[الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته]
الباب السّادس في صفة عبادة رسول الله ﷺ وصلاته، وصومه، وقراءته وفيه ثلاثة فصول: (الباب السّادس) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ومقدمة وخاتمة.
(في) بيان ما ورد في (صفة عبادة رسول الله ﷺ)
قال الباجوري: العبادة أقصى غاية الخضوع والتذلّل. وتعورفت في الشّرع فيما جعل علامة على ذلك؛ من صلاة وصوم وجهاد وقراءة وغير ذلك.
والتحقيق: أنه ﷺ لم يتعبّد قبل النبوة بشرع أحد، وتعبّده بحراء!! إنّما كان تفكّرا في مصنوعات الله وغيره من العبادات الباطنة، وإكرام من يمرّ عليه من الضّيفان، فإنّه كان يخرج إلى حراء في كلّ عام شهرا ويتعبّد فيه بذلك. انتهى.
والمراد بالعبادة هنا ما هو أعمّ من العبادات الظاهرة أو الباطنة؛ كالتفكر والخوف والخشية، فلذا عطف عليها قول (و) في صفة (صلاته)؛ من عطف الخاصّ على العامّ للاهتمام، لأنّها عمود الإسلام، وكذا قوله (وصومه وقراءته) ﷺ.
(وفيه)؛ أي: هذا الباب (ثلاثة فصول) . يأتي بيانها.
[ ٣ / ٥ ]
[الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته]
الفصل الأوّل في صفة عبادته ﷺ وصلاته قال رسول الله ﷺ: «أنا أتقاكم لله تعالى، وأشدّكم له خشية» .
(الفصل الأوّل) من الباب السادس (في) بيان ما ورد في (صفة عبادته)
بكسر العين المهملة وتخفيف الموحّدة- (ﷺ، و) في صفة (صلاته) النافلة كمّا وكيفا ﷺ.
(قال رسول الله ﷺ) - فيما رواه البخاري ومسلم، وأورده المصنف هنا بالمعنى- (: «أنا أتقاكم) - أي: أكثركم تقوى- (لله تعالى) التقوى- في اللغة- بمعنى الاتقاء، وهو: اتّخاذ الوقاية، وعند أهل الحقيقة-: هو الاحتراز بطاعة الله تعالى عن عقوبته، وهو: صيانة النفس عما تستحقّ به العقوبة من فعل أو ترك.
والتقوى في الطاعة يراد به الإخلاص، وفي المعصية يراد به الترك والحذر
(وأشدّكم له خشية»)، لأن الخوف على قدر المعرفة، وهو أعرف خلق الله بالله تعالى. ولله درّ من قال:
على قدر علم المرء يعظم خوفه فلا عالم إلّا من الله خائف
فامن مكر الله: بالله جاهل وخائف مكر الله: بالله عارف
قال بعضهم: الخشية تألّم القلب بسبب توقّع مكروه في المستقبل؛ يكون تارة بكثرة الجناية من العبد، وتارة بمعرفة جلال الله وهيبته، وخشية الإنسان من هذا القبيل. انتهى.
وقد ترجم البخاري في «صحيحه» بقوله ﷺ: «أنا أعلمكم بالله»، وأورد فيه
[ ٣ / ٦ ]
وفي «صحيح البخاريّ»: «إنّي لأعلمكم بالله، وأشدّكم له خشية» .
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أمرهم؛ أمرهم من الأعمال بما يطيقون؛ قالوا: إنّا لسنا كهيئتك؛ يا رسول الله، إنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!! فيغضب حتى يعرف الغضب في وجهه. ثم يقول:
«إنّ أتقاكم وأعلمكم بالله أنا» .
ولفظ ترجمة البخاري لأبي ذرّ: «أنا أعرفكم بالله» وكأنه مذكور بالمعنى؛ بناء على ترادفهما.
(وفي «صحيح) الإمام (البخاريّ») في «كتاب الأدب»، وفي «كتاب الاعتصام»؛ عن مسروق قال: قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: صنع النبي ﷺ شيئا ترخّص فيه، فتنزّه عنه قوم!! فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فحمد الله، ثم قال:
«ما بال أقوام يتنزّهون عن الشّيء أصنعه!! فو الله؛ (إنّي لأعلمكم) - أي: أكثركم علما- (بالله) هذا ظاهر في أنّ العلم بالله درجات، وأنّ بعض الناس فيه أفضل من بعض، وأنّ النبي ﷺ منه في أعلى الدرجات، والعلم بالله يتناول ما بصفاته؛ وما بأحكامه، وما يتعلّق بذلك، فهذا هو الإيمان حقا. (وأشدّكم) - لفظ البخاري: «إنّي لأعلمهم بالله وأشدّهم- (له خشية)، لأن الله سبحانه جمع له بين علم اليقين وعين اليقين؛ مع الخشية القلبيّة واستحضار العظمة الإلهية؛ على وجه لم يجتمع لغيره. وكلما ازداد علم العبد بربّه ازداد تقواه وخوفه منه، ومن عرف الله صفا له العيش، وهابه كلّ شيء.
فمعناه: ما أنا عليه من العلم والخشية أوفر وأكثر من علمكم وخشيتكم؛ ذكره القاضي عياض.
وقال القرطبي: إنّما كان كذلك!! لما خصّ به في أصل خلقته؛ من كمال الفطنة، وجودة القريحة، وسداد النظر، وسرعة الإدراك، ولما رفع عنه من موانع الإدراك، وقواطع النظر قبل تمامه. ومن اجتمعت هذه الأمور [فيه] سهّل الله عليه الوصول إلى العلوم النظرية، وصارت في حقّه كالضروريّة.
[ ٣ / ٧ ]
وفيه: عن أبي هريرة رضي الله [تعالى] عنه: «لو تعلمون ما أعلم.. لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا» .
وفي «صحيح مسلم»: عن أنس رضي الله [تعالى] عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده، لو رأيتم ما رأيت.. لضحكتم قليلا ولبكيتم
ثمّ إنّه تعالى قد أطلعه من علم صفاته وأحكامه وأحوال العالم ما لم يطلع عليه غيره، وإذا كان في علمه بالله تعالى أعلم الناس؛ لزم أن يكون أخشاهم، لأن الخشية منبعثة عن العلم إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] انتهى من «شرح المناوي» ﵀.
(وفيه)؛ أي «صحيح البخاري»؛ في «كتاب الرّقاق» (عن أبي هريرة رضي الله) تعالى (عنه: «لو تعلمون ما أعلم) - من عظم انتقام الله من أهل الجرائم وأهوال القيامة وأحوالها، أي: لو تعلمون ما علمته لما ضحكتم أصلا؛ المعبّر عنه بقوله: - (لضحكتم قليلا) إذ القليل بمعنى العديم على ما يقتضيه السياق، لأن «لو» حرف امتناع لامتناع. والمعنى: لو دام علمكم كما دام علمي. لأنّ علمه متواصل بخلاف غيره! لتركتم الضّحك (ولبكيتم كثيرا») لغلبة الحزن، واستيلاء الخوف، واستحكام الوجل. ورواه البخاري أيضا في «كتاب الرقاق»؛ عن أنس، وفي «كتاب الكسوف»؛ عن عائشة ﵂.
(وفي «صحيح) الإمام (مسلم»)؛ في الصلاة «باب تحريم سبق الإمام بركوع أو سجود»؛ (عن أنس ﵁) قال:
صلّى بنا رسول الله ﷺ ذات يوم، فلما قضى الصلاة أقبل علينا بوجهه؛ فقال:
«يا أيّها النّاس؛ إنّي إمامكم، فلا تسبقوني بالرّكوع ولا بالسّجود، ولا بالقيام ولا بالانصراف، فإنّي أراكم من أمامي ومن خلفي» .
ثمّ قال: (إنّ رسول الله ﷺ قال: «والّذي نفس محمّد بيده؛ لو رأيتم ما رأيت) - وعلمتم ما علمت ممّا رأيته اليوم وقبل اليوم- (لضحكتم قليلا ولبكيتم
[ ٣ / ٨ ]
كثيرا» . قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: «رأيت الجنّة والنّار» .
وعن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما قالا:
صلّى رسول الله ﷺ حتّى انتفخت قدماه،
كثيرا») أي: لاشتدّ خوفكم وقلّ ضحككم وكثر بكاؤكم؛ وقدّم الضحك!! لكونه من المسرّة، وفيه من أنواع البديع مقابلة الضحك بالبكاء؛ والقلّة بالكثرة، ومطابقة كلّ منهما بالآخر.
(قالوا)؛ أي: الصحابة (: وما رأيت) - بفتح التاء- (يا رسول الله!؟ قال: «رأيت الجنّة والنّار») .
فيه دليل على أنّ الجنة والنار مخلوقتان، وفيه نصح المصطفى ﷺ لأمّته، وتعليمهم ما ينفعهم، وتحذيرهم مما يضرّهم، وتعذيب أهل الوعيد.
وفيه دليل على أنه لا كراهة في استعمال لفظة «لو» في مثل هذا. والله أعلم.
قال بعضهم: من الحكم والفوائد التي اشتمل عليها رؤية المصطفى ﷺ الجنة والنّار الأنس بأهوال القيامة ليتفرّغ فيه لشفاعة أمته ويقول «أمّتي أمّتي» حيث يقول غيره من عظيم الهول «نفسي نفسي» . انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنّسائيّ، وابن ماجه باختلاف في الألفاظ: كلّهم؛
(عن المغيرة بن شعبة وأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما)، وهذه رواية المغيرة اقتصر عليها المؤلّف، ولم يذكر رواية أبي هريرة!! لموافقتها لها في المعنى كرواية «الصحيحين»، وسنذكر رواية أبي هريرة فيما بعد!! (قالا)؛ أي:
المغيرة وأبو هريرة، لكن الموجود في المتن هو رواية المغيرة؛ قال:
(صلّى رسول الله ﷺ)؛ أي: اجتهد في الصلاة واستمرّ على الاجتهاد (حتّى انتفخت) - أي: تورّمت- (قدماه) الشريفتان من طول قيامه فيها واعتماده
[ ٣ / ٩ ]
فقيل له: أتتكلّف هذا وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا؟!» .
عليهما، فهو ﷺ أعظم المخلوقات طاعة لربّه، فيندب تشمير ساق الجدّ في العبادة؛ وإن أدّى لمشقّة؛ ما لم يلزم عليه ملل وسامة، وإلّا!! فالأولى ترك ما لزم منه الملل، لخبر: «عليكم من الأعمال ما تطيقون، فإنّ الله لا يملّ حتّى تملّوا» أي: عليكم من الأعمال ما تطيقون الدوام عليه، فإنّ الله لا يقطع ثوابه عنكم حتى تملّوا من العبادة. فالمراد من الملل في حقّه تعالى قطع ثوابه. انتهى «باجوري» .
(فقيل له)؛ أي: قال بعض أكابر الصّحب له، وفي رواية أنّه عمر (: أتتكلّف) - وفي رواية: أتكلّف- (هذا)، بحذف إحدى التاءين، والأصل «أتتكلّف» كما في الرواية الأولى، أي: أتتحمّل هذه الكلفة العظيمة؟!
والتكلّف نوعان: ١- أن يفعل الإنسان فعلا بمشقّة، وهو ممدوح. وهو المراد هنا. و٢- أن يفعل فعلا تصنّعا، وهو مذموم. وهذا ليس مرادا هنا.
(و) الحال أنّه (قد غفر الله لك)، وفي رواية: وقد غفر لك- بالبناء للمجهول- وهي ترجع للرواية الأولى، أي: غفر الله لك (ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!؟)، كما قال تعالى لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [٢/ الفتح] .
(قال)؛ أي: رسول الله ﷺ جوابا للسؤال المذكور، وكأنّ السائل ظنّ أنّه ﷺ بالغ في الاجتهاد في العبادة وتحمّل المشاقّ التي لا تطاق؛ خوفا من الذنوب، أو رجاء العفو، لأننا شأننا ذلك، فتعجب من ذلك مع كونه مغفورا له، فسأل هذا السؤال!. فبيّن لهم النبيّ ﷺ بقوله: («أفلا أكون عبدا شكورا!؟») أنّه سبب آخر أتمّ وأكمل، وهو الشكر على التأهّل لها مع المغفرة، وإجزال النعمة، فهو إنما يبالغ في الاجتهاد لأداء شكر خالق العباد، أي: أأترك المبالغة في العبادة؛ فلا أكون عبدا شكورا!!؟ فالهمزة داخلة على محذوف، والفاء عاطفة
[ ٣ / ١٠ ]
قال الباجوريّ: (واستشكل هذا قديما وحديثا
على ذلك المحذوف، أي: فإذا أكرمني مولاي بغفرانه؛ أأترك المبالغة في العبادة فلا أكون عبدا شكورا لإحسانه!!
والشكر: الاعتراف بالنعمة والقيام بالخدمة. فمن أدام بذل الجهد في ذلك كان شكورا وَقَلِيلٌ ما هُمْ [٢٤/ ص] .
ولا يخفى أنّ ذكر «العبد» في هذا المقام أدعى على الشكر على الدوام، ولم يظفر أحد بعليّ هذا المنصب إلّا الأنبياء، وأعلاهم فيه رئيسهم الأعظم والملاذ الأفخم؛ سيّدنا محمّد الأكرم ﷺ.
فائدة: نقل في «ربيع الأبرار» عن عليّ كرّم الله وجهه أنّه قال: إنّ قوما عبدوا رغبة؛ فتلك عبادة التجّار، وإنّ قوما عبدوا رهبة؛ فتلك عبادة العبيد. وإنّ قوما عبدوا شكرا؛ فتلك عبادة الأحرار. انتهى.
هذا؛ ولفظ رواية أبي هريرة ﵁ في «الشمائل» من طريقين:
الأوّل: عن أبي سلمة؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ يصلي حتّى ترم قدماه!! فقيل له: أتفعل هذا؛ وقد جاء أنّ الله قد غفر لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر!!؟ قال: «أفلا أكون عبدا شكورا!» .
والثاني: عن أبي صالح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ يقوم يصلّي حتّى تنتفخ قدماه، فيقال له: أتفعل هذا؛ وقد غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟! قال: «أفلا أكون عبدا شكورا» .
انتهى.
(قال) شيخ الإسلام العلّامة برهان الدين: إبراهيم بن محمّد (الباجوريّ) في «حاشية الشمائل»:
(واستشكل)؛ أي: عدّ مشكلا (هذا) الغفران لذنبه ﷺ المذكور في الحديث كالآية (قديما وحديثا)؛ أي: في الزمن القديم والحديث، أي:
[ ٣ / ١١ ]
بأنّه ﷺ لا ذنب عليه؛ لكونه معصوما.
وأحسن ما قيل فيه: أنّه من باب (حسنات الأبرار.. سيّئات المقرّبين)،
استشكله العلماء المتقدّمون والمتأخّرون (بأنّه ﷺ لا ذنب عليه؛ لكونه معصوما) من الذّنوب، أي: يستحيل في حقّه ارتكاب الذّنوب صغيرها وكبيرها، قبل النبوة وبعدها، فكيف يقال له: غفر الله لك ما تقدّم من ذنبك وما تأخّر؟!
وأجيب بأجوبة؛ منها أنّ معنى الغفران: الإحالة بينه وبين الذنوب، فلا يصدر منه ذنب، لأنّ الغفر: هو الستر، والستر؛ إمّا: بين العبد والذنب، أو: بين الذنب وعقوبته، فاللائق به وبسائر الأنبياء الأوّل. واللائق بالأمم الثاني.
أو هو مبالغة؛ ك «زيد يضرب من يلقاه ومن لا يلقاه»؛ مع أن من لا يلقاه لا يمكن ضربه.
(وأحسن ما قيل فيه) من الأجوبة (: أنّه من باب) قولهم (حسنات الأبرار سيّئات المقرّبين) . هو من كلام أبي سعيد الخرّاز. كما رواه ابن عساكر في ترجمته، وهو من كبار الصوفية، مات سنة: - ٢٨٠- ثمانين ومائتين.
وعدّه بعضهم حديثا! وليس كذلك، وقال النجم الغزّيّ: رواه ابن عساكر أيضا؛ عن أبي سعيد الخرّاز من قوله. وحكي عن ذي النون. انتهى.
وعزاه الزركشي في «لقطة العجلان» للجنيد، قال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «شرحها»: الفرق بين الأبرار والمقرّبين: أنّ المقرّبين هم الذين أخذوا عن حظوظهم وإرادتهم، واستعملوا في القيام بحقوق مولاهم؛ عبودية وطلبا لرضاه. وإن الأبرار هم الّذين بقوا مع حظوظهم وإرادتهم، وأقيموا في الأعمال الصالحة ومقامات اليقين؛ ليجزوا على مجاهدتهم برفع الدرجات.
انتهى.
ومعناه: أنّ هؤلاء المقرّبين كلّما ترقّوا في المقامات رأوا ما كانوا فيه نقصا في مراتبهم؛ فيستغفرون الله من ذلك، لأنهم يعدّونه ذنبا بالنسبة لعليّ مراتبهم، وإن
[ ٣ / ١٢ ]
إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير، من حيث ضعف العبوديّة مع عظمة الرّبوبيّة، وإن كان ﷺ في أعلى المقامات وأرفع الدّرجات في عباداته وطاعاته.
وقد قال ﷺ: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» .
كان هو ليس ذنبا في الواقع!! وهو ﷺ لا يزال يترّقى في الكمالات، ويمنح جزيل الفيوضات من ربّ البريّات، إذ ما من كمال إلّا وعند الله أكمل منه، وكلّما ترقّى شعر بالتقصير في حقّ مولاه؛ فيرى أنّ ما انتقل عنه ذنب بالنسبة إلى الذي انتقل إليه.
أو المراد بالذنب في حقّه ﷺ ما عسى أن يكون وقع منه من سهو وتقصير، (إذ الإنسان لا يخلو عن تقصير) وتوان ونسيان؛ (من حيث ضعف العبوديّة مع عظمة الرّبوبيّة)، كما قال تعالى كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ (٢٣) [عبس] فما كان من هذا القبيل؛ فهو مغفور له؛ فأعلمه الله ﷿ بذلك وأنّه مغفور له.
قال ملا علي قاري: والظاهر أنّ المراد ب «ما تقدّم»: ما فعله مع نوع تقصير، وب «ما تأخر»: ما تركه سهوا؛ أو نسيانا في التأخير.
(و) الحاصل أنّه و(إن كان ﷺ في أعلى المقامات وأرفع الدّرجات في عباداته وطاعاته) لكن لا يستغني أحد عن فضله سبحانه، لأنّ من شأن العبد الكامل أن يرى جميع ما يأتي إليه على سبيل العبودية والذّلّ والخضوع من الطاعات كلّه نقص وقلّة أدب، قال الله تعالى ما قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٧٤) [٧٤/ الحج] فيرى جميع طاعاته ناقصة يستحقّ عليها العقوبة لولا عفو الله تعالى؛ ولو بلغ أعلى درجات الكمال، وذلك بالنظر لجلال الله تعالى.
(وقد) أشار إلى ذلك معلّم الشريعة حيث (قال ﷺ: «سبحانك ما عبدناك حقّ عبادتك؛ لا أحصي ثناء عليك؛ أنت كما أثنيت على نفسك»)، مع أنه قام
[ ٣ / ١٣ ]
ولذلك قيل: المغفرة قسمان:
مغفرة للعوامّ، وهي: مسامحتهم من الذّنوب.
ومغفرة للخواصّ، وهي: مسامحتهم من التّقصير) اه وعن الأسود بن يزيد
حتّى تورّمت قدماه، وكان لا يضيع له وقت في غير عبادة.
(ولذلك قيل: المغفرة قسمان)؛ أي ذات قسمين: (مغفرة للعوامّ؛ وهي:
مسامحتهم من الذّنوب)؛ أي: عدم مؤاخذتهم بها، (ومغفرة للخواصّ)؛ وهم من اختصّهم الله بموالاته ومحبّته؛ (وهي: مسامحتهم من التّقصير)، فما ورد من المغفرة في حقّ الأنبياء!! فهو من القبيل الثاني.
قال الجرجاني في «التعريفات»: المغفرة هي: أن يستر القادر القبيح الصادر ممّن تحت قدرته، حتّى إنّ العبد إن ستر عيب سيّده مخافة عتابه؛ لا يقال «غفر له» . (انتهى)؛ أي: كلام الباجوري رحمه الله تعالى ممزوجا بكلام غيره من العلماء رحمهم الله تعالى.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذي؛ في «الشمائل» - وهذا لفظها- (عن) أبي عمرو- أو أبي عبد الرحمن- (الأسود بن يزيد) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهيل النّخعي، الكوفي التابعي الجليل، الفقيه الإمام الصالح، أخي عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، وكان أسنّ من علقمة، وهو خال إبراهيم بن يزيد النّخعي الفقيه المشهور.
رأى أبا بكر الصدّيق وعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، وروى عن عليّ وابن مسعود ومعاذ وأبي موسى وعائشة.
روى عنه ابنه عبد الرحمن بن الأسود، وأخوه عبد الرحمن بن يزيد، وإبراهيم النّخعي وآخرون. قال أحمد ابن حنبل: هو ثقة من أهل الخير، واتفقوا على توثيقه وجلالته.
[ ٣ / ١٤ ]
قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ باللّيل فقالت: كان ينام أوّل اللّيل، ثمّ يقوم، فإذا كان من السّحر.. أوتر، ثمّ أتى فراشه،
قال النّووي: روّينا عن ميمون بن أبي حمزة؛ قال: سافر الأسود بن يزيد ثمانين حجة وعمرة؛ لم يجمع بينهما، وسافر ابنه عبد الرحمن ثمانين حجة وعمرة؛ لم يجمع بينهما.
وروينا أنّ ابنه عبد الرحمن كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون:
إنّه أقلّ أهل بيته اجتهادا، وإنّه صار عظاما وجلدا. ﵃ ونفعنا بهم، وأعاد علينا من بركاتهم. آمين.
(قال: سألت عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ) المراد بها ما يشمل الوتر والتهجّد (باللّيل)؛ أي: في أيّ وقت كان منه؟! (فقالت: كان ينام أوّل اللّيل) بعد صلاة العشاء إلى تمام نصفه الأول، لأنه كره النوم قبل العشاء (ثمّ يقوم) يصلّي، فيستمر يصلّي السّدس الرابع والخامس.
(فإذا كان من السّحر) - بفتحتين-؛ وهو آخر الليل- أي: إذا كان في السّحر (أوتر)؛ أي: صلّى الوتر، وكان يوتر بثلاث يقرأ فيهن تسع سور من المفصّل؛ يقرأ في كلّ ركعة بثلاث سور آخرهنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) . رواه الترمذي؛ عن علي ﵁ مرفوعا.
وفي رواية: أنّه كان يقرأ في الأولى سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)، وفي الثانية قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١)، وفي الثالثة قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)، والمعوذتين. رواه أبو داود، والترمذيّ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
(ثمّ أتى فراشه) لينام السدس السادس؛ ليقوم لصلاة الصبح بنشاط، ويقوى على ما بعدها من الطاعات، ولأنّه يدفع صفرة السّهر عن الوجه.
[ ٣ / ١٥ ]
فإذا كان له حاجة.. ألمّ بأهله، فإذا سمع الأذان.. وثب، فإن كان جنبا.. أفاض عليه من الماء، وإلّا.. توضّأ وخرج إلى الصّلاة.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه بات عند ميمونة أمّ المؤمنين
(فإذا كان له حاجة)؛ أي: إلى الجماع، كما يعلم من قوله (ألمّ) بالتّشديد؛ من الإلمام- (بأهله)؛ أي: قرب من زوجته، وهو: كناية عن الجماع، يقال «ألمّ بالشيء»: قرب منه، وألمّ بالذنب: فعله، وألمّ بالقوم:
أتاهم ونزل بهم، وألمّ بالمعنى؛ إذا عرفه.
ويؤخذ من ذلك: أنّه ﷺ كان يقدّم التهجّد، ثمّ يقضي حاجته من نسائه، فإنّ الجدير به أداء العبادة قبل قضاء الشهوة. انتهى «باجوري» .
(فإذا سمع الأذان وثب) - بفتح الواو المثلاثة؛ من باب وعد: أي قام بسرعة وخفّة- (فإن كان جنبا!؟ أفاض عليه)؛ أي: أسال على جميع بدنه (من الماء)؛ أي: اغتسل. وأشار ب «من» التبعيضية إلى طلب تقليل الماء وتجنّب الإسراف. (وإلّا) !! بأن لم يكن جنبا (توضّأ) وضوآ جديدا، لأنّ نومه لا ينقض وضوءه، ويحتمل أنّه توضّأ لحصول ناقض غير النوم (وخرج إلى) محلّ (الصّلاة)؛ وهو المسجد بعد ما صلّى ركعتي الفجر.
ويؤخذ من الحديث: أنّه ينبغي الاهتمام بالعبادة وعدم التكاسل بالنوم والقيام إليها بنشاط.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنّسائيّ، وابن ماجه، و«الموطأ» باختلاف في بعض الألفاظ، وهذا لفظ «الشمائل»:
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه)، أي: ابن عباس (بات) - أي:
رقد- في الليل (عند ميمونة) بنت الحارث الهلالية العامرية (أمّ المؤمنين)
[ ٣ / ١٦ ]
وهي خالته رضي الله تعالى عنها
رضي الله تعالى عنها، قيل كان اسمها «برّة» فسمّاها النبيّ ﷺ «ميمونة»، وكانت تحت مسعود بن عمرو الثقفي في الجاهلية ففارقها، فتزوجها أبو رهم بن عبد العزى وتوفي عنها، فتزوّجها ﷺ لمّا كان بمكّة معتمرا في ذي القعدة سنة سبع بعد خيبر في عمرة القضاء، وكانت أختها لأبيها أمّ الفضل لبابة بنت الحارث تحت العبّاس، وأختها لأمّها أسماء بنت عميس تحت جعفر، وسلمى بنت عميس تحت حمزة رضي الله تعالى عنهم.
(وهي)؛ أي: ميمونة (خالته)؛ أي: خالة ابن عبّاس، لأنها أخت أمّه لأبيها، وهي الواهبة نفسها له ﷺ، لأنها لما جاءتها خطبته ﵊؛ وهي على بعير لها، قالت: هو وما عليه لله ولرسوله. وجعلت أمرها للعبّاس؛ فأنكحها النبيّ ﷺ وبنى بها ب «سرف» «١» .
ومن النوادر أنّها ماتت ب «سرف» في المحلّ الذي تزوّجها فيه؛ فاجتمع فيه العزاء والهناء، وهو على عشرة أميال من مكة؛ بين التنعيم والوادي في طريق المدينة المنورة سنة إحدى وستين؛ أو ثلاث وستين؛ أو ستّ وستين هجرية، وصلّى عليها ابن عبّاس ودخل قبرها (رضي الله تعالى عنها) . وهي آخر أزواج النبي ﷺ.
وسبب بيتوتته عندها: أنّ العبّاس أراد أن يتعرّف عبادته ﷺ بالليل ليفعل مثلها، فأرسل عبد الله ليتعرّفها؛ فيخبره بها.
وقيل: إنه ﷺ وعد العباس بذود من الإبل؛ وهو: ما بين الثلاث إلى العشر، فأرسل ابنه عبد الله يستنجزه، فأدركه المساء فبات عندها.
_________________
(١) بفتح السين وكسر الراء؛ غير منصرف، ويجوز صرفه. وهو الموضع الذي هلك فيه أبيّ بن خلف بعد أن طعنه الحبيب الأعظم ﷺ في يوم أحد كما تقدم في الجزء الثاني من هذا الكتاب عند الكلام عن جلوسه ﷺ.
[ ٣ / ١٧ ]
قال: فاضطجعت في عرض الوسادة، واضطجع رسول الله ﷺ في طولها، فنام رسول الله ﷺ، حتّى إذا انتصف اللّيل، أو قبله بقليل، أو بعده بقليل.. فاستيقظ (قال)؛ أي: ابن عباس (: فاضطجعت)؛ أي: وضعت جنبي بالأرض وجعلت رأسي (في) أي: على (عرض) بفتح العين على الأصحّ الأشهر، وحكي ضمها [عرض] وهو بمعنى مفتوح العين؛ أي جانب (الوسادة) - بكسر الواو- المعروفة، أي المخدّة- بكسر الميم- التي تتوسّد تحت الرأس.
(واضطجع رسول الله ﷺ)؛ أي: وأهله- كما في رواية مسلم- أي وضع جنبه بالأرض ووضع رأسه الشريف (في) أي: على (طولها)؛ أي: الوسادة مع زوجته ميمونة، لأن عادته ﷺ أن ينام مع زوجاته، فإذا أراد القيام لوظيفته قام لها وترك أهله، فيجمع بين حقّ أهله وحقّ ربّه.
واعتزال الزوجة في النوم!! من عادة الأعاجم، وهذا إذا لم يكن عذر في اجتنابها، فإن كان؛ كخوف نشوزها؟! فالأولى اعتزالها في الفراش؛ تأديبا لها.
ويؤخذ من ذلك حلّ نوم الرجل مع أهله بغير مباشرة بحضرة محرم لها مميّز.
قال القاضي عياض: وقد جاء في بعض روايات الحديث؛ قال ابن عباس:
بتّ عند خالتي في ليلة كانت فيها حائضا. قال: وهذه اللفظة؛ وإن لم يصحّ طريقها؛ فهي حسنة المعنى جدّا، إذ لم يكن ابن عباس يطلب المبيت في ليلة له ﷺ فيها حاجة إلى أهله، لا سيما وهو كان في تلك الليلة مراقبا لأفعاله ﷺ، ولعله لم ينم!! أو نام قليلا جدّا!!. قاله في «شرح مسلم» .
(فنام رسول الله ﷺ)، وفي رواية «الصحيحين»: فتحدّث مع أهله ساعة ثم رقد (حتّى إذا انتصف اللّيل) تقريبا، (أو قبله)؛ أي: قبل انتصافه (بقليل، أو بعده)؛ أي: بعد انتصافه (بقليل) وهذا شكّ من ابن عبّاس لعدم تحديده الوقت، (فاستيقظ) هكذا وجد في نسخ!! وكأنّ الفاء زائدة، لأنه جواب «إذا»، وقد
[ ٣ / ١٨ ]
رسول الله ﷺ، فجعل يمسح النّوم عن وجهه، ثمّ قرأ العشر الآيات الخواتيم من سورة (آل عمران)؛ أي: الّتي أوّلها: إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السّورة ثمّ قام إلى شنّ معلّق فتوضّأ منها، فأحسن الوضوء،
سقط في بعض النسخ! «أي» انتبه (رسول الله ﷺ، فجعل)؛ أي: شرع (يمسح النّوم)؛ أي: أثره، لأن النوم لا يمسح (عن وجهه)؛ أي: عن عينيه.
وفي رواية الشيخين: فلما كان ثلث الليل الأخير؛ أو نصفه قعد فنظر إلى السماء.
(ثمّ قرأ العشر الآيات) - الآيات: بدل من العشر- (الخواتيم) - بالياء المثناة جمع الخاتمة- (من سورة «آل عمران» أي الّتي أوّلها إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ إلى آخر السّورة) .
فيسنّ للشخص إذا استيقظ من نومه قراءة شيء من القرآن، لأنها تزيل الكسل وتحصّل النشاط للعبادة، بل تندب هذه الآيات بخصوصها عقب الانتباه.
وفيه إباحة قول الرجل «سورة آل عمران» أو «سورة البقرة» أو نحو ذلك، وكرّهه بعض السلف؛ وقال: بل يقال «السورة التي يذكر فيها آل عمران» .
(ثمّ قام) أي: النبي ﷺ (إلى شنّ) - بفتح الشين المعجمة، وبالنون المشدّدة- وهي: القربة البالية، (معلّق) لتبريد الماء؛ أو صيانته.
وذكّر وصف الشّنّ هنا!! نظرا للفظه، وأنّث ضميره في قوله (فتوضّأ منها) !! نظرا لمعناه؛ وهو القربة. وفي رواية الشيخين: فأطلق شناقها- بكسر الشين المعجمة: خيط يشدّ به فم القربة- ثمّ صبّ في الجفنة، ثمّ توضّأ منها (فأحسن الوضوء)؛ أي: وضوءه، أي أسبغه وأكمله؛ بأن أتى بواجباته ومندوباته. وهو معنى رواية «الصحيحين»: وضوآ حسنا بين الوضوئين، لم يكثر وقد أبلغ.
أي: لم يكثر صبّ الماء؛ وقد أبلغ الوضوء أماكنه، واستوفى عدده المسنون.
[ ٣ / ١٩ ]
ثمّ قام يصلّي.
قال عبد الله بن عبّاس: فقمت إلى جنبه، فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي، ثمّ أخذ بأذني اليمنى ففتلها- وفي رواية: فأخذ بأذني؛ فأدارني عن يمينه
(ثمّ قام يصلّي) وفي رواية للنسائي: فتوضّأ واستاك، ثمّ صلّى ركعتين، ثم نام، ثم قام فتوضأ واستاك وصلى ركعتين، وأوتر بثلاث.
ولمسلم: فاستيقظ فتسوّك وتوضّأ؛ وهو يقول إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ حتّى ختم السورة، فصلّى ركعتين؛ أطال فيهما القيام والركوع والسجود، ثمّ انصرف فنام حتى نفخ، ثم فعل ذلك ثلاث مرات بستّ ركعات؛ كلّ ذلك يستاك ويتوضأ ويقرأ هؤلاء الآيات، ثمّ أوتر بثلاث ركعات.
ولا تنافي بين هذه الروايات لأنّ في بعضها زيادة فيعمل بها، وإن سكتت الرواية الآخرى عنها، لأنّ من حفظ حجة على من لم يحفظ، وليست الواقعة متعدّدة حتى يحمل الاختلاف عليها، وإنما هي واحدة؛ فيجب عند التعارض العمل بالأصحّ من تلك الروايات؛ وهي رواية الشيخين ثم أحدهما. انتهى. ذكره في «جمع الوسائل» .
(قال عبد الله بن عبّاس: فقمت) بعد الوضوء (إلى جنبه)؛ كما في رواية الشيخين، فقمت وتوضّأت فقمت عن يساره (فوضع رسول الله ﷺ يده اليمنى على رأسي)؛ أي: ليتمكّن من مسك الأذن، أو لتنزل البركة في رأسه ليحفظ جميع أفعاله ﷺ. (ثمّ أخذ بأذني) - بضمّ الذال وسكونها- (اليمنى ففتلها) - بالفاء العاطفة؛ على صيغة الماضي- وفي رواية «يفتلها» بصيغة المضارع.
(وفي رواية) للشيخين: (فأخذ بأذني؛ فأدارني)، أي: حوّلني (عن يمينه)؛ تنبيها على ما هو السنة من وقوف المأموم الواحد على يمين الإمام، فإن وقف عن يساره!؟ حوّله الإمام ندبا بأخذ أذنه وفتلها.
[ ٣ / ٢٠ ]
- فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين (ستّ مرّات)، ثمّ أوتر، ثمّ اضطجع حتّى جاءه المؤذّن،
وقد قيل: إنّ المعلّم إذا فتل أذن المتعلّم كان أذكى لفهمه.
قال الربيع: ركب الشافعيّ يوما فلصقت بسرجه فجعل يفتل أذني، فأعظمت ذلك حتّى وجدته عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه ﷺ فعله به، فعلمت أنّ الإمام لا يفعل شيئا إلّا عن أصل. انتهى «باجوري» .
(فصلّى ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين، ثمّ ركعتين) أي: بتكرير الركعتين (ستّ مرّات)؛ فتكون صلاته ثنتي عشرة ركعة، ولم يكتف بذكر ركعتين!! خشية أن يقصر ضبط السّامع من التعداد، (ثمّ أوتر) أي: أفرد ركعة وحدها فتمّت صلاته ثلاث عشرة ركعة؛ كما في «الصحيحين»، منها ركعتان سنّة العشاء؛ أو سنة الوضوء، والإحدى عشرة وتر على المشهور، وذلك تقييد للمطلق في غيره من الروايات؛ خلافا لمن جعلها كلّها وترا، وجعل أكمل الوتر ثلاث عشرة.
وفيه أنّ السلام يسنّ من كلّ ركعتين في الوتر.
وصحّ الوصل من فعله ﷺ أيضا، لكن الفصل أشهر وأصحّ، والظاهر من السياق أنّ ابن عباس صلّى معه جماعة. فيؤخذ منه جواز فعل النافلة جماعة؛ وإن لم تطلب في نحو ذلك.
(ثمّ اضطجع)؛ أي: وضع جنبه على الأرض. وفي رواية: ثمّ اضطجع فنام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ. وهذه الرواية هي المتقدّمة في «باب النوم» .
(حتّى جاءه المؤذّن)؛ أي: بلال- كما هو الظاهر- للإعلام بدخول وقت الصلاة. فيسنّ إتيان المؤذّن للإمام ليخرج إلى الصلاة.
[ ٣ / ٢١ ]
فقام فصلّى ركعتين خفيفتين، ثمّ خرج فصلّى الصّبح.
(فقام فصلّى ركعتين خفيفتين) هما سنة الصبح، فيسنّ تخفيفهما.
قال في «نظم القواعد الفقهية» للسيد أبي بكر بن أبي القاسم الأهدل:
وسنّة الفجر بلا تطويل أفضل منها معه للدّليل
(ثمّ خرج)؛ أي: من بيته إلى المسجد (فصلّى الصّبح)، أي: بأصحابه.
ويؤخذ من الحديث ١- أن فعل النفل في البيت أفضل؛ إلا ما استثني.
و٢- أنّه يسنّ للمقتدي الفذّ الوقوف عن يمين الإمام، فإن وقف عن يساره! حوّله الإمام ندبا. و٣- أنّ الفعل القليل في الصلاة لا يضرّ، بل قد يسنّ إذا كان لمصلحة. و٤- أنّ الأمر بالمعروف مشروع حتّى في الصلاة. و٥- جواز صلاة الفرض بوضوء النفل. و٦- وأنّ المميّز كبالغ؛ جماعة وموقفا. و٧- أنّ السلام يسنّ من كلّ ركعتين في الوتر. و٨- أنّه يندب إتيان المؤذن إلى الإمام ليخرج إلى الصلاة. و٩- أنّه يستحبّ تخفيف سنة الصبح قبله. و١٠- أنّ الإيتار بثلاث عشرة أكمل. كذا قيل!! وردّ بأن أكثر الروايات الاقتصار على إحدى عشرة، ورواية ثلاث عشرة واقعة حال، فعليه يحتمل أنه حسب منها ركعتين مقدّمة الوتر، أو سنّة العشاء، أو نحو ذلك. و١١- أنّ النفل في البيت أفضل.
وفيه فضل ابن عباس ﵁، وحذقه مذ كان طفلا، لمراصدته المصطفى ﷺ، ومراقبته أحواله إلى أن أحرم معه، وحفظ صلاته وقراءته؛ وما عمله تلك الليلة من العبادات والعادات.
هذا؛ ووتره ﷺ آخر الليل هو الأغلب؛ بناء على أنه الأفضل والأكمل، وإلّا! ففي «الصحيحين» وغيرهما عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ أوتر من كلّ الليل؛ من أوله وأوسطه وآخره، وانتهى وتره إلى الصبح، والمراد ب «أوّله» بعد صلاة العشاء. ولعل اختلاف هذه الأوقات على ما وردت به الروايات، لاختلاف الأحوال والأعذار، فإيتاره أوّله لعلّه كان لمرض، وإيتاره
[ ٣ / ٢٢ ]
وفي «الصّحيح»: عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ كان يتوضّأ عند كلّ صلاة.
وعن ابن عبّاس أيضا؛
أوسطه!! لعله كان لسفر. انتهى «جمع الوسائل» .
(وفي «الصّحيح») - يعني البخاري-، وكذا أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجه: كلّهم؛ (عن أنس) «١» رضي الله تعالى عنه (أنّ رسول الله ﷺ كان يتوضأ عند كلّ صلاة)، وربّما صلّى صلوات بوضوء واحد، ولفظ رواية الترمذي: كان يتوضّأ لكلّ صلاة؛ طاهرا، أو غير طاهر. قال الطحاوي: هذا محمول على الفضيلة؛ دون الوجوب، أو هو من خصوصيّاته، أو كان يفعله وهو واجب؛ ثم نسخ. انتهى.
والأصحّ هو الأخير، بدليل حديث الترمذي: كان النّبيّ ﷺ يتوضّأ لكلّ صلاة، فلما كان عام الفتح صلّى الصلوات كلّها بوضوء واحد، فقال عمر: إنّك فعلت شيئا لم تكن فعلته!! قال: «عمدا فعلته؛ يا عمر» . قال الترمذيّ:
صحيح. قال النّوويّ: فيه جواز الصّلوات بوضوء واحد ما لم يحدث، وهو جائز بإجماع من يعتدّ به. انتهى مناوي؛ على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذي؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنسائي، وابن ماجه: كلّهم؛ (عن ابن عبّاس) رضي الله تعالى عنهما.
وقوله (أيضا) غير مناسب الإتيان به هنا، بل قد يوهم أنّ الحديث الذي قبله هو حديث ابن عبّاس، وأنّ النّسخة فيها تحريف!! وليس كذلك.
فالصواب: حذفه. ولعلّ المصنّف كتب أوّلا حديث ابن عباس في بيتوتته عند ميمونة، ثمّ حديث ابن عباس هذا، فذكر فيه لفظ «أيضا»، ثم أدرج بينهما حديث
_________________
(١) في الأصل: عن عائشة. وما أثبتناه من «وسائل الوصول» .
[ ٣ / ٢٣ ]
قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي من اللّيل ثلاث عشرة ركعة.
وعن عائشة ﵂: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل؛ منعه من ذلك النّوم، أو غلبته عيناه.. صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.
أنس وغفل عن محو لفظة «أيضا» فبقيت كما هي، والله أعلم!! والأمر سهل.
(قال) أي: ابن عبّاس (كان النّبيّ ﷺ يصلّي من اللّيل) أي: في الليل (ثلاث عشرة ركعة) - بسكون الشين- قال بعضهم: أكثر الوتر ثلاث عشرة؛ لظاهر هذا الحديث.
وفيه أنّ صلاة الليل أعمّ من الوتر. وقال أكثر العلماء: أكثره إحدى عشرة، وتأوّلوا حديث ابن عبّاس بأنّ منها سنّة الصبح، وهو تأويل ضعيف جدّا. كذا قاله في «جمع الوسائل» .
وفيه نظر!! فإنّ هذا التأويل يؤيّده حديث عائشة رضي الله تعالى عنها الذي رواه الشيخان، وأبو داود، والنسائي: أنّه ﷺ كان يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة؛ منها الوتر، وركعتا الفجر. انتهى. فزعم ملّا علي قاري أنّه تأويل ضعيف مردود عليه.
قال المناوي: وحكمة الزيادة على إحدى عشرة: أنّ التهجّد والوتر يختصّان بصلاة الليل، والمغرب وتر النهار، فناسب كون صلاة الليل كالنهار في العدد جملة وتفصيلا.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن عائشة رضي الله) تعالى (عنها أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا لم يصلّ باللّيل) تهجّدا ووترا؛ (منعه من ذلك) الفعل؛ وهو الصلاة بالليل (النّوم) بأن رغب فيه مع إمكان اختياره تركه، (أو غلبته عيناه) يعني: غلبه النوم بحيث لا يستطاع دفعه، فالمقصود بيان سبب عدم صلاته في الليل، و«أو» للتقسيم، ويحتمل أن تكون للشكّ من الراوي.
وجواب «إذا» قوله (صلّى) بدل ما فاته (من النّهار)؛ أي: فيه (ثنتي عشرة ركعة)؛ تداركا لما فاته من التهجّد، لقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ خِلْفَةً
[ ٣ / ٢٤ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من اللّيل فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين» .
لِمَنْ أَرادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرادَ شُكُورًا (٦٢) [الفرقان] . وفيه دليل على جواز قضاء النّافلة، بل على استحباب قضائها؛ لئلا تعتاد النفس الترك، وعيّن وقت صلاة النهار المذكورة في حديث آخر بأنّه من طلوع الشمس إلى الاستواء.
وفي «صحيح مسلم»؛ عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ:
«من نام عن حزبه من اللّيل، أو عن شيء منه فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظّهر؛ كان كمن قرأه من اللّيل» .
وحديث عائشة في «المتن» !! أخرجه مسلم، وأبو داود؛ عنها بلفظ: كان إذا نام من اللّيل؛ أو مرض صلّى من النّهار ثنتي عشرة ركعة.
وهذا فيه تنبيه على أنّه كان يقدّم وتره في أوّل الليل، أو سكت عن ذكر الوتر، لأنّ ندب قضائه معلوم بالأولى، لأنّه نفل مؤقّت، بخلاف التهجّد فإنّه نفل مطلق، لكن لما اتخذه وردا وعادة سنّ قضاؤه، لأنه التحق بالنفل المؤقّت.
(و) أخرجه أبو داود، والترمذي في «الشمائل»؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «إذا قام أحدكم من اللّيل)؛ أي: فيه (فليفتتح) ندبا مؤكّدا (صلاته)؛ أي: الأحد، أو الليل (بركعتين خفيفتين) لخفّة القراءة فيهما. والحكمة فيه: تهوين الأمر على النفس ابتداء لحصول النشاط، والإرشاد إلى أنّ من شرع في شيء فليكن قليلا قليلا حتّى تتعوّد نفسه بالعمل على التدريج، فيكون الشروع في بقية عمله بالنشاط وإتمامه على الوجه الأكمل.
وفي الحديث إشعار بأنّه لا ينبغي أن يقتصر في صلاة الليل على ركعتين إلا عند الضرورة. وفيه دليل لندب هاتين الركعتين، وهما مقدّمة لصلاة الوتر، وكما يسنّ تقديم السنّة القبلية على الفرض لنحو ذلك؛ فكذا ندب هنا، لتأكّد الوتر حتى اختلف في وجوبه.
[ ٣ / ٢٥ ]
وعن زيد بن خالد الجهنيّ رضي الله تعالى عنه أنّه قال: لأرمقنّ ومناسبة هذا الحديث للباب: من حيث إنّ أمره [ﷺ] بشيء يقتضي فعله.
بل ورد في «صحيح مسلم» التصريح بفعله ﷺ هاتين الركعتين، ولفظه: عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان إذا قام من الليل ليصلّي افتتح صلاته بركعتين خفيفتين.
قال المناوي: استعجالا لحلّ عقدة الشيطان على قافيته، وهو ﷺ؛ وإن كان منزّها عن عقده، لكنه فعله تشريعا لأمّته. ذكره الحافظ العراقي.
قال الحفني: وهذا يقتضي أنّ حلّ عقدته لا يحصل بالذكر ومسح الوجه، ولا بالوضوء، ولا بالشروع في الصلاة، بل بالفراغ منها، أي: تمام الحلّ يحصل بذلك، وأنّ أصله يحصل بالذكر ومسح الوجه والوضوء. انتهى.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه»، ومالك في «الموطأ»، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، وابن ماجه: كلّهم؛
(عن) أبي عبد الرحمن- أو أبي طلحة، أو أبي زرعة- (زيد بن خالد الجهنيّ) - بضم الجيم وهاء؛ نسبة إلى قبيلة جهينة-
صحابي مشهور، سكن المدينة وشهد الحديبية، وكان معه لواء جهينة يوم الفتح. روي له عن رسول الله ﷺ أحد وثمانون حديثا؛ اتفقا منها على خمسة، وانفرد مسلم بثلاثة، روى عنه السائب بن يزيد، والسائب بن خلّاد الصحابيان، وجماعات من التابعين.
وتوفي بالمدينة المنورة، وقيل: بالكوفة، وقيل: بمصر سنة: ثمان وثمانين؛ وهو ابن خمس وثمانين سنة، وقيل: توفي سنة اثنتين وسبعين، وقيل:
سنة ثمان وتسعين (رضي الله تعالى عنه.
أنّه قال)؛ أي: زيد (: لأرمقنّ) - بضمّ الميم وتشديد النون؛ من الرّمق- بفتح فسكون، أو [الرّمق] بفتحتين- وهو: النظر إلى الشيء على وجه المراقبة
[ ٣ / ٢٦ ]
صلاة رسول الله ﷺ، فتوسّدت عتبته، أو فسطاطه، فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين، ثمّ صلّى ركعتين طويلتين.. طويلتين.. طويلتين.
والمحافظة، يقال: رمق يرمق رمقا؛ من بابي «نصر» و«طلب» .
وأكّد باللام والنون!! مبالغة في تحصيل معرفة ذلك وضبطه؛ أي: لأنظرنّ وأرقبنّ وأحفظنّ (صلاة رسول الله ﷺ!!)، أي: في هذه الليلة حتّى أرى كم يصلّي.
وعدل عن الماضي إلى المضارع!! استحضارا لتلك الحالة الماضية؛ لتقريرها في ذهن السامع أبلغ تقرير، ثم انتقل إلى كيفية تفصيل علمه بها؛ فقال:
(فتوسّدت)؛ أي: جعلت (عتبته) وسادة لي، والعتبة: الدرجة التي يوطأ عليها، (أو) قال (فسطاطه)؛ أي: عتبة فسطاطه- بضمّ الفاء وكسرها- بيت من شعر، وفيه عشر لغات: ١- فسطاط- بطائين؛ مع سكون السين، أو [٢- فسّطاط] تشديدها و٣- فستات- بتائين مع سكون السين-، و٤- فستاط بتاء ثم طاء-، و٥- فسّاط- بسين مشدّدة ثم طاء. فهذه خمسة كلّ بضمّ الأوّل، وكسره «١» فتلك عشرة كاملة.
ويطلق الفسطاط على مصر العتيقة، وعلى كلّ مدينة جامعة، وهذا شكّ من الراوي، والظاهر الثاني، لأنّه ﷺ في الحضر يكون عند نسائه؛ فلا يمكن أن يتوسّد زيد عتبته ليرمقه، بخلافه في السفر؛ فإنه خال عن الأزواج الطاهرات «٢»؛ فيمكنه أن يتوسّد عتبة فسطاطه، والمراد بعتبة الفسطاط: بابه؛ أي: محلّ دخوله.
(فصلّى رسول الله ﷺ ركعتين خفيفتين) هما مقدّمة الوتر- كما تقدّم-.
وإنّما خفّف فيهما!! لأنهما عقب كسل من أثر النوم.
(ثمّ صلّى ركعتين طويلتين.. طويلتين.. طويلتين.
_________________
(١) وبسطها هكذا: ٦- فسطاط، ٧- فسّطاط، ٨- فستات، ٩- فستاط، ١٠- فسّاط. (عبد الجليل) .
(٢) بل يصطحب بعضهن بالإقراع بينهن (عبد الجليل) .
[ ٣ / ٢٧ ]
ذكر لفظ «طويلتين» ثلاث مرّات؛ للتّأكيد مبالغة في طولهما.
ثمّ صلّى ركعتين وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما، ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما،
ذكر لفظ «طويلتين» (ثلاث مرّات) !! للتّاكيد؛ مبالغة في طولهما) للدلالة على المبالغة في تطويل هاتين الركعتين، فكأنّهما بمنزلة ستّ ركعات طويلات.
وإنّما بولغ في تطويلهما!! لأن النشاط في أوّل الصلاة بعد المقدمة يكون أقوى، والخشوع يكون أتمّ، ومن ثمّ سنّ تطويل الركعة الأولى على الثانية من الفريضة.
(ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما)؛ أي: في الطول. وأراد طويلتين طويلتين «مرتين» .
وإنّما كانتا دون اللتين قبلهما!! لأنه إذا استوفى الغاية في النشاط والخشوع أخذ في النقص شيئا فشيئا، فيخفف من التطويل على سبيل التدريج، وهكذا يقال فيما بعد.
(ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما) أراد طويلتين!.
(ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما)؛ أي: فيهما بعض طول من غير مبالغة.
(ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللّتين قبلهما) أي: عاريتين عن الطول.
فقوله «ثمّ صلّى ركعتين؛ وهما دون اللتين قبلهما» بتكرير ذلك أربع مرّات؛ كما هو الرواية في مسلم و«الموطأ» وغيرهما، وفي بعض النسخ جعلها مكررة ثلاث مرّات فقط، وذلك يعتبر سقطا في النسخة، لمخالفته لما يأتي من قوله ثلاث عشرة ركعة.
[ ٣ / ٢٨ ]
ثمّ أوتر، فذلك ثلاث عشرة ركعة.
وعن أبي سلمة بن عبد الرّحمن- رحمه الله تعالى- أنّه سأل عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة
وقوله (ثمّ أوتر) أي: بواحدة، أي: صلّى ركعة مفردة (فذلك) المجموع (ثلاث عشرة ركعة)؛ منها ركعتان مقدّمة الوتر، والباقي وتر.
(و) أخرج الشيخان وغيرهما؛ كأبي داود، والترمذي في «الشمائل»؛ وهذا لفظها: (عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرّحمن) بن عوف القرشي الزّهري التابعي الجليل، وأمّه تماضر بنت الإصبغ.
وكان صبيح الوجه، وكان ثقة فقيها كثير الحديث، اتفقوا على جلالته وإمامته وعظيم قدره وارتفاع منزلته، وهو مدني من كبار التابعين، وأحد فقهاء المدينة السبعة- في قول-.
سمع جماعة من الصحابة؛ منهم: عبد الله بن سلام، وابن عمر، وابن عبّاس وابن عمرو بن العاصي، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أسيد بضم الهمزة-، ومعاوية بن الحكم، وربيعة بن كعب، وعائشة، وأم سلمة، ولم يسمع من عمر بن الخطاب، بل روايته عنه مرسلة.
وسمع جماعة من التابعين؛ منهم: عطاء بن أبي رباح، وعروة، وعمر بن عبد العزيز.
روى عنه خلائق من التابعين وغيرهم، منهم: عامر الشعبي، وعبد الرحمن الأعرج، وعراك بن مالك، وعمرو بن دينار، وأبو حازم سلمة بن دينار، والزهري، ويحيى بن سعيد الأنصاري، ويحيى بن أبي كثير، وآخرون.
وتوفي بالمدينة المنورة سنة: أربع وتسعين- بتقديم المثناة على المهملة- وعمره: اثنتان وسبعون سنة (رحمه الله تعالى): آمين.
(أنّه سأل) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها: كيف كانت صلاة
[ ٣ / ٢٩ ]
رسول الله ﷺ في رمضان؟
فقالت: ما كان رسول الله ﷺ ليزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلّي أربعا
رسول الله ﷺ في رمضان؟)؛ أي: في لياليه وقت التهجّد زيادة على ما صلّاه بعد العشاء من التراويح.
(فقالت: ما) - نافية- (كان رسول الله ﷺ ليزيد) بالنصب، بتقدير «أن» بعد لام الجحود، وهي لام التأكيد بعد النفي، مثل قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ [١٤٣/ البقرة] ورواية الصحيحين بدون اللام؛ أي: لم يكن ﷺ يزيد (في رمضان؛ ولا في غيره) نفت كونه ﷺ يزيد على إحدى عشرة ركعة بحسب ما علمته، فلا ينافي ما ثبت من الزيادة عند غيرها، لأن زيادة الثقة مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وكلّ يخبر عن علمه، وقد كان عند أكثر أهل الصدر الأول أن للنبي ﷺ صلوات مخصوصة اختلفوا في كيفيتها وعددها.
(على إحدى عشرة ركعة) أي: غير مقدمة الوتر، فيكون المجموع بها ثلاث عشرة ركعة، وهذا بالنسبة للصلاة التي كان يصلّيها بعد النوم، فلا ينافي أنّه كان يصلي قبل النوم نفلا آخر غير الوتر، فلا تكون منكرة لصلاة التراويح. انتهى «باجوري» .
(يصلّي أربعا)؛ أي: مع السلام من كلّ ركعتين، ليوافق خبر زيد السابق، وإنما جمعت الأربعة لتقاربها طولا وحسنا؛ لا لكونها بإحرام واحد وسلام واحد.
انتهى «باجوري» .
وقال الإمام النووي في «شرح مسلم»: وفي رواية: «يصلّي من الليل ثلاث عشرة ركعة يوتر من ذلك بخمس، لا يجلس في شيء إلّا في آخرها» .
وفي رواية أخرى: «يسلّم من كلّ ركعتين» .
وفي رواية: «يصلي أربعا، ثم أربعا، ثم ثلاثا» .
وفي رواية: «ثمان ركعات، ثم يوتر بركعة» .
[ ٣ / ٣٠ ]
لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلّي أربعا لا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ،
وفي رواية: «عشر ركعات ويوتر بسجدة» .
وفي حديث ابن عباس فصلّى ركعتين، ثم ركعتين الخ.
وفي حديث ابن عمر: «صلاة اللّيل مثنى مثنى» .
هذا كلّه دليل على أن الوتر ليس مختصّا بركعة، ولا بإحدى عشرة، ولا بثلاث عشرة، بل يجوز ذلك وما بينه، وأنّه يجوز جمع ركعات بتسليمة واحدة؛. وهذا لبيان الجواز، وإلّا! فالأفضل التسليم من كلّ ركعتين؛ وهو المشهور من فعل رسول الله ﷺ، وأمره بصلاة الليل مثنى مثنى.
(لا تسأل) - رواية «الصحيحين»: فلا تسأل- (عن حسنهنّ وطولهنّ!!) معناه: أنّهنّ في نهاية من كمال الحسن والطول؛ مستغنيات بظهور حسنهنّ وطولهن عن السؤال عنه والوصف.
وفي هذا الحديث مع الأحاديث المذكورة بعده في تطويل القراءة والقيام دليل لمذهب الشافعي وغيره ممّن قال: تطويل القيام أفضل من تكثير الركوع والسجود، بمعنى أنّ الزمن المصروف لطول القيام أفضل من الزمن المصروف لتكرير السجود، وكون المصلي أقرب ما يكون من ربّه؛ وهو ساجد!! إنما هو بالنسبة لاستجابة الدعاء فيه.
وقالت طائفة: تكثير الركوع والسجود أفضل. وقالت طائفة أخرى: تطويل القيام في الليل أفضل، وتكثير الركوع والسجود في النهار أفضل. انتهى من المناوي، و«شرح مسلم» .
(ثمّ يصلّي أربعا) العطف ب «ثمّ» يقتضي أنّه حصل تراخ بين هذه الأربع والتي قبلها، وهكذا يقال فيما بعده (لا تسأل) - رواية «الصحيحين»: فلا تسأل- (عن حسنهنّ وطولهنّ)، لأنهن من كمال الطول والحسن في غاية ظاهرة مغنية عن
[ ٣ / ٣١ ]
ثمّ يصلّي ثلاثا.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟ فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان، ولا ينام قلبي» .
وعن عائشة أيضا رضي الله
السؤال، (ثمّ يصلّي ثلاثا) لم يصف هذه الثلاث بالطول؛ ولا بالحسن!! إشارة إلى أنّه خفّفها، وظاهر اللفظ يقتضي أنه صلّى الثلاث بسلام واحد، وهو جائز، بل واجب عند أبي حنيفة، لكن صلاتها بسلامين أفضل عندنا- معاشر الشافعية-، ومتعيّن عند المالكية. انتهى «باجوري» .
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر)؛ أي: مع أنك أمرت بعض أصحابك- كأبي هريرة- بالوتر قبل النوم؛ مخافة أن يغلبه النوم فيفوته الوتر؟!!.
(فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ) - بتشديد الياء- (تنامان، ولا ينام قلبي»)؛ أي: فلا أخاف فوت الوتر، ومن أمن فوته سنّ له تأخيره، بخلاف من يخاف فوت الوتر بالاستغراق في النوم إلى الفجر، فالأولى له أن يوتر قبل أن ينام، ولمّا علم ﷺ من حال أبي هريرة ﵁ ذلك أمره بأن يوتر قبل أن ينام.
فالحاصل: أنّ من وثق بيقظته؛ سنّ له تأخيره، ومن لم يثق بها! سنّ له تقديمه. انتهى «باجوري» .
وعدم نوم القلب من خصائصه على أمته؛ لا على الأنبياء، فكلّهم لا تنام قلوبهم، لاستغراقها في شهود جمال الذات العليّة والحضرة المتعالية وجلالها.
وإنّما فاتته صلاة الصبح في حديث نومه في الوادي!! لأن رؤية الفجر من وظائف البصر؛ لا القلب. والله أعلم.
(و) أخرج مسلم، والترمذي في «الشمائل»؛ (عن عائشة أيضا رضي الله
[ ٣ / ٣٢ ]
تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي من اللّيل إحدى عشرة ركعة يوتر منها بواحدة، فإذا فرغ منها.. اضطجع على شقّه الأيمن.
تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي من اللّيل)؛ أي: في الليل (إحدى عشرة ركعة)؛ أي: غالبا، أو عندها، فلا ينافي ما ثبت من زيادة أو نقصان في بعض الروايات؛ كرواية الثلاث عشرة، وكرواية التسع؛ والسبع.
والحاصل: أنّ في رواية «ثلاث عشرة»، وفي رواية «إحدى عشرة»، وفي رواية «تسعا»، وفي رواية «سبعا»، ولعل اختلاف الروايات بحسب اختلاف الأوقات والحالات؛ من صحة ومرض، وقوّة وضعف!! ولذلك قال الشيخ ابن حجر: والصواب حمله على أوقات متعدّدة وأحوال مختلفة، فكان تارة يصلي كذا، وتارة يصلي كذا، أو للتنبيه على سعة الأمر في ذلك.
(يوتر منها بواحدة) قال الباجوري: ظاهره أنّ البقية ليست من الوتر، بل تهجّد، وذلك صحيح، لأن أقلّ الوتر ركعة، ويحتمل أن المعنى يفصل منها واحدة، فلا ينافي أنّ البقيّة من الوتر، لأنّ أكمله إحدى عشرة ركعة، وعلى كلّ فهو دليل صريح في أنّ الركعة الواحدة صلاة صحيحة، وأنّ أقلّ الوتر ركعة وهو مذهبنا ومذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: لا يصحّ الإيتار بواحدة، ولا تكون الركعة الواحدة صلاة قطّ، والأحاديث الصحيحة تردّ عليه. انتهى «شرح مسلم» .
(فإذا فرغ منها)؛ أي: من الإحدى عشرة ركعة (اضطجع على شقّه) - بكسر الشين المعجمة- أي: جنبه (الأيمن) حتّى يأتيه المؤذّن، فيصلي ركعتين خفيفتين. هذا تمامه في «صحيح مسلم» .
وفي هذا الحديث: أن الاضطجاع بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر، وكذا في حديث ابن عبّاس: أن الاضطجاع كان بعد صلاة الليل وقبل ركعتي الفجر. وفي الرواية الآخرى في مسلم؛ عن عائشة: أنّه كان يضطجع بعد ركعتي الفجر.
قال القاضي عياض: وفي ذلك ردّ على الشافعي وأصحابه في قولهم «إن
[ ٣ / ٣٣ ]
الاضطجاع بعد ركعتي الفجر سنّة» . قال: وذهب مالك وجمهور العلماء وجماعة من الصحابة إلى أنّه بدعة، وأشار إلى أنّ رواية الاضطجاع بعد ركعتي الفجر مرجوحة. قال: فتقدّم رواية الاضطجاع قبلهما. قال: ولم يقل أحد في الاضطجاع قبلهما «إنّه سنة»؛ فكذا بعدهما. قال: وقد ذكر مسلم؛ عن عائشة ﵂ قولها «فإن كنت مستيقظة حدثني، وإلّا! اضطجع» فهذا يدلّ على أنّه ليس بسنّة، وأنّه تارة كان يضطجع قبل، وتارة بعد، وتارة لا يضطجع. انتهى كلام القاضي عياض؛ نقله النووي في «شرح مسلم» .
وتعقّبه النوويّ قائلا: الصحيح- أو الصواب-: أنّ الاضطجاع بعد الفجر سنّة، لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا صلّى أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع على يمينه» رواه أبو داود، والترمذي؛ بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح، فهذا حديث صحيح صريح في الأمر بالاضطجاع. وأما حديث عائشة بالاضطجاع بعدها وقبلها، وحديث ابن عباس قبلها!! فلا يخالف هذا، فإنّه لا يلزم من الاضطجاع قبلها ألايضطجع بعدها. ولعله ﷺ ترك الاضطجاع بعدها في بعض الأوقات بيانا للجواز؛ لو ثبت الترك، ولم يثبت!! فلعله كان يضطجع قبل وبعد!!. وإذا صحّ الحديث في الأمر بالاضطجاع بعدها مع روايات الفعل الموافقة للأمر به؛ تعيّن المصير إليه. وإذا أمكن الجمع بين الأحاديث!؟ لم يجز ردّ بعضها، وقد أمكن بطريقين أشرنا إليهما؛ أحدهما: أنّه اضطجع قبل وبعد. والثاني: أنّه تركه بعد في بعض الأوقات لبيان الجواز. والله أعلم. انتهى كلام النووي.
وقال العلامة السيّد محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني في «سبل السلام»:
العلماء في هذه الضجعة بين مفرط ومفرّط ومتوسط.
فأفرط جماعة من أهل الظاهر؛ منهم ابن حزم ومن تابعه، فقالوا بوجوبها، وأبطلوا صلاة الفجر بتركها، وذلك لفعله المذكور في حديث عائشة الذي رواه
[ ٣ / ٣٤ ]
البخاري؛ قالت: كان النبي ﷺ إذا صلّى ركعتي الفجر اضطجع على شقّه الأيمن، ولحديث الأمر بها في حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: «إذا صلّى أحدكم الرّكعتين قبل الصّبح فليضطجع على جنبه الأيمن» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. قال ابن تيمية: ليس بصحيح لأنه تفرّد به عبد الرحمن بن زياد، وفي حفظه مقال. قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنه تقوم به الحجّة، إلّا أنّه صرف الأمر عن الوجوب ما ورد من عدم مداومته ﷺ على فعلها.
وفرّط جماعة؛ فقالوا بكراهتها، واحتجّوا بأن ابن عمر كان لا يفعل ذلك، ويقول: كفى بالتسليم. أخرجه عبد الرزاق، وبأنه كان يحصب «١» من يفعلها.
وقال ابن مسعود: ما بال الرجل إذا صلّى الركعتين تمعّك كما يتمعّك الحمار!!.
وتوسّط فيها طائفة؛ منهم مالك وغيره، فلم يروا بها بأسا لمن فعلها راحة وكرّهوها لمن فعلها استنانا. ومنهم من قال باستحبابها على الإطلاق؛ سواء فعلها استراحة أم لا.
قيل: وقد شرعت لمن يتهجّد من الليل، لما أخرجه عبد الرزاق؛ عن عائشة كانت تقول: إن النبي ﷺ لم يضطجع لسنّة، لكن كان يدأب ليله فيضطجع ليستريح منه. وفيه راو لم يسمّ.
وقال النووي: المختار أنّها سنّة، لظاهر حديث أبي هريرة.
قلت: وهو الأقرب، وحديث عائشة!! لو صحّ؛ فغايته أنّه إخبار عن فهمها، وعدم استمراره ﷺ عليها دليل سنّيّتها. ثم إنّه يسنّ على الشقّ الأيمن. قال ابن حزم: فإن تعذّر على الأيمن!! فإنّه يومئ ولا يضطجع على الأيسر. انتهى كلام «سبل السلام» .
فائدة: ذكر سيّدي مصطفى البكري نفعنا الله بعلومه آمين؛ في كتابه «المنهل
_________________
(١) يرميه بالحصباء.
[ ٣ / ٣٥ ]
وعن عائشة أيضا قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل تسع ركعات. أي: في بعض الأوقات.
العذب» السائغ لورّاده: أنّه يقول في اضطجاعه: «اللهمّ؛ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل وعزرائيل ومحمّد ﷺ، أجرني من النار» ثلاثا.
وذكر سيّدي محيي الدين ابن عربي قدس الله سره في «فتوحاته» عن بعض العلماء: أنّه قال: من لم يضطجع لا تصحّ منه صلاة الصبح. ووجّه مقالته.
قال «١»: وقد رأيت شيخنا الهمام عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى يفعله، ولم ينصّ علماؤنا على سنيّته؛ أي: علماء الحنفية، لكن نفعله لما ذكره الشيخ الأكبر ﵀، ومراعاة لمن يقول بسنّيّته من غير مذهبنا، ولكن ينبغي لمن علم من نفسه أنّ النوم غالبه ألايضطجع مخافة أن ينام، وكرّه مالك الاضطجاع لهذه العلة. انتهى كلام سيدي مصطفى البكري رحمه الله تعالى. ملخصا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل»؛ (عن عائشة أيضا) رضي الله تعالى عنها (قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي من اللّيل تسع ركعات) . قال الباجوري: (أي في بعض الأوقات)، فلا تنافي هذه الرواية غيرها من باقي الروايات.
وقد روى أبو داود؛ عن عبد الله بن أبي قبيس قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: بكم كان رسول الله ﷺ يوتر؟ قالت: يوتر بأربع وثلاث، وستّ وثلاث، وثمان وثلاث، وعشر وثلاث، ولم يكن يوتر بأنقص من سبع؛ ولا بأكثر من ثلاث عشرة.
وللبخاري؛ عن مسروق أنّه سألها عن صلاته. فقالت: سبعا، وتسعا، وإحدى عشرة ركعة سوى ركعتي الفجر. قال القرطبي: أشكل حديثها على كثير، حتى نسب للاضطراب. قال ابن حجر الهيتميّ المكّيّ: وإنما يتمّ لو اتّحد الراوي
_________________
(١) أي: السيد مصطفى البكري.
[ ٣ / ٣٦ ]
وعن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما: أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ من اللّيل، قال: فلمّا دخل في الصّلاة..
قال: «الله أكبر ذو الملكوت والجبروت والكبرياء والعظمة» .
عنها، والوقت، والصلاة. والصواب أنّ ما ذكرته من ذلك محمول على أوقات متعدّدة وأحوال مختلفة بحسب النشاط، فكان تارة يصلّي سبعا، وتارة تسعا، وتارة إحدى عشرة؛ وهو الأغلب. انتهى.
وقد كان ﷺ تارة يصلي قائما وهو الأغلب، وتارة جالسا؛ ثم قبل الركوع يقوم.
(و) أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنسائي، وابن ماجه مع تخالف في بعضه، وهذا لفظ «الشمائل»: (عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما أنّه صلّى مع النّبيّ ﷺ من اللّيل) أي: في الليل. ولفظ أحمد والنسائي أنّه صلّى معه في ليلة من رمضان.
(قال) - أي: حذيفة- (فلمّا دخل في الصّلاة)؛ أي: بتكبيرة الإحرام (قال الله أكبر) من كلّ شيء. والظاهر أنّه قال ذلك بعد تكبيرة الإحرام بدليل زيادة الكلمات الآتية، كما قاله العلّامة ملا علي قاري رحمه الله تعالى؛ فيكون هذا صيغة من صيغ دعاء الافتتاح الواردة، ويؤيّد ذلك رواية أبي داود: قال الله أكبر «ثلاثا» .
(ذو الملكوت) أي: صاحب الملك والعزّة، لأن الملكوت- بفتحتين-: الملك والعزّة. وصيغة «فعلوت» للمبالغة، والكثرة، كما في: رحموت ورهبوت.
(والجبروت) - بفتحتين أيضا- أي: الجبر والقهر، والتاء فيه للمبالغة.
(والكبرياء) - بالمدّ- أي: الترفّع عن جميع الخلق مع انقيادهم، والتنزّه عن كلّ نقص، ولا يوصف بهذين الوصفين غيره ﷾.
(والعظمة): تجاوز القدر عن الإحاطة به.
وقيل: الكبرياء: عبارة عن كمال الذات، والعظمة: عبارة عن جمال الصفات.
[ ٣ / ٣٧ ]
قال: ثمّ قرأ (البقرة)، ثمّ ركع؛ فكان ركوعه نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي العظيم، سبحان ربّي العظيم»، ثمّ رفع رأسه؛ فكان قيامه نحوا من ركوعه، وكان يقول: «لربّي الحمد، لربّي الحمد»،
(قال) - أي حذيفة- (: ثمّ قرأ) سورة («البقرة») - أي- بكمالها بعد الفاتحة؛ وإن لم يذكرها، اعتمادا على ما هو معلوم من أنّه ﷺ لم يخل صلاة عن الفاتحة.
(ثمّ ركع؛ فكان ركوعه نحوا من قيامه)، أي: قريبا منه، فيكون قدر طول الركوع قريبا من هذا القيام الطويل، ولا مانع منه، لأنه ركن طويل.
(وكان يقول: «سبحان ربّي العظيم) - بفتح ياء الإضافة، ويجوز إسكانها- (سبحان ربّي العظيم»)؛ أي: وهكذا، فالمرّتان المراد منهما التكرار مرارا كثيرة؛ لا خصوص المرتين، على حدّ قوله تعالى ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [٤/ الملك] فكان يكرّر هذه الكلمة ما دام راكعا.
(ثمّ رفع رأسه) من الركوع (فكان قيامه)؛ أي: مكث في الاعتدال (نحوا من ركوعه) .
قال النووي في «شرح مسلم»: هذا فيه دليل لجواز تطويل الاعتدال.
وأصحابنا يقولون: لا يجوز، ويبطلون به الصلاة. انتهى.
وقال المناوي: زاد كلمة «من» في قوله «نحوا من ركوعه» !! تنبيها على أن قيامه؛ أي: اعتداله كان يقرب من ركوعه؛ لا أنّه يماثله، وقربه من الركوع أمر نسبيّ، فلا دليل فيه لما اختاره كثير من الشافعية- ومنهم النووي-: أنّ الاعتدال والقعود بين السجدتين ركنان طويلان؛ بل المذهب أنّهما قصيران، فمتى زاد على قدر الذكر المشروع فيهما عمدا بطلت الصلاة هذا محصول المذهب.
(وكان يقول) في الاعتدال: («لربّي الحمد، لربّي الحمد») . أي: كان
[ ٣ / ٣٨ ]
ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه، وكان يقول: «سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى»، ثمّ رفع رأسه فكان ما بين السّجدتين نحوا من السّجود، وكان يقول: «ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي» حتّى قرأ (البقرة)، و(آل عمران)،
يكرّر ذلك مادام في الاعتدال، فليس المراد الإتيان بالمرّتين فقط، نظير ما سبق، لكن المقرّر في الفروع أنّه لا يندب تكرار ذلك، بل يأتي بالأذكار المخصوصة؛ وهي «ربنا لك الحمد ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد؛ أهل الثناء والمجد » إلى آخره ولعلّ ما وقع هنا لبيان الجواز!! والله أعلم.
(ثمّ سجد؛ فكان سجوده نحوا من قيامه)، أي: اعتداله من الركوع؛ قاله ملّا علي قاري. وقال المناوي: أي: من قيامه للقراءة، لا من قيامه من الركوع، وإلّا! لكان الطويل أقصر من القصير. انتهى وتبعه الباجوري.
(وكان يقول) في سجوده: («سبحان ربّي الأعلى، سبحان ربّي الأعلى»)؛ أي: كان يكرّر ذلك مادام ساجدا- كما تقدّم في نظيره-.
(ثمّ رفع رأسه) - أي- من السجود الأول إلى الجلوس بين السجدتين.
(فكان) الجلوس (ما) - أي الذي- (بين السّجدتين نحوا) - أي: قريبا- (من السّجود) وقد علمت ما فيه!!.
(وكان يقول) - أي- في جلوسه بين السجدتين: («ربّ اغفر لي، ربّ اغفر لي»)؛ أي: كان يكرّر ذلك ما دام جالسا، ويأتي فيه نظير ما تقدّم في تكراره «لربي الحمد» في الاعتدال، ولم يذكر السجود الثاني، ولا تطويله، ولا ما قاله فيه!! لعلّه لسهو من الراوي، أو للاختصار لكونه يعلم بالمقايسة على السجود الأوّل.
