٨٣. النساء ٢٩. التوبة ٢٤١. النور ١٦. الجمعة٩- ١١.
[ ٢٩٨ ]
ضعيفة قبل الإسلام، ولا يرد هذا بأن تكون قوة هذه الحركة فيها قد وجدت بعد الهجرة النبوية.
[ ٢٩٩ ]
التجارة الداخلية:
كانت التجارة الداخلية في يثرب نشيطة، والأخذ والعطاء والتعامل فيها كبيرًا، سواء بين أهلها أنفسهم، أو بينهم وبين جيرانهم من الأعراب الذين كانوا يفدون على المدنية للامتياز منها، ولتصريف منتجات البادية من إبل وغنم وخيل، وصوف ووبر وسمن وأقط وغير ذلك، كما كانت الصناعة في يثرب قائمة وبخاصة صناعة الصياغة حيث كانت تمون مدن الحجاز وبدوها بما يحتاجون إليه من حلي لنسائهم وبناتهم، وكذلك بالمصنوعات الحديدية من أسلحة ودروع وآلات زراعية وغيرها.
وكان في المدينة عدة أسواق، والسوق فضاء واسع لا بناء فيه يضع فيه التجار بضائعهم، والمكان لمن سبق١، وكان الراكب ينزل بالسوق فيضع رحله، ثم يطوف بالسوق ورحله بعينه يبصره لا يغيبه عنه شيء. وأهم هذه الأسواق سوق بني قينقاع عند جسر وادي بطحان مجاورة لمنازلهم، وكانت سوقًا عظيمة، تكثر فيها الحركة، وتسمع منها ضجة البيع والشراء والتعامل٢، وأهم ما كان يباع الحلي التي تخصص يهود بني قينقاع في صناعتها. ثم سوق أخرى بزبالة من الناحية التي تدعى يثرب في الشمال الغربي من المدينة، وقد اتسعت هذه السوق وعظم أمرها بعد الإسلام حيث اتخذها المسلمون سوقًا لهم بعد أن فسدت العلاقات بينهم وبين اليهود٣. كما كانت توجد سوق بالعقبة وهي موضع من قباء ٤، وسوق بمزاحم عند مساكن بني الحبلى عشيرة عبد الله بن أبي، وسوق قرب البقيع عرفت ببقيع الخيل، كانوا بنو سليم يجلبون إليها الخيل والإبل والغنم والسمن، وكان أكثر ما يباع في هذه السوق الحيوانات ٥.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ٥٤١. ٢ الأغاني ٢١/ ٦٢ "مصر". ٣ السمهودي ١/ ٥٤٠. ٤ ياقوت ١٣/ ١٢٨. ٥ السمهودي ١/ ٥٤٤- ٥٤٥.البخاري ٣/ ٦٣.
[ ٢٩٩ ]
كل هذه الأسواق كان يباع فيها كل ما تنتجه المدينة من تمر وشعير وطعام وخمر، وحتى الحطب الذي كان يباع فيها يجلبه الحطابون من أشجار المدينة أو من الغابة أو من البادية. كذلك كان يباع فيها ما يجلب إليها من الخارج من منتجات البادية من صوف وشعر ووبر وسمن وأقط. كذلك كانت الأشياء المصنوعة تباع فيها سواء كان ذلك من صناعة المدينة نفسها من حلي وسلاح، وآلات زراعية من مساح ومكاتل وكرازين، أو ما يجلب إليها من الخارج من نبيذ وزيت وحنطة ومنسوجات قطنية وحريرية، ونمارق ملونة مرسومة يبتاعها أهل النعمة واليسار، كما كان هناك عطارون يتاجرون في أنواع العطارة والمسك والروائح العطرية. وكان لكل طائفة من الباعة موضع معلوم في السوق١.
وإلى جانب البيع والشراء في منتجات الأرض وفي المصنوعات والمجلوبات الخارجية، كان هناك أناس يعملون بالصيرفة ويعتبرونها نوعًا من التجارة؛ فكانوا يبيعون الذهب بالذهب والفضة بالفضة، كما كانوا يقومون باستبدال النقود وكسرها، ولكنهم كانوا يستغلون جهل الناس فلا يظهرونهم على مدى الجودة أو فارق الوزن في الدنانير والدراهم٢.
وكانت السمسرة حرفة يحترفها بعض الناس، فيتولون البيع نيابة عن أصحاب البضائع وبخاصة من أهل البادية، وكثيرًا ما كانوا يستغلون جهل هؤلاء البدو فيخسرونهم، أو يرفعون في السعر أو ينقصون مضاربة٣.
ولم تكن هناك رقابة مفروضة على البيع والشراء وتنظيم التعامل في هذه الأسواق، إذ لم تكن في المدينة هيئة حكومية؛ وإنما كانت المدينة تحيا حياة قبلية تامة؛ فلم تكن لذلك رقابة على ضبط المكاييل وتنظيم البيع والشراء، وحماية السذج من البدو من الوقوع في يد المحتالين والغشاشين ومع أن الكيل والوزن كان موجودًا؛ إلا أن البيع والشراء مجازفة كان أمرًا سائدًا٤. كما كان من وسائلهم المناجشة في
_________________
(١) ١ انظر البخاري ٣/ ٦٣- ٦٤. السمهودي ١/ ٥٣٩- ٥٥٢. الدلالات السمعية: ٦٤١- ٦٤٣. ٢ الدلالات السمعية ٦٦٤. ٣ البخاري ٣/ ٧١-٧٢ الدلالات السمعية ٦٥٣. ٤ البخاري ٣/ ٨٥-٩٥ الدلالات السمعية ٦٤٩. "بيع الشيء مجازفة: بيعه دون أن يعلم كيله ولا وزنه. القاموس مادة ج ز ف".
[ ٣٠٠ ]
البيع وهي أن يزيد الشخص في السلعة أكثر من ثمنها، لا يشتريها ولكن ليغر غيره فيقع فيها١. كما كان التجار يتلقون الركبان خارج المدينة فيشترون منهم ما يحملون من طعام قبل أن يصلوا إلى السوق حتى لا يعرفوا ثمنه الحقيقي، ثم يجمعونه ليحتكروا بيعه في السوق، وأحيانًا يبيعونه في مكانه قبل أن يصلوا إلى السوق إذا تحقق لهم الربح الذي يريدونه٢. كما كان الغش والمخادعة أمرًا جاريًا في الأسواق، فكانوا يبلون الحنطة والشعير ليكثركيلها، أو يخفون الرديء داخل الطيب، ويخلطون التمر الرديء بالجيد، ويحفلون -يصرون- الإبل والغنم والبقر فلا يحلبونها أيامًا حتى تبدو أنها كثيرة اللبن ثم يبيعونها ٣. كما كان البيع بالنسيئة -تأجيل الثمن- وبالرهن وسيلة من وسائلهم، وهم بذلك يبغون تنشيط البيع من ناحية وتحقيق ربح أزيد من ناحية أخرى.
وكما كان أهل المدينة يتبايعون في المعروضات، كذلك كان يتبايعون فيما بينهم في الممتلكات والمزروعات، فكانت الدور والأرض تباع في المدينة٤. وكانوا يتصرفون في مزروعاتهم ببيعها قبل أن يبدو محصولها فيبيعون التمر على رءوس النخل قبل أن يزهو -يظهر لونه بحمار أو صفار- ويبيعون الثمار قبل أن يبدو صلاحها، كما يبيعون الزرع في سنبله، وكان يحدث من جراء ذلك خسارة من كلا الوجهين؛ فقد تصاب الثمار بالدمان -المرض أو القشام: العاهات- فتحدث خسارة للمشتري، أو يستغل المشتري حاجة البائع فينقص في تقدير المحصول فتلحق الخسارة صاحب الزرع٥.
وقد كان الربا مظهرًا من مظاهر الحركة الاقتصادية والتجارية، ووسيلة من وسائل التعامل في المجتمع العربي بعامة وفي المدن بخاصة. وكان يزاول في المدينة مزاولة كبيرة٦ بين أهلها أنفسهم وبينهم وبين الوافدين إليهم. وكان وسيلة من وسائل زيادة
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٦٩ القاموس مادة "ن ج ش". ٢ البخاري ٣/ ٧١- ٧٣. ٣ السمهودي ١/ ٥٤٦. البخاري ٣/ ٧٠-٧١. ٤ البخاري ٣/ ٦٣- ٦٤. ٥ نفسه ٣/ ٧٦- ٧٨. ٦ نفسه ٣/ ٥٩.
[ ٣٠١ ]
الثروات، إذ كان الربا أحيانًا كثيرة يربو على الدين نفسه، فيذهب بأموال الناس. وقد كان العرب واليهود يزاولونه على السواء؛ فقد ذكرت الروايات أن أحيحة بن الجلاح أحد زعماء الأوس كان يتعامل بالربا حتى مع قومه من الأوس حتى كاد يحيط بأموالهم١. وقد نزل القرآن يندد باليهود وينعى عليهم أخذهم الربا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل٢.
وقد كان الربا شديد الرسوخ وكان يشغل حيزًا كبيرًا من حياة المدينة والمدن الحجازية بعامة، وكان القضاء عليه أمرًا شاقًّا حتى لقد تدرج القرآن في إبطال التعامل به؛ فبدأ بأن نهى عن الربا الفاحش: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران﴾ ثم نزل بتحريمه تحريمًا كاملًا بعد أن بين أضراره: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ، يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ﴾ [البقرة] .
وحين قامت الدولة الإسلامية في يثرب بعد الهجرة كانت وسائل البيع والتعامل هذه سائدة في المدينة، فأخذ النبي -ﷺ- يعمل على تنظيمها، وقد ساق أصحاب الحديث أوامر كثيرة أصدرها النبي -ﷺ- تأمر بعدم استخدام الوسائل غير الشريفة في البيع والشراء والمعاملات، فقد نهى أن يبيع حاضر لباد -أي لا يكون له سمسارًا- لما في ذلك من خداع٣ كما نهى عن تلقي الركبان خارج المدينة، وعن بيع الطعام قبل أن يصل إلى السوق٤. كما نهى عن الغش واعتبر الغاش خارجًا على الجماعة٥. كما نهى عن أن يباع الثمر قبل أن يبدو صلاحه٦. وأمر أن يكون الكيل والوزن هو الأساس في المبايعة
_________________
(١) ١ الأغاني ١٣/ ١١٨ "مصر". ٢ النساء: ١٦١. ٣ البخاري ٣/ ٧٢. ٤ البخاري ٣/ ٧٣. ٥ السمهودي١/ ٥٤٦. ٦ البخاري ٣/ ٧٥.
[ ٣٠٢ ]
فمنع بيع المجازفة، وكان كل من روئي يبيع جزافًا يضرب في المدينة١. كما قضى برد كل بيع استعملت فيه المناجشة والخداع٢، كما منع بيع المزابنة، والمحاقلة، والمخاضرة وهي بيع الزرع في سنبله٣ وأمر بالدقة في المعاملة والصيرفة٤: وبذلك وضعت التشريعات لتنظيم التجارة في المدينة وقامت الدولة على مراقبتها وتنظيمها.
وقد أدى هذا إلى رواج التجارة الداخلية، وبدأت الثقة تأخذ طريقها إلى نفوس البدو الذين كانوا يفدون بما لديهم من سلع، وأخذت عرب المدينة بقسط كبير من مزاولة التجارة الداخلية، وبخاصة المهاجرين من قريش الذين انضافت خبرتهم التجارية إلى حركة التنظيم الجديدة؛ فسيطروا على السوق الداخلية وجنوا من وراء ذلك ثروة كبيرة، وبدت واضحة مع الأيام فيما كان من ثروات، أمثال عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم ممن اشتهروا بالتجارة، حتى لقد أسهم عثمان في تجهيز جيش تبوك بتسعمائة وخمسين جملًا وخمسين فرسًا وألف دينار٥، وقد كان لتنظيم المعاملات في سوق المدينة أثر على اليهود الذين كانوا يستغلون فساد المعاملات لزيادة ثرواتهم٦، الأمر الذي كان له أثره على العلاقات بين المسلمين واليهودكان سنوضح فيما بعد.
_________________
(١) ١ نفسه ٣/ ٦٨. ٢ نفسه ٣/ ٦٩. ٣ نفسه ٣/ ٧٤- ٧٥. ٤ نفسه. ٥ ابن عبد البر: الاستيعاب في معرفة الأصحاب ٣/ ١٠٤٠. ٦ السمهودي ١/ ٤٥٠.
[ ٣٠٣ ]
التجارة الخارجية:
كانت المدينة على طريق القوافل التجارية، ومن المستبعد أن يبقى تجارها في غفلة عن الأسفار التجارية كماكان يقوم بهأ اهل مكة، وكان فيها جالية كبيرة من اليهود ومنهم من كان يملك ثروة كبيرة، ومن المستبعد ألا يكونوا قد ضربوا بسهم وافر في النشاط التجاري في الحجاز بعامة وفي المدينة بخاصة، سواء كان ذلك بالرحلات
[ ٣٠٣ ]
التجارية الخارجية أو في الأسواق المحلية والموسمية١. وتحدثنا المصادر عن رجل يهودي كان يتاجر في الحجاز، وكان بارعًا في التجارة حتى لقد أحنق عليه القرشيين أنفسهم وهم على ما هم عليه من براعة وخبرة تجارية؛ فتخلصوا من منافسته بقتله٢. كما تحدثنا عن أبي رافع الخيبري الذي كان يرسل تجارته إلى الشام بواسطة القوافل ويستورد منها الأقمشة المختلفة٣.
