المَكْتَبَةُ السَّلَفِيَّة
[ ٩ / ١ ]
(حقوق الطبع محفوظة)
(الطبعة الثالثة ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٨ م)
عنيت بطبعه
دَار المَطْبَعَةُ السَّلَفِيَّة
٢١ شارع الفتح بالروضة - القاهرة - تليفون ٨٤٠٣٦٤
[ ٩ / ٢ ]
غَزْوَةُ حُنَيْن
[ ٩ / ٣ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
بقلم معالى الشيخ إبراهيم العنقرى وزير الإعلام بالمملكة العربية السعودية
هذا هو الكتاب التاسع من سلسلة (معارك الإِسلام الفاصلة) التي دأب - مشكورًا - الأستاذ محمد أحمد باشميل على إصدارها منذ عدة سنوات.
وقد احتوى هذا الكتاب (وبأسلوب المؤلف المعروف) على دراسات رائعة، وتحليلات ثمينة دقيقة، يجدر بكل حريص على اكتشاف كنوز تاريخه الإسلامي أن يقرأها، ويقرأ دراسات وتحليلات المؤلف في بقية هذه السلسلة التاريخية القيمة .. وفي غزوة حنين دروس وعبر وعظات أجاد المؤلف أيما إجادة في عرضها وإبرازها أثناء دراسته وتحليله في كتابه هذا.
إن معركة حنين هي -من وجهة النظر العسكرية- أهم أكبر معركة يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم - ﷺ -، فقد اشترك فيها من جانب العدو الوثنى عشرون ألف مقاتل، ومن جانب المسلمين اثنا عشر ألف مقاتل، وهو عدد لم يسبق وأن قذف الفريقان بمثله في معركة دامية طيلة العهد النبوي كله، كما أن معركة حنين هي آخر وخاتمة المعارك التي يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم - ﷺ -. كذلك كان انتصار المسلمين الحاسم في هذه المعركة آخر مسمار يدق في نعش الوثنية بجزيرة العرب حيث (بعد انهيار قوة هوازن وهي أقوى قوة ضارية في جزيرة العرب) لم تعد هناك أية قوة قادرة على مواجهة المسلمين.
[ ٩ / ٥ ]
ولهذا لم يعد المسلمون - بعد حنين - بحاجة إلى تجريد قوات كثيفة لتوطيد دعاكم الإِسلام في الجزيرة - فما بقى للوثنية بعد حنين إنما هو جيوب صغيرة جرّد الرسول - ﷺ - على كل منها مفرزة صغيرة من أصحابه أنهت مقاومتها .. وغزوة تبوك الشهيرة التي قاد الرسول فيها بنفسه ثلاثين ألف مقاتل، إنما كانت لإرهاب الرومان الذين بلغه أنهم يحتشدون للإِغارة. على جزيرة العرب.
إن الجهد الذي يبذله الأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل لإصدار هذه السلسلة التاريخية الثمينة (معارك الإسلام الفاصلة) جهد مشكور ينبغي أن يلقى حقه من التقدير والتشجيع.
إن الذي يتصفح هذا الكتاب وبقية الكتب من هذه السلسلة يدرك مدى الجهد المضنى الذي يبذله المؤلف لخدمة التاريخ الإسلامى، برفع الأتربة عن كنوز هذا التاريخ الذي يجب أن يهتم به ويقرأه - بتدبر وإمعان - شبابنا ليكون دليهم الهادي في طرق العزة والمجد والشرف والاستقامة.
فالتاريخ الإسلامى (وخاصة العهد النبوي) زاخر بروائع البطولات وأمثلة الفداء والنبل والشهامة، هذه الأمثلة التي عن طريقها دخل المسلمون التاريخ من أوسع أبوابه، وما أحوجنا نحن المسلمين والعرب خاصة (وخاصة في هذه الفترة الحرجة من تاريخنا) إلى الإلمام بهذه الأمثلة والروائع من تاريخ أسلافنا الأماجد كى تكون لنا القدوة النافعة الصالحة، وتبتعد بنا عن مزالق شعارات المبادئ الهدامة المستوردة التي أضرّت بنا في مسيرتنا أكثر مما أضر بنا سلاح العدو العسكري.
لقد سلك الأخ الأستاذ باشميل في تحليلاته ودراساته التاريخية في هذا الكتاب - وفي بقية الكتب من سلسلته - مسلكًا قل الذين يسلكونه اليوم.
فمما يغبط عليه هو تركيزه في هذه السلسلة على الدقة في الدراسة والتحليل وإحالة القارئ بعناية، إلى المصادر التاريخية الرئيسية الكبرى،
[ ٩ / ٦ ]
التي لا يفتأ المؤلف يذكرها ويرشد القارئ إليها في كل مناسبة .. الأمر الذي يوحى للقارئ بالثقة بأنه حينما يقرأ للأستاذ باشميل كتابًا من هذه الكتب التسعة، إنما يقرأ مراجع تاريخية إسلامية هامة، لا قصصًا سطحية ينتهى أثرها بالانتهاء من قراءتها.
إذن (وهذه كلمة حق) فسلسلة (معارك الإسلام الفاصلة) التي أجهد المؤلف نفسه في إصدارها، هي من أهم المراجع التاريخية الثمينة في العهد النبوي، لاسيما إذا أخذنا بعين الاعتبار الجهد الذي يبذله المؤلف لتنسيق الأحداث التاريخية وربط بعضها ببعض ربطًا دقيقًا محكمًا، بأسلوب سهل ممتنع، بحيث يسهل على أي راغب في معرفة أية سرية أو حملة عسكرية أو حادثة سياسية أو تشريعية هامة في العهد النبوي، أن يجدها في هذه السلسلة، وهذ أمر فيه خدمة كبيرة لطلاب الدراسات العليا في الجامعات والمدارس.
ثم إن ما يمتاز به هذا الكتاب التاسع وكل كتب المؤلف من هذه السلسلة هو أن المؤلف لا يقتصر في دراساته وتحليلاته على حيز المعركة أو الغزوة التي يجعلها العنوان الرئيسي للكتاب (كغزوة حنين هذه) وإنما يقدم أثناء ذلك للقارئ - وبمنتهى الدقة والصبر - عرضًا شيقًا للأحداث الدسكرية والسياسية والتشريعية المهمة التي سبقت المعركة الرئيسية أو واكبتها.
ففي كتبه التسعة من هذه السلسلة أتى بالتفصيل على ذكر جميع السرايا والحملات الحربية الثانوية والأحداث السياسية وغيرها من الأحداث الهامة، التي تحدث بين المعركة الرئيسية التي تكون عنوانًا لكتابة، وبين المعركة التي تكون عنوانًا للكتاب الذي يليه، كالأحداث والسرايا والبعوث التي حدثت (مثلًا) ما بين غزوة بدر وغزوة أحد، وهذا هو دائما نهج المؤلف في حميع مؤلفاته التسعة من هذه السلسلة.
إذن يمكن أن يطلق (عن جدارة) على هذه السلسلة القيمة اسم
[ ٩ / ٧ ]
الموسوعة الكبرى في تاريخ العهد النبوي، وخاصة إذا اكتملت بالكتاب العاشر (غزوة تبوك) الذي شرع المؤلف في تأليفه.
وبعد فإق إذ أزجى شكرى الخالص العميق للأخ الأستاذ محمد أحمد باشميل على هذا الجهد الكبير الذي يبذله لخدمة التاريخ الإسلامى بمثابرته (وبصبر كبير) على إصدار هذه السلسلة، أدعو شبابنا المسلم - وخاصة الطلاب منهم - إلى الاهتمام بكنوز تاريخنا الإسلامي المشرق، التي سيجدون منها ما يشفى غليلهم وينير لهم الطريق - في هذه السلسلة، أو الموسوعة السهلة المبسطة، التي قطع المؤلف شوطًا كبيرًا في إكمالها، كما أننى أدعو من صميم قلبى للأخ المؤلف ببالغ التوفيق، وأن يجعل الله تعالى ثوابه جزيلًا على هذا الجهد الكبر.
وزير الإعلام
إبراهيم العنقرى
الرياض .. المملكة العربية السعودية
٢٠/ ٤ / ١٣٩٣ هـ
[ ٩ / ٨ ]
بسم الله الرحمن الرحيم
كلمة المؤلف
-١ -
نحمدك اللهم ونستعينك ونستهديك ونعوذ بك من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، وصل اللهم على نبيك ورسولك محمد وآله وصحبه وسلم.
وبعد فهذا أيها القارئ الكريم كتابنا التاسع (غزوة حنين) من سلسلة معارك الإسلام الفاصلة التي استخرنا الله تعالى في إصدارها.
فنسأل الله ﷿ أن يمدنا بعونه وتوفيقه، وأن يجعلنا ممن يخلصون له في القول والعمل، وأن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يجعل خير أعمالنا خواتيمها وخير أيامنا يوم لقائه إنه سميع مجيب.
ونأمل من كل قارئ لهذا الكتاب، أو لأى كتاب آخر من هذه السلسلة أن يرشدنا إلى أي خطأ أيا كان في أيّ من هذه السلسلة لنسارع إلى إصلاحه، فكل بني آدم خطّاءون، وهدفنا إنما هو خدمة التاريخ الإسلامي.
-٢ -
إن في معركة حنين دروسًا وعبرًا ومواعظ، أهمها أن القوة العسكرية وحدها لا تكفى لتحقيق الانتصار، وأن المبالغة في الاعتماد على القوى المادية العسكرية إلى حد الغرور هي - دائمًا وأبدًا - مصدر النكبات.
[ ٩ / ٩ ]
فالغرور بالقوة العسكرية يؤدى إلى الاستهانة بالعدو، والاستهانة بالعدو تشيع اللامبالاة والاسترخاء بين عناصر الجيش المغرور، الأمر الذي يتيع لعدوه أكثر من فرصة قد تؤدى إلى تدميره رغم كثرته وحسن تسليحه.
-٣ -
ولقد أدّب الله المسلمين في معركة حنين .. بسبب إعجابهم بقوتهم، فنزلت بهم الهزيمة المروعة في المرحلة الأولى من المعركة، وذلك لكى يشعروا أن السلاح الذي يكفل لهم النصر، إنما هو - في الدرجة الأولى - قوة الإيمان بالله تعالى لا القوة العسكرية المجردة، وإلى هذه الحقيقة أشار القرآن الكريم بقوله ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ (١) الآية.
وتاريخ المسلمين - في عهودهم المشرقة - زاخر بالشواهد والأدلة على أن ما حققوه من أمجاد رائعة رغم قلتهم وكثرة أعدائهم - إنما سببه في الدرجة الأولى - إيمانهم بالله تعالى واتباعهم الإِسلام اعتقادًا وقولًا وسلوكًا.
فعلى أجيالنا التي تتوق إلى العزة والسؤدد أن تحذو حذو أولئك الأبرار من أسلافنا في التمسك بالإِسلام قولًا وعملًا، وإلا فإن من طلب العزة من المسلمين بغير الإِسلام أذله الله .. نسأل الله تعالى أن يعيد أتباع محمد - ﷺ - إلى جادة الصواب ليستعيدوا عزهم الضائع ومجدهم المفقود.
المؤلف
جدة - المملكة العربية السعودية
١٣٩٤ هـ ١٩٧٤ م
[ ٩ / ١٠ ]
الفصل الأول مجمل الأحداث بين فتح مكة وغزوة حنين
بعد أن تمت السيطرة للمسلمين على مكة (وهي أهم وأعظم معقل للوثنية) بدا واضحًا وكأن نجم الوثنية (لا في الحجاز وحده، بل في الجزيرة العربية كلها) يسرع نحو الأفول. وأن أمر انهيار الوثنية في الجزيرة كلها إنما هو مسألة وقت فقط.
لأن مكة (سواء من الناحية العسكرية أو السياسية أو المعنوية أو الروحية) محط أنظار الوثيين على اختلاف ميولهم ومشاربهم.
وبعد انهيار الوثنية شرقي المدينة وبعد انتهاء الوجود اليهودى في خيبر الذي كان أعظم خطر (من الناحية البشرية والسياسية والمالية) يهدد الوجود الإِسلامي .. بعد حدوث ذلك لصالح الإِسلام والمسلمين. لم يبق من يخشاه المسلمون ويحسبون له الحساب الدقيق، وله وزنه الثقيل في نظرهم سوى قوتين عظيمتين اثنتين (قريش في مكة وهوازن في بواديها الشاسعة الواسعة الممتدة من حدود الحرم في الحجاز حتى أطراف نجد في الشرق والشمال).
أما قريش العدو الرئيسى الأكثر تنظيمًا والأخطر عداوة للإسلام والمسلمين فقد تحطم وجوده وزال خطره بوقوع عاصمته مكة في أيدى قوات التوحيد في شهر رمضان من السنة الثامنة للهجرة (١)، ولم يبق من يخشاه المسلمون خشية حقيقية سوى قبائل هوازن ذات القوة الحربية الشديدة والعدد الهائل حيث كان باستطاعتها أن تحشد أكثر من عشرين ألف مقاتل، هو ما فعلته حين زحفت بهذه القوة صوب مكة فالتقى بها المسلمون في أوطاس (وادي حنين)
_________________
(١) انظر تفاصيل فتح مكة وإنهاء وجود قريش الوثنى في كتابنا الثامن (فتح مكة).
[ ٩ / ١١ ]
فدارت بين الفريقين تلك المعركة التاريخية الحاسمة التي هي موضوع دراستنا الرئيسية في هذا الكتاب.
جيوب المقاومة حول مكة قبل هوازن
غير أنه رغم زوال سلطان قريش (الأم الكبرى للوثنية) فقد بقيت حوالي مكة (غير هوازن) جيوب مقاومة للوثنية من العرب .. رأى النبي - ﷺ - أن ينهى مقاومتها ويخضعها لسلطان التوحيد قبل أن يدخل في المعركة الفاصلة مع قبائل هوازن.
فبعد أن استتب الأمر للمسلمين وتمت لهم السيطرة الكاملة على مكة المكرمة. بعث الرسول - ﷺ - بعدة وحدات من جيشه من مكة، للعمل على إزالة أي أثر من آثار الوثنية في المنطقة. فقامت هذه الوحدات بهدم كل ما تبقى من أصنام في تلك المناطق الواقعة في الجنوب والجنوب الشرقي من مكة المكرمة.
فهدمت وحدات الجيش الإِسلامي صنم (مَناة) وصنم (العُزَّى) وهما من أعظم الأصنام التاريخية المعظمة عند العرب، واللذين جاء ذكرهما في القرآن الكريم، كما هدمت غيرهما من الأصنام التي هي المظهر الرئيسى للوثنية.
والعمليات الحربية التي قام بها الجيش الإسلامي من مكة (قبل معركة حنين) هي خمس عمليات عسكرية. وهي:
- ١ -
سرية المشلل (١) عام ثمان للهجرة
وهي دورية قتال قام بها من مكة سعد بن زيد الأشهلى لهدم صنم مَنَاة بالمشلل فقام بهدم الصنم ذكر ذلك الواقدي في مغازيه. إلا أنه لم يذكر أية تفاصيل عن كيفية هدم الصنم كيف كان موقف عبَّده. هل حدثت منهم مقاومة أم لا؟ .
_________________
(١) المشلل (بضم أوله وفتح ثاني مع الكسر ..) قال الكلبي في كتابه الأصنام .. المشلل، مكان على ساحل البحر بقديد بين مكة والمدينة.
[ ٩ / ١٢ ]
فكل ما قاله الواقدي: وبعث رسول الله - ﷺ - سعد بن زيد الأشهلى إلى مناة بالمشلل فهدمه. ومناة من أقدم الأصنام التي كان العرب يعبدونها، فهي أقدم من العزى وسائر الأصنام كلها. قال الكلبى في كتابه الأصنام: ومناة أقدم أصنام العرب، وكانت العرب تسمى عبد مناة، وزيد مناة، وكان منصوبًا على ساحل البحر من ناحية المشلل بقديد، بين مكة والمدينة، وكانت العرب جميعًا تعظمه وتذبح حوله، وكانت الأوس والخزرج ومن ينزل المدينة ومكة، وما قارب من الموضع يعظمونه ويذبحون به ويهدون له.
وكان أولاد معدّ على بقية من دين إسماعيل - ﵇ - وكانت ربيعة ومضر على بقية من دينه، ولم يكن أحد أشدّ تعظيمًا له (أي مناة) من الأوس والخزرج.
وقال الكلبى: كانت الأوس والخزرج ومن يأخذ بأخذهم من عرب أهل يثرب وغيرها، فكانوا يحجون فيقفون مع الناس المواقف كلها، ولا يحلقون رؤوسهم فإذا نفروا، أتوا (مَناة) فحلقوا رؤوسهم عنده وأقاموا عنده، لا يرون لحجهم تمامًا إلا بذلك، فَلإعظام الأوس والخزرج (لمنَاة) يقول عبد العزّى بن وديعة المزني أو غيره من العرب.
إني حلفت يمين صدق برة بمناة عند محل آل الخزرج
وكانت العرب في الجاهلية يسمون الأوس والخزرج جميعًا .. الخزرج، فلذلك يقول .. (عند محل آل الخزرج).
ومناة هذه ذكرها الله ﷿ فقال ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى﴾: كانت لهذيل وخزاعة (١).
ويخالف الكلبى الإمام الواقدي. فيذكر أن الذي تولى هدم (مناة) هو الإمام علي بن أبي طالب فيقول: وكانت قريش وجميع العرب تعظمه (أي مناة)، فلم يزل على ذلك حتى خرج رسول الله - ﷺ - من المدينة سنة ثمان من الهجرة، وهو عام فتح الله عليه، فلما سار من المدينة أربع ليال أو خمس
_________________
(١) كتاب الأصنام ص ١٣ - ١٤.
[ ٩ / ١٣ ]
ليال بعث عليًّا إليها فهدمها وأخذ ما كان لها، فأقبل به إلى النبي - ﷺ -، فكان فيما أخذ سيفان كان الحارث بن أبي شمر الغساني ملك غسان أهداهما لها. أحدها يسمى مخذمًا، والآخر رسوبًا، وهما سيفا الحارث اللذان ذكرهما علقمة في شعره فقال:
مظاهر سربالى حديد عليهما عقيلا سيوف مخذم ورسوب
فوهبهما النبي - ﷺ - لعلي، فيقال: إن ذا الفقار سيف على أحدهما. ويقال: إن عليًّا وجد هذين السيفين في الفلس وهو صنم طئ حيث بعثه النبي - ﷺ - فهدمه. (١)
- ٢ -
حملة هدم العزى ٢٥ رمضان سنة ثمان للهجرة.
قامت بها دورية قتال مكونة من ثلاثين فارسا قام بقيادتهم خالد بن الوليد الذي كلفه الرسول - ﷺ - بهدم العزّى (وهي أعظم الأصنام عند قريش).
وقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن خالد بن الوليد ذهب بفرسانه إلى العزّى (وهي مقامة بأحد روافد وادي نخلة المسمى اليوم بوادى اليمانية) فهدمها.
قال الواقدي: قدم رسول الله - ﷺ - مكة يوم الجمعة لعشر ليال بقين من رمضان فبث السرايا في كل وجه، أمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإِسلام فخرج هشام بن العاص إلى يلملم وبعث خالد بن سعيد بن العاص في ثلاثمائة قِبَل عُرنَة (٢).
وبعث خالد بن الوليد إلى العزّى يهدمها، وقال ابن إسحاق: كانت بنخلة، كانت بيتًا يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها، وكانت سدنتها وحجابها من بني شيبان (٣) من بني سليم (٤).
_________________
(١) كتاب الأصنام ص ١٥.
(٢) عرنة (بضم العين وفتح الراء): واد حذاء عرفات بين عرفات والمزدلفة.
(٣) شيبان (بفتع الشين): اسم يطلق على عدة قبائل عربية، وشيبان هنا، هم بطن من سليم وهم حلفاء بني هاشم.
(٤) انظر ترجمة سليم في كتابنا (فتح مكة).
[ ٩ / ١٤ ]
فلما سمع صاحبها (أي سادنها) السلمي بمسير خالد إلها، وأسند في الجبل الذي هي فيه وهو يقول:
أيا عزّ شدى شدة لا شوى لها على خالد ألقى القناع وشمرى
أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدًا فبوئى بإثم عاجل أو تنصرّى (١)
فلما انتهى إليها خالد هدمها ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - (٢).
وفي رواية بعض المؤرخين، أن خالدًا لما هدم العزى ورجع إلى النبي - ﷺ - قال له: هدمت؟ قال: نعم يا رسول الله. فقال رسول الله - ﷺ -: هل رأيت شيئًا ما؟ قال: لا. قال: فارجع فإنك لم تهدمها فارجع إليها فاهدمها. فرجع خالد وهو متغيظ، فلما انتهى إليها جرد سيفه، فخرجت إليه امرأة سوداء عريانة، ناشرة الرأس فجعل السادن يصيح بها. قال خالد وأخذنى اقشعرار في ظهرى فجعل يصيح:
أيا عزّ شدى شدة لا تكذبى على خالد ألقى القناع وشمرى
أيا عز إن لم تقتلى المرء خالدا فبوئى بذنب عاجل أو تنصّرى
فأقبل خالد بالسيف إليها وهو يقول:
يا عزّ كفرانك لا سبحانك إني وجدت الله قد أهانك
فضربها بالسيف فجزلها (٣) باثنين ثم رجع إلى رسول الله - ﷺ - فأخبره فقال: نعم تلك العزى وقد يئست أن تعبد ببلادك أبدًا ثم قال خالد، أي رسول الله، الحمد لله الذي أكرمنا وأنقذنا من الهلكة. إني كنت أرى أبي يأتي إلى العزى بحتره (٤). مائة من الإبل والغنم فينبها للعزى ويقيم عندها ثلاثًا ثم ينصرف إلينا مسرورًا. فنظرت إلى ما مات عليه أبي وذلك الرأي الذي كان يعاش في فضله، كيف خدع حتى صار يذبح لحجر لا يسمع ولا يبصر، ولا يضر ولا ينفع. فقال رسول الله - ﷺ - إن هذا الأمر إلى الله، فمن يسّره للهدى تيسر، ومن يسره للضلالة كان فيها. وكان هدم العزى
_________________
(١) أو تنصرى: أن انتصرى.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩٧.
(٣) جزل بمعنى قطع.
(٤) قال في الصحاح: الحتر، بكسر الحاء: العطية اليسيرة، وبالفتح: الصدر.
[ ٩ / ١٥ ]
لخمس ليال بقين من رمضان سنة ثمان (للهجرة).
وكان سادنها أفلح بن نُضر الشيبانى من بني سليم، فلما حضرته الوفاة دخل عليه وهو حزين، فقال له أبو لهب: ما لي أراك حزينًا؟ قال: أخاف أن تضيع العزى من بعدى. قال أبو لهب: فلا تحزن، فأنا أقوم علها بعدك. فجعل كل من لقى قال: إن تظهر العزى كنت قد اتخذت يدًا عندها بقيامى علها، وأن يظهر محمد على العزى - ولا أراه يظهر - فابن أخي.
فأنزل الله ﷿: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾ ويقال: إنه قال هذا في اللات (١).
تاريخ العزي
يدل سياق المختصين بتاريخ الأصنام ونشوء الوثنية في جزيرة العرب أن الصنم (مناة) أقدم وجودًا من الصنم (العزى). وأن العزى إنما اتخذتها قريش وغيرها من العرب إلهًا من دون الله، بعد اللات ومناة، فقد ذكر الكلبى في كتابه (الأصنام) أن العزّى أحدث من اللات ومناة، وعلل ذلك بقوله: إننى سمعت العرب سمَّت بهما قبل (العزى)، فوجدت تميم بن مر سمى ابنه (زيد مناة) بن تميم بن مر بن أن بن طابخة، وعبد مناة بن أد، وباسم (اللات) سمى ثعلبة بن عكابة ابنه (تيم اللات) .. وتيم اللات بن رفيدة بن ثور .. و(زيد اللات) بن رفيدة بن ثور بن وبرة بن مر بن أن بن طابخة .. و(تيم اللات) بن افر بن قاسط و(عبد العزى) بن كعب بن سعد بن زيد بن مناة بن تميم فهي (أي العزى) أحدث من الأوليين.
أول من تسمى باسم العزّى من العرب:
وكان عبد العزى بن كعب من أقدم ما سمت به العرب .. وكان الذي اتخذ العزى ظالم بن سعد.
كانت بواد من نخلة الشامية يقال له حراض بإزاء العُمير عن يمين المصعد إلى العراق من مكة، وذلك فوق ذات عرق إلى البستان بتسعة أميال فبنى علها
_________________
(١) الوقدى ج ٣ ص ٣٧٨ وما بعدها.
[ ٩ / ١٦ ]
(يريد بيتًا)، وكانوا يسمعون فيه الصوت، وكانت العرب وقريش تسمى بها عبد العزى، وكانت أعظم الأصنام عند قريش، وكانوا يزورونها ويهدون لها ويتقربون عندها بالذبح (١).
وكانت قريش تطوف بالكعبة وتقول.
واللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى
فإنهن الغرانيق العلى وإنَّ شفاعتهن لترتجى
وكانوا يقولون .. بنات الله (﷿ عن ذلك) وهن يشفعن إليه. فلما بعث الله رسوله أنزل عليه ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ (٢).
وكانت قريش قد حمت للعزى شعبًا من وادي حراض يقال له سقام. يضاهون به حرم مكة، فذلك قول أبي جندب الهذلى ثم القردى في امرأة كان يهواها فذكر حلفها له بالعزى:
لقد حلفت جهدًا يمينًا غليظة بفرع الذي أحمت فروع سقام
لئن أنت لم ترسل ثيابى فانطلق أباديك أخرى عيشنا بكلام
يعز عليه صَرم أم حويرث فأمسى يروم الأمر كل مرام
ولها يقول درهم بن زيد الأوسي:
إني وبيت العزى السعيدة والله الذي دون بيته سرف
وكان لها منحر ينحرون فيه هداياها يقال له الغُبَغُب.
فله يقول الهذلى وهو يهجو رجلًا تزوج امرأة جميلة يقال لها أسماء:
لقد أنكحت أسماء الحى بُقَيرة من الأدم أهداها امرؤ من بني غَنم
رأى قذعًا في عينها إذ يسوقها إلى غبغب العزّى فوضع في القسم
_________________
(١) كتاب الأصنام ص ١٩ نشر الدار القومية للطباعة والنشر - القاهرة.
(٢) النجم ١٩ - ٢٢.
[ ٩ / ١٧ ]
فكانوا يقسمون لحوم هداياهم فيمن حضرها وكان عندها. فلغبغب، يقول نهيكة الفزاري العامر بن الطفيل:
يا عام لو قدرت عليك رماحنا والرقصات إلى منى فالغبغب
لتقيت بالجعّاء طعنة فاتك مُران أو لثويت غير محسب
وله يقول قيس بن منقذ بن عبيد بن ضاطر بن حبشية بن سلول الخزاعي (ولدته امرأة من بني حداد من كنانة) وهو قيس بن الحدادية الخزاعي:
تلينا ببيت الله أول حلفة وإلا فأنصاب يسُرنَ بغبغب
وكانت قريش تخصها بالإِعظام .. فلذلك يقول زيدين بن عمر بن نفيل. وكان قد تأله في الجاهلية وترك عبادتها وعبادة غيرها من الأصنام:
تركت اللات والمعزى جميعًا كذلك يفعل الجلدُ الصبور
فلا العزى أدين ولا ابنتيها ولا صنمى بني غنم أزور ..
ولا هُبلًا أزور وكان ربًا لنا في الدهر إذ حلمى صغير
وكان سدنةُ العزّى بنو شيبان بن جابر بن مرة بن عبس رفاعة بن الحارث بن عتبة بن سليم بن منصور من بني سليم، وكان آخر بن سدنها منهم دبية بن حرمى السلمي، وله يقول أبو خراش الهذلى - وكان قدم عليه فحذاه نعلين جيدتين فقال:
حذانى بعدما خذمت نعالى دبيّة إنه نعم الخليل
مقابلتين من صلوى مشبّ من الثيران وصلهما جميل
فنعم معرِّس الأضياف تذحى رحالهم شآمية بليل
يقاتل جوعهم بمكللات من الفرنى يرعبها الجميل
فلم تزل العزى كذلك حتى بعث الله نبيه - ﷺ - فعابها وغيرها من الأصنام، ونهاهم عن عبادتها ونزل القرآن فيها.
فاشتد ذلك على قريش، ومرض أبو أحيحة (وهو سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف) مرضه الذي مات فيه، فدخل عليه أبو لهب يعوده، فوجده يبكى. فقال: ما يبكيك يا أبا أحيحة؟ أمن الموت تبكى ولابد منه؟ قال: لا. ولكنى أخاف ألا تعبد العزى بعدى. قال أبو لهب: والله ما عبدت في حياتك لأجلك، ولا تترك عبادتها بعدك لموتك فقال أبو
[ ٩ / ١٨ ]
أحيحة: الآن علمت أن لي خليفة، وأعجبه شدة نصبه في عبادتها.
قالوا: فلما كان عام الفتح دعا النبي - ﷺ - خالد بن الوليد فقال: انطلق إلى شجرة ببطن نخلة فاعضدها، فانطلق فأخذ دُبية فقتله، وكان سادنها، فقال أبو خراش الهذلى في دُبية يرثيه:
ما لدُبيّة منذ اليوم لم أره وسط الشروط ولم يلمم ولم يطف (١)
لو كان حيًّا لغاداهم بمترعة من الرواويق من شيزى بني الهطف (٢)
ضخم الرماد عظيم القدر جفنته حين الشتاء كحوض المنهل اللقف (٣)
أمسى سقام خلاء لا أنيس به إلا السباع ومَر الريح بالغرف
قالوا: وكان سعيد بن العاص أبو أحيحة يعتمّ بمكة، فإذا اعتم لم يعتم أحد بلون عمامته.
وعن ابن عباس. قال: كانت العزى شيطانة تأتى ثلاث مرات ببطن نخلة.
ولم تكن قريش بمكة ومن أقام بها من العرب يعظمون شيئًا من الأصنام إعظامهم العزى. فكانت قريش تخصها دون غيرها بالزيارة والهدية، وكانت ثقيف تخص اللات كخاصة قريش العزى. وكانت الأوس والخزرج تخص مناة كخاصة هؤلاء الآخرين، كلهم كان معظمًا لها (أي العزى).
ولم يكونوا يرون في الخمسة الأصنام التي دفعها عمرو بن لحيٍّ وهي التي ذكرها الله تعالى في القرآن المجيد حيث قال: ﴿وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا﴾ كرأيهم في هذه ولا قريبًا من ذلك (٤)
_________________
(١) يطف: أي يطيف من الطوفان، من طاف يطيف.
(٢) الهطف بطن من بني عمر بن أسد.
(٣) اللقف الخوص المتكسر.
(٤) كتاب الأصنام للكلبى ص ١٧ إلى ٢٧.
[ ٩ / ١٩ ]
- ٣ -
حملة يلملم أواخر شهر رمضان سنة ثمان للهجرة:
وهي دورية قتال مكونة من مائتى مقاتل بعث بهم النبي - ﷺ - بقيادة هشام بن العاص لمقاتلة من تبقى على الوثنية في منطقة يلملم الواقعة جنوب شرقي مكة المكرمة والواقعة بين مكة والطائف، وعلى مسافة ليلتين من الطائف للماشى.
ويلملم هو ميقات أهل اليمن للحج، وفيه مسجد معاذ بن جبل. وقال المرزوقي: هو جبل من الطائف على ليلتين. وقيل، هو واد، قال فيه الشاعر أبو دهبل:
فما نام من راع ولا ارتد سامر من الحى حتى جاوزت بي يلملما (١)
ولم أر فيما بين يدي من مصادر إلى أية قبيلة في يلملم قصدت ذلك الحمنة العسكرية التي جردها الرسول - ﷺ - بقيادة هشام بن العاص. كما أنه لم يبلغنا هل دار قتال في هذه الغزوة أم لا.
وكل ما حصلنا عليه هو قول الواقدي: "فبعث رسول الله - ﷺ - السرايا في كل وجه وأمرهم أن يغيروا على من لم يكن على الإسلام، فخرج هشام بن العاص في مائتين قبل يلملم" (٢).
ولكن من المرجح أن تكون حملة هشام بن العاص هذه وجهت إلى حي من هوازن، لأن قبائل كل تلك المنطقة الواقعة حول الطائف كلهم من هوازن أو حلفاء ثقيف، وهم بطن من هوازن.
_________________
(١) معجم البلدان لياقوت ج ٥ ص ٤٤١.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٧٣.
[ ٩ / ٢٠ ]
- ٤ -
حملة عُرنَة: أواخر رمضان سنة ثمان للهجرة:
وعرنة هو الوادي المشهور اليوم بحذاء عرفات، وليس منها، وفي هذا الوادي ألقى الرسول - ﷺ - وهو في طريقه إلى عرفات - خطبته المشهورة بخطبة حجة الوداع.
وكان سكان عرنة عند ظهور الإسلام بطنا من هُذيل، شديدى العداوة لرسول الله - ﷺ - فكانوا في السنة الرابعة من الهجرة قد حشدوا جيشًا في عرنة يقصدون به غزو النبي - ﷺ - في المدينة.
إلا أن النبي - ﷺ - أرسل أحد الفدائيين من أصحابه وهو عبد الله بن أنيس الجهني، ففتك (في عرنة) بقائد الجيش خالد بن سفيان الهذلى. ففشل غزو هذيل إذ ألغوا مخطط الغزو بعد مصرع قائدهم (١).
أما القوة التي تحركت من مكة إلى عرنة في السنة الثامنة من الهجرة عقيب الفتح فقد كانت مكونة من ثلاثمائة مقاتل، أعطى النبي - ﷺ - قيادتهم لخالد بن سعيد بن العاص (٢)، لإنهاء الوجود الوثنى في عرنة، غير أن أحدًا من المؤرخين كذلك (فيما وصل إلى علمنا) لم يعط أية تفاصيل عن عمليات القوة العسكرية التي قادها خالد بن سعيد بن العاص إلى عرنة .. إلا أنه مما لا جدال فيه أنها موجهة إلى قبيلة هذيل التي بقى الكثير منهم على الوثنية عقب فتح مكة، والتي موطنها (عرنة) التي وجهت إليها الحملة.
- ٥ -
غزوة بني جذيمة (٣)، أواخر شهر رمضان سنة ثمان للهجرة:
ومن أهم الأحداث العسكرية التي حدثت بعد فتح مكة وقبل غزوة
_________________
(١) انظر كتابنا (غزوة الأحزاب) ص ٣٠.
(٢) انظر ترجمة خالد بن سعيد فيما يأتي من هذا الكتاب.
(٣) جذيمة. بطن من كنانة، وهم بنو جذيمة بن عامر بن عبد مناة بن كنانة. كانوا يسكنون =
[ ٩ / ٢١ ]
حنين. تلك الوقعة التي أوقع فيها خالد بن الوليد ببنى جذيمة، وتعرض فيها للوم من رسول الله - ﷺ - بسبب خطأ وقع فيه لم يكن عن سوء نية منه. حيث قتل مجموعة من بني جذيمة وهم مسلمون ظنًّا منه أنهم لا يزالون مشركين.
وتفصيل ذلك أن النبي - ﷺ - كلف خالدًا بن الوليد قائد الفرقة الرابعة التي تولت الزحف على مكة من جنوبيها كلفه بالتوجه إلى ديار بني جذيمة داعيًا إلى الإِسلام، ولم يبعثه مقاتلًا (١).
فقد ذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - عقد لخالد بن الوليد لواء القيادة على ثلاثمائة وخمسين رجلًا من المجاهدين والأنصار وبنى سليم. وبعثه من مكة إلى بني جذيمة أسفل مكة.
وكان خالد (كقائد عسكرى حازم) معروفًا بسرعة اتخاذ القرارات وسرعة تنفيذها .. ونتيجة ذلك تسرع في أمور (مجتهدًا) فارتكب أعمالًا تبرأ منها الرسول - ﷺ - وغضب لها على خالد، وذلك أنه (باجتهاد منه) أمر رجاله بأت يعدموا بعض الأسرى من بني جذيمة الذين اتضح أنهم مسلمون وليسوا مشركين. ولكن الرسول - ﷺ - عقب التحقيق الذي أجراه مع خالد ﵁ بعد أن استغفر له ثم دفع ديات القتلى من بني جذيمة. لأنهم مسلمون ولأن قتلهم كان عن طريق الخطأ في الاجتهاد من القائد المسؤول خالد بن الوليد.
قال الواقدي: لما رجع خالد بن الوليد من هدم العزى إلى رسول الله - ﷺ - وهو مقيم بمكة، بعثه رسول الله - ﷺ - إلى بني جذيمة، وبعثه داعيًا لهم إلى الإسلام ولم يبعثه مقاتلًا فخرج في المسلمين من المجاهدين والأنصار وبنى سليم، فكانوا ثلاثمائة وخمسين رجلًا، فانتهى إليهم بأسفل مكة، فقيل لبنى جذيمة هذا خالد بن الوليد معه المسلمون. قالوا: ونحن قوم مسلمون، قد صلينا وصدقنا بمحمد، وبنينا المساجد وأذنا فيها. فانتهى إليهم خالد وقال:
_________________
(١) = الغميصا (معجم قبائل العرب) ج ١ ص ١٧٦.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٧٥.
[ ٩ / ٢٢ ]
الإِسلام. فقالوا: نحن مسلمون. قال: فما بال السلاح عليكم؟ قالوا: إن بيننا وبين قوم من العرب عداوة فخفنا أن تكونوا هم. فأخذنا السلاح لكى ندفع عن أنفسنا من خالف دين الإِسلام. قال: فضعوا السلاح فقال لهم رجل منهم يقال له جحدم: يا بني جذيمة، إنه والله خالد وما يطلب محمد من أحد أكثر من أن يقر بالإِسلام، ومخن مقرون بالإسلام، وهو خالد لا يريد بنا ما يراد بالمسلمين، وأنه ما يقدر مع السلاح إلا الإِسار، ثم بعد الإِسار السيف .. قالوا نذكرك الله، تسومنا. فأبى يلقى سيفه حتى كلموه جميعًا، فألقى سيفه وقالوا: إنا مسلمون والناس قد أسلموا، وفتح محمد مكة، فما نخاف من خالد؟ فقال: أما والله ليأخدنكم بما تعلمون من الأحقاد القديمة. فوضع القوم السلاح، ثم قال لهم خالد: استأسروا. فقال جحدم: يا قوم ما يريد من قوم مسلمين يستأسرون. إنما يريد ما يريد، فقد خالفتموني وعصيتم أمرى، وهو والله السيف، فاستأسر القوم، فأمر بعضهم يكتِّف بعضًا، فلما كتفوا دفع إلى كل رجل من المسلمين الرجل والرجلين، وباتوا في وثاق، فكانوا إذا جاء وقت الصلاة يكلمون المسلمين فيصلون ثم يربطون، فلما كان في السحر، والمسلمون قد اختلطوا بينهم، فقائل يقول: ما نريد بأسرهم، نذهب بهم إلى النبي - ﷺ -. وقائل يقول: ننظر هل يسمعون أو يطيعون، ونبلوهم ونخبرهم، والناس على هذين القولين، فلما كان في السحر نادى خالد بن الوليد: من كان معه أسير فليذافِّه - والمذافة الإجهاز عليه بالسيف - فأما بنو سليم فقتلوا كل من كان في أيديهم، وأما المهاجرون والأنصار فأرسلوا (أطلقوا) أساراهم.
وقد جرت مشادة بين القائد خالد بن الوليد وأحد كبار الأنصار - أبو أسيد الساعدى -، حين غضب خالد إذ أطلق الأنصار والمهاجرون أسراهم ولم يعدموهم. فقال أبو أسيد: اتق الله يا خالد والله ما كنا لنقتل قومًا مسلمين. قال خالد: وما يدريك؟ قال (أبو أسيد): نسمع إقرارهم بالإِسلام، وهذه المساجد بساحتهم.
وعند عودة خالد من ديار جذيمة - بعد الذي فعل - لامه كبار الصحابة، عبد الرحمن بن عوف وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان، وكان
[ ٩ / ٢٣ ]
يدافع عن نفسه مبررًا ما صنع.
إلا أن عمر بن الخطاب استطاع أن يكشف له أنه قد أخطأ في تصرفه، فاعترف خالد وطلب من عمر أن يذهب إلى رسول الله - ﷺ - ويطلب منه أن يستغفر له.
فقد قال عمر لخالد وهو يناقشه في الأمر-: ويحك يا خالد أخذت بني جذيمة بالذي كان من الجاهلية، أو ليس الإِسلام قد محا ما كان قبله في الجاهلية؟ فقال: يا أبا حفص، ما أخذتهم إلا بالحق، أغرت على قوم مشركين وامتنعوا فلم يكن لي بد من قتالهم إذ امتنعوا فأسرتهم، ثم حملتهم على السيف. فقال عمر أيُّ رجل تعلم عبد الله بن عمر؟ قال أعلمه والله رجلًا صالحًا، قال فهو أخبرني غير الذي أخبرتنى وكان معك في ذلك الجيش. قل خالد. فإني أستغفر الله وأتوب إليه. قال: فانكسر عنه عمر، وقال: ويحك إيت رسول الله يستغفر لك (١).
قالوا: فلما بلغ رسول الله - ﷺ - ما صنع خالد رفع يديه حتى رؤى بياض إبطيه، وهو يقول: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد، وقدم خالد بن الوليد والنبي - ﷺ - عاتب.
ثم إن النبي - ﷺ - بعد الذي بلغه، وبعد ما أثبتت التحقيقات خطأ خالد فيما صنع، قرر أن يدفع ديات قتلى بني جذيمة الذين أعدمهم خالد باعتبار أن قتلهم كان خطأ، فاستدعى علي بن أبي طالب وأعطاه مالًا. فقال: انطلق إلى بني جذيمة واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك. فَدَلَّهم ما أصاب خالد بن الوليد.
فخرج على بذلك المال حتى جاءهم، فشرع في دفع ديات قتلاهم، فلم يكف المال الذي اصطحبه معه، فاستزاد من رسول الله مالًا جديدًا ليكمل دفع حقوق بني جذيمة، حيث بعث أبا رافع إلى الرسول - ﷺ - يطلب منه مده بالمال فأجاب طلبه ودفع المال المطلوب إلى رافع، الذي عاد بدوره إلى على بديار بني جذيمة، فوَدَى (أي دفع دية) كل ما أصاب خالد حتى أنه
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٠ - ٨٨١.
[ ٩ / ٢٤ ]
ليدى لهم ميلغة (١) الكلب، حتى إذا لم يبقَ لهم شيء يطلبونه، بقى مع على بقية من المال. فقال علي: هذه بقية من المال لكم من رسول الله - ﷺ - مما أصاب مما لا يعلمه ولا تعلمونه. فأعطاهم ذلك المال، ثم انصرف إلى النبي - ﷺ - فأخبره (٢).
وكان النبي - ﷺ - قد استقرض المال الذي دفعه ديات وتعويضات لبني جذيمة. استقرضه، لأنه لم يكن لدى المسلمين مال عند فتح مكة .. قالوا: استقرض رسول الله - ﷺ - هذا المال من ثلاثة من كبار تجار مكة وهم حويطب بن عبد العزّى، وصفوان بن أمية، وعبد الله بن أبي ربيعة (٣).
حقيقة موقف خالد من قتل بني جذيمة
ليس هناك شك في أن القائد خالدًا قد أخطأ في قتله مَن قتل من بني جذيمة، ولو لم يكن قتلهم ومصادرة أموالهم خطأ ما دفع الرسول - ﷺ - لهم الديات والتعويضات. كما أن مما لا جدال فيه أن تصرف خالد الذي انتهى بقتل من قتل من بني جذيمة ناتج عن خطأ في الاجتهاد، فلم يقتلهم عن عمد وإصرار مع علمه أنهم مسلمون. بل حدث التباس في الأمر، فجرى قتلهم على اعتبار أنه أمر بالإغارة عليهم وانطلاقًا من الظن أنهم غير مسلمين. وهذه حقيقة يسندها أن النبي - ﷺ - دفع الديات عن القتلى لبنى جذيمة، ولو ثبت أن خالدًا قتلهم (مع تيقنه أنهم مسلمون) لنفذ فيه الرسول حكم القصاص، ولكن عنصر الخطأ الناتج عن الخطأ في الاجتهاد، لما كان موجودًا في القضية، اكتفى الرسول - ﷺ - بدفع ديات من قتل خالد من بني جذيمة. بل إن النبي - ﷺ - رضي بعد ذلك عن خالد بعد أن كان قد غضب عليه وأعرض عنه فترة من الزمن.
بل لقد جاء في بعض الروايات (صريحًا) أن خالدًا إنما قتل مَن قتل من بني جذيمة بعد أن امتنعوا منه واستعدوا لمقاتلته رغم إعطائهم مهلة كافية نهايتها صلاة العشاء.
_________________
(١) الميلغة: الإناء بلغ فيه الكلب.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٧٢ - ٧٣ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٠ - ٨٨١ - ٨٨٢.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٢.
[ ٩ / ٢٥ ]
فقد قال الواقدي: وحدثني سيف بن يعقوب بن عتبة عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن عبد الملك بن عبد الرحمن بن الحارث، قال: أمر رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد يغير علي بني كنانة إلا أن يسمع أذانًا أو يعلم إسلامًا، فخرج حتى انتهى إلى بني جذيمة فامتنعوا أشد الامتناع، وقاتلوا وتلبَّسوا السلاح، فانتظر بهم صلاة العصر والمغرب والعشاء، لا يسمع أذانًا، ثم حمل عليهم فقتل من قتل وأسر من أسر فادَّعوا بعد الإسلام.
قلت: بل مما يؤكد الالتباس في مشكلة بني خذيمة ؤان خالدًا أخطأ في قتلهم عن عدم سوء نية ما جاء في صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٠٣ من رواية الزهري عن سالم عن أبيه قال: بعث النبي - ﷺ - خالد بن الوليد إلى بني جذيمة، فدعاهم إلى الإسلام، فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا، صبأنا، صبأنا. فجعل خالد يقتل نهم ويأسر، ودفع إلى كل رجل منا أسيره حتى إذا كان يوم أمر خالد أن يقتل كل رجل منا أسيره، فقلت: والله لا أقتل أسرى، ولا يقتل رجل من أصحابي أسيره، حتى قدمنا على النبي - ﷺ - فذكرناه فرفع النبي - ﷺ - يده فقال: اللهم إني أبرأ إليك مما صنع خالد مرتين.
وقال بعض من يعذر خالدًا: إن خالدًا قال - لا وجه إليه اللوم - ما قاتلت حتى أمرني بذلك عبد الله بن حذافة السهمى (١) وقال: إن رسول الله - ﷺ - قد أمرك أن تقاتلهم لامتناعهم عن الإسلام (٢).
وجاء في كتب السيرة أن النبي - ﷺ - لما بلغه ما حدث لبنى جذيمة على يد خالد سأل رجلًا ممن انفلت من الجيش بالخبر: هل أنكر عليه (أي خالد) أحد فقال: نعم، قد أنكر عليه رجل أبيض ربعة، فنهمه خالد فسكت عنه. وأنكر عليه رجل آخر طويل مضطرب، فراجعه، فاشتدت مراجعتهما. فقال عمر بن الخطاب: أما الأول يا رسول الله فابنى عبد الله، وأما الآخر فسالم مولى أبي حذيفة (٣).
_________________
(١) انظر ترجمته (في كتابنا صلح الحديبية).
(٢) سيرة ابن هشام ج ٧٣٤.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٧٢.
[ ٩ / ٢٦ ]
الرسول يرضى عن خالد بعد أن غضب عليه
وقد جرت مشادة (في مجلس الرسول - ﷺ -) بين خالد وبعض السابقين الأولين في الإِسلام مثل عبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر .. حول ما صنع خالد ببنى جذيمة، وكان خالد قد غالط عبد الرحمن بن عوف في الكلام فبلغ الرسول - ﷺ - ذلك فقال حديثه المشهور: "يا خالد ذروا لي أصحابي متى يُنكَ أنف الرء يُنكَ، لو كان أُحد ذهبًا تنفقه قيراطًا قيراطًا في سبيل الله لم تدرك غَدوة أو رَوحة من عدوات أو روحات عبد الرحمن بن عوف .. وفي حق عمّار بن ياسر. قال رسول الله - ﷺ -: "صه يا خالد لا تقع بأبي اليقظان، فإنه مَن يعادِه يعاده الله، ومن يبغضه يبغضه الله، ومن يسفهه يسفهه الله" (١).
وقد ذكر المؤرخون أن خالد بن الوليد اعتذر لعبد الرحمن بن عوف عما بدر منه وطلب منه الصفح فقد مشى عثمان بخالد إلى عبد الرحمن بن عوف فاعتذر إليه حتى رضي عنه فقال: استغفر لي يا أبا محمد (٢).
غير أن الرسول - ﷺ - إذا كان قد نهى خالدًا عن التعرض للسابقين الأولين مثل عبد الرحمن بن عوف وعمار بن ياسر، فإن الرسول كذلك نهى الجميع عن سب خالد والتعرض له .. فقد روى الواقدي عن عبد الله بن جعفر عن عثمان بن محمد بن الأخنسي عن عبد الملك بن أبي بكر بن عبد الرحمن، قال: قال رسول الله - ﷺ -: لا تسبُّوا خالد بن الوليد فإنما هو سيف من سيوف الله سلّه الله على المشركين (٣).
وقد رضي الرسول - ﷺ - عن خالد بن الوليد (بعد عتبه وعضبه عليه) وكرر الثناء عليه. فقد روي عن أبي الأحوص عن النبي - ﷺ - أنه قال: نَعِم عبد الله خالد بن الوليد وأخو العشيرة، وسيف من سيوف الله، سله على الكفار والمنافقين. كما أن الرسول - ﷺ - بعد قدوم علي بن أبي طالب من مهمته التي دفع فيها ديات قتلى بني جذيمة. رضي عن خالد وأقبل عليه (بعد أن
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٠ - ٨٨١.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨١.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٣.
[ ٩ / ٢٧ ]
ترضّاه خالد)، وما زال خالد عند الرسول - ﷺ - من علية أصحابه حتى توفى الرسول - ﷺ - (١).
ولا أدل على أن مكانة القائد خالد بن الوليد ظلت على ما كانت عليه لدى الرسول - ﷺ - من أنه - ﷺ - جعل خالدًا على مقدمة الجيش عندما تحرك به إلى حنين. فخاض معه (وهو على مقدمة جيشه من الفرسان) تلك المعركة الحاسمة.
وقال الواقدي: ولقد كان (أي خالد) المقدّم حتى مات. ولقد خرج معه - ﷺ - بعد ذلك إلى حنين على مقدّمته، وإلى تبوك، وبعثه رسول الله - ﷺ - إلى أكيدر، ودومة الجندل فسبى من سبى، ثم صالحهم. ولقد بعثه رسول الله - ﷺ - إلى بلحارث بن كعب إلى نجران أميرًا وداعيًا إلى الله. ولقد خرج في حجة الوداع مع رسول الله - ﷺ -، فلما حلق رسول الله - ﷺ - رأسه أعطاه ناصيته، فكانت في مقدمة قلنسوته، فكان لا يلقى أحدًا إلا هزمه الله تعالى، ولقد قاتل يوم اليرموك فوقعت فجعل يقول: القلنسوة .. القلنسوة. فقيل بعد ذلك يا أبا سليمان .. عجبًا لطلبك القلنسوة وأنت في حومة القتال. فقال: إن فيها ناصية النبي - ﷺ -، ولم ألق بها أحدًا إلا وليَّ.
ولقد توفى خالد يوم توفى وهو مجاهد في سبيل الله، وقره بحمص. قال الواقدي: فأخبرنى مَن غسله وحضر موته، ونظر إلى ما تحت ثيابه، ما فيه مصح، ما بين ضربة بسيف أو طعنة برمح أو رمية بسهم. لقد كان عمر بن الخطاب، الذي بينه وبينه ليس بذلث، ثم يذكره فيترحم عليه ويتندم على ما كان صنع في أمره، ويقول: سيف من سيوف الله تعالى. ولقد نزل رسول الله - ﷺ - حين هبط من لفت (٢) في حجته، ومعه رجل، فقال رسول الله - ﷺ -: من هذا؟ فقال الرجل: فلان. فقال: بئس عبد الله فلان. ثم طلع آخر. فقال: من الرجل؟ فقال: فلان. فقال: بئس فلان عبد الله. ثم طلع خالد بن الولد فقال: من هذا؟ قال: خالد بن الوليد. فقال: نعم عبد الله خالد بن الوليد (٣).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٣.
(٢) لفت. قال في معجم البلدان ج ٧ ص ٣٣٣: ثنية بين مكة والمدينة.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٣ - ٨٨٤.
[ ٩ / ٢٨ ]
الفصل الثاني
• من هم هوازن؟
• هوازن تشعر بالخطر بعد استيلاء المسلمين على مكة.
• الاستنفار العام بين عشائر هوازن لحرب المسلمين.
• هوازن تفكر في إخراج المسلمين من مكة.
• هوازن تحشد عشرين ألف مقاتل لغزو المسلمين.
• هوازن تنصب مالك بن عوف النصرى ملكًا عليها وقائدًا عامًا لجشها.
• الخطأ القاتل في استراتيجية قائد هوازن.
• قائد هوازن يأمر باصطحاب النساء والأطفال والأموال مع الجيش.
• دريد بن الصّمَّة المعمِّر ينتقد استراتيجية مالك بن عوف.
• استخبارات الرسول - ﷺ - في معسكرات هوازن.
• تحرك الجيش الهوازنى صوب مكة.
• هوازن تعسكر في وادي حنين قبل المسلمين.
[ ٩ / ٢٩ ]
من هم هوازن؟
قبل الدخول في تفاصيل معركة حنين يحسن بنا إعطاء القارئ الكريم لمحة عن نسب وتاريخ هوازن.
يُجمع المؤرخون وأصحاب المعاجم أن هوازن من أعظم القبائل أكثرها
خطرًا في الجزيرة العربية. فهي قبيلة مضرية عدنانية، وهي تنتسب إلى قيس
عيلان. وتعتبر أهم بطونها.
فهي تنتسب إلى هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان.
لهوازن أجنحة كثيرة جدًّا ومن أهم هذه الأجنحة (ثقيف سكان الطائف وما حواليها) كعب وكلاب وبنو هلال وبنو عامر بن صعصعة وبنو جُشَم عشيرة (دريد بن الصمّة) وبنو نصر (قوم مالك بن عوف).
وتجمع هوازن أجرام رئيسية ثلاثة كلهم لبكر بن هوازن، وهم: بنو سعيد بن بكر، وبنو معاوية بن بكر، وبنو منبّه بن بكر.
وهوازن من حيث القوة والعدد يضاهون قبائل غطفان النجدية الشهيرة والتي حاربت الرسول - ﷺ - في عدة مواطن، وحاصرت المدينة مع قريش عام الأحزاب.
أما مواطن هوازن فهم يحتلون مسافات شاسعة في الجزيرة العربية حتى إنهم لكثرة عشائرهم وبطونهم يشتركون في سكنى نجد والحجاز، حيث تمتد منازلهم من وادي حنين قرب مكة حتى توغل في جنوب نجد الغربي مما يلي اليمن. فهوازن قبيلة نجدية حجازية.
كانت هوازن قبيلة شرسة محاربة في الجاهلية، ولها حروب كثيرة مع جيرانها من القبائل المختلفة، ومع بعضها البعض، كما هي أساليب الحياة السائدة في الجاهلية قبل الإِسلام.
فمثلًا ثقيف تُعتبر من أهم أجنحة هوازن، أنها من نسل أحد الأجرام الرئيسية لهوازن، ثقيف هذه دارت بينها وبين بقية قبائل هوازن في الجاهلية معركة تاريخية، تسمى معركة أنتان، وذلك لكثرة جثث القتلى التي تركت في
[ ٩ / ٣٠ ]
الميدان حتى أنتنت، وهذه المعركة دارت بين ثقيف وهوازن بالقرب من الطائف.
كما حاربت هوازن في الجاهلية كنانة وانتصرت عليها، وكنانة قبيلة عظيمة تقع في الحجاز على محور يدور بين قريش وسُليم وخزاعة وهوازن. وكانت كنانة حليفة لقريش. وكان اليوم الذي دارت فيه المعركة بين كنانة وهوازن يسمى يوم شمظة.
كذلك في الجاهلية حاربت هوازن بني الحارث بن كعب وهي من أعظم القبائل القحطانية الساكنة بنجران وما حواليها.
هوازن وحروب الفِجَار
ولعل أشهر حروب هوازن في الجاهلية هي حروب الفجار (١) وكانت الحروب كلها بين هوازن من جهة وبن كنانة وقريش من جهة ثانية.
وكانت هذه الحروب أربع كلها تقع في الأشهر الحُرمُ حيث يجتمع العرب في سوق عكاظ. وكانت أخطر هذه الحروب وأشدها ضراوة حروب الفِجار الرابعة التي استمرت عدة سنوات وقتل فيها مجموعة هائلة من شيوخ وسادات الفريقين. ونحن نذكر باختصار هذه الفِجارات الأربع:
الفجار الأول: وسببه أن رجلًا من غفار ثم من بني كنانة يقال له بدر بن معشر، كان قد حضر سوق عكاظ، وكان متكبرًا ويتحرش بالناس ويتحداهم، وكان قد اتخذ مجلسًا وبسط فيه رجليه وينادى: أنا أعزّ العرب، فمن زعم أنه أعز منى فليضرب هامتى بالسيف. فمر به رجل من بني نصر من هوازن يقال له الأحمر بن مازن بن أوس، فتحداه وضربه بالسيف فبتر رجله. وكادت الحرب الشاملة تنشب بين الفريقين إلا أن العقلاء تداركوا الأمر، واصطلحوا فيما بينهم.
_________________
(١) سميت هذه الحروب باسم حروب الفجار. بمعنى المفاجرة، مثل القتال والمقاتلة، وذلك أن القوم تحاربوا في الأشهر الحرم، ففجروا فيها، ولذلك سموا الفجار.
[ ٩ / ٣١ ]
الفجار الثاني: وسببه أن فتية من قريش وكنانة تحرشوا في سوق عكاظ بامرأة من هوازن من بني عامر بن صعصعة ونالوها بإهانة. فغضبت لذلك هوازن ودارت الحرب بين الفريقين، ولكن حرب بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف سيد قريش، نجح في إيقاف هذه الحرب حيث اعتذر لهوازن باسم قريش عما بدر من فتيانها حيال المرأة العامرية ثم دفع ديات قتلى هوازن ولم يحسب قتلى قريش وكنانة فرضيت هوازن.
الفجار الثالث: وكان سببه أن رجلًا من بني جشَم من هوازن له دين على رجل من بني كنانة، فماطله طويلًا، فلما أعياه عمد أبي التشهير به في سوق عكاظ، حيث أخذ قردًا ثم صار يطوف على القبائل مناديًا: من يبيعنى مثل هذا الرُّباح بما لي على فلان بن فلان الكناني، فلما طال بذلك نداؤه وتعييره به كنانة، مر به رجل من بني كنانة فضرب القرد بسيفه فقتله، فتداعى الفريقان للحرب، إلا أن العقلاء من الفريقين حجزوا بينهم، وقالوا: أفي قرد تريقون دماءكم. ثم حسم الموقف عبد الله بن جدعان كريم قريش المشهور، وضمن للهوازنى ماله الذي له على الكناني ودفعه إليه. وانتهت المشكلة.
الفجار الرابع: وهو أخطر الفجارات الأربع حيث بسببه دارت بين هوازن من جهة وبين قريش وكنانة من جهة ثانية خمس حروب طاحنة سقط فيها عدد هائل من الضحايا من الفريقين .. ولم تتوقف هذه الحروب إلا بعد أن شعر الفريقان بالدمار، فأجروا فيما بينهم مفاوضات انتهت بالصلح.
أما سبب هذه الحروب والمشهورة بكرب الفجار. والتي كان بين بدايتها وبين مبعث النبي - ﷺ - ست وعشرون سنة (١)، هو أن رجلًا من بني ضِمرة بن بكر من كنانة، كان سكيّرًا مدمنًا وفاسقًا، اسمه البرَّاض بن قيس بن رافع، فخلعه قومه وتبرأوا منه لسوء سلوكه. فلجأ إلى قريش في مكة، وحالف حرب بن أمية بن عبد شمس، فأحسن إليه، ولكن البكرى (البرَّاض) الخليع عاد سيرته الأولى فسكر وعربد في مكة، فهمَّ حرب بن أمية أن يخلعه ويتبرأ من حلفه. ولكن البراض رجا حرب بن أمية أن لا يفعل، وأن
_________________
(١) الأغانى ج ١٩ ص ٧٥ طبعة بولاق.
[ ٩ / ٣٢ ]
يبقيه على حلفه، شريطة أن يغادر مكة. وفعلًا خرج من مكة ولحق بالملك النعمان بن المنذر بالحيرة في العراق فأقام عنده وهو على حلفه مع حرب بن أمية.
سوق عكاظ هي السبب
كانت سوق عكاظ من أشهر الأسواق بين العرب لا في الجزيرة العربية وحدها، بل في الشرق الأدنى كله، وكانت هذه السوق تبدأ بأول ذي القعدة من كل عام ولا تزال قائمة يبيع الناس ويشترون فيها ويتعاكظون إلى أن يحضر الحج. وعكاظ تقع ما بين نخلة (وادي اليمانية والطائف). فهي (أصلًا) في ديار هوازن.
وكان الملك النعمان بن المنذر يغتنم فرصة سوق عكاظ فيبعث من كل سنة قوافل محملة بمختلف السلع والبضائع إلى هذه السوق، لتباع هذه البضائع والسلع، ويُشترى بثمنها من منتوجات البلاد العربية، وبضائع أخرى مما يرد إلى سوق عكاظ.
وفي تلك السنة التي نشنبت فيها حرب الفجار، أوقر الملك النعمان قافلة كبيرة من الجمال بمختلف السلع والبضائع، وقرر أن يبعث بها (كالمعتاد) إلى سوق عكاظ، وبحث عمن يجيرها في بلاد العرب حتى تعود من عكاظ إلى الحيرة. فقال البراض أنا أجيرها. فقال له النعمان (وكان يعرف أنه خليع وأنه ليس من قيس): إنما أريد رجلًا يجيرها على أهل نجد. فقال عروة الرحال ابن عتبة بن جعفر بن كلاب (وهو من هوازن): أنا أجيرها أبيت اللعن. فقال له البراض (وهو من كنانة): أتجيرها على كنانة؟ قال: نعم وعلى الخلق كله، أفكلب خليع يجيرها؟ يعرّض بالبراض بن قيس. وكان عروة الرحال في أعز قبيلة نجدية هوازنية، وهي بنو عامر بن صعصعة. فقبل الملك النعمان بجوار عروة، فشخص عروة بقافلة الملك النعمان، فاجتاز بها حدود الجزيرة العربية. وكان البراض بن قيس يتعقب عروة الرحال، فيعرف عروة ذلك فلا يخشاه.
وحتى إذا ما تخطى عروة بالقافلة أكثر بلاد نجد، وفي مكان من أرض
[ ٩ / ٣٣ ]
غطفان يقال له (تيمن) وهو قريب من خيبر، نام عروة الرحال في ظل شجرة، فاغتنمها البراض بن قيس فرصة فوثب على عروة في الشهر الحرام وقتله. ثم استولى على القافلة واستاقها وما تحمل من أموال تابعة للملك النعمان وقصد بها مكة.
وفي الوقت الذي قتل فيه البراض بن قيس الكنانى عروة الرحال الهوازنى، كانت سوق عكاظ قائمة وذلك في الشهر الحرام وهو شهر ذي القعدة الذي يأمن فيه العرب، كل العرب، بعضهم بعضًا مهما كانت بينهم من دماء. وكان البراض، كما قلنا، كنانيًا وحليفًا لقريش، وكانت قريش وكنانة متواجدتان في سوق عكاظ التي هي في أرض هوازن، فخشى البراض، بعد أن ارتكب فعلته، أن يبلغ الخبر هوازن فتقتل برجلها عروة رجلًا عظيمًا من قريش أو كنانة، فاستأجر البراض رجلًا وكلفه، بعد أن أجزل له العطاء من الإِبل، بأن يبلغ حليفه حرب بن أمية بن عبد شمس، وعبد الله بن جدعان، وهشامًا والولد ابنَى الغيرة بأنه قد قتل عروة الرحال لينسحبوا مع سائر قريش وكنانة من عكاظ قبل أن يبلغ قيسا عيلان الخبر فيقتلوا به عظيمًا من قريش. فقال المستأجَر للبراض: وما يؤمنك أن تكون أنت ذلك القتيل؟ قال: إن هوازن لا ترضى أن تقتل بسيدها رجلًا خليعًا طريدًا من بني ضمرة (يعني نفسه).
وفي الحال وقبل أن يصل خبر الحادث الفظيع هوازن - تبلَّغت قريش وكنانة الخبر فكتموه لئلا تفتك بهم هوازن في عكاظ، فقرروا الانسحاب منها خلسة.
ولما كان الوقت في الشهر الحرام والناس آمنون بعضهم بعضًا، دفع العرب كلهم أسلحتهم إلى عبد الله بن جدعان القرشي وديعة حتى يفرغوا من أسواقفم وحجهم ثم يردها عليهم، وتلك عادتهم من كل سنة.
المعركة الأولى من الفجار الرابع
فقد كان عبد الله بن جدعان من أرفع قريش بل من أرفع العرب قدرًا، وكان سيدًا عاقلًا حكممًا وواسع الثراء، فجاءه حرب بن أمية حليف
[ ٩ / ٣٤ ]
البراض القاتل. وطلب منه أن يمنع عن هوازن سلاحها المؤمن لديه، كى يسهل على قريش وكنانة التغلب على هوازن، إذا ما نشبت الحرب بينهما، فغضب عبد الله بن جدعان وقال لحرب بن أمية: أبالغدر تأمرنى؟ والله لو أعلم أنه لا يبقى منها سيف إلا ضربت به ولا رمح إلا طعنت به ما أمسكت منها شيئًا، ثم نادى منادى ابن جدعان في عكاظ من كان له سلاح قِبَلى فليأت وليأخذه فأخذ الناس جميعًا أسلحتهم، وانسحبت قريش وكنانة من عكاظ خلسة، وبعد انسحابهم وهم لمَّا يزالوا في الطريق خارج الحرم أرسل عبد الله بن جدعان وحرب بن أمية وبقية سادات قريش يبلغون هوازن سبب خروجهم المفاجئ من عكاظ وأنهم يخشون الاشتباك المسلح وتفاقم الأمر في السوق حيث تحضره عامة العرب، وبلغ هوازن آخر النهار قتل البراض عروة، فقال سيد هوازن بعكاظ، أبو البراء: خدعنى حرب وابن جدعان، وركب فيمن حضر عكاظ من هوازن وجدُّوا على متون الخيل في أثر قريش، فأدركوهم بوادى نخلة فاقتتلوا وتدرجَت قريش في الانسحاب وهي تقاتل حتى دخلوا الحرم وجنَّ عليهم الليل، فكفت هوازن عن ملاحقتهم تهيبًا من إجراء القتال في الحرم، ولكنهم اتَّعَدوا عكاظًا من العام القادم للقتال.
المعركة الثانية من الفجار الرابع
واستعد الفريقان للمعركة الثانية ولم يتحرَّجوا أن تكون في الشهر الحرام فأوعبت قريش وكنانة كما احتشدت كل قبائل هوازن ما عدا كعب وكلاب، وسبقت هوازن إلى سمطة من عكاظ، وجاءت قريش وكنانة فالتقى الفريقان ودارت المعركة رهيبة بين الفريقين، وكان النصر في المرحلة الأولى من المعركة لقريش وكنانة غير أن هوازن تذامروا وصبروا، فاستحرّ القتل في قريش، فساندتهم كنانة ولكن الهزيمة كانت من نصيبهم آخر الأمر حيث انسحبوا إلى جبل يقال له: رخما.
المعركة الثالثة من الفجار الرابع
وبعد مضى سنة التقى الفريقان بعكاظ في مكان يمال له: العَبلاء فاقتتلوا قتالًا ضاريًا وكان النصر في هذه المعركة حليف هوازن على كنانة وقرش. فقال
[ ٩ / ٣٥ ]
في ذلك شاعر هوازن:
ألم يبلغك ما قالت قريش وحيّ بني كنانة إذ أثيروا
دهمناهم بأرعنَ مُكْفَرٍّ فظل لنا بعقوتهم زئير
نقوِّم مارنَ الخطِّي فيهم يجئ على أسنتنا الزئير
وانسحبت كنانة وقريش بعد أن نزلت بهم الهزيمة.
المعركة الرابعة من الفجار الرابع
وقد تأثرت قريش بالهزيمة في العبلاء فاستعدت للمعركة القادمة أضخم استعداد، حتى أن عبد الله بن جدعان وحده جهز ألف مقاتل من كنانة على ألف بعير من ماله الخاص، وخشيت قريش أن تغلبها هوازن كما في يوم العبلاء. فوطن رجالها أنفسهم على الموت، وعلى مدار الحول التقى الفريقان من جديد بعكاظ في الشهر الحرام، ؤلبتت قريش ذلك اليوم ثباتًا عطمًا حتى إن إخوة ثلاثة وهم حرب وسفيان وأبو سفين أبناء أمية بن عبد شمس قيدوا أنفسهم وقالوا لا نبرح حتى نموت مكاننا.
ودارت المعركة رهيبة صارية وصبر الفريقان صبرًا عطمًا وأوجع القتل بني كنانة فهموا بالانهزام، ولكن قريشًا حافظت أشد الحفاظ على مواقعها فخجل بنو كنانة (بعد أن قرروا الهرب) وصبروا، فاستعرَّت المعركة بضراوة من جديد، وحملت قريش وكنانة حملة شديدة على هوازن، فشرعت بعض عشائر هوازن في الهزيمة وانهزمت كلها إلا بني نصر فصبروا وعقل قائدهم سبيع بن أبي ربيعة نفسه كى تخجل هوازن، ونادى يا آل هوازن وكررها، ولكن الهزيمة كانت أكبر من أن يسمع فيها أحد صوت سبيع.
امرأة من قريش تجير هوازن
وركبت قريش وكنانة هوازن تقتل فيهم وتأسر، وكان مسعود بن معتَّب الثقفى، والد عروة بن مسعود قد ضرب على امرأته القرشية، سبيعة بنت عبد شمس بن عبد مناف خباء في عكاظ. وقال لها: من دخله من قومك قريش هو آمن. فأخذت توسَّع في خبائها ليتسع لأكبر عدد ممكن من الناس، فقال لها زوجها مسحود: لا يتجاوزنى خباؤك، فإني لا أضمن حياة إلا من
[ ٩ / ٣٦ ]
أحاط به الخباء، فأغضبها قوله، وقالت له (ساخرة): أما والله إني لأظن أنك ستودّ أن لو زدت في توسعته.
فلما انهزمت هوازن دخل رجال من هوازن خباءها مستجيرين بها من القتل. فاستدعت ابن أخيها حرب بن أمية. فقال لها يا عمة: من تمسك بأطناب خبائك أو دار حوله فهو آمن، فنادت بذلك في هوازن وقيس حتى كثروا جدًّا - حيث لم يبق أحد منهم لا نجاة عنده إلا دار بخبائها، فقيل لذلك الموضع: مدار قيس (وهي قيس عيلان التي منها هوازن وكان يضرب به المثل فتغضب قيس منه) ولما انهزمت قيس عيلان خرج مسعود بن معتب هاربًا إلى زوجته ربيعة بنت عبد شمس، فجعل أنفه في صدرها، وقال: أنا بالله وبك فقالت: كلا زعمت أنك ستملأ بيتي من أسرى قومى، اجلس فأنت آمن.
المعركة الخامسة من الفجار الرابع
ثم نشبت بين الفريقين المعركة الخامسة، وقد دارت بعكاظ أيضًا وفي الشهر الحرام، وهذه المعركة سمِّيت (يوم الحريرة) وهي حرَّة إلى جانب عكاظ، وكانت المعركة شديدة أيضًا، واستحر القتل في صفوف الفريقين إلا أن الدائرة دارت على كنانة قريش فانهزموا، وكان القتل في كنانة وقريش أكثر في هذه المعركة، إلا أن عقلاء الفريقين أدركوا أن هذه الحرب لن تنتهي حتى يتفانى الفريقان، فعقدوا بينهم هدنة مؤقتة للتفاوض، وتفاوض زعماء الفريقين فعلًا، واتفقوا على الصلح، وذلك بأن يُحصى قتلى الفريقين ثم تدفع ديات عدد القتلى الزيادة إلى الفريق الذي يكونون فيه، فاتفقوا على ذلك، ولكى ينجح الصلح وتنتهي الحرب إلى الأبد، قدَّم كل من المتحاربين رهينة حتى تدفع ديات القتلى الزيادة.
فرهن حرب بن أمية ابنه أبا سفيان عن قريش، ورهن الحرث بن كلدة الثقفى عن هوازن ابنه النضر، ورهن سفيان بن عوف عن كنانة ابنه الحرث، حتى أُحصى قتلى الفريقين ودفعت ديات القتلى الزيادة وكانوا عشرين قتيلًا، تزعم هوازن أنهم من قريش وكنانة، وتزعم كنانة أنهم من هوازن. وبهذا
[ ٩ / ٣٧ ]
الصلح انتهت تلك الحروب الضارية التي خاضها الفريقان وارتكبوها في الأشهر الحرم التي أجمع العرب منذ آلاف السنين على تحريم سفك الدم فيها مهما كانت المبررات، ولذلك سميت (حرب الفِجار)، ومن الشخصيات البارزة التي قتلت في هذه المعارك .. من قريش أبو سفيان بن أمية بن عبد شمس عم أبي سفيان بن حرب، والعوام بن خويلد أبو الزبير بن العوام، وأخوه حزام بن خويلد، وأحيحة بن أبي أحيحة العبشمى ومعمَّر بن حبيب الجُمَحى، كما جرح حرب بن أمية أبو أبي سفيان بن حرب.
ومن هوازن قتل (الصمّة) أبو دريد بن الصمّة الشاعر والفارس المشهور. ويذكر المؤرخون أن الرسول - ﷺ - شهد حروب الفجار وهو دون العشرين وكان يناول أعمامه وأهله النبل في القتال، ويقال: إنه - ﷺ - طعن أبا براء ملاعب الأسنة، وسئل - ﷺ - عن مشهده يومئذ فقال: ما سرنى أنى أشهده، إنهم تعدوا على قومى، عرضوا عليهم أن يدفعوا البراض صاجهم فأبوا (١) هذه هي خلاصة حرب الفجار بين هوازن وقريش.
نظرة العرب إلى قريش
كان العرب الوثنيون ينظرون إلى قريش نظرة تهيب مشوبة بالكثير من التبجيل والإكبار، باعتبارها من الناحية الدينية سادنة الكعبة (البيت المعظم عند كافة العرب) الختصة دون سائر العرب بحراسة الحرم وسقاية الحاج واستضافته.
فهي من الناحية الدينية الأب الروحى لجميع قبائل العرب الوثنية.
هذا من جهة، ومن جهة أخرى، ينظر العرب الوثنيون إلى قريش نفس النظرة، باعتبارها النموذج الوحيد للوحدة والتماسك واتحاد الكلمة.
حيث كانت الجيل الوحيد بين العرب الذي يعيش (رغم تعدد عشائره) في ظل وحدة سياسية، وترابط اجتماعى مكين، ووحدة عسكرية متماسكة كل التماسك. كل ذلك تحت قيادة جماعية منسقة وموزعة توزيعًا محكمًا يدل على عراقة في السياسة وبعد النظر وحظ وافر في التحضر والوعى بالقياس إلى بقية قبائل
_________________
(١) انظر سيرة ابن هشام ج ١ ص ١٩٥ والأغانى ج ١٩ ص ٧٣ وما بعدها طبعة بولاق.
[ ٩ / ٣٨ ]
العرب الأخرى، التي تعيش كلها في أنظمة تحكمها الفوضى ولا شيء غير الفوضى.
دستور غير مكتوب
وقد كانت قريش تعيش هذه الحالة الفريدة المميزة لها على سائر العرب من حيث الموحدة والتماسك والتناسق، بموجب قواعد قديمة موغلة في القدم، اتفقت عليها العشائر القرشية منذ عهد قصى بن كلاب موحد كلمتها، وواضع أسس وحدتها.
وقد كانت القواعد التي تحكم المجتمع القرشي، المتحد في ظلها (عبر القرون) أشبه بالدستور الدائم المقدس (عندهم) غير المكتوب، وبهذا تكون قريش قد سبقت بريطانيا إلى اتخاذ دستور غير مكتوب تحترمه ولا تخرج على حدوده بأكثر من عشرين قرنًا.
فقد كانت جميع العرب في الجاهلية، لا توجد بينها أية مجموعة من عشائر أية قبيلة، استطاعت الوصول إلى ما وصلت إليه قريش من وحدة وتماسك واتحاد فيما يشبه الدولة ذات الكيان الواحد المماسك المترابط رغم الجو العشائرى الذي هو طابع حياتها.