(حتّى) غاية لمحذوف، والتقدير واستمرّ يطوّل حتّى (قرأ) سورة («البقرة») أي: في الركعة الأولى، (و) سورة («آل عمران») - أي- في
[ ٣ / ٣٩ ]
و(النّساء)، و(المائدة)، أو (الأنعام)؛ أي: أنّه صلّى أربع ركعات قرأ في الأولى: (البقرة)، وفي الثّانية: (آل عمران)، وفي الثّالثة: (النّساء)، وفي الرّابعة: (المائدة) أو (الأنعام) «١» . والشّكّ فيهما من شعبة
الثانية، (و) سورة («النّساء») - أي- في الثالثة، (و) سورة («المائدة»؛ أو) قال: سورة (الأنعام) في الرابعة.
(والشّكّ فيهما) أي: السورتين- وهما المائدة والأنعام- (من) الإمام الحافظ الحجّة العابد الصالح أمير المؤمنين في الحديث؛ أبي بسطام:
(شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي الأزدي «مولاهم» الواسطي، ثم البصري «مولى عبدة بن الأعز»، وعبدة «مولى يزيد بن المهلب الأزدي» .
كان شعبة من واسط، ثم انتقل إلى البصرة فاستوطنها.
وهو من تابعي التابعين، وأعلام المحدثين وكبار المحققين.
رأى الحسن البصري، ومحمّد بن سيرين، وسمع أنس بن سيرين، وعمرو بن دينار، والشعبي، وخلائق لا يحصون من التابعين، وخلائق من غيرهم.
روى عنه الأعمش، وأيوب السختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون، والثوري وابن مهدي ووكيع وعبد الله بن المبارك ويحيى القطّان، وخلائق لا يحصون من كبار الأئمة.
وأجمعوا على إمامته في الحديث وجلالته وتحرّيه واحتياطه وإتقانه.
وتوفي بالبصرة في أول سنة: - ١٦٠- ستين ومائة، وهو: ابن سبع وسبعين
_________________
(١) ساقطة من الأصل. وأثبتناها من «وسائل الوصول»، ولكن الشارح﵀- قد ضمّنها في الشرح.
[ ٣ / ٤٠ ]
راوي هذا الحديث.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام رسول الله ﷺ باية من القرآن ليلة.
سنة- بتقديم المهملة على الموحدة فيهما- أي: فعمره ثمانون سنة إلّا ثلاث سنوات. رحمه الله تعالى.
(راوي هذا الحديث) يعني أنّه شكّ في السورة التي قرأها النبي ﷺ في الرابعة؛ هل هي المائدة، أو الأنعام!!
وظاهر الخبر أنّه قرأ السور الأربع في الركعات الأربع، وبه صرّحت رواية أبي داود، ولكن رواية مسلم والنسائي ظاهرة في أنّه قرأ الكلّ في ركعة واحدة، فلعل الواقعة تعدّدت!! فتكون صلاة حذيفة مع النبي ﷺ وقعت في ليلتين في إحداهما قرأ السور في ركعة، وفي الليلة الآخرى قرأ السور الأربع في أربع ركعات.
أو يقال: إن في رواية أبي داود والترمذي وهما، والصواب رواية مسلم والنسائي!!.
ويؤيّده: اتحاد المخرج وهو صلة بن زفر. ولعل البخاريّ لم يخرجه في «صحيحه»؛ لما فيه من الاختلاف والاضطراب! والله أعلم. انتهى من كتاب «جمع الوسائل» لملا علي قاري رحمه الله تعالى.
وهذه القراءة كانت في صلاة الليل كما يفيده أوّل الحديث، وأمّا قراءته في الفرائض!! فوردت على أنحاء شتى. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قام) - أي صلّى- (رسول الله ﷺ باية) أي: متلبّسا بقراءة آية (من القرآن)؛ وهي قوله تعالى إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) [المائدة] يعني: أحيا بقراءة هذه الآية (ليلة)؛ أي: استمرّ يكرّرها ليلته كلّها في ركعات تهجّده، فلم يقرأ فيها بغيرها، أو صار يكرّرها في قيام ركعة واحدة
[ ٣ / ٤١ ]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ، فلم يزل قائما حتّى هممت بأمر سوء.
إلى الفجر. ويرجّح الأوّل ما في «فضائل القرآن» لأبي عبيد؛ عن أبي ذرّ: قام رسول الله ﷺ ليلة من الليالي، فقرأ آية واحدة الليل كلّه حتّى أصبح؛ بها يقوم، وبها يركع، وبها يسجد. فقال القوم لأبي ذر: أيّة آية هي؟ فقال: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨) [المائدة] .
وإنما داوم على تكريرها والتفكّر في معانيها حتّى أصبح!! لما اعتراه عند قراءتها من هول ما ابتدئت به مما أوجب اشتعال نار الخوف، ومن حلاوة ما ختمت به مما أوجب اهتزازه طربا وسرورا.
ويؤخذ منه جواز تكرار آية في الصلاة، ولعل ذلك كان قبل النهي عن القراءة في الركوع والسجود!! فلا ينافيه خبر مسلم: «نهيت أن أقرأ القرآن راكعا وساجدا» .
أو فعله لبيان الجواز؛ تنبيها على أنّ النهي للتنزيه؛ لا للتحريم.
وحديث «المتن» رواه النسائيّ وابن ماجه؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه.
كما قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وابن ماجه، والترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله تعالى عنه قال:
صلّيت ليلة مع رسول الله ﷺ) - أي- جماعة، فدلّ ذلك على صحّة النفل جماعة؛ وإن لم تشرع فيه ما عدا العيدين والكسوفين ونحوهما..
(فلم يزل قائما) أي: أطال القيام جدّا (حتّى هممت) أي: قصدت. والهمّ بمعنى القصد، ويعدّى بالباء (بأمر سوء) بإضافة «أمر» إلى «سوء» - كما هو الرواية- كما أفهمه كلام الحافظ ابن حجر. وقيل: إنّه روي بقطعها على الوصفيّة.
والسّوء- بفتح السين وضمّها-: نقيض المسرّة. وشاع الإضافة إلى المفتوح
[ ٣ / ٤٢ ]
قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النّبيّ ﷺ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا
ك «رجل سوء»، ولا يقال سوء- بالضمّ-. وقد قرئ متواترا بالوجهين؛ في قوله تعالى عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ [٩٨/ التوبة] .
(قيل له: وما هممت به؟!) أي: أيّ شيء الذي هممت به؟.
(قال)؛ أي: ابن مسعود (: هممت أن أقعد) بلا صلاة (وأدع) - أي:
أترك- (النّبيّ ﷺ) يصلّي وحده؛ كما قاله القسطلاني وغيره. ولا مانع منه! لأنّ قطع النفل جائز عندنا.
وقال المناوي: بأن ينوي قطع القدوة ويتمّ صلاته منفردا، لا أنّه يقطع الصلاة؛ كما ظنّه القسطلّاني وغيره!! لأن ذلك لا يليق بجلالة ابن مسعود.
قال الباجوري: لكنّ المتبادر من قوله «أن أقعد» هو الأوّل، واحتمال أنّه يتمّ الصلاة قاعدا بعيد، فترك الصلاة مع النبي ﷺ على الأول أمر سوء، وكذا ترك الاقتداء به على الثاني، لأنّ في كلّ حرمان الثواب العظيم الحاصل بالصلاة مع النبي الكريم ﷺ. انتهى.
قال النووي في «شرح مسلم»: فيه أنّه ينبغي الأدب مع الأئمة والكبار، وأن لا يخالفوا بفعل ولا قول؛ ما لم يكن حراما.
واتفق العلماء على أنّه إذا شق على المقتدي في فريضة؛ أو نافلة القيام، وعجز عنه جاز له القعود، وإنّما لم يقعد ابن مسعود!! للتأدّب مع النبي ﷺ.
وفيه جواز الاقتداء في غير المكتوبات. وفيه استحباب تطويل صلاة الليل. انتهى.
(و) أخرج مسلم، والترمذي في «الشمائل»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي جالسا) . قيل: كان ذلك في كبر سنّه. وقد صرّحت به عائشة رضي الله تعالى عنها فيما أخرجه الشيخان.
[ ٣ / ٤٣ ]
فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين- أو أربعين- آية.. قام فقرأ وهو قائم،
ومن خصائصه ﷺ: أنّ تطوّعه قاعدا كهو قائما، لأنّه مأمون الكسل؛ فلا ينقص أجره، بخلاف غيره، فإنّه من صلّى قاعدا فله نصف أجر القائم.
ويؤخذ منه صحّة تنفّل القادر قاعدا، وهو مجمع عليه.
(فيقرأ وهو جالس، فإذا بقي من قراءته)؛ أي: من مقروئه (قدر)؛ أي:
مقدار (ما يكون ثلاثين أو أربعين آية؛ قام) . وفيه إشارة إلى أنّ الذي كان يقرأه قبل أن يقوم أكثر، لأن البقية تطلق غالبا على الأقلّ.
والظّاهر أن الترديد بين الثلاثين والأربعين من عائشة!! فيكون إشارة إلى أن المقدار المذكور مبنيّ على التخمين، فردّدت بينهما؛ تحرّزا من الكذب.
ويحتمل أنّه تارة كان يقع منه كذا وتارة كذا.
ويحتمل أنّه شكّ من بعض الرواة فيما قالته عائشة، وهي إنّما قالت أحدهما!! وأيّده الحافظ العراقي برواية في «صحيح مسلم» عنها: فإذا أراد أن يركع؛ قام قدر ما يقرأ الإنسان أربعين آية.
ويؤخذ من ذلك صحّة بعض النفل قاعدا وبعضه قائما، وصحّة بعض الركعة قاعدا وبعضها قائما، وجعل بعض القراءة في القعود وبعضها في القيام، وسواء في ذلك كلّه قعد ثم قام، أو قام ثمّ قعد، وسواء نوى القيام؛ ثم أراد القعود، أو نوى القعود؛ ثم أراد القيام. وهو قول الأئمة الأربعة، ولكن يمنع بعض المالكية الجلوس بعد أن ينوي القيام. انتهى «باجوري ومناوي» .
(فقرأ؛ وهو قائم) أي: والحال أنّه قائم، أي: مستقرّ على القيام.
وظاهر التعبير بالفاء: أنه لا تراخي بين القيام والقراءة. وظاهره أيضا أنّ من افتتح الصلاة قاعدا ثم قام؛ لا يقرأ حال نهوضه، لانتقاله إلى أكمل منه، بخلاف عكسه، فيقرأ في حال الهويّ. وبه صرّح الشافعية في فرض المعذور.
[ ٣ / ٤٤ ]
ثمّ ركع وسجد، ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك.
وعن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ في تطوّعه؟
وأما مسألة الحديث؛ وهو النفل قاعدا مع القدرة؛ ثم ينتقل إلى القيام، أو بالعكس؟! فهو مخيّر بين القراءة في النهوض والهوي، لكن الأفضل القراءة هاويا؛ لا ناهضا. انتهى «مناوي وباجوري» .
(ثمّ ركع وسجد)؛ أي: من قيام. قال الحافظ ابن حجر: في الحديث ردّ على من شرط- على من افتتح النفل قاعدا- أن يركع قاعدا، وعلى من افتتحه قائما- أن يركع قائما، وهو محكيّ عن بعض الحنفية والمالكية، لرواية في مسلم أي: ستأتي بعد هذا- لكن لا يلزم منه منع ما دلّت عليه هذه الرواية، فيجمع بأنه كان يفعل كلّا من ذلك بحسب النشاط وعدمه.
(ثمّ صنع في الرّكعة الثّانية مثل ذلك)؛ أي: قرأ وهو جالس، حتّى إذا بقي من قراءته قدر ما يكون ثلاثين، أو أربعين آية؛ قام فقرأ وهو قائم، ثم ركع وسجد، فبعد أن قام في أثناء الأولى قعد في أوّل الثانية، فقد انتقل من القيام للقعود؛ وإن كان في ركعة أخرى. وهو حجّة على من منع ذلك.
(و) أخرج مسلم، والترمذي؛ في «الشمائل»؛
(عن) أبي عبد الرحمن (عبد الله بن شقيق) العقيلي- بالضمّ مصغّرا- البصري، روى عن عمر وعثمان وأبي ذر، وعنه ابن سيرين وقتادة وجعفر بن أبي وحشية، وثّقه أحمد وابن معين، وقال أحمد: ثقة ناصبيّ؛ يحمل على علي بن أبي طالب. خرّج له مسلم والأربعة، قيل: مات سنة: ثمان ومائة رحمه الله تعالى. آمين.
(قال)؛ أي: عبد الله بن شقيق: (سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ)؛ أي: عن كيفيتها (في تطوّعه) بدل مما قبله بإعادة الجار.
والتطوّع: فعل شيء مما يتقرّب به إلى الله تعالى؛ تبرّعا من النفس.
[ ٣ / ٤٥ ]
فقالت: كان يصلّي ليلا طويلا قائما، وليلا طويلا قاعدا، فإذا قرأ وهو قائم.. ركع وسجد وهو قائم، وإذا قرأ وهو جالس.. ركع وسجد وهو جالس.
(فقالت: كان يصلّي ليلا طويلا) بدل من «الليل» بدل بعض من كلّ، أي:
زمنا طويلا من الليل، لا أنّه يجعل صلاته طويلة. انتهى «مناوي»
(قائما) حال من فاعل «يصلي»؛ أي: يصلّي زمنا طويلا حال كونه قائما فيه.
(وليلا)؛ أي: زمنا (طويلا) حال كونه (قاعدا) فيه في كلّ صلاته؛ أو بعضها، فالحال مبنيّة على أن المراد بطول زمن الصلاة طول قيامها؛ أو قعودها.
انتهى «مناوي» .
ويؤخذ من ذلك ندب تطويل القراءة في صلاة الليل وتطويل القيام فيها، وهو أفضل من تكثير الركوع والسجود مع تقصير القراءة- على الأصحّ عند الشافعية-، ولا يعارضه حديث «عليك بكثرة السّجود» !! لأن المراد كثرة الصلاة؛ لا كثرة السجود حقيقة. انتهى «باجوري ومناوي» .
(فإذا) الفاء تفصيلية (قرأ وهو قائم؛ ركع وسجد؛ وهو قائم)، أي: انتقل إلى الركوع والسجود، والحال أنّه قائم تحرّزا عن الجلوس قبل الركوع والسجود.
(وإذا قرأ وهو جالس! ركع وسجد؛ وهو جالس) أي: انتقل إلى الركوع والسجود، والحال أنّه جالس تحرّزا عن القيام قبل الركوع والسجود.
قال المناوي- بعد ذكر مثل هذا التقرير- ما نصّه: ذكر ذلك كله الشّرّاح!!.
وأنت خبير بأنها كلّها توجيهات لا تخلو عن ركاكة وتكلّف. انتهى.
ثم نقل عن الزين العراقي أنّ ذلك محمول على أنّه ﷺ كان له أحوال مختلفة في تهجّده وغيره، فكان يفعل مرّة كذا، ومرّة كذا، ومرة يفتتح قاعدا؛ ويتمّ قراءته قاعدا؛ ويركع قاعدا. ومرّة يفتتح قاعدا، ويقرأ بعض قراءته قاعدا وبعضها قائما؛
[ ٣ / ٤٦ ]
وعن حفصة زوج النّبيّ ﷺ قالت: كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته- أي: نافلته- قاعدا، ويقرأ بالسّورة ويرتّلها حتّى تكون أطول من أطول منها
ويركع قائما. فإن لفظة «كان» لا تقتضي الدوام عند جمع من العلماء الأعلام.
انتهى.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه»، ومالك في «الموطأ»، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» - واللفظ لها- والنسائيّ؛
(عن) أمّ المؤمنين (حفصة) بنت عمر بن الخطّاب (زوج النّبيّ ﷺ قالت:
كان رسول الله ﷺ يصلّي في سبحته) - بضم السين المهملة وسكون الموحدة- (أي نافلته) . سمّيت «سبحة» !! لاشتمالها على التسبيح، وخصّت النافلة بذلك!! لأن التسبيح الذي في الفريضة نافلة فأشبهت صلاة النفل، وهذا التخصيص أمر غالبيّ، فقد يطلق التسبيح على الصلاة مطلقا؛ تقول (فلان يسبّح) أي: يصلي فرضا أو نفلا. ومنه قوله فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ [٩٨/ الحجر] أي: صلّ.
وقوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) [الصافات] أي: المصلين، (قاعدا) حال من فاعل «يصلي» .
وزاد مسلم في أوّل الحديث زيادة هي قول حفصة: ما رأيت رسول الله ﷺ صلّى في سبحته قاعدا حتّى إذا كان قبل موته بعام؛ فكان يصلي في سبحته قاعدا، (و) كان (يقرأ بالسّورة) من القرآن- الباء زائدة- (ويرتّلها)؛ أي: يتأنّى في قراءتها، ويبيّن الحروف والحركات والوقوف، (حتّى تكون أطول من أطول منها)؛
أي: حتى تصير السورة القصيرة- كالأنفال مثلا- لاشتمالها على الترتيل أطول من طويلة خلت عنه- كالأعراف-.
وهذا معنى قول بعضهم «إنّه يمكث في قراءة هذه مرتّلا متدبّرا بحيث تصير
[ ٣ / ٤٧ ]
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والّذي نفسي بيده، ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا، إلّا المكتوبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل، وكان إذا مرض أو كسل.. صلّى قاعدا.
أطول من السورة التي أطول من هذه السورة؛ بحسب عدد الآيات عند عدم الترتيل في السورة الطويلة» .
(و) أخرج النسائي، وابن ماجه؛ (عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: و) الله (الّذي نفسي بيده)؛ أي: روحي في قبضة قدرته (ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته قاعدا؛ إلّا المكتوبة) .
حديث أمّ سلمة هذا رواه ابن حبّان في «صحيحه» بلفظ: ما مات رسول الله ﷺ حتّى كان أكثر صلاته؛ وهو جالس، وكان أحبّ العمل إليه ما داوم عليه صاحبه؛ وإن كان يسيرا.
وأخرج مسلم في «صحيحه»، والترمذيّ في «الشمائل»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: إنّ النبيّ ﷺ لم يمت حتّى كان أكثر صلاته وهو جالس.
قال الحافظ العراقي: ولا منافاة بين حديث حفصة وحديث عائشة- كما قد يتوهّم-!! فقول عائشة «كان يصلّي جالسا» لا يلزم منه كونه صلّى جالسا قبل وفاته بأكثر من عام، فإنّ «كان» لا يقتضي الدوام؛ بل ولا التكرار على أحد قولي أهل الأصول، وبتقدير كونه «صلّى في تطوّعه قاعدا قبل وفاته بأكثر من عام» لا ينافي حديث حفصة، لأنها إنّما نفت رؤيتها؛ لا الوقوع بالكليّة. انتهى.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع قيام اللّيل) - يعني التهجّد؛ وهو الصلاة في الليل بعد النوم- (وكان إذا مرض أو كسل) - ك «فرح» - (صلّى قاعدا)، ومع ذلك فصلاته قاعدا
[ ٣ / ٤٨ ]
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته.
كصلاته قائما في مقدار الأجر، وهذا من خصائصه ﷺ بخلاف غيره، فإن صلاته قاعدا على النصف من صلاة القائم.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و«الموطأ»، وأبو داود، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل»، والنسائيّ؛ باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ «الشمائل»؛
(عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
صلّيت مع رسول الله ﷺ)؛ أي: شاركته في الصلاة، بمعنى: أنّ كلّا منهما فعل تلك الصلاة، وليس المراد أنّه صلى معه جماعة، لأنه يبعد ذلك هنا؛ وإن كانت الجماعة جائزة في الرواتب، لكنها غير مشروعة فيها.
(ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب؛ في بيته) .
راجع لسنّة المغرب فقط. وقال الباجوري كالمناوي: إنّه راجع للأقسام الثلاثة قبله، لأن القيد يرجع لجميع ما تقدّمه- كما صرّح به بعضهم-.
لكن قد يقال: هلا اكتفى بقوله «في بيته» الثانية المذكورة في قوله (وركعتين بعد العشاء في بيته) !! لأنّه يرجع لجميع ما تقدّمه؛ كما علمت. إلّا أن يقال صرّح به هنا!! اهتماما به. انتهى كلام الباجوري. وفي «جمع الوسائل»: إنّه يحتمل رجوعه للثلاثة قبله، ولسنّة المغرب فقط. ذكره ابن حجر. انتهى.
وعجيب منهم هذه الاحتمالات؛ مع أن الحديث مفصّل في «صحيح مسلم» بوضوح، فلا يحتاج لهذه الاحتمالات!! ولفظه في «صحيح مسلم»: عن ابن عمر؛ قال: صلّيت مع رسول الله ﷺ قبل الظهر سجدتين- يعني: ركعتين- وبعدها سجدتين، وبعد المغرب سجدتين، وبعد العشاء سجدتين، وبعد الجمعة
[ ٣ / ٤٩ ]
سجدتين، فأمّا المغرب والعشاء والجمعة! فصلّيت مع النبي ﷺ في بيته. انتهى.
فهذا مما يوضّح رجوع قوله «في بيته» الأول للمغرب، والثاني للعشاء فقط؛ كما هو أحد الاحتمالين اللذين أبداهما المحقّق ابن حجر، ولعلّهم لم يستحضروا رواية «صحيح مسلم» المذكورة!! ثم هي تشتمل على عشر ركعات من الرّواتب.
وزاد في «صحيح البخاري»: قبل الصبح ركعتين، فالمجموع اثنتا عشرة ركعة. قال الإمام النووي في «شرح مسلم»: وليس للعصر ذكر في «الصحيحين» !! وجاء في «سنن أبي داود» بإسناد صحيح؛ عن عليّ ﵁ أنّ النبي ﷺ كان يصلّي قبل العصر ركعتين.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ عن النبي ﷺ قال: «رحم الله امرأ صلّى قبل العصر أربعا» . رواه أبو داود، والتّرمذيّ؛ وقال: حديث حسن.
وجاء في أربع بعد الظهر حديث صحيح؛ عن أمّ حبيبة قالت: قال رسول الله ﷺ: «من حافظ على أربع ركعات قبل الظّهر وأربع بعدها حرّمه الله على النّار» رواه أبو داود، والترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح.
وفي «صحيح البخاري» عن ابن مغفّل أنّ النبي ﷺ قال: «صلّوا قبل المغرب ركعتين..» قال في الثالثة «لمن شاء» .
ولمسلم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أربعا قبل الظّهر، وركعتين بعدها، وبعد المغرب، وبعد العشاء؛ كلّها في البيت، وإذا طلع الفجر صلّى ركعتين.
وفي «الصحيحين»؛ عن ابن مغفّل؛ عن النبي ﷺ: «بين كلّ أذانين صلاة» المراد بين الأذان والإقامة.
فهذه جملة من الأحاديث الصحيحة في السنن الراتبة مع الفرائض.
قال أصحابنا وجمهور العلماء بهذه الأحاديث كلّها، واستحبّوا جميع هذه النوافل المذكورة في الأحاديث السابقة.
[ ٣ / ٥٠ ]
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين خفيفتين
ولا خلاف في شيء منها عند أصحابنا؛ إلّا في الركعتين قبل المغرب؛ ففيهما وجهان لأصحابنا: أشهرهما لا يستحبّ، والصحيح عند المحققين استحبابهما بحديثي ابن مغفّل، وبحديث ابتدارهم السّواري بها؛ وهو في «الصحيحين» .
قال أصحابنا وغيرهم: واختلاف الأحاديث في أعدادها محمول على توسعة الأمر فيها، وأنّ لها أقلّ وأكمل، فيحصل أصل السنة بالأقلّ، ولكن الاختيار فعل الأكثر الأكمل، وهذا كما في اختلاف أحاديث صلاة الضحى، وكما في أحاديث الوتر، فجاءت فيها كلها أعدادها بالأقلّ والأكثر وما بينهما؛ ليدلّ على أقلّ المجزئ في تحصيل أصل السنة، وعلى الأكمل والأوسط. والله أعلم. انتهى كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.
يقول العبد الضعيف جامع هذا الشرح: لكن المقرّر في الفروع أنّ المؤكّد من الرواتب التابعة للفرائض عشر نظمها صاحب «الزّبد» فقال:
ثنتان قبل الصّبح والظّهر كذا وبعده ومغرب ثمّ العشا
ويؤخذ من الحديث أنّ البيت للنفل أفضل، إلّا ما استثني؛ حتّى من جوف الكعبة.
وحكمته: أنّه أخفى فيكون أقرب إلى الإخلاص وأبعد عن الرياء، وبالغ ابن أبي ليلى فقال: لا تجزيء سنّة المغرب في المسجد. انتهى «باجوري» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و«الموطأ»، والترمذي؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنسائي، وابن ماجه بألفاظ مختلفة- وهذا لفظ «الشمائل» -؛
(عن) أمّ المؤمنين (حفصة رضي الله تعالى عنها، أنّ رسول الله ﷺ كان يصلّي ركعتين) هما سنّة الصبح (خفيفتين)، قد صحّ تخفيفهما من طرق في «الصحيحين» وغيرهما، فيسنّ تخفيفهما؛ اقتداء بالمصطفى ﷺ، وخبر
[ ٣ / ٥١ ]
حين يطلع الفجر.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر في السّفر ولا في الحضر، ولا في الصّحّة ولا في السّقم.
تطويلهما أعلّ بالإرسال. على أنّه محمول على بيان الجواز.
وأخذ مالك رحمه الله تعالى من تخفيفهما أنّه لا يقرأ فيهما غير الفاتحة، وحكاه ابن عبد البرّ عن الأكثر. وبالغ بعض السلف؛ فقال: لا يقرأ فيهما شيئا أصلا.
وذهب الشافعيّ ﵁- كالجمهور- إلى أن المراد بتخفيفهما عدم تطويلهما على الوارد فيهما، فلا ينافي ذلك ما في مسلم: كان كثيرا ما يقرأ في الأولى قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [١٣٦] آية البقرة، وفي الثانية قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ [٦٤] آية آل عمران.
وروى مسلم وغيره: أنّه قرأ فيهما سورتي الإخلاص؛ يعني «الكافرون»، و«قل هو الله أحد» . وصحّ: «نعم السّورتان تقرأ بهما في ركعتي الفجر «قل يا أيّها الكافرون»، و«قل هو الله أحد!!» فيسنّ تخفيفهما مع قراءة ما ذكر حتّى لو قرأ جميع ذلك لم تفته سنّة التخفيف. انتهى «باجوري، ومناوي، وملا علي قاري» .
(حين يطلع) - بضم اللام؛ من باب: قعد، أي: يظهر- (الفجر) هو:
ضوء الصبح؛ وهو حمرة الشّمس في سواد اللّيل.
سمّي بذلك!! لانفجاره، أي: انبعاثه، كانفجار الماء؛ من الفجور، وهو الانبعاث في المعاصي، والمراد الفجر الصادق؛ وهو الذّي يبدو مستطيلا.
(و) أخرج الخطيب- بسند فيه عبد الله بن رجاء؛ قال فيه الذهبي: صدوق كثير الغلط والتصحيف، وأورده في «الضعفاء» أيضا-؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) قالت:
(كان رسول الله ﷺ لا يدع ركعتي الفجر)؛ أي صلاة سنة الصبح (في السّفر؛ ولا في الحضر، ولا في الصّحّة؛ ولا في السّقم) - بفتحتين: المرض،
[ ٣ / ٥٢ ]
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثماني ركعات: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب، وركعتين بعد العشاء.
قال ابن عمر: وحدّثتني
أو المرض الطويل- وفيه إشعار بأنهما أفضل الرّواتب، بل قال الحسن البصري بوجوبهما، لكن منع بخبر: هل عليّ غيرها؟ قال: «لا، إلّا أن تطّوّع» . فهما أفضل الرواتب عند الشافعية ما عدا الوتر.
وقد روى الشيخان وغيرهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: لم يكن ﷺ على شيء من النوافل أشدّ منه تعاهدا على ركعتي الفجر.
وفي رواية لمسلم؛ عنها: ما رأيته إلى شيء من الخير أسرع منه إلى الركعتين قبل الفجر. زاد ابن خزيمة: ولا إلى غنيمة.
ولمسلم أيضا؛ عن عائشة: لهما أحبّ إليّ من الدّنيا جميعها.
وفي «مسلم» أيضا؛ عن عائشة مرفوعا: «ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها» .
قال في «جمع الوسائل»: ولهذا روي عن أبي حنيفة أنّهما واجبتان، فلا شكّ أنّهما أفضل من سائر الرواتب. انتهى.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ؛ في «الشمائل» - وهذا لفظها-:
(عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، قال: حفظت من رسول الله ﷺ ثمان ركعات) - أي: من السنن المؤكّدة-
(: ركعتين قبل الظّهر، وركعتين بعده، وركعتين بعد المغرب) .
ويسنّ ألايتكلّم قبلهما، لخبر رزين: «من صلّى بعد المغرب ركعتين قبل أن يتكلّم رفعت صلاته في علّيّين» . وفيه ردّ على من لم يجوّزهما في المسجد.
(وركعتين بعد العشاء. قال) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب: (وحدّثتني
[ ٣ / ٥٣ ]
حفصة بركعتي الغداة، ولم أكن أراهما من النّبيّ ﷺ.
حفصة) بنت عمر (بركعتي الغداة)؛ أي: الفجر.
وأصل الغداة: ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس.
(ولم أكن أراهما) - بفتح الهمزة-؛ أي: أبصرهما. يعني: لم أكن عالما بركعتي الغداة (من النّبيّ ﷺ!!)؛ أي: لأنّه كان يفعلهما عند نسائه قبل خروجه إلى المسجد دائما؛ أو غالبا، بخلاف بقية الرواتب، فإنّه ربّما فعلها في المسجد.
ونفيه لرؤيتهما!! ينافيه ما رواه الترمذي في «جامعه»، والنسائي؛ عن ابن عمر أيضا: رمقت النبي ﷺ شهرا- وفي رواية: أربعين صباحا- فكان يقرأ بهما أي: بسورتي الكافرون والإخلاص- في ركعتي الفجر.
فهذا صريح في أنّه رآه يصلّيهما، وأجاب الشّبراملّسي بأن الأوّل محمول على الحضر، فإنّه كان فيه يصلّيهما عند نسائه. والثاني محمول على السفر، فإنّه كان فيه يصلّيهما عند صحبه.
وأجاب العلّامة ملّا علي قاري بأن نفي رؤيته قبل أن تحدّثه حفصة، وإثباتها بعده؛ كما يشير إلى ذلك قوله «رمقت» . انتهى «باجوري» .
وفي «الشمائل» للترمذي؛ عن عبد الله بن شقيق قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صلاة رسول الله ﷺ؟! قالت: كان يصلّي قبل الظّهر ركعتين، وبعدها ركعتين، وبعد المغرب ركعتين، وبعد العشاء ركعتين، وقبل الفجر ثنتين. انتهى.
وهذا السؤال عن السنن المؤكّدة، فلذلك أجابته عائشة بالعشر المؤكّدة.
ولا ينافيه ما ورد في أخبار أنّه كان يصلّي أربعا قبل الظهر، وأربعا بعدها، وأربعا قبل العصر، وركعتين قبل المغرب، وركعتين قبل العشاء!! لاحتمال أنّه كان يصلّي هذه العشر في المسجد؛ وتلك في بيته، فأخبر كلّ راو بما اطلع عليه، أو أنّه كان يواظب على هذه؛ دون تلك، فهذه العشر هي الرواتب المؤكّدة،
[ ٣ / ٥٤ ]
وعن معاذة قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟ قالت: نعم.. أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله ﷿.
لمواظبة المصطفى ﷺ عليهنّ، وبقيت رواتب أخرى لكنها لا تتأكّد كتلك.
وأفضل الرواتب ركعتا الفجر؛ للخلاف في وجوبهما، كما تقرّر.
قال المحقّق العراقيّ: ولم أر لأصحابنا تعرّضا لآكدها بعدهما، وقالت المالكية والحنابلة: آكدها بعدها الركعتان بعد المغرب، ويشهد له أنّ الحسن قال بوجوبهما أيضا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي؛ في «الشمائل» وهذا لفظها- (عن معاذة) - بضم الميم- بنت عبد الله العدوية؛ أم الصّهباء البصرية، ثقة من الثالثة، خرّج لها الستة؛ قاله المناوي.
(قالت: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى؟!)؛ أي: الصلاة التي تفعل في الضحى- بضم الضاد والقصر-: اسم للوقت الذي يكون من تمام ضوء الشمس إلى تمام ربع النهار، وقبله من طلوع الشمس إلى تمام ضوئها يقال له «ضحوة» ك «طلحة»، و«ضحو» ك «فلس»، و«ضحيّة» ك «هديّة»، وبعده من تمام الربع إلى الزوال؛ يقال له «ضحاء» - بالفتح والمد-؛ ك «سماء» .
فتلخص: أنّ الوقت من طلوع الشمس إلى الزوال ينقسم ثلاثة أقسام؛ كما يؤخذ من «القاموس» و«المختار» و«المصباح» .
ووقتها الشرعيّ: من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، لكن الأفضل تأخيرها إلى أن يمضي ربع النهار، ليكون في كلّ ربع صلاة. انتهى «باجوري» .
(قالت: نعم)؛ أي: كان يصلّيها، وهذا كاف في الجواب.
وقولها (أربع ركعات، ويزيد ما شاء الله ﷿)؛ زيادة على المطلوب،
[ ٣ / ٥٥ ]
لكنّها تتعلّق بالمطلوب، وهي محمودة حينئذ.
و«أربع ركعات» معمول لمحذوف؛ أي: كان يصلّي أربع ركعات.
والمراد أنّه كان يصلّيها أربع ركعات في أغلب أحواله، كما أشارت إليه بقولها «ويزيد ما شاء الله ﷿»؛ أي: وينقص، ففي كلامها «اكتفاء»، والمراد أنّه يزيد زيادة محصورة؛ وإن كان ظاهر العبارة الزيادة بلا حصر، لكنه محمول على المبالغة.
فالحاصل: أنّه صلّاها تارة ركعتين؛ وهو أقلّها، وتارة أربعا؛ وهو أغلب أحواله، وتارة ستّا، وتارة ثمانية؛ وهو أكثرها فضلا وعددا- على الراجح-.
وقيل: أفضلها ثمان، وأكثرها اثنتا عشرة. ولا ينافي ذلك قول الفقهاء «كلّ ما كثر وشقّ كان أفضل» !! لأنه غالبي، فقد صرّحوا بأن العمل القليل قد يفضل الكثير في صور كثيرة، لأنّه قد يرى المجتهد من المصالح المحتفّة بالعمل القليل ما يفضله على الكثير.
هذا؛ وقد ثبت عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: ما رأيته سبّحها؛ أي: صلّاها- تعني صلاة الضحى-.
وجمع البيهقيّ بين هذا وبين ما تقدّم عنها بحمل قولها «ما رأيته سبّحها» على نفي رؤية مداومته عليها؛ وقولها «نعم» على الغالب من أحواله، فقد شهد تسعة عشر من أكابر الصحب أنّهم رأوا المصطفى ﷺ يصلّيها.
وقال في «فتح الباري» - بعد أن ذكر في الضحى أقوالا ستّة- ما نصّه:
قد جمع الحاكم الأحاديث الواردة في صلاة الضحى في جزء مفرد، وذكر لغالب هذه الأقوال مستندا، وبلّغ عدد رواة الحديث في إثباتها نحو العشرين نفسا من الصّحابة. انتهى.
قال الحاكم: وفي الباب عن ١- أبي سعيد، و٢- أبي ذر، و٣- زيد بن أرقم، و٤- أبي هريرة، و٥- بريدة الأسلمي، و٦- أبي الدرداء،
[ ٣ / ٥٦ ]
و٧- عبد الله بن أبي أوفى، و٨- عتبان بن مالك، و٩- عتبة بن عبد السّلمي، و١٠- نعيم بن همار، و١١- أبي أمامة الباهلي، و١٢- عائشة بنت أبي بكر، و١٣- أمّ هانئ، و١٤- أم سلمة: كلهم شهدوا أن النبي ﷺ كان يصلّي الضحى. انتهى.
بل قال ابن جرير: أحاديثها بلغت حدّ التواتر.
وفي «مصنف ابن أبي شيبة»؛ عن ابن عبّاس ﵄: إنّها لفي كتاب الله تعالى، ولا يغوص عليها إلّا الغوّاص.
قال ابن العربي: وهي كانت صلاة الأنبياء قبل المصطفى ﷺ، ويسنّ فعلها في المسجد لخبر فيه، وأما ما صحّ عن ابن عمر من قوله «إنها بدعة ونعمت البدعة» .
ومن قوله «لقد قتل عثمان؛ وما أحد يسبّحها، وما أحدث الناس شيئا أحبّ إلي منها» !! فمحمول على أنّه لم يبلغه هذه الأخبار، أو أنّه أراد أنّه ﷺ لم يداوم عليها، أو أنّ التجمّع لها في نحو مسجد هو البدعة.
وبالجملة: فقد قام الإجماع على استحبابها، وإنّما اختلفوا في أنّها مأخوذة من سنة مخصوصة؛ أو من عمومات!! وقد ورد في شأنها أحاديث كثيرة تدلّ على مزيد فضلها كخبر أحمد: «من حافظ على صلاة الضّحى غفرت له ذنوبه؛ وإن كانت مثل زبد البحر» .
ومن فوائدها أنّها تجزئ عن الصدقة التي تطلب عن مفاصل الإنسان الثلاث مئة وستين مفصلا كلّ يوم تطلع فيه الشمس، كما رواه مسلم وغيره.
وقد اشتهر بين العوام أنّ قطعها يورث العمى! ولا أصل له. انتهى «باجوري» مع زيادة من المناوي وغيره.
[ ٣ / ٥٧ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى حتّى نقول لا يدعها، ويدعها (و) أخرج التّرمذيّ؛ في «الشمائل»، والحاكم في «صلاة الضحى»؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ كان يصلّي الضّحى ستّ ركعات) .
أي: في بعض الأوقات، فلا تنافي بين الروايات، قال المناوي: وهذا روي أيضا من حديث علي، وجابر، وعائشة. قال القسطلاني: لكن لا يخلو إسناد كلّ منها من مقال. انتهى.
(و) أخرج الترمذي؛ في «الجامع» وحسّنه، وفي «الشمائل»، والحاكم وصحّحه؛ من طريق عطية بن سعد العوفي- وهو ضعيف؛ كما قال النووي-.
(عن أبي سعيد الخدريّ)؛ نسبة إلى «خدرة» جدّ له (رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يصلّي الضّحى)؛ أي: يواظب عليها أيّاما متوالية لمحبّته لها؛ (حتّى نقول) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضنا لبعض-: (لا يدعها)؛ أي: لا يتركها بعد هذه المواظبة، (ويدعها)؛ أي: يتركها أحيانا؛ خوفا من أن يعتقد الناس وجوبها لو واظب عليها دائما، وقد أمن هذا بعده؛ لاستقرار الشريعة؛ فتطلب المواظبة عليها الآن.
ويقرأ فيها بسورتي «الشمس» و«الضحى»، كما رواه الحاكم؛ عن عقبة بن عامر ﵁: أمرنا رسول الله ﷺ أن نصلّي الضحى بسورتيها: «والشمس وضحاها»؛ «والضحى» . ومناسبتها ظاهرة كالشمس، والأنسب إذا صلّاها أربعا أن يقرأ فيها ب «الشمس» و«الليل» و«الضحى» و«ألم نشرح» .
[ ٣ / ٥٨ ]
حتّى نقول لا يصلّيها.
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ
ومن فوائد صلاة الضحى: أنّها تجزئ عن الصدقات التي تصبح على مفاصل الإنسان الثلاث مائة وستين مفصلا؛ كما أخرجه مسلم، وقال: «وتجزئ عن ذلك ركعتا الضّحى» .
قال الحافظ زين الدين العراقي: إنّه اشتهر بين العوامّ أنّ من صلّى الضحى ثمّ قطعها يعمى، فصار كثير منهم يتركها أصلا لذلك!! وليس لما قالوه أصل، بل الظاهر أنّه ممّا ألقاه الشيطان على ألسنتهم ليحرمهم الخير الكثير، لا سيما إجزاؤها عن تلك الصّدقات. وكذا اشتهر هذا القول بين النساء فتوهّمن أنّ تركها حالة الحيض والنفاس مما يقطعها فتركنها من أصلها؛ وقلن إنّما تصلي الضحى المرأة المنقطعة «١» . انتهى «جمع الوسائل» .
(حتّى نقول) - أي: في أنفسنا، أو يقول بعضنا لبعض- (: لا يصلّيها)، أي: لا يعود لصلاتها أبدا لنسخها، أو اختلاف اجتهاده فيها.
والحاصل: أنه كان يحبّها، فكان يواظب عليها أيّاما؛ ويتركها أحيانا للخوف من اعتقاد فرضيّتها، وهذا الحديث قد عورض بحديث مسلم أنّه كان إذا صلّى صلاة أثبتها، وقد صلّى مرة الضحى بعد صلاة العصر؛ فلم يتركه. قال البيهقي: وهذا من خصائصه. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج أبو داود، وابن ماجه، والترمذي؛ في «الشمائل» - باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ «الشمائل» -: (عن أبي أيّوب) خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاريّ) الخزرجي النجّاري المدني الصحابي الجليل. شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وبيعة الرضوان وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا،
_________________
(١) أي: الآيسة.
[ ٣ / ٥٩ ]
رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن أربع ركعات عند زوال الشّمس، فقلت: يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟ فقال: «إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس،
وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة.
روى عنه البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، والمقدام بن معدي كرب، وأبو أمامة الباهلي، وزيد بن خالد الجهني، وابن عبّاس، وعبد الله بن يزيد الخطمي؛ وكلّهم صحابة. وسعيد بن المسيّب، وسالم بن عبد الله، وعروة بن الزّبير، وعطاء بن يزيد الليثي، وعبد الله بن حنين، وخلائق سواهم.
توفي بأرض الروم غازيا سنة: خمسين- وقيل: سنة إحدى وخمسين، وقيل: سنة ثنتين وخمسين- وقبره بالقسطنطينية (رضي الله تعالى عنه.
أنّ النّبيّ ﷺ كان يدمن) - من الإدمان بمعنى المداومة؛ أي: يلازم- (أربع ركعات عند زوال الشّمس؟!)، أي: عقبه لعدم التراخي كأنّها عنده، وهذه الصلاة هي سنّة الزوال، وقيل: سنّة الظهر القبلية. ويبعد الأوّل التعبير بالإدمان المراد به المواظبة، إذ لم يثبت أنّه ﷺ واظب على شيء من السنن بعد الزوال، إلّا على راتبة الظهر.
(فقلت) - أي: قال أبو أيّوب الأنصاري-: (يا رسول الله؛ إنّك تدمن هذه الأربع ركعات عند زوال الشّمس؟!)؛ أي: تديمها، والقصد الاستفهام عن حكمة ذلك.
(فقال)؛ أي رسول الله ﷺ (: «إنّ أبواب السّماء تفتح عند زوال الشّمس)؛ أي: لصعود الطاعة ونزول الرحمة، كما جاء في حديث البزار عن ثوبان أنّه ﷺ كان
[ ٣ / ٦٠ ]
فلا ترتج حتّى يصلّى الظّهر، فأحبّ أن يصعد لي في تلك السّاعة خير»؛ قلت: أفي كلّهنّ قراءة؟ قال: «نعم»، قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟ قال: «لا» .
يستحبّ أن يصلّي بعد نصف النهار، فقالت عائشة ﵂: يا رسول الله؛ أراك تستحبّ الصلاة هذه الساعة؟! فقال: «تفتح فيها أبواب السّماء، وينظر الله إلى خلقه بالرّحمة، وهي صلاة كان يحافظ عليها آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصّلاة والسّلام» . انتهى «ملّا علي قاري» .
(فلا ترتج) - بضمّ التاء الأولى، وفتح الثانية؛ بينهما راء ساكنة وآخره جيم مخففة-؛ أي: لا تغلق (حتّى يصلّى الظّهر)؛ أي: صلاة الظهر. (فأحبّ أن يصعد) - بفتح أوله ويجوز ضمّه- أي: يطلع ويرفع (لي في تلك السّاعة خير») أي: عمل خير من النوافل؛ زيادة على ما كتب ليدلّ على كمال العبودية.
واستشكل هذا بأن الملائكة الحفظة لا يصعدون إلّا بعد صلاة الصبح، ويبعد أنّ العمل يصعد قبل صعودهم!! وقد يراد بالصعود القبول.
(قلت) أي: - للنبي ﷺ- (: أفي كلّهنّ قراءة؟!)؛ أي: قراءة سورة غير الفاتحة، وإلّا! فالنفل لا يصحّ بدون الفاتحة، كما هو معلوم.
(قال: «نعم» . قلت: هل فيهنّ تسليم فاصل؟)، أي: بين الركعتين الأوليين والركعتين الآخريين! (قال: «لا») . أي ليس فيهن تسليم فاصل.
وبهذا استدلّ من جعل صلاة النهار أربعا أربعا. ويمكن أن يقال: المراد ليس فيهن تسليم واجب، فلا ينافي أنّ الأفضل مثنى مثنى؛ ليلا ونهارا، لخبر أبي داود وغيره: «صلاة اللّيل والنّهار مثنى مثنى» . وبه قال الأئمة الثلاثة. وقال أبو حنيفة: الأفضل أربعا أربعا مطلقا، ووافقه صاحباه في النهار؛ دون الليل.
وهذا الحديث وما في معناه حجّة لهم. انتهى «مناوي وباجوري» .
[ ٣ / ٦١ ]
ومعنى (لا ترتج): لا تغلق.
وعن أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها: أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة فاغتسل، فسبّح- أي: صلّى
(ومعنى «لا ترتج») - بضم المثناة الفوقية الأولى وفتح الثانية وتخفيف الجيم- (لا تغلق)؛ ذكره شرّاح «الشمائل» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، و«الموطأ»، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل»، وابن ماجه- باختلاف في الألفاظ-: كلّهم
(عن أمّ هانئ) - بالهمزة-: فاختة بنت أبي طالب (رضي الله تعالى عنها؛ أنّ رسول الله ﷺ دخل بيتها يوم فتح مكّة)
لا يعارضه رواية الشيخين وغيرهما عنها قالت: ذهبت إلى رسول الله ﷺ عام الفتح؛ فوجدته يغتسل وفاطمة ابنته تستره بثوب الحديث. لاحتمال تعدّد الواقعة؛ فمرّة كان في بيتها، ومرّة ذهبت له، أو كان في بيتها في ناحية عنها وعنده فاطمة، فمجيئها له لا ينفي كونه في بيتها، وكان ذهابها إليه لشكوى أخيها عليّ، إذ أراد أن يقتل من أجارته.
لكن وقع في «الموطأ» ومسلم؛ من طريق أبي مرة؛ عن أمّ هانئ «أنّها ذهبت إلى النبي ﷺ؛ وهو بأعلى مكة، فوجدته يغتسل» .
ويجمع بينهما بأن ذلك تكرّر منه. ويحتمل أن يكون نزل في بيتها بأعلى مكّة؛ وكانت هي في بيت آخر بمكّة، فجاءت إليه فوجدته يغتسل. فيصحّ القولان.
فعلى هذا يكون لها بيتان أحدهما كان ﷺ سكن فيه، والآخر سكناها، فالإضافة باعتبار مالكيّتها. انتهى. «جمع الوسائل ومناوي» .
(فاغتسل) أخذ منه الشافعية أنّه يسنّ لمن دخل مكة أن يغتسل أوّل يوم لصلاة الضحى؛ تأسّيا به ﷺ. (فسبّح؛ أي: صلى)؛ من باب تسمية الكلّ باسم
[ ٣ / ٦٢ ]
ثمان ركعات- ما رأيته ﷺ صلّى صلاة قطّ أخفّ منها، غير أنّه كان يتمّ الرّكوع والسّجود.
البعض، لاشتمال الصلاة على التسبيح، وقد يطلق التسبيح على صلاة التطوّع على أنّ رواية «الصحيحين»: فصلّى (ثمان) منسوب إلى الثّمن، لأنّه الجزء الذي صيّر السبعة ثمانية؛ فهو ثمنها، ثم فتحوا أوّله، لأنّهم يغيّرون في النسبة، وحذفوا منها إحدى ياءي النسب وعوّضوا منها الألف، وقد تحذف منه الياء، ويكتفى بكسر النون، أو يفتح تخفيفا. كذا حقّقه العلّامة الكرماني. انتهى. «مناوي وملّا علي قاري»
(ركعات) زاد ابن خزيمة في روايته؛ عن أمّ هانئ: «فسلّم من كلّ ركعتين» وفيه ردّ على من تمسّك به في صلاتها موصولة، سواء صلّى ثمان ركعات؛ أو أقل.
ولمسلم أنّه ﷺ صلّى في بيتها عام الفتح ثمان ركعات في ثوب واحد؛ قد خالف بين طرفيه (: ما رأيته)، أي: النبي (ﷺ صلّى صلاة قطّ)؛ أي: أبدا (أخفّ منها) أي: من تلك الصلاة التي صلّاها ﷺ.
زاد في رواية مسلم: لا أدري أقيامه فيها أطول؛ أم ركوعه؛ أم سجوده!!.
ولا يؤخذ من هذا الحديث ندب التخفيف في صلاة الضحى؛ خلافا لمن أخذه، لأنّه لا يدلّ على أنّه واظب على ذلك، بخلافه في سنة الفجر.
بل ثبت أنّه طوّل في صلاة الضحى؛ كما رواه ابن أبي شيبة. وإنّما خفّفها يوم الفتح!! لاشتغاله بمهمّاته.
(غير أنّه) - نصب على الاستثناء-، ولعلّه لما كان ينشأ من قولها «ما رأيته صلّى صلاة قطّ أخفّ منها» توهّم أنه لم يتمّ الركوع والسجود؛ دفعت ذلك التوهّم بأنّه ﷺ (كان يتمّ الرّكوع والسّجود) يعني: لا يخفّفهما جدّا، وإلّا فهو يتمّ سائر الأركان مع التخفيف.
[ ٣ / ٦٣ ]
[وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة في تمام] «١» .
وعن أبي واقد اللّيثيّ رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة على النّاس، وأطول النّاس صلاة لنفسه.
(و) أخرج الإمام مسلم في «صحيحه»، والترمذيّ، والنّسائي (عن أنس رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس) - لفظ رواية مسلم:
«من أخفّ الناس» - (صلاة) إذا صلّى إماما؛ لا منفردا، كما صرّح به الحديث الآتي عقبه.
(في تمام) للأركان. قيّد به!! دفعا لتوهّم من يفهم أنّه ينقص منها حيث عبّر ب «أخفّ» .
قال ابن تيمية: فالتخفيف الذي كان يفعله هو تخفيف القيام والقعود؛ وإن كان يتمّ الركوع والسجود ويطيلهما؛ فلذلك صارت صلاته قريبا من السواء.
وقال بعضهم: محمول على بعض الأحوال، وإلّا!! فقد ثبت عنه التطويل أيضا جدّا أحيانا، وفي رواية لمسلم أيضا: كان يوجز في الصلاة ويتمّ. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو يعلى بإسناد جيد؛ (عن أبي واقد) - بقاف مهملة- (اللّيثيّ) بمثلاثة بعد التحتية، واسمه: الحارث بن مالك المديني، شهد بدرا (رضي الله تعالى عنه) قال:
(كان رسول الله ﷺ أخفّ النّاس صلاة على النّاس) - يعني: المقتدين به- (وأطول النّاس صلاة لنفسه)، ما لم يعرض ما يقتضي التخفيف؛ كما فعل في قصّة بكاء الصبي ونحوه.
_________________
(١) إضافة من الشارح.
[ ٣ / ٦٤ ]
وعن عبد الله بن سعد رضي الله تعالى عنه قال: سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي، والصّلاة في المسجد؟
قال: «قد ترى ما أقرب بيتي من المسجد، فلأن أصلّي في بيتي أحبّ إليّ من أن أصلّي في المسجد؛ إلّا أن تكون صلاة مكتوبة»؛ وفيه- كالذي قبله- أنّه يندب للإمام التخفيف من غير ترك شيء من الأبعاض والهيئات، لكن لا بأس بالتطويل برضاهم؛ إن انحصروا، كما استفيد من حديث آخر. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج ابن ماجه، والترمذي في «الشمائل»؛
(عن عبد الله بن سعد) الأنصاري الحرامي- وقيل: القرشي الأموي- عمّ حرام بن حكيم، صحابيّ؛ نقل أنه شهد فتح القادسية، وكان يومئذ على مقدّمة الجيش.
روى عنه حرام بن حكيم وخالد بن معدان.
وزعم الخطيب: أن حرام بن حكيم هذا هو حرام بن معاوية الأنصاري، وأنّهما متّحدان!! وقد فرّق بينهما البخاريّ، والدارقطني، والعسكري وغيرهم.
انتهى «إصابة» . (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
سألت رسول الله ﷺ عن الصّلاة في بيتي؛ والصّلاة في المسجد؟!)؛ أي:
أيّتهما أفضل، والمراد صلاة النفل (قال: «قد): للتحقيق (ترى): الرؤية بصرية، والخطاب لعبد الله بن سعد (ما أقرب بيتي من المسجد) أي: قد ترى كأقرب بيتي من المسجد (فلأن أصلّي في بيتي) الفاء: فصيحة، و«أن» مصدرية؛ أي: إذا كنت ترى ذلك؛ فلصلاتي في بيتي مع كمال قربه من المسجد (أحبّ إليّ من أن أصلّي)؛ أي: من صلاتي (في المسجد) أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، ولتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشيطان- كما سيأتي-.
(إلّا أن تكون) الصلاة (صلاة مكتوبة»)؛ أي: مفروضة، فإنّ الأحبّ إليّ
[ ٣ / ٦٥ ]
أي: لتحصل البركة للبيت وأهله، وتنزل الملائكة، وليذهب عنه الشّيطان.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد.. بكّر بالصّلاة، وإذا اشتدّ الحرّ.. أبرد بالصّلاة.
صلاتها في المسجد، لأنها من شعائر الإسلام، وقول (أي: لتحصل البركة للبيت وأهله)؛ أي: بصلاة النفل فيه، (وتنزل الملائكة) لاستماع القرآن، (وليذهب عنه الشّيطان)؛ بسبب وجود العبادة وعدم الغافلة.
ومعنى الحديث: أنّه مع كمال قرب بيتي من المسجد صلاتي في بيتي أحبّ إليّ من صلاتي في المسجد إلّا المكتوبة. وهو معنى حديث «الصحيحين»: «أفضل الصّلاة صلاة المرء في بيته إلّا المكتوبة» . وفي «الصحيحين»: «اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتّخذوها قبورا» . وكذلك يستثنى من النفل ما تسنّ فيه الجماعة، والضحى، وسنّة الطواف، والإحرام، والاستخارة.. وغير ذلك ممّا هو مبيّن في الفروع. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج البخاري والنّسائيّ؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا اشتدّ البرد بكّر بالصّلاة)؛ أي: بصلاة الظهر، يعني صلّاها في أوّل وقتها، وكلّ من أسرع إلى شيء فقد بكّر إليه.
(وإذا اشتدّ الحرّ أبرد بالصّلاة)؛ أي: دخل بها في البرد، بأن يؤخّرها إلى أن يصير للحيطان ظلّ فيه يمشي قاصد الجماعة.
قال المناويّ: قال الإمام البخاريّ: يعني هنا صلاة الجمعة؛ قياسا على الظهر، لا بالنصّ؛ لأن أكثر الأحاديث تدلّ على الإبراد بالظهر، وعلى التبكير بالجمعة مطلقا، وقوله- أعني البخاري- «يعني الجمعة» !! يحتمل كونه قول التابعي مما فهم، وكونه من تفقّهه؛ فترجّح عنده إلحاقا بالظهر، لأنها إما ظهر
[ ٣ / ٦٦ ]
وزيادة، أو بدل عن الظهر، لكنّ الأصحّ من مذهب الشافعي عدم الإبراد بها. انتهى.
وإنّما يسنّ الإبراد عند الشافعية بشروط: ١- كونه بصلاة الظهر، و٢- كونه في الحرّ الشديد، و٣- كونه بالبلد الحارّ، و٤- كونه لمن يصلّي جماعة، و٥- كونها تقام في موضع بعيد بأن يكون في مجيئه مشقّة تذهب الخشوع؛ أو كماله، و٦- كونهم يمشون إليها في الشمس.
فلا يسنّ الإبراد بالجمعة، ولا في غير شدّة الحرّ؛ ولو بقطر حار، ولا في قطر بارد؛ أو معتدل؛ وإن اتفق فيه شدّة حرّ، ولا لمن يصلي منفردا.
لكن اعتمد في «التحفة» و«النهاية» وغيرهما: أنّه يسنّ الإبراد لمنفرد يريد الصلاة في المسجد، ولا يسنّ الإبراد لمن يأتي من قرب، أو من بعد، لكن يجد ظلّا يمشي فيه، إذ ليس في ذلك كبير مشقّة.
وإذا سنّ الإبراد بالشروط المذكورة سنّ التأخير إلى حصول الظلّ الذي يقي طالب الجماعة من الشمس؛ وغايته نصف الوقت.
وهذا أحد المسائل المستثناة من قولهم «كلّ عبادة مؤقّتة فالأفضل تعجيلها أوّل الوقت»، واستثنوا من ذلك فصولا؛ منها: الإبراد المذكور بشرطه، ومنها:
صلاة الضحّى أوّل وقتها طلوع الشمس، ويسنّ تأخيرها لربع النهار، ومنها: صلاة العيدين؛ يسنّ تأخيرها لارتفاع الشمس، ومنها: الفطرة أوّل وقتها غروب شمس ليلة العيد ويسنّ تأخيرها ليوم العيد، ورمي جمرة العقبة وطواف الإفاضة والحلق كلّها يدخل وقتها بنصف ليلة النحر، ويستحبّ تأخيرها ليوم النحر.
وقد نظم هذه المستثنيات الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى؛ فقال:
أوّل الوقت في العبادة أولى ما عدا سبعة أنا المستقري
الضّحى العيد فطرة ثمّ ظهر حيث الابراد سائغ بالحرّ
وطواف الحجيج ثمّ حلاق بعد حجّ ورمي يوم النّحر
[ ٣ / ٦٧ ]
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا.
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا حزبه- وفي رواية: حزنه- أمر.. صلّى؛
(و) أخرج أبو نعيم في «أماليه الحديثية»، والخطيب، وابن عساكر في «تاريخه»: كلّهم؛ (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) - وإسناده حسن؛ كما في العزيزي- قال:
(كان رسول الله ﷺ لا يكون في المصلّين إلّا كان أكثرهم صلاة، ولا يكون في الذّاكرين إلّا كان أكثرهم ذكرا) كيف؛ وهو أعلم الناس بالله، وأعرفهم به!! ولهذا قام في الصلاة حتّى تورّمت قدماه.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود؛ وسكت عليه (عن حذيفة) بن اليمان (رضي الله تعالى عنه) وعن والده «١» - وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي- قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا حزبه) - بحاء مهملة وزاي فموحدة مفتوحة مخففة- أي: هجم عليه، أو نزل به. (وفي رواية: حزنه) - بنون- (أمر) أي: أوقعه في الحزن، يقال: حزنني الأمر، وأحزنني الأمر؛ فأنا محزون. ولا يقال «محزن» .
(صلّى)، لأن الصلاة معينة على دفع جميع النوائب بإعانة الخالق الذي قصد بها الإقبال عليه والتقرّب إليه.
_________________
(١) يجدر التنبيه أن والده ليس اسمه «اليمان» ! وإنما هو لقب له «هامش الأصل» . واسمه العلم: حسيل.
[ ٣ / ٦٨ ]
أي: إذا نزل به همّ، وأصابه غمّ.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا.. لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين.
ومنه أخذ بعضهم ندب صلاة المصيبة؛ وهي ركعتان عقبها، وكان ابن عبّاس يفعل ذلك، ويقول: نفعل ما أمرنا الله به بقوله وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ [١٥٣/ البقرة] . فينبغي لمن نزل به غمّ أن يشتغل بخدمة مولاه؛ من صلاة وذكر ونحوهما، فإنّه تعالى يفرّجه عنه. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
قال في «النهاية»: معنى إذا حزبه أمر: (أي: إذا نزل به همّ)؛ هو الكرب يحصل بسبب ما يتوقّع حصوله من أذى، (وأصابه غمّ) الكرب: يحصل للقلب بسبب ما حصل من الأذى، وقيل: هما بمعنى واحد، وقال بالفرق بينهما القاضي عياض وغيره. انتهى شرح «القاموس» .
(و) أخرج البيهقيّ في «سننه»؛ (عن أنس) أي: ابن مالك خادم رسول الله ﷺ (رضي الله تعالى عنه) قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا نزل منزلا) في سفره- لنحو استراحة؛ أو قيلولة؛ أو تعريس- (لم يرتحل منه حتّى يصلّي فيه ركعتين)؛ أي: نفلا غير الفريضة.
ويحتمل أنّ المراد به ركعتا الفرض؛ أي: الظهر مثلا مقصورة.
قال المناوي: قال الحافظ ابن حجر: حديث صحيح السند معلول المتن؛ خرّجه أبو داود والنسائي وابن خزيمة بلفظ «الظهر ركعتين»، فظهر أنّ في رواية الأوّل وهما؛ أو سقوطا. والتقدير: حتى يصلّي الظهر ركعتين. وقد جاء صريحا في «الصحيحين» . انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في «الصلاة» وقال: على شرطهما؛ وأقرّه الذهبي، وقال العزيزي: إسناده صحيح-: كلّهم عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
[ ٣ / ٦٩ ]
وكان ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة؛ ليحافظوا عنه.
وكان ﷺ لا يفارق مصلّاه سواكه ومشطه.
وروى الإمام أحمد،
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ أن يليه المهاجرون والأنصار في الصّلاة) .
قال ابن حجر: وحبّ المصطفى ﷺ للشيء!! إما بإخباره للصحابي بذلك، وإما بالقرائن (ليحافظوا عنه) كيفية الصلاة المشتملة على فروض وأبعاض وهيئات؛ فيرشدون الجاهل وينبّهون الغافل.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي قال: (كان ﷺ لا يفارق مصلّاه) موضع صلاته (سواكه)؛ أي: آلة السواك (ومشطه) . ورمز له برمز الطبراني.
(وروى الإمام) الحافظ أبو عبد الله (أحمد) بن محمد بن حنبل الشيباني المروزي البغداديّ، الإمام البارع المجمع على جلالته وإمامته، وورعه وزهادته، وحفظه ووفور علمه، وسيادته.
خرج من مرو حملا، وولد ببغداد، ونشأ بها إلى أن توفّي بها، ودخل مكّة والمدينة المنورة، والشام، واليمن، والكوفة، والبصرة، والجزيرة.
سمع سفيان بن عيينة، ويحيى القطّان، ووكيعا، وابن مهدي، وعبد الرزاق، وخلائق.
وروى عنه شيخه عبد الرزاق، وعلي بن المديني، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وأبو زرعة الرازي، وبقي بن مخلد الأندلسي، وخلائق قال أبو حاتم:
كان أحمد ابن حنبل بارع الفهم بمعرفة صحيح الحديث وسقيمه.
وكانت ولادته في شهر ربيع الأول سنة: أربع وستين ومائة، وتوفي في ضحوة يوم الجمعة الثاني عشر من شهر ربيع الأول سنة: إحدى وأربعين ومائتين، ودفن ببغداد، وقبره مشهور معروف يتبرّك به رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٧٠ ]
ومسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، والنّسائيّ، وابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته.. استغفر (ثلاثا)، ثمّ قال:
(و) الإمام (مسلم) بن الحجاج في «كتاب الصلاة»،
(و) الإمام (أبو داود) سليمان بن الأشعث السجستاني في «الصلاة» أيضا
(و) الإمام أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) نسبة إلى «ترمذ»: مدينة قديمة على طرف نهر بلخ الذي يقال له «جيحون» وتقدّمت ترجمته.
(و) الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار (النّسائيّ) - بفتح النون والسين المهملة المخفّفة-؛ بعدها ألف ممدودة؛ أو مقصورة؛ منسوب إلى «نسا» مدينة بخراسان، قال بعضهم:
والنّسئيّ نسبة لنسإ مدينة في الوزن مثل سبإ
(و) الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد الربعي «مولاهم» القزوينيّ المعروف بلقب (ابن ماجه)؛ بسكون الهاء وصلا ووقفا لأنه اسم أعجمي، و«ماجه» لقب يزيد والد محمّد؛ لا جدّه كما في «القاموس»، وقد تقدّمت ترجمته.
كلّهم رووه عن ثوبان مولى المصطفى ﷺ: (أنّ رسول الله ﷺ كان إذا انصرف من صلاته)؛ أي: سلّم منها (استغفر)؛ أي: طلب المغفرة من ربّه تعالى (ثلاثا) من المرّات. زاد البزّار في روايته: «ومسح جبهته بيده اليمنى» .
قيل للأوزاعي- وهو أحد رواة الحديث-: كيف الاستغفار؟ قال: يقول «أستغفر الله.. أستغفر الله» .
قال الشيخ أبو الحسن الشاذليّ رحمه الله تعالى: استغفاره عقب الفراغ من الصلاة استغفار من رؤية الصلاة، أو للتشريع؛ تعليما لأمته، ويحتمل أن يكون لهما.
(ثمّ قال)؛ بعد الاستغفار، والظاهر أنّ التراخي المستفاد من «ثمّ» غير مراد
[ ٣ / ٧١ ]
«اللهمّ؛ أنت السّلام، ومنك السّلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام» .
هنا: («اللهمّ؛ أنت السّلام) - أي: المختصّ بالتنزّه عن النقائص والعيوب لا غيرك- (ومنك السّلام)؛ أي: الأمان والسلامة من النقائص لمن أردت له ذلك. (تباركت)؛ أي: تعظّمت وتمجّدت (يا ذا الجلال والإكرام»)، لا تستعمل هذه الكلمة في غير الله تعالى. انتهى عزيزي على «الجامع» .
[ ٣ / ٧٢ ]
[الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ]
الفصل الثّاني في صفة صومه ﷺ عن عبد الله بن شقيق [رحمه الله تعالى] قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ؟
قالت: كان يصوم حتّى نقول
(الفصل الثّاني) من الباب السادس (في) بيان ما ورد في (صفة صومه ﷺ) والصوم والصيام كلاهما مصدر ك «صام»، فهما بمعنى واحد.
وهو- لغة-: الإمساك؛ ولو عن الكلام ومنه إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْمًا [٢٦/ مريم] أي: إمساكا عن الكلام.
وشرعا-: الإمساك عن المفطّرات جميع النّهار بنيّة. والمراد به هنا ما يشمل الفرض والنفل.
روى البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي في «الجامع» و«الشمائل» - وهذا لفظه-: كلّهم يروونه
(عن عبد الله بن شقيق) العقيلي- مصغرا- تقدّمت ترجمته قريبا! (قال:
سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن صيام رسول الله ﷺ!)؛ أي: هل كان يديم الصيام أم لا؟! وهل كان يقلّ منه؛ أو يكثر؟ وهل كان يخصّ شهرا كاملا بالصوم؛ أم لا!؟ إلى غير ذلك مما يعرف ممّا يأتي.
(قالت: كان يصوم) - أي: يتابع صوم النفل- (حتّى نقول) - بالنون؛ أي: نحن في أنفسنا، أو: يقول بعضنا لبعض، وهذا هو الرواية؛ كما قاله
[ ٣ / ٧٣ ]
قد صام- أي: داوم الصّوم- فلا يفطر، ويفطر حتّى نقول قد أفطر- أي: داوم الإفطار- فلا يصوم.
قالت: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا منذ قدم المدينة.. إلّا رمضان.
وسئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ فقال: كان يصوم من الشّهر حتّى نرى
القسطلّاني- (قد صام) قال الباجوري: (أي: داوم الصّوم فلا يفطر) . انتهى.
(و) كان (يفطر)؛ أي: يداوم الفطر (حتّى نقول) - بالنون؛ أي: نحن في أنفسنا، أو: يقول بعضنا لبعض- (قد أفطر) قال الباجوري: (أي: داوم الإفطار فلا يصوم) . انتهى.
(قالت) - أي عائشة- (: وما صام رسول الله ﷺ شهرا كاملا) مقتضاه أنّه لم يصم شعبان كلّه، لكن في الرواية الآتية عن أمّ سلمة أنّه صامه كلّه!! ويجمع بينهما بحمل الكلّ على المعظم، حتى جاء في كلام العرب: إذا صام أكثر الشهر يقال صام الشهر كلّه، أو أنّه صامه كلّه في سنة وصام بعضه في سنة أخرى.
(منذ قدم المدينة)، قد يفهم منه أنّه كان يصوم شهرا كاملا قبل قدومه المدينة، ويمكن أنّها قيّدته بذلك!! لأن الأحكام إنّما تتابعت وكثرت حينئذ، مع أنّ رمضان لم يفرض إلّا في المدينة في السنة الثانية من الهجرة.
(إلّا رمضان) سمّي بذلك!! لأنه حال وضع اسمه على مسمّاه وافق الرّمض؛ وهو شدّة الحرّ فسمّي ب «رمضان»، أو لأنه يرمض الذنوب؛ أي يذهبها.
(و) أخرج البخاريّ، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» - واللفظ له-:
أنّه (سئل أنس رضي الله تعالى عنه عن صوم النّبيّ ﷺ؛ فقال:
كان يصوم من الشّهر) أي: كان يكثر الصوم في الشهر (حتّى نرى) - بالنون
[ ٣ / ٧٤ ]
ألايريد أن يفطر منه، ويفطر حتّى نرى ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته مصلّيا، ولا نائما إلّا رأيته نائما.
التي للجمع، أو [ترى] بالتاء التي للمخاطب؛ مبنيا للفاعل، أو [يرى] بالياء التي للغائب؛ مبنيا للفاعل، أو [يرى] للمفعول، فالروايات أربع- أي: نظنّ (ألايريد) - بنصب الفعل على كون «أن» مصدرية، وبالرفع على كونها مخفّفة من الثقيلة- (أن يفطر منه)؛ أي: من الشهر.
(ويفطر) أي: يكثر الفطر (حتّى نرى) برواياته السابقة (ألايريد أن يصوم منه شيئا، وكنت) - بفتح التاء على الخطاب- (لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا؛ إلّا رأيته مصلّيا؛ ولا نائما؛ إلّا رأيته نائما)؛ أي: أنّ صلاته ونومه كان يختلف بالليل، لأنه ما كان يعيّن بعض الليل للصلاة وبعضه للنوم، بل وقت صلاته في بعض الليالي وقت نومه في بعض آخر، وعكسه، فكان لا يرتّب لتهجّده وقتا معينا، بل بحسب ما تيسّر له من القيام.
ولا يشكل عليه قول عائشة «كان إذا صلّى صلاة داوم عليها»، وقولها «كان عمله ديمة» !! لأن اختلاف وقت التهجّد تارة في أوّل الليل؛ وأخرى في آخره! لا ينافي مداومة العمل، كما أنّ صلاة الفرض تارة تكون في أوّل الوقت، وتارة في آخره، مع صدق المداومة عليه؛ كما قاله ملّا علي قاري.
وإنّما ذكر الصلاة في الجواب؛ مع أنّ المسؤول عنه ليس إلّا الصوم!! إشارة إلى أنّه ينبغي للسائل أن يعتني بالصلاة أيضا.
والحاصل: أنّ صومه وصلاته ﷺ كانا على غاية الاعتدال، فلا إفراط فيهما؛ ولا تفريط. انتهى «باجوري» .
(و) أخرج النسائي، والترمذي؛ في «الجامع» و«الشمائل» - وقال:
إسناده صحيح على شرط الشيخين؛ كما قال ابن حجر- كلّهم؛
[ ٣ / ٧٥ ]
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان ورمضان.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر أكثر من صيامه في شعبان، كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه.
(عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت النّبيّ ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلّا شعبان)، سمّي بذلك!! لتشعّبهم في المفازات بعد أن يخرج رجب، وقيل: لتشعّبهم في طلب الماء. وقيل غير ذلك.
(ورمضان) مقتضى هذا الحديث أنّه صام شعبان كلّه، وهو معارض لما سبق من أنّه ما صام شهرا كاملا غير رمضان، وتقدّم الجواب عن ذلك بأن المراد بالكلّ الأكثر، فإنّه وقع في رواية مسلم «كان يصوم شعبان كلّه، كان يصومه إلّا قليلا» .
قال النووي: الثاني مفسّر للأول، وبيان أن قولها «كلّه» أي: غالبه. فلعلّ أم سلمة لم تعتبر الإفطار القليل؛ وحكمت عليه بالتتابع لقلّته جدا.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل» - وهذا لفظها-:
(عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لم أر رسول الله ﷺ يصوم في شهر) من الأشهر (أكثر)؛ مفعول مطلق، وهو صفة لمحذوف: أي:
صياما أكثر (من صيامه في شعبان) .
والمعنى أنّه كان يصوم في شعبان وغيره، وكان صيامه في شعبان تطوّعا أكثر من صيامه في ما سواه.
(كان يصوم شعبان إلّا قليلا، بل كان يصومه كلّه) الإضراب بظاهره ينافي حديثها السابق أوّل الباب، فاحتيج للتوفيق بأنها أرادت صومه كلّه في سنين، فسنة يصوم من أوّله، وسنة من آخره، وسنة من وسطه، فصوم كلّه مبالغة في قلّة ما كان
[ ٣ / ٧٦ ]
يفطره، وليس على حقيقته، فكلمة «بل» للإضراب ظاهرا، وللمبالغة في كثرة الصوم باطنا، لئلا يتوهّم أن ما كان يفطره؛ وإن كان قليلا لكن له وقع كثلثه، فنبّهت عائشة ﵂ بهذا الإضراب على أنه لم يفطر منه إلّا ما لا وقع له؛ كيوم أو يومين أو ثلاثة، بحيث يظنّ أنّه صامه كلّه، وفي الواقع لم يصمه كلّه؛ خوف وجوبه.
واعترض بأن «كلّ» المضافة إلى الضمير تتعيّن للتأكيد، والتأكيد ب «كلّ» لدفع توهّم عدم الشمول تجوّزا؛ فكيف يحمل المؤكّد بها على الشمول مجازا!!
واعتذر بأنّ التأكيد بها قد يقع لغير دفع المجاز، وهو؛ وإن كان فيه ما فيه؛ لكن ضرورة التوفيق بين أطراف الأخبار تحوج إلى إخراج بعض الألفاظ عن ظاهرها.
وأوضح من ذلك في التوفيق: ما ذكره ابن عبد البرّ أنّ أول أمره كان يصوم أكثره، وآخره كان يصوم كلّه. وإنما آثر المصطفى ﷺ شعبان على المحرّم؛ مع أنّه أفضل للصوم بعد رمضان- كما في مسلم؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «أفضل الصّيام بعد رمضان صوم شهر الله المحرّم» -!! لأن شعبان لما اكتنفه شهران عظيمان اشتغل الناس بهما؛ فصار مغفولا عنه، مع ما انضم لذلك من رفع الأعمال فيه، أي: رفع جملة أعمال السّنة. أو أنّه لم يعلم فضل صوم المحرم إلّا في آخر حياته قبل التمكّن من صومه! أو أنّه كان يعرض له عذر يمنعه من إكثار الصوم في المحرم كمرض أو سفر! أو أنّه كان يشتغل عن صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؛ فتجتمع، فيقضيها في شعبان، كما في خبر الطبراني؛ عن عائشة ﵂ «كان يصوم ثلاثة أيّام من كل شهر»، فربما أخّر تلك حتّى يجتمع عليه صوم السنة؛ فيصوم شعبان!! أو أنّه كان يخصّ شعبان بالصيام تعظيما لرمضان، فيكون بمنزلة تقديم السنن الرواتب في الصلوات قبل المكتوبات.
ويؤيده حديث غريب عند الترمذي؛ أنّه سئل ﷺ: أيّ الصوم أفضل بعد
[ ٣ / ٧٧ ]
وعن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة كلّ شهر ثلاثة أيّام، وقلّما كان يفطر يوم الجمعة.
رمضان؟! قال: «شعبان لتعظيم رمضان» . انتهى شروح «الشمائل» .