وإذا كان سكان المدينة من العرب واليهود قد عملوا بالزراعة وكانت موردهم الرئيسي، وإذا كانوا قد شغلوا بحروبهم وخلافاتهم الداخلية؛ فليس معنى ذلك أنهم أهملوا التجارة، وقد تحدثنا من قبل عن الحركة التجارية النشيطة في الداخل، وليس من المحتمل أنهم لم يزاولوا التجارة الخارجية، وإن لم يضربوا فيها بسهم وافر مثل أهل مكة الذين كانت المورد الأساسي للرزق عندهم. وإن كانت المصادر لم تحدثنا عن قوافل تجارية للمدينة اتجهت إلى الشام أو إلى اليمن، ولكن من المؤكد أن قوافل مكة كانت تمر بالمدينة في رحلاتها التجارية، وأن أهل المدينة يتعاملون مع هذه القوافل المكية٤، كما كانوا يرحلون إلى الأسواق العربية في عكاظ ومجنة وذي المجاز في موسم الحج يبيعون فيها ويشترون٥. كما كانوا يستوردون ما يلزمهم من أقمشة قطنية وحريرية ونمارق مرسومة ووسائل الترف، وما يحتاجون إليه من زيت وزبيب ونبيذ من الشام ومن اليمن، كما كانوا يستوردون العطور والمسك من دارين فرضة البحرين التي كان يحمل إليها المسك من الهند٦. ثم هم كانوا في حاجة إلى تصريف ما لديهم من صناعات وبخاصة الحلي التي اشتهر يهود بني قينقاع بصناعتها في أسواق العرب أو في الأسواق الخراجية، ثم يستجلبون ما يلزمهم من خامات
_________________
(١) ١ دروزة ٨٥. ٢ أنساب الأشراف ١/ ٧٣. ٣ تاريخ الخميس ٢/ ١٢. ٤ ابن هشام ١/ ١٤٨، ١٧٩. ٥ البخاري ٣/ ٦٢. ٦ الدلات السمعية ٦٤٣.
[ ٣٠٤ ]
الذهب والحديد وغيره مما يلزم لصناعاتهم، ومن أحجار كريمة من هذه الجهات، وكان أنباط الشام يأتون إلى المدينة بقوافلهم تحمل الحنطة والزبيب والزيوت١، وكثيرًا ما كان أهل يثرب يدفعون إليهم مقدمًا ثمن البضائع ليضمنوا ورودها٢. ولا يستبعد أن أهل يثرب أنفسهم كانوا يرحلون لجلب ما يلزمهم من الشمال أو من الجنوب؛ بل الأرجح أنهم كانوا يقومون بهذه الرحلات. وكما كانوا يسافرون بالبر كذلك كانوا يتاجرون عن طريق البحر٣، والمدينة ليست على مسافة كبيرة من البحر الأحمر، ولها فرضتها التي كانت ترسو فيها السفن وهي الجار، وبينها وبين المدينة يوم وليلة، وبينها وبين أيلة نحو عشر مراحل، وهي فرضة ترفأ إليها السفن من أرض الحبشة وعدن والصين وسائر بلاد الهند، وكانت ميناء هامًّا حتى لقد سمي هذا الجزء من البحر الأحمر من جدة إلى أيلة الجار ٤. فلا بد أن أهل المدينة انتفعوا بالتجارة عن طريق هذا المرفأ وتلقوا منه حظًّا من التجارة العالمية.
وإذا كانت يثرب -نظرًا لظروفها الداخلية- لم تستطع منافسة مكة في مجال التجارة بوجه عام في الفترة التي سبقت الإسلام؛ فإنها لم تلبث أن أخذت تنافسها منافسة خطيرة بعد الهجرة النبوية وقيام الدولة الإسلامية بها؛ فلم يكد المسلمون يستقرون بالمدينة حتى اتجهوا إلى التجارة الخارجية مع مزاولتهم للتجارة الداخلية وتنظيمها، فقد بدأ رجال من المهاجرين من قريش من أمثال طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام وسعيد بن زيد وغيرهم يرحلون إلى الشام يجلبون منها التجارة٥. وفي الوقت الذي أخذت فيها قوات المدينة طريق الشمال على قوافل قريش، أخذت المدينة تحاول أن تخلفها في هذا المضمار، وشيئًا فشيئًا تحول الزمام إلى يثرب بعد أن صارت عاصمة الدولة العربية الموحدة
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٥- ٥٦. ٢ نفسه ٣/ ٨٥- ٨٧. ٣ البخاري ٣/ ٥٦. ٤ ياقوت ٥/ ٩٢- ٩٣. ٥ ابن قتيبة: المعارف ٦٧. السمهودي ١/ ١٧٤ الدلالات السمعية ٦٣٦- ٦٣٨ ابن حزم: جوامع السيرة ١١٩- ١٢٠.
[ ٣٠٥ ]
المكاييل والموازين:
لما كانت حاصلات المدينة في الأغلب حاصلات زراعية؛ فإن المكاييل كانت أكثر استعمالًا فيها من الأوزان، ولذلك قالوا المكيال مكيال أهل المدينة، والوزن وزن أهل مكة١. وكانت المكاييل أنواعًا وحدتها "المد" وهو أربع حفنات بحفنة الرجل الأوسط. والصاع مكيال قدره أربع أمداد٢ وهو خمسة أرطال، والفَرَق قدره سبعة عشرة رطلًا وثلاثة أرباع الرطل٣ والوسق يساوي حمل بعير ويساوي ستين صاعًا أو ثلاثمائة وعشرين رطلًا٤.
أما الأوزان المستعملة فهي: الدرهم والمثقال والدانق والقيراط والنواة والرطل والقنطار، والقيراط نصف الدانق، ووزن الدرهم ستة دوانق، وكل عشرة دوانق تساوي سبعة مثاقيل، والأوقية تساوي اثني عشر درهمًا، والنش نصف أوقية، والنواة من الذهب تساوي وزن نواة التمر أو هي وزن معلوم عندهم، والقنطار مائة رطل٥.
_________________
(١) ١ التراتيب الإدارية ١/ ٤٣٨. ٢ نفسه ١/ ٤٢٨- ٤٢٩. ٣ القاموس مادة "ف ر ق". ٤ انظر في هذا كله: التراتيب الإدارية ١/ ٤٢٨ - ٤٣٨ وكذلك انظر القاموس في مادة "م د د، ص وع، ف ر ق، وس ق". ٥ انظر التراتيب الإدارية ١/ ٤١٣- ٤١٤- ٤١٥. وانظر القاموس في مادة "ث ف ل، د ل ق، ق ر ط، ن وى، ر ط ل".
[ ٣٠٦ ]
العملة:
كانت العملة هي الدرهم والدنانير، والأولى من الفضة والثانية من الذهب، وكانت أنواعًا من ضرب فارس والروم، ومنها ما لم يكن مضروبًا ولا منقوشًا من اليمن أو من المغرب، وكانوا يتعاملون أحيانًا بالوزن في الذهب والفضة على السواء. وكانت الدنانير في الغالب تحمل من بلاد الروم عليها صورة الملوك واسم الذي ضربت في أيامه مكتوبة بالرومية؛ ولذلك كانت العرب تسميها الهرقلية، وكانت غالبية الدراهم فارسية عليها صورة كسري واسمه مكتوب بالفارسية، ولم يكن للعرب في ذلك الوقت
[ ٣٠٦ ]
دور للضرب، ولم نعرف أنهم ضربوا العملة لحسابهم في أي من بلاد الدولة الفارسية أو الرومية؛ ولذلك اعتمدوا على العملة الخارجية يؤتى بها من الخارج أو يجلبها الوافدون من التجار من أهل هذه البلاد حين يفدون إلى بلاد العرب يستبضعون منها؛ ولذلك كان العرب في كثير من الأحيان يستعملون الوزن في الذهب والفضة في معاملاتهم١.
_________________
(١) ١ التراتيب الإدارية ١/ ٤١٣- ٤١٦.
[ ٣٠٧ ]
النشاط الصناعي
كانت المدينة أظهر من مكة في النشاط الصناعي، فقد كانت تقوم بها صناعة معتمدة على الإنتاج الزراعي، كما كانت أيضًا ضرورية للأعمال الزراعية، ثم إنه كان بها صناع متخصصون احترفوا أنواعًا من الصناعات وبرعوا فيها وبخاصة صناعة الحلي والأسلحة؛ هذا إلى صناعات أخرى هي من مستلزمات حياة المدن ومن مستعملات الناس في حياتهم اليومية، وإذا كان بعض هذه المستلزمات قد جلب من الخارج مصنوعًا؛ إلا أنه ليس من المعقول أن يجلب الناس كل ما يحتاجون إليه جلبًا، وأن يعيشوا عالة على العامل الخارجي في كل شيء، بل لا بد من قيام طبقة من العمال تقوم بصناعة محلية، وبخاصة إذا توافرت المادة الخام لها، كما أن هناك أعمالًا لا يمكن جلبها من الخارج مثل النجارة والحياكة ونحت الحجارة وما يستلزم البناء من صناعة.
ولقد قامت في المدينة صناعات معتمدة على الإنتاج الزراعي، وأهمها صناعة الخمر من التمر والبسر وكانوا يسمونها الفضيخ١، وكانوا يشربونها ويتاجرون فيها، وكان لديهم منها كميات كبيرة يختزنونها في الجرار سواء في ذلك العرب واليهود. كما
_________________
(١) ١ "الفضيخ شراب يتخذ من البسر وحده من غير أن تمسه النار" القاموس مادة "ف ض خ". "روي عن أنس بن مالك قال: "كنت ساقي القوم في منزل أبي طلحة، وكان خمرهم يومئذ الفضيخ، فأمر رسول الله مناديًّا ينادي: "ألا إن الخمر قد حرمت" قال: فقال أبو طلحة: اخرج فأَهرقها، فخرجت فأهرقتها، فجرت في سكك المدينة" البخاري ٣/ ١٣٢ "ووجد المسلمون في مغانم قريظة خمرًا وجرار سُكْر كثيرة فأمر النبي بإهراقها" إمتاع ١/ ٣٤٥.
[ ٣٠٧ ]
كانت تقوم صناعة الخوص من سعف النحل، فيصنعون المكاتل -المقاطف- والقفف مما يستخدم في أعمال المنزل وفي أعمال الزراعة، وكذلك كانت تقوم أعمال النجارة اللازمة للبيوت من أبواب ونوافذ الأثاث، وكان أغنياء اليهود يملكون كثيرًا من الأثاث لبيوتهم ١ كما كان استعمال الكراسي أمرًا شائعًا يصنعونها من الخشب وأرجلها من الحديد٢ وقد أعان على قيام الصناعة من الخشب وجود شجر الطرفاء والأثل في منطقة الغابة في شمال غربي المدينة٣.
كما كانت الحدادة إحدى الصناعات القائمة في المدينة والمرتبطة بالأعمال الزراعية؛ فالزراعة تحتاج إلى فئوس ومحاريث ومساح ومناجل للحصد، وغير ذلك مما يستعمله الزراع من آلات، وكانت هذه الآلات تصنع في المدينة يقوم بصناعتها بعض الناس من العرب ومن اليهود ومن الموالي على السواء، وإن كان الموالي والعبيد أكثر احترافًا لها٤. وإلى جانب هذه الصناعات كانت تقوم صناعة الحلي، وقد تخصص فيها واشتهر بها بنو قينقاع من اليهود٥، احترفوها ولم يحترفها أحد من العرب٦، وكانوا يصنعون أنواعًا كثيرة من الحلي الذهب، منها الأساور والدمالج والخلاخيل والأقرطة والخواتم والفتخ -جمع فتخة وهي الدبلة- والعقود من الذهب أو الجوهر أو الزمرد أو من الجزع الظفاوي وهو خرز ثمين به ألوان بيضاء وسوداء، وكانوا يبيعون هذه الحلي في سوق عرفت بهم، كان يأتيها النساء من أهل المدينة يشترين ما يلزمهن منها٧، ويقدم إليها الناس يأخذون ما يلزم لنسائهم وفتيانهم سواء في ذلك أهل المدينة وأهل البادية أو المدن الحجازية، وقد كانوا اليهود يمتكلون حليًّا كثيرة من هذه الحلى٨.
_________________
(١) ١ إمتاع. نفسه. ٢ الدلالات السمعية ١١٥- ١١٦. ٣ أسد الغابة ١/ ٤٣. البخاري ٣/ ٦٣. الدلالات السمعية ٦٥٧- ٦٥٨. ٤ أسد الغابة ١/ ٣٨- ٣٩. البخاري ٣/ ٦٠ الاستيعاب ١/ ٥٥. ٥ البخراي ٣/ ٦٠، ١٤. الواقدي ١٤٠. ٦ الواقدي ١٣٨- ١٣٩.
(٢) الدلالات السمعية ٦١١ جوامع السيرة ١٥٤. ٨ "طلب النبي -ﷺ- من كنانة بن الربيع أن يظهر كنز بني النضير بعد فتح خيبر، فجحد أن يكون عنده؛ لكن النبي -ﷺ- عرف مكانه، فلما أخرجه وجد جلد جمل وبه كثير من حلي الذهب: أساور وخلاخيل ودمالج وأقراط وخواتم وعقود" ٣/ ٣٨٨-٣٨٩ إمتاع ١/ ٢٠٧.
[ ٣٠٨ ]
كما كانت صناعة الأسلحة والدروع قائمة بالمدينة، يحترفها اليهود وقد روجوا لها ترويجًا كبيرًا حتى قالوا إنهم ورثوها عن داود النبي١ وكانت السيوف والنبال تصنع بالمدينة، ونبال يثرب مشهورة، وكان من الصناع من يتخصص في جلاء الأسلحة وصقل السيوف٢. ثم كانت هناك أدوات الصيد يصنعونها من فخاخ وشباك وأشراك من الحديد وغير ذلك ٣.
وإلى جانب هذه الصناعات الهامة كانت تقوم صناعات النسيج يقوم عليها النساء٤، كما كانت الخياطة والدباغة من الصناعات والحرف التي يحترفها بعض الناس٥، كما كان يوجد بناءون وعمال يقومون على النحت وضرب الطوب٦، وصناع يصنعون آنية المنازل وأدواتها من نحاس وفخار للأكل والشرب وما إلى ذلك من مصنوعات هي مستعملات الناس وحاجاتهم اليوم.
وهكذا كانت الصناعة كثيرة في المدينة، وكان يقوم عليها أناس من أهلها من العرب ومن اليهود، ومن الموالي والعبيد ممن قدموا إلى المدينة وأقاموا فيها أو استقدمهم أهلها أو اشتروهم للعمل لهم، وقد كان في المدينة بعض من هؤلاء منهم فرس وروم وقبط وأحباش أقاموا بالمدينة وعملوا لأنفسهم أو لسادتهم بها. ولولا ظروف المدينة الداخلية التي عوقتها من نشاطها؛ لكانت مدينة ذات شأن خطير، ولربما تفوقت على مكة وسيطرت على منطقة الحجاز كلها. وقد أحسن أهلها فعلًا بمدى أثر هذه الخلافات المعوقة وسعوا إلى إصلاح شأنهم، ولما لم يكن من أهل المدينة من الزعماء من يستطيع أن يكسب رضاء كافة الأطراف؛ فقد رغبوا في إدخال عنصر أجنبي محايد لم يتورط في منازعات المدينة وخلافات عصبياتها، فكانت الهجرة النبوية التي تغير بها الوضع في المدينة تغيرًا كاملًا.