أول برلمان عربي
فقد كانت قريش هي القبيلة الوحيدة من بين جميع القبائل الوثنية العربية التي لها (برلمان ومجلس شورى) له نوابه من نحتلف العشائر، يتشاور فيه هؤلاء النواب في الأمور الهامة التي تحتاج إلى بحث ودرس وتشاور، ويتخذون فيه القرارات الملزمة وهو (دار الندوة) التي أول من أسسها (فيما أذكر) قصى بن كلاب الجد الرابع للنبي - ﷺ -.
لذلك لم يكن طابع المجتمع القرشي الفوضى العشائرية، كما هي الحال عند سائر العرب، بل كانت قريش، بواسطة برلمانها (دار الندوة) تضبط أمورها في محيطها الوثنى، وتسيطر على النظام في المجتمع المكي سيطرة تامة، ويحل زعماؤها الأزمات الداخلية كلما نشبت بين بعض الجهات القرشية، أو بين بعض القرشيين وغيرهم.
[ ٩ / ٣٩ ]
فلا يسمحون بأن تتطور أية منازعات (مهما اشتدت) إلى حد الاقتتال كما هي الحال الشائعة في محيط مختلف القبائل العربية الوثنية الأخرى التي قد تنشب بينهم حرب ضروس من أجل ناقة أو حصان كما حدث في حربى داحس والغبراء بين عبس وذبيان، وحرب البسوس بين بكر وتغلب.
ولا أدل على هذه الحقيقة الحضارية (إن صحت هذه التسمية) التي تمتاز بها قريش من أنها لَمَّا اشتد الخلاث بين عشائرها حول أية عشيرة يحق لها أن ترفع الحجر الأسود إلى موضعه عند بناء الكعبة في الجاهلية، وبلغ شدة الخلاف إلى أن أصبحت على حافة حرب أهلية مدمرة، تراجع العقلاء من زعمائها المتخاصمين على حل حكيم يدل على رجاحة عقل وتمدن بعيد المدى، وهو أن يكون أول داخل من باب بني شيبة من أبناء قريش حكمًا في النزاع الخطير حول الحجر الأسود. فكان أول داخل محمد بن عبد الله الهاشمي قبل أن يتلقى الوحى من السماء، ففرح زعماء قريش واطمأنت نفوسهم لأن الحكم بينهم سيكون رجلًا تجمع قريش كلها على حبه واحترامه حتى أنها تسميه بالأمين، فحل النبي محمد - ﷺ - الخلاف وقضى على النزاع الخطير بتصرف دل على رجاحة عقل وبعد نظر لا مثيل لهما، حيث طلب إحضار ثوب وأمر بوضع الحجر الأسود فيه، ثم طلب رجلًا من كل قبيلة ليمسك بجانب من الثوب فيرفع الجميع الحجر الأسود إلى موضعه في الكعبة، وبهذا تكون قريش كلها قد اشتركت في رفع الحجر الأسود، وبهذا التصرف الحكيم اختفى شبح الحرب الأهلية التي كانت تهدد قريشًا بالفناء.
وقد حمدت قريش لمحمد - ﷺ - الذي كانوا يسمونه - قبل أن يدعوهم إلى التوحيد - بالأمين. حمدت له تصرفه الحكيم الذي أبعدها عن حافة حرب أهلية مدمرة كادت أن تقع فيها، وزادت منزلته سموًا حتى بعثه الله تعالى رسولًا فناصبوه العداء وحاربوه. وراموا قتله كما هو معلوم.
كما أنه لا أدل على تماسك المجتمع القرشي وتقدمهم على بقية الوثنيين العرب في مضمار التمدن من حلف الفضول الذي أقاموه والذي بموجب بنوده تعهد سادات قريش بأن لا يوجد مظلوم في مكة إلا أنصفوه من ظالمه كائنًا من
[ ٩ / ٤٠ ]
كان. هذا الحلف الذي أعجب به الرسول - ﷺ - وقال - بعد أن بعثه الله رسولًا - لو دعيت إلى مثله اليوم لأجبت أو كما قال (١).
من هنا ليس بغريب أن ينظر صائر العرب الوثنيين إلى قريش، وكأنها أهم قوة قادرة على الصمود (باسم الوثنية) في وجه دعوة التوحيد والتصدى للقوة العسكرية الإسلامية التي تدعمه، وأنها بتماسكها (أي قريش) وحسن تنطيمها وشدة انضباطها العسكري تستطيع - لا محالة - صد الغزو الذي تعرضت له عقب نقضها صلح الحديبية الذي كان قائمًا بينها وبين المسلمين الذين كانوا حتى يوم ذلك الصلح تنظر إليهم قريش لا كما تنظر إلى أمة ذات كيان، وإنما كعصابات من عصابات قطاع الطرق، رغم أن واقعهم من حيث السلوك والمعتقد يدل على أنهم كما وصفهم الله تعالى ﴿خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾.
وحتى اليوم الذي أطبقت فيه من هؤلاء المسلمين عشرة آلاف مقاتل على العاصمة المقدسة (مكة) كانت النظرة الخاطئة تلك إلى المسلمين لا تزال هي السائدة بين سادات مكة .. عبَّر عن هذه النظرة الخاطئة سيد قريش وقائد جيشها أبو سفيان بن حرب، حين قال للنبي - ﷺ - وهو يفاوضه في معسكره على مشارف مكة قبل دخولها: "يا محمد جئت بأوباش الناس من يُعرف ومن لا يُعرف إلى عشيرتك وأصلك" (٢).
ولهذا كان فزع العرب الوثنيين شديدًا عندما استسلمت قريش لقوات الجيش النبوي المسلحة، ودخلت عقب ذلك مكة ضمن دائرة نفوذ الحكم الإسلامي.
فقد اعتبر من تبقى على الوثنية من العرب - وأكثرهم مِنْ أهل الحجاز وأطراف نجد الغربية - اعتبروا سيطرة المسلمين على مكة وانتهاء كيان قريش الوثنى والسياسى والعسكري من أخطر الأحداث وأهمها على الإطلاق في جزيرة العرب.
_________________
(١) انظر تفاصيل حلف الفضول في موضعه من سيرة ابن هشام.
(٢) مغازي الواقدي ج ٢ ص ٨١٦.
[ ٩ / ٤١ ]
هوازن تشعر بالخطر وتحشد للصدام
وأحس هؤلاء الوثنيون (بدون استثناء) أن استسلام قريش للمسلمين، ووقوع مكة في قبضة القوات النبوية المسلحة، وإنشاء كيان إسلامي في مكة على أنقاض الكيان الوثنى، سيكون ذا أثر مصيرى فعال على مستقبلهم، وإن كيانهم الوثنى - بعد انكسار قريش الأم - أصبح في مهب العاصفة. لذلك صاروا يفكرون بمصيرهم بخوف شديد وهلع بالغ، جث لم يعد لهم مفر من أحد أمرين:
الدخول في دين التوحيد، دين الإِسلام.
أو الدخول في صدام مسلح مع المسلمين حفاظًا على كيانهم الوثنى.
وكانت أولى هذه القبائل الوثنية التي انتابها هذا الشعور، وأشغلها ذلك التفكر، هي قبائل (هوازن) وهي تمثل عدة قبائل عدنانية قوية كثيرة ذات قدرة قتالية ممتازة، ومن هذه القبائل (بنو هلال وثقيف وجشم وبنو سعد وبنو مالك وبنو كلاب وبنو عامر وبنو نصر وبنو الرباب) وأجرامهم الثلاثة الرئيسية التي تنحدر منها جميع أفخاذ هوازن ثلاثة - كلهم لبكر بن هوازن بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان - وهؤلاء الأجرام الرئيسية الثلاثة هم: بنو سعد بن بكر، وبنو معاوية بن بكر، وبنو منبه بن بكر.
وهم خلق كثير جدًّا، ويحتلون مناطق شاسعة في قلب الجزيرة العربية. حيث تمتد منازلهم من وادي حنين الواقع على بعد حوالي عشرين كيلو مترًا من مكة حتى بلاد نجد التي تحتل عشائرهم قسمًا كبيرًا منها مما يلي الحجاز واليمن. فهوازن قبائل مِنْ حيث الأصل عدنانية مضرية، ومن حيث الجغرافيا، حجازية نجدية.
كانت هوازن (بعد كنانة) أقرب القبائل العربية الوثنية إلى مواطن الخطر الداهم الذي أصبح يهدد الوثنية بالزوال، والمتمثل في الجيش النبوي الذي أصبح قريبًا جدًّا من ديار هوازن بعد سيطرته على مكة المكرمة.
[ ٩ / ٤٢ ]
عداوة هوازن للإِسلام
كانت هوازن -كما قلنا - أحد عدوين قويين رئيسيين ظلا على عداء للإسلام وفي حالة حرب معه، وهما هوازن وقريش.
أما قريش، فقد انتهى وجودها السيامى والعسكري والدينى الوثنى بوقوع عاصمتها مكة في أيدى القوات النبوية في العشرين من شهر رمضان عام ثمان للهجرة.
فبقيت (هوازن) وحدها في الميدان، القوة الرئيسية التي عليها أن تواجه الجيش النبوي، وكانت هوازن (كما ذكرنا) ذات قوة عظيمة، وكانت لعدائها للإِسلام ورغبتها في القضاء على قوته العسكرية لينهار من القواعد تعد العدة لمواجهة المسلمين من زمن بعيد يرجع إلى ما قبل فتح مكة.
فقد رأينا كيف أن طلائع الاستكشاف للجيش النبوي (وهو يزحف نحو مكة) ألقت القبض على جاسوس كان يرصد تحركات الجيش النبوي. اتضح على أثر استجواب الرسول - ﷺ - لهذا الجاسوس أنه كان يعمل لحساب (هوازن) بعثت به لينقل لها ما تحتاجه من معلومات عن المسلمين وعن قواتهم العسكرية والجهة التي يقصدونها بتحركاتهم (١).
فهوازن (إذن) كانت تستعد للصدام مع المسلمين حتى قبل أن تتم لهم السيطرة على مكة، بان ذلك واضحًا من بثها الأرصاد والجواسيس لرصد تحركات المسلمين.
المتعداد هوازن للزحف على مكة
وزاد هوازن إصرارًا على الصدام والدخول في معركة فاصلة مع المسلمين، أن وقعت العاصمة المقدسة مكة في قبضة قوات الجيش الإسلامي.
وبات من المؤكد لدى سادة هوازن الوثنيين أن دورهم في المواجهة الحربية مع المسلمين، لا بد أن يكون قريبًا.
وكانت هوازن مستعدة للصدام المسلح والمواجهة الحربية مع المسلمين قبل
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة هذا الجاسوس في كتابنا الثامن من هذه السلسلة (فتح مكة).
[ ٩ / ٤٣ ]
أن تتم السيطرة لهم على العاصمة المقدسة.
غير أن وقوع مكة في أيدى المسلمين ألهب نفوس الهوازنيين حنقًا مشوبًا بالخوف من قوة المسلمين التي باتت ترابط على مقربة من حدود ديارهم.
فزادوا من استعدادهم للحرب، وكانوا كما قلنا قبائل وبطونًا كثيرة تسكن مناطق شاسعة من قلب الجزيرة تتخللها جبال شاهقة ووديان سحيقة كلها مواقع استراتيجية تصلح للدفاع.
ولو أن هوازن تحصنت في بلادها وانتظرت وصول الجيش الإسلامي فتقاتله في أراضيها وبين ديارها، لكان ذلك أصلح لهوازن، وأصعب على جيش الإسلام.
وكانت هذه الفكرة من الناحية العسكرية التعبوية فكرة صائبة بالنسبة لهوازن، لأن تنفيذها يجعل مهمة الجيش الإِسلامي المكلف بإنهاء كل وجود وثنى في جزيرة العرب مهمة صعبة للغاية لأنه ليس من السهل (بل من الصعب جدًّا) على جيش الإسلام الصغير (نسبيًا) أن يقاتل عشرات الألوف من هوازن القبائل الشرسة المحاربة في قمم الجبال الشاهقة وبطون الوديان السحيقة وأمام الحصون المنيعة داخل أراضيهم.
هذه حقيقة من الناحية العسكرية لا غبار عليها، فالجيش الإِسلامي لا يزيد على اثنى عشر ألفًا، بينما المحاربون من قبائل هوازن سوف لا يقلون على أربعين ألفًا إذا ما ظلوا مرابطين في بلادهم المنيعة المحصنة، وعلى المسلمين أن ينازلوا هذا العدد الضخم من هؤلاء المحاربين ذوي القدرة القتالية الممتازة التي اشتهروا بها بين العرب، ومنازلتهم أمر صعب على المسلمين سيكلفهم غاليًا إذا ما اضطروا لمهاجة هوازن في ديارها، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار مناعة بلادهم وشدة تحصنهم فيها.
وسنرى فيما يأتي من هذا الكتاب، (إن شاء الله) كيف قاومت ثقيف الجيش النبوي (بعد انتصاره في معركة حنين الفاصلة) فلم يتمكن من التغلب على بطن واحد من هوازن، وهم (ثقيف) حيث لم يستطع اقتحام مواقعهم الحصينة التي اعتصموا بها في الطائف ففك الحصار عنهم الذي دام
[ ٩ / ٤٤ ]
حوالي عشرين يومًا، وانصرف عنهم راجعًا إلى المدينة دون أن يخضعهم، وظلوا غير خاضعين للإسلام حتى دخلوا فيه باختيارهم في السنة التاسعة للهجرة، بعد أن رأوا أنه لم يبق غيرهم في المنطقة خارجًا عن نطاق الإِسلام.
تنصيب مالك بن عوف قائدًا لهوازن
غير أنه لسوء حظ هوازن وحسن حظ المسلمين، أن ظهر بين هوازن شاب شجاع جرئ مقدام لا يهاب الموت، بلغت شجاعته إلى حد التهور والطيش، الذي جعله يجعل هوازن عرضة لهزيمة مدمرة لم ينزل مثلها في الفداحة بحي من العرب كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
هذا الشاب هو مالك بن عوف النصرى (أحد بني نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن) فقد انتزع من بين جميع عشائر هوازن القيادة، إذ بما امتاز به من شجاعة رفصاحة نصبته هوازن ملكًا عليها، وارتضته قائدًا أعلى لقواتها عقب تأزم الموقف بوقوع مكة في قبضة المسلمين.
فأخذ مالك بن عوف - بما يمتاز به من جرأة وفصاحة وشجاعة وتهوّر وإقدام يعشقه العرلى القبلى، أخذ يهيئ قبائل هوازن - التي استجاب له معظمها - يهيؤها لا للدفاع عن بلادها إذا ما تعرضت لهجوم المسلمين، بل أخذ يهيئ هذه القبائل ويعبئ شعورها ويحشد الآلاف من رجالها للزحف على مكة وإخراج المسلمين منها بقوة السلاح.
قال الطبري ج ٣ ص ٧٠ - ٧١: حدثنا ابن حميد، قال حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال لما سمعت هوازن برسول الله - ﷺ - وما فتح الله عليه من مكة، جمعها مالك بن عوف النصرى، واجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال، وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، ولم يشهدها منهم أحد له اسم، وفي بني جشم دريد بن الصمّة شيخ كبير، ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب. وكان شيخًا كبيرًا مجربًا، وفي ثقيف سيدان لهما في الأحلاف:
[ ٩ / ٤٥ ]
قارب بن الأسود بن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال وجاع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصرى.
أسلوب الواقدي في الرواية
وقال الواقدي في كتابه المغازي ج ٣ ص ٨٨٥ - ٨٨٦: حدثنا أبو عبد الله محمد بن شجاع الثلجى قال: حدثني الواقدي قال: حدثنا محمد بن عبد الله، وعبد الله بن جعفر، وابن أبي سبرة، ومحمد بن صالح، وأبو معشر، وابن أبي حبيبة، ومحمد بن يحيى بن سهل، وعبد الصمد بن محمد السعدي، ومعاذ بن محمد، وبكير بن مسمار، ويحيى بن عبد الله بن أبي قتادة، فكلّ قد حدثنا بطائفة، وغير هؤلاء، حدثنا ممن لم أُسَمِّ، أهل ثقة، فكل حدثنا بطائفة من هذا الحديث، وبعضهم أوعى له من بعض، وقد جمعت كل ما حدثونى به.
قالوا: لما فتح رسول الله - ﷺ - مكة مشت أشراف هوازن بعضها إلى بعض وثقيف بعضها إلى بعض، وحشدوا وبغوا وأظهروا أن قالوا: والله ما لاقى محمد قومًا يحسنون القتال، فأجمعوا أمركم فسيروا إليه قبل أن يسير إليكم. فأجمعت هوازن أمرها وجمعها مالك بن عوف - وهو يومئذ ابن ثلاثين سنة - وكان سيدًا فيها مسبلًا، يفعل في ماله ويحمد، فاجتمعت هوازن كلها، وكان في ثقيف سيدان لها يومئذ: قارب بن الأسود بن مسعود في الأحلاف، هو (الذي) قادها، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث - ويقال الأحمر بن الحارث - وهو الذي قادها مواليًا ثقيفًا، فأوعبت كلها مع هوازن - وقد أجمعوا المسير إلى محمد، فوجد ثقيفًا إلى ذلك سراعًا، فقالوا: قد كنا نهم بالمسير إليه ونكره أن يسير إلينا، ومع ذلك لو سار إلينا لوجد حصنًا حصينًا نقاتل دونه، وطعامًا كثيرًا، حتى نصيبه أو ينصرف، ولكنّا لا نريد ذلك، ونسير معكم ونكون يدًا واحدة. فخرجوا معهم.
قال غيلان بن سلمة الثقفى لبنيه، وهم عشرة: إني أريد أمرًا كائنة له أمور، لا يشهدها رجل منكم إلا على فرسه. فشهدها عشرة من ولده على
[ ٩ / ٤٦ ]
عشرة أفراس، فلما انهزموا بأوطاس هربوا، فدخلوا حصن الطائف فغلقوه. وقال كنانة بن عبد يا ليل: يا معشر ثقيف، إنكم تخرجون من حصونكم وتسيرون إلى رجل لا تدرون أيكون لكم أم عليكم، فمروا بحصنكم أن يُرَم ما رث منه، فإنكم لا تدرون لعلكم تحتاجون إليه. فأمروا به أن يصلح، وخلفوا على مرمّته رجلًا وساروا، وشهدها ناس من بني لم هلال ليسوا بكثير، ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب.
[ ٩ / ٤٧ ]
الفصل الثالث
• الرسول يتحرك من مكة إلى حنين.
• الرسول يقترض المال ويستعير السلاح من أهل مكة.
• عيوب الغرور والإِعجاب بالنفس.
• من رواسب الجاهلية؛ المطالبة بذات أنواط.
• استخبارات هوازن في المعسكر النبوي.
• أسلوب قائد هوازن في تعبئة جيشه.
• كيف عبَّأ الرسول جيشه.
• محاولة اغتيال الرسول - ﷺ - أثناء التحرك.
[ ٩ / ٤٩ ]
الحالة بين هوازن وقريش بعد ظهور الإسلام
لم تكن العلاقات بين قريش وبين هوازن علاقات حسنة، بل كانت علاقات أشبه ما تكون حالتها بحرب قبلية .. وذلك منذ حرب الفِجار، فليس هناك ود بين قريش وبين هوازن بل قطعة وتربص. ولهذا لم يكن هناك أي اتصال أو تنسيق بين قريش وبين هوازن، عندما بدأت نذر الغزو النبوي لمكة تلمح في الأفق.
ولكن عندما وقعت مكة في قبضة جيش التوحيد شعر قادة هوازن بحرارة خطر الوجود الإِسلامي تلفح وجوههم، فاستعد قائدهم الشاب مالك بن عوف للمواجهة وحشد عشرين ألف مقاتل، لا للدفاع عن بلاد هوازن، وإنما للزحف على مكة لضرب المسلمين وإخراج الجيش النبوي منها لتعود من جديد تحت سلطان الوثنية.
أسلوب قائد هوازن المتهور في التعبئة
وقد اتبع القائد الشاب مالك بن عوف في تعبئة هوازن أسلوبًا غريبًا متهورًا، لم يسلكه أحد قبله في المعارك الفاصلة التي نشبت في الجزيرة.
فبعد أن تم له حشد عشرين ألف مقاتل من مختلف قبائل هوازن، قرر أن يزحف بهم على مكة، والأسلوب الغريب المتهور الذي اتبعه قائد هوازن، هو أنه قرر أن يصحب كل جندى أو قائد في جيش هوازن نساءه وأطفاله وكل ما يملك من إبل وشاة وذهب وفضة.
وهدف القائد الشاب من وراء ذلك أن يعطى المقاتلين في جيشه مزيدًا من التصميم على القتال عندما يصطدم بالمسلمين، وأن يقطع على كل مقاتل في الجيش فكرة الفرار من أمام المسلمين عند اللقاء، على أساس الاعتقاد أنه من المستحيل على محارب أن يهرب من الميدان ويترك زوجته ونساءه وكل ما يملك يقع في قبضة أعدائه.
ذلك هو منطلق فهم القائد الشاب مالك بن عوف للوضع وهو يحشد جيشه ويرسم الخطط للمعركة الفاصلة مع المسلمين، وقد نسى، أو بالأحرى جهل (لعدم خبرته بالسياسة الحربية) أن المنهزم لا يرده شيء، كما قال
[ ٩ / ٥٠ ]
المحارب الشهير دريد بن الصمّة الجشمى ذلك لمالك بن عوف - وهو ينصحه بإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال ويلقى المسلمين متون الخيل -كما سيأتي فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
أول انشقاق في جيش هوازن
ورغم الحشد الكبير الذي حشده مالك بن عوف النصرى (عشرين ألفًا لغزو المسلمين في مكة) فإن شقاقًا خطيرًا قد حدث بين صفوف التجمع الوثنى الهوازني.
فقد عارضت قبيلتان طما وزنهما العسكري الكبير بين هوازن .. عارضت هاتان القبيلتان فكرة مالك بن عوف القائد العام، والقائلة بنقل المعركة إلى مكة ومحاربة المسلمين لإِخراجهم منها، وكانت معارضة هاتين القبيلتين (على ما يبدو) منطلقة من أن ترك هوازن لديارها وزحفها بقضها وقضيضها ونسائها وأطفالها وأموالها لمواجهة المسلمين خارج ديار هوازن، يحمل كل معاني التهور وعدم الحسبان للنتائج حيث يعرض هوازن لخطر مدمر لأن الحرب (أيّ حرب) غير مأمونة عواقبها، إذ لو حديث (وهو ما حدث بالفعل) وأن نزلت الهزيمة بهوازن فإنها ستكون هزيمة فاضحة فاضحة لا يمكن أن تقوم لهوازن بعدها قائمة، حيث سيقع نساؤها وأبناؤها وكل ما تملك غنيمة في أيدى المسلمين.
غير أن مالك بن عوف غلبه طيش الشباب فاصر على تنفيذ فكرته، وقرر الزحف (حسب الخطة المرسومة) على المسلمين في مكة.
وهكذا ولا لم يسمع صوت المعارضة بين هوازن والمتمثل في رجال قبيلتى (كعب (١) وكلاب (٢) وهما من بني عامر بن صعصعة) أعلنت هاتان
_________________
(١) كعب هؤلاء بطن عظيمة من هوازن، وهم بنو كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. وكان منهم من يقطن المنطقة الواقعة بين تهامة والمدينة وأرض الشام. قال في معجم قبائل العرب دخلت الشام منهم قبائل عقيل وقسر وحريش وجعدة فانقرض الثلاثة في دولة الإِسلام، ولم يبق إلا بنو عقيل، وكانوا بنجد عند مجئ الإِسلام، ودارهم الفلج وما أحاط به من البادية، كذا قال في "معجم ما استعجم".
(٢) كلاب هذه بطن عظيمة أيضًا من هوازن قال في معجم قبائل العرب: وهم أبناء كلاب بن ربيعة =
[ ٩ / ٥١ ]
القبيلتان رفض الانضمام إلى جيش هوازن الغازى، فحدث بذلك أول انشقاق خطير في جيش هوازن، لأن قبيلتى (كعب وكلاب) تعتبر من أهم الأجنحة العسكرية ذات القدرة القتالية والكثرة العددية بين قبائل هوازن. هذا ما شهد به الخبير العسكري المجرب (دريد بن الصمة) عندما تبلغ وهو في وادي حنين يجادل القائد العام مالك بن عوف حول الخطأ القاتل الذي ارتكبه باصطحاب الجيش نساءه وأطفاله وأمواله.
فقد سأل دريد بن الصمة (وهو ينصح مالك بن عوف بإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال):
- ما فعلت كعب وكلاب؟
قالوا: ليس في الجيش منهم أحد.
فقال: غاب الحد والجد، لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب، ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب (١).
وكان الذي منع كلابًا من حضور حنين مع هوازن، ابن أبي البراء. فقد روى الواقدي في مغازيه ج ٣ ص ٨٨٦ فقال: ولم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب، وقد كانت كلاب قريبة، فقيل لبعضهم: لم تركتها كلاب؟ فقال: أما والله إن كانت لقريبة، ولكن ابن أبي البراء مشى فنهاها عن الحضور فأطاعته، وقال: والله لو ناوأ محمدًا من بين المشرق والمغرب لظهر عليه.
ورغم انشقاق كعب وكلاب من صفوف التجمع الهوازني وتمردها على القائد العام مالك بن عوف بعدم انصياعها لأوامره وإعلانها عدم الانخراط في سلك جيشه، فإن قوة هوازن بقيت (من الناحية الحربية) قوة جبارة مرهوبه حيث انصاع عشرون ألف مقاتل من هوازن لقائدهم الشاب مالك بن عوف، يقابلهم اثنا عشر ألف مقاتل من المسلمين.
_________________
(١) = أخو كعب بن ربيعة، قال في معجم قبائل العرب: "كانت ديارهم بحمى ضرية، وهو سمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة النبوية وفدك والعوالى، ثم انتقلوا إلى الشام، فكان لهم في الجزيرة صيت، وملكوا، وقد اتخذوا في الجاهية بدومة الجندل صنمًا يدعى ودًا، ودخلوا في دين النصرانية ثم في الإسلام).
(٢) البداية والنهاية.
[ ٩ / ٥٢ ]
وتدل لهجة المؤرخين في أمهات التاريخ على أن النية كانت مبيتة لدى هوازن لمواجهة المسلمين وغزوهم في أي مكان، وأنهم كانوا يعدون العدة لذلك حتى قبل أن تتم السيطرة للمسلمين على مكة، كما أنهم كانوا في استعدادهم قد ذهبوا إلى أن يدخلوا في حسابهم أسوأ الظروف، فحسبوا (وهم يضعون خطة الحرب ضد المسلمين أينما كانوا) حساب احتمال نزول الهزيمة بهم وهم يشنون الهجوم على المسلمين في أي مكان.
فوضعوا (انطلاقًا من هذا الحسبان) خطة الدفاع -بعد وضعهم الهجوم-، وخطة الدفاع هذه تتلخص في الاستعداد للتحصن في المدن (كالطائف مثلًا) إذا ما كانت الهزيمة نصيبهم من هجومهم على المسلمين.
واستكمالًا لخطة الدفاع هذه (وهي خطة احتياطية) أرسلوا من ثقيف (بطن من هوازن) بعثة أبي مدينة جرش في الأُردن التي كانت جزءًا من الشام الخاضع يوم ذاك لسلطان الإِمبراطورية الرومانية المعادية للإسلام والمسلمين.
وكانت مهمة هذه البعثة التي كان يرأسها (عروة بن مسعود (١) الحصول على آلات حرب ثقيلة تصلح للحروب التي يكون فيها حصار، بحيث تُستخدم في الدفاع عن القلاع والحصون، وفي شن الهجمات المضادة على جيش العدو الذي يتولى الحصار.
وكانت جرش (الرومانية آن ذاك) بها مصانع للمنجنيقات والعرادات (راجمات) والدبابات (آلات واقية يتستر خلفها الجنود عند الزحف في بعض الحالات لتقيهم السهام)، ولذلك قررت هوازن ضمن خطتها الحربية أن ترسل هذه البعثة للحصول من المصانع الرومانية في (جرش) على هذه الأسلحة الحربية الثقيلة.
وكانت هذه الخطة التي تدل على تبييت النية على غزو المسلمين من قبل هوازن قبل وصولهم مكة بل وحتى قبل تحركهم من المدينة .. كانت هذه الخطة قد كشفها جاسوس من هوازن ألقت عليه القبض جريدة من الخيل التابعة لسلاح الاستكشاف في الجيش النبوي الذي كان يتحرك من المدينة نحو مكة.
_________________
(١) انظر ترجمة ابن مسعود في كتابنا (صلح الحديبية).
[ ٩ / ٥٣ ]
فقد ذكر المقريزى في كتابه (إمتاع الأسماع) أن النبي - ﷺ - وهو يتحرك بجيشه من المدينة صوب مكة، قدم جريدة من الخيل طليعة، فألقت هذه الطليعة القبض على رجل من هوازن، كان يعمل في جهاز استخبارات مالك بن عوف سيد هوازن وقائدها، ليمد هذا الجهاز بما يحتاج من أخبار عن المسلمين، وتحركات جيشهم الذي كانت هوازن تتوقعه بعد نقض قريش صلح الحديبية.
فعندما مَثَلَ هذا الجاسوس الهوازنى بين يدي القائد الأعلى النبي، سأله (أثناء استجوابه) عن حقيقة الوضع العسكري الذي عليه قبائل هوازن فقال:
قد جمعوا الجموع وأجلبوا العرب، وبعثوا إلى ثقيف فأجابتهم، فتركت ثقيفًا قد جمعوا الجموع وأجلبوا العرب وبعثوا إلى جرش في عمل الدبابات والمنجنيق، وهم سائرون إلى هوازن، فيكونون جميعًا .. فقال الرسول - ﷺ -: وكل هوازن قد أجاب؟ . قال الجاسوس: كلا، أبطأ من بني عامر، كعب وكلاب.
فقال النبي - ﷺ - (معقبًا على ما أدلى به جاسوس هوازن من معلومات): ما أراه إلا صدقنى، ثم أمر بحبسه حبسًا تحفظيًا (١).
استخبارات الرسول في ديار هوازن
وهكذا فالرسول القائد - ﷺ - قد كان علي علم بما يجرى في ديار هوازن، فلم يكن (بعد استيلائه على مكة) غافلًا عما يجرى هناك.
فقد كان (كما هو واضح) على علم بالعداوة الشديدة التي تضمرها له قبائل هوازن، والنية المبيتة التي تحمل في نفوس هذه القبائل العزم على غزو المسلمين أينما كانوا.
فقد أبلغت الرسول - ﷺ - عيونه (استخباراته) التي بثها بين يديه- وهو يتحرك بالجيش نحو مكة قبل فتحها- أبلغته أن هناك تحشدات واسعة تقوم بها الأحلاف من هوازن .. القصد منها مواجهة المسلمين في معركة فاصلة.
_________________
(١) انظر إمتاع الأسماع.
[ ٩ / ٥٤ ]
إلا أن المعلومات عما يجرى في ديار هوازن ضد المسلمين لم تكن متكاملة لدى الرسول القائد - ﷺ - لأن أحدًا من رجال استخباراته (بالذات) لم يكن قد ذهب إلى ديار هوازن، واختلط هناك بالقوم ورأى بعينه وسمع بأُذنه ما يجرى ضد المسلمين.
لذلك قرر الرسول - ﷺ - أن يبعث رجلًا من أصحابه إلى ديار هوازن ليجمع له كل المعلومات اللازمة عن كل ما يجرى هناك ضد المسلمين.
فكان رجل الاستخبارات الذي وقع عليه اختيار النبي - ﷺ - للقيام بهذه المهمة الخطيرة، رجلًا من بني سليم المجاورة ديارهم لديار هوازن، وهذا الرجل هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي (١). الصحابي الشهير، والبطل المشهور في معارك خيبر.
فقد استدعاه الرسول - ﷺ - وكلفه بأن يذهب إلى ديار هوازن، وأن يتنكر لئلا يعرف أحد من هوازن حقيقته، ولكى يتمكن من الاختلاط بهم، ويعرف كل ما يجب أن يلم به الرسول - ﷺ - ومدى قوتهم وأى الطرق يريدون سلوكه، إلى غير ذلك مما يجب أن يعرفه قائد مسئول عن حقيقة عدوه من كل النواحى.
وقد صدع ابن أبي حدر بأمر النبي - ﷺ - فذهب إلى مقر قيادة هوازن بأرضهم فاختلط بمختلف القيادات الرئيسية والفرعية هناك، واندس داخل جموع القبائل، واستمر هناك عدة أيام يدوِّن في ذاكرته كل ما يهم رسوله محمدًا - ﷺ - من معلومات عن تلك الحشود الهوازنية.
وبعد أن رأى عبد الله بن أبي حدرد، أنه قد حصل على ما فيه الكفاية من معلومات يحتاجها الرسول القائد - ﷺ - انسل من بين جوع هوازن التي توافدت الآلاف من كل عشيرة وفخيذة منها إلى حيث يعسكر قائدها العام مالك بن عوف النصرى مجيبة دعتهه إلى حرب رسول الله - ﷺ -. وكانت هوازن (كما قلنا) جيلًا عظيمًا ذا أفخاذ وبطون عظيمة تحتل ديارها مساحة عظيمة من الجزيرة متداخلة من الحجاز ونجد. فهي قبيلة حجازية نجدية.
_________________
(١) انظر ترجمة عبد الله بن أبي حدرد في كتابنا (غزوة خيبر).
[ ٩ / ٥٥ ]
انسل رجل الاستخبارات النبوية (عبد الله بن أبي حدرد) من بين الجموع الزاخرة من هوازن واتجه صوب مكة حيث يقيم - ﷺ - بعسكره بعد الفتح.
التقرير عن حالة هوازن الحربية
وعندما وصل رجل الاستخبارات ابن أبي حدرد إلى مكة قدم للرسول والقائد الأعلى للجيش تقريرًا شفويًا مفصلًا عن جيش هوازن، وما يقوم به من استعداد لحرب الرسول - ﷺ - وتبلغ الرسول - ﷺ - ضمن التقرير الذي قدم إليه عن وضع هوازن العسكري -أنها قد حشدت عشرين ألف مقاتل، ولا شك أنه تلقى ضمن هذا التقرير أن هوازن قد قررت عدم الانتظار في ديارها وقمم جبالها، بل استجابت لغرور قائدها اليافع مالك بن عوف، فقررت القيام بغزو المسلمين في مكة نفسها. وأنها قد عسكرت بوادى حنين. ولذلك سارع النبي - ﷺ - وبأقصى سرعة إلى الخروج من مكة بالجيش ليكون صدامه مع هوازن الغازية خارج مكة. حتى إن الرسول - ﷺ - (لخطورة الوضع) كما يقول الواقدي تحرك من مكة بجيشه ثانى يوم عيد الفطر. كما سيأتي تفصيله فيما يلي من هذا الكتاب إن شاء الله.
قال ابن إسحاق ولما سمع رسول الله - ﷺ - بهم (أي بهوازن) بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد، وأمره أن يدخل في الناس، فيقيم فيهم، حتى يعلم علمهم ثم يأتيه بخبرهم، فانطلق ابن أبي حدر فدخل فهم حتى سمع وعلم ما قد جمعوا له من حرب رسول الله - ﷺ -، وسمع من مالك (ابن عوف) وأمر هوازن وما هم عليه، ثم أقبل حتى أتى رسول الله - ﷺ - فأخبره الخبر (١).
تحرك هوازن صوب مكة
هكذا بعد أن أكملت هوازن تجهيزها واكتمل حشد القسم الأكبر من جيشها في أعاليها تحرك بها ملكها الشاب (مالك بن عوف) صوب مكة لمنازلة المسلمين فيها قبل أن يسيروا إليه هم منها.
_________________
(١) ج ٤ ص ٨٢ - ٨٣.
[ ٩ / ٥٦ ]
وكان مالك قد أصدر أمره (كما هي خطته للحرب) إلى جميع الفصائل المشتركة من هوازن في جيشه بأن يحملوا معهم أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
لقد كان منظرًا مهيبًا حقًّا عشرين ألف مقاتل يصاحبهم على (أقل تقدير) ثلاثة أضعافهم من النساء والشيوخ والأطفال أي أن هوازن تحركت في اتجاه مكة بحوالى ثمانين ألف إنسان معهم من الإِبل أربعة وعشرين ألف بعير (١) وعدد لا يحصى من عشرات الألوف من الغنم.
وادي أوطاس مركز تجمع هوازن الرئيسى
وكان مكان التجمع النهائى لعشائر هوازن المشتركة في الحشد هو وادي أوطاس، وهو أحد أودية حنين الرئيسية الواقعة شرقي مكة والتي تصب في وادي حنين بين الشرائع والزيمة وجبال كرا وبنى مالك الواقعة جنوب شرقي مكة والتي من ناحيتها جاءت قبائل ثقيف (أحد بطون هوازن الشهيرة) والتقت في (أوطاس) بملك هوازن وقائدها العام مالك بن عوف النصرى. وبها اكتمل حشد جيش هوازن عشرين ألف مقاتل.
لقد كانت القوة الرئيسية من هوازن، تحركت من الشرق حتى عسكرت بأوطاس بقيادة مالك، وفي أوطاس توالت الإِمدادات من مختلف القبائل البعيدة عن مكان الحشد الرئيسى بديار هوازن شرقي الحجاز.
قال الواقدي: واجتمع الناس في أوطاس فعسكروا، وأقاموا به، وجعلت الإمدادات تأتيهم من كل ناحية.
دريد بن الصمة في جيش هوازن
كان دريد بن الصمة (أحد بني جشم بن بكر بن معاوية بن هوازن محاربا شهيرًا وسيدًا من سادات هوازن، ولكنه عند الحشد لمعركة حنين كان قد بلغ من العمر مائة وستين سنة. فلم تعد به قدرة على القتال، حيث كان مقعدًا يُحمل في الهودج أو على أكتاف الرجال لعدم قدرته على المشي. فضلًا عن القتال.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٣ تحقيق الدكتور مارسدن جونس (طبعة أكسفورد).
[ ٩ / ٥٧ ]
إلا أن دريدًا مع تقدمه في السن وعجزه (لكبره) عن القتال ظل متمتعًا بكامل قواه العقلية وكل حواسه (ما عدا السمع الذي كاد يفقده). وكان مرجعًا لقومه هوازن في السياسة العسكرية والفنون الحربية، بسبب تجاربه الحربية المتواصلة التي عاشها طوال مائة وعشرين عامًا في المجتمع القبلى الملتهب دائمًا بنار الحرب، فقد كان فارسًا مجربًا لا يشقّ له غبار، وشاعرًا مفكرًا فحلًا متوقد الذهن.
ومع عدم قدرته على القتال فقد أحب وأحب قومه أن يكون ضمن جيش هوازن الغازى، لعلهم يستفيدون من خبرته وتجاربه الحربيتين، فقد حمله الجيش على شجار (والشجار دون الهودج) وجعلوا له قائدًا يقود البعير الذي يحمله حتى عسكر الجيش بأوطاس.
القائد العام المستبد لم يستفد من خبرة دريد بن الصمة
ولم يشأ ملك هوازن وقائدها الشاب، مالك بن عوف النصرى أن يستفيد من خبرة دريد بن الصمة الحربية وتجاربه العسكرية التي اكتسبها طوال أكثر من قرن من الزمن قضاه وهو يخوض المعركة تلو المعركة حتى أقعده الكبر ..
فقد كان مالك بن عوف معتدا برأيه متكبرًا مستبدا، وكان شابًّا يافعًا في عنفوان الشباب، ورغم ما امتاز به من شجاعة وجرأة وإقدام، فقد سد الزهو والغرور والإعجاب بالنفس على مالك كل منافذ التفكير في نتائج ما هو مقدم عليه، وكأنه لغروره ولكونه يقود عشرين ألف محارب من خيرة محاربى العرب يصحبهم نساؤهم وأبناؤهم وأموالهم، ليس أمامهم سوى اثنى عشر ألف مقاتل ليس لهم خبرة بالقتال (كما أشاع بين قومه وخدعهم) .. كأنه بهذا قد ضمن النصر لهوازن على المسلمين.
ولهذا فإنه بعد أن توجته هوازن عليها ملكًا وأصبح قائدًا عامًا لجيشها استبد برأيه وسار يضع الخطة بمفرده ثم يسارع في تنفيذها بطريقة استبدادية، فلم يفكر في استشارة وجوه عشائر هوازن وسادتها المسنين الذين عركتهم الحوادث. سنين طويلة، بل أهملهم جميعًا، وصار يتخذ القرارات الانفرادية ثم يأمر بتنفيذها بصرامة فلا تعصى له هوازن أمرًا لأنها قد ارتضته ملكًا عليها وقائدًا
[ ٩ / ٥٨ ]
عامًا لجيشها .. اللهم إلا بني كعب وبنى كلاب الذين عصوه ورفضوا إطاعة أوامره منذ البداية .. فكان من نتيجة اتخاذه القرارات الفردية والإسراع في تنفيذها بصورة استبدادية أن قاد قومه إلى هزيمة مدمرة لم يمنَ بمثلها جيل من العرب.
وكان من بين الذين أهملهم (دريد بن الصمة) الذي رغم كبره الشديد الذي أقعده، كان ذا خبرة كبيرة وتجربة واسعة بشئون الحروب ومكائدها ووسائل النصر وأسباب الهزيمة فيها لطول ما خاضها عبر أكثر من قرن من الزمن.
دريد بن الصمة الخبير الحربى الكبير هذا أهمله مالك بن عوف، فحُمل على ظهر بعيره في الجيش وهو (لثقل سمعه) لا يدرى ماذا يصنع القائد العام مالك، كيف يعبئ الجيش ويتصرف في شئونه المصيرية الأخرى.
حتى إن (دريد بن الصمة) لم يعلم أن القائد مالكًا قد جعل الجند يحملون معهم نساءهم وأبناءهم وأموالهم إلا في وادي أوطاس الذي كان المكان الرئيسى والأخير للتجمع والذي فيه أكملت هوازن حشد قواتها من كل بطونها (ما عدا كعب وكلاب).
ففي هذا الوادي الذي عسكر فيه مالك بن عوف بهوازن عدة أيام سمع دريد بن الصمة (رغم ثقل سمعه) الضجة الشديدة التي مبعثها رغاء الإبل وأصوات الحمير والشياه، وأصوات النساء والأطفال، وهو أمر لم يتوقع دريد (كخبير عسكرى مجرب) أن يكون ضمن جيش عرمرم يتحرك ليخوض معركة حياة أو موت.
لذلك عندما سمع تلك الضجة الهائلة في وادي أوطاس، قال -بلغة الاستغراب-: "ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء الصغير؟ ".
وكان الخبير المجرّب (دريد بن الصمة) عندما حط به الشجار على الأرض تحسسها بيده وقال: بأي واد أنتم؟ .
قالوا: بأوطاس.
[ ٩ / ٥٩ ]
قال: نعم مجال الخيل، لا حَزن ضَرِس (١) ولا سهل دَهِس (٢)، ما لي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، وثغاء الشاء، وخوار البقر، وبكاء الصغير؟ .
قالوا: ساق مالك من الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم.
وهنا سأل عن موقف قبيلتين من أشد وأقوى قبائل هوازن وأصبرها على القتال، فقال:
- يا معشر هوازن، أمعكم من بني كلاب بن ربيعة أحد؟ .
قالوا: لا.
قال: فمعكم من بني كعب بن ربيعة أحد؟ .
قالوا: لا.
قال: لو كان خيرًا ما سبقتموهم إليه، ولو كان ذكرًا أو شرقًا ما تخلفوا عنه (٣).
وقال دريد أيضًا لما بلغه تخلف كعب وكلاب عن المشاركة في حرب المسلمين في حنين: "غاب الجد والحد، لو كان يوم علاء ورفعه لم تغب عنه كعب وكلاب ولوَدِدت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب" (٤).
ثم سأل: فمن شهدها منكم؟ .
قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر.
قال: ذانك الجذعان (٥) من بني عامر لا ينفعان ولا يضران (٦).
دريد بن الصمة يدعو للرجوع بالجيش وتفادى الصدام مع المسلمين
وعندما أطلع الخبير الحربى المجرّب المسنّ ابن الصمة على الحقيقة الرهيبة
_________________
(١) الحزن: المرتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محددة.
(٢) دهس: لين كثير التراب.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٧.
(٤) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٧١.
(٥) الجذع: هو الشاب الحدث: ويعني دريد بذلك أن من شهدها من بني عامر ليست لهم أية قيمة قتالية.
(٦) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٧١.
[ ٩ / ٦٠ ]
المتمثلة في جلب النساء والأطفال والأموال مع الجند وتخلف أهم أجنحة هوازن المحاربة كعب وكلاب، طلب من وجوه هوازن وشيوخ عشائرها أن يفعلوا فعل كلاب كعب، فيعصوا مالكًا ويرجعوا إلى بلادهم قبل أن يصطدموا بالمسلمين فقال: "أطيعونى يا معشر هوازن، وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء" -يعني كعبًا وكلابًا- فأبت عليه هوازن (١).
وعندما لم تستجب شيوخ العشائر ووجوه القبائل في جيش هوازن لنداء دريد بن الصمة، الداعى إلى عصيان القائد مالك بن عوف، والرجوع بالجيش دون أن يلقى المسلمين، وحيث بان له أن القائد المتغطرس المستبد المغرور مصمم على محاربة المسلمين، بذل محاولة جديدة أراد بها تجنيب النساء والأطفال والأموال الهائلة الوقوع في أيدى جيش الإِسلام إذا ما كانت له الدائرة على هوازن.
فاستدعى القائد العام الشاب مالك بن عوف، وبعد أن سأله عن سبب إكرأهه الجيش على حمل نسائهم وأبنائهم وأموالهم معهم، وبعد أن سفَّه رأيش وشرح له خطورة ما أقدم عليه، تقدم إليه باقتراح وطالبه بتنفيذه إنقاذًا لكرامة هوازن التي لم يعد لدى الخبير المحنك (دريد) أدنى شك في أنها ستمسح في الوحل، إذا ما أصر القائد العام على الاستمرار في اصطحاب النساء والأطفال والاموال مع الجيش. وهذا الاقتراح يتلخص في أن يأمر القائد العام مالك بن عوف بإِعادة النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال لينجو من الوقوع في الأسر إذا ما كان النصر للمسلمين في المعركة، وأن يلقى مالك المسلمين على ظهور الخيل ليتمكن جيش هوازن من الانسحاب بأقل خسارة ممكنة إذا ما دارت عليه الدائرة. لكن القائد المغرور مالكًا استكبر أيضًا هذه المرة ورفض الاستجابة لنصيحة الخبير (دريد بن الصمة).
فقد ذكر أصحاب المغازي والسير وأصحاب الحديث أن دريدًا بن الصمة قد أفزعه تصرف القائد مالك بن عوف عندما ساق مع الجيش نساءهم وأبناءهم وأموالهم، لأن ذلك (في نظر دريد كما هو في نظر كل قائد عسكرى
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٧.
[ ٩ / ٦١ ]
مسئول يقدّر المسئولية) ضرب من الانتحار والتهور، لا يقدم عليه من يضع نتائج المعارك في مقدمة حسابه قبل الإِقدام عليها.
ولذلك استدعى دريد بن الصمة الملك والقائد مالكًا، فلما حضر مالك دار بينهما هذا الحوار الحاد:
دريد: يا مالك إنك تقاتل رجلًا كريمًا (يعني النبي - ﷺ -)، وقد أصبحت رئيس قومك وأن هذا اليوم كائن لما بعده من الأيام .. يا مالك ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير وبكاء الصغير ويعار الشاء أو ثغاء الشاء؟ (١).
مالك: سقت مع الناس أموالهم وأبناءهم ونساءهم.
دريد: ولم؟
مالك: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وولده وماله ونساءه، حتى يقاتل عنهم.
دريد: (بسخرية وحنق) راعى ضأن ماله وللحرب -يعني مالكًا- ثم انقض (٢) بيده ..
ثم قال دريد: وهل يرد المنهزم شيء؟ إنها إن كانت لك لم ينفعك رجل إلا بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فُضِحتَ في أهلك ومالك، ثم أردف: يا مالك إنك لم تصنع بتقديم بيضة (٣) هوازن إلى نحور الخيل شيئًا. فإذا صنعت ما صنعت فلا تعصنى في هذه الخطة، ارفعهم (أي النساء والأموال والأولاد) إلى ممتنع بلادهم وعلياء قومهم وعزهم، ثم الق الصباة (٤) (يعني المسلمين) على متون الخيل، فإن كانت لك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك.
_________________
(١) اليعار (بضم الياء) والثغاء (بضم الثاء) معنى لكلمة واحدة، وهو صوت الغنم.
(٢) قال في النهاية في غريب الحديث: أنقض أي صفق بإحدى يديه حتى يسمع لها نقيض، أي صوت.
(٣) قال أبو ذر في شرحه ص ٣٨٥: بيضة هوازن جماعتهم.
(٤) الصباة جمع صابئ، وهو من يخرج من دين إلى دين، وكان يقال للرجل إذا أسلم في زمن النبي - ﷺ -: . قد صبأ. وكانت الرب تسمى النبي - ﷺ - الصابئ لأنه خرج من دين قريش إلى دين الإسلام. فالصباة في كلمة دريد هم المسلمون .. انظر لسان العرب.
[ ٩ / ٦٢ ]
مالك: (بغضب واستكبار): والله لا أفعل، ولا أغيِّر أمرًا صنعته، إنك قد كبرت وكبر علمك، وحدث بعدك من هو أبصر بالحرب منك.
دريد: يا معشر هوازن، والله ما هذا لكم برأي، هذا فاضحكم في عورتكم ممكن منكم عدوّكم، ولاحق بحصن ثقيف وتارككم، فانصرفوا واتركوه.
قائد هوازن يهدد بالانتحار
ويظهر أن كلام المجرب الخبير (دريد) وحواره المركّز الذي أجراه مع ملك هوازن وقائدها قد أثر في قادة الكتائب ووجوه القبائل في جيش هوازن، فبدا عليهم الميل للأخذ بنصيحة دريد بن الصمة لإرجاع النساء والأطفال والأموال إلى أعالي الجبال. لذلك (وقد أحس مالك أن زعماء قومه يرون أن المنطق والصواب يكمنان في نصائح وتوجيهات دريد بن الصمة وأن التوفيق قد جانب مالكًا في تصرفه) لم يجد القائد الشاب الطائش أمامه سوى التهديد بالانتحار إن لم تطعه هوازن وتصرف النظر عن نصائح وتوجيهات دريد بن الصمة.
فقد استل مالك سيفه (أمام وجوه وقادة هوازن) ثم نكسه (١) ثم قال: - يا معشر هوازن، والله لتطيعننى أو لأتكئن على السيف حتى يخرج من ظهرى.
وكره مالك أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى، فتشاور القوم وتناقشوا ودرسوا الوضع ومشى بعضهم إلى بعض. فقالوا: والله لئن عصينا مالكًا، وهو شاب، ليقتلن نفسه ونبقى مع دريد، شيخ كبير، لا قتال فيه، ابن ستين ومائة. وأجمعوا أمرهم مع مالك، وخالفت هوازن دريدًا.
فلما رأى ذلك دريد وأنهم قد خالفوه، قال: هذا يوم لم أشهده ولم أغب عنه، ثم قال:
يا ليتنى فيها جذع أخبُّ فيها وأضع (٢)
أقود وطفاءَ الزّمع كأنها شاة صدع (٣)
_________________
(١) قال في الصحاح: نكسه أي قلبه.
(٢) الخبب والوضع ضربان من السير.
(٣) الفرس الوطفاء الطويلة الشعر.
[ ٩ / ٦٣ ]
وكان دريد قد ذُكر بالفروسية والشجاعة، ولم يكن له عشرون سنة، وكان رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم نسبًا، ولكن السن أدركته حتى فنى فناء- وهو دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزيّة بن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن (١).
وهكذا نجح الشاب القائد ملك هوازن مالك بن عوف في حمل وجوه هوازن وشيوخها وقادتها على القبول بخوض معركة كان دريد بن الصمة قد أخبره (مسبقًا) بأنها معركة خاسرة ونتائجها رهيبة مفزعة بالنسبة لهوازن .. لطريقة الحشد والتعبئة التي اتبعها القائد مالك بن عوف النصرى والتي أخطر ما فيها حشد النساء والأطفال والشاء والإبل والحمير وكل ما تملك هوازن واصطحابه كله مع الجيش إلى حنين.
تحرّك الجيش النبوي من مكة
استمر جيش هوازن في التحرك في اتجاه مكة إلا أن قائده العام مالك بن عوف لما بلغه أن النبي - ﷺ - قد تحرَّك (هو الآخر) بجيشه من مكة لمواجهة هوازن قرر أن يعسكر بجيشه في وادي حنين لأنه أصلح مكان من حيث السعة والطول لجولان الخيل التي يعتمد مالك وقادة هوازن على عدة آلاف منها. وكانت الخيل من أهم الأسلحة المتحركة التي يعتمد عليها المحارب في ذلك العصر فهي تقوم مقام سلاح المدرعات في هذا العصر.
أما الرسول - ﷺ - فبعد أن بلغه تحرك هوازن من ديارها في اتجاه مكة، سارع إلى حشد جيشه في مكة وأسرع بالتحرك به ليواجه هوازن قبل أن يصل جيشها إلى مكة، وكان ذلك من الرسول - ﷺ - سياسة عسكرية حكيمة ألهمه الله اتباعها.
إذ أن ملاقاة الجيش النبوي للمشركين خارج مكة بعيدًا عنها، أصلح (من نواحى عدة) للجيش النبوي من مواجهتهم فيها أو قريبًا منها.
_________________
(١) انظر تاريخ الطبري ج ٣ ص ٧١ - ٧٢، ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٧ - ٨٨٨ - ٨٨٩، وجوامع السيرة ص ٢٣٦ - ٢٣٧، وطبقات ابن سعد ج ٢ ص ١٥٠، والكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٧٧، وتاريخ ابن خلدون ج ٢ ص ٨١١ - ٨١٢، والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٢٤، وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨١ - ٨٢.
[ ٩ / ٦٤ ]
ذلك أن الحالة تعتبر (باطنيًا) داخل مكة غير مستقرة .. فالرسول - ﷺ - لم يمض على سيطرة قواته على مكة أكثر من سبعة عشر يومًا. ومكة كانت معقل الوثنية وبها أعظم رؤوس قريش الذين لم يتركوا وسيلة للقضاء على الإسلام إلا واتبعوها.
واستسلامهم للجيش النبوي وتقريرهم عدم مقاومته وهو يدخل مكة لم يكن عن اقتناع بأن الإسلام دين الحق يجب الإذعان والتسليم له .. وإنما كان عن ضعف وعدم قدرة على مواجهة الجيش النبوي عسكريًا.
ولو كانت قريش تعرف وتحس في نفسها القدرة على مواجهة النبي - ﷺ - وأصحابه والتغلب عليهم ودحرهم، لما ترددت في اتباع خطة المقاومة ولواجهت النبي - ﷺ - وأصحابه مواجهة عسكرية لدحره .. يدل على ذلك أنها لما فوَّضت رئيسها أبا سفيان ليأخذ لها الأمان من النبي - ﷺ - وجيشها لمَّا يزل في الطريق لم يدخل مكة بعد، قالت لأبي سفيان ما معناه: (خذ لنا منه الأمان واقبل بأن يدخل مكة إلا أن ترى في أصحابه ضعفًا فنابذه، أي أعلن عليه الحرب).
إذن فكثير من أهل مكة بعد أن سيطر الجيش النبوي على مكة أعلنوا إسلامهم ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم .. وهذه حقيقة عبَّر عنها أحد سادتهم الذي كان حاضرًا معركة حنين .. حقيقة عبَّر عنها بقوله (حينما انهزم المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة): بطل السحر إنها هزيمة لن تنتهي حتى الحر.
فالرسول - ﷺ - لو تحصن بمكة واعتمد خطة قتال الشوارع في مواجهته هوازن لأصبح هو وجيشه في وضع غير مأمون، لأن الكثير من قريش قد تعود إليهم جاهليتهم فيغتنموا فرصة هجوم هوازن على مكة، فيشكلوا قوة قريشية تضرب المسلمين داخل مكة .. إنه احتمال غير بعيد، وكل قائد يكون على ما كان عليه النبي - ﷺ - لا بد وأن يدخل في حسابه (وهو يرسم خطة المعركة الفاصلة) هذا الاحتمال.
من هنا كانت خطة رسول الله المرسومة على أساس الخروج من مكة واصطحابه ألفين من أهلها معه في الجيش خطة حكيمة جعلت ظهره مأمونًا
[ ٩ / ٦٥ ]
من أن يضربه المرتابون الذين أعلنوا الإِسلام ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم. مثل الزعيم الذي اغتبط بهزيمة المسلمين في المرحلة الأولى في حنين وقال كلمته تلك (بطل السحر إنها هزيمة لن تنتهي حتى البحر).
بل إن هناك من أهل مكة مَن بقى على شركه فلم يجبره النبي - ﷺ - على الدخول في الإسلام بل ترك له الحرية مثل صفوان بن أمية وغيره، وهذا يؤكد الاحتمال القائل: إن أهل مكة ربما ينضمون إلى هوازن عندما تنشب المعركة في مكة بين هوازن وبين الجيش النبوي.
ولهذا كان (من وجهة النظر العسكرية) عين الحكمة والحنكة السياسية أن يخرج النبي - ﷺ - بجيشه من مكة، وقرار مصادمة جيوش هوازن في العراء بعيدًا عن مكة، التي لم يترك فيها (عند خروجه منها لملاقاة هوازن) سوى حامية صغيرة لحفظ الأمن والنظام بقيادة عتّاب بن أسيد. وكانت الحامية التي تركها كافية لحفظ النظام والضرب على يد أي مريب تحدثه نفسه بالتمرد أو الإخلال بالأمن، لاسيما وأن الله ملأ قلوب القرشيين عامة هيبة ورعبًا بعد أن سيطر الجيش النبوي على العاصمة المقدسة.
استعارة الرسول السلاح من المشركين.
ولما قرر الرسول - ﷺ - الخروج من مكة لمواجهة هوازن خارجها، قام بتقييم للعتاد الحربى الذي يحتاجه جيشه، فوجد أن هناك نقصًا في هذا العتاد لا بد من تكملته ليكتمل تسليح جيشه لأنه مقدم على معركة فاصلة يتقرر فيها مصير الإسلام والمسلمين، فقد كان عدوه أكثر عددًا وأجود تسليحًا ولهذا فكر في مصدر يحصل منه على العتاد الحربى الذي يكمل تسليح جيشه.
كان صفوان بن أمية من كبار زعماء مكة وكان من أغنيائها وكان من أشهر تجار السلاح. وكان رغم سيطرة المسلمين على مكة وإعطائه الأمان من قِبَل الرسول - ﷺ - بقى على شركه فلم يجبره الرسول - ﷺ - على الإسلام حتى دخل فيه مختارًا بعد عودة الرسول من حنين منتصرًا.
بحث الرسول - ﷺ - عن مصدر للسلاح ليموِّن به جيشه فوجد مصدرين في مكة فقط استطاع أن يحصل منهما على ما يحتاجه من سلاح للمعركة القادمة
[ ٩ / ٦٦ ]
الفاصلة .. وهذان المصدران هما ابن عمه نوفل بن الحارث وصفوان بن أمية.
كان صفوان بن أمية (حتى معركة حنين مشركًا) وفي مكة فاتحه الرسول - ﷺ - بأنه بحاجة إلى السلاح نظرًا لكونه مقدمًا على خوض معركة كبيرة حاسمة مع هوازن، وطلب منه أن يمده بالسلاح قائلا: يا أبا أمية أعرنا سلاحك نلقَ به عدوَّنا غدًا. فقال صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال النبي - ﷺ -: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها إليك. قال: ليس بهذا بأس. فأعطاه مائة درع بما يكفيها من السلاح (رماحًا وسيوفًا). وعند ذلك طلب رسول الله - ﷺ - من صفوان أن يتولى نقل السلاح إلى مكان المعركة قائلًا: إكفنا حملها، فحملها صفوان على إبله إلى أوطاس فدفعها إلى الرسول - ﷺ -.
أما نوفل بن الحارث بن عبد المطلب (وكان من كبار تجار السلاح أيضًا) فقد أعان النبي - ﷺ - في معركة حنين بثلاثة آلاف رمح، وقد استفاد الجيش الإسلامي فائدة عظمى من رماح نوفل بن الحارث هذه يوم حنين، شهد بذلك النبي - ﷺ - حين قال لنوفل: كأني أنظر إلى رماحك تقصف أصلاب المشركين.
استقراض الرسول - ﷺ - المال من أهل مكة
كان الرسول - ﷺ - قد فتح مكة عنوة، وكان في استطاعته -بعد أن استسلمت له مكة- أن يأخذ (كفاتح منتصر) من المغلوبين أهل مكة ما شاء من أموال وسلاح.
أما السلاح فبالرغم من أن الأعراف الحربية تقضي بأن يصادر المنتصر كل قطعة سلاح في حوزة العدو المهزوم -فإن الرسول المنتصر - ﷺ - لم يستول على شيء منها إلا التي ألقت بها في الشوارع بعض الوحدات القرشية التي عصت أمر أبي سفيان وقاومت الجيش النبوي وهو يدخل مكة ثم انهزمت.
أما الأسلحة المخزونة في البيوت بمكة، سواء كانت للتجارة أو للاستعمال الخاص، فلم يسمح الرسول - ﷺ - بمصادرة شيء منها، فلم يحدث أي اقتحام لأى بيت من بيوت المهزومين القرشيين من قبل الجيش الإسلامي المنتصر بحثًا عن السلاح لمصادرته وقد رأينا كيف أن الرسول - ﷺ - استعار من
[ ٩ / ٦٧ ]
صفوان بن أمية الجمحى (وهو من كبار قادة المشركين في مكة) السلاح، وعندما سأله صفوان: أغصبًا يا محمد؟ قال: بل عارية ومضمونة حتى نؤديها.
كذلك الأموال، فقد كان الجيش النبوي في أمس الحاجة إليها عندما سيطر على مكة، ورغم أنه كذلك، ورغم أنه جيش فاتح منتصر سيطر على أعظم وأكبر مدينة في بلاد العرب يوم ذاك، فإن هذا الجيش (وبأمر من قائده الأعلى النبي) قد عفّ عَنْ أن يأخذ درهمًا واحدًا أو أي شيء من أموال أهل مكة قسرًا أو بالقوة.
وكل ما فعله النبي القائد المنتصر، هو أنه لما رأى ما عليه بعض جنده من فقر وعوز وفاقة، طلب من أغنياء مكة التي فتحها أن يعطوه من أموالهم قرضًا ليخفف به من الضائقة التي يعاني منها بعض الجند من أصحابه، على أن يسدد لهم هذا القرض عندما يكون قادرًا على ذلك، فأقرضه أغنياء مكة مائة وخمسين ألف درهمًا أعادها إليهم (بعد معركة حنين) مشفوعة بالشكر والحمد لهم.
وهذا التصرف من الرسول القائد المنتصر، خُلُق لم يصل إلى مستواه في النبل والنزاهة والعفة والشرف العسكري والعدل المدني حتى هذا اليوم أحد من قادة العالم.
لقد كان بإمكانه (كفاتح منتصر على ألد عدو له) أن يأخذ بأسلوب المصادرة ما شاء من أموال أهل مكة الذين لم يتركوا وسيلة للقضاء عليه وعلى دعوته إلا واتبّعوها، ولكنه لم يفعل شيئًا من ذلك ولكن لا غرابة فهو إنما جاء لتحرير البشرية لا لقهرها وإذلالها.
قال الواقدي أرسل رسول الله - ﷺ - عام الفتح فاستلف من عبد الله بن أبي ربيعة أربعين ألف درهم فأعطاه، فلما فتح الله عليهم هوازن وغنَّمه أموالها ردّها وقال: إنما جزاء السلف الحمد، وقال: بارك الله لك في مالك وولدك، كما ذكر الواقدي في موضع آخر أن الرسول - ﷺ - استقرض من حويطب بن عبد العزّى أربعين ألف درهم ومن صفوان بن أمة خمسين ألف درهم، فقسمها رسول الله - ﷺ - بين أصحابه من أهل الضعف.
[ ٩ / ٦٨ ]
تاريخ تحرك الجيش النبوي من مكة إلى حنين
ويذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - أقام بمكة بعد الفتح خسمة عشر يومًا ثم تحرك بجيشه إلى حنين يوم السابع من شوال عام ٨ للهجرة، وكان فتح مكة في شهر رمضان من هذه السنة.
قال الواقدي في مغازيه: وقالوا: وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان فأقام رسول الله - ﷺ - لمكة خمس عشرة ليلة يصلي ركعتين ثم غدا يوم السبت لستّ خلونَ من شوال (١).
وقال بعضهم: كان فتح مكة يوم الثالث عشر من رمضان، وهذا يعني أن الرسول - ﷺ - أقام بمكة يقصر الصلاة سبعة عشر يومًا (٢).
نائب الرسول على مكة
وعندما استكمل الرسول - ﷺ - تسليح جيشه وحشده وقرر التحرك به من مكة أصدر مرسومًا عين بموجبه أحد شباب قريش الصادقين في إسلامهم أميرًا على مكة ليدير شؤونها في حالة غيابه.
والشاب الأمير الذي عينه الرسول - ﷺ - حاكمًا علي أهل مكة هو عتّاب بن أسيد (٣). وتلك عادة الرسول - ﷺ - الإِدارية. إذا ما غادر مدينة أقام عليها أميرًا نائبًا عنه حتى عودته إليها. وقد بقى عتّاب بن أسيد أميرًا على مكة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٩، وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٣، وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٧٣ - ج ٣ ص ٩٨٨.
(٢) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٩.
(٣) هو عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي يكنى أبو عبد الرحمن وقيل أبو محمد، أسلم يوم فتح مكة وكان شابا حين أسلم لا يزيد عمره على خمس وعشرين سنة. وقد حسن إسلامه ووثق به النبي - ﷺ - وقدمه على غيره من سادات مكة لما رأى فيه من متانة الدين ومضاء العزيمة .. ولاه الرسول - ﷺ - إمارة مكة حينما توجه لمقاتلة المشركين في حنين، وقد ظل عتاب أميرًا على مكة طيلة حياة الرسول - ﷺ - وأقره أبو بكر عليها إلى أن توفى. قال ابن الأثير في أسد الغابة: وكان عتاب رجلًا خبيرًا صالحًا فاضلًا، وعتاب هو الذي حج بالمسلمين سنة ثمان من الهجرة، وحج المشركون على ما كانوا. توفى عتاب بن أسيد في الوقت الذي توفى فيه الخليفة الأول أبو بكر الصديق.
[ ٩ / ٦٩ ]
حتى بعد عودة الرسول - ﷺ - من حنين ومغادرته مكة راجعًا إلى المدينة. بل ظل عتاب أميرًا على مكة حتى توفى رسول الله - ﷺ - وهو الذي (بالاشتراك مع سهيل بن عمرو) هدد أهل مكة بالقتل إن هم حاولوا الارتداد عن الإسلام وذلك عنده ما ارتد أكثر العرب وشاعت شائعات في مكة بأن عناصر من أهلها يفكرون في الخروج من الإسلام. فرقى سهيل بن عمرو المنبر وقال: (يا أهل مكة لا تكونوا آخر الناس إسلامًا وأولهم ارتدادًا) وقال عتاب بن أسيد: (من تأخر عن حضور الصلاة في المسجد ضربنا عنقه أو كما قال).
عدد القوات النبوية المتحركة إلى حنينن
وعندما أكمل الرسول القائد - ﷺ - حشد قواته وتعبئتها داخل مكة تحرك بها ناحية حنين الذي قررت هوازن أن يكون مكان المعركة الفاصلة بين المسلمين والمشركين.
أما عدد القوات النبوية في الجيش المتحرك إلى حنين فقد بلغ اثنى عشر ألف مقاتل. عشرة آلاف من أهل المدينة وعناصر مختلفة من القبائل العربية التي ساهمت في فتح مكة، وألفان من أهل مكة ممن أسلم بعد الفتح (١)، وفيهم بعض الذين بقوا على شركهم حتى انتهاء المعركة مثل (صفوان بن أمية) وكان البعض من أهل مكة ممن انخرط في سلك الجيش النبوي، لم يكن له هدف سوى المشاركة في الغنيمة إذا تم النصر للمسلمين والتشفي من النبي - ﷺ - إذا خسر المعركة بل إن بعضهم لما انهزم المسلمون في المرحلة الأولى من المعركة جاء يبشر صفوان بن أمية وكان لا يزال مشركًا، فانتهره صفوان بشدة وأخبره أنه يفضل أن يرأسه رجل من قريش بدلًا من أن حكمه رجلًا من هوازن.
قال الواقدي: وخرج رجال من مكة مع النبي - ﷺ -، فلم يغادر منهم أحلى على غير دين ركبانًا ومشاة ينظرون لمن تكون الدائرة فيصيبون من الغنائم لا يكرهون أن تكون الصدمة لمحمد - ﷺ - وأصحابه وخرج أبو سفيان بن حرب في أثر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٩، وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٧٣، وصبرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٣ وجوامع السيرة ٢٣٨.
[ ٩ / ٧٠ ]
العسكر، كلما مر بترس ساقط أو رمح أو متاع من متاع النبي - ﷺ - أخذه وحمله، والأزلام في كنانته، حتى أوقر جمله وخرج صفوان بن أمية ولم يسلم، وهو في المدة التي جعل له رسول الله - ﷺ - فاضطرب خلف الناس، ومعه حكيم بن حزام، وحويطب بن عبد العزى، وسهيل بن عمرو، وأبو سفيان بن حرب، والحارث بن هشام، وعبد الله بن أبي ربيعة، ينظرون لمن تكون الدائرة اضطربوا خلف الناس والناس يقتتلون فمر به (أي صفوان بن أمية) رجل فقال: أبشر أبا وهب، هزم محمد وأصحابه. فقال له صفوان: إن ربًا (أي حاكما) من قريش أحبّ إلى من رب من هوازن إن كنت مربوبًا (١). ومعنى مربوبًا أي محكومًا لملك أو غيره. فالعرب في لغتهم يعبرون عن الملك أو الحاكم بالرب، وهذا كثير في أقوالهم من شعر ونثر.
وخامة عواقب الإعجاب بالنفس:
بعد فتح مكة قويت شوكة المسلمين سواء من الناحية المعنوية أو العسكرية .. فمن الناحية المعنوية بات سلطان الإسلام على شبه الجزيرة العربية شبه مطلق بعد وقوع مكة في قبضة الجيش الإسلامي، لأن مكة تعتبر عاصمة الجزيرة العربية كلها لما لها من مركز دينى بين العرب على اختلاف مشاربهم وميولهم.
ومن الناحية العسكرية، فقد اجتمعت للإسلام (بعد فتح مكة) قوة حربية لم ينضو تحت لواء الإسلام مثلها منذ بزغت شمس هذا الدين.
اثنا عشر ألف مقاتل تحركت من مكة في اتجاه حنين بقيادة الرسول الأعظم - ﷺ - وهو عدد كما قلنا لم يجتمع لمسلمين مثله من قبل.
لقد كانت هذه الكثرة، كثرة الجيش التي لم يعرف المسلمون مثلها في تاريخهم العسكري من قبل .. كانت هذه الكثرة باعث عجب بين بعض فصائل المحاربين في الجيش النبوي، تحوّل هذا العجب (عند البعض) إلى ما يشبه الغرور.
والغرور من أول ثمراته الاستهانة بالعدو.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٥.
[ ٩ / ٧١ ]
والاستهانة بالعدو في حالة الحرب من أخطر ثمراتها التساهل في أخذ الاحتياطات اللازمة لمواجهة هذا العدو.
والتساهل وعدم أخذ الحيطة تؤدى بالتالى إلى الهزيمة والانكسار من حيث لا يتوقع المتساهلون المعجبون بأنفسهم.
وهذا ما حدث بالفعل في صفوف الجيش النبوي، حيث أدى الإعجاب بكثرته إلى الجزم (سلفًا) بأن انتصاره على هوازن أمر مفروغ منه. وهو اعتقاد أدى إلى الاستخفاف بهوازن وقواتها الضاربة المدربة المنسقة، فكانت النتيجة أن هُزم المسلمون في حنين هزيمة كادت تكون ساحقة مدمرة، لولا أن ثبت الله القائد الأعلى النبي - ﷺ - ساعة الهزيمة ونفر قليل من أصحابه الذين ثبتوا معه ساعة الهزيمة المنكرة، الأمر الذي أعاد للمسلمين المنهزمين تنظيمهم الذي فقدوه عند الصدمة الأولى حين انقضت عليه في غلس الفجر كمائن هوازن من الشعاب التي نظمهم ورتبهم فيها قائدهم الشاب وملكهم الشجاع مالك بن عوف.
فتحول (بعد ذلك) ميزان القتال لصالح الجيش النبوي، بعد أن محصهم الله بالهزيمة عند الصدمة الأولى، تحول ميزان القتال من هزيمة مزقت شمل الجيش الإسلامي (حتى وصل بعض المنهزمين منه قرب مكة) إلى انتصار ساحق كان أعظم ظفر من وجهة النظر الحربية يحرزه الرسول - ﷺ - وأصحابه في معركة خاضوها في العهد النبوي، نظرًا للقوى الكثيفة الشرسة المحاربة التي اصطدموا بها في وادي حنين، حيث كانت هذه القوى من هوازن لا تقل عن عشرين ألف مقاتل، بينما جيش المسلمين لا يزيد على اثنى عشر ألف مقاتل.
حديث الجيش عن الإعجاب بالكثرة
لقد تفوهت عناصر مِنْ الجيش النبوي بما يشبه الزهو والغرور بكثرة هذا الجيش، ويوحى بغفلة بعض القلوب عن الله نتيجة الإعجاب بالكثرة، فعاقبهم الله بالهزيمة التي ردتهم إليه تعالى.
فقد جاء في كتب التفسير والسير والتاريخ أن النبي - ﷺ - لما فصل من مكة
[ ٩ / ٧٢ ]
باثنى عشر ألف مقاتل، قال رجل من أصحابه (بلهجة الإِعجاب): لو لقينا بني شيبان ما بالينا. ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة، وذكر بعض المؤرخين أن أبا بكر الصديق قال: يا رسول الله لن تغلب من قلة (١).
والخلاصة أن كثرة المسلمين قد أعجبتهم إلى حد وصل مرحلة الغرور في نفوس بعض العناصر منهم، مما أدى إلى هزيمتهم في المرحلة الأولى من المعركة.
وهذه حقيقة أشار إليها القرآن الكريم بكل وضوح. فقال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ (٢٦) ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. (٢)﴾.
قال العلامة سيد قطب ﵀ (في كتابه: في ظلال القرآن): (ثم لمسة للمشاعر بالذكرى وباستعراض صفحة من الواقع الذي عاشه المسلمون إذ ذاك منذ قريب يوم حنين، يوم غفلت قلوب الممسلمين لحظات عن الله مأخوذة بالكثرة في العدد والعتاد ليعلم المؤمنون أن التجرد لله وتوثيق الصلة به هي عدة النصر التي لا تخذلهم حين تخذلهم الكثرة في العدد والعتاد وحين يخذلهم المال والإخوان والأولاد.)
ثم يقول (مشيرًا إلى ما ذكره القرآن من نتائج إعجاب المسلمين بكثرتهم): والنص يعيد عرض المعركة بمشاهدها المادية وبانفعالاتها الشعورية ﴿إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ فمن انفعال الإعجاب بالكثرة إلى زلزلة الهزيمة الروحية، إلى انفعال الضيق والحرج حتى لكأن الأرض كلها تضيق بهم وتشد عليهم. إلى حركة الهزيمة الحسية، وتولية الأدبار والنكوص على الأعقاب ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ وكأنما السكينة رداء ينزل فيثبت القلوب الطائرة، ويهدئ الانفعالات الثائرة ﴿وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ فلم تعلم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٩ و٨٩٠ وتفسير الطبري ج ١٤ ص ١٧٩ - ١٨٠.
(٢) التوبة ٢٥ و٢٦ و٢٧.
[ ٩ / ٧٣ ]
ماهيتها وطبيعتها -وما يعلم جنود ربك إلا هو- ﴿وَعَذَّبَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بالقتل والأسر والسلب والهزيمة ﴿وَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ﴾.
من بقايا تأثيرات الجاهلية المطالبة بذات أنواط
تحرك الرسول - ﷺ - كما قلنا- بجيشه من مكة في السابع من شهر شوال عام ثمان للهجرة متجهًا إلى حنين لمواجهة هوازن.
وكان في جيشه البالغ اثنى عشر ألف مقاتل -ألفان من حديثى العهد بالإسلام من أهل مكة. فكثير من هؤلاء لم ينخلعوا (كليًّا) من معتقدات الجاهلية، بل ظلت- من تصورات الوثنية رواسب راسبة في نفوسهم لقرب عهدهم بما كانوا عليه من شرك ووثنية.
ومن هذه الرواسب أن بعضًا ممن كان في الجيش النبوي من حديثى العهد بالإسلام الذين لم يكونوا قد استوعبوه كله، طلبوا من الرسول - ﷺ - أن يحقق لهم طلبًا .. تحقيقه هو عين الشرك والوثنية.