(و) أخرج أبو داود؛ بدون قوله «وقلما إلى آخره»، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل»؛ وقال: حسن غريب- قال الحافظ العراقيّ: وقد صحّحه أبو حاتم، وابن حبان، وابن خزيمة، وابن عبد البرّ، وكان الترمذي اقتصر على تحسينه للخلاف في رفعه-!! كلّهم؛
(عن عبد الله بن مسعود) الهذلي (رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يصوم من غرّة) - بضم الغين المعجمة وتشديد الراء؛ أي: أوّل- (كلّ شهر) والمراد هنا أوائله، لأن الغرّة أوّل يوم من الشهر. (ثلاثة أيّام)؛ افتتاحا للشهر بما يحصل صوم كلّه، إذ الحسنة بعشر أمثالها، فقد ورد في الخبر: «صوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر صوم الدّهر» أي: كصومه.
قال العراقي: ولا منافاة بين هذا الخبر وخبر عائشة الآتي «أنّه لم يكن يبالي من أيّ أيّام الشهر يصوم»، لأن هذا الراوي حدّث بغالب ما اطّلع عليه من أحواله فحدّث بما عرف، وعائشة اطلعت على ما لم يطلع عليه.
(وقلّما كان يفطر)؛ أي: قلّ إفطاره (يوم الجمعة)، بل كان كثيرا ما يصومه، لكنه يضمّه إلى الخميس؛ أو السبت، فلا يخالف حديث النهي عن إفراده بالصوم، لأن النهي محمول على ما إذا لم يصم يوما قبله؛ أو بعده، فإفراد الجمعة مكروه، لأنه يوم عيد تتعلّق به وظائف كثيرة دينية، والصوم يضعف عنها، بخلاف ما لو ضمّ لغيره، ففضيلة المضموم له جابرة لما فات بسبب الضعف. هذا قصارى ما قاله علماء الشافعية؛ جمعا بين الأدلة.
والتأويل بأن صوم الجمعة من خصائصه!! يحتاج لدليل.
[ ٣ / ٧٨ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يتحرّى صوم الإثنين والخميس.
وقال في «جمع الوسائل»: وفيه دليل لأبي حنيفة ومالك حيث ذهبا إلى أن صوم يوم الجمعة وحده حسن، فقد قال مالك في «الموطأ»: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه ممّن يقتدى به ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن!! وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه؛ وأراه كان يتحرّاه!. انتهى كلامه.
وعند جمهور الشافعية يكره إفراد يوم الجمعة بالصوم، إلّا أن يوافق عادة له؛ متمسّكين بظاهر ما ثبت في «الصحيحين»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلّا أن يصوم قبله أو بعده» فتأويل الحديث عندهم: أنّه كان يصومه منضمّا إلى ما قبله [أو] إلى ما بعده. أو أنّه مختصّ برسول الله ﷺ كالوصال- على ما قاله المظهري-.
ويؤيده قوله «لا يصوم أحدكم » المشعر بتخصيص الأمّة رحمة عليهم.
لكنه- كما قال الحافظ ابن حجر- ليس بجيّد، لأن الاختصاص لا يثبت بالاحتمال، ولم يبلغ مالكا النهي عن صوم يوم الجمعة فاستحسنه، وأطال في «موطّئه» وهو؛ وإن كان معذورا لكن السنّة مقدّمة على ما رآه هو وغيره. انتهى.
(و) أخرج الترمذي؛ في «الجامع» و«الشمائل»، والنسائيّ، وابن ماجه وإسناده حسن؛ كما في «العزيزي» -: (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان النّبيّ ﷺ يتحرّى صوم الاثنين) - بهمزة وصل؛ أي: صوم يوم الاثنين- (والخميس)؛ تحرّاه: تعمّده، أو: طلب ما هو الأحرى بالاستعمال، فالمعنى على الأول: يتعمّد صومهما؛ فيصبر عن الصوم منتظرا لهما، وعلى الثاني! معناه: يجتهد في إيقاع الصوم فيهما، لأن الأعمال تعرض فيهما؛ كما في الخبر الآتي، ولأنّه ﷾ يغفر فيهما لكلّ مسلم إلّا المتهاجرين أي: المتقاطعين
[ ٣ / ٧٩ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تعرض الأعمال يوم الإثنين والخميس، فأحبّ أن يعرض عملي وأنا صائم» .
حيث يحرم التقاطع. رواه الإمام أحمد، وسيأتي.
قال المناوي: واستشكل استعمال «الاثنين» بالياء مع تصريحهم بأن المثنى والملحق به يلزم الألف؛ إذا جعل علما وأعرب بالحركة!!
وأجيب بأنّ عائشة رضي الله تعالى عنها من أهل اللسان؛ فيستدلّ بنطقها على أنه لغة. وفيه ندب صوم الاثنين والخميس، وتحرّي صومهما، وهو حجّة على مالك في كراهته لتحرّي شيء من أيّام الأسبوع للصيام. انتهى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل»؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: «تعرض الأعمال)؛ أي: أعمال الناس.
وهذا عرض إجمالي، فلا ينافي أنّها تعرض كلّ يوم وليلة؛ كما في حديث مسلم: «رفع إليه عمل اللّيل قبل عمل النّهار، وعمل النّهار قبل عمل اللّيل» .
ولا ينافي أنّها تعرض ليلة النصف من شعبان، وليلة القدر!! لأنّه عرض لأعمال السنة؛ وذاك عرض لأعمال الأسبوع.
فالعرض ثلاثة أقسام: ١- عرض لعمل اليوم والليلة؛ وهو تفصيلي، و٢- عرض لعمل الأسبوع، و٣- عرض لعمل السّنة. وهما إجماليان.
وحكمة تكرير العرض: إظهار شرف العاملين بين الملأ الأعلى، وإلّا! فهو تعالى غنيّ عن العرض، لأنه أعلم بعباده من الملائكة.
(يوم الاثنين والخميس) على الله تعالى؛ كما في «جامع الترمذي»، وعند النسائي «على ربّ العالمين» (فأحبّ أن يعرض عملي) فيهما؛ (وأنا صائم) جملة حالية من فاعل «فأحب»، والفاء لسببية السابق للاحق.
[ ٣ / ٨٠ ]
وعن أبي هريرة أيضا قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم الإثنين والخميس، فقيل له.. فقال: «الأعمال تعرض كلّ إثنين وخميس؛ فيغفر لكلّ مسلم.. إلّا المتهاجرين، فيقول: أخّروهما [حتّى يصطلحا]» .
تنبيه: ثبت في «صحيح مسلم» سبب آخر لصوم الاثنين؛ وهو أنّه سئل عن صومه، فقال: «فيه ولدت، وفيه أنزل عليّ» . ولا تعارض؛ فقد يكون للحكم سببان. انتهى (مناوي) .
(و) أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه- بإسناد حسن؛ كما في «العزيزي» -
(عن أبي هريرة أيضا) رضي الله تعالى عنه (قال: كان رسول الله ﷺ أكثر ما يصوم الاثنين والخميس) فصومهما سنّة مؤكّدة. (فقيل له): لم تخصّهما بأكثريّة الصوم؟!.
(فقال)؛ أي: المصطفى ﷺ (: «الأعمال تعرض) على الله تعالى (كلّ اثنين وخميس؛ فيغفر لكلّ مسلم) ذنوبه المعروضة عليه بغير وسيلة طاعة، لكن الصغائر، فإن لم يوجد صغائر؛ أو كفّرت بخصال أخرى؟! فنرجو من فضل الله تعالى أن يكفّر من الكبائر بهذا.
وفي «فتح الباري»: أن كلّ نوع من الطاعات مكفّر لنوع مخصوص من المعاصي؛ كالأدوية بالنسبة للداءآت. انتهى.
(إلّا المتهاجرين)، أي: المسلمين المتقاطعين؛ (فيقول) الله لملائكته (: أخّروهما [حتّى يصطلحا])» . أي: ولو بالمراسلة عند البعد.
قال المنذري: قال أبو داود: إذا كان الهجر لله تعالى؛ فليس من هذا. فإنّ النبي ﷺ هجر بعض نسائه أربعين يوما «١» !! وابن عمر هجر ابنا له حتّى مات.
_________________
(١) المشهور أنه شهر. وكان تسعة وعشرين يوما!! فليحرر. (عبد الجليل) .
[ ٣ / ٨١ ]
قال ابن رسلان: ويظهر أنّه لو صالح أحدهما الآخر؛ فلم يقبل؟ غفر للمصالح. انتهى.
وفي معناه خبر آخر رواه مسلم، والبخاري في «الأدب»، والنسائي، والترمذي، وابن حبان، وأبو داود عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«تفتح أبواب الجنّة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر فيهما لكلّ عبد لا يشرك بالله شيئا؛ إلّا رجل كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: أنظروا هذين حتّى يصطلحا» .
وفي خبر آخر «اتركوا هذين حتّى يفيئا» .
وأخرج الحكيم الترمذيّ؛ عن والد عبد العزيز- كما في «الجامع الصغير» -:
«تعرض الأعمال يوم الاثنين والخميس على الله تعالى، وتعرض على الأنبياء؛ وعلى الآباء والأمّهات يوم الجمعة. فيفرحون بحسناتهم، وتزداد وجوههم بياضا وإشراقا، فاتّقوا الله، ولا تؤذوا موتاكم» . انتهى.
قال المناوي: وفائدة العرض عليهم: إظهار الله للأموات عذره فيما يعامل به أحياؤهم من عاجل العقوبات وأنواع البليّات في الدنيا، فلو بلغهم ذلك من غير عرض أعمالهم عليهم لكان وجدهم أشدّ.
قال القرطبي: يجوز أن يكون الميت يبلّغ من أفعال الأحياء وأقوالهم بما يؤذيه؛ أو يسرّه بلطيفة يحدثها الله لهم في ملك يبلّغ، أو علامة، أو دليل، أو ما شاء الله وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [٦١/ الأنعام] وعلى ما يشاء، وفيه زجر عن سوء القول في الأموات؛ وفعل ما كان يسرّهم في حياتهم، وزجر عن حقوق الأصول والفروع وبعد مماتهم بما يسؤهم من فعل؛ أو قول.
قال: وإذا كان الفعل صلة وبرّا؛ كان ضدّه قطيعة وعقوقا. انتهى كلام المناوي.
[ ٣ / ٨٢ ]
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ أكثر صومه السّبت والأحد، ويقول: «هما يوما عيد المشركين فأحبّ أن أخالفهم» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير»، والحاكم في «باب الصوم»، والبيهقيّ في «سننه»: كلّهم؛
(عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها)، وسببه أنّ كريبا أخبر أنّ ابن عبّاس وناسا من الصحابة بعثوه إلى أمّ سلمة يسألها؛ عن أيّ الأيام كان أكثر لها صياما؟! فقالت: يوم السبت والأحد، فأخبرهم؛ فقاموا إليها بأجمعهم؟! فقالت:
صدق، (كان رسول الله ﷺ أكثر صومه) من الشهر (السّبت والأحد)؛ أي: معا، لأن إفرادهما كيوم الجمعة مكروه.
وسمّي «السبت» بذلك!! لانقطاع خلق العالم فيه، لأن السبت هو القطع.
وسمّي «الأحد» بذلك!! لأنه أوّل أيّام الأسبوع عند جمع؛ ابتدأ فيه خلق العالم.
(ويقول: «هما يوما عيد المشركين)؛ أي: اليهود والنصارى، لأن أصل كفر اليهود والنصارى بالشرك وَقالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ [٣٠/ التوبة] .
(فأحبّ) - بصيغة المضارع- (أن أخالفهم») لأنهم يجعلونهما يومي لهو ولعب، فأنا أجعلهما يومي عبادة، وفيه أنّه لا يكره إفراد السبت مع الأحد بالصوم، والمكروه إنما هو إفراد السبت؛ لأن اليهود تعظّمه، والأحد؛ لأنّ النصارى تعظّمه، ففيه تشبّه بهم.
بخلاف ما لو جمعهما، إذ لم يقل أحد منهم بتعظيم المجموع. قال بعضهم:
ولا نظير لهذا في أنّه إذا ضمّ مكروه لمكروه آخر تزول الكراهة. انتهى «مناوي» .
[ ٣ / ٨٣ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يصوم من الشّهر السّبت والأحد والإثنين، ومن الشّهر الآخر الثّلاثاء والأربعاء والخميس.
(و) أخرج الترمذي في «جامعه»؛ من حديث خيثمة؛ وقال حسن- قال عبد الحق: والعلّة المانعة له من تصحيحه أنّه روي مرفوعا وموقوفا؛ وذا عند الترمذي علّة!! - قال ابن القطّان: وينبغي البحث (عن) سماع خيثمة من (عائشة رضي الله تعالى عنها) فإني لا أعرفه. انتهى.
(قالت)؛ أي: عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان النّبيّ ﷺ يصوم من الشّهر السّبت)، سمّي بذلك!! لأن السبت القطع، وذلك اليوم انقطع فيه الخلق، فإنّ الله ﷾ خلق السموات والأرض في ستّة أيام؛ ابتدأ الخلق يوم الأحد وختمه يوم الجمعة بخلق آدم ﵇. وأمّا قول اليهود لعنهم الله «إنّ الله تعالى استراح فيه» !! فتولّى الله تعالى ردّه عليهم بقوله تعالى وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَما مَسَّنا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨) [ق] . ومن ثمّ أجمعوا على أنه لا أبلد من اليهود، وكذا من تبعهم من المجسّمة!! كذا قال ملّا علي قاري.
(والأحد) سمّي بذلك!! لأنه أوّل ما بدأ الله الخلق فيه، وأول الأسبوع- على خلاف فيه-.
(والاثنين)، سمّي بذلك!! لأنّه ثاني أيام الأسبوع- على الخلاف في ذلك-.
(ومن الشّهر الآخر الثّلاثاء) - بفتح المثلاثة مع المد-، (والأربعاء) - بتثليث الباء- (والخميس) بالنصب فيه وفيما قبله؛ على أنّه مفعول فيه ل «يصوم» .
قال المظهري: أراد ﷺ أن يبيّن سنّيّة صوم جميع أيام الأسبوع، فصام من شهر السبت والأحد والاثنين، ومن شهر الثلاثاء والأربعاء والخميس.
وإنّما لم يضمّ جميع هذه الستة متوالية!! لئلا يشقّ على الأمة الاقتداء به.
[ ٣ / ٨٤ ]
وعن معاذة قالت: قلت لعائشة: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؟ قالت: نعم، قلت: من أيّها كان يصوم؛ أي: من أيّ أيّامه؟ قالت: كان لا يبالي من أيّها صام؛ أي:
من أوّله، ومن وسطه، ومن آخره.
ولم يذكر في هذا الحديث يوم الجمعة!! وقد ذكر في حديث آخر قبل هذا؛ وهو حديث ابن مسعود أنّه كان قلّما يفطر يوم الجمعة منفردا؛ أو منضمّا إلى ما قبله؛ أو ما بعده- على ما سبق تقريره هناك-.
وسمّيت «الجمعة» بذلك!! لأنّه تمّ فيه خلق العالم؛ فاجتمعت أجزاؤه في الوجود. انتهى «مناوي وجمع الوسائل» .
(و) أخرج مسلم، وأبو داود، والترمذي؛ في «الجامع» و«الشمائل»، وابن ماجه: كلّهم؛ (عن معاذة) العدوية (قالت:
قلت لعائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها (: أكان رسول الله ﷺ يصوم ثلاثة أيّام من كلّ شهر؟! قالت) - أي- عائشة الصديقة (: نعم. قلت: من أيّها)؛ أي: من أي الشهر (كان يصوم؛ أي: من أيّ أيّامه؟!) .
لأنّ «أي» إذا أضيفت إلى جمع معرّف يكون السؤال لتعيين بعض أفراده، ك «أيّ الرجال جاء؟» أي: أزيد أم خالد؟.
(قالت) - أي- عائشة (: كان لا يبالي من أيّها صام. أي) كان يستوي عنده الصوم (من أوّله، ومن وسطه، ومن آخره) .
قال ملّا علي قاري في «جمع الوسائل»: قال العلماء: ولعلّه ﷺ لم يواظب على ثلاثة معيّنة؛ لئلا يظنّ تعيينها وجوبا، فإنّ أصل السنّة يحصل بصوم أيّ ثلاثة من الشهر، والأفضل صوم أيّام البيض الثالث عشر وتالييه.
ويستحبّ صوم ثلاثة أيام من أوّل الشهر، لما سبق: من أنّه كان يصوم ثلاثة من
[ ٣ / ٨٥ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ لا يدع صوم أيّام البيض في سفر ولا حضر.
و(أيّام البيض): اليوم الثّالث عشر من الشّهر،
غرّة كلّ شهر، وكذا ثلاثة من آخره: السابع والعشرين؛ وتالييه، وممّن اختار صوم أيّام البيض كثير من الصحابة والتابعين.
قال القاضي: اختلفوا في تعيين هذه الثلاثة المستحبّة في كلّ شهر!!! ففسّره جماعة من الصحابة والتابعين بأيّام البيض؛ وهي: الثالث عشر وتالياه؛ منهم عمر بن الخطاب، وابن مسعود، وأبو ذر ﵃.
واختار إبراهيم النّخعي وآخرون ثلاثة في أوّله؛ منهم الحسن البصري.
واختارت عائشة ﵂ وآخرون صيام السبت والأحد والاثنين من شهر، ثمّ الثلاثاء والأربعاء والخميس من آخر.
وفي حديث رفعه ابن عمر: أوّل اثنين في الشهر وخميسان بعده. وأم سلمة أوّل خميس والاثنين بعده، ثم الاثنين.
وقيل: أوّل يوم من الشهر والعاشر والعشرون، وقيل: إنّه صام به مالك بن أنس.
وروي عنه كراهة صوم أيام البيض، ولعله مخافة الوجوب على مقتضى أصله!!
وقال ابن شعبان المالكي: أوّل يوم من الشهر والحادي عشر والحادي والعشرون.
وعندي أنّه يعمل في كلّ شهر بقول، والباقي بقول الأكثر الأشهر، وهو أيام البيض، وإن قدر على الجمع بين الكلّ في كلّ شهر؛ فهو أكمل وأفضل. انتهى.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» بسند حسن؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) قال: (كان رسول الله ﷺ لا يدع صوم أيّام) الليالي (البيض في سفر ولا حضر)؛ أي: كان يلازم صومها فيهما (وأيّام البيض) هي: (اليوم الثّالث عشر من الشّهر،
[ ٣ / ٨٦ ]
والرّابع عشر، والخامس عشر. وسمّيت بيضا؛ لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عاشوراء يوما تصومه قريش في الجاهليّة،
و) اليوم (الرّابع عشر) منه، (و) اليوم (الخامس عشر) منه.
(وسمّيت بيضا!! لأنّ القمر يطلع فيها من أوّلها إلى آخرها)؛ قاله العزيزي وغيره.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، و«الموطأ»، وأبو داود، والترمذيّ في «الجامع»؛ و«الشمائل»، وابن ماجه- وهذا لفظ الترمذي-:
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان عاشوراء) - بالمدّ؛ وقد يقصر، وهو اليوم العاشر من المحرم- (يوما تصومه قريش)؛ هم أولاد النضر بن كنانة، وقيل: أولاد فهر بن مالك (في الجاهليّة)؛ أي: من قبل بعثته ﷺ المشرّفة بنعت الإسلام. والجاهلية: هي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وبشرائع الإسلام، ولعل قريشا تلقّوا صيامه من أهل الكتاب!
وقال القرطبي: ولعلّهم استندوا في صومه إلى شرع إبراهيم؛ أو نوح! فقد ورد في أخبار أنّه اليوم الذي استوت فيه السفينة على الجودي فصامه نوح شكرا، ولهذا كانوا يعظّمونه بكسوة الكعبة فيه.
وفي «المطامح»؛ عن جمع من أهل الآثار: أنّه اليوم الذي نجّى الله فيه موسى، وفيه استوت السفينة على الجودي، وفيه تيب على آدم، وفيه ولد عيسى، وفيه نجّي يونس من بطن الحوت، وفيه تيب على قومه، وفيه أخرج يوسف من بطن الجبّ.
وبالجملة: هو يوم عظيم شريف حتّى إنّ الوحوش كانت تصومه؛ أي:
تمسك عن الأكل فيه.
[ ٣ / ٨٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يصومه، فلمّا قدم المدينة..
صامه وأمر بصيامه،
وفي «صحيح مسلم» أنّ صوم عاشوراء يكفّر سنة، وصوم عرفة يكفّر سنتين.
وحكمته: أنّ عاشوراء موسويّ ويوم عرفة محمّديّ. وورد: «من وسّع على عياله يوم عاشوراء وسّع الله عليه السّنة كلّها» . وطرقه؛ وإن كانت ضعيفة؛ لكن قوّى بعضها بعضا.
وأمّا ما شاع فيه من الخضاب؛ والادّهان، والاكتحال، وطبخ الحبوب وغير ذلك!! فموضوع مفترى، حتى قال بعضهم: الاكتحال فيه بدعة ابتدعها قتلة الحسين.
لكن ذكر السيوطي في «الجامع الصغير»: «من اكتحل بالإثمد يوم عاشورا لم يرمد أبدا» . رواه البيهقي بسند ضعيف. انتهى «باجوري» .
(وكان رسول الله ﷺ يصومه) بمكّة كما تصومه قريش، ولا يأمر به.
(فلمّا قدم المدينة صامه وأمر) النّاس (بصيامه) . وفي الحديث اختصار يوضّحه ما رواه الشيخان، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: أنّ النبي ﷺ لمّا قدم المدينة وجد اليهود يصومون عاشورا، فسألهم عن ذلك!؟ فقالوا هذا يوم أنجى الله فيه موسى، وأغرق فيه فرعون وقومه، فصامه موسى شكرا؛ فنحن نصومه. فقال: «نحن أحقّ بموسى منكم» ! فصامه وأمر بصيامه.
واستشكل رجوعه إليهم في ذلك!! وأجيب باحتمال أن يكون أوحي إليه بصدقهم، أو تواتر عنده الخبر بذلك، أو أخبره به من أسلم منهم؛ كابن سلام، على أنّه ليس في الخبر أنّه ابتدأ الأمر بصيامه، بل في حديث عائشة تصريح بأنّه كان يصومه قبل. فغاية ما في القصّة أنّه صفة حال وجواب سؤال؛ فلا تعارض بينه وبين خبر عائشة «إنّ أهل الجاهلية كانوا يصومونه»، إذ لا مانع من توارد الفريقين مع اختلاف السبب في ذلك!!.
[ ٣ / ٨٨ ]
فلمّا افترض رمضان.. كان رمضان هو الفريضة، وترك عاشوراء، وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون صيامه ﷺ استئلافا لليهود؛ كما استألفهم باستقبال قبلتهم، وبالسدل، وغير ذلك!! وعلى كلّ حال؛ فلم يصحّ اقتداؤه بهم، فإنه كان يصومه قبل ذلك في الوقت الذي كان فيه يحبّ موافقة أهل الكتاب؛ فيما لم ينه عنه، فلما فتحت مكّة واشتهر أمر الإسلام أحبّ مخالفة أهل الكتاب؛ كما ثبت في «الصحيح»، فهذا من ذلك. فوافقهم أوّلا؛ وقال:
«نحن أحقّ منكم بموسى» ﵊، فلما أحبّ مخالفتهم؛ قال في آخر حياته: «لئن بقيت إلى قابل لأصومنّ التّاسع» .
قال بعض العلماء: وهذا يحتمل أمرين: أحدهما: أنّه أراد نقل العاشر إلى التاسع. والثاني: أن يضيفه إليه في الصوم؛ مخالفة لليهود في إفرادهم اليوم العاشر. وهذا هو الراجح. ويشعر به بعض روايات مسلم.
ولأحمد؛ من حديث ابن عبّاس مرفوعا: «صوموا يوم عاشوراء وخالفوا اليهود، وصوموا يوما بعده» . ولذا قال بعض المحققين: صيام يوم عاشوراء على ثلاث مراتب: ١- أدناها: أن يصام وحده، ٢- وفوقه: أن يصام التاسع معه، ٣- وفوقه: أن يصام التاسع والحادي عشر معه. انتهى. من «جمع الوسائل» .
(فلمّا افترض) - بالبناء للمجهول- (رمضان)؛ أي: افترض الله صوم رمضان في شعبان في السنة الثانية من الهجرة (كان رمضان هو الفريضة)؛ لا غيره، أي: انحصرت الفريضة فيه، فتعريف المسند مع ضمير الفصل يفيد قصر المسند على المسند إليه.
(وترك) - بالبناء للمفعول- (عاشوراء)؛ أي: نسخ وجوب صومه، أو تأكّده الشديد؛ على الخلاف: في أنّه كان قبل فرض رمضان صوم واجب؛ أولا!! والمشهور عند الشافعية هو الثاني، والحنفية على الأوّل، فعندهم: أنّ صوم عاشوراء كان فرضا، فلما فرض رمضان نسخ وجوب عاشوراء، وهو ظاهر سياق الحديث، وعند الشافعية: أنّ صوم عاشوراء كان سنّة مؤكّدة ملتزمة تقرب من
[ ٣ / ٨٩ ]
فمن شاء.. صامه، ومن شاء.. تركه.
وعن عليّ رضي الله [تعالى] عنه: كان رسول الله ﷺ يصوم
الفرض، فلما وجدت الفريضة الراجحة الأحقّ بالالتزام ترك عاشوراء؛ فلم يبق مؤكّدا، بل ترك إلى مطلق الندب.
(فمن شاء صامه، ومن شاء تركه)، وذهب بعض أصحاب الشافعي إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة أنّه كان واجبا ثم نسخ الأمر به، ثم تأكّد بالنداء العامّ من حضرته ﵊ يوم عاشوراء: «من كان لم يصم؛ فليصم، ومن كان أكل؛ فليتمّ صيامه إلى اللّيل» . ثم زيادته بأمر الأمّهات ألايرضعن فيه الأطفال، وردّ بما فيه من ركاكة وتعسّف بيّن.
قال الحافظ ابن حجر: وقول بعضهم «المتروك تأكّد استحبابه، والباقي مطلق استحبابه» !! لا يخفى ضعفه، بل تأكّد ندبه باق، لا سيما مع الاهتمام به، حتّى في عام وفاته، فقد عزم في آخر عمره ﷺ أن يضمّ إليه التاسع. انتهى «مناوي» .
قال النووي في «شرح مسلم»: ويتمسّك أبو حنيفة بقوله «أمر بصيامه» والأمر للوجوب، وبقوله: فلمّا فرض رمضان؛ قال: «من شاء صامه، ومن شاء تركه»، ويحتجّ الشافعية بقوله «هذا يوم عاشوراء، ولم يكتب الله عليكم صيامه» . وقوله «من شاء صامه، ومن شاء تركه» معناه: أنّه ليس متحتّما، فأبو حنيفة يقدّره: ليس بواجب، والشافعية يقدّرونه: ليس متأكّدا أكمل التأكيد.
وعلى المذهبين؛ فهو سنّة مستحبّة الآن؛ من حين قال النبي ﷺ هذا الكلام.
وقال في «جمع الوسائل»: قال العلماء: لا شكّ أنّ قدومه ﷺ المدينة كان في ربيع الأول، وفرض رمضان في شعبان من السنة الثانية، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم عاشوراء إلّا في سنة واحدة، ثم فوّض الأمر في صومه إلى رأي المتطوع. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد في «مسنده» - بإسناد حسن؛ كما في «العزيزي» -
(عن) أمير المؤمنين (عليّ ﵁) قال: (كان رسول الله ﷺ يصوم
[ ٣ / ٩٠ ]
يوم عاشوراء، ويأمر به.
وعن حفصة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجّة ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر:
أوّل إثنين من الشّهر، والخميس، والإثنين من الجمعة الآخرى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه:
يوم عاشوراء) بمكّة كما تصومه قريش؛ ولا يأمر به، فلما قدم المدينة صار يصومه (ويأمر به)؛ أي: بصومه أمر ندب، لأنّه يوم شريف أظهر الله فيه كليمه موسى على فرعون وجنوده، وفيه استوت السفينة على الجودي، وفيه تاب الله على قوم يونس، وفيه أخرج يوسف من السجن «١»، وفيه أخرج يونس من بطن الحوت، وفيه صامت الوحوش. ولا بعد أن يكون لها صوم خاصّ!! كذا في «المطامح» .
انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي- ورمز السيوطي في «الجامع» لحسنه، لكن قال الزيلعي: هو حديث ضعيف. وقال المنذري:
اختلف فيه على هنيدة راويه فمرّة قال-
(عن حفصة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها)، وأخرى عن أمّه؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها!! وتارة عن بعض أزواج النبي ﷺ قالت:
(كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجّة ويوم عاشوراء، وثلاثة أيّام من كلّ شهر: أوّل اثنين من الشّهر، والخميس، والاثنين من الجمعة الآخرى) . فينبغي لنا المحافظة على التأسّي به في ذلك.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»، وأبو بكر في «الغيلانيات»؛ (عن جابر) أي: ابن عبد الله- لأنه المراد عند الإطلاق- (رضي الله تعالى عنه) وعن
_________________
(١) الذي مرّ خروجه من الجب!!
[ ٣ / ٩١ ]
كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرّطب ما دام الرّطب، وعلى التّمر إذا لم يكن رطب، ويختم بهنّ، ويجعلهنّ وترا؛ ثلاثا، أو خمسا، أو سبعا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يحبّ أن يفطر على ثلاث تمرات، أو شيء لم تصبه النّار.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أيضا:
والده قال: (كان رسول الله ﷺ يعجبه أن يفطر على الرّطب؛ مادام الرّطب) موجودا، (وعلى التّمر؛ إذا لم يكن رطب)؛ أي: إذا لم يتيسر ذلك الوقت.
(ويختم بهنّ)؛ أي: يأكلهنّ عقب الطعام، لأنّه يصلحه، لا سيما الصّيحاني؛ فإنّه أجود تمر المدينة. كذا قاله الحفني على «الجامع الصغير» .
(ويجعلهنّ وترا ثلاثا؛ أو خمسا؛ أو سبعا) . أخذ منه أنّه يسنّ الفطر من الصوم على الرطب، فإن لم يتيسر! فالتمر. والرّطب مع تيسّره أفضل وقد كان المصطفى ﷺ يعجبه الرّطب جدّا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج أبو يعلى في «مسنده»؛ (عن) إبراهيم بن حجّاج؛ عن عبد الواحد بن زياد؛ عن ثابت؛ عن (أنس)، أي: ابن مالك- لأنه المراد عند الإطلاق- (رضي الله تعالى عنه)، ورمز السيوطي في «الجامع» لحسنه، وليس كما قال، فقد قال ابن حجر: إن عبد الواحد؛ قال فيه البخاري: إنّه منكر الحديث. وقال الحافظ الهيثمي: فيه عبد الواحد وهو ضعيف. ذكره المناوي.
(كان رسول الله ﷺ يحبّ أن يفطر على ثلاث تمرات)؛ إن لم يجد رطبا، لأن التمر يردّ قوة البصر التي أضعفها الصوم، (أو) على (شيء) حلو (لم تصبه النّار)؛ أي: ليس مصنوعا بنار؛ كالدبس وعسل النحل، فيندب لنا التأسّي به في ذلك.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ بإسناد صحيح- كما في العزيزي- (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه قال:
[ ٣ / ٩٢ ]
كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلّي، فإن لم يكن رطبات.. فتمرات، فإن لم يكن تمرات.. حسا حسوات من ماء.
وعن أنس أيضا قال:
(كان رسول الله ﷺ يفطر) من صومه (على رطبات قبل أن يصلّي) المغرب، (فإن لم يكن رطبات)؛ أي: لم يتيسّر!! (فتمرات)؛ أي: فيفطر على تمرات، والأفضل أن يكون وترا في الكلّ، (فإن لم يكن تمرات)؛ ولا نحوها من كلّ حلو؛ أي: لم يتيسّر ذلك!! (حسا حسوات من ماء) . قال العلقمي:
الحسوات- بحاء وسين مهملتين- جمع حسوة- بالفتح-؛ وهي: المرّة من الشرب، والحسوة- بالضم-: الجرعة من الشّراب بقدر ما يحسى مرّة واحدة. انتهى.
قال ابن القيّم: في فطره عليها تدبير لطيف، فإن الصوم يخلي المعدة من الغذاء فلا يجد الكبد منها ما يجذبه ويرسله إلى القوى والأعضاء؛ فيضعف، والحلو أسرع شيء وصولا إلى الكبد وأحبّه إليه، لا سيما الرطب، فيشتدّ قبولها؛ فتنتفع به هي والقوى. فإن لم يكن!! فالتمر لحلاوته وتغذيته، فإن لم يكن فحسوات تطفئ لهيب المعدة وحرارة الصوم؛ فتنتبه بعده للطعام وتتلقاه بشهوة. انتهى.
وقال غيره في كلامه على هذا الحديث: هذا من كمال شفقته على أمّته وتعليمهم ما ينفعهم، فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلوّ المعدة أدعى لقبوله وانتفاع القوى؛ لا سيما القوّة الباصرة، فإنها تقوى به. وحلاوة المدينة المنوّرة التمر، ومرباهم عليه، وهو عندهم قوت وأدم وفاكهة. وأما الماء! فإنّ الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء انتفعت بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظامئ الجائع البداءة بشرب ماء قليل؛ ثم يأكل. وفيه ندب الفطر على التمر ونحوه، فلو أفطر على خمر؛ أو لحم خنزير؟ صحّ صومه. انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والبيهقي في «سننه» بإسناد صحيح؛ (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه (قال:
[ ٣ / ٩٣ ]
كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وتنزّلت عليكم الملائكة» .
وعن ابن الزّبير رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم.. قال: «أفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة» .
كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم)؛ أي: نزل ضيفا عند قوم وهو صائم فأفطر، (قال) في دعائه لهم (: «أفطر عندكم الصّائمون) - خبر بمعنى الدعاء بالخير والبركة، لأن إفطار الصائمين يدلّ على اتساع الحال وكثرة الخير، إذ من عجز عن نفسه؛ فهو عن غيره أعجز. انتهى «مناوي» . - (وأكل طعامكم الأبرار) - قال المظهري: دعاء أو إخبار، وهذا الوصف موجود في حقّ المصطفى ﷺ؛ لأنّه أبرّ الأبرار- (وتنزّلت) - وفي رواية الطبراني: وصلّت- (عليكم الملائكة» بالرحمة والبركة.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» بإسناد حسن- كما في «العزيزي» -
(عن ابن الزّبير) - هكذا هو في «الجامع الصغير» بدون تسمية لابن الزبير، وسكت عليه شارحه، والمعروف أنّ المراد عند الإطلاق ب «ابن الزبير» هو عبد الله ابن الزبير (رضي الله تعالى عنه)؛ وعن والده، وقد صرّح بتسميته في «شرح الأذكار» في «باب ما يقول إذا أفطر عند قوم»؛ فقال: أخرجه الحافظ ابن حجر من طريق الطبراني؛ عن مصعب بن ثابت؛ عن عبد الله بن الزبير أنّ النبي ﷺ كان إذا أكل عند قوم؛ قال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» مختصرا. انتهى.
(قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر عند قوم؛ قال «أفطر عندكم الصّائمون، وصلّت عليكم الملائكة»)؛ أي: استغفرت لكم ودعت لكم بالرحمة والبركة.
وأخرج ابن ماجه؛ من طريق مصعب بن ثابت؛ عن عبد الله بن الزبير؛ قال:
[ ٣ / ٩٤ ]
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «ذهب الظّمأ، وابتلّت العروق، وثبت الأجر إن شاء الله تعالى» .
وعن معاذ بن زهرة:
أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ؛ فقال: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» . انتهى.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم بإسناد حسن- كما في «العزيزي» -
(عن ابن عمر) أي: عبد الله- لأنّه المراد عند الإطلاق- (رضي الله تعالى عنهما) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أفطر) من صومه؛ (قال: «ذهب الظّمأ) مهموز الآخر؛ بلا مدّ، أي: العطش- قال تعالى ذلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ [١٢٠/ التوبة] . ذكره في «الأذكار» قال: وإنما ذكرته؛ وإن كان ظاهرا!! لأني رأيت من اشتبه عليه فتوهّمه ممدودا.
(وابتلّت العروق)، لم يقل ذهب الجوع أيضا، لأن أرض الحجاز حارّة، فكانوا يصبرون على قلّة الطعام؛ لا العطش، وكانوا يتمدّحون بقلّة الأكل؛ لا بقلّة الشرب.
(وثبت الأجر)، يعني: زال التعب وبقي الأجر (إن شاء الله تعالى») ثبوته؛ بأن يقبل الصوم ويتولّى جزاءه بنفسه، كما وعد إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٣١) [الرعد] .
(و) أخرج أبو داود في «سننه» و«مراسيله»؛ (عن معاذ بن زهرة) ويقال:
أبو زهرة الضبي التابعي؛ قال في «التقريب» كأصله: مقبول أرسل حديثا فوهم من ذكره في الصحابة مرسلا، قال: بلغنا أنّ رسول الله ﷺ كان الخ؛ قال ابن حجر: أخرجه في «السنن» و«المراسيل» بلفظ واحد، ومعاذ هذا ذكره البخاري في التابعين، ولكنه قال: معاذ أبو زهرة. وتبعه ابن أبي حاتم، وابن حبّان في «الثقات»، وعدّه الشيرازي في الصحابة، وغلّطه المستغفريّ، ويمكن كون
[ ٣ / ٩٥ ]
كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» .
وعن معاذ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال: «الحمد لله الّذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر.. قال:
الحديث موصولا؛ ولو كان معاذ تابعيّا!! لاحتمال كون الذي بلّغه له صحابيا، وبهذا الاعتبار أورده أبو داود في «السنن»، وبالاعتبار الآخر أورده في «المراسيل» . انتهى ذكره المناوي على «الجامع» .
(كان رسول الله ﷺ إذا أفطر) من صومه (قال) عند فطره: «اللهمّ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت» وفي رواية زيادة: «وبك آمنت، وعليك توكّلت»، وفي رواية «فتقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم» كما سيأتي. قال الطّيبي: قدّم الجارّ والمجرور في القرينتين على العامل!! دلالة على الاختصاص وإظهارا للاختصاص في الافتتاح، وإبداء لشكر صنيع المختصّ به في الاختتام.
انتهى «مناوي» .
(و) أخرج ابن السّنّي، والبيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ (عن معاذ) - أي:
ابن زهرة الضبيّ التابعي (رضي الله تعالى عنه) مرسلا؛ وهو حديث ضعيف- كما في «العزيزي» (قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر؛ قال: «الحمد لله الّذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت») أي: يسّر لي ما أفطر عليه، فيندب قول ذلك عند الفطر من الصوم؛ فرضا أو نفلا.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»، وابن السنّي؛ (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) وهو حديث حسن لغيره- كما في العزيزي-؛ (قال:
كان رسول الله ﷺ إذا أفطر) - أي: من صومه؛ ولو نفلا (قال) في دعائه:
[ ٣ / ٩٦ ]
«اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت، فتقبّل منّي إنّك أنت السّميع العليم» .
وعن علقمة قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها: أكان رسول الله ﷺ يخصّ من الأيّام
(«اللهمّ؛ لك صمت، وعلى رزقك أفطرت) - قدّم المعمول على العامل!! دلالة على الاختصاص- (فتقبّل منّي) - وفي رواية للدار قطني: «أفطرنا وتقبّل منّا» - (إنّك أنت السّميع) لدعائي (العليم») بحالي وإخلاصي، ولعلّه كان يأتي بالإفراد إذا أفطر وحده، وبالجمع إذا أفطر مع غيره!!.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم في «صحيحيهما»، وأبو داود، والترمذي في «الشمائل»؛ (عن) أبي شبل (علقمة) بن قيس بن عبد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن كهيل بن بكر بن عوف بن النّخع النّخعي؛ الكوفي التابعي الكبير، الجليل الفقيه البارع، أحد الأعلام.
مخضرم؛ سمع عمر بن الخطاب، وعثمان، وعليا، وابن مسعود، وسلمان الفارسي، وحذيفة، وخبّابا، وأبا موسى الأشعري، وعائشة وغيرهم من الصحابة.
روى عنه أبو وائل، وإبراهيم النّخعي، والشعبي، وابن سيرين، وعبد الرحمن بن يزيد، وأبو الضحى، وسلمة بن كهيل، وخلق من التابعين. وأجمعوا على جلالته وعظم محلّه، ووفور علمه، وجميل طريقته.
قال إبراهيم النّخعي: كان علقمة يشبّه بابن مسعود. وقال أبو سعد ابن السمعاني: كان علقمة أكبر أصحاب ابن مسعود وأشبههم هديا ودلّا.
توفي سنة: اثنتين وستين، وقيل: سنة اثنتين وسبعين. والله أعلم. رحمه الله تعالى.
(قال: سألت عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها: أكان) - وفي رواية: هل كان- (رسول الله ﷺ يخصّ) - وفي رواية: يختصّ- (من الأيّام
[ ٣ / ٩٧ ]
شيئا؟ قالت: كان عمله ديمة، وأيّكم يطيق ما كان رسول الله ﷺ يطيق؟
وعن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ وعندي امرأة،
شيئا)؛ أي: يتطوّع في يوم معيّن بعمل مخصوص؛ فلا يفعل في غيره مثله، كصلاة وصوم؟!.
(قالت: كان) وفي رواية البخاري: قالت: لا، كان (عمله ديمة) - بكسر الدال؛ مصدر- أي: دائما. وأصل «ديمة»: دومة، لأنّه من الدوام، فقلبت الواو ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، والمراد بالدوام: الغالب، أو الدوام الحقيقي، لكن ما لم يمنع مانع كخشية المشقّة على الأمّة؛ أو نحو ذلك.
فلا ينافي ذلك قول عائشة «كان ﷺ يصوم حتّى نقول: قد صام. ويفطر حتى نقول: قد أفطر» . ولا ينافي أيضا عدم مواظبته على صلاة الضحى؛ كما في بعض الروايات عند الترمذي- وقد تقدّم- ومنها حديث مسلم وغيره؛ عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لعائشة رضي الله تعالى عنها: أكان النبي ﷺ يصلّي الضحى؟
قالت: لا، إلّا أن يجيء من مغيبه.
وبالجملة فكانت المواظبة غالب أحواله، وقد يتركها لحكمة. والله أعلم.
(وأيّكم يطيق ما)؛ أي: وأيّ واحد منكم يطيق العمل الذي (كان رسول الله ﷺ يطيق) الدوام عليه من غير ضرر؛ صلاة كان، أو صوما، أو نحوهما؛ خصوصا مع كمال عمله خشوعا وخضوعا وإخلاصا. ومناسبة هذا الحديث للباب!! شمولاه للصوم، وكذا يقال في الأحاديث بعده.
(و) أخرج الشيخان وغيرهما؛ كالترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-
(عن عائشة أيضا رضي الله تعالى عنها؛ قالت: دخل عليّ) - بتشديد الياء- (رسول الله ﷺ وعندي امرأة) زاد في رواية عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن هشام:
[ ٣ / ٩٨ ]
فقال: «من هذه؟»، قلت: فلانة؛ لا تنام اللّيل. فقال رسول الله ﷺ: «عليكم
حسنة الهيئة. ووقع في رواية مالك؛ عن هشام أنّها من بني أسد. أخرجه البخاري، ولمسلم من رواية الزّهري؛ عن عروة في هذا الحديث: أنّها الحولاء بالمهملة والمد- وهو اسمها بنت تويت- بمثنّاتين؛ مصغر- ابن حبيب- بفتح المهملة- ابن أسد بن عبد العزى؛ من رهط خديجة أم المؤمنين (فقال)؛ أي:
رسول الله ﷺ: («من هذه؟» قلت: فلانة) كناية عن كلّ علم مؤنّث، فهي غير منصرفة للعلمية والتأنيث، فقد صرّح النحاة بأنّه يكنّى ب «فلان» و«فلانة» عن أعلام الأناسي خاصّة، فيجريان مجرى المكنّى عنه؛ أي: يكونان كالعلم فلا تدخلها اللام، ويمتنع صرف «فلانة»، ولا يجوز تنكير «فلان»، فلا يقال جاءني فلان وفلان آخر. ذكره الرّضيّ وغيره.
(لا تنام اللّيل!)؛ أي: تحييه بصلاة، وذكر، وتلاوة قرآن، ونحوها.
وظاهر هذه الرواية: أنّ المرأة عند عائشة حين دخل عليها رسول الله ﷺ.
ووقع في رواية الزهري عند مسلم «أنّ الحولاء مرّت به» . فيجمع بينهما بأنّها كانت أوّلا عند عائشة، فلما دخل ﷺ عليها قامت؛ كما في رواية أحمد بن سلمة؛ عن هشام ولفظه: كانت عندي امرأة، فلما قامت؛ قال رسول الله ﷺ: «من هذه يا عائشة؟» . فقلت: هذه فلانة؛ وهي أعبد أهل المدينة.
والحديث أخرجه الحسن بن سفيان في «مسنده»؛ من طريق، فيحتمل أنّها لما قامت لتخرج فمرّت به في حال ذهابها؛ فسأل عنها. وبهذا يجمع بين الروايات.
ثم ظاهر السياق أنّها مدحتها في وجهها. وفي «مسند الحسن» ما يدلّ على أنّها قالت ذلك بعد ما خرجت المرأة، فتحمل رواية الكتاب عليه. انتهى «جمع الوسائل» .
(فقال رسول الله ﷺ: «عليكم) - عبّر بقوله «عليكم» مع أن المخاطب
[ ٣ / ٩٩ ]
من الأعمال ما تطيقون؛ فوالله لا يملّ [الله] حتّى تملّوا»، وكان أحبّ ذلك إلى رسول الله ﷺ
النساء!! إيماء لتعميم الحكم بتغليب الذكور على الإناث، أي: خذوا والزموا- (من الأعمال ما) - أي: العمل الذي- (تطيقون) الدوام عليه بلا ضرر، فمنطوقه يقتضي الأمر بالاقتصاد والاقتصار على ما يطاق من العبادة، ومفهومه يقتضي النهي عن تكليف ما لا يطاق.
قال الحافظ ابن حجر: سبب وروده خاصّ بالصلاة؛ لكن اللفظ عامّ، وهو المعتبر. ويؤخذ منه- كما قال القسطلاني-: وجه مناسبة هذا الحديث بما قبله وبما بعده بعنوان الباب.
(فو الله) فيه دلالة على جواز الحلف من غير استحلاف، إذا أريد به مجرّد التأكيد، وفي رواية: «فإنّ الله (لا يملّ) - وفي أخرى: «لا يملّ الله- (حتّى تملّوا») - بفتح أوّلهما وثانيهما؛ مع تشديد اللام فيهما- وفي رواية: «لا يسأم حتّى تسأموا» وهي مفسّرة للأولى، وإسناد الملل والسامة إلى الله تعالى من قبيل المشاكلة والازدواج؛ نحو نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ [٦٧/ التوبة] أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) [الواقعة] لأن الملل مستحيل في حقّه تعالى، فإنّه فتور يعرض للنفس من كثرة مزاولة شيء، فيوجب الكلال في الفعل والإعراض عنه.
وهذا إنّما يتصوّر في حقّ من يتغيّر، والمراد لا يعرض الله عليكم، ولا يقطع ثوابه ورحمته عنكم حتّى تسأموا العبادة وتتركوها.
فهذا الحديث يقتضي أمرهم بالاقتصاد في العمل؛ دون الزيادة، لئلا يملّوا فيعرضوا فيعرض الله عنهم. وفيه الحثّ على الاقتصاد في العمل وكمال شفقة المصطفى ﷺ ورأفته؛ حيث أرشدهم لما يصلحهم مما يمكنهم المداومة عليه مع انبساط النفس وانشراح الصدر، لئلا يطيعوا باعث الشغف فيحمّلوا أنفسهم فوق ما يطيقون؛ فيؤدّي ذلك إلى عجزهم عن الطاعة. انتهى «مناوي» .
(وكان أحبّ ذلك إلى رسول الله ﷺ) أحبّ- بالرفع؛ أو النصب- فالأوّل
[ ٣ / ١٠٠ ]
الّذي يدوم عليه صاحبه.
وعن أبي صالح قال: سألت عائشة وأمّ سلمة رضي الله [تعالى] عنهما:
على أنّه اسم «كان» وخبرها قوله (الّذي) الخ، فهو في محلّ نصب على هذا، والثاني على أنّه خبرها مقدّم، واسمها «الّذي»، فهو في محلّ رفع على هذا.
وقوله (يدوم عليه صاحبه)؛ أي: مداومة عرفية؛ لا حقيقية، لأن شمول جميع الأزمنة غير ممكن لأحد من الخلق، فإنّ الشخص ينام وقتا، ويأكل وقتا، ويشرب وقتا وهكذا.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن أبي صالح) السّمان الزيّات التابعي؛ واسمه: ذكوان، وقيل له «السمان» و«الزيّات» !! لأنّه كان يجلب السمن والزيت إلى الكوفة.
وهو مدني غطفاني «مولى جويرية بنت الأحمس»؛ سمع سعد بن أبي وقّاص وابن عمر، وابن عبّاس، وجابرا، وأبا سعيد، وأبا هريرة، وأبا الدرداء، وأبا عياش الزّرقيّ، وعائشة. وسمع جماعة من التابعين.
روى عنه بنوه: سهيل؛ وعبد الله؛ وصالح، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن دينار، ومحمد بن سيرين، والزّهري، وحبيب بن أبي ثابت، ورجاء بن حيوة، ويحيى الأنصاري، وأبو إسحاق السبيعي، وخلائق من التابعين وغيرهم، وسمع منه الأعمش ألف حديث.
واتفقوا على توثيقه وجلالته. قال الإمام أحمد ابن حنبل: هو ثقة ثقة؛ من أجلّ الناس وأوثقهم، وشهد الدار زمن عثمان رضي الله تعالى عنه، وتوفي بالمدينة المنورة سنة: إحدى ومائة رحمه الله تعالى.
(قال: سألت عائشة وأمّ سلمة ﵄) - بصيغة المتكلّم وحده؛ مبنيّا
[ ٣ / ١٠١ ]
أيّ العمل كان أحبّ إلى رسول الله ﷺ؟ قالتا: ما ديم عليه، وإن قلّ.
وروى البخاريّ: عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان أحبّ الدّين إلى رسول الله ﷺ ما داوم عليه صاحبه.
للمعلوم- ونصب الاسمين على المفعولية، وفي رواية: سئلت- بصيغة الغائبة؛ مبنيا للمجهول، ورفع ما بعده على النيابة-:
(أيّ العمل) أي: أيّ أنواعه (كان أحبّ) - يجوز رفعه ونصبه- (إلى رسول الله ﷺ؟! قالتا: ما ديم) - بكسر الدال؛ وفتح الميم ك «قيل» - أي: ما ووظب (عليه؛ وإن قلّ) العمل المداوم عليه، فإنّه خير من كثير منقطع، إذ بدوام القليل تدوم الطاعة والذكر والمراقبة والإخلاص، وهذه ثمرات تزيد على الكثير المنقطع أضعافا مضاعفة.
وبهذا الحديث ينكر أهل التصوّف ترك الأوراد والنوافل؛ كما ينكرون ترك الفرائض
وأخّر المصنف هذه الأحاديث إلى الصوم!! لأن كثيرا يداومون عليه أكثر من غيره؛ فذكر فيه ذلك زجرا لهم عن موجب الملال فيه وفي غيره، وقد ندم عبد الله بن عمرو بن العاص عن تركه قبول رخصة رسول الله ﷺ في تخفيف العبادة ومجانبة التّشديد. والله أعلم.
(وروى) الإمام الحافظ الحجّة أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاريّ) في «صحيحه»؛ في باب ، وكذا رواه مسلم في «صحيحه»؛ في «كتاب الصلاة؛ باب فضيلة العمل الدائم» أثناء حديث المرأة التي تذكر من صلاتها (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّه) - أي: الشّأن- (كان أحبّ الدّين) - بكسر الدال: يعني التعبّد- (إلى رسول الله ﷺ ما داوم عليه صاحبه)؛ وإن قل ذلك العمل المداوم عليه، يعني: ما واظب عليه مواظبة عرفية.
[ ٣ / ١٠٢ ]
وإنّما كان أحبّ إليه!! لأن المداوم يدوم له الإمداد والإسعاد من حضرة الوهّاب الجواد، وتارك العمل بعد الشروع؛ كالمعرض بعد الوصل، وكالهاجر بعدما منحه من الفضل، وبدوام العمل القليل تستمرّ الطاعة والإقبال على الله؛ بخلاف الكثير الشاقّ. انتهى «مناوي» .
[ ٣ / ١٠٣ ]
[الفصل الثّالث في صفة قراءته ﷺ]
الفصل الثّالث في صفة قراءته ﷺ عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه
(الفصل الثّالث) من الباب السادس (في) بيان ما ورد في (صفة قراءته ﷺ) للقرآن والمراد بصفة القراءة: الترتيل، والمدّ، والوقف، والإسرار، والإعلان، والترجيع وغيرها.
أخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-:
(عن) أبي عبد الرحمن (عوف بن مالك) بن أبي عوف الأشجعيّ الغطفاني صحابيّ مشهور (رضي الله تعالى عنه) .
قال الإمام النّووي: أوّل مشاهده مع النبي ﷺ خيبر، وشهد معه فتح مكة، وكانت معه راية أشجع، نزل الشام وسكن دمشق، وكانت داره عند سوق الغزل العتيق، روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وستّون حديثا؛ روى البخاري منها واحدا، ومسلم خمسة.
روى عنه: أبو أيوب الأنصاري، والمقدام بن معدي كرب، وأبو هريرة، وروى عنه من التابعين جماعات؛ منهم أبو مسلم؛ وأبو إدريس الخولانيان، وجبير بن نفير، ومسلم بن قرضة، وشدّاد أبو عمار، وراشد بن سعد، ويزيد بن الأصم، وسليم بن عامر، وسالم أبو النضر، وأبو بردة بن أبي موسى، وشريح بن عبيدة، وضمرة بن حبيب، وكثير بن مرّة وخلق سواهم.
واتفقوا على أنّه توفي بدمشق سنة: ثلاث وسبعين؛ في خلافة عبد الملك بن
[ ٣ / ١٠٤ ]
قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة، فاستاك، ثمّ توضّأ، ثمّ قام يصلّي، فقمت معه، فبدأ فاستفتح (البقرة)، فلا يمرّ باية رحمة.. إلّا وقف فسأل، ولا يمرّ باية عذاب.. إلّا وقف فتعوّذ، ثمّ ركع فمكث راكعا بقدر قيامه، ويقول في ركوعه:
«سبحان ذي الجبروت والملكوت،
مروان رضي الله تعالى عنه. انتهى كلام النووي رحمه الله تعالى. وقال المناوي في «شرح الشمائل»: إنّه من مسلمة الفتح، وعزاه لابن حجر والذهبي. والله أعلم.
(قال: كنت مع رسول الله ﷺ ليلة) من الليالي (فاستاك)؛ أي: استعمل السّواك، (ثمّ توضّأ، ثمّ قام يصلّي)؛ أي: يريد الصلاة (فقمت معه) - أي:
للصلاة معه والاقتداء به- (فبدأ)؛ أي: شرع فيها بالنية وتكبيرة الإحرام (فاستفتح) سورة (البقرة) أي: شرع فيها بعد قراءة الفاتحة، (فلا يمرّ باية رحمة إلّا وقف) - أي: أمسك عن القراءة- (فسأل) الله الرحمة، (ولا يمرّ باية عذاب إلّا وقف فتعوّذ) - أي- من العذاب، فيسنّ للقارئ مراعاة ذلك؛ ولو في الصلاة، فإذا مرّ باية رحمة سأل الله الرحمة، أو باية عذاب تعوّذ بالله منه، وكذا إذا مرّ باية تسبيح سبّح أو بنحو أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨) [التين] قال «بلى؛ وأنا على ذلك من الشاهدين»، أو بنحو وَسْئَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ [٣٢/ النساء] قال «اللهم؛ إنّي أسألك من فضلك» . (ثمّ ركع) عطف على «استفتح»، ولطول قراءته المؤدّي لتراخي الركوع من ابتدائها عبّر ب «ثم»، (فمكث) - بفتح الكاف، وضمّها، وبالوجهين قرئ قوله تعالى فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ [٢٢/ النمل]- أي: فلبث (راكعا) مكثا طويلا (بقدر قيامه) الّذي قرأ فيه سورة البقرة بكمالها.
(ويقول في ركوعه) - عبّر بالمضارع!! استحضارا لحكاية الحال الماضية، وإلّا فالمقام للماضي-: («سبحان ذي الجبروت)؛ أي: صاحب الجبر والقهر، ف «جبروت» بوزن «فعلوت»؛ من الجبر. قال ملّا علي قاري: أي الملك الظاهر فيه القهر (والملكوت) أي: الملك الظاهر فيه اللطف. والمعنى بهما
[ ٣ / ١٠٥ ]
والكبرياء والعظمة»، ثمّ سجد بقدر ركوعه، ويقول في سجوده:
«سبحان ذي الجبروت والملكوت، والكبرياء والعظمة»، ثمّ قرأ (آل عمران)، ثمّ سورة سورة. يفعل مثل ذلك في كلّ ركعة.
مصرف أحوال الظاهر والباطن. انتهى ف «ملكوت» بوزن «فعلوت»؛ من الملك. والتاء فيهما!! للمبالغة.
(والكبرياء) أي: الترفّع عن جميع الخلق مع انقيادهم له والتنزّه عن كلّ نقص (والعظمة»)؛ أي: تجاوز القدر عن الإحاطة. وقيل: الكبرياء: عبارة عن كمال الذات، والعظمة: عبارة عن كمال الصفات، أي: صاحب الكبرياء والعظمة على وجه الاختصاص بهما، فلا يوصف بهما غيره تعالى، كما يدلّ عليه الحديث القدسي: «الكبرياء ردائي والعظمة إزاري، فمن نازعني واحدا منهما قصمته؛ ولا أبالي»، أي: أهلكته.
(ثمّ سجد) أي: سجودا طويلا (بقدر ركوعه، ويقول في سجوده: «سبحان ذي الجبروت، والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثمّ) بعد تمام الركعة الأولى والقيام للثانية (قرأ) سورة (آل عمران) بعد قراءة الفاتحة، (ثمّ سورة سورة)؛ أي: ثم قرأ سورة «النساء» في الثالثة، ثم سورة «المائدة» في الرابعة، ففيه حذف حرف العطف بقرينة ما سبق في حديث حذيفة؛ من أنّه قرأ «النساء» و«المائدة» . فزعم أنّه تأكيد لفظيّ خلاف الظاهر (يفعل مثل ذلك)؛ أي: حال كونه يفعل مثل ما تقدّم من السؤال والتعوّذ وتطويل الركوع والسجود؛ ([في كلّ ركعة]) بقدر قيامها.
قال المناوي: وصلاته ﷺ كانت مختلفة باختلاف الأزمنة والأحوال؛ فتارة يؤثر التخفيف، وأخرى التطويل، وأخرى الاقتصاد؛ بحسب اقتضاء المقام مع ما فيه من بيان جواز كلّ وجه.
[ ٣ / ١٠٦ ]
وعن حذيفة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية خوف.. تعوّذ، وإذا مرّ باية رحمة.. سأل، وإذا مرّ باية فيها تنزيه الله.. سبّح.
وعن أبي ليلى رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية فيها ذكر النّار.. قال: «ويل لأهل النّار، أعوذ بالله من النّار» .
قال الباجوري: وهذه الصلاة هي التراويح، وظاهر السياق أنّه صلاها بسلام واحد. انتهى.
ولا أدري ما هو مأخذه في تعيين كونها صلاة التراويح!! فليراجع.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب «السنن الأربعة»؛
(عن حذيفة) بن اليمان (رضي الله تعالى عنه) وعن والده؛ (قال:
كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية خوف، تعوّذ) بالله من النار، (وإذا مرّ باية رحمة سأل) الله الرحمة والجنة، (وإذا مرّ باية فيها تنزيه الله؛ سبّح) . قال المناوي: أي قال «سبحان ربي الأعلى»، فينبغي للمؤمنين سواه أن يكونوا كذلك، بل هم أولى به منه، إذا كان غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخّر، وهم من أمرهم على خطر! قال النووي: فيه استحباب هذه الأمور لكلّ قارئ في الصلاة؛ أو غيرها.
(و) أخرج ابن قانع في «معجمه»؛ (عن أبي ليلى) - بلامين- الأنصاري والد عبد الرحمن بن أبي ليلى، واسمه: بلال، أو: داود بن بلال بن أحيحة بن الجلّاح، صحابي شهد أحدا وما بعدها، نزل الكوفة، له ثلاثة عشر حديثا، روى عنه ابنه عبد الرحمن؛ وله رواية عند أبي داود، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي في «عمل اليوم والليلة»، يقال: إنّه قتل بصفّين والله أعلم.
(رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا مرّ باية فيها ذكر النّار؛ قال: «ويل لأهل النّار، أعوذ بالله من النّار») وهذا تعليم للأمّة، وإلّا فهو
[ ٣ / ١٠٧ ]
وعن يعلى بن مملك
معصوم من العذاب! فيسنّ لكل قارئ اقتداء به.
قال المظهري وغيره: هذه الأشياء وشبهها تجوز في الصلاة وغيرها عند الشافعي رحمه الله تعالى.
وعند الحنفية والمالكية: لا يجوز إلّا في غير الصلاة، قالوا: لو كان في الصلاة لبيّنه الراوي، ولنقله عدّة من الصحابة مع شدّة حرصهم على الأخذ منه الصلاة لبيّنه الراوي، ولنقله عدّة من الصحابة مع شدّة حرصهم على الأخذ منه والتبليغ، فإذا زعم أحد أنّه في الصلاة حملناه على التطوّع.
وأجاب الشافعية بأنّ الأصل العموم، وعلى المخالف دليل الخصوص، وبأن من يتعانى هذا يكون حاضر القلب؛ متخشّعا خائفا راجيا؛ يظهر افتقاره بين يدي مولاه، والصلاة مظنّة ذلك، والقصر على النقل تحكّم.
وقال ابن حجر: أقصى ما تمسّك به المانع حديث «إنّ صلاتنا هذه لا يصلح فيها شيء من كلام النّاس» !! وهو محمول على ما عدا الدعاء؛ جمعا بين الأخبار. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج أبو داود، والنسائي، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل» وهذا لفظ «الشمائل» -: حدّثنا قتيبة بن سعيد؛ قال: حدّثنا الليث؛ عن ابن أبي مليكة؛ (عن يعلى بن مملك) - بفتح الميم الأولى وسكون الثانية؛ وفتح اللام بعدها كاف، بوزن جعفر-
حجازيّ، روى عن أمّ الدّرداء؛ وأمّ سلمة، وعنه ابن أبي مليكة، وقد وثّق.
ذكره جمع؛ منهم الذهبي.
روى له أبو داود، والترمذي، والنسائي، والبخاري؛ في «الأدب المفرد»، قال الترمذي في «جامعه» - بعد ذكر حديثه الآتي-: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلّا من حديث ليث بن سعد؛ عن ابن أبي مليكة عن يعلى بن مملك؛ عن أمّ سلمة، وقد روى ابن جريج هذا الحديث عن ابن أبي
[ ٣ / ١٠٨ ]
أنّه سأل أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: عن قراءة رسول الله ﷺ فإذا هي تنعت قراءة مفسّرة حرفا حرفا.
وعن قتادة
مليكة؛ عن أم سلمة: أنّ النبي ﷺ كان يقطّع قراءته، وحديث الليث أصحّ. انتهى كلام الترمذي في «جامعه» .
(أنّه) أي: يعلى بن مملك (سأل أمّ سلمة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها، عن قراءة رسول الله ﷺ) أي: عن صفتها (فإذا) - الفاء للعطف، و«إذا» للمفاجأة، والتعبير بذلك يشعر بأنها أجابت فورا لكمال ضبطها وشدّة إتقانها- (هي) أي: أمّ سلمة (تنعت) - بفتح العين- أي: تصف؛ من قولهم «نعت الرجل صاحبه: وصفه»
(قراءة مفسّرة) - بفتح السين المهملة المشدّدة-؛ من الفسر؛ وهو البيان والإيضاح، ومنه التفسير. أي: مبيّنة مشروحة واضحة؛ حال كونها مفصولة الحروف (حرفا حرفا)؛ أي: كلمة كلمة يعني مرتّلة محقّقة.
ونعتها لقراءته ﷺ!! يحتمل وجهين:
أحدهما: أنّها قالت كانت قراءته كذا وكذا،
وثانيهما: أنها قرأت قراءة مرتّلة مبيّنة؛ وقالت: كان النبي ﷺ يقرأ مثل هذه القراءة.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-:
(عن) أبي الخطّاب (قتادة) بن دعامة- بكسر الدال المهملة- ابن قتادة السدوسي البصري التابعي، ولد أعمى.
وسمع أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وأبا الطفيل، وابن المسيب، وأبا عثمان النهدي، والحسن البصري، وابن سيرين، وعكرمة، وزرارة بن
[ ٣ / ١٠٩ ]
قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كيف كانت قراءة رسول الله ﷺ؟ قال: مدّا.
أوفى، والشّعبيّ وخلائق غيرهم من التابعين.
روى عنه جماعة من التابعين؛ منهم: سليمان التيمي، وحميد الطويل، والأعمش، وأيوب. وخلائق من تابعي التابعين؛ منهم: مطر الورّاق، وجرير بن حازم، وشعبة، والأوزاعي؛ وغيرهم.
وأجمعوا على جلالته وتوثيقه وحفظه، وإتقانه وفضله، وقدم قتادة على ابن المسيب؛ فسأله أيّاما فأكثر، فقال: تحفظ كلّ ما سألتني عنه؟! قال: نعم؛ سألتك عن كذا؛ فقلت فيه كذا، وسألتك عن كذا؛ فقلت فيه كذا. وقال فيه الحسن كذا؛ فذكر حديثا كثيرا؛ فقال ابن المسيب: ما كنت أظنّ الله خلق مثلك!! وذكره أحمد ابن حنبل فأطنب في الثناء عليه، وكان أحفظ أهل البصرة، ولا يسمع شيئا إلّا حفظه.
توفي قتادة سنة: سبع عشرة ومائة، وقيل: ثمان عشرة ومائة؛ وهو ابن ستّ وخمسين. رحمه الله تعالى.
(قال: قلت لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: كيف كانت)؛ أي: على أيّ صفة كانت (قراءة رسول الله ﷺ؟!): هل كانت ممدودة؛ أو مقصورة؟!.
(قال): كانت قراءته (مدّا) بصيغة المصدر؛ أي: ذات مدّ.
وفي رواية للبخاري: كان يمدّ مدّا. وفي رواية: يمدّ صوته مدّا. يعني كان يمدّ ما كان من حروف المدّ واللّين مما يستحقّ المدّ مطوّلا؛ أو مقصورا؛ أو متوسّطا، من غير إفراط؛ لأنه مذموم. وليس المراد المبالغة في المدّ بغير موجب.
وفي رواية البخاري؛ عن أنس: كانت مدّا يمدّ «بسم الله»، ويمدّ «الرحمن» ويمدّ «الرحيم» .
[ ٣ / ١١٠ ]
وعن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يقطّع قراءته؛ يقول: «الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ»، ثمّ يقف، ثمّ يقول:
قال الحافظ ابن حجر: أي يمدّ اللام التي قبل الهاء في الجلالة، والميم التي قبل النون من «الرحمن»، والحاء من «الرحيم» .
قال ملّا علي قاري: ولا يخفى أنّ المدّ في كلّ من الأسماء الشريفة وصلا لا يزاد على قدر ألف؛ وهو المسمى بالمدّ: الأصلي، والذاتي، والطبيعي، ووقف توسّط أيضا فيمدّ قدر ألفين، أو يطوّل قدر ثلاث لا غير، وهو المسمّى بالمدّ العارض، وعلى هذا القياس. وتفصيل أنواع المدّ محلّه كتب القراءة.
وأما ما ابتدعه قرّاء زماننا، حتى أئمة صلاتنا: أنّهم يزيدون على المدّ الطبيعي إلى أن يصل قدر ألفين وأكثر؛ وربّما يقصرون المدّ الواجب!! فلا مدّ الله في عمرهم، ولا أمدّ في أمرهم. انتهى.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» و«الجامع»؛ وقال: حسن غريب، والحاكم؛ وقال على شرطهما. وأقرّه الذهبي، وقال العزيزي: حديث صحيح، وهذا لفظ «الشمائل»: حدّثنا عليّ بن حجر؛ قال: حدّثنا يحيى بن سعيد الأموي؛ عن ابن جريج؛ عن ابن أبي مليكة؛
(عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يقطّع قراءته) بتشديد الطاء؛ من التقطيع: وهو جعل الشيء قطعة قطعة- أي: يقف على فواصل الآي آية آية؛ وإن تعلّقت بما بعدها، فيسنّ الوقف على رؤوس الآي؛ وإن تعلّقت بما بعدها. كما صرّح به البيهقي وغيره.
وقول بعض القرّاء «الأولى الوقف على موضع يتمّ فيه الكلام» !! إنما هو فيما لا يعلم فيه وقف للمصطفى ﷺ، وإلّا! فالفضل والكمال في متابعته في كلّ حال.
(يقول «الحمد لله ربّ العالمين» ثمّ يقف)، بيان لقوله «يقطّع»، (ثمّ يقول
[ ٣ / ١١١ ]
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»، ثمّ يقف، وكان يقرأ: «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ» .
«الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ» ثمّ يقف)؛ أي: يمسك عن القراءة قليلا، ثم يقرأ الآية التي بعدها وهكذا إلى آخر السورة.
قال العلامة ملّا علي قاري: وهذا الحديث يؤيّد أنّ البسملة ليست من الفاتحة؛ على ما هو مذهبنا ومذهب الإمام مالك. انتهى.
لكن قال العلّامة المناوي في «شرح الجامع»: رواه الإمام أحمد، وابن خزيمة؛ عن أم سلمة بلفظ: كان يقطّع قراءته: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (٢) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ (٣) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) [الفاتحة] انتهى. واحتجّ به القاضي البيضاوي وغيره على عدّ البسملة آية من الفاتحة. قال الدارقطني: وإسناده صحيح.
(وكان يقرأ «مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ») أي: بالألف أحيانا، وإلّا! فالجمهور على حذف الألف؛ قاله ملا علي قاري.
قال شرّاح «الشمائل»: كذا هو بالألف في جميع نسخ «الشمائل» .
قال القسطلّاني. وأظنّه سهوا من النساخ!! والصواب «ملك» بلا ألف كما أورده المؤلف- يعني الترمذي في «جامعه» - وبه كان يقرأ أبو عبيد ويختاره، قال الترمذي في «جامعه»: هذا حديث غريب، وليس إسناده بمتّصل، لأن الليث بن سعد روى هذا الحديث عن ابن أبي مليكة؛ عن يعلى بن مملك؛ عن أمّ سلمة، وحديث الليث أصحّ.
قال العسقلاني؛ نقلا عن ابن أبي مليكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ. وأجلّ من سمع منهم عائشة الصديقة، وأختها أسماء، وأم سلمة، والعبادلة الأربعة، لكن أدرك من هو أعلى منهم؛ ولم يسمع منهم، كعليّ، وسعد بن أبي وقاص.
[ ٣ / ١١٢ ]
وعن عبد الله بن قيس قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها:
عن قراءة النّبيّ ﷺ: أكان يسرّ بالقراءة أم يجهر؟
قالت: كلّ ذلك قد كان يفعل؛
وإذا ثبت سماع ابن أبي مليكة من أمّ سلمة؛ فلم لا يجوز أن يسمع الحديث بهذا اللفظ من أم سلمة؛ وسمع الحديث من يعلى بن مملك عنها باللفظ المتقدّم!! بل نقول: رواية الليث من «المزيد في متّصل الأسانيد» . انتهى. ذكره ملا علي قاري رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» . - واللفظ لها-.
(عن) أبي الأسود (عبد الله بن قيس) - ويقال: ابن أبي قيس، ويقال: ابن أبي موسى- النّصري- بالنون- الحمصي، روى عن أبي ذرّ وغيره، وعنه محمد بن زياد، ومعاوية بن صالح، وهو ثقة مخضرم، وثّقه النّسائي، روى له أصحاب «السنن الأربعة»، والبخاري في «الأدب المفرد» .
(قال: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها عن قراءة النّبيّ ﷺ)؛ أي: بالليل كما صرّح به الترمذي في «جامعه»؛ ولفظه: سألت عائشة رضي الله تعالى عنها كيف كانت قراءة النبي ﷺ بالليل-؛
(أكان) - بإثبات أداة الاستفهام، وفي رواية بحذفها لكنها مقدّرة- أي: أكان (يسرّ بالقراءة) أي: يخفيها بحيث لا يسمعه غيره (أم يجهر!؟)، أي: يظهرها بحيث يسمعه غيره، والباء زائدة للتأكيد نحو: أخذت الخطام؛ وأخذت به، فهو من قبيل تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [١/ الممتحنة] وذلك لتصريحهم بأن «أسرّ» يتعدّى بنفسه؛ يقال: أسرّ الحديث: أخفاه.
(قالت) أي: عائشة (: كلّ ذلك قد كان يفعل) برفع «كلّ» على أنّه مبتدأ؛ خبره الجملة مع تقدير الرابط؛ أي: قد كان يفعله، ونصبه على أنّه مفعول مقدّم، وهو أولى، لأنّه لا يحوج إلى تقدير الضمير، ثم فسّرت ذلك ووضّحته بقولها:
[ ٣ / ١١٣ ]
قد كان «١» ربّما أسرّ، وربّما جهر. فقلت: الحمد لله الّذي جعل في الأمر سعة.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ من اللّيل.. رفع طورا، وخفض طورا.
([قد كان] ربّما أسرّ) أحيانا، (وربّما جهر) أحيانا، فيجوز كلّ منهما، والأفضل منهما ما كثر خشوعه وبعد عن الرياء، (فقلت) - القائل هو: عبد الله بن أبي قيس- (: الحمد لله الّذي جعل في الأمر) - أي: أمر القراءة من حيث الجهر والإسرار- (سعة)، ولم يضيّق علينا بتعيين أحد الأمرين، لأنه لو عيّن أحدهما؛ فقد لا تنشط له النفس؛ فتحرم الثواب!! والسّعة من الله في التكاليف نعمة يجب تلقّيها بالشكر.
والسّعة بفتح السين، وكسرها لغة؛ وبه قرأ بعض التابعين في قوله تعالى وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمالِ [٢٤٧/ البقرة] .
(و) أخرج أبو داود، والحاكم في «المستدرك»، ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» وسكت عليه أبو داود، والمنذريّ، فهو صالح: كلّهم؛
(عن أبي هريرة) عبد الرحمن بن صخر اليماني الدوسي (رضي الله تعالى عنه) باختلاف في الألفاظ، وهذا لفظ محمد بن نصر:
(كان رسول الله ﷺ إذا قرأ من اللّيل رفع) قراءته (طورا؛ وخفض طورا)، ولفظ أبي داود؛ عن أبي هريرة: كانت قراءة رسول الله ﷺ بالليل يرفع طورا ويخفض طورا. ولفظ الحاكم؛ عن أبي هريرة: كان إذا قام من الليل رفع صوته طورا وخفض طورا. انتهى.
قال ابن الأثير: الطّور الحالة، أي: تارة يجهر في بعض الركعات، وتارة
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من «وسائل الوصول» .
[ ٣ / ١١٤ ]
وعن أمّ هانئ رضي الله تعالى عنها قالت: كنت أسمع قراءة النّبيّ ﷺ باللّيل، وأنا على عريشي.
وعن معاوية بن قرّة
يسرّ، وفيه أنّه لا بأس بإظهار العمل للناس لمن أمن على نفسه الرياء والإعجاب.
(و) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» وهذا لفظها-:
(عن أمّ هانئ) - بهمز في آخره- وهي أخت علي بن أبي طالب؛ واسمها فاختة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كنت أسمع قراءة النّبيّ ﷺ)؛ أي: وهو في صلاته (باللّيل) عند الكعبة؛ كما في رواية، فهذه القصة كانت قبل الهجرة (وأنا على عريشي) بإثبات الياء، وفي نسخ من «الشمائل» بحذفها.