_________________
(١) ١ السمهودي ١/ ١٩٨. ٢ الدلالات السمعية ٤٠١. ٣ نفسه ٦٧٦- ٦٧٧. ٤ / ٢١٢. الدلالات السمعية ٦٥٤. البخاري ٣/ ٦١. ٥ الدلالات السمعية ٦٥٦- ٦٦٨. البخاري ٣/ ٦١. ٦ الدلالات السمعية ٦٦٧-٦٦٨.
[ ٣٠٩ ]
*
الفصل الخامس: الهجرة وتأسيس الدولة الإسلامية في يثرب
فئة قليلة هاجرت إلى يثرب مع النبي -ﷺ- تاركة ديارها، فأُقفلت بهجرتها دور كثيرة من دور مكة، وتألم كثير من المكيين لقفل هذه الدور وتحسروا عليها، ورموا النبي -ﷺ- بأنه فرق بين الناس١، كانوا فئة قليلة مشردة مطرودة، أُخرجت من ديارها وأموالها، وفي نفسها حنين إلى من تركوا من الأهل، فلم يستقبلوا حياتهم الجديدة، أو لم تستقبلهم حياتهم الجديدة بالترحاب؛ فقد كان جو المدينة وبيئًا رطبًا، فأصيب كثير من المهاجرين بالحمّى٢، ثم إنهم كانوا محتاجين في هذا العهد الجديد إلى أن يدبروا أمر معاشهم بطريقة ما، بعد أن تخلوا عن أموالهم في مكة وهاجروا فَارِّين بدينهم وأنفسهم. هذه الفئة القليلة التي يعمل فيها الحنين والحمى، والتي تدبر أمر معاشها على نحوٍ ضئيل٣، استطاعت أن تبلغ في يثرب ما لم تبلغه في مكة، ونالت توفيقًا لم تنل مثله من قبل، فلا بد أن توجد أسباب تعلل هذا التوفيق.
وأول هذه الأسباب: هو أن اليهود كانوا قد هيَّئوا الناس لفكرة الديانة السماوية؛ فقد كانوا أهل كتاب. وكان الأوس والخزرج وثنيين، لكن الاتصال المستمر جعل الفريقين يعرفان أديان بعضهما. وقد كان اليهود يفاخرون الأوس والخزرج بدينهم وكتابهم ويعيرونهم بوثنيتهم، ويهددونهم بقرب ظهور نبي جديد يحطم الأصنام؛ فينضمون إليه ويقتلونهم قَتْلَ عادٍ وإرم؛ فالأوس والخزرج الوثنيون حين دعوا إلى
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٧٩. ابن كثير ٣/ ١٧٠- ١٧١. ٢ البخاري ٣/ ٢٣، ٥/ ٦٦- ٦٧. ابن كثير ٣/ ٢٢١- ٢٢٤. ٣ البخاري ٣/ ٥٣، ٦٠.
[ ٣١١ ]
الإسلام كانوا أكثر استعدادًا لتقبله وفهم معناه من وثنيي مكة، وكانوا أسرع إلى هذا النبي الذي كثيرًا ما كانت تهددهم به اليهود وأحرص على ألا يُسبقوا إليه١.
ثم إن الأوس والخزرج كانوا -في هذا الوقت- أصحاب الكلمة العليا في يثرب، وكانوا قد أصبحوا سادة الموقف بها وأصبح اليهود يعتبرون موالي لهم؛ فإذا تحالف النبي -ﷺ- مع الأوس والخزرج ودخلوا في دينه كان له ألا يخشى اليهود، كما كان في مقدور الأوس والخزرج أن يُدْخِلوا في المدينة مَنْ شاءوا دون أن يخشوا اعتراض اليهود عليهم. وقد استطاع النبي -ﷺ- فيما بعد أن يرغم اليهود على الانضمام إلى الجماعة الجديدة، وأن يرغمهم بعد ذلك على أن يخرجوا من المدينة حين تبين منهم الخيانة، وأصبحوا خطرًا على الدولة الناشئة.
والأمر الثالث الذي مهد للنبي -ﷺ- هو أن كثيرًا من زعماء الأوس والخزرج الذين كان الناس يرشحونهم للرياسة، والذين كانوا موضع التبجيل والاحترام، والذين كانوا أصحاب الكلمة النافذة في يثرب، وكان من الممكن أن تقف مطامعهم الشخصية في وجه النظام الجديد، مات أكثرهم في موقعة بُعاث بين الأوس والخزرج قبيل الهجرة؛ فلم يجد النبي -ﷺ- إلا الرؤساء الثانويين، وكان هؤلاء أميل إلى الطاعة، أو كانوا على أي حال أسهل قيادًا٢.
وأمر رابع لا يقل أهمية وهو: أن فكرة الخير التي تمتلئ بها النفس ويقتنع بها العقل تجعل من قوة الفرد الضئيلة قوة ضخمة، كأن القوة الفردية تتضاعف بمقدار ما في النفس من إيمان بالفكرة؛ لأن هذا الإيمان وهذه العقيدة يورثان صاحبهما قوة تمكنه من أن يصل إلى غايته لا يستطيع صده عائق أو معوِّق.
هذه هي الأسباب التي ساعدت الفئة القليلة الطريدة الطارئة على المدينة. وما كاد النبي -ﷺ- يستقر بها حتى بدأ تنظيم أمر الدعوة الإسلامية تنظيمًا يختلف عن التنظيم المكي.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٣٨. ٢ البخاري ٥/ ٦٧.
[ ٣١٢ ]
بدأ النبي -ﷺ- يُكَوِّن أمة إسلامية يدخلها الناس بصرف النظر عن قبائلهم وأجناسهم، وبهذا بدأ الدور الأساسي من الدعوة، واتخذ النبي -ﷺ- فيه شخصية سياسية إلى جانب شخصيته الدينية. وكان نظام الدولة التي أقامها النبي -ﷺ- في المدينة من نوع أصيل جديد، إذ كان يجمع بين الشورى والحكم المطلق، قال تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُم﴾ [الشورى] . وقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران] . وهذه الآية على قصرها تجمع بين الشورى والاستقلال بالرأي في الحكم في آنٍ واحد. كما كان في نفس الوقت يجمع بين حكم رجال الدين والاشتراكية. كان ذلك النظام في إطاره دينيًّا مطلقًا يرتكز على الأوامر والأحكام العامة المنَزَّلة، ولكنه في تفاصيله وتطبيق أحكامه اشتراكي شورى. وهذه الدولة فذة في تاريخ البشرية؛ لأنها -بالرغم من قيامها في الأصل على أسس دينية- أقرت مبدأين لا وجود لهما إلا في دولة غير دينية، وأول هذين المبدأين هو: حرية الأديان، وهي حرية لا تقرها الدولة الإسلامية وتسمح بها فحسب؛ بل إنها تتعهد برعايتها. وثانيهما هو: مبدأ تعريف فكرة الوطن والدولة في أوسع معانيها تسامحًا وإنسانية، وهو مبدأ يكفل المساواة في الحقوق والواجبات الوطنية بين جميع أفراد الدولة على اختلاف أجناسهم وألوانهم ولغاتهم وعقائدهم.
وقد برزت عبقرية النبي -ﷺ- في هذا الدور المدني، وظهرت المقدرة الفائقة في التنظيم والاحتياط للمستقبل، فقد كانت مهمته في مكة هي الدعوة إلى الدين الجديد، وإمداد المسلمين بالثبات والصبر واليقين، أما في المدينة فلم يكن عليه أن يكتفي بتبليغ الوحي الذي ينزل عليه، بل كان عليه أن ينظم الحياة في المدينة نفسها، فقد أصبح زعيم جماعة سياسية، وقد أدرك هو هذا الموقف من أول الأمر، وحتى قبل هجرته إلى المدينة١، وأخذ يعالج الأمور على هذا الأساس، فسكان المدينة الأصليون هم الأوس والخزرج -وهم قبيلتان قد وقع الشر بينهما كما رأينا من قبل- واليهود وهم أحياء تحالف بعضها مع الأوس وتحالف بعضها مع الخزرج. وهذه الجماعة الأصلية من أهل المدينة في حاجة إلى توفيق حتى يمكن أن تعيش معيشة
_________________
(١) ١ قال النفر من الخزرج الذين لقوا النبي -ﷺ- في الموسم يصفون قومهم بأنهم في حالة فرقة وشر: " فإن يجمعهم الله عليه -الإسلام- فلا رجل أعز منك" "٢/ ٣٨".
[ ٣١٣ ]
منسجمة. وقد انضاف إليهم المهاجرون، وهؤلاء ولو أنهم استقبلوا من إخوانهم مسلمي يثرب استقبالًا حسنًا في أول الأمر؛ إلا أنه يجب أن يحتاط لإقامتهم في المدينة. ثم إن النبي -ﷺ- قد خلَّف وراء ظهره عدوًّا لدودًا هو قريش، وهذا العدو قادر على العدوان، ولمقاومة عدوانه يلزم الاستعداد والحيطة، وبناء الجبهة الداخلية بناءً سليمًا لتواجه الخطر الخارجي، وقد واجه النبي -ﷺ- هذا الوضع من أول الأمر مواجهة تدل على فَهم سليم وإدراك قوي، وأَظْهَر من بُعْدِ النظر ودقة التنظيم ما كفل لهذه الجماعة الاستقرار والترابط، والقدرة على النمو ومواجهة الاحتمالات الخارجية كلها بنجاح كبير أدى إلى تكوين الدولة الإسلامية العظيمة.
تكوين الدولة في يثرب
أول شيء قام به النبي -ﷺ- بعد استقراره في يثرب هو ضمان معيشة المهاجرين، وهم جماعة تجار، تركوا أموالهم في مكة، ولا أمل لهم في استردادها. وقد اعتمد النبي على حسن نية المسلمين من أهل يثرب -الذين عُرِفُوا بالأنصار- وقد أظهر هؤلاء روحًا عالية من المروءة والكرم، فأعطوا المهاجرين شيئًا من المال وسمحوا لهم بالتجارة١، كما عمل بعض المهاجرين في مزارع الأنصار مزارعة٢، واستطاعوا بذلك أن ينظِّموا أمر معاشهم ولو على نحو ضئيل.
ثم رأى من أول الأمر أن يتخذ مكانًا يكون بمنزلة نادٍ عام للجماعة الإسلامية، تقيم فيه شعائرها الدينية، وفي الوقت نفسه تبحث فيه شئونها العامة، فقام ببناء المسجد بعد أن استقر في المدينة بقليل٣، فكان هذا المسجد هو المقر الذي اتخذته الرياسة الجديدة، وفيه كانت تُبْرَم كل الأمور، وفيه كان الاتصال بين المسلمين للتشاور في شئونهم العامة من سِلْمِ وحرب واستقبال وفود، وما إلى ذلك.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٢، ٦٥، ١٠٩. ٢ نفسه ٣/ ١٠٤، ١٥٥، ١١٦. ابن كثير ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩. ٣ البخاري ٣/٢٦١٩.
[ ٣١٤ ]
وبجوار المسجد اتخذ النبي -ﷺ- مساكنه، وقد جعلت متصلة بالمسجد بحيث يخرج من بيته إلى المسجد رأسًا١، وأصبح من السنة أن تبنى المساجد وتكون بيوت الولاة ودواوينهم مجاورة للمسجد. فالغرض من تأسيس المسجد كان دينيًّا لأداء الصلاة وسياسيًّا لإيجاد رابطة للجماعة الإسلامية.
بعد ذلك عمل النبي -ﷺ- على إقامة الاستقرار بين الجماعة اليثربية، وإذا كانت لُحْمَة الدم قد فشلت -في المدينة- في أن تكون رباطًا يؤلف بين الناس، فقد أحل النبي -ﷺ- محلها رابطة العقيدة؛ فأصبح أولًا بين الأوس والخزرج وحرص على إزالة كل ما من شأنه أن يذَكِّر بالعداء القديم بينهما، فجمعهما في اسم واحد هو: الأنصار. وإنا لنلمس هذا الغرض واضحًا في تسمية المسلمين من أهل يثرب بالأنصار فقد عرفوا جميعًا بهذا الاسم، وصار علمًا عليهم جميعًا، وفي هذا إبعاد لروح العصبية وإدماجها تحت هذا الاسم الواحد، يذكرهما دائمًا بالتآلُف لغرض أسمى وهو نصرة المبدأ الإسلامي، والاندماج في غرض أكبر من الأغراض القبلية. ثم عمد إلى التأليف بين هؤلاء الأنصار من الأوس والخزرج وبين المهاجرين من أهل مكة، وفي هذا التجأ إلى المؤاخاة. والمؤاخاة تسمية إسلامية للنظام العربي القديم، وهو نظام الحِلْفِ فقد جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلًا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم. وقد أنزل النبي -ﷺ- هذه القرابة الحكمية منزلة الأخوة الطبيعية. بأن جعل المتآخيين يرث أحدهما الآخر، فإذا مات المهاجر ورثه أخوه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه أخوه المهاجر. وقد ظل المهاجرون والأنصار يتوارثون بهذا النظام إلى أن استقرت الدولة الإسلامية في يثرب ووضع نظام التوارث الإسلامي على أساس القرابة الطبيعية٢. فهذا كان نظامًا مؤقتًا في حقيقته والغرض منه سياسي، وهو الربط والتأليف بين المهاجرين إلى المدينة وبين أهلها الأصليين، وقد نزلت آية الوراثة بإلغاء هذا النظام بعد ذلك: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب] . فصارت هذه الأخوة أخوة أدبية لا ينطبق عليها التوارث، ولكن آثارها الأدبية بقيت زمنًا طويلًا في الإسلام٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١١٨. ٢ ابن هشام ٢/ ١٢٣، ١٢٤. ٣ ابن هشام ٢/ ١٢٧.