وخلاصة ذلك أن النبي - ﷺ - بينما كان يتحرك بجيشه بين مكة وحنين، مر الجيش بشجرة عظيمة خضراء، كانت قريش وسائر العرب يعظمونها، يقال لها: (ذات أنواط)، وهنا (وعندما رأوا الشجرة المذكورة) طلب بعضهم من النبي - ﷺ - أن يجعل لهم شجرة مثل تلك الشجرة يعظمونها كما يعظم المشركون ذات أنواط، فقال الرسول - ﷺ - .. مستنكرًا: الله أكبر قلتم والذي نفسي بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ إنها السنن لتركبن سنن من كان قبلكم.
قال ابن إسحاق وحدثني ابن شهاب الزهري عن سنان بن أبي سنان الدُّؤلي، عن أبي واقد الليثى أن الحارث بن مالك. قال:
خرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى حنين ونحن حديثو عهد بالجاهلية، قال فسرنا معه إلى حنين، قال: وكانت لكفار قريش ومن سواهم من العرب شجرة عظيمة خضراء، يقال لها: ذات أنواط، يأتونها كل سنة فيعلقون أسلحتهم عليها ويذبحون عندها ويعكفون عليها يومًا. قال: فرأينا ونحن نسير مع رسول الله - ﷺ - سدرة خضراء عظيمة، قال: فتنادينا من جنبات
[ ٩ / ٧٤ ]
الطريق: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط، قال رسول الله - ﷺ -: الله أكبر قلتم والذي نفس محمد بيده كما قال قوم موسى لموسى: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَال إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ﴾ إنه السنن لتركبن سنن من كان قبلكم (١).
وفي رواية عن عكرمة عن ابن عباس. قال كانت ذات أنواط شجرة عظيمة. أهل الجاهلية ينبون بها ويعكفون عليها يومًا، وكان من حج منهم وضع رداءه عندها، ويدخل بغير رداء تعظيمًا لها، فلما مر بها رسول الله - ﷺ - إلى حنين. قال رهط من أصحابه، فيهم الحارث (٢) بن مالك: يا رسول الله، اجعل لنا ذات أنواط كما لهم ذات أنواط. فكبّر رسول الله - ﷺ - ثلاثًا وقال: هكذا فعل قوم موسى بموسى (٣).
محاولة اغتيال الرسول - ﷺ - في الطريق إلى حنين
في كل حرب (وخاصة في الحروب القديمة التي يكون قتل قائد الجيش السبب الرئيسى في هزيمة جيشه) يفكر كل جانب في التخلص من كائد الجيش الذي تقرر الاشتباك معه، ليوهن بذلك من عزيمة جنده بقتله.
وليس من المستبعد أن يكون ملك هوازن وقائد جيشها العام قد فكر هذا التفكير، فوضع خطة لاغتيال الرسول القائد - ﷺ - قبل نشوب المعركة وأوعز إلى من يثق به من رجاله لتنفيذ هذه الخطة.
فقد روى المؤرخون أن رجلًا من المشركين -لم يذكروا اسمه- تمكن من التسلل إلى حيث يرقد الرسول - ﷺ - وهو في الطريق إلى حنين فتخطى الحرس النبوي (خلسة)، فلم يشعر النبي (- ﷺ -) إلا وذلك الرجل المشرك فوق
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٤ و٨٥.
(٢) هو الحارث بن مالك بن قيس بن عوذ بن جابر بن عبد مناف بن شجع الكناني البكرى الليثى المعروف بابن البرصاء. قال ابن الأثر: هو من أهل الحجاز أقام بمكة، وقيل نزل الكوفة .. وقد روى عنه الحديث كثير من التابعين، منهم عبيد بن جريح والشعبي. وعنه روى الشعبي عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يوم فتح مكة يقول: لا تعزى قريش بعد اليوم إلى يوم القيامة.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩١.
[ ٩ / ٧٥ ]
رأسه قد جرد سيفه والنبي - ﷺ - نائم بعيدًا عن سلاحه، غير أن الله تعالى أفشل هذه المحاولة الخطيرة، ونجَّا الرسول - ﷺ - من شرها، فقد أشعر الرسول - ﷺ - حرسه فاعتقلوا المشرك المتآمر، وحاولوا إعدامه ولكن الرسول - ﷺ - نهاهم عن ذلك.
قال أبو بردة بن نيار (١) وهو من المقربين إلى رسول الله - ﷺ -: لما كنا دون
أوطاس، نزلنا ونظرنا إلى شجرة عظيمة، فنزل رسول الله - ﷺ - تحتها وعلَّق
بها رسول الله - ﷺ - سيفه وقوسه وقال: وكنت من أقرب أصحابه إليه.
قال: فما أفزعنى إلا صوته. يا أبا بردة، فقلت: لبيك، فأقبلت سريعًا، فإذا رسول الله - ﷺ - جالس وعنده رجل جالس. فقال رسول الله - ﷺ -: إن هذا الرجل جاء وأنا نائم، فسل سيفى ثم قام به على رأسى ففزعت به، وهو يقول: يا محمد، من يؤمِّنك منى اليوم؟ قلت: الله، قل أبو بردة: فوثبت إلى سيفى فسللته، فقال رسول الله - ﷺ - شِم (٢) سيفك. قال: قلت: يا رسول الله دعنى أضرب عنق عدو الله، فإن هذا من عيون المشركين. قال: فقال لي: أسكت يا أبا بردة. قال: فما قال له رسول الله - ﷺ - شيئًا ولا عاقبه. قال: فجعلت أصيح به في العسكر ليشهده الناس فيقتله قاتل بغير أمر من رسول الله - ﷺ -، فأما أنا فإن رسول الله - ﷺ - قد كفَّنى عن قتله. فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: إلهَ عن الرجل يا أبا بردة، قال: فرجعت إلى رسول الله - ﷺ -، فقال: يا أبا بردة إن الله مانعى وحافظى حتى يظهر دينه على الدين كله (٣).
تقارير استخبارات هوازن عن الجيش النبوي
وكما هي العادة المتبعة في كل حرب فإن حصول العدو عن المعلومات الكاملة في مختلف القطاعات والمجالات أمر يضعه كل قائد مسؤول في مقدمة خططه وحساباته واستعداداته للمواجهة. وانطلاقًا من هذه القاعدة (وكما فعل الرسول - ﷺ - حين بعث باستخباراته للحصول على المعلومات اللازمة عن
_________________
(١) انظر ترجمة أبو بردة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) شم -بكسر الشين أي اغمده.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣.
[ ٩ / ٧٦ ]
قوة هوازن، فقد فعل مالك بن عوف النصرى ملك هوازن وقائدها نفس الشيء، فبعد أن سبق المسلمين إلى وادي حنين وعسكر به وبعد أن علم بتحركهم من مكة، قرر أبي يبعث برجال من استخباراته العسكرية تستطلع أمر الجيش النبوي وتحمل إليه المعلومات الهامة عن الجيش النبوي التي يحتاج إليها قائد عام جيش هوازن الذي أصبح على أبواب معركة مصيرية حاسمة على نتائجها يتقرر مصير الوثنية بأكملها.
فقد انتخب مالك بن عوف ثلاثة من رجاله وأمرهم بأن يقوموا بمهمة التجسس على جيش المسلمين لمعرفة مدى قوته، فكوّن منهم جهاز استخبارات خاصًّا للقيام بهذه المهمة.
فقد أمر مالك بن عوف هؤلاء الثلاثة بأن يندسوا في معسكر المسلمين، وينقلوا إليه كل ما يحتاج إلى معرفته عن جيش الإسلام.
فقام هؤلاء الثلاثة بتنفيذ أمر ملكهم وقائدهم فتسللوا (متنكرين) حتى وصلوا إلى المعسكر الإسلامي وجاسوا خلاله دون أن يشعر أحد من المسلمين، فعرفوا عن جيش الإسلام ما حل قواهم المعنوية وجعلهم يستيقنون في أنفسهم أن أحدًا (مهما كان) لن يقدر على أن يتغلب على جيش الإسلام الذي رأوا.
لذلك عادوا إلى ملكهم وقائدهم مالك بن عوف فقدموا له عن جيش المسلمين تقريرًا أغضبه، ولم يكتف جهاز استخبارات مالك، بل أسدوا لقائدهم النصح بأن يتجنب الصدام مع المسلمين، وأن يعود بجيشه إلى ديار هوازن دون أن يلتحم بالجيش النبوي، لأن تلك هي الوسيلة الوحيدة التي بها ينجو مالك وينجِّي جيشه من هزيمة ستكون ماحقة لا محالة.
قدم جهاز استخبارات ملك هوازن تقريره ثم نصحه بعدم الصدام عن قناعة بنوها نتيجة لواقع شهدوه ولمسوه، حينما خالطوا المسلمين في معسكرهم بين مكة وحنين حيث رأوا ما أفزعهم وبث الرعب في نفوسهم.
ولكن مالكًا اتهم استخباراته بالجبن فسخر منهم ومن نصائحهم، كلف رجلًا آخر من رجاله بأن يقدم له تقريرًا عن واقع الجيش الإسلامي، وقد ذهب الرجل إلى معسكر المسلمين للاستكشاف ولكنه عاد إلى القائد مالك
[ ٩ / ٧٧ ]
يحمل نفس الشعور والانطباع اللذين حملهما الجواسيس الثلاثة، فنصح القائد مالكًا، بأن يعود إلى ديارهم دون أن يلقى المسلمين، وإلا فإن الهزيمة ستكون من نصيبه ومن نصيب جيشه إن هو أصر على ملاقاة المسلمين.
ولكن الغرور حال بين مالك وبين أن يأخذ ويعمل بما في التقارير والنصائح التي قدمها رجال استخباراته عن جيش المسلمين، فأصر على مقاتلة المسلمين مهما كانت النتائج، وقد فعل، فنزلت به وبجيش هوازن تلك الهزيمة المنكرة التي كانت خاتمة الصراع الدامى بين الإِسلام والوثنية في جزيرة العرب.
قال الواقدي: وبعث مالك بن عوف رجالًا من هوازن ينظرون إلى محمد وأصحابه، ثلاثة نَفر، وأمرهم أن يتفرقوا في العسكر، فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم. فقال: ما شأنكم ويلكم؟ فقالوا: رأينا رجالًا بعضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى. وقالوا له: ما نقاتل أهل الأرض إن نقاتل إلا أهل السموات -وإن أفئدة عيونه (أي جواسيسه) تخفق- وإن أطعتنا رجعت بقومك. فإن الناس إن رأوا ما رأينا أصابهم مثل الذي أصابنا.
قال: أفّ لكم بل أنتم قوم أجبن أهل العسكر. فحبسهم عنده فرقًا (أي خوفًا) أن يشيع الرعب في العسكر. وقال: دلونى على رجل شجاع، فخرج، ثم رجع إليه وقد أصابه نحو ما أصاب من قبله منهم، فقال: ما رأيت؟ قال رأيت رجالًا بيضًا على خيل بلق، ما يطاق النظر إليهم، فوالله ما تماسكت أن أصابني ما ترى. فلم يثنه ذلك عن وجهه (١).
الاستخبارات النبوية في معسكر هوازن
وعندما اقترب الرسول - ﷺ - من وادي حنين الذي اتخذه مالك بن عوف معسكرًا لجيوش هوازن بعث بأحد أصحابه إلى معسكر هوازن ليقوم بمهمة جمع المعلومات اللازمة عن هذا الجيش، ويعرف كل ما يمكنه معرفته من أخباره.
وقد صدع رجل الاستخبارات الحربية النبوية فدخل (متنكرًا) إلى معسكر هوازن حيث تعسكر في حنين. رجال في جميع نواحيه حتى إنه وصل إلى مقر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٢ - ٨٩٣.
[ ٩ / ٧٨ ]
قيادة هوازن في المعسكر وسمع ما كان يدور بين ملك هوازن وقائدها وبين بقية رؤسائها من أحاديث حول الحرب بينهم وبين المسلمين.
بل وحصل رجل الاستخبارات النبوية على كامل تفاصيل الخطة التي وضعها قائد هوازن وملكها للمعركة، وعرف بالتحديد عدد الجند الذي يقوده مالك بن عوف لمحاربة الجيش النبوي.
ورجل الاستخبارات النبوية هذا هو عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي الذي سمع مالك بن عوف (وهو في خيمة القيادة) يضع لهوازن خطة الهجوم ويصغِّر لهم من شأن المسلمين ويرفع من معنويات قادة الكتائب في جيشه بأن لديه عشرين ألف مقاتل من هوازن ستكون الغلبة لهم ولا شك على المسلمين، لأن المسلمين -بزعمه- لم يقاتلوا في كل حروبهم إلا أُناسًا لا علم لهم بالحرب. أمَّا هوازن فهي (بزعم مالك) ستبرهن لمحمد وأصحابه كيف تكون الحرب.
فقد سمع ابن أبي حدرد .. سمع مالك بن عوف يقول لقادة وزعماء هوازن في مقر قيادته: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى أغمارًا لا علم لهم بالحرب، فيُنصَر عليهم (١).
ثم شرع في وضع خطة المعركة الفاصلة فقال:
فإذا كان السّحر فصفُّوا مواشيكم ونساءكم وأبناءكم من ورائكم، ثم صفوا صفوفكم ثم تكون الحملة منكم.
ثم دعاهم إلى اتباع طريقة تمكنهم من خفة الحركة في القتال وتحملهم على الاستبسال وعدم التراجع، وهي كسر جفون السيوف وإلقاؤها جانبًا، ودعاهم أن يكونوا هم البادئين بالهجوم لأن النصر -حسبما يقول- إنما يكون للبادئ بالهجوم فقال:
ثم تكون الحملة منكم واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن، واحملوا حملة رجل واحد، واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولًا.
وبعد أن حصل عبد الله بن أبي حدرد على هذه المعلومات الخطيرة الهامة
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٣.
[ ٩ / ٧٩ ]
عن هوازن وخططها للحرب انسل من معسكرهم دون أن يشعر به أحد من رجال العدو.
وحتى إذا ما وصل مقر قيادة الرسول القائد - ﷺ - قدم له تقريرًا مفصلًا عن كل ما رآه وسمعه في معسكر العدو (١).
قال سهل بن حنيف: سرنا مع رسول الله - ﷺ - في غزوة هوازن فأسرع السير حتى أتاه رجل فقال: يا رسول الله قد تقطعوا من ورائك (يعني المسلمين)، كأنه يقصد أن جيش الرسول - ﷺ - فقد شيئًا من تنظيمه الذي كان عليه- قال سهل: فنزل (أي رسول الله - ﷺ -) فصلى بهم العصر وآوى إليه الناس فأمرهم فنزلوا (٢).
وجاء فارس آخر ممن كلفوا القيام بمهمة الاستطلاع جاء إلى رسول الله - ﷺ - في مقر قيادته وقدم له تقريرًا آخر عن وضع قوات العدو كما رآه، فقال: يا رسول الله إني انطلقت من بين أيديكم على جبل كذا وكذا، فإذا بهوازن عن بكرة أبيها بظعنها ونسائها ونعمها في وادي حنين. فتبسم رسول الله - ﷺ - وقال: تلك غنيمة للمسلمين غدًا إن شاء الله (٣).
أعمال الحراسة ليلة المعركة
وعندما اقترب الرسول - ﷺ - بجيشه من وادي حنين حيث دارت المعركة الفاصلة أمر بإنشاء جهاز الحراسة -يرصد العدو- ويرقب تحركاته لئلا يتعرض المسلمون لهجوم مفاجئ. والهجوم المفاجئ من أحطر ما تتعرض له الجيوش المحاربة.
وكان الذي أوكل إليه النبي - ﷺ - مهمة الحراسة ورصد العدو ومراقبة أي تحرك يقوم به هو أنيس بن مرثد بن أبي مرثد الغنوى (٤) وكان فارسًا شجاعًا مقدامًا.
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٣.
(٢) نفس المصدر.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤.
(٤) هو أنيس بن مرثد بن أبي مرثد، كان حليف حمزة بن عبد المطلب، ونسبه في بني غنى بن أعصر، شهد مع رسول الله - ﷺ - فتح مكة، وحنين، وهو الذي أمره الرسول - ﷺ - برجم المرأة التي اعترفت. قتل أبوه شهيدًا يوم الرجيع في حياة الرسول - ﷺ -. توفى أنيس سنة عشرين هجرية، وروى المحدثون عنه=
[ ٩ / ٨٠ ]
وقد أمر الرسول - ﷺ - أن يكون مركز الحراسة بعيدًا عن المعسكر الإسلامي وقريبًا من معسكر العدو ليكشف أي تحرك يقوم به المشركون فيحذر المسلمين منه.
قال الواقدي (وهو يصف تحركات الرسول - ﷺ - بجيشه نحو حنين) ثم قال رسول الله - ﷺ -: ألا فارس يحرسنا الليلة؟ إذ أقبل أنيس بن أبي مرثد الغنوى على فرسه، فقال أنا ذا يا رسول الله.
فقال - ﷺ -: انطلق حتى تقف على جبل كذا وكذا، فلا تنزلن إلا مصليا أو قاضى حاجة، ولا تغرّن من خلفك. قال: فبتنا حتى أضاء الفجر وحضرنا الصلاة، فخرج علينا رسول الله - ﷺ - فقال: أأحسستم فارسكم الليلة؟ قلنا: لا والله فأقيمت الصلاة، فصلى بنا، فلما سلَّم رأيت رسول الله - ﷺ - ينظر خلال الشجر، فقال: ابشروا، فقد جاء فارسكم .. وجاء (أي الفارس) وقال: يا رسول الله إني وقفت على الجبل كما أمرتنى فلم أنزل عن فرسى إلا مصليًا أو قاضى حاجة حتى أصبحت، فلم أحس أحدًا. قال رسول الله - ﷺ -: انطلق فأنزل عن فرسك، وأقبل علينا. فقال: ما عليه ألا يعمل بعد هذا عملًا؟ .
كيف عبأ الرسول - ﷺ - جيشه؟ .
وبعد أن حصل الرسول - ﷺ - على المعلومات التي يريدها عن هوازن وقواتها المعسكرة في وادي حنين محمد إلى قواته فعبأها للقتال استعدادًا للمعركة الوشيكة الفاصلة التي نشبت عند فجر اليوم الثالث عشر من شهر شوال عام ثمان للهجرة، فهُزمَ المسلمون -عند الصدمة الأولى- هزيمة منكرة وكادت تكون ساحقة لولا أن ثبت الله رسوله - ﷺ - وقلة من خلصاء أصحابه هم هيئة أركان حربه فيهم أبو بكر وعمر وعثمان وعلي والعباس وسادة الأنصار، فعاد المنهزمون إلى الميدان عندما علموا أن نبيهم - ﷺ - باق في قلب المعركة وحملوا على جموع المشركين حملة رجل واحد فمزّقوا صفوفهم شر ممزق ثم أنزلوا بهم الهزيمة المدمرة الساحقة. وكانت تعبئة الرسول - ﷺ - لجيشه قبيل الفجر.
_________________
(١) = حديث الفتنة، وأنها ستكون فتنة عمياء صماء بكماء. الحديث - (أسد الغابة ج ١ ص ١٣٥ - ١٣٦).
[ ٩ / ٨١ ]
كان الرسول القائد - ﷺ - قد عبأ جيشه لخوض معركة حنين على أساس قَبلى، وهو ما فعله عندما استعد لدخول مكة وتحريرها.
فقد عمد إلى جيشه الزاحف نحو حنين والبالغ اثنى عشر ألفًا فقسمه إلى أقسام ثلاثة:
القسم الأول: المهاجرون من أهل مكة وحلفائهم.
القسم الثاني: الأنصار.
القسم الثالث: مختلف القبائل بمن فيهم المهاجرون السابقون الأولون منهم.
أما القسم الأول وهم المهاجرون القرشيون وحلفاؤهم، فقد قسمهم الرسول - ﷺ - إلى كتائب ثلاث أعطى قيادتها لثلاثة من كبار المهاجرين وكلهم من قريش.
وأما القسم الثاني وهم الأنصار (الذين يمثلون العمود الفقرى للجيش) فقد نظمهم فرقتين رئيسيتين وهما الأوس والخزرج اللتان إليهما ينتسب جميع الأنصار. وأعطى قيادة هاتين الفرقتين إلى سيدين من سادات الأوس والخزرج كل منهما يحمل لواء قبيلته الأعظم.
ثم قسم الرسول - ﷺ - رجال هاتين القبيلتين الرئيسيتين إلى فصائل على أساس قبلى أيضًا بحيث صارت كل فخيذة من الأوس والخزرج تشمل رجالها المنتسبين في الجيش فصيلة منفردة لها قائدها الخاص وعلمها الخاص.
على أن يكون ارتباط قائد كل فصيلة من القبيلة بحامل اللواء الأعظم من الأنصار وهو سعد بن عبادة أو أسيد بن حضير اللذان كل واحد منهما قائد عام لقبيلته الأم .. سعد بن عبادة قائد عام لقبيلة الخزرج .. وأسيد بن حضير قائد عام لقبيلة الأوس .. على أن يكون مرجع الجميع الرسول الأعظم - ﷺ - كقائد أعلى للجيش.
أما بقية القبائل العربية في الجيش من غير المهاجرين والأنصار، فقد عبأها النبي - ﷺ - على أساس قبلى أيضًا، فجعلهم فصائل.
وكانت هذه الفصائل (قلة وكثرة) حسب عدد رجال القبيلة. فبعض القبائل (لكثرتها) قُسمت إلى أربع فصائل وعيّن لكل فصيلة حامل راية قائد.
[ ٩ / ٨٢ ]
وبعضهم قسم إلى ثلاث فصائل، وبعضهم قسم إلى فصيلتين. وبعضهم كانت القبيلة كلها (لقلة عدد رجالها) فصيلة واحدة.
الجدول بأسماء القادة في حنين:
وفيما يلي جدول يوضح أسماء القادة الكبار من حملة الألوية، ثم جدول بأسماء حملة الرايات من قادة الفصائل من المهاجرين والأنصار وبقية القبائل العربية من أهل البادية:
أسماء حملة الألوية
الاسم النسب
١ - علي بن أبي طالب - قرشى مهاجرى
٢ - سعد بن عبادة - خزرجى أنصارى
٣ - أسيد بن حضير - أوسى أنصارى
أسماء حملة الرايات
الاسم النسب
١ - سعد بن أبي وقاص - قرشى مهاجرى
٢ - عمر بن الخطاب - قرشى مهاجرى
٣ - أبو نائلة - أوسى أنصارى
٤ - أبو بردة بن نيار - أوسى أنصارى
٥ - أبو لبابة بن عبد المنذر - أوسى أنصارى
٦ - قتادة بن النعمان - أوسى أنصارى
٧ - جبر بن عتيك - أوسى أنصارى
٨ - أبو أسيد الساعدى - خزرجى أنصارى
٩ - عمارة بن حزم - خزرجى أنصارى
١٠ - أبو سليط - خزرجى أنصارى
١١ - سليط بن قيس (١) - خزرجى أنصارى
_________________
(١) مما تجدر إلاشارة إليه أن الجيش الذي دخل مكة هو الجيش الذي اشترك في معركة حنين. وكان الرسول - ﷺ - قد عبًا جيشه في قديد على أساس قبلي، فجعل قادة الكتائب من الأوس ستة وقادة=
[ ٩ / ٨٣ ]
هذه أسماء حملة الألوية والرايات من المهاجرين والأنصار .. أما بقية القبائل العربية من أهل البادية والذين يأتون في الدرجة الثانية من حيث كثرة عددهم في الجيش. فقد كان بينهم من حملة الرايات يوم حنين ثمانية عشر قائدًا وهم كما يلي:
أسماء حملة الرايات من أهل البادية
الاسم - القبيلة
١ - بريدة بن الحصيب - أسلم
٢ - جندب بن الأعجم - أسلم
٣ - أبو ذر الغفاري - غفار
٤ - أبو واقد الليثى - بنو ضمرة
٥ - بشر بن سفيان - بنو كعب بن عمرو
٦ - أبو شريح - بنو كعب بن عمرو
٧ - بلال بن الحارث - مزينة
٨ - النعمان بن مقرّن - مزينة
٩ - عبد الله بن عمرو بن عوف - مزينة
١٠ - رافع بن مكيث - جهينة
١١ - عبد الله بن يزيد - جهينة
١٢ - معبد بن خالد أبو زرعة - جهينة
١٣ - سويد بن صخر - جهينة
١٤ - نعيم بن مسعود - أشجع
١٥ - معقل بن سنان - أشجع
١٦ - العباس بن مرداس - بنو سليم
١٧ - خفاف بن ندبة - بنو سليم
_________________
(١) = الكتائب من الخزرج ستة. ويلاحظ هنا أن قادة الفصائل في معركة حنين هم أنفسهم قادة الكتائب في فتح مكة. إلا أن قادة الفصائل من الأوس في معركة حنين خمسة، وقادة الخزرج أربعة فقط. (انظر كتابنا فتح مكة ص ١٠٨ و١٠٩ و١١٠ و١١١ و١١٢.
[ ٩ / ٨٤ ]
١٨ - الحجاج بن علاط (١) - بنو سليم (٢)
قال الواقدي: ولما كان من الليل عمد مالك بن عوف إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين -وهو وادي أجوف، ذو شعاب ومضائق- وفرَّق الناس وأوعز إلى الناس أن يحملوا على محمد وأصحابه حملة واحدة.
وعبأ رسول الله - ﷺ - أصحابه وصفَّهم صفوفًا في السّحر، ووضع الألوية والرايات في أهلها .. ثم ذكر الواقدي أسماء حملة الألوية والرايات من المهاجرين والأنصار وأهل البادية على النحو الذي فصلناه فيما مضى.
وقال الواقدي: وكانت رايات الأوس والخزرج في الجاهلية خضر وحمر، فلما كان الإسلام أقروها على ما كانت عليه. وكانت رايات المهاجرين سود والألوية بيض.
الخيل في مقدمة الجيش النبوي
ومع أن النبي - ﷺ - قد قسم جيشه ونظمه عند التعبئة على أساس قبلي فصار الجيش النبوي يتألف من تسع وعشرين فصيلة .. فصيلتان من المهاجرين. وتسع من الأنصار. وثماني عشر من مختلف القبائل من أهل البادية. فقد أبقى تعبئة الخيل على ما كانت عليه عند دخوله مكة لتحريرها. فقد جعل الخيل (عند تحركه من مكة إلى حنين) في مقدمة الجيش، ورغم أن الرسول - ﷺ - قد نظم جيشه ورتَّبه على أساس قبلي إلا أنه - ﷺ - جعل (وبصورة استثنائية) القائد الشهير خالد بن الوليد قائدًا على ألف فارس، كلهم من بني سليم يقودهم ثلاثة من ساداتهم .. هم العباس بن مرداس .. والحجاج بن علاط .. وخفاف بن ندبة .. فظل خالد قائدًا عامًا للخيل حتى انتهت معركة حنين وحصار الطائف. ولم يزل خالد على مقدمة الجيش حتى عاد النبي - ﷺ - من حنين والطائف إلى الجعرانة (٣).
_________________
(١) انظر تراجم القادة الذين جاء ذكرهم في هذه الجداول وكذلك تراجم القبائل في كتابنا الثامن (فتح مكة) ص ١٥٥ وما بعدها.
(٢) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٥ وما بعدها.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٧.
[ ٩ / ٨٥ ]
وجعل الخيل في مقدمة الجيش، أسلوب يتبعه النبي - ﷺ - دائمًا في حروبه عندما تكون لديه في الجيش خيل متوفرة، لأن الخيل في ذلك العصر أقوى سلاح في أي جيش على الإطلاق، وهو بمثابة سلاح المدرعات في هذا العصر.
كيف عبأ قائد هوازن قواته في حنين
أما قائد هوازن وملكها فقد كان شابًّا في عنفوان شبابه، وهو مالك بن عوف النصرى الذي كان يقود عشرين ألفًا من هوازن يقابلهم (فقط) في الجانب الإسلامي إثنا عشر ألف مقاتل.
كان مالك رغم صغر سنه (وكما دل أسلوبه في تعبئة جيشه) محاربًا ممتازًا من الدرجة الأولى، وكان خبيرًا عسكريًا ومحنكًا في رسم الخطط للمعارك ووضع الكمائن، بالإضافة إلى الشجاعة المتناهية التي بلغت حد التهور .. وكان مع كل هذا يتمتع بسلطات مطلقة على جميع عشائر هوازن، لأنه كان بمنزلة الملك بينهم توَّجوه واعترفوا بسلطانه المطلق.
لقد كانت خطة مالك بن عوف التي رسمها للمعركة خطة محكمة دقيقة أكسبته الجولة الأولى في أول الصدام، حيث أنزلَ بالمسلمين هزيمة منكرة، مزقت كتائبهم، وجعلت بعضهم يدوس بعضًا وهم يفرّون من الشعاب عند طلوع الفجر في اتجاه مكة لا يلوون على شيء، وكادت تكون النهاية المفجعة للجيش الإِسلامي، لولا أن ثبت الله الرسول القائد - ﷺ - ونفرًا قليلًا من خلصاء أصحابه، استبسلوا وثبتوا حول نبيهم وأهابوا بالمنهزمين أن يعودوا إلى ساحة الوغى، فعادوا وجالدوا المشركين أعنف مجالدة وقاتلوهم أشرس قتال بقيادة نبيهم - ﷺ - حتى دارت الدائرة على الكفار ونزلت بهم الهزيمة الساحقة. وكتب الله النصر المؤزر للمسلمين.
أما أسلوب القائد مالك بن عوف في تنظيم جيشه وتعبئته وإعداده للمعركة فقد كان كما يلي:
١ - رفع الروح المعنوية بين جنده
فقد وقف مالك خطيبًا في هوازن مشيدًا بهم ولافتًا نظرهم إلى أن يثقوا
[ ٩ / ٨٦ ]
بأنفسهم لأنهم أكثر عددًا من المسلمين، وأقدر (بزعمه) على الصبر والثبات منهم.
فمما قاله في خطابه لهوازن: إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب فيُنصر عليهم.
٢ - حشد نساء هوازن وأطفالها وأموالها خلف الجيش
فقد أصدر مالك أوامره إلى جند هوازن بأن يجعلوا نساءهم وأطفالهم ومواشيهم وراء الصفوف قريبا من ميدان المعركة.
وهدف القائد مالك من هذا التصرف، أن يستبسل المحارب الهوازنى في القتال، لأنه من الصعب على المحارب أن يفكر في الفرار، فينجو بنفسه ويترك نساءه وولده وماله ليقعوا أسرى في أيدى أعدائه.
فكان مالك بذلك يقصد أن يدخل في نفوس المحاربين من جنده عنصرًا جديدًا من عناصر الثبات والصمود.
وكان دريد بن الصمة الجُشمى المحارب الشهير والشاعر المشهور، قد انتقد خطة القائد مالك هذه أثناء التحرك إلى حنين أشد الانتقاد، واعتبرها نوعًا من المغامرة، بل ضربًا من الانتحار، ونصح مالكًا بأن يعيد النظر في خطته هذه بأن يعيد النساء والأطفال والمواشى إلي رؤوس الجبال ويلقى المسلمين على متون الخيل. ولكن مالكًا أصرَّ فنفَّذَ خطته وصحب معه النساء والأطفال والمواشى حتى انتهت المعركة حيث وقعوا جميعًا في قبضة الجيش الإسلامي.
٣ - جرد السيوف وكسر الجفون
وكانت العرب ترى أن كسر جفون السيوف أبلغ في توطين النفس على الموت، وهو يعني عندهم عدم التراجع بل القتال. حتى النصر أو الموت، وذلك هو الذي قصد إليه القائد مالك بن عوف حين خاطب جنود هوازن وهو ينظمهم: (واكسروا جفون سيوفكم فتلقونه بعشرين ألف سيف مكسور الجفن).
[ ٩ / ٨٧ ]
٤ - وضع الكمائن
كان وادي حنين (كما وصفه المؤرخون) واديًا أجوف ذا منافذ مختلفة وشعاب عدة، وكان مالك لديه كل المعلومات الجغرافية عن هذا الوادي، ولهذا قرر أن يتبع خطة الكمائن لتكون ضربات هذه الكمائن أول ما يلاقيه المسلمون في الحرب.
وفي الحروب القديمة، بل وفي كل الحروب، ليس أضر على الجيوش من تعرضها لضربات الكمائن المفاجئة.
كان مالك بن عوف هو السابق إلى وادي حنين فاختار المكان المناسب لضخامة جيشه فعسكر فيه. وفي الليلة التي كانت صبيحتها معركة حنين، انتخب مالك بن عوف عدة مفارز من رجال هوازن الأشداء وذهب بهم في ظلام الليل إلى الشعاب والمضائق التي سيمر أمامها جيش النبي - ﷺ -، وهناك وزَّع مالك رجاله إلى عدة فصائل، نظمها على شكل كمائن، وبعد أن رتب هذه الكمائن ونظمها في ظلام الليل (زيادة في الكتمان) أصدر إلى قادتها الأوامر المشددة بأن يهاجوا المسلمين في عماية الصبح وقبل أن ينشر الفجر ضوءَه ليدخلوا بذلك الفوضى على صفوفهم ويبثوا الذعر في نفوسهم ويشتتوا شملهم ولا يتركوا لهم فرصة يعيدون فيها تنظيمهم.
وهذا ما حدث بالفعل، فكانت خطة الكمائن أنجع الخطط التي اتبعها مالك بن عوف في حربة ضد المسلمين، حيث نزلت بهم على أيدى الكمائن هزيمة منكرة كادت تكون ساحقة مدمرة لولا أن ثبَّت الله رسوله فثبت مكانه مع قلة من خلصاء أصحابه كان ثباتهم جميعًا سببًا في إعادة تنظيم المنهزمين وعودتهم إلى قلب المعركة بعد أن فروا منها كما سنرى فيما يلي من هذا البحث إن شاء الله.
٥ - البدء بالهجوم واتباع خطة المباغتة
كذلك كان ضمن خطة مالك بن عوف التي رسمها لمعركة حنين: البدء بالهجوم أي أن تكون هوازن آخذة بزمام المبادرة فتهاجم المسلمين قبل أن يهاجموها، لأن النصر يكون (غالبًا) كما صرح مالك بن عوف لمن يكون بادئًا بالهجوم.
[ ٩ / ٨٨ ]
ولذلك قال القائد مالك لهوازن (وهو يضع لهم الخطة): ثم تكون الحملة منكم، واحملوا حملة رجل واحد واعلموا أن الغلبة لمن حمل أولًا.
وقد نفذت هوازن جميع الخطط التي وضعها للمعركة القائد العام مالك بن عوف وقد أتت هذه الخطط المحكمة ثمارها اليانعة في المرحلة الأولى من المعركة فانكسر المسلمون حتى وصلت طلائع المنهزمين منهم ضواحي مكة. وقال الذين أسلموا ولمَّا يدخل الإيمان في قلوبهم من عناصر الجيش الإِسلامي: إنها هزيمة لن تنتهي حتى البحر .. غيرأن ثبات الرسول - ﷺ - وقلة من خلصاء أصحابه من المهاجرين والأنصار ساعة الهزيمة أضاع على هوازن ثمرة انتصارها حيث تحوَّل هذا الانتصار إلى هزيمة ساحقة بفضل الله تعالى ثم بفضل ثبات الرسول - ﷺ - والقلة من صفوة أصحابه، هذا الثبات الذي لمَّا علمه المنهزمون المسلمون خجلوا من أنفسهم وكرّوا راجعين وقاتلوا هوازن أشد ما يكون القتال حتى هزموهم شر هزيمة.
التخويف والإِرهاب بالتضليل
كذلك كان من خطط مالك بن عوف وأسلوبه في الاستعداد للصدام التخويف باتباع الحرب النفسية بإدخال الرهبة في نفوس المسلمين من قواته. وذلك يجعل جيشه يظهر أكبر من حجمه الطبيعي بكثير. بحيث خُيِّل لمن يراه من المسلمين على بعد وكأنه مائة ألف مقاتل. وهذا المظهر ولا شك يكون ذا أثر في النفوس. فقد عمد الداهية مالك بن عوف (بالإِضافة إلى جيشه الحقيقي) عمد إلى عشرات الألوف من الجمال التي جلبها معه وجعلها وراء جيشه الحقيقي كالجيش الاحتياطى صفوفًا، ثم أركب عليها النساء، فبدا سواد جيشه وكأنه مائة ألف مقاتل.
وفعلًا ظن المسلمون أن الجمال التي تحمل النساء، تحمل رجالًا محاربين. لاسيما وأن الجمال تأتى في ذلك العصر (بعد الخيل) من أهم الأسلحة في الحرب حيث كان العرب يحاربون وهم عليها كما يحاربون وهم على الخيل.
صحابي يصف ضخامة جيش هوازن
ولنترك أحد كبار الصحابة الكرام ممن اشتركوا في معركة حنين .. يصف
[ ٩ / ٨٩ ]
لنا هذه الخدعة الحربية التي لجأ إليها القائد الملك مالك بن عوف النصرى.
وهذا الصحابي الجليل هو أنس بن مالك، فقد قال: لما انتهينا إلى وادي حنين وهو واد من أودية تهامة، له مضائق وشعاب، فاستقبلنا من هوازن شيء لا والله ما رأيت مثله في ذلك الزمان قط من السواد والكثرة، قد ساقوا نساءهم وأموالهم وأبناءهم وذراريهم، ثم صُفوا صفوفًا فجعلوا النساء فوق الإبل وراء صفوف الرجال، ثم جاءوا بالإِبل والبقر والغنم. فجعلوها وراء ذلك لئلا يفرّوا (بزعمهم). فلما رأينا ذلك السواد حسبناه رجالًا كلهم، فلما تحدرنا في الوادي، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، فانكشف أول الخيل -خيل سليم- موليِّة فولوا، وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين.
من هذا الوصف الذي رواه الصحابي أنس بن مالك عن خطة التضليل والإِيهام التي اتبعها ورسمها أثناء تعبئته قائد هوازن الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره .. من هذا الوصف يتضح أي خصم عنيد شجاع محنك ومدرب، واجهه المسلمون في موقعة حنين الحاسمة، التي بمهارته وحسن تعبئته لجيشه، كسبها مالك بن عوف في الجولة الأولى وكاد يركب أكتاف المسلمين ويحتل مكة لولا أن أمدَّ الله رسوله وقلة من صفوة أصحابه فَقَلَبُوا (بثباتهم بعد عون الله) ميزان القوى لصالح الإِسلام فرفعوا رصيد الجيش الإِسلامي (الذي عاد إلى الميدان) من الصفر إلى أعلى درجات النصر.
[ ٩ / ٩٠ ]
الفصل الرابع
* نشوب المعركة عند الفجر.
* البداية السيئة للمسلمين في القتال.
* هجوم كمائن هوازن المفاجئ الصاعق على المسلمين.
* هزيمة المسلمين المروِّعة في بداية المعركة.
* ثبات الرسول ومائة فقط من أصحابه عند الهزيمة.
* المحاولة الثانية لاغتيال الرسول أثناء الهزيمة.
* الرسول يناشد المسلمين الثبات والعودة إلى الميدان.
* استجابة المنهزمين للرسول بعودتهم إلى الميدان.
* احتدام المعركة وعنفها الشديد.
* دور المرأة المسلمة في معركة حنين.
* هزيمة هوازن الساحقة.
* فرار القائد العام لهوازن بعد استبساله.
[ ٩ / ٩١ ]
نشوب المعركة وهزيمة المسلمين
وهكذا وبعد أن أكمل الفريقان المسلمون والمشركون في حنين تعبئتهما دنت ساعة الصفر واستعد الفريقان للمعركة الحاسمة.
كانت تعبئة المسلمين للجيش عند السحر قريبًا من الفجر، وكان انحدارهم إلى وادي حنين عند غلس الفجر، حيث يغلب الظلام على الضياء.
وتلك كانت فرصة ذهبية للكمائن الكثيرة التي ضعها قائد هوازن في الشعاب والمضائق، فقد كان جل اعتماد القائد ابن عوف لكسب المعركة على نجاح الكمائن الكثيرة الخطيرة التي وضعها بدقة وإحكام أثناء الليل ودون علم استخبارات الجيش النبوي في مضايق الشعاب التي سيمر من أمامها الجيش النبوي قاصدًا السهل الفسيح الذي تعسكر فيه هوازن بنسائها وأطفالها وأموالها من وراء جيشها.
وكان المسلمون يظنون (لعدم علمهم بكمائن هوازن) أن الصدمة الأولى في المعركة ستكون في سهل حنين حيث يعسكر سواد الجيش الهوازنى بأثقاله وأمواله ونسائه وأطفاله. ولم يُدخِلوا في حسابهم أمر الكمائن التي وضعها لهم عند مداخل وادي حنين قائد هوازن، وإلا لاستعدوا لها ولم يمكنوها من تحقيق شيء من أهدافها. ولكن أمر الله كان مقضيًا، فقد كتب أن تنجح كمائن المشركين وتنزل الهزيمة بالمسلمين (الذين أعجبتهم كثرتهم) عند الصدمة الأولى وقبل أن يكملوا انحدارهم إلى الوادي ويصلوا إلى السهل الذي دارت فيه (فيما بعد) المعركة الحاسمة بعد تراجع المسلمين من هزيمتهم.
[ ٩ / ٩٢ ]
كمائن المشركين تهزم المسلمين
لا شك أن الكمائن هي من أخطر الأخطار التي تتعرض لها الجيوش النظامية في القديم والحديث، وكم كانت الكمائن سببًا في إلحاق الهزائم المدمرة بالجيوش التي تفوق الكمائن عددًا وعدة.
وهذا ما فطن له القائد المحنك مالك بن عوف النصرى فأحكم تركيب الكمائن للمسلمين في الشعاب ومضائق التلال ووراء الهضاب في حنين، فأنزل الهزيمة بالجيش النبوي عند الصدمة الأولى فولَّى الجيش هاربًا دون أن يشرع أحد منه رمحًا أو يجرد سيفًا.
لا شك أن رجال الكمائن الذين وضعهم مالك بن عوف في أماكنهم بطريق الجيش النبوي هم أقل بكثير من عدد جيش الإِسلام، ولكن المباغتة لها (دائما في الحروب) تأثيرها الصاعق الذي يشل فعالية الجيوش ويربكها مما يجعل الهزيمة تحيق بها مهما كانت كثرتها ومهما كان تنظيمها وحسن تسليحها. وهذا هو الذي فعلته كائن هوازن (وهم مفارز صغيرة) بالجيش الإِسلامي الكبير الذي يبلغ اثنى عشر ألف مقاتل يتقدمهم ألف فارس يقودهم فارس من أمهر فرسان العرب وهو خالد بن الوليد.
وما كان خالد قائد المقدمة من الرجال الذين ينخذلون لكمائن أو غيرها، ولكن يظهر أنه فقد السيطرة على فرسانه الذين أكثرهم من أهل البادية الذين هم حديثو عهد بالحرب النظامية التي اتبعها كل من الرسول - ﷺ - وخصمه مالك بن عوف، فأفقدهم الثبات هجمات الكمائن المباغتة التي شُنَّت عليهم بأسلوب صاعق فانكفأوا هاربين نحو مكة وهم ألف فارس فجرفوا من ورائهم بقية الجيش بعد أن أدخلوا بفرارهم الرعب في النفوس، فانفرط عقد الجيش النبوي وصار كل جندى فيه همه النجاة بنفسه في تلك اللحظات العصيبة التي نجحت فيها كائن هوازن كل النجاح.
أسباب نجاح كمائن هوازن
ويمكن تلخيص أسباب نجاح كمائن مالك بن عوف عند الصدمة الأولى في
[ ٩ / ٩٣ ]
أمور ثلاثة:
أولًا: عدم علم قيادة الجيش الإسلامي بهذه الكمائن وأماكنها ولو علمت بها لأبطلت فعالتها.
ثانيًا: قيام الكمائن بهجومها على المسلمين والظلام لا يزال سائدًا مع بزوغ الفجر حيث تعرض المسلمون لقصف شديد بالسهام، وللهجوم الصاعق بمختلف الأسلحة من كل ناحية فلم يتبينوا من أين يأتيهم الهجوم، فنفرت خيلهم من السهام، ولا شيء يؤذى الخيل ويفزعها مثل السهام، فانسحب أصحابها إلى الخلف وكانوا في المقدمة وهم ألف فارس، فتحول انسحابهم إلى هزيمة كبرى.
ثالثًا: كانت مواقع الكمائن تشرف على منحدرات وعرة وضيقة كثيرة التعاريج، غير صالحة لجولان الخيل التي كانت في مقدمة الجيش والتي كان تراجعها سببًا في إنزال الهزيمة بالجيش النبوي عند فجر يوم الثالث عشر من شوال عام ٨ للهجرة.
كيف انهزم المسلمون بفعل الكمائن
يدل سياق المؤرخين على أن قائد هوازن مالك بن عوف قد كان دقيقًا في توقعاته وتوقيته للهجوم الذي قرر أن تكون كمائنه هي البادئة به، وبحيث يكون هذا الهجوم أول هجوم تشنه قواته على الجيش النبوي.
فقد افترض هذا القائد وأدخل في حسابه (وهو يضع الخطة للمعركة) افترض -وضمن حسابات ومعادلات دقيقة- .. افترض وقدَّر (وكان افتراضه وتقديره في محلهما) أن الجيش النبوي سيمر بالأماكن التي وضع فيها الكمائن، عند عماية الصبح وقبل أن يغمر ضوء الصباح الأرض بنوره، فيستفيد مالك من الظلام وهو يشن بكمائنه الهجوم المباغت الصاعق على الجيش الإِسلامي، وقد يكون توقعه وافتراضه هذان بناهما على معلومات نقلها إليه جواسيسه عن سير تحركات الجيش النبوي.
المهم أن الأمور جاءت كما توقع القائد مالك. فعند بزوغ الفجر وقبل أن ينسخ ضياء الصبح ظلام الليل، وجدت مقدمة الجيش الإِسلامي نفسها (وكلها من الخيل) بين كمائن هوازن، فانقضت هذه الكمائن على مقدمة
[ ٩ / ٩٤ ]
المسلمين انقضاضة رجل واحد وقصفتها بسيل من السهام وهاجمتها بمختلف الأسلحة من مختلف الجهات، ولم تكن كمائن هوازن من المشاة فقط، بل إن هناك كمائن من الخيل أيضًا اشتركت وقت عماية الصبح في مهاجمة المسلمين حيث كانت هذه الكمائن الهوازنية ترابط في فجاج الشعاب والوديان الصغيرة الرافدة إلى حنين.
وعندما تعرضت مقدمة الجيش النبوي لذلك الهجوم المفاجئ الصاعق من الكمائن انهزمت كلها واتجهت هاربة نحو مكة دون أن تشهر سيفًا أو تشرع رمحًا أو تطلق سهمًا.
وأحدث تراجع مقدمة جيش الإسلام وفرارها الفوضى الشاملة والارتباك الكامل داخل صفوف الجيش النبوي الذي فقد تنظيمه تمامًا، وصارت خيل المسلمين المنهزمة تحطم مَن أمامها وتدوسه من جند المسلمين، وظن الكثير أنها الهزيمة التي لن تقوم للمسلمين بعدها قائمة، وأخذت كتائب الجيش النبوي تتدفق وكأنها السيل الجارف -لا إلى المعركة للقتال- وإنما فرارًا نحو مكة. وشرعت قوات هوازن في مطارة المسلمين الذين لم يباشروا أي قتال بعد لأنهم فروا فور تعرضهم لهجوم الكمائن الصاعق.
كان موقفًا عصيبًا وامتحانًا شديدًا لم تتعرض القيادة الإسلامية العليا لمثله في تاريخ حروبها ضد الوثنية وحتى في يوم أُحد. لأن المسلمين انهزموا ذلك اليوم بعد أن سجلوا نصرًا رائعًا على المشركين في المرحلة الأولى من المعركة.
أما في يوم حنين فإن جيوش الإسلام تمزقت وولت الآلاف المؤلفة من المشاة والفرسان هاربة لا تلوى على شيء، ولو استمر الوضع على ما كان عليه عند الصدمة الأولى لأبيد أكثر الجيش الإِسلامي ولسقطت مكة نفسها في أيدى المشركين من هوازن الذين يبلغ تعداد قواتهم عشرين ألفًا كانوا قادرين على اجتياح مكة في أقل من ساعتين، ولكن الله غالب على أمره فقد كان ثبات النبي - ﷺ - ومائة (فقط) من خلصاء أصحابه عاملًا حاسمًا في تغيير مجرى تلك الأحداث الخطيرة لصالح الإِسلام.
[ ٩ / ٩٥ ]
المرجفون في جيش الإِسلام
كان في الجيش النبوي ألفان من أهل مكة، الكثير منهم أسلموا ولمَّا يدخل الإِيمان في قلوبهم، وكان خروجهم مع الجيش النبوي لا للقتال في جانب الإِسلام ضد الوثنية، وإنما للحصول على حصتهم في الغنيمة عندما يتم النصر للمسلمين.
هذه العناصر من أهل مكة لما رأت انهزام المسلمين ورأت فرسان هوازن الوثنية تطاردهم، ظهر ما كانت تبطن هذه وتفوهت بكلام يدل على فرحتها بهزيمة الجيش النبوي وتشفيها منه ..
فقد قال ابن إسحاق: ولما انهزم الناس تكلم رجال من جفاة الأعراب بما في أنفسهم من الضِّغن، فقال أبو سفيان بن حرب (وهو حديث عهد بالإِسلام لم يمر على إسلامه أكثر من عشرين يومًا): لا تنتهي هزيمتهم حتى البحر (١).
وصرخ كلدة بن الحنبل (وهو مع أخيه لأمه صفوان بن أمية وصفوان مشرك في المدة التي جعل له رسول الله - ﷺ - وكان ضمن الجيش النبوي) ألا بطل السحر اليوم. فقال له صفوان بن أمية: اسكت فض الله فاك، فوالله لئن يَربُّنى (٢) رجل من قريش أحب إلى من أن يربُّنى رجل من هوازن (٣).
وفي مغازي الواقدي أن كلدة بن حنبل قال لصفوان بن أمية -ساعة اندحار المسلمين-: أبشر أبا وهب، هُزم محمد وأصحابه. فقال له صفوان (زاجرًا): إن ربًا من قريش أحب إليَّ من ربّ من هوازن إن كنت مربوبًا .. قال هذا الكلام صفوان وهو لا يزال مشركًا. وقد أسلم وحسن إسلامه وكان عاقلًا شديد الإِنصاف، وقد استشهد في حروب الجهاد في الشام.
محاولة اغتيال الرسول - ﷺ - ساعة الهزيمة
وفي تلك اللحظات من ساعات المصير التي شرع المسلمون فيها في
_________________
(١) مما لا جدال ولا خلاف فيه بين أهل الحديث والسير أن أبا سفيان ممن حسن إسلامه وهو عدل صحابى ثقة عند جميع أئمة الحديث.
(٢) يربنى: معناه يحكمنى، حيث أن العرب تُطلق على الحاكم أحيانًا اسم الرب.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٢٧.
[ ٩ / ٩٦ ]
الانكسار والتراجع، تعرَّض الرسول - ﷺ - وهو يواجه ذلك الموقف الصعب - لمحاولة اغتيال شريرة، فقد اغتنم أحد الموتورين من قريش فرصة انكشاف المسلمين فقرر اغتيال الرسول - ﷺ - انتقامًا لمقتل أبيه يوم أحد على أيدى المسلمين، وكان أبوه حامل لواء المشركين يوم أحد.
وهذا الرجل الذي أضمر اغتيال الرسول - ﷺ - هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة العبدرى حامل مفتاح الكعبة وكان ضمن من أسلم يوم الفتح ولمَّا يدخل الإِيمان في قلبه. ولكن الله تعالى منع رسوله - ﷺ - من تلك المؤامرة الشريرة وحماه منها.
فقد تحدث المخطِّط لهذه المؤامرة نفسه بعد أن حسن إسلامه فقال: قلت: اليوم أدرك ثأر أبي. اليوم أقتل محمدًا. قال: فأردت رسول الله - ﷺ - لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشَّى فؤادى فلم أطق ذلك وعلمت أنه قد مُنع منى (١).
حديث المؤرخين عن الهزيمة
أما هزيمة المسلمين عند الصدمة الأولى وقت الفجر فقد أجمع المؤرخون وأصحاب الحديث على أنها كانت هزيمة مخيفة لم يثبت عندها أحد من المسلمين إلا الرسول - ﷺ - ومائة فقط من هيئة أركان حربه وهم خلصاء أصحابه كلهم من سادات المهاجرين والأنصار. وكان وصف المؤرخين والحديث للهزيمة مقتضيًا ليس فيه كثير تفصيل. ونحن نذكر هنا ما جاء فيما بين أيدينا من أمهات التاريخ من وصف لهذه الهزيمة:
قال ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر عن أبيه جابر بن عبد الله قال:
لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف خَطوط (٢)، إنما ننحدر فيه انحدارًا. قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضائقه، وقد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا
_________________
(١) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٧٥ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٧.
(٢) خطوط: بفتح الخاء: منحدر.
[ ٩ / ٩٧ ]
فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدّوا علينا شدة رجل واحد .. وانشمر (١) الناس راجعين لا يلوي أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين ثم قال: أين الناس؟ هلموا إليّ، أنا رسول الله. قال: فلا شيء، حملت الإبل بعضها على بعض، فانطلق الناس إلا أنه بقى مع رسول الله - ﷺ - نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته.
وعن يونس بن بكر، قال: فخرج مالك بن عوف بمن معه إلى حنين فسبق رسول الله - ﷺ - إليها فأعدوا وتهيأوا في مضايق الوادي وأحنائه. وأقبل رسول الله - ﷺ - حتى انحط بهم الوادي في عماية الصبح، فلما انحط الناس ثارت في وجوههم الخيل فشدّت عليهم وانكفأ الناس منهزمين لا يقبل أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين يقول: (أين الناس؟ هلموا إليّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله). قال: فلا شيء. وركبت الإبل بعضها بعضًا (٢).
وقال ابن حزم يصف الهزيمة: ثم نهض (أي رسول الله - ﷺ -، فلما أتى وادي حنين وهو واد حَدور (٣) من أودية تهامة، وهوازن قد كمنت جنبتى الوادي، وذلك في عماية الصبح (٤) فحملوا على المسلمين حملة رجل واحد فولى المنهزمون لا يلوى أحد على أحد، فناداهم رسول الله - ﷺ - فلم يرجعوا (٥).
وقال الطبري في تاريخه -بعد سرد أسانيده عن جابر بن عبد الله عن أبيه-: لما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه انحدارًا، قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضائقه، قد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا-، فوالله ما راعنا -ونحن منحطون- إلا الكتائب قد شدَّت علينا
_________________
(١) انشمروا: انهزموا.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٢٦.
(٣) الحدور: المكان الذي ينحدر منه.
(٤) عماية الصبح: ظلامه قبل أن يتبين.
(٥) جوامع السيرة ص ٢٣٩.
[ ٩ / ٩٨ ]
شدة رجل واحد، وانهزم الناس فانشمروا لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ذات اليمين، ثم قال: أين الناس؟ هلمّ إليَّ أنا محمد بن عبد الله، فلا شيء احتملت الإِبل بعضها بعضًا، فانطلق الناس (١).
وقال محمد بن سعد في طبقاته: وانحدر رسول الله - ﷺ - في وادي الحنين على بغلته البيضاء دلدل، ولبس درعين والمغفر والبيضة، فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح، وخرجت الكتائب من مضيق الوادي وشعبه فحملوا حملة واحدة، وانكشفت الخيل خيل بني سليم مولية وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، فجعل رسول الله - ﷺ - يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله (٢).
وقال محمود شيت خطاب (وهو من المؤرخين العسكريين الإِسلاميين المعاصرين): دخلت قوات المسلمين وادي حنين فجرًا، وكان واديا أجوف منحدرًا ينحط فيه الركبان كلما أوغلوا، كأنهم يسيرون إلى هاوية، فلما استقرت أكثر قوات المسلمين في الوادي، رماهم المشركون بوابل من سهامهم، فلم يعرف المسلمون مصدر ذلك الرمي، لأن الظلام كان سائدًا وقتذاك، ولأن مواضع المشركين كانت مخفية تمامًا، فانسحبت مقدمة المسلمين وجرفت أمامها المسلمين (٣) الأخر، فانقلب انسحاب المسلمين إلى هزيمة. ورأى أبو سفيان هزيمة المسلمين فقال: (لا تنتهي هزيمتهم دون البحر). وقال آخرون ممن أسلموا حديثًا مثل قوله، بل إن عثمان بن طلحة الذي قتل أبوه في غزوة أحد حاول اغتيال الرسول - ﷺ - في هذا الموقف العصيب ليدرك ثأر أبيه من محمد، وترك المشركون مواضعهم للقيام بالمطاردة بعد انسحاب المسلمين، وكان يتقدم هوازن رجل على جمل أحمر بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، وهو كلما أدرك المسلمين طعن برمحه، وهوازن وثقيف منحدرون وراءه يطعنون. وانتشر الفزع بين المسلمين وازدحمت المسالك بالسابلة، وارتبكت الصفوف واختلطت القبائل ببعضها، وركبت الإبل بعضها بعضًا وهي مولية
_________________
(١) الطبري ج ٣ ص ٧٤.
(٢) الطبقات الكبرى ج ١ ص ١٥٠.
(٣) كانت مقدمة المسلمين ألف فارس، وللخبير العسكري أن يتصور كيف تصنع ألف حصان وهي فارة بمن أمامها من المشاة وراكبي الجمال.
[ ٩ / ٩٩ ]
بأصحابها وتعقدت الأمور (١).
وقال ابن الأثير: واستعمل رسول الله - ﷺ - على مَن بمكة عتّاب بن أسيد (٢). قال جابر: فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في واد أجوف حَطوط إنما ننحدر فيه انحدارًا في عماية الصبح، وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه، وقد أجمعوا وتهيأوا وأعدوا، فولله ما راعنا ونحن منحطُّون إلا الكتائب قد شدَّت علينا شدة رجل واحد، فانهزم الناس أجمعون لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين، ثم قال: أيها الناس هلموا إليَّ أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله، قالها ثلاثًا، ثم احتملت الإبل بعضها بعضًا (٣).
الكمائن بمشورة دريد بن الصمة
ويذكر ابن برهان الدين أن الكمائن التي نصبها الشاب القائد مالك بن عوف كانت بإشارة من المجرّب المعمّر دريد بن الصمة فقد قال: فلما كان النبي - ﷺ - بحنين وانحدروا في الوادي عند غبش الصبح خرج عليهم القوم وكانوا قد كمنوا لهم في شعاب الوادي ومضايقه، وذلك بإشارة دريد بن الصمة، فإنه قال لمالك: اجعل لك كمينًا يكون لك عونًا، إن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فحملوا عليهم حملة رجل واحد، فاستقبلوهم بالنبل كأنهم جراد منتشر، لا يكاد يسقط لهم سهم (٤).
ثبات الرسول القائد ساعة الهزيمة
هكذا كانت هزيمة المسلمين عند الصدمة الأولى في حنين، هزيمة منكرة، ركب المسلمون فيها بعضهم بعضًا وهم يفرّون من ساحة القتال لا يلوون على شيء، وقد كانت هزيمة عامة شاملة شملت جميع قطاعات الجيش البالغ اثنى
_________________
(١) الرسول القائد ص ٢٤٩.
(٢) انظر ترجمة عتاب بن أسيد فيما مضى من هذا الكتاب.
(٣) الكامل في التاريخ ٢ ص ١٧٨.
(٤) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٣.
[ ٩ / ١٠٠ ]
عشر ألفًا .. والمنهزم - (كما قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف) لا يرده شيء.
وللخبير الحربي أن يتصور اثنى عشر ألف مقاتل بينهم أكثر من ألفين وأربعمائة فارس وعدة آلاف من الجمال ينطلقون من الميدان راجعين فارين على غير تعبئة ولا نظام، إنها الفوضى المخيفة المريعة، الناس يدوس بعضهم بعضًا وهم قوة هائلة انفرط عقدها وضاع نظامها، قوة هائلة منهزمة، خيلها وجمالها ومشاتها انهزمت جميعها ما عدا الرسول القائد - ﷺ - وقلة من أصحابه لا يزيدون على المائة في أكبر تقدير. وهذه القوات المنهزمة من ورائها عشرون ألفًا من هوازن يطاردونها بأقصى قوة.
الرسول يحاول إيقاف المنهزمين
وقد حاول الرسول القائد - ﷺ - إيقاف المنهزمين، وهو ثابت في الميدان، فناداهم بأن يثبتوا ويلتفوا حوله فلم يلتفت إليه أحد ولم يجبه أحد، بل يمكن أنه لم يسمع صوته أحد في تلك الساعات الرهيبة التي اختلط فيها الحابل بالنابل، حيث أصبح همّ كل واحد من الجند النجاة بنفسه، ولا يستبعد أن أكثر المنهزمين قد ظنوا أن الرسول - ﷺ - قد قُتل أو انهزم، بدليل أنهم لما أفاقوا من صدمة الهزيمة وسمعوا صوت العباس بن عبد المطلب يُشعرهم بأن الرسول - ﷺ - حي ثابت مكانه يناشدهم الرجوع إلى ميدان الشرف تنادوا وأخبر بعضهم بعضًا ورجعوا إلى الميدان من جديد.
أما الرسول القائد - ﷺ - فقد ثبت عند الهزيمة، وجرد سيفه ورمى غمده وأخذ حربته ليواجه الأعداء ثابتًا وحوله تلك القلة القليلة من صفوة أصحابه. وقد قاتل الرسول - ﷺ - المشركين في تلك الساعات الحرجة ببسالة وشجاعة وثبات تليق بمقامه كنبي مرسل وقائد أعلى مسئول، وواجه جموع هوازن الهائلة تسانده تلك القلة الصابرة من أصحابه وهم مائة فقط. بينما تبلغ جيوش هوازن المتدفقة في الميدان عشرين ألفًا.
وليس يوم حنين هو اليوم العصيب الوحيد الذي يثبت فيه الرسول - ﷺ - عندما يفزع الناس أو يتعرضون لهزيمة. فقد كان الثبات عند الرّوع وتحرُّج
[ ٩ / ١٠١ ]
الأمور سجية أساسية وخلقًا مكينًا من أخلاق سيد القادات والشجعان محمد - ﷺ -.
ففي يوم أحد عندما انكشف المسلمون نتيجة غلطة الرماة واقتحام خيل خالد بن الوليد مؤخرة المسلمين، ثبت الرسول - ﷺ - مكانه بمنتهى الشجاعة والثبات، حتى أن ثباته في تلك الساعة الحرجة، كان العامل الرئيسى في تراجع المسلمين عن الهزيمة وتكتلهم وإعادة تنكل قواتهم من جديد وعلى نحو أعاد لهم هيبتهم وسيطرتهم على مكان المعركة رغم الخسائر الفادحة التي نزلت بهم والتي بلغت عشرة في المائة من قواتهم يومئذ (١).
وفي أيام الخندق عندما تحرجت الأمور ونقضت يهود قريظة العهد وتعرَّض المسلمون لأشد الأخطار حتى بلغت القلوب الحناجر، كما جاء في القرآن الكريم، كان الرسول - ﷺ - يمثِّل أعلى مستويات الصبر والشجاعة والثبات، فقد كان بشجاعته وإيمانه يشيع الطمأنينة في النفوس القلقة التي بلغ بها الخوف من جيوش الأحزاب الهائلة حد الاختناق، بل كان الرسول - ﷺ - يقوم بنفسه بأعمال الحراسة. وأين؟ أمام أخطر النقاط التي يمكن أن تكون دون غيرها عرضة لاقتحام خيالة الأحزاب، وذلك على مشارف الخندق في ليال شاتية شديدة البرودة مع العواصف المزعجة، وذلك في وقت تحرَّجت فيه حالة المسلمين وتناقص عدد قواتهم من ألف مقاتل إلى ما لا يزيد على ثلثمائة بعد تسلل المنافقين وضعاف النفوس من صفوف الجيش النبوي خوفًا من قوة الأحزاب التي بلغت عشرة آلاف مقاتل (٢).
وهكذا كان الرسول - ﷺ - (دائمًا) ملاذ أصحابه، وتصرفه في ميادين الثبات والصبر عندما تشتد خطوب الحرب- عاملًا رئيسيًا في استبسالهم وتقوية روحهم المعنوية وسد المنافذ التي يمكن أن يتسرب منها إلى نفوسهم الخور والتخاذل ساعة الروع وساعة تقاطر البلايا والمحن الحربية عليهم.
الامتحان العظيم
حقًّا لقد كانت الهزيمة للمسلمين (عند الصدمة الأولى) امتحانًا عظيمًا
_________________
(١) انظر تفاصيل ثبات الرسول - ﷺ - يوم أحد في كتابنا الثالث (غزوة أحد).
(٢) انظر تفاصيل محنة المسلمين الكبرى أيام الخندق في كتابنا الثالث (غزوة الأحزاب).
[ ٩ / ١٠٢ ]
ما في ذلك شك، وقد صمد الرسول الأعظم - ﷺ - والقائد الأكبر لهذا الامتحان، فثبت مكانه كقطب يمكن أصحابه المنهزمين من العودة ليكونوا حوله إذا ما علموا أنه حي باق في موقعه، وما كان لمن هو في منزلة محمد بن عبد الله الهاشمي أن يفرَّ مهما كانت الظروف ومهما كانت النتائج والاحتمالات في تلك الساعات الرهيبة التي لم تمر بجيش للإسلام يقوده النبي - ﷺ - تجربة مريرة مثل تلك التجربة .. إنه نبي مرسل واثق من نصر الله له ومن يثق بالله لا يمكِّن عدوه منه، ثم إن محمد بن عبد الله سيد السادات وقائد القادات، قائد أعلى لجيش هو مسئول عنه، ولابد من أن يعالج الوضع الذي صار إليه الجيش الإِسلامي (رغم هزيمته) لا يزال سليمًا ولم تنزل به أية خسارة في الأرواح تذكر.
إذن لا بد من إعادته إلى الميدان، إن الذين فوجئوا بهجوم هوازن المباغت الصاعق ليسوا من الجبناء، إن من بينهم من رفعوا الرأس وجعلوا الإسلام يدخل التاريخ من أوسع أبوابه يوم بدر فصمدوا في ذلك اليوم لقوات الشرك وانتصروا عليها وهي تفوقهم في العدد ثلاثة أضعاف، وتتفوق عليها في العتاد والتموين وكل شيء مادي تفوقًا ساحقًا. أما في حنين فقوات هوازن عشرون ألفًا والمسلمون اثنا عشر ألف، إنه ليس هناك تفوق ساحق لهوازن على المسلمين في العدد، إذن فهزيمة المسلمين المفاجئة يوم حنين عند الصدمة الأولى لها أسباب ليس من بينها الجبن أو الخور، إنه (على ما يفسر الخبراء العسكريون) عامل المفاجأة المذهل، ووجود عناصر قبلية بدائية حديثة العهد بالإسلام لا تزال تتحكم فيها الفوضى، كما أنه كانت هناك عناصر داخل الجيش الإِسلامي أظهرت إسلامها ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، هذه العناصر كان لها دور في صنع الهزيمة بما تختزنه نفوسها من بقايا جاهلية جعلتها تتصرف تصرف من يقصد أن تكون الهزيمة للجيش النبوي، ويكون النصر لجيش هوازن، بدليل أن أول المنهزمين في الجيش النبوي عند الصدمة الأولى هم من هذه العناصر كما أكد ذلك وكّرره كبار المؤرخين الذين كتبوا وقائع معركة حنين.
والخلاصة أن الهزيمة عند الصدمة الأولى كانت هزة وامتحانًا اضطربت فيه وحدات الجيش النبوي ثم انهزمت، فثبت القائد الأعلى النبي - ﷺ - فكان ثباته
[ ٩ / ١٠٣ ]
والمائة من أصحابه عاملًا أساسيًا في معالجة الوضع وتحسينه ثم تعديله وترجيح كفة الجيش الإِسلامي المهزم، وجعله يتخذ موقف الهجوم الصاعق بعد أن كان في موقف المهزم الهارب، وذلك بعد أن ثبت الله المؤمنين فعادوا إلى الميدان بعد أن علموا أن نبيهم وقائدهم الأعلى لا يزال ثابتًا في موقفه في الميدان يضرب وجوه هوازن بالسيف ويطعن في صدورهم بالرمح.
صيحة العباس تعيد المنهزمين
كان العباس بن عبد المطلب من القلة (المائة) الصابرة التي ثبتت مع الرسول - ﷺ - عندما انهزم المسلمون يوم حنين، وحين رأى الرسول - ﷺ - الجيش الإسلامي منهزمًا لا يلوى على شيء عمد اإلى معالجة الوضع المتدهور (وكان على ثقة بأن أصحابه وخاصة الأنصار والمهاجرين) إذا علموا بمكانه وأنه ثابت يقاتل المشركين لم ينهزم سيعودون حتمًا إلى ساحة الميدان وبعودتهم سيتغير ميزان القوى لصالح الإِسلام والمسلمين وإن النصر سيكون حليف جيش التوحيد، فالنبي ليس لديه أدنى ريب في أن الله ناصره.
لذلك طلب من عمه العباس (وكان صيتًا يسمع صوته لعدة أميال) طلب منه أن يناشد الجيش العودة إلى ميدان الشرف والجهاد، كلفه بأن يصرخ باسم الأنصار وأصحاب شجرة الرضوان خاصة لأنهم العمود الفقرى للجيش في كل معركة يخوضها المسلمون في العهد النبوي (وعلى الخصوص الأنصار) الذين يكونون الأكثرية دائمًا في أي قتال يدور بين الإِسلام وأعدائه.
فعل العباس ما أمره النبي - ﷺ - ونادى باسم الأنصار خاصة وباسم أصحاب السَّمُرة (الشجرة التي بايع المسلمون النبي - ﷺ - تحتها يوم الحديبية قبل فتح مكة).
ولم يكد المسلمون المنهزمون يسمعون المناشدة النبوية، عبر صوت العباس بن عبد المطلب حتى أفاقوا من صدمة المفاجأة، وخاصة بعد أن أيقنوا أن نبيهم - ﷺ - ثابت مكانه يقاتل المشركين، فعادوا جميعًا إلى ميدان المعركة، فتجمعوا حول النبي - ﷺ - وبسرعة هائلة، فأخذ الوضع في التحسن لصالح الجيش النبوي، وصارت هوازن تتلقى ضربات المسلمين، بعد أن كانت قد
[ ٩ / ١٠٤ ]
ركبت أكتافهم وظن قادتها أن هزيمة المسلمين ساحقة وأن مكة أصبحت في حكم المنتهى أمرها سقوطًا في قبضة هوازن.
احتدام القتال من جديد
وبعد استجابة الصحابة المنهزمين لنداء الرسول الحبيب - ﷺ - عبر صوت عمه العباس، احتدم القتال بين المسلمين وهوازن كأعنف ما يكون، فدارت المعركة رهيبة، وتحوَّل موقف هوازن في لحظات من الهجوم إلى الدفاع، وقاتل المسلمون المشركين بحنق وغيظ فصبروا صبرًا عظيمًا حتى كتب الله لهم النصر المؤزر، وانهزمت هوازن هزيمة مدمرة لم يهزم مثلها أحد من العرب عبر التاريخ. تحطم كبرياء هوازن الذي هزها بسبب نصرها المفاجئ المؤقت عند الصدمة الأولى، ونزل بها الذل والهوان، والهزيمة التي ما كان أحد من قادتها يتصور أنها ستحدث. أو حتى سيتمكن المسلمون من عدم مواصلة الانهزام حتى مكة. أو حتى البحر، كما قال أحد الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم.
كل ذلك حدث بفضل الله تعالى ثم بفضل ثبات النبي القائد بأبي وأمى هو صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، والذي كان ثباته مكانه ومهاجمته المشركين ساعة انهزام المسلمين (رغم أنه لم يثبت معه سوى مائة من أصحابه) سببًا في رفع رصيد المسلمين بالمعركة في حساب النصر من الصفر حتى أعلى رقم في حسابات الفوز والغلبة.
فقد خجل المنهزمون المسلمون حين علموا أن نبيهم ثابت مكانه يصارع أمواج الجيش الهوازنى وهم يفرّون منهزمين، خجلوا حين سمعوا المناشدة النبوية بدعوتهم إلى العودة إلى ساحة القتال حول نبيهم، فرجعوا وانقضوا على العدو بحنق وغيظ) وكأنهم الرياح العاتية تكتسح كل شيء يعترضها، حتى أن أحدهم (كى يكون أسبق العائدين إلى ميدان القتال) يرمى خطام جمله ثم يقفز من على ظهره حاملًا سيفه ورمحه وهو يجرى بأقصى سرعة إلى حيث يقف الرسول الأعظم - ﷺ - لمجالدة المشركين.
وكما كان المسلمون في هزيمتهم عند الصدمة الأولى يدوس بعضهم بعضًا صاروا أشد من ذلك في الازدحام حينما عادوا إلى ميدان الشرف ونفضوا غبار
[ ٩ / ١٠٥ ]
الهزيمة عن وجوههم، حتى كادت رماحهم تصيب رسول الله - ﷺ - من شدة الازدحام حوله لمقاتلة المشركين.
وصف الواقدي للمعركة
ولعله من المستحسن أن نستمع إلى إمام المغازي محمَّد بن عمر الواقدي، وهو يصف لنا تلك الساعات الدقيقة الحرجة المحرجة الخجلة التي انهزم فيها المسلمون، واللحظات الرائعة المشرفة التي عادوا فيها وغسلوا عمار الهزيمة المفاجئة بدمائهم الشريفة الطاهرة، فسجلوا أعظم نصر سجله الإِسلام على الوثنية في العهد النبوي.
قال الواقدي: قال أنس بن مالك: فلما تحدرنا في الوادي وادي حنين، فبينا نحن في غلس الصبح، إن شعرنا إلا بالكتائب قد خرجت علينا من مضيق الوادي وشعبه، فحملوا حملة واحدة فانكشف أول الخيل -خيل سليم- مولية، فولوا، وتبعهم أهل مكة وتبعهم الناس منهزمين، ما يلوون على شيء، قال أنس فسمعت رسول الله - ﷺ - والتفت عن يمينه ويساره- والناس منهزمون وهو يقول: يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله صابر. قال ثم تقدّم - ﷺ - بحربته أمام النَّاس. وعن العباس ابن عبد المطلب: لما كان يوم حنين التقى المسلمون والمشركرن، فولى المسلمون يومئذ، فلقد رأيت رسول الله - ﷺ - وما معه إلا أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، آخذ بثغر بغلة رسول الله - ﷺ - والنبي - ﷺ - لا يألو مسرعًا نحو المشركين.
قال العباس: كنت رجلًا صيتا. فقال رسول الله - ﷺ - حين رأى من الناس ما رأى لا يلوون على شيء قال: يا عباس اصرخ: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فناديت: يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة، فأقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت إلى أولادها يقولون: يا لبيك يا لبيك، فيذهب الرجل منهم فيُثنى بعيره، فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقدمها في عنقه، ويأخذ ترسه وسيفه، ثم يقتحم في بعيره فيخلى سبيله في الناس، ويؤم الصوت حتى ينتهى إلى رسول الله - ﷺ - حتى إذا ثاب إلينا الناس اجتمعوا، فكانت الدعوة أولًا، يا للأنصار، ثم قصرت الدعوة فنادوا
[ ٩ / ١٠٦ ]
يا للخزرج، قال: وكانوا صُبُرًا عند اللقاء صُدُقًا عند الحرب قال: فأشرف رسول الله - ﷺ - كالمتطاول في ركابه -فنظر إلى قتالهم فقال: الآن حمى الوطيس (١)، ثم أخذ - ﷺ - بيده من الحصى فرماهم، ثم قال: انهزموا ورب الكعبة، قال أنس: فوالله ما زلت أرى أمرهم مدبر وحدّهم كليلًا حتى هزمهم الله، وكأنى أنظر إلى رسول الله - ﷺ - يركض خلفهم بغلته. اهـ.
ووصف شاهد عيان (يوم حنين) عودة الأنصار المنهزمين إلى رسول الله - ﷺ - فقال: لقد عطف الأنصار نحو رسول الله - ﷺ -، (وهم يقولون الكرّة بعد الفرّة) فعطفو، عطفة البقر على أولادها قد شرعوا الرماح حتى إني لأخاف على رسول الله - ﷺ - من رماحهم أشد من خوفى رماح المشركين يؤمّون الصفوف ويقولون: يا لبيك يا لبيك فلما اختلطوا، واجتلدوا (٢) ورسول الله - ﷺ - قائم على بغلته في ركابه يقول: اللهم إني أسألك وعدك، لا ينبغي لهم أن يظهروا. ثم قال للعباس ناولنى حصيّات من الأرض، ثم قال: شاهت الوجوه، ورمى بها المشركين وقال: انهزموا ورب الكعبة (٣). وقد أجاب الله تعالى دعاء رسوله - ﷺ - فانقلب ميزان القوى في المعركة لصالح المسلمين حتى هزموا المشركين شر هزيمة.
الذين ثبتوا مع الرسول ساعة الهزيمة
وقال أنس يصف ثبات الرسول - ﷺ - وأصحابه النخبة: فسمعت رسول الله - ﷺ - والتفت عن يمينه ويساره والناس منهزمون، وهو يقول يا أنصار الله وأنصار رسوله، أنا عبد الله ورسوله صابر. قال ثم تقدم بحربته أمام الناس، فوالذي بعثه بالحق، ما ضربنا بسيف ولا طعنَّا برمح حتى هزمهم الله، ثم رجع النبي - ﷺ - إلى العسكر وأمر بقتل من قدر عليه منهم، وجعلت هوازن تولى وثاب من انهزم من المسلمين.