والعرش والعريش: السرير، وجمعه عرش- بضمتين- كبريد وبرد، أي:
والحال أنّي نائمة على سريري.
وفي رواية النسائي وابن ماجه بلفظ: كنت أسمع صوت النبي ﷺ؛ وهو يقرأ؛ وأنا نائمة على فراشي يرجّع بالقراءة. وفي رواية للنّسائي: وأنا على عريشي.
ويؤخذ من الحديث الجهر بالقراءة، حتى النفل ليلا، لكن الأفضل عند الشافعية للمصلي ليلا التوسّط؛ بأن يسرّ تارة ويجهر أخرى، وهذا في النفل المطلق، وأما غير النفل المطلق!! فيسنّ الإسرار، إلّا في نحو الوتر في رمضان فيسنّ فيه الجهر.
(و) أخرج البخاري، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي في «الشمائل» وهذا لفظها-: (عن) أبي إياس (معاوية بن قرّة) - بضم القاف وتشديد الراء- ابن إياس المزني البصري، يروي عن ابن مغفّل وعلي مرسلا، وابن عباس وابن عمر.
[ ٣ / ١١٥ ]
قال: سمعت عبد الله بن مغفّل رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت النّبيّ ﷺ على ناقته يوم الفتح وهو يقرأ:
ويروي عنه قتادة وشعبة وأبو عوانة وخلق، وثّقه ابن معين وأبو حاتم، وحديثه في البخاري ومسلم وأبي داود والنسائي، ومات سنة: - ١١٣- ثلاث عشرة ومائة، ومولده يوم الجمعة رحمه الله تعالى.
(قال: سمعت عبد الله بن مغفّل) - بضم الميم وفتح الغين المعجمة وفتح الفاء المشددة- المزني المدني البصري، الصحابي الجليل، من أهل بيعة الرضوان.
وكنيته «أبو سعيد»، وقيل «أبو عبد الرحمن»، و«أبو زياد» .
سكن المدينة ثم تحوّل إلى البصرة وابتنى بها دارا قرب الجامع.
وكان أحد البكّائين الذين نزل فيهم قوله تعالى وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذا ما أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ ما أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَنًا أَلَّا يَجِدُوا ما يُنْفِقُونَ (٩٢) [التوبة] .
وكان أحد العشرة الذين بعثهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة يفقّهون الناس، وهو أوّل من دخل مدينة «تستر» حين فتحها المسلمون.
روي له عن النبي ﷺ ثلاثة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على أربعة، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم باخر.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم الحسن البصري، وأبو العالية، ومطرّف، ويزيد بن عبد الله، وآخرون.
وتوفي بالبصرة سنة: ستين، وقيل: سنة تسع وخمسين، وصلّى عليه أبو برزة الأسلمي لوصيته بذلك (رضي الله تعالى عنه؛ يقول:
رأيت النّبيّ ﷺ) راكبا (على ناقته) العضباء؛ أو غيرها (يوم الفتح)؛ أي:
يوم فتح مكة (وهو يقرأ) فيه دلالة إلى أنّه ﷺ كان ملازما للعبادة حتّى في حال
[ ٣ / ١١٦ ]
إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا. لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ [الفتح: ١- ٢] .
قال: فقرأ ورجّع.
ركوبه وسيره. وفي جهره إشارة إلى أنّ الجهر أفضل من الإسرار في بعض المواطن، وهو عند التعظيم وإيقاظ الغافل ونحو ذلك (إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١» [الفتح] أي: بيّنا واضحا لا لبس فيه على أحد.
وهذا الفتح هو فتح مكّة؛ كما روي عن أنس، أو فتح خيبر؛ كما روي عن مجاهد. والأكثرون على أنّه صلح الحديبية، لأنه أصل الفتوحات كلّها لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ ما تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَما تَأَخَّرَ) [٢/ الفتح] أي: لتجتمع لك هذه الأمور الأربعة؛ وهي ١- المغفرة، ٢- وإتمام النعمة، ٣- وهداية الصراط المستقيم، ٤- والنصر العزيز، فكأنّه قيل: يسّرنا لك الفتح ليجتمع لك عزّ الدارين، وأغراض العاجل والآجل.
والمراد بالمغفرة: العصمة- على قول تقدّم-؛ أي: عصمناك من الذنوب فيما تقدّم من عمرك قبل نزول الآية، وما تأخّر منه.
والتحقيق- كما تقدّم في أول «الباب السادس» - أن المراد بالذنب ما هو من باب «حسنات الأبرار سيئات المقربين»، لأنه ﷺ يترقّى في الكمال، فيرى أنّ ما انتقل عنه ذنب بالنسبة إلى الذي انتقل إليه. وقيل: المراد بالذنب ترك الأفضل.
انتهى «باجوري» .
(قال) أي ابن مغفّل: (فقرأ) - أي- سورة الفتح إلى آخرها كما اقتضته رواية البخاري، (ورجّع) - بتشديد الجيم- أي: ردّد صوته بالقراءة.
وقد فسّره عبد الله بن مغافل بقوله ءآءآءآ بهمزة مفتوحة بعدها ألف ساكنة «ثلاث مرات»، وذلك ينشأ غالبا عن نشاط وانبساط كما حصل له ﷺ يوم الفتح.
وزعم بعضهم أنّ ذلك كان من هزّ الناقة بغير اختياره!!
[ ٣ / ١١٧ ]
قال: وقال معاوية بن قرّة: لولا أن يجتمع النّاس عليّ..
لأخذت لكم في ذلك الصّوت، أو قال: اللّحن.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان قراءة النّبيّ ﷺ
وردّ بأنه لو كان كذلك لما فعله عبد الله اقتداء به، وجاء في حديث آخر أنّه «كان لا يرجّع» . وهو محمول على أنّه كان يتركه أحيانا لفقد مقتضيه، أو لبيان أنّ الأمر واسع في فعله وتركه، أو أنّ المراد لا يرجّع ترجيعا يتضمّن زيادة أو نقصا؛ كهمز غير المهموز ومدّ غير الممدود، وجعل الحرف حروفا، فيجرّ ذلك إلى زيادة في القرآن؛ وهو غير جائز؛ والتلحين والتغنّي المأمور به ما سلّم من ذلك.
وقال ابن أبي جمرة: معنى الترجيع المطلوب: هو تحسين التلاوة، ومعنى الترجيع المنفي: ترجيع الغناء، لأن القراءة بترجيع الغناء تنافي الخشوع الذي هو مقصود التلاوة.
وقال الحافظ ابن حجر: المراد بالترجيع: الترتيل، وقد كثر الخلاف في التطريب والتغنّي بالقرآن. والحقّ أنّ ما كان سجيّة وطبعا محمود، وما كان تكلّفا وتصنّعا مذموم، وعلى ذلك تنزّل الأخبار؛ قاله المناوي والباجوري.
(قال) - أي- «شعبة؛ الراوي» عن معاوية المذكور، (وقال معاوية بن قرّة: لولا) مخافة (أن يجتمع النّاس عليّ) لاستماع ترجيعي بالقرآن لما يحصل لهم منها من الطرب (لأخذت) - أي: لشرعت- (لكم في ذلك الصّوت)، وقرأت مثل قراءته، (أو) - للشك- (قال) معاوية (اللّحن)؛ بدلا عن «الصوت»، وهو- بفتح اللام وسكون الحاء- واحد «اللحون»؛ وهو: التطريب والترجيع وتحسين القراءة، أو الشّعر، ويؤخذ من هذا: أنّ ارتكاب ما يوجب اجتماع الناس مكروه؛ إن أدّى إلى فتنة، أو إخلال بمروءة.
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الشمائل»؛
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: كان قراءة النّبيّ ﷺ) - أي-:
[ ٣ / ١١٨ ]
ربّما سمعها من في الحجرة، وهو في البيت؛ أي: كان إذا قرأ في بيته.. ربّما يسمع قراءته من في حجرة البيت من أهله، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى..
قال: «بلى»، وإذا قرأ:
بالليل في الصلاة؛ أو في غيرها (ربّما سمعها) - بحذف الياء، وفي رواية [يسمعها] بإثبات الياء فعلا مضارعا- (من في الحجرة) أي: صحن البيت، وهي الأرض المحجورة؛ أي: الممنوعة بحائط محوط عليها؛ (وهو في البيت؛ أي): والحال أنّه ﷺ في البيت يعني: (كان إذا قرأ في بيته ربّما يسمع قراءته من في حجرة البيت من أهله، ولا يتجاوز صوته إلى ما وراء الحجرات)، لكونها قراءة متوسّطة بين الجهر والإسرار، فلا هي في غاية الجهر؛ ولا في غاية الخفاء.
وأشار بتعبيره ب «ربما» إلى أنّه كان لا يسمعها من في الحجرة إلّا إذا أصغى إليها وأنصت، لكونها إلى السّر أقرب.
(و) أخرج البيهقيّ في «شعب الإيمان»، والحاكم في «المستدرك»؛ في (التفسير) وقال: صحيح وأقرّه الذهبي.
قال المناوي: وهو عجيب؛ ففيه يزيد بن عياض! وقد أورده الذهبيّ في «المتروكين» وقال النسائي وغيره: متروك؛ عن إسماعيل بن أمية، قال الذهبي:
كوفيّ ضعيف؛ عن أبي اليسع لا يعرف، وقال الذهبي في «ذيل الضعفاء والمتروكين»: إسناده مضطرب، ورواه في «الميزان» «١» في ترجمة أبي اليسع، وقال: لا يدرى من هو، والسند مضطرب. انتهى كلام المناوي.
كلاهما؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ) قوله تعالى (أَلَيْسَ ذلِكَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى (٤٠» [القيامة] (قال: بلى، وإذا قرأ
_________________
(١) ميزان الاعتدال في نقد الرجال.
[ ٣ / ١١٩ ]
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ.. قال: «بلى» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا قرأ: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى.. قال: «سبحان ربّي الأعلى» .
أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحاكِمِينَ (٨» [التين] (قال: «بلى») أي: في الصلاة، أو خارجها، فيسنّ قول «بلى» عند تلاوة هاتين الآيتين ونحوهما مما فيه استفهام تقريريّ، لأنه قول بمنزلة السؤال؛ فيحتاج إلى الجواب، ومن حقّ الخطاب أن لا يترك المخاطب جوابه، فيكون السامع كهيئة الغافل، أو كمن لا يسمع إلّا دعاء ونداء من الناعق به، ومن ثمّ ندبوا لمن مرّ باية رحمة أن يسأل الله الرحمة؛ أو آية عذاب أن يتعوّذ من النار، أو بذكر الجنة بأن يرغب إلى الله فيها، أو بذكر النار أن يستعيذ بالله منها. انتهى «مناوي وحفني» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في «المستدرك»؛ في «كتاب الصلاة»؛ وقال: على شرطهما. وأقرّه الذهبي. وقال العزيزي: إنّه حديث صحيح.
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا قرأ سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى
أي: سورتها ونحوها من كلّ آية فيها تنزيه؛ (قال:
«سبحان ربّي الأعلى») أي: يقول ذلك عقب قراءتها، ويحتمل عقب قوله «الأعلى»، فيسنّ لنا التسبيح عند تلاوة آية فيها تنزيه.
وأخذ من ذلك أنّ القارئ أو السّامع كلّما مرّ باية تحميد أن يحمده، أو تكبير أن يكبّره وقس عليه. انتهى مناوي وحفني على «الجامع» .
(و) أخرج أبو داود في «سننه» - بسند فيه بشر بن رافع الحارثي؛ وهو ضعيف، وقال ابن القطان: بشر يرويه عن أبي عبد الله «عمّ أبي هريرة» وهو لا يعرف حاله. والحديث لا يصحّ من أجله. انتهى مناوي على «الجامع» ومن ثمّ قال العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره-.
[ ٣ / ١٢٠ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ إذا تلا: غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ..
قال: «آمين»؛ حتّى يسمع من يليه من الصّفّ الأوّل.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان رسول الله ﷺ لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث.
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال: (كان رسول الله ﷺ إذا تلا) قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧) [الفاتحة] قال:) في صلاته عقب الفاتحة:
(«آمين») بقصر، أو مدّ، وهو أفصح؛ مع خفّة الميم فيهما، أي: استجب.
ويقولها رافعا بها صوته قليلا (حتّى يسمع) - بضمّ أوّله- في الجهرية (من يليه من الصّفّ الأوّل) . فيسنّ للإمام قول «آمين» بعد الفاتحة، ويسنّ الجهر بها في الصلاة الجهرية، ويقارن المأموم تأمين إمامه؛ ليوافق تأمين الملائكة. انتهى.
شروح «الجامع الصغير» .
(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» بإسناد حسن؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) قالت: (كان رسول الله ﷺ لا يقرأ القرآن في أقلّ من ثلاث) . أي:
لا يقرؤه كاملا في أقلّ من ثلاثة أيّام، لأنّها أقلّ مدّة يمكن فيها تدبّره وترتيله،
لما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي- وهو حديث حسن غريب- عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «لا يفقه من قرأ القرآن في أقلّ من ثلاث»؛ أي: لأنّه ينقص فهمه وتدبره، لأنه يحتاج إلى مراعاة الألفاظ مع ما عنده من الاستعجال الشاغل عن التدبّر والتفهّم.
وجعلت الثلاث غاية في ذلك!! لأنها محتملة. أمّا من أراد فهم معناه على حقيقته!! فقد مضى عمره في فهم آية ولا يحيط بها؛ ولا ببعضها. هذا كلّه في تفهّم معانيه.
[ ٣ / ١٢١ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا ختم.. جمع أهله ودعا.
أمّا الثواب على قراءته!! فحاصل لمن قرأه سواء فهمه؛ أم لا، للتعبّد بلفظه، بخلاف غيره من الأذكار، فلا ثواب فيه إلّا إن فهمه؛ ولو بوجه. انتهى «شرح الأذكار» .
(و) في «الأذكار» للإمام النووي: روى ابن أبي داود بإسنادين صحيحين؛ عن قتادة التابعي الجليل الإمام «صاحب أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه» قال:
كان أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه إذا ختم القرآن جمع أهله ودعا. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: هذا موقوف صحيح، وقد وجدت له طريقا أخرى مرفوعة عن قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا ختم) القرآن (جمع أهله ودعا) .
قال أبو نعيم الحافظ: غريب من حديث مسعر. قال الحافظ ابن حجر:
قلت: رواته موثّقون. انتهى ملخصا؛ من «شرح الأذكار» . وذكره في «كنوز الحقائق» للمناوي، وعزاه لابن النجار.
وقوله «ودعا»: أي: لأن الدعاء مستجاب عند ختم القرآن، بل الدعاء مستجاب عقب تلاوة القرآن من أيّ منه. والرحمة والسكينة تنزل على المجتمعين لدراسة القرآن الشريف، كما جاء في حديث: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله؛ يقرؤون القرآن ويتدارسونه إلا غشيتهم السّكينة ونزلت عليهم الرّحمة» .
وأخرج ابن الضّريس وغيره بسند فيه انقطاع؛ عن ابن مسعود قال: «من ختم القرآن؛ فله دعوة مستجابة» .
وكان عبد الله إذا ختم جمع أهله؛ ثم دعا وأمّنوا على دعائه.
وجاء في حديث مرفوع أخرجه الطبراني في «معجمه» بسند ضعيف؛ عن العرباض بن سارية قال: قال رسول الله ﷺ: «من ختم القرآن فله دعوة مستجابة» .
[ ٣ / ١٢٢ ]
وكان ﷺ إذا ختم.. يقرأ من أوّل القرآن خمس آيات.
وينبغي أن يكون الختم في أوّل النهار، أو في أوّل الليل، فقد روي مرفوعا؛ عن مصعب بن سعد؛ عن أبيه سعد بن أبي وقاص؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «من ختم القرآن أوّل النّهار صلّت عليه الملائكة حتّى يمسي، ومن ختم أوّل اللّيل صلّت عليه الملائكة حتّى يصبح» . انتهى.
ويستحبّ حضور مجلس الختم لمن يقرأ، ولمن لا يحسن القراءة.
قال النووي: يستحبّ الدعاء عند الختم؛ استحبابا متأكّدا شديدا، لما قدّمناه.
وروّينا في «مسند الدارمي»؛ عن حميد الأعرج رحمه الله تعالى قال: «من قرأ القرآن ثمّ دعا أمّن على دعائه أربعة آلاف ملك»:
وينبغي أن يلحّ في الدعاء، وأن يدعو بالأمور المهمّة والكلمات الجامعة، وأن يكون معظم ذلك أو كلّه في أمور الآخرة وأمور المسلمين وصلاح سلطانهم؛ وسائر ولاة أمورهم، وفي توفيقهم للطاعات وعصمتهم من المخالفات، وتعاونهم على البرّ والتقوى، وقيامهم بالحقّ، واجتماعهم عليه، وظهورهم على أعداء الدين وسائر المخالفين. انتهى.
وقد جمع ذلك «دعاء أبي حربه» المشهور بالبركة بين أهل اليمن، فينبغي قراءته عند كلّ ختم، وهو دعاء متداول عندهم؛ خصوصا في رمضان.
قال في «حواشي الجمل على الجلالين»؛ نقلا عن القرطبي في مقدمة تفسيره: ومن حرمة القرآن أن يفتتحه كلّما ختمه حتّى لا يكون كهيئة المهجور، (و) كذلك (كان) رسول الله (ﷺ إذا ختم) القرآن (يقرأ من أوّل القرآن خمس آيات)؛ لئلا يكون في هيئة الهجرة. انتهى كلام الجمل.
ولم يبيّن مخرج هذا الحديث؛ ولا صحابيّه!! وفي «كنوز الحقائق» للمناوي عزو ذلك للحكيم الترمذي في «نوادر الأصول» . ثم راجعت «نوادر الأصول»
[ ٣ / ١٢٣ ]
فرأيت الكلام الذي نقله الجمل عن القرطبي مذكورا في «نوادر الأصول» برمّته، ولم يذكر صحابيّ الحديث!!
وفي «الأذكار النووية»: وإذا فرغ من الختمة!! فالمستحبّ أن يشرع في أخرى متّصلا بالختم، فقد استحبّه السّلف، واحتجّوا فيه بحديث أنس رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «خير الأعمال الحلّ والرّحلة» قيل: وما هما؟
قال: «افتتاح القرآن وختمه» . انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: حديث أنس المذكور أخرجه ابن أبي داود بسند فيه من كذّب. وعجيب للشيخ كيف اقتصر على هذا، ونسب للسّلف الاحتجاج به؛ ولم يذكر حديث ابن عباس وهو المعروف في الباب!! وقد أخرجه بعض الستّة وصحّحه بعض الحفاظ.
ثمّ أخرج الحافظ ابن حجر؛ من طريق عن ابن عبّاس؛ قال: قال رجل:
يا رسول الله؛ أيّ العمل أفضل؟ قال: «عليك بالحالّ المرتحل» . قال:
وما الحالّ المرتحل؟! قال: «صاحب القرآن يضرب من أوّله إلى آخره، ويضرب من آخره إلى أوّله؛ كلّما حلّ ارتحل» .
ثم أخرجه الحافظ ابن حجر، عن ابن عبّاس من طريق آخر، لكن قال فيه:
«أيّ الكلام أحبّ إلى الله»، ولم يقل في آخره «كلّما حلّ» !! قال الحافظ ابن حجر: حديث غريب أخرجه الترمذيّ عن الهيثم بن الربيع؛ عن صالح، وقال:
غريب لا نعرفه من حديث ابن عبّاس إلّا من هذا الوجه.
وفي «النهاية» أنّه سئل: أيّ الأعمال أفضل؟! فقال: «الحالّ المرتحل» قيل: وما الحالّ المرتحل؟! قال: «الخاتم المفتتح» هو الذي يختم القرآن بتلاوته، ثم يفتتح التلاوة من أوّله، شبّهه بالمسافر يبلغ المنزل فيحلّ فيه، ثم يفتتح سيره؛ أي: يبتدئه. وكذلك قرّاء أهل مكّة إذا ختموا القرآن ابتدأوا وقرأوا الفاتحة وخمس آيات من أوّل سورة البقرة إلى وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)
[البقرة] ثم يقطعون
[ ٣ / ١٢٤ ]
القراءة، ويسمّون فاعل ذلك «الحال المرتحل»؛ أي أنّه ختم القرآن وابتدأ بأوّله؛ ولم يفصل بينهما بزمان.
وقيل: أراد «بالحال المرتحل» الغازي الذي لا يفعل إلّا عقّبه بأخرى! انتهى «شرح الأذكار» للشيخ محمد بن علي بن علان الصديقي المكي ﵀.
[ ٣ / ١٢٥ ]
[الباب السّابع في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ وبعض أذكار وأدعية]
الباب السّابع في أخبار شتّى من أحوال رسول الله ﷺ وبعض أذكار وأدعية (الباب السابع) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب (في) ذكر (أخبار) بالتنوين؛ جمع خبر، وهو مرادف للحديث.
وقيل: الحديث: ما جاء عن النبي ﷺ، والخبر: ما جاء عن غيره، ومن ثمّ قيل لمن يشتغل بالتواريخ وما شاكلها «الإخباري»، ولمن يشتغل بالسنّة النبوية «المحدّث» .
وقيل: بينهما عموم وخصوص مطلق، فكل حديث خبر من غير عكس.
(شتّى) - جمع شتيت؛ كمريض ومرضى- متفرقة (من أحوال رسول الله ﷺ) كالكلام على ريقه وفضلاته ﷺ (و) في (بعض أذكار) جمع ذكر؛ وهو- لغة-:
كلّ مذكور، وشرعا-: قول سيق لثناء؛ أو دعاء. وقد يستعمل شرعا أيضا لكلّ قول يثاب قائله.
(و) في ذكر بعض (أدعية) جمع دعاء، وهو الطلب على سبيل التضرّع.
وقيل: رفع الحاجات إلى رافع الدرجات.
واختلف؛ هل الدعاء أفضل، أم تركه؛ والاستسلام للقضاء أفضل؟!
فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادات.
ويؤيّده ما أخرجه الترمذيّ؛ وقال: غريب لا نعرفه إلّا من حديث ابن لهيعة من طريق أنس بن مالك رفعه: «الدّعاء مخّ العبادة» . انتهى أي: خالصها، لأن
[ ٣ / ١٢٦ ]
كان يقولها في أوقات مخصوصة وثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ وفيه ثلاثة فصول الداعي يدعو الله عند انقطاع أمله عما سواه، وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص؛ ولا عبادة فوقها، فكان مخّها بهذا الاعتبار. وأيضا لما فيه من إظهار الافتقار والتبرّي من الحول والقوّة، وهو سمة العبودية واستشعار ذلّة البشرية ومتضمّن للثناء على الله تعالى، وإضافة الكرم والجود إليه. انتهى.
(كان يقولها)؛ أي: هذه الأذكار والأدعية (في أوقات) وحالات (مخصوصة)؛ ك: عند رؤية الهلال، وسماع الرعد، وإذا عصفت الرياح
ونحو ذلك.
(و) في ذكر (ثلاثمائة وثلاثة عشر حديثا) . خصّ هذا العدد!! لأنه عدّة أصحاب طالوت، وعدّة أهل بدر رضوان الله عليهم.
(من جوامع كلمه ﷺ)؛ أي: كلمه الجوامع، وهي: ما قلّ لفظه وكثر معناه، أو التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة.
(وفيه)؛ أي هذا الباب (ثلاثة فصول) يأتي بيانها.
[ ٣ / ١٢٧ ]
[الفصل الأوّل في أخبار شتّى من أحواله ﷺ]
الفصل الأوّل في أخبار شتّى من أحواله ﷺ في «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى: (ولد رسول الله ﷺ مختونا، مقطوع السّرّة.
(الفصل الأوّل) من الباب السابع (في) ذكر (أخبار) - بالتنوين- (شتّى) - بتشديد المثناة الفوقية؛ أي: متفرقة- (من أحواله ﷺ): القولية والفعلية والخلقية.
(في) كتاب («الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ» (للقاضي عياض) بن موسى اليحصبي السّبتي أبي الفضل (رحمه الله تعالى):
(ولد رسول الله ﷺ مختونا) - أي لا قلفة له، (مقطوع السّرّة) - بضم السين- رواه أبو نعيم، والطبراني في «الأوسط»، وفي «دلائل البيهقي» بسند ضعيف؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّه ولد معذورا مسرورا؛ أي: مقطوع السرة مختونا، يقال: عذره، وأعذره: ختنه.
وروى الخطيب؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه مرفوعا؛ وصحّحه أيضا في «المختارة»: «من كرامتي على ربّي أنّي ولدت مختونا، ولم ير أحد سوأتي»؛ قاله ملّا علي قاري في «شرح الشفاء» .
وقال الشهاب الخفاجي: والّذي صحّحه المحدّثون- كما في «التمهيد» لابن عبد البر- أنّ جدّه عبد المطّلب ختنه يوم سابعه، وجعل له مأدبة وسماه «محمدا»، وكانت العرب تختن؛ لأنّه سنة توارثوها من إسماعيل وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وليس ذلك لمجاورة اليهود، وقد ورد هذا في قصة هرقل التي قيل له فيها: إن ملك الختان قد ظهر.
[ ٣ / ١٢٨ ]
وقد روي عن أمّه آمنة أنّها قالت: ولدته نظيفا ما به قذر.
وروي أنّه ﷺ ختن يوم شقّ قلبه الشريف؛ وهو عند مرضعته حليمة، وقد ذكره ابن القيّم في كتاب «الهدي» «١»، وهو أرجح الأقوال، وطعن في القول الأول من الأقوال الثلاثة- يعني القول بأنه ولد مختونا-؛ وقال: إنّه روي في حديث لم يصحّ، وذكره ابن الجوزيّ في «الموضوعات» .
ومن الغريب قول الحاكم في «المستدرك» . إن الأخبار تواترت بأن رسول الله ﷺ ولد مسرورا مختونا!! وتعقّبه الذهبيّ؛ وقال: لا نعلم صحّة ما ذكره؛ فكيف يكون متواترا!! والقول «بأنه أراد ب «تواتره»: شهرته بين الناس لا ما اصطلح عليه المحدّثون» بعيد.
وقد وقع في هذه المسألة نزاع بين ابن طلحة والكمال ابن العديم؛ فألّف ابن العديم في تأييد أنّه ﷺ ختن بعد ولادته تأليفا أوضح فيه الدلائل والنقول، إلا أنّهم لم يرضوا قول ابن الجوزي «إنّه موضوع» وردّوه. انتهى كلام الخفاجي في «شرح الشفا» .
(وقد روي) في بعض الروايات (عن أمّه آمنة) - بالمدّ على وزن: فاعلة- وهي بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرّة بن كعب، ولم تلد غيره ﷺ، ولم يتزوّج غيرها عبد الله على الأصحّ فيها. وفي اسم آمنة أمان أمّته.
وفي حليمة حلم. وفي بركة بركة، فتلك أمنة من سائر النقم.
(أنّها) أي: أمّه آمنة؛ (قالت: ولدته) ﷺ (نظيفا) أي: نقيّا (ما به قذر) بفتحتين- أي: شيء مما يكون على المولود من الوسخ والدّرن؛ كذا رواه ابن سعد في «طبقاته» .
وروي أنّه ولدته أمّه بغير دم؛ ولا وجع.
_________________
(١) هو المشهور ب «زاد المعاد في هدي خير العباد» .
[ ٣ / ١٢٩ ]
وفي حديث عكرمة، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ نام حتّى سمع له غطيط، فقام فصلّى، ولم يتوضّأ.
وولد ﵊ بمكّة على الصحيح الذي عليه الجمهور في الدار التي كانت لمحمد بن يوسف الثقفي أخي الحجاج بن يوسف، وهذه الدار بنتها بعد ذلك الخيزران جارية المهدي «أمّ الهادي والرشيد» مسجدا يصلّى فيه، والمشهور أنّه ولد في ربيع الأول، وهو قول الجمهور من العلماء، يوم الاثنين: ثاني عشر ربيع الأول. والله أعلم.
(وفي) البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ من (حديث) أبي عبد الله (عكرمة) مولى ابن عبّاس الهاشمي المدني.
أحد فقهاء المدينة المنورة وتابعيها من الأئمة المقتدى بهم في التفسير والحديث.
أصله بربري من أهل المغرب، سمع الحسن بن عليّ، وأبا قتادة، وابن عبّاس، وابن عمر، وابن عمرو، وأبا هريرة، وأبا سعيد، ومعاوية وغيرهم.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو الشعثاء، والشعبي، والنّخعي، والسبيعي، وابن سيرين، وعمرو بن دينار، وخلائق غيرهم من التابعين وخلائق من غيرهم.
قال ابن معين: عكرمة ثقة. قال: وإذا رأيت من يتكلّم في عكرمة؛ فاتّهمه على الإسلام، وقال أبو أحمد بن عدي: لم يمتنع الأئمة من الرواية عن عكرمة، وأدخله أصحاب الصحّاح صحاحهم.
وتوفي سنة: أربع ومائة. وقيل: سنة سبع ومائة. وقيل غير ذلك.
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ نام حتّى سمع له غطيط)؛ أي: صوت يخرج مع نفس النائم، (فقام فصلّى؛ ولم يتوضّأ)، لأنه ﷺ كان لا ينتقض وضوءه بالنوم مضطجعا، بخلاف غيره، وهو من خصائصه ﷺ.
[ ٣ / ١٣٠ ]
قال عكرمة: لأنّه ﷺ كان محفوظا.
وكان ﷺ إذا أراد أن يتغوّط.. انشقّت الأرض فابتلعت غائطه وبوله، وفاحت لذلك رائحة طيّبة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت للنّبيّ ﷺ: إنّك تأتي الخلاء
(قال عكرمة) في بيان وجه ما ذكر (: لأنّه ﷺ كان محفوظا) من أن يخامر قلبه نوم؛ وإن خامر عينيه، لحديث: «إنّا معاشر الأنبياء تنام أعيننا، ولا تنام قلوبنا» أو كما قال الحديث.
قال في «نظم البهجة الوردية»:
وبعض ما أكرمه الله به منامه بالعين؛ دون قلبه
(وكان ﷺ إذا أراد أن يتغوّط انشقّت الأرض فابتلعت غائطه)؛ وهو الخارج من المحلّ المعتاد، وأصل الغائط: المكان المنخفض من الأرض تقضى فيه الحاجة؛ لأنه أستر، سمّي به الخارج من الإنسان مجازا مرسلا؛ علاقته المجاورة.
(و) ابتلعت (بوله وفاحت) - بالفاء- أي: ظهرت (لذلك) المذكور من البول والغائط (رائحة طيّبة) . وهذا الحديث رواه البيهقي؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ وقال: إنه موضوع، كما في «شروح الشفاء» .
(و) أسند محمد بن سعد «كاتب الواقدي» في هذا خبرا.
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت للنّبيّ ﷺ: إنّك تأتي الخلاء) بالمدّ؛ أي: المكان الخالي البعيد عن البيوت، لأنهم كانوا قبل وضع المراحيض فيها يأتونه لقضاء الحاجة، ثم عبّر به بعد ذلك عن محلّ التغوّط مطلقا، ثم صار عرفا: اسما للبناء المعدّ لذلك.
[ ٣ / ١٣١ ]
فلا نرى منك شيئا من الأذى؟! فقال لها: «يا عائشة؛ أو ما علمت أنّ الأرض تبتلع ما يخرج من الأنبياء، فلا يرى منه شيء» .
وقال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين منه ﷺ،
(فلا نرى منك شيئا من الأذى؟!) بالذال المعجمة والقصر، المراد به هنا:
الغائط! (فقال لها: «يا عائشة؛ أو ما)؛- أي: أجهلت وما (علمت أنّ الأرض تبتلع) - أصل البلع: إدخال الطعام والشراب في الحنجرة والمري، فاستعير لمطلق الإخفاء، كما في قوله تعالى يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ [٤٤/ هود] أي: تخفي- (ما يخرج من الأنبياء) - بحيث يغيب فيها- (فلا يرى منه شيء؟!») !؟: تفسير للمراد من البلع وتأكيد، وإخفاؤه مع طيبه وعدم استقذاره!! لأنه ينبغي ستره لكون ذلك من المروءة، أو لأنه يخشى من أخذ الناس له.
وروى الدارقطني في «أفراده» عنها قالت: قلت: يا رسول الله؛ أراك تدخل الخلاء، ثم يجيء الرجل يدخل بعدك؛ فما يرى لما خرج منك أثرا؟! فقال: «أما علمت أنّ الله أمر الأرض أن تبتلع ما خرج من الأنبياء» !! انتهى «شرح الشفاء» .
وقد سئل الحافظ عبد الغني المقدسي: هل روي أنّه ﷺ كان ما يخرج منه تبتلعه الأرض؟! فقال: قد روي ذلك من وجه غريب. والظاهر المنقول يؤيّده، فإنه لم يذكر عن أحد من الصحابة أنّه رآه؛ ولا ذكره، فلو لم تبتلعه الأرض لرئي في بعض الأوقات.
(وقال قوم من أهل العلم بطهارة هذين الحدثين)؛ أي: البول والغائط (منه ﷺ) . وعبّر عن الخارج ب «الحدثين» !! استهجانا للتصريح باسمهما، بل اختار جمع متقدّمون ومتأخّرون من الشافعية طهارة جميع فضلاته ﷺ؛ منهم القاضي حسين، والبغوي، والسبكي، والبارزي، والزركشي، وابن الرّفعة، والبلقيني، والقاياتي وأطالوا فيه.
وقال السبكي: إنه الذي أدين الله به. واعتمده الجمال الرملي في «النهاية»، والخطيب الشربيني في «المغني»؛ وفاقا للشهاب الرملي. بل قال الزركشي:
[ ٣ / ١٣٢ ]
وشاهد هذا أنّه ﷺ لم يكن منه شيء يكره، ولا غير طيّب. ومن هذا حديث عليّ رضي الله [تعالى] عنه: غسّلت النّبيّ ﷺ فذهبت أنظر ما يكون من الميت،
وينبغي طرد الطهارة في فضلات سائر الأنبياء. انتهى لكن الشيخان: الرافعي والنووي على خلافه، وإنّ حكمها منه كغيره. أي: أنّ حكم فضلاته ﷺ كفضلات غيره في النجاسة، وجرى عليه ابن حجر الهيتمي في «التحفة» .
ويؤيّد الأوّل أنّه ﷺ لم ينكر على ابن الزّبير حين شرب دمه، ولا على أم أيمن حين شربت بوله، ولا على من فعل مثل فعلهما، ولا أمرهم بغسل الفم، ولا نهاهم عن العود إلى مثله، بل أخبرهم بما لعلّه يحملهم على الحرص على التبرك بفضلاته.
ومن حمل ذلك على التداوي قيل له: قد أخبر النبي ﷺ أنّ الله تعالى لم يجعل شفاء الأمّة فيما حرم عليها. رواه ابن حبان في «صحيحه»، فلا يصحّ حمل الأحاديث التي بعضها حسن على ذلك، بل هي ظاهرة في الطهارة.
قال الحافظ ابن حجر: قد تكاثرت الأدلّة على طهارة فضلاته ﷺ، وعدّ الأئمة ذلك من خصوصيّاته «١» . انتهى.
(وشاهد هذا)؛ أي: دليل القول بالطهارة (أنّه ﷺ لم يكن منه شيء يكره) عند ذوي الطباع السليمة، (ولا غير طيّب) وهذا دليل عقليّ مؤيّد لنظر الشرع.
(ومن هذا)؛ أي: ومن الشاهد بأنه لم يكن منه شيء يكره؛ ولا غير طيّب (حديث عليّ) أمير المؤمنين (﵁) الذي رواه ابن ماجه، وأبو داود في «مراسيله» أنّه قال:
(غسّلت النّبيّ ﷺ) - بتشديد السين المهملة- لأنه المستعمل في الميت، ويخفّف في غيره كالثياب، (فذهبت أنظر ما يكون من الميت)؛ من تغيّر رائحة
_________________
(١) كما نص عليه الحافظ الكبير زين الدين العراقي- رحمه الله تعالى- في باب الخصائص من «ألفيته» فقال: وبوله ودمه إذ أتي من شارب تبرّكا مانهي
[ ٣ / ١٣٣ ]
فلم أجد شيئا، فقلت: طبت حيّا وميتا. وسطعت منه ريح طيّبة لم نجد مثلها قطّ.
ومثله قال أبو بكر حين قبّل النّبيّ ﷺ بعد موته.
ومنه شرب مالك بن سنان دمه يوم أحد، ومصّه إيّاه،
وخروج فضلات (فلم أجد شيئا!)، وقد مكث ﷺ بعد موته يومين؛ فلم يتغيّر منه شيء.
(فقلت: طبت) - بفتح تاء الخطاب- (حيّا وميتا) ونصبهما على الحال.
قال علي: (وسطعت) أي: ارتفعت وانتشرت وفاحت (منه ريح طيّبة لم نجد مثلها قطّ)، لأن طيبه يدلّ على طيب ما يحصل منه، وكلّ إناء بالذي فيه ينضح.
(ومثله)؛ أي: ومثل قول علي «طبت حيا وميتا» .
(قال أبو بكر) الصدّيق رضي الله تعالى عنه (حين قبّل النّبيّ ﷺ بعد موته) رواه البزار؛ عن ابن عمر بسند صحيح، وهو بعض خبر في البخاري.
(ومنه)؛ أي: ومن الشواهد على ما ذكر (شرب مالك بن سنان) بن سنان بكسر السين المهملة- والد أبي سعيد الخدري، وهو من كبار الصحابة؛ قتل شهيدا يوم أحد رضي الله تعالى عنهما (دمه) أي: دم النبي ﷺ (يوم أحد) بضمتين-: اسم جبل وقعت عنده الوقعة العظيمة المشهورة بغزوة أحد.
(ومصّه إيّاه) . رواه البيهقي، والطبراني في «معجمه الأوسط»؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، والمصّ- بالميم والصاد المهملة-: أخذ المائع القليل بجذب النفس. وأشار بقوله «شربه ومصّه» إلى أنّه كان يفيض أوّلا، فلذا جعل أخذه بفيه وابتلاعه إيّاه شربا، ولما قلّ وجعل يجذبه منه بالمشقة جعله مصّا.
[ ٣ / ١٣٤ ]
وتسويغه ﷺ ذلك له، وقوله: «لن تصيبه النّار» .
ومثله شرب عبد الله بن الزّبير
وروي ذلك مرفوعا: «من مسّ دمه دمي لم تصبه النّار» .
(وتسويغه ﷺ)؛ أي: تجويزه (ذلك)؛ أي: شرب دمه ومصّه (له)، أي: لمالك بن سنان رضي الله تعالى عنه؛ من غير إنكار، فلو كان دمه الشريف غير طاهر لنهاه عن ازدراده.
(وقوله) أي: النبي ﷺ لمالك («لن تصيبه النّار») كناية عن فوزه بنعيم الجنان.
وفي رواية سعيد بن منصور: «من سرّه أن ينظر إلى من خالط دمه دمي؛ فلينظر إلى مالك بن سنان» .
وفي رواية: «من أراد أن ينظر إلى رجل من أهل الجنّة؛ فلينظر إلى هذا»، فاستشهد. رواها سعيد بن منصور؛ من طريق عمرو بن السائب بلاغا.
(ومثله) - وفي نسخة من «الشفاء»: و«منه» - أي: ومن الشاهد؛ كما رواه الحاكم، والبزّار، والبيهقي، والبغوي، والطبراني، والدارقطني، وغيرهم؛ من طرق يقوّي بعضها بعضا.
والعجب من قول ابن الصلاح «إنّ هذا الحديث لم أجد له أصلا!» وهو مذكور في هذه الأصول!!.
(شرب) - بضم الشين المعجمة- (عبد الله بن الزّبير) - بضمّ الزاي والتصغير- أحد العبادلة، الإمام الزاهد العابد، الشجاع بن الشجاع، أوّل مولود ولد للمهاجرين، وحنّكه النبيّ ﷺ بتمرة لاكها بفمه؛ فخالط ريقه ريقه.
وله ﵁ من شرف النسب ما لا يوصل إليه؛ لأن أمّه أسماء بنت أبي بكر «ذات النطاقين»، وأبوه الزبير بن العوّام رضي الله تعالى عنهما «أحد العشرة؛ سيف الله»، وجدّته صفيّة رضي الله تعالى عنها بنت عبد المطلب، وخالته عائشة رضي الله تعالى عنها، وجدّه لأمّه أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه. وكان
[ ٣ / ١٣٥ ]
دم حجامته، وقال له ﵊: «ويل لك من النّاس، وويل لهم منك»،
صوّاما قوّاما لا ينام ليله، وكان أطلس: لا لحية له رضي الله تعالى عنه. (دم حجامته) ﷺ.
ولفظ الحديث؛ عن عامر بن عبد الله بن الزبير؛ عن أبيه؛ قال:
احتجم رسول الله ﷺ فأعطاني الدم بعد فراغه من الحجامة؛ وقال: «اذهب؛ يا عبد الله فغيّبه» .
وفي رواية: «اذهب بهذا الدم فواره حيث لا يراه أحد» . فذهبت فشربته، ثم أتيته ﷺ؛ فقال «ما صنعت؟» قلت: غيّبته. قال: «لعلّك شربته!!» . قلت:
شربته.
وفي رواية: قلت: جعلته في أخفى مكان ظننت أنّه خاف عن الناس.
قال: «لعلّك شربته!!» . قلت: شربته.
(وقال له عليه [الصّلاة] والسّلام: «ويل) - للتّحسّر والتألّم- (لك من النّاس)؛ إشارة إلى محاصرته وتعذيبه، وقتله وصلبه على يد الحجاج، وقصّته مشهورة- (وويل لهم) - أي: للناس- (منك») لما أصابهم من حروبه؛ ومحاصرة مكّة بسببه، وقتل من قتل، وما أصاب أمّه وأهله من المصائب، وما لحق قاتليه من الإثم العظيم وتخريب الكعبة، فهو بيان لما تسبّب عن شرب دمه، فإنّه بضعة من النبوة نورانية قوّت قلبه حتى زادت شجاعته، وعلت همّته عن الانقياد لغيره ممن لا يستحقّ إمارة؛ فضلا عن الخلافة.
وزعم أنّه «إشارة إلى ما يلحقه من قدح الجهلة فيه بسبب شرب الدم» !! مما لا ينبغي ذكره، وسقوطه مغن عن ردّه.
وقد ورد عند الدارقطني في «سننه»؛ من حديث أسماء بنت أبي بكر رضي الله تعالى عنهما نحوه؛ ولفظه: قالت: احتجم ﷺ فدفع دمه لابني فشربه، فأتاه
[ ٣ / ١٣٦ ]
ولم ينكره.
جبريل فأخبره؛ فقال: «ما صنعت؟» . قال: كرهت أن أصبّ دمك. فقال ﷺ «لا تمسّك النّار»، ومسح على رأسه. وقال: «ويل للنّاس منك، وويل لك من النّاس» .
(ولم ينكره) عليه! وهذا هو محطّ الدليل. فإنّ عدم إنكاره ﷺ دليل على جوازه وطهارته.
وقد سئل الحافظ ابن حجر عن الحكمة في تنوّع القول لابن الزبير ومالك بن سنان؛ مع اتحاد السبب!؟.
فأجاب بأن ابن الزبير شرب دم الحجامة، وهو قدر كثير يحصل به الاغتذاء، وقوّة جذب المحجمة تجلبه من سائر العروق؛ أو كثير منها، فعلم ﷺ أنّه يسري في جميع جسده؛ فتكتسب جميع أعضائه منه قوى من قوى النبي ﷺ فتورثه غاية قوّة البدن والقلب، وتكسبه نهاية الشهامة والشجاعة؛ فلا ينقاد لمن هو دونه بعد ضعف العدل وقلّة ناصره، وتمكّن الظّلمة وكثرة أعوانهم، فحصل له ما أشار إليه ﷺ من تلك الحروب الهائلة التي تنتهك بها حرمته الناشئة من حرمته ﷺ؛ وحرمة البيت العتيق، فقيل له «ويل له» لقتله وانتهاك حرمته، و«ويل لهم» لظلمهم وتعدّيهم عليه وتسفيههم.
وأما مالك بن سنان!! فازدرد ما مصّه من الجرح الذي في وجهه ﷺ؛ وهو أقلّ من دم الحجامة، وكأنه علم أنه يستشهد في ذلك اليوم، فلم يبق له من أحوال الدنيا ما يخبره به، فأعلمه بالأهمّ له ممّا يتلقاه من أنواع مسرّات الجنان. انتهى.
ولا عطر بعد عروس!.
وحاصله: أنّه اقتصر لمالك على التبشير بالجنة، وأنه لا تصيبه النار؛ لعدم بقاء شيء له من الدنيا، بخلاف ابن الزبير فأخبره بما يقع له في الدنيا على سبيل الإشارة، كما أشار له أيضا بأنّه من أهل الجنة؛ بقوله «لا تمسّك النّار» .
فزعم «أن مقتضاه أنه لم يخاطب بهذا ابن الزبير؛ بل مالكا» ساقط، إذ محطّ
[ ٣ / ١٣٧ ]
وقد روي نحو من هذا عنه ﷺ في امرأة شربت بوله، فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا» .
ولم يأمر واحدا منهم بغسل فم، ولا نهاه عن عوده) انتهى ملخّصا.
الفرق إنما هو قوله «ويل لك» .. الخ. انتهى زرقاني على «المواهب» .
(وقد روي نحو من هذا) المذكور في شرب دمه ﷺ (عنه ﷺ في امرأة شربت بوله)، واسم هذه المرأة «بركة» فقيل: هي بنت يسار «مولاة أبي سفيان بن حرب بن أمية»، كانت تخدم أمّ حبيبة؛ وتخدم النبي ﷺ، وقيل: هي بركة المعروفة ب «أمّ أيمن» الحبشية مولاته وحاضنته ومرضعته، ورثها من أبيه؛ ثم أعتقها لمّا تزوّج خديجة؛ فتزوّجها عبيد بن زيد بن الحارث، فولدت له أيمن، وبه كنّيت، ثم تزوّجها بعد النبوة زيد بن حارثة؛ فولدت له أسامة حبّه ﷺ، وإلى هذا القول ذهب ابن عبد البرّ وغيره؛ قاله في «شرح الشفاء» .
(فقال لها: «لن تشتكي وجع بطنك أبدا») وفي رواية: «لن تلج النّار بطنك» والحديث صحيح رواه الحاكم؛ وأقرّه الذهبي، ورواه الدارقطني، وألزم البخاريّ ومسلما إخراجه في «الصحيح»؛ قاله في «الشفاء» .
وفي رواية بعدها زيادة: (ولم يأمر واحدا منهم) أي: أحدا ممن شرب دمه وبوله (بغسل فم) !! ولو كان نجسا لأمر به، (ولا نهاه)؛ أي: الأحد (عن عوده)؛ أي: عن عود شرب بوله، ولو كان نجسا لنهاه عن عوده، ولحرم تناوله ووجب تطهير محلّه، ولم يقرّ النبيّ ﷺ على مثله، وكونه للتداوي والعلاج!! خلاف الظاهر. والضمير في «نهاه» وكذا الضمير في «عوده» كلاهما للواحد.
وفي نسخة صحيحة من «الشفاء»: «عودة» بالتاء المربوطة ك «دولة»، فكأنه رواية. والله أعلم. (انتهى) كلام «الشفاء» للقاضي عياض (ملخّصا) بتشديد الخاء المعجمة المفتوحة؛ على صيغة اسم المفعول- أي: مؤتى من ألفاظه بما هو المقصود.
[ ٣ / ١٣٨ ]
وأمّا ريقه الشّريف ﷺ:
فقد بصق في بئر دار أنس،
قال ملا علي قاري في «شرح الشفاء»: وقد شرب أيضا دمه ﵊ أبو طيبة، وعاش مائة وأربعين سنة. وسفينة «مولى النبي ﷺ» . رواه البيهقي عن علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه. ذكره الرافعي في «الشرح الكبير»؛ قال ابن الملقّن: ولم أجده في كتب الحديث!! انتهى.
قال الخفاجي: وكون عليّ كرم الله وجهه شرب دمه لم يثبت؛ كما أشار إليه الدّميري في «منظومته في الفقه»؛ يعني المسمّاة «رموز الكنوز» حيث قال:
غريبة فضلة سيّد البشر طاهرة على خلاف انتشر
وابن الزّبير بدم الهادي البشير نال الّذي رام كما له أشير
وهو الّذي خصّ بويل النّاس وهو بويله من الإيلاس
في «مسند البزّار» ثمّ البيهقي والطّبرانيّ رواه فثق
والدّارقطنيّ، وقول ابن الصّلاح (ليس له أصل) يفي في الاصطلاح
وأمّ أيمن استزادت شرفا إذ شربت بول النّبيّ المصطفى
وسقيت إذ هاجرت للسّنّة ماء رويّا من شراب الجنّة
فبعده ما مسّ جوفها ظما ولم تذق إلى الممات ألما
صحّحه الحاكم، والمرويّ في شرب عليّ دمه لم يعرف
وابن الصّلاح قال في شرب أبي طيبة: إنّه ضعيف السّبب
قال ابن سبع: ويقينا كانت تبلعها الأرض ومنها ازدانت
ولم تبل من تحته بهيمه ولم تر الدّهر به سقيمه
وهذه فائدة تفرّد بها؛ وهي: أنّ الدوابّ لم تبل وهو ﷺ راكب عليها، ولم تسقم دابّة ركبها في حياته.
(وأمّا ريقه) - أي: وصف ريقه- (الشّريف ﷺ)، فكان يشفي الداء الحسّيّ والمعنويّ كإزالة ملوحة الماء؟! فالجواب محذوف اكتفاء بما دلّ عليه قوله (فقد بصق) بالصاد والزاي وفي لغة بالسين؛ خلافا لمن أنكرها (في بئر دار أنس) بن
[ ٣ / ١٣٩ ]
فلم يكن في المدينة بئر أعذب منها.
وأتي بدلو من ماء فشرب من الدّلو، ثمّ صبّ في البئر، ففاح منها مثل رائحة المسك. رواه أحمد وابن ماجه.
وكان ﷺ يوم عاشوراء يدعو برضعائه ورضعاء ابنته فاطمة فيتفل في أفواههم؛ ويقول للأمّهات: «لا ترضعنهنّ إلى اللّيل»، فكان ريقه يجزيهم. رواه البيهقيّ.
مالك (فلم يكن في المدينة) المنورة (بئر أعذب): أحلى (منها) ببركة بصاقه.
رواه أبو نعيم، وغيره؛ عن أنس بن مالك ﵁.
(وأتي) - بصيغة المجهول- أي: جيء (بدلو من ماء فشرب من الدّلو) . لم يقل «منه» !! لئلا يوهم أنّه شرب من الماء في غير الدلو؛ بأن صبّه في إناء غيره من الدلو (ثمّ صبّ) باقي شربه (في البئر)، قصدا لإظهار المعجزة المصدّقة له.
(ففاح منها [مثل] رائحة المسك. رواه) الإمام (أحمد) بن حنبل.
(و) رواه (ابن ماجه)؛ من حديث وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه.
(وكان ﷺ يوم عاشوراء يدعو برضعائه)؛ أي: صبيانه الذين ينسبون إليه، (ورضعاء ابنته فاطمة)؛ أي: أولادها. ورضيع الشخص: أخوه رضاعة، وليس مرادا هنا؛ كما هو ظاهر.
(فيتفل) - بكسر الفاء وضمّها-: يبصق، (في أفواههم، ويقول للأمّهات:
«لا ترضعنهنّ إلى اللّيل) لعله أراد مشاركتهم للصائمين في عدم تناول شيء لتعود عليهم بركة تصوّرهم بهم، ولا مانع أنّه يكتب لهم ثواب من صامه إكراما له، (فكان ريقه يجزيهم) - بفتح الياء- أي: يكفيهم إلى الليل، ويجوز [يجزئهم] ضمّ الياء مع سكون الجيم؛ آخره همزة- أي: يغنيهم عن اللبان (رواه البيهقيّ) في «الدلائل» .
[ ٣ / ١٤٠ ]
ودخلت عليه عميرة بنت مسعود هي وأخواتها يبايعنه- وهنّ خمس- فوجدنه يأكل قديدا، فمضغ لهنّ قديدة فمضغنها، كلّ واحدة قطعة، فلقين الله وما وجد لأفواههنّ خلوف. رواه الطّبرانيّ. و(الخلوف): تغيّر رائحة فم الصّائم.
ومسح ﷺ بيده الشّريفة بعد أن نفث فيها من ريقه على ظهر عتبة
(ودخلت عليه عميرة بنت مسعود) الأنصاريّة (هي وأخواتها يبايعنه؛ وهنّ خمس؛ فوجدنه يأكل قديدا): لحما مقدّدا؛ أي: مجفّفا في الشمس (فمضغ لهنّ قديدة فمضغنها؛ كلّ واحدة)، بدل من الفاعل في «مضغنها»، وذلك بعد أخذ عميرة لها من المصطفى، ففي رواية عنها: فمضغ لهنّ قديدة، ثم ناولني القديدة فقسمتها بينهنّ، فمضغت كلّ واحدة (قطعة فلقين الله)؛ أي: متن (وما وجد لأفواههنّ خلوف) - بضم الخاء-: تغير ريح.
(رواه الطّبرانيّ)، وأبو نعيم، وأبو موسى في «الصحابة»، وفي روايتهما:
فلقين الله ما وجدن في أفواههن خلوفا ولا اشتكين من أفواههن شيئا. (والخلوف) بضم الخاء المعجمة (: تغيّر رائحة) الفم. وهذا هو المشهور الذي صرّح به أئمة اللغة، ومنه الحديث: «لخلوف (فم الصّائم) أطيب عند الله من ريح المسك» .
وحكى بعض الفقهاء والمحدّثين فتح الخاء، واقتصر عليه الدّميري في «شرح المنهاج»، وأظنّه غلطا؛ كما صرّح به جماعة!!. وقال آخرون: الفتح لغة رديئة. والله أعلم. انتهى «شرح القاموس» .
(ومسح ﷺ بيده الشّريفة بعد أن نفث): تفل (فيها من ريقه على ظهر) وبطن (عتبة) بن فرقد بن يربوع السّلمي، صحابيّ نزل الكوفة ومات بها، وهو الذي فتح الموصل زمن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وتقدّمت ترجمته.
[ ٣ / ١٤١ ]
- وكان به شرى- فما كان يشمّ أطيب منه رائحة. رواه الطّبرانيّ.
وأعطى الحسن لسانه؛ وكان قد اشتدّ ظمؤه، فمصّه حتّى روي.
وروى القاضي عياض في «الشّفا» بسنده إلى عبد الله بن أبي الحمساء:
(وكان به شرى): بثور صغار حمر حكّاكة مكربة؛ تحدث دفعة غالبا وتشتدّ ليلا لبخار حارّ يثور في البدن دفعة؛ قاله في «القاموس» .
(فما كان يشمّ أطيب منه رائحة. رواه الطّبرانيّ) في «الكبير» و«الصغير»؛ من طريق أمّ عاصم زوجة عتبة بن فرقد عنه؛ قال: أخذني الشّرى على عهد رسول الله ﷺ؛ فأمرني فتجرّدت فوضع يده على بطني وظهري، فعبق الطيب من يومئذ.
قالت أمّ عاصم: كنا عنده أربع نسوة فكنّا نجتهد في الطيب؛ وما كان هو يمسّ الطيب؛ وإنّه لأطيب ريحا منّا.
(وأعطى الحسن) بن عليّ سبطه ﷺ (لسانه؛ وكان قد اشتدّ ظمؤه، فمصّه حتّى روي) - بفتح الراء وكسر الواو-: زال ظمؤه. رواه ابن عساكر.
وروى الطبراني أنّ امرأة بذيئة اللسان جاءته ﷺ؛ وهو يأكل قديدا، فقالت:
ألا تطعمني!! فناولها من بين يديه. فقالت: لا؛ إلّا الّذي في فيك!!. فأخرجه فأعطاه لها؛ فأكلته، فلم يعلم منها بعد ما كانت عليه من البذاءة.
ولله درّ إمام العارفين سيّدي محمد وفا الشاذلي المالكي رحمه الله تعالى حيث يقول:
جنى النّحل في فيه، وفيه حياتنا ولكنّه من لي بلثم لثامه
رحيق الثّنايا والمثاني تنفّست إذا قال في فيح بطيب ختامه
(وروى القاضي عياض في «الشّفاء») في «فصل خلقه في الوفاء وحسن العهد» (بسنده إلى عبد الله بن أبي الحمساء) - بمهملتين بينهما ميم ساكنة فألف
[ ٣ / ١٤٢ ]
قال: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع قبل أن يبعث، وبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه، فنسيت، ثمّ ذكرت بعد ثلاث، فجئت، فإذا هو في مكانه. فقال: «يا فتى؛ لقد شققت عليّ، أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك» .
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها،
ممدودة- العامريّ الصحابي، وقد روى حديثه هذا أبو داود، وهو من أفراده، وأخرجه أيضا ابن منده في «المعرفة»، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» .
(قال)؛ أي: عبد الله (: بايعت النّبيّ ﷺ ببيع)؛ أي: بعقد بيع (قبل أن يبعث) بالرسالة، (وبقيت له بقيّة)، إمّا من الثمن؛ أو المثمّن، فإن البيع من الأضداد، (فوعدته أن آتيه بها)؛ أي: البقية (في مكانه) الذي وقع فيه البيع، (فنسيت) الوعد الذي جرى بيننا، (ثمّ ذكرت بعد ثلاث)؛ أي: ثلاث ليال، أو ثلاثة أيام. ولم يلحق التاء به!! لحذف المعدود. وإنما تلزم قاعدة العدد إذا ذكر المعدود، (فجئت، فإذا هو في مكانه) - أي مستقرّ ﷺ في مكانه لم يفارقه- (فقال: «يا فتى؛ لقد شققت عليّ!!) - بتشديد الياء- (أنا هنا منذ ثلاث أنتظرك!!») وهذا دليل على وفائه ﷺ بعهده ووعده، وهو من جملة أخلاق جدّه النبي إسماعيل حيث قال تعالى في حقّه وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ إِسْماعِيلَ إِنَّهُ كانَ صادِقَ الْوَعْدِ [٥٤/ مريم] قال مجاهد: لم يعد شيئا إلّا وفّى به.
(و) أخرج البيهقيّ بإسناد حسن؛ كما في العزيزي، لكن قال المناوي:
قضية صنيع المصنف- يعني: السيوطي- أنّ البيهقي خرّجه وسكت عليه، وهو باطل! فإنه خرّجه من حديث إسحاق بن إبراهيم الدبري، عن عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن أيوب؛ عن ابن أبي مليكة؛
(عن عائشة)، وعن محمد بن أبي بكر؛ عن أيوب؛ عن إبراهيم بن ميسرة؛ عن عائشة (أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها) .
[ ٣ / ١٤٣ ]
قالت: كان أبغض الأشياء إلى رسول الله ﷺ الكذب.
وكان ﷺ إذا اطّلع على أحد من
ثم عقّبه بما نصّه: قال البخاري: هو مرسل- يعني بين إبراهيم بن ميسرة وعائشة- ولا يصحّ حديث ابن أبي مليكة؛ قال البخاري: ما أعجب حديث معمر عن غير الزهري، فإنّه لا يكاد يوجد فيه حديث صحيح. انتهى.
فأفاد بذلك أنّ فيه ضعفا؛ أو انقطاعا. فاقتطاع المصنف- يعني السيوطي- لذلك من كلامه وحذفه: من سوء التصرّف. وإسحاق الدبري يستبعد لقيّه لعبد الرزاق!! كما أشار إليه ابن عدي، وأورده الذهبي في «الضعفاء» . انتهى كلام المناوي.
(قالت) - أي: عائشة- (: كان أبغض الأشياء) كذا في «كنوز الحقائق» .
وفي «الجامع الصغير»: كان أبغض الخلق (إلى رسول الله ﷺ)؛ أي: أبغض أعمال الخلق إليه (: الكذب) لكثرة ضرره وجموم «١» ما يترتّب عليه من المفاسد والفتن، فهو إثم كلّه إلا ما نفع به مسلم، أو دفع به عن دين، ومن ثمّ كان أشدّ الأشياء ضررا، ولهذا كان يزجر أصحابه وأهل بيته عنه، ويهجر على الكلمة من الكذب المدّة الطويلة. وذلك لأنّه قد يا بني عليه أمورا ربّما ضرّت ببعض الناس.
وفي كلام الحكماء: إذا كذب السفير بطل التدبير. ولهذا لما علم الكفّار أنّه أبغض الأشياء إليه نسبوه إليه؛ فكذّبوا بما جاءهم به من عند الله ليغيظوه بذلك، لأنه يوقف الناس عن قبول ما جاء به من الهدى، ويذهب فائدة الوحي.
وروي أنّ حذيفة قال: يا رسول الله؛ ما أشدّ ما لقيت من قومك؟ قال: «خرجت يوما لأدعوهم إلى الله، فما لقيني أحد منهم إلّا وكذّبني» . انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والحاكم بإسناد صحيح- كما في العزيزي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: (كان) رسول الله (ﷺ إذا اطّلع على أحد من
_________________
(١) هي بمعنى (العموم) مع الوفرة والكثرة.
[ ٣ / ١٤٤ ]
أهل بيته كذب كذبة.. لم يزل معرضا عنه حتّى يحدث توبة.
أهل بيته)، أي: من عياله وخدمه (كذب كذبة) واحدة- بفتح الكاف وكسرها والذال ساكنة فيهما- (لم يزل معرضا عنه)؛ إظهارا لكراهته الكذب، وتأديبا له، وزجرا عن العود لمثلها (حتّى يحدث توبة) من تلك الكذبة الواحدة التي كذبها، وذلك لشدّة بغضه ﷺ الكذب، لما يترتّب عليه من المفاسد، وإن كان نحو الزّنا أشدّ منه.
وفي رواية البزار: ما كان خلق أبغض إلى رسول الله ﷺ من الكذب! ولقد كان الرجل يكذب عنده الكذبة فما يزال في نفسه حتّى يعلم أنّه أحدث منها توبة.
وقبح الكذب مشهور معروف، إذ ترك الفواحش بتركه، وفعلها بفعله فموضعه من القبح كموضع الصدق من الحسن، ولهذا أجمع على حرمته إلّا لضرورة؛ أو مصلحة.
قال الغزالي: وهو من أمّهات الكبائر. قال: وإذا عرف الإنسان بالكذب؛ سقطت الثقة بقوله، وازدرته العيون، واحتقرته النفوس. وإذا أردت أن تعرف قبح الكذب؛ فانظر إلى قبح كذب غيرك، ونفور نفسك عنه، واستحقارك لصاحبه، واستقباحك ما جاء به. قال: ومن الكذب الذي لا إثم فيه ما اعتيد في المبالغة ك «جئت ألف مرّة» فلا يأثم؛ وإن لم يبلغ ألفا.
قال: ومما يعتاد الكذب فيه ويتساهل فيه أن يقال «كل الطعام» فيقول «لا أشتهيه» . وذلك منهيّ عنه. وهو حرام؛ إن لم يكن فيه غرض صحيح.
وقال الراغب: الكذب عار لازم، وذلّ دائم، وحقّ الإنسان أن يتعوّد الصدق، ولا يترخّص في أدنى الكذب، فمن استحلاه عسر عليه فطامه.
وقال بعض الحكماء: كلّ ذنب يرجى تركه بتوبة إلّا الكذب، فكم رأينا شارب خمر أقلع، ولصّا نزع؛ ولم نر كذّابا رجع.
وعوتب كذّاب في كذبه؛ فقال: لو تغرغرت به وتطعّمت حلاوته ما صبرت عنه طرفة عين. ذكره المناوي في شرح «الجامع الصغير» .
[ ٣ / ١٤٥ ]
وكان ﷺ إذا أتى باب قوم.. لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول:
«السّلام عليكم.. السّلام عليكم» .
وكان ﷺ إذا أتاه الفيء.. قسمه في يومه، فأعطى الآهل حظّين، وأعطى العزب حظّا.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في «الأدب» بسند حسن- كما في العزيزي- عن عبد الله بن بسر- بضم الموحدة وسين مهملة ساكنة- رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أتى باب قوم) لنحو عيادة؛ أو زيارة؛ أو غير ذلك من المصالح (لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه) كراهة أن يقع النظر على ما لا يراد كشفه مما هو داخل البيت، لأن الدّور يومئذ لم تكن عليها ستور كالآن، (ولكن) يستقبله (من ركنه الأيمن؛ أو الأيسر)، فكان يجعل وجهه جهة يمين الباب؛ أو شماله، (ويقول: «السّلام عليكم.. السّلام عليكم») أي: يكرّر ذلك ثلاثا، أو مرّتين عن يمينه وشماله.
(و) أخرج أبو داود في «الخراج» وسكت عليه، والحاكم في «المستدرك» كلاهما؛ عن عوف بن مالك قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أتاه الفيء) بالهمز؛ ولا يجوز الإبدال والإدغام- والمراد به هنا ما يشمل خراج الأرض، وما أخذ من الكفار بلا قتال. وتخصيصه بالثاني عرف الفقهاء.
(قسمه) بين مستحقّيه (في يومه)، أي: في اليوم الذي يصل إليه فيه، (فأعطى الآهل) - بالمد؛ أي- الذي له أهل زوجة، أو زوجات (حظّين) - بفتح الحاء؛ أي: نصيبين- نصيبا له، ونصيبا لزوجته أو زوجاته؛ لأنه أكثر حاجة، (وأعطى العزب) الذي لا زوجة له- وهو أفصح من لغة «الأعزب» الواقعة في بعض الأحاديث- (حظّا) واحدا.
[ ٣ / ١٤٦ ]
وكان ﷺ إذا أتي بالسّبي.. أعطى أهل البيت جميعا؛ كراهية أن يفرّق بينهم.
وكان ﷺ إذا أتاه رجل فرأى في وجهه بشرا..
أخذ بيده.
ويؤخذ من التعليل ما عليه الشافعية من أنّ كلّ واحد يعطى قدر كفايته وكفاية من يمون، من ولد وزوجة وعبد. وخصّوا ذلك بمن أرصد للقتال.
وفيه مبادرة الإمام إلى القسمة ليصل كلّ واحد إلى حقّه، ولا يجوز التأخير إلّا لعذر. قاله العزيزي على «الجامع» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وابن ماجه بسند صحيح؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمفعول- (بالسّبي):
النهب عبيد، وإماء (أعطى أهل البيت) المسبيّين الآباء والأمهات والأولاد، والمراد أعطى الأقارب الذين سبوا (جميعا) لمن شاء؛ (كراهية أن يفرّق بينهم) يعني: أنه إذا كان في السبي امرأة وابنها، أو رجل وابنه، أو أخت وأختها، أو أخ وأخوه؛ لا يعطي المرأة لشخص وابنها لآخر، ولا الأب لشخص وابنه لآخر، ولا الأخ لشخص وأخاه لآخر، بل يعطي الاثنين لشخص واحد؛ كراهة التفريق بينهما، لما جبل عليه من الرأفة والرحمة.
فاستفدنا من فعله أنّه يسنّ للإمام؛ ولكلّ من ولي أمر السبي أن يجمع عليهم ولا يفرقهم؛ لأنه أدعى إلى إسلامهم، وأقرب إلى الرحمة والإحسان بهم.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات»؛ عن عكرمة مولى ابن عبّاس مرسلا قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أتاه رجل) أي: متى قدم عليه رجل من أيّ محلّ (فرأى في وجهه بشرا) - بكسر الباء وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة وجه وأمارة سرور (أخذ بيده) إيناسا له وتودّدا ليعرف ما عنده من الأخبار الحسنة؛ مما يسرّه من نصرة الدين، وقيام شعار الإسلام، وتأييد المؤمنين. قال ابن العربي: الأخذ باليد نوع من التودّد والمعروف؛ كالمصافحة. انتهى «مناوي» .
[ ٣ / ١٤٧ ]
وكان ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح.. حوّله إلى ما هو أحسن منه.
وكان ﷺ يتفاءل ولا يتطيّر
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات»؛ عن عروة بن الزبير مرسلا- وفي العزيزي: إنه حديث صحيح- قال (كان) النبيّ (ﷺ إذا سمع بالاسم القبيح حوّله إلى ما هو أحسن منه)، فمن ذلك تبديله «عاصية» ب «جميلة»، والعاصي بن الأسود ب «مطيع»، لأن الطباع السليمة تنفر عن القبيح، وتميل إلى الحسن المليح، وكان المصطفى يتفاءل ولا يتطيّر.
قال القرطبي: وهذه سنّة ينبغي الاقتداء به فيها. وفي أبي داود: كان لا يتطيّر وإذا بعث غلاما سأله عن اسمه، فإذا أعجبه اسمه فرح؛ ورئي بشره في وجهه، فإن كره اسمه رئي كراهته في وجهه.
قال القرطبي: ومن الأسماء ما غيّره وصرفه عن مسمّاه، لكن منع منه؛ حماية واحتراما لأسماء الله وصفاته عن أن يسمّى بها، فقد غيّر اسم «حكم» و«عزيز»؛ كما رواه أبو داود، لما فيها من التشبه بأسماء الله تعالى. ذكره المناوي.
قال: وقد روي هذا الحديث بنحوه بزيادة الطبراني في «الصغير»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها بسند؛ قال الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح، ولفظه:
كان إذا سمع اسما قبيحا غيّره، فمرّ على قرية يقال لها «عفرة» فسماها «خضرة» .
هذا لفظه. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني- بسند قال الحافظ الهيثمي: فيه ليث بن أسلم، وهو ضعيف بغير كذب- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يتفاءل) - بالهمز- أي: إذا سمع كلمة حسنة تأوّلها على معنى يوافقها (ولا يتطيّر)؛ أي: لا يتشاءم بشيء كما كانت الجاهلية تفعله من تفريق الطير من أماكنها، فإن ذهبت إلى الشمال تشاءموا، وذلك لأن من تفاءل فقد فهم خيرا؛ وإن غلط في جهة الرجاء، ومن تطيّر؛ فقد أساء الظنّ بربّه، ولله درّ من قال:
[ ٣ / ١٤٨ ]
وكان يحبّ الاسم الحسن.
وكان ﷺ إذا وجد الرّجل راقدا على وجهه ليس على عجزه شيء.. ركضه برجله، وقال: «هي أبغض الرّقدة إلى الله تعالى» .
وكان ﷺ يأمر بالباه،
وكان لا يعتاف إلّا أنّه يعجبه الفأل إذا عنّ له
(وكان يحبّ الاسم الحسن)، وليس هو من معاني التطير، بل هو كراهة الكلمة القبيحة نفسها؛ لا لخوف شيء وراءها، كرجل سمع لفظ «خنا» فكرهه، وإن لم يخف على نفسه منه شيئا؛ ذكره الحليمي.
(و) أخرج الإمام أحمد- بسند رجاله رجال الصحيح؛ كما قال الحافظ الهيثمي- عن الشّريد بن سويد رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا وجد الرّجل) - الظاهر أن الرجل وصف طردي، وأن المراد الإنسان؛ ولو أنثى، إذ هي أحقّ بالستر؛ قاله المناوي- (راقدا على وجهه)؛ أي: منبطحا (ليس على عجزه) - بفتح العين وضمّها، ومع كلّ فتح الجيم وسكونها، والأفصح كرجل؛ وهو من كلّ شيء: مؤخّره- (شيء) يستره من نحو ثوب.
وظاهره أن كراهة هذه الرّقدة من حيث كشف العورة؛ وإن كانت مكروهة من حيث الهيئة أيضا؛ كما ثبت في غير هذا الحديث، وأشار له في هذا الحديث بقوله «الرّقدة» أي: الهيئة.
(ركضه) - بالتحريك-؛ أي ضربه (برجله) ليقوم، (وقال: هي أبغض الرّقدة) - بكسر الراء- (إلى الله تعالى) . ومن ثمّ قيل: إنّها نوم الشياطين.
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في «الأوسط»، وابن حبّان: كلّهم؛ من حديث حفص بن عمر؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه- وقد ذكره ابن أبي حاتم وروى عنه جمع، وبقية رجاله رجال الصحيح؛ كما قال الحافظ الهيثمي-
(كان) رسول الله (ﷺ يأمر بالباه) - يعني: النكاح- وهل المراد هنا العقد
[ ٣ / ١٤٩ ]
وينهى عن التّبتّل نهيا شديدا؛ أي: يأمر بالتّزوّج وينهى عن تركه.
وكان ﷺ يأمر من أسلم أن يختتن، وإن كان ابن ثمانين سنة.
الشرعي؛ أو الوطء!! فيه احتمالان. قال المناوي: والصواب أن المراد الوطء لتصريح الأخبار بأن حثّه على التزوج لتكثير أمّته. وذا لا يحصل بمجرّد العقد.
(وينهى عن التّبتّل)؛ أي: رفض الرجل للنساء؛ وترك التلذّذ بهنّ، وعكسه، فليس المراد هنا مطلق التبتل الذي هو ترك الشهوات، والانقطاع إلى العبادة، بل تبتّل خاصّ، وهو انقطاع الرجال عن النساء؛ وعكسه.
قال الحفني: فينبغي للشخص أن يجامع زوجاته مادام فيه قوّة لأجل التناسل.
وما ورد أنّ السيدة مريم تسمّى «البتول»، وكذا السيدة فاطمة!!
فالمراد أنّ لهما نوع انقطاع للعبادة؛ لا الإعراض عن الشهوة بالكلية، فالسيدة فاطمة لم تترك الشهوة بالمرّة، وإلّا! لم يحصل لها نسل، بل المراد أنّها ليست ملتفتة لذلك كغيرها من النساء؛ لاشتغالها بمولاها. انتهى.
(نهيا شديدا) تمامه عند الإمام أحمد: ويقول: «تزوّجوا الودود الولود، فإنّي مكاثر بكم الأمم يوم القيامة» . وكان التبتّل من شريعة النصارى فنهى عنه أمّته. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
(أي: يأمر بالتّزوّج وينهى عن تركه) . والمراد من التزوّج الوطء المؤدّي لتكثير النسل- كما تقدّم-.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» بإسناد حسن- كما في العزيزي- عن قتادة بن عياض الرّهاوي- بضم الراء وخفة الهاء- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يأمر من أسلم) من الرجال (أن يختتن؛ وإن كان) قد كبر وطعن في السن، كما إذا كان (ابن ثمانين سنة)، فقد اختتن إبراهيم الخليل بالقدوم؛ وهو ابن ثمانين سنة.
[ ٣ / ١٥٠ ]
وكان ﷺ يضمّر الخيل.
وكان ﷺ يكره الشّكال من الخيل.
قال العزيزيّ: فسّره في بعض طرق الحديث عند
(و) أخرج الإمام أحمد بإسناد صحيح؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان ﷺ يضمر) - قال الحفني: من «أضمر»، ويصحّ أن يقرأ من «ضمر» من باب «دخل» انتهى- (الخيل) . قال المناوي على «الجامع»: أراد بالإضمار: التضمير؛ وهو: أن يعلف الفرس حتى يسمن ثم يردّه إلى القلّة ليشتدّ لحمه. كذا ذكره جمع، لكن في «شرح الترمذي» للزين العراقي: هو أن يقلّل علف الفرس مدّة ويدخل بيتا كنّا، ويجلّل ليعرق ويجفّ عرقه؛ فيخفّ لحمه؛ فيقوى على الجري، قال: وهو جائز اتفاقا، للأحاديث الواردة فيه.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يكره الشّكال) لأنه يدلّ على عدم جودة الفرس، إلّا إذا كان أغرّ، أي: له بياض في جبهته. فإنّه حينئذ لا يكون الشّكل فيه دليلا على عدم جودته.
وقال القرطبي: يحتمل أن يكون كره اسم الشّكال من جهة اللفظ، لأنّه يشعر بنقيض ما تراد له الخيل، أو لكونه يشبه الصليب، بدليل أنّه كان يكره الثوب الذي فيه تصليب، وليس هذا من الطّيرة- كما حققه الحليمي-.
(من) - وفي رواية: «في» - (الخيل.