[ ٣١٥ ]
بعد ذلك وضع النبي -ﷺ- دستورًا لتنظيم الحياة العامة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة من الناحية التشريعية، وعلى علم كبير بأحوال الناس وفهم لظروفهم، وقد عرف هذا الدستور بالصحيفة، ولا نكاد نعرف من قبل دولة قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية؛ فإنما تقوم الدول أولًا ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور. ولكن النبي ما كاد يستقر في المدينة وما كاد العام الأول من هجرته إليها ينتهي، حتى كَتَبَ هذه الصحيفة التي جعل طرفها الأول: المهاجرين، والطرف الثاني: الأنصار وهم الأوس والخزرج جميعًا، والطرف الثالث: اليهود من أهل يثرب. وهذه الصحيفة مهمة جدًّا؛ لأنها حددت شكل الدولة الإسلامية، وكذلك هي مهمة لفهم الحوادث التي نشأت بعدها.
وقد بدأ كأنما ابتلعت الجماعة القائمة على أساس الدين، تلك الجماعات القديمة القائمة على أساس رابطة الدم، ولكن تلك الجماعات في الحقيقة بقيت كما هي، وإن كان الشأن الأول قد انتقل منها إلى الجماعة الكبرى، فدخلت الطوائف التي كانت موجودة في ذلك الحين، ونعني بها القبائل والبطون والعشائر في الجماعة الكبرى الجديدة، واحتفظ لها الدستور بشخصيتها، ولكنه نقل منها اختصاصاتها كوحدات قبلية إلى الدولة، وإن بقي لها كل ما من شأنه أن يحفظ على الناس الروابط فيما بينهم؛ وبذلك تكونت في المدينة جماعة موحدة من حيث إنها أمة الله، ولكن ذلك لم يكن دفعة واحدة؛ فقد ظل يتحقق بخطًى مستمرة ثابتة.
الصحيفة
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله -ﷺ- كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وَادَعَ فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي -ﷺ- بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس،
[ ٣١٦ ]
المهاجرون من قريش على ربعتهم١ يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم٢ بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم٣ الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، لا يتركون مُفْرحًا٤ بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة٥ ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناسِ. وإنه من تبعنا من يهود فإنه له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبيء٦ بعضهم على بعض مما نال
_________________
(١) ١ على ربعتهم: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها، يعني على شأنهم الأول وعاداتهم من أحكام الديات والدماء. ابن هشام ٢/ ١١٩. ٢ العاني: الأسير ٣ معاقلهم: جمع معقلة، من العقل، وهو الدية. ٤ مفرحًا: مثقلًا بالدين. ٥ الدسيعة: العطية.
(٢) يبيء: يمنع ويكف.
[ ٣١٧ ]
دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش، ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط١ مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول. وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد -ﷺ- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ٢ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم٣، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد -ﷺ- وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم. وإن الله على أبر من هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار٤ يخاف فساده فإن مرده إلى
_________________
(١) ١ اعتبطه: قتله من غير ما شيء يوجب قتله. ٢ يوتغ: يهلك. ٣ إن البر دون الإثم: أي أن البر ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم، والوفاء ينبغي أن يمنع من القدر. ٤ الاشتجار: الاختلاف.
[ ٣١٨ ]
الله -﷿- وإلى محمد رسول الله -ﷺ- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب١، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين: على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم: لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا لمن ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -ﷺ-"٢
هذا هو نص الصحيفة كما ذكره ابن إسحاق. وأول ما نلاحظه هنا أن ابن إسحاق انفرد بهذا النص ولم يذكر إسناده في روايته، كذلك لم يشر إلى المصدر الذي أخذه عنه فلم يذكر أنه وجده مكتوبًا أو أخذه من أحد كتبه، وإن يكن من غير المستبعد أن يكون أخذه من بعض من سبقوه ممن كتبوا في السيرة ولم تصل إلينا كتاباتهم٣. على أن هذا لا يقلل من قيمة هذه الوثيقة التاريخية المهمة ولا يطعن في صحتها؛ وذلك لأن المصادر الأخرى أشارت إليها وإن لم تذكر نصها٤، وقد ذكرتها المصادر المتأخرة٥؛ ولأن أسلوب هذه الصحيفة يوافق تمامًا أسلوب العصر، كما يوافق روح التنظيم في المجتمع العربي من حيث الترابط القبلي والاعتراف بقوة العصبية وأثرها في المجتمع، وأنه ليس من السهل التخلص منها.
وقد بدا واضحًا في الصحيفة أن البطون والعشائر أدخلت في النظام الجديد بشخصياتها القبلية لا بأفرادها، وهذا ما كان يجري عليه المجتمع العربي في تكوينه في
_________________
(١) ١ دهم يثرب: فاجأها. ٢ ابن هشام ٢/ ١١٩- ١٢٣. ٣ انظر مقدمة سيرة ابن هشام، بقلم محمد محيي الدين عبد الحميد ١/ ١٥- ١٧. ٤ للواقدي ١٣٨، ابن سعد ٣/ ٦٨، الطبري ٢/ ١٧٢، إمتاع ١/ ٤٩. ٥ ابن كثير ٣/ ٢٢٤، ٢٢٥، ابن سيد الناس ١/ ١٩٧.
[ ٣١٩ ]
ذلك الوقت. ثم إنها توافق تشكيل المجتمع في المدينة من حيث أقسام القبائل وبطونها وارتباطاتها الحِلْفية، وكذلك حالة العرب في المدينة من حيث دخول بعضهم في الإسلام قبل كتابة الصحيفة وتأخر دخول بعضهم الآخر؛ فقد ذكرت أسماء البطون التي كانت قد دخلت الإسلام جميعها، وأدمجت البطون التي لم تكن قد دخلت في الإسلام في بندٍ عام مثل: بني الأوس مع أن هؤلاء كانوا بطونًا متعددة.
ثم إن نصوص الصحيفة توافق القرآن الكريم في المبادئ من حيث: اعتبار المسلمين أمة واحدة من دون الناس١، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم، ومعاونة بعضهم بعضًا فيما يفدح بعضهم ويثقل كاهله٢. ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة٣. ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار٤ كذلك تحديد المسئولية الشخصية٥، والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها٦. كذلك وافقت الصحيفة القرآن في وجوب الرضوخ للقانون، ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف في الأمور٧. وفي شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد
_________________
(١) ١ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال] . ٢ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة] . ٣ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [التوبة] . ٤ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء] . ٥ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت] . ٦ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف] . ٧ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء] .
[ ٣٢٠ ]
وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديًّا١. كذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه٢.
ونلاحظ أن الصحيفة ذكرت البطون الخمسة الكبرى للخزرج، وهم بنو عوف، وبنو ساعدة، وبنو الحرث، وبنو جشم، وبنو النجار، ولم تذكر من بطون الأوس الكبرى إلا بطنين هما بنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، ثم أدمجت باقي البطون الأوسية الأخرى تحت اسم واحد وهو بنو الأوس. وهذا يوافق ما كانت عليه الحالة في يثرب من حيث انتشار الإسلام بها في الوقت الذي وضعت فيه الصحيفة، فإن بطون الخزرج كلها كانت قد دخلت في الإسلام وحتى من لم يكن منها مؤمنًا فقد دخل في الإسلام ظاهريًّا، وأما بطون الأوس فلم يدخل منها في الإسلام إلا بنو عمرو بن عوف وهم أهل قباء، وبنو النبيت. أما باقي البطون الأوسية؛ فقد تأخر إسلامها إلى ما بعد الخندق فذكرتها الصحيفة مدمجة باسمها العام، وقد كانت تسمى: أوس الله٣. كذلك نلاحظ أن الصحيفة قد ذكرت اليهود الموالين للبطون العربية، وأهملت ذكر القبائل الكبرى من اليهود، فقد يتفق تمامًا مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب، فإن البطون اليهودية الصغرى كانت قد دخلت في أحلاف مع الأوس أو مع الخزرج وذلك به سيادة هؤلاء في يثرب.
أما قبائل اليهود الكبرى الثلاثة فقد اعتزت بقوتها وبقيت محتفظة بشخصيتها، ثم إنها ناوأت الإسلام وأظهرت عداءها، ومع ذلك فقد وضعت الصحيفة بندًا عامًّا لدخول اليهود في الدولة احتمالًا لما قد يحدث من دخول هذه القبائل في النظام الجديد، وفعلًا ألحقت هذه القبائل بالدولة في محالفات ملحقة كما سنوضح فيما بعد.
من كل ذلك يتبين أن الصحيفة التي ذكرها ابن إسحاق صحيحة وأنها وثيقة مهمة جدًّا لفهم تطورات الأمور في الدولة اليثربية.
_________________
(١) ١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال] . ٢ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر] . ٣ ابن هشام ٢/ ٤٦.
[ ٣٢١ ]
وقد بينت هذه الصحيفة الأسس الكبرى في القانون الذي ينظم الحياة العامة والسياسية والتي كان معمولًا بها في المدينة في أول الأمر، ويتجلى من هذا الكتاب إلى أي حد قد تغيرت الأحوال القديمة وإلى أي حد لم تتغير.
وأول هذه الأسس أن هذه الصحيفة أعطت صفة للجماعة الإسلامية، فقد قررت أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس. وكلمة الأمة هنا ليست اسمًا للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق، وبهذا التقرير ألغى النبي -ﷺ- الحدود القبلية، أو على الأقل لم يجعل لها وجودًا رسميًّا بالنسبة للدولة، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدود، وبهذا أصبح الإسلام ملكًا لمن دخل فيه؛ فدخل بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول -ﷺ- أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك في حياة العالم الإسلامي. وهذا المبدأ مرن جدًّا ومرونته هي التي كفت المسلمين في العصور الوسطى كثيرًا من الشرور وكفلت للإسلام دائمًا حيوية جديدة وسيوفًا تدافع عنه، وهذه الفكرة كانت جديدة بالنسبة للعالم اليوناني والروماني القديم. وللأمة في هذه الصحيفة صبغة دينية أيضًا فهي جماعة الله التي ترعى مبادئ السلام ومبادئ حماية الجار ونصرة المظلوم والله هو الشهيد الذي يشرف عليها، ومحمد يشرف عليها باسمه، فالإيمان هو رباط الاتحاد والمؤمنون هم ممثلو معناه، وهم لذلك أول من يجب عليهم الوفاء لهذا الاتحاد، وهم في الوقت نفسه أول من يتمتع بالحقوق التي يخولها لهم.
والأمة لها منطقة من الأرض إجمالية، وهي منطقة المدينة وكل هذه المنطقة ينبغي أن تكون حرمًا وأرض سلام لا يعتدي فيها أحد على أحد. والأمة لذلك لا تشتمل على المؤمنين وحدهم بل هي تتألف من كل من يتبعهم ويحارب معهم أي من كل أهل المدينة، وكان بين الأنصار قوم لم يسلموا ولكنهم لم يستبعدوا من الأمة بل أدمجوا فيها بنص صريح، وكذلك اليهود شملتهم الأمة وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقًا كالمهاجرة والأنصار. ولذلك لم تكن تقع عليهم نفس الواجبات وليس لهم نفس
[ ٣٢٢ ]
الحقوق، وقد ألحق بعضهم بنص صريح تمشيًا مع الروابط الحلفية بينهم وبين الأنصار، ووضع بند عام لكل من يتبع الأمة بعد ذلك منهم ثم عزز هذا البند بمحالفات خاصة بعد ذلك. وعلى هذا فدرجة الانتماء للأمة لم تكن واحدة بحيث بقي ما يشبه التمايز العربي القديم بين أصحاب الحق الكامل وبين غيرهم من تابع ونزيل.
والأمة برغم أنها ضمت كل طوائف المدينة؛ فإنها لم تكن تتكون من أفراد؛ وإنما كانت تتكون من جماعات، فالفرد لا ينتمي إلى الأمة إلا عن طريق العشيرة والقبيلة، فقد جاء في الصحيفة أن تبقى القبائل كما هي وأن تدخل في الأمة كما هي، وبذلك بقي التشكيل الاجتماعي القبلي كما هو، ومع أن الإسلام أنكر نظريًّا فكرة امتيازات المجتمع الوثني في العصر الجاهلي؛ إلا أن نظام القبيلة بقوته الداخلية وأسلوبه في معاملة الغرباء كان أمرًا مفيدًا بحيث لم يكن بالإمكان نبذه أو الاستغناء عنه، وكذلك ترك رؤساء القبائل كما هم ولم يحل محلهم موظفون دينيون.
أما فيما يتصل بالعلاقة بين الأمة والقبائل وبتحديد سلطة كل منهما وواجباتها؛ فقد بقيت على القبائل النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة وخصوصًا دفع الدية وفداء الأسرى. وذلك أنه لم تكن قد وجدت بعد خزينة للدولة. وكذلك بقى للعشيرة والقبيلة مسألة الولاء، فلا يجوز لأحد أن يحالف مولى دون مولاه، وكذلك بقي حق الإجارة لم يقيد، فلكل فرد الحق في أن يجير شخصًا غريبًا وهو لذلك يلزم الجماعة كلها، ولكن استثني من هذا إجارة قريش ومن نصرها؛ فإن ذلك كان محرمًا على كل المشتركين في هذه الصحيفة.
وبمقتضى كل ذلك أصبح على القبائل أن تتنازل عن حق الأخذ بالثأر فيما بينها؛ لأن أول غاية للأمة هو منع نشوب حرب في الداخل فإذا قام نزاع؛ وجب أن يعرض على القضاء، وقد جاء في الصحيفة: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد -ﷺ- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ﷿ ومحمد رسول الله -ﷺ-" فإذا تعكر السلام في الداخل بسبب القتل أو الفساد وجب لا على المجني عليه أو على قبيلته أو
[ ٣٢٣ ]
على الجماعة كلها فحسب، بل على أقرباء الجاني نفسه أن يهبوا متكاتفين عليه وأن يسلموه لصاحب الثأر لكي يقتاد منه بالعدل. وعلى هذا لم يصبح الثأر أمرًا يتحول إلى ثأر يجر ثأرًا، كما كانت الحال في القبيلة العربية من قبل حيث لم تكن هناك سلطة لها قوة القهر، أما في المدينة فقد نفذ مبدأ العقاب بالمثل تنفيذًا صارمًا؛ لأن الله في المدينة فوق رابطة الدم، لكن العقاب بالمثل لم يكن قد صار عقابًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن تنفيذه كان متروكًا للمجني عليه أو وليه، وكان له أن يثأر لنفسه أو يتنازل عن الثأر ويأخذ الدية أو يعفو، ولكن مع هذا فإن مبدأ العقاب بالمثل صار نقطة انتقال من مبدأ الأخذ بالثأر إلى مبدأ الأخذ بالعقاب؛ وذلك أنه بانتقال حق التأديب من الفساد إلى الجماعة حدثت خطوة مهمة في سبيل جعل الأخذ بالثأر شأنًا من شئون الدولة، وكانت الخطوة كافية لتفادي الترات الداخلية ولكي يسود السلام في منطقة المدينة ويكون شاملًا لا استثناء فيه، وعلى هذا لم تصبح هناك جماعات متعددة بتعدد القبائل تراعي السلام، الأمر الذي يجعل حمايتها غير كافية أو على الأقل غير فعالة على الوجه المرضي خارج حدود القبيلة، بل أصبح هناك سلام واحد شامل هو سلام الأمة.