_________________
(١) قال: الرسول - ﷺ -: الآن حمى الوطيس تعبيرًا عن ضراوة القتال وجدته وهي من الكلم الذي لم يعبر به أحد من العرب قبل الرسول - ﷺ - ثم صار هذا التعبير الموجز يعبر به دائمًا عن المعارك الدائرة العنيفة المحتدمة.
(٢) اجتلد أي ضرب بالسيف.
(٣) الواقدي ج ٣ ص ٨٩٨ و٨٩٩.
[ ٩ / ١٠٧ ]
وقد جاء في كتب التاريخ ذكر أسماء رجال ثبتوا مع رسول الله - ﷺ - من بينهم أبو بكر وعمر، والعباس بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب والفضل بن العباس (١) وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد الخزرجى (٢)، وأسامة بن زيد وحارثة بن النعمان (٣). فعن عاصم بن عمرو بن قتادة عن عبد الرحمن بن جابر بن عبد الله عن أبيه. قال: لما انكشف الناس والله ما رجعت راجعة هزيمتهم حتى وجدوا الأسرى عند النبي - ﷺ - مكتفين. قال: والتفت رسول الله - ﷺ - يومئذ إلى أبي سفيان بن الحارث وهو مقنع في الحديد، وكان ممن صبر يومئذ، وهو آخذ بثغر بغلة النبي - ﷺ - قال: من هذا؟ قال: ابن أمك يا رسول الله. ويقال إنه قال: من أنت قال: أخوك فداك أبي وأمى -أبو سفيان بن الحارث. فقال رسول الله - ﷺ - نعم أخي- ناولنى حصى من الأرض، فناولته فرمى بها في أعينهم كلهم وانهزموا (٤).
وقال الواقدي: قالوا: فلما انكشف الناس انحاز رسول الله - ﷺ - ذات اليمين وهو واقف على دابته لم ينزل إلا أنه قد جرد سيفه وطرح غمده. وبقى
_________________
(١) هو الفضل بن العباس بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف، وهو ابن عم رسول الله - ﷺ - يكنى أبو عبد الله، شهد مع النبي - ﷺ - فتح مكة، وثبت معه يوم حنين، كما شهد معه - ﷺ - حجة الوداع، وكان رديفه، وكان من أجل الناس: كان من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ -، شهد الفضل غسل رسول الله - ﷺ -، وكان يصب الماء على علي بن أبي طالب، استشهد في الشام يوم مرج الصفر، وقيل بأجنادين، وبعضهم يقول: أنه مات في طاعون عمواس عام ١٨ هجرية.
(٢) أو أيمن بن عبيد بن عمر بن بلال من بني غنم بن عوف بن الخزرج، وهو ابن أم أيمن حاضنة الرسول - ﷺ -، وهو أخو أسامة بن زيد لأمه، روى عنه مجاهد وعطاء. قاله في أسد الغابة، استشهد أيمن يوم حنين. قاله ابن إسحاق.
(٣) هو حارثة بن النعمان بن نقع بن زيد، خزرجى من بني النجار. شهد بدرا وأحدًا والخندق وكل المشاهد، كان من فضلاء الصحابة والموثوقين لدى رسول الله - ﷺ -، ثبت يوم حنين مع الرسول - ﷺ -، وهو الذي سلم عليه جبريل، فقد روى أن النبي - ﷺ -، لما جاءه جبريل يومًا، مر عليه حارثة هذا، فقال: حارثة: فسلمت على رسول الله - ﷺ - وجزت، فلما رجعت وانصرف رسول الله - ﷺ - قال: هل رأيت الذي كان معى؟ قلت: نعم، قال جبريل وقد رد عليك السلام. قال ابن حجر في الإصابة (نقلًا عن البخاري) إن حارثة قال لعثمان بن عفان: إن شئت قاتلنا دونك، أدرك حارثة خلافة معاوية ومات فيها بعد أن ذهب بصره.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٠.
[ ٩ / ١٠٨ ]
رسول الله - ﷺ - في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته (العباس وعلى والفضل بن عباس وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن بن عبيد الخزرجى وأسامة بن زيد، وأبو بكر وعمر ﵈ (١).)
شأن المائة الصابرة مع الرسول
وذكر بعض المؤرخين (بشأن المائة الصابرة مع الرسول - ﷺ - أنه - ﷺ - لما انكشف الناس وانهزموا، عند الصدمة الأولى. قال لحارثة بن النعمان: كم ترى الذين ثبتوا؟ فقال حارثة: فلما التفت ورائى تحرّجًا (٢) فنظرت عن يمينى وشمالى فحزرتهم مائة، فقلت: يا رسول الله هم مائة .. حتى كان يوم مررت على النبي - ﷺ - وهو يناجى جبريل - ﵇ - عند باب المسجد، فقال جبريل: من هذا يا محمَّد؟ فقال - ﷺ -: حارثة بن النعمان. فقال جبريل: هذا أحد المائة الصابرة يوم حنين، لو سلم لرددت عليه. فأخبره النبي - ﷺ - فقال حارثة: ما أظنه (يعني جبريل) إلا دِحية الكَلْبى (٣) واقف معك.
وعن معمر بن راشد عن الزهري عن عروة عن عائشة ﵂ أن جبريل قال: إن الله تكفل لهم (أي الذين صبروا مع الرسول) بأرزاقهم وأرزاق عيالهم في الجنة، وكان العباس يقول: وكان أبو سفيان بن الحارث من الذين تكفل الله بأرزاقهم وأرزاق عيالهم في الجنة (٤).
وفي ثبات النبي - ﷺ - ساعة الهزيمة روي عن البراء بن عازب (وكان من الذين ثبتوا) (٥) أنه كان يقول: والله الذي لا إله إلا هو، ما ولى رسول الله - ﷺ - ولكنه وقف واستنصر، ثم نزل وهو يقول:
أنا النبي لا كَذِب أنا ابن عبد المطلب
فأنزل الله عليه نصره وكبت عدوه وأفلح حجته (٦).
_________________
(١) مغازى الواقدي ج ٣ ص ٩٠٠.
(٢) قال ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث: (تحرج فلان إذا فعل فعلًا يخرج به من الحرج: الإثم والضيق).
(٣) انظر ترجمة دحية الكلبي في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة).
(٤) الواقدي ج ٣ ص ٩٠٢.
(٥) انظر ترجمة البراء بن عازب في كتابنا (غزوة أحد).
(٦) المغازي ج ٣ ص ٩٠٢.
[ ٩ / ١٠٩ ]
دعاء النبي يوم حنين
وكان دعاء النبي - ﷺ - حين انهزم جيشه وثبت هو: (والمائة الصابرة من الصفوة من المهاجرين والأنصار): (اللهم لك الحمد وإليك المشتكى وأنت المستعان). قال جبريل لقد لقنت (بفتح اللام كسر القاف) الكلمات التي لقن الله موسى يوم فلق البحر أمامه وفرعون خلفه.
وكما ذكرنا دائمًا كان الأنصار دائمًا العمود الفقرى للقوات النبوية المسلحة طيلة حياة الرسول - ﷺ - ولهذا فقد كان من المائة الصابرة الثابتة مع النبي - ﷺ - ساعة الهزيمة يوم حنين سبعة وستون من الأنصار وثلاثة وثلاثون من المهاجرين (١).
اشتداد القتال بين الفريقين
وبعد أن تراجع المنهزمون المسلمون إلى ساحة الوغى احتدم القتال وقاتلت هوازن بشراسة وضراوة منقطعة النظير، ولكنها بعد عودة العسكر الإسلامي المنهزم كله، تحولت من مركز الهجوم إلى مركز الدفاع، فقد شن المسلمون (بقيادة نبيهم) على هوازن هجومًا مضادًا كاسحًا، حاولت هوازن وأحلافها الثبات أمامه ولكن دون جدوى.
فقد اكتسحهم المسلمون بحنق وغيظ، وفتكوا بهم وجرفوهم أمامهم كما تجرف العاصفة الورق اليابس، فأثخنوا فيهم، حتى بلغ الحنق ببعض المسلمين إلى أن امتدت أيديهم إلى ذرية المشركين لقتلهم، فأوقفهم النبي - ﷺ - عن ذلك بنفسه؛ لأن شريعة الإسلام لا تبيح قتل الذرية مهما كانت المبررات والأسباب.
فقد حدث محمَّد بن أبي صعصعة قال: لما نادى العباس مهيبًا بالمسلمين أن يعودوا عن الهزيمة، صاح سعد بن عبادة سيد الخزرج يا للخزرج يا للخزرج، وصاح سيد الأوس أسيد بن حضير: يا للأوس يا للأوس، فثابوا والله من كل ناحية كأنهم النحل تأوى إلى يعسوبها، قال فحنق المسلمون على المشركين فقتلوهم حتى أسرع المسلمون في قتل الذرية، فبلغ
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠١.
[ ٩ / ١١٠ ]
ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: ما بال أقوام ذهب بهم القتل حتى بلغ الذرية، ألا لا تقتل الذرية، نادى بها ثلاثًا، فقال أسيد بن حضير: يا رسول الله إنما هم أولاد المشركين.
فقال الرسول - ﷺ - مجيبًا أسيدا: أو ليس خياركم أولاد المشركين؟ كل نسمة تولد على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها، فأبواها يهوِّدانها أو ينصرانها (١).
ومما لا خلاف فيه أن هوازن بعد تراجع المسلمين إلى الميدان قد قاتلت قتالًا ضاريا وكان فيهم رجال قد أكثروا القتل في المسلمين بشراسة ولا أدل على ذلك من هذه القصة التي رواها المؤرخون عن أن رجلًا من هوازن على جمل له يهبر المسلمين بسيفه حتى أكثر القتل فيهم إلى أن تعاون عليه علي بن أبي طالب وأبو دجانة فقتلاه. ورجل. يتعاون على قتله ألمع فارسين في المهاجرين والأنصار لهو رجل فاتك شجاع ما في ذلك شك فعلى فارس المهاجرين وأبي دجانة فارس الأنصار وصاحب سيف. رسول الله - ﷺ - يوم أحد وصاحب المواقف البطولية المشهودة في ذلك اليوم.
قالوا: (في وصف فعل الهوازنى الأفاعيل بالمسلمين): وكان "رجل من هوازن على جمل أحمر، بيده راية سواء في رأس رمح له طويل أمام الناس، إذا أدرك طعن، قد أكثر القتل في المسلمين، فيصمد له أبو دجانة فعرقب جمله فسمع خرخرة جمله (٢).
واكتسح الجمل وسدَّ علي وأبو دجانة عليه فيقطع عليّ يده اليمنى ويقطع أبو دجانة يده الأخرى، وأقبلا يضربانه بسيفيهما جميعًا حتى تثلم سيفاهما فكفَّ أحدهما. وأجهز الآخر عليه، ثم قال أحدهما لصاحبه: إمض لا تعرج على سلبه، فمضيا يضربان أمام النبي - ﷺ -، ويعترض لهما فارس من هوازن بيده راية حمراء، فضرب أحدهما يد الفرس ووقع لوجهه ثم ضرباه بأسيافهما فمضيا على سلبه. ويمر أبو طلحة فسلب الأول ومر بالآخر فسلبه.
_________________
(١) الواقدي ج ٣ ص ٩٠٥.
(٢) قال في لسان العرب: الخرخرة: سرعة الخرير في القصب.
[ ٩ / ١١١ ]
وكان عثمان بن عفان وعلي وأبو دجانة وأيمن بن عبيد يقاتلون بين يدي رسول الله - ﷺ - (١).
استبسال قائد قبيلة هوازن
كذلك شهد المؤرخون (نقلًا عن شهود عيان) أن القائد العام لقوات هوازن مالك بن عوف النصرى وقبيلته بني نصر، قد قاتلوا بشراسة وشجاعة وثبات، حتى كادوا أن يفنوا عن آخرهم، ولم ينسحب القائد العام مالك بن عوف من الميدان إلا بعد أن رأى أنه قد فقد السيطرة كليا على جيوشه التي شَتَّتَتها الهزيمة كما تشتِّت العاصفة الورق اليابس ولم يعد لأحد من جنود هوازن ما يهمه سوى النجاة بنفسه، قال الواقدي: واستحر القتل في بني نصر (قوم مالك بن عوف) وفي بني رباب من بني نصر، حتى صار عبد الله بن قيس النصرى -وكان مسلمًا- يقول: يا رسول الله هلكت بنو رباب، فقال اللهم اجبر مصيبتهم.
وقال أبو قتادة رأيت يوم حنين رجلين يقتتلان: مسلما ومشركًا، قال: وإذا رجل من المشركين يريد أن يعين صاحبه المشرك على المسلم. قال: فأتيته فضربت يده، فقطعتها، واعتنقنى بيده الأخرى، فوالله ما أرسلنى حتى وجدت ريح الموت، وكاد يقتلنى فلولا أن الدم نزفه (٢) لقتلنى، فسقط فضربته فقتلته وأجهضنى عنه القتال (أي شغلنى)، ومر به رجل من أهل مكة فسلبه، فلما وضعت الحرب أوزارها وفرغنا من القوم. قال رسول الله - ﷺ - من قتل قتيلًا فله سلبه. فقلت: يا رسول الله، والله لقد قتلت قتيلًا ذا سلب، فأجهضنى (٣) عنه القتال؛ فما أدرى من استلبه؟ فقال رجل من أهل مكة: صدق يا رسول الله، وسلب ذلك الرجل القتيل عندي، فأرضه عني من سلبه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لا والله لا يرضيه منه تعمد إلى أسد من أسد الله، يقاتل عن دين الله، تقاسمه سلبه، أردد عليه سلب قتيله. فقال رسول الله - ﷺ -: صدق أردد عليه
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٣ تحقيق الدكتور مارسدن جونس طبعة أكسفورد.
(٢) نزفه الدم إذا سال حتى أضعفه فأشرف على الموت.
(٣) أجهضنى عنه القتال: شغلنى وضيق على وغلبنى.
[ ٩ / ١١٢ ]
سلبه. فقال أبو قتادة: فأخذته منه، فبعته، فاشتريت بثمنه مخرفًا (١) فإنه لأول مال اعتقدته (٢).
المعجزة السماوية يوم حنين
وتحدث مختلف المؤرخين عن المعجزات التي أيد الله بها نبيه يوم حنين حيث بث الرعب بها في نفوس المشركين: فقد قالوا عن بعض الصحابة ممن شهدوا حنينا: أنهم رأوا قبل هزيمة هوازن (والناس يقتتلون) مثل البجاد (٣) الأسود أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم. قال أحدهم: فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث (٤) قد ملأ الوادي، لم أشك أنها الملائكة ثم لم يكن إلا هزيمة القوم.
وقال آخر: إن رجال مالك بن عوف (وكانوا عيونًا له) عادوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: رأينا رجالا بيضًا على خيل بلق، فوالله ما تماسكنا حتى أصابنا ما ترى.
وعن شيوخ من الأنصار. قالوا: رأينا يومئذ كالبجد السود هوت من السماء ركامًا (٥) فنظرنا فإذا نمل مبثوث فإن كنا لننفضه عن ثيابنا فكان نصرا أيدنا الله به.
وكان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمراء قد أرخوها بين أكتافهم، وكان الرعب الذي قذف الله في قلوب المشركين يوم حنين كوقع الحصى في الطست (٦). فكان سويد بن عامر السوائي يحدث، وكان حاضرًا يومئذ (مع المشركين) فسئل عن الرعب فكان يأخذ الحصاة فيرمى بها في الطست فيطن فقال: إن كان في أجوافنا مثل هذا.
_________________
(١) جاء في الروض الأنف: المخرف: نخلة واحدة أو نخلات يسيرة إلى عشر فأما ما فوق ذاك فهم بستان أو حديقة.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩١.
(٣) البجاد (بكسر الباء): الكساء.
(٤) مبثوث: متفرق، يعني رآه من السماء.
(٥) الركام: السحاب المتراكم بعضه فوق بعض: كذا قال في نهاية غريب الحديث ج ٢ ص ١٠١.
(٦) الطست وعاء واسع للغسيل يكون من النحاس غالبًا.
[ ٩ / ١١٣ ]
وكان مالك بن أوس بن الحدثان يتحدث عن مدى أثر الحصى الذي قذف به رسول الله - ﷺ - في وجوه المشركين فيقول: حدثني عدة من قومى شهدوا ذلك اليوم (مع المشركين) يقولون: لقد رمى رسول الله - ﷺ - بتلك الكف من الحصيات فما منا أحد إلا يشكو القذى في عينيه، ولقد كنا نجد في صدورنا خفقانًا كوقع الحصى في الطساس، ما يهدأ ذلك الخفقان عنا، ولقد رأينا يومئذ رجالا بيضا على خيل بلق عليهم عمائم حمر، قد أرخوها بين اكتافهم، بين السماء والأرض كتائب كتائب ما يليقون شيئًا (١) ولا نستطيع أن نقاتلهم من الرعب منهم (٢).
تعليق السهيلى على المعجزة
وقال السهيلى في كتابه (الروض الأنف ج ٧ ص ٢١٣ تحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل ﵀) تعليقا على هذه المعجزات: ويقول جبير بن مطعم (هو صحابي حضر المعركة): لقد رأيت مثل البجاد يعني الكساء من النمل مبثوثًا، يعني رآه ينزل من السماء. قال: لم أشك أنهما الملائكة، وقد قدم ابن إسحاق قول الآخر: رأيت رجالا بيضا على خيل بلق، وكانت الملائكة فأراهم الله لذلك الهوازنى على صور الخيل والرجال ترهيبًا للعدو، ورآهم جبير على صورة النمل المبثوث إشعارًا بكثرة عددها، إذ أن النمل لا يستطاع عدّها، من أن النملة يضرب بها المثل في القوة، فيقال: أقوى من النملة لأنها تحمل ما هو أكبر من جرمها بأضعاف، وقد قال رجل لبعض الملوك: جعل الله قوتك قوة النملة، فأنكر عليه، فقال: ليس في الحيوان ما يحمل ما هو أكبر منه إلا النملة، وهذا المثل قد ذكره الأصبهاني في كتاب الأمثال مقرونًا بهذا الخبر، وقد أهلك بالنمل أمة من الأمم وهم جرهم اهـ.
ومعجزة أخرى يحدثنا حاجب البيت شيبة الحجبى (بأسلوب أوسع) فيقول -عن سبب اسلامه-: ما رأيت أعجب مما كنا فيه، من لزوم ما مضى عليه آباؤنا من الضلالات، ولما كان عام الفتح ودخل رسول الله
_________________
(١) قال في لسان العرب ج ١٢ ص ٢١٠: يقال فلان ما يليق شيئًا من سخائه، أي ما يمسك.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٢ و٩١ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٥ و٩٠٦ والسيرة الحلية ج ٢ - ص ٢٣٨ والطبرى ج ٣ والبداية والنهاية ج ٤ والكامل في التاريخ ج ٢.
[ ٩ / ١١٤ ]
- ﷺ - مكة وسار إلى حرب هوازن، قلت أسير من قريش إلى هوازن بحنين، فعسى إن اختلطوا أن أصيب من محمَّد غِرَّة فأقتله فأكون أنا الذي قمت بثأر قريش كلها وفي لفظ: اليوم أدرك ثأرى من محمَّد - لأن أباه وعمه. قتلا يوم أحد قتلهما حمزة ﵁ - وأقول لو لم يبق من العرب والعجم أحد لا أتبع محمدًا، لا يزداد ذلك الأمر عندي إلا شدة، فلما اختلط الناس، ونزل - ﷺ - عن بغلته أصلتُّ السيف (١) ودنوت منه، ورفعت السيف حتى كدت أوقع به الفعل، رفع إليَّ شواظ من نار كالبرق كاد يهلكنى، فوضعت يدي على بصرى خوفًا عليه، فنادانى - ﷺ - يا شيبة، أن مني فدنوت منه، فالتتفت إلي وتبسَّم وعرف الذي أريد منه فمسح صدري، ثم قال: اللهم أعذه من الشيطان، قال شيبة: فوالله لهو كان الساعة إذن أحب إلى من سمعى وبصري ونفسى، وأذهب الله ما كان فيّ، ثم قال - ﷺ -: أدنُ فقاتل فتقدمت أمامه أضرب بسيفى، الله أعلم أنى أحب أن أقيه بنفسى كل شيء ولو كان أبي حيا ولقيته في تلك الساعة لأوقعت به السيف، فجعلت ألزمه فيمن لزمه حتى تراجع المسلمون كروا كرة واحدة، وقربت إليه - ﷺ - بغلته فاستوى عليها قائما وخرج في أثرهم حتى تفرقوا في كل وجه أي المشركون، وأمر رسول الله - ﷺ - أن يقتل من يقدر عليه واتبعهم المسلمون يقتلونهم، حتى قتلوا الذرية فنهاهم النبي - ﷺ - عن قتل الذرية (٢).
دور المرأة المسلمة في معركة حنين
وفي معركة حنين، كان للمرأة المسلمة دورًا مشرفًا، فقد كان ضمن الجيش النبوي نسوة أربع من نساء الأنصار ثبتن مع رسول الله - ﷺ - يوم حنين، على رأسهن أم عمارة (٣) صاحبة المواقف المشهورة في معركة أحد، فقد روي سليمان بن هلال عن أمَّ عمارة ﵂ قالت: لما كان يومئذ والناس منهزمون في كل وجه وأنا وأربع نسوة في يدي سيف لي صارم وأم سليم (٤) معها خنجر قد حزمته على وسطها، وهي يومئذحامل بعبد الله بن
_________________
(١) صلت السيف: جَرَّدَهُ من غمده متهيئًا للضرب.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٥ - ٣٣٦.
(٣) انظر ترجمة أم عمارة في كتابنا الثاني (غزوة أحد).
(٤) انظر ترجمة أم سليم فيما مضى من سلسلتنا هذه.
[ ٩ / ١١٥ ]
أبي طلحة (١) وأم سليم (٢) وأم الحارث (٣) قالوا: فجعلت (أم عمارة) تسلّه وتصيح بالأنصار (لما انهزم المسلمون): أية عادة هذه؟ ما لكم وللفرار. قالت: وانظر إلى رجل من هوازن على جمل أورق معه لواء يوضع جمله في أثر المسلمين، فأعترض له فأضرب عرقوب الجمل فيقع على عجزه. وأشد الرجل، فلم أزل أضربه حتى أثبته، وأخذت سيفا له وتركت الجمل يخرخر، ورسول الله - ﷺ - قائم مصلت السيف بيده قد طرح غمده ينادى يا أصحاب سورة البقرة، قال: وكر المسلمون فجعلوا يقولون: يا بني عبد الرحمن، يا بني عبيد الله، يا خيل الله، وكان رسول الله - ﷺ - قد سمى خيله خيل الله، وجعل شعار المهاجرين بني عبد الرحمن، وجعل شعار الأوس بني عبيد الله، فكرت الأنصار، ووقفت هوازن حلب ناقة فتوح (٤)، ثم كانت إياها، فوالله ما رأيت هزيمة كانت مثلها، ذهبوا في وجه، فرجع ابناى إلى -حبيب وعبد الله ابنا زيد- بأسارى مكتفين، فأقوم لهم من الغيظ، فأضرب عنق واحد منهم، وجعل الناس يأتون بالأسارى، فرأيت في بني مازن بن النجار ثلاثين أسيرًا. وكان المسلمون قد بلغ أقصى هزيمتهم مكة، ثم كرّوا بعد وتراجعوا، فأسهم لهم النبي - ﷺ - جميعًا (٥).
_________________
(١) هو شيبة بن عثمان بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عمان بن عبد الدار القرضى العبدرى الحجبى من أهل مكة يكنى أبا عثمان وقيل أبا صفية، وأبو عثمان يعرف بالأوقص، كان أبوه يحمل لواء المشركين يوم أحد قتله (مشركًا) علي بن أبي طالب، أسلم شيبة يوم الفتح في الظاهر، ولكنه صحح إسلامه يوم حنين، قال ابن الأثير في أسد الغابة: كان شيبة من خيار المسلمين، ودفع له رسول الله - ﷺ - مفتاح الكعبة وإلى ابن عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، وقال: خذوها خالدة مخلدة تالدة إلى يوم القيامة يا بني طلحة لا يأخذها منكم إلا ظالم، وشيبة هو جد بني شيبة الذين يلون حجابة البيت الذين بأيديهم مفتاح الكعبة إلى يومنا هذا، كان شيبة من رواة الحديث. حج بالناس سنة تسع وثلاثين وذلك كحل وسط حينما اختلف أنصار معاوية وعلى حيث كل مهم يريد أن يكون أميرًا على الحجيج (انظر الإصابة) توفي شيبة سنة تسع وخمسين.
(٢) أم سليط قال في أسد الغابة: امرأة من المبايعات حضرت مع النبي - ﷺ - يوم أحد قال عمر بن الخطاب: كانت تزفر لنا القرب يوم أحد.
(٣) أم الحارث هذه هي جدة عمارة بن عزية، وهي من الأنصار من الخزرج قاله ابن عبد البر.
(٤) قال في الإصحاح: الفتوح من النوق الواسعة الإحليل.
(٥) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٢ و٩٠٣.
[ ٩ / ١١٦ ]
امرأة تطلب إعدام المنهزمين المسلمين
والعجيب أن حماس الثبات مع الرسول - ﷺ - وعامل الغضب على المسلمين المنهزمين قد بلغ بإحدى نساء الأنصار اللواتى ثبتن مع الرسول - ﷺ - ساعة الهزيمة وهي (أم سليم بنت ملحان) طلبت من الرسول - ﷺ - أن ينفذ حكم الإعدام في الذين فرّوا من أصحابه عند الصدمة الأولى يوم حنين.
فقد ذكر المؤرخون أن أم سليم هذه -وكانت مع زوجها أبي طلحة (١)، وهي حامل بابنها عبد الله، وهي حازمة وسطها، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزّها (٢) الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته (٣) مع الخطام، فقال لها رسول الله - ﷺ - أم سليم؟ . قالت: نعم بأبي أنت وأمى يا رسول الله. أرأيت هؤلاء الذين أسلموك وفرّوا عنك وخذلوك، لا تعف عنهم إذا أمكنك الله منهم، فاقتلهم كما تقتل هؤلاء المشركين. وفي رواية: اقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك، كما تقتل الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله - ﷺ - يا أم سليم قد كفى الله .. عافية الله أوسع. قالوا: ومعها خنجر، فقال لها أبو طلحة: ما هذا الخنجر معك يا أم سليم؟ . قالت: خنجر أخذته، إن دنا مني أحد المشركين بعجته (٤) به، قال يقول: أبو طلحة: ألا تسمع يا رسول الله ما تقول الرميصاء (٥).
كما طالبت امرأة أخرى بإعدام المنهزمين من المسلمين وهي أم الحارث الأنصارية. فقد روى الواقدي قال: وكانت أم الحارث الأنصارية أخذت بخطام جمل أبي الحارث زوجها، وكان جمله يسمَّى المجسار فقالت: يا حار، تترك رسول الله - ﷺ - فأخذت بخطام الجمل، والجمل يريد أن يلحق بألافه، والناس يولوّن منهزمين، وهي لا تفارقه. فقالت: أم الحارث: فمر بي عمر بن الخطاب (وكان ممن ثبت) فقالت أم الحارث: يا عمر، ما هذا، فقال
_________________
(١) انظر ترجمة أبي طلحة في كتابنا (غزوة أحد).
(٢) يعزها: يغلبها، ومنه قوله تعالى في قصة داود - ﵇ -: ﴿فعزني في الخطاب﴾.
(٣) الخزامة حلقة من شعر تجعل في أنف البعير لينقاد بها ولا يعصى.
(٤) بعجته. يقال: بعج بطنه إذا شقه.
(٥) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٨٨ و٨٩ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٣ و٩٠٤ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٦.
[ ٩ / ١١٧ ]
عمر: أمر الله. وجعلت أم الحارث تقول: يا رسول الله، من جاوز بعيرى فاقتله، والله إن رأيت كاليوم ما صنع هؤلاء القوم بنا تعنى بني سليم وأهل مكة الذين انهزموا بالناس (١).
حكم الفارين من الزحف
وقد تكلم علماء التشريع الإسلامي عن مسألة فرار المسلمين وانهزامهم يوم حنين وموقفهم من قوله تعالى في تحريم الفرار يوم الزحف: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ (٢). فقد قالوا: إن الإجماع لم ينعقد بين المسلمين على أن الفرار من الزحف من الكبائر إلا يوم بدر. ثم إن الله تعالى غفر للفارين يوم حنين كما تاب على الذين فرا يوم أحد كما جاء ذلك صريحًا في القرآن. قال السهيلى: (إن قيل كيف فر أصحاب رسول الله - ﷺ - والفرار من الزحف من الكبائر، وقد أنزل الله فيه من الوعيد ما أنزل.؟ قلنا: لم يجمع العلماء على أنه من الكبائر إلا في يوم بدر، كذلك قال الحسن ونافع مولى عبد الله بن عمر، وظاهر القرآن يدل على هذا، فإنه قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ﴾ فيومئذ، إشارة إلى يوم بدر، ثم نزل، التحقيق من بعد ذلك في الفارِّين يوم أحد، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وكذلك في يوم حنين: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ وفي تفسير ابن سلام: كان الفرار من الزحف يوم بدر من الكبائر، وكذلك يكون في ملحمة الروم الكبرى، وعند الدجال، وأيضًا فإن المنهزمين عنه - ﵇ - رجعوا لحينهم وقاتلوا معه حتى فتح الله عليهم (٣).
كلام الذين أسلموا ولما يدخل الإيمان قلوبهم
وفي يوم حنين وعندما انهزم المسلمون تكلم رجال من زعماء قريش أسلموا ولما يدخل الإيمان في قلوبهم فانفرجت أساريرهم للهزيمة وفاهوا من الحديث بما يدل على
_________________
(١) الواقدي ج ٣ ص ٩٠٤ تحقيق الدكتور مارسدن جونس طبعة أكسفورد.
(٢) الأنفال ١٥ و١٦.
(٣) الروض الأنف بتحقيق وتعليق عبد الرحمن الوكيل ﵀ ج ٧ ص ٢٠٨.
[ ٩ / ١١٨ ]
عدم ولائهم للنبي - ﷺ - وللإسلام ولكنهم جميعهم (فيما بعد) حسن إسلامهم وكانوا من الصحابة الأخيار وإنما كان الذي فاهوا به ساعة الهزيمة يوم حنين لأنهم حديثو العهد بالإسلام. لم يمض على دخولهم فيه (بعد هزيمتهم في مكة) سوى عشرة أيام. فيها لم يتمكن الإِسلام من قلوبهم .. من هؤلاء أبو سفيان بن حرب وسهيل بن عمرو. فقد قال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر، وقال رجل مِمَنْ أسلم، حسن الإِسلام صادق الإيمان اسمه أبو مقيت. سمعها من أبي سفيان. فقال له: (أما والله لولا أنى سمعت رسول الله - ﷺ - ينهى عن قتلك لقتلتك وصرخ كلدة بن الحنبل أخو صفوان بن أمية لأمه .. أسود من سودان مكة: ألا بطل السحر، فقال له صفوان (وكان عاقلًا بعيد النظر): أسكت فض الله فاك؛ لأن يربنى ربُّ من قريش أحبّ إلي من أن يربنى رب (أي ملك) من هوازن، وقال هذا الاستنكار صفوان بن أمية وهو لا يزال على شركه وكان مع المسلمين يوم حنين لأن رسول الله - ﷺ - عقب فتح مكة أعطى صفوان مهلة أربع أشهر فبقى على شركه ثم أسلم في الجعرانة، والنبي - ﷺ - عائدًا من حنين.
وقال سهيل بن عمرو (١) (كانا فيما بعد من خيار الصحابة): لا يجترها (أي مصيبة الهزيمة) محمد وأصحابه. وكان عكرمة بن أبي جهل ممن رسخ الإيمان في قلوبهم، وكان حاضرًا يسمع كلمات الشماتة هذه فقال لهؤلاء الشامتين: هذا ليس بقول، وإنما الأمر بيد الله وليس إلى محمَّد من الأمر شيء، إن أديل عليه فإن له العاقبة غدًا، فقال له سهيل بن عمرو: إن عهدك به لحديث. فقال عكرمة: يا أبا يزيد أن كنا لنُوضِعُ في غير شيء، وعقولنا عقولنا، نعبد الحجر لا ينفع ولا يضر (٢).
كيف كانت هزيمة هوازن؟
وهكذا وبعد أن تراجع المسلمون عن الهزيمة التي أصابتهم استبسلوا في القتال وأنزلوا أفدح الخسائر بالمشركين، وتحول بعض الصحابة عند العودة من الهزيمة إلى ما يشبه الإعصار يكتسح كل من يقف أمامه من الأعداء. ومن هؤلاء أبو
_________________
(١) انظر ترجمة سهيل بن عمرو في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٢) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٠.
[ ٩ / ١١٩ ]
طلحة الأنصاري (وكان ممن ثبت مع الرسول) فقد قتل وحده من مشركي هوازن خمسة وعشرين رجلا وغنم أسلابهم (١).
جرح قائد الفرسان خالد بن الوليد
وعند عودة المسلمين عن الهزيمة كذلك تعرض كثير من المسلمين للقتل والإصابة بجروح خطيرة (وتلك سنة الحرب).
ومن الذين جرحوا جراحة خطيرة في معركة حنين قائد الفرسان خالد بن الوليد الذي نزف كثيرًا حتى أسند إلى رحله من الضعف لشدة النزيف.
فقد ذكر بعض شهود العيان من الصحابة، أن رسول الله - ﷺ - بعد ما هزم الكفار ورجع المسلمون إلى رحالهم، كان يمشي في المسلمين ويقول: من يدلنى على رحل خالد بن الوليد، حتى دلّ عليه، فوجده قد أسند إلى مؤخرة رحله لأنه قد أثقل بالجراحة، فتفل النبي - ﷺ - في جرحه فبرئ (٢).
وهكذا وبعد جلاد عنيف وقتال شرس وصبر على القتال من الفريقين، نزلت الهزيمة بهوازن بعد أن كان النصر في جانبهم، وكادت طلائع جيشهم تصل مكة فاتحة.
وحقق الجيش النبوي (بعد تلك الهزيمة المروعة) نصرًا (من الناحية العسكرية) لم يحقق المسلمون مثله طيلة العهد النبوي. فقد انهزم أمام المسلمين عشرون ألف مقاتل من هوازن، بينما لا يزيد عدد المسلمين على اثنى عشر ألفًا. ألفان منهم من أهل مكة الذين لم يمض على دخولهم في الإِسلام أكثر من عشرة أيام.
وفقد مشركو هوازن في معركة حنين التي خسروها مئات القتلى كما وقع منهم في أسر المسلمين حوالي ستة آلاف إنسان. كذلك غنم المسلمون من هوازن غنيمة لم يغنموا مثلها في الكثرة في أية معركة خاضوها في العهد النبوي.
فقد غنم الجيش النبوي يوم حنين أربعة وعشرين ألف بعير (والإبل بعد الخيل) من أعز ما يمتلك العربي في ذلك العصر، كما غنم المسلمون أيضًا أكثر
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٨.
[ ٩ / ١٢٠ ]
من أربعين ألف شاة، وغنموا أيضًا عشرات الآلاف من أوقيات الفضة.
أما الذين كتبت لهم النجاة من قوات هوازن فقد عمهم الرعب ولاذوا بالفرار وعلى رأسهم ملكهم وقائدهم مالك بن عوف النصرى.
فقد ابتلعتهم الشعاب والوديان مشتتين فارين يطلب كل منهم النجاة لنفسه، تاركين نساءهم وأطفالهم وأموالهم غنيمة للمسلمين.
إنها كارثة مروّعة نزلت بهوازن لم ينزل مثلها يحيي من العرب في الجزيرة. كارثة حذر (مسبقًا) من حدوثها المحارب المجرب الشهير دريد بن الصمة الهوازنى، وناشد الشاب الملك والقائد لهوازن مالك بن عوف أن لا يوقعها بأهله وعشيرته، حين نصحه بوادى أوطاس قبل المعركة، أن يأمر بإعادة النساء والأطفال والمواشى إلى عُلياء بلاد هوازن، ويلقى المسلمين على متون الخيل، ولكن مالكًا عصى دريدًا، فوقعت الهزيمة والكارثة المدمرة التي حذر دريد مالكًا من وقوعها، ومن تصاريف القدر أن دريد بن الصمة لقى حتفه فقتل يوم حنين مشركًا، وهو ابن مائة وستين سنة، وبقى مالك وأسلم وحسن إسلامه وصار من سيوف الله على المشركين من ثقيف وغيرهم من المجاورين لبلاده.
وقد تحدث شهود العيان عن انتصار المشركين أول الأمر ثم عن هزيمتهم ثانيًا وعن الرعب الذي نزل بهم عقب تراجع المسلمين عن الهزيمة وعودتهم إلى ساحة القتال.
فعن عمرو بن زهير، عن عمر بن عبد الله العبسى عمّن أخبره، عن ربيعة، قال: حدثني نفر من قومنا حضروا يومئذ قالوا: كمنّا لهم (أي المسلمين) في المضايق والشعاب، ثم حملنا عليهم حملة ركبنا أكتافهم حتى أتينا إلى صاحب بغلة شهباء (هو رسول الله - ﷺ -)، وحوله رجال بيض حسان الوجوه فقال شاهت الوجوه، ارجعوا، فانهزمنا، وركب المسلمون اكتافنا وكانت إياها (أي الهزيمة) وجعلنا نلتفت وراءنا ننظر إليهم يكدوننا، فتفرقت جماعتنا في كل وجه، وجعلت الرعدة تسحقنا حتى لحقنا بعُلياء بلادنا، فإن كان ليحكى عنا الكلام ما كنا ندرى به، مما كان بنا من
[ ٩ / ١٢١ ]
الرعب، فقذف الله الإِسلام في قلوبنا (١).
مقتلة ثقيف وقتل قائدها
تعد ثقيف بطن من بطون هوازن، وقد حضرت ثقيف يوم حنين ورايتها مع قارب بن الأسود، واستحرّ القتل في هوازن وصبرت بنو مالك من ثقيف، وصاحب رايتهم قارب بن الأسود بن مسعود، فإنه (كما قال الواقدي): لما انهزم الناس أسند رايته إلى شجرة وهرب هو وبنو عمه من الأحلاف، فلم يقتل منهم إلا رجلان، من بني غيرة (وهب، واللجلاج)، وقال النبي - ﷺ - حين بلغه قتل اللجلاج: قتل اليوم سيد شبان ثقيف، إلا ما كان من ابن هنيدة، قالوا: وكانت راية بني مالك مع ذي الخمار، فلما انهزمت هوازن تبعهم المسلمون، وأحصى القتلى من ثقيف فوجد أنه قتل من بني مالك وحدهم قريب من مائة رجل تحت راياتهم، بينهم عثمان بن عبد الله، فقاتل بها مليًا، وجعل يحث ثقيفا وهوازن على القتال حتى قتل، وكان اللجلاج رجلًا من بني كنُة، وقال رسول الله - ﷺ - لأخى بني كنة: هذا سيد شبان كنة، فلما قتل عثمان بن عبد الله، قال رسول الله - ﷺ - لما بلغه مقتله- أبعده الله فإنه كان يبغض قريشًا. وكانت راية ثقيف ساعتئذ بيع ذي الخمار واسمه (عوف بن الربيع) فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل حتى قتل.
قالوا: وكنّة التي نها اللجلاج القتيل والذي قال الرسول - ﷺ - إنه سيد شباب كنة .. كنة هذه امرأة من غامد يمانية، قد ولدت في قبائل العرب، وكانت أمة فأعتق الحارث كل مملوك من بني كنة، فقال له عمر بن الخطاب في خلافته: أيسرّك أن أهل بيت عامر بن الطفيل وعلقمة بن علاثة مكان كنة؟ فقال: يا أمير المؤمنين، لوددت أن ذلك كذلك، فقال عمر: ليت أمى كنّة وأن الله رزقنى من برّها ما رزقك، وكان أبر الناس بأمه، ما كانت تأكل طعامًا إلا من يده، ولا يغسل رأسها إلا هو، ولا يسرّح رأسها إلا هو (٢).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٦ و٩٠٧.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩٢ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٧٧ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٧.
[ ٩ / ١٢٢ ]
وتحدث أشياخ من ثقيف أسلموا- وكانوا حضروا معركة حنين، وانهزموا فيمن انهزم حتى وصلوا الطائف ودخلوا حصنهم، وهم يرجفون من الرعب. فقالوا: ما زال رسول الله - ﷺ - في طلبنا -فيما نرى- ونحن مولون، حتى إن الرجل منا ليدخل حصن الطائف وإنه ليظن أنه على أثره من رعب الهزيمة (١).
وكان مقتل سيد ثقيف عثمان بن عبد الله على يد عبد الله بن أبي أمية (٢) فبلغ ذلك رسول الله - ﷺ - فقال: يرحم الله عبد الله بن أبي أمية، وأبعبد الله عثمان بن عبد الله بن ربيعة فإنه كان يبغض قريشًا. ولما بلغ عبد الله بن أبي أمية دعاء رسول الله - ﷺ - له بالرحمة قال: إني لأرجو أن يرزقنى الله الشهادة في وجهى هذا، فقتل في حصار الطائف وقال النبي - ﷺ -: لولا ابن جثامة الأصغر لفضحت الخيل اليوم (٣).
وروي الإمام أحمد عن العلاء بن زياد العدوي أنَّهُ قال: يا أبا حمزة هل غزوت مع رسول الله - ﷺ -؟ قال: نعم غزوت معه يوم حنين، فخرج المشركون بكرة فحملوا علينا حتى رأينا خيلنا وراء ظهورنا، وفي المشركين رجل يحمل علينا فيدقنا ويحطمنا، فلما رأى ذلك رسول الله - ﷺ - نزل فهزمهم الله، فقام رسول الله - ﷺ - حين رأى الفتح، فجعل يجاء بهم أسارى رجل رجل، فبايعوا على الإِسلام، فقال رجل من أصحاب رسول الله - ﷺ - إن على نذر لئن جئ بالرجل الذي كان منذ اليوم يحطمنا لأضربن عنقه، قال: فسكت رسول الله - ﷺ -، وجئ بالرجل، فلما رأى نبي الله - ﷺ - قال: يا نبي الله تبت إلى الله، قال: وأمسك نبي الله - ﷺ - أن يبايعه ليوفى الآخر نذره، قال: وجعل ينظر إلى النبي - ﷺ - ليأمره بقتله ويهاب رسول الله - ﷺ -، فلما رأى النبي - ﷺ - أنه لا يصنع شيئًا بايعه، فقال: يا نبي الله نذرى، قال: لم أمسك عنه منذ اليوم إلا لتوفى نذرك، فقالا: يا رسول الله، ألا أومأت إلى؟ فقال: إنه ليس لنبي أن يومئ (٤).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٠٨ تعليق الدكتور مارسدن جونس طبعة أكسفورد.
(٢) انظر ترجمة عبد الله بن أبي أمية في كتابنا (صلح الحديبية).
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١١.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٢٨.
[ ٩ / ١٢٣ ]
وررى البيهقي عن الشعبيّ عن الحارث بن بدل النصرى عن رجل من قومه شهد يوم حنين وعمرو بن سفيان الثقفى قالا: انهزم المسلمون يوم حنين فلم يبق مع رسول الله - ﷺ - إلا عباس وأبو سفيان بن الحرث، قال: فقبض رسول الله - ﷺ - قبضة من الحصباء فرمى بها في وجوههم، قال: فانهزمنا، فما خيّل إلينا إلا أن كل حجر أو شجر فارس يطلبنا، قال الثقفي فأعجزت على فرسى حتى دخلت الطائف (١).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٣٢.
[ ٩ / ١٢٤ ]
الفصل الخامس
• المطاردة بعد الانتصار.
• إفلات ملك هوازن وقائدها من أيدى المسلمين.
• مصرع شاعر هوازن وفارسها المعمر، دريد بن الصمّة.
• حصار الطائف.
• فشل الحصار.
• الرسول يفك الحصار عن الطائف ويعود إلى الجِعِرَّانة.
• تقسيم الغنائم الضخمة بين المسلمين.
• الرسول يعطى مئات الإبل للمؤلفة قلوبهم.
• عتاب الأنصار للرسول - ﷺ - بشأن هذه العطايا.
• الرسول يعتق ستة آلاف من سبى هوازن.
• عودة الرسول وجيشه إلى المدينة.
• إسلام ثقيف باختيارها.
• انتهاء آخر مظهر من مظاهر الوثنية في الحجاز.
[ ٩ / ١٢٥ ]
مطاردة المنهزمين من هوازن.
وبعد أن تمَّ ذلك النصر الساحق للمسلمين على المشركين من هوازن في حنين أمر الرسول القائد - ﷺ - قادة جيشه بمطاردة المشركين وتعقبهم في كل اتجاه يتجهونه، لئلا يتمكنوا (مجددًا) من جمع قواتهم المهزومة وتنظيمها.
فتحركت كل وحدات الجيش الإسلامي (بقيادة الرسول الأعظم - ﷺ -) تطارد هوازن، واستمرت وحدات الجيش النبوي في المطاردة حتى وصلت بقيادة النبي - ﷺ - في مطاردتها الطائف حيث تحصنت ثقيف، أحد الأجنحة الهامة في هوازن. فضرب الرسول القائد الحصار على هذا الجناح من هوازن كما سيأتي تفصيله في هذا البحث إن شاء الله.
مصرع الفارس المعمر دريد بن الصمة
وأثناء مطاردة الجيش الإسلامي لمشركي هوازن، قتل أحد جنود الإِسلام شيخ هوازن المعمر وفارسها وشاعرها (دريد بن الصمة) (١) وكان له من العمر مائة وستون سنة.
_________________
(١) هو دريد بن الصمة، من جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان، ويكنى أَبا قرة، وهوازن أخو سليم بن منصور، وكان دريد من فخذ من جشم يقال لهم غزية، وأمه ريحانة بنت معدى كرب، أخت عمرو بن معدى كرب الزبيدي. فعمرو على هذا خاله. هكذا جاء في ترجمة دريد في كتاب الشعر والشعراء لابن قتيبة ج ٢ ص ٥٣٦. ودريد أحد الشجعان المشهورين، وذوى الرأي في الجاهلية. ومن جيد شعر دريد المشهور، قوله: أمرتهموا أمرى بمنعرج اللوى فلم يستبينوا الرشد إلا ضحى الغد فلما عصونى كنت منهم وقد أرى غوايتهم وإننى غير مهتد وهل أنا إلا من غزية إن غوت غويت، وإن ترشد غزية أرشد تنادوا فقالوا: أرت الخيل فارسًا فقلت: أعبد الله ذلكم الردى فجئت إليه والرماح تنوشه كوقع الصياصى في النسيج الممدد فطاعنت عنه الخيل حتى تبددت وحتى علانى حالك اللون أسود قتال امرئ آسى أخاه بنفسه ويعلم أن المرء غير مخلد فإن يك عبد الله خلى مكانه فما كان وقافا ولا رعش اليد كميش الإزار خارج نصف ساقه صبور على الجلى وطلاع أنجد قليل تشكيه المصاثب حافظ من اليوم أعقاب الأحاديث في غد صبا ما صبا حتى علا الشيب رأسه فلما علاه قال للباطل أبعد وطيب نفسي أنني لم أقل له كذبت ولم أبخل بما ملكت يدي
[ ٩ / ١٢٦ ]
ودريد بن الصمة هذا، هو الذي عارض الملك القائد لهوازن (مالك بن عوف النصرى) عارضه عندما ساق مع الجيش نساءهم وأطفالهم ومواشيهم وكل أموالهم إلى وادي حنين. ولكن مالكًا عصاه فوقع كل أموال ومواشى وذرارى هوازن غنيمة في أيدى الجيش الإِسلامي وهو ما حذر دريد مالكًا من أن تقع هوازن فيه.
قال المؤرخون: وكان دريد بن الصمَّة الذي أقعده الكبر (ولكنه حضر حنين) يحمل في هودج على جمل لأنه لا يستطيع الحركة للقتال لكبر سنه. وعندما شتتت الهزيمة هوازن لم يعد هناك من يعتنى بالشيخ المعمر (دريد بن الصمة) فترك لوحده يسير به الجمل (وعليه الهودج) على غير هدى، فأدركه شاب يقال له ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن يربوع من بني سليم، فأخذ بخطام جمله وهو يظنه امرأة. وذلك أنه كان في هودج، فأناخ الشاب به فإذا هو شيخ كبير ابن ستين ومائة سنة، وكان الشاب ربيعة لا يعرف أنه (دريد بن الصمة المشهور). فقال الفتى السلمي: ما أريد إلى غيره مِمن هو على مثل دينه؟ . قال له دريد: من أنت؟ .
قال الغلام: أنا ربيعة بن رفيع السلمي. ثم ضربه بالسيف فلم يؤثر فيه سيف الفتى السلمي. فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفى من وراء الشجار (أي الهودج) فاضرب به، وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ، فإني كنت كذلك أضرب الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة، فرب يوم قد منعت فيه نساءك. ويقال: إن ربيعة لما ضرب دريدًا تكشف للموت عجانه وبطون فخذيه مثل القراطيس من ركوب الخيل. فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله دريدًا، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا في غداة واحدة. وجز ناصية أبيك (١) (أي أطلق سراحه بعد أن
_________________
(١) = وكان عبد الله بن الصمة أخو دريد أغار على إبل لعبس وفزارة، ومعه دريد، بعد أن شار عليه دريد ألا يفعل فخالفه، فخرجت عليهم الخيل فاستحر القتال في بني جشم، وقتل عبد الله بن الصمة، وصرع دريد. ثم تولى دريد زعامة قبيلته بعد أخيه عبد الله. فأغار على عبس وذبيان فقتل منهم مائة قتيل بينهم قاتل أخيه عبد الله وأسمه (ذؤاب بن أسماء بن زيد). قتل دريد عن مائة وستين عامًا.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٤ و٩١٥ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٦ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩٥ و٩٦.
[ ٩ / ١٢٧ ]
أسره في المعركة) قال الفتى: ما كنت أشعر. وفي رواية قالت أم الفتى له: ألا تكرت عن قتله لما أخبرك بمنِّه علينا، فقال: ما كنت لأتكرم عن رضي الله ورسوله (١).
وقالت عمرة بنت دريد في قتل ربيعة دريدًا:
لعمرك ما خشيت على دريد ببطن سميرة (٢) جيش العناق (٣)
جزى عنه الإله بني سليم وعقتهم بما فعلوا عقاق (٤)
وأسقانا إذا قدنا إليهم دماء خيارهم عند التلاقى
وقالت تذكر بني سليم أيادى دريد عندهم في الجاهلية حين أعتق نساءهم وأطلق سراح أحد آبائهم:
فرب عظيمة دافعت عنهم وقد بلغت نفوسهم التراقى
وربّ كريمة أعتقت منهم وأخرى قد فككت من الوثاق
وربّ منوه بك من سليم أجبت وقد دعاك بلا رِماق (٥)
فكان جزاؤنا منهم عقوقًا وهَمًّا ماع منه مخ ساقي (٦)
عفت آثار خيلك بعد أين بذى بقر إلى فيف النهاق (٧)
مصير القائد العام لهوازن
أما القائد العام لجيوش هوازن، مالك بن عوف النصرى، فبعد أن تأكد أنه خسر المعركة نهائيًا انهزم وانسحب من الميدان في كوكبة من الفرسان، هم كبار قادته وهيئة أركان حربه وحرسه. وكان الذي تولى مطاردة مالك وصحبه، الزبير بن العوام في الخيل، وقد ذكر المؤرخون، أن القائد الحاكم مالكًا، لما رأى أن الزبير هو الذي يتولى مطاردته (وكان الزبير يعد من أشجع
_________________
(١) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٣٦ والشعر والشعراء لابن قتبية ج ٢.
(٢) سميرة: واد قرب حنين قتل به دريد.
(٣) العناق الخيبة والداهية.
(٤) عقاق على وزن فعال بكسر اللام: من العقوق.
(٥) المنوه الذي يناديك بأشهر أسمائك نداءا عاليا. والرماق بفتح الراء وكسرها بقية الحياة.
(٦) قال أبو ذر: ماع ذاب، وكل سائل مائع.
(٧) عفت درست وتغيرت. وذو بقر موضع، والفيف: القفر. والنهاق هنا. موضع وقال ابن سراج: أين وذو بقر موضعان.
[ ٩ / ١٢٨ ]
الفرسان). نزل عن فرسه واختفى بين الأشجار في الشعاب لئلا يقع أسيرًا في يد الزبير؛ لأن مالكًا يعلم أن الزبير لن يتركه يفلت من يده.
فقد جاء في كتب التاريخ والسير أن مالك بن عوف (عقب انهزامه) وقف على مرتفع من الأرض ومعه فرسان من أصحابه، فأمرهم بأن يقفوا مكانهم حتى يمر الضعفاء ومن استطاع النجاة من الذرارى قائلًا: قفوا حتى يقضي ضعفاؤكم حتى تلتئم أخراكم.
وبعد أن مرَّ الضعفاء وأصبحوا بمنجى في مرتفعات الجبال قال لأصحابه (طالبًا الاستطلاع): انظروا ماذا ترون؟ . قالوا: نرى قومًا على خيولهم واضعين رماحهم على آذان خيولهم. قال (وكان خبيرًا عسكريا واسع الاطلاع على عادات القبائل): أولئك إخوانكم بنو سليم (١) وليس عليكم منهم بأس.
ثم قال: انظروا، ماذا ترون؟ . قالوا: نرى رجالًا أكفالًا (٢) قد وضعوا رماحهم على أكفال (٣) خيولهم قال: تلك الخزرج، وليس عليكم منهم بأس، وهم سالكون طريق إخوانهم. ثم قال: انظروا، ماذا ترون؟ قالوا: نرى قومًا كأنهم الأصنام على الخيل، قال: تلك كعب بن لؤى وهم مقاتلوكم، ثم قال: انظروا ماذا ترون؟ قالوا: نرى رجلا بين رجلين معلمًا بعصابة صفراء، يخبط برجليه الأرض واضعًا رمحه على عاتقه. قال: ذلك ابن صفية، الزبير بن العوام. وأيم الله لينزلنكم عن مكانكم.
وفعلًا، فقد هاجم الزبير مالكا وأصحابه حتى كاد يطوقهم. فلما غشيت مالكًا الخيل نزل عن فرسه، مخافة أن يقع في الأسر، ثم أخذ يلوذ ويتستر بالشجر كى لا يراه أحد من أصحاب الزبير. ثم سلك في يسوم (جبل بأعلى نخلة) فأعجزهم هربًا، وما زال ملك هوازن وقائدها موغلا في الهرب، حتى وصل وادي لية (٤) وهناك تحصن في قصر له، وبلغ النبي - ﷺ - تحصن
_________________
(١) انظر ترجمة بني سليم في كتابنا (فتح مكة).
(٢) قال في لسان العرب: الكفل من الرجال الذي يكون في مؤخر الحرب.
(٣) قال جمع كفل (بالتحريك) وهو العجز، وقيل ردف العجز.
(٤) لية (بكسر أوله وثانيه).
[ ٩ / ١٢٩ ]
مالك بن عوف في قصر لية (١) فلم يأمر بتعقبه أو إزعاجه لأنه كان يطمع في أن يهديه الله للإسلام، وفعلًا، بعث الرسول - ﷺ - إلى ملك هوازن المذكور مبعوثًا خاصًّا يبلغه أن النبي - ﷺ - سيعفى عنه وسيعيد إليه أهله وأمواله إن هو دخل في الإِسلام، فأسلم مالك وحسن إسلامه وصار خير عون للإسلام في محاربة من تبقى على الشرك كما سيأتي تفصيله في موطنه من هذا الكتاب.
الرسول ينهى عن قتل النساء والأطفال
ووجدت امرأة مقتولة في المعركة، ونسب إلى القائد خالد بن الوليد قتلها، فلما رأى الرسول - ﷺ - المرأة القتيلة وكانت من المشركين. قال: ما كانت هذه لتقاتل. ثم أمر الرسول - ﷺ - أحد أصحابه بأن يدرك خالدًا ويقول له: إن رسول الله - ﷺ - ينهاك أن تقتل وليدا أو امرأة وعسيفًا (٢). كذلك رأى رسول الله - ﷺ - امرأة من هوازن مقتولة، فسأل (مستنكرًا) عنها فقال رجل من الجيش: أنا قتلتها يا رسول الله، أردفتها ورائى فأرادت قتلى فقتلتها فأمر رسول الله - ﷺ - بدفنها فدفنت (٣).
تصفية جيوب مقاومة هوازن
ورغم انهزام هوازن في حنين فإن بعضًا من رجالها قد عسكروا بوادى: (أوطاس) محاولين إعادة تنظيمهم بغية الصمود في وجه المسلمين من جديد. وكان النبي - ﷺ - قد أمر أصحابه بتعقب المنهزمين ومطاردتهم. وكان هو - ﷺ - على رأس القوات المتحركة للمطاردة حتى وصل الطائف فحاصرها.
ولما بلغ الرسول - ﷺ - تجمع بعض عسكر المشركين بوادى (أوطاس) بعث لمقاتلتهم والقضاء على مقاومتهم سرية بقيادة أبي عامر الأشعري (٤) عم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٧ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩٧ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٣٦ - ٣٧٧.
(٢) العسيف هو الشيخ الفاني وقيل هو الأجير.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٣٦ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٢ ومسند أحمد والنسائي.
(٤) أبو عامر الأشعري اسمه عبيد بن سليم بن حضار، وهو عم أبي موسى الأشعري، كان من كبار الصحابة، كان من السابقين الأولين في الإِسلام ذكره ابن قتيبة فيمن هاجر إلى الحبشة. وذكر أنه كان قد عمى ثم أبصر. قتل شهيدًا كما هو مفصل في كتابنا هذا.
[ ٩ / ١٣٠ ]
أبي موسى الأشعري (١) فحمل أبو عامر لواء رسول الله - ﷺ -، ثم تقدم لمهاجمة المشركين في أوطاس.
وهناك اصطدم بجماعة من هوازن كانوا قد تحصنوا في أماكن استراتيجية من الوادي وثبتوا للقتال، وبارزوا المسلمين حتى قتل منهم تسعة مبارزة. قتلهم بيده قائد السرية أبو عامر الأشعري الذي استشهد في النهاية.
فقد قال أصحاب السير والمغازى: لما انهزم الناس أتوا الطائف، وعسكر منهم عسكر بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة (٢). فبعث إليهم الرسول من يقاتلهم وعقد له لواءًا، فكان معه في ذلك البعث سلمة بن الأكوع (٣) فكان يحدث يقول: لما انهزمت هوازن، عسكروا بأوطاس (٤) عسكرا عظيمًا تفرق منهم من تفرق، وقتل من قتل وأسر من أسر فأتيناهم إلى عسكرهم، فإذا هم ممتنعون. وذكر ابن إسحاق، أن من بين مشركي هوازن هؤلاء عشرة إخوة كلهم بارزوا أبا عامر الأشعري فقتل تسعة منهم ثم استشهد في النهاية ﵀.
فقد جاء في سيره ابن هشام والواقدى أن أبا عامر الأشعري (وهو قائد
_________________
(١) أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار بن حرب بن عامر بن عنز بن بكر بن عامر بن علي بن وائل بن ناجية بن الجماهر بن الأشعر بن أدد بن زيد بن يشجب، كان أبو موسى من السابقين الأولين في الإسلام، وكان أبو موسى قدم مكة فحالف سيد قريش أبا أحيحة سعيد ن العاص بن أمية، وكان قدومه مع إخوته في جماعة من الأشعريين. أسلم وهاجر إلى أرض الحبشة. كذا قال ابن إسحاق. وبعضهم يقول: إنه لم يهاجر إلى الحبشة. وإنما صادف مجيئه من اليمن إلى الرسول - ﷺ - مجئ جعفر. وأصحابه عن الحبشة فقدموا معًا في سفينتين على الرسول - ﷺ - وهو في خيبر، كان أبو موسى من أعيان الصحابة. استعمله عمر بن الخطاب على البصرة، وقد شهد أبو موسى وفاة أبي عبيدة بن الجراح في الشام كان أبو موسى من أعيان القادة المشركين في فتوح الشام والعراق. وكان هو الذي بالاشتراك مع عمر بن سعد بن أبي وقاص - فتح حران ونصيبين في العراق، كذلك فتح أبو موسى الأشعري الأهواز وأصبهان بفارس في عهد عمر بن الخطاب، اعتزل أبو موسى الأشعري الفتنة المؤسفة التي حدثت بين الصحابة. وكان أحد الحكمين في الخلاف الدامى الذي نشب بين أمير المؤمنين علي ومعاوية بن أبي سفيان. توفي أبو موسى بمكة عام ٤٢ هـ وقيل توفي بالكوفة وهو ابن ثلاث وستين سنة.
(٢) وادي نخلة: واد كبير مشهور وهو المسمى، (اليمانية) تصب فيه روافد كثيرة.
(٣) انظر ترجمة سلمة بن الأكوع في كتابنا (صلح الحديبية).
(٤) أوطاس. قال في مراصد الاطلاع: واد في ديار هوازن.
[ ٩ / ١٣١ ]
السرية) لقى من ضمن عسكر هوازن عشرة إخوة طلب كلهم المبارزة، فبرز الأول. فقال من يبارز؟ فبرز له أبو عامر الأشعري (وهو يقول: اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر، ثم برز آخر فحمل على أبي عامر الأشعري (وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول اللهم اشهد عليه) فقتله أبو عامر. ثم برز آخر من الإخوة العشرة فقتله أبو عامر، ثم جعلوا يحملون على أبي عامر رجلا رجلا ويحمل أبو عامر، وهو يقول: اللهم اشهد. حتى قتل تسعة. وبقى العاشر، فحمل على أبي عامر، وهو يدعوه إلى الإِسلام، ويقول: اللهم اشهد عليه، فقال الرجل (المشرك]): اللهم لا تشهد عليَّ، فكف عنه أبو عامر، فأفلت، أسلم بعد فحسن إسلامه. فكان رسول الله إذا رآه قال: هذا شريد أبي عامر.
وأثناء القتال رمى رجل من بني جُشَم أبا عامر بسهم فأثبته في ركبته، فانتهى إليه أبو موسى الأشعري فقال: من رماك يا عم؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى إلى الرامى، فقال: إن ذاك قاتلى تراه ذلك الذي رمانى.
قال أبو موسى: فقصدت له فاعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولى عني ذاهبا، فاتبعته، وجعلت أقول له.: ألا تستحى، ألست عربيًّا، ألا تثبت، فكر، فالتقيت أنا وهو، فاختلفنا ضربتين بالسيف، فضربته بالسيف ثم رجعت إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فانزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء. فقال: يا بن أخي انطلق إلى رسول الله - ﷺ - فأقرئه مني السلام، وقل له: استغفر لي، واستَخلفَني أبو عامر على الناس، فمكث يسيرًا ثم مات، فرجعت فدخلت على رسول الله - ﷺ - في بيته على سرير مرّمل وعليه فراش، قد أثّر رمال السرير بظهره وجنبيه، فأخبرته بخبرنا وخبر أبي عامر، وقوله: قل له: استغفر لي، قال فدعا بماء فتوضأ ثم رفع يديه فقال: (اللهم اغفر لعبيد أبي عامر) ورأيت بياض إبطه، ثم قال: اللهم اجعله يوم القيامة فوق كثير من خلقك أو من الناس، قال أبو موسى فقلت: ولى فاستغفر، فقال: (اللهم اغفر لعبد الله بن قيس ذنبه وأدخله يوم القيامة مدخلًا كريمًا) (١).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٣٩ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٩٩ - و١٠٠ وتاريخ الطبري ج ٣ =
[ ٩ / ١٣٢ ]
الرجل الذي انتحر في جيش الإسلام
قالوا: وذكروا للنبي - ﷺ - أن رجلًا كان بحنين قاتل قتالًا شديدًا حتى اشتدت به الجراح، فذكر للنبي - ﷺ - فقال من أهل النار، فارتاب المسلمون عن ذلك، ووقع في أنفسهم ما الله به عليم، فلما اشتدت به الجراح أخذ مشقصًا من كنانته فانتحر به، فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا أن ينادى: ألا لا يدخل الجنة إلا مؤمنًا، وإن الله يؤيد الدين بالرجل الفاجر (١).
الغنائم العظيمة
وعقب انهزام هوازن في معركة حنين وقعت في أيدى الجيش الإسلامي كميات كبيرة من الغنائم والسبى وعلى شكل لم يسبق أن وقع مثله في أيدى الجيش الإسلامي. وهذا بيان تقريبى للغنائم والسبى.
٢٤٠٠٠ بعيرا.
٤٠٠٠٠ شاة.
٨٠٠٠ رأس من السبى.
تجميد الغنائم حتى العودة من الطائف
وعندما قرر الرسول - ﷺ - مطاردة هوازن حتى الطائف أمر بتجميد الغنائم والسبى في الجعرانة وأسند أمر الإشراف على الغنائم والسبى ورعايته والاعتناء به إلى الزعيم الخزاعي الشهير، بديل بن ورقاء. فبقي السبى وباقي الغنائم مجمدًا ومتحفظ عليه في الجعرانة حتى عاد رسول الله - ﷺ - من حصار الطائف، وفي الجعرانة أعتق جميع السبى، وقسم الغنائم على الجيش. كما سيأتي تفصيله في موطنه من هذا الكتاب إن شاء الله.
حصار الطائف
يعتبر حصار الطائف من الناحية العملية الحربية امتدادا لمعركة حنين، ذلك أن ثقيفًا (وهم أهل الطائف) من أهم قبائل هوازن وأثقلهم وزنًا بل يمكن اعتبارهم العمود الفقرى لجيش هوازن في معركة حنين الفاصلة، فقد دل
_________________
(١) = ص ٧٩ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٥ - ٩١٦.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٧.
[ ٩ / ١٣٣ ]
تسلسل الأحداث العسكرية -بعد معركة حنين- على أن القوة الرئيسية ذات الخطر والتي قاتلت المسلمين في حنين تحت قيادة مالك بن عوف، هي من ثقيف، بدليل أن النبي - ﷺ - بعد انتصاره في حنين لم يبق من قبائل هوازن التي اشتركت في هذه المعركة ضده، من يهتم بأمره سوى ثقيف الذين وجه كل قواته لمطاردتهم، وقاد هذه المطاردة بنفسه، حتى وصل إلى الطائف فوجد ثقيفًا قد تحصنت في قلاعه فضرب عليها الحصار سبعة عشر يومًا، ولكن لشدة امتناعهم بحصونهم في الطائف تركهم - ﷺ - دون أن ينال منهم شيئًا، حتى هداهم الله للإسلام، فجاءوا إلى المدينة وأعلنوا إسلامهم طائعين.
مصير قبائل هوازن
وهذا يعني أن قوة جميع القبائل الهوازنية (ما عدا ثقيف) قد تلاشت، لا سيما بعد أن أسلم ملكهم وسيدهم الشاب القائد مالك بن عوف النصرى، وتحول إلى قائد يحارب إلى جانب الإِسلام.
وقبل التحدث عن نتائج مطاردة النبي لثقيف من حنين وضربه الحصار عليهم في قلاعهم، لا بد من إعطاء القاري الكريم لمحة عن تاريخ قبائل ثقيف، وعن مدى مركزها في التاريخ الجاهلى والإِسلام.
تاريخ ثقيف
فالذي يذكره المؤرخون وأصحاب الأنساب، أن ثقيفًا بطن من هوازن. وهوازن هو ابن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر بن نزار بن معد بن عبدنان.
وهوازن الذي تنتسب إليه ثقيف قد تفرّعت عنه فخائذ كثيرة، تجمعهم قبائل رئيسية ثلاث كلها لبكر بن هوازن وهم.
أولًا .. بنو سعد بن بكر.
ثانيًا .. بنو معاوية بن بكر، الذين منهم مالك بن عوف النصرى.
ثالثًا .. بنو منبّه بن بكر. وإلى هذا الأخير تنتسب ثقيف.
وثقيف اسمه قَسى (بفتح القاف كسر السين) ابن منبّه بن بكر بن هوازن، وقد تفرع عن قسى هذا عدة قبائل، اشتهروا فيما بعد باسم أبيهم
[ ٩ / ١٣٤ ]
ثقيف.
ومن أهم هذه القبائل، بنو جهم بن ثقيف، وبنو عوف بن ثقيف -ومنازل بني عوف هؤلاء في وادي لية- وكانت لهم به حصون، وكل هذه القبائل تقسم إلى قبيلتين هما الأحلاف وبنو مالك، وهم الذين اشتركوا (مشركين) في معركة حنين تحت هذين الأسمين.
أما موطنهم الأصلي فهو الطائف وضواحيها، وكانت ثقيف في الجاهلية قوة حربية لها وزنها، وقيل أن خاضت معركة في الجاهلة مشهورة، انتصرت فيها كلها على خصومها.
فمن تاريخ ثقيف الحربي في الجاهلية أن خثعم (وهم جيل من اليمن) غزو ثقيفا في الطائف فخرجت إليهم ثقيف، على رأسهم سيدهم غيلان بن سلمة، فقاتلهم قتالًا شديدًا حتى هزمهم، بعد أن أحدث فيهم مقتلة عظيمة، وأسر عدة منهم ثم منّ عليهم.
ومن أيامهم التي انتصروا فيها، يوم وادي وجّ، وهو واد مشهور بالطائف. ولعل أعظم الأيام التي انتصرت فيها ثقيف في الجاهلية، هي تلك المعركة التي دارت بينهم وبين بني عامر بن ربيعة من هوازن. فقد جاء في معجم قبائل العرب: أن بني عامر بن ربيعة هؤلاء، جمعوا جموعا كثيرة من أنفسهم وأحلافهم، ثم ساروا إلى ثقيف في الطائف، وكانت بنو نصر بن معاوية أحلافا لثقيف، فلما بلغ ثقيفا مسير بني عامر، استنجدوا ببنى نصر، فأنجدتهم، فخرجت ثقيف إلى بني عامر، وعلى ثقيف غيلان بن سلمة بن متعب، فلقوهم وقاتلتهم ثقيف قتالًا شديدًا، فانهزمت بنو عامر ومن كان معهم وظهرت ثقيف عليهم، فأكثروا فيهم القتل.
وفي سبب تسمية بلدهم بالطائف، ذكر البكرى في معجم ما استعجم أن بني ثقيف عرفوا فضل المكان الذي يسمى اليوم بالطائف، وكان لبنى عامر بن ربيعة من هوازن، فقالوا لبنى عامر: إن هذه بلاد غرس وزرع، وقد رأيناكم اخترتم المراعي عليها، فأضررت بعمارتها وأعمالها، ونحن أبصر بعملها منكم، فهل لكم أن تجمعوا الزرع والضرع وتدفعوا بلادكم هذه إلينا فنثيرها حرثًا (أعنابا وثمارا وشجارًا) ونكظمها كظائم ونحفرها أطواء، ونملأها عمارة
[ ٩ / ١٣٥ ]
وجنانا بفراغنا لها وإقبالنا عليها وشغلكم عنها واختياركم غيرها؟ .
فإذا بلغت وأدركت الثمار شاطرناكم، فكان لكم النصف بحقكم في البلاد ولنا النصف بعملنا فيها، فكنتم بين ضرع وزرع، لم يجتمع لأحد من العرب مثله، فدفعت بنو عامر الطائف إلى ثقيف لعمارتها، فكانت بنو عامر تجئ أيام الصرام (الحصاد) فتأخذ نصف الثمار كلها كيلًا، وتأخذ ثقيف النصف الثاني.
وكانت عامر وثقيف تمنع الطائف من أرادهم، فلبثوا بذلك زمانًا من دهرهم، حتى كثرت ثقيف، فحصنوا الطائف، وبنو عليها حائطًا يطيف بها، فسميت (الطائف) فلما قووا بكثرة حصونهم، امتنعوا من بني عامر فلم تصل إليهم ولم يقدروا عليهم، ولم تنزل العرب مثلها دارًا. اهـ.
ثقيف عند ظهور الإِسلام
وكانت ثقيف شديدة التمسك بالكفر والضلال حتى أنهم امتنعوا في حصنهم عام ثمان للهجرة تمسكًا بالشرك، ولم يدخلوا في الإِسلام إلا في السنة التاسعة من الهجرة، إلا أن النبي - ﷺ - بدلًا من أن يدعو عليهم لشدة كفرهم، دعا لهم فأقبلوا جميعًا فأسلموا. فقد ذكر المؤرخون أن النبي - ﷺ - لما انصرف من الطائف ولم يقدر على حصن ثقيف، قيل له: يا رسول الله ادع على ثقيف. فقال: اللهم اهد ثقيفًا وَأتِ بها، فجاءت ثقيف بإسلامها إلى المدينة طائعة مختارة. بفضل الله ثم بفضل دعاء الرسول - ﷺ -.
ثقيف تستقدم المنجنيقات للدفاع
عندما تحرك النبي - ﷺ - من المدينة يريد الاستيلاء على مكة وتحريرها من نير الوثنية، عقب نقض قريش صلح الحديبية، ظنت ثقيف أن النبي - ﷺ - يريد مهاجتها، فأبلغت إخوانها من قبائل هوازن، ثم بعثت بسيدها عروة بن مسعود (١) وآخرين إلى جرش بالأردن ليتدربوا على الأسلحة الثقيلة وصنعها هناك. والتي تمثل المنجنيق والعرادات والدبابات وغير ذلك من الأسلحة الثقيلة التي لا تستعمل إلا عند مهاجة الحصون أو الدفاع عنها.
_________________
(١) انظر ترجمة عروة بن مسعود في كتابنا (صلح الحديبية).
[ ٩ / ١٣٦ ]
وكانت جرش (١) في ذلك العهد مدينة عربية واقعة تحت نير الحكم الروماني، وأهلها مشهورون بصناعة الأسلحة الثقيلة، لذلك بعثت ثقيف بسيدها عروة بن مسعود ووفد يصاحبه لتعلُّم صنع هذه الأسلحة والتدرب عليها لاستخدامها في الحرب ضد المسلمين عندما يضربون الحصار على الطائف. فتقذفهم ثقيف بمقذوفات آلاتها الراجمة بالحجارة واللهب من منجنيق وعرادات وسهام ضخمة تحمل النيران.
العمليات الحربية قبل حصار الطائف.
وقبل أن يتحرك الرسول - ﷺ - من حنين لمحاصرة ثقيف في الطائف أمر الطفيل بن عمرو (٢) الدوسى أن يتوجه إلى قومه فيهدم صنمهم (ذا الكفين) (٣) صنم عمرو بن حممة كما أمره أن يستمد قومه (دَوس) ليعينوا الجيش النبوي في قتاله ثقيفًا. وأمر الرسول - ﷺ - الطفيل بن عمرو أن يوافيه
_________________
(١) جرش بضم الجيم وفتحه. مدينة في الشام تقع اليوم آثارها ضمن المملكة الأردنية الهاشمية، كذلك يوجد ناحية نجران موضع يقال له: (جرش).
(٢) هو الطفيل بن عمرو بن طريف بن العاص الدوسى، ودوس بطن من الأزد يُلَقبُ بذى النون، كان شاعرًا شريفا مطاعًا في قومه، من السابقين الأولين في الإِسلام، أسلم على يد الرسول - ﷺ - في مكة قبل الهجرة، وقصة إسلامه قصة شيقة (انظر مفصلة في أسد الغابة والإصابة والاستيعاب) بعد أن أسلم الطفيل عاد إلى قومه فدعاهم إلى الإِسلام فأسلموا، وفي كتب التراجم أن الطفيل قال: يا رسول الله إنّي امرؤٌ مطاع في قومى وأنا راجع إلهم وداعيهم إلى الإِسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه، فقال: اللهم إجعل له آية. قال: فخرجت إلى قومى حتى إذا كنت بثنية تطلعنى على الحاضر. وقع نور بين عينى مثل المصباح. قال: فقلت: اللهم في غير وجهى فإن أخشى أن يظنوها مثله لفراقى دينهم، فتحولت في رأس سوطى فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطى كالقنديل المعلق وأنا أهبط إليهم من الثنية، فلما نزلت أتاني أبي وكان شيخًا كبيرًا، فقلت: إليك عني يا أبت فلست منك ولست مني. قال: ولم أي بني؟ قلت: إنّ أسلمت. قال أي بني فدينك ديني فأسلم، ثم أتتنى صاحبتى فقلت لها مثل ذلك فأسلت، وقالت: أيخاف على من ذي الشرى (صنم لهم) فقلت: لا .. أنا ضامن لذلك، ثم دعوت دوسا فأبطأوا عن الإِسلام. فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - بمكة فقلت: يا رسول الله إنه قد غلب على دوس الربا فادع الله علهيم. فقال: اللهم اهد دوسا. ارجع إلى قومك فادعهم وأرفق بهم، قال: فرجعت فلم أزل بأرض قومى أدعوهم إلى الإِسلام حتى هاجروا إلى النبي - ﷺ - إلى المدينة .. قتل الطفيل بن عمرو شهيدًا باليمامة، وجرح ابنه عمر بن الطفيل ثم عوفى وقتل عام اليرموك في خلافة عمر بن الخطاب شهيدا.
(٣) ذو الكفين: صنم لدوس، (انظر كتاب الأصنام للكلبى).