قال) العلّامة الشيخ علي بن أحمد بن محمد (العزيزيّ) الشافعي المتوفى سنة:
سبعين وألف هجرية- وتقدّمت ترجمته في أوّل الكتاب- في كتابه «السراج المنير شرح الجامع الصغير»: (فسّره) - أي: الشكال- (في بعض طرق الحديث عند
[ ٣ / ١٥١ ]
مسلم: بأن يكون في رجله اليمنى وفي يده اليسرى بياض، أو في يده اليمنى ورجله اليسرى.
وكرّهه لكونه كالمشكول، لا يستطيع المشي. وقيل: يحتمل أن يكون جرّب ذلك الجنس فلم يكن فيه نجابة.
وقال بعض العلماء: إذا كان مع ذلك أغرّ.. زالت الكراهة.
مسلم؛ بأن يكون في رجله اليمنى) بياض، (وفي يده اليسرى بياض، أو) يكون البياض (في يده اليمنى ورجله اليسرى) .
وقال الزمخشري: هو أن يكون ثلاث قوائم محجّلة وواحدة مطلقة، أو عكسه. شبه ذلك بالعقال؛ فسمّي به. انتهى. ووراء ذلك أقوال عشرة مذكورة في المطوّلات.
(وكرّهه!! لكونه كالمشكول، لا يستطيع المشي. وقيل:) كرّهه لأنه (يحتمل أن يكون جرّب ذلك الجنس) الذي فيه الشكال؛ (فلم يكن فيه نجابة) .
والنجيب: الفاضل من كلّ حيوان.
(وقال بعض العلماء) - كما حكاه في «شرح مسلم» للنووي وأقرّه-: (إذا كان) الفرس (مع ذلك) الشّكال (أغرّ) - الغرّة في الجبهة: بياض فوق الدرهم، وفرس أغرّ، ومهرة غرّاء؛ مثل: أحمر، وحمراء- (زالت الكراهة) لزوال الإشكال لكن توقّف فيه الزين العراقي. انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه- قال المناوي: ورمز السيوطي في «الجامع» لحسنه، وليس كما قال! فقد قال الزيلعي: حديث واه.
وسأل عنه ابن أبي حاتم أباه؛ فقال: هذا موضوع. وقال الحافظ ابن حجر: سنده ضعيف جدّا. انتهى. وكيفما كان؛ فكان الأولى للمصنف حذفه من الكتاب؛ فضلا عن رمزه لحسنه. انتهى. كلام المناوي على «الجامع» -.
[ ٣ / ١٥٢ ]
وكان ﷺ إذا صعد المنبر.. سلّم.
وكان ﷺ إذا خطب.. قال: «أمّا بعد» .
(كان) رسول الله (ﷺ إذا صعد المنبر) للخطبة ([سلّم]) . قال العلقمي: يسنّ للإمام السلام على الناس عند دخوله المسجد؛ يسلّم على من هناك، وعلى من عند المنبر إذا انتهى إليه، وإذا وصل أعلى المنبر وأقبل على الناس بوجهه يسلّم عليهم، ولزم السامعين الردّ عليه، وهو فرض كفاية.
وسلامه بعد الصعود؛ هو مذهبنا ومذهب الأكثرين، وبه قال ابن عباس، وابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي، والإمام أحمد.
وقال مالك وأبو حنيفة: يكره. انتهى. ذكره العزيزي.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز الطبراني:
(كان ﷺ إذا خطب؛ قال «أمّا بعد») وقد عقد البخاري في «صحيحه» لذلك بابا؛ فقال: باب من قال في الخطبة بعد الثناء «أما بعد» . رواه عكرمة؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ عن النبي ﷺ، ثم ذكر بسنده إلى أسماء بنت أبي بكر، قالت: دخلت على عائشة والناس يصلّون، قلت: ما شأن الناس؟
فأشارت برأسها إلى السماء. فقلت: آية!! وفيه، فخطب الناس؛ وحمد الله بما هو أهله ثم قال: «أمّا بعد» الخ.
ثم ذكر البخاري بسنده إلى الحسن البصري، عن عمرو بن تغلب أنّ رسول الله ﷺ أتي بمال أو سبي فقسمه.. إلى أن قال: فحمد الله، ثم أثنى عليه، ثم قال «أمّا بعد؛ فو الله إنّي لأعطي الرّجل الخ» .
ثم ذكر البخاريّ بسنده إلى عروة بن الزبير أنّ عائشة ﵂ أخبرته أنّ رسول الله ﷺ خرج ذات ليلة من جوف الليل؛ فصلّى في المسجد، فصلّى رجال بصلاته إلى أن قال: فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهّد، ثم قال: «أمّا بعد؛ فإنّه لم يخف عليّ مكانكم الخ» .
[ ٣ / ١٥٣ ]
وكان ﷺ إذا خطب.. يعتمد على عنزة؛ أو عصا. و(العنزة): العصا الصّغيرة.
ثم ذكر البخاريّ بسنده؛ عن عروة أيضا؛ عن أبي حميد الساعدي أنّه أخبره أنّ رسول الله ﷺ قام عشيّة بعد الصلاة؛ فتشهد، وأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: «أمّا بعد» وفيه قصّة ابن اللّتبيّة لمّا استعمله على الصدقة.
ثم ذكر البخاريّ بسنده؛ عن ابن عبّاس ﵄ إلى أن قال «أمّا بعد؛ فإنّ هذا الحيّ من الأنصار يقلّون ويكثر النّاس الخ» .
فائدة: أفاد قطب الدين الحلبي في «شرحه على البخاري» أنّ المواضع التي ثبت فيها أن النبي ﷺ قال: «أمّا بعد» خمسة وثلاثون موضعا. انتهى.
(و) أخرج الإمام الشافعيّ في «مسنده» باب إيجاب الجمعة؛ عن عطاء بن أبي رباح مرسلا- قال في العزيزي: وهو حديث صحيح-:
(كان ﷺ إذا خطب يعتمد على عنزة) - بالتحريك: رمح صغير- (أو عصا، و) هو عطف عامّ على خاصّ؛ إذ (العنزة) - محركة؛ كقصبة-: (العصا الصّغيرة)؛ في أسفلها زجّ- بالضم: أي: سنان-. وعبّر عنها بعكّازة في طرفها سنان، وبعضهم بحربة قصيرة.
وفي «طبقات ابن سعد» أنّ النجاشي كان أهداها له، وكان يصحبها ليصلّي إليها في الفضاء، أي: عند فقد السترة، ويتّقي بها كيد الأعداء، ولهذا اتّخذ الأمراء المشي أمامهم بها.
ومن فوائدها: اتقاء السباع، ونبش الأرض الصلبة عند قضاء الحاجة خوف الرشاش، وتعليق الأمتعة بها، والركزة عليها وغير ذلك.
قال ابن القيّم: ولم يحفظ عنه أنّه توكّأ على سيف، وكثير من الجهلة يظنّ أنه كان يمسك السيف على المنبر؛ إشارة إلى قيام الدّين به، وهو جهل قبيح، لأن الوارد العصا والقوس، ولأن الدّين إنما قام بالوحي، وأمّا السيف!! فلمحق
[ ٣ / ١٥٤ ]
وكان ﷺ لا يعود مريضا إلّا بعد ثلاث.
وكان ﷺ لا يضيف الخصم إلّا وخصمه معه.
وكان ﷺ يأمر بالهديّة؛ صلة بين النّاس.
المشركين المعارضين للدعوة. والمدينة التي كانت خطبته فيها إنّما افتتحت بالقرآن. انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه- وهو حديث ضعيف- قال: (كان ﷺ لا يعود مريضا إلّا بعد ثلاث)؛ من الأيّام، تمضي من ابتداء مرضه. قال المناوي في «شرح الجامع»: قال في «الميزان»: قال أبو حاتم: هذا باطل موضوع. وقال الدميري: الأحاديث الصحيحة تدلّ بعمومها على خلاف حديث الباب، وقال الحفني: هذا حديث ضعيف؛ وقيل: منكر؛ فلا يعمل به، لأن الأحاديث الصحيحة مصرّحة بطلب العيادة قبل الثلاث وبعدها، ولو من رمد- على المعتمد-. انتهى.
وقال الزركشي: هذا يعارضه أنّه عاد زيد بن أرقم من رمد به قبلها؛ أي: قبل ثلاث. قال في «شرح الإلمام»: وقع لبعض العوامّ بأن الأرمد لا يعاد!! وقد أخرج أبو داود أنّه ﷺ عاد زيد بن أرقم من وجع كان في عينيه. ورجاله ثقات.
قال العلقمي: وفي إطلاق الحديث- أي حديث البخاري: «أطعموا الجائع، وعودوا المريض، وفكّوا العاني» - أنّ العيادة لا تتعيّن بوقت دون وقت، لكن جرت بها العادة طرفي النهار. انتهى. ذكر جميع ذلك شرّاح «الجامع الصغير» .
(و) في «كنوز الحقائق»: (كان ﷺ لا يضيف الخصم إلّا وخصمه معه) .
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان»، والطبراني في «الكبير»، وابن عساكر بسند حسن- كما في العزيزي-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يأمر) أصحابه (بالهديّة) - يعني بالتهادي- (صلة) أي:
محبّة (بين النّاس)، لأنها تذهب وحر الصدر «تهادوا تحابّوا» فالهديّة من أعظم أسباب التّحابب بينهم.
[ ٣ / ١٥٥ ]
وكان ﷺ يأمر بقطع المراجيح.
وكان ﷺ يحبّ هذه السّورة: (سبح اسم ربك الأعلى) .
وكان ﷺ يحثّ على الصّدقة،
(و) في «كنوز الحقائق» - ورمز له برمز الحكيم الترمذي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان ﷺ يأمر بقطع المراجيح) .
قال الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»: مرجح ومرجاح لغتان، فمرجح جمعه: مراجح، ومرجاح جمعه: مراجيح؛ ك «مفتح ومفاتح، ومفتاح ومفاتيح»؛ وهو لهو ولعب كان يفعله العجم في أيّام النيروز؛ تفرّجا وتلهّيا عن الغموم التي تراكمت على قلوبهم من رين الذنوب، وكره لهم أن يتزيّوا بزيّ من اشترى الحياة الدنيا بالآخرة، فلا خلاق له هناك. انتهى كلام الحكيم الترمذي.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبزار بسند ضعيف: كلاهما؛ عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ هذه السّورة) سورة (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١» أي: نزّه اسم ربّك عن أن يبتذل، أو يذكر إلّا على جهة التعظيم.
قال الفخر الرازي: وكما يجب تنزيه ذاته عن النقائص؛ يجب تنزيه الألفاظ الموضوعة لها عن الرفث وسوء الأدب. قاله المناوي؛ على «الجامع» .
(و) أخرج أبو داود في «سننه»؛
(كان) رسول الله (ﷺ يحثّ على الصّدقة)، كقوله: «تصدّقوا، فسيأتي على النّاس زمان يمشي بصدقته فلا يجد من يقبلها» . رواه البخاري، ومسلم؛ عن حارثة بن وهب ﵁.
وكقوله: «المرء في ظلّ صدقته» .
وكقوله: «اتّقوا النّار؛ ولو بشقّ تمرة» .
[ ٣ / ١٥٦ ]
وينهى عن المسألة.
وكان ﷺ يسمر عند أبي بكر اللّيلة في الأمر من أمور المسلمين.
وكان ﷺ يعجبه الرّؤيا الحسنة.
وكقوله: «يا معشر النّساء تصدّقن؛ فإنّي رأيتكنّ أكثر أهل النّار» .
(وينهى عن المسألة)، كقوله: «لا تسأل النّاس شيئا؛ ولا سوطك؛ وإن سقط منك حتّى تنزل إليه فتأخذه» . رواه الإمام أحمد؛ عن أبي ذر.
وكقوله: «لو تعلمون ما في المسألة ما مشى أحد إلى أحد يسأله شيئا» . رواه النسائي، وأبو داود؛ عن عائذ بن عمرو رضي الله تعالى عنه.
وذلك لأن السؤال للمخلوق ذلّ للسائل، وهو ظلم من العبد لنفسه، وفيه إيذاء المسؤول؛ وهو من جنس ظلم العباد، وفيه خضوع العبد لغير الله تعالى؛ وهو من جنس الشرك. ففيه أجناس الظلم الثلاثة: الظلم المتعلّق بحقّ الله، وظلم العباد، وظلم العبد نفسه. ومن له أدنى بصيرة لا يقدم على مجامع الظلم وأصوله بغير الاضطرار. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
(و) في «كنوز الحقائق» ورمز له رمز الترمذي:
(كان ﷺ يسمر عند أبي بكر) الصدّيق (اللّيلة) الكاملة (في الأمر) الّذي يعرض (من أمور المسلمين)؛ اهتماما به.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنسائي- بسند صحيح؛ كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (كان) رسول الله (ﷺ يعجبه الرّؤيا الحسنة) تمامه عند أحمد: وربّما قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟!»، فإذا رأى الرجل الرؤيا سأل عنه، فإن كان ليس به بأس كان أعجب لرؤياه، فجاءت امرأة؛ فقالت:
رأيت كأنّي دخلت الجنة فسمعت بها وجبة ارتجّت لها الجنّة، فنظرت فإذا قد جيء بفلان وفلان حتّى عدّت اثني عشر رجلا. وقد بعث رسول الله ﷺ سريّة قبل ذلك، فجيء بهم؛ وعليهم ثياب بيض تشخب أوداجهم. فقيل: اذهبوا بهم «إلى
[ ٣ / ١٥٧ ]
وكان ﷺ يقول: «اشتدّي أزمة تنفرجي» .
وكان ﷺ يبيع
أرض البيدخ»، أو قال «نهر البيدخ» فغمسوا به فخرجوا وجوههم كالقمر ليلة البدر، ثم أتوا بكراسيّ من ذهب؛ فقعدوا عليها.
فأتت تلك السرية؛ وقالوا: أصيب فلان وفلان حتّى عدّوا الاثني عشر الذين عدّتهم المرأة. ذكره المناوي؛ على «الجامع» .
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي: (كان) رسول الله (ﷺ يقول) مخاطبا لما لا يعقل بعد تنزيله منزلة من يعقل، كقوله تعالى يا أَرْضُ ابْلَعِي ماءَكِ وَيا سَماءُ أَقْلِعِي [٤٤/ هود]
(: «اشتدّي) يا (أزمة) أي: شدة؛ وهي: ما يصيب الإنسان من الأمور المغلقة من الأمراض وغيرها. (تنفرجي») - بالجزم- جوابا للأمر، أي: تذهبي بمعنى يذهب همّك عنا، وليس المراد حقيقة أمر الشدّة بالاشتداد ولا ندائها، بل المراد طلب الفرج لتزول الشدّة، لكن لما ثبت بالأدلة أن اشتداد الشدّة سبب الفرج، كقوله تعالى إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [الشرح]، وقوله تعالى وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا [٢٨/ الشورى] . وقوله ﵊: «وإنّ الفرج مع الكرب، وإنّ مع العسر يسرا» . أمرها وناداها؛ إقامة للسبب مقام المسبّب، وفيه تسلية وتأنيس بأن الشدّة نوع من النعمة، لما يترتّب عليها. والله أعلم؛ ذكره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني: (كان) رسول الله (ﷺ يبيع) .
أخرج الترمذي بسنده؛ قال: حدّثنا عبد المجيد بن وهب؛ قال: قال لي العدّاء بن خالد بن هوذة: ألا أقرئك كتابا كتبه لي رسول الله ﷺ؟!. قال: قلت: بلى.
فأخرج لي كتابا «هذا ما اشترى العدّاء بن خالد بن هوذة من محمّد رسول الله ﷺ؛ اشترى منه عبدا؛ أو أمة؛ لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة؛ بيع المسلم للمسلم» .
[ ٣ / ١٥٨ ]
ويشتري،
قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأخرج الترمذي أيضا بسنده؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ باع حلسا وقدحا؛ وقال: «من يشتري هذا الحلس والقدح» !!. فقال رجل: أخذتهما بدرهم. فقال النبي ﷺ: «من يزيد على درهم!! من يزيد على درهم!!» فأعطاه رجل درهمين، فباعهما منه. والحلس: كساء يوضع على ظهر البعير تحت القتب لا يفارقه. انتهى.
وروى الطبراني؛ وابن حبّان، والحاكم، والبيهقي وغيرهم؛ عن زيد بن سعنة «أجلّ أحبار اليهود الذين أسلموا» أنّه اشترى من النبي ﷺ تمرا إلى أجل؛ وأعطاه الثمن، ثم جاءه قبل حلول الأجل بيومين أو ثلاثة، فأخذ بمجامع قميصه، ونظر إليه بوجه غليظ. ثم قال له: ألا تقضيني يا محمد حقي! فو الله إنّكم يا بني عبد المطلب مطل الحديث المتقدّم في الفصل الأول؛ من الباب الخامس من هذا الكتاب.
(ويشتري) روى البخاريّ وغيره؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: سافرت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، فلما أن أقبلنا قال النبي ﷺ:
«من أحبّ أن يتعجّل إلى أهله فليتعجّل» . قال جابر: فأقبلنا؛ وأنا على جمل لي أرمك «١» ليس فيه شية، والناس خلفي. فبينا أنا كذلك إذ قام علي؛ فقال لي النبي ﷺ: «يا جابر استمسك» . فضربه بسوطه ضربة، فوثب البعير مكانه؛ فقال: «اتبيع الجمل!!» قلت: نعم. فلما قدمنا المدينة؛ ودخل النبي ﷺ المسجد في طوائف أصحابه؛ فدخلت إليه وعقلت الجمل في ناحية البلاط. فقلت له: هذا جملك. فخرج فجعل يطيف بالجمل؛ ويقول: «الجمل جملنا» فبعث النبي ﷺ أواق من ذهب؛ فقال: «أعطوها جابرا»، ثم قال: «استوفيت
_________________
(١) وهو الذي في لونه كدورة؛ أي: يخالط حمرته سواد. «النهاية» .
[ ٣ / ١٥٩ ]
ولكن كان شراؤه أكثر.
الثّمن!!» . قلت: نعم. قال: «الثّمن والجمل لك» .
وروى أبو داود، وابن خزيمة؛ عن عمارة بن خزيمة بن ثابت الأوسي؛ عن عمّه- وكان من أصحاب رسول الله ﷺ- أنّ النبي ﷺ ابتاع من أعرابي فرسا فاستتبعه «١» ليقبضه ثمن الفرس، فأسرع النبي ﷺ المشي وأبطأ الأعرابي، فطفق رجال يعترضون الأعرابي ويساومونه بالفرس؛ ولا يشعرون أنّ رسول الله ﷺ قد ابتاعه، حتى زادوا على ثمنه، فنادى الأعرابيّ؛ فقال: «إن كنت مبتاعا هذا الفرس فابتعه، وإلّا بعته» . فقال النبي ﷺ حين سمع نداء الأعرابي: «أو ليس قد ابتعته منك» !!. قال الأعرابي: لا؛ والله ما بعتك. فقال النبي ﷺ: «بلى، قد ابتعته» . قال: فطفق الأعرابي يقول: هلّم شهيدا؛ يشهد أنّي بعتك!! فمن جاء من المسلمين يقول: ويلك؛ إن رسول الله ﷺ لم يكن ليقول إلّا الحقّ. حتى جاء خزيمة بن ثابت؛ فاستمع المراجعة؛ فقال: أنا أشهد أنّك قد بايعته
الحديث. وفيه: فجعل النبي ﷺ شهادة خزيمة برجلين.
وعند الحارث بن أبي أسامة في «مسنده»؛ من حديث النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما أنّ رسول الله ﷺ اشترى من أعرابيّ فرسا، فجحده الأعرابيّ، فجاء خزيمة؛ فقال: يا أعرابي؛ أتجحد!! أنا أشهد أنّك قد بعته. فقال: أن شهد عليّ خزيمة فأعطني الثمن. فقال النبي ﷺ: «يا خزيمة؛ إنّا لم نشهدك! كيف تشهد!!» . قال: أنا أصدّقك على خبر السماء، ألا أصدّقك على ذلك الأعرابي!! فجعل رسول الله ﷺ شهادته بشهادة رجلين. انتهى؛ ذكره في «المواهب» .
(ولكن كان شراؤه) ﷺ أي: مباشرته الشراء (أكثر) من مباشرة البيع.
روى البخاريّ؛ عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنهما؛ قال: كنّا مع النبي ﷺ ثم جاء رجل مشرك مشعانّ «٢» طويل بغنم يسوقها، فقال
_________________
(١) أي: طلب المصطفى ﷺ من الأعرابي أن يتبعه ليقبضه الثمن.
(٢) ثائر الرأس أشعث.
[ ٣ / ١٦٠ ]
وآجر نفسه قبل النّبوّة في رعاية الغنم، ولخديجة في سفر التّجارة.
النبي ﷺ: «بيعا أم عطيّة!» . أو قال «هبة!» . قال: لا؛ بل بيع. فاشترى منه شاة.
(وآجر نفسه قبل النّبوّة في رعاية الغنم) . روى البخاري في «صحيحه»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ قال: «ما بعث الله نبيّا إلّا رعى الغنم» . فقال أصحابه: وأنت!! فقال: «نعم؛ كنت أرعاها على قراريط لأهل مكّة» .
قال في «فتح الباري»: قال العلماء: الحكمة في إلهام الأنبياء من رعي الغنم قبل النبوة أن يحصل لهم التمرّن برعيها على ما يكلّفونه من القيام بأمر أمّتهم، ولأن في مخالطتها ما يحصل لهم الحلم والشفقة؛ لأنّهم إذا صبروا على رعيها وجمعها بعد تفرّقها في المرعى، ونقلها من مسرح إلى مسرح، ودفع عدوّها من سبع وغيره؛ كالسارق، وعلموا اختلاف طبائعها وشدّة تفرّقها مع ضعفها واحتياجها إلى المعاهدة؛ ألفوا من ذلك الصبر على الأمّة، وعرفوا اختلاف طباعها وتفاوت عقولها؛ فجبروا كسرها، ورفقوا بضعيفها، وأحسنوا التعاهد لها، فيكون تحمّلهم لمشقّة ذلك أسهل ممّا لو كلّفوا القيام بذلك من أوّل وهلة، لما يحصل لهم من التدريج على ذلك برعي الغنم.
وخصّت الغنم بذلك!! لكونها أضعف من غيرها، ولأنّ تفرّقها أكثر من تفرّق الإبل والبقر، لإمكان ضبط الإبل والبقر بالرّبط؛ دونها في العادة المألوفة، ومع أكثرية تفرّقها فهي أسرع انقيادا من غيرها. انتهى.
(و) آجر نفسه قبل النبوة وعمره إذ ذاك خمس وعشرون سنة (لخديجة) بنت خويلد بن أسد (في سفر التّجارة)، وكانت خديجة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة؛ تبعث بها إلى الشام، فتكون عيرها كعامّة عير قريش، وكانت تستأجر
[ ٣ / ١٦١ ]
الرجال؛ وتدفع إليهم المال مضاربة، وكانت قريش قوما تجّارا، ومن لم يكن منهم تاجرا؛ فليس عندهم بشيء.
وسبب ذلك- كما رواه الواقديّ، وابن السّكن-: أنّ أبا طالب قال: يا ابن أخي؛ أنا رجل لا مال لي، وقد اشتدّ الزمان علينا وألحّت علينا سنون منكرة، وليس لنا مادّة، ولا تجارة، وهذه عير قومك قد حضر خروجها إلى الشام؛ وخديجة تبعث رجالا من قومك يتّجرون في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها لفضّلتك على غيرك، لما يبلغها عنك من طهارتك!! وإن كنت أكره أن تأتي الشام وأخاف عليك من يهود؛ ولكن لا نجد من ذلك بدّا. فقال ﷺ: «لعلّها ترسل إليّ في ذلك» . فقال أبو طالب: أخاف أن تولّي غيرك.
فبلغ خديجة ما كان من محاورة عمّه له، وقبل ذلك صدق حديثه، وعظم أمانته، وكرم أخلاقه. فقالت: ما علمت أنّه يريد هذا!! وأرسلت إليه؛ وقالت:
دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صدق حديثك، وعظم أمانتك، وكرم اخلاقك، وأنا أعطيك ضعف ما أعطي رجلا من قومك.
فذكر ذلك ﷺ لعمّه. فقال: إنّ هذا الرزق ساقه الله إليك.
فخرج ومعه ميسرة «غلام خديجة» في تجارة لها، حتى بلغ سوق بصرى لأربع عشرة ليلة بقيت من ذي الحجة، فنزل تحت ظلّ شجرة في سوق بصرى قريبا من صومعة نسطور الراهب. فقال نسطور الراهب: «ما نزل تحت هذه الشجرة إلّا نبي» .
ثمّ حضر سوق بصرى فباع سلعته التي خرج بها واشترى.. وكان بينه وبين رجل اختلاف في سلعة، فقال الرجل: احلف باللات والعزى. فقال: «ما حلفت بهما قطّ» . فقال الرجل: القول قولك. ثم قال لميسرة- وخلا به-: هذا نبيّ، والّذي نفسي بيده؛ إنه لهو الذي تجده أحبارنا منعوتا في كتبهم. فوعى ذلك ميسرة.
[ ٣ / ١٦٢ ]
واستدان برهن، وبغير رهن، واستعار، وضمن، ووقف أرضا كانت له.
ثم انصرف أهل العير جميعا، وكان ميسرة يرى في الهاجرة ملكين يظلّانه في الشمس، ولما رجعوا إلى مكة في ساعة الظهيرة وخديجة في علّيّة لها؛ رأت رسول الله ﷺ وهو على بعير، وملكان يظلّان عليه، فأرته نساءها فعجبن لذلك، ودخل عليها ﷺ فأخبرها بما ربحوا؛ فسرّت، فلما دخل عليها ميسرة أخبرته بما رأت! فقال: قد رأيت هذا منذ خرجنا من الشام. وأخبرها بقول نسطوراء، وقول الآخر الذي خالفه في البيع. وقدم ﷺ بتجارتها فربحت ضعف ما كانت تربح، وأضعفت له ما كانت سمّته له، وتزوّج ﷺ خديجة بعد ذلك بشهرين وخمسة وعشرين يوما.
انتهى؛ من «المواهب» و«شرحها» .
(واستدان) ﷺ (برهن) . روى البخاريّ، ومسلم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النبي ﷺ اشترى طعاما من يهودي إلى أجل؛ ورهنه درعا من حديد.
(و) استدان ﷺ (بغير رهن) . روى البخاريّ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رجلا أتى النبي ﷺ يتقاضاه بعيرا، فقال رسول الله ﷺ: «أعطوه» .
فقالوا: ما نجد إلّا سنّا أفضل من سنّه!! فقال الرجل: أوفيتني؛ أوفاك الله. فقال رسول الله ﷺ: «أعطوه؛ فإنّ من خيار النّاس أحسنهم قضاء» .
(واستعار) ﷺ. روى البخاري، ومسلم؛ عن قتادة؛ قال: سمعت أنسا يقول: كان فزع بالمدينة. فاستعار النبي ﷺ فرسا من أبي طلحة؛ يقال له «المندوب»، فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا» .
واستعار ﷺ أدرعا من صفوان بن أمية يوم حنين، فقال: أغصب؛ يا محمّد!! فقال: «لا؛ بل عاريّة مضمونة» . رواه أبو داود، والنسائي.
(وضمن) . روى الحاكم بإسناد صحيح أنّه ﷺ تحمّل عن رجل عشرة دنانير؛ ذكره شيخ الإسلام زكريا الأنصاري في «شرح الروض» .
(ووقف) ﷺ (أرضا كانت له) من أموال مخيريق النّضري الإسرائيلي؛ من
[ ٣ / ١٦٣ ]
وحلف في أكثر من ثمانين موضعا، وأمره الله تعالى بالحلف في ثلاثة مواضع، في قوله تعالى: قُلْ إِي وَرَبِّي، وقوله تعالى:
قُلْ بَلى وَرَبِّي،
بني النضير، كان عالما؛ وكان أوصى بأمواله في السنة الثالثة للنبي ﷺ؛ وهي سبع حوائط، وذلك أوّل وقف في الإسلام؛ كما في «الأوائل» للشيخ علاء الدين علي دده. لكن هذا خلاف المصرّح به في كتب الفقه، والمشهور- كما في «التحفة»؛ و«شرح الروض» - أنّ أوّل وقف في الإسلام هو وقف سيّدنا عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أرضه التي أصابها بخيبر، وشرط فيها شروطا؛ منها أنّه لا يباع أصلها، ولا يورث، ولا يوهب، وأنّ من وليها يأكل منها بالمعروف؛ أو يطعم صديقا غير متموّل فيه. كما رواه الشيخان.
(وحلف في أكثر من ثمانين موضعا) بصيغ مختلفة؛ فتارة يقول «لا؛ ومقلّب القلوب»، وتارة يقول «والّذي نفسي بيده»، وطورا يقول «والّذي نفس أبي القاسم بيده»، وأكثر أيمانه «لا ومصرّف القلوب» كما سيأتي.
(وأمره الله تعالى) في كتابه المبين (بالحلف في ثلاثة مواضع) من القرآن:
الأول (في قوله تعالى) في سورة يونس وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ أي:
ما وعدتنا به من العذاب والبعث. (قُلْ إِي) - نعم- (وربّى) إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ أي: قل لهم في الجواب هذه الأمور الثلاثة إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فقوله وَما أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ عطف على «إي»، فهو من مقول القول.
(و) الثاني في سورة سبأ في (قوله تعالى) وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ (قُلْ) - لهم- (بَلى) - ردّ لكلامهم وإثبات لما نفوه على معنى ليس الأمر إلّا إتيانها- (وَرَبِّي) لَتَأْتِيَنَّكُمْ عالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقالُ ذَرَّةٍ فِي السَّماواتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتابٍ مُبِينٍ فقوله «لتأتينكم» تأكيد لما
[ ٣ / ١٦٤ ]
وقوله: قُلْ بَلى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ.
وكان ﷺ يستثني في يمينه تارة، ويكفّرها تارة، ويمضي فيها تارة أخرى.
نفوه على أتمّ الوجوه وأكملها، وقوله «عالم الغيب » الخ تقوية للتأكيد، لأن تعقيب القسم بجلائل نعوت المقسم به يؤذن بفخامة شأن المقسم عليه؛ وقوّة إثباته، وصحّته، لما أنّ ذلك في حكم الاستشهاد على الأمر.
(و) الثالث، في سورة التغابن في (قوله) تعالى زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا (قُلْ بَلى) - من المعلوم أنّ «بلى» تنقض النفي وتثبت المنفيّ. فالمعنى هنا: قل بلى تبعثون (وَرَبِّي) . فقوله (لَتُبْعَثُنَّ) هو المفاد بها، وإنما أعيد!! توصّلا لتوكيده بالقسم، ولعطف قوله ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِما عَمِلْتُمْ وَذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٧) .
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني: (كان) رسول الله (ﷺ يستثني في يمينه تارة)؛ أي: يعقّب اليمين بقول «إن شاء الله» ونحوه، كقوله في حديث أبي موسى الأشعري: «إنّي- والله- إن شاء الله؛ لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا أتيت الّذي هو خير، وتحلّلتها» متفق عليه.
قال في «شرح مسلم»: ويشترط لصحّة هذا الاستثناء شرطان؛
أحدهما: أن يقوله متّصلا باليمين.
والثاني: أن يكون نوى قبل فراغ اليمين أن يقول «إن شاء الله»
قال القاضي عياض: أجمع المسلمون على أن قوله «إن شاء الله» يمنع انعقاد اليمين بشرط كونه متّصلا. انتهى.
(ويكفّرها تارة، ويمضي فيها تارة أخرى)؛ بأن لا يحنث.
روى البخاريّ؛ عن أنس ﵁: آلى رسول الله ﷺ من نسائه؛ وكانت انفكّت رجله، فأقام في مشربة «١» تسعا وعشرين ليلة، ثم نزل. فقالوا: يا رسول
_________________
(١) العلّيّة.
[ ٣ / ١٦٥ ]
ومدحه بعض الشّعراء فأثاب عليه، ومنع الثّواب في حقّ غيره، وأمر أن يحثى في وجوه المدّاحين التّراب.
الله؛ آليت شهرا!! فقال: «إنّ الشّهر يكون تسعا وعشرين» .
(ومدحه) ﷺ (بعض الشّعراء) من الصّحابة، ومنهم كعب بن زهير بن أبي سلمى في قصيدته المشهورة «بانت سعاد»؛ (فأثاب) ﷺ (عليه)؛ أي:
المدح، فقد ذكر العلماء أنّ كعب بن زهير لما أنشد قصيدة «بانت سعاد» بين يدي رسول الله ﷺ وهو يسمع، ولما وصل إلى قوله:
إنّ الرّسول لسيف يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول
ألقى عليه رسول الله ﷺ بردته التي كانت عليه، ولذا قال أهل العلم: هذه القصيدة هي التي حقّها أن تسمّى ب «البردة»، لأن المصطفى ﷺ أعطى كعبا بردته الشريفة. وأمّا قصيدة البوصيري!! فحقّها أن تسمّى ب «البرأة»، لأنه كان أصابه داء الفالج؛ فأبطل نصفه، وأعيا الأطباء، فلما نظمها رأى المصطفى ﷺ فمسح بيده عليه فبرئ لوقته.
وقد بذل معاوية ﵁ لكعب في هذه البردة عشرة آلاف من الدراهم؛ فقال: ما كنت لأوثر بثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب بعث معاوية إلى ورثته بعشرين ألفا من الدراهم فأخذها منهم؛ وهي البردة التي عند السلاطين إلى اليوم. ويقال: إنها التي يلبسها الخلفاء في الأعياد. قال الشامي: ولا وجود لها الآن، لأن الظاهر أنّها فقدت في وقعة التتار.
قال الزرقاني في «شرح المواهب»: وقد جمع اليعمريّ شعراءه الذين مدحوه بالشعر من رجال الصحابة ونسائهم؛ فقارب بهم مائتين. انتهى.
(ومنع الثّواب)؛ أي: المكافأة والمجازاة (في حقّ غيره)؛ أي: غير البعض المثاب، لما رأى من المصلحة في المنع.
(وأمر) ﷺ (أن يحثى في وجوه المدّاحين التّراب)؛ بقوله: «احثوا التّراب
[ ٣ / ١٦٦ ]
وكان ﷺ إذا حلف.. قال: «والّذي نفس محمّد بيده» .
في وجوه المدّاحين» رواه الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ واستغربه، ورواه ابن عدي، وأبو نعيم في «الحلية»؛ عن ابن عمر بن الخطاب.
وبقوله «احثوا في أفواه المدّاحين التّراب» رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه؛ عن المقداد بن عمرو الكندي ﵁. انتهى؛ ذكره المناوي في «شرح الجامع» .
وفيه: الحثي: كناية عن الحرمان والردّ. يريد: لا تعطوهم على المدح شيئا، وقيل: هو على ظاهره، فيرمى في وجوههم التراب، وجرى عليهم ابن العربي قال: وصورته: أن يأخذ كفّا من تراب وترمى به بين يديه، ويقول:
ما عسى أن يكون مقدار من خلق من هذا!! ومن أنا، وما قدري!! توبّخ بذلك نفسك ونفسه، وتعرّف المادح قدرك وقدره؛ هكذا فليحث التراب في وجوههم.
وعبّر بصيغة المبالغة في قوله «المدّاحين» !! إشارة إلى أنّ الكلام فيمن تكرّر منه المدح حتّى اتخذه صناعة وبضاعة يتأكّل بها الناس؛ وجازف في الأوصاف، وأكثر من الكذب.
قال الشافعية: ويحرم مجاوزة الحدّ في الإطراء في المدح؛ إذا لم يمكن حمله على المبالغة، وتردّ به الشهادة إن أكثر منه؛ وإن قصد إظهار الصنعة.
قال ابن عبد السلام في «قواعده»: ولا تكاد تجد مدّاحا إلّا رذلا، ولا هجّاء إلّا نذلا. انتهى.
(و) أخرج ابن ماجه- بإسناد حسن؛ كما في العزيزي- عن رفاعة بن عرابة الجهني رضي الله تعالى عنه؛ قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا حلف) على شيء وأراد تأكيد اليمين؛ (قال «والّذي نفس محمّد بيده»)؛ أي: بقدرته وتصريفه.
وفيه جواز تأكيد اليمين بما ذكر. أي: إذا عظم المحلوف عليه؛ وإن لم يطلب ذلك المخاطب.
[ ٣ / ١٦٧ ]
وكان ﷺ أكثر أيمانه: «لا ومصرّف القلوب» .
وكان ﷺ إذا اجتهد في اليمين.. قال: «لا والّذي نفس أبي القاسم بيده» .
(و) أخرج ابن ماجه- بسند حسن؛ كما في العزيزي- عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ أكثر أيمانه) - بفتح الهمزة- جمع يمين، وهو بالرفع اسم «كان»، وخبرها قوله («لا؛ ومصرّف القلوب») ويصحّ العكس؛ وهو أحسن، لأن المحدّث عنه الثاني؛ قاله الحفني.
قال المناوي: وفي رواية البخاري: «لا؛ ومقلّب القلوب» أي: لا أفعل، أو:
لا أقول وحقّ مقلّب القلوب، ومصرّف القلوب. وفي نسبة تقلّب القلوب، أو تصرّفها إليه!! إشعار بأنه يتولّى قلوب عباده، ولا يكلها إلى أحد من خلقه.
قال الطيبي: «لا» نفي للكلام السابق، و«مصرّف القلوب» إنشاء قسم.
وفيه: أنّ أعمال القلب من الأدوات والدواعي وسائر الأعراض بخلق الله تعالى، وجواز تسمية الله بما صحّ من صفاته على الوجه اللائق، وجواز الحلف بغير تحليف.
قال النووي: بل يندب، إذا كان لمصلحة كتأكيد أمر مهمّ، ونفي المجاز عنه. وفي الحلف بهذه اليمين زيادة تأكيد، لأن الإنسان إذا استحضر أنّ قلبه وهو أعزّ الأشياء عليه- بيد الله يقلّبه كيف يشاء؛ غلب عليه الخوف؛ فارتدع عن الحلف على ما لا يتحقق. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد بسند صحيح، وأبو داود في «الأيمان»، وابن ماجه في (الكفارة) بألفاظ مختلفة؛ عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا) حلف و(اجتهد في اليمين) أي: أراد تأكيده؛ (قال «لا؛ والّذي نفس أبي القاسم) - أي: ذاته وجملته- (بيده») . أي:
بقدرته وتدبيره.
[ ٣ / ١٦٨ ]
وكان ﷺ يحلف: «لا ومقلّب القلوب» .
وكان ﷺ إذا حلف على يمين.. لا يحنث؛ حتّى نزلت كفّارة اليمين.
وكان ﷺ إذا استراث الخبر؛
قال الطيبي: وهذا في علم البيان من أسلوب التجريد، لأنّه جرّد من نفسه شخصا يسمّى «أبا القاسم» وهو هو، وكان يعبّر بذلك في بعض الأوقات. وأصل الكلام: «والذي نفسي بيده»، ثم التفت من التكلّم إلى الغيبة.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «التوحيد» وغيره، والترمذي؛ والنسائي في «الأيمان» وغيره، وابن ماجه في «الكفارة»: كلهم؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يحلف) فيقول: («لا؛ ومقلّب القلوب») قال العلقمي:
«لا» نفي للكلام السابق، «ومقلّب القلوب» هو المقسم به، والمراد ب «تقليب القلوب»: تقليب أعراضها وأحوالها؛ لا تقليب ذاتها. انتهى «عزيزي» .
(و) أخرج الحاكم في «المستدرك»؛ في «كتاب الأيمان» - وقال: على شرطهما. وأقرّه الذهبي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا حلف على يمين) أي: بيمين واحتاج إلى فعل المحلوف عليه (لا يحنث)، أي: لا يفعل ذلك المحلوف عليه؛ وإن احتاجه (حتّى نزلت كفّارة اليمين) أي: الآية المتضمّنة مشروعية الكفارة؛ وهي قوله تعالى فَكَفَّارَتُهُ [٨٩/ المائدة] .
قال المناوي على «الجامع»: وتمامه عند الحاكم: فقال: «لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرا منها إلّا كفّرت عن يميني، ثمّ أتيت الذّي هو خير» انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد- بسند قال فيه الحافظ الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. قال: ورواه الترمذي أيضا، لكن جعل مكان طرفة ابن رواحة. انتهى (مناوي) - قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا استراث الخبر) الذي يتطلّع له،
[ ٣ / ١٦٩ ]
أي: استبطأه.. تمثّل ببيت طرفة:
ويأتيك بالأخبار من لم تزوّد وكان ﷺ يتمثّل بهذا البيت:
كفى بالإسلام والشّيب للمرء ناهيا
وأصل هذا الشّطر:
كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا
ولكنّ النّبيّ ﷺ تمثّل به على الوجه المذكور.
(أي: استبطأه) - وهو استفعل من الريث؛ وهو الاستبطاء، يقال: راث ريثا:
أبطأ، واسترثته: استبطأته- (تمثّل ببيت طرفة) - بفتحات- ابن العبد؛ أي:
بعجزه، وهو قوله (ويأتيك بالأخبار) - بفتح الهمزة جمع خبر- (من لم تزوّد) أي: من لم تصنع له زادا. وأوّل البيت:
ستبدي لك الأيّام ما كنت جاهلا
وجاء في بعض الروايات أنّه ينشد البيت بتمامه.
والتمثيل: إنشاد بيت، ثمّ آخر، ثمّ آخر. وتمثّل بشيء ضربه مثلا، كذا في «القاموس» . والمثل: الكلام الموزون في مورد خاصّ، ثم شاع في معنى يصحّ أن تورده باعتبار أمثال مورده؛ قاله شرّاح «الجامع الصغير» .
(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته»؛ عن الحسن البصري مرسلا:
(كان ﷺ يتمثّل بهذا البيت: كفى بالإسلام والشّيب للمرء ناهيا) أي: زاجرا ورادعا.
(وأصل هذا الشّطر) موزونا هكذا: (كفى الشّيب والإسلام للمرء ناهيا.
ولكنّ النّبيّ ﷺ تمثّل به على الوجه المذكور)؛ فقدّم وأخرّ فيه؛ فصيّره غير موزون، إذ ملحظه المعاني فقط. وقد كان سيّدنا عمر ﵁ يعترض على
[ ٣ / ١٧٠ ]
قال تعالى: وَما عَلَّمْناهُ الشِّعْرَ وَما يَنْبَغِي لَهُ ﷺ.
وكان ﷺ يحبّ أن يسافر يوم الخميس.
الشاعر، ويقول: الأولى تقديم «الإسلام» .
قال المناوي: وإنما كان ﷺ يتمثّل به!! لأن الشيب نذير الموت، والموت يسنّ إكثار ذكره؛ لتتنبّه النفس من سنة الغافلة، فيسنّ لمن بلغ سنّ الشيب أن يعاتب نفسه ويوبّخها بإكثار التمثّل بذلك، وفيه جواز إنشاد الشعر له ﷺ؛ لا إنشاؤه.
(قال تعالى وَما عَلَّمْناهُ) - أي: النبي ﷺ- (الشّعر) - ردّ لقولهم «إنّ ما أتى به من القرآن شعر»، فالمعنى ليس القرآن بشعر، لأن الشعر كلام متكلّف موضوع، ومقال مزخرف مصنوع؛ منسوج على منوال الوزن والقافية، مبنيّ على خيالات وأوهام واهية، فأين ذلك من التنزيل الجليل المنزّه عن مماثلة كلام البشر، المشحون بفنون الحكم والأحكام الباهرة، الموصل إلى سعادة الدنيا والآخرة!! - (وَما يَنْبَغِي لَهُ) أي: لا يصحّ منه، ولا يتأتّى له، أي: جعلناه بحيث لو أراد إنشاءه لم يقدر عليه، أو أراد إنشاده لم يقدر عليه أيضا بالطبع والسجية، لأنّه لو كان ممن يقول الشعر لتطرّقت إليه التّهمة عقلا في أنّ ما جاء به من عند نفسه.
قال العلماء: ما كان يتّزن له (ﷺ) بيت شعر، وإن تمثّل ببيت شعر جرى على لسانه مكسّرا.
قال القرطبي: وإصابة الوزن منه ﷺ في بعض الأحيان!! لا توجب أنّه يعلم الشعر، كقوله «أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب» . على أن التمثل بالبيت لا يوجب أن يكون قائله عالما بالشعر، ولا أن يسمّى «شاعرا» باتفاق العلماء، كما أنّ من خاط ثوبا على سبيل الاتفاق لا يكون خيّاطا. انتهى.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» - بسند فيه خالد بن إياس وهو متروك؛ كما قال الحافظ الهيثمي وغيره- عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ أن يسافر يوم الخميس)، لأنّه بورك له ولأمّته
[ ٣ / ١٧١ ]
وكان ﷺ إذا أراد سفرا.. أقرع بين نسائه، فأيّتهنّ خرج سهمها خرج بها معه.
فيه، أو لأنه أتمّ أيام الأسبوع عددا، لأنه تعالى بثّ الدواب في أصل الخلق؛ فلاحظ الحكمة الربانية، والخروج فيه نوع من بثّ الدوابّ الواقع في يوم المبدأ.
ومحبّته لا تستلزم المواظبة عليه، فقد خرج مرّة يوم السبت!! ولعله كان يحبّه أيضا، كما ورد في خبر آخر: «اللهمّ؛ بارك لأمّتي في سبتها وخميسها» . وفي البخاري أيضا: أنّه كان قلّما يخرج إذا خرج في السّفر إلّا يوم الخميس. وفي رواية للشيخين معا: ما كان يخرج إلّا يوم الخميس. قاله المناوي في «شرح الجامع» .
(و) في «الصحيحين» وغيرهما في «حديث الإفك»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- وروي عن غيرها أيضا- أنّه (كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد سفرا) لنحو غزو (أقرع بين نسائه)؛ تطييبا لنفوسهنّ، وحذرا من الترجيح بلا مرجّح؛ عملا بالعدل، لأن المقيمة؛ وإن كانت في راحة لكن يفوتها الاستمتاع بالزوج، والمسافرة؛ وإن حظيت عنده بذلك تتأذّى بمشقّة السفر، فإيثار بعضهنّ بهذا وبعضهنّ بهذا اختيارا عدول عن الإنصاف. ومن ثمّ كان الإقراع واجبا، لكن محلّ الوجوب في حقّ الأمّة؛ لا في حقّه ﵊، لعدم وجوب القسم عليه؛ كما نبّه عليه ابن أبي جمرة؛ قاله المناوي. وفيه أن المقرّر في كتب الفقه الشافعي: أنّ القسم واجب عليه. (فأيّتهنّ) - بتاء التأنيث- أي: أيّة امرأة منهن (خرج سهمها خرج بها معه) في صحبته، وهذا أوّل حديث الإفك، وبقيّته- كما في البخاري-: وكان يقسم لكلّ امرأة منهنّ يومها وليلتها، غير أنّ سودة بنت زمعة وهبت يومها وليلتها لعائشة زوج النبي ﷺ؛ تبتغي بذلك رضاء الله ورسوله. هكذا ذكره في «كتاب الهبة» .
وفيه حلّ السفر بالزوجة، وخروج النساء في الغزوات، وذلك مباح إذا كان العسكر تؤمن عليه الغلبة، وكان خروج النساء مع المصطفى ﷺ في الجهاد فيه مصلحة بيّنة لإعانتهنّ على ما لا بدّ منه.
[ ٣ / ١٧٢ ]
وكان ﷺ يتخلّف في المسير، فيزجي الضّعيف ويردف، ويدعو لهم. ومعنى (يزجي الضّعيف): يسوقه سوقا رفيقا.
وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. بدأ بالمسجد، فصلّى فيه ركعتين،
وفيه مشروعية القرعة في القسمة بين الشركاء ونحو ذلك.
والمشهور عن الحنفية والمالكية عدم اعتبارها؛ قاله المناوي.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم- وقال: على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي.
وسكت عليه أبو داود-: كلاهما في «الجهاد»؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله (ﷺ يتخلّف) أي: يتأخّر (في المسير)؛ أي في السّفر (فيزجي) - بضمّ أوّله- (الضّعيف، ويردف) نحو العاجز على ظهر الدابّة، أي: دابّته، أو دابة غيره (ويدعو لهم) بالإعانة ونحوها.
ونبّه به على أدب أمير الجيش؛ وهو الرفق بالسير؛ بحيث يقدر عليه أضعفهم، ويحفظ به قوّة أقواهم، وأن يتفقّد خيلهم وحمولهم، ويراعي أحوالهم، ويعين عاجزهم، ويحمل ضعيفهم ومنقطعهم، ويسعفهم بماله وحاله، وقاله ودعائه، ومدده وأمداده.
(ومعنى «يزجي) - بمثناة تحتية مضمومة وزاي معجمة فجيم- (الضّعيف»:
يسوقه سوقا رفيقا) ليلحق بالرّفاق.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» والحاكم- بسند فيه يزيد بن سفيان أبو فروة وهو مقارب الحديث مع ضعف؛ كما قال الحافظ الهيثمي- عن أبي ثعلبة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا قدم من سفر) - زاد البخاري في رواية: ضحى؛ بالضمّ والقصر- (بدأ بالمسجد) . وفي رواية لمسلم: كان لا يقدم من سفر إلّا نهارا في الضحى، فإذا قدم بدأ بالمسجد (فصلّى فيه ركعتين) . زاد البخاري:
قبل أن يجلس. انتهى. وذلك للقدوم من السفر تبرّكا به، وليستا تحيّة المسجد!
[ ٣ / ١٧٣ ]
ثمّ يثنّي بفاطمة، ثمّ يأتي أزواجه.
وكان ﷺ لا يطرق أهله ليلا.
وكان ﷺ يحبّ أن يخرج إذا غزا يوم الخميس.
واستنبط منه ندب الابتداء بالمسجد عند القدوم قبل بيته، وجلوسه للناس عند قدومه ليسلّموا عليه، ثمّ التوجّه إلى أهله. وهذه الجملة الأولى «وهي الصلاة في المسجد عند القدوم» رواه البخاريّ في «الصحيح» في نحو عشرين موضعا.
(ثمّ يثنّي بفاطمة) الزهراء البضعة الطاهرة رضي الله تعالى عنها.
(ثمّ يأتي أزواجه) فقدم من سفر فصلّى في المسجد ركعتين، ثم أتى فاطمة فتلقّته على باب القبّة؛ فجعلت تلثم فاه وعينيه وتبكي، فقال: «ما يبكيك»؟
قالت: أراك شعثا نصبا، قد اخلولقت ثيابك!! فقال لها: «لا تبكي، فإنّ الله ﷿ بعث أباك بأمر: لا يبقى على وجه الأرض بيت مدر؛ ولا حجر؛ ولا وبر؛ ولا شعر إلّا أدخله الله به: عزّا؛ أو ذلّا، حتّى يبلغ حيث بلغ اللّيل» . انتهى.
هذا تمام الحديث؛ كما قاله المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، والنسائي؛ عن أنس ﵁ قال: (كان) رسول الله (ﷺ لا يطرق) - بضم الراء؛ من باب: دخل- (أهله ليلا) أي: لا يقدم عليهم من سفر؛ ولا غيره في الليل على غفلة؛ فيكره ذلك لأنّ القادم إمّا أن يجد أهله على غير أهبة من نحو تنظّف، أو يجدهم بحالة غير مرضيّة.
قال المناوي: وتمام الحديث عند الشيخين: وكان يأتيهم غدوة؛ أو عشية. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الجهاد»؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ أن يخرج إذا غزا يوم الخميس) .
قال العلقمي: وسبب الخروج يوم الخميس ما روي من قوله ﷺ: «بورك لأمّتي في بكورها يوم الخميس» وهو حديث ضعيف أخرجه الطبراني، أو أنّه إنّما أحبّه؛ لكونه وافق الفتح له والنصر فيه، أو لتفاؤله بالخميس على أنه ظفر على
[ ٣ / ١٧٤ ]
وكان ﷺ إذا أراد أن يودّع الجيش.. قال:
«أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم» .
وكان ﷺ إذا بعث سريّة
«الخميس»؛ وهو الجيش، ومحبّته لا تستلزم المواظبة عليه، فقد خرج في بعض أسفاره يوم السبت- كما تقدّم-.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم في «الجهاد»، وكذا النسائي في «اليوم والليلة»؛ عن عبد الله بن يزيد الخطمي- بفتح الخاء المعجمة وسكون المهملة- قال في «الأذكار»: حديث صحيح. وقال في «رياض الصالحين»: رواه أبو داود بإسناد صحيح؛ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد أن يودّع الجيش) الذي يجهّزه للغزو؛ (قال:
«أستودع الله دينكم، وأمانتكم، وخواتيم أعمالكم»)؛ أي: أطلب من الله تعالى أن يكون دينكم وما بعده وديعة عنده تعالى؛ وهو تعالى خير من يحفظ الودائع، وفيه نوع مشاكلة للتوديع، إذ جعل دينهم وأمانتهم من الودائع، لأن السفر يصيب الإنسان فيه المشقّة والخوف؛ فيكون ذلك سببا لإهمال بعض أمور الدين، فدعا المصطفى ﷺ لهم بالمعونة في الدين والتوفيق فيه، ولا يخلو المسافر من الاشتغال بما يحتاج فيه إلى نحو أخذ وعطاء وعشرة، فدعا لهم بحفظ الأمانة؛ وتجنّب الخيانة، ثم بحسن الاختتام، ليكون مأمون العاقبة عما سواه في الدنيا والدين، فيسنّ قول هذا الذكر عند المسافر؛ وإن كان الحديث في سفر الغزاة؛ فمثله غيره من بقية الأسفار.
(و) أخرج أبو داود في «الجهاد»، والترمذي في «البيوع»، وابن ماجه في «التجارة»: كلّهم؛ من حديث عمارة بن حديد؛ عن صخرة بن وداعة العامري الأزدي- وهو حديث حسن؛ كما في العزيزي- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا بعث)؛ أي: إذا أراد أن يرسل (سريّة) - بفتح
[ ٣ / ١٧٥ ]
أو جيشا.. بعثهم من أوّل النّهار.
وكان ﷺ إذا بعث أميرا قال: «أقصر الخطبة، وأقلّ الكلام، فإنّ من البيان لسحرا»
السين وكسر الرّاء المهملتين- وهي: قطعة من الجيش من مائة إلى خمس مائة، (أو جيشا) هو العدد من الجند مما زاد على ثمان مائة إلى أربعة آلاف، فإن زاد على أربعة آلاف فهو «جحفل»، وما زاد على ذلك يقال له «جيش جرّار» . وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:
سريّة سمّ إذا كانت فئه من مائة إلى انتها خمس مائه
فإن تزد ف «منسر»، فإن تزد على ثمان مائة «جيش» يعدّ
فإن على أربعة آلاف زادت ف «جحفل» بلا خلاف
ما زاد جيش صفه ب «الجرّار» دونكها عن شارح «الأذكار»
(بعثهم من أوّل النّهار)، لأنه بورك له ولأمّته في البكور.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»، والخطيب في «تاريخه» - بسند فيه جميع بن ثور وهو متروك؛ كما قال الحافظ الهيثمي- عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا بعث أميرا) على جيش؛ أو نحو بلدة (قال) فيما يوصيه: «أقصر الخطبة) - بضم الخاء- أي: التي يقدّمها المتكلم أمام كلامه على عادتهم في تقديم خطبة على مقصودهم، فليس المراد خطبة نحو الجمعة؛ كما هو جليّ، (وأقلّ الكلام، فإنّ من الكلام لسحرا»؛ أي: نوعا تستمال به القلوب كما تستمال بالسّحر، وذلك هو السّحر الحلال.
(و) أخرج البخاريّ في «غزوة تبوك» وغيرها، ومسلم في «التوبة»، وكذا أخرجه أبو داود في «سننه»؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
[ ٣ / ١٧٦ ]
وكان ﷺ إذا أراد غزوة.. ورّى بغيرها.
وكان ﷺ يعجبه أن يلقى العدوّ عند زوال الشّمس.
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد غزوة ورّى) - بتشديد الراء- أي: سترها وكنّى عنها (بغيرها)؛ أي: بغير تلك الغزوة التي أرادها. يعني يذكر لفظا يوهم السامعين التوجّه إلى ناحية؛ مع أن مراده غيرها، كما إذا أراد غزوة خيبر مثلا؛ وقال «ما أحلى ماء مكّة، وما أطيب مالها» !! موهما أنّه يريد غزو مكّة، فهذا ليس بكذب، بل إيهام غير المراد؛ لئلا يتفطّن العدوّ فيستعدّ للدفع وللحرب، والمقصود أخذ العدوّ بغتة.
والتوراة: أن يذكر لفظا يحتمل معنيين: أحدهما أقرب من الآخر، فيسأل عنه وعن طريقه؛ فيفهم السامع بسبب ذلك أنّه يقصد المحلّ القريب، والمتكلّم صادق، لكن الخلل وقع في فهم السامع خاصّة. انتهى «شروح «الجامع الصغير» .
ولفظ «الصحيحين»: لم يكن رسول الله ﷺ يريد غزوة إلّا ورّى بغيرها حتّى كانت تلك الغزوة- يعني تبوك- غزاها في حرّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا، وغزوا كثيرا، فجلّى للمسلمين أمرهم ليتأهّبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بجهته التي يريد.
انتهى. وهو حديث طويل؛ عن كعب بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» - بإسناد حسن؛ كما في العزيزي- عن ابن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه؛ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يعجبه أن يلقى العدوّ) للقتال (عند زوال الشّمس)، لأنّه وقت تفتح فيه أبواب السماء؛ كما ثبت في الحديث؛ أنّه كان يستحبّ أن يصلّي بعد نصف النهار. فقالت عائشة: أراك تستحبّ الصلاة في هذه الساعة؟! قال:
«تفتح فيها أبواب السّماء، وينظر الله ﵎ بالرّحمة إلى خلقه، وهي صلاة
[ ٣ / ١٧٧ ]
وكان ﷺ يكره رفع الصّوت عند القتال.
وكان ﷺ إذا خرج يوم العيد في طريق.. رجع في غيره.
كان يحافظ عليها آدم، وإبراهيم، ونوح، وموسى، وعيسى» . رواه البزار؛ عن ثوبان. وهذا بخلاف الإغارة على العدو، فإنّه يندب أن يكون أوّل النهار، لأنّه وقت غفلتهم؛ كما فعل في خيبر.
(و) أخرج أبو داود، والطبراني في «الكبير»، والحاكم في «الجهاد» وقال: على شرطهما. وأقرّه الذهبيّ- كلّهم؛ عن أبي موسى الأشعري- وقال ابن حجر: إنّه حديث حسن؛ كما في المناوي- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يكره رفع الصّوت عند القتال)، كأن ينادي بعضهم بعضا؛ أو يفعل أحدهم فعلا له أثر فيصيح ويعرّف نفسه؛ فخرا وإعجابا، وذلك لأنّ الساكت أهيب، والصمت أرعب، ولهذا كان عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يحرّض أصحابه يوم صفين ويقول: استشعروا الخشية وعنّوا بالأصوات؛ أي:
احبسوها وأخفوها؛ من التعنّن: الحبس عن اللّغط ورفع الأصوات. أمّا إذا كان رفع الأصوات لغير الإعجاب!! فلا بأس به، ولذا أخبر ﷺ أنّ صوت بعض أصحابه في الحرب خير من ألف مقاتل لإرهاب الكفار، إذ قال ﷺ: «صوت أبي طلحة في الجيش خير من ألف رجل» . انتهى؛ من شروح «الجامع الصغير» .
(و) أخرج الترمذي، والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه- وهو حديث صحيح؛ كما قال العزيزي- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا خرج يوم العيد) أي: عيد الفطر؛ أو الأضحى (في طريق) لصلاته (رجع في غيره)؛ أي: غير طريق الذهاب إلى المصلّى فيذهب في أطولهما تكثيرا للأجر، ويرجع في أقصرهما، لأن الذهاب أفضل من الرجوع؛ لتشهد له الطريقان.
وفي رواية البخاري؛ عن جابر قال: كان إذا كان يوم عيد خالف الطريق.
[ ٣ / ١٧٨ ]
وكان ﷺ إذا نزل عليه الوحي.. نكّس رأسه، ونكّس أصحابه رؤوسهم، فإذا أقلع عنه.. رفع رأسه.
وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. أطلق كلّ أسير، وأعطى كلّ سائل.
وفي «الصحيحين»؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما؛ أنّه كان يخرج في العيدين من طريق الشّجرة، ويدخل من طريق المعرّس، وإذا دخل مكة دخل من الثنيّة العليا، ويخرج من الثنيّة السّفلى.
(و) أخرج مسلم في «المناقب»؛ عن عبادة بن الصامت رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا نزل عليه الوحي)؛ أي: حامل الوحي.
أسند النزول إلى الوحي!! للملابسة بين الحامل والمحمول، ويسمّى «مجازا عقليا» تارة، و«استعارة بالكناية» تارة أخرى، بمعنى أنّه شبّه الوحي برجل مثلا، ثم أضيف إلى المشبّه الإتيان الذي هو من خواصّ المشبّه به، لينتقل الذهن منه إليه.
والوحي- لغة-: الكلام الخفيّ، وعرفا-: إعلام الله نبيّه الشرائع بوجه ما.
(نكّس) - بشدّ الكاف- (رأسه) أي: أطرق كالمتفكّر؛ لثقل الوحي إذا نزل عليه الملك في غير صورة رجل، حتى إنّه يحصل له مزيد العرق؛ وإن كان في شدّة البرد.
(ونكّس أصحابه رؤوسهم) لإدراكهم نزول الوحي عليه بسبب إطراقه رأسه.
(فإذا أقلع) - أي: الوحي بمعنى حامله- أي: سرّي وكشف (عنه رفع رأسه) ﷺ.
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان»، والخطيب، والبزار- بسند فيه أبو بكر الهذلي، قال فيه ابن حبان: يروي عن الأثبات أشياء موضوعة. وقال غندر: كان يكذب- وأخرجه ابن سعد في «طبقاته»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- قال في العزيزي: وهو حديث ضعيف- قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل) - في رواية: حضر- (رمضان أطلق كلّ أسير) كان مأسورا عنده قبله، (وأعطى كلّ سائل)، فإنه كان أجود ما يكون في
[ ٣ / ١٧٩ ]
وكان ﷺ إذا دخل [شهر] رمضان شدّ مئزره، ثمّ لم يأت فراشه حتّى ينسلخ.
وكان ﷺ إذا دخل رمضان.. تغيّر لونه، وكثرت صلاته، وابتهل في الدّعاء، وأشفق لونه؛ أي: تغيّر وصار كلون الشّفق.
وكان ﷺ إذا دخل العشر
رمضان. وفيه ندب العتق في رمضان، والتوسعة على الفقراء والمساكين.
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» بإسناد حسن؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل [شهر] رمضان شدّ مئزره) بكسر الميم-: إزاره، وهو كناية عن الاجتهاد في العبادة واعتزال النساء (ثمّ لم يأت فراشه) أي: غالب الليل (حتّى ينسلخ)؛ أي: يمضي.
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان» - بسند فيه عبد الباقي بن قانع، قال الذهبي فيه: قال الدارقطني: يخطئ كثيرا. انتهى- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل) شهر (رمضان، تغيّر لونه) إلى الصفرة، أو الحمرة؛ خوفا من عدم الوفاء بحقّ العبودية فيه، وهو تعليم لأمّته، ولأنه على قدر علم المرء يعظم خوفه.
(وكثرت صلاته، وابتهل) أي: اجتهد (في الدّعاء، وأشفق لونه) أخصّ مما قبله؛ لخصوص هذا بالحمرة؛ كما قال: (أي: تغيّر) لونه (وصار) في الحمرة (كلون الشّفق) الأحمر.
(و) أخرج الشيخان في «الصوم»، وأبو داود؛ والنسائي في (الصلاة)، وابن ماجه في (الصوم): كلّهم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل العشر) - زاد في رواية ابن أبي شيبة-
[ ٣ / ١٨٠ ]
الأخير من رمضان.. شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله.
وكان ﷺ إذا كان مقيما.. اعتكف العشر الأواخر من رمضان، وإذا سافر.. اعتكف من العام المقبل عشرين.
(الأخير من رمضان) - والمراد الليالي- (شدّ مئزره) . قال القاضي: المئزر:
الإزار، ونظيره ملحف ولحاف، وشدّه كناية عن التشمير والاجتهاد، أراد به الجدّ في الطاعة، أو كناية عن اعتزال النساء وتجنّب غشيانهنّ، (وأحيا ليله): أي:
ترك النوم الذي هو أخو الموت وتعبّد معظم الليل؛ لا كله، بقرينة خبر عائشة «ما علمته قام ليلة حتّى الصباح»، فلا ينافي ذلك ما عليه الشافعية من كراهة قيام الليل كلّه.
(وأيقظ أهله)؛ أي: زوجاته المعتكفات معه في المسجد، واللّاتي في بيوتهن إذا دخلها لحاجة؛ أي: يوقظهنّ للصلاة والعبادة، فيسنّ إيقاظ من وثق بقيامه للتهجّد.
(و) أخرج الإمام أحمد- بسند حسن؛ كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا كان مقيما اعتكف العشر الأواخر من رمضان)؛ طلبا لليلة القدر، لأنّها محصورة فيها عند إمامنا الشافعي رضي الله تعالى عنه وأرضاه.
(وإذا سافر اعتكف من العام المقبل عشرين): العشر الوسطى بدل ما فاته في السفر، والعشر الأخيرة على عادته. وفيه أنّ فائت الاعتكاف يقضى؛ أي: يشرع قضاؤه.
(و) أخرج البيهقي في «شعب الإيمان»، وابن عساكر في «تاريخه»، وأبو نعيم في «الحلية»، والبزار: كلّهم من حديث زائدة بن أبي الرقاد؛ عن زياد النّميري؛ عن أنس بن مالك.
[ ٣ / ١٨١ ]
وكان ﷺ إذا كانت ليلة الجمعة.. قال: «هذه ليلة غرّاء، ويوم أزهر» .
وكان ﷺ إذا جاء الشّتاء.. دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصّيف.. خرج ليلة الجمعة.
قال العزيزيّ: الظّاهر أنّ المراد
قال النووي في «الأذكار»: إسناده ضعيف، وقال البيهقيّ: تفرّد به زياد النميري، وعنه زائدة بن أبي الرقاد، وقال البخاري: زائدة عن زياد منكر الحديث وجهّله جماعة، وجزم الذهبي في «الضعفاء» بأنه منكر الحديث؛ قاله المناوي.
ولفظ الحديث- كما في «الجامع الصغير» -:
(كان) رسول الله (ﷺ) إذا دخل رجب؛ قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في رجب وشعبان؛ وبلّغنا رمضان» . وكان (إذا كانت)؛ أي: وجدت (ليلة الجمعة؛ قال: «هذه ليلة غرّاء) - ك «حمراء»؛ أي: سعيدة صبيحة مضيئة- (ويوم أزهر»)؛ أي: يومها يوم أزهر، أي: نيّر مشرق، ولذا طلب فيه أعمال صالحة كالكهف، وكذا ليلتها، وكثرة الصلاة والسلام عليه ﷺ.
(و) أخرج الخطيب في «تاريخه» في ترجمة الربيع «حاجب المنصور»، وابن عساكر في «تاريخه»؛ كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وهو من رواية الربيع المذكور عن الخليفة المنصور؛ عن أبيه؛ عن جدّه. وبه عرف حال السند- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا جاء الشّتاء)؛ أي: زمن الشتاء (دخل البيت ليلة الجمعة، وإذا جاء الصّيف)؛ أي: زمن الصيف (خرج ليلة الجمعة)، وتمام الحديث: وإذا لبس ثوبا جديدا حمد الله وصلّى ركعتين، وكسا الخلق.
(قال) المناويّ: يحتمل أنّ المراد بيت الاعتكاف، ويحتمل أنّ المراد بالبيت: الكعبة. وقال العلامة علي بن أحمد (العزيزيّ) في كتابه «السّراج المنير شرح الجامع الصغير»: (الظّاهر أنّ المراد) بالدخول والخروج في الزمنين:
[ ٣ / ١٨٢ ]
ما اعتاده النّاس من دخولهم البيوت في الشّتاء، والخروج منها في الصّيف.
(ما اعتاده النّاس من دخولهم البيوت في) زمن (الشّتاء) للكنّ من البرد، (والخروج منها)؛ أي: البيوت (في) زمن (الصّيف) إلى المحلّ الذي هو أعلى الدار مثلا؛ الذي يقال له «السطوح» لكونه مكشوفا، أو الخروج إلى فناء الدار المكشوف أمامها مثلا؛ كما يقع في بعض البلدان، ولذا عبّر ب «دخل» المناسب للكنّ وب «خرج» المناسب للكشف، ويكون ابتداء الخروج والدخول ليلة الجمعة، أشار إلى ذلك الحفني.
[ ٣ / ١٨٣ ]
[الفصل الثّاني في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة]
الفصل الثّاني في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ في أوقات مخصوصة كان رسول الله ﷺ إذا سأل الله تعالى.. جعل باطن كفّيه
الفصل الثّاني)؛ من الباب السابع (في) ذكر (بعض أذكار) جمع ذكر؛ وهو- لغة-: كلّ مذكور. وشرعا-: قول سيق لثناء؛ أو دعاء، وقد يستعمل شرعا لكلّ قول يثاب قائله؛ قاله ابن حجر في «التحفة» .
(و) في ذكر بعض (أدعية)؛ جمع: دعاء، وهو: الطلب على سبيل التضرّع، وهو أفضل من تركه عند جمهور العلماء، وهو من أعظم العبادات.
(كان يقولها) أي: هذه الأذكار والأدعية
النبيّ (ﷺ في أوقات) وحالات (مخصوصة) ك: عند الكرب، وعند الخروج من بيته، وفي الصباح والمساء ونحو ذلك.
أخرج الإمام أحمد- بسند فيه ابن لهيعة، وقال الهيثمي: رواه أحمد مرسلا بإسناد حسن، وفيه إيذان بضعف هذا المتصل المرويّ- عن السائب بن خلّاد رضي الله تعالى عنه؛ قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا سأل الله تعالى) خيرا (جعل باطن كفّيه) بالتثنية- وفي
[ ٣ / ١٨٤ ]
إليه، وإذا استعاذ.. جعل ظاهرهما إليه.
وكان ﷺ إذا أصابته شدّة فدعا.. رفع يديه حتّى يرى بياض إبطيه.
نسخة بالإفراد- (إليه، وإذا استعاذ) من شرّ (جعل ظاهرهما إليه)؛ لدفع ما يتصوّره من مقابلة العذاب والشرّ، فيجعل يديه كالتّرس الواقي عن المكروه، ولما فيه من التفاؤل بردّ البلاء؛ قاله المناوي.
(و) أخرج أبو يعلى بإسناد حسن؛ عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أصابته شدّة) - بالتشديد ك: عدّة- (فدعا) في الصلاة برفع الشّدّة (رفع يديه) حال الدعاء، ففيه أنّه يندب رفع اليدين حال الدعاء، إذ قد ورد عن النبي ﷺ أنّه رفع يديه حال الدّعاء في مواطن كثيرة، وعلى ذلك قول بعضهم:
رفع اليدين سنّة حال الدّعا فدع لمن يتركه مبتدعا
فخمسة وأربعون أثرا فيه أتت عن أحمد خير الورى
فيها الضّعيف والصّحيح والحسن فليس من يتركه على سنن «١»
قال المناوي: وحكمة الرفع: اعتياد العرب رفعهما عند الخضوع في المسألة؛ والذّلّة بين يدي المسؤل، وعند استعظام الأمر، والداعي جدير بذلك لتوجّهه بين يدي أعظم العظماء. ومن ثمّ ندب الرفع عند تكبيرة الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من التشهد الأول؛ إشعارا بأنه ينبغي أن يستحضر عظمة من هو بين يديه حتى يقبل بكليّته عليه. انتهى.
فكان ﷺ يرفع يديه (حتّى يرى) - بالبناء للمجهول- (بياض إبطيه)؛ أي:
لو كان بلا ثوب لرئي، أو كان ثوبه واسعا فيرى بالفعل، وذكر بعض الشافعية أنّه لم يكن بإبطيه شعر. قال في «المهمات»: وبياض الإبط كان من خواصّه ﷺ، وأما
_________________
(١) بل ذكر الحافظ السيوطي- رحمه الله تعالى- أن أصل الرفع بلغ حد التواتر، ولا القضايا التي ورد فيها بأعيانها.
[ ٣ / ١٨٥ ]
وكان ﷺ إذا رفع يديه في الدّعاء.. لم يحطّهما حتّى يمسح بهما وجهه.
وكان ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له.. بدأ بنفسه.
إبط غيره!! فأسود لما فيه من الشعر، وردّه الحافظ الزين العراقي بأن ذلك لم يثبت، والخصائص لا تثبت بالاحتمال، ولا يلزم من بياض إبطه ألايكون له شعر، فإنّ الشعر إذا نتف بقي المكان أبيض؛ وإن بقي فيه آثار الشعر. انتهى.
(و) أخرج الترمذي في «الدعوات» وقال: صحيح غريب، لكن جزم النووي في «الأذكار» بضعف سنده. وأخرجه أيضا الحاكم: كلاهما؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا رفع يديه في الدّعاء لم يحطّهما حتّى يمسح بهما وجهه)؛ تفاؤلا بحصول المراد.
قال المناوي في «شرح الجامع»: ففعل ذلك سنّة كما جرى عليه جمع شافعية؛ منهم النووي في «التحقيق»؛ تمسّكا بعدّة أخبار هذا منها، وهي؛ وإن ضعفت أسانيدها؛ تقوّت باجتماعها، فقوله في «المجموع» «لا يندب»؛ تبعا لابن عبد السلام، وقال: لا يفعله إلّا جاهل!! في حيّز المنع. انتهى كلام المناوي.
لكن قال الحفني: هذا المسح في غير الصلاة، أمّا في الصلاة! فلا يطلب المسح أصلا. انتهى. وكأنّ فيه جمعا بين القولين. والله أعلم.
(و) أخرج أصحاب السنن الثلاثة، وابن حبّان، والحاكم؛ عن أبيّ بن كعب رضي الله تعالى عنه- وقال الترمذي: حسن صحيح، والحاكم: صحيح- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا ذكر أحدا فدعا له) بخير (بدأ بنفسه)؛ ثمّ ثنّى بغيره، ثم عمّم؛ اتباعا لملّة أبيه إبراهيم، فتتأكّد المحافظة على ذلك وعدم الغافلة عنه، وإن كان لا أحد أعظم من الوالدين، ولا أكبر حقّا على المؤمن منهما، ومع
[ ٣ / ١٨٦ ]
وكان ﷺ إذا دعا لرجل.. أصابته الدّعوة، وولده وولد ولده.
وكان ﷺ أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب؛ ثبّت قلبي على دينك»، فقيل له في ذلك؟ قال: «إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله؛ فمن شاء.. أقام، ومن شاء.. أزاغ» .
ذلك قدّم الدعاء للنفس عليهما في القرآن في غير موضع، فغيرهما أولى. انتهى مناوي على «الجامع» .
(و) أخرج الإمام أحمد؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما- قال العلقمي بجانبه علامة الصحة- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دعا لرجل؛ أصابته الدّعوة، و) أصابت (ولده وولد ولده)؛ أي: ذريته؛ أي: استجيب دعاؤه للرجل وذريته من بعده، وسكت عمّا لو دعا عليه!! لأنه قد سأل الله تعالى أن يجعل دعاءه رحمة على المدعوّ عليه.
(و) أخرج الترمذي- بسند فيه شهر بن حوشب؛ كما قال الهيثمي- عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب) - المراد: تقليب أعراضها وأحوالها؛ لا ذواتها- (ثبّت قلبي على دينك») - بكسر الدال- وهذا تعليم للأمّة، وإلّا! فقلبه ثابت ودائم له ذلك لعصمته.