والغرض الثاني الذي أوضحته الصحيفة هو اتحاد القبائل لرد كل عدوان من الخارج، وعلى المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضًا دون الناس، وهم يتعاقلون بينهم ويدهم على من سواهم، وهم على من بغى منهم. وليس واجب الثأر من الأعداء واقعًا على أقرباء المقتول بحكم رابطة الدم؛ وإنما هو واقع على كاهل المؤمن ليثأر للمؤمن، وبذلك خرجت الحرب من أن تكون داخلة ضمن الثأر للدم كما كانت من قبل هي والثأر للدم شيئًا واحدًا، وإنما صارت الحرب حربًا فحسب، وكذلك صار السلام مع قوم أجانب أمرًا يعم المؤمنين جميعًا شأنه شأن الحرب، بحيث لا يستطيع أحد منهم أن يعقد سلامًا منفردًا لا يكون سلامًا للجميع.
وهكذا رسمت الصحيفة التخطيط العام للأمة، وإذا كانت هناك بعض الثغرات متمثلة في حق المجني عليه في الأخذ بالثأر أو العفو، وفي حق الإجارة الذي يجب أن يكون من حقوق سيادة الأمة ورئيسها، إلا أن نظام الأمة أخذ يكتمل شيئًا فشيئًا،
[ ٣٢٤ ]
وكان المؤمنون وعلى رأسهم النبي -ﷺ- هم روح هذه الأمة والعنصر الناهض الذي كانت تصدر منه الحركة، وكلما كان الدين ينتشر؛ كانت أركان الأمة تقوى وتتوطد١.
وكانت مهمة النبي -ﷺ- السياسية بعد هذا تنحصر في الدفاع عن حدود دولته وضمان الأمن لها، ولم تخرج تصرفاته عن هذا الهدف طوال العصر المدني. والأساس التي نفسر به كل التصرفات السياسية هو أن المدينة ومن انضم إليها دولة واحدة غير متصلة بما عداها إلا بالشروط الجديدة التي وضعها النبي -ﷺ- فلا صلة بين يثرب وبين غيرها إلا عن طريق الإسلام وعن طريق الالتحاق بها والتبعية لها. ولتقوية جبهة المدينة اعتبرت الهجرة إلى المدينة أساسًا للحصول على حق الرعوية للدولة الجديدة؛ فعلى من يدخل الإسلام ويريد أن يكون مواطنًا في يثرب أن يهاجر إليها، وقد نزل القرآن بنص صريح من ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال] .
ونستطيع أن نقول: إن حكومة المدينة ظلت مقصورة على المدينة نفسها وعلى ريفها إلى عام فتح مكة سنة ٨هـ، فالطور الأول في شكل الحكومة المدينية هو طور: المدينة- الدولة. City - State وقد دام ثماني سنوات، فإذا استطاع أحد أن ينكر وجود مقومات الدولة المدينية في يثرب قبل الهجرة فهو لا يستطيع أن ينفي عن يثرب هذه الصفة بعد الهجرة.
وكما حرص النبي -ﷺ- على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم، وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عن طريق السرايا على أن ينضم إلى المدينة ما حولها من ريف وما حولها من قبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها، ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة فيما حولها؛ لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها، ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالًا لنشاطها. ولهذا الغرض قام النبي -ﷺ- بعدة سرايا، ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات. فأمنت هذا الريف، وعقدت
_________________
(١) ١ انظر فلهوزن: تاريخ الدولة العربية ص: ١١- ١٥.
[ ٣٢٥ ]
في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة١؛ إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ومهادنتهم، وأحيانًا بدفع الإتاوات لهم، ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.
والسرايا التي عرفت في السنتين الأوليين كانت عبارة عن حملات حربية صغيرة لا يقصد بها إلى الحرب، بل يقصد بها ما يقصد من أعمال الدوريات الحربية، وهي المحافظة على الحدود أو الاستكشاف، وأحيانًا إيقاع الضرر بأي عدو والانسحاب بسرعة، وقد بلغ عدد السرايا التي أرسلها النبي -ﷺ- قبل موقعة بدر ثماني سرايا اتجهت إلى كل الجهات، قاد بعضها بنفسه وعقد لبعض أصحابه على بعضها٢.
ويذكر المؤرخون هذه السرايا على أنها عمليات حربية مقصودة بذاتها٣ وعلى أنها متصلة بالصراع بين النبي -ﷺ- ومكة، وهذا خطأ في نظرنا، والخطأ آتٍ من أن المصادر نفسها والمؤرخين المحدثين لم يفطنوا إلى أن هذه السرايا كانت عمليات حربية داخلية، يقصد بها تقوية الجبهة الداخلية، ويقصد بها كذلك ضمان الأمن ودفع الأذى الذي قد يأتي من الخارج.
على أنه كان من مهمة هذه السرايا منع تجارة قريش من المرور في أراضي الدولة الجديدة، طبقًا لنص الصحيفة الذي يقول: إنه لا تجار قريش ولا أموالها وهذا داخل في نطاق أعمال السيادة للدولة اليثربية، وكان لا بد من إشعار قريش، ومن إشعار القبائل المجاورة أن حدود الدولة الجديدة محروسة، وأن سيادتها على أراضيها يجب أن تحترم وأنه من الخير الاتفاق معها والاعتراف بها. ولم يكن الأمر في حقيقته من جانب يثرب بالنسبة لقريش أمر إعنات وإحراج وحروب؛ فإن النبي -ﷺ- كان ينظر إلى قريش نظرة خاصة، فهو يقدر الميزات التي تنطوي عليها مهادنة قريش واعترافها بالدولة الجديدة، كما كان يدرك قيمة قريش بين العرب وما يعود من وراء الاتفاق معها من
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٢٤، ٢٣٦. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٢٣- ٢٤٢، الطبري ٢/ ١٢١، ابن كثير ٣/ ٢٤٨. ٣ الطبري ٢/ ١٢٠- ١٢٣، ابن كثير ٣/ ٢٤٦- ٢٤٨، الواقدي ٤ هيكل: حياة محمد ٢٣٧- ٢٤٢. Watt، Muhammad at Medina p.٢- ٣
[ ٣٢٦ ]
فوائد الدعوة الجديدة. كما كان يقدر ما تضم هذه القبيلة -التي هي قبيلته- من رجال تمرسوا بالحياة وخبروا الحكم وتسيير دفة الأمور سياسيًّا واقتصاديًّا عبر عن هذه في مناسبة بعد النصر في معركة بدر؛ إذ يقول أحد الشبان من الأنصار، وقد جاء الناس يهنئون النبي -ﷺ- بالنصر: "ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة فنحرناها،
فقال النبي ﷺ: "أي ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو شهدت فعالهم احتقرت فعلك" ١. فالنبي -ﷺ- كان يحرص على مهادنة هذه القبيلة تقريرًا لميزاتها أكثر مما يحرص على حربها وعداوتها كما أنه كان يريد في الوقت نفسه أن يشعرها بقوة الدولة الجديدة وتصميمها على المحافظة على كيانها وسيادتها، وأنه لا يسمح مطلقًا بأن توطأ أرضها من عدو لا غازيًا ولا تاجرًا. كما أن السرايا حملت في الوقت نفسه تهديدًا لقريش بأن تجارتها مرهونة برضاء الدولة اليثربية، وعليها إذا كانت تريد أن تستمر في تسيير قوافلها نحو الشام أو نحو العراق أن تحسب حساب الوضع الجديد، ويجب أن تغير من سياستها المنطوية على العدوان بالنسبة للنبي -ﷺ- والمسلمين في يثرب. وأن تترك الحرية للمسلمين الذين حبستهم في مكة، وتترك الدعوة الجديدة تأخذ مجالها الحر دون مناوأة ودون حرب؛ وإلا فإنها تعرض نفسها لقطع تجارتها والقضاء على مواردها الاقتصادية؛ بقفل طريق التجارة المار في أراضي الدولة اليثربية في وجه تجاراتها، لكن السرايا لم تحمل أكثر من هذا التهديد؛ فلم تشتبك في حرب مع قوافل قريش ولم تستول على شيء منها، إلا ما كان من سرية أرسلها النبي -ﷺ- إلى بطن نخلة بين مكة والطائف لتعرف أخبار قريش، ولم تكن هذه السرية من القوة بحيث تشتبك في حرب أو تصادر قافلة، ولكن أفرادها تصرفوا على مسئوليتهم الخاصة؛ فاستولوا على قافلة صغيرة لقريش وقتلوا أحد رجالها وأسروا رجلين، وقد لام النبي -ﷺ- بالفعل رجال هذه السرية على تصرفهم الشخصي هذا٢، ومن هنا يتبين أن مهمة السرايا لم تكن هجومية ولم يكن يقصد بها إلى
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٨٦. ٢ نفسه ٢/ ٢٣٨- ٢٤١.
[ ٣٢٧ ]
لو سلمنا بهذا الأساس استطعنا أن نقول: أن النبي -ﷺ- لم يقم بحرب هجومية إطلاقًا، حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش؛ فإن موقعة بدر التي حدثت في السنة الثانية الهجرية حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى أثر تحدي المكيين للنبي -ﷺ- وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين بذلك حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلته في المنطقة اليثربية كان يتحدى ويدل على أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي -ﷺ- ولهذا خرج النبي -ﷺ- إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت إلى الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم، والطائفة الأولى هي القافلة والطائفة الثانية المعنية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها، ومنع النبي -ﷺ- من مصادرتها١.
ثم إن وقعة أحد سنة ٣هـ وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكيون فيها مُهَاجِمين مطالبين بثأر بدر٢. ثم إن النبي -ﷺ- خرج في السنة الرابعة إلى بدر لوعد بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أحد٣، فلم يلق النبي -ﷺ- يومئذ حربًا. لكنه حين سار إلى بدر إنما سار إلى حدود إقليمه ولم يتجاوزها.
فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة الخندق كان النبي -ﷺ- مستقرًّا في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحديًا منتهكًا لحقه في السيادة كما كان الحال في عام أحد، فالنبي -ﷺ- لم يكن مهاجمًا، بل إنه أراد أن يبين نيته السلمية وأن يفهم الناس بطريقة مادية محسوسة أنه لا يريد حربًا، ولجأ في التعبير عن هذه النية إلى طريقة مستحدثة تأباها الفروسية العربية، وهي طريقة حفر خندق حول المدينة٥. ثم
_________________
(١) ١ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال] . ٢ ابن هشام ٢/ ٣ وما بعدها. ٣ ابن هشام ٣/ ٤٥. ٤ نفسه ٢٢٢. ٥ ابن هشام ٣/ ٢٣١.
[ ٣٢٨ ]
ظهرت نية النبي -ﷺ- السلمية بشكل واضح جدًّا لا يختلف عليه المؤرخون بعد عام الخندق، ونادى النبي -ﷺ- بكلمة التقوى أو كلمة السلم واعتبرها مقابلة لما كان يتبعه الناس يومئذ من الاستجابة لحمية الجاهلية، فحمية الجاهلية تقابل كلمة السلم عند النبي -ﷺ- والعبارتان رامزتان لمثلين مختلفين: المثل الإسلامية، والمثل العربية الجاهلية١.
وقد حرص النبي -ﷺ- حين فتح مكة أن يتفادى الاصطدام بالمكيين. وفعلًا تم فتح مكة سنة ٨هـ، وكان فتحًا خلا من القتال بوجه عام. وهو من قبل هذا في عام الحديبية سنة ٦هـ، قد مال إلى السلم برغم معارضة كثير من أصحابه، وعد الفوز بالسلم غنيمة كبرى وفتحًا مبينًا٢، إذ استطاع عمليًّا أن يسود المبدأ الإسلامي ويتغلب نهائيًّا على مبدأ الجاهلية؛ ففي تسويد مبدأ السلم احتفاظ بقوى العرب سليمة، قوى يثرب وقوى مكة على السواء؛ استعدادًا لما كان يهدف إليه من توحيد العرب توحيدًا شاملًا، وما تتطلبه الوحدة من قوة مادية وأدبية: من رجال ومن خبرة وتجربة. هذا إلى أن في السلم إبعادًا لسخيمة النفوس وأحقادها مما قد يكون له من أثر سيئ على روح الأفراد، سواء إذا تم الأمر بالنصر أو بالصلح، على أن في تسويد السلم حرية للعقيدة أن تنتشر دون أن تقف في وجهها عقبات مادية أو نفسية تصدها عن الانتشار أو تعطيل من سيرها؛ ولذلك نزل القرآن الكريم بسورة الفتح بعد صلح الحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح] . والنبي - ﷺ- لم يلجأ إلى حرب هوازن وثقيف يوم حنين إلا لأن هذه القبائل تحدته وتقدمت لحربه ورفضت الدخول فيما دخل فيه المكيون؛ وكانوا من قبل يسيرون حيث يسير أهل مكة، وكانت الطائف تعتبر من ريف مكة، ولا يوجد شريف من أهل مكة إلا وله في الطائف بستان. وكذلك حرب النبي -ﷺ- مع القبائل العربية؛ فإنه لم يهاجم إلا القبائل التي استعدت لقتاله وتجمعت لذلك، وكذلك لم يهاجم اليهود إلا لخياناتهم وتجميعهم الجموع لحرب المدينة.
_________________
(١) ١ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح] . ٢ ابن هشام ٣/ ٣٥٥- ٣٧٢.