[ ٩ / ١٣٧ ]
بقومه في الطائف. وكان الطفيل بن عمرو من السابقين الأولين في الإِسلام ومطاعًا في قومه. فصدع الطفيل بن عمرو بأمر الرسول - ﷺ -.
وقبل أن يتحرك الطفيل لتحطيم الصنم. قال: يا رسول الله أوصنى. قال: أفش السلام وأبذل الطعام، واستحى من الله كما يستحى الرجل ذو الهيئة من أهله، إذا أسأت فأحسن، ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ﴾ (١). فخرج الطفيل سريعًا إلى قومه، فهدم ذا الكفين (الصنم) وجعل يحشو النار في جوفه ويقول:
يا ذا الكفين لستُ من عُبادكا ميلادنا أقدم من ميلادكا
أنا حشوت النارَ في فؤادكا
وقد استجاب قوم الطفيل بن عمرو له. فانضوى تحت قيادته أربعمائة من قومه المسلمين وافى بهم الطفيل النبي - ﷺ - وهو بالطائف.
وقد حمل الأزد معهم إلى الطائف من السلاح الثقيل دبابة ومنجنيق. وعندما أرادوا التحرك إلى الطائف. قال بعضهم: يا معشر الأزد، من يحمل رايتكم؟ قال الطفيل بن عمرو: من كان يحملها في الجاهلية، قالوا أصبت، وهو النعمان بن الزرافة اللهبى (٢) وصلت الأزد الطائف بعد وصول النبي - ﷺ - إليها بأربعة أيام (٣).
النبي يتحرك إلى الطائف
وهكذا بعد انتهاء معركة حنين على النحو الذي انتصر فيه المسلمون ذلك الانتصار الساحق على هوازن، وبعد أن أرسل النبي - ﷺ - بالغنائم والسبى إلى الجعرانة (قرب مكة) أخذ في مطاردة القوات الرئيسية من هوازن بنفسه. وكانت هذه القوات من ثقيف الذين لجأوا إلى حصنهم واعتصموا به في الطائف.
خالد على مقدمة الجيش إلى الطائف:
وعندما قرر الرسول - ﷺ - التحرك إلى الطائف لمطاردة ثقيف جعل خالدًا
_________________
(١) سورة هود ١١٤.
(٢) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٢٣.
[ ٩ / ١٣٨ ]
ابن الوليد على مقدمة الجيش، وكان خالد دائمًا منذ خرج الجيش النبوي من مكة إلى حنين- على الخيل. كما أن الرسول - ﷺ - استخدم الأدلاء العارفين بالطرق ليسيروا أمام الجيش في طريقه إلى الطائف.
وما زال الرسول - ﷺ - يقوم بعملية المطاردة حتى وصل الطائف. وقد سلك الرسول بالجيش إلى الطائف وادي نخلة المعروف اليوم (باليمانية) كما سلك وادي لية المشهور.
قال الواقدي: وقدم رسول الله - ﷺ - خالد بن الوليد من حنين على مقدمته وأخذ يسلك به من الأدلاء إلى الطائف، فانتهى رسول الله - ﷺ - إلى الطائف .. وكانت ثقيف قد رمّوا (أي أصلحوا) حصنهم، ودخلوا فيه منهزمين من أوطاس وأغلقوه عليهم -وهو حصن على مدينتهم له بابان- وصنعوا الصنائع للقتال وتهيأوا، وأدخلوا حصنهم ما يصلحهم لسنة لو حوصروا.
وقال ابن إسحاق: ولما قدم فلّ (١) ثقيف الطائف أغلقوا أبواب مدينتها وصنعوا الصنائع للقتال.
ولم يشهد حنينا ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة كانا بجرش يتعلمان صنعة الدبابات (٢) والمجانيق (٣) والضّبور (٤) ثم سار، رسول الله - ﷺ - إلى الطائف حين فرغ من حنين، فسلك على نخلة اليمانية، ثم على قرن ثم على الميح، ثم على بحرة الرغاء من لية فابتنى بها مسجدًا فصلى فيه. ثم إنه أقاد يومئذ ببحرة الرغاء، حين نزلها، بدم، وهو أول دم أقيد به في الإسلام، رجل من بني ليث قتل رجلًا من هذيل، فقتله به، وأمر رسول الله - ﷺ - بلية بحصن مالك بن عوف (قائد هوازن) فهدم، ثم سلك في طريق يقال لها: الضيقة، فلما توجه سأل عن اسمها؟ فقيل له: الضيقة.
_________________
(١) الفل (بفتح أوله): الجماعة المنهزمون من الجيش.
(٢) قال السهيلى: الدبابات، من آلات الحرب، يدخل فها الرجال فيدبون بها إلى الأسوار لينقبوها.
(٣) المجانيق: جمع منجنيق (بفتح الميم وكسرها): وهي آلات الحصار يقذف بها المحاربون النار والحجارة ونحوها.
(٤) الضبور قال في كتاب العين: جلود يغشى بها خشب يتقى بها في الحرب وهي تشبه الدبابات المعدة لنقب الأسوار.
[ ٩ / ١٣٩ ]
فقال: باب هي اليسرى، ثم خرج منها على نخب، حتى نزل سدرة يقال لها: الصادرة قريبًا من مال رجل من ثقيف، فأرسل إليه رسول الله - ﷺ -: إما أن تخرج، وإما أن نخرب عليك حائطك، فأبى أن يخرج فأمر رسول الله - ﷺ - بإخرابه (١).
بداية حصار الطائف
ثم واصل الرسول - ﷺ - التحرك بجيشه نحو الطائف بعد أن بلغه أن ثقيفا قد اعتصموا به، وكانوا محاربين أشداء شديدى التعصب لإِلههم (اللات) التي جاء ذكرها في القرآن الكريم.
وقد عسكر الرسول - ﷺ - بجيشه تمهيدًا لاقتحام قلاع الطائف في مكان مكشوف غير استراتيجى وقريب من الحصون الثقفية، وكانت ثقيف يجيدون الرمي بالسهام والقذف بالحراب من على الأبراج، فما كان الجيش الإِسلامي يحط أثقاله في معسكره الأول حتى تعرّض لقصف شديد من النبال التي انهالت على الجيش الإِسلامي كأنها الجراد، وقد أصيب من المسلمين (نتيجة هذا القصف) أناس كثير، الأمر الذي حمل الرسول - ﷺ - على أن يبدل معسكره، حيث عسكر في مكان بحيث يكون جنده في مأمن من سهام العدو.
وكان هذا التحوُّل بمشورة المحارب المجرب الأنصاري الشهير (الحُباب بن المنذر) (٢) صاحب الفكرة يوم بدر والتي بموجبها غير الرسول - ﷺ - موقعه الأول بعد أن عمل بمشورة (الحباب بن المنذر) فعسكر في أرض استراتيجية منها أدار الرسول - ﷺ - معركة بدر الكبرى وتم له الانتصار فيها. كما كان كذلك (الحباب بن المنذر) المشير على الرسول - ﷺ - في حصار اليهود بخيبر، بتغير موقعه الذي كان قد عسكر فيه لمحاصرة اليهود وأصيب من أصحابه بسهام اليهود التي قصفوهم بها من أبراج القلاع، خلق كثير، وكذلك فعل الحباب في حصار الطائف، حين رأى الرسول - ﷺ - يعسكر في مكان كان من
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٢٣/ ٩٢٤ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١١٢ و١٢٥.
(٢) انظر ترجمة الحباب بن المنذر في كتابًا (غزوة بدر الكبرى).
[ ٩ / ١٤٠ ]
وجهة الخبير العسكري الحباب بن المنذر، غير مناسب لأن يكون معسكرًا لفرض الحصار على حصون ثقيف.
قال الواقدي: ومضى رسول الله - ﷺ -. حتى نزل قريبًا من حصن الطائف، فيضرب عسكره هناك، فساعة حلّ رسول الله - ﷺ - وأصحابه جاءه الحباب بن المنذر. فقال: يا رسول الله: إنا قد دنونا من الحصن، فإن كان عن أمر سلمنا، وإن كان عن الرأي فالتأخر عن حصنهم، فأسكت رسول الله - ﷺ - (١).
ولكن الرسول - ﷺ - عمل في النهاية برأى الحباب بن المنذر، حيث استدعاه وطلب منه (بصفته خبير مجرّب) أن يختار مكانًا صالحًا لأن يعسكر فيه الجيش في مأمن، من سهام العدو. وذلك بعد أن أصيب عدد من جند الإِسلام بجراح من جراء قصف النبال الثقفية.
ولنترك أحد الصحابة الكبار ممن حضر حصار الطائف وهو (عمرو بن أمية الضمرى) (٢) يصف لنا بداية الحصار وتحويل موقع العسكر بمشورة الحباب بن المنذر. قال عمرو: لقد طلع علينا نبلهم ساعة نزلنا شيء الله به عليم. كأنه رِجْل (٣) من جراد، وترّسنا لهم، حتى أصيب ناس من المسلمين بجراحة، ودعا رسول الله - ﷺ - الحباب فقال: انظر مكانًا مرتفعًا مستأخرًا عن القوم. فخرج الحباب حتى انتهى إلى موضع مسجد الطائف خارج من القرية. فجاء إلى النبي - ﷺ - فأخبره فأمر رسول الله - ﷺ - أصحابه أن يتحولوا. قال عمرو بن أمية: إني لأنظر إلى أبي مِحجَن يرمى من فوق الحصين بعشرته (٤) بمعابل (٥) كأنها الرماح، ما يسقط له سهم.
قالوا: وارتفع رسول الله - ﷺ - عند مسجد الطائف اليوم، ويصفون خرافة جاهلية قبيحة لجأت إليها ثقيف ضمن الدفاع عن حصنها. قالوا: وأخرجت ثقيف امرأة ساحرة فاستقبلت الجيش بعورتها- وذلك حين نزل الرسول
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٢٥.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة أحد).
(٣) الرجل (بكسر الراء): الشيء الكثير جدًّا ويختص بالجراد فقط.
(٤) العشرة (بكسر العين): الصحبة.
(٥) المعابل: جمع معبلة: وهي نصال طوال عراض، يرمى بها المتحصنون في القلاع عادة.
[ ٩ / ١٤١ ]
- ﷺ - يدفعون بتلك الخرافة عن حصنهم.
فلما تحول الرسول - ﷺ - إلى الأكمة التي اختارها الحباب بن المنذر، وسار المسلمون إلى الحصن، فخرج قدام الناس يزيد بن زمعة بن الأسود (١) على فرسه، فسأل ثقيفًا الأمان يريد أن يكلمهم، فأعطوه الأمان، ولكنهم غدروا به، ذلك أنه لما دنا من حصنهم رموه بالنبل فقتلوه. فكان أول شهيد من المسلمين في حصار الطائف.
مصرع قاتل يزيد بن زمعة
وقد أوقع الله بالذي غدر بالشهيد يزيد بن زمعة (وهو هذيل بن أبي الصلت) أخو الحكيم والشاعر المشهور (أمية بن أبي الصلت)، فقد خرج هذيل هذا من الحصين خلسة، لقضاء حاجة له، وهو يظن أن المسلمين لا يراه منهم أحد، غير أن يعقوب بن زمعة (٢)، أخو الشهيد (يزيد بن زمعة) كان له بالمرصاد، حيث كمن له عند باب الحصين، وعندما خرج هذيل بن أبي الصلت، قبض زمعة عليه وأسره، ثم أتى به رسول الله - ﷺ - وقال: هذا قاتل أخي يا رسول الله، فأمكنه الرسول - ﷺ - منه، فضرب عنقه.
محاولة المسلمين اقتحام حصن الطائف
وقد بذل الجيش الإسلامي جهودًا مضنية لاقتحام حصن الطائف وفتحه، ولكنَّ مقامة ثقيف كانت عنيفة ومركزة.
ولمحاولة التأثير على الثقفيين وإضعافهم بغية إجبارهم على التسليم. استخدم الجيش النبوي المنجنيق فضرب به قلاع الطائف وتهديم ما يمكن تهديمه منها.
_________________
(١) هو يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد بن عبد العزى القرشي الأسدي، أمه قريبة بنت أبي أمية المخزومية أخت أم سلمة زوج النبي - ﷺ -. أسلم قديمًا، وكان ممن هاجر إلى الحبشة، وصحب النبي وروى عنه الحديث كانت إليه المشورة في الجاهلية، وذلك أن قريشا لا يبتون في أمر إلا عرضوه عليه. فإن رضيه سكت، وإن لم يرضه كانوا له أعوانًا حتى يرجع إلى مكان من أشراف قريش.
(٢) هو يعقوب بن زمعة بن الأسود. قال ابن الأثير في أسد الغابة أورده جعفر في الصحابة. وروى عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن عمرو بن شعيب عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: بينما نحن مع رسول الله - ﷺ - إذ خرج حمار من شعب أبي دب فأمسك النبي ولم يكبر، وأحاز إليه يعقوب ابن زمعة أخو بني أسد حتى رده.
[ ٩ / ١٤٢ ]
بغية فتح الطريق من ثغرات في الأسوار ليقتحم الجيش الإِسلامي الحصون.
ولكن يظهر أن سلاح المنجنيق لم يؤثر التأثير المطلوب في قلاع الطائف. فظل الثقفيون ومن معهم من هوازن صامدين في حصونهم، وكانوا رماة نبل مشهورين بإصابة الهدف.
وقد قامت عناصر من الجيش بمحاولة جريئة، بغية إيجاد السبيل لجمهرة الجيش كى يقتحموا الحصين فيختصروا متاعب الحرب.
وهذه المحاولة الجريئة هي أن مجموعة (يمكن تسميتهم بالفدائيين) زحفوا (متسترين وراء الدبابات) على الحصن حتى وصلوا إلى أسواره، محاولين (تحت حماية الدبابات) إحداث فتحات في السور عن طريق نقبه، حتى يتمكن العسكر الإسلامي من الدخول إلى الحصن، وهناك يضعون حدا للحرب؛ لأن المسلمين على ثقة بأنهم سيتغلبون على المشركين إذا ما تمكنوا من اقتحام الحصن والتحموا معهم في معركة فاصلة.
زرع الحسك حول قلاع الطائف
ومن جهة أخرى (ولكى تعطل تحركات الثقفيين) قامت قيادة الجيش الإِسلامي ببث الحسك حول قلاع الطائف. (والحسك -بفتح أوله وثانيه-: قطع من الحديد صغيرة على هيئة شوك الحسك النباتي ذوي الإبر الحادة المتعددة، وهو من أدوات الحرب يلقى به حول المعسكرات والحصون ليعيق تحركات العدو، فيؤذى المشاة ويعطل حركات الخيل؛ لأنه يعلق بحوافرها فيؤلمها فلا تقوى على الجرى).
وقد لجأ المسلمون إلى استخدام الحسك كوسيلة من وسائل تعويق تحركات العدو، بإيقاعه في حقول الحسك إذا ما حاول رجاله الهجوم على الفدائيين الذين تحركوا -تحت حمايات الدبابات- لنقب أسوار الحصن الرئيسى لثقيف.
فشل الهجوم الفدائي على حصن ثقيف
غير أن محاولة الفدائيين المسلمين لفتح الثغرات في جدار الحصين قد فشلت. فقد تنبه الثقفيون للمحاولة (وكانوا مسلحين بأسلحة دفاعية ثقيلة
[ ٩ / ١٤٣ ]
من قاذفات للهب وغيرها) فأحبطوها، حيث سلطوا آلاتهم الراجمة بالنار على دبابات الفدائيين الذين وصلوا أسوار الحصن، فأحرقوا الدبابات التي كان يتستر بها الفدائيون. فانكشف هؤلاء الفدائيون، فقصفهم الثقفيون بسهامهم وأحرابهم، وأحدثوا بينهم بعض الإصابات ما بين قتيل وجريح، وهنا اضطر الفدائيون إلى التراجع إلى معسكر الإِسلام.
قال أصحاب السير: فنصب رسول الله - ﷺ - المنجنيق. وشاور رسول الله - ﷺ - أصحابه. فقال له سلمان الفارسى (١) يا رسول الله أرى أن تنصب المنجنيق على حصنهم، فإنا كنا بأرض فارس ننصب المنجنيقات على الحصون وتنصب علينا، فنصيب من عدونا ويصيب منا بالمنجنيق، طال الثواء، فأمره رسول الله - ﷺ - فعمل منجنيقًا بيده، فنصبه على حصن الطائف. وذلك بالإضافة إلى منجنيق ودبابتين قدم بهما الطفيل بن عمرو الدوسى. ونشر رسول الله - ﷺ - الحسَك حول حصنهم، ودخل المسلمون تحت الدبابة وهي جلود من جلود البقر، وذلك يوم يقال له: الشدخة قيل: وما الشدخة؟ قالوا: ما قتل من المسلمين -دخلوا تحت الدبابات، ثم زحفوا بها إلى جدار الحصين ليحفروه، فأرسلت عليهم ثقيف سكك الحديد محماة بالنار فحرّقت الدبابات، فخرج المسلمون من تحتها، وقد أصيب منهم من أصيب، فرمتهم ثقيف بالنبل فقتل منهم رجال (٢).
_________________
(١) هو سلمان الفارسي، ويكني أبو عبد الله، ويعرف بسلمان الخير، مولى رسول الله - ﷺ -، وسئل سلمان عن نسبه، فقال: أنا سلمان بن الإِسلام. أصله من فارس رام هرمز وكان اسمه قبل الإِسلام (مابه ابن يوذخشان بن مورسلان بن يهوذان بن فيروز بن سهرك من ولد آب الملك، وكان يلاد فارس مجوسيا سادن النار. ثم هداه الله للإسلام فجاء من بلاد الفرس يبحث عن دين التوحيد حتى وصل المدينة فأسلم في قصة شيقة مطولة (انظرها في أسد الغابة والاصابة والاستيعاب والحلية لأبي نعيم). كان سلمان من عظماء الصحابة، وكان في مقدمة الزهاد بينهم. وهو الذي قال فيه رسول الله - ﷺ -. (سلمان منا أهل البيت). كان سلمان صاحب فكرة حفر الخندق لحماية المدينة من هجوم الأحزاب (انظر كتابنا غزوة الأحزاب)، كان عطاؤه من بيت المال خمسة آلاف، فإذا استلمه فرقه على المحتاجين. وكان لا يأكل إلا من كسب يده حيث كان (وهو أمير بالعراق) يسف الخوص به ويبيعه ويأكل من ثمنه. توفي سلمان في آخر خلافة عثمان سنة خمس وثلاثين، وفي أسد الغابة عن أهل العلم: أن سلمان عاش ثلاثمائة وخمسين سنة، وقال أبو نعيم في الحلية: كان سلمان الفارسي من المعمرين.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٣ ص ١٢٦، ومعازى الواقدي ج ٣ ص ٩٢٧ - ٩٢٨.
[ ٩ / ١٤٤ ]
خروج بعض مقاتلي ثقيف من الحصن وإسلامهم:
وأثناء حصار الطائف خرج من الحصن من ثقيف (من مواليهم) بضعة عشر رجلا وانضموا إلى معسكر المسلمين وأسلموا، وذلك بعد أن نادى منادى رسول الله - ﷺ - بأن أي عبد نزل من الحصن ووصل إلى معسكر المسلمين فهو حر.
قال الواقدي: ونادى منادى رسول الله - ﷺ - أيما عبد نزل من الحصن فهو حرّ، فخرج من الحصن بضعة عشر رجلًا.
أبو بكرة (١) والمنبعث (٢) - وكان اسمه المضطجع فسماه رسول الله - ﷺ - المنبعث حين أسلم، وكان عبد العثمان بن عمار بن معتب .. كما خرج الأزرق بن عقبة بن الأزرق، وكان عبدًا للكلدة الثقفي من بني مالك، ثم صار حليفًا في بني أمية فنكحوا إليه وأنكحوه. ووردان عبد لعبد الله بن ربيعة الثقفي، وهو جد الفرات بن زيد بن وردان .. ويخنس النبال وكان عبدًا ليسار بن مالك فأسلم سيده بعد، فرد النبي - ﷺ - إليه ولاءه -فهم أعبد الطائف .. وإبراهيم بن جابر، كان عبدًا لحرشة الثقفي .. ويسار، عبد لعثمان بن عبد الله لم يعقب، وأبو بكرة بفتح أوله وثانيه نفيع بن مسروح، وكان للحارث بن كلدة، وإنما كنى بأبي بكرة لأنه نزل في بكرة (٣) من الحصن .. ونافع أبو السائب، عبد لغيلان بن سلمة فأسلم غيلان بعد، فرد النبي - ﷺ - إليه ولاءه .. ومرزوق غلام لعثمان، لا عقب له.
كل هؤلاء أعتقهم رسول الله - ﷺ - كل رجل منهم إلى رجل من المسلمين
_________________
(١) أبو بكرة اسمه نفيع بن الحارث بن كلدة، هو مولى الحارث بن كلدة. أسلم أبو بكرة أثناء حصار الطائف، وكان من خيار الصحابة ومشاهيرهم. كان أبو بكرة كثير العبادة. وكان من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ - وهو الذي روى عن رسول الله - ﷺ - حديث: إذا التقى المسلمان فقتل أحدهما صاحبه، فالقاتل والمقتول في النار. قال الحسن البصري: لم ينزل البصرة من الصحابة ممن سكنها أفضل من عمران بن حصين وأبي بكرة. توفي أبو بكرة سنة إحدى وقيل اثنين وخمسين وأوصى أن يصلى عليه أبو برزة الأسلمي.
(٢) كان اسمه المضطجع، فسماه النبي - ﷺ - منبعثا. وقد أسلم وحسن إسلامه.
(٣) البكرة (بفتح أوله وثانيه: هي ما يستقى عليها من البئر. وهي خشبة مستديرة في وسطها محز للحبل وفي جوفها محور تدور عليه، قاله في لسان العرب.
[ ٩ / ١٤٥ ]
يمونه ويحمله. فكان أبو بكرة إلى عمرو بن سعيد بن العاص وكان الأزرق إلى خالد بن سعيد، وكان وردان إلى إبان بن سعيد، وكان يحنس النبال إلى عثمان بن عفان ﵁، وكان يسار بن مالك، إلى سعد بن عبادة .. وإبراهيم بن جابر إلى أسيد بن الحضير، وأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يقرئوهم القرآن ويعلموهم السنن، فلما أسلمت ثقيف تكلمت أشرافهم في هؤلاء المعتقين، فيهم الحارث بن كلدة، يردّوهم في الرق، فقال رسول الله - ﷺ -: أولئك عتقاء الله، لا سبيل إليهم، وبلغ ذلك من أهل الطائف مشقة شديدة واغتاظوا على غلمانهم (١).
ولكن هيهات هيهات، فقد أصبح هؤلاء العتقاء، أبناء الإِسلام، وفي كنفه، وقد رباهم أشرف تربية، فأخرج منهم (بعد أن ساوى بينهم وبين مالكيهم في الحقوق) رجالًا كانوا مشاعل هداية ومصابيح إرشاد إلى دروب الخير، ومنهم أبو بكر الصحابي المحدث الشهير والزاهد المعروف في تاريخ الإِسلام.
تصرفات سيد غطفان السيئة بالطائف
ويذكر المؤرخون أن الأصمعي المطاع (وهذا لقب عيينة بن حصن الفزاري (٢) سيد غطفان) كان ضمن الجيش النبوي الذي تولى حصار الطائف. وكان عيينة قد أعلن إسلامه وشهد مع الرسول - ﷺ - فتح مكة. إلا أن الأحداث أثبتت (حسبما يروى المؤرخون) أن هذا السيد البدوى كان (وحتى حصار الطائف) من الذين أسلموا ولما يدخل الإِيمان في قلوبهم. وأنه إنما أعلن إسلامه وانضم إلى المسلمين، طمعًا (فقط) في أن يحصل على حظه من الغنائم والسبى، بعد أن تأكد لديه أن كفة المسلمين هي الراجحة، وأن لا أمل لمن يبقى على الشرك من العرب في التغلب عليهم.
ويؤيد ما ذكرنا أن الأحمق المطاع عيينة بن حصن هذا كان أحد قادة الفتنة العارمة عندما ارتد العرب في أواخر حياة الرسول الله - ﷺ - وأوائل خلافة أبي بكر
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٢٧ - ١٢٨ ومغازي الواقدي ج ٣ عن ٩٣١ - ٩٣٢ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٧.
(٢) انظر ترجمة عيينة بن حصن هذا في كتابنا (غزوة بدر).
[ ٩ / ١٤٦ ]
الصديق. فقد خاض عيينة بن حصن الفزاري هذا، المعارك الطاحنة إلى جانب طليحة بن خويلد الأسدي ضد المسلمين في معركة بزاخة الحاسمة .. هذا الزعيم الغطفاني الذي تألفَّه الرسول - ﷺ - وجعله ضمن هيئة أركان حربه لكونه سيدًا مطاعًا تتبعه عشرة آلاف رمح في نجد. فدخل النبي - ﷺ - مكة يوم الفتح، وعيينة هذا عن يمينه والأقرع بن حابس سيد بني تميم عن شماله، عيينة هذا الذي أعطاه الرسول - ﷺ - من غنائم حنين مائة من الإبل- تصرف أثناء حصار الطائف تصرفًا شائنًا إذ قام بدور الجاسوس ضد الإِسلام وجيشه الذي كان يفرض الحصار على الطائف، وأثبت أن ظاهره مع المسلمين وباطنه مع المشركين.
فقد جاء في كتب السير والمغازى، أن عيينة بن حصن هذا لما طال الحصار على الطائف دون جدوى، وعرف (كعنصر محارب في جيش الإِسلام) أن هذا الجيش لا يمكنه اقتحام معاقل الطائف لشدة تحصينها، استأذن من الرسول - ﷺ - في أن يفاوض ثقيفًا، متظاهرًا بأنه سيفاوض لصالح المسلمين، فقال: يا رسول الله ائذن لي حتى آتى حصن الطائف، فأكلمهم، فأذن له الرسول - ﷺ -، فجاءهم فقال: أأدنوا منكم وأنا آمن؟ قالوا: نعم، وعرفه أبو محجن. فقال: أن، فدنا ثم استأذن ثقيفًا في أن يدخل إليهم الحصن فأذنوا له.
فلما اجتمع بهم في الحصن (وبدلًا من أن يدعوهم إلى الإِسلام وينصحهم بالاستسلام) حثَّهُم على الاستمرار في مقاومة المسلمين شارحا لهم حقيقة ما عليه المسلمون من أنهم غير قادرين على الاستمرار في فرض الحصار عليهم. مظهرًا سروره واغتباطه بما أبدته ثقيف من مقاومة عنيدة جعلت الجيش الإِسلامي عاجزًا عن اختصار الحرب بفتح الحصن.
فقد قال عيينة لثقيف: فداءكم أبي وأمى، والله لقد سرّنى ما رأيت منكم، والله لو أن في العرب أحدًا غيركم، والله ما لاقى محمَّد مثلكم قط، ولقد مل المقام، فاثبتوا في حصنكم، فإن حصنكم حصين، وسلاحكم كثير، وماءكم واتن، لا تخافون قطعه. ثم خرج، فلما خرج قالت ثقيف لأبي محجن: فإنا كرهنا دخوله وخشينا أن يخبر محمدًا بخلل إن رآه فينا أو في حصننا. قال أبو
[ ٩ / ١٤٧ ]
محجن: أنا كنت أعرف له، ليس أحد أشد على محمَّد منه وإن كان معه (١).
وعندما عاد عيينة بن حصن إلى معسكر المسلمين حاول تضليلهم والكذب عليهم، حيث أراد أن يوهمهم بأنه قدم النصيحة لثقيف بأن يأخذوا الأمان لأنفسهم لأن الرسول لن ينصرف عنهم حتى يقتحم عليهم معاقلهم .. ولكن الرسول - ﷺ - فضح عيينة وبين أنه قد كذب بعد أن أطلع الله نبيه على خبية عيينة هذا.
فقد سأل الرسول - ﷺ - عيينة: ما قلت لهم؟ قال: قلت: ادخلوا في الإِسلام، والله لا يبرح محمَّد عقر داركم حتى تنزلوا، فخذوا لأنفسكم أمانًا، قد نزل بساحة أهل الحصون قبلكم. قينقاع، والنضير، وقريظة، وخيبر أهل الحلقة والعدة والآطام. فخذّلتهم ما استطعت -ورسول الله - ﷺ - ساكت عنه- حتى إذا فرغ من حديثه قال له رسول الله - ﷺ -: كذبت، قلت لهم كذا وكذا، للذي قال عيينة. فأسقط في يده، ولم ينكر. وقال: استغفر الله، فطالب عمر بن الخطاب الرسول - ﷺ - ينفذ الإعدام في عيينة لارتكابه الخيانة العظمى. فقد قال عمر يا رسول الله، دعني أقدّمه فأضرب عنقه. ولكن الرسول - ﷺ - لم يجب عمر إلى طلبه حين قال: لا يتحدث الناس أنى أقتل أصحابي.
وقد أغلظ أبو بكر الصديق يومئذ في القول لعيينة بن حصن للذي صنع. فقال له: ويحك يا عيينة إنما أنت توضع في الباطل، كم لنا منك من يوم بني النضير، وقريظة، وخيبر، تجلب علينا وقتاتلنا بسيفك، ثم أسلمت كما زعمت، فتحرض علينا عدونا، قال: أستغفر الله يا أبا بكر وأتوب إليه لا أعود أبدًا (٢).
وهذا الخبر عن عيينة بن حصن تؤكده تصرفات سيد غطفان هذا المنكرة، عقب وفاة النبي - ﷺ - حيث أعلن عيينة هذا، الردة وقاد أول جيش
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٢ - ٩٣٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٢ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٩.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٣ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٨.
[ ٩ / ١٤٨ ]
متمرد مرتد لمحاربة الإِسلام، محاولًا (وهو يقود قومه فزارة وبنى أسد) أن يحتل المدينة وينهى حكم الإِسلام فيها، وذلك أثناء غياب أكثرية العسكر الإِسلامي الذين كانوا قد غزوا الشام بقيادة أسامة بن زيد الكلبي.
ولكن الخليفة الأول بمساندة قبيلة مزينة الباسلة صدَّ ذلك الهجوم ودحر عيينة بن حصن والعصاة المرتدين الذين كان يقودهم.
وعندما نشبت معركة بزاخة الرهيبة بين المسلمين من جهة بقياد خالد بن الوليد، وبين طليحة بن خويلد الأسدي. كان عيينة هذا قائدا عامًا لجيوش غطفان المرتدة ونائبًا عن طليحة في قيادة الجيوش المرتدة كلها. في بزاخة.
وعندما وقع عيينة في الأسر وجئ به إلى المدينة، وانطلق صبيان المدينة يجرون خلفه ويعيّرونه قائلين: هذا المرتد عن الإِسلام فيقول لهم: والله ما لامس الإِسلام قلبى حتى أخرج منه. وقد اختلف المؤرخون في أمر عيينة بن حصن، فمنهم من يقول: أنه جرى إعدامه كزعيم من زعماء الردة، ومنهم من يقول: إنه أسلم وتاب وحسن إسلامه بعد أن عفى عنه الخليفة الصديق. والله أعلم بالصواب.
خالد بن الوليد يطلب المبارزة
وذكر المؤرخون أنه أثناء حصار المسلمين للطائف برز قائد سلاح الفرسان خالد بن الوليد متحديا شجعان ثقيف طالبا منهم المبارزة ولكنهم أحجموا ولم يخرج منهم أحد من الحصن فقد نادى خالد: من يبارز فلم يطلع إليه أحد من ثقيف وظلوا مختفين وراء أسوار وأبراج حصنهم، وكرر ذلك النداء طالبًا البراز فلم يبرز إليه أحد.
ثم (أخيرًا) قام سيد ثقيف وزعيمها عبد ياليل فنادى خالدا وأبلغه أن أحدا من ثقيف لن يبرز إليه. وأنهم يفضلون الاعتصام بحصنهم قائلًا: لا ينزل إليك منا أحد، ولكن نقيم في حصننا فإن به من الطعام ما يكفينا سنين، فإن أقمت حتى يذهب هذا الطعام، خرجنا إليك بأسيافنا جميعًا حتى نموت عن آخرنا (١).
_________________
(١) السيرة الحلبية.
[ ٩ / ١٤٩ ]
الرسول يأمر بإتلاف بساتين ثقيف ثم يعدل عن ذلك:
لقد بذل المسلمون مجهودات كبيرة واتبعوا وسائل شتى لاختصار متاعب الحرب باقتحام أسوار الطائف وفتح قلاعها. فقذفوها بالآلات الراجمة بالحجارة الضخمة وبالنيران، كما زحف الفدائيون منهم في حماية الدبابات لنقب الأسوار وفتح ثغرات فيها يدخل منها جند الإِسلام، ولكنهم لم ينجحوا، وظلت قلاع الطائف صامدة في وجه المسلمين. لا يخرج منهم أحد من الحصن، بل يكتفون بقذف المسلمين المحاصرين بمختلف المقذوفات من سهام ومعابل ونيران لإِحراق ما يستخدمه المسلمون من سلاح ثقيل للهجوم على الأسوار كما فعلوا حين صبوا نيرانهم على الدبابات التي استخدمها الفدائيون المسلمون للهجوم على أسوار الحصن فأحرقوها وجرحوا بعض العناصر من الفدائيين.
ويذكر بعض المؤرخين أن الرسول لما استعصى عليهم حصن الطائف أمر بإتلاف مزروعات ثقيف بغية إزعاجهم وإجبارهم على الخروج من قلاعهم. ولكن ثقيفا ناشدوا الرسول - ﷺ - الله والرحم أن لا يفعل فعدل عن إتلاف مزروعاتهم، وبعضهم يذكر أنه أتلف بعض مزروعات ثقيف ثم أمر بإيقاف الإتلاف.
فقد ذكر ابن كثير في البداية والنهاية. أن الرسول - ﷺ - لما طال الحصار. وقتل عدة من أصحابه. أمر بقطع أعناب ثقيف فوقع الناس فيها يقطعون (١).
وذكر بعض المؤرخين أن النبي - ﷺ - لما أمر بقطع مزروعات ثقيف نادى عمر بن الخطاب سفيان بن عبد الله الثقفي: والله لنقطعن أبا عيالك، فقال سفيان: إذا لا تذهبون بالماء والتراب، فلما رأى نادى سفيان: يا محمَّد، لم تقطع أموالنا؟ إما أن تأخذها إن ظهرت علينا، وإما أن تدعها لله وللرحم (٢)، كما زعمت، قال رسول الله - ﷺ -: فإني أدعها لله وللرحم.
_________________
(١) السيرة الحلبية.
(٢) قال في المواهب اللدنية: أي للرحم التي بينهم وبين النبي - ﷺ -، وذلك أن أمه آمنة، أُمها برة بنت عبد العزى بن قصى، وأم برة هذه أم حبيب بنت أسعد، وأمها برة بنت عوف، وأمها قلابة بنت =
[ ٩ / ١٥٠ ]
كما ذكر أيضًا أن اثنين من الجيش الإسلامي وهما (أبو سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفي)، تقدما إلى ثقيف فقالا: آمنوا حتى نتكلم، فأمنتهما ثقيف. فدنيا من الحصن ثم ناديا نساءا من قريش وكن في الحصن، وكانوا يخافون عليهن أن يقعن في السبى- منهم ابنة أبي سفيان بن حرب، كانت تحت عروة بن مسعود، لها منه ولد، اسمه داود بن عروة، والفراسة بنت سويد بن ثعلبة- كانت تحت قارب بن الأسود (١)، لها منه عبد الرحمن بن قارب، وامرأة أخرى، فأبين أن يخرجن.
فلما أبين عليهما، قال لهم ابن والأسود بن مسعود: يا أبا سفيان ويا مغيرة، ألا ندلكما على خير مما جئتما له، إن مال بني الأسود حيث قد علمتما -وكان النبي - ﷺ - نازل بينهم وبين الطائف بواد يقال له العمق (بفتح العين وسكون الميم) - ليس بالطائف مال أبعد رشاءًا، ولا أشد مؤنة منه ولا أبعد عمارة- وأن محمدًا إن قطعه يعمر أبدًا، فكلماه ليأخذه لنفسه أو ليدعه لله وللرحم، فإن بيننا وبينه من القرابة ما لا يجهل فكلماه فتركه رسول الله - ﷺ - (٢).
فك الحصار عن الطائف:
لقد بذل الجيش الإسلامي مجهودات عظيمة لاقتحام قلاع الطائف وفتحها، ولكن الحصون كانت منيعة، وكان الثقفيون مصممين على الصمود ويدافعون عنها بعناد، وكانوا قد استعدوا لطول الحصار بما خزنوا من مواد غذائية تكفيهم
_________________
(١) = الحارث، وأم قلابة بنت يربوع من ثقيف.
(٢) هو قارب بن مسعود بن معتب مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي، وهو ابن أخي سيد ثقيف (عروة بن مسعود). كان قارب من وجوه ثقيف وقادة الحرب فيها. كانت معه راية الأحلاف يوم حاربوا النبي - ﷺ - في حنين قال في أسد الغابة: والأحلاف أحد قبيلتي ثقيف، فإن ثقيفا قسمان أحدهما بنو مالك والثاني الأحلاف .. كان قارب هذا من عقلاء ثقيف وذوى البصائر .. هاجر إلى النبي - ﷺ - وأسلم قبل أن ترسل ثقيف وفدها. وكانت ثقيف قتلت عروة بن مسعود عندما دعاها إلى الإِسلام، ففارقها قارب وأبو مليح بن عروة غاضبين وقدما على الرسول - ﷺ - فأسلما. فقال لهما الرسول - ﷺ - توليا من شئتما فقالا: نتولى الله ورسوله: وقد اشترك قارب بن الأسود في هدم اللات صنم ثقيف.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٨ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٢٨ - ٩٢٩.
[ ٩ / ١٥١ ]
لسنوات، كما أن الماء من العيون والآبار متوفرة لديهم بكثرة.
وكان المسلمون في العراء مكشوفين ومعرضين لسهام الثقفيين ومعابلهم. الأمر الذي يجعل المسلمين أكثر تعرضًا للخطر بينما الثقفيون في بلادهم ومعتصمون بحصونهم عندهم أهلهم وأبناءهم، ولم تُجدِ المحاولات الجدية المضنية التي بذلها جيش الإِسلام لاقتحام أسوار الطائف، حيث كانت قوية وعالية ومنيعة، يحميها مقاتلون ورماة ماهرون في القصف بالنبل والمعابل. واستخدام الأسلحة الثقيلة من راجمات باللهب وغيرها.
استمر المسلمون في محاولاتهم فتح الطائف خمسة عشر يومًا (١) وبعض المؤرخين يقول إن الحصار استمر أكثر من عشرين يومًا (٢).
وقد فقد المسلمون (وهم يجاهدون لفتح الطائف) اثنى عشر شهيدًا (٣) مقابل رجلين من مشركى ثقيف قتلهما المسلمون أثناء الحصار. وجميع شهداء المسلمين، قتلوا رميًا بسهام ثقيف التي كانوا يقصفون بها المسلمين من الأبراج والأسوار.
الرسول يستشير الخبراء بشأن استمرار الحصار أو فكه
وبعد مضى خمسة عشر ليلة أو عشرين على محاصرة الطائف دونما أية نتيجة إيجابية لصالح الجيش الإِسلامي تدارس الرسول - ﷺ - الموقف مع بعض كبار مستشاريه والخبراء في الجيش حول ما إذا كان من المفيد استمرار الحصار أم فكه عن الطائف.
وقد انتهت المشاورات إلى اقتناع النبي - ﷺ - بأنه ليس من مصلحة الجيش الإِسلامي الاستمرار في الحصار. ولذلك قرر أن يفك الحصار عن الطائف ويعود إلى مكة تاركًا ثقيفًا وشأنها حتى يأتي الله بها فتدخل في الإِسلام طائعة بعد أن تجد نفسها معزولة ومحاطة بعناصر عربية كلها دخلت في الإِسلام.
كما جاء في بعض الآثار عن النبي - ﷺ - أنه لم يأذن الله في ثقيف (أي
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٦.
(٢) الطبري ج ٣ ص ٨٣.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥١.
[ ٩ / ١٥٢ ]
باقتحامهم بقوة السلاح).
فقد جاء في الأثر: أن خولة بنت حكيم بن أمية السلمية (وهي امرأة عثمان) قالت: يا رسول الله أعطنى -إن فتح الله عليك الطائف- حلى بادية بنت غيلان بن مظعون بن سلمة، أو حلى الفارعة بنت عقيل- وكانتا من أحلى نساء ثقيف. فقال لها رسول الله - ﷺ -: وإن كان لم يؤذن لي في ثقيف يا خويلة؟ .
فذكرت خويلة ذلك لعمر بن الخطاب، فدخل على رسول الله - ﷺ -، فقال: يا رسول الله، ما حديث حدثتنيه خويلة، زعمت أنك قلته؟ قال: قد قلته، قال: أوما أذن لك فيهم يا رسول الله؟ قال: (لا) قال عمر: أفلا أؤذن بالرحيل؟ قال بلى فأذّن عمر بالرحيل (١).
كذلك ذكر أهل السير أن الرسول - ﷺ - رأى رؤيا فسرت بأن الرسول - ﷺ - لن ينال من ثقيف في حصاره لهم ما يريد. وخلاصة هذه الرؤيا أن النبي - ﷺ - قال لأبي بكر الصديق: إنّ رأيت أنى أهديت لي قعبة (٢) مملؤة زبدًا، فنقرها ديك فأهرق ما فيها. قال أبو بكر: ما أظن أن تدرك منهم يا رسول الله يومك هذا ما تريد. قال رسول الله - ﷺ -: وأنا لا أرى ذلك (٣).
وذكر أصحاب المغازي أن الرسول - ﷺ - استشار الخبير المجرب نوفل بن معاوية الديلي (٤) بشأن حصار الطائف بعد أن استعصى على المسلمين فتحها. فقال رسول الله - ﷺ - لنوفل بن معاوية: ما تقول أو ما ترى في المقام عليهم؟ فقال نوفل: يا رسول الله، ثعلب في جحر إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك شيئًا (٥).
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٣ ص ١٢٧ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٥ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٠ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٢.
(٢) القعبة (بفتح القاف): القدح.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٦ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٢٧ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٠.
(٤) انظر ترجمة نوفل بن معاوية في كتابنا (فتح مكة).
(٥) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٠ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٨٤ ومغازي الواقدي ج ٣ ص والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٢.
[ ٩ / ١٥٣ ]
ملاحاة أبي محجن وابن الخطاب
وذكر المؤرخون أن الفاروق عمر بن الخطاب جرت بينه وبن أبي محجن الثقفى (وكان يومها مشركًا) مشادّة. فقد طلع أبو محجن من علي سور الطائف ونادى المسلمين: يا عبيد محمد، إنكم والله ما لقيتم أحدًا يحسن قتالكم غيرنا، تقيمون ما أقمتم بشرّ محبّس، ثم تنصرفون لم تدكوا شيئًا مما تريدون، نحن قَسى وأبونا قسا (١) والله لا نسلم ما حيينا وقد بنينا طائفًا حصينًا، فناداه عمر بن الخطاب: يا ابن حبيب، والله لنقطعن عليك معاشك حتى تخرج من جحرك هذا، إنما أنت ثعلب في جحر يوشك أن يخرج. فقال أبو محجن: إن قطعتم يا ابن الخطاب حبلات عنب، فإن في الماء والتراب ما يعيد ذلك. فقال عمر: لا تقدر أن تخرج إلى ماء ولا تراب، لن نبرح عن باب جحرك حتى تموت. فقال أبو بكر الصديق: يا عمر لا تقل هذا، فإن رسول الله - ﷺ - لم يؤذن له في فتح الطائف. فقال عمر: وهل قال لك هذا رسول الله؟ فقال: نعم، . فجاء عمر إلى رسول الله - ﷺ - فقال: لم يؤذن لك يا رَسول الله في فتحها؟ قال: (لا) (٢).
تذمر الجيش النبوي لفك الحصار عن الطائف
وبعد مراجعات دقيقة واستشارات قام بها الرسول - ﷺ - بين بعض أصحابه بشأن الاستمرار أو عدم الاستمرار في حصار الطائف، بل وبعد تلقى الرسول الوحى بعدم الإذن في الاستمرار في الحصار لفتح الطائف، قرر الرسول - ﷺ - فك الحصار وأمر الجيش بالرحيل إلى مكة تاركًا ثقيفًا في حصونها على أمل أن يأتي بها الله لتدخل في الإسلام طائعة مختارة.
وقد أمرَ الرسول - ﷺ - وزيره الثاني عمر بن الخطاب أن يعلم الجيش بأنه تقرر فك الحصار عن الطائف وأن يؤذن في الناس بالرحيل، وقد فعل عمر ما أمره الرسول - ﷺ - به.
وعندما سمعت جمهرة الجيش النبوي وتلقت الأوامر بالرحيل وترك ثقيف في
_________________
(١) قسى (بفتح أوله كسر ثانيه): لقب ثقيف. قال في لسان العرب: لأنه مر على رغال، وكان مصدقًا، فقتله فقيل: قسا قلبه فسمى قسيا.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٥.
[ ٩ / ١٥٤ ]
حصونها جرى بين صفوف الجيش شيء من التذمر الواضح، فقد أظهرت بعض وحدات الجيش معارضة صريحة وأبدى بعض عناصر هذه الوحدات امتعاضًا واضحًا .. وقالوا: كيف ننصرف عن ثقيف وهي أضعف من جيوش هزمناها وأخضعناها .. ومشت بعض عناصر مِنْ الجيش مبدين اعتراضهم على الانسحاب .. مشت إلى أبي بكر وعمر وصارحتهما بهذه المعارضة وطلبت هذه العناصر من وزيرى رسول الله - ﷺ - أن يراجعاه كى يستمر في محاصرة ثقيف حتى تستسلم وهي صاغرة.
وحاول أبو بكر وعمر إقناع عناصر المعارضة للانسحاب وفك الحصار، ولكن هذه العناصر أصرَّت على أن يستمر الرسول - ﷺ - في محاربة ثقيف.
ولم يغضب الرسول - ﷺ - لهذه المعارضة بل استمع إليها، وأمر بمعاودة الهجوم على ثقيف (بعد إصداره الأمر بالانسحاب) ونشب القتال من جديد بين الجيش الإِسلامي وبين ثقيف وكانت ثقيف (كما هو معلوم) معتصمين بقلاعهم والمسلمون مكشوفين. فرمتهم ثقيف بالنبال من على الأسوار. فأصابت عناصر من الجيش الإسلامى جراحات كثيرة دون أن يستطيعوا إحراز أي تقدم لاقتحام الطائف. وعندها اقتنع المعارضون بأن الصواب فيما قرره الرسول - ﷺ - من الأمر بفك الحصار عن حصون الطائف.
قال الواقدي متحدثًا عن قرار الانسحاب وظهور المعارضة في الجيش، ثم رجوع المعارضة وقبولها بقرار الانسحاب وفك الحصار: دخل عمر بن الخطاب على رسول الله - ﷺ - فقال: أو لم يؤْذن لك فيهم (أي ثقيف) قال: (لا)، قال: أفلا أؤذّن في الناس بالرحيل، قال رسول الله - ﷺ -: بلى.
فأذّن عمر بالرحيل فجعل المسلمون يتكلمون، يمشى بعضهم إلى بعض، فقالوا: ننصرف ولا نفتح الطائف، لا نبرح حتى يفتح الله علينا، والله إنهم لأذل وأقل من لاقينا جمع مكة وجمع هوازن، ففرَّق الله تلك الجموع، وإنما هؤلاء ثعلب في جحر، لو حصرناهم لماتوا في حصنهم هذا.
وكثر القول بينهم والاختلاف فمشوا إلى أبي بكر فتكلموا فقال أبو بكر (﵁): الله ورسوله أعلم، والأمر ينزل عليه من السماء، فكلموا عمر فأبى
[ ٩ / ١٥٥ ]
وقال: قد رأينا الحديبية، ودخلنى من الشك ما لا يعلمه إلا الله، وراجعت رسول الله - ﷺ - يومئذ بكلام ليت أنى لم أفعل (١)، وأن أهلي ومالي ذهبا، ثم كانت الخيرة لما من الله فيما صنع، فلم يكن فتح كان خيرا للناس من صلح الحديبية- بلا سيف، دخل فيه من أهل الإسلام مثل من كان دخل - من يوم بعث رسول الله - ﷺ - إلى يوم كتب الكَتاب. فاتهموا الرأي، والخيرة فيما صنع رسول الله - ﷺ -، ولن أراجعه في شيء من ذلك الأمر أبدًا، والأمر أمر الله، وهو يوحى إلى نبيه ما يشاء.
وقال الواقدي في موضع آخر عن استجابة الرسول - ﷺ - لعناصر المعارضة من جيشه بمعاودة ثقيف للقتال، وإذعان عناصر المعارضة لقرار فك الحصار بعد أن أصابتهم جراح كثيرة من سهام الثقفيين: (حدثني كثير بن زيد، عن الوليد بن رباح، عن أبي هريرة، قال: لما مضت خمس عشرة ليلة من حصارهم استشار رسول الله - ﷺ - نوفل بن معاوية الديلى فقال: يا نوفل ما تقول أو ترى؟ فقال نوفل: يارٍ سول الله، ثعلب في جحر، إن أقمت عليه أخذته وإن تركته لم يضرك شيئًا. قال أبو هريرة: ولم يؤذن لرسول الله - ﷺ - في فتحها. قال: فأمر رسول الله - ﷺ - عمر وأذن في الناس بالرحيل. قال: فجعل الناس يضجّون من ذلك قال رسول الله - ﷺ - فاغدوا على القتال، فغدوا فأصابت المسلمين جراحات. فقال رسول الله - ﷺ - إنا قافلون إن شاء الله، فسروا بذلك وأذعنوا، وجعلوا يرحلون والنبي - ﷺ - يضحك (٢).
عيينة بن حصن يفخر بثقيف فيزجره عمرو بن العاص
وعندما أخذ المسلمون يفكون الحصار عن الطائف ويرحلون، نادى سعد بن عبيد بن أسيد بن عمرو بن علاج الثقفى قال: ألا إن الحيّ مقيم، فقال عيينة بن حصن (معجبًا بمقاومة ثقيف) أجل والله مَجَدةٌ كرام.
فقال له عمرو بن العاص: قاتلك الله، تمدح قومًا مشركين بالامتناع من
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة معارضة ابن الخطاب المثيرة لصلح الحديبية في كتابنا الخامس (صلح الحديبية).
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٧.
[ ٩ / ١٥٦ ]
رسول الله - ﷺ - وقد جئت تنصره؟ فقال عيينة: إني والله ما جئت معكم أقاتل ثقيفًا، ولكن أردت أن يفتح محمد الطائف فأصيب جارية من ثقيف فأطأها لعلها تلد لي رجلًا، فإن ثقيفًا قوم مباركون، وفي رواية (مناكير) (١)، فأخبر عمرو النبي - ﷺ - بمقالة عيينة فتبسم - ﷺ -، ولم يتخذ ضد عيينة بن حصن أي إجراء تأديبى على قوله المنكر ذاك. بل قال (فقط) ردًّا على ما فاه به عيينة بن حصن: (هذا الأحمق المطاع) (٢).
وهكذا فك الرسول - ﷺ - الحصار عن الطائف دون أن ينال من ثقيف شيئًا، وظلوا على شركهم حتى أسلم كل من حولهم من قبائل المناطق المجاورة. فوجدوا أنفسهم في حالة تشبه الحصار، يعيشون وحولهم جوّ معاد ويحوطهم من كل مكان، فاضطروا إلى الدخول في الإسلام، فذهب منهم وفد إلى المدينة فأعلق إسلامهم وذلك عام تسع للهجرة.
دعاء الرسول - ﷺ - لثقيف
وعندما فك الحصار الرسول - ﷺ - عن الطائف وشرع في مغادرتها، طلب إليه بعض أصحابه أن يدعو على ثقيف، ففعل العكس، حيث دعا الله أن يهديهم.
فقد روى الترمذي من حديث عبد الله بن عثمان بن خثيم عن أبي الزبير عن جابر. أن بعض أصحاب الرسول - ﷺ - قالوا: يا رسول الله أحرقتنا نبال ثقيف فادع الله عليهم، فقال اللهم اهد ثقيفًا (٣) وعند بعضهم أنه - ﷺ - قال اللهم اهد ثقيفًا وائت بهم (٤) وقد أتى الله بهم إلى المدينة مذعنين مسلمين استجابة لدعوة نبيه - ﷺ -.
وذكر أصحاب السير أن الرسول - ﷺ - حين أراد أن يرتحل بالجيش ويفك الحصار عن الطائف، قال لأصحابه قولوا: لا إله إلا الله وحده، صدق وعده ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، فلما ارتحلوا واستقلوا قال: آيبون إن
_________________
(١) مناكير: ذوو دهاء وفطنة.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٧ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٢٧.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٠.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٧.
[ ٩ / ١٥٧ ]
شاء الله عابدون، لربنا حامدون (١) وروى ابن كثير أن الرسول - ﷺ - قال في حق ثقيف وهو يرحل عنهم: اللهم اهدهم واكفنا مؤنتهم (٢).
الشهداء في حصار الطائف:
وأثناء حصار الطائف، لم يفقد المشركون سوى رجلين اثنين فقط. أما المسلمون فقد استشهد منهم أثناء الحصار اثنا عشر رجلًا قتلوا جميعًا بنبال ثقيف تسعة من المهاجرين وثلاثة من الأنصار والأسماء كالآتي:
١ - سعيد بن سعيد بن أمية أموى
٢ - حبيب بن عبد مناف الكناني أموى بالحلف
٣ - يزيد بن زمعة بن الأسود أسدى
٤ - عبد الله بن أبي بكر الصديق أصابه سهم فمات متأثرًا بجرحه في المدينة - تيمى
٥ - عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة مخزومى
٦ - عبد الله بن عامر بن ربيعة العنزى عدوى بالحلف
٧ - السائب بن الحارث بن قيس سهمى
٨ - عبد الله بن الحارث سهمى
٩ - جليحة بن عبد الله سعدى ليثى
١٠ - ثابث بن الجذع أنصارى
١١ - الحارث بن سهل أنصارى
١٢ - المنذر بن عبد الله أنصارى
طريق الرسول إلى مكة:
وبعد أن فك الرسول - ﷺ - الحصار عن الطائف عاد إلى الجعرانة، حيث توجد غنائم حنين والسبى الذي وقع في أيدى المسلمين يوم حنين.
وقد سلك الرسول - ﷺ - في عودته من الطائف نفس الطريق الذي جاءها
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٣٧.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٠.
[ ٩ / ١٥٨ ]
منه، فقد سلك على دحنا (١) ثم على قرن المنازل (٢) ثم على نخلة وهو المسمى اليوم (بوادى اليمانية).
وأثناء عودة الرسول من الطائف وفي أثناء الطريق، حدثت من الرسول - ﷺ - تصرفات، كانت دروسًا عملية رائعة في شرف السلوك والعدل والإِنصاف والتواضع، ينبغي لكل قائد أو زعيم مسلم مسؤول عن فئة أو أمة أن يجعلها نصب عينيه كى تكون له نبراسًا يستضئ به في معاملة مرؤوسيه، ليكون محل احترامهم وموضع ثقتهم ومحبهم وتقديرهم.
فقد رأينا (أولًا) كيف أن أكثر وحدات الجيش تضجّرت ولم ترض أن يفك الرسول - ﷺ - الحصار عن الطائف، بل طالبت باستمرار القتال، رغم أن الرسول - ﷺ - وهو القائد الأعلى- قد أذن مؤذنه ونادى بالرحيل عن ثقيف.
ورأينا كيف أن الرسول - ﷺ - لم يصر على الانسحاب الفورى من الميدان بل لكى يقنع العناصر المتذمرة في الجيش والغير الراضية بالانسحاب، لم يفرض عليهم إرادته ويأمر بالانسحاب بدون مراجعة، بل أمر بمعاودة الهجوم على المشركين الثقفيين، وعندما فشل الهجوم وتعرض الجيش لجراحات كثيرة من سهام ثقيف، اقتنعت العناصر المتذمرة بعدم جدوى استمرار الحصار فانسحب الرسول - ﷺ - بالجيش وكل عناصره مقتنعة بوجاهة الانسحاب، وهذا من الرسول درس عسكرى في التمعن فيه فائدة كبرى لمن هم في مراكز القيادة على أي مستوى كانوا.
مثالية الرسول - ﷺ -
وحدث أبو رهم (٣) الغفاري بأنه كان (وهم عائدون من الطائف) إلى جنب رسول الله - ﷺ - على ناقة له، وفي رجله نعلان غليظتان، إذ زحمت ناقته ناقة رسول الله - ﷺ - ووقع حرف نعله على ساق رسول الله - ﷺ - فأوجعه. فقال الرسول: أوجعتنى أخرّ رجلك، وقرع رجله بالسوط. قال:
_________________
(١) دحنا (بفتح أوله وسكون ثانيه): مخلاف من مخاليف الطائف.
(٢) قرن المنازل جبيل صغير يحرم منه حجاج نجد وهو السيل الكبير.
(٣) انظر ترجمة أبي رهم في كتابنا (غزوة خيبر).
[ ٩ / ١٥٩ ]
فأخذنى من أمرى ما تقدم وما تأخر، وخشيت أن ينزل فيّ القرآن العظيم لعظيم ما صنعت، فلما أصبحنا بالجعرانة خرجت أرعى الظهر (١) وما هو يومى، فرقًا أن يأتي النبي - ﷺ - وحى، ورسول الله يطلبنى، فلما روّحت الركاب سألت، فقالوا طلبك رسول الله - ﷺ -. فجئته وأنا أترقب فقال: إنك أوجعتنى برجلك فقرعتك بالسوط، فخذ هذه الغنم عوضًا من ضربتى. قال أبو رهم: فرضاه عنى كان أحب إليَّ من الدنيا وما فيها.
وكان عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي (٢) يقول: كنت مع النبي - ﷺ - في مسيره (أي من الطائف) وهو يحادثنى، فجعلت ناقتى تلتصق بناقته، وكانت ناقتى شهمة (٣) فجعلت أريد أن أنحيها فلا تطاوعنى، فلصقت بناقة النبي - ﷺ - وأصيبت رجله فقال: (أخ) أوجعتنى، فرفع رجله من الغرز كأنها جمارة (٤)، ودفع رجلى بمحجن في يده، فمكث ساعة لا يتحدث، فوالله ما نزلت حتى ظننت أن سينزل في عذاب، قال: فلما نزلت قلت لأصحابى: إني أرعى لكم، ولم يكن ذلك يوم رعيتى، فلما أرحت الظهر عليهم قلت: هل جاء أحد يبغينى؟ فقالوا: رسول الله - ﷺ - جاء يبغيك. فقلت في نفسي: هي والله هي، قلت: من جاء؟ قالوا. رجل من الأنصار. قال: فكان أكره إليّ، وذلك أن الأنصار كانت فيهم علينا غلظة. قال: ثم جاء بعده رجل من قريشى يبغينى. قال: فخرجت خائفًا حتى واجهت رسول الله - ﷺ - فجعل يبتسم في وجهى. وقال: أوجعتك بمحجنى البارحة. ثم قال: خذ هذه القطعة من الغنم فأخذتها فوجدتها ثمانين شاة ضائنة (٥).
كذلك حدث أبو زرعة الجهني (٦) فقال: لما أراد رسول الله - ﷺ - أن
_________________
(١) الظهر (بفتح أوله وسكون ثانيه): الإبل المعدة للركوب.
(٢) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة خيبر).
(٣) ناقة شهمة: أي جلدة.
(٤) الجمارة (بضم الجيم) قلب النخلة وشحمتها، شبه ساقه ببياضها.
(٥) الضأن من الغنم: ذو الصوف، والأنثى ضائنة.
(٦) قال في أسد الغابة: هو أبو زرعة القزعى الرمالى أخرجه ابن طرخان في وحدان الصحابة، روى عن يحيى بن الإِصبع بن مهران القزعى من خثعم، حدثني خزام بن عبد الرحمن عن أبي زرعة القزعى =
[ ٩ / ١٦٠ ]
يركب من قرن المنازل راحلته القصوى وطئت له على يديها، والزمام في يدي مطويّ، فركب على الرّحل وناولته الزمام، ودرت من خلفه فخلف (١) الناقة بالسوط، كل ذلك يصيبنى، فالتفت إليَّ فقال: أصابك السوط؟ قلت نعم بأبي وأمى، قال: فلما نزل الجعرانة إذا ربضة (٢) من الغنم ناحية من الغنائم. فسأل عنها صاحب الغنائم فخبره عنها بشيء لا أحفظه، ثم صاح: أين أبو زرعة؟ قال: قلت: ها أنا ذا، قال: خذ هذه الغنم بالذي أصابك من السوط أمس. قال: فعددتها فوجدتها عشرين ومائة رأس. قال: فتأثّلت (٣) بها مالًا.
قصة سراقة بن جعشم المثيرة
كان سراقة بن جعشم (٤) المدلجى فارسًا ممتازا. وعندما أعلنت قريش منح جائزة مالية قدرها مائة ناقة، لمن يأتي بالرسول - ﷺ - حيًّا أو ميتًا، وذلك عندما نجح في الإفلات من قبضتهم وهاجر إلى المدينة .. عند ذلك الإِعلان الغاشم ركب سراقة فرسه وأخذ سلاحه (بعد أن علم بالمكان الذي فيه الرسول - ﷺ - سائرًا نحو المدينة) قاصدًا قتله أو إلقاء القبض عليه ففشل ولم يمكنه الله مما أراد. فأيقين أن الله مانع رسوله من شر قريش. فاعترف للرسول بأنه جاء لاعتقاله أو قتله، ولكن كل ما طلبه من الرسول أن يكتب له أمانًا يبرزه عند اللزوم، فأمر الرسول (يومها) أبا بكر فكتب له ما طلب في كتف بعير. فاحتفظ سراقة بهذه الوثيقة وثيقة الأمان المكتوبة في كتف البعير (٥). ومرت السنون وعلا شأن النبي - ﷺ - حتى توجت انتصاراته بتغلبه على هوازن في أعظم معركة حربية وهي معركة حنين.
_________________
(١) = أن النبي - ﷺ - عقد له راية رقعة بيضاء ذراعًا في ذراع أخرجه أبو موسى .. قلت ذكر الواقدي أن أبا زرعة هذا كان حامل إحدى رايات جهينة يوم الفتح (انظر كتابنا فتح مكة ص ١٦١).
(٢) خلفها: أي ضربها بسوطه على خلفها.
(٣) الربضة (بكسر الراء): الجماعة.
(٤) تأثل مالا: اكتسبه واتخذه وثمره.
(٥) انظر ترجمة سراقة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٦) انظر تفاصيل هذه المطاردة المثيرة في كتابنا (غزرة بدر الكبرى).
[ ٩ / ١٦١ ]
وجاء دور إظهار سراقة وثيقة الأمان كى ينجو من أي سوء قد يعترض له من الجيش المنتصر، فأبرز سراقة تلك الوثيقة للرسول - ﷺ - وهو عائد من الطائف فوفى له بما فيها، ولنترك الصحابي سراقة بن مالك نفسه يحدثنا حديثه الشيق. قال سراقة: لقيت رسول الله - ﷺ -، وهو منحدر من الطائف إلى الجعرانة، فتحصلت (١)، والناس يمضون أمامه أرسالًا (٢) فوقعت في مقنب (٣) من خيل الأنصار، فجعلوا يقرعونى بالرماح ويقولون: إليك، إليك، ما أنت؟ وأنكرونى حتى إذا دنوت وعرفت أن الرسول - ﷺ - يسمع صوتى، أخذت الكتاب الذي كتبه أبو بكر، فجعلته بين إصبعين من أصابعى، ثم رفعت يدي وناديت: أنا سراقة بن مالك بن جعشم، وهذا كتابى، فقال رسول الله - ﷺ -: يوم وفاء، أدنوه، فأدنيت منه، فكأنى أنظر إلى ساق رسول الله - ﷺ - في غرزه كأنها جمارة، فلما انتهيت إليه سلمَت، وسقت إليه الصدقة، فما ذكرت شيئًا أسأله عنه إلّا أنى قلت: يا رسول الله، أرأيت الضالة من الإبل ترد حياضى وقد ملأتها لإبلى، هل لي من أجر إن أسقيتها؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نعم في كل ذات كبد حَرَّى (٤) أجر (٥).
وقفة فقهية
وأثناء عودة النبي - ﷺ - من حصار الطائف، اعترض رجل من أسلم معه غنم، ورسول الله - ﷺ - على راحلته، فقال: يا رسول الله: هذه هدية قد أهديتها لك، قال: وممن أنت؟ قال: رجل من أسلم. قال: إني لا أقبل هدية من مشرك، قال: يا رسول الله إني مؤمن بالله وبرسوله، قد سقت الصدقة إلى بريدة بن الحصيب (٦) لمالى بعينه مصدقًا.
قال: وأقبل بريدة فلحق بالنبي - ﷺ - فقال: صدق، هذا من قومى
_________________
(١) تحصلت. أي تجمعت وتثبت.
(٢) أرسالًا: أي أفواجًا متقطعة يتبع بعضهم بعضًا، وأحدهم، رسل.
(٣) المقنب (بكسر الميم): قال في الصحاح: ما بين الثلاثين إلى الأربعين من الخيل.
(٤) قال في النهاية: الحرى. فعل من الحر، والمعنى أن تسقى كل ذي كبد حرى أجرًا.
(٥) مغازي الواقدي. ج ٣ ص ٩٣٩ - ٩٤٠.
(٦) انظر ترجمة بريدة بن الحصيب في كتابنا (فتح مكة).
[ ٩ / ١٦٢ ]
شريف، ينزل بالصفاح (١). قال: فما أقدمك إلى نخلة؟ قال: هي أمرع (٢) من الصفاح اليوم، ثم قال: نحن على ظهر كما ترى، فألحقنا بالجعرانة، قال فخرج يعدو عراض (٣) ناقة رسول الله - ﷺ - وهو يقول: يا رسول الله، فأسوق الغنم معى إلى الجعرانة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: لا تَسُقْها، ولكن تقدم علينا الجعرانة فنعطيك غنمًا أخرى إن شاء الله.
ثم سأل الأسلمي رسول - ﷺ - عن شيء مما يهمه في دينه فقال: يا رسول الله، تدركنى الصلاة وإنا في عطن (٤) الإبل، أفأصلى فيه؟ قال: لا. قال فتدركنى وأنا في مراح الغنم، أفأصلى فيه؟ قال: نعم. قال: يا رسول الله، ربما تباعد منا الماء ومع الرجل زوجته فيدنو منها؟ قال: نعم، ويتيمم. قال: يا رسول الله، وتكون فينا الحائض قال: تتيمم. قال: فلحق النبي - ﷺ - بالجعرانة فأعطاه مائة شاة (٥).
هل استسلمت ثقيف لوحدات من جيش الرسول بعد انصرافه عنها؟
هكذا انتهى حصار الطائف. فانصرف الرسول - ﷺ - عنها دون أن يتمكن جيشه من فتحها. هذا بإجماع المؤرخين وأهل السير.
غير أن هناك روايات تذكر أن وحدات من جيش الإسلام فرضت الحصار على الطائف من جديد بعد انصراف الرسول - ﷺ - عنها، وأن هذه الوحدات التي جاءت (في شكل نجدات للجيش النبوي بعد انصرافه) قد ضيقت الحصار على ثقيف حتى استسلمت لهذه الوحدات، ونزلت على حكم رسول الله - ﷺ -. وأن ذلك قد تم بقيادة صخر (٦) أبي العيلة الأحمسى الذي جاء إلى الطائف بقومه (أحمس (٧)، وكانوا من الفرسان).
_________________
(١) الصفاح. قال في الصحاح: موضع بين حنين وأنصاب الحرم على يسرة الداخل إلى مكة من مشاش.
(٢) أمرع: أي أخصب، والمريع: الخصيب.
(٣) أي يسير حذاءه معارضًا له.
(٤) العطن (بفتح العين والطاء): مبرك الإِبل حول الحوض.
(٥) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٢.
(٦) هو صخر بن العيلة بن عبد الله بن ربيعة بن عمرو بن علي بن أسلم بن أحمس البجلى عداده في أهل الكوفة. وروى عنه عثمان بن أبي حازم عن أبيه عن جده صخر بن العيلة.
(٧) أحمس. قال في معجم قبائل العرب: بطن من أنمار بن أراش من القحطانية وهؤلاء هم قوم صخر بن العيلة، وأحمس أيضًا: بطن من ضبيعة بن ربيعة بن نزار من العدنانية.
[ ٩ / ١٦٣ ]
فقد روى أبو داود فقال: حدثنا عمر بن الخطاب أبو حفص حدثنا الفريانى حدثنا أبان حدثنا عمرو -هو ابن عبد الله بن أبي حازم- عن أبيه عن جده صخر -هو أبي العيلة الأحمسى- أن رسول الله - ﷺ - غزا ثقيفًا، فلما أن سمع ذلك صخر، ركب في خيل يمد رسول الله - ﷺ -، فوجده قد انصرف ولم يفتح، فجعل صخر حينئذ عهدا وذمة، لا يفارق هذا القصر (يعني الطائف) حتى ينزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -، ولم يفارقهم حتى نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ -.
وكتب إليه صخر: أما بعد فإن ثقيفًا قد نزلت على حكمك يا رسول الله، وأنا مقبل بهم في خيلى، فأمر رسول الله - ﷺ - بالصلاة جامعة، فدعا لأحمس عشر دعوات (اللهم بارك لأحمس في خيلها ورجالها).
وأتى القوم فتكلم المغيرة بن شعبة (الثقفى) فقال: يا رسول الله إن صخرًا أخذ عمتى ودخلت فيما دخل فيه المسلمون، فدعاه فقال: يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا دماءهم وأموالهم، فادفع إلى المغيرة عمته. فدفعها إليه، وسأل رسول الله - ﷺ - ماء لبنى سليم قد هربوا عن الإِسلام وتركوا ذلك الماء. فقال: يا رسول الله أنزلنيه أنا وقومى؟ قال: نعم.
فأنزله وأسلم الأسلميون، فأتوا صخرًا فسألوه أن يدفع إليهم الماء فأبى، فأتوا رسول الله - ﷺ - فقالوا: يا رسول الله أسلمنا وأتينا صخرًا ليدفع إلينا ماءنا فأبى علينا، فقال رسول الله - ﷺ -: يا صخر إن القوم إذا أسلموا أحرزوا أموالهم ودماءهم فادفع إليهم ماءهم. قال: نعم يانبي الله، فرأيت وجه رسول الله - ﷺ - يتغير عند ذلك حمرة حياء من آخذ الجارية وأخذه الماء، تفرد به أبو داود (١).
قال الإمام ابن كثير في البداية والنهاية (معقبًا على قصة ثقيف وصخر أبي العيلة): قلت: وكانت الحكمة الإلهية تقتضي أن يؤخر الفتح عامئذ لئلا يستأصلوا قتلًا، لأنه قد تقدم أنه - ﷺ - لما كان خرج إلى الطائف فدعاهم إلى الله تعالى وإلى أن يؤووه حتى يبلغ رسالة ربه ﷿، وذلك بعد موت
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥١ - ٣٥٢.
[ ٩ / ١٦٤ ]
عمه أبي طالب فردوا عليه قوله وكذبوه، فرجع مهمومًا، فلم يستفق إلا عند قرن الثعالب (١) فإذا هو بغمامة فيها جبريل، فناداه ملك الجبال. فقال: يا محمد إن ربك يقرأ عليك السلام، وقد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك، فإن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين؟ فقال رسول الله - ﷺ -: بل استأنى بهم لعل الله أن يخرج من أصلابهم من يعبده وحده لا يشرك به شيئًا.
فناسب قوله: بل استأنى بهم أن لا يفتع حصنهم لئلا يقتلوا عن آخرهم وأن يؤخر الفتح ليقدموا بعد ذلك مسلمين في رمضان من العام المقبل (أي عام تسع للهجرة). وهو العام الذي وفد فيه سادات ثقيف إلى المدينة فأعلنوا إسلامهم وإسلام ثقيف. وسياق الإمام أبي داود في صحيحه يدل على أنهم إنما وفدوا بعد أن حل بساحتهم صخر أبو العيلة وقومه الأحمس من بجيلة ولم يفك الحصار عنهم حتى نزلوا على حكم رسول الله - ﷺ - فأتى بهم المدينة فأسلموا، فأحرزوا دماءهم وأموالهم وصاروا قوة للإِسلام والله أعلم.
الغنائم والسبي في الجعرانة
كان المسلمون قد غنموا بعد انتصارهم في موقعة حنين غنائم عظيمة بلغت من الماشية وحدها (وهي أغلى ما يملك العرب في ذلك العصر) خمسة وعشرين ألف بعير وأربعين ألف شاة وشيئًا عظيم من الفضة، كما وقع في يد الجيش الإِسلامي ستة آلاف من السبى نساءًا وأطفالًا.
وكان هؤلاء السبى الذين أصبحوا مماليك الجيش الإسلامي كما هي شرعة الحرب في الإِسلام، والتي لم ير هذا الدين مناصًا من العمل بها كإجراء حربى مقابل، لأن رقيق الحرب عملة عالمية يتعامل بها كل المحاربين في العالم آن ذاك (٢) كان كل هؤلاء السبى من هوازن وهم أخواك الرسول - ﷺ - من الرضاعة، وقد حررهم جميعًا كما سيأتي تفصيله فيما يلي في هذا البحث.
وكان رسول الله - ﷺ - بعد انتصاره في معركة حنين. وحين قرر أن يطارد أهم أجنحة هوازن المنهزمة الطائف وهي ثقيف - أمر بالتحفظ على الغنائم
_________________
(١) قرن الثعالب هو قرن المنازل.
(٢) انظر تفاصيل موقف الإسلام من الرق في كتابنا (غزوة بني قريظة).
[ ٩ / ١٦٥ ]
والسبى في الجعرانة حتى يعود من مطاردة الثقفيين. وكان الرسول القائد - ﷺ - قد أسند أمر التحفظ على الغنائم والسبى إلى بديل بن ورقاء (وهو أحد زعماء خزاعة حلفاء النبي التقليديين). كما أسند أمر العناية بالسبى من النساء، والأطفال المحتجزين في الحظائر إلى بُسر بن سفيان الخزاعي (١).
بناء المساكن للسبى بالجعرانة
ولما كان السبى (بعد انتصار الجيش الإسلامي) لا يملك من أمره شيئًا بعد انهزام هوازن، وأصبح أمانة في عنق الجيش الإسلامي. ولما كانت تعاليم الإِسلام تعاليم شفقة ورحمة وخاصة بالنسبة للأسير والمسكين ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا﴾ (٢). فقد أمر الرسول القائد - ﷺ - أن تبنى لهم منازل يستظلون فيها من الشمس في الجعرانة، حتى يعود من الطائف، فيبت في أمرهم.
كما أمر الرسول - ﷺ - المشرف على شئون مالية الجيش والإعاشة (وهو بسر بن سفيان) أن يشتوى للسبى جميعًا ثيابًا فيكسوهم، فاشتراها سفيان وكساهم كلهم.
وقال الواقدي: كان سبى هوازن من حنين ستة آلاف، وكانت الإبل أربعة وعشرين ألفًا، وكانت: الغنم لا يدرى عددها، وقد قال بعضهم: إنها أربعين ألف شاة.
فلما قدم رسول الله - ﷺ - أمر بسر بن سفيان الخزاعي يقدم مكة فيشترى للسبى ثيابًا يكسوها من بروب هجر (٣) فلا يخرج المرء منهم إلا كاسيًا، فاشترى بسر كسوة فكسى بها السبى كلهم (٤).
الأعراب يلحون في تقسيم السبى والغنائم
كان السبى من النساء والأطفال من هوازن حوالي ستة آلاف. وكانت
_________________
(١) انظر ترجمة بسر في كتابنا (صلح الحديبية).
(٢) الإنسان آية ٨.
(٣) هجر: مدينة في البحرين يستورد منها البرود.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٣.
[ ٩ / ١٦٦ ]
هوازن أخوال الرسول - ﷺ -. كانت حليمة السعدية الهوازنية أمه من الرضاعة. وكان الرسول - ﷺ - قد أخر تقسيم الغنائم والسبى حوالي شهر (١)، على أمل أن يتقدم الهوازنيون باسترحام ويطلبون. تحرير ذراريهم فيحورهم الرسول - ﷺ - قبل أن تجرى عليهم القسمة بين الجيش. ولكن أحدًا من هوازن طوال شهر (والسبى متحفظ عليه) لم يتقدم بأي طلب مع أن المدة كافية للتقدم بمثل هذا الاسترحام.
وكان السبى والغنائم (بموجب قانون الحرب في الإِسلام) ملكا للجيش (بعد الخمس الذي نص القرآن على أن يكون تحت تصرف الرسول - ﷺ - لينفقه حسب مقتضيات المصلحة العامة).
وقد اضطر الرسول - ﷺ - إلى توزيع غنائم المعركة بمن فيهم السبى. وبعد تقسيم الغنائم وتوزيع السبايا جاء وفد من هوازن يطلب من رسول الله - ﷺ - أن يحرر السبى ولكن بعد تقسيمه على أفراد القوات المسلحة التي شاكت في معركة حنين. غير أن الرسول - ﷺ - حقق رغبة هوازن فحرر السبى وكل رقيق الحرب منهم كما سيأتي تفصيله إن شاء الله.