(فقيل له في ذلك!!) - يعني: قالت له أمّ سلمة لما رأته يكثر ذلك: إن القلوب لتتقلب؟!. (قال: «إنّه ليس آدميّ إلّا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله) يقلّبه الله كيف يشاء- (فمن شاء أقام) - قلبه على الدين الحقّ- (ومن شاء أزاغ») قلبه، أي: أماله إلى الدين الباطل.
قال المناويّ على «الجامع»: وتمامه عند الإمام أحمد: «فنسأل الله أن لّا يزيغ قلوبنا بعد إذ هدانا، ونسأل الله أنّ يهب لنا من لدنه رحمة؛ إنّه هو الوهّاب» . انتهى.
[ ٣ / ١٨٧ ]
وكان ﷺ أكثر دعوة يدعو بها: «ربنا؛ آتِنا فِي الدُّنْيا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنا عَذابَ النَّارِ» .
قال الغزالي: إنّما كان ذلك أكثر دعائه! لاطّلاعه على عظيم صنيع الله تعالى في عجائب القلب؛ وتقلّبه، فإنّه هدف يصاب على الدوام من كلّ جانب، فإذا أصابه شيء وتأثّر؛ أصابه من جانب آخر ما يضادّه فيغيّر وصفه. وعجيب صنع الله في تقلّبه لا يهتدي إليه إلّا المراقبون بقلوبهم، والمراعون لأحوالهم مع الله تعالى.
وقال ابن عربي: تقليب الله القلوب هو ما خلق فيها من الهمّ بالحسن والهمّ بالسوء. فلما كان الإنسان يحسّ بترادف الخواطر المتعارضة عليه في قلبه الذي هو عبارة عن تقليب الحقّ، وهذا لا يقتدر الإنسان على دفعه؛ كان ذلك أكثر دعائه.
يشير إلى سرعة التقليب من الإيمان إلى الكفر وما تحتهما فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس] وهذا قاله للتشريع والتعليم. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال صهيب: سأل قتادة أنسا: أيّ دعوة كان يدعو بها النبي ﷺ أكثر؟!. قال:
(كان) رسول الله (ﷺ أكثر دعوة يدعو بها: ربّنا) بإحسانك (آتنا في الدّنيا) حالة (حسنة) لنتوصّل بها إلى الآخرة على ما يرضيك.
قال الحرالي: هي الكفاف من مطعم ومشرب وملبس ومأوى وزوجة؛ لا سرف فيها. (وفي الآخرة حسنة) من رحمتك التي تدخلنا بها جنّتك، (وقنا عذاب النّار») بعفوك وغفرانك.
قال الطيبي: إنما كان يكثر من هذا الدعاء!! لأنه من الجوامع التي تحوز جميع الخيرات الدنيوية والآخروية. وبيان ذلك: أنّه كرّر الحسنة؛ ونكّرها: تنويعا، وقد تقرّر في علم المعاني: أنّ النكرة إذا أعيدت كانت الثانية غير الأولى، فالمطلوب في الأولى: الحسنات الدنيوية من الاستعانة والتوفيق والوسائل التي بها
[ ٣ / ١٨٨ ]
وكان ﷺ يتعوّذ من جهد البلاء، ودرك الشّقاء، وسوء القضاء، وشماتة الأعداء.
وكان ﷺ يتعوّذ من خمس: من الجبن، والبخل،
اكتساب الطاعات والمبرّات، بحيث تكون مقبولة عند الله تعالى، والمطلوب في الثانية: ما يترتّب من الثواب والرضوان في العقبى.
وقوله «وقنا عذاب النّار» تتميم، أي: إن صدر منا ما يوجبها من التقصير والعصيان؛ فاعف عنا، وقنا عذاب النار. فحقّ لذلك أن يكثر من هذا الدعاء.
قال قتادة: وكان أنس إذا أراد أن يدعو بدعاء دعا بها. انتهى. كذا قرّره المناوي على «الجامع» رحمه الله تعالى.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ يتعوّذ من جهد) - بفتح الجيم وضمّها-: مشقّة (البلاء) - بالفتح والمد، ويجوز الكسر مع القصر- (ودرك) - بفتح الدال والراء وتسكّن-؛ وهو: الإدراك واللّحاق (الشّقاء) - بمعجمة ثم قاف-: الهلاك، ويطلق على الأمر الشاقّ المؤدّي إلى الهلاك (وسوء القضاء)؛ أي: المقضي، والّا! فحكم الله كلّه حسن لا سوء فيه، (وشماتة الأعداء): فرحهم ببليّة تنزل بالمعادي تنكأ القلب، أو تبلغ من النفس أشدّ مبلغ.
وقد أجمع العلماء في كلّ عصر ومصر على ندب الاستعاذة من هذه الأشياء، وردّوا على من شذّ من الزهّاد؛ قاله المناوي على «الجامع» .
(و) أخرج أبو داود في «الصلاة»، والنسائي في «الاستعاذة»، وابن ماجه في «الدعاء» - وسكت عليه أبو داود-: كلّهم عن عمر بن الخطاب ﵁ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يتعوّذ من خمس؛ من ١- الجبن) - بضم الجيم وسكون الموحدة-؛ هو البخل بالنفس خوفا من الموت، فلا يقاتل الأعداء.
(و٢- البخل)؛ أي: منع بذل الفضل لا سيما للمحتاج، وحبّ الجمع والادّخار.
[ ٣ / ١٨٩ ]
وسوء العمر، وفتنة الصّدر، وعذاب القبر.
وكان يتعوّذ من الجانّ، وعين الإنسان.. حتّى نزلت المعوّذتان، فأخذ بهما وترك ما سواهما.
(و٣- سوء العمر)؛ أي: عدم البركة فيه، بأن يخلّ بالواجبات ولا يصرفه في الطاعات:
من بارك الله له في عمره أدرك في مديدة من برّه
ما لم تكن تحصره العباره ولم تكد تلحقه الإشاره
(و٤- فتنة الصّدر) - بفتح الصاد وسكون الدال المهملتين- أي: القلب، أي: الأمور القبيحة التي تكون في القلب؛ كالحقد، والكبر، والغلّ، والحسد، والعقيدة الزائغة. وهذا تعليم للأمة، وإلّا! فهو ﷺ معصوم من ذلك.
(و٥- عذاب القبر») أي: التعذيب فيه بنحو ضرب، أو نار، أو غيرهما على ما وقع التقصير فيه من المأمورات أو المنهيّات، والقصد بذلك تعليم الأمّة كيف يتعوّذون.
(و) أخرج الترمذي- وقال: حسن غريب- والنسائي، وابن ماجه، والضياء في «المختارة»؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه.
أنّ النبي ﷺ (كان يتعوّذ من الجانّ)، أي: يقول: «أعوذ بالله من الجانّ (وعين الإنسان)، من: ناس ينوس إذا تحرّك، وذلك يشترك فيه الجنّ والإنس، وعين كلّ ناظر (حتّى نزلت المعوّذتان فأخذ بهما وترك ما سواهما)؛ أي: ممّا كان يتعوّذ به من الكلام غير القرآن، لما ثبت أنّه كان يرقي بالفاتحة، وفيهما الاستعاذة بالله، فكان يرقي بها تارة، ويرقي بالمعوّذتين أخرى؛ لما تضمّنتاه من الاستعاذة من كلّ مكروه، إذ الاستعاذة من شرّ ما خلق تعمّ كلّ شرّ يستعاذ منه في الأشباح والأرواح، والاستعاذة من شر الغاسق- وهو الليل وآفته؛ أو القمر إذا غاب- يتضمّن الاستعاذة من شرّ ما ينتشر فيه من الأرواح الخبيثة، والاستعاذة من شرّ
[ ٣ / ١٩٠ ]
وكان ﷺ يتعوّذ من موت الفجاءة، وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت.
وكان ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى.. يدعو بهذه الدّعوات: «(اللهمّ؛ إنّي أسألك من فجاءة الخير،
النفّاثات تتضمّن الاستعاذة من شرّ السواحر وسحرهنّ، والاستعاذة من شرّ الحاسد تتضمّن الاستعاذة من شرّ النفوس الخبيثة المؤذية.
والسورة الثانية تتضمّن الاستعاذة من شرّ الإنس والجنّ.
فجمعت السورتان الاستعاذة من كل شرّ، فكانتا جديرتين بالأخذ بهما وترك ما عداهما.
قال ابن حجر: هذا لا يدلّ على المنع من التعوّذ بغير هاتين السورتين، بل يدلّ على الأولوية؛ لا سيما مع ثبوت التعوّذ بغيرهما.
وإنما اكتفى بهما!! لما اشتملتا عليه من جوامع الكلم، والاستعاذة من كلّ مكروه جملة وتفصيلا؛ قاله المناوي على «الجامع» .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»؛ عن أبي أمامة الباهلي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ يتعوّذ من موت الفجاءة) - بالضمّ والمدّ، و[الفجأة] يفتح ويقصر: البغتة-.
(وكان يعجبه أن يمرض قبل أن يموت)، وقد وقع ذلك، فإنه مرض في ثاني ربيع الأول؛ أو ثامنه؛ أو عاشره، ثمّ امتدّ مرضه اثني عشر يوما.
(و) أخرج أبو يعلى، وابن السنّي- بإسناد حسن؛ كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى)؛ أي إذا دخل في الصباح والمساء (يدعو بهذه الدّعوات: «اللهمّ؛ إنّي أسألك من فجاءة الخير) - بضم
[ ٣ / ١٩١ ]
وأعوذ بك من فجاءة الشّرّ)؛ فإنّ العبد لا يدري ما يفجؤه إذا أصبح وإذا أمسى» .
وكان ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى.. قال:
«أصبحنا على فطرة
الفاء والمد- كذا الرواية؛ وإن صحّ القصر في لغة؛ على وزان «تمرة» أي: من الخير الذي يأتي بغتة، ويقال مثل ذلك فيما بعد؛ قاله الحفني.
(وأعوذ بك من فجاءة الشّرّ) . هذا آخر الدعاء.
قال ابن القيّم: من جرّب هذا الدعاء عرف قدر فضله، وظهر له جموم «١» نفعه، وهو يمنع وصول أثر العائن، ويدفعه بعد وصوله؛ بحسب قوة إيمان العبد القائل وقوّة نفسه واستعداده وقوّة توكّله وثبات قلبه، فإنّه سلاح والسلاح يضارب به. انتهى، ذكره المناوي؛ على «الجامع» .
وأما قوله (فإنّ العبد لا يدري ما يفجؤه إذا أصبح وإذا أمسى»)، فإنّما هو بيان منه ﷺ لوجه طلب الدعاء، فلا يقوله الداعي؛ بل يقتصر على حدّ «من فجاءة الشرّ»، فمن قال ذلك حفظ من بغتة الشرّ إلى المساء أو الصباح.
(و) أخرج الإمام أحمد، والطبراني في «الكبير»، والنسائي في «اليوم والليلة»، وابن السنّي في «اليوم والليلة» -؛
وقال النووي في «الأذكار»: إسناده صحيح، وقال العراقي في «المغني»:
إسناده صحيح، وقال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد والطبراني رجال الصحيح-:
كلهم؛ من طريق عبد الرحمن بن أبزى- بفتح الهمزة وسكون الموحدة وبالزاي وألف مقصورة- الخزاعي مولى نافع بن عبد الحارث- مختلف في صحبته- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أصبح وإذا أمسى؛ قال: «أصبحنا على فطرة)
_________________
(١) هكذا في الأصل، وكذا في المناوي؛ على «الجامع» !!. وهو بمعنى العموم مع الوفرة والكثرة.
[ ٣ / ١٩٢ ]
الإسلام وكلمة الإخلاص ودين نبيّنا محمّد ﷺ، وملّة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين» .
- بكسر الفاء- (الإسلام)؛ أي: دينه الحق، وقد ترد الفطرة بمعنى السّنّة.
(وكلمة الإخلاص)، هي كلمة الشهادة، (ودين نبيّنا محمّد ﷺ)، الظاهر أنّه قال [ذلك] تعليما لغيره. ويحتمل أنّه جرّد من نفسه نفسا يخاطبها.
قال ابن عبد السلام في «أماليه»: و«على» في مثل هذا تدلّ على الاستقرار والتمكّن من ذلك المعنى، لأن الجسم إذا علا شيئا تمكّن منه واستقرّ عليه، ومنه أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [٥/ البقرة] . قال النووي في «الأذكار»: لعله ﷺ قال ذلك جهرا ليسمعه غيره؛ فيتعلّمه منه. انتهى مناوي على «الجامع» .
(وملّة أبينا إبراهيم) الخليل (حنيفا): مائلا إلى الدين المستقيم، (مسلما؛ وما كان من المشركين») .
قال العلقمي في «شرح الجامع الصغير»: قال شيخنا- يعني السيوطي-:
فائدة؛ وهي عزيزة النقل: فرع أوّل المساء: من الزوال. ذكره الفقهاء عند كلامهم على كراهة السّواك للصائم بعد الزوال، أما الصباح!! فقلّ من تعرّض له، وطالما فحصت عنه!! إلى أن وقفت عليه في ذيل «فصيح ثعلب» للعلّامة موفق الدين البغدادي قال: الصباح عند العرب: من نصف الليل الأخير إلى الزوال، ثم المساء إلى آخر نصف الليل الأول. انتهى ما نقله.
قلت: ومن فوائده أنه يشرع ذكر الألفاظ الواردة في الأذكار المتعلّقة بالصباح والمساء، وهذا واضح في «الأذكار» التي فيها ذكر المساء والصباح، أمّا التي فيها ذكر اليوم والليلة!! فلا يتأتّى فيها ذلك إذ أوّل اليوم شرعا من طلوع الفجر، والليل من غروب الشمس. انتهى.
وقال ابن حجر في «شرح المشكاة» - بعد كلام الموفّق-: والظاهر أنّ المراد في الأحاديث بالمساء: أوائل الليل، وبالصباح: أوائل النهار.
[ ٣ / ١٩٣ ]
ثم رأيتني في «شرح سيد الاستغفار» ذكرت لذلك زيادة؛ وهي قوله: ومن إطلاقه المساء على ما ذكر- أي: من غروب شمس اليوم، والصباح على ما يأتي، أي: طلوع الفجر- يؤخذ ما قرّرناه سابقا أنّ الأذكار المقيّدة بالصباح والمساء ليس المراد منها حقيقتهما من نصف الليل إلى الزوال في الأول، ومنه إلى نصف الليل في الثاني؛ كما نقل عن ثعلب! وإنما المراد بهما العرف: من أوائل النهار في الأول، وآخره في الثاني.
ويؤيّده أنّ ابن أمّ مكتوم الأعمى مؤذّن رسول الله ﷺ كان لا يؤذّن الأذان الثاني الذي هو علامة على الفجر الصادق حتى يقال له «أصبحت أصبحت» . وفي الصباح ابتداؤه من هذا الوقت وما قرب منه؛ لا من نصف الليل، وشروع الأذان منه عندنا لا يدلّ على أنّه من حينئذ لا يسمّى «صباحا» . انتهى.
وسبقه لذلك ابن الجزري؛ فقال: من قال «إنّ ذكر المساء يدخل بالزوال»؛ فكيف يعمل في قوله «أسألك خير هذه اللّيلة وما بعدها» !! وهل تدخل الليلة إلّا بالغروب!؟ انتهى.
وسبقه أيضا لذلك العلامة الرداد؛ وزاد بيان آخر الوقت في كلّ منهما؛ فقال في «موجبات الرحمة وعزائم المغفرة»: وقت أذكار الصباح: من طلوع الفجر إلى أن تكون الشمس من ناحية المشرق كهيئتها من ناحية المغرب عند العصر، ووقت أذكار المساء: من بعد صلاة العصر إلى المغرب إلى أن يمضي ثلث الليل أو نصفه.
والله أعلم.
وقال ابن حجر في «شرح المشكاة»؛ في الكلام على حديث عثمان «ما من عبد يقول في صباح كلّ يوم ومساء كلّ ليلة » الخ. قال «ثمّ» في صباح ومساء، وحين يصبح وحين يمسي أنّه لو قال أثناء النهار؛ أو الليل لا تحصل له تلك الفائدة، وعظيم بركة الذكر يقتضي الحصول. انتهى. ذكر جميع ذلك الشيخ العلامة محمد بن علي بن علّان الصديقي في «شرح الأذكار» رحمه الله تعالى آمين.
[ ٣ / ١٩٤ ]
وكان ﷺ إذا أصابه غمّ أو كرب.. يقول:
«حسبي الرّبّ من العباد، حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرّازق من المرزوقين، حسبي الّذي هو حسبي، حسبي الله ونعم الوكيل، حسبي الله لا إله إلّا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم» .
وكان ﷺ إذا أهمّه الأمر.. رفع رأسه إلى السّماء (و) أخرج أبو بكر بن أبي الدنيا في كتاب «الفرج بعد الشدة»؛ من طريق الخليل بن مرّة الضبعي؛ عن فقيه أهل الأردن بلاغا؛ أي قال:
بلغنا عن رسول الله ﷺ أنّه (كان ﷺ إذا أصابه غمّ)؛ أي: حزن، سمّي به!! لأنه يغطّي السرور. (أو كرب) أي: همّ (يقول: «حسبي الرّبّ من العباد) أي: كافيني من شرّهم- (حسبي الخالق من المخلوقين، حسبي الرّازق من المرزوقين، حسبي الّذي هو حسبي حسبي الله ونعم الوكيل) - أي: نعم من يفوّض له الأمر هو- (حسبي الله؛ لا إله إلّا هو عليه توكّلت وهو ربّ العرش العظيم») الذي ضمّني إليه وقرّبني منه، ووعدني بالجميل والرجوع إليه.
قال الحكيم: قد جعل الله في كلّ موطن سببا وعدة لقطع ما يحدث فيه من النوائب، فمن أعرض عن السبب والعدة ضرب عنه صفحا، ومن اغتنى بالله كافيا وحسيبا وأعرض عما سواه؛ وقال «حسبي الله» عند كل موطن؛ ومن كلّ أحد كفاه الله، وكان عند ظنّه؛ إذ هو عبد تعلّق بربّه، ومن تعلّق به لم يخيّبه، وكان في تلك المواطن محفوظا، فإذا ردّد العبد هذه الكلمات بإخلاص عند الكرب نفعته نفعا عظيما، وكنّ له شفيعا إلى الله تعالى في كفايته شرّ الخلق، ورزقه من حيث لا يحتسب، وكان الله بكل خير إليه أسرع. انتهى.
(و) أخرج الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أهمّه الأمر رفع رأسه إلى السّماء)، لأنها قبلة
[ ٣ / ١٩٥ ]
وقال: «سبحان الله العظيم»، وإذا اجتهد في الدّعاء.. قال: «يا حيّ يا قيّوم» .
وكان ﷺ إذا نزل به همّ أو غمّ.. قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث» .
الدعاء؛ (وقال: «سبحان الله العظيم»، وإذا اجتهد في الدّعاء قال: «يا حيّ يا قيّوم») .
أخذ منه أنه الاسم الأعظم، والراجح أنه لفظ «الله» . وعدم الاستجابة فورا! لنقص في الدعاء. و«قيّوم» من أبنية المبالغة، ومعنى القيوم: القائم بمصالح عباده.
وأخذ الحليمي من الخبر أنّه يندب أن يدعو الله بأسمائه الحسنى، قال:
ولا يدعوه بما لا يخلص ثناء؛ وإن كان في نفسه حقا.
(و) أخرج الحاكم في «المستدرك» في «الدعاء»؛ عن وضّاح؛ عن النضر بن إسماعيل البجلي؛ عن عبد الرحمن بن إسحاق؛ عن القاسم بن عبد الرحمن؛ عن أبيه؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه- وقال الحاكم:
صحيح. وردّه الذهبي؛ بأن عبد الرحمن لم يسمع من أبيه!! وعبد الرحمن ومن بعده ليسوا بحجة!!. انتهى. ذكره المناوي؛ على «الجامع» - قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا نزل به همّ أو غمّ؛ قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك أستغيث»): أستعين وأستنصر، يقال: أغاثه الله: أعانه ونصره، وأغاثه الله برحمته: كشف شدّته.
وقد روى هذا الحديث الترمذيّ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه بلفظ:
إذا كربه أمر؛ قال: «يا حيّ يا قيّوم؛ برحمتك استغيث» .
قال المناوي على «الجامع»: في تأثير هذا الدعاء في دفع هذا الهمّ والغمّ مناسبة بديعة، فإن صفة الحياة متضمّنة لجميع صفات الكمال؛ مستلزمة لها،
[ ٣ / ١٩٦ ]
وكان ﷺ يدعو عند الكرب: «لا إله إلّا الله العظيم الحليم، لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرض وربّ العرش الكريم» .
وصفة القيّوميّة متضمّنة لجميع صفات الأفعال. ولهذا قيل: إن الاسم الأعظم هو «الحي القيوم»، والحياة التامّة تضادّ جميع الآلام والأجسام الجسمانية والروحانية، ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم همّ ولا غمّ، ونقصان الحياة يضرّ بالأفعال وينافي القيومية. فكمال القيومية بكمال الحياة، فالحيّ المطلق التامّ الحياة لا يفوته صفة كمال البتّة. والقيّوم لا يتعذّر عليه فعل ممكن البتة، فالتوسّل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضادّ الحياة ويغيّر الأفعال؛ فاستبان أن لاسم «الحيّ القيّوم» تأثيرا خاصّا في كشف الكرب وإجابة الدعاء.
انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، والترمذي، وابن ماجه؛ كلهم في (الدعوات)؛ عن عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يدعو عند الكرب)؛ أي: عند حلوله يقول:
(«لا إله إلّا الله العظيم): الذي لا شيء يعظم عليه، (الحليم): الذي يؤخّر العقوبة مع القدرة، (لا إله إلّا الله ربّ العرش العظيم، لا إله إلّا الله ربّ السّماوات السّبع وربّ الأرض، وربّ العرش الكريم») روي برفع «العظيم» و«الكريم» على أنهما نعتان ل «ربّ»، والثابت في رواية الجمهور: الجرّ نعت العرش.
قال المناوي في «شرح الجامع»: هذا دعاء جليل ينبغي الاعتناء به، والإكثار منه عند العظائم؛ فيه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل التنزيهات الجلالية، والعظمة الدالّة على تمام القدرة، والحلم الدالّ على العلم، إذ الجاهل لا يتصوّر منه حلم ولا كرم، وهما أصل الأوصاف الإكرامية.
قال الإمام ابن جرير: كان السلف يدعون به ويسمّونه «دعاء الكرب»؛ وهو؛
[ ٣ / ١٩٧ ]
وكان ﷺ إذا راعه شيء.. قال: «الله.. الله ربّي لا شريك له» .
وكان ﷺ إذا أراد أمرا.. قال: «اللهمّ؛ خرلي واختر لي» .
وإن كان ذكرا! لكنه بمنزلة الدعاء، لخبر: «من شغله ذكري عن مسألتي أعطيته أفضل ما أعطي السّائل» .
فائدة: قال ابن بطّال؛ عن أبي بكر الرازي: كنت بإصبهان عند أبي نعيم، وهناك شيخ يسمى «أبا بكر» عليه مدار الفتيا، فسعي به عند السلطان فسجن، فرأيت المصطفى ﷺ في المنام وجبريل عن يمينه؛ يحرّك شفتيه بالتسبيح لا يفتر، فقال لي المصطفى ﷺ: قل لأبي بكر يدعو ب «دعاء الكرب» الذي في «صحيح البخاري» حتى يفرّج الله عنه، فأصحبت فأخبرته، فدعا به؛ فلم يكن إلّا قليلا حتى أخرج. والمدار على صدق النية. انتهى.
(و) أخرج النسائي- بسند حسن؛ كما في العزيزي، لكن قال المناوي: فيه سهل بن هاشم الشامي؛ قال في «الميزان» عن الأزدي: منكر الحديث، ثم ساق له هذا الخبر، وقال أبو داود: هو فوق الثقة لكن يخطئ في الأحاديث. انتهى عن ثوبان رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا راعه شيء) من الرّوع: الفزع والخوف، أي: إذا أفزعه شيء؛ (قال «الله الله؛ ربّي لا شريك له») أي: لا مشارك له في ملكه، وهذا تعليم للأمّة، فيسنّ قول ذلك عند الفزع والخوف.
(و) أخرج الترمذي- بسند ضعيف؛ كما قال ابن حجر والنووي- عن أبي بكر الصّديق رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد أمرا)؛ أي:
فعل أمر من الأمور؛
(قال: «اللهمّ؛ خر لي) - أي: فوّضت أمري إليك أن تختار لي ما فيه خير، وتدفع عني ما فيه شرّ- («واختر لي») . أصلح الأمرين واجعل لي الخيرة
[ ٣ / ١٩٨ ]
وكان ﷺ إذا نزل به أمر.. فوّض الأمر فيه إلى الله ﷿، وتبرّأ من الحول والقوّة، وسأله الهدى واتّباعه، وسأله البعد عن الضّلالة. وكان ﷺ إذا جاءه أمر يسرّ به.. خرّ ساجدا شكرا لله تعالى.
فيه؛ أي: إذا كان الأمران خيرا فاختر لي الأكثر خيرا منهما، فالخيرات كلّها من خيرته، والصفوة من الخيرات مختاره، فلا تكرار.
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ إذا نزل به أمر) أي: هجم عليه حزن أو همّ؛ (فوّض الأمر فيه إلى الله ﷿)؛ أي: ردّه إليه وجعله الحاكم فيه، (وتبرّأ من الحول والقوّة) إلى حول الله وقوّته، (وسأله الهدى) إلى الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم (واتّباعه)، وأطلق «الهدى» !! ليتناول كلّ ما ينبغي أن يهدى إليه من أمر المعاش والمعاد ومكارم الأخلاق، (وسأله البعد عن الضّلالة) أي: الهلاك بعدم التوفيق للرشاد، وهذا تشريع وتعليم للأمّة ما ينفعها.
(و) أخرج الترمذيّ في آخر «الجهاد» - وقال: حسن غريب؛ لا يعرف إلّا من هذا الوجه- وأبو داود، وابن ماجه، والحاكم في «الصلاة»؛ كلّهم من حديث بكّار بن عبد العزيز بن أبي بكرة؛ عن أبيه؛ عن جدّه: أبي بكرة رضي الله تعالى عنه- قال الحاكم: وبكّار صدوق، وللخبر شواهد. وقال عبد الحق: فيه بكار؛ وليس بقويّ. وقال ابن القطّان: لكنه مشهور مستور، وقد عهد قبول المستورين.
انتهى مناوي على «الجامع» . وقال العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره، - قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا جاءه) - لفظ رواية الحاكم: «إذا أتاه» - (أمر) أي: أمر عظيم كما يفيده التنكير (يسرّ به) أي: بغتة، فلا يسنّ سجود الشكر لكلّ نعمة كدوام العافية والجاه، وإلّا! لزم استغراق العمر في سجود الشكر. وقوله (خرّ ساجدا شكرا لله تعالى)؛ أي: سقط على الفور هاويا إلى إيقاع سجدة الشكر لله تعالى؛ على ما أحدث له من السرور، فسجدة الشكر سنّة عند حدوث نعمة، وكذا عند اندفاع نقمة، والسجود أقصى حالة العبد في التواضع لربّه؛ وهو: أن
[ ٣ / ١٩٩ ]
وكان ﷺ إذا خرج من بيته.. قال: «باسم الله، التّكلان على الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله» . رواه أبو هريرة
يضع مكارم وجهه بالأرض، وينكّس جوارحه. وهكذا يليق بالمؤمن كلّما زاده ربّه محبوبا ازداد له تذلّلا وافتقارا، فبه ترتبط النعمة ويجتلب المزيد لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] .
والمصطفى ﷺ أشكر الخلق للحقّ لعظم يقينه؛ فكان يفزع إلى السجود.
وفيه ١- حجّة للشافعي في ندب سجود الشكر عند حدوث سرور؛ أو دفع بلية.
٢- وردّ على أبي حنيفة في عدم ندبه. وقوله «لو ألزم العبد بالسجود لكلّ نعمة متجدّدة كان عليه ألايغافل عن السجود طرفة عين، فإنّ أعظم النعم نعمة الحياة؛ وهي متجدّدة بتجدّد الأنفاس» .
وردّ بأن المراد سرور يحصل عند هجوم نعمة ينتظر أن يفجأ بها مما يندر وقوعه، ومن ثمّ قيّدها في الحديث بالمجيء على الاستعارة؛ قاله المناوي على «الجامع» رحمه الله تعالى.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا خرج من بيته؛ قال: «باسم الله) أي: أعتصم، زاد الغزالي في «الإحياء»: «الرّحمن الرّحيم»، (التّكلان) - بضم التاء:
الاعتماد- (على الله، لا حول ولا قوّة إلّا بالله»)؛ أي: لا تحوّل لنا عن المعصية، ولا قوّة لنا على الطاعة إلّا بتيسير الله وإقداره.
قال الحفني على «الجامع»: وقد ورد أنّ الشخص إذا خرج إلى السفر؛ فقال أوّل توجّهه: «بسم الله الرّحمن الرّحيم توكّلت على الله»، وقرأ آية الكرسي؛ كان محفوظا في سفره إلى أن يرجع إلى محلّه.
وإنّما أمر الشخص بقول ذلك عند الخروج من منزله!! لأن مخالطة الناس ربّما توقع فيما لا يليق. انتهى.
وهذا الحديث (رواه أبو هريرة): عبد الرحمن بن صخر اليماني الدّوسي
[ ٣ / ٢٠٠ ]
رضي الله تعالى عنه.
وكان ﷺ إذا خرج من بيته.. قال:
«باسم الله، توكّلت على الله، اللهمّ؛ إنّا نعوذ بك من أن نزلّ أو نضلّ، أو نظلم أو نظلم، أو نجهل أو يجهل علينا» . روته أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها.
(رضي الله تعالى عنه) فيما أخرجه ابن ماجه وابن السّنّي، والحاكم- وفي العزيزي: قال الشيخ: حديث حسن، لكن قال المناوي؛ عن العراقي: فيه ضعف انتهى-:
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا خرج من بيته؛ قال: «باسم الله، توكّلت على الله)؛ أي: اعتمدت عليه في جميع أموري، (اللهمّ؛ إنّا نعوذ بك من أن نزلّ) بفتح النون وكسر الزاي-، من الزّلل؛ أي: من أن نقع في معصية.
(أو نضلّ) - بفتح النون وكسر الضاد المعجمة- عن الحق؛ من الضلالة.
(أو نظلم) - بفتح النون وكسر اللام- (أو نظلم) - بضم النون وفتح اللام- (أو نجهل) - بفتح النون- على أحد. (أو يجهل) - بضم الياء- (علينا») أي:
أن نفعل بغيرنا ما يضرّه؛ أو يفعل بنا غيرنا ما يضرّنا. والقصد من ذلك تعليم الأمة، وإلّا! فهو ﷺ معصوم من الظلم والجهل وغيرهما.
(روته أمّ سلمة) زوج النبي ﷺ، وتقدّمت ترجمتها (رضي الله تعالى عنها)؛ فيما أخرجه عنها الترمذي في «الدعوات»، وابن السنّي، والنسائي في «الاستعاذة» لكن ليس في لفظه «توكّلت على الله» !!. وقال الترمذي: حسن صحيح غريب.
وقال في «رياض الصالحين»: حديث صحيح؛ رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة. انتهى.
(و) أخرج أبو داود بإسناد جيّد- كما في «الأذكار»، وفي العزيزي: إنه حديث حسن- عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال:
[ ٣ / ٢٠١ ]
وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. قال: «أعوذ بالله العظيم، وبوجهه الكريم، وسلطانه القديم؛ من الشّيطان الرّجيم» . وقال: «إذا قال ذلك.. حفظ منه سائر اليوم» .
وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. يقول:
«باسم الله، والسّلام على رسول الله، اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال) حال شروعه في دخوله:
(«أعوذ بالله العظيم) أي: ألوذ بملاذه، وألجأ إليه مستجيرا به،
(وبوجهه الكريم) أي: ذاته، إذ الوجه يعبّر به: ١- عن الذات بشهادة كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [٨٨/ القصص] أي: ذاته، و٢- عن الجهة؛ كما في قوله فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ [١١٥/ البقرة] أي: جهته؛ قاله المناوي على «الجامع» .
(وسلطانه القديم) على جميع الخلائق قهرا وغلبة (من الشّيطان الرّجيم») أي: المرجوم.
(وقال) أي: النبي ﷺ: («إذا قال)؛ أي: ابن آدم (ذلك؛ حفظ منه)؛ أي: من الشيطان؛ أي: من وسوسته (سائر اليوم») أي: جميع ذلك اليوم الذي يقول فيه هذا الذكر.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا دخل المسجد؛ يقول: «باسم الله، والسّلام على رسول الله) أبرز اسمه الميمون على سبيل التجريد عند ذكره، التجاء إلى منصب الرسالة، ومنزل النبوة!! تعظيما لشأنها كأنّه غيره امتثالا لأمر الله في قوله إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ [٥٦/ الأحزاب] . قاله المناوي؛ على «الجامع» . (اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي أبواب رحمتك»، وإذا خرج؛ قال: «باسم الله، والسّلام على رسول الله، اللهمّ؛ اغفر لي ذنوبي، وافتح لي
[ ٣ / ٢٠٢ ]
أبواب فضلك» . روته فاطمة الزّهراء رضي الله تعالى عنها.
أبواب فضلك») .
خصّ الرحمة بالدخول؛ والفضل بالخروج!! لأنّ من دخل اشتغل بما يزلفه إلى الله تعالى وثوابه؛ فناسب ذكر الرحمة، فإذا خرج انتشر في الأرض ابتغاء فضل الله من الرزق؛ فناسب ذكر الفضل.
وطلب المغفرة في هذا الخبر تشريع لأمّته، لأن الإنسان محلّ التقصير في سائر الأحيان؛ قاله المناوي، على «الجامع» .
(روته) البضعة الطاهرة (فاطمة) بنت رسول الله ﷺ، وأشبه الناس به، سيّدة نساء العالمين، ولقبها (الزّهراء) !! قيل: لأنها لم تحض أصلا، ولقبها «البتول» !! لتبتّلها؛ أي: انقطاعها إلى الله ﷿.
ولدت قبل النبوة بخمس سنين، روى الدولابي: أن العبّاس دخل على عليّ وفاطمة وهما يتراجعان في مواليدهما؛ فقال العباس: ولدت يا علي قبل بناء الكعبة بسنوات، وولدت فاطمة وهي تبنى.
وقيل: ولدت سنة إحدى وأربعين من مولد النبي ﷺ.
وتزوّجها في السنة الثانية من الهجرة. قيل: ولها يومئذ خمس عشرة سنة وخمسة أشهر ونصف، ولعليّ يومئذ إحدى وعشرون سنة وخمسة أشهر.
وكان تزوّجها في صفر، وبنى بها في ذي الحجة بعد وقعة أحد، ولم يتزوّج عليّ غيرها حتّى ماتت؛ كأمّها خديجة مع النبي ﷺ.
واشتهر أن عليّا أصدقها درعه التي منحه النبي ﷺ؛ وتسمّى «الحطميّة» وقيل: أصدقها أربعمائة مثقال فضة، واشتهر في كتب الحديث أنّ النبي ﷺ لم يزد في صداق بناته وأزواجه على خمسمائة درهم.
وحضر عقدها جماعة من النبلاء، ودعا ﷺ برطب وزبيب؛ وقال «انتهبوا» .
[ ٣ / ٢٠٣ ]
وروي أنّه خطبها قبل علي جمع من الصحابة، وأنّ تزويجها من عليّ كان بوحي من الله، ودعا لهما النبي ﷺ حين اجتمعا؛ وقال: «جمع الله شملكما، وسعد جدّكما وبارك عليكما، وأخرج منكما كثيرا طيّبا» . قال جابر: ﵄؛ فوالله؛ لقد أخرج الله منهما الكثير الطيّب.. ولدت الحسن والحسين، قيل:
ومحسن، وأم كلثوم، وزينب.
وتوفيت رضي الله تعالى عنها بعد النبي ﷺ بستّة أشهر، وقيل: بثمانية أشهر.
وقيل غير ذلك؛ ليلة الثلاثاء لثلاث خلون من شهر رمضان سنة- ١١- إحدى عشرة. واختلف في سنّها يوم وفاتها!! فقيل: ثمان وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ثلاثون، وقيل: خمس وثلاثون. وقطع الحافظ ابن حجر أنّها ماتت؛ وقد جاوزت العشرين بقليل، والخلاف في عمرها بحسب الخلاف في ميلادها.
وغسّلها عليّ وأسماء بنت عميس، وكانت أوصتها بذلك؛ وقالت لها: يا أسماء! إني أستقبح أن يطرح على المرأة ثوب وتحمل على النعش كالرجل، فوصفت لها أسماء فعل أهل الحبشة، ودعت بجرائد رطبة فأرتها ذلك، فأوصتها أن يعمل لها مثله، فهي أوّل من غطّي نعشه.
ودفنت ليلا، وتولّى ذلك عليّ والعبّاس وأخفي قبرها.
وذكر ابن عبد البرّ: أن الحسن دفن إلى جنب أمّه. انتهى.
وقبر الحسن معروف في قبّة واحدة هو والعبّاس بن عبد المطلب.
ويؤيّد ذلك ما ذكره المحبّ الطبري في «تاريخ المدينة المنورة»: أنّ الشيخ أبا العباس المرسيّ كان يسلّم على فاطمة أمام قبّة العباس، ويذكر أنّه كشف له عن قبرها ثمّ. ذكر هذه الترجمة الشيخ محمد بن علي بن علّان الصدّيقي المكي في «شرح الأذكار» رحمه الله تعالى، و(رضي الله تعالى عنها) فيما أخرجه عنها الإمام أحمد، وابن ماجه، والطبراني.
قال مغلطاي: حديث فاطمة هذا حسن، لكن إسناده ليس بمتّصل. انتهى؛
[ ٣ / ٢٠٤ ]
وكان ﷺ إذا دخل المسجد.. قال:
«باسم الله، اللهمّ؛ صلّ على محمّد، وأزواج محمّد» . رواه أنس رضي الله تعالى عنه.
وكان ﷺ إذا دخل السّوق.. قال:
«باسم الله، اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير هذه السّوق وخير ما فيها، نقله المناوي؛ على «الجامع» رحمه الله تعالى.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا دخل المسجد؛ قال: «باسم الله، الّلهمّ؛ صلّ على محمّد، وأزواج محمّد»)، أورده المصنف عقب ما تقدّم!! إشعارا بندب الصلاة على النبي ﷺ وأزواجه كما يشرع السلام عليه أيضا عند دخول المسجد، لأنّه محلّ الذكر.
(رواه أنس رضي الله تعالى عنه) فيما أخرجه ابن السّنّي في كتاب «عمل اليوم والليلة» بدون ذكر الأزواج. قال السخاوي: وفي سنده من لا يعرف. قال النووي في «الأذكار»: وروينا الصلاة على النبي ﷺ عند دخول المسجد والخروج منه، من رواية ابن عمر أيضا. انتهى كلامه.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك» في «باب الدعاء» بإسناد ضعيف: كلاهما؛ عن بريدة بن الحصيب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل السّوق) أي: أراد دخولها؛ (قال) عند الأخذ فيه: «(باسم الله) - ادخلها- (اللهمّ؛ إنّي أسألك من خير هذه السّوق) بضمّ المهملة، مؤنّث سماعي وقد يذكّر؛ كما أشار إليه الكرماني.
سمّيت بذلك!! لسوق البضائع إليها، وقيل: لقيام الناس فيها على سوقهم؛ جمع ساق، وقيل: لتصاكك السّوق فيها من الازدحام-.
(وخير ما فيها) - مما ينتفع به من الأمور الدنيوية، ويستعان به على القيام بوظائف العبودية، وللوسائل حكم المقاصد-.
[ ٣ / ٢٠٥ ]
وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك أن أصيب يمينا فاجرة، أو صفقة خاسرة» .
وكان ﷺ إذا دخل الخلاء
(وأعوذ بك من شرّها) في ذاتها؛ أو مكانها لكونها مكان إبليس.
(وشرّ ما فيها) أي: من شر ما خلق ووقع فيها، وسيق إليها مما يشغل عن ذكر الربّ سبحانه، أو مخالفة من غشّ، أو خيانة، أو ارتكاب عقد فاسد
وأمثال ذلك.
وقد ورد أن الشيطان يدخل السوق مع أول داخل؛ ويخرج مع آخر خارج.
(اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك أن أصيب فيها يمينا فاجرة)؛ أي: حلفا كاذبا، (أو صفقة خاسرة»)، أي: عقدا فيه خسارة دنيوية؛ أو دينية، وذكرهما تخصيص بعد تعميم، لكونهما أهمّ، ووقوعهما أغلب.
قال المناوي على «الجامع»: وإنما سأل خيرها واستعاذ من شرّها!! لاستيلاء الغافلة على قلوب أهلها حتّى اتخذوا الأيمان الكاذبة شعارا، والخديعة بين المتبايعين دثارا، فأتى بهذه الكلمات ليخرج من حال الغافلة. فيندب لمن دخل السوق أن يحافظ على قول هذا الذكر، فإذا نطق الرجل بهذه الكلمات؛ كان فيه تحرّزا عمّا يكون من أهل الغافلة فيها، وهذا مؤذن بمشروعية دخول السوق، أي:
إذا لم يكن فيه حال الدخول معصية كالصّاغة، وإلّا! حرم. انتهى.
(و) أخرج ابن السنّي في «عمل اليوم والليلة»؛ من طريق إسماعيل بن رافع؛ عن دريد بن نافع؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما- وقال المنذري: هذا حديث ضعيف. وقال العراقي: إسماعيل مختلف فيه، ورواية دريد بن نافع عن ابن عمر منقطعة، وفي العزيزي: إنّ هذا الحديث حسن لغيره قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل) أي: أراد أن يدخل (الخلاء) أصله المحلّ
[ ٣ / ٢٠٦ ]
قال: «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من الرّجس النّجس، الخبيث المخبث، الشّيطان الرّجيم» . وإذا خرج.. قال: «الحمد لله الّذي أذاقني لذّته، وأبقى فيّ قوّته، وأذهب عنّي أذاه» .
الذي لا أحد به، ويطلق على المعدّ لقضاء الحاجة، ويكنّى به عن إخراج الفضلة المعهودة، قال الوليّ العراقيّ: والأوّلان حقيقيان، والثالث مجازي. قال:
فيحتمل أن المراد في الحديث الأول؛ ويوافقه أن الإتيان بهذا الذكر لا يختصّ بالبنيان عند الفقهاء. وأن المراد الثاني؛ ويوافقه لفظ «الدخول» . انتهى. نقله المناوي على «الجامع» .
(قال) عند شروعه في الدخول: («الّلهمّ؛ إنّي أعوذ) أي: ألوذ وألتجئ (بك من الرّجس النّجس) - قال العلقمي: بكسر الراء والنون وسكون الجيم فيهما، لأنه من باب الإتباع؛ وهو أنواع. فمنه: إتباع حركة فاء كلمة حركة فاء أخرى، لكونها قرنت معها. وسكون عين كلمة لسكون عين كلمة أخرى، أو حركتها كذلك. انتهى؛ نقله العزيزي-.
(الخبيث) في نفسه (المخبث) لغيره- بضمّ الميم فسكون الخاء المعجمة؛ فكسر الموحدة- أي: الذي يوقع الناس في الخبائث والنجاسات الحسيّة والمعنوية؛ أي: يفرح بوقوعهم فيها (الشّيطان الرّجيم»)؛ أي: المرجوم.
(وإذا خرج؛ قال: «الحمد لله الّذي أذاقني لذّته) - أي: المأكول والمشروب- (وأبقى فيّ) - بتشديد الياء- (قوّته، وأذهب عنّي أذاه») بإذهاب فضلته.
وخصّ هذا الدعاء بالخارج من الخلاء!! للتوبة من تقصيره في شكر النعمتين المنعم على العبد بهما، وهما: ١- ما أطعمه ثم هضمه ثم سهّل خروج الأذى منه. و٢- أبقى فيه قوّة ذلك.
[ ٣ / ٢٠٧ ]
وكان ﷺ إذا دخل الجبّانة.. يقول: «السّلام عليكم أيّتها الأرواح الفانية، والأبدان البالية، والعظام النّخرة الّتي خرجت من الدّنيا وهي بالله مؤمنة، اللهمّ؛ أدخل عليهم روحا منك وسلاما منّا» .
(و) أخرج ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة»؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل الجبّانة) - بالجيم والموحدة المشدّدة المفتوحتين-: محلّ الدفن. سمّي به!! لأنه يجبن ويفزع عند رؤيته، ويذكر الحلول فيه.
وقال ابن الأثير: الجبّانة الصحراء، وتسمّى بها المقابر!! لأنها تكون في الصحراء؛ تسمية للشيء باسم موضعه. ذكره المناوي؛ على «الجامع» .
(يقول: «السّلام عليكم أيّتها الأرواح الفانيّة)؛ أي: الفاني أجسادها، إذ الأرواح لا تفنى، ولذا أتى بالجملة بعدها مفسّرة لذلك، أعني قوله:
(والأبدان البالية)؛ أي: في غير نحو الشهداء ممن لا تبلى أجسادهم؛ المنظومة في قول بعضهم:
لا تأكل الأرض جسما للنّبيّ ولا لعالم وشهيد قتل معترك
ولا لقارئ قرآن ومحتسب أذانه لإله مجري الفلك
وزيد من صار صدّيقا كذلك من غدا محبّا لأجل الواحد الملك
ومن يموت بطعن والرّباط ومن كثير ذكر وهذا أعظم النّسك
(والعظام النّخرة): المتفتّتة، تقول: نخر العظم نخرا من باب «تعب»:
بلي وتفتّت؛ فهو نخر وناخر (الّتي خرجت) - صفة للأرواح- (من الدّنيا؛ وهي بالله)؛ لا بغيره كما يؤذن به تقديم الجارّ والمجرور على قوله (مؤمنة) أي:
مصدّقة موقنة. (اللهمّ؛ أدخل عليهم روحا) - بفتح الراء-؛ أي سعة واستراحة ورحمة (منك وسلاما منّا) .
[ ٣ / ٢٠٨ ]
قوله: (الأرواح الفانية) أي: الفانية أجسادها.
قال المناوي على «الجامع»: أي دعاء مقبولا، وأخذ ابن تيمية من مخاطبته للموتى أنّهم يسمعون، إذ لا يخاطب من لا يسمع، ولا يلزم منه أن يكون السمع دائما للميت، بل قد يسمع في حال؛ دون حال، كما يعرض للحيّ، فإنّه قد لا يسمع الخطاب لعارض، وهذا السمع سمع إدراك لا يترتّب عليه جزاء؛ ولا هو السمع المنفيّ في قوله إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى [٨٠/ النمل]، إذ المراد به سمع قبول وامتثال أمر، ولذلك قال الحافظ السيوطي رحمه الله تعالى:
سماع موتى كلام الخلق قاطبة جاءت به عندنا الآثار في الكتب
وآية النّفي معناها سماع هدى لا يهتدون ولا يصغون للأدب
قال الحفني: وفي رواية: «إنّ من دخل الجبّانة؛ فقال (السّلام عليكم ورحمة الله دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، الّلهمّ ربّ هذه الأرواح الفانية، والأجساد البالية، والعظام النّخرة، والجلود الممزّقة الّتي خرجت من الدّنيا وهي بك مؤمنة؛ أنزل عليها رحمة من عندك وسلاما منّي) غفر له بعدد من مات من لدن خلق آدم إلى أن تقوم السّاعة» .
قال شيخنا: وهذا الغفران حاصل أيضا برواية المتن. انتهى كلام الحفني.
وقال المناوي على «الجامع»: جاء في كثير من الروايات أنّه كان إذا وقف على القبور؛ قال: «السّلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنّا إن شاء الله بكم لاحقون» . قال البطليوسي: وهنا مما استعملت فيه «إن» مكان «إذا»، فإنّ كلّا منهما يستعمل مكان الآخر. انتهى.
(قوله) في الحديث («الأرواح الفانية»؛ أي: الفانية أجسادها)، إذ الأرواح لا تفنى كما تقدّم، بل هي من الثمانية المستثناة في قول بعضهم:
ثمانية حكم البقاء يعمّها من الهلك والباقون في حيّز العدم
هي العرش والكرسيّ نار وجنّة وعجب وأرواح كذا الّلوح والقلم
[ ٣ / ٢٠٩ ]
و(الرّوح): السّعة.
وكان ﷺ إذا مرّ بالمقابر.. قال: «السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والصّالحين والصّالحات، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون» .
(والرّوح) - بفتح الراء-؛ في قوله «روحا منك» المراد به: (السّعة) والاستراحة.
(و) أخرج ابن السنّي- بإسناد ضعيف؛ كما قال الحافظ ابن حجر في «أمالي الأذكار» - عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا مرّ بالمقابر) أي: مقابر المسلمين؛ (قال:
«السّلام عليكم أهل الدّيار) - بحذف حرف النداء، وسمّيت القبور «ديارا» !! تشبيها لها بديار الأحياء في الدنيا، لاجتماع الموتى فيها وإقامتهم بها- (من المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين والمسلمات، والصّالحين والصّالحات، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون») أي: لا حقون بكم في الوفاة، وقيّد المشيئة!! للتبرّك والتفويض إلى الله تعالى.
قال الخطّابي: وفيه أنّ السلام على الموتى كهو على الأحياء، خلاف ما كانت الجاهلية عليه.
قال المناوي على «الجامع»: وقد ورد بمعنى هذا الحديث في «مسلم»؛ فقال: كان يعلّمهم إذا خرجوا إلى المقابر «السّلام عليكم أهل الدّيار من المؤمنين والمسلمين، وإنّا إن شاء الله بكم لا حقون، نسأل الله لنا ولكم العافية» .
وفي خبر الترمذي: كان إذا مرّ بقبور المدينة؛ قال: «السّلام عليكم يا أهل القبور، يغفر الله لنا ولكم، أنتم سلفنا، ونحن بالأثر» . انتهى.
(و) أخرج أبو داود وسكت عليه، - وأقرّه المنذري، وفي العزيزي: إن
[ ٣ / ٢١٠ ]
وكان ﷺ إذا فرغ من دفن الميت.. وقف عليه فقال: «استغفروا لأخيكم، وسلوا له التّثبيت؛ فإنّه الآن يسأل» .
إسناده حسن. انتهى- وكذا رواه الحاكم والبزّار: كلّهم؛ عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا فرغ من دفن الميت) أي: المسلم.
قال الطيبيّ: والتعريف للجنس، وهو قريب من النّكرات.
(وقف عليه) أي: على قبره هو وأصحابه صفوفا؛ (فقال: «استغفروا لأخيكم) - في الإسلام- (وسلوا له التّثبيت) - أي: اطلبوا له من الله تعالى أن يثبّت لسانه وجنانه لجواب الملكين- (فإنّه الآن يسأل») - بضمّ أوّله-؛ أي: يسأله الملكان: منكر ونكير، فهو أحوج ما كان إلى الدعاء والاستغفار، وذلك لكمال رحمته ﷺ بأمّته، ونظره إلى الإحسان إلى ميتهم ومعاملته بما ينفعه في قبره ويوم معاده.
قال الحكيم الترمذي: الوقوف على القبر وسؤال التثبيت للميت المؤمن في وقت دفنه مدد للميت بعد الصلاة، لأنّ الصلاة بجماعة المؤمنين كالعسكر له اجتمعوا بباب الملك يشفعون له، والوقوف على القبر بسؤال التثبيت مدد العسكر، وتلك ساعة شغل المؤمن، لأنّه يستقبله هول المطلع والسؤال وفتنته، فيأتيه منكر ونكير؛ وخلقهما لا يشبه خلق الآدميين، ولا الملائكة، ولا الطير، ولا البهائم، ولا الهوام، بل خلق بديع، وليس في خلقهما أنس للناظرين!! جعلهما الله مكرمة للمؤمن لتثبيته ونصرته، وهتكا لستر المنافق في البرزخ من قبل أن يبعث حتى يحلّ عليه العذاب.
وإنما كان مكرمة للمؤمن!! لأن العدوّ لم ينقطع طمعه بعد، فهو يتخلّل السبيل إلى أن يجيء إليه في البرزخ، ولو لم يكن للشيطان عليه سبيل هناك؛ ما أمر رسول الله ﷺ بالدعاء بالتثبيت!!.
[ ٣ / ٢١١ ]
وقال الإمام النووي: قال الشافعي والأصحاب: يسنّ عقب دفنه أن يقرأ عنده من القرآن، فإن ختموا القرآن كلّه فهو أحسن. قال:
ويندب أن يقرأ على القبر بعد الدفن أوّل البقرة وخاتمتها. وقال المظهري: فيه دليل على أنّ الدعاء نافع للميت، وليس فيه دلالة على التلقين عند الدفن؛ كما هو العادة.
لكن قال النووي: اتفق كثير من أصحابنا على ندبه!!.
قال الآجرّيّ في «النصيحة»: يسنّ الوقوف بعد الدفن قليلا، والدعاء للميت مستقبل وجهه- بالثبات، فيقال «اللهمّ؛ هذا عبدك وأنت أعلم به منا، ولا نعلم منه إلّا خيرا، وقد أجلسته تسأله، اللهمّ؛ فثبّته بالقول الثابت في الآخرة كما ثبّتّه في الدنيا، اللهمّ؛ ارحمه وألحقه بنبيّه، ولا تضلّنا بعده، ولا تحرمنا أجره») .
انتهى. ذكر ذلك كلّه المناويّ رحمه الله تعالى على «الجامع» .
واستدلّ الشافعيّة على ندب التلقين بعد الدفن: بما رواه الطبراني في «الكبير»؛ عن أبي أمامة ﵁ أنّه قال: إذا أنا متّ فاصنعوا بي كما أمر رسول الله ﷺ أن نصنع بموتانا: أمرنا رسول الله ﷺ؛ فقال:
«إذا مات أحد من إخوانكم فسوّيتم التّراب على قبره؛ فليقم أحدكم على رأس قبره، ثمّ ليقل يا فلان بن فلانة؛ فإنّه يسمعه ولا يجيب، ثمّ يقول يا فلان بن فلانة فإنّه يقول: أرشدنا رحمك الله!. ولكن لا تشعرون؛ فليقل أذكر ما كنت عليه في الدّنيا من شهادة أن لّا إله إلّا الله، وأنّ محمّدا عبده ورسوله، وأنّك رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد نبيّا، وبالقرآن إماما فإنّ منكرا ونكيرا يأخذ كلّ واحد منهما بيد صاحبه؛ فيقول: انطلق بنا، ما يقعدنا عند من لقّن حجّته!!» .
فقال رجل: يا رسول الله؛ فإن لم يعرف أمّه!؟ قال: ينسبه إلى أمّه حواء:
يا فلان بن حوّاء.
[ ٣ / ٢١٢ ]
وكان ﷺ إذا شيّع جنازة.. علا كربه،
قال في «سبل السلام» للسيد محمد بن إسماعيل الأمير رحمه الله تعالى:
قال الحافظ ابن حجر: إسناده صالح، لكن قال الهيثميّ بعد سياقه: أخرجه الطبراني في «الكبير»، وفي إسناده جماعة لم أعرفهم! وجزم ابن القيم في «الهدي» بوضع حديث التلقين.
وأما في «كتاب الروح» !! فإنه جعل حديث التلقين من أدلّة سماع الميت لكلام الأحياء، وجعل اتصال العمل بحديث التلقين من غير نكير كافيا في العمل به، ولم يحكم له بالصحّة، بل قال في «كتاب الروح»: إنّه حديث ضعيف.
قال السيد الصنعاني في «سبل السلام»: ويتحصّل من كلام أئمة التحقيق: أنّه حديث ضعيف، وبه جزم النووي- كما ذكره في «شرح الروض» - وقال: لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة؛ كحديث «اسألوا الله له التّثبيت»، ووصية عمرو بن العاصي إذ قال حين حضرته الوفاة: فإذا دفنتموني فشنّوا علي التراب شنّا، ثمّ أقيموا حول قبري قدر ما تنحر جزور ويقسم لحمها؛ حتى أستأنس بكم وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم. لكن في «سبل السلام»: إن قصة عمرو بن العاصي وحديث «اسألوا له التّثبيت» لا شهادة فيهما على التلقين.
قال في «شرح الأذكار» للشيخ محمد بن علّان الصدّيقي المكي رحمه الله تعالى: وقد ألّف الحافظ السخاوي جزآ في التلقين نقل فيه عن أئمة من أئمة المذاهب الأربعة استحبابه؛ وأطال في ذلك، وتكلّم فيه على حديث التلقين وشواهده؛ وبلغ فيه بضعة عشر شاهدا. والله أعلم.
(و) أخرج الحاكم في كتاب «الكنى والألقاب»؛ عن عمران بن حصين ﵄ قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا شيّع جنازة علا كربه) - بفتح الكاف وسكون الراء بعدهما موحدة؛ هو ما يدهم المرء مما يأخذ بنفسه فيغمّه
[ ٣ / ٢١٣ ]
وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه.
ويحزنه- (وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه) . تفكّرا في أهوال الموت وما بعده؛ من القبر والظلمة وأحوال القيامة، وما إليه المصير. ولعل مستند الراوي في ذلك إخباره ﷺ، وإلّا! فهو أمر خفيّ لا يطّلع عليه.
وقد أخرج هذا الحديث الطبراني في «الكبير» بسند فيه ابن لهيعة- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- بلفظ: كان إذا شهد جنازة رئيت عليه كابة، وأكثر حديث النفس.
وأخرجه أيضا ابن المبارك وابن سعد في «الطبقات»؛ عن عبد العزيز بن أبي رواد مرسلا بلفظ: كان إذا شهد جنازة أكثر الصّمات وأكثر حديث نفسه.
قال المناوي في «شرح الجامع»: قال في «فتح القدير»: ويكره لمشيّع الجنازة رفع الصوت بالذكر والقراءة، ويذكر في نفسه. انتهى.
وقال النووي في «الأذكار»: يستحبّ للماشي مع الجنازة أن يكون مشتغلا بذكر الله تعالى والفكر فيما يلقاه الميت، وما يكون مصيره، وحاصل ما كان فيه، وأنّ هذا آخر الدنيا، ومصير أهلها، وليحذر كلّ الحذر من الحديث بما لا فائدة فيه، فإنّ هذا وقت فكر وذكر يقبح فيه الغافلة واللهو، والاشتغال بالحديث الفارغ، فإنّ الكلام بما لا فائدة فيه منهيّ عنه في جميع الأحوال؛ فكيف في هذا الحال!!
واعلم أنّ الصواب والمختار ما كان عليه السّلف ﵃ من السكوت في حال السّير مع الجنازة، فلا يرفع صوت بقراءة ولا ذكر ولا غير ذلك.
قال ابن علّان في «شرح الأذكار»: لأن الصحابة كرهوا ذلك حينئذ. رواه البيهقي، وكره الحسن وغيره «استغفروا لأخيكم»، ومن ثمّ قال ابن عمر لقائله:
لا غفر الله لك.
لكن رأيت السيد طاهر الأهدل نقل عن جدّه السيد حسين بن عبد الرحمن الأهدل ما لفظه:
[ ٣ / ٢١٤ ]
وكان ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز.
اعلم أنّه؛ وإن كانت السّنّة السكوت؛ فقد اعتاد الناس كثرة الصلاة على النبي ﷺ ورفع أصواتهم بذلك، فلا ينبغي أن ينهوا عن ذلك؛ ويقال إنها بدعة مكروهة، فإنّ المكروه ما ورد فيه نهي مقصود، ولأن دواعيهم لا تتوفّر على السكوت، والفكر في أمر الموت، بل يفيضون في حديث الدنيا بأهلها فيقعون في محذور أعظم من الذي يحاوله الناهي، وقد قالوا: إنّ الناهي يترك النهي عن المنكر إذا لزم عليه الوقوع في منكر أقوى منه. انتهى.
ونقله ابن زياد في «فتاويه»؛ وقال بعد نقله:
وقد جرت العادة في بلدنا «زبيد» بالجهر بالذكر أمام الجنازة بمحضر من العلماء والفقهاء والصلحاء، وقد عمّت البلوى بما شاهدناه من اشتغال غالب المشيّعين بالحديث الدنيوي، وربّما أدّاهم ذلك إلى الغيبة أو غيرها من الكلام المحرّم.
فالذي أختاره أنّ شغل أسماعهم بالذكر المؤدّي إلى ترك الكلام وتقليله أولى من استرسالهم في الكلام الدنيوي؛ ارتكابا لأخفّ المفسدتين، كما هو القاعدة الشرعية، وسواء الذكر والتهليل وغيرهما من أنواع الذكر. والله اعلم. انتهى كلام «شرح الأذكار» .
(و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن سعد في «الطبقات»:
(كان) رسول الله (ﷺ ينهى النّساء عن اتّباع الجنائز) .
وقد أخرج الطبراني والبيهقي في «سننه»؛ عن ابن عمر ﵄:
«ليس للنّساء في اتّباع الجنائز أجر» .
وأخرج الطبراني في «الكبير»، والبزّار؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: «ليس للنّساء في الجنازة نصيب» .
[ ٣ / ٢١٥ ]
وكان ﷺ إذا عزّى.. قال: «يرحمه الله ويؤجركم» .
وفي «الصحيحين»؛ عن أمّ عطيّة رضي الله تعالى عنها: نهينا عن اتباع الجنائز؛ ولم يعزم علينا. أي: نهيا غير محتّم، فهو نهي تنزيه يفيد الكراهة في حقّهنّ فقط.
وأما ما رواه ابن ماجه وغيره مما يدلّ على التحريم!! فضعيف، ولو صحّ، حمل على ما يتضمّن حراما. أمّا اتباع الجنازة للرجال إلى أن تدفن!! فسنّة متأكّدة، لخبر: أمرنا رسول الله ﷺ باتباع الجنائز.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز له برمز أبي نعيم في «الحلية»:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا عزّى) التعزية معناها- لغة-: التصبير لمن أصيب بما يعزّ عليه. وقد يطلق على الصبر على المكروه. وشرعا-: الحمل على الصبر بوعد الأجر والتذكير بأن الأمور جميعها مرجعها لله تعالى، وأنّ له ما أخذ وما أعطى، والتحذير من الوزر بالجزع، والدعاء للميت المسلم بالمغفرة
ونحو ذلك.
وهي مستحبّة على سبيل التأكيد، فإنها مشتملة على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وهي داخلة في قوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] .
وثبت في «الصحيحين»؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه من حديث طويل: أنّ رسول الله ﷺ قال: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه» .
وروى الترمذي والبيهقي في «سننه الكبرى»؛ عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنّه قال: «من عزّى مصابا فله مثل أجره» . وإسناده ضعيف، فلذلك كان ﵊ إذا عزّى (قال: «يرحمه الله) - أي:
يرحم الله الميت- (ويؤجركم») معاشر الأقارب، ويدخل وقت التعزية من حين يموت، والتعزية بعد الدفن أفضل منها قبله، لأن أهل الميت مشغولون بتجهيزه.
وتحصل التعزية بأيّ لفظ. واستحبّ الشافعية أن يقول:
[ ٣ / ٢١٦ ]
وكان ﷺ إذا هنّأ.. قال: «بارك الله لكم، وبارك عليكم» .
١- في تعزية المسلم بالمسلم «أعظم الله أجرك، وأحسن عزاك، وغفر لميّتك» .
و٢- في المسلم بالكافر «أعظم الله أجرك وأحسن عزاك» .
و٣- في الكافر بالمسلم «أحسن الله عزاءك وغفر لميّتك» .
و٤- في الكافر بالكافر «أخلف الله عليك» .
وأحسن ما يعزّى به ما ثبت في «الصحيحين»؛ عن أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما في حديث بنت النبي ﷺ التي أرسلت تدعوه وتخبره أنّ ابنا لها في الموت فقال للرسول: «ارجع إليها فأخبرها أنّ لله ما أخذ ولله ما أعطى، وكلّ شيء عنده بأجل مسمّى، فمرها فلتصبر ولتحتسب » وذكر تمام الحديث؛ قاله النووي رحمه الله تعالى.
(و) في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز ابن منيع؛
(كان) رسول الله (ﷺ إذا هنّأ) - بالتشديد والهمزة آخره- والتهنئة: الدعاء بالهنا لمن فاز بخير ديني؛ أو دنيوي لا يضرّه في دينه؛ قاله في «شرح الأذكار» .
(قال) في تهنئته («بارك الله لكم) - أي: كثّر لكم النموّ والإنعام والأمن من كلّ مؤذ في هذا الأمر المهم الذي يحتاج إلى الإمداد- (وبارك عليكم») أعاد العامل!! لزيادة الابتهال.
قال الكرماني في أواخر «كتاب الدعوات»؛ من «شرح البخاري»: أراد بقوله «بارك الله لك» اختصاص البركة، وبقوله «عليك» استعلاء عليه. انتهى.
وهذا الذكر ورد الدعاء به للمتزوّج، فقد قال ﷺ لجابر بن عبد الله ﵄ حين أخبره أنّه تزوّج: «بارك الله لك وبارك عليك» أخرجه الشيخان، والترمذي، والنسائي عنه.
[ ٣ / ٢١٧ ]
وكان ﷺ إذا دخل على مريض يعوده.. قال:
«لا بأس، طهور إن شاء الله تعالى» .
قال النووي: وروّينا بالأسانيد الصحيحة في سنن أبي داود والترمذي وابن ماجه وغيرها؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ النبي ﷺ كان إذا رفّأ الإنسان إذا تزوّج، قال: «بارك الله لك وبارك عليك، وجمع بينكما في خير» . قال الترمذي: حديث حسن صحيح.
قال المناوي: وأخرج النسائي، وابن ماجه؛ عن عقيل بن أبي طالب أنّه تزوّج بامرأة من بني جشم، وقالوا «بالرفاء والبنين»؛ فقال: لا تقولوا هكذا، ولكن قولوا كما قال رسول الله ﷺ «بارك الله لهم وبارك عليهم» .
وأخرج الحارث بن أبي أسامة، والطبراني في «الكبير»؛ عن عقيل بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: إذا تزوّج أحدكم؛ فليقل له «بارك الله لك وبارك عليك» .
قال المناوي على «الجامع»: وكانت عادة العرب إذا تزوّج أحدهم، قالوا له «بالرفاء والبنين» فنهى عن ذلك وأبدله بالدعاء المذكور.
قال النووي: ويكره أن يقال «بالرفاء والبنين» لهذا الحديث. انتهى.
وقد ألّف الحافظ السيوطي في هذا المعنى جزآ سمّاه «حصول الأماني بأصول التهاني»، وأورد فيه أحاديث وأثارا في التهنئة بأحوال عالية وأزمنة فاضلة وأعمال كاملة وحوادث مسفرة.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا دخل على مريض يعوده، قال: «لا بأس) - أي:
لا ضرر ولا مشقّة عليك هو- (طهور) - بفتح الطاء؛ أي مرضك مطهّر لك من ذنوبك- (إن شاء الله تعالى») . وذلك يدلّ على أن «طهور» دعاء لا خبر فيه.
وفيه أنّه لا نقص على الإمام في عيادة بعض رعيّته؛ ولو أعرابيا جاهلا جافيا، ولا نقص على العالم في عيادة الجاهل ليعلّمه ويذكّره ما ينفعه، ويأمره بالصبر
[ ٣ / ٢١٨ ]
وكان ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم.. قال:
«اللهمّ؛ صلّ على آل فلان» .
وكان ﷺ إذا أراد سفرا.. قال:
ويسلّيه إلى غير ذلك مما يجبر خاطره وخاطر أهله.
وهذا الحديث أخرجه البخاري في «الطب» وغيره؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل النبي ﷺ على أعرابي يعوده؛ فقال: «لا بأس، طهور» .
فقال الأعرابي: كلّا؛ بل هي حمّى تفور على شيخ كبير تزيره القبور. فقال النبي ﷺ: «فنعم؛ إذن» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والشيخان، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه؛ كلهم في «الزكاة»؛ عن عبد الله بن أبي أوفى رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) النبي (ﷺ إذا أتاه قوم بصدقتهم) أي: بزكاة أموالهم؛ (قال) امتثالا لقول ربه له وَصَلِّ عَلَيْهِمْ [١٠٣/ التوبة]: («اللهمّ؛ صلّ على آل فلان») كناية عمن ينسبون إليه، أي: زكّ أموالهم التي بذلوا زكاتها، واجعلها لهم طهورا، واخلف عليهم ما أخرجوه منها، واعطف عليهم بالرحمة، واغفر لهم؛ إنّك أنت الغفور الرحيم.
وهذا من خصائصه ﵊؛ إذ يكره تنزيها إفراد الصلاة على غير نبي؛ أو ملك، لأنّه صار شعارا لهم إذا ذكروا، فلا يقال لغيرهم؛ وإن كان معناه صحيحا. وتمام الحديث عن ابن أبي أوفى؛ قال: فأتاه أبي بصدقته؛ فقال:
«اللهمّ؛ صلّ على آل أبي أوفى» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والبزّار بسند رجاله ثقات؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي (ﷺ إذا أراد سفرا) لغزو أو نحوه (قال) عند خروجه له:
[ ٣ / ٢١٩ ]
«اللهمّ؛ بك أصول، وبك أحول، وبك أسير» .
وكان ﷺ إذا غزا.. قال: «اللهمّ؛ أنت عضدي، وأنت نصيري، بك أحول، وبك أصول، وبك أقاتل» .
وكان ﷺ إذا قفل من غزو، أو حجّ، أو عمرة
(«اللهمّ؛ بك أصول) - أي: أسطو على العدو وأحمل عليه- (وبك أحول) أي: أتحوّل عن المعصية، أو أتحوّل وأنتقل عن مكاني؛ أي ذهابي إلى العدو إنما هو بقدرتك- (وبك أسير») إلى العدو فانصرني عليه.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود في «الجهاد»، والترمذي، وابن ماجه في «الدعوات»، وابن حبان، والضياء المقدسي في «المختارة» بأسانيد صحيحة؛ كلّهم عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) النبي (ﷺ إذا غزا)؛ أي: خرج للغزو (قال: «اللهمّ؛ أنت عضدي) - أي: معتمدي في جميع أموري، لا سيما في الحرب، فأنا أتقوّى بك كما يتقوّى الشخص بعضده- (وأنت نصيري)؛- أي: كثير النصر على أعدائي.
(بك أحول) - بحاء مهملة، من حال يحول، بمعنى: احتال، والمراد: كيد العدو- (وبك أصول) - بصاد مهملة؛ أي: أقهر. قال القاضي: الصّول:
الحمل على العدو، ومنه الصائل- (وبك أقاتل») العدو.
(و) أخرج الإمام مالك في «الموطأ»، والإمام أحمد، والشيخان في «الحج»، وأبو داود، والترمذي في «الجهاد»؛ كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) النبي (ﷺ إذا قفل) - بقاف ثم فاء- أي: رجع وزنا ومعنى، ومنه القافلة؛ أي: الراجعة (من غزو؛ أو حجّ؛ أو عمرة) .
قال الحافظ في «الفتح»: ظاهره اختصاص الذكر الآتي بهذه الأمور الثلاثة،
[ ٣ / ٢٢٠ ]
يكبّر على كلّ شرف من الأرض ثلاث تكبيرات، ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له،
وليس الحكم كذلك عند الجمهور، بل يشرع قول ذلك في كلّ سفر إذا كان سفر طاعة؛ وإن كان المسافر فيه لا ثواب له، فلا يمتنع عليه فعل ما يحصل له الثواب من غيره، وهذا التعليل متعقّب، لأن الذي يخصّه بسفر الطاعة لا يمنع من سافر في مباح أو معصية من الإكثار من ذكر الله تعالى، وإنّما النزاع في خصوص استحباب هذا الذكر بسفر الطاعة، فذهب قوم إلى الاختصاص لكونه عبادة مخصوصة شرع له ذكر مخصوص، فيختصّ به كالذكر المأثور عقب الأذان والصلاة، وإنما اقتصر الصحابيّ على الثلاث!! لانحصار سفره ﷺ فيها. انتهى.
(يكبّر على كلّ شرف) - بفتحتين: مكان عال- (من الأرض ثلاث تكبيرات) . هذا غاية ما كان يقول ﷺ، فالتقييد بالثلاث لبيان الواقع؛ لا للاختصاص، فإنّ الزيادة على الثلاث زيادة خير.
قال الطيبيّ: وجه التكبير على الأماكن العالية هو ندب الذكر عند تجدّد الأحوال والتقلّبات، وكان المصطفى ﷺ يراعي ذلك في الزمان والمكان. انتهى.
وقال الحافظ العراقي: مناسبة التكبير على المرتفع: أنّ الاستعلاء محبوب للنفس، وفيه ظهور وغلبة، فينبغي للمتلبّس به أن يذكر عنده أنّ الله أكبر من كلّ شيء، ويشكر له ذلك ويستمطر منه المزيد.
(ثمّ يقول: «لا إله إلّا الله) بالرفع على البدلية؛ من الضمير المستتر في الخبر المقدّر، أو من اسم «لا»؛ باعتبار محلّه قبل دخولها.
(وحده)؛ نصب على الحال، أي: لا إله منفرد إلّا هو وحده.
(لا شريك له) عقلا ونقلا.
أمّا الأول!! فلأن وجود إلهين محال كما تقرّر في الأصول.
وأمّا الثاني!! فلقوله تعالى وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ [١٦٣/ البقرة]، وذلك يقتضي أن
[ ٣ / ٢٢١ ]
له الملك وله الحمد؛ وهو على كلّ شيء قدير، آئبون،
لا شريك له، وهو تأكيد لقوله «وحده» لأن المتّصف بالوحدانية لا شريك له.
(له الملك) - بضم الميم-: السلطان والقدرة وأصناف المخلوقات
(وله الحمد) . زاد الطبراني في رواية: «يحيي ويميت وهو حيّ لا يموت بيده الخير، (وهو على كلّ شيء قدير)
هذه الجملة الأخيرة عدّها بعضهم من العمومات في القرآن التي لم يدخلها تخصيص؛
وهي كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [١٨٥/ آل عمران]، وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [٦/ هود] وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) [الحجرات] وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤) [البقرة] ونوزع في الأخيرة بتخصيصها بالممكن.
قال القرطبي: وفي تعقيب التكبير بالتهليل إشارة إلى أنّه المنفرد بإيجاد كلّ موجود، وأنّه المعبود في كلّ مكان.
(آئبون) بهمزة ممدودة فهمزة مكسورة. فموحّدة؛ واحده: آئب؛ وهو:
الراجع. قال في «مفتاح الحصن»: بكسر الهمزة بعد الألف، وكثير من الناس يلفظ بياء بعد الألف، وهو لحن. ومعناه: راجعون.
قال في «الحرز»: وكون الياء لحنا إنما هو في الوصل، أما في الوقف عليه!! فهو صحيح بلا خلاف. انتهى.
ثم هو خبر مبتدأ محذوف، أي: نحن راجعون، وليس المراد الإخبار بمحض الرجوع، فإنّه تحصيل الحاصل، بل الرجوع في حالة مخصوصة، وهي تلبّسهم بالعبادة المخصوصة، والاتصاف بالأوصاف المذكورة؛ أشار إليه العلقمي.
وفي «الحرز»: الأولى أن يفسّر «آئبون» براجعون عن الغافلة. فإنّ الأوّاب وصف الأنبياء، ومنه قوله تعالى إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) ونعت الأولياء، ومنه فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُورًا (٢٥) [الإسراء] ويقال للصلاة بين العشاءين «صلاة الأوّابين» . انتهى.
[ ٣ / ٢٢٢ ]
تائبون، عابدون، ساجدون، لربّنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده» .
(تائبون) قال الغزالي في «المنهاج»؛ نقلا عن شيخه: التوبة ترك اختيار ذنب سبق عنك مثله؛ تعظيما لله تعالى.
قال الأبّي: وأصلها الرجوع عما هو مذموم شرعا إلى ما هو محمود شرعا.
وفي قوله «تائبون» إشارة إلى التقصير في العبادة، أو قاله ﷺ على سبيل التواضع، أو تعليما لأمّته!! أو المراد أمّته.