[ ٣٢٩ ]
وهكذا نرى النبي في كل هذه السنين لم يتجاوز الهدف الذي رسمه وهو الدفاع عن دولته، وضمان الأمن لها مع تغليب كلمة التقوى أو كلمة السلم، والسلم هو المثل الإسلامي الذي يتردد إلى اليوم على الألسنة في التحية عند المسلمين: السلام عليكم؛ فالنبي -ﷺ- لم يرد أن يفرض الدين بالحرب والإكراه في الدين، إذ الإكراه والاضطهاد من الأمور التي تثير التعصب في نفوس المضطهدين. ومع ذلك فإن النبي -ﷺ- حرض على الجهاد، ونزل القرآن الكريم بآيات كثيرة ترفع من شأن المجاهدين، إلا أن الجهاد لم يكن يقصد به إلا الدفاع وإعزاز الدولة الإسلامية بحيث تعيش في أمن عام، وإتاحة الفرصة للمبادئ أن تسير حجة بحجة وبرهانًا ببرهان، دون أن تقف القوى المادية المسلمة في طريقها فتصدها أو تعنت أصحابها فتعطل من سيرها.
[ ٣٣٠ ]
وهكذا نرى النبي في كل هذه السنين لم يتجاوز الهدف الذي رسمه وهو الدفاع عن دولته، وضمان الأمن لها مع تغليب كلمة التقوى أو كلمة السلم، والسلم هو المثل الإسلامي الذي يتردد إلى اليوم على الألسنة في التحية عند المسلمين: السلام عليكم؛ فالنبي -ﷺ- لم يرد أن يفرض الدين بالحرب والإكراه في الدين، إذ الإكراه والاضطهاد من الأمور التي تثير التعصب في نفوس المضطهدين. ومع ذلك فإن النبي -ﷺ- حرض على الجهاد، ونزل القرآن الكريم بآيات كثيرة ترفع من شأن المجاهدين، إلا أن الجهاد لم يكن يقصد به إلا الدفاع وإعزاز الدولة الإسلامية بحيث تعيش في أمن عام، وإتاحة الفرصة للمبادئ أن تسير حجة بحجة وبرهانًا ببرهان، دون أن تقف القوى المادية المسلمة في طريقها فتصدها أو تعنت أصحابها فتعطل من سيرها.
[ ٣٣٠ ]
تكوين الدولة في يثرب
أول شيء قام به النبي -ﷺ- بعد استقراره في يثرب هو ضمان معيشة المهاجرين، وهم جماعة تجار، تركوا أموالهم في مكة، ولا أمل لهم في استردادها. وقد اعتمد النبي على حسن نية المسلمين من أهل يثرب -الذين عُرِفُوا بالأنصار- وقد أظهر هؤلاء روحًا عالية من المروءة والكرم، فأعطوا المهاجرين شيئًا من المال وسمحوا لهم بالتجارة١، كما عمل بعض المهاجرين في مزارع الأنصار مزارعة٢، واستطاعوا بذلك أن ينظِّموا أمر معاشهم ولو على نحو ضئيل.
ثم رأى من أول الأمر أن يتخذ مكانًا يكون بمنزلة نادٍ عام للجماعة الإسلامية، تقيم فيه شعائرها الدينية، وفي الوقت نفسه تبحث فيه شئونها العامة، فقام ببناء المسجد بعد أن استقر في المدينة بقليل٣، فكان هذا المسجد هو المقر الذي اتخذته الرياسة الجديدة، وفيه كانت تُبْرَم كل الأمور، وفيه كان الاتصال بين المسلمين للتشاور في شئونهم العامة من سِلْمِ وحرب واستقبال وفود، وما إلى ذلك.
_________________
(١) ١ البخاري ٣/ ٥٢، ٦٥، ١٠٩. ٢ نفسه ٣/ ١٠٤، ١٥٥، ١١٦. ابن كثير ٢/ ٢٢٨، ٢٢٩. ٣ البخاري ٣/٢٦١٩.
[ ٣١٤ ]
وبجوار المسجد اتخذ النبي -ﷺ- مساكنه، وقد جعلت متصلة بالمسجد بحيث يخرج من بيته إلى المسجد رأسًا١، وأصبح من السنة أن تبنى المساجد وتكون بيوت الولاة ودواوينهم مجاورة للمسجد. فالغرض من تأسيس المسجد كان دينيًّا لأداء الصلاة وسياسيًّا لإيجاد رابطة للجماعة الإسلامية.
بعد ذلك عمل النبي -ﷺ- على إقامة الاستقرار بين الجماعة اليثربية، وإذا كانت لُحْمَة الدم قد فشلت -في المدينة- في أن تكون رباطًا يؤلف بين الناس، فقد أحل النبي -ﷺ- محلها رابطة العقيدة؛ فأصبح أولًا بين الأوس والخزرج وحرص على إزالة كل ما من شأنه أن يذَكِّر بالعداء القديم بينهما، فجمعهما في اسم واحد هو: الأنصار. وإنا لنلمس هذا الغرض واضحًا في تسمية المسلمين من أهل يثرب بالأنصار فقد عرفوا جميعًا بهذا الاسم، وصار علمًا عليهم جميعًا، وفي هذا إبعاد لروح العصبية وإدماجها تحت هذا الاسم الواحد، يذكرهما دائمًا بالتآلُف لغرض أسمى وهو نصرة المبدأ الإسلامي، والاندماج في غرض أكبر من الأغراض القبلية. ثم عمد إلى التأليف بين هؤلاء الأنصار من الأوس والخزرج وبين المهاجرين من أهل مكة، وفي هذا التجأ إلى المؤاخاة. والمؤاخاة تسمية إسلامية للنظام العربي القديم، وهو نظام الحِلْفِ فقد جعل كل رجل من المهاجرين يؤاخي رجلًا من الأنصار، فيصير الرجلان أخوين بينهما من الروابط ما بين الأخوين من قرابة الدم. وقد أنزل النبي -ﷺ- هذه القرابة الحكمية منزلة الأخوة الطبيعية. بأن جعل المتآخيين يرث أحدهما الآخر، فإذا مات المهاجر ورثه أخوه الأنصاري، وإذا مات الأنصاري ورثه أخوه المهاجر. وقد ظل المهاجرون والأنصار يتوارثون بهذا النظام إلى أن استقرت الدولة الإسلامية في يثرب ووضع نظام التوارث الإسلامي على أساس القرابة الطبيعية٢. فهذا كان نظامًا مؤقتًا في حقيقته والغرض منه سياسي، وهو الربط والتأليف بين المهاجرين إلى المدينة وبين أهلها الأصليين، وقد نزلت آية الوراثة بإلغاء هذا النظام بعد ذلك: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ﴾ [الأحزاب] . فصارت هذه الأخوة أخوة أدبية لا ينطبق عليها التوارث، ولكن آثارها الأدبية بقيت زمنًا طويلًا في الإسلام٣.
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ١١٨. ٢ ابن هشام ٢/ ١٢٣، ١٢٤. ٣ ابن هشام ٢/ ١٢٧.
[ ٣١٥ ]
بعد ذلك وضع النبي -ﷺ- دستورًا لتنظيم الحياة العامة في المدينة، وتحديد العلاقات بينها وبين جيرانها، ويدل هذا الدستور على مقدرة فائقة من الناحية التشريعية، وعلى علم كبير بأحوال الناس وفهم لظروفهم، وقد عرف هذا الدستور بالصحيفة، ولا نكاد نعرف من قبل دولة قامت منذ أول أمرها على أساس دستور مكتوب غير هذه الدولة الإسلامية؛ فإنما تقوم الدول أولًا ثم يتطور أمرها إلى وضع دستور. ولكن النبي ما كاد يستقر في المدينة وما كاد العام الأول من هجرته إليها ينتهي، حتى كَتَبَ هذه الصحيفة التي جعل طرفها الأول: المهاجرين، والطرف الثاني: الأنصار وهم الأوس والخزرج جميعًا، والطرف الثالث: اليهود من أهل يثرب. وهذه الصحيفة مهمة جدًّا؛ لأنها حددت شكل الدولة الإسلامية، وكذلك هي مهمة لفهم الحوادث التي نشأت بعدها.
وقد بدأ كأنما ابتلعت الجماعة القائمة على أساس الدين، تلك الجماعات القديمة القائمة على أساس رابطة الدم، ولكن تلك الجماعات في الحقيقة بقيت كما هي، وإن كان الشأن الأول قد انتقل منها إلى الجماعة الكبرى، فدخلت الطوائف التي كانت موجودة في ذلك الحين، ونعني بها القبائل والبطون والعشائر في الجماعة الكبرى الجديدة، واحتفظ لها الدستور بشخصيتها، ولكنه نقل منها اختصاصاتها كوحدات قبلية إلى الدولة، وإن بقي لها كل ما من شأنه أن يحفظ على الناس الروابط فيما بينهم؛ وبذلك تكونت في المدينة جماعة موحدة من حيث إنها أمة الله، ولكن ذلك لم يكن دفعة واحدة؛ فقد ظل يتحقق بخطًى مستمرة ثابتة.
[ ٣١٦ ]
الصحيفة
قال ابن إسحاق: وكتب رسول الله -ﷺ- كتابًا بين المهاجرين والأنصار، وَادَعَ فيه يهود وعاهدهم، وأقرهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي -ﷺ- بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم. إنهم أمة واحدة من دون الناس،
[ ٣١٦ ]
المهاجرون من قريش على ربعتهم١ يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم٢ بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم٣ الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو ساعدة على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الحرث على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو جشم على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النجار على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو عمرو بن عوف على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو النبيت على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، وبنو الأوس على ربعتهم يتعاقلون معاقلهم الأولى، وكل طائفة منهم تفدي عانيها بالمعروف والقسط بين المؤمنين، لا يتركون مُفْرحًا٤ بينهم أن يعطوه بالمعروف في فداء أو عقل. ولا يحالف مؤمن مولى مؤمن دونه، وإن المؤمنين المتقين على من بغى منهم أو ابتغى دسيعة٥ ظلم أو إثم أو عدوان أو فساد بين المؤمنين، وإن أيديهم عليه جميعًا ولو كان ولد أحدهم. ولا يقتل مؤمن مؤمنًا في كافر، ولا ينصر كافرًا على مؤمن، وإن ذمة الله واحدة، يجير عليهم أدناهم. وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناسِ. وإنه من تبعنا من يهود فإنه له النصر والأسوة غير مظلومين ولا متناصر عليهم. وإن سلم المؤمنين واحدة: لا يسالم مؤمن دون مؤمن في قتال في سبيل الله إلا على سواء وعدل بينهم، وإن كل غازية غزت معنا يعقب بعضها بعضًا، وإن المؤمنين يبيء٦ بعضهم على بعض مما نال
_________________
(١) ١ على ربعتهم: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها، يعني على شأنهم الأول وعاداتهم من أحكام الديات والدماء. ابن هشام ٢/ ١١٩. ٢ العاني: الأسير ٣ معاقلهم: جمع معقلة، من العقل، وهو الدية. ٤ مفرحًا: مثقلًا بالدين. ٥ الدسيعة: العطية.
(٢) يبيء: يمنع ويكف.
[ ٣١٧ ]
دماءهم في سبيل الله، وإن المؤمنين المتقين على أحسن هدى وأقومه. وإنه لا يجير مشرك مالًا لقريش، ولا نفسًا، ولا يحول دونه على مؤمن. وإنه من اعتبط١ مؤمنًا قتلًا عن بينة فإنه قود به إلا أن يرضى ولي المقتول. وإن المؤمنين عليه كافة ولا يحل لهم إلا قيام عليه، وإنه لا يحل لمؤمن أقر بما في هذه الصحيفة وآمن بالله واليوم الآخر أن ينصر محدثًا ولا يؤويه، وإنه من نصره أو آواه فإن عليه لعنة الله وغضبه يوم القيامة، ولايؤخذ منه صرف ولا عدل، وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد -ﷺ- وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين. لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ٢ إلا نفسه وأهل بيته، وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الحارث مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ساعدة مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني جشم مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني الأوس مثل ما ليهود بني عوف، وإن ليهود بني ثعلبة مثل ما ليهود بني عوف، إلا من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته، وإن جفنة بطن من ثعلبة كأنفسهم، وإن لبني الشطيبة مثل ما ليهود بني عوف، وإن البر دون الإثم٣، وإن موالي ثعلبة كأنفسهم، وإن بطانة يهود كأنفسهم، وإنه لا يخرج منهم أحد إلا بإذن محمد -ﷺ- وإنه لا ينحجز على ثأر جرح، وإنه من فتك فبنفسه فتك وأهل بيته إلا من ظلم. وإن الله على أبر من هذا، وإن على اليهود نفقتهم وعلى المسلمين نفقتهم، وإن بينهم النصر على من حارب أهل هذه الصحيفة، وإن بينهم النصح والنصيحة والبر دون الإثم، وإنه لم يأثم امرؤ بحليفه، وإن النصر للمظلوم، وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين. وإن يثرب حرام جوفها لأهل هذه الصحيفة، وإن الجار كالنفس غير مضار ولا آثم، وإنه لا تجار حرمة إلا بإذن أهلها، وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار٤ يخاف فساده فإن مرده إلى
_________________
(١) ١ اعتبطه: قتله من غير ما شيء يوجب قتله. ٢ يوتغ: يهلك. ٣ إن البر دون الإثم: أي أن البر ينبغي أن يكون حاجزًا عن الإثم، والوفاء ينبغي أن يمنع من القدر. ٤ الاشتجار: الاختلاف.
[ ٣١٨ ]
الله -﷿- وإلى محمد رسول الله -ﷺ- وإن الله على أتقى ما في هذه الصحيفة وأبره. وإنه لا تجار قريش ولا من نصرها، وإن بينهم النصر على من دهم يثرب١، وإذا دعوا إلى صلح يصالحونه ويلبسونه فإنهم يصالحونه ويلبسونه وإنهم إذا دعوا إلى مثل ذلك فإنه لهم على المؤمنين إلا من حارب في الدين: على كل أناس حصتهم من جانبهم الذي قبلهم، وإن يهود الأوس مواليهم وأنفسهم على مثل ما لأهل هذه الصحيفة مع البر الحسن من أهل هذه الصحيفة، وإن البر دون الإثم: لا يكسب كاسب إلا على نفسه، وإن الله على أصدق ما في هذه الصحيفة وأبره، وإنه لا يحول هذا الكتاب دون ظالم وآثم. وإنه من خرج آمن، ومن قعد آمن بالمدينة إلا لمن ظلم وأثم، وإن الله جار لمن بر واتقى، ومحمد رسول الله -ﷺ-"٢
هذا هو نص الصحيفة كما ذكره ابن إسحاق. وأول ما نلاحظه هنا أن ابن إسحاق انفرد بهذا النص ولم يذكر إسناده في روايته، كذلك لم يشر إلى المصدر الذي أخذه عنه فلم يذكر أنه وجده مكتوبًا أو أخذه من أحد كتبه، وإن يكن من غير المستبعد أن يكون أخذه من بعض من سبقوه ممن كتبوا في السيرة ولم تصل إلينا كتاباتهم٣. على أن هذا لا يقلل من قيمة هذه الوثيقة التاريخية المهمة ولا يطعن في صحتها؛ وذلك لأن المصادر الأخرى أشارت إليها وإن لم تذكر نصها٤، وقد ذكرتها المصادر المتأخرة٥؛ ولأن أسلوب هذه الصحيفة يوافق تمامًا أسلوب العصر، كما يوافق روح التنظيم في المجتمع العربي من حيث الترابط القبلي والاعتراف بقوة العصبية وأثرها في المجتمع، وأنه ليس من السهل التخلص منها.