لقد ألح الأعراب الذين ساهموا في معركة حنين وكانوا كثيرين .. ألحوا على الرسول - ﷺ - بعد عودته من الطائف يسألونه الإِسراع بتوزيع الأسلاب والغنائم حتى ضايقوه وضربوا حوله شبه دائرة حتى سقط رداؤه من على عاتقه لشدة الزحام.
قال أصحاب الغازى والسير: وجعلت الأعراب في طريقه يسألونه وكثروا عليه، يقولون: أقسم علينا فيئنا حتى اضطروه إلى سَمرة فخطفت رداؤه. فقال: ردوا عليّ ردائى. أعطونى ردائى أيها الناس، فوالذي نفسي بيده لو كان لكم عدد هذه العضاة نعمًا لقسمته فيكم ثم ما ألفيتمونى بخيلًا ولا جبانًا ولا كذابًا، ثم قام رسول الله - ﷺ - إلى جنب بعير فأخذ من سنامه وبرة فجعلها بين إصبعيه ثم رفعها فقال: أيها الناس والله مالى من فيئكم ولا هذه
_________________
(١) انظر مغازى الواقدي ج ٣ ص ٩٥٠ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٤ والكامل ج ٢ ص ١٨٢ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٥ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٨٩ - ٩٠ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٤ - ١٣٥.
[ ٩ / ١٦٧ ]
الوبرة. وعند بعضهم: (والله ما يحل لكم مما أفاء الله عليكم ولا مثل هذه الوبرة إلا الخمس والخمس مردود عليكم (١). فأدوا الخياط والمخيط فإن الغلول عار وشنار يوم القيامة).
أمانة وشرف الجندى المسلم
قالوا ونادى منادى رسول الله - ﷺ - يحذّر الجند من أخذ أي شيء من الغنائم (قبل القسمة مهما قل). فقال: من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يغل، وجعل الناس غنائمهم في موضع حتى استعمل رسول الله - ﷺ - عليهما.
وكان عقيل بن أبي طالب (قبل أن ينادى منادى رسول الله - ﷺ - قد دخل على زوجته وسيفه متلطخ دمًا، فقالت: إني قد علمت أنك قد قاتلت المشركين، فماذا أصبت من غنائمهم؟ قال: هذه الإبرة تخيطين بها ثيابك، فدفعها إليها، وهي فاطمة بنت الوليد بن عتبة بن ربيعة. ثم سمع منادى رسول الله - ﷺ - يقول: من أصاب شيئًا من المغنم فليرده، فرجع عقيل إلى زوجته وقال! لها: والله ما أرى إبرتك إلا قد ذهبت، ثم أخذ الإبرة منها وألقاها في الغنائم (٢).
وهذا رجل آخر هو عبد الله بن زيد المازنى (٣) أخذ أثناء القتال قوسًا من أقواس المشركين فرماهم بها، فلما سمع منادى الرسول - ﷺ - ردها إلى المغنم.
وعقب مناداة الرسول - ﷺ - بأن يرد كل من أخذ شيئًا من المغنم، جاء
_________________
(١) يقصد الرسول - ﷺ - أن الخمس الذي يأخذه لا يستعمله في مصالحه الخاصة وإنما ينفقه في مصالح المسلمين فحسب فهو (فعلا) مردود عليهم.
(٢) انظر رحمك الله كيف تكون الأمانة وازع الإهانة، جندى عرض حياته للموت لا يستحل لنفسه مخيطًا من مال المسلمين الذي هو فيه شريك. بمثل هؤلاء والله تبنى الأمجاد وترفِع رايات الحق عالة وتنكس رايات الباطل في الوحل .. إنه الإيمان والتربية الإِسلامية الجذرية المكينة التي تعمر القلوب.
(٣) هو عبد الله بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو النجارى الأخزرجى الأنصاري. شهد أحدًا مع رسول الله - ﷺ - وكل المشاهد بعدها. وكان (كما يقول ابن الأثير) هو الذي بالاشتراك مع وحشى الحبشى، قتل مسيلمة الكذاب، كان مسيلمة قد قتل أخاه حبيبًا بن زيد وقطعه عضوًا عضوًا. كان عبد الله بن زيد من رواة الحديث عن رسول الله - ﷺ -. وقتل عبد الله بن زيد يوم الحرة أيام يزيد بن معاوية سنة ثلاث وستين.
[ ٩ / ١٦٨ ]
رجل إلى النبي - ﷺ - بكبة (١) شعر، فقال: يا رسول الله، أضرب بهذه، أي دعها لي. فقال رسول الله - ﷺ - أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لك. فردها الرجل في المغنم. وجاء رجل آخر بحبل فقال: يا رسول الله هذا الحبل وجدته حيث انهزم العدو فاشدد به على رحلى؟ قال: نصيبي منه لك، كيف تصنع بأنصباء المسلمين؟ .
ووجد رسول الله - ﷺ - في برذعة (٢) رجل (حين نزل قبيلته) عقدًا من جزع غلولا، فأتاهم رسول الله - ﷺ - فكبر عليهم كما يكبر على الميت (٣).
قسمة غنائم حنين بين الجيش
وبعد أن استقر الرسول - ﷺ - في الجعرانة بالقرب من مكة (وحيث توجد الغنائم والسبى) أمر - ﷺ - أحد كبار الأنصار وهو زيد بن ثابت (٤) بإحصاء الغنائم ثم إعطاء كل جندى ما يستحق حسب تعاليم الشريعة في الغنائم. فقام زيد بإحصاء الغنم، ثم قسمها على الجند، فكانت سهامهم، لكل رجل أربع من الإبل أو أربعون شاة. هذا بالنسبة للمشاة، أما الفرسان فقد كان نصيب كل فارس من الغنيمة اثنتى عشرة من الإبل أو عشرون ومائة شاة، وتلك قوانين التوزيع على المحاربين في شرعة الإسلام، لأن للجندى غير الفارس سهم واحد. أما الفارس، فله ثلاثة أسهم، سهم له كجندى وسهمان لفرسه. والإِسلام بهذا يأخذ بعين الاعتبار الفارق الكبير بين المشاة والفرسان. فالفارس أكثر تأثيرًا على العدو في الحرب من الجندى غير الفارس. فراكب الفرس المقاتل يشبه من وجوه كثيرة كقائد الدبابة التي هي ملكه. وهو دونما شك أعظم نكاية في العدو من الراجل الذي لا يملك فرسًا. أما من كان معه أكثر من فرس واحد فلم يسهم له الرسول - ﷺ - في الغنيمة. أي أنه لم يسهم إلا للفرس الذي قاتل عليه (٥).
_________________
(١) كبة الغزل ما جمع منه.
(٢) البرذعة: الحلس الذي يلقى تحت الرحل.
(٣) صحيح البخاري ج ٥ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٤ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩١٨ - ٩٤٢ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٤ - ١٣٥.
(٤) انظر ترجمة زيد بن ثابت في كتابنا (غزوة أحد).
(٥) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٩.
[ ٩ / ١٦٩ ]
الرسول يغدق العطايا على المؤلفة قلوبهم
يقضى التشريع الإِسلامي والذي نزل به القرآن الكريم بشأن غنائم الحرب التي يغنمها جيش الإِسلام، بأن يعزل الخمس من الغنائم ليكون في متناول يد الرسول - ﷺ - وتحت تصرفه الخاص ليتصرف فيه وفق مصلحة الإِسلام التي هو أدرى الناس بها لأنه رسول الإسلام.
وهذا التشريع صريح واضح في قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ (١).
وبإلقاء نظرة على ما غنمه جيشى الإِسلام المنتصر من أموال العدو في حنين، نجد أن من الغنائم أربعة وعشرين ألف بعير وحوالى أربعين ألف شاة كمية هائلة من الفضة.
وعلى أساس أن خمس هذه الغنائم يكون تحت تصرف الرسول القائد - ﷺ -، فإن خمس الأربعة والعشرين ألف بعير (أربعة آلاف وثمانمائة بعيرًا) وخمس من الغنم ثمانية آلاف شاة وهذه كميات كبيرة. بالإِضافة إلى خمس عشرات الآلاف من أواق الفضة التي عزلت ضمن خمس من الغنائم للرسول - ﷺ -.
وقد تصرف الرسول - ﷺ - في خمس الغنائم في حدود مصلحة الإِسلام، فأنفق شيئًا عظيمًا من هذا الخمس لجذب قلوب زعماء العرب الحديثى العهد بالإِسلام، ليكون لهذا الدين بهم قوة، وليرسخ في قلوبهم. وهؤلاء الذين أعطاهم الرسول - ﷺ - من الخمس أكثرهم ممن أسلم بمكة قبل معركة حنين بحوالى نصف شهر. والبعض الآخر من غير أهل مكة.
أسماء المؤلفة قلوبكم الذين أعطوا من الغنائم:
وهذا جدول بأسماء المؤلفة قلوبهم الذين أعطاهم الرسول - ﷺ - من الغنيمة على قدر مراتبهم. ومقدار الكميات التي أعطيت لهم من الإبل والفضة.
الاسم- عدد الإبل- الفضة عدد أوقية
أبو سفيان بن حرب - ١٠٠ - ٤٠
_________________
(١) الأنفال ٤١.
[ ٩ / ١٧٠ ]
الاسم- عدد الإبل- الفضة عدد أوقية
معاوية بن أبي سفيان ٤٠ - ١٠٠
يزيد بن أبي سفيان ١٠٠ - ٤٠
حكيم بن حزام ١٠٠
النضير بن الحارث بن كلدة (١) ١٠٠
أسيد بن حازلة الزهري (٢) ١٠٠
العلاء بن حارثة (٣) ٥٠
مخرمة بن نوفل (٤) ٥٠
الحارث بن هشام (٥) ١٠٠
سعيد بن يربوع (٦) ٥٠
صفوان بن أمية (٧) ١٠٠
قيس بن عدي (٨) ١٠٠
عثمان بن وهب (٩) ٥٠
سهيل بن عمرو (١٠) ١٠٠
حويطب بن عبد العزّى (١١) ١٠٠
_________________
(١) هو النضر وسماه في أسد الغابة (النضر) وهو تصحيف. ابن الحارث بن كلدة العبدرى أخو النضر بن الحارث الذي أعدم بعد معركة بدر. كان النضير من المؤلفة قلوبهم.
(٢) لم أقف له على ترجمة فيما بين يدي من كتنب التراجم.
(٣) هو العلاء بن حارثة بن عبد الله بن أبي سلمة الثقفى أحد المؤلفة قلوبهم وهو من حلفاء بني زهرة.
(٤) انظر ترجمة مخرمة بن نوفل في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٥) انظر ترجمة الحارث بن هشام في كتابنا (غزوة مؤتة).
(٦) هو سعيد بن يربوع بن عنكة بن عامر بن مخزوم القرشي المخزومي. أسلم عام الفتح وكان اسمه (صرمًا فسماه رسول الله - ﷺ - سعيدًا. سكن المدينة. وذهب بصره. فجاءه عمر بن الخطاب يعزيه في بصره، فقال له: لا تدع الجمعة ولا الجماعة في مسجد رسول الله - ﷺ -، فقال: ليس لي قائد فبعث إليه بقائد من السبى، توفى سعيد هذا بالمدينة وعمره مائة وعشرون سنة.
(٧) انظر ترجمة صفوان في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٨) لم أجد ترجمه فيما بين يدي من مصادر.
(٩) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
(١٠) انظر ترجمته في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(١١) انظر ترجمة حويطب في كتابنا (صلح الحديبية).
[ ٩ / ١٧١ ]
الاسم - الإبل - الفضة عدد أوقية
هشام بن عمرو (١) ٥٠
الأقرع بن حابس التميمي (٢) ١٠٠
عيينة بن حصن الفزاري (٣) ١٠٠
مالك بن عوف النصرى ١٠٠
العباس بن مرداس (٤) ١٠٠
علقمة بن علاثة الثقفى (٥) ١٠٠
أول السائلين من الغنيمة أبو سفيان (٦):
ويذكر المؤرخون أن أبا سفيان بن حرب. كان أول من سأل رسول الله - ﷺ - منحه من الغنائم، فقد دخل على رسول الله - ﷺ - وبين يديه الفضة فقال: يا رسول الله، أصبحت أكثر قريشًا مالًا، فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال أبو سفيان: أعطى من هذا المال يا رسول الله. قال: يا بلال، زن لأبي سفيان أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: ابنى يزيد أعطه، قال رسول الله - ﷺ - زنوا ليزيد أربعين أوقية، وأعطوه مائة من الإِبل، قال أبو سفيان: ابنى معاوية يا رسول الله، قال: زن له يا بلال أربعين أوقية وأعطوه مائة من الإبل. قال أبو سفيان: إنك لكريم فداك أبي وأمى، ولقد
_________________
(١) قال في أسد الغابة: هشام بن عمرو بن الحارث بن ربيعة بن الحارث بن جذيمة بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي. كان من المؤلفة قلوبهم. كان هشام من النبلاء الخمسة الذين كان لهم أثر كبير في نقص الصحيفة. كذا فاله ابن الأثير.
(٢) انظر ترجمة الأقرع بن حابس في كتابنا (فتح مكة).
(٣) انظر ترجمة عيينة بن حصن في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٤) انظر ترجمة العباس بن مرداس في كتابنا (فتح مكة).
(٥) هو علقمة بن علاثة بن عوف بن الأحوص بن جعفر بن كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة. كان من أشراف ربيعة بن عامر. وكان من المؤلفة قلوبهم. وكان في قومه سيدًا كليمًا عاقلًا، وهو الذي نافر عامر بن الطفيل بن مالك بن جعفر بن كلاب (وكلاهما كلابى)، وفاخره، ارتد علقمة بمد عودة حطار الطائف ولحق بالشام. فلما توفى النبي - ﷺ - عاد مسرعًا حتى عسكر في بني كلاب بن ربيعة، فأرسل إليه أبو بكر الصديق كتيبة فهرب، وغنم رجال الكتيبة أهله وحملوهم إلى المدينة. فتبرأوا مما صنع علقمة وقالوا: إنهم لم يوافقوا على الردة فصدهم أبو بكر وأطلقهم .. أما علقمة فقد تاب فقبل منه أبو بكر، وحسن إسلامه، وكان من خيار الصحابة .. استعمله الخليفة عمر على حوران بالشام فمات بها.
(٦) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٥ - ٩٤٦ - ٩٤٧ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٥ - ١٣٦.
[ ٩ / ١٧٢ ]
حاربتك فنعم المحارب كنت، ثم سالمتك فنعم المسالم أنت، جزاك الله خيرًا، وأعطى في بني أسد (١).
حكيم بن حزام الزاهد:
وحدث الواقدي قال: قال الحكيم بن حزام: سألت رسول الله - ﷺ - بحنين مائة من الإبل، فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم سألته مائة فأعطانيها، ثم قال رسول الله - ﷺ -: يا حكيم بن حزام، إن هذا المال خضرة حلوة، فمن أخذه بسخاوة نفس بورك له فيه، ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه، وكان كالذي يأكل ولا يشبع، واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول، قال: فكان حكيم يقول: والذي بعثك بالحق، لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا، فكان عمر بن الخطاب يدعو حكيم إلى عطائه فيأبى يأخذه فيقول عمر: أيها الناس، إني أشهدكم على حكيم أنى أدعوه إلى عطائه فيأبى أن يأخذه. وحدث ابن أبي الزناد أن حكيم بن حزام لم يأخذ من الرسول - ﷺ - سوى المائة الأولى من الإِبل (٢).
معاتبة العباس بن مرداس للرسول - ﷺ -
ويذكر أصحاب السير والمغازى أن الرسول - ﷺ - أعطى أولًا العباس بن مرداس السلمي (٣) (وهو سيد بني سليم) أربعًا من الإِبل فقط. فعاتب الرسول - ﷺ - في شعر قال فيه:
كانت نهابا (٤) تلافيتُها بكِرَّى على القوم في الأجرعِ (٥)
وحثِّي الجنودَ لكى يُدلجوا إذا هجع القومُ لم أهجعِ
فأصبح نهبى ونهب العبيد (٦) بين عيينة والأقرع
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٥.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٥.
(٣) انظر ترجمة العباس بن مرداس في كتابنا (فتح مكة) نهابًا: جمع نهب وهو ما يغنم، يريد الماشية والإِبل، والأجرع المكان السهل.
(٤) تقدم تفسيره.
(٥) تقدم تفسيره.
(٦) العبيد (بضم العين) فرس عباس بن مرداس.
[ ٩ / ١٧٣ ]
إلا أفائل (١) أعطيتُها عديدَ قائمها الأربعِ
وقد كنت في الحرب ذا تدرأ فلم أعط شيئًا ولم أمنع
وما كان حِصن (٢) ولا حابس يفوقنا مرداسَ في المجمعِ
وما كنتُ دون امرئ منهما ومن تضع اليومَ لا يرفَعِ
فلما بلغ الرسول - ﷺ - عتاب عباس بن مرداس الشعرى لم يغضب ولم يحاسبه على ما فاه به من عتاب. وكل ما فعله الرسول - ﷺ - أنه أمر بأن يعطى العباس بن مرداس مائة من الإِبل بدلًا مِن الأربع حيث قال - ﷺ - اقطعوا لسانه عنى. وقطع اللسان تعبير تعبّر به العرب عندما تريد إسكات إنسان بما يحرص على الحصول عليه بمثل الأسلوب الذي سلكه العباس بن مرداس وقد أعطوه مائة من الإِبل (٣).
ما قاله بعض المنافقين أثناء تقسيم الغنائم
وأثناء تقسيم غنائم حنين وإعطاء المؤلفة قلوبهم كميات خاصة من الإِبل تأليفًا لهم، تحركت أفاعى النفاق الكامنة في بعض نفوس العناصر الموجودة في الجيش النبوي. فقالوا في رسول الله - ﷺ - قولًا منكرًا حيث اتهموه بعدم العدل وعدم إرادة وجه الله فيما صنع. فتألم لما سمع ولكنه لم يتخذ أي إجراء تأديبى أساءوا إليه بأقاويلهم المنكرة تلك.
فقد روى أهل الحديث في الصحاح أن رسول الله - ﷺ - لما قسم الغنائم في حنين قال رجل (هو في عداد الأنصار): ما أراد بها وجه الله فبلغ النبي - ﷺ - هذا القول فتغير وجهه ألمًا. ثم قال: رحمة الله على موسى لقد أوذى بأكثر من هذا.
_________________
(١) الأفائل جمع أفيل، وهي من صغار الإِبل. قاله أبو ذر في شرحه ص ٤١٣.
(٢) يعني به عيينة بن حصن الذي أعطى مائة من الإِبل.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٧ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٧ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩١ وجاء في سيرة ابن هشام والواقدي أن الرسول - ﷺ - قال لعباس بن مرداس: أنت القائل: (فأصبح نهى ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟) فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع. فقال رسول الله - ﷺ -: هما واحد، سواء ما يضرك بدأت بالأقرع أم عيينة. فقال أبو بكر: أشهد أنك رسول الله (وما علمناه الشعر وما ينبغي له).
[ ٩ / ١٧٤ ]
وفي رواية صحيحة أخرى عن أبي وائل: قال: لما كان يوم حنين آثر النبي - ﷺ - ناسًا، أعطى الأقرع بن حابس مائة من الإِبل وأعطى عيينة مثل ذلك وأعطى ناسًا، فقال رجل: ما أريد بهذه القسمة وجه الله. فلما بلغ الرسول - ﷺ - قول ذلك المنحرف. قال - ﷺ -: رحم الله موسى قد أوذى بأكثر من هذا فصبر (١).
وفي روايات أخرى صحيحة، يدعم بعضها بعضًا أن رجلًا من بني تميم يقال له ذو الخويصرة، وقف على النبي - ﷺ - وهو يعطى الناس (من الغنائم) فقال له: يا محمد قد رأيت ما صنعت في هذا اليوم فقال رسول الله - ﷺ -: أجل فكيف رأيت؟ . قال لم أرك عدلت. قال: فغضب النبي - ﷺ - فقال: ويحك إذا لم يكن العدل عندي فعند من يكون؟ . فقال عمر بن الخطاب: ألا نقتله؟ فقال - ﷺ -: دعوه فإنه سيكون له شيعة يتعمقون في الدين حتى يخرجوا منه كما يخرج السهم من الرمية (٢)، ينظر في النصل (٣) فلا يوجد شيء، ثم في القدح (٤) فلا يوجد شيء سبق الفرث والدم (٥).
ومن طريق آخر عن جابر بن عبد الله. قال: أتى رجل بالجعرانة النبي - ﷺ - منصرفه من حنين وفي ثوب بلال فضة، ورسول الله - ﷺ - يقبض منها ويعطى الناس، فقال (الرجل): يا محمد إِعدل، قال: ويلك ومن يعدل إذا لم أكن أعدل، لقد خبتُ وخسرتُ إذا لم أكن أعدل. فقال عمر بن الخطاب: دعنى يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال: معاذ الله أن تتحدث الناس أنى أقتل أصحابي، إنَّ هذا وأصحابه يقرأون القرآن لا يتجاوز حناجرهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وفي رواية أخرى في الصحيحين من حديث الزهري عن أبي سعيد عن أبي سلمة. قال: بينما نحن عند رسول الله - ﷺ - وهو يقسم قسمًا (أي بالجعرانة) إذ أتاه ذو الخويصرة، رجل من بني تميم. فقال: يا رسول الله إعدل، فقال رسول الله
_________________
(١) صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٠٢.
(٢) الرمية بكسر الراء: الشيء الذي يرمى به.
(٣) النصل: حديد السهم.
(٤) القدح: بكسر القاف وسكون الدال: السهم.
(٥) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ٣٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٢.
[ ٩ / ١٧٥ ]
- ﷺ -: ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل. لقد خبتُ وخسرتُ، إذ لم أعدل فمن يعدل؟ فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله إيذن لي فأضرب عنقه، فقال رسول الله - ﷺ -: دعه فإن له أصحابًا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، يقرأون القرآن لا يجاوز تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرّمية، ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء ثم إلى رصافه (١) فلا يوجد فيه شيء، ثم ينظر إلى نصله (وهو قدحه) فلا يوجد فيه شيء ثم ينظر إلى قذذه (٢) فلا يوجد فيه شيء، قد سبق الفرث والدم آيتهم رجل أسود إحدى عضديه مثل ثدى المرأة أو مثل البضعة، تدردر، ويخرجون على حين فرقة من الناس. قال أبو سعيد: فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله - ﷺ -، وأشهد أن علي بن أبي طالب قاتلهم وأنا معه، وأمر بذلك الرجل فالتمس فأتى به حتى نظرت إليه على نعت رسول الله - ﷺ - الذي نعته. قال ابن كثير: ورواه مسلم أيضًا من حديث القاسم بن الفضل عن أبي نضرة عن أبي سعيد به نحوه (٣).
عتاب الأنصار للرسول بشأن الغنائم
كان الأنصار (الأوس والخزرج) منذ بيعة العقبة الكبرى وهي (حسب التعبير العصرى) المعاهدة العسكرية التي أبرمت بين الرسول - ﷺ - والأنصار. وتعهدوا فيها بحماية الرسول - ﷺ - كما يحمون نساءهم وأنفسهم وأطفالهم .. كان هؤلاء الأنصار (دائمًا وأبدًا) العمود الفقرى للجيش النبوي في أية معركة ضد أعداء الإِسلام، وكانوا هم الذين آووا الرسول - ﷺ - وتحملوا مسؤولية حمايته بعد أن هاجر إليهم، مع علمهم بأنهم بذلك يعادون الجزيرة العربية كلها التي كان سكانها يوم ذاك مشركين معادين للتوحيد.
وعلى موقف الأنصار النبيل هذا إزاء رسول الله - ﷺ - ومن هاجر معه من
_________________
(١) الرصاف (بكسر الراء): عقب يلوى على مدخل النصل، كذا قال في النهاية في غريب الحديث.
(٢) القذذ (بضم القاف وفتح الذال): ريش السهم.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٣ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٨ - ٩٤٩ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩٢.
[ ٩ / ١٧٦ ]
أهل مكة، أثنى الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ﴿وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ (٢).
فكان الأنصار (كما سمّاهم الله تعالى) أنصار رسوله الريئسيين في كل موقف، وكانوا لكثرة عددهم وشدة بأسهم في الحرب - مركز الثقل في أي جيش يقوده الرسول - ﷺ - .. ففي معركة بدر الكبرى التي دخل المسلمون بعدها التاريخ من أوسع أبوابه، كان جيش الإِسلام كله ثلاثمائة وثمانية عشر مقاتلًا، بينهم من الأنصار وحدهم، حوالي مائتين وثلاثين محاربًا.
وفي جيش الفتح الذي فتح الله به مكة المكرمة والذي هو عشرة آلاف مقاتل والمكوَّن من أكثر من عشرين قبيلة. كانت قبيلة الأنصار وحدها تشكل نصف هذا الجيش (تقريبًا) حيث كان عددهم وحدهم فيه أربعة آلاف مقاتل.
وفي معركة حنين الحاسمة وعندما انهزم الجيش في المرحلة الأولى من القتال. إنما ناشد الرسول - ﷺ - حينما ناشد المسلمين الرجوع إلى ساحة الشرف -أول ما ناشد الأنصار فعادوا إلى الميدان وصاروا القطب الذي دارت رحى هذه المعركة الفاصلة التي انتهت بنصر المسلمين الساحق على مشركى هوازن.
الأنصار الكرام هؤلاء قد عبّروا عن استيائهم للعطايا الجزيلة التي أعطيت من غنائم حنين لبعض زعماء القبائل الحديثى العهد بالإِسلام والذين لم يمض على إسلام بعضهم (كأهل مكة) أكثر من شهر. والذين أعطى كل واحد منهم مائة من الإبل وذلك من الرسول الهادي الذي لا مكان لحب الدنيا في قلبه- بدافع الحرص على تألف قلوبهم وجذبهم نحو الإِسلام كما بيَّن هذا الدافع فيما بعد للأنصار عندما قالوا ما قالوا حول هذا الموضوع.
فقد ذكر المؤرخون وأصحاب الحديث كالبخارى ومسلم. أن الأنصار لما
_________________
(١) الحشر ٩.
(٢) الأنفال ٧٤.
[ ٩ / ١٧٧ ]
أجزل الرسول - ﷺ - العطاء من الغنائم لزعماء القبائل من الأعراب ومن أهل مكة. صدر عنهم ما يمكن تسميته عتابًا للرسول الأعظم - ﷺ -.
ولما بلغ هذا العتاب إلى مسامع الرسول - ﷺ - تأثر له كثيرًا حتى بدا عليه الغضب واضحًا. وكان الرسول - ﷺ - يحب الأنصار كثيرًا. لذلك استدعى زعماءهم وأجرى بينه وبينهم حوارًا مفتوحًا صريحًا حول ما قالوه، وحول ما كان السبب في عتابهم للذي صنع الرسول - ﷺ - من إجزاله العطاء للمؤلفة قلوبهم.
وقد شرح الرسول - ﷺ - لأحبابه الأنصار وجهة نظره والأسباب التي يجزل العطاء لهؤلاء المؤلفة قلوبهم من زعماء مكة وزعماء القبائل الأخرى. فاقتنع الأنصار في تأثر بلغ حد البكاء - بشرح وإيضاح الرسول - ﷺ -، حتى أعلنوا رضاهم بما صنع.
فقد ذكر رواة الحديث وأصحاب المغازي والسير تفاصيل قصة العتاب هذه، فذكروا أن الأنصار الذين لم تكن حصة جندى المشاة منهم من غنائم حنين أكثر من أربع من الإِبل، بينما حصل مثل عيينة بن حصن وأبي سفيان بن حرب وصفوان بن أمية والأقرع بن حابس، كل واحد منهم على مائة من الإِبل ولم تكن لهم أية سابقة في نصر الإِسلام.
ذكر رواة الحديث وأصحاب السير أن مما قاله الأنصار في عتابهم للرسول - ﷺ - بهذا الصدد: (لقى رسول الله - ﷺ - قومه أما حين القتال فنحن أصحابه، وأما حين القسم (أي قسم الغنائم) .. فقومه وعشيرته .. وددنا أن نعلم ممن كان هذا .. إن كان هذا من الله صبرنا، وإن كان هذا من رسول الله - ﷺ - استعتبناه (١).
وقال آخرون من الأنصار حين طفق الرسول - ﷺ - يعطى رجالًا المائة من الإِبل: يغفر الله لرسول الله - ﷺ -، يعطى قريشًا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم (٢).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٦ - ٩٥٧ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٧.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٦ من حديث صحيح البخاري.
[ ٩ / ١٧٨ ]
وقال آخرون من الأنصار: والله إنَّ هذا لهو العجب إنَّ سيوفنا لتقطر من دمائهم والغنائم تقسم فيهم (١) وفي رواية للإِمام البخاري: قال الأنصار: إذا كانت شديدة فنحن ندعى ويعطى الغنيمة غيرنا (٢)
سيد الخزرج يبلغ الرسول عتاب قومه الأنصار
ودخل سعد بن عبادة (٣) سيد الخزرج على رسول الله - ﷺ - وأبلغه ما يجد الأنصار في نفوسهم بسبب ما أعطى من غنائم لسادات قريش وزعماء القبائل الأخرى. فقال سعد: إن هذا الحيّ من الأنصار قد وجدوا عليك في أنفسهم لما صنعت في هذا الفئ الذي أصبت. قسمت في قومك وأعطيت عطايا عظامًا في قبائل العرب، ولم يكن في هذا الحى من الأنصار شيء، قال رسول الله - ﷺ -: فأين أنت من ذلك يا سعد، قال: يا رسول الله ما أنا إلا من قومى (٤).
وفي بعض المصادر قال رسول الله - ﷺ -: فأين أنت من ذلك يا سعد؟ فقال سعد: ما أنا إلا كأحدهم، وإنا لنحب أن نعلم من أين هذا؟ (٥).
الرسول يناقش الأنصار حين عاتبوه بشأن الغنائم
قال رواة الحديث وأصحاب السير أن الرسول - ﷺ - لما بلغه مقالات الأنصار التي تتضمن عتابهم له حين أجزل العطاء من الخمس لبعض سادات العرب، غضب حتى انعكس فعل الغضب على وجهه الشريف. قالوا: وأمر سيد الخزرج سعد بن عبادة أن يجمع له الأنصار ليتحدث إليهم ويشرح لهم الأسباب التي دعته إلى أن يصنع ما صنع من الذي أغضبهم فقالوا ما قالوا .. وأمر الرسول - ﷺ - سعد بن عبادة بأن لا يحضر هذا الاجتماع أحد من غير الأنصار.
وصدع سعد بن عبادة بالأمر فجمع الأنصار (أي ساداتهم) في خيمة
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٧ عن الصحيحين من حديث شعبة.
(٢) السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٧ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٧ نقلًا عن صحيح البخاري.
(٣) انظر ترجمة سعد بن عبادة في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٤) تاريخ الطبري ٣ ص ٩٣.
(٥) مغازي الواقدي ٣ ص ٩٥٧.
[ ٩ / ١٧٩ ]
كبيرة. وأبلغ سعد رسول الله - ﷺ - باجتماع الأنصار. فحضر إليهم. وجاء رجال من المهاجرين فردّهم لأنه يريد الاجتماع خاصة بالأنصار.
وقد دخل رسول الله - ﷺ - على الأنصار المجتمعين والغضب يعرف في وجهه، ثم ألقى فيهم كلمة قال فيها (بعد أن حمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله): يا معشر الأنصار مقالة بلغتنى عنكم وجَدَة (١) وجدتموها في أنفسكم، ألم آتكم ضلالًا فهداكم الله، وعالة (٢) فأغناكم الله، وأعداء فألف الله بين قلوبكم؟ قالوا: بلى، الله ورسوله أمنُّ وأفضل، قال: ألا تجيبونى يا معشر الأنصار؟ قالوا: وماذا نجيبك يا رسول الله؟ ولرسول الله المَنُّ والفضل؟ .
قال: والله لو شئتم قلتم فصدقتم: أتيتنا مكذَّبًا فصدَّقناك، ومخذولًا فنصرناك، وطريدًا فآويناك، وعائلا فآسيناك (٣)، وجدتم في أنفسكم يا معشر الأنصار لشئ، وفي بعض الروايات (لعاهة) (٤) من الدنيا تألفت به قومًا أسلموا، وكلتكم إلى ما قسم الله لكم من الإِسلام، أفلا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعوا برسول الله - ﷺ -، إلى رحالكم، فوالذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءًا من الأنصار، ولو سلك الناس شعبًا وسلكت الأنصار شعبًا لسلكت شعب الأنصار. الأنصار شعار والناس دثار (٥).
وفي رواية في الصحيحين أن الرسول - ﷺ - قال للأنصار: (إن قريشًا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإني أردت أن أجبرهم وأتألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله إلى بيوتكم؟ قالوا بلى. قال: لو سلك الناس واديًا وسلك الأنصار شعبًا لسلكت وادي
_________________
(١) الجدة: بكسر الجيم: والموجدة الغضب.
(٢) العالة: الفقر.
(٣) آسيناك: أعطيناك حتى جعلناك كأحدنا.
(٤) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٨.
(٥) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٤٢ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٧ - ٩٥٨ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٨ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩٣ - ٩٤ صحيح البخاري ج ٥ ص ٢٠٣ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٧ - ٢٤٨.
[ ٩ / ١٨٠ ]
الأنصار أو شعب الأنصار (١).
وفي بعض المصادر أن الرسول - ﷺ - بعد أن أجرى الحوار هذا مع أنصاره وشرح لهم وجهة نظره والسبب الذي جعله يخص بعض القرشيين بالعطاء الجزيل من خمس الغنائم - قال لهم: (أكتب لكم بالبحرين كتابًا من بعدى تكون لكم خاصة دون الناس، فهو يومئذ أفضل ما فتح الله عليه من الأنصار، قالوا: وما حاجتنا بالدنيا بعدك يا رسول الله؟ قال: أما (لا) فسترون بعدى أثرة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله، فإن موعدكم الحوض، وهو كما بين صنعاء وعمان، وآنيته أكثر من عدد النجوم. اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء أبناء الأنصار، فبكى القوم حتى اخضلَّت لحاهم، وقالوا: رضينا يا رسول الله حظًا وقسمًا. وانصرف رسول الله - ﷺ - وتفرقوا (٢).
وذكر أصحاب الحديث والمغازى أن الرسول - ﷺ - لما أعطى عيينة بن حصن والأقرع بن حابس. كل واحد مائة من الإِبل، قال له سعد بن أبي وقاص: يا رسول الله أعطيت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة وتركت جعيل بن سراقة الضمرى (٣) فقال: والذي نفسي بيده، لجعيل بن سراقة خير من طلاع الأرض (٤) كلها مثل عيينة والأقرع، ولكنى تألفتهما ليسلما، ووكلت جعيل بن سراقة إلى إسلامه (٥).
وروى البخاري عن عمرو بن تغلب قال: أعطى رسول الله - ﷺ - قومًا
_________________
(١) البدابة والنهاية ج ٤ ٣٥٧.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٨ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ٢٤٢ - ٢٤٣ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٥٨ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٤٨.
(٣) قال في أسد الغابة: جعال: وقيل جعيل بن سراقة الغفاري وقيل الضمرى، ويقال الثعلبي. وقيل: إنه في عداد بني سواد من بني سلمة. كان جعيل من أهل الصفة وفقراء المسلمين. كان من السابقين الأولين في الإِسلام. شهد مع الرسول - ﷺ - أحدًا وأصيبت عينه في حصار بني قريظة. وكان جعيل دميمًا بشع المنظر. وهكذا فالعبرة بالمخبر لا بالمنظر .. فالرسول - ﷺ - قد أغدق هذا الثناء على جعيل لقوة إيمانه وشدة يقينه ولا عليه إن كان بشع المنظر.
(٤) طلاع الأرض: أي ما يملؤها حتى يطلع عنها ويسيل.
(٥) تاريخ الطبري ج ٣ ص ٩١ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٨ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٨.
[ ٩ / ١٨١ ]
ومنع آخرين فكأنهم عتبوا عليه فقال: إني أعطى قومًا أخاف هلعهم وجزعهم، وأكل قومًا إلى ما جعل الله في قلوبهم من الخير والغنى منهم، عمرو بن تغلب (١) قال عمرو: فما أحب أن لي بكلمة رسول الله - ﷺ - حمر النعم.
أخت الرسول التي كانت بين السبايا
قضت ظروف الهزيمة التي نزلت بهوازن في حنين والتي حملت معها كل أموالها ونسائها وأطفالها إلى حيث المعركة .. قضت ظروف الهزيمة (وكما هي شرعة الحرب في الإِسلام وفي كل الأعراف والقوانين السائدة في العالم آن ذاك (٢» أن يقع كل نساء وأطفال هوازن في الأسر وأن يعتبروا جزءًا من الغنيمة التي تقسم بين المحاربين المنتصرين.
وكان من البديهى أن يقع كل نساء سعد بن بكر بن هوازن (أخوال الرسول - ﷺ - من الرضاعة) ضمن السبايا في أيدى المسلمين.
وكان من ضمن أولئك السبايا، الشيماء بنت الحارث (٣) التي أمها حليمة بنت أبي دوئب السعدية أم الرسول - ﷺ - من الرضاعة. وكانت الشيماء تحمل الرسول - ﷺ - مع أمها حليمة وتقوم عليه وترعاه عندما كان طفلًا رضيعًا في بني سعد بديار هوازن .. الشيماء هذه التي هي أخت الرسول - ﷺ - ومن الرضاعة وقعت سبيّة في أيدى الجيش الإِسلامي يوم حنين ضمن سبى هوازن.
_________________
(١) هو عمرو بن تغلب العنبرى من عبد القيس، وقيل من بكر وائل وقيل من النمر بن قاسط. وقيل غير ذلك. قال في أسد الغابة: وجميع ما ذكر في نسبه ورجع إلى أسد بن ربيعة، فهو ربيعى على الاختلاف الذي فيه. سكن عمرو بن تغلب البصرة، وروى عنه الحسن البصري. وعن عمرو بن تغلب روى الحديث الخطير (كما في أسد الغابة) وهو أن من أشراط الساعة أن تكثر التجار. ويظهر القلم، يعني أن التجار يكثرون لكثرة المال، ويكثر الذين يكتبون، فإن الكتابة كانت قليلة في العرب. شهد عمرو أحدًا مع رسول الله - ﷺ - والمشاهد بعدها.
(٢) انظر أوسع التفاصيل عن موقف الإِسلام من الرق الحربى ومنه السبايا وذلك في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) تحت عنوان (الإِسلام والرق)، وأن الرق الحربى في الإِسلام هو من باب العمل الحربى المقابل.
(٣) الشيماء لقب لها. أما اسمها فهو حذافة بنت الحارث السعدية. أسلت الشيماء ورجعت إلى ديار قومها هوازن بعد أن حررها الرسول - ﷺ - وأكرمها وخيرها بين أن نقيم عنده أو تعود إلى ديارها.
[ ٩ / ١٨٢ ]
وكان بعض الذين سبوها من المسلمين قد عنّفوا عليها في السياق. فكانت تقول لهم: إني والله أخت صاحبكم، ولا يصدقونها، وكان الذين أخذوها طائفة من الأنصار وكانوا أشد الناس على هوازن، فلما أتوا بها الرسول - ﷺ - قالت: إني أختك من الرضاعة. قال: وعلامة ذلك؟ قالت: عضة عضضتنيها في ظهرى وأنا حاملتك على وركى بوادى السر ونحن يومئذ برعائهم، أبوك أبي وأمك أمى، قد نازعتك الثدى، وتذكر يا رسول الله.
فعرف رسول الله العلامة فوثب قائمًا، ثم بسط لها رداءه وقال لها: اجلسى عليه، ورحب بها ودمعت عيناه وسألها عن أمه وأبيه من الرضاعة فأخبرته موتهما في الزمان، فخيّرها رسول الله - ﷺ - بين أن تقيم عنده وبين أن تعود إلى قومها قائلًا: إن أحببتِ فأقيمى عندنا محبَّبة مكرمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وَصلتَك رَجعت إلى قومك. قالت: أرجع إلى قومى، ثم أسلمت فأكرمها رسول الله - ﷺ - فأعطاها نعمًا وشاء، ومما أعطاها عبد وجارية زوّجت أحدهما الآخر.
وجاء في بعض المصادر أن الرسول - ﷺ - لما بسط رداءه لأخته الشيماء قال لها: سلى تعطى. واشفعى تشفعى.
وقالوا: إن الشيماء شفعت عند رسول الله - ﷺ - في رجل من قومها بني سعد اسمه بجاد. هذا الرجل قد استحق عقوبة الإِعدام، لأنه قتل رجل من المسلمين ومثل به، حيث حرّقه بالنار بعد أن قتله. فأمر الرسول - ﷺ - خيله بطلبه، وقال: إن قدرتم على بجاد فلا يفلتن منكم.
قال الواقدي: وكان بجاد من بني سعد وكان قد أتاه رجل من المسلمين فأخذه بجاد فقطّعه عضوًا عضوًا، ثم حرقه بالنار، فكان قد هرب، فأخذته الخيل فضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث، وقال عبد الصمد: لما رجعت الشيماء إلى منزلها بالجعرانة بعد أن عرفها رسول الله - ﷺ - أكرمها كلمها النسوة من هوازن في بجاد، فرجعت إلى أخيها الرسول - ﷺ - وطلبت منه أن يهب لها بجادًا ويعفو عنه ففعل (١).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣.
[ ٩ / ١٨٣ ]
الرسول - ﷺ - يحرر سبايا هوازن
قلنا كان رسول الله - ﷺ - عقب عودته من حصار الطائف انتظر حوالي شهر في الجعرانة، لم يقسم السبايا من هوازن على الجيش الإِسلامي، على أمل أن يتقدم وجوه هوازن وزعماؤها بطلب يلتمسون فيه تحرير نسائهم وأطفالهم، ولكن هوازن توانت في التقدم بمثل هذا الطلب إلى الرسول القائد - ﷺ - وألح عامة الجيش الإِسلامي المنتصر على رسول الله - ﷺ - طالبين منه تقسيم الغنائم بما في ذلك السبى فقسم الرسول - ﷺ - على الجند لأن ذلك حق من حقوقهم كما تقضى بذلك قوانين الحرب في الإِسلام. فنساء العدو المحارب وأبناؤه. وأمواله يكونون ملكًا للجيش المنتصر، ومن السبى يتكوّن الرقيق.
وقد ذكرنا في كتابنا الرابع (غزوة بني قريظة) بالتفصيل موقف الإسلام من الرق، وأن هذا الدين قد جاء لتحرير البشرية فردم جميع منابع الرق المتعارف عليها في العالم آن ذاك، ولم يبق إلا على الرق الحربى كعملية عسكرية مقابلة. ومع ذلك فقد رغب الإِسلام ترغيبًا كبيرًا في تحرير هذا النوع من الرقيق الذي أقره (١)، وكان الرسول - ﷺ - يحرص دائمًا على تحرير الرقيق بدليل أنه (كما سيأتي في هذا البحث) حرر ستة آلاف من سبى هوازن بعد أن شفع لأهاليهم عند جند الجيش الإسلامي.
وفد هوازن بين يدي الرسول - ﷺ -
وكا كان الرسول - ﷺ - يتوقع، فقد بعثت هوازن بوفد من كبار زعمائها لمقابلة الرسول - ﷺ - ليقدم التماسا إلى الرسول - ﷺ - يطلب فيه المنّ على السبى وتحريرهم.
ولكن وفد هوازن جاء بعد أن جرت قسمة السبى بين عامة الجيش، فكانت إعادتهم إلى أهاليهم وتحريرهم فيها شيء من الصعوبة والتعقيد. ولكن الرسول - ﷺ - تغلب على هذه الصعوبة واتخذ الإجراءات الكفيلة بإعادة السبى إلى ذويه من هوازن.
_________________
(١) انظر البحث الواسع المفصل في مواقف الإِسلام من الرق وتنفيذ شبه أعداء الإِسلام التي يثيرونها بسبب موقفه من الرق الحربى .. انظر ذلك في كتابنا (غزوة في قريظة) في الفصل بعنوان (الإِسلام والرق).
[ ٩ / ١٨٤ ]
كان وفد هوازن إلى الرسول - ﷺ - مكوّنًا من أربعة عشر رجلًا. وكان رئيسهم، أبو صرد زهير بن صرد (١) وكان في الوفد عم الرسول - ﷺ - وكان أحد المتكلمين. وكان وفد هوازن قد جاء مسلمًا كما جاء بإسلام من وراءه من هوازن.
استقبل الرسول - ﷺ - في الوفد أكرمهم وأحسن استقبالهم، ثم تكلم رجال الوفد في المهمة التي من أجلها جاءوا، فأخبرهم الرسول - ﷺ - أنه قد تأنى في قسمة السبى وانتظرهم كثيرًا حتى ظن أنهم لن يأتوا، فأجرى السهمين على السبى وجرت قسمته بين عامة الجيش، غير أنه - ﷺ - وعدهم بأنه سيسعى لتحرير السبى رغم أنه قد توزع وقسم على الجند كجزء من الغنائم. وفعلًا بذل الرسول - ﷺ - مساعيه لدى عامة الجيش كي يحرر كل منهم ما في يده من سبى هوازن، ومن تمسك بحقه في السبى دفع له الرسول - ﷺ - تعويضًا من بيت مال المسلمين حتى حرر جميع سبى هوازن وعددهم ستة آلاف رأس.
قال الواقدي: فقدم وفد هوازن، وكان في الوفد عمّ الرسول - ﷺ - من الرضاعة، قال يومئذ: يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر من كان يكفلك من عمّاتك وخالاتك وحواضنك وقد حضنَّاك في حجورنا، وأرضعناك بثدينا، ولقد رأيتك مرضَعًا فما رأيت مرضَعًا خيرًا منك، ثم رأيتك شابًّا فما رأيت شابًّا خيرًا منك، وقد تكاملت فيك خلال الخير، ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك، فامنن علينا من الله عليك.
فقال رسول الله - ﷺ -: قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون وقد قُسم السبى وجرت فيهم السهمان.
ويؤكد الواقدي إسلام الوفد وإسلام من خلفهم من هوازن وإنهم جاءوا بإسلام الجميع فيقول: وقدم على رسول الله - ﷺ - أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين، وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم، فكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد، فقال: يا رسول الله، إنا أهلك وعشيرتك، وقد
_________________
(١) هو زهير بن صرد (بضم الصاد وفتح الراء) أبو صرد وقيل: أبو جرول، الجشمى: السعدي، من بني سعد بن بكر (فهو خال رسول الله - ﷺ - سكن زهير المذكور الشام. ذكر ذلك ابن الأثير في أسد الغابة ثم ساق قصة خطبة زهير وغيره بين يدي رسول الله - ﷺ -.
[ ٩ / ١٨٥ ]
أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك. يا رسول الله، إنما في هذه الحظائر عمّاتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك، ولو ملحنا (١) للحارث بن أبي شمر وللنعمان بن المنذر، ثم نزلا منا بمثل الذي نزلت به، رجونا عطفهما وعائدتهما (٢)، وأنت خير المكفولين. ويقال إنه قال يومئذ أبو صرد-: إنما في هذه الحظائر أخواتك وعمّاتك وبنات عمّاتك وخالاتك وبنات خالاتك، وأبعدهنّ قريب منك يا رسول الله، بأبي أنت وأمى، إنهن حضنّك في حجورهن، وأرضعنك بثديهن، وتوركنك على أوراكهن وأنت خير المكفولين ثم أنشد:
أمنن علينا رسولَ الله في كرم فإنك المَرءُ نرجوه وندَّخِرُ
أمنن على نسوة قد عاقها قَدَر مُمزّق شملها في دهرها غيَرُ
أمنن على نسوة قد كنت ترضَعُها إذ فوك مملوءة من محضها الدرر (٣)
اللائى إذا كنت طفلًا كنت ترضَعُها وإذ يزينك ما تأتى وما تذرُ
ألا تداكها نعماه تنشرها يا أرجح الناس حتى حين يختبرُ
لا تجعلنا كمن شامت نعامته (٤) واستبق منّا فإنّا معشرَ زهرُ
إنا لنشكر آلاء وإن قدمت وعندنا بعد هذا اليوم مدّخرُ
قالوا: وبعد أن تكلم رجال وفد هوازن في أسراهم وطالبوا بتحريرهم والمن عليهم تكلم الرسول الأعظم - ﷺ - فقال: إن أحسن الحديث أصدقه وعندى من ترون من المسلمين، فأبناءكم ونساؤكم أحب إليكم من أموالكم (٥) قالوا: يا رسول الله خيَّرتنا بين أحسابنا وبين أموالنا، وما كنا نعدل بالأحساب شيئًا، فرّد إلينا أبناءنا ونساءنا، فقال النبي - ﷺ -: أما ما لي ولبني عبد
_________________
(١) قال في النهاية لابن الأثير: ملحنا، أرضعنا لهما.
(٢) العائد: الفضل، قاله أبو ذر في شرحه ص ٤١١.
(٣) الدرر (بكسر الدال): الدفعات الكثيرة من اللبن قاله في السيرة الحلبية ج ٣ ص ٢٥٠.
(٤) شالت نعامتهم قال في القاموس المحيط: تفرقت كلمتهم أو ذهب عزمهم.
(٥) وفي السيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥٠ جاء أن النبي - ﷺ - قال لوفد هوازن: قد وقعت المقاسم مواقعها، فأى الأمرين أحب إليكم، أطلب لكم السبى أم الأموال، وإنما قال - ﷺ - لهم: قد وقعت المقاسم، أي لأنه لا يجوز للإِمام أن يمن على الأسرى بعد القسم، وإنما يمن عليهم قبله، كما وقع له - ﷺ - في يهود خيبر ولا يخفى أن هذا في الرجال دون الذرارى.
[ ٩ / ١٨٦ ]
المطلب فهو لكم، وأسأل لكم الناس، وإذا صليت الظهر بالناس فقولوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين. وبالمسلمين إلى رسول الله، فإني سأقول لكم: ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وسأطلب لكم إلى الناس، فلما صلى رسول الله - ﷺ - الظهر بالناس قام الهوازنيون فتكلموا بالذي أمرهم به، فقالوا: إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله، فقال رسول الله أما ما كان لي ولبنى عبد المطلب فهو لكم، فقال المهاجرون: فما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، وقالت الأنصار: ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ -، وامتنع الأقرع بن حابس وعيينة بن حصن وعباس بن مرداس والسلمى عن التصدق بتحرير ما في أيديهم من سبايا.
فقد قال الأقرع بن حابس: أما أنا وبنو تميم فلا، وقال عيينة: أما أنا وفزارة فلا، وقال عباس بن مرداس: أما أنا وبنو سليم فلا.
إلا أن بني سليم خالفوا سيدهم عباس بن مرداس، وقالوا: أما ما كان لنا فهو لرسول الله - ﷺ - فقال عباس: وهنتمونى (أي أضعفتمونى).
وبعد الأخذ والرد وقف الرسول - ﷺ - خطيبًا وأعلن أن جميع السبى من هوازن سيحرر وأن كلًّا من هذا السبى سيعود إلى أهله، وأعلن النبي - ﷺ - أن من لم تطب نفسه بالتصدق بالعتق، فإن بيت مال المسلمين سيدفع له التعويض اللازم عما في يده من سبى لا يرغب في التصدق بعتقه.
فقد قال الرسول - ﷺ - لقادة الجيش وزعماء القبائل المشتركين في معركة حنين: إن هؤلاء القوم (يعني هوازن) جاءوا مسلمين، وقد كنت استأنيت بهم فخيَّرتهم بين النساء والأبناء والأموال، فلم يعدلوا بالنساء والأبناء، فمن كان عنده منهن شيء فطابت نفسه فليرسل (أي يطلق) ومن أبي منكم تمسك بحقه فليرد عليهم، وليكن فرضًا علينا ست فرائض (أي ست من الإبل) من أول ما يفئ الله به علينا.
وقد حدد الرسول - ﷺ - نوع التعويض للمتمسكين بحقهم في السبى فجعل
[ ٩ / ١٨٧ ]
فداء الفرد من السبى (من بيت المال) ثلاث حقاق (١) وثلاث جذاع (٢).
وقد قبل الممتنعون بالتعويض الذي حدده الرسول - ﷺ -.
أما الأغلبية الساحقة من الجيش الإسلامي المنتصر في حنين وهم المهاجرون والأنصار وبنو سليم فقد تصدقوا بعتق ما في أيديهم من سبى.
أما المتمسكون بحقهم في السبى (وهم أقلية قليلة من الأعراب) فقد قبلوا بالتعويض الذي حدده الرسول - ﷺ -: وقالوا رضينا وسلمنا. فقال لهم رسول الله - ﷺ -: فمروا عرفاءكم أن يدفعوا ذلك إلينا حتى نعلم ففعلوا.
وهكذا حرر الرسول - ﷺ - ستة آلاف من سبى هوازن في حنين فأعتقهم جميعًا ومنع أن يجرى عليهم الرق. وبهذه المناسبة روي أن معاذ بن جبل كان يقول: قال رسول الله - ﷺ - يومئذ: لو كان ثابتًا على أحد من العرب ولاء أو رق لثبت اليوم، ولكن إنما هو إسار وفدية.
ثم إن الرسول - ﷺ - لكى يستوثق أكثر من المهاجرين والأنصار (وهم الأغلبية الساحقة بين الجند الذين شاركوا في تحقيق النصر يوم حنين) بعث مندوبَين ليطوفا عليهم فيستوثق بأنهم راضون بعتق ما في أيديهم من سبايا هوازن.
فإلى المهاجرين بعث عمر بن الخطاب، وإلى الأنصار بعث زيد بن ثابت، فكان زيد بن ثابت يطوف على الأنصار يسألهم: هل سلموا ورضوا؟ فخبّروه أنهم سلموا ورضوا. ولم يتخلف رجل واحد، وبعث عمر بن الخطاب إلى المهاجرين يسألهم عن ذلك، فلم يتخلف رجل واحد، وكان أبو رهم الغفاري يطوف على قبائل العرب، ثم جمعوا العرفاء، واجتمع الأمناء الذين أرسلهم رسول الله - ﷺ - فاتفقوا على قول واحد، تسليمهم ورضاهم ودفع ما كان في أيديهم من السبى (٣).
_________________
(١) الحقاق (بكسر الحاء): جمع الحق والحق من الإِبل الداخلة في السنة الرابحة، القاموس المحيط ج ٢ ص ٢٢١.
(٢) الجذاع: جمع الجذع، وهو من الإِبل ما دخل في السنة الخامسة.
(٣) طبقات ابن سعد الكبرى ج ٢ ص ١٥٣ - ١٥٤ وتاريخ الطبري ج ٣ - ص ٨٦ - ٨٧ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣١ - ١٣٢ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٠ - ٩٥١ - ٩٥٢ - =
[ ٩ / ١٨٨ ]
إسلام ملك هوازن وقائدها مالك بن عوف (١):
كان مالك بن عوف قائد هوازن وملكها قد قاتل قتالًا مريرًا يوم حنين هو وقبيلته بنو نصر حتى استحر القتل بينهم وكادوا أن يفنوا.
غير أن القائد مالكًا لما رأى أن هوازن قد خسرت المعركة، وأنَّ الاستمرار في مقاتلة المسلمين لم يعد نافعًا ولا مجديًا لهوازن قرر الانسحاب مع هيئة أركان حربه من مكان المعركة لينجو بن سيوف المسلمين.
فانسحب إلى بلاده عن طريق نخلة (وهو المسمى اليوم باليمانية)، ثم استمر في الهرب حتى وصل وادي ليَّة بالقرب من الطائف، وهناك تحصن في حصن له. ثم تَرَك وادي ليَّة والتحق بالطائف حيث تحصن مع ثقيف في حصنها. وكانت ثقيف من أهم بطون هوازن.
وكان رسول الله - ﷺ - وهو في طريقه لمحاصرة الطائف - قد هدم حصن مالك بن عوف وحرّقه بالنار عندما مرّ - ﷺ - بهذا الوادي.
النبي يعلن العفو عن مالك بن عوف
ويذكر أصحاب المغازي والسير أن الرسول - ﷺ - بعد أن فرغ من تقسيم الغنائم في الجعران وأعاد السبى إلى هوازن سأل وفدهم عن ملكهم وقائدهم
_________________
(١) = ٩٥٤ والسيرة الحلبية ج ٢ ص ٢٥٠ - ٢٥٢ وأسد الغابة ج ٢ ص ٢٠٨ - ٢٠٩ والبداية والنهاية ج ٤ ص ٣٤٢ ص ٣٥٣ - والكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٣٢ - ١٣٣.
(٢) هو مالك بن عوف بن سعد بن ربيعة بن يربوع بن وائلة بن دهمان بن نصر بن معاوية بن بكر بن هوازن النصرى، قال في أسد الغابة: يكنى أبو علي، كان مالك شجاعًا مقدامًا إلى حد التهور. وهو الذي كان يرأس المشركين يوم حنين لما انهزم المسلمون وعادت الهزيمة على المشركين، وكان مالك ملكًا توجًا على هوازن .. ويذكر أصحاب السير والتراجم أن مالكًا حمل بنفسه يوم حنين على النبي - ﷺ - قاصدًا قتله، وكان مالك على فرس له يقال له: مجاج، فأحجم الفرس ولم يتقدم، ثم أراده ليحمل على الرسول - ﷺ - فلم يتقدم أيضًا فقال مالك: أقدم مجاج إنه يوم نكر مثلى على مثلك يحمى ويكر ويطعن الطعنة تهرى وتهر لها من الجوف نجيع منهمر ويقلب الحامل فيها منكسر إذا اخزألت زمرًا بعد ومر أسلم مالك بن عوف وحسن إسلامه، وقد جعله النبي - ﷺ - أميرًا على من أسلم من قومه قيس عيلان .. وقد شهد مالك بعد رسول الله - ﷺ - فتح الشام وشهد القادسية أيضًا بالعراق مع سعد بن أبي وقاص. ولم نجد فيما بين أيدينا من تراجم متى وأين توفى مالك بن عوف.
[ ٩ / ١٨٩ ]
مالك بن عوف النصرى. قالوا: يا رسول الله، هرب فلحق بحصن الطائف مع ثقيف قال رسول الله - ﷺ -: أخبروه أنه إن كان يأتي مسلمًا رددت عليه أهله وماله، وأعطته مائة من الإِبل. وكان النبي - ﷺ - قد أمر بالحجز التحفظى على أموال مالك بن عوف وأهله، وأن لا تجرى عليهم قسمة الغنائم كغيرهم.
فحفظت أموال القائد مالك بن عوف وأهله بمكة عند عمتهم، أم عبد الله بنت أبي أمية. فلما أمر الرسول - ﷺ - بالحجز التحفظى على أموال القائد مالك وأهله. قال وفد من هوازن: يا رسول الله أولئك سادتنا وأحبتنا الينا. فقال الرسول - ﷺ -: إنما أريد بهم الخير.
فلما بلغ ملك هوازن وقائدها ما قاله النبي - ﷺ - بشأنه، وما وعده به من خير إن هو دخل في الإسلام، وأن أهله وماله موقوف لم يجر عليه سهم القسمة، قرر أن يلتحق بالرسول - ﷺ - ويعلن إسلامه، ولكنه خاف أن تعلم ثقيف أن الرسول - ﷺ - قال ما قال بشأن مالك وماله وأهله فيحبسونه منعًا له من اللحاق بالنبي - ﷺ -.
لذلك تكتم على الخبر وقرر أن يغادر الطائف سرًّا، فطلب ممن يثق به أن يهيئ له راحلة فيضعها له جاهزة في مكان يقال له: دحنا (١) ثم أمر بفرسه فجاءه به أحد أتباعه ليلًا فخرج من حصن الطائف (خلسة) ثم امتطى صهوة جواده، فركضه حتى أتى دحنا، ومن هناك كب على بعيره فلحق برسول الله - ﷺ -، فلما جاء، رد عليه النبي - ﷺ - أهله وماله، ثم أعطاه مائة من الإِبل. وهنا أسلم مالك فحسن. إسلامه (٢).
قائد المشركين يتحول إلى قائد المسلمين.
وبعد أن أسلم القائد مالك بن النصرى الذي قاد معركة حنين الفاصلة ضد الجيش النبوي، وبعد أن اطمأن الرسول - ﷺ - إلى إسلامه، ولّاه الرسول - ﷺ - على من أسلم من قومه من هوازن وفهم، وجعله قائدًا عسكريًا يجاهد
_________________
(١) دحنا: مخلاف من مخاليف الطائف.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٤ - ٩٥٥.
[ ٩ / ١٩٠ ]
بهم المشركين في سبيل الله.
وقد انضم إلى القائد مالك (وكان زعيمًا شجاعًا مشهورًا) انضم إليه كل الذين دانوا بالإسلام في المناطق القريبة من الطائف، فعقد له الرسول - ﷺ - عليهم لواءًا، فكوّن مالك من هؤلاء المسلمين جيشًا صار يغير بهم على من كان على الشرك.
وهكذا وبعد أن كان هذا الشاب الشجاع مصدر قلق وإزعاج للإسلام والمسلمين حين جيش الجيوش لمحاربة المسلمين وهزمهم في حنين (أول الأمر). تحول إلى عامل توطيد لدعائم الإِسلام، ومصدر إزعاج لمن بقى على الشرك من قبائل تلك النواحى التي يجاورها.
فبعد أن جعله الرسول - ﷺ - أمرًا وقائدًا على المسلمين من قومه وسكان النواحى المجاورة صار يشن بهم الغارات، على أهل الشرك وخاصة قومه ثقيف الذين هم أقوى قوة بقيت من هوازن بعد الهزيمة في حنين تناوئ الإِسلام.
كيف يصنع الإِسلام إذا لامس القلب
وهكذا هو الإِسلام إذا لامس قلب الإنسان وخالطه، أزال من الإِنسان كل عوامل الشر، وغرس مكانها عناصر الخير.
فهذا مالك بن عوف النصرى، عندما كان على شركه - غاية في العناد والمكابرة والمضى في مضمار الشيطان. فقد رأينا كيف جمع مالك عشرين ألف مقائل من هوازن وأحلام تدمير الإسلام والاستيلاء على مكة تداعب خياله، فخرج بهذه القوات غازيًا، ومصممًا على إخراج المسلمين من مكة انتصارًا للشرك والوثنية، ورأينا كيف بذل مالك جهده لإنزال الهزيمة المدمرة بالمسلمين، كيف أنه (عنادًا منه) عندما عارض بعض عقلاء قومه حمله النساء والذرية والأموال مع الجيش فعارضوا بعض مخططاته للمعركة، هددهم بأنه سينتحر إذا لم يوافقوه على الخطة التي رسمها لمحاربة المسلمين، ورأينا كيف كان جهده وصبره في القتال لتوطيد دعائم الشرك في حنين.
ولكن ها هو اليوم مالك بنفسه -وبعد أن جعل الإسلام منه إنسانًا آخر، إنسانًا أدّبه القرآن وهذّب طباعه النافرة بالإسلام- ها هو يتحول إلى
[ ٩ / ١٩١ ]
سيف باتر سله الله على المشركين، فصار يشن عليهم الغارات صادقًا مخلصًا للإسلام، حتى دوخهم، وخاصة قومه ثقيف، فصار جهاده من أكبر العوامل التي مهدت الطريق لسلطان الإسلام كى يبسط ظله على ثقيف التي ظلت حتى السنة التاسعة للهجرة مستعصية تقاوم الدعوة الإسلامية وتحاربها بكل شراسة وعناد.
قال الواقدي: واستعمل رسول الله - ﷺ - مالك بن عوف على من أسلم من قومه ومن تلك القبائل حول الطائف من هوازن. وفهم، فكان قد ضوى إليه قوم مسلمون، وعقد له لواء، فكان يقاتل بهم، ولا يخرج لثقيف سرح (١) إلا أغار عليه، وقد رجع حين رجع وقد سرح الناس مواشيهم، وأمنوا فيما يرون حيث انصرف عنهم رسول الله - ﷺ -، فكان لا يقدر على سرح إّلا أخذه، ولا على رجل إلا قتله، فكان قد بعث إلى النبي - ﷺ - بالخمس مما يغير به، مرة مائة بعير ومرة ألف شاة، ولقد أغار على سرح لأهل الطائف فاستاق ألف شاة في غداة واحدة. فقال أبو محجن بن حبيب.
تهاب الأعداء جانبنا ثم تغزونا بنو سلمه
وأتانا مالك بهمو ناقضًا للعهد والحُرُمَه
وأتونا في منازلنا ولقد كانوا أولى نقمه
وقال مالك بن عوف شعرًا يمتدح الرسول - ﷺ - وهو:
ما إن رأيت ولا سمعتُ بمثله في الناس كلّهمو بمثل محمدِ
أوفى وأعطى للجزيل إذا اجتدى ومتى تشأ يُخْبِرْك عمَّا في غد
وإذا الكتيبة عرَّدت أنيابها بالمشرفيِّ (٢) وضرب كل مهندِ (٣)
_________________
(١) السرح (بفتح السين وسكون الراء): ما يسرح من الماشية في المراعي من الإبل والشاء والخيل وغير ذلك.
(٢) المشرفى السيف. قال أبو عبيدة: نسبت السيوف المشرفية إلى مشارف، وهي قرى من أرض العرب تدنو من الريف، وقيل: هي في جنوب الشام قرب حدود الجزيرة العربية.
(٣) المهند: السيف المطبوع من حديد الهند.
[ ٩ / ١٩٢ ]
فكأنه ليثُ على أشباله وسط الهباء (١) خادِرُ (٢) في مرصد (٣)
إسلام صفوان بن أمية (٤)
كان صفوان بن أمية الجمحى سيدًا من سادات قريش وذوى العقول الراجحة، وكان من زعماء قريش الذين أولاهم النبي - ﷺ - اهتمامًا خاصًّا وقال: إنه يربأ بهم عن أن يظلوا على الشرك. وعندما حرر الجيش النبوي مكة أعطى الرسول - ﷺ - الأمان، ثم منحه مهلة أربعة أشهر ليقرر بمحض إرادته ما إذا كان يريد الدخول في الإِسلام.
وقد خرج صفوان (وهو مشرك ضمن الجيش النبوي إلى حنين، ورغم بقائه على شركه فقد كان مواليًا للجيش النبوي يتمنى له النصر على مشركى هوازن، بدليل أنه لما بشره بعض المنحرفين القرشيين بانهزام المسلمين، انتهره صفوان وزجره وقال له: اسكت فض الله فاك، لأن يربنى (أي يكون ملكًا عليَّ) رجل من قريش أحب إلى من أن يربّنى رجل من هوازن (٥).
وظل صفوان (على شركه) ضمن الجيش النبوي، لم يأت أيَّ عمل مشين ضد المسلمين، بل كان كثيرًا (بعد النصر) ما يتجول مع الرسول - ﷺ - لتفقد الغنائم وأحوال السبى، وقد أعطاه النبي - ﷺ - وهو على شركه- من الخمس مائة من الإِبل.
وذكر بعض المؤرخين أن النبي - ﷺ - بينما كان يطوف على الغنائم بالجعرانة، ومعه صفوان بن أمية، إذ مر بشعب مما أفاء الله على المسلمين، فيه غنم وإبل ورغاؤها مملوء، فأعجب صفوان وجعل ينظر إليه، فقال له رسول الله - ﷺ - أعجبك أبا وهب؟ قال: نعم. قال: هو لك وما فيه، فقال صفوان: أشهد ما طابت بهذا نفس أحد قط إلَّا نبيّ، وأشهد أنك رسول الله، وأسلم
_________________
(١) الهباءة. قال في شرح أبي در: الغبرة.
(٢) الخادرى: الداخل في خدره، والخدر هنا غابة الأسد.
(٣) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦١ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٥ - ٩٥٦ وسيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٣٣ - ١٣٤ وأسد الغابة ج ٤ ص ٢٨٩ - ٢٩٠.
(٤) انظر ترجمة صفوان بن أمية في كتابنا (غزوة بدر الكبرى).
(٥) أسد الغابة ج ٣ ص ٢٣.
[ ٩ / ١٩٣ ]
وحسن إسلامه (١). وعن صفوان نفسه قال: ما زال رسول الله يعطيني من غنائم حنين وهو أبغض الخلق حتى ما خلق الله شيئًا أحب إليَّ منه (٢).
عودة الرسول - ﷺ - إلى المدينة.
وبعد أن انتهى الرسول من توزيع الغنائم على الجيش المنتصر، فأعطى كل ذي حق حقه، بموجب قانون تقسيم الغنائم الذي نزل به القرآن، وأعطى المؤلفة قلوبهم من الخمس مئات من الإِبل. وبعد أن أقام بالجعرانة (وهي من الضواحى القريبة من مكة) ثلاثة عشر ليلة، من الخامس ذي القعدة حتى الثامن عشر منه سنة ثمان للهجرة، قرر العودة بأصحابه إلى المدينة.
ولكنه قبل أن ينصرف إلى المدينة دخل مكة المكرمة وأدى وأصحابه نسك العمرة حيث أحرم بالعمرة من الجعرانة التي تقع خارج حدود الحرم.
وبعد أن أكمل وأصحابه مناسك العمرة، تفقد أحوال العاصمة المقدسة ومسقط رأسه، وأقام فيها السلطات المدنية حيث عين عليها حاكمًا يدير شئونها، وهو عتاب بن أسيد. كما أسند إلى فئة الفقهاء والقراء من خيرة أصحابه مهمة تعليم أهل مكة الحديثي العهد بالإسلام -أمور دينهم، فيفقهونهم في الدين، ويقرؤونهم القرآن، ليعرفوا الدين الجديد الذي دخلوا فيه حديثًا- على حقيقته.
ورغم المعاملة السيئة التي كان أهل مكة يعاملون بها الرسول - ﷺ - طوال إقامته بين أظهرهم قبل الهجرة، مقد أبدي عطفًا ملحوظًا عليهم، فأوصى عامله الجديد على مكة. أوصاه بأهلها الذين سماهم أهل الله (٣). وبعد أن أقام وجيشه بمكة ليلتين غادرها إلى المدينة، وذلك يوم الخميس لعشر بقين من شهر ذي القعدة سنة ثمان للهجرة. وقد استبقى ما تبقى من خمس غنائم حنين وهي آلاف من الجمال والغنم. استبقى هذا المتبقى من الخمس حيث حبسه (عند دخوله مكة للعمرة) بمجنّة بناحية مرّ الظهران (٤) وذلك لكى
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٤٦ وأسد الغابة ج ٣ ص ٢٣.
(٢) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٠ وأسد الغابة ج ٣ ص ٢٣.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٩.
(٤) مر الظهران (بفتح الميم) هو المسمى اليوم: وادي فاطمة.
[ ٩ / ١٩٤ ]
يصطحبه معه ليقسمه على الأعراب المنتشرين ما بين مكة والمدينة تأليفًا لقلوبهم كي يثبت منهم من دخل في الإسلام ويرغب فيه من لم يكن، قد دخل فيه (١).
قال الإِمام الواقدي يصف عملية رحيل الرسول - ﷺ - وأصحابه من مكة إلى المدينة بعد انتهاء معركة حنين وحصار الطائف: (وانتهى رسول الله - ﷺ - إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بالجعرانة ثلاث عشرة، فلما أراد الانصراف إلى المدينة، خرج من الجعرانة ليلة الأربعاء لاثنى عشر بقيت من ذي القعدة ليلًا، فأحرم من المسجد الأقصى الذي تحت الوادي بالعدوة القصوى، وكان مصلى رسول الله - ﷺ - إذا كان بالجعرانة -فأما هذا المسجد الأدنى، فبناه رجل من قريش واتخذ ذلك الحائط عنده- ولم يجز رسول الله - ﷺ - الوادي إلّا محرمًا، فلم يزل يلبى حتى استلم الركن. ويقال: لما نظر إلى البيت قطع التلبية، فلما أتى أناخ راحلته على باب بني شيبة، ودخل وطاف ثلاثة أشواط يرمل (٢) من الحجر إلى الحجر، ثم خرج فطاف بين الصفا والمروة على راحلته، حتى إذا انتهى إلى المروة في الطواف السابع حلق رأسه عند المروة، حلقه أبو هند (٣) عبد بني بياضة، ويقال حلقه خراش بن أمية (٤).
ولم يسق رسول الله - ﷺ - منها هديًا، ثم انصرف رسول الله - ﷺ - إلى الجعرانة فكان كبائب بها، فلما رجع إلى الجعرانة خرج يوم الخميس فسلك في وادي الجعرانة، وسلك معه حتى خرج على سرف (٥)، ثم أخذ الطريق حتى انتهى إلى مر الظهران.
_________________
(١) انظر البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٨.
(٢) الرمل هو الإسراع في المشي.
(٣) هو أبو هند الحجاج البياضي، مولى فروة بن عمرو البياضي، اسمه عبد الله، وقيل: يسار، تخلف عن بدر، وشهد ما بعدها من المشاهد، حجم النبي - ﷺ - في يافوخه من وجع كان به، وفي أبي هند هذا، قال النبي - ﷺ -: إنما أبو هند امرؤ من الأنصار فأنكحوه وأنكحوا إليه يا بني بياضة (أسد الغابة ج ٥ ص ٣١٨).
(٤) انظر ترجمة خراش بن أمية في كتابنا (صلح الحديبية).
(٥) (سَرِف بفتح السين وكسر الراء) موضع على ستة أميال من مكة.
[ ٩ / ١٩٥ ]
أمير مكة الشاب القوي الصالح
وبما أن مكة المكرمة مدينة كبيرة، ولها منزلة عظمى بين المسلمين حيث بها وحواليها توجد كل مقدسات الإسلام والمشاعر التي يحج إليها المسلمون فقد أصدر الرسول - ﷺ - قبل مغادرته لها - مرسوما عين بموجبه حاكمًا لها، عتاب بن أسيد الزهري، وكان شابًّا في حوالي الثالثة والعشرين من عمره.
وقد اختاره الرسول - ﷺ - رغم صغر سنه ورغم أنه لم يسلم إلا يوم الفتح - اختاره من بين جميع سادات مكة وأشرافها، لأنه راجح العقل حسن الإسلام وسيد مطاع بين قومه ويتمتع باحترام كبير بين القرشيين، وقد ظل عتاب بن أسيد أميرًا على مكة حتى التحق الرسول - ﷺ - بالرفيق الأعلى.
وعندما همّ أهل مكة بالارتداد عقب موت الرسول - ﷺ - وقف أمير مكة الشاب عتاب (وكان حازمًا) وقف موقفًا مشرفًا، دل على متانة دينه وشدة إخلاصه.
وكان أهل مكة أثناء حياة النبي - ﷺ - قد شكوا إليه شدة عتاب عليهم، وكان عتاب صلب الإيمان شديدًا على أهل الريبة. فقد جاء في الإصابة لابن حجر أن النبي - ﷺ - ولى عتاب إمارة مكة وهو ابن نيف وعشرين سنة، وعن أنس بن مالك أن عتابًا كان شديدًا على المريب لينًا على المؤمن، وكان يقول: والله لا أعلم متخلفًا عن اهذه الصلاة إلا ضربت عنقه. فإنه لا يتخلف عنها إلا منافق، فقال أهل مكة: يا رسول الله، استعملت على أهل الله أعرابيًّا جافيًا، فأجابهم النبي - ﷺ - (مزكيًا هذا الشاب الطيب المؤمن القوى): إني رأيت فيما يرى النائم أنه (أي عتاب بن أسيد) أتى باب الجنة فأخذ بحلقة الباب فقعقعها حتى فتح له ودخل، وروي عن ابن عباس في تفسر قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا﴾ أنه قال: هو عتاب بن أسيد (١).
وقال ابن هشام: وبلغنى عن زيد بن أسلم أنه قال: لما استعمل رسول الله
_________________
(١) الإصابة في تمييز أسماء الصحابة ج ٢ ص ٤٤٤.
[ ٩ / ١٩٦ ]
- ﷺ - عتابا بن أسيد على مكة رزقه كل يوم درهمًا، فقام فخطب بالناس، فقال: أيها الناس أجاع الله كبد من جاع على درهم، فقد رزقنى رسول الله - ﷺ - درهمًا كل يوم، فليست لي حاجة إني أحد (١).
وكما عيَّن الرسول - ﷺ - قبل انصرافه إلى المدينة- عتاب بن أسيد أميرًا على مكة (وهو أول أمير مسلم يتولى شئونها) خلَّف كذلك معاذ بن جبل وأبا موسى الأشعري في مكة يعلَّمان الناس القرآن والفقه في الدين (٢).
وقد قال رسول الله - ﷺ - للأمير الشاب عتاب بن أسيد يوصيه بأهل مكة: أتدرى على من استعملتك؟ قال: الله ورسوله أعلم، قال: استعملتك على أهل الله، بلّغ عني أربعًا، لا يصلح شرطان في بيع، ولا بيع وسلف، ولا بيع ما لم يضمن، ولا تأكل ربح ما ليس عندك (٣).
تاريخ وصول الرسول المدينة
وجاء في كتب السيرة أن الرسول - ﷺ - أثناء عودته من مكة إلى المدينة .. قطع المسافة بينهما في تسعة أيام، فقد خرج من مكة يوم الأربعاء في الثامن عشر من ذي القعدة سنة ثمان للهجرة ووصل المدينة يوم الجمعة السابع والعشرين من الشهر نفسه (٤).
إسلام ثقيف
الحديث عن ثقيف ذو ارتباط وثيق بالحديث عن معركة حنين الحاسمة.