وقد تستعمل التوبة لإرادة الاستمرار على الطاعة، فيكون المراد ألايقع منهم ذنب؛ قاله العلقمي.
(عابدون، ساجدون، لربّنا)؛ متعلّق ب «ساجدون»، أو بسائر الصفات على سبيل التنازع، وهو مقدّر بعد قوله (حامدون) أيضا.
وقال الحفني: يقدّر مع كلّ من هذه الأوصاف «لربّنا» فيكون حذف من الأوّل لدلالة الثاني. انتهى. ومعنى «حامدون»: أي مثنون عليه بصفات الكمال، وشاكرون حوارف الإفضال.
(صدق الله وعده) فيما وعد به من إظهار دينه وكون العاقبة للمتقين؛ وذلك في نحو قوله تعالى وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضى لَهُمْ [٥٥/ النور] .
قال العلقمي: وهذا في سفر الغزو، ومناسبته لسفر الحجّ والعمرة قوله تعالى لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرامَ إِنْ شاءَ اللَّهُ آمِنِينَ [٢٧/ الفتح] .
(ونصر عبده) محمدا رسول الله ﷺ يوم الخندق، فهو يعني به نفسه، إذ المطلق ينصرف للفرد الكامل.
(وهزم الأحزاب) أي: الطوائف المتفرّقة الذين تجمّعوا عليه للقتال يوم الخندق.
ويحتمل عموم الكفار في ذلك اليوم وغيره (وحده») بغير فعل أحد من
[ ٣ / ٢٢٣ ]
وكان ﷺ إذا دخل رجب.. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في رجب وشعبان، وبلّغنا رمضان» .
وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن.. قال مثل ما يقول؛ حتّى إذا بلغ (حيّ على الصّلاة حيّ على الفلاح)
الآدميين، ولا سبب من جهتهم، فقوله «وهزم الأحزاب وحده» نفي لما سبق ذكره.
وهذا معنى الحقيقة، فإنّ فعل العبد خلق لربّه، والكلّ منه وإليه، ولو شاء الله أن يبيد أهل الكفر بلا قتال لفعل، وفيه دلالة على التفويض إلى الله تعالى واعتقاد أنّه مالك الملك، وأنّ له الحمد ملكا واستحقاقا، وأنّ قدرته تتعلّق بكلّ شيء من الممكنات.
(و) أخرج البيهقي؛ في «شعب الإيمان»، وابن عساكر في «تاريخه»، وأبو نعيم في «الحلية»، وكذا البزّار- بإسناد ضعيف؛ كما تقدّم- كلّهم رووه عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا دخل رجب) أي: الشهر المسمّى بذلك الذي هو فرد من أفراد الأشهر الحرم؛ (قال) أي: النبي ﷺ:
(«اللهمّ)؛ أي: يا الله (بارك لنا في رجب) - بالتنوين- (وشعبان) أي:
وفّقنا للأعمال الصالحة فيهما- (وبلّغنا رمضان») . لم يقل «ورمضان»؛ بل زاد «وبلّغنا» !! لبعده عن أول رجب؛ كذا قاله الحفني.
قال ابن رجب: وفيه دليل على ندب الدعاء بالبقاء إلى الأزمنة الفاضلة لإدراك الأعمال الصالحة فيها، فإنّ المؤمن لا يزيده عمره إلّا خيرا.
(و) أخرج الإمام أحمد، والبزّار، والطبراني- بسند؛ قال الهيثمي: فيه عاصم بن عبيد الله، وهو ضعيف، لكن روى عنه مالك- كلّهم رووه عن أبي رافع رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) النبي (ﷺ إذا سمع المؤذّن قال مثل ما يقول) ذلك المؤذّن، (حتّى إذا بلغ) أي: ذلك المؤذّن (حيّ على الصّلاة، حيّ على الفلاح) أي: هلمّوا
[ ٣ / ٢٢٤ ]
قال: «لا حول ولا قوّة إلّا بالله» .
وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن يتشهّد.. قال:
«وأنا.. وأنا» . وكان ﷺ إذا سمع المؤذّن قال:
(حيّ على الفلاح)
إليها، وأقبلوا وتعالوا مسرعين، (قال: «لا حول)؛ أي: لا تحوّل لنا عن معصية الله. (ولا قوّة) لنا على طاعة الله تعالى (إلّا بالله») تعالى.
قال ابن الأثير: المراد بهذا ونحوه: إظهار الفقر إلى الله تعالى بطلب المعونة منه على ما يحاول من الأمور كالصلاة هنا، وهو حقيقة العبودية. انتهى.
(و) أخرج أبو داود، والحاكم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) النبي (ﷺ إذا سمع المؤذّن يتشهّد)؛ أي: ينطق بالشهادتين في أذانه؛ (قال: «وأنا.. وأنا») أي: يقول عند أشهد ألاإله إلّا الله: «وأنا»، ويقول عند أشهد أنّ محمدا رسول الله: «وأنا» .
فقوله «وأنا» مبتدأ خبره محذوف؛ أي: وأنا أشهد كما تشهد، فتكرير «أنا» راجع إلى الشهادتين.
وفيه أنّه كان مكلّفا أن يشهد على رسالته كسائر الأمة.
وفيه أنّه لو اقتصر على قوله «وأنا» حصل له فضل متابعة الأذان كلّه؛ ذكره المناوي على «الجامع»، وقال: رواه ابن حبّان وبوّب عليه «باب إباحة الاقتصار عند سماع الأذان على وأنا وأنا» . انتهى.
لكن قال الحفني في «حواشي الجامع الصغير»: لا تحصل سنّة الإجابة على لفظ «وأنا»، بل لا بدّ من أن يقول «وأنا أشهد الخ»، أو يقتصر على «أشهد الخ» بدون لفظ «أنا» . انتهى.
(و) أخرج ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» بسند ضعيف؛ عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) النبي (ﷺ إذا سمع المؤذّن؛ قال) في أذانه (حيّ على الفلاح)؛
[ ٣ / ٢٢٥ ]
قال: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» .
وكان ﷺ إذا نظر
أي: هذه الجملة؛ (قال) أي: النبي ﷺ مجيبا له: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» أي: فائزين بكلّ خير، ناجين من كل ضير.
فيسنّ لمن سمع المؤذن أن يقول مثل قوله، فيأتي بكلّ كلمة عقب فراغ المؤّذن منها حتّى في الترجيع؛ وإن لم يسمعه. إلّا في قوله «حي على الصلاة.. حي على الصلاة، حي على الفلاح.. حي على الفلاح» فإنّه يقول «لا حول ولا قوة إلا بالله» .
قال في «حواشي فتح المعين» ويسنّ أن يجيب كلّا من الحيعلة بلفظه أيضا، ثم يحوقل ويزيد مع حيّ على الفلاح: «اللهمّ؛ اجعلنا مفلحين» . انتهى. قال في «فتح المعين»: ولو سمع بعض الأذان!! أجاب فيه وفيما لم يسمعه. ولو ترتّب المؤذّنون؟! أجاب الكلّ.
وفي «حواشي فتح المعين» . ومما عمّت به البلوى ما إذا أذّن المؤذنون، واختلطت أصواتهم على السامع؛ وصار بعضهم يسبق بعضا! وقد قال بعضهم:
لا يستحبّ إجابة هؤلاء. والذي أفتى به الشيخ عز الدين أنّه يستحبّ إجابتهم؛ أي: إجابة واحدة؛ ويتحقق ذلك بأن يتأخّر بكلّ كلمة حيث يغلب على ظنّه أنهم أتوابها، بحيث تقع إجابته متأخرة؛ أو مقارنة، فلو سكت حتى فرغ كلّ الأذان؛ ثم أجاب قبل فاصل طويل عرفا؟! كفى في أصل سنة الإجابة. انتهى.
وفي «فتاوي السمهودي»: لا يستحبّ للمؤذّن أن يجيب أذان نفسه؛ وإن تردّد في ذلك الإسنوي في «تمهيده» . وصنّف فيه السمهودي «جزآ» أودعه فتاويه المشرقة. وتردّد الأشخر في إجابة أذان غير الصلاة: هل يطلب؛ أم لا؟
واستظهر الثاني. قال: لأنّ الجواب إنّما هو للدّعاء إلى الصلاة، وغيره ذكر قد يطلب إجابته. قال: ولم أر فيه شيئا. انتهى «شرح الأذكار» .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير» بإسناد ضعيف؛ عن حذيفة بن أسيد- بفتح الهمزة والتنوين-: الغفاري رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبي (ﷺ إذا نظر
[ ٣ / ٢٢٦ ]
إلى البيت.. قال: «اللهمّ؛ زد بيتك هذا تشريفا وتعظيما وتكريما وبرّا ومهابة» .
وكان ﷺ إذا رأى ما يحبّ.. قال: «الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات»، وإذا رأى ما يكره.. قال: «الحمد لله على كلّ حال،
إلى البيت) - أي: الكعبة- (قال: «اللهمّ؛ زد بيتك هذا) أضافه إليه! لمزيد التشريف، وأتى باسم الإشارة! تفخيما (تشريفا)؛ أي: ترفيعا وإعلاء (وتعظيما)؛ أي: تبجيلا (وتكريما)، أي: تفضيلا.
وكأنّ حكمة تقديم التعظيم على التكريم في البيت؛ وعكسه في قاصده: أنّ المقصود بالذّات في البيت إظهار عظمته في النفوس حتّى يخضع لشرفه ويقوم بحقوقه، ثم كرامته بإكرام زائريه بإعطائهم ما طلبوه، وإنجازهم ما أمّلوه. وفي زائره وجود كرامته عند الله تعالى بإسباغ رضاه عليه، وعفوه عمّا جناه واقترفه؛ ثم عظمته بين أبناء جنسه بظهور تقواه وهدايته أيضا!!.
ويرشد إلى هذا ختم دعاء البيت بالمهابة الناشئة عن تلك العظمة، إذ هي التوقير والإجلال، وختم دعاء الزائر بالبرّ الناشئ عن ذلك التكريم، إذ هو الاتساع في الإحسان. فتأمّله. أشار إليه بعض المتأخّرين؛ قاله ابن علّان.
(وبرّا ومهابة») إجلالا وعظمة، وتمام هذا الدّعاء في حديث الطبراني؛ كما في شرح «الأذكار»: «وزد من عظّمه وشرّفه ممّن حجّه؛ أو اعتمره، تشريفا وتكريما ومهابة وبرّا» . انتهى.
(و) أخرج ابن ماجه وابن السنّيّ: كلاهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قال في «الأذكار»: وإسناده جيّد- قالت:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا رأى ما يحبّ قال: «الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات») قال الحسن: ما من رجل يرى نعمة الله عليه؛ فيقول: الحمد لله الّذي بنعمته تتمّ الصّالحات إلّا أغناه الله. وزاد: (وإذا رأى ما يكره قال: «الحمد لله على كلّ حال
[ ٣ / ٢٢٧ ]
ربّ أعوذ بك من حال أهل النّار» .
وكان ﷺ إذا سمع صوت الرّعد
ربّ أعوذ بك من حال أهل النّار») بيّن به أنّ شدائد الدنيا مما يلزم العبد الشكر عليها، لأنّ تلك الشدائد نعم في الحقيقة؛ لأنّها تعرّضه لمنافع عظيمة ومثوبات جزيلة، وأعواض كريمة في العاقبة؛ تتلاشى في جنبها مشقّة هذه الشدائد فَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩) [النساء]، وما سمّاه الله خيرا فهو أكثر مما يبلغه الوهم.
نحمده على شمول النّعم حتّى لقد أبطنها في الألم
والنعمة ليست هي اللّذة، وما اشتهته النّفس بمقتضى الطّبع، بل هي ما يزيد في رفعة الدّرجة؛ ذكره الإمام الغزالي؛ ونقله المناوي رحمهم الله تعالى. آمين.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذي؛ في «كتاب الدعاء» - قال الصدر المناوي: بسند جيّد- وأخرجه الحاكم في «الأدب»: كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب- قال الحاكم: صحيح، وأقرّه الذّهبيّ. وفي العزيزي: قال الشيخ حديث صحيح، لكن قال النووي في «الأذكار» بعد عزوه للترمذي: إسناده ضعيف. وقال الحافظ العراقي: وسنده حسن؛ ذكره المناوي على «الجامع» - قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا سمع صوت الرّعد) بإضافة العامّ إلى الخاصّ للبيان، فالرّعد: هو الصوت الّذي يسمع من السّحاب؛ كذا قاله ابن الملك.
والصحيح: أن الرعد ملك موكّل بالسّحاب. وقد نقل الشافعي؛ عن الثّقة؛ عن مجاهد: أنّ الرّعد ملك، والبرق أجنحته يسوق السحاب بها، ثمّ قال:
وما أشبه ما قاله بظاهر القرآن!!. قال بعضهم: وعليه فيكون المسموع صوته، أو صوت سوقه على اختلاف فيه.
ونقل البغوي عن أكثر المفسرين: أنّ الرّعد ملك يسوق السحاب، والمسموع
[ ٣ / ٢٢٨ ]
والصّواعق
تسبيحه. وعن ابن عباس: أنّ الرّعد ملك موكل بالسّحاب؛ وأنه يحوز الماء في نقرة إبهامه، وأنّه يسبح الله تعالى؛ فلا يبقى ملك إلّا يسبح، فعند ذلك ينزل المطر.
وروي أنّ النبي ﷺ قال: «بعث الله السّحاب فنطقت أحسن النّطق، وضحكت أحسن الضّحك، فالرّعد نطقها، والبرق ضحكها» .
وقيل: البرق لمعان صوت الرّعد يزجر به السّحاب.
وأما قول الفلاسفة: إن الرّعد صوت اصطكاك أجرام السّحاب، والبرق ما يقدح من اصطكاكها!! فهو من حزرهم وتخمينهم؛ فلا يعوّل عليه. انتهى.
ذكر جميع ذلك العلّامة محمد بن علي بن علّان في «شرح الأذكار» .
(والصّواعق) بالنصب، فيكون التقدير: وأحسّ الصّواعق، من باب:
«علفتها تبنا وماء باردا» . أو أطلق السّمع وأريد به الحسّ؛ من باب: إطلاق الجزء وإرادة الكلّ. وفي نسخة: بالجر؛ عطفا على الرّعد، وهو إنّما يصحّ على بعض الأقوال في تفسير الصّاعقة. قال بعضهم: قيل. هي نار تسقط من السماء في رعد شديد، فعلى هذا لا يصحّ عطفه على شيء ممّا قبله.
وقيل: الصّاعقة صيحة العذاب أيضا، وتطلق على صوت شديد غاية الشّدة يسمع من الرّعد، وعلى هذا يصحّ عطفه على صوت الرعد، أي: صوت السحاب، فالمراد بالرّعد: السّحاب؛ بقرينة إضافة الصوت، أو الرعد: صوت السّحاب.
وقال الطيبيّ: هي قصفة رعد تنقضّ معها قطعة من نار، يقال: صعقته الصّاعقة: إذا أهلكته فصعق؛ أي: مات. إمّا لشدة الصوت، وإمّا بالإحراق، ولعلّ اختيار الجمع في قوله: الصواعق؛ موافقته للآية. انتهى.
ذكر ذلك كلّه الشيخ محمد علي بن علّان في «شرح الأذكار» النووية.
[ ٣ / ٢٢٩ ]
قال: «اللهمّ؛ لا تقتلنا بغضبك، ولا تهلكنا بعذابك، وعافنا قبل ذلك» .
وكان ﷺ إذا سمع الرّعد.. قال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده» .
(قال «اللهمّ؛ لا تقتلنا بغضبك) الغضب استعارة، والمشبّه به الحالة التي تعرض للملك عند انفعاله، وغليان دم القلب، ثم الانتقام من المغضوب عليه، وأكثر ما ينتقم به القتل، فرشّح الاستعارة به عرفا.
(ولا تهلكنا بعذابك) الإهلاك والعذاب جاريان على الحقيقة في حقّه تعالى، وقيل: الغضب هنا من صفة الذّات، أي: إرادة الهلاك ونحوه، والعذاب من صفة الأفعال. ولمّا لم يكن تحصيل المطلوب إلّا بمعافاة الله تعالى كما أخبر: «أعوذ بمعافاتك من عقوبتك»؛ قال: (وعافنا) من البلايا والخطايا المقتضية للعذاب والغضب (قبل ذلك») أي: قبل وقوع ما ينتظر، والمراد الدّعاء بأن لا يقع شيء من ذلك.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي ورمز له برمز البخاريّ: (كان) رسول الله (ﷺ إذا سمع الرّعد؛ قال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد) هو: ملك موكّل بالسّحاب على ما ثبت في الأحاديث، فنسبة التسبيح إليه حقيقة، أي: ينزّهه متلبّسا (بحمده») .
وفي «الأذكار النووية»: روّينا بالإسناد الصحيح في «الموطأ»؛ عن عبد الله بن الزبير رضي الله تعالى عنهما: أنّه كان إذا سمع الرّعد ترك الحديث؛ وقال: «سبحان الّذي يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته» . انتهى.
قال في «شرحه»؛ نقلا عن الحافظ ابن حجر: وهو حديث موقوف؛ أخرجه البخاري في كتاب «الأدب المفرد»، عن إسماعيل بن أبي أويس؛ عن مالك.
وقوله: «ترك الحديث»؛ أي: الكلام مع الأنام.
[ ٣ / ٢٣٠ ]
وكان ﷺ إذا رأى المطر.. قال: «اللهمّ؛ صيّبا نافعا» .
وزاد الحافظ في روايته بعد قوله «جثا وترك الحديث» قوله: «وما كان فيه»، فإن كان في صلاة أتمّ الصلاة؛ وقال: إنّ هذا لوعيد شديد لأهل الأرض، سبحان الّذي يسبح الرّعد بحمده الخ.
وأخرج الطبراني بإسناده إلى ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
كنا مع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه في سفر فأصابنا رعد وبرق ومطر، فقال لنا كعب: من قال حين يسمع الرعد: سبحان من يسبّح الرّعد بحمده والملائكة من خيفته «ثلاثا»؛ عوفي من ذلك الرعد، فقلنا فعوفينا، ثم لقيت عمر في بعض الطريق، فإذا بردة أصابت أنفه، فقلت: ما هذا؟ فقال: بردة أصابت أنفي، فأثّرت فيّ، فقلت: إن كعبا قال فذكره. فقلنا فعوفينا، فقال عمر:
فهلّا أعلمتمونا حتى نقول!! قال الحافظ: هذا موقوف حسن الإسناد، وهو؛ وإن كان عن كعب؛ فقد أقرّه ابن عباس وعمر، فدلّ على أنّ له أصلا.
قال: وقد وجدت بعضه بمعناه من وجه آخر عن ابن عباس أخرجه الطبراني أيضا؛ عن النبي ﷺ: «إذا سمعتم الرّعد فاذكروا الله فإنّه لا يصيب ذاكرا» وفي سنده ضعف. انتهى. وقد جاء عن ابن عباس أيضا قال: ومن قال هذا الذكر فأصابته صاعقة؛ فعليّ ديته. انتهى كلام «شرح الأذكار» .
(و) أخرج البخاريّ في «صحيحه»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا رأى المطر قال: «اللهمّ صيّبا) أي: اسقنا «صيّبا» أي: مطرا (نافعا) لا مغرقا كطوفان نوح؛ قاله ابن مالك.
وقال الطيبيّ: هو تتميم في غاية الحسن؛ لأنّ «صيّبا» مظنّة الضّرر، وتبعه عليه ابن حجر الهيتمي المكيّ. ويجوز أن يكون احترازا عن مطر لا يترتّب عليه نفع، أعمّ من أن يترتّب عليه ضرر؛ أم لا، وقد روى هذا الحديث النسائيّ وابن ماجه، لكن قال: «سيّبا» بإبدال الصّاد في «صيبا» سينا.
[ ٣ / ٢٣١ ]
وكان ﷺ إذا سال السّيل.. قال: «اخرجوا بنا إلى هذا الوادي الّذي جعله الله طهورا، فنتطهّر منه، ونحمد الله عليه» .
وكان ﷺ إذا اشتدّ الرّيح الشّمأل.. قال:
«اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ ما أرسلت فيها» .
قال الحافظ العراقي: وسند الكلّ صحيح، فينبغي- كما نقل في «المرقاة» عن النووي- الجمع بين ذلك كلّه، أو يأتي بما في كلّ رواية. والله أعلم.
(و) أخرج الإمام الشافعي في «مسنده»، والبيهقي في «سننه»: كلاهما عن يزيد بن الهاد مرسلا، ونقل المناوي عن الذّهبيّ أنه مع إرساله منقطع أيضا:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا سال السّيل قال: «اخرجوا بنا إلى هذا الوادي الّذي جعله الله طهورا) أي: جعل ما سال فيه مطهرا (فنتطهّر منه) الطهارة: تشمل الغسل والوضوء، والأفضل عند الشافعية الجمع بين الغسل والوضوء، ثم الغسل، ثم الوضوء، فيسنّ فعل ذلك لكلّ أحد. قالت الشافعية: ويسنّ لكلّ أحد أن يبرز للمطر، ولأول مطر آكد، ويكشف له من بدنه غير عورته، ويغتسل ويتوضّأ في سيل الوادي، فإن لم يجمعهما توضأ.
(ونحمد الله عليه»)؛ أي: على حصوله.
(و) أخرج ابن السنيّ والبزار والطبراني في «الكبير» كلّهم؛ عن عثمان بن أبي العاصي رضي الله تعالى عنه- وفي سنده عبد الرحمن بن إسحاق وأبو شيبة؛ وكلاهما ضعيف كما قال الحافظ الهيثمي، قال الحافظ ابن حجر: لكن تقوى بشواهده-.
(كان) النبي (ﷺ إذا اشتدّ الرّيح الشّمأل) - قال العزيزي: بسكون الميم؛ مقابل الجنوب-.
(قال: «اللهمّ؛ إنّي أعوذ بك من شرّ ما أرسلت) - بفتح التاء المثناة- (فيها»)
[ ٣ / ٢٣٢ ]
وكان ﷺ إذا اشتدت الرّيح.. قال: «اللهمّ؛ اجعلها لقحا لا عقيما»؛
وفي رواية بدله: «من شرّ ما أرسلت به»؛ على صيغة المجهول، والمراد: أنها قد تبعث عذابا على قوم، فتعوّذ من ذلك، فتندب المحافظة على قول ذلك عند اشتدادها وعدم الغافلة عنه.
قال النووي في «الأذكار»: روّينا في «سنن أبي داود» وابن ماجه بإسناد حسن؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول:
«الرّيح من روح الله تعالى، تأتي بالرّحمة وتأتي بالعذاب، فإذا رأيتموها فلا تسبّوها، وسلوا الله خيرها، واستعيذوا بالله من شرّها» . قلت: قوله ﷺ «من روح الله» هو- بفتح الراء- قال العلماء، أي: من رحمة الله بعباده. انتهى.
فائدة: ذكر شيخ الإسلام زكريا الأنصاريّ وغيره: أنّ الرياح أربع: التي تجيء من تجاه الكعبة: الصّبا، ومن ورائها: الدّبور، ومن جهة يمينها: الجنوب، ومن جهة شمالها: الشمأل. ولكلّ منها طبع، فالصّبا: حارّة رطبة، والدّبور:
باردة رطبة، والجنوب: حارّة رطبة، والشمأل: باردة يابسة، وهي من ريح الجنة التي تهبّ عليهم؛ كما في «مسلم» انتهى. ذكره ابن علان في «شرح الأذكار» .
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد»، وابن حبان في «صحيحه»، والحاكم في «المستدرك»، وابن السنّي كلّهم؛ عن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه- وهو حديث صحيح؛ كما قال الحافظ ابن حجر- قال:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا اشتدّت الرّيح قال: «اللهمّ [اجعلها] لقحا) - بفتح اللام والقاف-؛ من باب تعب، قال في «السلاح» - بفتح اللام مع فتح القاف وسكونها، وبالحاء المهملة-: الحاملة للسحاب، والعقيم بعكسه انتهى.
أي: اجعلها حاملة للماء كاللّقحة من الإبل؛ (لا عقيما») هو تأكيد لما قبله؛ أي: لا تجعلها خالية عن الماء كالعقيم من الحيوان؛ لا ولد له، شبّه الريح التي جاءت بخير من إنشاء سحاب ماطر بالحامل، كما شبّه ما لا يكون كذلك
[ ٣ / ٢٣٣ ]
أي: حاملا للماء كاللّقحة من الإبل.
وكان ﷺ إذا عصفت الرّيح.. قال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها؛ وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها، وشرّ ما أرسلت به»
بالعقيم. قال تعالى وَأَرْسَلْنَا الرِّياحَ لَواقِحَ [٢٢/ الحجر] .
ثم بيّن المصنف معنى قوله في الحديث «لقحا»؛ فقال: (أي: حاملا للماء كاللّقحة) - بكسر اللام وفتحها- أي: الناقة (من الإبل) القريبة العهد بالنتاج، والجمع: لقح، وقد لقحت الناقة لقحا ولقاحا، وناقة لاقح إذا كانت حاملا، ونوق لواقح، واللّقاح: ذوات الألبان، الواحدة: لقوح. كذا في «النهاية» .
(وكان) النبيّ (ﷺ إذا عصفت) - بفتح أوّليه المهملتين وبالفاء- (الرّيح) أي: اشتدّ هبوبها (قال) داعيا إلى الله («اللهمّ؛ إنّي أسألك خيرها وخير ما فيها) أي: الخير العارض منها من المنافع كلّها.
(و) أسألك (خير ما أرسلت به)؛ أي: بخصوصها في وقتها، وهي بصيغة المجهول. (وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما فيها؛ وشرّ ما أرسلت به») - على صيغة المجهول- قال المناوي كالعلقمي: - وتمامه عند مخرّجه مسلم- قالت: أي:
عائشة، وإذا تخيّلت السماء تغيّر لونه، وخرج؛ ودخل، وأقبل؛ وأدبر، فإذا أمطرت سرّي عنه فعرفت ذلك فسألته!، فقال: «لعلّه يا عائشة كما قال الله تعالى فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضًا مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا» [٢٤/ الأحقاف] الآية. انتهى.
قال الحفني: ففيه الاستعداد بالمراقبة لله تعالى والالتجاء إليه عند اختلاف الأحوال وحدوث ما يخاف بسببه، وكان خوفه ﷺ أن يعاقبوا بعصيان العصاة، وسروره بزوال الخوف. وهذا لا ينافي قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال] !! لأنه يخاف أن يكون عذابا مخصوصا أو معلقا على شيء، كما قال بعض المبشرين بالجنة: لو كانت إحدى رجليّ داخل الجنّة والآخرى خارجها
[ ٣ / ٢٣٤ ]
روته عائشة رضي الله تعالى عنها.
ما أمنت مكر الله. انتهى.
قال العزيزي: قال أبو عبيد وغيره: «تخيلت السماء» من المخيلة- بفتح الميم-: وهي سحابة فيها رعد وبرق تخيّل إليه أنها ماطرة، ويقال: أخالت إذا تغيّرت. انتهى.
(روته عائشة) أم المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) فيما أخرجه الإمام أحمد ومسلم والترمذي عنها.
تنبيه: قال في «شرح الأذكار»: وقع في «المشكاة» أن الحديث متفق عليه!! فنظر فيه في «المرقاة» بأنه من أفراد مسلم، كما يفهم من كلام ابن الجزري في «التصحيح» حيث قال: رواه مسلم، وأبو داود الخ.
وقد عزاه السيوطي في «الجامع الصغير» إلى تخريج الترمذي أيضا؛ ولم يذكر أبا داود فيمن خرّجه!! وراجعت «باب ما يقول: إذا هاجت الريح»؛ من «سنن أبي داود» فلم أره فيه، فلعلّ ما نقله ابن الجزري عنه في بعض النسخ، ثم رأيت ما يؤيد ما ذكره صاحب «المشكاة»؛ وهو «تيسير الوصول إلى جامع الأصول» لابن الدّيبع بعد ذكر الحديث باللفظ المذكور، وقال: أخرجه الشيخان هكذا، والترمذي. انتهى. وأخرجه الترمذي؛ وقال: حديث حسن صحيح، والإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، والنسائي في «اليوم والليلة»؛ عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تسبّوا الرّيح، فإذا رأيتم ما تكرهون؛ فقولوا: اللهمّ؛ إنّا نسألك خير هذه الرّيح وخير ما فيها؛ وخير ما أمرت به، ونعوذ بك من شرّ هذه الرّيح؛ وشرّ ما فيها؛ وشرّ ما أمرت به» .
وأخرج ابن السنّي؛ عن أنس بن مالك وجابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم؛ عن رسول الله ﷺ قال: «إذا وقعت كبيرة؛ أو هاجت ريح عظيمة فعليكم بالتّكبير؛ فإنه يجلو العجاج الأسود» . ذكره النووي في «الأذكار» . وقوله:
[ ٣ / ٢٣٥ ]
وروى ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ إذا هاجت ريح
«كبيرة» الله أعلم أنّ التقدير: مصيبة كبيرة؛ أي: من موت، أو حريق، فالتكبير يدفع حرّ النار، وإذا استحضر العبد مضمون التكبير هان عليه ما لاقاه من مصيبة.
وقوله: «العجاج الأسود» !! قال النووي في «التهذيب»؛ نقلا عن أبي عبيد: العجاج غبار تثور به الريح، الواحدة: عجاجة؛ أي: أنّ التكبير يجلو؛ أي: يذهب عن مرآة الجوّ العجاج الأسود من الظلمة والقتام. والله أعلم.
ثم يحتمل أن يكون ذلك على حقيقته بما خصّ الله به التكبير من رفع ذلك، ويحتمل أن يكون المراد يجلو عن القلب التعب الحاصل من القتام الأسود؛ أي:
لردّه الأمر حينئذ إلى فاعله، وعلمه بالفاعل المختار الّذي لا يخلو فعل من أفعاله عن حكمة والله أعلم. انتهى. ذكره في «شرح الأذكار» .
(وروى ابن عبّاس) حبر الأمّة وترجمان القرآن- وقد تقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما) فيما أخرجه الطّبراني في «الكبير»، والبيهقي في «سننه» عنه بسند فيه حسين بن قيس الملقب ب «حنش»، وهو متروك؛ وبقية رجاله رجال الصحيح؛ كما قال الحافظ الهيثمي-.
ورواه ابن عدي في «الكامل» من هذا الوجه وأعله بحسين المذكور، ونقل تضعيفه عن أحمد والنسائي، وذكره المناوي؛ فقال: ثم رأيت الحافظ في «الفتح» عزاه لأبي يعلى وحده؛ عن أنس رفعه، وقال: إسناده صحيح. انتهى.
قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا هاجت ريح)؛ أي: اشتدّ هبوبها، والريح المفردة في القرآن للشرّ، والمجموعة للخير، ولم ترد في القرآن مفردة في الخير إلّا في موضع واحد، وهو قوله تعالى وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ [٢٢/ يونس] ذكره العزيزي والحفني وغيرهما. قال المناوي: وفي رواية: «الريح» معرّفا.
[ ٣ / ٢٣٦ ]
استقبلها بوجهه، وجثا على ركبتيه، ومدّ يديه، وقال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير هذه الرّيح وخير ما أرسلت به، وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به، اللهمّ؛ اجعلها رحمة، ولا تجعلها عذابا، اللهمّ؛ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا» .
(استقبلها بوجهه وجثا على ركبتيه) أي: قعد عليهما وعطف ساقيه إلى تحته، وهو قعود المستوفز الخائف الّذي إذا احتاج إلى النهوض نهض سريعا، وهو قعود الصغير بين يدي الكبير، وفيه نوع أدب مع الله تعالى، فكان هذا منه ﷺ تواضعا لله وخوفا على أمّته، وتعليما لهم في تبعيّته كأنّه لمّا هبت الريح وأراد أن يخاطب ربّه بالدعاء قعد قعود المتواضع لربّه الخائف من عذابه.
(ومدّ يديه) للدعاء (وقال: «اللهمّ؛ إنّي أسألك خير هذه الرّيح وخير ما أرسلت به، [وأعوذ بك من شرّها وشرّ ما أرسلت به]، اللهمّ؛ اجعلها رحمة) لنا (ولا تجعلها عذابا) علينا، (اللهمّ؛ اجعلها رياحا، ولا تجعلها ريحا») .
لأنّ الريح من الهواء، والهواء أحد العناصر الأربع التي بها قوام الحيوان والنبات، حتّى لو فرض عدم الهواء دقيقة لم يعش حيوان، ولم ينبت نبات.
والريح: اضطراب الهواء وتموّجه في الجوّ؛ فيصادف الأجسام فيحللها، فيوصل إلى دواخلها من لطائفها ما يقوم لحاجته إليه، فإذا كانت الريح واحدة جاءت من جهة واحدة، وصدمت جسم الإنسان والنبات من جانب واحد، فتؤثّر فيه أثرا أكثر من حاجته؛ فتضرّه، ويتضرّر الجانب المقابل لعكس مهبّها بفوت حظّه من الهواء؛ فيكون داعيا إلى فساده، بخلاف ما لو كانت رياحا تعمّ جوانب الجسم، فيأخذ كلّ جانب حظّه؛ فيحدث الاعتدال. ذكره المناوي.
وفي «شرح الأذكار» لابن علان رحمه الله تعالى: قال ابن الجوزي في «المنتخب»: قال ابن عباس: الرّياح ثمان؛
أربع للرحمة: المبشرات، والمثيرات، والمرسلات، والرّخاء. قلت:
[ ٣ / ٢٣٧ ]
وفي «المرقاة» بدل «المبشرات والرخاء» بدلهما «الذاريات، والناشرات» .
وأربع للعذاب: العاصف، والقاصف- وهما في البحر-. والصّرصر، والعقيم- وهما في البرّ-.
قال عبيد بن عمر: يبعث الله تعالى ريحا فتقمّ الأرض، ثمّ يبعث المثيرة فتثير السحاب، ثمّ يبعث المؤلّفة فتؤلّفه، ثمّ يبعث اللّواقح؛ فتلقّح الشجر. انتهى كلام «المنتخب» .
قال المناوي: استشكل ابن العربي خوفه أن يعذّبوا؛ وهو فيهم، مع قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال] !!؟.
ثمّ أجاب بأن الآية نزلت بعد القصة.
واعترضه ابن حجر بأن آية الأنفال كانت في المشركين من أهل بدر، ولفظ «كان» في الخبر يشعر بالمواظبة على ذلك. ثمّ أجاب بأنّ في الآية احتمال التخصيص بالمذكورين، أو بوقت دون وقت، أو بأنّ مقام الخوف يقتضي عدم أمن المكر، أو خشي على من ليس فيهم أن يقع بهم العذاب، فالمؤمن شفقة عليه، والكافر يودّ إسلامه، وهو مبعوث رحمة للعالمين. انتهى.
ثمّ قال: قال ابن المنيّر: هذا الحديث مخصوص بغير الصّبا من جميع أنواع الريح؛ لقوله في الحديث: «نصرت بالصّبا» .
ويحتمل إبقاء هذا الحديث على عمومه ويكون نصرها له متأخّرا عن ذلك، أو أنّ نصرها له بسبب إهلاك أعدائه، فيخشى من هبوبها أن تهلك أحدا من عصاة المؤمنين؛ وهو كان بهم رؤوفا رحيما.
وأيضا فالصّبا يؤلّف السحاب ويجمعه، ثمّ يقع المطر غالبا، وقد جاء في خبر: أنه كان إذا أمطرت سرّي عنه، وذلك يقتضي أن يكون الصّبا مما يقع التخوف عند هبوبها، فيعكّر ذلك على التخصيص المذكور!. انتهى ما ذكره المناوي رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٢٣٨ ]
وكان ﷺ إذا رأى الهلال.. قال: «هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك» (ثلاثا) .
(و) أخرج أبو داود في «سننه»؛ في «كتاب الأدب» عن قتادة بلاغا، قال الحافظ: ورجاله ثقات، فإن كان المبلّغ صحابيا فهو صحيح. انتهى.
وأخرجه ابن السنّي أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، قال الحافظ العراقي: وأسنده أيضا الدارقطني في «الأفراد»، والطبراني في «الأوسط»؛ عن أنس، قال أبو داود: ليس في هذا عن رسول الله ﷺ حديث مسند صحيح. قال:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا رأى الهلال) الهلال: اسم للقمر لليلتين من أول الشهر، ثمّ هو قمر، لكن في «الصحاح»: أنه اسم لثلاث ليال من أول الشهر.
(قال: «هلال) الظاهر أنه منصوب بمقدر؛ أي: اللهمّ اجعله هلال (خير) أي: بركة (ورشد) أي: صلاح، كما يدلّ على ذلك رواية ابن السنيّ عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان إذا نظر إلى الهلال قال: «اللهمّ اجعله هلال يمن ورشد، آمنت بالّذي خلقك فعدلك، تبارك الله أحسن الخالقين» . ففي هذه الرواية التصريح بالفعل المقدر.
(آمنت ب) الله (الّذي خلقك» ثلاثا) أي: يكرّر ذلك ثلاثا، فيقول: «هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك، آمنت بالّذي خلقك، آمنت بالّذي خلقك»، والتّكرار! للاعتناء بالمقام، والثلاث! لأنها آخر القلّة ومبدأ الكثرة.
وقد ورد في الحديث: أنه ﷺ كان إذا دعا دعا ثلاثا. وإضافة الخير والرشد! رجاء أن يقعا فيه، وتعليما لأمته.
وظاهر مخاطبته ﷺ له!! أنّه ليس بجماد، بل حيّ دارك يعقل ويفهم.
قال حجّة الإسلام: وليس في أحكام الشريعة ما يدفعه؛ ولا ما يثبته!! فلا
[ ٣ / ٢٣٩ ]
ثمّ يقول: «الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» .
ضرر علينا في إثباته. ذكره المناوي على «الجامع» والعزيزي أيضا.
(ثمّ يقول) بعده («الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا») .
ولأبي داود عن قتادة مرسلا: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه.
قال الحافظ ابن حجر بعد تخريجه: ووجدت لمرسل قتادة شاهدا مرسلا أيضا؛ أخرجه مسدد في «مسنده الكبير» ورجاله ثقات،
قال: ووجدت له شاهدا موصولا؛ من حديث أنس بن مالك قال: كان لرسول الله ﷺ أقاويل يقولها في الهلال إذا رآه؛
منها أنّه كان إذا رأى الهلال صرف وجهه عنه؛ وقال: «هلال خير ورشد، آمنت بالّذي خلقك» . يردّدها ثلاثا.
ومنها: كان يقول: «الحمد لله الّذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا» .
وكان يقول: «اللهمّ أهلّه علينا بالأمن والإيمان والسّلامة والإسلام» .
وكان يقول: «الحمد لله الّذي بدأكم ثمّ يعيدكم» .
وكان يقول: «الحمد لله الّذي خلقك وسوّاك فعدلك، ربّي وربّك الله» .
قال الحافظ بعد تخريجه: هذا غريب أخرجه أبو نعيم في «عمل اليوم والليلة»، ورجاله ثقات إلّا عمر بن أيوب- يعني: الغفاري- فإنّه ضعيف جدّا، ونسبه الدّارقطني مرّة إلى الوضع. انتهى ذكره في «شرح الأذكار» .
(و) أخرج الإمام أحمد والترمذي في «الدعوات»؛ وقال: حديث حسن غريب، وأخرجه الدارمي في «مسنده»، والحاكم في «مستدركه» في «الأدب»: كلّهم من حديث سليمان بن سفيان، عن بلال بن يحيى بن طلحة بن عبيد الله، عن أبيه يحيى، عن جدّه طلحة بن عبيد الله القرشيّ التيميّ المكيّ ثم المدنيّ، أحد العشرة رضي الله تعالى عنه.
[ ٣ / ٢٤٠ ]
وكان ﷺ إذا رأى الهلال.. قال: «اللهمّ؛ أهلّه علينا باليمن والإيمان والسّلامة والإسلام، ربّي وربّك الله» .
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ونوزع بأن الحديث عدّ من منكرات سليمان المذكور!! وقد ضعفه ابن المديني، وأبو حاتم، والدارقطني، وقال: ليّن ليس بثقة. وذكره ابن حبان في «الثقات»؛ وقال: يخطئ!!
وقال الحافظ ابن حجر: صحّحه الحاكم وغلط في ذلك، فإن فيه سليمان بن سفيان ضعّفوه، وإنّما حسّنه الترمذيّ!! لشواهده. انتهى. قال:
(كان) النبيّ (ﷺ إذا رأى الهلال؛ قال: «اللهمّ؛ أهلّه) قال الطيبي: روي بالفكّ والإدغام. (علينا)؛ أي: أطلعه علينا مقترنا (باليمن)؛ أي: البركة (والإيمان)؛ أي: بدوامه وكماله (والسّلامة والإسلام)؛ أي: الانقياد للأحكام.
قال الحكيم الترمذيّ: «اليمن»: السعادة، و«الإيمان»: الطمأنينة بالله، كأنّه سأل دوامهما، و«السلامة والإسلام»: أن يدوم له الإسلام ويسلم له شهره، فإنّ لله في كلّ شهر حكما وقضاء في الملكوت، وفيه تنبيه على ندب الدعاء؛ لا سيّما عند ظهور الآيات وتقلّب أحوال النيرات: وعلى أنّ التوجّه فيه إلى الربّ؛ لا إلى المربوب، والالتفات في ذلك إلى صنع الصانع؛ لا إلى المصنوع. ذكره التوربشتي. انتهى من المناوي على «الجامع» .
وزاد قوله: (ربّي وربّك الله») لأن أهل الجاهلية فيهم من يعبد القمرين؛ فكأنه يناغيه ويخاطبه؛ فيقول: أنت مسخّر لنا لتضيء لأهل الأرض؛ ليعلموا عدد السنين والحساب.
وقال الطّيبي: لما قدّم الدعاء في قوله: «اليمن والإيمان، والسلامة والإسلام» طلب في كلّ من الفقرتين دفع ما يؤذيه من المضارّ، وجلب ما يرفعه من المنافع. وعبّر بالإيمان والإسلام عنها!! دلالة على أنّ نعمة الإيمان والإسلام
[ ٣ / ٢٤١ ]
وفي رواية: «بالأمن» بدل «اليمن» .
وكان آخر كلامه ﷺ:
شاملة للنّعم كلّها، ومحتوية على المنافع بأسرها، فدلّ على عظم شأن الهلال حيث جعل وسيلة لهذا المطلوب، فالتفت إليه قائلا: «ربي وربك الله» مقتديا بأبيه إبراهيم حيث قال لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)؛ بعد قوله هذا رَبِّي [٧٦/ الأنعام] .
وفيه من اللطائف أنّ المصطفى ﷺ جمع بين طلب دفع المضارّ وجلب المنافع في ألفاظ يجمعها معنى الاشتقاق؛ ذكره المناوي في «كبيره على الجامع» رحمه الله تعالى. آمين.
(وفي رواية) للدارمي في «مسنده»، والطبراني في «الكبير» بسند ضعيف (بالأمن بدل) قوله: (اليمن) الواقع في الرواية السابقة.
ولفظ الرواية هذه: عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «الله أكبر، اللهم؛ أهلّه علينا بالأمن والإيمان، والسّلامة والإسلام، والتّوفيق لما تحبّ وترضى، ربّنا وربّك الله» .
انتهى. ذكرها في «الأذكار» و«الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود في الأدب، وابن ماجه في «الوصايا»؛ عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه- وفي العزيزي: إنه حديث صحيح- قال:
(كان آخر كلامه ﷺ)؛ أي: ممّا يتعلّق بنصح الأمة والأعمال المطلوبة منهم، وكذا ما بعده، فإنّ فيه نهيا للأمّة عن مثل فعل اليهود من اتّخاذهم قبور أنبيائهم مساجد كما سيأتي. أما آخر كلامه على الإطلاق: ف «جلال ربّي الرّفيع» كما سيأتي، وقيل: «الرّفيق الأعلى» . وجمع بأنه نطق بهما معا؛ بأن قال:
«جلال ربّي الرّفيع.. الرّفيق الأعلى» ! قاله الحفني على «الجامع» .
[ ٣ / ٢٤٢ ]
«الصّلاة الصّلاة، اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم» .
وكان آخر ما تكلّم به ﷺ أن قال: «قاتل الله اليهود والنّصارى؛ اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد،
وقوله: («الصّلاة الصّلاة)؛ أي: احفظوها بالمواظبة عليها، والإتيان بها في أوقاتها، فهو منصوب على الإغراء، وكرّره للتأكيد.
(اتّقوا الله فيما ملكت أيمانكم»)؛ أي: فيما ملكتم من الأرقّاء بالإنفاق عليهم، والرّفق بهم، وخصّ اليمين!! لأنّ أكثر تصرّف الشخص فيما يملك بيده اليمنى، فأضيف الملك إليها لذلك، وقرن الوصيّة بالصّلاة الوصيّة بالمملوك!! إشارة إلى وجوب رعاية حقّه على سيّده كوجوب الصلاة. قالوا: وذا من جوامع الكلم، لشمول الوصية بالصلاة لكلّ مأمور ومنهي إذ هي تنهى عن الفحشاء والمنكر، وشمول ما ملكت أيمانكم لكلّ ما يتصرّف فيه ملكا وقهرا، لأنّ «ما» عامّ في ذوي العلم وغيرهم، فلذا جعله آخر كلامه. انتهى. ذكره شرّاح «الجامع الصغير» .
(و) أخرج البيهقي في «سننه»؛ عن أبي عبيدة بن الجراح رضي الله تعالى عنه قال: (كان آخر ما تكلّم به) النبيّ (ﷺ أن قال «قاتل الله اليهود والنّصارى)؛ أي: قتلهم وأهلكهم. (اتّخذوا قبور أنبيائهم مساجد) هذا ظاهر في اليهود؛ دون النّصارى، إذ ليس لهم نبيّ مدفون، لأن سيدنا عيسى رفع وليس بينه وبين نبيّنا نبيّ أصلا!! فإمّا أن يكون ضمير «اتخذوا» راجعا لليهود فقط، وإما يكون راجعا للنصارى أيضا باعتبار إطلاق لفظ الأنبياء على أحبارهم تجوّزا، لأنّهم كانوا يعظّمونهم كتعظيم الأنبياء ويسجدون إلى قبورهم، وهذا نهي لأمّته عن مثل فعلهم. ويؤيده قوله في رواية لمسلم: «قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد» .
ولهذا لما أفرد النّصارى في حديث قال: «إذا مات فيهم الرجل الصّالح»، ولما أفرد اليهود في حديث قال: «قبور أنبيائهم» .
[ ٣ / ٢٤٣ ]
لا يبقينّ دينان بأرض العرب» .
وكان آخر ما تكلّم به ﷺ: «جلال ربّي الرّفيع، فقد بلّغت»، ثمّ قضى ﷺ.
(لا يبقينّ دينان) - بكسر الدال- (بأرض العرب») .
قال المناوي: وفي رواية: «بجزيرة العرب» انتهى.
أي: فهو نهي عن إقامة الكفّار فيها.
وفي المناوي على «الجامع»: وقد أخذ الأئمّة بهذا الحديث؛ فقالوا: يخرج من جزيرة العرب من دان بغير ديننا، لكنّ الشافعي خصّ المنع بالحجاز: وهو مكة والمدينة واليمامة وقراها؛ دون اليمن من أرض العرب. انتهى.
(و) أخرج الحاكم في «المستدرك» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان آخر ما تكلّم به ﷺ) مطلقا («جلال ربّي) - بالنصب- أي: أختار جلال ربّي (الرّفيع، فقد بلّغت») جميع ما أمرت بتبليغه فلا عذر لكم.
(ثمّ قضى)؛ أي: مات (ﷺ) . ولا يناقضه ما سبق، لأنّ ذلك آخر وصاياه لأهله وأصحابه وولاة الأمور من بعده؛ وذا آخر ما نطق به.
قال السهيليّ: وجه اختيار هذه الكلمة من الحكمة أنّها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب حتى يستفاد منه الرّخصة لغيره في النّطق، وأنّه لا يشترط الذكر باللّسان.
وأصل هذا الحديث في «الصحيحين» عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
كان النبيّ ﷺ يقول وهو صحيح: «إنّه لم يقبض نبيّ حتّى يرى مقعده من الجنّة»، ثمّ أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت، ثمّ قال: «اللهمّ الرّفيق الأعلى» . فعلمت أنّه لا يختارنا، وعرفت أنّه الحديث الّذي كان يحدّثنا وهو صحيح، والذي دعاه إلى ذلك رغبته في لقاء محبوبه، فلما عيّن للبقاء محلا خاصّا؛ ولا ينال إلا بالخروج من هذه الدّار التي تنافي ذلك اللّقاء اختار الرفيق الأعلى.
[ ٣ / ٢٤٤ ]
تتمة: ذكر السهيليّ عن الواقدي: أنّ أول كلمة تكلّم بها المصطفى ﷺ لمّا ولد: «جلال ربّي الرفيع»، لكن روى عائذ: أنّ أوّل ما تكلّم به لما ولدته أمّه حين خروجه من بطنها: «الله أكبر كبيرا، والحمد لله كثيرا، وسبحان الله بكرة وأصيلا» . انتهى.
ذكره المناوي في «شرح الجامع الصغير» رحمه الله تعالى. آمين.
[ ٣ / ٢٤٥ ]
[الفصل الثالث في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ]
الفصل الثالث في ثلاث مئة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ وهي على عدد الرّسل الكرام، وأهل بدر شموس الإسلام.
(الفصل الثّالث) من الباب السابع (في) ذكر (ثلاث مائة وثلاثة عشر حديثا) تقريبا (من جوامع كلمه ﷺ) .
من إضافة الصفة للموصوف؛ أي: كلمه الجوامع للمعاني الكثيرة في الألفاظ القليلة؛ بنظم لطيف لا يعثر الفكر في طلبه، ولا يلتوي الذهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذّهن إلّا معناها إليه أسبق، كما قال ﷺ: «أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا» . رواه أبو يعلى والبيهقي عن ابن عمر، والدارقطني عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم. قاله الزرقاني على «المواهب» .
(وهي على عدد الرّسل الكرام) صلوات الله وسلامه عليهم، إذ قيل: إنهم ثلثمائة وثلاثة عشر، وقيل: وأربعة عشر، وقيل: وخمسة عشر، والأسلم الإمساك عن ذلك، لقوله تعالى لنبيّه ﷺ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ [٧٨/ غافر] .
(و) هي أيضا على عدد (أهل بدر) الكبرى (شموس الإسلام) رضوان الله عليهم. في «السّيرة الشامية» بدر: قرية مشهورة على نحو أربع مراحل من المدينة المنورة، وكان أهل غزوة بدر ثلثمائة وسبعة عشر رجلا، وفي رواية: وثلاثة عشر رجلا، ويؤيّد هذه الرواية أنّه ﷺ أمر بعدّهم فأخبر بأنهم ثلثمائة وثلاثة عشر؛ ففرح بذلك، وقال: «عدّة أصحاب طالوت» انتهى. ذكره الباجوري.
[ ٣ / ٢٤٦ ]
اخترتها من «الشّفا» للقاضي عياض، و: «المواهب اللّدنّيّة» للعلّامة القسطلّانيّ، و: «الجامع الصغير» و: «الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة» كلاهما للحافظ السّيوطيّ، و: «كنوز الحقائق» و: «طبقات الأولياء» كلاهما للعلّامة المناويّ.
(اخترتها)؛ أي: انتقيتها وجمعتها (من) كتاب («الشّفاء) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ» (للقاضي) أبي الفضل (عياض) بن موسى اليحصبي المالكي رحمه الله تعالى رحمة واسعة. آمين.
(و) من كتاب («المواهب اللّدنّيّة) بالمنح المحمدية» (للعلّامة) شهاب الدين أحمد بن محمد بن أبي بكر الخطيب (القسطلّانيّ) - بضم القاف، وسكون السين. وضم الطاء المهملتين، وتشديد اللام- كذا أخذناه عن المشايخ شرقا وغربا، ووجدناه بخط من يقتدى به. انتهى من «هدى الأبرار شرح منظومة طلعة الأنوار»؛ نقله شيخنا الشيخ حسن المشاط في تعليقه على «رفع الأستار» .
(و) من كتاب («الجامع الصّغير) من أحاديث البشير النّذير» .
(و) من كتاب («الدّرر المنتثرة في الأحاديث المشتهرة») على ألسنة العامة ومن ضاهاهم من الفقهاء الذين لا علم لهم بالأحاديث كما ذكر ذلك في مقدمتها.
(كلاهما)؛ أي: «الجامع» و«الدرر» (للحافظ) وليّ الله تعالى جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر (السّيوطيّ) رحمه الله تعالى رحمة الأبرار.
(و) من كتاب («كنوز الحقائق) في حديث خير الخلائق»، (و) من كتاب («طبقات الأولياء») وهي الطبقات الكبرى المسمّاة «الكواكب الدرية في تراجم السادة الصوفية» (كلاهما)؛ أي: «كنوز الحقائق» و«الطبقات» (للعلّامة) الحبر الفهامة صاحب القلم السّيّال: عبد الرؤوف بن تاج العارفين بن علي بن زين العابدين الملقّب «زين الدين» الحدادي (المناويّ) - بضم الميم-: صاحب التصانيف السائرة رحمه الله تعالى ورضي عنه، وقد تقدّمت ترجمتهم جميعا في أول
[ ٣ / ٢٤٧ ]
ومن المعلوم عند النّاس كافّة،
الكتاب رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار، وأسكنهم أعلى فراديس القرار، ونفعنا بعلومهم، وأعاد علينا من فهومهم بمنه وكرمه. آمين.
(ومن المعلوم) المقرّر (عند النّاس): اسم وضع للجمع كالقوم والرّهط، وواحده إنسان من غير لفظه، مشتق من: ناس ينوس؛ إذا تدلى وتحرك، فيطلق على الجنّ والإنس. قال تعالى الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ (٥) [الناس]، ثمّ فسّر الناس بالجنّ والنّاس، فقال مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ (٦) [الناس]، وسمّى الجنّ ناسا كما سموا رجالا، قال تعالى وَأَنَّهُ كانَ رِجالٌ مِنَ الْإِنْسِ يَعُوذُونَ بِرِجالٍ مِنَ الْجِنِّ [٦/ الجن] وكانت العرب تقول: رأيت ناسا من الجنّ، ويصغر الناس على «نويس»، لكن غلب استعماله في الإنس؛ قاله في «المصباح» .
(كافّة)؛ أي: جميعا، قال سيبويه: إنّ «كافّة» يلزم التنكير والنصب على الحالية؛ كعامّة، وقاطبة، وطرّا، ونحوه، وزاد غيره: أنّها لا تثنى ولا تجمع ولا تطلق على غير العقلاء، ولم يرد ذلك في كلام الله تعالى، ولا في كلام العرب!.
ووهّموا من استعملها على خلاف ذلك: كابن نباته في «خطبه» وصاحب «الكشاف» في «كشافه»، وفي قوله في خطبة «المفصل»: «محيط بكافّة الأبواب» لإخراجه لها عن النصب والتنكير، واستعمالها فيما لا يعقل.
وأما قول الجوهري ««الكافة» الجميع من الناس» !! فلا وهم فيه؛ لأن النكرة إذا أريد لفظها يجوز أن تعرّف فلا وهم فيه، كما توهّم صاحب «درة الغواص» للحريري؛ ذكر ذلك الشهاب الخفاجي في «شرح الشفا» على قول المتن: «ما روته الكافّة عن الكافة» . وتعقّبه بقوله: هذا وإن اتفقوا عليه لا وجه له رواية ودراية.
أما الأوّل: فلأن العرب إذا استعملت لفظا في معنى وضعته له على وجه مخصوص من الإعراب؛ لم يلزم غيرهم اتّباعهم فيه، ولو قلنا بذلك لأدّى إلى
[ ٣ / ٢٤٨ ]
موافقين ومخالفين، مسلمين وغير مسلمين.. أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق، ولم يخالف في ذلك أحد.
التضييق على الناس في استعمال الألفاظ العربية. وعدّ هذا ونحوه لحنا- كما قاله الحريري- لا وجه له.
وأما الثاني: فلأنّه روي عن عمر رضي الله تعالى عنه استعماله في كتابه لبني كاكله المرويّ عنه رواية ثابتة، وعن علي كرم الله تعالى وجهه في ذلك أيضا حيث كتبه بعينه بين جمع من الصّحابة وناهيك بهم فصاحة!!
فإن أردت تفصيله فانظره في شرحنا ل «درة الغواص في أوهام الخواص» .
انتهى كلام الخفاجي رحمه الله تعالى.
والمراد بقوله «كافّة»: عموم الناس كما بيّنه بقوله: (موافقين) لنا في الدّين والعقيدة، (ومخالفين) فيهما (مسلمين؛ وغير مسلمين)، فجميع الطوائف وجميع الفرق على اختلاف أديانهم وعقائدهم ومذاهبهم ومشاربهم كلّهم معترفون (أنّ رسول الله ﷺ أفصح النّاس على الإطلاق) أي: أقدرهم على الإتيان بالكلام الفصيح؛ أي: البليغ، فالفصاحة قد تطلق ويراد بها البلاغة، وهو أحسنهم بيانا، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا، حتى كان كلامه يأخذ بمجامع القلوب، ويسلب الأرواح، لا يوازى فصاحة، ولا يبارى بلاغة.
(ولم يخالف في ذلك أحد) من سائر الطوائف، فكيف وهو الذي شدّت به الفصاحة نطاقها، ومدّت إليه البلاغة رواقها، وقد كان يقول: «أنا أفصح العرب» !! ذكره في «المواهب»؛ أي: والعرب أفصح الناس، فهو أفصح الفصحاء، وقد قال له عمر بن الخطاب: يا رسول الله؛ مالك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟!. فقال: «كانت لغة إسماعيل قد درست، فجاءني بها جبريل فحفظتها» . رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان» بإسناد ضعيف، وفي رواية ابن عساكر: «فحفّظنيها»؛ أي: جبريل، فلذا كنت أفصح العرب. ينطق بأفصح
[ ٣ / ٢٤٩ ]
وهاكها مرتّبة على الحروف:
اللّغات وأتمّ البلاغات، وأفحم بلغاء العرب قاطبة، فلم يدع منهم أحدا إلّا أعجزه وأدلّه، وحيّره في أمره وأعلّه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» قال:
وأما ما يروى: «أنا أفصح من نطق بالضّاد» !! فقال ابن كثير: لا أصل له.
انتهى، لكن معناه صحيح.
وبالجملة فلا يحتاج العلم بفصاحته إلى شاهد، ولا ينكرها موافق ولا معاند.
وقد جمع العلماء كابن السنّي، والقضاعيّ، وابن الصّلاح في آخرين من كلامه الفرد الموجز البديع الذي لم يسبق إليه كتبا مستقلة، وتبعهم المصنف فذكر منها جملة وافرة في هذا الفصل، (وهاكها)؛ أي: خذها، لأن «ها» اسم فعل أمر بمعنى «خذ» . وفيه: لغتان: القصر والمدّ، ويستعمل مجرّدا، فيقال: للواحد المذكر وغيره «ها» بالقصر، و«هاء» بالمد، ويستعمل متلوا بكاف الخطاب بحسب المخاطب، فيقال: «هاك، وهاك، وهاكما، وهاكم، وهاكن»، ويستعمل مقتصرا على تصرف الهمزة فيقال: «هاء وهاؤما وهاؤم وهاؤن» .
وهذه أفصح اللّغات فيها، وبها ورد القرآن؛ قاله السيوطي في «شرح جمع الجوامع» النحوي.
(مرتّبة على الحروف) فما كان أوله همزة ففي حرف الهمزة، وما كان أوله باء موحدة ففي حرف الباء، وهكذا قال المصنف:
[ ٣ / ٢٥٠ ]
[(حرف الهمزة)]
(حرف الهمزة) قال رسول الله ﷺ:
١- «أوتيت جوامع الكلم» .
(حرف الهمزة)؛ أي: هذا باب الأحاديث المبدوءة بحرف الهمزة، وصدّرها بحديث «أوتيت جوامع الكلم» !! لما فيه من المناسبة للفصل الذي عقده، إذ تضمّن ذلك الحديث براعة الاستهلال، وحسن المطلع، وهي أن يأتي المتكلم في طالعة كلامه بما يشعر بمقصوده.
ومراد المصنف التنويه بفصاحته ﷺ بذكر شيء من جوامع كلمه الدّالة على أنّه ﷺ أحرز قصب السبق في مضمار الفصاحة والبلاغة مع ملاحظة ما اشتملت عليه تلك الأحاديث من الأحكام ومكارم الأخلاق المطلوب من الشخص التخلّق بها والعمل بما فيها، كيما يتمّ له الاقتداء بالنبيّ ﷺ في أفعاله وأقواله وأخلاقه الذي هو موضوع الكتاب، فرحم الله المصنف رحمة واسعة، وجمعنا به في مستقرّ رحمته بمنّه وكرمه. آمين.
(قال رسول الله ﷺ: ١- «أوتيت جوامع الكلم) واختصر لي الكلام اختصارا» رواه العسكري في «الأمثال» عن جعفر بن محمد، عن أبيه مرسلا بهذا اللفظ، لكن في سنده من لا يعرف.
ورواه الديلمي بلا سند عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه بلفظ:
«أعطيت جوامع الكلم واختصر لي الكلام اختصارا.
ورواه الشيخان لكن بلفظ: «بعثت بجوامع الكلم» .
وفي خبر آخر رواه أحمد: «أوتيت فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه» .
وروى البيهقي عن عمر بن الخطاب أنّه مرّ برجل يقرأ كتابا من التوراة فذكر
[ ٣ / ٢٥١ ]
٢- «اتّق الله فيما تعلم» .
للنبيّ ﷺ، فقال: «إنّما بعثت فاتحا وخاتما، وأعطيت جوامع الكلم وفواتحه واختصرلي الحديث اختصارا» .
ولأبي يعلى عن خالد بن عرفطة قال: كنت عند عمر فجاء رجل فذكره..
وفيه: فقال النبي ﷺ: «يا أيّها النّاس، أوتيت جوامع الكلم وخواتمه واختصرلي الكلام اختصارا» .
وفي رواية ابن سيرين عن أبي هريرة: «أعطيت فواتح الكلم» . وفي أخرى:
«أعطيت مفاتيح الكلم» . وفي أخرى: أعطيت جوامع الكلم» .
وفي حديث أبي موسى: «أعطيت فواتح الكلم وخواتمه»، قلنا:
يا رسول الله؛ علّمنا مما علمك الله! فعلمنا التشهد.
ورواه أيضا في «المختارة» عن عمر بن الخطاب بلفظ آخر، مع بيان سبب وروده. ومعناه: أنّه ﷺ أوتي ملكة يقتدر بها على إيجاز اللفظ مع سعة المعنى، بنظم لطيف، لا تعقيد فيه؛ يعثر الفكر في طلبه، ولا التواء يحار الذّهن في فهمه، فما من لفظة يسبق فهمها إلى الذهن إلا ومعناها أسبق إليه. وقيل: أراد القرآن، وقيل: أراد أنّ الأمور الكثيرة التي كانت تكتب في الأمور المتقدمة جمعت له في الأمر الواحد والأمرين، والله أعلم.
٢- («اتّق) - بكسر الهمزة وشد المّثناة فوق- (الله) أمر من التقوى: فعلى من الوقاية: ما يتقى به مما يخاف، فتقوى العبد لله: أن يجعل بينه وبين ما يخشاه من غضبه وقاية تقيه منه، وهي هنا الحذر (فيما تعلم»)؛ أي: احذره وخفه في العمل، أو في تركب العمل بالذي تعلمه- وحذف المفعول للتعميم- وذلك بأن تتجنب المنهي وتفعل المأمور.
وخاطب العالم! لأن الجاهل لا يعرف كيف يتقي من جانب الأمر، ولا من جانب النهي. والمراد أصالة العلم العيني الذي لا رخصة للمكلّف في تركه وما عداه
[ ٣ / ٢٥٢ ]
٣- «اتّق الله في عسرك ويسرك» .
من كمال التقوى. قال ابن القيم: وللمعاصي من الآثار القبيحة ما لا يعلمه إلّا الله، فمنها: حرمان العلم، فإن العلم نور يقذف في القلب، والمعصية تطفئه؛
شكوت إلى وكيع سوء حفظي فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني بأنّ العلم نور ونور الله لا يهدى لعاصي
وكتب رجل إلى أخيه: إنّك أوتيت علما فلا تطفئنّ نوره بظلمة الذّنوب؛ فتبقى في الظّلمة يوم يسعى أهل العلم في نور علمهم.
أوحى الله تعالى إلى داود ﵊: «يا داود أدنى ما أصنع بالعالم إذا آثر شهوته على محبتي أن أحرمه لذيذ مناجاتي» .
وقال بشر: التّلذّذ بجاه الإفادة ومنصب الإرشاد أعظم من كل تنعم في الدنيا؛ فمن أجاب شهوته فيه فما اتقى فيما علم. انتهى ذكره المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث رواه البخاري في «التاريخ»، والترمذي: كلاهما عن زيد بن مسلمة الجعفي قال: قلت: يا رسول الله؛ سمعت منك حديثا كثيرا فإني أخاف أن ينسيني آخره أوّله فمدّني بكلمة جامعة؛ فقال: «اتق الله فيما تعلم» . قال الترمذي في «العلل»: سألت عنه محمدا- يعني البخاري- فقال: سعيد بن أشوع لم يسمع من زيد، فهو عندي مرسل. وقال السيوطي في «الجامع الكبير»: منقطع. انتهى ذكره المناوي في «شرح الجامع» وقال: رواه أيضا الطبراني من حديث سعيد بن أشوع عن زيد بن مسلمة الجعفي. انتهى
٣- («اتّق الله): خفه واحذره (في عسرك) - بضم فسكون-: الضيق، والصعوبة، والشدّة. (ويسرك»): الغنى والسهولة؛ أي: خف الله واحذره في ضيقك وشدّتك، وضدّهما بأن تجتنب ما نهى عنه وتفعل ما أمر به في جميع أحوالك يعني: إذا كنت في ضيق وشدّة وفقر؛ فخف الله أن تفعل ما نهى عنه، أو تهمل ما أمر به، وإن كنت في سرور وغنى؛ فاحذره أن تطغى وتقتحم
[ ٣ / ٢٥٣ ]
ما لا يرضاه، فإنّ نعمته إذا زالت عن إنسان قلّما تعود إليه، وقدّم العسر على اليسر!! لأن اليسر يعقبه، كما دلّ عليه قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) [الانشراح]، أو اهتماما بشأن التقوى فيه.
قال بعض العارفين: من علامات التحقق بالتقوى: أن يأتي المتقي رزقه من حيث لا يحتسب، وإذا أتاه من حيث يحتسب ما تحقق بالتقوى، ولا اعتمد على الله؛ فإن معنى التقوى أن تتخذ الله وقاية من تأثير الأسباب في قلبك باعتمادك عليها، والإنسان أبصر بنفسه، وهو يعلم من نفسه بمن هو أوثق، وبما تسكن إليه نفسه، ولا تقل: إنّ الله أمرني بالسعي على العيال، وأوجب مؤنتهم، فلا بدّ من الكدّ في السبب الذي جرت العادة أن يرزقه فيه، فإنا ما قلنا لك لا تعمل فيها؛ بل نهيناك عن الاعتماد عليها والسكون عندها، فإن وجدت القلب يسكن إليها؛ فاتّهم إيمانك، وإن وجدت قلبك ساكنا مع الله تعالى، واستوى عندك وجود السبب المعين وفقده؛ فأنت الذي لم تشرك بالله شيئا، فإن أتى رزقك من حيث لا تحتسب! فذلك بشرى أنك من المتقين.
تنبيه: قال ابن عربي: طريق الوصول إلى علم القوم التقوى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنا عَلَيْهِمْ [٩٦/ الأعراف]؛ أي: أطلعناهم على العلوم المتعلّقة بالعلويات والسفليّات، وأسرار الجبروت وأنوار الملك والملكوت. وقال الله تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [٢- ٣/ الطلاق] .
والرزق: روحانيّ وجسمانيّ، وقال وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ [٢٨٢/ البقرة] أي: يعلمكم ما لم تكونوا تعلمونه بالوسائط من العلوم الإلهية انتهى؛ ذكره المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث قال في «الجامع الصغير» أخرجه أبو قرّة الزبيدي- نسبة إلى زبيد المدينة المشهورة باليمن- في «سننه» واسم أبي قرة: موسى بن طارق، عن طليب- بالتصغير- ابن عرفة. قال المناوي: له وفادة، ولم يرو عنه إلا ابنه كليب وهما مجهولان، ذكره الذهبي كابن الأثير. انتهى.
[ ٣ / ٢٥٤ ]
٤- «اتّقوا مواضع التّهم» .
٥- «أتمّكم عقلا.. أشدّكم لله خوفا» .
٤- («اتّقوا مواضع التّهم») ذكره في «كنوز الحقائق» . ورمز له برمز البخاري في «التاريخ» . وقد أرشدنا النبي ﷺ كيف نتقي مواضع التّهم؛ حيث قال لمن أبصره مع زوجته صفيّة: «إنّها أمّكما صفيّة» فاستعظما ذلك! فقال: «إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم، وإنّي خشيت أن يقذف في قلوبكما شيئا» .
فأشفق عليهما فحرسهما، وأشفق على أمته فعلمهم طريق الاحتراز من التّهمة حتى لا يتساهل العالم الورع في أحواله؛ ظنّا منه أنه لا يظّنّ به إلا الخير؛ إعجابا منه بنفسه، وهي زلة عظيمة، إذ أورع الناس وأتقاهم وأعلمهم لا بدّ له من منقّص ومبغض! فتعيّن الاحتراز عن تهمة الأعداء والأشرار، فإنّهم لا يظنّون بالناس كلّهم إلا الشرّ.
٥- («أتمّكم عقلا أشدّكم لله خوفا») ذكره في «كنوز الحقائق»، ورمز له برمز الغزالي، وعزاه في «شرح الإحياء» إلى داود بن المحبّر في «كتاب العقل» قال: حدثنا ميسرة، عن محمد بن زيد، عن أبي سلمة، عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله؛ أرأيت قول الله ﷿ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٢/ الملك] فقال ﷺ: «أتمّكم عقلا أشدّكم لله خوفا، وأحسنكم فيما أمر الله به ونهى عنه، وإن كانوا أقلّكم تطوّعا» .
وأخرج داود بن المحبّر في «كتاب العقل» أيضا عن البراء بن عازب ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «جدّ الملائكة واجتهدوا في طاعة الله سبحانه بالعقل، وجدّ المؤمنون من بني آدم على قدر عقولهم، فأعملهم بطاعة الله ﷿ أوفرهم عقلا» .
وأخرج داود في كتابه المذكور عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: قلت:
يا رسول الله؛ بم يتفاضل الناس في الدنيا؟ قال: «بالعقل» . قلت: وفي الآخرة؟ قال: «بالعقل» . قلت: أليس إنما يجزون بقدر أعمالهم؟ فقال ﷺ:
[ ٣ / ٢٥٥ ]
٦- «اجتنبوا الخمر؛ فإنّها مفتاح كلّ شرّ» .
٧- «الأجر على قدر النّصب» .
«يا عائشة؛ وهل عملوا إلّا بقدر ما أعطاهم الله ﷿ من العقل!. فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم، وبقدر ما عملوا يجزون» . قال العراقي: رواه الحكيم الترمذي في «نوادره» . ذكر ذلك كله في «الإحياء» و«شرحه» .
٦- («اجتنبوا الخمر)؛ مصدر خمره؛ إذا ستره، سمّي به عصير العنب إذا اشتدّ!! لأنه يخمر العقل، ولها نحو أربعمائة اسم، وتذكّر وتؤنث، والتأنيث أفصح، وهو حرام مطلقا، وكذا كلّ ما أسكر عند الأكثر؛ وإن لم يسكر لقلّته، بل الشافعي وأحمد ومالك على وصفها بذلك، فعندهم الخمر كلّ مسكر، وخالف أبو حنيفة. فالمعنى؛ على رأي الجماعة: اجتنبوا كلّ مسكر؛ أي: - ما من شأنه الإسكار-، فشمل العصير، والاعتصار، والبيع، والشراء، والحمل، والمسّ، والنظر، وغيرها. ذكره المناوي على «الجامع» .
أي: اجتنبوا تعاطيها؛ (فإنّها مفتاح كلّ شرّ») كان مغلقا من زوال العقل، والوقوع في المنهيات، وحصول الأسقام والآلام.
والحديث المذكور ذكره في «الجامع الصغير»، ورمز له برمز الحاكم في «الأطعمة»، والبيهقي في «شعب الإيمان» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
قال في العزيزي: وهو حديث صحيح.
٧- («الأجر على قدر النّصب») متفق عليه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها. قال النجم الغزي: وربما قيل: على قدر المشقة» .
وقال النبيّ ﷺ لعائشة بعد اعتمارها: «أجرك على قدر نفقتك أو نصبك» وفي لفظ: «أو تعبك» وفي آخر: «إنّ لك من الأجر على قدر نصبك ونفقتك» بالواو.
وروى ابن الإمام أحمد في «زوائده» عن ابن المبارك عن سفيان من قوله: إنما الأجر على قدر الصّبر.
[ ٣ / ٢٥٦ ]
قال الإمام النووي: وظاهره أن الثّواب والفضل في العبادة بكثرة النصب والنفقة. قال الحافظ ابن حجر: وهو كما قال، لكنّه ليس بمطّرد، فقد يكون بعض العبادة أحقّ من بعض، وهي أكثر فضلا وثوابا بالنسبة للزمان؛ كقيام ليلة القدر بالنسبة لقيام رمضان، وبالنسبة للمكان كصلاة ركعتين في المسجد الحرام بالنسبة لصلاة ركعات في غيره، وإلى شرف العبادة المالية، والبدنية؛ كصلاة الفريضة بالنسبة إلى أكثر من عدد ركعاتها وأطول من قراءتها ونحو ذلك من صلاة النافلة، وكدرهم من الزكاة بالنسبة إلى أكثر من التطوع!! أشار إلى ذلك ابن عبد السلام في «القواعد»، وقال أيضا: وقد كانت الصلاة قرّة عين النبيّ ﷺ وهي شاقّة على غيره، وليست صلاة غيره مع مشقّتها مساوية لصلاته مطلقا. والله أعلم.
انتهى؛ ذكره العجلوني في «الكشف» .
وقد جعل الفقهاء هذا الحديث أساسا لقاعدة قرّروها في كتبهم وعبّروا عنها بقولهم: ما كان أكثر فعلا كان أكثر فضلا، واستثنوا منها مسائل مذكورة في «الأشباه والنظائر»، وقد نظمها السيد العلّامة الولي سراج الدين أبو بكر بن أبي القاسم الأهدل المتوفى سنة: - ١٠٣٥- خمس وثلاثين وألف هجرية رحمه الله تعالى آمين؛ فقال:
اعلم بأنّي كنت قد نظمت لهذه فيما مضى فقلت:
قاعدة: ما كان أربى فعلا فإنّه يكون أزكى فضلا.