وقد بدا واضحًا في الصحيفة أن البطون والعشائر أدخلت في النظام الجديد بشخصياتها القبلية لا بأفرادها، وهذا ما كان يجري عليه المجتمع العربي في تكوينه في
_________________
(١) ١ دهم يثرب: فاجأها. ٢ ابن هشام ٢/ ١١٩- ١٢٣. ٣ انظر مقدمة سيرة ابن هشام، بقلم محمد محيي الدين عبد الحميد ١/ ١٥- ١٧. ٤ للواقدي ١٣٨، ابن سعد ٣/ ٦٨، الطبري ٢/ ١٧٢، إمتاع ١/ ٤٩. ٥ ابن كثير ٣/ ٢٢٤، ٢٢٥، ابن سيد الناس ١/ ١٩٧.
[ ٣١٩ ]
ذلك الوقت. ثم إنها توافق تشكيل المجتمع في المدينة من حيث أقسام القبائل وبطونها وارتباطاتها الحِلْفية، وكذلك حالة العرب في المدينة من حيث دخول بعضهم في الإسلام قبل كتابة الصحيفة وتأخر دخول بعضهم الآخر؛ فقد ذكرت أسماء البطون التي كانت قد دخلت الإسلام جميعها، وأدمجت البطون التي لم تكن قد دخلت في الإسلام في بندٍ عام مثل: بني الأوس مع أن هؤلاء كانوا بطونًا متعددة.
ثم إن نصوص الصحيفة توافق القرآن الكريم في المبادئ من حيث: اعتبار المسلمين أمة واحدة من دون الناس١، ومن حيث التراحم والتعاون بينهم، ومعاونة بعضهم بعضًا فيما يفدح بعضهم ويثقل كاهله٢. ومن حيث الاحتفاظ برابطة الولاء وما يترتب عليها من حقوق الموالاة٣. ثم من حيث مراعاة حقوق القرابة والصحبة والجوار٤ كذلك تحديد المسئولية الشخصية٥، والبعد عن ثارات الجاهلية وحميتها٦. كذلك وافقت الصحيفة القرآن في وجوب الرضوخ للقانون، ورد الأمر إلى الدولة بأجهزتها للتصرف في الأمور٧. وفي شئون الحرب والسلم، وأن حرب الأفراد
_________________
(١) ١ ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران] ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [الأنفال] ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُوْلَئِكَ مِنْكُمْ﴾ [الأنفال] . ٢ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [البقرة] ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ [التوبة] . ٣ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ﴾ [التوبة] . ٤ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ﴾ [النساء] . ٥ ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ [النساء]، ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت] . ٦ ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ﴾ [الأعراف] . ٧ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء] .
[ ٣٢٠ ]
وسلمهم إنما تدخل في الاختصاص العام فلا تحدث فرديًّا١. كذلك معاونة الدولة في إقرار النظام والأخذ على يد الظالم وعدم نصر المحدث أو إيوائه٢.
ونلاحظ أن الصحيفة ذكرت البطون الخمسة الكبرى للخزرج، وهم بنو عوف، وبنو ساعدة، وبنو الحرث، وبنو جشم، وبنو النجار، ولم تذكر من بطون الأوس الكبرى إلا بطنين هما بنو عمرو بن عوف، وبنو النبيت، ثم أدمجت باقي البطون الأوسية الأخرى تحت اسم واحد وهو بنو الأوس. وهذا يوافق ما كانت عليه الحالة في يثرب من حيث انتشار الإسلام بها في الوقت الذي وضعت فيه الصحيفة، فإن بطون الخزرج كلها كانت قد دخلت في الإسلام وحتى من لم يكن منها مؤمنًا فقد دخل في الإسلام ظاهريًّا، وأما بطون الأوس فلم يدخل منها في الإسلام إلا بنو عمرو بن عوف وهم أهل قباء، وبنو النبيت. أما باقي البطون الأوسية؛ فقد تأخر إسلامها إلى ما بعد الخندق فذكرتها الصحيفة مدمجة باسمها العام، وقد كانت تسمى: أوس الله٣. كذلك نلاحظ أن الصحيفة قد ذكرت اليهود الموالين للبطون العربية، وأهملت ذكر القبائل الكبرى من اليهود، فقد يتفق تمامًا مع ما كانت عليه الحالة السياسية في يثرب، فإن البطون اليهودية الصغرى كانت قد دخلت في أحلاف مع الأوس أو مع الخزرج وذلك به سيادة هؤلاء في يثرب.
أما قبائل اليهود الكبرى الثلاثة فقد اعتزت بقوتها وبقيت محتفظة بشخصيتها، ثم إنها ناوأت الإسلام وأظهرت عداءها، ومع ذلك فقد وضعت الصحيفة بندًا عامًّا لدخول اليهود في الدولة احتمالًا لما قد يحدث من دخول هذه القبائل في النظام الجديد، وفعلًا ألحقت هذه القبائل بالدولة في محالفات ملحقة كما سنوضح فيما بعد.
من كل ذلك يتبين أن الصحيفة التي ذكرها ابن إسحاق صحيحة وأنها وثيقة مهمة جدًّا لفهم تطورات الأمور في الدولة اليثربية.
_________________
(١) ١ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ [البقرة]، ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [الأنفال] . ٢ ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [فاطر] . ٣ ابن هشام ٢/ ٤٦.
[ ٣٢١ ]
وقد بينت هذه الصحيفة الأسس الكبرى في القانون الذي ينظم الحياة العامة والسياسية والتي كان معمولًا بها في المدينة في أول الأمر، ويتجلى من هذا الكتاب إلى أي حد قد تغيرت الأحوال القديمة وإلى أي حد لم تتغير.
وأول هذه الأسس أن هذه الصحيفة أعطت صفة للجماعة الإسلامية، فقد قررت أن المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم أمة واحدة من دون الناس. وكلمة الأمة هنا ليست اسمًا للجماعة العربية القديمة التي تربطها رابطة النسب، بل هي تدل على الجماعة بالمعنى المطلق، وبهذا التقرير ألغى النبي -ﷺ- الحدود القبلية، أو على الأقل لم يجعل لها وجودًا رسميًّا بالنسبة للدولة، أو بلفظ آخر ارتفع هو عن المستوى القبلي المحدود، وبهذا أصبح الإسلام ملكًا لمن دخل فيه؛ فدخل بناء على هذه القاعدة شعوب كثيرة في الإسلام دون أن يضع الرسول -ﷺ- أمامها عقبات تحول بينها وبين الاشتراك في حياة العالم الإسلامي. وهذا المبدأ مرن جدًّا ومرونته هي التي كفت المسلمين في العصور الوسطى كثيرًا من الشرور وكفلت للإسلام دائمًا حيوية جديدة وسيوفًا تدافع عنه، وهذه الفكرة كانت جديدة بالنسبة للعالم اليوناني والروماني القديم. وللأمة في هذه الصحيفة صبغة دينية أيضًا فهي جماعة الله التي ترعى مبادئ السلام ومبادئ حماية الجار ونصرة المظلوم والله هو الشهيد الذي يشرف عليها، ومحمد يشرف عليها باسمه، فالإيمان هو رباط الاتحاد والمؤمنون هم ممثلو معناه، وهم لذلك أول من يجب عليهم الوفاء لهذا الاتحاد، وهم في الوقت نفسه أول من يتمتع بالحقوق التي يخولها لهم.
والأمة لها منطقة من الأرض إجمالية، وهي منطقة المدينة وكل هذه المنطقة ينبغي أن تكون حرمًا وأرض سلام لا يعتدي فيها أحد على أحد. والأمة لذلك لا تشتمل على المؤمنين وحدهم بل هي تتألف من كل من يتبعهم ويحارب معهم أي من كل أهل المدينة، وكان بين الأنصار قوم لم يسلموا ولكنهم لم يستبعدوا من الأمة بل أدمجوا فيها بنص صريح، وكذلك اليهود شملتهم الأمة وإن كانوا لا ينتمون إليها انتماء وثيقًا كالمهاجرة والأنصار. ولذلك لم تكن تقع عليهم نفس الواجبات وليس لهم نفس
[ ٣٢٢ ]
الحقوق، وقد ألحق بعضهم بنص صريح تمشيًا مع الروابط الحلفية بينهم وبين الأنصار، ووضع بند عام لكل من يتبع الأمة بعد ذلك منهم ثم عزز هذا البند بمحالفات خاصة بعد ذلك. وعلى هذا فدرجة الانتماء للأمة لم تكن واحدة بحيث بقي ما يشبه التمايز العربي القديم بين أصحاب الحق الكامل وبين غيرهم من تابع ونزيل.
والأمة برغم أنها ضمت كل طوائف المدينة؛ فإنها لم تكن تتكون من أفراد؛ وإنما كانت تتكون من جماعات، فالفرد لا ينتمي إلى الأمة إلا عن طريق العشيرة والقبيلة، فقد جاء في الصحيفة أن تبقى القبائل كما هي وأن تدخل في الأمة كما هي، وبذلك بقي التشكيل الاجتماعي القبلي كما هو، ومع أن الإسلام أنكر نظريًّا فكرة امتيازات المجتمع الوثني في العصر الجاهلي؛ إلا أن نظام القبيلة بقوته الداخلية وأسلوبه في معاملة الغرباء كان أمرًا مفيدًا بحيث لم يكن بالإمكان نبذه أو الاستغناء عنه، وكذلك ترك رؤساء القبائل كما هم ولم يحل محلهم موظفون دينيون.
أما فيما يتصل بالعلاقة بين الأمة والقبائل وبتحديد سلطة كل منهما وواجباتها؛ فقد بقيت على القبائل النفقات التي ليست ذات صبغة خاصة محضة وخصوصًا دفع الدية وفداء الأسرى. وذلك أنه لم تكن قد وجدت بعد خزينة للدولة. وكذلك بقى للعشيرة والقبيلة مسألة الولاء، فلا يجوز لأحد أن يحالف مولى دون مولاه، وكذلك بقي حق الإجارة لم يقيد، فلكل فرد الحق في أن يجير شخصًا غريبًا وهو لذلك يلزم الجماعة كلها، ولكن استثني من هذا إجارة قريش ومن نصرها؛ فإن ذلك كان محرمًا على كل المشتركين في هذه الصحيفة.
وبمقتضى كل ذلك أصبح على القبائل أن تتنازل عن حق الأخذ بالثأر فيما بينها؛ لأن أول غاية للأمة هو منع نشوب حرب في الداخل فإذا قام نزاع؛ وجب أن يعرض على القضاء، وقد جاء في الصحيفة: "وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله ﷿ وإلى محمد -ﷺ- وإنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حدث أو اشتجار يخاف فساده فإن مرده إلى الله ﷿ ومحمد رسول الله -ﷺ-" فإذا تعكر السلام في الداخل بسبب القتل أو الفساد وجب لا على المجني عليه أو على قبيلته أو
[ ٣٢٣ ]
على الجماعة كلها فحسب، بل على أقرباء الجاني نفسه أن يهبوا متكاتفين عليه وأن يسلموه لصاحب الثأر لكي يقتاد منه بالعدل. وعلى هذا لم يصبح الثأر أمرًا يتحول إلى ثأر يجر ثأرًا، كما كانت الحال في القبيلة العربية من قبل حيث لم تكن هناك سلطة لها قوة القهر، أما في المدينة فقد نفذ مبدأ العقاب بالمثل تنفيذًا صارمًا؛ لأن الله في المدينة فوق رابطة الدم، لكن العقاب بالمثل لم يكن قد صار عقابًا بالمعنى الحقيقي؛ لأن تنفيذه كان متروكًا للمجني عليه أو وليه، وكان له أن يثأر لنفسه أو يتنازل عن الثأر ويأخذ الدية أو يعفو، ولكن مع هذا فإن مبدأ العقاب بالمثل صار نقطة انتقال من مبدأ الأخذ بالثأر إلى مبدأ الأخذ بالعقاب؛ وذلك أنه بانتقال حق التأديب من الفساد إلى الجماعة حدثت خطوة مهمة في سبيل جعل الأخذ بالثأر شأنًا من شئون الدولة، وكانت الخطوة كافية لتفادي الترات الداخلية ولكي يسود السلام في منطقة المدينة ويكون شاملًا لا استثناء فيه، وعلى هذا لم تصبح هناك جماعات متعددة بتعدد القبائل تراعي السلام، الأمر الذي يجعل حمايتها غير كافية أو على الأقل غير فعالة على الوجه المرضي خارج حدود القبيلة، بل أصبح هناك سلام واحد شامل هو سلام الأمة.
والغرض الثاني الذي أوضحته الصحيفة هو اتحاد القبائل لرد كل عدوان من الخارج، وعلى المؤمنين أن ينصر بعضهم بعضًا دون الناس، وهم يتعاقلون بينهم ويدهم على من سواهم، وهم على من بغى منهم. وليس واجب الثأر من الأعداء واقعًا على أقرباء المقتول بحكم رابطة الدم؛ وإنما هو واقع على كاهل المؤمن ليثأر للمؤمن، وبذلك خرجت الحرب من أن تكون داخلة ضمن الثأر للدم كما كانت من قبل هي والثأر للدم شيئًا واحدًا، وإنما صارت الحرب حربًا فحسب، وكذلك صار السلام مع قوم أجانب أمرًا يعم المؤمنين جميعًا شأنه شأن الحرب، بحيث لا يستطيع أحد منهم أن يعقد سلامًا منفردًا لا يكون سلامًا للجميع.