فقد كانت ثقيف (وقد تقدم في هذا البحث الحديث عن نسبها) تشكل جناحًا من أهم الأجنحة في الجيش الذي خاض معركة حنين ضد المسلمين. لأنها تشكل عدة عشائر، كلها ينتسب إلى هوازن التي قادها مالك بن عوف في حنين ضد النبي - ﷺ - وأصحابه.
وباعتبار ثقيف جناحًا من أهم أجنحة الجيش الهوازني الذي خاض ملحمة
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٦٨.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٩.
(٣) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٩.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٥٨ - ٩٦٠.
[ ٩ / ١٩٧ ]
حنين ضد المسلمين، فقد طاردهم الجيش الإسلامي بقيادة الرسول - ﷺ -، حتى ألجأهم إلى حصنهم المنيع بالطائف، وعندما وجدهم متحصنين وراء الأسوار في الطائف، ضرب عليهم الحصار، على أمل أن يستسلموا، أو أن يتمكن المسلمون من اقتحام حصون الطائف، ولكن الثقفيين صمدوا وقاوموا المسلمين أشد المقاومة.
ولما أدرك الرسول - ﷺ - أن لا فائدة من فرض الحصار على ثقيف فك عنها الحصار، ورجع إلى مكة ثم إلى المدينة. على أمل أن يأتي الله بثقيف فتدخل في الإسلام طائعة، وقد تقدم أن بعض الصحابة قال للرسول - ﷺ - وهو يفك الحصار عن الطائف - ادع الله على ثقيف، فأبى وفعل العكس حيث دعا الله تعالى أن يأتي بها.
ثقيف تقتل سيدها بعد إسلامه
وقد ظلت ثقيف على كفرها متشبثة بوثنيتها، وكان مالك بن عوف النصرى الذي قاد معركة حنين الفاصلة ضد النبي - ﷺ - وأصحابه، كان مالك -بعد أن هداه الله تعالى للإسلام- يتولى القيام بالغارات المسلحة على ثقيف، باعتباره أحد قادة المجتمع الإسلامي، غير أن غارات مالك بن عوف -رغم عنفها- لم تؤثر كثيرًا على موقف ثقيف المعادى للإسلام، لأن ثقيفًا كانت قوة كبيرة تتألف من عدة عشائر متماسكة.
غير أن موقف ثقيف أخذ يتغير نحو الإسلام عندما عاد سيد ثقيف عروة بن مسعود من جرش حيث كان قد ذهب إلى هناك لشراء معدات حربية ثقيلة وللتدرب على صنعها واستخدامها وتركيبها.
كان عروة بن مسعود من أعظم سادات ثقيف ومن أرجحهم عقلًا، وكان المفروض أن يكون قائد ثقيف يوم أن خاضت هوازن حربها الخاسرة ضد المسلمين في حنين.
ولكن عروة كان متغيبًا عن ديار قومه عندما نشبت هذه المعركة، لأن هوازن بعثوه مندوبًا على رأس وفد من ساداتهم إلى جرش (١). لشراء أسلحة
_________________
(١) ذكر ياقوت في معجمه أن جرش اسم لموضعين فقال: جرش (بضم أوله وفتح ثانيه) مخلاف =
[ ٩ / ١٩٨ ]
ثقيلة (مثل المنجنيق والعرّادات والدبابات).
وكان عروة بن مسعود ووفده العسكري قد ذهبوا إلى جرش، قبل أن يتحرك النبي - ﷺ - بجيوشه لفتح مكة، أي قبل معركة حنين التي خسرتها هوازن بحوالى شهرين اثنين.
وقد مكث عروة بن مسعود وبعثته الحربية في جرش حوالي ثلاثة أشهر، تدربت البعثة أثناءها على صنع استخدام الأسلحة الثقيلة، ولذلك فإن سيد ثقيف عروة بن مسعود، لم يعد بهذه الأسلحة الثقيلة من جرش إلى الطائف إلا بعد أن انتهت معركة حنين وفك الرسول - ﷺ - الحصار عن الطائف.
كان عروة بن مسعود راجح العقل حليمًا حكيمًا نافذ البصيرة، فعندما عاد من جرش جال بعينى بصيرته فيما دار ويدور في جزيرة العرب من صراع بين الإسلام والوثنية، فأدرك أن ظل الشرك والوثنية آخذ في التقلص بسرعة كبيرة، وخاصة بعد هزيمة قومه هوازن في معركة حنين التاريخية: وهوازن كانت أقوى قوة وثنية ضاربة يمكنها أن تجابه المسلمين في جزيرة العرب، بدليل أن محاربيها الذين خاضوا معركة حنين كانوا عشرين ألفًا، وهو عدد لم يسبق لجبهة وثنية (في الصراع الدائر بين الإِسلام والوثنية) أن حشدت مثلة لمحاربة الرسول - ﷺ - في جزيرة العرب كلها.
من هنا وبإلهام من الله تعالى أدرك عروة بن مسعود أن الإسلام غالب لا محالة، وأنه لم يبق سوى وقت قصير حتى تصبح الجزيرة العربية كلها قد شملها الإسلام ولفَّها تحت جناحيه. لذلك أضمر سيد ثقيف أن يعتنق الإسلام طائعا مختارًا.
_________________
(١) = من مخاليف اليمن، ولم يذكر أن بها تصنع المنجنيقات والدبابات. ثم قال: وجرش. (بفتح أوله وثانيه) اسم مدينة عظيمة كانت (وهي الآن خراب) حدثني من شاهدها وذكر لي أنها خراب، وبها آبار عادية تدل على عظم، قال: وفي وسطها نهر جار يدير عدة رحى عامرة إلى هذه الغاية، وهي في شرقي جبل السواد من أرض البلقاء وحوران من عمل دمشق اهـ. قلت: خرائب جرش وآثارها الرومانية لا تزال قائمة في المملكة الأردنية الهاشمية، وآثارها تدل على أن بها كانت مدنية زاهرة، ومن المحتمل جدًّا أن يكون عروة بن مسعود وبعثته قد ذهبوا إليها لشراء الأسلحة الثقيلة منها.
[ ٩ / ١٩٩ ]
كان وصول عروة بن مسعود في أواخر السنة الثامنة الهجرية، فقام بتركيب الأسلحة الثقيلة التي جلبها لقومه من جرش في الأردن، وقد فعل ذلك أداءًا للأمانة التي ائتمنه قومه عليها حين بعثوه إلى الأردن لشراء هذه الأسلحة وتسليمه إياها لقومه المشركين، لم يُغَير من عزمه عن اعتناق الإِسلام، بعد أن قذف الله نور هذا الدين في قلبه.
لذلك (ودون أن يستشير أحدًا) غادر الطائف قاصدًا المدينة ليعلن بين يدي الرسول - ﷺ - إسلامه.
وعندما وصل عروة المدينة استقبله الرسول - ﷺ - بالترحاب، وكان يعرفه (مسبقًا) لأنه قد اجتمع به عندما جاء وسيطًا لقريش يوم الحديبية عندما كانت أزمة الحديبية بين النبي - ﷺ - وعشيرته على أشدها (١) وكان عروة بن مسعود رغم كونه حليفًا لقريش قد حذّرها من مغبة عنادها حين منعت المسلمين من دخول مكة وقد جاءوا معتمرين لا محاربين، وقد توقع أن كارثة ستنزل بقريش نتيجة بغيها يوم ذاك وتصلفها. ثم فارقها ورجع إلى بلاده الطائف. وقد اعتبر العقلاء تصرف عروة بن مسعود هذا دليلًا على رجاحة عقله وبعد نظره.
وعندما أسلم عروة بن مسعود وشهد شهادة الحق، قرر أن يعود إلى الطائف فيدعو قومه ثقيفًا إلى الإِسلام، وطلب من الرسول - ﷺ - أن يأذن له بذلك، ولكن النبي - ﷺ - حذَّره بأن قوفه سيقتلونه، فقد قال عروة: يا رسول الله إيذن لي فآتي قومي فأدعوهم إلى الإِسلام، فوالله ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب، فأقدم بخير قادم، وما قدم وافد (قط) على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به، وقد سبقت يا رسول الله في مواطن كثيرة.
وكان عروة بن مسعود سيدًا مطاعًا محبوبًا بالفعل في قومه لشرف نفسه ودماثة أخلاقه وكرمه، وكان يتوقع أنهم جميعًا سيجيبونه إلى الإِسلام حينما يدعوهم إليه.
_________________
(١) انظر تفاصيل مقابلة الرسول - ﷺ - لعروة بن مسعود بالحديبية في كتابنا - (صلح الحديبية).
[ ٩ / ٢٠٠ ]
غير أن الرسول - ﷺ - كان قد اختبر نفسيات أولئك المشركين الثقفيين العتاة الغلاظ القلوب مرتين .. مرة عندما لجأ إليهم أيام اشتداد محنته في مكة بعد وفاة عمه أبي طالب، فأساءت إليه ثقيف بدلًا من أن تستضيفه وتكرمه وتخفف من آلامه، بل وأغرت به السفهاء والعبيد حتى طاردوه في شوارع الطائف ورجموه بالحجارة، الأمر الذي اضطره إلى أن يترك الطائف ليعود إلى مكة حيث الكرب واشتداد المحنة .. ومرة حينما حاصرهم بعد أن تراجعت جيوشهم منهزمة من حنين فقاوموه أشد المقاومة وأبدوا من العداوة الشيء الكثير.
ولذلك فإن الرسول - ﷺ - عندما استأذنه السيد عروة بن مسعود ليذهب إلى قومه ثقيف يدعوهم إلى الإِسلام قال له الرسول - ﷺ - عندما أصر على الذهاب إليهم-: أنهم إذن قاتلوك، قالها ثلاثًا، ولكن عروة كرر الاستئذان في الذهاب إليهم (مبديًا ثقته بحب قومه له) قائلًا: يا رسول الله لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم، يا رسول الله لو وجدونى نائمًا ما أيقظوني، فقال له الرسول - ﷺ - (عندئذ): إن شئت فخرج إلى الطائف، وكان الأمر كما حذره رسول الله - ﷺ - فقد قتله قومه أولئك الأشرار وهو يدعوهم إلى الإِسلام.
فلم تمض خمسة أيام حتى وصل عروة الطائف، وعندما وصل سيد ثقيف بلده أنكرت ثقيف عليه أمرًا كانوا يعرفونه منه ومن كل قادم من سفر إلى الطائف (ولم يكونوا قد علموا بإسلامه) وهذا الأمر هو أن يبدأ القادم إلى الطائف من سفر بتقديم فروض العبادة والتقديس لصنمهم الأكبر (اللات) .. ففي هذه المرة تجاهل عروة هذا الصنم لأنه كمسلم موحد -لم يعد مكان في نفسه لهذا الصنم، فقد ذهب من فوره إلى منزله، وبعد أن توافد إليه أعيان قومه لاستطلاع حقيقة أمره، حيوه بتحية الشرك، فأنكرها عليهم، ثم دعاهم إلى الإسلام، وهنا كانت نهايته القتل حيث استشهد وهو يؤذن للصلاة في منزله.
وقد كاد يؤدى قتل عروة بن مسعود إلى حرب أهلية طاحنة بين عشائر ثقيف، فقد تحزبت عشائر عروة واستعدوا للقتال كي يأخذوا بثأره، لولا أنه قبل أن يفارق الحياة تصدق بدمه على قاتله حقنًا للدماء وإطفاء لنيران الحرب
[ ٩ / ٢٠١ ]
الأهلية، فطاب عروة حيًّا وميتًا.
ولنترك الإِمام الواقدي وأشهر من ألفَّ في مغازى رسول - ﷺ - يحدثنا حديث إسلام عروة بن مسعود. قال الواقدي: كان عروة بن مسعود حين حاصر النبي - ﷺ - أهل الطائف بجرش، يتعلّم عمل الدبابات والمنجنيق، ثم رجع إلى الطائف، بعد أن ولى رسول الله - ﷺ -، فعمل الدبابات والعرّادات وأعد ذلك حتى قذف الله ﷿ في قلبه الإِسلام، فقدم المدينة على رسول الله - ﷺ - فأسلم، ثم قال: يا رسول الله إيذن لي فآتى قومى فأدعوهم إلى الإِسلام، فوالله ما رأيت مثل هذا الدين ذهب عنه ذاهب، فأقدم على أصحابي وقومى بخير قادم، وما قدم وافد قط على قومه إلا من قدم بمثل ما قدمت به وقد سبقت يا رسول الله في مواطن كثيرة.
فقال رسول الله - ﷺ -: إنهم إذن قاتلوك، قال رسول الله، لأنا أحب إليهم من أبكار أولادهم، ثم استأذنه الثانية فأعاد عليه الكلام الأول، وقال رسول الله - ﷺ -: إنهم إذن قاتلوك، قال: يا رسول الله، لو وجدونى نائمًا ما أيقظوني، واستأذنه الثالثة، فقال: إن شئت فاخرج، فخرج إلى الطائف، فسار إليها خمسًا، فقدم على قومه عشاء فدخل منزله، فأنكر قومه دخوله منزله قبل أن يأتي الرّبة (١)، ثم قالوا: السفر قد حصره (٢) فجاءوا منزله فحيّوه تحية الشرك، فكان أول ما أنكر عليهم تحية الشرك، فقال: عليكم تحية أهل الجنة. ثم دعاهم إلى الإسلام، وقال يا قوم: أتتهموننى؟ ألستم تعلمون أننى أوسطكم نسبًا، أكثركم مالًا، وأعزكم نفرًا؟ فما حملني على الإِسلام إلا أنى رأيت أمرًا لا يذهب عنه ذاهب، فاقبلوا نصحى، ولا تستعصونى، فوالله ما قدم وافد على قوم بأفضل مما قدمت به عليكم، فأتَّهموه واستغشُّوه، وقالوا: قد واللات وقع في أنفسنا حيث لم تقرب الرّبة ولم تحْلق رأسك عندها إنك قد صبوت فآذوه ونالوا منه، وحلم عليهم، فخرجوا من عنده يأتمرون كيف يصنعون به، حتى إذا طلع الفجر أوفى على غرفة له فأذن بالصلاة، فرماه رجل من رهطه من الأحلاف يقال له: وهب بن جابر -ويقال رماه
_________________
(١) يعني: اللات.
(٢) قال في النهاية: حصره: أي منعه عن مقصده.
[ ٩ / ٢٠٢ ]
أوس بن عوف من بني مالك، وهذا أثبت عندنا- وكان عروة رجلًا من الأحلاف، فأصاب أكحله (١) فلم يرقأ دمه (٢) وحشد قومه في السلاح، وجمع الآخرون وتجايشوا، فلما رأى عروة ما يصنعون قال: لا تقتتلوا فيّ فإني قد تصدقت بدمى على صاحبه ليصلح بذلك بينكم، فهي كرامة أكرمنى الله بها، الشهادة ساقها الله إليّ، أشهد أن محمدًا رسول الله، خبرّني عنكم هذا أنكم تقتلونني، ثم قال لرهطه: ادفنوني مع الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله - ﷺ - قبل أن يرتحل عنكم، قال: فدفنوه معهم، وبلغ رسول الله - ﷺ - قتله فقال: مثل عروة مثل صاحب ياسين، دعا قومه إلى الله ﷿ فقتلوه.
فلما قتل عروة، قال ابنه أبو مليح (٣) بن عروة بن مسعود، وابن أخيه قارب بن الأسود بن مسعود (٤) لأهل الطائف: لا نجامعكم على شيء أبدًا، وقد قتلتم عروة، ثم لحقا برسول الله - ﷺ - فأسلما، فقال لهما رسول الله - ﷺ -: توليَّا من شئتما، قالا نتولى الله ورسوله. قال النبي - ﷺ -: وخالكما أبو سفيان بن حرب، حالفاه. ففعلا، ونزلا على المغيرة بن شعبة، وأقاما بالمدينة حتى قدم وفد ثقيف في رمضان سنة تسع الهجرية (٥).
ثقيف كلها تدخل الإِسلام:
وعقب ارتكاب ثقيف جريمتها النكراء المتمثلة في قتل سيدها المسلم عروة بن مسعود، وبعد أن شعرت وأحست بما يشبه العزلة القاتلة بين العرب، تنبه أحد دهاتها وعقلائها وهو عمرو بن أمية أحد بني علاج (٦). تنبه إلى
_________________
(١) الأكحل (بفتح الحاء): عرق في اليد وهو الشريان.
(٢) رقأ الدم. إذا سكن وانقطع عن الجريان.
(٣) ذكر ابن الأثير ترجمته في أسد الغابة فلم يزد على ما جاء في هذا السياق عن تاريخه.
(٤) هو قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف الثقفي وهو ابن أخي عروة بن مسعود، كان حامل راية الأحلاف من ثقيف يوم حنين ضد المسلمين. كان سيدًا من سادات ثقيف، وروى له رواة الحديث حديث (رحم الله المحققين). لم أر فيما بين يدي من تراجم عن تاريخ وفاته.
(٥) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٢.
(٦) لم أجد له ترجمة فيما بين يدي من مصادر.
[ ٩ / ٢٠٣ ]
ما ستتعرض له ثقيف من أخطار جسيمة قد يكون فيها هلاكها، إذا لم تسارع إلى إعلان إسلامها أسوة بالقبائل المحيطة بها، والتي أصبحت ثقيف (لبقائها على الشرك) بين هذه القبائل في عزلة تامة، تغير عليها هذه القبائل وتحاربها أينما وجدتها بمن في هذه القبائل سيد هوازن وملكها السابق مالك بن عوف النصرى قائد حشد الشرك في حنين ضد المسلمين. والذي أسلم قبل انصراف الرسول - ﷺ - إلى المدينة.
كان عمرو بن أمية هذا مغاضبًا ومهاجرًا لعبد ياليل (١) سيد ثقيف الثاني، ولكنّ عمرو تناسى ما بينه وما بين عبد ياليل، وبعث إليه يطلب الاجتماع به، بغية بحث الوضع الشاذ الذي صارت إليه ثقيف بعد أن انتشر الإِسلام وغمر القبائل المحيطة بثقيف.
وقد أجاب عبد ياليل عمرو بن أمية فاجتمعا، فشرح لعبد ياليل خطورة الوضع الذي آلت إليه ثقيف، وأن الحل الوحيد للمخرج من هذا المأزق الذي فيه ثقيف هو أن تدخل ثقيف في الإِسلام، فوافقه عبد ياليل على هذا الاقتراح، فدعيا إلى اجتماع عام حضره وجوه ثقيف وأعيانها بالطائف، وقد وقف فيهم عمرو بن أمية خطيبًا شارحًا لهم خطورة الوضع الذي عليه ثقيف، فوافقوه على الرأي القائل بأن لا مخرج لثقيف إلا بأن تبعث بوفد منها إلى المدينة ليعلن إسلامها بين يدي الرسول - ﷺ -.
فقد جاء في أمهات التاريخ أن عمرو بن أمية أخو بني علاج، كان مهاجرًا لعبد ياليل بن عمرو، لشئ بينهما، وكان عمرو من أدهى العرب، فمشى إلى عبد ياليل بن عمرو حتى دخل داره، ثم أرسل إليه أن عمرو بن أمية يقول: أخرج إليَّ. قالوا: فقال عبد ياليل للرسول: ويلك، أعمرو أرسلك إليّ؟ قال: نعم وها هو ذا واقف في دارك، وكان عبد ياليل يحب صُلحه،
_________________
(١) هو عبد ياليل بن عمرو بن عمير الثقفى، كان سيدًا من سادات بني مالك من ثقيف، كان رئيس الوفد الذي ذهب إلى المدينة بإسلام ثقيف، قال في أسد الغابة: أرادت ثقيف أن ترسله وحده إلى المدينة فامتنع وخاف أن يفعلوا به ما فعلوا بعروة بن مسعود فأرسلوا معه الخمسة، وهم عثمان بن أبي العاص، وأوس بن عوف، ونمير بن خرشة، والحكم بن عمرو، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة فأسلموا كلهم وحسن إسلامهم وانصرفوا إلى قومهم فأسلموا كلهم.
[ ٩ / ٢٠٤ ]
ويكره أن يمشى إليه، فقال عبد ياليل: إنّ هذا لشئ ما كنت أظنُّه، لعمرو كان أمنع في نفسه من ذلك، وما هو إلا عن أمر قد حدث وكان أمرًا سوءًا، ما لم يكن من ناحية محمد. ثم خرج عبد ياليل إلى عمرو فلما رآه رحّب به، فقال عمرو: قد نزل بنا أمر ليست معه هِجرة إنه قد كان من أمر هذا الرجل (يعني النبي - ﷺ -) ما قد رأيت وقد أسلمت العرب كلهما، وليست لكم بحربهم طاقة، وإنما نحن في حصننا هذا، ما بقاؤنا فيه وهذه أطرافنا تصاب، ولا نأمن من أحد منا يخرج شبرًا واحدًا من حصننا هذا، فانظروا في أمركم.
قال عبد ياليل لعمرو: قد والله رأيت ما رأيت، فما استطعت أن أتقدم بالذي تقدمت به، وإن الحزم والرأى الذي في يديك.
قالوا: فدعا زعماء ثقيف إلى مؤتمر عام حضره عامة الثقفيين، فائتمروا فيما بينهم، وقال بعضهم لبعض: ألا ترون أنه لا يأمن لكم سرب (١)،
ولا يخرج منكم أحد إلا اقتطع، فائتمروا بينهم وتم الاتفاق على أن يدخلوا في الإسلام (٢).
وعلى أثر الاتفاق على أن لا نجاة ولا مخرج لثقيف من المأزق التي هي فيه، إلا بالإسلام، قررت ثقيف أن تبعث إلى النبي - ﷺ - برسول خاص ليفاوضه بشأن دخولها في الإِسلام، فرشحوا لذلك عبد ياليل بن عمرو، وهو يومئذ في منزلة عروة بن مسعود وفي مثل سنه.
وعبد ياليل هذا هو الذي أساء إلى الرسول - ﷺ - أبلغ الإِساءة عندما جاء - ﷺ - ملتجئًا إلى ثقيف عندما اشتد عليه أذى قريش بعد وفاة زوجه خديجة وعمه أبي طالب.
وقد اعتذر عبد ياليل لثقيف أن يكون رسولها إلى النبي - ﷺ -، ولم يكن اعتذاره عن خوف من أن ينتقم منه النبي - ﷺ - لإِساءته تلك .. كلا، فهو يعرف وكل العرب والعجم تعرف أن النبي - ﷺ - لا ينتقم لنفسه من أحد، فمن أخلاقه - ﷺ - أن يقابل الإِساءة بالإِحسان، ولكن اعتذار عبد ياليل لقومه
_________________
(١) السرب (بكسر السين): المسلك.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٣ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٣ - ٩٦٤.
[ ٩ / ٢٠٥ ]
ثقيف عن القيام بمهمة القيام بإبلاغ الرسول - ﷺ - إسلام ثقيف، هو أنّ عبد ياليل يعرف شراسة قومه ثقيف وجرأتهم على سفك الدماء وتقلبهم، فقد رأى العبرة في أحب الناس إلى ثقيف (عروة بن مسعود) حيث قتلوه بمجرّد أن دعاهم إلى الإِسلام، فهو إذن يخشى أن يكون مصيره مصير عروة بن مسعود إن هو قبل المهمة منفردًا حيث من المحتمل جدًّا أن يقتلوه إن هو عاد من المدينة يدعوهم إلى الإِسلام، لذلك اعتذر عن أن يكون رسول ثقيف إلى النبي - ﷺ -، غير أن عبد ياليل- لما رأى إلحاح قومه عليه لكى يكون مبعوثهم إلى النبي - ﷺ - وافق ولكن بشرط أن يبعثوا معه من كل فخيذة من ثقيف رجلًا.
فوافقت كل القبائل الثقفية على اقتراح السيد عبد ياليل بن عمرو.
فبعث كلّ من القبيلتين الرئيسيتين في ثقيف (وهما الأحلاف وبنو مالك) بعث كل منهما بصحبة عبد ياليل ممثل عنه في وفد إلى المدينة مكوّن من ثلاثة من الأحلاف، وثلاثة من بني مالك على أن يكون رئيسهم عبد ياليل بن عمرو (وهو من بني مالك).
وكان هدف عبد ياليل من اشتراك كل عشائر ثقيف ممثلة في جناحيها الرئيسين (الأحلاف وبنى مالك) في الوفد الذاهب إلى المدينة، واضحًا، وهو أن يكف كل رجل في الوفد رهطه عن عبد ياليل إذا ما أرادوا به سوءًا عندما يعود من المدينة إلى الطائف وقد بايع النبي - ﷺ - على الإسلام نيابة عنهم.
وهكذا تقرر أن تبعث ثقيف وفدها برئاسة عبد ياليل، الذي يسمون (لشدة شكيمته) ناب القوم، وقد غادر الوفد الطائف قاصدًا المدينة في أواخر السنة التاسعة للهجرة، فوصل الوفد إلى المدينة، وقابل الرسول - ﷺ - وأبلغه رغبة ثقيف في الدخول في الإِسلام، فرحب بهم الرسول - ﷺ - وعم المسلمين الفرح لدخول ثقيف في الإِسلام، لأن ثقيفًا قبيلة عظيمة ذات قوة وشوكة، وكانت آخر قوة مسلحة في جزيرة العرب، يمكنها مصادمة المسلمين وبدخول ثقيف في الإسلام لم يبق للشرك والوثنية أي أثر في منطقة الحجاز كلها.
قال الواقدي وابن إسحاق: وأجعت ثقيف أن ترسل إلى المدينة رجلًا،
[ ٩ / ٢٠٦ ]
كما أرسلوا عروة، فكلموا عبد ياليل بن عمرو بن عمير، وكان في سن عروة بن مسعود وعرضوا ذلك عليه فأبى أن يفعل، وخشى إن رجع إلى قومه مسلمًا أن يصنع به إذا رجع من عند النبي - ﷺ - ما صنع بعروة، فقال: لست فاعلًا حتى ترسلوا معى رجالًا فأجمعوا أن يبعثوا معه رجلين من الأحلاف وثلاثة من بني مالك فيكونوا ستة.
فبعثوا مع عبد ياليل، الحكم بن عمرو بن وهب بن معتَّب (١)، وشرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتّب (٢)، وهؤلاء رهط عروة. وبعثوا في بني مالك: عثمان بن أبي العاص (٣)، وأوس بن عوف (٤) ونمير بن
_________________
(١) قال في أسد الغابة في معرفة الصحابة: (الحكم بن عمرو بن معتب الثقفى، كان أحد الوفد الذين قدموا مع عبد ياليل بإسلام ثقيف، وهو من الأحلاف، أخرجه أبو عمر مختصرًا، قلت ثقيف قبيلتان، الأحلاف وبنو مالك، فالأحلاف، ولد عوف بن ثقيف وهذا منهم، فإن معتبًا هو ابن مالك بن كعب بن عمرو بن سعد بن عرف بن ثقيف.
(٢) قال المختصون في تراجم الصحابة: هو شرحبيل بن غيلان بن سلمة بن معتب بن مالك بن عمرو بن سعد بن عوف بن ثقيف، أسلم وحسن إسلامه، نزل الطائف، وكان من رواة الحديث، روى عن النبي - ﷺ - في الاستغفار: بين كل سجدتين من صلاته، كان أحد الرجال الخمسة الذين بعثهم ثقيف بإسلامهم مع عبد ياليل، له ولأبيه صحبه، ذكره ابن شاهين وقال: مات سنة ستين، أخرجه ابن عبد البر وأبو موسى.
(٣) هو عثمان بن أبي العاص بن بشر بن دهمان، بن عبد الله بن همام بن أبان بن سمار بن مالك بن حطيط بن خيثم بن ثقيف، يكنى أبو عبد الله. استعمله رسول الله - ﷺ - على الطائف، قال في أسد الغابة: لم يزل عثمان على الطائف حياة رسول الله - ﷺ - وخلافة أبي بكر وسنتين من خلافة عمر، واستعمله عمر سنة خمس عشرة على عثمان والبحرين، فسار إلي عمان، ووجه أخاه الحكم إلي البحرين وسار هو إلي توج فافتتحها ومصرها وقتل ملكها شهرك سنة إحدى وعشرين، كان عثمان كثير الجهاد في سبيل الله فقد كان يغزو صيفًا. ويشتو بتوج، وكان له في الطائف موقف مشرف. فبعد موت النبي - ﷺ - حيث اضطربت جزيرة العرب بالردة، وقف عثمان بن أبي العاص موقفًا شديدًا من أهل الريبة، ومنع أهل الطائف من الردة، وكان سيدًا شريفًا مطاعًا فانصناعوا له، فلم تحدث أية ردة في الطائف، كان من مشاهير الصحابة الذين روى عنه أصحاب السنن الحديث عن رسول الله - ﷺ -، روى عنه من أهل المدينة، وأهل البصرة، وممن روى عنه الإمام الحسن البصري، كان عثمان قد سكن البصرة.
(٤) قال ابن الأثير في أسد الغابة: إسمه أوس بن حذيفة، لا أوس بن عوف، وهو من بني مالك، وقال ابن سعد في طبقاته الكبرى: كان أوس بن حذيفة المذكور ممن استوطن الطائف، وكان في وفد ثقيف، روى الحديث عن النبي - ﷺ - انظر ترجمته مطولة في أسد الغابة ج ١ ص ١٤٣ - ١٤٤.
[ ٩ / ٢٠٧ ]
خرشة (١) ستة. ويقال: إن الوفد كانوا بضعة عشر رجلًا، فيهم سفيان بن عبد الله (٢).
قالوا: فخرج بهم عبد ياليل وهو رأسهم وصاحب أمرهم، ولكنه أحب أن يسهل كل رجل رهطه (٣).
اتجه وفد ثقيف صوب الشمال الغربي قاصدًا المدينة المنورة، ليحمل إلى الرسول - ﷺ - القرار الذي توصل إليه سادات ثقيف والمتضمن خروج ثقيف من الشرك ودخولها في الإِسلام، وكان ذلك من أعلام النبوّة، فقبل ما يقرب من سنة- وعندما كان النبي - ﷺ - يفك الحصار عن حصن ثقيف بالطائف بعد معركة حنين الفاصلة- سأل بعض الصحابة الرسول - ﷺ - أن يدعو على ثقيف بالهلاك، فأبى سيد الرحماء، ودعا لهم بدلًا من أن يدعو عليهم. فقال: اللهم اهد ثقيفا وأت بهم.
وهاهى ثقيف تأتى إلى المدينة (ممثلة في وفدها الكبير) طائعة مختارة برئاسة رجل كان من أشرس الناس وأشدهم عداوة للنبي - ﷺ - وسخرية به وبدينه الحق (عبد ياليل بن عمرو) الذي قال للرسول - ﷺ - في أول الإِسلام عندما لجأ إلى ثقيف يطلب نصرتها على مشركى مكة- قال له مستهزئا: (وهو يمرط (٤) ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك)، وقال له أخوه مسعود بن عمرو: (أما وجد الله أحدًا يرسله غيرك؟)، وقال أخوه الثاني حبيب بن عمرو: (والله لا أكلمك أبدًا، لئن كنت رسولًا من الله كما تقول، لأنت
_________________
(١) قال ابن الأثير: هو نمير بن خرشة بن ربيعة الثقفى، حليف لهم من بلحارث بن كعب، وروى عنه أنه قال أدركنا رسول الله - ﷺ - بالجحفة فاستبشر الناس بقدومنا.
(٢) هو سفيان بن عبد الله بن أبي ربيعة بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف، كان من ثقات الصحابة الذين يعتمد عليهم عمر بن الخطاب، ولاه عمر بن الخطاب إمارة الطائف بعد نقل عثمان بن أبي العاص إلى البحرين، روى عنه الحديث عن رسول الله - ﷺ - خلق كثير منهم ابنه عبد الله، وعروة بن الزبير، ومحمد بن عبد الله بن ماعز، ونافع بن جبير، وسفيان بن عبد الله وعنه روى عروة بن الزبير الحديث التربوى العظيم المشهور الذي قال فيه سفيان: قلت يا رسول الله قل لي قولًا في الإسلام لا أسأل عنه أحدًا بعدك. قال: قل آمنت بالله ﷿ ثم وجل ثم استقم.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٤ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٣.
(٤) يمرطه: ينزعه فيرمى به.
[ ٩ / ٢٠٨ ]
أعظم خطرًا من أن أرد عليك الكلام، ولئن كنت تكذب على الله ما ينبغي لي أن أكلمك (١».
استمر عبد ياليل وأعضاء وفده في تحركهم من الطائف نحو المدينة دون أن يعلم بهم أحد من المسلمين حتى وصلوا ضواحي المدينة وفي وادي قناة (٢) على وجه التحديد، فكان أول من تعرَّف عليهم (وأدرك أنهم جاءوا ليعلنوا إسلام ثقيف) أحد أبناء الأحلاف من ثقيف، وهو المغيرة بن شعبة الذي كان من أصحاب النبي - ﷺ - السابقين في الإسلام.
فقد عرف المغيرة رجال الوفد وأثبتهم واحدًا واحدًا لأنهم كلهم أبناء بلده، وقد عايشهم أكثر عمره بالطائف، وعندما عرفهم المغيرة وعلم أنهم جاءوا لإعلان إسلام ثقيف، ترك الوادي (الذي كان فيه يرعى إبلًا للرسول - ﷺ -) وصار يعدو على رجليه بأقصى سرعة ليبشر الرسول - ﷺ - بقدوم هذا الوفد، لأن المسلمين (وعلى رأسهم النبي - ﷺ -) يدركون أن إسلام ثقيف له ما بعده، مما يعود على الإِسلام والمسلمين بأعظم المكاسب، إذ يعني ذلك تنظيف آخر جيب من جيوب المقاومة الوثنية الخطيرة التي تشغل بال المسلمين، حيث لم تبق قوة وثنية مسلحة تحتاج إلى تجريد الجيوش، سوى ثقيف ذات العدد والعدة، والتاريخ الحربى يثبت هذه الحقيقة، فقد رأينا في أواخر السنة الثامنة الهجرية كيف ضرب إثنا عشر ألفًا من المسلمين بقيادة النبي - ﷺ - الحصار على حصون ثقيف فعجزت كل هذه القوات الكثيفة القوية عن فتح بلادهم.
لقد دلت تصرفات كبار الصحابة، حين علموا بقدوم وفد ثقيف ليعلن الإسلام، دلت على أن إسلام ثقيف حدث هام عظيم بدليل أنهم كانوا يتبارون في أيهم الأول يبشر الرسول - ﷺ - بقدوم وفد ثقيف.
فقد ذكر أصحاب المغازي والسير أن وفد ثقيف لما دنا من المدينة ونزل وادي قناة لقوا بها المغيرة بن شعبة يرعى في نوبته ركاب رسول الله - ﷺ - وكانت
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٢ ص ٦١.
(٢) وادي قناة .. وادي مشهور يمر شمال المدينة بسفوح جبل أحد من الشرق إلى الغرب، وفيه دارت معركة أحد الشهيرة.
[ ٩ / ٢٠٩ ]
نوبًا على أصحابه، فلما رآهم المغيرة ترك الركاب وضبر (١) يشتد ليبشر رسول الله - ﷺ - بقدومهم، حتى انتهى إلى باب المسجد، فلقى أبا بكر الصديق فأخبره خبر قومه، فقال المغيرة: أقسمت عليك بالله لا تسبقنى إلى رسول الله - ﷺ - بخبرهم حتى أكون أنا أخبره -وكان رسول الله - ﷺ - قد ذكرهم ببعض الذكر- فأبشّره بمقدمهم، فدخل أبو بكر على النبي - ﷺ - فأخبره والمغيرة على الباب، ثم خرج أبو بكر إلى المغيرة فدخل المغيرة على النبي - ﷺ - وهو مسرور (٢).
أما المغيرة بن شعبة، فقد غمره الفرح والسرور مجئ قومه للاهتداء بهدى الإِسلام، فعاد إليهم حيث خيموا بوادى قناة فرحب بهم وأعانهم في ترويح إبلهم وأخذ في تهذيبهم والترويض من طباعهم النافرة الجافة الشرسة، حيث كانوا أعرابًا أجلافًا لا يعرفون من تعاليم الإسلام وآدابه شيئًا، فعلَّمهم كيف يحيون الرسول - ﷺ -.
الشروط السخيفة التي اشترطتها ثقيف لإسلامها:
غير أن جذور الجاهلية المتأصلة في نفوس الوفد الثقفى جعلت رجال هذا الوفد -وهم يفاوضون النبي - ﷺ - يشترطون لدخولهم في الإسلام شروطًا تناقض أصول هذا الدين، وقد رفض الرسول - ﷺ - هذه الشروط، إلا أنه بحكمته وحلمه وأناته وصبره، تغلِّب على كل الصعاب في المفاوضات التي استغرقت وقتًا غير قصير بينه وبين وفد ثقيف، حتى دخلوا في الإسلام وتخلوا عن تلك الشروط السخيفة.
ظلت رواسب الجاهلية (رغم توجيه المغيرة بن شعبة) ذات تأثير على عقول رجال وفد ثقيف فبدلًا من أن يحيّوا الرسول - ﷺ - بتحية الإسلام التي علمهم إياها المغيرة بن شعبة، حيوه بتحية الجاهلية وهي (عم صباحًا)، كما أن وفد ثقيف في المرحلة الأولى من المفاوضة، لم يتصل بالنبي - ﷺ - مباشرة كما كانت تفعل الوفود الوافدة إلى المدينة لإعلان إسلام عشائرهم، بل لجأ الوفد
_________________
(١) ضبر: أي وثب.
(٢) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٤ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩٨ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٤.
[ ٩ / ٢١٠ ]
الثقفي في مفاوضاته مع الرسول - ﷺ - أول الأمر إلى واسطة بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، وكان هذا الواسطة، هو خالد بن سعيد بن العاص (١) الذي كان ينقل من وادي قناة (حيث يخيم الوفد الثقفى) إلى رسول الله - ﷺ - آراء ومقترحات وشروط وفد ثقيف، ويعود إليهم بجواب رسول الله - ﷺ - عليها.
كان وفد ثقيف ضيفًا على النبي - ﷺ - رغم أن رجال هذا الوفد لم يعلنوا إسلامهم صراحة إلا بعد مفاوضات طويلة وشاقة.
فكان الطعام - بأمر من رسول الله - ﷺ - ينقل من المدينة إلى رجال الوفد في وادي قناة شمالي المدينة، ولكن هؤلاء الثقفيين (لما نشأوا عليه من جلافة الأعراب، ولما ترسب في نفوسهم من رواسب وثنية، لم يمحها غير الإسلام حينما دخلوا فيه) كان الشك ينتابهم حيال الرسول - ﷺ - وأصحابه، فكانوا لهذه الوساوس، لا يأكلون من الطعام الذي يبعث به إليهم النبي - ﷺ - حتى يأكل منه الصحابي الوسيط، خالد بن سعيد بن العاص.
أما خلاصة الشروط السخيفة المناقضة لأصول الإسلام والتي اشترطتها ثقيف والمطالب التي تقدمت بها إلى النبي - ﷺ - فهي:
_________________
(١) هو خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف .. يكنى أبو سعيد، أمه من ثقيف. كان خالد من السابقين الأولين في الإِسلام، أسلم بعد أبي بكر الصديق، فكان ثالثًا أو رابعًا، وقال ضمرة بن أبي ربيعة: كان إسلام خالد مع إسلام أبي بكر، وقالت أم خالد بنت خالد بن سعيد بن العاص، كان أبي خامسًا في الإِسلام. قك: من تقدمه. قالت: علي بن أبي طالب وأبو بكر وزيد بن حارثة وسعد بن أبي وقاص ﵁، وكان سبب إسلامه، أنه رأى في النوم أنه وقف على شفير النار، فذكر من سعتها ما الله أعلم به وكان أباه يدفعه فيها ورأى رسول الله - ﷺ - آخذًا بحقويه لا يقع فيها، ففزع وقال: أحلف إنها لرؤيا حق، ولقى أبا بكر فذكر ذلك له. فقال له أبو بكر: أريد بك خيرًا، هذا رسول الله - ﷺ - فاتبعه فإنك ستتبعه في الإِسلام الذي يحجزك من أن تقع في النار وأبوك واقع فيها، فلقى رسول الله - ﷺ - وهو بأجياد. فقال: يا محمد إلى من تدعو؟ قال: أدعوا إلى الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله وتخلع ما أنت عليه من عبادة حجر لا يسمع ولا يبصر ولا يضر ولا ينفع ولا يدرى من عبده ممن لم يعبده. قال خالد: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أنك رسول الله، فسر رسول الله - ﷺ - بإسلامه، هاجر خالد بن سعيد الهجرتين، كان خالد بن سعيد من عمال رسول الله - ﷺ - ومات الرسول - ﷺ - وخالد أمير له على اليمن وكان خالد أول قائد يقتحم بجيشه الشام مجاهدًا في خلافة أبي بكر الصديق، وقد نكب جيشه وتراجع بعد أن أوقعه الرومان قرب دمشق في شبه كماشة، استشهد خالد بن سعيد في معركة أجنادين في خلافة عمر بن الخطاب على أصح الأقوال، وقيل استشهد في معركة مرج الصفر وهو يقود المعركة الأولى ضد الرومان بالقرب من دمشق.
[ ٩ / ٢١١ ]
١ - إباحة الزنا لهم.
٢ - السماح لهم بالتعامل بالربا.
٣ - السماح لهم بتعاطى الخمر.
٤ - إسقاط الصلاة عنهم.
٥ - تأخير هدم صنمهم اللات لمدة ثلاث سنوات.
هذه هي المطالب والشروط السخيفة التي تقدم بها الوفد الثقفى إلى النبي - ﷺ - لدخولهم في الإِسلام، ولكنّ النبي - ﷺ - رفض (جملة وتفصيلًا) كل هذه الشروط والمطالب، لأنها كلها تناقض أصول الإِسلام. ثم ما زال رسول الله - ﷺ - يقدم الحجج والبراهين لرجال الوفد على أن الإِنسان لا يكون مسلمًا ما لم يتبّع تعاليم الإِسلام كلها حتى اقتنعوا وسلموا وأسلموا.
وقد ذكر أصحاب المغازي والسير، كل بسنده وأسلوبه، ذكر القصة المطوّلة للمفاوضات التي جرت بين الوفد الثقفى وبين الرسول - ﷺ - فقالوا:
دخل المغيرة بن شعبة على رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله - ﷺ -، قدم قومى يريدون الدخول في الإِسلام بأن تشرط لهم شروطًا ويكتبون كتابًا على من وراءهم من قومهم وبلادهم. فقال رسول الله - ﷺ -: لا يسألون شرطًا ولا كتابًا أعطيته أحدًا من الناس إلّا أعطيتهم فبشرهم، فخرج المغيرة راجعًا فخبّرهم ما قال لهم رسول الله - ﷺ -، وبشّرهم وعلمهم كيف يحيّون رسول الله - ﷺ -، فكل ما أمرهم به المغيرة فعلوا، إلا التحية فإنهم قالوا: أنعم صباحًا، ودخلوا المسجد. فقال الناس: يا رسول الله - ﷺ -، يدخلون المسجد وهم مشركون؟ فقال رسول الله - ﷺ - إنّ الأرض لا ينجّسها شيء.
وأنزل المغيرة ثقيفًا في داره بالبقيع، وهي خطة خطّها رسول الله - ﷺ - فأمر النبي - ﷺ - بخيمات ثلاث من جريد فضربت في المسجد، فكان خالد بن سعيد بن العاص هو الذي يمشى بينهم وبين رسول الله - ﷺ -، حتى كتبوا كتابهم، وكان خالد هو الذي كتب كتابهم بيده، وكانوا لا يطعمون طعامًا يأتيهم من عند رسول الله - ﷺ - حتى يأكل منه خالد، حتى أسلموا وفرغوا من كتابهم.
[ ٩ / ٢١٢ ]
وكانوا (وهم في المسجد قبل أن يسلموا) يسمعون القراءة بالليل وتهجّد أصحاب النبي - ﷺ - ويتوضأون وينظرون إلى الصفوف في الصلاة المكتوبة، ويرجعون إلى منزل المغيرة فيطعمون ويتوضَّأون، ويكونون فيه ما أرادوا، وهم يختلفون إلى المسجد. وكان رسول الله - ﷺ - يجرى لهم الضيافة فِي دار المغيرة، وكانوا يسمعون خطبة النبي - ﷺ -، فقالوا: أمرنا بالتشهد أنه رسول الله ولا يشهد به في خطبته، فلما بلغ رسول الله - ﷺ - قولهم قال: أنا أول من شهد أنى رسول الله، ثم قام فخطب وشهد أنه رسول الله في خطبته، فمكثوا على هذا أيامًا، يغدون على النبي - ﷺ - كل يوم يخلفون عثمان بن أبي العاص على رحالهم، وكان أصغرهم، فكان إذا رجعوا إليه وناموا بالهاجرة خرج فعمد إلى النبي - ﷺ - فسأله عن الدين واستقرأه القرآن، وأسلم سرًّا من أصحابه فاختلف إلى النبي - ﷺ - مرارًا حتى فقه، وسمع القرآن، وقرأ من القرآن سورًا على رسول الله - ﷺ -، فإذا وجد رسول الله - ﷺ - نائمًا عمد إلى أبي بكر ﵁ فسأله واستقرأه -ويقال: إذا وجد النبي - ﷺ - نائمًا جاء أبي بن كعب فاستقرأه- فبايع النبي - ﷺ - على الإِسلام قبل الوفد وقبل القضية، وكتم ذلك عثمان من أصحابه، وأعجب النبي - ﷺ - به وأحبه.
فمكث الوفد أيامًا يختلفون إلى النبي - ﷺ - والنبي يدعوهم إلى الإِسلام، فقال عبد ياليل: هل أنت مقاضينا حتى نرجع إلى أهلنا وقومنا؟ فقال رسول الله - ﷺ -: نعم إن أنتم أقررتم بالإسلام قاضيتكم، وإلا فلا قضية ولا صلح بيني وبينكم، قال عبد ياليل: أرأيت الزنا؟ فإنا قوم عزَّاب بغرب (أي ببعد)، لا بد لنا منه، ولا يصبر أحدنا على العزبة.
قال: هو مما حرّم الله على المسلمين، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا﴾ (١)
قال: أرأيت الربا؟ .
قال: الربا حرام.
قال: فإن أموالنا كلها ربا.
قال: لكم رؤوس أموالكم، يقول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا
_________________
(١) سورة الإسراء ٣٢.
[ ٩ / ٢١٣ ]
بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ (١).
قال: أفرأيت الخمر؟ فإنها عصير أعنابنا، لا بد لنا منها.
قال: فإنَّ الله قد حرمها، ثم تلا رسول الله - ﷺ - هذه الآية: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ﴾ الآية.
قال أصحاب المغازي والسير: فارتفع القوم وخلا بعضهم ببعض، فقال عبد ياليل: ويحكم، نرجع إلى قومنا بتحريم هذه الخصال الثلاث، والله لا تصبر ثقيف عن الخمر أبدًا، ولا عن الزنا أبدًا، وكان في الوفد رجل ذا عقل وبصيرة هو سفيان بن عبد الله. فقال لعبد ياليل: أيها الرجل، إن يرد الله بها (أي ثقيفًا) خيرًا تصبر عنها، قد كان هؤلاء الذين معه على مثل هذا فصبروا وتركوا ما كانوا عليه، مع أنا نخاف هذا الرجل، قد أوطأ الأرض غلبة ونحن في حصن في ناحية من الأرض، والإسلام حولنا فاش، والله لو قام على حصننا شهرًا لمتنا جوعًا، وما أرى إلا الإسلام، وأنا أخاف يومًا مثل يوم مكة.
ثم قالوا للرسول - ﷺ -: أرأيت الربّة (يعني اللات) ما ترى فيها؟ .
قال: هدمها.
قالوا: هيهات، لو تعلم الربَّة أنا أوضعنا في هدمها قتلت أهلنا.
قال عمر بن الخطاب: ويحك يا عبد ياليل إن الربَّة حجر لا يدرى من عبده ممن لا يعبده.
قال عبد ياليل: إنا لم نأْتك يا عمر فأسلموا (٢).
وهكذا فشل الوفد الثقفى في الحصول على أية امتيازات تسقط عن ثقيف بعض التكاليف كالصلاة أو تبيح لهم بعض المحرمات في الإِسلام كالربا والزنا والخمر، وذلك بعد أن رفض الرسول - ﷺ - كل هذه المطالب بصراحة، وأبلغ الوفد الثقفى أن الإسلام بكل تكاليفه وأوامره ونواهيه كل لا يمكن تجزئته بأخذ
_________________
(١) سورة البقرة ٢٧٨.
(٢) انظر تفاصيل إسلام ثقيف في سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٢ - ١٨٣ - ١٨٤ ومغازى الواقدي ج ٣ ص ٩٦٢ - ٩٦٣ - ٩٦٤ - ٩٦٥ - ٩٦٦ - ٩٦٧ - ٩٦٨ وتاريخ الطبري ج ٣ ص ٩٧ - ٩٨ - ٩٩ وطبقات ابن سعد ج ٣ ص ٣١٣ - ٣١٤ والبداية والنهاية ج ٥ ص ٩٦٨ والكامل في التاريخ ج ٢ ص ١٩٣ - ١٩٤.
[ ٩ / ٢١٤ ]
بعضه وترك بعضه.
بعد هذه المفاوضات والمراجعات الطويلة، وبعد تداول أعضاء الوفد الثقفى فيما بينهم الرأي استصوبوا رأى سفيان بن عبد الله، تغلب وازع العقل على نداء العاطفة فدخلت ثقيف في الإِسلام دونما قيد أو شرط، إلا أن الرسول - ﷺ - قبل أن يُعفى ثقيفًا من تحطيم صنمها اللات وبقية أصنامها بأيديها.
قال الواقدي: وكمل الصلح، وكتب ذلك خالد بن سعيد فلما كمل الصلح، كلموا النبي - ﷺ - يدع الربَّة ثلاث سنين لا يهدمها، فأبى، قالوا: سنتين، فأبى. قالوا: سنة، فأبى. قالوا: شهرًا واحدًا، فأبى أن يوقِّت لهم وقتًا. وإنما يريدون بترك الربَّة لما يخافون من سفهائهم والنساء والصبيان، وكرهوا أن يروعوا قومهم بهدمها، فسألوا النبي - ﷺ - أن يعفيهم من هدمها. قال رسول الله - ﷺ -: نعم أنا أبعث أبا سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة يهدمانها، واستعفوا رسول الله - ﷺ - أن يكسروا أصنامهم بأيديهم، وقال: أنا أمر أصحابي أن يكسروها.
وسألوا رسول الله - ﷺ - أن يعفيهممن الصلاة.
فقال - ﷺ -: لا خير في دين لا صلاة فيه.
فقالوا: يا محمد أما الصلاة فسنصلى، وأما الصيام فسنصوم. وتعلموا فرائض الإِسلام وشرائعه، وأمرهم رسول الله - ﷺ - أن يصوموا ما بقى من الشهر، وكان بلال يأتيهم بفطرهم، ويخيَّل إليهم أن الشمس لم تغب، فيقولون: ما هذا من رسول الله - ﷺ - إلا استبار لنا، ينظر كيف إسلامنا. فيقولون: يا بلال ما غابت الشمس بعد، فيقول بلال: ما جئتكم حتى أفطر رسول الله - ﷺ -، فكان الوفد يحفظون هذا عن رسول الله - ﷺ - من تعجيل فطره. وكان بلال يأتيهم بسحورهم قال: فأسترهم من الفجر (١).
هكذا أسلمت ثقيف، وبدخولها في الإِسلام لم تتبق في جزيرة العرب قوة ذات شأن تناوي الإسلام. وبعد إسلام ثقيف أخذت الوفود من جميع أنحاء
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٨.
[ ٩ / ٢١٥ ]
الجزيرة العربية يفدون إلى المدينة لدخول من تبقى من قبائل العرب في الإسلام.
أمير ثقيف منهم:
وبعد أن أشرقت قلوب وفد ثقيف بالإسلام وهم في المدينة، وأصبحوا ضمن الأسرة الإسلامية الكبرى. طلبوا من الرسول - ﷺ - أن يعيّن لهم أميرًا يرجعون إليه في الإدارة والحكم ببلادهم ويتولى إرشادهم ويؤمّهم في الصلاة.
فقالوا: يا رسول الله أمِّر علينا رجلًا يؤمُّنا، ولما كان التَفَقُّه في الدين مع الكفاءة في العمل، هو المقياس عند الإِسلام لتولى الأمر فقد اختار الرسول - ﷺ - لثقيف أميرًا عليها في بلادها كلها عثمان بن أبي العاص، ولم يمنع الرسول من أن يؤمّر على ثقيف عثمان هذا كونه أصغر رجال الوفد سنًّا، فقد اختاره الرسول - ﷺ - من بينهم أميرًا لما رأى من حرصه على الإسلام، وحرصه على تعلم القرآن ولكونه كان أسبق رجال الوفد إلى الدخول في الإِسلام.
فقد عينَه الرسول - ﷺ - أميرًا على الطائف كلها، وبعد أن عينَه أميرًا زوده بوصايا نبوية سامية، قال عثمان: وكان آخر عهد عهده إليَّ رسول الله - ﷺ - أن اتخَذ مؤذنًا لا يأخذ على أذانه أجرًا، وإذا أممت قومًا، فأقدرهم (١) بأضعفهم، وإذا صليت لنفسك فأنت وذاك (٢).
وكان أبو بكر الصديق قد أثنى على عثمان بن أبي العاص فقال: يا رسول الله إني قد رأيت هذا الغلام منهم من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن (٣).
وفي رواية أخرى أن عثمان بن أبي العاص قال: كان آخر ما عهد إليَّ رسول الله - ﷺ - حين بعثنى على ثقيف أن قال: يا عثمان تجاوز في الصلاة، وأقدر الناس بأضعافهم، فإن فيهم الكبير والصغير والضعيف وذا الحاجة (٤).
_________________
(١) أقدرهم (بضم القاف وسكون الدال) أي قدر ظروف الضعيف فيهم بحيث لا تطيل في صلاتك إلى درجة ثشق علي الضعيف بل اجعلها في حدود طاقته من حيث المدة.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٩ وسيرة هشام ج ٤ ص ١٨٦.
(٣) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٥.
(٤) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٦.
[ ٩ / ٢١٦ ]
وبعد أن تمت كل الإِجراءات الخاصة باعتناق ثقيف الإِسلام، كتب الرسول - ﷺ - بينه وبينهم كتابهم وعيَّن أميرهم، غادروا المدينة قاصدين بلادهم الطائف ليعلموا قومهم بنتيجة محادثتهم ويدعونهم إلى الدخول في الإِسلام.
وقد لاقى رجال الوفد الثقفى من قومهم في الطائف بعض المتاعب وشيئًا من المقاومة فلم يتقبلوا الإِسلام بسهولة، ولكن رجال الوفد اطمأنوا من نفارهم ولا ينوهم وروّضوهم حتى تم التغلب على كل المتاعب، ودخل الثقفيون في الإِسلام جميعهم.
هدم الطاغية اللات وما صاحبه من متاعب:
كان إسلام ثقيف في السنة التاسعة الهجرية آخر مسمار دق في نعش الوثنية في منطقة الحجاز وغربى نجد حيث تسكن قبائل هوازن العظيمة والكثيرة العدد. حيث لم يعد للوثنية أي وجود في هذه المناطق.
لقد كان يومًا مشهودًا ذلك اليوم الذي تحطم فيه صنم ثقيف (اللات) وهو صنم قد اتخذته ثقيف إلهًا من دون الله ليقرِّبها إلى الله زلفى.
وقد جاء ذكر هذا الصنم في كتاب الله العزيز، فقال تعالى ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠) أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢) إِنْ هِيَ إلا أَسْمَاءٌ سَمَّيتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى﴾ (١).
تاريخ اللات ومن هو
ومن الجدير بالذكر أن اللات هو اسم رجل صالح، كان منذ القدم -قد أتخذ له مكانا طريق الحاج يطعم فيه المحتاجين من الحجاج عندما يمرون به، وكان يلتُّ لهم السويق (أي يعجنه) بنفسه، ويطعمهم تقربًا إلى الله تعالى، ولهذا أطلق عليه لقب (اللات) نسبة إلى قيامه بلت العجين.
كان اللات يفعل المعروف هذا والناس على الحنفية دين إبراهيم - ﵇ -، فلما مات هذا الرجل الصالح (اللات) اتخذ قومه على قبره مشهدا فصاروا
_________________
(١) سورة النجم آية ٢٣.
[ ٩ / ٢١٧ ]
يختلفون إليه للتكريم والتبرك، وبمرور الزمن وتكاثف الجهل وتفلّت الناس من الحنفية دين إبراهيم - ﵇ - تحوَّل اللات إلى صنم يُعْبَد من دون الله (١) بالدعاء والطواف والتقديس والذبح والنذر، لا بالاعتقاد أن اللات يخلق أو يرزق أو يحيى أو يميت، وإنما بالاعتقاد أنه لقربه من الله (بزعمهم) يتوسط لهم عند الله على أساس قاعدتهم التي أشار إليها القرآن ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ (٢).
ولقد روى الإِمام ابن جرير الطبري بسنده عن سفيان عن منصور عن مجاهد: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾ قال: كان يلتُّ لهم السويق (٣) فمات فعكفوا على قبره، وكذا قال أبو الجوزاء عن ابن عباس: (كان يلت السويق للحجاج) وعن سعيد بن منصور: (فيطعم من يمر من الناس فلما مات عبدوه، وقالوا: هو اللات) (٤).
كان اللات أكبر الأوثان عند العرب (٥). وقال الإمام هشام الكلبى في كتابه (الأصنام): واللات بالطائف، هو أحدث من مناة، وكان صخرة مربعة، وكان يهودى يَلتُّ عندها السويق، وكانت سدنتها من ثقيف بنو عتّاب بن مالك، وكانوا قد بنوا عليها بناءً وكانت قريش وجميع العرب تعظِّمها، وبها كانت العرب تسمّى (زيد اللات وتيم اللات)، وكانت في موضع منارة مسجد الطائف اليسرى اليوم (أي في عهد الكلبى)، وهو الذي ذكره الله في القرآن فقال: ﴿أَفَرَأَيتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى﴾.
وله يقول عمرو بن الجعد:
فإني وتركى وصلَ كأس كالذي تبرأ من لات وكان يدينُها
_________________
(١) انظر فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢٤٨ مطبعة السنة المحمدية، وانظر كتاب الأصنام للإمام الكلبى ص ١٦ وما بعدها.
(٢) سورة الزمر آية ٣.
(٣) السويق: دقيق الحنطة أو الشعير. وله: بله بالماء أو السمن، والحاج بمعنى الحجاج.
(٤) فتح المجيد شرح كتاب التوحيد ص ٢٤٩.
(٥) فتح المجيد ص ٢٥٤.
[ ٩ / ٢١٨ ]
وله يقول المتلمس في هجائه عمرو بن المنذر:
أطردتنى حذَرَ الهُجاء واللات والأنصاب لا تئل
فلم تزل كذلك حتى أسلمت ثقيف، فبعث رسول الله - ﷺ - المغيرة بن شعبة فهدمها وحرقها بالنار. وفي ذلك يقول ابن عارض الجُشَمى حين هُدِّمت وحُرِّقت ينهى ثقيفًا عن العود إليها والغضب لها.
لا تنصروا اللاتَ إنَّ الله ملكُها كيف نصركموا من ليس ينتصرُ
إنَّ التي حرقت بالنار فاشتعلت ولم تقاتِل لدى أحجارها هَدَرُ
إن الرسول متى ينزل بساحتكم يظعن وليس بها من أهلها بَشرُ
وقال أوس بن حجر يحلف باللات.
وباللات والعزّى ومن دانَ دينَها وبالله إن الله منهن أكبر (١)
كان صنم اللات أعظم أصنام العرب شأنًا في نفوس ثقيف خاصة والعرب عامة، وكأننا قد مرَّت آلاف السنين والأعراب في الطائف يتوارثون تقديس وتعظيم هذا الصنم جيلًا بعد جيل، وكان وفد ثقيف الذي ذهب إلى المدينة برئاسة عبد ياليل يعرف ما لهذا الصنم الطاغية من منزلة في نفوسِ ثقيف الذين قتلوا سيدهم عروة بن مسعود لأنه عندما عاد من المدينة مسلمًا لم يحلق رأسه عند هذا الصنم كما هي عادتهم، بل رفع شعار التوحيد وهو الأذان.
وحتى بعد أن أسلم رجال الوفد في المدينة وحسن إسلامهم فقد كانوا يتصورون الصعوبات التي سيلاقونها لإِقناع قومهم باعتزال الصنم اللات والقبول بتحطيمها كشرط أساسى لصحة إسلامهم.
لهذا كان وفد المفاوضة من ثقيف (وهو يفاوض الرسول - ﷺ - للدخول في الإِسلام) أفصح عن تخوّفه من التحطيم الفورى للطاغية (اللات) وكان هذا التخوّف ناتجًا عَمَّا يتوقعونه من النقمة التي سيتعَرضون لها من جماهير ثقيف
_________________
(١) كتاب الأصنام ص ١٧.
[ ٩ / ٢١٩ ]
إن هم رأوا زعماءهم من رجال الوفد، يعودون من المدينة وهم يحملون مشروع تحطيم اللات التي ظلت إلهًا عبر آلاف السنين.
لذا طلب عبد ياليل وبقية أعضاء وفده، طلبوا من الرسول - ﷺ - أن يسمح ببقاء (اللات) ويتجاوز عن بقائها لمدة ثلاث سنوات، على أساس أن يسعى زعماء ثقيف خلالها للتطمين من نفار نفوس الثقفيين وترويضها حتى يدخلوا في الإسلام ويرضوا (بدون متاعب) بتحطيم (اللات) صنمهم الأكبر.
غير أن الرسول - ﷺ - الذي ما جاء إلا لمحو كل أثر من آثار الوثنية رفض طلب الوفد الثقفى وأصر (إقامة للتوحيد) على أن يهدم صنم اللات في الحال وبمجرد التمكن من هدمه، لأن بقاء هذا الصنم يبقى ما له من تقديس في نفوس جاهير ثقيف، وهذا لا يساعد على نشر الإِسلام بينهم، بل على العكس يشكل عائقًا كبيرا في هذا السبيل.
ولأن السماح (من جهة أخرى) ببقاء هذا الصنم مع وجود سلطان الإسلام على ثقيف، يعني موافقة الرسول - ﷺ - على أن تمارس طقوس الشرك إلى جانب قيام التوحيد، وهو تناقض ترفضه طبيعة الإِسلام وأبى القبول به الرسول - ﷺ - وهو في أشد أيام محنته عندما كان بمكة قبل الهجرة في قلة قليلة جدًّا من أصحابه، وعندما لم تكن له أية قوة عسكرية تقف إلى جانبه، فكيف يوافق (إذن) علي هذا التناقض وقد دانت كل الجزيرة العربية وأصبحت كلها عسكرًا للتوحيد.
لهذا رفض الرسول - ﷺ - السماح ببقاء اللات، وأصر على أن أول عمل يجب أن يتم عند عودة وفد ثقيف إلى الطائف هو تحطيم صنم (اللات) فلم يسع الوفد الثقفى (وقد دان بالإسلام إلا أن يوافق على ذلك).
إلا أن رجال الوفد الثقفى تقدموا إلى الرسول - ﷺ - بالتماس يطلبون فيه إعفاءهم من أن يحطموا صنم اللات وبقية الأصنام بأيديهم، ولما لم يكن في تحقيق هذا الطلب أي أثر صار على دعوة التوحيد أو على إسلام رجال الوفد، فقد وافق الرسول - ﷺ - الوفد الثقفي على التماسهم قائلًا: (أما كسر أوثانكم
[ ٩ / ٢٢٠ ]
بأيديكم فسنعفيكم منه (١)، وقال أنا آمر أصحابي أن يكسروها).
وقد عاد الوفد الثقفى إلى الطائف، بعد أن أعلنوا دخول ثقيف في الإِسلام، أما مهمة تحطيم اللات وبقية أصنام ثقيف فقد أوكلها الرسول - ﷺ - إلى أبي سفيان بن حرب والمغيرة بن شعبة الثقفى، وقد توجه أبو سفيان والمغيرة إلى الطائف لتنفيذ أوامر الرسول - ﷺ - بشأن هدم الطاغية اللات وبقية الأصنام.
وعندما وصلا الطائف طلب المغيرة من أبي سفيان أن يتقدم ويشرع في هدم (اللات) ولكنَّ أبا سفيان -وقد علم ما أصاب عروة بن مسعود على يد قومه حين قتلوه لما لم يقدّس اللات- طلب هو من المغيرة أن يبدأ هو الهدم قائلًا: (ادخل على قومك أنت (٢» فاتجه المغيرة بنفسه إلى صنم قومه اللات يصحبه بضعة عشر رجلًا، ليتولى نسف اللات وما حولها من أبنية تابعة لها، فوجد المغيرة حشدًا كبيرًا من عامة ثقيف حول صنم (اللات)، ولكنهم عندما شرع الغيرة في هدم اللات، لم يبدوا أية مقاومة مسلحة، إلا أن بني معتّب من ثقيف (قوم المغيرة) حاولوا إقناعه بعدم توريط نفسه في هدم اللات، فنصحوه بأن لا يُقدِم على الهدم خوفًا عليه (بزعمهم) من أن يُصيبه مكروه من ذلك الصنم، لما بقى في نفوسهم من رواسب الاعتقاد الجاهلى في هذا الصنم.
إلا أن المغيرة (وهو المكين في الإِسلام) سخر من تحذير قومه السخيف، ثم حمل المعول -أمام الجماهير المحتشدة- وتسلق- بناية صنمهم (اللات) حتى بلغ رأسه والعامة لا تشك- لما في نفوسهم من اعتقاد وثنى في اللات- في أن اللات ستدافع عن نفسها، فتطيح بالمغيرة وتقضى كل حياته، إلا أن شيئًا من ذلك لم يحدث، فقد أخذ المشاهدون ينظرون إلى المغيرة بن شعبة في ذهول، وهو يضرب ذلك الصنم الذي يُعبَدُ من دون الله في الطائف آلاف السنين، فيهدمه حجرًا حجرًا، حتى أتى عليه من القواعد دون أن يناله أىُّ مكروه.
_________________
(١) سيرة ابن هشام ج ٤ ص ١٨٥ ومغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٨.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٧١.
[ ٩ / ٢٢١ ]
وبهدم صنم اللات انتهت خرافة من أعظم الخرافات في جزيرة العرب، وهي خرافة اللات أعظم الآلهة عند الوثنيين العرب، ثم قام المغيرة بن شعبة وأبو سفيان بن حرب بتحطيم ما بقى من أوثان لثقيف في المنطقة، وبتكسير وتحطيم اللات وبقية أوثانهم أزيل آخر أثر للوثنية في منطقة الحجاز.
كيف أضحك المغيرة الناس من ثقيف
ويذكر المؤرخون وأصحاب السير أن المغيرة بن شعبة (كى يضحك الناس من ثقيف ويبرهن على اعتقادهم الخاطئ وغبائهم الكبير وأنهم كانوا يعيشون وأجدادهم وهمًا) مع هذا الصنم اللات آلاف السنين تظاهر -وهو يهدم الطاغية اللات- بأنها قد أصابته انتقامًا لنفسها، فخرّ متظاهرًا بأنه مغشى عليه، ليرى كيف يكون ردّ الفعل عند الجماهير المحتشدة حول الصنم، ولقد كان رد الفعل كبيرًا بين هذه الجماهير، فلم يكد المغيرة يسقط ويتظاهر بأنه مغشى عليه حتى تصايحت الجماهير المخدوعة فخورة بآلهتها اللات، معلنة أن الربة -كما يسمونها- لن تسكت على من يريد أن يمسها بسوء.
وبينما كانت الجماهير المغفلة المخدوعة في نشوة وهمها بأن اللات قد انتصرت لنفسها، إذا بالمغيرة بن شعبة يقف ساخرًا من تلك العقول الضالة، وموجها الحديث (في توبيخ وتقريع) لأولئك القوم من أهله قائلًا: (يا معشر ثقيف، كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم، ويحكم، وما اللات والعزّى، وما الرَّبة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدرى من عبده ومن لم يعبده، ويحكم أتسمع اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر؟ ثم هدمها وهدم الناس معه (١».
وفي مصادر الحديث عن هدم الصنم اللات جاء أن بني معتّب قوم المغيرة بن شعبة، عندما تبلَّغوا أن المغيرة ابنهم سيتولى بنفسه هدم (اللات) لبسوا السلاح ووقفوا إلى جانبه مخافة أن تعتدى عليه ثقيف بالقتل كما اعتدت على عمّه عروة بن مسعود، فقام بنو معتّب يحرسون المغيرة حتى انتهى من هدم
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٧٢.
[ ٩ / ٢٢٢ ]
اللات، فلم تقدر أن تناله ثقيف بأي أذى، ولهذا السبب طلب أبو سفيان من المغيرة بن شعبة أن يكون هو البادئ بهدم صنم قومه، لأن أبا سفيان يعلم أن عشيرة المغيرة سيحمونه بالسلاح (١).
حديث الواقدي المطوّل عن ثقيف وصنمها اللات:
ويحدثنا الإِمام الواقدي (بإسهاب) عن تدنِّي مستوى العقول التي كانت تعكف على تقديس اللات والعزّى، وعن المضاعفات والمتاعب التي لقيها الوفد الثقفى في سبيل إقناع ثقيف بالتخلى عن عبادة اللات وبقية الأصنام، وقد سلك الوفد مختلف السبل ولجأ إلى شتى الحيل حتى تمكن من إقناع ثقيف بأن أسلم وسيلة لهم هي الدخول في الإِسلام ففعلوا.
قال الواقدي -يصف قدوم الوفد علي قومهم ثقيف وما قابلوهم به: (ثم خرج الوفد عامدين إلى الطائف)، فلما دنوا من ثقيف قال عبد ياليل: أنا أعلم الناس بثقيف فاكتموها القضية -أي الاتفاقية التي تمت بين الوفد وبين الرسول - ﷺ - وخوّفوهم بالحرب والقتال وأخبروهم أن محمدًا سألنا أمورًا عظّمناها فأبيناها عليه، ويسألنا تحريم الزنا والخمر، وأن نبطل أموالنا في لربا، وأن نهدم الرَّبة.
وخرجت ثقيف حين دنا الوفد، فَلَمَّا رآهم الوفد ساروا العنق (٢) وقطروا الإبل، وتغشّوا بثيابهم كهيئة القوم قد حزنوا وكربوا، فقال بعضهم: ما جاء وفدكم بخير، ودخل الوفد، فكان أول ما بدأوا به على اللات، فقال القوم حين نزول الوفد إليها، وكانوا كذلك يفعلون، فدخل القوم وهم مسلمون فنظر فيما خرجوا يدرأون به عن أنفسهم، وقالت ثقيف: كأنهم لم يكن لهم بها عهد ولا برؤيتها، ثم رجع كل واحد إلى أهلة، وأتي رجالًا منهم جماعة من ثقيف فسألوهم: ماذا رجعتم به؟ وقد كان الوفد قد استأذنوا النبي - ﷺ - أن ينالوا منه فرخّص لهم، فقالوا: جئناكم من عند رجل فظ غليظ، يأخذ من أمره ما شاء، قد ظهر بالسيف، وأداخ
_________________
(١) انظر مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٧١.
(٢) قال في لسان العرب: العتق (بفتح أوله وثانيه) من السير المنبسط.
[ ٩ / ٢٢٣ ]
العرب (١) ودان له الناس، ورعبت منه بنو الأصفر في حصونهم، والناس فيه إما راغب في دينه وأما خائف من السيف، فعرض علينا أمورًا شديدة أعظمناها فتركناها عليه، حرّم علينا الزنا، والخمر والربا، وأن نهدم الرّبة. فقالت ثقيف: لا نفعل هذا أبدًا. فقال الوفد: لعمرى قد كرهنا ذلك وأعظمناه، ورأينا أنه لم ينصفنا، فأصلحوا سلاحكم، ورمَّوا حصنكم، وانصبوا العرّادات عليه والمنجنيق، وأدخلوا طعام سنة أو سنتين في حصنكم، لا يحاصركم أكثر من سنتين، واحفروا خندقًا من وراء حصنكم، وعاجلوا ذلك فإن أمره قد ظل لا نأمنه، فمكثوا بذلك يومًا أو يومين، يريدون القتال، ثم أدخل الله ﵎ في قلوبهم الرعب فقالوا: ما لنا به طاقة، وقد أداخ العرب كلها، فارجعوا إليه فأعطوه ما سأل وصالحوه، واكتبوا بينكم كتابًا قبل أن يسير إلينا ويبعث الجيوش.
فلما رأى الوفد أن قد سلموا بالقضية، ورعبوا من النبي - ﷺ -، ورغبوا في الإسلام، واختاروا الأمن على الخوف، قال الوفد: فإنا قد قاضيناه، وأعطانا ما أحببناه، وشرط لنا ما أردنا، ووجدناه أتقى الناس، وأبرّ الناس، وأوصل الناس، وأوفى الناس، وأصدق الناس، وأرحم الناس، وقد تركنا من هدم الربة وأبينا أن نهدمها، وقال: (أبعث من يهدمها)، وهو يبعث من يهدمها. قال: يقول شيخ من ثقيف قد بقى في قلبه شيء من الشرك بعد بقية: فذاك والله مصداق ما بيننا وبينه، إن قدر على هدمها فهو محق ونحن مبطلون، وإن امتنعت ففي النفس من هذا بعد شيء، فقال عثمان بن العاص: منَّتك نفسك الباطل وغرَّتك الغرور، ومات الرَّبة؟ وما تدرى الرَّبة من عبدها ومن لم يعبدها؟ كما كانت العزَّى، ما تدرى من عبدها ومن لم يعبدها، جاءها خالد بن الوليد وحده فهدمها، وكذلك إساف (٢) ونائلة وهبل (٣)، ومناة
_________________
(١) أداخهم أي أذلهم.
(٢) قال الكلبى في كتابه (الأصنام): وكان لهم إساف ونائلة، لما مسخا حجرين وضحا عند الكعبة ليتعظ الناس بهما، فلما طال مكثهما وعبدت الأصنام، عبد معها. وكان أحدهما بلصق الكعبة، والآخر في موضع زمزم، فنقلت قريش الذي كان بلصق الكعبة إلى الآخز، فكانوا ينحرون ويذبحون عندهما.
(٣) هبل (بضم الهاء وفتح الباء) هو (كما جاء في كتاب الأصنام) أعظم أصنام قريش، قال=
[ ٩ / ٢٢٤ ]
خرج إليها رجل واحد فهدمها، وسواع (١)، خرج إليه رجل واحد فهدمه، فهل امتنع شيء منهم؟ قال الثقفى: إنَّ الربة لا تشبه شيئًا مما ذكرت، قال عثمان: سترى.
ثم يستمر الإِمام الواقدي فيقول: وأقام أبو سفيان والمغيرة بن شعبة يومين أو ثلاثة، ثم خرجوا وقد تحكم أبو مليح بن عروة، وقارب بن الأسود، وهما يريدان يسيران مع أبي يسفيان والمغيرة إلى هدم الربة، فقال أبو مليح يا رسول
_________________
(١) = الكلبى: وكان فيما بلغني من عقيق أحمر على سورة الإنسان، مكسور اليد اليمنى، أدركته قريش كذلك فجعلوا له يدًا من ذهب، كان أول من نصبه خزيمة بن مدركة، وكان يقال له: هبل خزيمة .. وكان في جوف الكعبة، قدامه سبعة أقداح، مكتوب في أولها: صريح والآخر: ملصق، فإذا شكوا في مولود، أهدوا له هدية، ثم ضربوا بالقداح، فإن خرج: صريح ألحقوه وإن خرج ملصق، دفعوه .. وقدح على الميت .. وقدح على النكاح، وثلاثة لم تفسر لي على ما كانت، فإذا اختصموا في أمر أو أرادوا سفرا أو عملًا، أتوه فاستقسموا بالقداح عنده. فما خرج، عملوا به وانتهوا إليه، وعنده ضرب عبد المطلب بالقداح على ابنه عبد الله (والد النبي - ﷺ -)، وهو الذي قال أبو سفيان بن حرب حين ظفر يوم أحد: أعل هبل .. أي علا دينك .. فقال رسول الله - ﷺ -: الله أعلى وأجل.
(٢) ودا (بفتح الواو) أحد أصنام خمسة مشهورة عند العرب ومنذ فجر التاريخ، وهن (ود، وسواع، ويغوث. ونسر ويعوق) وقد كانت هذه الأصنام الخمسة معبودات قوم نوح كما جاء في القرآن الكريم ﴿قَال نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣) وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إلا ضَلَالًا﴾ .. قال أبو المنذر هشام بن محمد الكلبى في كتابه (الأصنام): وكان أول من اتخذ ذلك لك الأصنام (من ولد إسماعيل وغيرهم من الناس، وسموها بأسمائها على ما بقى ففهم من ذكرها حين فارقوا دين إسماعيل) هذيل بن مدركة. اتخذوا سواعًا، فكان لهم برهام من أرض ينبع، وينبع عرض من أعراض المدينة، وكانت سدنته بنو لحيان. واتخذت كلب (ودا) بدومة الجندل، وكان الذي جاء بالصنم (ود) عمرو بن لحى الجرهمى عندما كان حاكمًا على مكة قبل قريش، دفع عمرو الصنم (ودا) إلى عوف بن عذرة بن زيد اللات بن رفيدة بن ثور بن كلب بن وبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحال بن قضاعة .. فحمل عوف الصنم (ودا) إلى وادي القرب، فأقره بدومة الجندل، وسمى ابنه عبد ود، فهو أول من سمى به، وهو أول من سمى عبد ود ثم سمعت العرب به بعد .. ظل الصنم (ود) معبودًا بدومة الجندل حتى حطمه خالد بن الوليد عام تسع من الهجرة حين بعثه رسول الله - ﷺ - من تبوك .. وقد دافعت كلب عن إلهها (ود) فقاتلهم خالد حتى قتلهم، فهدمه وكسره .. وقال الإِمام الكلبى قلت لمالك بن حارثة: صف لي (ود) حتى كأني أنظر إليه. فقال: كان تمثال رجل كأعظم ما يكون من الرجال، قد ذبر (أي نقمى) عليه حلتان، متزر بحلة، مرتد بأخرى، عليه سيف قد تقلده، وقد تنكب قوسًا، وبين يديه حربة فيها لواء ورفضة أي (جعبة) فيها نبل.