وهكذا رسمت الصحيفة التخطيط العام للأمة، وإذا كانت هناك بعض الثغرات متمثلة في حق المجني عليه في الأخذ بالثأر أو العفو، وفي حق الإجارة الذي يجب أن يكون من حقوق سيادة الأمة ورئيسها، إلا أن نظام الأمة أخذ يكتمل شيئًا فشيئًا،
[ ٣٢٤ ]
وكان المؤمنون وعلى رأسهم النبي -ﷺ- هم روح هذه الأمة والعنصر الناهض الذي كانت تصدر منه الحركة، وكلما كان الدين ينتشر؛ كانت أركان الأمة تقوى وتتوطد١.
وكانت مهمة النبي -ﷺ- السياسية بعد هذا تنحصر في الدفاع عن حدود دولته وضمان الأمن لها، ولم تخرج تصرفاته عن هذا الهدف طوال العصر المدني. والأساس التي نفسر به كل التصرفات السياسية هو أن المدينة ومن انضم إليها دولة واحدة غير متصلة بما عداها إلا بالشروط الجديدة التي وضعها النبي -ﷺ- فلا صلة بين يثرب وبين غيرها إلا عن طريق الإسلام وعن طريق الالتحاق بها والتبعية لها. ولتقوية جبهة المدينة اعتبرت الهجرة إلى المدينة أساسًا للحصول على حق الرعوية للدولة الجديدة؛ فعلى من يدخل الإسلام ويريد أن يكون مواطنًا في يثرب أن يهاجر إليها، وقد نزل القرآن بنص صريح من ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ آوَوا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلاَّ عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [الأنفال] .
ونستطيع أن نقول: إن حكومة المدينة ظلت مقصورة على المدينة نفسها وعلى ريفها إلى عام فتح مكة سنة ٨هـ، فالطور الأول في شكل الحكومة المدينية هو طور: المدينة- الدولة. City - State وقد دام ثماني سنوات، فإذا استطاع أحد أن ينكر وجود مقومات الدولة المدينية في يثرب قبل الهجرة فهو لا يستطيع أن ينفي عن يثرب هذه الصفة بعد الهجرة.
وكما حرص النبي -ﷺ- على أن يوجد في داخل المدينة أداة للحكم، وأن ينظم شئونها الداخلية، كذلك حرص عن طريق السرايا على أن ينضم إلى المدينة ما حولها من ريف وما حولها من قبائل، وأن يخطط لها مجالها ويقرر حدودها، ويعقد لها أحلافًا مع القبائل النازلة فيما حولها؛ لأن الحاضرة لا تستطيع أن تعيش بنفسها، ولا تستغني عن ريف يمدها بالمؤن ويكون مجالًا لنشاطها. ولهذا الغرض قام النبي -ﷺ- بعدة سرايا، ابتدأت من المدينة واتجهت إلى جميع الجهات. فأمنت هذا الريف، وعقدت
_________________
(١) ١ انظر فلهوزن: تاريخ الدولة العربية ص: ١١- ١٥.
[ ٣٢٥ ]
في أثناء هذه السرايا أحلافًا مع القبائل المجاورة١؛ إذ إنه لا بد لسكان المدن التي تقوم في وسط جو بدوي أن تعمل حسابًا كبيرًا لغزوات البدو، ولا يكون ذلك إلا عن طريق محالفة البدو ومهادنتهم، وأحيانًا بدفع الإتاوات لهم، ثم كسر شوكتهم بالضرب على أيديهم عند اللزوم، وإشعارهم دائمًا بقوة المدينة وقدرتها على الضرب.
والسرايا التي عرفت في السنتين الأوليين كانت عبارة عن حملات حربية صغيرة لا يقصد بها إلى الحرب، بل يقصد بها ما يقصد من أعمال الدوريات الحربية، وهي المحافظة على الحدود أو الاستكشاف، وأحيانًا إيقاع الضرر بأي عدو والانسحاب بسرعة، وقد بلغ عدد السرايا التي أرسلها النبي -ﷺ- قبل موقعة بدر ثماني سرايا اتجهت إلى كل الجهات، قاد بعضها بنفسه وعقد لبعض أصحابه على بعضها٢.
ويذكر المؤرخون هذه السرايا على أنها عمليات حربية مقصودة بذاتها٣ وعلى أنها متصلة بالصراع بين النبي -ﷺ- ومكة، وهذا خطأ في نظرنا، والخطأ آتٍ من أن المصادر نفسها والمؤرخين المحدثين لم يفطنوا إلى أن هذه السرايا كانت عمليات حربية داخلية، يقصد بها تقوية الجبهة الداخلية، ويقصد بها كذلك ضمان الأمن ودفع الأذى الذي قد يأتي من الخارج.
على أنه كان من مهمة هذه السرايا منع تجارة قريش من المرور في أراضي الدولة الجديدة، طبقًا لنص الصحيفة الذي يقول: إنه لا تجار قريش ولا أموالها وهذا داخل في نطاق أعمال السيادة للدولة اليثربية، وكان لا بد من إشعار قريش، ومن إشعار القبائل المجاورة أن حدود الدولة الجديدة محروسة، وأن سيادتها على أراضيها يجب أن تحترم وأنه من الخير الاتفاق معها والاعتراف بها. ولم يكن الأمر في حقيقته من جانب يثرب بالنسبة لقريش أمر إعنات وإحراج وحروب؛ فإن النبي -ﷺ- كان ينظر إلى قريش نظرة خاصة، فهو يقدر الميزات التي تنطوي عليها مهادنة قريش واعترافها بالدولة الجديدة، كما كان يدرك قيمة قريش بين العرب وما يعود من وراء الاتفاق معها من
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٢٤، ٢٣٦. ٢ ابن هشام ٢/ ٢٢٣- ٢٤٢، الطبري ٢/ ١٢١، ابن كثير ٣/ ٢٤٨. ٣ الطبري ٢/ ١٢٠- ١٢٣، ابن كثير ٣/ ٢٤٦- ٢٤٨، الواقدي ٤ هيكل: حياة محمد ٢٣٧- ٢٤٢. Watt، Muhammad at Medina p.٢- ٣
[ ٣٢٦ ]
فوائد الدعوة الجديدة. كما كان يقدر ما تضم هذه القبيلة -التي هي قبيلته- من رجال تمرسوا بالحياة وخبروا الحكم وتسيير دفة الأمور سياسيًّا واقتصاديًّا عبر عن هذه في مناسبة بعد النصر في معركة بدر؛ إذ يقول أحد الشبان من الأنصار، وقد جاء الناس يهنئون النبي -ﷺ- بالنصر: "ما الذي تهنئوننا به؟ فوالله إن لقينا إلا عجائز صلعًا كالبدن المعلقة فنحرناها،
فقال النبي ﷺ: "أي ابن أخي، أولئك الملأ من قريش لو شهدت فعالهم احتقرت فعلك" ١. فالنبي -ﷺ- كان يحرص على مهادنة هذه القبيلة تقريرًا لميزاتها أكثر مما يحرص على حربها وعداوتها كما أنه كان يريد في الوقت نفسه أن يشعرها بقوة الدولة الجديدة وتصميمها على المحافظة على كيانها وسيادتها، وأنه لا يسمح مطلقًا بأن توطأ أرضها من عدو لا غازيًا ولا تاجرًا. كما أن السرايا حملت في الوقت نفسه تهديدًا لقريش بأن تجارتها مرهونة برضاء الدولة اليثربية، وعليها إذا كانت تريد أن تستمر في تسيير قوافلها نحو الشام أو نحو العراق أن تحسب حساب الوضع الجديد، ويجب أن تغير من سياستها المنطوية على العدوان بالنسبة للنبي -ﷺ- والمسلمين في يثرب. وأن تترك الحرية للمسلمين الذين حبستهم في مكة، وتترك الدعوة الجديدة تأخذ مجالها الحر دون مناوأة ودون حرب؛ وإلا فإنها تعرض نفسها لقطع تجارتها والقضاء على مواردها الاقتصادية؛ بقفل طريق التجارة المار في أراضي الدولة اليثربية في وجه تجاراتها، لكن السرايا لم تحمل أكثر من هذا التهديد؛ فلم تشتبك في حرب مع قوافل قريش ولم تستول على شيء منها، إلا ما كان من سرية أرسلها النبي -ﷺ- إلى بطن نخلة بين مكة والطائف لتعرف أخبار قريش، ولم تكن هذه السرية من القوة بحيث تشتبك في حرب أو تصادر قافلة، ولكن أفرادها تصرفوا على مسئوليتهم الخاصة؛ فاستولوا على قافلة صغيرة لقريش وقتلوا أحد رجالها وأسروا رجلين، وقد لام النبي -ﷺ- بالفعل رجال هذه السرية على تصرفهم الشخصي هذا٢، ومن هنا يتبين أن مهمة السرايا لم تكن هجومية ولم يكن يقصد بها إلى
_________________
(١) ١ ابن هشام ٢/ ٢٨٦. ٢ نفسه ٢/ ٢٣٨- ٢٤١.
[ ٣٢٧ ]
لو سلمنا بهذا الأساس استطعنا أن نقول: أن النبي -ﷺ- لم يقم بحرب هجومية إطلاقًا، حتى في أثناء المعارك الكبيرة التي وقعت بينه وبين قريش؛ فإن موقعة بدر التي حدثت في السنة الثانية الهجرية حدثت داخل حدود إقليم المدينة، وعلى أثر تحدي المكيين للنبي -ﷺ- وتسييرهم قوافلهم بأراضي المدينة ممتهنين بذلك حق السيادة اليثربية، فأبو سفيان حين مر بقافلته في المنطقة اليثربية كان يتحدى ويدل على أهل يثرب بقوته ويستضئل شأن النبي -ﷺ- ولهذا خرج النبي -ﷺ- إليه وأراد أن يصادر هذه القافلة أو أن يحاربها، وكان أمرها يشغله منذ خرجت إلى الشام حتى رأى في منامه قبل أن تعود رؤيا تبشره بأن إحدى الطائفتين ستكون لهم، والطائفة الأولى هي القافلة والطائفة الثانية المعنية هي قوات قريش التي كان من المحتمل أن تخرج لنجدتها، ومنع النبي -ﷺ- من مصادرتها١.
ثم إن وقعة أحد سنة ٣هـ وقعت في جوار المدينة مباشرة وعلى نحو ميلين منها، وكان المكيون فيها مُهَاجِمين مطالبين بثأر بدر٢. ثم إن النبي -ﷺ- خرج في السنة الرابعة إلى بدر لوعد بالحرب كان بينه وبين المكيين يوم أحد٣، فلم يلق النبي -ﷺ- يومئذ حربًا. لكنه حين سار إلى بدر إنما سار إلى حدود إقليمه ولم يتجاوزها.
فلما كان العام الخامس وهو العام الذي وقعت فيه موقعة الخندق كان النبي -ﷺ- مستقرًّا في يثرب وعدوه هو الذي جاء إليه متحديًا منتهكًا لحقه في السيادة كما كان الحال في عام أحد، فالنبي -ﷺ- لم يكن مهاجمًا، بل إنه أراد أن يبين نيته السلمية وأن يفهم الناس بطريقة مادية محسوسة أنه لا يريد حربًا، ولجأ في التعبير عن هذه النية إلى طريقة مستحدثة تأباها الفروسية العربية، وهي طريقة حفر خندق حول المدينة٥. ثم
_________________
(١) ١ ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال] . ٢ ابن هشام ٢/ ٣ وما بعدها. ٣ ابن هشام ٣/ ٤٥. ٤ نفسه ٢٢٢. ٥ ابن هشام ٣/ ٢٣١.
[ ٣٢٨ ]
ظهرت نية النبي -ﷺ- السلمية بشكل واضح جدًّا لا يختلف عليه المؤرخون بعد عام الخندق، ونادى النبي -ﷺ- بكلمة التقوى أو كلمة السلم واعتبرها مقابلة لما كان يتبعه الناس يومئذ من الاستجابة لحمية الجاهلية، فحمية الجاهلية تقابل كلمة السلم عند النبي -ﷺ- والعبارتان رامزتان لمثلين مختلفين: المثل الإسلامية، والمثل العربية الجاهلية١.
وقد حرص النبي -ﷺ- حين فتح مكة أن يتفادى الاصطدام بالمكيين. وفعلًا تم فتح مكة سنة ٨هـ، وكان فتحًا خلا من القتال بوجه عام. وهو من قبل هذا في عام الحديبية سنة ٦هـ، قد مال إلى السلم برغم معارضة كثير من أصحابه، وعد الفوز بالسلم غنيمة كبرى وفتحًا مبينًا٢، إذ استطاع عمليًّا أن يسود المبدأ الإسلامي ويتغلب نهائيًّا على مبدأ الجاهلية؛ ففي تسويد مبدأ السلم احتفاظ بقوى العرب سليمة، قوى يثرب وقوى مكة على السواء؛ استعدادًا لما كان يهدف إليه من توحيد العرب توحيدًا شاملًا، وما تتطلبه الوحدة من قوة مادية وأدبية: من رجال ومن خبرة وتجربة. هذا إلى أن في السلم إبعادًا لسخيمة النفوس وأحقادها مما قد يكون له من أثر سيئ على روح الأفراد، سواء إذا تم الأمر بالنصر أو بالصلح، على أن في تسويد السلم حرية للعقيدة أن تنتشر دون أن تقف في وجهها عقبات مادية أو نفسية تصدها عن الانتشار أو تعطيل من سيرها؛ ولذلك نزل القرآن الكريم بسورة الفتح بعد صلح الحديبية ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا﴾ [الفتح] . والنبي - ﷺ- لم يلجأ إلى حرب هوازن وثقيف يوم حنين إلا لأن هذه القبائل تحدته وتقدمت لحربه ورفضت الدخول فيما دخل فيه المكيون؛ وكانوا من قبل يسيرون حيث يسير أهل مكة، وكانت الطائف تعتبر من ريف مكة، ولا يوجد شريف من أهل مكة إلا وله في الطائف بستان. وكذلك حرب النبي -ﷺ- مع القبائل العربية؛ فإنه لم يهاجم إلا القبائل التي استعدت لقتاله وتجمعت لذلك، وكذلك لم يهاجم اليهود إلا لخياناتهم وتجميعهم الجموع لحرب المدينة.
_________________
(١) ١ ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى وَكَانُوا أَحَقَّ بِهَا وَأَهْلَهَا وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا﴾ [الفتح] . ٢ ابن هشام ٣/ ٣٥٥- ٣٧٢.
[ ٣٢٩ ]