[ ٩ / ٢٢٥ ]
الله، إن أبي قتل وعليه دين، مائتا مثقال ذهب، فإن رأيت أن تقضيه من حليّ الرّبة فعلت. فقال رسول الله - ﷺ -: نعم. فقال قارب بن الأسود: وعن الأسود بن مسعود أبي، فإنه قد ترك دينًا مثل دين عروة، فقال رسول الله - ﷺ -: إنَّ الأسود مات وهو كافر. فقال قارب. تصل به قرابة، إنما الدين عليَّ وأنا مطلوب به. فقال رسول الله - ﷺ -: إذًا أفعل. فقضى عن عروة والأسود دينهما من مال الطاغية.
وخرج أبو سفيان والمغيرة وأصحابهما لهدم الربة فلما دنوا من الطائف قال (المغيرة) لأبي سفيان: تقدم فادخل لأمر النبي - ﷺ -. فقال أبو سفيان: بل تقدم أنت على قومك، فتقدم المغيرة في بضعة عشر رجلًا يهدمون الربة، فلما نزلوا بالطائف نزلوا عشاء فباتوا، ثم غدوا على الربة يهدمونها، فقال المغيرة لأصحابه الذين قدموا معه: لأضحكنكم اليوم من ثقيف. فأخذ العول واستوى على رأس الربة ومعه العول؛ وقام قومه بنو معتّب دونه، معهم السلاح مخافة أن يصاب كما فعل بعمه عروة بن مسعود. وجاء أبو سفيان وهو على ذلك فقال: كلا، زعمت تقدمنى أنت إلى الطاغية، تراني لو قمت أهدمها كانت بنو معتب تقوم دونى؟ قال المغيرة: إن القوم قد واضعوهم هذا قبل أن تقدم، فأحبوا الأمن على الخوف.
قال الواقدي: وقد خرج نساء ثقيف حسرًا (١) يبكين على الطاغية، والعبيد، والصبيان، والرجال منكشفون، والأبكار خرجن. فلما ضرب المغيرة ضربة بالمعول سقط مغشيًا عليه يرتكض، فصاح أهل الطائف صيحة واحدة: كلا، زعمتم أن الربة لا تمتنع، بلى والله لتمتنعن، وأقام المغيرة مليًا على حاله تلك، ثم استوى جالسًا فقال: يا معشر ثقيف كانت العرب تقول: ما من حي من أحياء العرب أعقل من ثقيف، وما من حي من أحياء العرب أحمق منكم، ويحكم، وما اللات والعزى، وما الربة؟ حجر مثل هذا الحجر، لا يدرى من يعبده ومن لم يعبده، ويحكم، أتسمع اللات أو تبصر أو تنفع أو تضر، ثم هدمها وهدم الناس معه، فجعل السادن يقول: - وكانت سدنة اللات من ثقيف بنو العجلان بن عتاب بن مالك، وصاحبها
_________________
(١) حسَّرًا: أي مكشوفات الوجوه، قاله أبو ذر في شرحه.
[ ٩ / ٢٢٦ ]
منهم عتاب بن مالك بن كعب ثم بنوه بعده- يقول: سترون إذا انتهي إلى أساسها، يغضب الأساس غضبًا يخسف بهم.
فلما سمع بذاك المغيرة ولى حفر الأساس حتى بلغ نصف قامة، وانتهى إلى الغبغب خزانتها، وانتزعوا حليها وكسومها وما فيها من طيب ومن ذهب أو فضة. قال: تقول عجوز منهم: أسلمها الرضاع (١)، وتركوا المصاع (٢)، وأعطى رسول الله - ﷺ - مما وجد فيها أبا مليح، وقاربا، وناسا، وجعل في سبيل الله وفي السلاح منها، ثم إن رسول الله - ﷺ - كتب لثقيف: "بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من النبي رسول الله - ﷺ - إلى المؤمنين، إن عضاه وجّ (٣) وصيده لا يعضد، ومن وجد يفعل ذلك يجلد وتنزع ثيابه، فإن تعدى ذلك فإنه يؤخذ فيبلغ محمدًا، فإن هذا أمر النبي محمد - ﷺ - ".وكتب خالد بن سعيد بأمر النبي الرسول محمد بن عبد الله، فلا يتعداه أحد، فيظلم نفسه فيما أمر به محمد رسول الله - ﷺ - ونهى النبي - ﷺ - عن قطع عضاه وجّ وعن صيده. وكان الرجل يوجد يفعل ذلك فتنزع ثيابه. واستعمل رسول الله - ﷺ - على حمى وجّ سعد بن أبي وقاص (٤)
وهكذا وبانتهاء هدم اللات وبدخول ثقيف في الإِسلام انتهت آخر مرحلة من مراحل الصراع بين الإِسلام والوثنية في منطقة الحجاز، حيث أصبحت كل هذه المنطقة داخلة في حظيرة الإِسلام، ولم يعد للوثنية أي وجود في أية ناحية من نواحى الحجاز، وكان إسلام ثقيف في أواخر السنة التاسعة للهجرة. أي بعد مرور حوالي سنة على انهزام ثقيف وكل هوازن في معركة حنين الحاسمة. والعام التاسع من الهجرة، هو المسمى بعام الوفود، وفيه أنزل الله تعالى على نبيه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ (٥).
_________________
(١) الرضاع (بكسر الراء) جمع راضع، وهو اللثيم.
(٢) المصاع (بكسر الميم): المضاربة بالسيف.
(٣) وج. قال ياقوت: اسم الطائف.
(٤) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٩٦٩ - ٩٧٠ - ٩٧١ - ٩٧٢ - ٩٧٣.
(٥) سورة النصر.
[ ٩ / ٢٢٧ ]
الفصل السادس (نظرة وتحليل)
• وقفة عند عدد قتلى الفريقين في المعركة.
• دروس من حنين.
• أسباب هزيمة المسلمين في المرحلة الأولى.
• أسباب انتصار المسلمين بعد انهزامهم.
• ثبات الرسول - ﷺ - ساعة الهزيمة هو نقطة التحول في تصحيح وضع المسلمين.
• أسباب هزيمة هوازن بعد انتصارها.
• أسباب فشل حصار الطائف.
[ ٩ / ٢٢٩ ]
قتلى الفريقين في معركة حنين:
برجوعنا إلى مصادر التاريخ الإسلامي كالطبرى والواقدى وابن إسحاق، لم نجد هؤلاء يذكرون سوى أربعة استشهدوا يوم حنين. وهم.
١ - أيمن بن عبيد وهو ابن أم أيمن حاضنة رسول الله - ﷺ -. وعدَّه ابن إسحاق من قريش.
٢ - سراقة بن الحارث من الأنصار.
٣ - رقيم بن ثابت بن ثعلبة بن زيد بن لوذان ويهمله ابن إسحاق، ويذكر بدلًا منه يزيد بن زمعة بن الأسود بن عبد المطلب، بينما يذكر الواقدي أن يزيدًا استشهد في حصار الطائف لا في حنين.
٤ - أبو عامر الأشعري عم أبي موسى الأشعري.
أما قتلى المشركين، فلم يذكر المؤرخون أية تفاصيل عنهم.، فلم يذكروا (مثلًا) أسماء أحد منهم أربعة رجال من بني مالك هم:
١ - اللجلاج.
٢ - ورجل يقال له وهب.
٣ - عثمان بن عبد الله، وكان سيد ثقيف.
٤ - عوف بن الربيع وهو الملقب بذى الخمار.
ورغم عدم إعطاء المؤرخين جدولًا بأسماء القتلى من مشركى هوازن، فإنه يفهم من ثنايا حديثهم عن المعركة أن عدد القتلى بين هوازن كان كبيرًا.
فمثلًا ذكر الواقدي أن ثقيفًا وحدها فقدت في المعركة ما يقارب المائة قتيل كما ذكر (كما تقدم في هذا البحث) أن قبيلة بني نصر (قوم القائد العام لهوازن) استحر بينها القتل حتى كادت تفنى مما حدا ببعض المسلمين من بني نصر هؤلاء أبي أن قال (إشفاقًا على قومه رغم شركهم)، يا رسول الله، هلكت بنو رباب، فقال رسول الله - ﷺ -: اللهم اجبر مصيبتهم- وقبيلة بني نصر من أهم أجنحة هوازن ولا شك أنها تعد بالمئات، ومعنى تصريح أحد أفرادها بأن القتل كاد يفنيها، معناه أن قتلاها بلغوا المئات، وهاتان فقط قبيلتان من هوازن تشم من حديث المؤرخين عن ضحاياهما أنها بلغت المئات
[ ٩ / ٢٣٠ ]
فكم هي إذن الضحايا بين العشائر الأخرى من هوازن؟ لا شك أنها تعد بالمئات أيضًا، وهذا غير مستغرب، لأن طبيعة المعركة تفرض أن تكون الضحايا كثيرة جدًّا، لأنها معركة لم يدر مثلها (بعد مؤتة) في الضراوة والشراسة والعنف حيث صبر الفريقان فيها صبرًا عظيمًا كما تقدم وصفه في هذا البحث.
تعليق على عدد القتلى المسلمين:
وإذا كان يستشف من حديث أصحاب السير والمغازى أن هوازن قد فقدت (تقريبًا) أكثر من ألف قتيل، فإن أصحاب السير، المغازي هؤلاء قد وضعوا جدولًا لقتلى المسلمين لم يذكروا فيه (كما تقدم) أكثر من أربعة شهداء، ونحن -واستنادًا إلى نظرية فيلسوف التاريخ الإِمام ابن خلدون الذي ذكرها في مقدمته- نرى أن هذا العدد (بالنسبة لمستوي المعركة الضارية قليل) فنقول:
مما لا جدال فيه ولا اختلاف بين أصحاب السير والمغازى أن معركة حنين هي (بعد معركة مؤتة) أعنف معركة يخوضها الجيش النبوي، وقد شهد بذلك الصادق المصدوق النبي - ﷺ - حين قال -بعد أن عاد المنهزمون المسلمون إلى الميدان: الآن سمى الوطيس، وهذا قول يصوِّر شدة القتال وضراوته، وهو قول، لم يقل الرسول - ﷺ - مثله في وصف أية معركة من المعارك التي خاضها طيلة حياته .. قول يجسد ويصوِّر صبر الفريقين في القتال العنيف الضارى، لأن الوطيس في القتال لا يحمى إلا إذا تصافح المحاربون بالسيوف وتداسروا بالرماح وتراشقوا بالنبل على أعلى مستؤيات القتال في ثبات وصبر وعناد.
وهوازن قبيلة محاربة على مستوى ممتاز وقواتها المشتركة في المعركة قوات كثيفة حددها المؤرخون بعشرين ألف مقاتل، كما أن هذه القوات الكثيفة كانت تحت قيادة ملك فتى باسل هو في القمة من حيث الشجاعة والخبرة بالحرب وأساليبها، وكان جيشه الكثيف شديد الانضباط، إلى درجة رأينا معها كيف أطاع عامة الجيش وسمعوا لقائدهم الشاب، رغم الغلطة التعبوية التي ارتكبها، والمتمثلة في إجبار جند هوازن على أن يصطحبوا معهم إلى ميدان القتال النساء
[ ٩ / ٢٣١ ]
والأطفال والأموال، وهي الغلطة التي نبه المحارب المجرب دريد بن الصمَّة الجشمى القائد مالكًا إليها وطالبه بشدة أن يتراجع عنها. فرفض استنادًا إلى ما ترسخ في اعتقاده أن ما أقدم عليه بهذا الشأن سيكون من أكبر الحوافز للجند على الثبات وعدم التفكير في الهرب. وفعلًا ثبت جند هوازن حتى فقدوا (وهم صابرون) ما لا يقل عن ألف قتيل في تقديرنا استنادًا إلى إشارات أصحاب المغازي والسير.
ثم إننا (كما شهد المؤرخون أنفسهم) رأينا كيف نزلت الهزيمة المروِّعة بجيش الإِسلام في المرحلة الأولى من المعركة حتى وصلت طلائعه المنهزمة قريبًا من مكة، والمنهزم الهارب يكون القتل فيه كثيرًا دونما جدال، لا سيما إذا كان عدوّه المنتصر يطارده لينزل به أكبر خسارة ممكنة في الأرواح، وهو ما فعلته هوازن المنتصرة (بشهادة أصحاب المغازي والسير) في أول المعركة، وكانت هوازن عشرين ألفًا والمسلمون اثنى عشر ألفًا.
يضاف إلى ذلك (وهو الأهم) نجاح كمائن هوازن في هجومها الصاعق على المسلمين، فقد انقضت الكمائن بأسلوب صاعق مباغت عند الفجر على الجيش النبوي وهاجمته بمختلف الأسلحة بما في ذلك الخيل، كما قصف رجال الكمائن الهوازنية المسلمين من مختلف الجهات بوابل من النبال وصفها بعض المؤرخين لكثافتها كأنما أرجال الجراد. وهذه النبال لا بد وأن تصيب مقاتل كثير من الذين تعرَّضوا لها لاسيما وأنهم كانوا مكشوفين لرماة النبل الذين كانوا يتربصونهم وراء التلال دون أن يعلموا عنهم شيئًا.
وقد رأينا -أثناء حصار الطائف- كيف قُتل أربعة عشر من المسلمين بنبال الثقفيين الذين كانوا في حصونهم، رغم أن المسلمين كانوا على استعداد وحذر، وكانوا بعيدين عن مرمى النبال ومستترين بمختلف، الآلات والوسائل.
فكيف إذن (ومع كل الذي أوضحناه) يكون كل قتلى المسلمين في معركة حنين من أولها إلى آخرها أربعة قتلى فقط؟ .
إن الذي نراه (وهذا مجرد استنتاج وتقييم) أن شهداء المسلمين في معركة حنين أكثر بكثير من الذي ذكره الواقدي وابن إسحاق والطبرى، ولا ندرى (طبعًا) بالتحديد كم هم عدد الشهداء الذين نعتقد أنهم سقطوا في ميدان
[ ٩ / ٢٣٢ ]
الشرف بحنين، ولكنهم (في نظرنا) يبلغون المئات، وهو عدد لا بد وأن يسلم به كل خبير عسكرى درس وصف المؤرخين لمراحل معركة حنين الطاحنة.
ونحن بهذا لا نتهم الأئمة الأعلام من أصحاب السير والمغازى بإخفاء الحقائق، كلا وألف كلا. بل نؤكد أنهم مثال النزاهة والأمانة والصدق، فهم (كما ذكرنا في كتابنا غزوة مؤتة) أمناء ثقات يقدِّرون مسؤولية ما يكتبون لمن بعدهم من الأجيال، وانطلاقًا من قاعدة الأمانة في النقل التي التزموها لم يذكروا من شهداء معركة حنين إلا ما وصل إلى علمهم عن طريق الثقات، وهم أربعة شهداء فقط.
ولكن هؤلاء المؤرخون الأعلام أثبتوا بالتفصيل ضراوة المعركة وشدتها وطول وقتها وذكروا ما يشير إلى أن قتلى المشركين بلغوا المئات دون أن يضعوا جدولًا سوى لأسماء أربعة منهم على رأسهما قائد قوات ثقيف عبد الله بن عثمان.
ثم إننا (مع ترجيحنا القوى بأن قتلى المسلمين في حنين قد وصلوا المئات) وترجيحنا هذا مبنى على ما درسناه من مراحل القتال الشرس والضارى ابتداء من انهزام إثنى عشر ألف مقاتل (أول الأمر) وهم المسلمون وملاحقة عشرين ألف مقاتل لهم يخبطونهما بالسيوف ويطعنونهما بالرماح ويرمونهم بالنبال، وهم المشركون، مدة من الزمن، ثم رجوع المنهزمين المسلمين والتحامهم مع المنتصرين المشركين في قتال شرس ضار لم يصف الرسول مثله في الضراوة بسبب صبر الفريقين وذلك بقوله - ﷺ -: "الآن حمى الوطيس". إننا مع ترجيحنا هذا نعتز بنزاهة وأمانة أئمتنا المؤرخين الأعلام الذين لم يكتبوا لنا في مؤلفاتهم إلا أسماء ما وصل إلى علمهم من شهداء المسلمين وهم أربعة .. كما لم يذكروا أيضًا إلا أربعة فقط من القتلى وكلهم من ثقيف.
ثم إن عدم حصول أئمة المغازي والسير على أعداد تفصيلية أو إجمالية لعدد شهداء المسلمين في معركة حنين وفي غيرها مثل معركة مؤتة (وهي في نظرنا أعداد كثيرة) يرجع إلى عدة أمور.
١ - أنه لم يكن هناك (لا في قيادات المسلمين ولا في قيادات المشركين) قسم إدارى مهمته إحصاء القتلى وتقديم قوائم بأسمائهم كما هو النظام السائد في الجيوش العصرية.
[ ٩ / ٢٣٣ ]
٢ - ليس هناك (كما قلنا في كتابنا غزوة مؤتة) ديوان إحصاء للجند يسجل فيه المنخرطون في سلك الجيش بحيث يمكن الرجوع إلى هذا السجل لعرفة عدد وأسماء الشهداء فيسهل على المختصين بأخبار المغازي والسير وضع قوائم بأسماء هؤلاء الشهداء في مؤلفاتهم.
٣ - يؤلف أبناء البادية من مختلف القبائل الأغلبية في الجيش النبوي يوم حنين، وهؤلاء بعد معركة حنين وحصار الطائف تفرقوا راجعين إلى قمم الجبال وبطون الوديان في بواديهم المنتشرة في طول الجزيرة وعرضها، ولا شك أن كل عشيرة علمت بشهدائها، ولكن من الصعب على المختصين بتدوين أخبار المغازي والحروب في العهد النبوي، الحصول من هؤلاء البدو على عدد وأسماء الشهداء من أبناء هذه العشائر، لا سيما إذا أخذنا بعين الاعتبار أن الاهتمام بتدوين أخبار الحروب الإسلامية في العهد النبوي لم يكن من المؤرخين إلا في أواسط أواخر القرن الثاني الهجرى.
من هنا جاء تقديرنا واستنتاجنا بأن هناك للإسلام جنودًا كثيرين استشهدوا في معركة حنين لم يصل إلى علم المؤرخين الأوائل عددههم وأسماؤهم، وأكثرهم (علي الأرجح) من أبناء البادية الذين يمثلون أكثرية الجيش المحارب في حنين.
هذا كما قلنا (في تعقيبنا على شهداء غزوة مؤتة) مجرد استنتاج وتقييم جعلنا نبديها استساغتنا -بل والتزامنا- للقاعدة الفلسفية التاريخية التي وضعها فيلسوف التاريخ والاجتماع الأول الإِمام عبد الرحمن بن خلدون الكندى الحضرمي في مقدمته الذائعة الصيت، والقائلة: إن على المؤرخ الباحث أن لا يجمد على النصوص المتعلقة بالتاريخ، بل عليه (مع فحص النصوص) أن يقيم الأحداث ويزن الأمور بميزان العقل فيرفض تصديق ما لا يقبله العقل والوجدان (كقصة العبّاسة أخت الرشيد) كما عليه أن يستخرج الحقائق على ضوء الواقع التاريخي والتي قد لا تكون النصوص التاريخية المسطورة قد ذكرتها ولكنَّ سياق هذه النصوص تُستشف منه هذه الحقائق كالترجيح بأن عدد شهداء المسلمين في معركتى حنين ومؤتة أكثر مما أورده أصحاب المغازي في كتبهم ﵃.
[ ٩ / ٢٣٤ ]
بين أحد وبدر وحنين:
قد يقول قائل: -لمعارضة استنتاجنا وتقدير هذا: - ولكن كيف تمكن أصحاب المغازي والسير من وضع جدول دقيق لقتلى الفريقين (المسلمين والمشركين) في كل من معركتى بدر وأحد بل وحتى عدد الأسرى من المشركين في بدر، وذكر اسم كل واحد من أولئك القتلى من الفريقين والأسرى من المشركين؟ .
والجواب على هذا التساؤل هو كما يلي:
١ - إن المتحاربين في هاتين المعركتين كل فريق منهم يمثل عنصرًا واحدًا أشبه ما يكون بالعائلة الواحدة بحيث يعرف كل أفراد هذه العائلة بعضهم البعض فردًا فردًا.
فقريش (مثلًا) قبيلة واحدة خرجت من مدينة واحدة وكل عشيرة بل كل العشائر القرشية تعرف بالتحديد عدد وأسماء المشركين من قريش في المعركتين.
ومثل ذلك يقال في المقاتلين المسلمين من أهل المدينة فهم عنصر واحد كذلك أشبه بعائلة واحدة يعرف أفراد هذه العائلة بعضهم بعضًا فردًا فردًا فمن السهل جدًّا التعرف على اسم الرجل الذي يفقدون في أي المعركتين أحد أو بدر، وهذا بالنسبة للفريقين المشركين والمسلمين، على حد سواء. وإذا كان الأنصار لا يعرفون أسماء كل القوات القرشية المشتركة في كل من معركتى بدر وأحد، فإن فيهم من المهاجرين (كلهم من قريش) عدد غير قليل يعرف كل واحد منهم اسم ونسب كل جندى مشرك اشترك في أي من المعركتين لأن هؤلاء المشركين نشأوا وهؤلاء المهاجرين في بلدة واحدة هي مكة، فهم أبناء بلدة واحدة ومن قبيلة واحدة هي قريش أو الأحابيش الذين يعتبرون من قريش أيضًا.
٢ - بالإضافة إلى ما تقدم فإن عدد المحاربين المسلمين في كلتا المعركتين محدود، فهم في معركة بدر حوالي ثلاثمائة، وفي معركة أحد حوالي سبعمائة، فهم مع هذا العدد المحدود، عندما خرجوا إلى كلتا المعركتين محفوظة أسماؤهم
[ ٩ / ٢٣٥ ]
في سجل مضبوط، وإن كان سجلًا غير مكتوب حيث كان هذا السجل صدور نساء ورجال أهل المدينة الذين يحفظون بكل دقة أسماء وأنساب هؤلاء الذين خرجوا من المدينة إلى كلّ من المعركتين، ومثل هذا القول ينطبق على المشركين من قريش، من هنا سهل على أصحاب المغازي والسير معرفة عدد بل وأنساب القتلى من الفريقين في كلتا المعركتين وكذلك عدد وأسماء وأنساب الأسري من المشركين. أما في كل من معركة مؤتة وحنين، فالأمر يختلف اختلافًا كبيرًا، فالجيش فيهما مؤلف من قبائل عديدة وخاصة في فتح مكة ومعركة حنين كما هو موضح في جدول المحاربين لأسماء القبائل المشتركة في فتح مكة (انظر كتابنا فتح مكة) وهذه القبائل هي التي اشتركت في معركة حنين وأكثرها من سكان البادية المنتشرين في مختلف أرجاء الجزيرة. والذين من الصعب، جدًّا على المختصين بكتابة مغازى الرسول - ﷺ - أن يعرفوا عن شهدائهم من التفاصيل مثل الذي عرفوه ودونوه عن شهداء معركتى بدر وأحد.
دروس من حنين
إن أول درس استفاده ويجب أن يستفيده المسلمون من معركة حنين، هو عواقب الإعجاب بالنفس والاعتداد بالكثرة إلى حد الغرور، هذا الإعجاب الذي كرهه الله للمسلمين وذكرهم به في القرآن بما جره عليهم من وبال ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ﴾ الآيات.
فالإعجاب يؤدى إلى الغرور، والغرور بدوره يؤدى إلى الاستهانة بالعدو، والاستهانة بالعدو تؤدى في النهاية إلى مساعدة هذا العدو في أعماله الحربية إلى حد كبير، وقد تحقق له النصر الكامل وإن كان غير مُهيءٍ له. وهكذا يمكن إجال النتائج السيئة التي نتجت عن إعجاب المسلمين بكثرتهم فيما يلي:
أ - الاستهانة بقوات هوازن.
ب- جزم عناصر الجيش بأنهم لن يغلبوا في المعركة.
جـ - الإهمال واللامبالاة التي سادت مقدمة الجيش وعناصر الاستطلاع المسؤولة عن الاستكشاف الأمر الذي جعل هذه العناصر تقصّر في مهمتها إلى الحد الذي جعلها تجهل أخطر عمل تعبوى قامت به قيادة هوازن، وكاد يؤدى
[ ٩ / ٢٣٦ ]
بجيش الإِسلام إلى كارثة مدمرة، وهو تنظيم الكمائن، ووضعها في أضيق المضايق والممرات التي سيمر بها الجيش النبوي عند بزوغ الفجر، مما أدى إلى الهزيمة المنكرة التي نزلت بالعسكر الإسلامي في الصدمة الأولى من المعركة، نتيجة انقضاض الكمائن على أرتال المسلمين وبصورة صاعقة مفاجئة، وفي مكان ضيق ووعر.
أسباب هزيمة المسلمين في البداية:
أ- الغرور والإعجاب:
كان إعجاب المسلمين بكثرتهم والذي تحول لدي بعض عناصر الجيش إلى غرور- السبب الرئيسى في الأهمال والاسترخاء الذي حل لدى كثير من عناصر الجيش محل التنبه واليقظة والحذر مما أدى إلى تمكين العدو من وضع خطة الكمائن وتنفيذها بصورة ناجحة أدت إلى هزيمة المسلمين هزيمة منكرة عند الصدمة الأولى، هذه الهزيمة التي كادت أن تكون كاملة شاملة ساحقة لولا ثبات الرسول - ﷺ - والقائد الأعلى للجيش في الميدان.
ب- مستوى التعبئة الممتاز الذي كانت عليه قوات هوازن قبل المعركة، فقد رأينا كيف أن ذلك الشاب الألمعى قائد هوازن وملكها، مالك بن عوف رغم غلطه التعبوية القاتلة (استصحاب الجند للأهل والمال معهم) قد لجأ عند تعبئة قواته في حنين إلى عامل نفسي كان له أثره الرعب في نفوس جند المسلمين، وهو أنه أركب النساء في الصفوف الخلفية من جيشه على الجمال، فظهرن وكأنهن جزء من الجيش، حتى بدا جيش هوازن وكأنه مائة ألف لا عشرين ألفًا كما شهد بذلك أحد الصحابة الذين حضروا حنين كما تقدم في هذا البحث.
ج- نجاح قائد هوازن في سبق المسلمين إلى وادي حنين واختياره المرابطة بجيشه في المكان المناسب من هذا الوادي، حتى بدا واضحًا وكأنه أجبر المسلمين على المرور في مضايق وشعاب، لا يفضلون المرور فيها لوعورتها وضيقها وشدة انحدارها، وهذه حقيقة أدلى بها أحد الصحابة وهو يتحدث عن التحرك إلى حنين، فذكر أن جيش الإِسلام -وهو يحاول الدخول إلى وادي حنين-لم يكن يتحرك في سهل منبسط، كما هو الأفضل لجيش أكثره
[ ٩ / ٢٣٧ ]
من الفرسان والهجانة، وإنما كان ينحدر في منحدرات وعرة شديدة الانحدار، الأمر الذي جعله يفقد الكثير من انتظام صفوفه، ويسهل على الكمائن التمكن منه وإنزال الهزيمة به وعلى تلك الصورة الخيفة.
د- نجاح قائد هوازن في اختيار مواضع الكمائن التي نصبها لتنقض على عسكر الإِسلام في الوقت الذي حدده لها، حيث اختار مضايق الشعاب والمنحدرات التي سيمر بها جيش الإِسلام، ووضع الكمائن في التلال والأماكن المحيطة بها،، وضع وحدات من فرسانه عند مخارج هذه الشعاب لتضرب (وبأسلوب صاعق محكم) مقدمة جيش الإِسلام عندما تحاول الخروج من هذه الشعاب. وكانت مقدمة المسلمين أكثرها من بدو بني سليم عليهم خالد بن الوليد.
هـ- نجاح خطة السرية والكتمان التي اتبعها القائد مالك بن عوف، وهو يضع وحدات الكمائن الخاصة في المواقع التي اختارها على طريق الجيش النبوي، حيث قامَ بتفقد هذه المواقع واختيارها بمهارة ودقة، وقام بترتيب الكمائن فيها في ظلام الليل، مما جعل عناصر استطلاع جيش الإِسلام المكلفة بالرصد والاستكشاف على جهل تام بهذه الكمائن ومواقعها، الأمر الذي عرّض المسلمين لتلك الهزيمة المروّعة عند الصدمة الأولى.
و- نجاح استخبارات ودوريات المشركين في الحصول على أدق المعلومات عن عدد جيش الإِسلام ومواعيد تحركاته بشكل لسنا متجنِّين إذا قلنا: إنه أدق من أعمال دوريات واستخبارات المسلمين.
ولولا نجاح دوريات واستخبارات هوازن الممتازة، لما استطاعوا أن يحددوا لقائدهم العام المواضع التي وصلها جيش الإسلام والأماكن التي سيكون فيها عند الفجر، الأمر الذي يسَّر لمالك بن عوف (وفق معادلات وحسابات دقيقة) أن يضع الكمائن في المواقع المناسبة لتنقض على جيش الإِسلام بصورة فعالة في الوقت المناسب.
وكان مالك يعلّق أكبر الآمال على عمليات الكمائن الصاعقة المباغتة، والتي نجحت في مهمتها مائة في المائة، وكاد مالك يقطف الثمرة النهائية اليانعة لنجاح خطة الكمائن، لولا ثبات الرسول القائد - ﷺ - والقلة من أصحابه،
[ ٩ / ٢٣٨ ]
الذين ضيَّعوا على ملك هوازن وقائده ثمرة عمليات الكمائن الناجحة.
ز- كذاك من أسباب هزيمة المسلمين أول الأمر أنه يوجد في جيش الإِسلام عناصر من قريش وكنانة مدخولة العقيدة، أسلمت ولمّا يدخل الإيمان في قلوبهم .. كانت هذه العناصر تتمنى أن تنزل الهزيمة الكاملة بالجيش النبوي، وتود أن تتمكن هوازن من أن تعيد للوثنية سلطانها على مكة المكرمة.
لذلك ومن المنطلق السئ فإن هذه العناصر المشبوهة (وكانت جزءًا من الجيش النبوي) كانت أول المنهزمين عندما بدأت كمائن هوازن هجومها المباغت عند الفجر على المسلمين، فكانت هذه العناصر المشبوهة -بالإضافة إلى إسراعها في الهزيمة- عامل بلبلة وإرجاف، حيث قامت عن قصد وسوء نية بإشاعة الذعر والفزع في نفوس المسلمين، للتأثير على معنوياتهما التي كانت قد تعرّضت لهزة عنيفة نتيجة تعرّضها لهجوم الكمائن الصاعق المباغت في عماية الصبح.
ح- وجود عناصر أخرى في الجيش من أهل مكة وكنانة غير سيئة النية- ولكنها على جهل شبه تام بالإِسلام، لحداثة عهدها بهذا الدين حيث انضمت إلى الجيش النبوي ولم يمض على إسلامها سوى حوالي خمسة عشر يومًا. فظلت هذه العناصر لذلك على كثير من المعتقدات الوثنية، فقد رأينا كيف أن هذه العناصر طلبت من الرسول - ﷺ - عند التحرك إلى حنين- أن يسمح لها بمباشرة ما يباشرة المشركون من أعمال وثنية، حيث طلبوا من الرسول - ﷺ - أن يجعل لهم ذات أنواط، فقالوا يا رسول الله اجعل لنا ذات أنواط كما لهم (أي المشركين) ذات أنواط (١).
فهذه العناصر قد لا تكون سيئة النية، ولكنها جاهلة حقيقة الإِسلام المبنى على عقيدة التوحيد، مما جعل وجودها عامل بلبلة وعامل ارتباك وضعف في الجيش، لأن أهم حوافز القوة القتالية لدى المسلمين إنما كان قوة عقيدة الإِسلام.
_________________
(١) انظر تفاصيل قصة ذات أنواط فيما مضى من هذا الكتاب.
[ ٩ / ٢٣٩ ]
أهم أسباب انتصار المسلمين بعد انهزامهم:
أ- ثبات الرسول - ﷺ -:
يأتي (دونما شك) وفي الدرجة الأولى، من أسباب انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المنكرة في حنين: يأتي في الدرجة الأولى، ثبات الرسول - ﷺ - عند الهزيمة، حيث انحاز في الميدان إلى مكان مناسب وثبت فيه، وصار يناشد المنهزمين ليعودوا إلى ميدان الشرف وينضمُّوا إليه.
الأمر الذي جعل هزيمة المسلمين غير شاملة، بعد أن كادت تكون كاملة ومدمرة وساحقة، فقد انتاب المنهزمين (وخاصة الأنصار) الخجل من أنفسهم، عندما علموا أن نبيهم وقائدهها الأعلى ثابت في الميدان يقاتل المشركين مقبلًا غير مدبر، فعادوا إلى الميدان وأعادوا تشكيل وحداتهم كلها من جديد وشرعوا بقيادة نبيِّهم - ﷺ - في القيام بهجوم مضاد كاسح جديد، فضيَّعتْ عودتهم إلى الميدان ثمرة الانتصار التي كاد أن يقطفها قائد هوازن وملكها الداهية.
وهذه حقيقة واقعة يقرها -في كل عصر وزمان- المختصون بدراسة الشؤون العسكرية. فثبات القائد العام وهيئة أركان حربه، عندما يتعرّض الجيش لهزة عنيفة أو هزيمة، يكون له أحسن النتائج في تصحيح الأوضاع على الأقل، وتحويل الهزيمة إلى نصر مؤزر، وهذا ما حدث بالفعل للجيش النبوي بسبب ثبات قيادته، حين عاد هذا الجيش المنهزم والتف من جديد حول قائده الأعلى النبي - ﷺ - الذي بثباته يوم حنين ضرب أروع الأمثلة في الشجاعة والاستبسال.
ولا غرو، فتاريخ الرسول العسكري قبل حنين وبعدها، هو من أروع الصفحات في تاريخ العسكريين الشجعان، فما تعرّض المسلمون لروع أو فزع إلا وكان الرسول - ﷺ - في مقدمتهم أثبت من الرواسى، يحميهم ويثبّت من أفئدتهم، فكانوا يلوذون به عندما تدلهمُّ الخطوب، ولقد وصف هذه الحقيقة الناصعة البراء بن عازب حين قال: ولقد كنا، إذا حمى البأس، نتقى برسول الله - ﷺ - وإنه الشجاع الذي يحاذى به (١).
_________________
(١) البداية والنهاية ج ٤ ص ٣٢٨.
[ ٩ / ٢٤٠ ]
وهزيمة المسلمين في حنين ليست أول هزيمة منكرة تنزل بالمسلمين، فيكون ثبات الرسول - ﷺ - العامل الرئيسى والأول في إنقاذ الموقف وتجنُّب عواقب الهزيمة الوخيمة بإعادة المسلمين إلى الميدان، ومقاتلتهم العدو، بعد أن فرُّوا أمامه.
ففي معركة أُحد نزلت بالمسلمين (كما حدث في حنين) هزيمة مروِّعة، ووصلت طلائع المنهزمين منهم أطراف المدينة، ولكن ما أن علموا بثبات نبيهم وقائدهم الأعلى النبي - ﷺ - في مكانه من الميدان حتى كرّوا راجعين للتجمع حوله، ومن أجل تحقيق هذا الغرض اشتبكوا مع طوابير المشركين المحيطة به في قتال شرس ضار، فقدوا أثناءه سبعين من خيرة رجالهم، ولكن ذلك -بفضل الله ثم بفضل ثبات نبيهم ساعة الهزيمة- مما أعاد لهم السيطرة على مكان المعركة في أُحد، فامتنعوا بسيوفهم وضيّعوا على قريش النصر الذي يسرته لهم غلطة فصيلة الرُّماة المسلمين، فجعل رسول الله - ﷺ - نصر قريش نصرًا تعبويًا محدودًا، بعد أن كاد أن يكون سَوَقيًا (١) له آثاره المدمرة على مصير المسلمين.
فلولا ثبات الرسول - ﷺ - ساعة انكسار المسلمين يوم أحد لكانت هزيمتهم كاملة شاملة، وعندما تصبح هزيمتهم هكذا فإنه من السهل على قائد جيش مكة أبي سفيان أن يحتل المدينة، وبهذا يكون نصر المشركين في أُحد نصرًا سَوَقيًا شاملًا لا نصرًا تعبويًا محدودًا.
ونفس الشيء فعله الرسول - ﷺ - في حنين .. فقد انتصرت هوازن في الصفحة الأولى من المعركة انتصارًا كاد يكون انتصارًا سَوَقيًا كاملًا شاملًا مدمرًا، لولا ثبات الرسول - ﷺ - مكانه في الميدان منذ اللحظة الأولى التي تعرض فيها جيشه لتلك الهزيمة المزلزلة.
فكانت ثمرة ثبات سيد الشجعان الرسول القائد - ﷺ -، حصر انتصار هوازن بجعله (فقط) تعبويًا محدودًا غير ذي أثر مصيرى، حيث كان ثباته
_________________
(١) الفرق بين الانتصار التعبوى والسوقى، هو أن الانتصار التعبوى محدود في موضع محدود لوقت محدد، لا أثر له مصيري، أما الانتصار السوقى قله أثره الحاسم في نتائج المعركة كأن يحقق المنتصر أهدافه كلها.
[ ٩ / ٢٤١ ]
- ﷺ - السبب الرئيسى في عودة أصحابه إلى الميدان، هذه العودة المحمودة التي قلبت موازين القوى في المعركة لصالح المسلمين.
غير أن مما تجدر الإشارة إليه أن الوضع المتحرّج الذي عالجه الرسول القائد - ﷺ - بثباته وشجاعته يوم حنين يختلف عن الوضع الخطر الذي عالجه بثباته وشجاعته يوم أُحد من حيث النتائج النهائية لكل من المعركتين.
في معركة أحد كانت مكاسب الرسول - ﷺ - ساعة انهزام أصحابه:
١ - حرمان المشركين من توسيع انتصارهم حيث كان ذلك الثبات سببًا في حصر ذلك الانتصار في دائرة الانتصار التعبوى الضيق الذي يتمثل (فقط) في تمكن المشركين مِنْ قتل سبعين من الصحابة ﵃ مع إصابة الرسول - ﷺ - نفسه بجراحات بليغة.
٢ - إجبار قريش على الاكتفاء بما حققت من نصر تعبوى محدود ورضاها من الغنيمة بالإياب حيث انسحبت من الميدان وتركته تحت سيطرة المسلمين، مخلفة فيه أربعة وعشرين قتيلًا من جيشها، الذي انهزم ثم انتصر نتيجة غلطة حماة مؤخرة المسلمين وهم الرماة الذين وضعهم القائد الأعلى النبي في الجبل الذي يشرف على ميدان القتال، ولكن قريشًا عندما عاد المسلمون إلى الميدان بعد هزيمتهم المنكرة -لم تتعرض لأية هزيمة نتيجة انتصار سَوَقى حققه المسلمون بعد رجوعهم إلى الميدان، فقد انسحبت قريش إلى بلادها من الميدان بقواتها سليمة ما عدا ٢٤ قتيلا فقدتهم مقابل ٧٠ فقدهم المسلمون.
أ- أما مكاسب المسلمين من ثبات الرسول - ﷺ - يوم حنين فقد كانت أعظم، ذلك أن ثبات الرسول - ﷺ - لم يقتصر على أن كان سببًا في حصر انتصار هوازن عند الصدمة الأولى في دائرة الانتصار التعبوى، بل جعل هذا الانتصار التعبوى المحدود يتحول إلى انتصار سَوَقى كامل للمسلمين الذين نزلوا بهوازن هزيمة كاملة شاملة لم تقم للمشركين بعدها قائمة.
فعندما عاد المسلمون إلى الميدان في حنين لم يكتفوا بتجميع صفوفهم وإعادة تنطيمهم ومنع هوازن من تحقيق مزيد من الانتصارات كما حدث في
[ ٩ / ٢٤٢ ]
أحد، بل قاموا بهجوم معاكس قوى صاعق، كانت نتيجته انهزام جند هوازن المشركين انهزامًا مروّعًا شاملًا ونهائيًا، تمثل في فرار جند هوازن وتركهم نساءهم وأموالهم وأطفالهم في الميدان غنيمة للمسلمين.
ب- تسبب ثبات الرسول - ﷺ - في تماسك مائة من صفوة أصحابه يوم حنين، وكان لثبات هذه المائة أحسن الأثر في تخفيف هزيمة المسلمين، حيث شكل هؤلاء المائة بقيادة الرسول - ﷺ - -ساعة اشتداد النكبة- قوة حماية، حمت إلى حد كبير ساقة (مؤخرة) المسلمين المنهزمين، حيث قاد الرسول - ﷺ - بهذه المائة هجومًا عنيفًا مضادًا على عناصر هوازن التي كانت تشكل مقدمتهم لمطاردة المسلمين، فاستبسل الرسول - ﷺ - والصفوة المائة من أصحابه في هذا الهجوم المضاد حتى أنزلوا ببعض وحدات هوازن خسائر فادحة، بدليل أن المنهزمين المسلمين لم يعودوا إلى الميدان من جديد إلا والأسرى من مشركي هوازن موثقين في الحبال بين يدي الرسول القائد - ﷺ -.
ج - كان ثبات الرسول - ﷺ - والمائة الصابرة من أصحابه ثم هجومهم المضاد على الوحدات المطاردة من هوازن -ساعة النكبة- عاملا رئيسيًا في انخفاض زخم هجوم هوازن الذي بدأته الكمائن، حيث من المرجح أن هوازن ظنت (لِمَا تعرَّضت مقدمتها له من هجوم قوى مضاد من الرتل الصغير الذي قاده الرسول - ﷺ - أن جند الإسلام كله لم ينهزم، الأمر الذي خفف حدة هجوم هوازن الصاعق (بعض الشيء) فيسر ذلك إلى حد كبير- مهمة عودة الجيش الإِسلامي إلى الميدان، والذي كان في واقعه قد انهزم بأكمله عند الصدمة الأولى مع الفجر.
د - كذلك كان دور العباس بن عبد المطلب (عم الرسول - ﷺ - وكان من المائة الثابتة) دورًا مهمًا فعالًا في إعادة المنهزمين، حيث قام (وبأسلوب يدل على الشجاعة) قام حسب أمر الرسول - ﷺ -، وبصوته الجهورى الذي يسمع عبر عدة أميال- بإبلاغ المسلمين المنهزمين الحقيقة الرائعة التي ما كان الكثير منهم يتوقعها، وهي أن القائد - ﷺ - ثابت مكانه في الميدان يجالد المشركين بسيفه، ثم ناشدهم (وخاصة الأنصار) أن يعودوا إلى الميدان.
فكان لسماع مناشدة الرسول القائد - ﷺ - المنهزمين -عبر صوت عمه
[ ٩ / ٢٤٣ ]
العباس- أحسن الأَثر في تقوية روحهم المنهارة، وفي إثارة الشعور بالخجل من أنفسهم، حين أدركوا أنهم فروا وتركوا نبيهم والأحب إليهم من أنفسهم وأبنائهم وحيدًا في الميدان، فعطفوا راجعين، ثم تحوَّلوا إلى إعصار كاسح، عصف بهوازن وآلافها العشرين، حتى بعثروها بحنق وغيظ كما تبعثر العاصفة الورق اليابس.
فلولا سماع المنهزمين المسلمين صوت العباس يبلغهم ثبات نبيهم - ﷺ - ويناشدهم باسمه العودة إلى ميدان القتال، لكانت هزيمتهم هزيمة ساحقة كاملة، ولتطور انتصار هوازن من انتصار تعبوى محدود إلى انتصار سَوَقى شامل قد تبيد فيه هوازن أكثر القوات الإسلامية المنهزمة.
وهكذا فأساس انتصار المسلمين الساحق بعد هزيمتهم المروِّعة وسببه الرئيسى هو ثبات سيد الشجعان وأشرفي الخلق محمد - ﷺ - وبتلك الشجاعة التي لا مثيل لها.
هـ- العقيدة .. مما لا جدال ولا خلاف بين خبراء الحروب، أن العقيدة للجندى في أية حرب يخوضها، هي أكبر مصدر لقوته المعنوية التي هي أولى وأهم أسلحة الجندى المحارب.
والمسلمون الحقيقيون. ومنذ سطع نور الإِسلام- وهم يجعلون الحفاظ على عقيدتهم في المقام الأول، ولعله من تحصيل الحاصل وتكرار القول، التصريح بأن عقيدة الإِسلام كانت في مقدمة العوامل التي حققت لقوات محمد - ﷺ - النصر الكامل في حنين.
ولقد رأينا كيف انتصر المسلمون في حروبهم التاريخية بعقيدتهم على أعداء يتفوقون عليهم في كل شيء مادى .. انتصروا لا في العهد النبوي داخل الجزيرة فحسب، بل وخارجها .. انتصروا انتصارات لا يكاد العقل يصدقها، وذلك عندما كانوا يحملون عقيدة التوحيد الراسخة التي يعتقدون أن الموت في سبيل الدفاع عنها وحمايتها أسمى ما يتوق إليه المسلم الصادق .. هذه حقيقة أكدها واعترف بها الباحثون حتى من غير المسلمين.
ولا أدل على هذه الحقيقة من أن المسلمين -بعد أن ضعفت في نفوسهم
[ ٩ / ٢٤٤ ]
هذه العقيدة أو تلاشت بعد خير القرون- توالت عليهم النكبات والإهانات والمصائب ونزلت بهم الهزائم المخجلة، مع كثرة عددهم وتوفر عتادهم، وقلة عدد وعتاد عدوهم، فانقلب الوضع بالنسبة للمنتسبين إلى الإسلام نتيجة الخواء العقائدى الذي تعرضت له نفوسهم في الأعصر الأخيرة، فتخلفوا في كل شيء، وخاصة بعد أن استوردوا عقائد ومبادئ غريبة أحلوها محل عقيدة الإسلام .. والله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
أسباب هزيمة هوازن الساحقة بعد انتصارها:
مما لا جدال فيه أن قيادة هوازن قد رأسها شاب شجاع ألمعى أثبت منذ بداية المعركة حتى نهايتها أنه على مستوى ممتاز من الدراية العسكرية والخبرة بفنون القتال والسياسة الحربية والدقة في رسم الخطط واختيار المواقع.
أما الشجاعة، فقد رأينا منذ البداية كيف دعا قومه -وهو يلقى فيهم كلمة حماسية- إلى أن يكسروا جفون سيوفهم عند اللقاء، فكسر عشرون ألف مقاتل جفون سيوفهم ولقوا المسلمين بعشرين ألف سيف مصلتًا مكسور الجفن، كسر جفون السيوف، اتباعه علامة تدل على الشجاعة والتصميم على الاستماتة في القتال، ومن الناحية العملية فقد رأينا كيف ثبت مالك بن عوف في الميدان على رأس قبيلته الخاصة بني نصر وجالد المسلمين -رغم انهيار بقية عشائر هوازن- حتى كادت قبيلته (لثباتها بقيادته) أن تفنى عن آخرها.
أما الخبرة والدراية والسياسة العسكرية، فقد دلت تصرفات هذا القائد العجيب وهو يهيئ جيشه لمقاتلة المسلمين- وكأنه من خريجى المعاهد العسكرية الحديثة، فقد رأينا كيف حرص هذا القائد الشاب (بعد أن علم بخروج المسلمين من مكة) على أن يسبقهم إلى مكان التجويف الواسع من وادي حنين ويجعله معسكرًا لجيشه، لأنه (كما وصفه المعمِّر الخبير دريد بن الصمة) واسع وصلب غير رخو صالح لمجال الخيل التي هي سلاح الصاعقة في ذلك العصر ولدى هوازن منها يوم حنين الآلاف.
كما رأينا من شاب صغير لم يتخط الرابعة والعشرين من عمره، كيف
[ ٩ / ٢٤٥ ]
كانت قدرته على الدقة في رسم الخطط وسرعة تنفيذها، والتي منها -ولعلها أبرعها- خطة الكمائن التي كان مالك دقيقًا في وضعها وتنفيذها إلى أبعد الحدود، كما رأينا كيف لجأ القائد مالك (وهو يعبِّئ جيشه في الوادي) إلى التمويه الحربى حين جعل جيشه يظهر في أعين المسلمين أكبر من حجمه الحقيقي بعدة أضعاف.
إذن فالمسلمون واجهوا يوم حنين أعداء مقاتلين شجعانًا وقادة ممتازين من الدرجة الأولى .. أما شجاعة القائد العام لهوازن شخصيًا، فلا أدل عليها من أنه (بشهادة المؤرخين المسلمين) كان ساعة انهزام عامة هوازن، قد ثبت في الميدان على رأس عشيرته الخاصة (بني نصر) حتى كادت سيوف المسلمين أن تبيدها عن آخرها، ولم ينهزم القائد مالك إلا حين رأى أن لا فائدة من الاستمرار في القتال، ومع ذلك فلم يفرّ من الميدان فرار الجبان الرعديد، بل كان انهزامه أشبه بالانسحاب المنظَّم، فقد رأينا فيما مضى من هذا الكتاب كيف تراجع هذا القائد في هيئة أركان حربه، ووقف في كتبية من فرسانه على تل يوفرّ الحماية لبعض الفارين من الميدان من قومه، وخاصة الضعفة والنساء، وظل ثابتًا على التل في هيئة أركان حربه حتى أيقن أنه إن لم يختف ستحيط به كتيبة الفرسان المطاردة التي يقودها الزبير بن العوام، فلجأ إلى الاختفاء بين الأشجار في وادي اليمانية (نخلة) وواصل ترحاله حتى لحق بحصنه في وادي ليَّة، ثم لحق بثقيف فتحصن معها في الطائف.
إذن ما دام مستوى هوازن القتالى والقيادى ممتاز إلى هذه الدرجة فما هي الأسباب التي أدَّت إلى هزيمتها المدمرة؟
يمكن تلخيص أسباب هزيمة هوازن بعد انتصارها في الأمور الآتية.
أ- غياب العقيدة:
فإذا كان المسلمون أصحاب العقيدة الجديدة (عقيدة التوحيد) يستعذبون الموت في ظلها، ويرون هذا الموت أعزَّ ما يتوق إليه المسلم -وهذا أعظم رافد يمد النفس بالروح المعنوية اللازمة للصبر على القتال حتى الموت- فإن جند هوازن (رغم شجاعتهم) ليس لهم عقيدة يستعذبون الموت في سبيلها، بل ويبحثون عنه ليكونوا شهداء في سبيل الله كما هو شأن المسلمين
[ ٩ / ٢٤٦ ]
في كل معركة خاضوها تحت قيادة الرسول - ﷺ -.
وإذا كانت لهوازن عقيدة، فإن هذه العقيدة (وهي عقيدة وثنية) هي في حكم المعدوم، لأنها عقيدة ضحلة مهزوزة غير واضحة ولا راسخة، وليس من معطياتها الاعتقاد بأن المقتول في سبيلها سيفوز بالجنة، فليس في جيش هوازن جندى واحد يعتقد أنه إن قتل دفاعًا عن اللات والعزّى أو أي صنم آخر، سيكون مأواه الجنة.
إذن فهوازن يمكن القول: إنهم خاضوا المعركة بدون عقيدة، ولهذا فإن قائدهم مالك بن عوف -لعلمه بهذه الحقيقة كوثنى- لجأ إلى جعل الدفاع عن النساء والأطفال والأموال يحل محل الدفاع عن العقيدة الصحيحة الراسخة كالتي لدى المسلمين والتي يفقدها الهوازنيون، فأمر جميع الجند باصطحاب أهلهم وأموالهم إلى الميدان كى يستميتوا في الدفاع عنهم، حينما لم يكن لديهم غيرهم ما يجبرهم على الاستماتة في الدفاع عنه، ولكن هذه الخطة لم تجد شيئًا، فقد انهزمت هوازن هزيمة كاملة شاملة تاركة الأهل والأموال وراءها .. والسبب غياب العقيدة الصحيحة الراسخة التي لا يقوم مقامها شيء في مد الجندى بالروح المعنوية اللازمة للصمود حتى الموت.
ب- القبلية الضيقة والمطامع:
أثناء تحليل الدوافع لخوض القبائل الوثنية (مثل هوازن) للمعارك مع أي كان، يتضح للباحث أن العنصرية الضيقة المتمثلة في الدفاع عن القبيلة فقط، وكذا الرغبة في السلب والنهب هما الباعثان الرئيسيان للجندى الوثنى العربي على القتال، وهذان الباعثان (في نظر الخبير العسكري) غير كافيين لمد الجندى بالثبات والصمود حتى الموت.
فالعنصرية رغم أنها قد تكون عامل تجميع وحشد، فإنها لدى المحارب ليست عامل ثبات وصمود حتى الموت، فهو سيقاتل إلى جانب من هو من قبيلته دونما شك، وقد يصمد بشجاعة ويضحى، ولكن ليس إلى الحد الذي يجعله يُقبِلُ على الموت راضيًا كى يحيا الآخرون (ولا عبرة بالنادر الشاذ) فهو سيقاتل بشراسة وشجاعة ما دام أن هناك أملًا في الانتصار، ولكن عندما
[ ٩ / ٢٤٧ ]
تضرّسه الحرب وتشتد عليه وطأة القتال إلى الحد الذي لا خيار له معه إلا اتباع أحد إما الموت أو الفرار، فإنه -دونما شك- سيفضِّل الفرار.
أما باعث السلب والنهب فإنه أضعف من باعث العنصرية، لأن المحارب من أجل السلب والنهب، فإنما يخوض الحرب من أجل التمتع (حيًّا) بما يسلب وينهب، ولذلك فإنه عندما يترجح لديه أن الموت سيكون مصيره إذا ما استمر في القتال، سيركن إلى الفرار دونما شك، مهما كان شجاعًا وبارعًا في القتال وهذا هو الذي حدث لهوازن.
ج- الغرور والاستبداد:
هاتان الصفتان، هما صفتا قائد هوازن مالك بن عوف، فبالرغم من أن هذا السيد الشاب ذكي شجاع ألمعى، فإنه كان مغرورًا مستبدًا، والغرور والاستبداد في قادة الجيوش من أخطر ما يتهدد هذه الجيوش ويسبب لها النكبات كما سجل التاريخ ذلك عبر القرون.
أما استبداد مالك فقد كان جليًّا (كما رأينا) في رفضه نصيحة المحارب الخبير المعمّر دريد بن الصمة، حينما انتقده لإجباره الجند على اصطحاب أهاليهم وأموالهم معهم إلى الميدان، ونصحه بأن يعيد النساء والأطفال والأموال إلى رؤوس الجبال لتكون في مأمن إذا ما كانت الهزيمة على هوازن، فرفض هذه النصيحة بعجرفة، وعندما استصوب وجوه وقادة عشائر هوازن نصيحة دريد بن الصمة ومالوا إلى الأخذ بها، هددهم قائدهم بأنه سينتحر إذا لم يسيروا حسب خطته وتبعًا لمزاجه، فأذعنوا له، (رغم الخطأ القاتل في تصرفه)، لأنه كان محبوبًا لديهم، ولأنهم يخشون الانقسام والمعركة على الأبواب.
أما غروره فقد ذكر المؤرخون أنه كان متكبِّرًا لا يسير إلا مُسبِل الإِزار، وقد تجلى غروره في إعلانه الاستهانة بقوات المسلمين، هذه الاستهانة التي تجلت في قوله (ضمن كلمة ألقاها في جنده قبيل المعركة): (إن محمدًا لم يقاتل قط قبل هذه المرة، وإنما كان يلقى قومًا أغمارًا لا علم لهم بالحرب
[ ٩ / ٢٤٨ ]
فينصر عليهم) (١). مع أن دريد بن الصمة نصح مالكًا بأن يترك الغرور لأنه سيقاتل رجلًا لا كالرجال، حين قال له: (يا مالك إنك تقاتل رجلًا كريمًا وقد أصبحت رئيس قومك وإن هذا اليوم كائن لما بعده من الأيام) (٢).
وغرور القائد واستهانته بجنود الجيش الإِسلامي، كان بمثابة إيحاء إلى جنده بأن يكونوا مثله، فسرب روح الاستهانة بين فصائلهم بجند الإِسلام لا سيما بعد أن انهزم المسلمون عند الصدمة الأولى، فكان هذا الغرور والاستهانة (دونما شك) من أهم أسباب انتكاسة هوازن بعد انتصارها، هذه الانتكاسة التي تحولت إلى هزيمة ساحقة شاملة.
د- الانشقاق بين هوازن:
بالرغم من أن هوازن كانت في حنين قوة جبارة (عشرين ألف محارب) إلا أنها كانت قد تعرَّضت (منذ اللحظة الأولى من التحشد) لانشقاق كان له الأثر السئ على معنوياتها فقد رفضت قبيلتان من هوازن الاشتراك في حرب المسلمين، وهاتان القبيلتان (وهما كعب (٣) وكلاب (٤» من أشجع وأقوى قبائل هوازن، بل هما بشهادة المعمر الخبير دريد بن الصمة، أقوى قوة بين عشائر هوازن -وذلك بقوله - (لما أخبِر أنهما لن تشهدا حنينًا مع هوازن-: (غاب الجِدُّ والحد، ولو كان يوم رفعة وعلاء لم تغب عنه كعب ولا كلاب).
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٩٣.
(٢) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٧.
(٣) هم كعب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن. كانوا بطنًا عظيمًا من هوازن، وكانت ديارهم منتشرة فيما بين تهامة والمدينة وأرض الشام. وكانوا مشهورين بالشجاعة والشرف بين العرب.
(٤) كلاب هؤلاء بطن من أعظم بطون هوازن، وهم من بني كلاب بن ربيعة بن عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن، كانت من منازلهم سمى ضرية بنجد وهو حمى كليب، وحمى الربذة في جهات المدينة المنورة، وفدك والعوالى، وقد انتشروا في الشام. وكانوا شعبًا محاربًا فعظم شأنهم فملكوا حلب ونواحيها كثيرًا من مدن الشام، وإلى عظمة وشرف كعب وكلاب هؤلاء يقول الشاعر لآخر يهجوه: فغض الطرف إنك من نمير فلا كعبا بلغت ولا كلابا
[ ٩ / ٢٤٩ ]
ورغم امتناع كعب وكلاب أكثر بني هلال من الانضمام إلى حشد مالك بن عوف لم يحدث أي تردد بين أوساط عشائر هوازن الأخرى، إلا أن امتناع كعب وكلاب وبنى هلال كان له أثره الضَّار على معنويات العشائر الأخرى من هوازن، لأن جيش مالك بن عوف الذي يتكون من هذه العشائر قد خسر (بمختلف العشائر الثلاث عنه) عنصرًا من أهم عناصره القتالية، فأنقص ذلك من مستوى روح هذا الجيش المعنوية، حتى أن الخبير الحربى المعمر الذي بلغ مائة وستين سنة قضى معظمها في الحروب، توقع نزول الشر بجيش هوازن لما بلغه غياب كعب وكلاب وبنى هلال عن مقاتلة المسلمين، حين قال: (لو كان خيرًا ما سبقتموهم إليه، ولو كان ذكرًا أو شرفًا ما تخلَّفوا عنه فأطيعونى يا معشر هوازن وارجعوا وافعلوا ما فعل هؤلاء) (١).
وفعلًا (وكما توقع دريد بن الصمة) فإن هوازن لم تلق في حربها ضد المسلمين إلا الشر كل الشر وهو الهزيمة الشاملة الساحقة.
هـ- الرعب المفاجئ:
لقد أظهرت هوازن (وخاصة في المرحلة الأولى من المعركة) مقدرة قتالية كبيرة، وعندما تراجع المسلمون المنهزمون وشنوا هجومهم المعاكس الضارى، قاتلت أيضًا هوازن قتالًا شديدًا، وثبت قائدها مالك بن عوف في الميدان يجالد المسلمين بثبات وضراوة حتى كادت قبيلته الخاصه أن تفنى لثباتها إلى جانبه.
ولكنَّ جند هوازن -ساعة استئناف المسلمين القتال واشتداد هذا القتال- تعرّضوا لسلاح خفى كان له أكبر الأثر في التعجيل بهزيمة هوازن .. وهذا السلاح هو الرعب المفاجئ الذي قذفه الله في قلوب جند هوازن، بالإضافة إلى جنود مجهولين كان جند هوازن يشاهدونهم على هيئة مفزعة إلى جانب العسكر الإسلامي، وقد ذكر مؤرخو الإسلام (استنادًا إلى نصوص موثوق بها) أن هؤلاء الجنود الذين يشاهدهم جند هوازن على هيئة خيالة، هم من الملائكة لبث الرعب في نفوس المشركين، وقد أكد حقيقة هذا الرعب المفاجئ رجال من ثقيف ممن شهدوا حنينا مع المشركين ثم هداهها الله
_________________
(١) مغازي الواقدي ج ٣ ص ٨٨٧.
[ ٩ / ٢٥٠ ]
للإسلام كما تقدم تفصيله في هذا الكتاب.
أسباب فشل المسلمين في حصار الطائف:
كما تقدم في هذا الكتاب، كان الرسول - ﷺ - قد قام- يقود جميع جيشه- بمطاردة هوازن من حنين، حتى وصل إلى الطائف، حيث يوجد بها أهم أجنحة هوازن (ثقيف) وفرض الحصار على حصونها، وكان يأمل من وراء هذا الحصار أن تستسلم ثقيف للمسلمين، ولكن ثقيفًا قاومت بعنف واستعصت حصونها، فلم ينجح الحصار، فاضطر النبي - ﷺ - إلى فكه وترك ثقيف وشأنها، فما هي أسباب الإسراع بفك الحصار دونما أية نتيجة إيجابية للمسلمين؟ .. يمكن إيجاز الأسباب في الأمور الآتية:
أ- كانت حصون الطائف منيعة بحيث يصعب على مشاة المسلمين وفرسانهم اقتحامها، وكان لدى الجيش الإِسلامي سلاح ثقيل يستخدم عادة في الهجوم على القلاع والحصون، وهذا السلاح هو المنجنيقات والعرّادات والدبابات، وقد استخدم الرسول - ﷺ - هذا السلاح الثقيل بغية تسهيل مهمة اقتحام تلك الحصون، ولكنَّ الدفاع من ثقيف كان شديدًا والأسوار كانت منيعة بحيث لم يكن القذف بالقذائف النارية وغير النارية ذا أثر فعال على هذه الحصون.
ب- المقاومة الشديدة .. مما لا جدال فيه أن ثقيفًا جيل محارب ممتاز، وكانوا من أهم أجنحة هوازن ولا أدل على شجاعتهم من أنهم فقدوا يوم حنين وحدهم مائة قتيل بمن فيهم قائدهم عبد الله بن عثمان. وكانوا -استعدادًا للمقاومة في الحصون- قد أدخلوا في حصونهم من المواد الغذائية ما يكفيهم لسنة كاملة، أما الماء فقد كان موجودًا بكثرة داخل حصونهم.
وقد كانت مقاومتهم للحصار شديدة، وكانوا ماهرين في القصف بالسهام ومقاومة الدبابات التي يستخدمها المهاجون لنقب الأسوار كدروع يحتمون بها، ولقد كان جل اعتمادهم على القوس والنبل، فقد صوبوا سهامهم بمهارة نحو المسلمين وقصفوهم بها بغزارة مما أحدث بينهم عدة إصابات قاتلة، الأمر الذي اضطرهم إلى التراجع بعيدًا عن مرمى السهام.
[ ٩ / ٢٥١ ]
كذلك عندما حاولت بعض الوحدات الإسلامية استخدام الدبابات (وكانت من الخشب السميك) لفتع ثغرات في أسوار الحصن يدخل منها جند الإِسلام، قابلت ثقيف هذا السلاح الثقيل بسلاح مضاد فعال، وهو قذائف من الحديد المحمى المنصهر، كانت تقذف به هذه الدبابات فتحرقها، الأمر الذي كشف الجنود المحتمين بها، فصاروا عرضة لسهام ثقيف، فاضطروا للتراجع وفشل هجومهم المدَّرع لنقب الأسوار. وهكذا لم تنجح محاولات الجيش الإِسلامي لاقتحام حصون ثقيف عنوة.
ج- صعوبة تطويل أمد الحصار .. لم يبق أمام الجيش الإسلامي إلا أمر واحد لإجبار ثقيف على الاستسلام وهو أن يظل المسلمون محاصرين ثقيفًا حتى ينفد ما لديهم من مواد غذائية، وذلك يستغرق سنة كاملة، والمحارب المسلم في ذلك العهد، لم يتعود (بعد) عَلى البقاء مثل هذه المدة بعيدًا عن أهله وعياله .. فلم ير الرسول - ﷺ - البقاء لفرض الحصار وتجميد الجييش أمام حصون ثقيف طوال هذه المدة.
د- عدم خطورة ثقيف .. كذلك يعتبر من الأسباب، أن ثقيفًا (بعد اضمحلال قوة هوازن) لم تعد ذات خطر على الإِسلام بحيث يتحتم على المسلمين تجشيم أنفسهم متاعب الانشغال بحصارها لمدة سنة كاملة، فثقيف بعد دخول جميع عشائر هوازن في الإِسلام بقيت معزولة تمامًا، ومحاطة بالأعداء الذين كانوا أصدقاء وإخوة الأمس، فهؤلاء وحدهم كفيلون بإزعاج ثقيف وتضييق الخناق عليها، كلما سنحت لهم الفرصة، وهو ما حدث (فعلًا) وخاصة بعد أن دخل ملك هوازن وقائدها العام يوم حنين مالك بن عوف في الإِسلام، وصار بنفسه (وهو الشجاع المطاع في قومه) يشن الغارات العنيفة على ثقيف.
هـ - ثبت (وهو الأهم) أن الرسول القائد - ﷺ - جاءه الأمر من السماء بأن يفك الحصار عن ثقيف، لأنه سبق في علم الله تعالى أن ثقيفًا نفسها ستأتي طائعة مختارة إلى المدينة لتعلن إسلامها، ولهذا فإن النبي - ﷺ - لما طلب منه بعض أصحابه (وهو يفك الحصار عن ثقيف) أن يدعو عليها، رفض ودعا لها قائلًا: "اللهم اهد ثقيفًا وائت بها" أو كما قال - ﷺ - وهكذا عَجَّل
[ ٩ / ٢٥٢ ]
الرسول - ﷺ - الحصار عن ثقيف التي جاءته مسلمة في أواخر السنة التاسعة من الهجرة.
انهيار الوثنية في جزيرة العرب:
كان الوثنيون العرب في الجزيرة كلها يعلقون الآمال -لمقاومة التيار الإسلامي ولحماية الوثنية من خطر التوحيد في الدرجة الأولى- على قريش سدنة الكعبة وحرّاس المشاعر، وعندما وقعت عاصمتها مكة في أيدى المسلمين لم يعد هناك من قوة حربية فعالة تتجه إليها أنظار المتبقين على الوثنية في الجزيرة لمواجهة التوحيد والتغلّب على قواته المسلحة سوى قبائل هوازن الكثيرة العدد وذات القدرة القتالية الممتازة، ولكن ها هي هوازن تسقط آخر الأمر وينتهى وجودها العسكري كقوة معادية للإسلام، بل ويتحوّل كل عشائرها أنصارًا لهذا الدين ..
فماذا عسى أن تفعل الجيوب الشركية الضعيفة المبعثرة هنا وهناك في جزيرة العرب الشاسعة، فقد انهار آخر معقل للوثنية في الجزيرة بانهيار جيوش هوازن يوم حنين، وبهذا صح يقينًا القول: إن الوثنية قد انهارت في الجزيرة العربية إلى الأبد بعد معركة حنين، بدليل أنه بعد هذه المعركة أخذت وفود العرب تتوارد إلى المدينة لإِعلان الدخول في الإِسلام.
والجيوب التي أبدت بعض العناد، كالتي في أقصى الشمال (كقبيلة طيئ) أو في أقصى الجنوب كبنى الحارث ناحية نجران، جرّد عليها الرسول - ﷺ - حملات عسكرية صغيرة قضت على مقاومتها، ولم تأت السنة العاشرة من الهجرة إلا وأصبحت الجزيرة العربية من أقصاها إلى أقصاها داخلة في الإِسلام ليس بها وثنى وإحد، اللهم إلا جاليات يهودية ونصرانية صغيرة بقيت على دينها في ظل سلطان الإِسلام لأنها من أهل الكتاب الذين يُكتَفَى منهم بأخذ الجزية كإقرار بالخضوع لسلطان الإِسلام.
وهكذا كانت معركة حنين آخر معركة حربية عنيفة يخوضها المسلمون بقيادة نبيهم، مع الإشارة إلى غزوة تبوك -وإن لم يخض الرسول فيها قتالا مع الرومان- إلا أنها كانت لنجاحها ذات أثر معنوى عظيم في تثبيت دعائم
[ ٩ / ٢٥٣ ]
الإسلام وهيبة المسلمين في نظر البيزنطيين حكام الشام والعرب المتنصرة الموالين لهم هناك. وهكذا وبعد الانتصار العسكري الحاسم في حنين ومجئ الناس ليدخلوا (باختيارهم في الإِسلام أنزل الله تعالى - كإشارة إلى انتهاء الصراع المسلح في جزيرة العرب التي كانت فيه انتصارات المسلمين الحربية تمهيدًا لهذه الفتوحات المعنوية المتمثلة في تسابق القبائل إلى المدينة المنورة للدخول في الإِسلام - أنزل الله تعالى قوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾.
[ ٩ / ٢٥٤ ]
[خريطة]
[ ٩ / ٢٥٥ ]
أهم مراجع هذا الكتاب
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تفسير ابن كثير - ابن كثير
فتح القدير (تفسير) - محمد بن علي الشوكاني
في ظلال القرآن (تفسير) - سيد قطب
الكشاف - الزمخشري
صحيح البخاري - البخاري
صحيح مسلم - مسلم
زاد المعاد - ابن القيم
تاريخ العرب قبل الإسلام - الدكتور جواد علي
سيرة ابن هشام - محمد بن إسحاق
الأغاني - أبو الفرج الأصبهاني
الصداقة والصديق - أبو حيان التوحيدي
صبح الأعشى - أحمد بن علي القلقشندي
المغني في الفقه - ابن قدامة
الإِنصاف في معرفة الراجح من الخلاف - علاء الدين المرداوي
كشاف القناع - منصور بن يونس البهوتي
شبهات حول الإِسلام - محمد قطب
جمع الفوائد - محمد بن محمد بن سليمان
زاد المسلم (تفسير) - ابن الجوزي
سقوط الجولان - خليل مصطفى
[ ٩ / ٢٥٦ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
غاية المنتهي - الشيخ مصطفى السيوط الرحيباني
الطبري (تاريخ) - محمد بن جرير الطبري
القانون الدولي العام - الدكتور سموحي فوق العادة
محمد نبي ورجل دولة - الدكتور مونتجمري وات
حقائق الإسلام وأباطيل خصومه - عباس محمود العقاد
ما يقال عن الإسلام - عباس محمود العقاد
فقه السنة - السيد سابق
الرسول القائد - اللواء الركن محمود شيت خطاب
تفسير الإمام محمد عبده - السيد رشيد رضا
حياة محمد ورسالته - مولانا محمد على
السيرة الحلبية - ابن برهان الدين
فقه السيرة - محمد الغزالي
سمط النجوم العوالي - عبد الملك بن حسين العصامي
البداية والنهاية - إسماعيل بن كثير
الكامل في التاريخ - محمد بن الأثير
جوامع السيرة - على بن حزم
آثار المدينة - عبد القدوس الأنصاري
وفاء الوفاء - على بن أحمد السمهودي
دائرة معارف القرن الرابع عشر - العشرين - محمد فريد وجدي
لسان العرب - ابن منظور الإفريقي المصري
نيل الأوطار - محمد بن على الشوكاني
[ ٩ / ٢٥٧ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
اليهود في القرآن - عفيف عبد الفتاح طباره
الطبقات الكبرى - ابن سعد
معجم البلدان - ياقوت الحموي
مراصد الاطلاع على أسماء الأمكنة صفي الدين عبد المؤمن ابن عبد الحق
معجم النساء - عمر رضا كحالة
الأعلام - خير الدين الزركلي
ديوان الحماسة. - أبو تمام الطائي
العرب قبل الإسلام - جورجي زيدان
الأبطال - توماس كارليل
حضارة العرب - جوستاف لوبون
التشريع الجنائي في الإسلام - الشهيد عبد القادر عودة
الإصابة - ابن حجر العسقلاني
الاستيعاب - ابن عبد البر
أيام العرب في الإسلام - محمد أبو الفضل - على البجاوي
الروض الأنف - السهيلي
نهاية الأرب - القلقشندي
معجزة محمد رسول الله - عبد العزيز الثعالبي
قصص الأنبياء - عبد الوهاب النجار
تاريخ ابن خلدون - عبد الرحمن بن خلدون
مروج الذهب - المسعودي
معجم قبائل العرب - عمر رضا كحالة
معجم البكرى - البكرى
تاريخ الإسلام السياسي - الدكتور حسن إبراهيم حسن
[ ٩ / ٢٥٨ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
تاريخ الأمة العربية - محمد أسعد طلس
عجائب الأقاليم السبعة - محمد بن موسي الخوارزمي
حياة محمد - محمد حسين هيكل
بهجة المحافل - يحيى بن أبي بكر العامري
إمتاع الأسماع - المقريزي
تهذيب تاريخ ابن عساكر - عبد القادر بن أحمد بن مصطفي الدمشقي
عصر النبي - محمد عزة دروزة
البدء والتاريخ -أبو زيد أحمد بن سهل البلخي
مغازي الواقدي - محمد بن عمر بن واقد
صورة الأرض - ابن حوقل
الآثار الباقية من القرون الخالية - محمد بن أحمد البيروني
أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم - المقدسي المعروف بالبشاري
أنساب الأشراف - أحمد بن يحيى البلاذري
جمهرة أنساب العرب - على بن أحمد بن حزم
جمهرة رسائل العرب - أحمد زكي صفوت
مجمع البيان في تفسير القرآن - الفضل بن الحسن الطبرسي
جامع الأصول من أحاديث الرسول - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري
مسند الإمام زيد - زيد بن على بن الحسين
نصب الراية - عبد الله بن يوسف الحنفي الزيلعي
النهاية في غريب الحديث - المبارك بن محمد بن الأثير الجزري
منهاج السنة النبوية - أحمد بن تيمية
جزيرة العرب - حافظ وهبة
صفة جزيرة العرب - الهمداني
[ ٩ / ٢٥٩ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
نسب قريش - المصعب بن عبد الله الزبيري
فتوح البلدان - أبو الحسن البلاذري
الحرية عند العرب - إبراهيم الحداد
تاريخ اليعقوبي - أحمد بن أبي يعقوب
جزيرة العرب - جان جاك بيرك
الوثائق السياسية في العهد النبوى والخلافة الراشدة - الدكتور محمد حميد الله
لمحات من تاريخ العالم - جواهر لال نهرو
المحبر - محمد بن حبيب بن أمية الهاشمي
قصة الحضارة - ول. ديورانت
فجر الإسلام - أحمد أمين
عيون الأخبار - محمد بن عبد الله بن مسلم بن قتيبة
معالم تاريخ الإنسانية - هـ. ج. ولز
تاريخ الشعوب الإسلامية - كارل بروكلمان
شفاء الغرام بأخبار البلد الحرام - محمد بن أحمد بن على الفاسي
تاريخ الأمم الإسلامية - محمد الخضري
المختصر في تاريخ البشر
نخبة الدهر من عجائب البر والبحر - شمس الدين محمد بن أبي طالب الأنصاري
عبقرية محمد - عباس محمود العقاد
غزوة بدر الكبرى - المؤلف
غزوة أحد - المؤلف
غزوة الأحزاب - المؤلف
غزوة بني قريظة - المؤلف
تهذيب الصحاح - محمود بن أحمد الزنجاني
[ ٩ / ٢٦٠ ]
اسم الكتاب - اسم المؤلف
مجمع الزوائد - على بن أبي بكر الهيثمي
الجامع الصغير - الإمام السيوطي
صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار - محمد بن بلهيف
صحيح الترمذي - الإمام الترمذي
سنن أبي داود - الإمام أبو داود
الفاروق القائد - محمود شيت خطاب
تاج العروس - محمد مرتضى الزبيدي
الأخبار الطوال - أبو حنيفة الدينوري
الفتوحات العربية الكبرى - الجنرال جلوب باشا
التنبيه والإشراف - على المسعودي
المجتمعات الإسلامية في القرن الأول - شكري فيصل
[ ٩ / ٢٦١ ]
محمد أحمد باشميل
من معارك الإسلام الفاصلة
- ١٠ -