وأصلها من الحديث المنتخب عن النبي: «الأجر على قدر النّصب»
وأخرجوا عن ذاك بضع عشر فهاكها منظومة كدرّ
وذلك القصر على الإتمام يفضل في الثّلاثة الأيّام
ثمّ الضّحى ثمان ركعات أبر وإن يكن أكثرها ثنتي عشر
والوتر مهما بثلاث يفعل فإنّها ممّا يزيد أفضل
لكن على قول ضعيف نقلا عن «البسيط» والإمام ذي العلا
[ ٣ / ٢٥٧ ]
كذا صلاة الصّبح كانت أفضلا من غيرها وإن يكنّ أطولا
وركعة الوتر لديهم أفضل من سنّة الفجر وأيضا تفضل
تهجّد اللّيل وإن كانت أقل وهو مع الكثرة والطّول حصل
كذا صلاة العيد من كسوف أزكى ولو مع طولها المعروف
وسنّة الفجر بلا تطويل أفضل منها معه للدّليل
وفي الصّلاة سورة كمالا أفضل من بعض ولو قد طالا
وقيل بل من قدرها وذاك ما لم يرد البعض وإلّا قدّما
والجمع في مضمضة وما تلا أفضل من فصل بستّ حصلا
كذلك الفصل بغرفتين أزكى من السّت بغير مين
والحجّ والوقوف ممن ركبا أفضل منه ماشيا تأدّبا
كذلك الميقات للإهلال أفضل من دويرة الأهالي
ومرّة جماعة إن صلّى أفضل من صلاته وأعلى
منفردا خمسا وعشرين جعل وهكذا تصدّق وقد أكل
البعض من أضحيّة تبرّكا فهو على بذل الجميع قد زكا
وينبغي عدّك كلّ ما أتى فيه الدّليل للقليل مثبتا
كركعتي تحيّة المساجد أفضل من إتيانه بزائد
واللّفظ في استعاذة بما ورد في الذّكر من زيادة في المعتمد
وقس على ذلك بالتّأمّل والحمد لله على التّفضّل
قال سيّدي أحمد زرّوق رحمه الله تعالى: قاعدة: الأجر على قدر الاتباع لا على قدر المشقة، لفضل الإيمان والمعرفة والذّكر والتلاوة على ما هو أشدّ منها بكثير من الحركات الجسمانيّة. وقوله ﵊: «أجرك على قدر نصبك» !! إخبار خاصّ في خاصّ لا يلزم عمومه، لا سيّما: وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما. مع قوله: «إنّ أعلمكم بالله وأتقاكم لله أنا» . وكذا جاء:
«خير دينكم أيسره» إلى غير ذلك. والله أعلم. انتهى كلام سيدي زروق
[ ٣ / ٢٥٨ ]
٨- «أجملوا في طلب الدّنيا؛
المغربي في «قواعده» .
وهو موافق لما انتقده الشيخ أحمد بن حجر في «تحفته» حيث قال بعد استثناء هذه الصّور المنظومة سابقا: ولك أن تقول: لا يرد شيء من ذلك على القاعدة، لأن هذه كلّها لم تحصل الأفضلية فيها من حيث عدم أشقّيّتها؛ بل من حيثية أخرى اقترنت بها؛ كالاتّباع الذي يربو على ثواب الكثرة والمشقّة. فتأمله لتعلم ما في كلام الزركشي وغيره، فإنّ المجتهد قد يرى من المصالح المختصّة بالقليل ما يفضله على الكثير. انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى.
لكن قال العلّامة المحقّق الفقيه عبد الله بن سليمان الجرهزيّ اليمنيّ الزّبيديّ المتوفّى سنة: - ١٢٠١- إحدى ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى آمين؛ معقّبا على كلام ابن حجر ما نصّه:
قلت: فيه ما فيه!! إذ تفضيل القليل للاتباع مناف لقوله ﷺ: «الأجر على قدر النّصب»، فإن لم يحمل على الاستثناء لم يزل الإشكال. انتهى كلام الجرهزي رحمه الله تعالى.
٨- («أجملوا) - بهمزة قطع مفتوحة، فجيم ساكنة، فميم مسكورة- أي:
ترفقوا (في طلب الدّنيا) بأن تطلبوا الرّزق طلبا جميلا؛ أي: تحسنوا السعي في نصيبكم منها بلا كدّ وتعب وتكالب، فلم يحرّم الطّلب بالكلّية، بل أمر بالإجمال فيه، وهو ما كان جميلا في الشرع؛ محمودا في العرف، فيطلب من جهة حلّه ما أمكن.
ومن إجماله اعتماد الجهة التي هيّأها الله ويسّرها له، ويسّره لها، فينتفع بها ولا يتعدّاها. ومنه ألايطلب بحرص وقلق وشره ووله، حتى لا ينسى ذكر ربّه ولا يتورّط في شبهة؛ فيدخل فيمن أثنى عليهم بقوله تعالى رِجالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ [٣٧/ النور] الآية. قاله المناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٢٥٩ ]
فإنّ كلّا ميسّر لما كتب له منها»
ثم وجه الأمر بذلك بقوله: (فإنّ كلّا)؛ أي: كلّ أحد من الخلق (ميسّر) بوزن معظّم- أي: مهيّأ مصروف مسهل (لما كتب): قدّر (له منها») يعني:
الرزق المقدّر له سيأتيه ولا بدّ، فإنّ الله تعالى قسم الرزق وقدّره لكلّ أحد بحسب إرادته؛ لا يتقدّم ولا يتأخّر، ولا يزيد ولا ينقص بحسب علمه الأزليّ، وإن كان يقع ذلك بتبديل في اللّوح أو الصحف بحسب تعليق بشرط.
وقال: «أجملوا»، وما قال: «اتركوا» !! إشارة إلى أنّ الإنسان؛ وإن علم أنّ رزقه المقدّر له لا بدّ له منه لكن لا يترك السعي رأسا، فإن من عوائد الله في خلقه تعليق الأحكام بالأسباب، وترتيب الحوادث على العلل، وهذه سنته في خلقه مطّردة، وحكمته في ملكه مستمرة، وهو وإن كان قادرا على إيجاد الأشياء اختراعا وابتداعا؛ لا بتقديم سبب وسبق علة؛ بأن يشبع الإنسان بلا أكل، ويرويه بغير شرب، وينشئ الخلق بدون جماع.. لكنّه أجرى حكمته بأنّ الشبع والرّي والولد يحصل عقب الطّعم والشرب والجماع. فلذا قال: «أجملوا»؛ إيذانا بأنّه وإن كان هو الرزّاق، لكنه قدر حصوله بنحو سعي رفيق، وحالة كسب من الطلب جميلة، فجمع هذا الخبر بالنظر إلى السبب، والمسبب، والمسبّب له؛ وذلك هو: الله، والرزق، والعبد، والسعي.
وجمع بين المسبب والسبب!! لئلا يتّكل من تلبّس بأهل التّوكل وليس منهم، فيهلك بتأخّر الرزق؛ فربّما أوقعه في الكفر!! ولئلا ينسب الرزق لسعيه؛ فيقع في الشرك. وقد عرف بذلك أن من اجتهد في طلب الدّنيا وتهافت عليها شغل نفسه بما لا يجدي، وأتعبها فيما لا يغني، ولا يأتيه إلّا المقدور؛ فهو فقير وإن ملك الدنيا بأسرها، فالواجب على المتأدّب باداب الله تعالى أن يكل أمره إلى الله تعالى، ويسلّم له، ولا يتعدّى طوره، ولا يتجرّأ على ربّه ويترك التكلّف؛ فإنه ربّما كان
[ ٣ / ٢٦٠ ]
٩- «الإحسان:
خذلانا، ويترك التدبير فإنه قد يكون هوانا:
والمرء يرزق لا من حيث حيلته ويصرف الرزق عن ذي الحيلة الدّاهي
قال بزرجمهر: وكل الله تعالى الحرمان بالعقل، والرزق بالجهل؛ ليعلم أنّه لو كان الرزق بالحيل؛ لكان العاقل أعلم بوجوه مطلبه والاحتيال لكسبه. قال بعضهم:
لو كان بالعقل الغنى لوجدتني بنجوم أفلاك السّماء تعلّقي
لكنّ من رزق الحجا حرم الغنى شيئان مفترقان أيّ تفرّق
التقى ملكان فتساءلا؛ فقال أحدهما: أمرت بسوق حوت اشتهاه فلان اليهودي، وقال الآخر: أمرت بإهراق زيت اشتهاه فلان العابد. انتهى ملخصا بعضه من المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث رمز له في «الجامع الصغير» بأنه رواه ابن ماجه، والحاكم، والطبراني في «الكبير»، والبيهقي في «سننه»؛ عن أبي حميد السّاعدي، قال في العزيزي: وهو حديث صحيح.
وقال المناوي على «الجامع»: قال الحاكم: على شرطهما. وأقرّه الذهبي.
لكن فيه هشام بن عمار! أورده الذهبي في «ذيل الضعفاء»، وقال أبو حاتم:
صدوق تغيّر، فكلّما لقّن تلقّن. وقال أبو داود: حدّث بأرجح من أربعمائة حديث لا أصل لها. وفيه إسماعيل بن عياش! أورده في «الضعفاء»؛ وقال: مختلف فيه وليس بقوي. وفيه عمارة بن غزية! أورده في «الذيل» أيضا وقال: ثقة، ضعفه ابن حزم. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
٩- («الإحسان) قال ابن حجر الهيتمي: «أل» فيه للعهد الذهني المذكور في الآيات الكثيرة نحو* لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [٢٦/ يونس]، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥) [البقرة]، هَلْ جَزاءُ الْإِحْسانِ إِلَّا الْإِحْسانُ (٦٠) [الرحمن] .
[ ٣ / ٢٦١ ]
أن تعبد الله كأنّك تراه، فإن لم تكن تراه.. فإنّه يراك» .
فلمّا كثر تكّرره وعظم ثوابه سأل عنه جبريل ليعلمهم بعظم ثوابه وكمال رفعته، وهو مصدر «أحسنت كذا»، و«وفي كذا» إذا أحسنته وكمّلته؛ متعديا بهمزة، من حسن كذا، وبحرف الجر ك «أحسنت إليه» إذا فعلت معه ما يحسن فعله، والمراد هنا الأول إذ حاصله راجع إلى إتقان العبادات بأدائها على وجهها المأمور به مع رعاية حقوق الله تعالى فيها ومراقبته واستحضار عظمته وجلاله! ابتداء واستمرارا.
وهو على قسمين:
أحدهما غالب عليه مشاهدة الحقّ كما قال ﷺ:
(أن تعبد الله) من عبد: أطاع، والتعبّد: التنسّك، والعبودية: الخضوع والذّلّ. (كأنّك تراه) . وهذا من جوامع الكلم لأنّه جمع مع وجازته بيان مراقبة العبد ربّه في إتمام الخضوع والخشوع وغيرهما في جميع الأحوال، والإخلاص له في جميع الأعمال، والحثّ عليهما مع بيان سببهما الحامل عليهما لملاحظة أنّه لو قدّر أنّ أحدا قام في عبادة وهو يعاين ربّه تعالى لم يترك شيئا ممّا يقدر عليه من الخضوع والخشوع وحسن الصّمت واجتماعه بظاهره وباطنه على الاعتناء بتتميمها على أحسن وجوهها.
والثاني: من لا ينتهي إلى تلك الحالة لكن يغلب عليه أن الحق ﷾ مطّلع عليه ومشاهد له وقد بيّنه ﷺ بقوله: (فإن لم تكن تراه! فإنّه يراك») مشيرا إلى أنّه ينبغي للعبد أن يكون حاله مع فرض عدم عيانه لربه تعالى كهو مع عيانه؛ لأنّه تعالى مطّلع عليه في الحالين؛ إذ هو قائم على كلّ نفس بما كسبت، مشاهد لكلّ أحد من خلقه في حركته وسكونه؛ فكما أنّه لا يقدم على تقصير في الحال الأول؛ كذلك لا ينبغي له أن يقدم عليه في الحال الثاني، لما تقرر من استوائهما بالنسبة إلى اطّلاع الله تعالى وعلمه وشهود عظيم كماله، وباهر جلاله.
[ ٣ / ٢٦٢ ]
١٠- «اختلاف أمّتي رحمة» .
وقد ندب أهل الحقائق ١- إلى مجالسة الصالحين لأنه لاحترامه لهم وحيائه منهم لا يقدم على تقصير في حضرتهم. و٢- إلى أنّ العبد ينبغي له أن يكون في عبادة ربه كضعيف بين يدي جبّار؛ فإنه حينئذ يتحرّى ألايصدر منه سوء أدب بوجه. انتهى كلام ابن حجر في «شرح الأربعين» .
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام مسلم والثلاثة: أبي داود والترمذي والنسائي؛ عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه.
وهو قطعة من حديث طويل، أوله: بينما نحن جلوس عند رسول الله ﷺ ذات يوم إذ طلع علينا رجل شديد بياض الثياب الحديث وهو مذكور بطوله في «كتاب الأربعين النووية» وكذا رمز له برمز أحمد والشيخين وابن ماجه؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
١٠- («اختلاف أمّتي رحمة») اعلم أن هذا الحديث قد تكلّم عليه العلماء قديما وحديثا من جهة معناه، ومن جهة عزوه، وأنا أنقل كلامهم؛ وإن وقع فيه تكرار في بعض المواضع لأجل حصول الفائدة بالوقوف على ما قيل فيه
قال العجلوني في كتاب «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» ما نصّه:
قال في «المقاصد»: رواه البيهقي في «المدخل» بسند منقطع عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: قال رسول الله ﷺ: «مهما أوتيتم من كتاب الله تعالى؛ فالعمل به لا عذر لأحد في تركه، فإن لم يكن في كتاب الله! فسنّة منّي ماضية، فإن لم تكن سنّة منّي! فما قال أصحابي، إنّ أصحابي بمنزلة النّجوم في السماء، فأيّما أخذتم به اهتديتم، واختلاف أصحابي لكم رحمة» .
ومن هذا الوجه أخرجه الطبراني، والديلمي بلفظه، وفيه ضعيف، وعزاه الزركشي وابن حجر في «اللآلئ» لنصر المقدسي في «الحجة» مرفوعا، من غير
[ ٣ / ٢٦٣ ]
بيان لسنده؛ ولا لصحابيّه، وعزاه العراقي لآدم بن أبي إياس في كتاب «العلم والحكم» بغير بيان لسنده أيضا؛ بلفظ: «اختلاف أصحابي رحمة لأمّتي» وهو مرسل ضعيف.
وبهذا اللفظ أيضا ذكره البيهقي في «رسالته الأشعرية» بغير إسناد.
وفي «المدخل» له عن القاسم بن محمد من قوله: اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة لعباد الله.
وفيه أيضا عن عمر بن عبد العزيز: أنّه كان يقول: ما سرّني لو أنّ أصحاب محمد ﷺ لم يختلفوا، لأنهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.
وفيه أيضا عن يحيى بن سعيد أنه قال: أهل العلم أهل توسعة، وما برح المفتون يختلفون؛ فيحلّل هذا ويحرّم هذا. فلا يعيب هذا على هذا.
ثمّ قال في «المقاصد» أيضا: قرأت بخط شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- أنّه حديث مشهور على الألسنة. وقد أورده ابن الحاجب في «المختصر» في مباحث القياس بلفظ: «اختلاف أمتي رحمة للناس»، وكثر السؤال عنه، وزعم كثير من الأئمّة أنّه لا أصل له، لكنّه ذكره الخطّابي في «غريب الحديث» مستطردا؛ فقال:
اعترض هذا الحديث رجلان: أحدهما ماجن، والآخر ملحد؛ وهما إسحاق الموصلي، وعمرو بن بحر الجاحظ، وقالا: لو كان الاختلاف رحمة؛ لكان الاتفاق عذابا، ثمّ تشاغل الخطابي بردّ كلامهما، ولم يشف في عزو الحديث؛ لكنّه أشعر بأن له أصلا عنده.
ثمّ قال الخطّابي: والاختلاف في الدّين ثلاثة أقسام:
الأول: في إثبات الصانع ووحدانيّته، وإنكاره كفر.
والثاني: في صفاته ومشيئته، وإنكارهما بدعة.
والثالث: في أحكام الفروع المحتملة وجوها؛ فهذا جعله الله رحمة وكرامة للعلماء، وهو المراد بحديث: «اختلاف أمتي رحمة» انتهى.
[ ٣ / ٢٦٤ ]
وقال النووي في «شرح مسلم» ج ١١ ص ٩٢: ولا يلزم من كون الشيء رحمة أن يكون ضدّه عذابا، ولا يلتزم هذا ولا يذكره إلّا جاهل أو متجاهل، وقد قال تعالى وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا [٧٣/ القصص] فسمّى اللّيل رحمة، ولا يلزم من ذلك أن يكون النهار عذابا انتهى.
ومثله يقال: فيما رواه ابن أبي عاصم في «السنة» عن أنس مرفوعا:
«لا تجتمع أمتي على ضلالة»، ورواه الترمذي عن ابن عمر بلفظ: «لا يجمع الله أمتي على ضلالة، ويد الله مع الجماعة» .
ورواه أحمد، والطبراني في «الكبير» عن أبي نصر الغفاري في حديث رفعه:
«سألت ربّي ألاتجتمع أمتي على ضلالة» . فقد قيل مفهومه: إن اختلاف هذه الأمة ليس رحمة ونعمة، لكن فيه ما تقدم نظيره عن النووي وغيره.
وفي «الموضوعات» للعلامة ملا علي قاري: أن السيوطي قال- يعني في «الجامع الصغير» -: أخرجه نصر المقدسي في «الحجة»، والبيهقي في «الرسالة الأشعرية» بغير سند، ورواه الحليمي والقاضي الحسين وإمام الحرمين وغيرهم، ولعلّه خرّج في بعض كتب الحفاظ التي لم تصل إلينا!!.
ثمّ قال السيوطي؛ عقب ذكره لكلام عمر بن عبد العزيز: وهذا يدلّ على أنّ المراد اختلافهم في الأحكام الفرعية، وقيل: في الحرف والصنائع، والأصحّ الأول، فقد أخرج الخطيب في رواة مالك؛ عن إسماعيل بن أبي المجالد قال:
قال هارون الرشيد لمالك بن أنس: يا أبا عبد الله؛ نكتب هذه الكتب- يعني مؤلفات الإمام مالك- ونفرّقها في آفاق الإسلام لنحمل عليها الأمّة؟ قال: يا أمير المؤمنين؛ إن اختلاف العلماء رحمة من الله تعالى على هذه الأمّة، كلّ يتبع ما صحّ عنده، وكل على هدى، وكلّ يريد الله تعالى.
وفي «مسند الفردوس» عن ابن عباس مرفوعا: «اختلاف أصحابي لكم رحمة» . وذكر ابن سعد في «طبقاته»؛ عن القاسم بن محمد أنه قال: كان
[ ٣ / ٢٦٥ ]
اختلاف أصحاب محمد ﷺ رحمة للناس.
وأخرجه أبو نعيم بلفظ: كان اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ رحمة لهؤلاء الناس. انتهى كلام «كشف الخفا ومزيل الإلباس» .
وذكر في «شرح الإحياء» في كتاب العلم ج ١ ص ٢٠٥ بعضا مما نقلناه عن «كشف الخفاء»، وزاد أنّه رواه أبو نصر السّجزي في «الإبانة»؛ وقال: غريب، والخطيب، وابن عساكر في «تاريخهما» .
وقال ابن السبكي في «تخريج أحاديث المنهاج»: هذا شيء لا أصل له. وقال والده: لم أقف له على سند صحيح ولا ضعيف ولا موضوع! انتهى.
وقال ابن الملقّن في «تخريج أحاديث المنهاج»: لم أر من خرّجه مرفوعا بعد البحث الشديد عنه، وإنّما نقله ابن الأثير في مقدمة «جامعه» من قول مالك.
انتهى كلام «شرح الإحياء» ملتقطا.
وفي المناوي على «الجامع الصغير»: «اختلاف» افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور؛ ذكره الحراني.
«أمّتي»؛ أي: مجتهدي أمتي في الفروع التي يسوغ الاجتهاد فيها، فالكلام في الاجتهاد في الأحكام؛ كما في «تفسير القاضي» قال: فالنهي مخصوص بالتفرّق في الأصول؛ لا الفروع. انتهى.
قال السبكي: ولا شكّ أن الاختلاف في الأصول ضلال؛ وسبب كلّ فساد؛ كما أشار إليه القرآن.
وأمّا ما ذهب إليه جمع؛ من أنّ المراد الاختلاف في الحرف والصنائع!
فردّه السّبكي بأنّه كان المناسب على هذا أن يقال: اختلاف الناس رحمة؛ إذ لا خصوص للأمة بذلك، فإنّ كلّ الأمم مختلفون في الحرف والصنائع! فلا بدّ من خصوصية!!
[ ٣ / ٢٦٦ ]
قال: وما ذكره إمام الحرمين في «النهاية» كالحليمي؛ من أنّ المراد اختلافهم في المناصب والدرجات والمراتب؛ فلا ينساق الذهن من لفظ «الاختلاف» إليه.
«رحمة» للناس. كذا هو ثابت في رواية من عزا المصنف الحديث إليه، فسقطت اللفظة منه سهوا؛ أي: اختلافهم توسعة على الناس بجعل المذاهب كشرائع متعدّدة بعث النبيّ ﷺ بكلّها؛ لئلا تضيق بهم الأمور من إضافة الحقّ الذي فرضه الله تعالى على المجتهدين دون غيرهم، ولم يكلّفوا ما لا طاقة لهم به توسعة في شريعتهم السمحة السهلة، فاختلاف المذاهب نعمة كبيرة، وفضيلة جسيمة، خصّت بها هذه الأمّة، فالمذاهب التي استنبطها أصحابه فمن بعدهم من أقواله وأفعاله على تنوّعها كشرائع متعددة، وقد وعد بوقوع ذلك فوقع، وهو من معجزاته ﷺ: أما الاختلاف في العقائد فضلال ووبال كما تقرّر، والحقّ ما عليه أهل السّنة والجماعة فقط. فالحديث إنّما هو في الاختلاف في الأحكام.
و«رحمة» نكرة في سياق الإثبات لا تقتضي عموما فيكفي في صحّته أن يحصل في الاختلاف رحمة ما في وقت مّا في حال مّا على وجه مّا.
وأخرج البيهقي في «المدخل» عن القاسم بن محمد؛ أو عمر بن عبد العزيز:
لا يسرّني أنّ أصحاب محمد؛ لم يختلفوا، لأنّهم لو لم يختلفوا لم تكن رخصة.
ويدلّ لذلك ما رواه البيهقي من حديث ابن عباس مرفوعا: «أصحابي بمنزلة النجوم في السماء فبأيّهم اقتديتم اهتديتم: واختلاف أصحابي لكم رحمة» .
قال السّمهوديّ: واختلاف الصّحابة في فتيا اختلاف الأمّة.
وما روي من أن مالكا لما أراده الرشيد على الذّهاب معه إلى العراق؛ وأن يحمل الناس على «الموطأ» كما حمل عثمان الناس على القرآن؟ فقال مالك: أمّا حمل الناس على «الموطأ» فلا سبيل إليه؛ لأن الصحابة ﵃ افترقوا بعد موته ﷺ في الأمصار، فحدّثوا، فعند أهل كلّ مصر علم، وقد قال ﷺ:
[ ٣ / ٢٦٧ ]
«اختلاف أمتي رحمة» كالصّريح في أن المراد الاختلاف في الأحكام، كما نقله ابن الصلاح؛ عن مالك من أنّه قال في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ: مخطئ ومصيب، فعليك بالاجتهاد.
قال: وليس كما قال ناس: فيه توسعة على الأمّة بالاجتهاد إنّما هو بالنّسبة إلى المجتهد، لقوله: فعليك بالاجتهاد، فالمجتهد مكلّف بما أدّاه إليه اجتهاده؛ فلا توسعة عليهم في اختلافهم، وإنّما التوسعة على المقلّد، فقول الحديث «اختلاف أمّتي رحمة للناس» أي: لمقلديهم، ومساق قول مالك «مخطئ ومصيب الخ» إنّما هو الردّ على من قال: من كان أهلا للاجتهاد له تقليد الصحابة دون غيرهم.
وفي «العقائد» لابن قدامة الحنبلي: «إن اختلاف الأئمة رحمة واتفاقهم حجة» . انتهى.
فإن قلت: هذا كلّه لا يجامع نهي الله تعالى عن الاختلاف، بقوله تعالى وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا [١٠٣/ آل عمران] وقوله تعالى وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ ما جاءَهُمُ الْبَيِّناتُ [١٠٥/ آل عمران]؟! الآية.
قلت: هذه دسيسة ظهرت من بعض من في قلبه مرض، وقد قام بأعباء الردّ عليه جمع جمّ؛ منهم: ابن العربي وغيره بما منه أنّه ﷾ إنما ذمّ كثرة الاختلاف على الرسل كفاحا، كما دلّ عليه خبر: «إنّما أهلك الّذين من قبلكم كثرة اختلافهم على أنبيائهم» .
وأما هذه الأمّة! فمعاذ الله تعالى أن يدخل فيها أحد من العلماء المختلفين؛ لأنه أوعد الّذين اختلفوا بعذاب عظيم. والمعترض موافق على أنّ اختلاف هذه الأمّة في الفروع مغفور لمن أخطأ منهم، فتعيّن أنّ الآية فيمن اختلف على الأنبياء؛ فلا تعارض بينها وبين الحديث.
وفيه ردّ على المتعصبين لبعض الأئمة على بعض، وقد عمّت به البلوى وعظم به الخطب.
[ ٣ / ٢٦٨ ]
قال الذهبي: وبين الأئمة اختلاف كثير في الفروع وبعض الأصول، وللقليل منهم غلطات وزلفات، ومفردات منكرة، وإنما أمرنا باتباع أكثرهم صوابا، ونجزم بأنّ غرضهم ليس إلا اتّباع الكتاب والسّنة، وكلّ ما خالفوا فيه لقياس أو تأويل.
قال: وإذا رأيت فقيها خالف حديثا، أو ردّ حديثا، أو حرّف معناه، فلا تبادر لتغليطه؛ فقد قال عليّ كرّم الله وجهه- لمن قال له: أتظنّ أنّ طلحة والزّبير كانا على باطل!؟ -: يا هذا إنّه ملبوس عليك، وإن الحق لا يعرف بالرجال، اعرف الحقّ تعرف أهله.
وما زال الاختلاف بين الأئمة واقعا في الفروع وبعض الأصول مع اتفاق الكلّ على تعظيم الباري ﷻ، وأنه ليس كمثله شيء، وأن ما شرعه رسوله حقّ، وأن كتابهم واحد، ونبيّهم واحد، وقبلتهم واحدة، وإنما وضعت المناظرة لكشف الحقّ، وإفادة العالم الأذكى العلم لمن دونه، وتنبيه الأغفل الأضعف، فإن داخلها زهو من الأكمل، وانكسار من الأصغر! فذلك دأب النفوس الزكية في بعض الأحيان غفلة عن الله تعالى؛ فما الظّنّ بالنفوس الشريرة المنطقية. انتهى.
ويجب علينا أن نعتقد أنّ الأئمة الأربعة والسّفيانين والأوزاعي وداود الظاهري وإسحاق بن راهواه وسائر الأئمة على هدى، ولا التفات لمن تكلّم فيهم بما هم بريئون منه. والصحيح- وفاقا للجمهور- أن المصيب في الفروع واحد، ولله تعالى فيما حكم عليه أمارة، وأنّ المجتهد كلّف بإصابته، وأن مخطئه لا يأثم؛ بل يؤجر، فمن أصاب فله أجران، ومن أخطأ فله أجر.
نعم؛ إن قصّر المجتهد أثم اتفاقا، وعلى غير المجتهد أن يقلّد مذهبا معيّنا.
وقضية جعل الحديث «الاختلاف رحمة» جواز الانتقال من مذهب لآخر.
والصحيح عند الشافعية جوازه، لكن لا يجوز تقليد الصحابة وكذا التابعين- كما قاله إمام الحرمين- من كلّ من لم يدوّن مذهبه، فيمتنع تقليد غير الأربعة في القضاء والإفتاء، لأن المذاهب الأربعة انتشرت وتحرّرت؛ حتى ظهر تقييد مطلقها
[ ٣ / ٢٦٩ ]
وتخصيص عامّها، بخلاف غيرهم؛ لانقراض أتباعهم.
وقد نقل الإمام الرازي رحمه الله تعالى إجماع المحققين على منع العوامّ من تقليد أعيان الصحابة وأكابرهم. انتهى.
نعم؛ يجوز لغير عامّي من الفقهاء المقلّدين تقليد غير الأربعة في العمل لنفسه؛ إن علم نسبته لمن يجوز تقليده وجمع شروطه عنده.
لكن بشرط ألايتتبع الرّخص بأن يأخذ من كلّ مذهب بالأسهل بحيث تنحلّ ربقة التكليف من عنقه. وإلا! لم يجز. خلافا لابن عبد السلام حيث أطلق جواز تتبّعها، وقد يحمل كلامه على ما إذا تتبّعها على وجه لا يصل إلى الانحلال المذكور.
وقول ابن الحاجب كالآمدي «من عمل في مسألة بقول إمام ليس له العمل فيها بقول غيره اتفاقا» !! إن أراد به اتفاق الأصوليين، فلا يقضي على اتفاق الفقهاء والكلام فيه. وإلا! فهو مردود، أو مفروض فيما لو بقي من آثار العمل الأول ما يستلزم تركّب حقيقة لا يقول بها كلّ من الإمامين؛ كتقليد الإمام الشافعي في مسح بعض الرأس؛ والإمام مالك في طهارة الكلب في صلاة واحدة؛
فعلم أنّه إنما يمتنع تقليد الغير في تلك الواقعة نفسها، لا مثلها.
كأن أفتي ببينونة زوجته بنحو تعليق فنكح أختها، ثم أفتي بأن لا بينونة ليس له الرجوع للأولى بغير إبانتها «١» . وكأن أخذ بشفعة جوار تقليدا للحنفي، ثم استحقت عليه فيمتنع تقليده للشافعي في تركها؛ لأنّ كلّا من الإمامين لا يقول به، فلو اشترى بعده عقارا وقلّد الإمام الشافعي في عدم القول بشفعة الجوار لم يمنعه ما تقدّم من تقليده في ذلك، فله الامتناع من تسليم العقار الثاني، وإن قال الآمدي وابن الحاجب ومن على قدمهما- كالمحلّي- بالمنع في هذا، وعمومه في جميع صور
_________________
(١) أي الأخت الثانية.
[ ٣ / ٢٧٠ ]
ما وقع العمل به أوّلا؛ فهو ممنوع، وزعم الاتفاق عليه باطل.
وحكى الزركشي أنّ القاضي أبا الطيّب أقيمت صلاة الجمعة فهمّ بالتكبير؛ فذرق عليه طير، فقال: أنا حنبلي، فأحرم، ولم يمنعه عمله بمذهبه من تقليد المخالف عند الحاجة!!.
وممن جرى على ذلك السبكي فقال: المنتقل من مذهب لآخر له أحوال.
الأول: أن يعتقد رجحان مذهب الغير، فيجوز عمله به! اتباعا للراجح في ظنّه.
الثاني: ألايعتقد رجحان شيء، فيجوز.
الثالث: أن يقصد بتقليده الرخصة فيما يحتاجه؛ لحاجة لحقته أو ضرورة أرهقته، فيجوز.
الرابع: أن يقصد مجرّد الترخّص فيمتنع، لأنّه متبع لهواه؛ لا للدّين.
الخامس: أن يكثر ذلك ويجعل اتباع الرّخص ديدنه، فيمتنع؛ لما ذكر ولزيادة فحشه.
السادس: أن يجتمع من ذلك حقيقة مركبة ممتنعة بالإجماع! فيمتنع.
السابع: أن يعمل بتقليد الأوّل كحنفيّ يدّعي شفعة جوار فيأخذها بمذهب الحنفيّ! فتستحق عليه؛ فيريد تقليد الإمام الشافعي، فيمتنع لخطئه في الأولى أو الثانية؛ وهو شخص واحد مكلّف. قال: وكلام الآمدي وابن الحاجب منزّل عليه.
وسئل البلقيني عن التقليد في المسألة السريجيّة فقال: أنا لا أفتي بصحة الدور، لكن إذا قلّد من قال بعدم وقوع الطلاق كفى، لا يؤاخذه الله ﷾؛ لأن الفروع الاجتهادية لا يعاقب عليها؛ أي مع التقليد. وهو ذهاب منه إلى جواز تقليد المرجوح وتتبعه.
[ ٣ / ٢٧١ ]
قال بعضهم: ومحل ما مرّ من منع تتبّع الرّخص إذا لم يقصد به مصلحة دينيّة، وإلا! فلا منع؛ كبيع مال الغائب، فإن السبكيّ أفتى بأن الأولى تقليد الشافعي فيه، لاحتياج الناس غالبا في نحو مأكول ومشروب إليه، والأمر إذا ضاق اتسع.
وعدم تكرير الفدية بتكرر المحرم اللّبس، فالأولى تقليد الشافعي لمالك فيه. كما أفتى به الأبشيطي رحمه الله تعالى.
وذهب الحنفية إلى منع الانتقال مطلقا. قال في «فتح القدير»: المنتقل من مذهب لمذهب باجتهاد وبرهان آثم، عليه التعزير وبدونهما أولى.
ثم حقيقة الانتقال إنما تتحقق في حكم مسألة خاصّة قلّد فيها وعمل بها، وإلا! فقوله «قلّدت أبا حنيفة فيما أفتى به من المسائل أو التزمت العمل به» على الإجمال وهو لا يعرف صورها! ليس حقيقة التقليد بل وعد به، أو تعليق له كأنّه التزم العمل بقوله فيما يقع له، فإذا أراد بهذا الالتزام؛ فلا دليل على وجوب اتباع المجتهد بالزامه نفسه بذلك! قولا أو نيّة شرعا، بل الدليل اقتضى العمل بقول المجتهد فيما يحتاجه بقوله تعالى فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٧) [الأنبياء]، والمسؤول عنه إنّما يتحقّق عند وقوع الحادثة!!. قال: والغالب أنّ مثل هذه الالتزامات لكفّ الناس عن تتبّع الرّخص، إلا أنّ أخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخفّ عليه، ولا يدرى ما يمنع هذا من النقل والعقل. انتهى.
وذهب بعض المالكية إلى جواز الانتقال بشروط: ففي «التنقيح» للقرافي؛ عن الزناتي: التقليد يجوز بثلاثة شروط
١- ألايجمع بينهما على وجه يخالف الإجماع؛ كمن تزوّج بلا صداق، ولا وليّ ولا شهود؛ فإنه لم يقل به أحد. و٢- أن يعتقد في مقلّده الفضل، و٣- ألايتتبع الرخص والمذاهب.
وعن غيره: يجوز فيما لا ينقض فيه قضاء القاضي، وهو ما خالف الإجماع، أو القواعد الكليّة، أو القياس الجليّ.
[ ٣ / ٢٧٢ ]
١١- «اخزن لسانك
ونقل عن الحنابلة ما يدلّ للجواز.
وقد انتقل جماعة من المذاهب الأربعة من مذهبه لغيره؛
منهم عبد العزيز بن عمران كان مالكيا؛ فلمّا قدم الإمام الشافعيّ- رحمه الله تعالى- مصر تفقّه عليه.
وأبو ثور من مذهب الحنفيّ إلى مذهب الشافعيّ.
وابن عبد الحكم من مذهب مالك إلى الشافعيّ، ثم عاد إلى مذهب مالك.
وأبو جعفر بن نصر من الحنبليّ إلى الشافعيّ.
والطحاويّ من الشافعيّ إلى الحنفيّ. والإمام السّمعاني من الحنفي إلى الشافعيّ.
والخطيب البغدادي والآمدي وابن برهان من الحنبلي إلى الشافعيّ،
وابن فارس صاحب «المجمل» من الشافعيّ إلى المالكيّ،
وابن الدّهان من الحنبلي للحنفيّ؛ ثم تحول شافعيا.
وابن دقيق العيد من المالكي إلى الشافعيّ،
وأبو حيان من الظّاهريّ للشافعيّ! ذكره الإسنوي وغيره. وإنما أطلنا وخرجنا عن جادة الكتاب!! لشدّة الحاجة لذلك، وقد ذكر جمع أنه من المهمات التي يتعيّن اتقانها. انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى في شرح «الجامع الصغير» .
١١- («اخزن لسانك)؛ أي: صنه واحفظه عن التكلم فيما لا يعنيك، فإن الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضمائر، ويخبر بمكنونات السرائر، ولا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على دفع شوارده، فحقّ على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه، أو الإقلال منه.
قال عليّ كرّم الله وجهه: اللسان معيار أطاشه الجهل، وأرجحه العقل.
[ ٣ / ٢٧٣ ]
ولله درّ القائل:
احفظ لسانك أيّها الإنسان لا يلدغنّك إنّه ثعبان
كم في المقابر من قتيل لسانه كانت تهاب لقاءه الشّجعان
قال ابن الأعرابي: أمراض النفس قولية وفعلية، وتفاريع القولية كثيرة، لكن عللها وأدويتها محصورة في أمرين:
الأول: ألاتتكلم إذا اشتهيت أن تتكلم.
والآخر: ألاتتكلم إلا فيما إن سكتّ عنه عصيت، وإلّا! فلا، وإيّاك والكلام عند استحسان كلامك، فإن حالتئذ من أكبر الأمراض، وما له دواء إلّا الصمت، وقد نسب إلى الشيخ عبد الغني النابلسي رحمه الله تعالى في آفات اللسان هذه المنظومة:
تعلّم حفظ آفات اللّسان لتحظى بالأمان وبالأماني
وخذها إنّها سبعون شيئا حكت في نظمها عقد الجمان
فكفر والخطامع خوف كفر وكذب ثمّ سبّ في هوان
وفحش غيبة ونميمة مع مراء والجدال وطعن جاني
وسخرية وتعريض ولعن ونوح واشتغال بالأغاني
مخاصمة وإفشاء لسرّ وخوض في محلّ بافتتان
سؤال المال والدّنيا، نفاق بقول والكلام لدى الأذان
سؤالك عن أغاليط وأيضا عوام النّاس عن صعب المعاني
وتغليظ الكلام وأمر نكر ونهي العرف عن خطأ اللّسان
سؤال عن عيوب النّاس أخذ لذي الوجهين في أمر الدّهان
كلام حالة القرآن يتلى وبعد طلوع فجر للعيان
وحالة خطبة وبمسجد مع دخول خلا لحاجات تعاني
وفي حال الصّلاة وفي جماع وفتح القول عند كبير شان
[ ٣ / ٢٧٤ ]
إلّا من خير» .
وبالألقاب نبز مع يمين غموس أو بغير الله دان
إخافة مؤمن وفضول قول وإكثار اليمين بلا توان
على غير الدّعاء كأهل ظلم بدون صلاح حال كلّ آن
سؤال إمارة ووصيّة مع تولّيه على دار وخان
وردّ كلام متبوع وقطع لقول الغير شعر ذو امتهان
تناجي اثنين مدح مع مزاح ونطق بالّذي هو غير عاني
على النّفس الدّعاء وردّ عذر أتى بالرّأي تفسير القران
سؤالك عن حلال أو طهور بغير محلّه قصد امتحان
وسجع والفصاحة مع سلام على الذّمي وذي فسق مهان
كذا متغوّط أو بائل مع كلام الأجنبيّة في مكان
وإرشاد لنحو طريق سوء وإذن في المعاصي للمدان
وآفات العبادات اللّواتي تعدّت والّتي قصرت لفان
كذا الآفات ضمن معاملات وآفات السّكوت بلا بيان
وقد تمّت بعون الله فاخلص لناظمها دعاءك بالجنان
وقد ذكر الإمام الغزالي في «إحياء علوم الدين» آفات اللّسان مفصّلة بما يشفي العليل فراجعها إن شئت.
(إلّا من خير») كقراءة القرآن، وذكر الله تعالى، ومذاكرة العلم، والأمر بالمعروف، وذلك أن قول الخير خير من السكوت؛ لأن قول الخير ينتفع به من يسمعه، والصّمت لا يتعدّى نفعه.
وهذا الحديث رواه الطبراني في «الصغير»؛ من حديث أبي سعيد الخدري ﵁. وفيه ليث بن أبي سليم مختلف فيه، وتمام الحديث: «فإنّك بذلك تغلب الشّيطان» وقد جاءت أحاديث كثيرة في التحذير من خطر اللّسان، ولا نجاة من خطره إلّا بالصّمت، فلذلك مدح الشرع الصمت وحثّ عليه؛ فيما روي عنه ﷺ
[ ٣ / ٢٧٥ ]
١٢- «أخلص العمل
من قوله: «من صمت نجا» رواه الإمام أحمد والترمذي من حديث عبد الله بن عمرو- بسند فيه ضعف- وقال: غريب، وهو عند الطبراني- بسند جيّد-.
وروى الإمام أحمد والترمذيّ- وصححه- والنسائيّ وابن ماجه؛ عن عبد الله بن سفيان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث الثقفي، عن أبيه قال: قلت يا رسول الله: أخبرني عن الإسلام بأمر لا أسأل عنه أحدا بعدك؟ قال: «قل آمنت بالله ثمّ استقم» . قال: قلت فما أتقي؟ فأومأ بيده إلى لسانه.
وهو عند مسلم دون آخر الحديث الذي فيه ذكر اللّسان.
وأخرج الترمذي- وقال: حسن- عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال: قلت:
يا رسول الله ما النجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك وابك على خطيئتك» .
وأخرج البخاري عن سهل بن سعد الساعدي قال:
قال رسول الله ﷺ: «من يضمن لي ما بين لحييه أضمن له الجنّة» .
وفي الحديث عنه ﷺ أنّه قال «من سرّه أن يسلم فليلزم الصّمت» .
رواه ابن أبي الدّنيا في «الصمت»، وأبو الشيخ في «فضائل الأعمال»، والبيهقي في «الشعب» كلّهم من حديث أنس ﵁- بإسناد فيه ضعف-.
وأخرج الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري رفعه قال: «إذا أصبح ابن آدم أصبحت الأعضاء كلّها تكفّر اللّسان تقول: اتّق الله فينا، فإنّك إن استقمت استقمنا، وإن اعوججت اعوججنا» .
وروى ابن أبي الدنيا في «الصمت»؛ من طريق وهيب بن الورد قال: كان يقال: الحكمة عشرة أجزاء؛ فتسعة منها في الصمت، والعاشر: عزلة الناس.
١٢- («أخلص) - بفتح الهمزة، وسكون الخاء المعجّمة، وكسر اللام- (العمل)، الإخلاص الكامل: أن تعبد ربك امتثالا لأمره، وقياما بحقّ ربوبيته،
[ ٣ / ٢٧٦ ]
يجزك منه القليل» .
لا طمعا في جنته ولا خوفا من ناره، ولا للسلامة من عضّة الدّهر ونكبته؛ وذلك لأن الإخلاص ثلاث درجات:
عليا: وهو أن يعمل العبد لله وحده! امتثالا لأمره وقياما بحق ربوبيّته.
ووسطى: وهو أن يعمل لثواب الآخرة.
ودنيا: وهو أن يعمل للإكرام في الدنيا والسلامة من آفاتها.
وما عدا هذه الثلاث المراتب؛ فهو من الرّياء، فإذا اخلصت العمل لله تعالى
(يجزك منه)؛ أي: من العمل الخالص لله (القليل») وتكون تجارتك رابحة، وفي «التوراة»: ما أريد به وجهي فقليله كثير، وما أريد به غير وجهي فكثيره قليل.
ومن كلامهم: لا تسع في إكثار الطاعة بل إخلاصها.
وقال الغزالي: أقلّ طاعة سلمت من الرياء والعجب وقارنها الإخلاص يكون لها عند الله تعالى من القيامة ما لا نهاية له. وأكثر طاعة إذا أصابتها هذه الآفة لا قيمة لها، إلّا أن يتداركها الله تعالى بلطفه.
قال ابن الكمال: الإخلاص- لغة-: ترك الرياء في الطاعة.
واصطلاحا-: تخليص القلب عن شائبة الشوب المكدّر لصفائه، وكلّ شيء تصوّر أن يشوبه غيره، فإذا صفا عن شوبه فخلص منه سمّي خالصا.
قال بعضهم: ولا شكّ أن كلّ من أتى بفعل اختياري فلا بدّ له فيه من غرض، فمهما كان الباعث واحدا سمّي الفعل الصادر عنه إخلاصا؛ فمن تصدّق وغرضه محض الرياء؛ فهو غير مخلص، ومن كان غرضه محض التقرّب إلى الله تعالى! فهو مخلص، لكن العادة جارية بتخصيص اسم الإخلاص بتجريد قصد التقرّب إلى الله تعالى عن جميع الشوائب، كما أن الإلحاد عبارة عن الميل، لكن خصّصته العادة
[ ٣ / ٢٧٧ ]
١٣- «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك،
بالميل عن الحقّ. ومن كان باعثه مجرّد الرّياء فهو معرّض للهلاك، فالإخلاص شرط لقبول كلّ طاعة، كما جاء عنه ﷺ أنه قال: «أخلصوا أعمالكم لله، فإنّ الله لا يقبل إلا ما خلص له» رواه الدارقطني عن الضحّاك بن قيس رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: ولكلّ عمل من المأمورات خصوص اسم في الإخلاص، كإخلاص المنفق بأن الإنعام من الله؛ لا من العبد، وكإخلاص المجاهد بأن النّصر من الله؛ لا من العبد المجاهد، قال الله تعالى وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ [١٢٦/ آل عمران] وكذا سائر الأعمال. انتهى كلام المناوي في «شرح الجامع» .
وهذا الحديث أخرجه الديلمي في «مسند الفردوس»؛ من حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه- وإسناده منقطع-، ورواه ابن أبي الدنيا في كتاب «الإخلاص»، وابن أبي حاتم، والحاكم، وأبو نعيم في «الحلية» من حديث معاذ؛ قال: لما بعثني رسول الله ﷺ إلى اليمن قلت: أوصني، فقال: «أخلص دينك يكفك القليل من العمل» . وقال الحاكم: صحيح، وتعقّبه الذهبي. انتهى ذكره في «شرح الإحياء» .
١٣- («أدّ) - بفتح الهمزة، وكسر الدّال- وجوبا في الواجب، وندبا فيما تطلب فيه المعاونة من الأداء. قال الراغب: وهو دفع ما يجب دفعه وتوفيته؛ أي: أوصل. (الأمانة) وهي: كلّ حقّ لزمك أداؤه وحفظه، ومن قصرها على حقّ الحقّ أو حقّ الخلق! فقد قصّر.
قال القرطبي: الأمانة تشمل أعدادا كثيرة، لكن أمهاتها: الوديعة، واللقطة، والرهن، والعاريّة. (إلى من ائتمنك) عليها، ولا مفهوم له؛ بل غالبيّ، فإنّ حفظها أثر كمال الإيمان، فإذا نقص نقصت الأمانة في الناس، وإذا زاد زادت.
والمراد: من جعل لك الشرع على ماله يدا؛ فشمل ما إذا ألقت الريح ثوبا في بيتك، أو دخل فيه جائع. والمراد بأدائها: إيصالها إليه بالتخلية بينه وبينها؛
[ ٣ / ٢٧٨ ]
ولا تخن من خانك» .
فليست الأمانة بالمعنى المصطلح عليه عند الفقهاء؛ من أنّها الوديعة التي لم يضمنها ذو اليد إذا لم يقصر.
وقال النووي: الظاهر أن المراد بالأمانة: التكليف الذي كلّف الله به عباده، والعهد الذي أخذه الله عليهم، وهي التي في قوله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ [٧٢/ الأحزاب] الآية.
وفي «النهاية» الأمانة: تقع على الطاعة والعبادة والوديعة والثقة والأمان.
وقال الفخر الرازيّ: قيل: هي التكليف، سمّي أمانة!! لأنّ من قصّر فعليه الغرامة، ومن وفّى فله الكرامة. وقيل: هي لا إله إلّا الله، وهو بعيد. فالأكوان ناطقة بأن الله واحد. وقيل: هي الأعضاء، فالعين أمانة ينبغي حفظها، والأذن كذلك، وبقيّة الأعضاء. وقيل: هي معرفة الله تعالى.
ولما كانت النفوس نزّاعة إلى الخيانة روّاغة عند مضائق الأمانة، وربّما تأوّلت جوازها مع من لم يلتزمها أعقبه بقوله:
(ولا تخن من خانك»)؛ أي: لا تعامله بمعاملته، ولا تقابل خيانته بخيانتك؛ فتكون مثله، وليس منها ما يأخذه الإنسان من مال من جحده حقّه إذ لا تعدّي فيه. أو المراد: إذا خانك صاحبك فلا تقابله بجزاء خيانته، وإن كان حسنا؛ أي: جائزا، بل قابله بالأحسن الذي هو العفو، وادفع بالّتي هي أحسن، وهذا- كما قاله الطيبي- أحسن.
وهذه مسألة تتكرّر على ألسنة الفقهاء ولهم فيها أقوال؛
الأول: لا تخن من خانك مطلقا، وهذا ظاهر الحديث.
الثاني: خن من خانك! قاله الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك!!
وأجابوا عن هذا الحديث بأنّه لم يثبت، أو المعنى: لا تأخذ منه أزيد من حقك، أو هو إرشاد إلى الأكمل كما مرّ، واحتجّوا بقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ
[ ٣ / ٢٧٩ ]
فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [١٩٤/ البقرة]، وبحديث هند وهو قوله ﷺ: «خذي من ماله ما يكفيك وولدك بالمعروف» .
الثالث: إن كان ممّا ائتمنك عليه من خانك فلا تخنه، وإن كان ليس في يدك فخذ حقّك منه؛ قاله مالك.
الرابع: إن كان من جنس حقّك فخذه، وإلّا فلا! قاله أبو حنيفة.
قال ابن العربي: والصحيح منها جواز الاعتداء بأن تأخذ مثل مالك من جنسه؛ أو غير جنسه إذا عدلت؛ لأنّ ما للحاكم فعله إذا قدرت تفعله إذا اضطررت.
انتهى من الزرقاني على «المواهب»، والمناوي على «الجامع» .
وهذه المسألة تلقّب عند الفقهاء ب «مسألة الظّفر» .
وتحرير القول فيها أنّ الحقّ إمّا أن يكون عينا؛ أو دينا؛ أو منفعة.
١- فالعين إن خشي من أخذها ممّن هي عنده ضررا؛ فلا بدّ فيها من الرفع إلى الحاكم؛ تحرزا عن الضّرر، وإلّا! فله أخذها استقلالا للضرورة.
٢- والدّين إن كان على غير ممتنع من أدائه طالبه به؛ فلا يأخذ شيئا له من غير مطالبة، ولو أخذه! لم يملكه، ويلزمه ردّه، فإن تلف؟ ضمنه، وإن كان على ممتنع من أدائه! ولو مقرّا؟ جاز له أخذ جنس حقه بصفته بطريق الظّفر. ويملكه بمجرّد الأخذ؛ فلا يحتاج إلى صيغة تملك، فإن تعذّر عليه الجنس المذكور؛ بأن وجد غير جنس حقّه، أو جنس حقّه بغير صفته؟ أخذه مقدّما النقد على غيره.
ويبيعه مستقلّا كما يستقل بالأخذ؛ لما في الرفع إلى الحاكم من المؤنة والمشقّة وتضييع الزمان حيث لا حجّة له، وإلّا! فلا يبيع إلا بإذن الحاكم، ولا يبيعه إلّا بنقد البلد، فإن كان جنس حقّه! تملّكه، وإن كان غير جنس حقّه؟ اشترى به جنس حقّه ثمّ تملكه.
ولا يأخذ فوق حقّه إن أمكن الاقتصار على حقّه، فإن لم يمكن؟ أخذ فوق
[ ٣ / ٢٨٠ ]
حقّه، ولا تضمن الزيادة لعذره، وباع منه بقدر حقّه إن أمكن تجزّؤه، وإلّا! باع الكلّ وأخذ من ثمنه قدر حقّه، وردّ الباقي بصورة هبة ونحوها.
وله أخذ مال غريم غريمه؛ إن لم يظفر بمال غريمه، وكان غريم الغريم ممتنعا أيضا.
وله فعل ما لا يصل للمال إلّا به؛ ككسر باب ونقب جدار وقطع ثوب، ولا يضمن ما فوّته بذلك، ومحلّ ذلك إذا كان ما يفعل به ذلك ملكا للمدين؛ ولم يتعلق به حقّ لازم؛ كرهن وإجارة. وما ذكر في دين آدميّ.
إمّا دين الله تعالى؟ كزكاة امتنع المالك من أدائها! فليس للمستحق الأخذ من ماله إذا ظفر به لتوقّفه على النيّة.
٣- والمنفعة إن كانت واردة على عين؛ فهي كالعين، فله استيفاؤها منها بنفسه إن لم يخش من ذلك ضررا، وإلّا! فلا بد من الرّفع إلى الحاكم.
وإن كانت واردة على ذمّة؟ فهي كالدّين، فإن كانت على غير ممتنع طالبه بها، ولا يأخذ شيئا من ماله بغير مطالبة، وإن كانت على ممتنع؛ وقدر على تحصيلها بأخذ شيء من ماله؟ فله ذلك بشرطه.
هذا تفصيل «مسألة الظّفر» في كتب الفقه الشافعي، والله أعلم.
وهذا الحديث رواه البخاري في «التاريخ»، وأبو داود والترمذيّ في «البيوع»؛ من رواية شريك بن عبد الله النخعي، ومن رواية قيس بن الربيع:
كلاهما عن أبي صالح السمان.
ورواه الحارث بن أبي أسامة من رواية الحسن البصري: كلاهما- أي: الحسن البصري وأبي صالح السمان- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وقال الترمذي:
حديث حسن غريب.
وأخرجه الدارمي في «مسنده» والحاكم! وقال: إنه صحيح على شرط
[ ٣ / ٢٨١ ]
١٤- «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي» .
مسلم، ولكن أعلّه ابن حزم، وكذا ابن القطان والبيهقي، وقال أبو حاتم: إنّه منكر؛ أي: ضعيف.
وقال الإمام الشافعي: إنّه ليس بثابت عند أهله؛ أي: ضعيف.
وقال الإمام أحمد: هذا حديث باطل لا أعرفه عن النبيّ ﷺ من وجه صحيح، ولعلّ كلام الإمام أحمد باعتبار ما وقف عليه! وإلّا؛ فليس في رواته وضّاع ولا كذّاب، ويحتمل أن يكون ليس مراد الإمام أحمد حقيقة البطلان بل الضعف، بدليل قوله لا أعرفه الخ.
وقال ابن ماجه: له طرق ستّة كلّها ضعيفة. قال السخاوي: لكن بانضمامها يقوى الحديث. انتهى. أي: لأنّ تباين الطّرق وكثرتها يفيد قوّة؛ وأن للحديث أصلا.
وقد رواه الدارقطني، والطبراني في «الكبير» و«الصغير»؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه، ورجاله ثقات، وصحّحه الضياء في «المختارة»
ورواه الطبراني في «الكبير» وابن عساكر والبيهقي من حديث أبي أمامة- بإسناد ضعيف-، والدارقطني عن أبيّ بن كعب بإسناد ضعيف، والطبراني أيضا عن رجل من الصحابة.
فحديث أبي هريرة لا يقصر عن درجة الحسن، وقد صحّحه ابن السّكن.
وسبب الحديث كما رواه إسحاق بن راهواه في «مسنده» أن رجلا زنى بامرأة آخر، ثمّ تمكّن الآخر من زوجة الزّاني بأن تركها عنده وسافر، فاستشار النبي ﷺ في الأمر فذكر الحديث؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
١٤- («أدّبني ربّي)؛ أي: علّمني رياضة النّفس ومحاسن الأخلاق الظاهرة والباطنة. (فأحسن تأديبي») بإفضاله عليّ بالعلوم الوهبيّة ممّا لم يقع نظيره لأحد من البريّة.
[ ٣ / ٢٨٢ ]
قال بعضهم: أدّبه باداب العبوديّة، وهذّبه بمكارم أخلاق الربوبيّة؛ لما أراد إرساله ليكون ظاهر عبوديّته مرآة للعالم؛ كقوله: «صلّوا كما رأيتموني أصلّي» وباطن حاله مرآة للصادقين في متابعته، وللصديقين في السير إليه؛ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ [٣١/ آل عمران] .
وقال القرطبي: حفظه الله من صغره، وتولّى تأديبه بنفسه، ولم يكله في شيء من ذلك لغيره، ولم يزل الله يفعل ذلك به حتى كرّه إليه أحوال الجاهلية وحماه منها، فلم يجر عليه شيء منها، كلّ ذلك لطف به وعطف عليه، وجمع للمحاسن لديه. انتهى.
وقال بعضهم: أدّب الله روح رسوله وربّاها في محل القرب قبل اتصالها ببدنه باللّطف والهيبة؛ فتكامل له الأنس باللّطف، والأدب بالهيبة، واتصلت بعد ذلك بالبدن ليخرج من اتّصالها كمالات أخرى من القوّة إلى الفعل، وينال كلّ من الروح والبدن بواسطة الآخر من الكمال ما يليق بالحال، ويصير قدوة لأهل الكمال.
والأدب: استعمال ما يحمد قولا وفعلا. أو الأخذ بمكارم الأخلاق. أو الوقوف مع المستحسنات، أو تعظيم من فوقه مع الرفق بمن دونه، وقيل: غير ذلك.
والحديث المذكور رواه الإمام أبو سعد ابن السمعاني في كتاب «أدب الإملاء» عن ابن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله أدّبني فأحسن تأديبي، ثمّ أمرني بمكارم الأخلاق؛ فقال: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩)» [الأعراف] .
قال السخاوي: سند هذا الحديث ضعيف جدّا، وإن اقتصر شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- على الحكم عليه بالغرابة؛ في بعض «فتاويه» !!. ولكن معناه صحيح.
ولذا جزم بحكايته ابن الأثير في خطبة «النهاية» وغيرها، ثمّ قال:
[ ٣ / ٢٨٣ ]
١٥- «إذا أراد الله بعبد خيرا.. فقّهه في الدّين،
وبالجملة فهو كما قال ابن تيمية: لا يعرف له إسناد ثابت. وقال السيوطي في «الدرر»: ضعّفه ابن السّمعاني وابن الجوزي، وصحّحه أبو الفضل ابن ناصر رحمهم الله تعالى، آمين.
١٥- («إذا أراد الله بعبد خيرا) كاملا (فقّهه في الدّين)؛ أي: فهّمه الأحكام الشرعية بتصوّرها والحكم عليها، أو باستنباطها من أدلّتها، وكلّ ميسّر لما خلق له، هذا ما عليه الجمهور.
وقال الغزالي: أراد العلم بالله وصفاته الّتي تنشأ عنها المعارف القلبيّة؛ لأنّ الفقه المتعارف؛ وإن عظم نفعه في الدّين؛ لكنّه يرجع إلى الظواهر الدينيّة، إذ غاية نظر الفقيه في الصّلاة مثلا الحكم بصحّتها عند توفّر الواجبات والمعتبرات.
وفائدته: سقوط الطلب في الدنيا. وأما قبولها وترتّب الثواب فليس من تعقّله، بل يرجع إلى عمل القلب وما تلبّس به من نحو خشية ومراقبة، وحضور وعدم رياء ونحو ذلك؛ فهذا لا يكون أبدا إلا خالصا لوجه الله، فهو الّذي يصحّ كونه علامة على إرادة الخير بالعبد.
وأما الفقهاء فهم في واد والمتزوّدون للآخرة بعلمهم في واد. ألا ترى إلى قول مجاهد «إنّما الفقيه من يخاف الله»، وقول الحسن- لمن قال «قال الفقهاء» -:
وهل رأيت فقيها؛ إنّما الفقيه الزاهد في الدنيا الراغب في الآخرة!! والفقه في المعرفة أشرف كلّ معلوم، لأن كلّ صفة من صفاته توجب أحوالا ينشأ عنها التلبّس بكلّ خلق سنيّ، وتجنّب كلّ خلق رديّ.
فالعارفون أفضل الخلق، فهم بالإرادة أخلق وأحقّ. وأمّا تخصيص الفقه بمعرفة الفروع وعللها! فتصرّف حادث بعد الصدر الأول.
انتهى؛ من المناوي على «الجامع» .
وقال الحفني على «الجامع الصغير»: الظاهر أن المراد في هذا الحديث ونظيره بالفقه: العلم بالله تعالى وصفاته والتخلّق بمقتضى ما علم؛ إذ هذا هو الذي
[ ٣ / ٢٨٤ ]
وزهّده في الدّنيا، وبصّره عيوبه» .
ينفع القلب. وعلم الفقه المعلوم! وإن كان خيرا كبيرا! لا دخل له في تطهير القلب، إذ هو مجرد أحكام ووقائع. انتهى.
(وزهّده) - بالتشديد-: صيّره زاهدا (في الدّنيا)؛ أي: جعل قلبه معرضا عنها، مبغضا محقرا لها؛ رغبة به عنها، تكريما له، وتطهيرا عن أدناسها، ورفعة عن دناءتها.
(وبصّره) - بالتشديد- (عيوبه»)؛ أي: عرّفه بها وأوضحها له؛ ليتجنّبها كأمراض القلب؛ من نحو حسد وحقد، وغلّ وغش، وكبر ورياء، ومداهنة وخيانة، وطول أمل وقسوة قلب، وعدم حياء وقلّة رحمة.. وأمثالها.
وفيه دلالة على أنّ الزهد في الدنيا علامة إرادة الله الخير بعبده.
قال الغزالي: والزهد فيها: أن تنقطع همّته عنها ويستقذرها ويستنكرها؛ فلا يبقى لها في قلبه اختيار ولا إرادة، والدنيا وإن كانت محبوبة مطلوبة للإنسان؛ لكن لمن وفّق التوفيق الخاصّ وبصّره الله بافاتها تصير عنده كالجيفة، وإنما يتعجّب من هذا الراغبون في الدنيا، العميان عن عيوبها وآفاتها، المغترّون بزخرفها وزينتها، ومثل ذلك: إنسان صنع حلوى من أغلى السكر وعجنها بسمّ قاتل، وأبصر ذلك رجل ولم يبصره آخر. ووضعه بينهما، فمن أبصر ما جعل فيه من السّمّ زهده، وغيره يغترّ بظاهره فيحرص عليه، ولا يصبر عنه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
والحديث رواه البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وعن محمد بن كعب القرظي مرسلا، ورواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس أيضا، قال العراقي: وإسناده ضعيف جدّا، وقال غيره:
واه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٢٨٥ ]
١٦- «إذا أسأت.. فأحسن» .
١٧- «إذا لم تستح.. فاصنع ما شئت» .
١٦- («إذا أسأت) بفعل كبيرة، أو صغيرة، أو ما لا ينبغي مع شخص (فأحسن») - بفتح الهمزة- أي: بالتوبة في الأول، وبفعل ما يكفّر الصغيرة في الثاني، وبالاعتذار للشخص في الثالث. قاله الحفني على «الجامع» .
وقال المناوي على «الجامع»؛ أي: قابل الفعلة السّيّئة بخصلة حسنة، كأن تقابل الخشونة باللّين، والغضب بالكظم، والسّورة بالأناة، وقس عليه؛ ذكره الزمخشري، وشاهده إِنَّ الْحَسَناتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ [١١٤/ هود] .
وهذا إشارة إلى أن الإنسان مجبول على الشهوات، ومقتضى البهيميّة والسبعيّة والملكيّة، فإذا ارتكب من تلك الرذائل رذيلة يطغيها بمقتضى الملكيّة: «أتبع السّيّئة الحسنة تمحها» . ومن البيّن أنّ الكبيرة لا يمحوها إلّا التوبة.
قال الراغب: والحسنة يعبّر بها عن كلّ ما يسرّ من نعمة تنال المرء في نفسه وبدنه، والسيئة تضادّها، وهما من الألفاظ المشتركة؛ كالحيوان الواقع على أنواع مختلفة. انتهى.
والحديث رواه الحاكم، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن ابن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال: أراد معاذ بن جبل سفرا فقال: يا رسول الله؛ أوصني فذكره. ورواه عنه أيضا الطبراني وغيره، وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. انتهى. والله أعلم.
١٧- («إذا لم تستح) - بحذف الياء المثناة التحتيّة، وإثباتها- ويكون الجازم حذف الياء الثانية؛ لأنه من «استحيا»، والأول من «استحى» .
(فاصنع ما شئت») الأمر للتهديد والتوبيخ؛ أي: إذا نزع منك الحياء وكنت لا تستحي من الله ولا تراقبه في فعل أوامره واجتناب نواهيه (فاصنع ما شئت») أي: ما تهواه نفسك من الرذائل، فإنّ الله مجازيك عليه، ونظيره قوله تعالى
[ ٣ / ٢٨٦ ]
اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ [٤٠/ فصلت]، وقوله تعالى فَاعْبُدُوا ما شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ [١٥/ الزمر] فإذا ارتفع الحياء صنعت النفس ما تهوى، وأنشد بعضهم:
إذا لم تخش عاقبة اللّيالي ولم تستحي فاصنع ما تشاء
فلا والله ما في العيش خير ولا الدّنيا إذا ذهب الحياء
وقال آخر:
إذا لم تصن عرضا ولم تخش خالقا وتستحي مخلوقا فما شئت فاصنع
أو الأمر للإباحة؛ أي: انظر إلى ما تريد أن تفعله، فإن كان ممّا لا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فافعله، وإن كان ممّا يستحى من الله ومن الناس في فعله؛ فدعه.
وعلى هذا مدار الأحكام من حيث إن الفعل إمّا أن يستحيا منه؛ وهو ١- الحرام و٢- المكروه و٣- خلاف الأولى، واجتنابها مشروع. أو لا يستحيا منه وهو ١- الواجب و٢- المندوب، و٣- المباح، وفعل الأوّلين مطلوب. والثالث جائز.
والحياء- بالمدّ- لغة: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به.
وقيل: انقباض وخشية يجدها الإنسان من نفسه عندما يطّلع منه على قبيح.
واصطلاحا: خلق يبعث على ترك القبيح ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ.
وأمّا الحيا- بالقصر-! فيطلق على المطر، وعلى فرج الناقة.
وقد صحّ أنه ﷺ قال: «الحياء خير كلّه؛ لا يأتي إلّا بخير» .
وحكي أنّ رجلا رأى «١» النبيّ ﷺ فقال له: أنت قلت «الحيا خير كلّه»؟
بالقصر- فقال: لا. ثمّ رآه ثانيا فسأله مثل ذلك؛ فقال: لا، فأخبر بذلك بعض
_________________
(١) الظاهر أنه في المنام!!.
[ ٣ / ٢٨٧ ]
العلماء، فقال: الحيا- بالقصر- فرج الناقة، والذي في الحديث- بالمدّ- فرآه الثالثة وسأله: وقال: أنت قلت: «الحياء خير كلّه»؟. فقال: نعم.
وينبغي أن يراعى فيه القانون الشرعي، فإنّ منه ما يذمّ كالحياء المانع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع وجود شروطه. فإن هذا جبن لا حياء، ومثله الحياء في العلم المانع من سؤاله عن مهمات الدّين إذا أشكلت عليه، ومن ثمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: نعم النّساء نساء الأنصار؛ لم يمنعهنّ الحياء أن يتفقّهن في الدين، ولذا جاءت أم سليم إلى رسول الله ﷺ وقالت: إنّ الله لا يستحي من الحقّ؛ فهل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم؛ إذا رأت الماء» . وروى البيهقي عن الأصمعي أنه قال: من لم يتحمل ذلّ التّعلم ساعة بقي في ذلّ الجهل أبدا.
ومن لم يذق ذلّ التّعلّم ساعة تجرّع ذلّ الجهل طول حياته
وروى أيضا عن عمر قال: لا تتعلّم العلم لثلاث، ولا تتركه لثلاث: لا تتعلم العلم لتماري به، ولا لترائي به، ولا لتباهي به. ولا تتركه حياء من طلبه، ولا زهادة فيه، ولا رضا بجهالة.
وروى الترمذي أنّه ﷺ قال: «استحيوا من الله حقّ الحياء»، قالوا: إنّا نستحي والحمد لله!! فقال: «ليس ذلك، ولكنّ الاستحياء من الله حقّ الحياء: أن تحفظ الرّأس وما وعى، والبطن وما حوى، وأن تذكر الموت والبلى، فمن فعل ذلك فقد استحيا من الله حقّ الحياء» .
وأهل المعرفة في ذلك يتفاوتون بحسب تفاوت أحوالهم، وقد جمع الله ﷾ لنبيّه ﷺ كمال الحياء بنوعيه، فكان في الحياء الغريزيّ أشدّ حياء من العذراء في خدرها، وكان في الكسبيّ واصلا إلى أعلى غايته وذروتها، والله أعلم.
والحديث المذكور رواه البخاريّ في ذكر بني إسرائيل عن أبي مسعود البدري رضي الله تعالى عنه بلفظ:
[ ٣ / ٢٨٨ ]
«إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وكذا رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه؛ عن أبي مسعود المذكور بلفظ:
«آخر ما أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
وكذا رواه ابن عساكر عن أبي مسعود أيضا.
وكذا رواه الإمام أحمد عن حذيفة لكن بلفظ: «إنّ ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» .
ورواه الطبراني في «الأوسط» عن أبي الطّفيل مرفوعا بلفظ: «كان يقال إنّ ممّا أدرك النّاس » الحديث، ورواه ابن عدي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وكذا الدمياطي عنه، وقال غريب.
انتهى ذكره العجلوني رحمه الله تعالى في «كشف الخفا» .
تنبيه: حكي أنّ بعضهم وافى البصرة نحو شعبة يسمع منه ويكثر، فصادف المجلس قد انقضى؛ وانصرف شعبة إلى منزله، فحمله السرف إلى أن سأل عن منزل شعبة؛ فأرشد إليه، فجاء فوجد الباب مفتوحا فدخل من غير استئذان، فوجد شعبة جالسا على البالوعة يبول، فقال: السلام عليكم؛ رجل غريب قدمت من بلدة بعيدة لتحدّثني بحديث رسول الله ﷺ! فأعظم شعبة ذلك، فقال: يا هذا؛ دخلت منزلي بغير إذني، وتكلّمني على مثل هذه الحال!!. فقال: إني خشيت الفوت. فقال: تأخّر عنّي حتى أصلح من شأني، فلم يفعل واستمر في إلحاح، قال: وشعبة يخاطبه وذكره في يده يستبرئ. فلما أكثر قال:
اكتب: حدثنا منصور بن المعتمر، عن ربعيّ بن حراش، عن أبي مسعود البدري ﵁؛ عن رسول الله ﷺ قال: «إن ممّا أدرك الناس من كلام النّبوّة الأولى: إذا لم تستح فاصنع ما شئت» . ثم قال:
والله؛ لا أحدّثك بعد هذا الحديث، ولا حدّثت قوما تكون فيهم. والله أعلم.
[ ٣ / ٢٨٩ ]
١٨- «إذا نزل القضاء.. عمي البصر» .
١٨- («إذا نزل القضاء)؛ أي: المقضيّ (عمي البصر)؛ أي: غطّي عنه نور العقل حتّى لا يرى بنوره المنافع فيطلبها، ولا المضارّ فيجتنبها، فهو محجوب بحجاب القدرة مع بقاء صورته، فكم من متردّ في مهلكة وهو يبصرها، ومفوّت منفعة في دينه أو دنياه وهو مشرف عليها. قال تعالى وَتَراهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ وَهُمْ لا يُبْصِرُونَ (١٩٨) [الأعراف] ومنه علم: أن العبد لا يملك لنفسه ضرّا ولا نفعا، وأنّه لا رادّ لقضائه بالنقض، ولا معقّب لحكمه بالرّد.
وهذا الحديث رواه الحاكم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه البيهقي من قول ابن عباس بلفظ: إنّ القدر إذا جاء حال دون البصر.
قاله جوابا عن قول نافع بن الأزرق في معناه «أرأيت الهدهد كيف يجيء فينقر الأرض فيصيب موضع الماء، ويجيء إلى الفخّ؛ وهو لا يبصره حتى يقع في عنقه»؟!
ورواه الترمذي بلفظ: «إذا جاء القدر عمي البصر، وإذا جاء الحين غطّى العين» . ورواه ابن أبي شيبة والحاكم- وصححه- من طرق عن ابن عباس أنّه قيل له: كيف تفقّد سليمان الهدهد من بين الطّير؛ قال: إنّ سليمان نزل منزلا فلم يدر ما بعد الماء، وكان الهدهد يدلّ سليمان على الماء، فأراد أن يسأله عنه فتفقّده.
قيل: «كيف ذاك والهدهد ينصب له الفخّ، ويلقى عليه التراب، ويضع له الصبيّ الحبالة؛ فيغيّبها فيصيده»؟! فقال: إذا جاء القضاء ذهب البصر.
وفي رواية سعيد بن منصور، وابن أبي حاتم عن يوسف بن ماهك: أنّ ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ذكر يوما الهدهد، فقال: يعرف بعد مسافة الماء في الأرض.
فقال نافع بن الأزرق: قف.. قف يا ابن عباس، كيف تزعم أنّ الهدهد يرى الماء من تحت الأرض؛ وهو ينصب له الفخّ فيذر عليه التراب فيصاد؟!
[ ٣ / ٢٩٠ ]
١٩- «ارحموا ترحموا» .
فقال ابن عباس: لولا أن يذهب هذا فيقول: كذا وكذا، لم أقل له شيئا! إنّ البصر ينفع ما لم يأت القدر؛ فإذا جاء القدر حال دون البصر. فقال ابن الأزرق:
لا أجادلك بعدها في شيء. وأنشد غلام ثعلب لنفسه:
إذا أراد الله أمرا بامرئ وكان ذا رأي وعقل وبصر
وحيلة يعملها في كلّ ما يأتي به محتوم أسباب القدر
أغواه بالجهل وأعمى عينه فسلّه عن عقله سلّ الشّعر
حتّى إذا أنفذ فيه حكمه ردّ عليه عقله ليعتبر
وهذا الشعر تضمّن معنى حديث: «إذا أراد الله إنفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم حتّى ينفذ فيهم قضاؤه وقدره، فإذا مضى أمره؛ ردّ إليهم عقولهم ووقعت النّدامة» .
رواه الديلمي في «مسند الفردوس» عن أنس وعليّ رضي الله تعالى عنهما.
وقال في «الدرر»: رواه الديلمي والخطيب؛ عن ابن عباس بسند ضعيف.
وقال في «المقاصد»: رواه أبو نعيم في «تاريخ أصبهان»، ومن طريقه الديلمي في «مسنده» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما مرفوعا، وكذا الخطيب وغيره بسند فيه لا حق بن حسين كذّاب وضّاع؛ بلفظ: «إنّ الله إذا أحبّ إنفاذ أمر سلب ذوي العقول عقولهم» . انتهى من «كشف الخفا» للعجلوني.
وفي «الميزان»: إنه خبر منكر؛ أي: لأن فيه سعيد بن سماك بن حرب متروك كذّاب؛ ذكره المناوي.
١٩- («ارحموا) من في الأرض (ترحموا») - بضمّ أوله، مبنيا للمجهول- أي: يرحمكم الله سبحانه لأنّ الرحمة من صفات الحقّ الّتي شمل بها عباده، فلذا كانت أعلى ما اتّصفت بها البشر، فندب إليها الشارع في كلّ شيء، حتّى في قتال الكفّار والذّبح وإقامة الحجج وغير ذلك.
[ ٣ / ٢٩١ ]
٢٠- «ازهد في الدّنيا.. يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس.. يحبّك النّاس» .
وتمام الحديث: «واغفروا يغفر لكم، ويل لأقماع القول، ويل للمصرّين الّذين يصرّون على ما فعلوا وهم يعلمون»
أخرجه الإمام أحمد وعبد بن حميد والبخاري في «الأدب» . والبيهقي في «شعب الإيمان» والطبراني بسند جيّد؛ كما قال المنذري والعراقي.
وقال الحافظ الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح غير حبان بن زيد الشرعبي وثّقه ابن حبان؛ قاله المناوي.
وقوله: «لأقماع القول»: - بفتح الهمزة جمع قمع؛ بكسر القاف وفتح الميم كضلع-: وهو الإناء الذي ينزل في رؤوس الظروف لتملأ بالمائعات، ومنه ويل لأقماع القول شبّه أسماع الّذين يستمعون القول؛ ولا يعونه ولا يعملون به بالأقماع الّتي لا تعي شيئا ممّا يفرغ فيها، فكأنه يمرّ عليها مجتازا كما يمرّ الشراب في الأقماع!! والله أعلم.
٢٠- («ازهد) من الزّهد- بضم أوله وقد تفتح-، وهو- لغة-: الإعراض عن الشيء احتقارا له، وشرعا-: الاقتصار على قدر الضّرورة من المال المتيقّن الحلّ فهو أخصّ من الورع؛ إذ هو ترك الحرام والمشتبه. (في الدّنيا) باستصغار جملتها واحتقار جميع شأنها لتحذير الله تعالى منها؛ أي: أعرض عنها بقلبك ولا تحصّل منها إلّا ما تحتاج إليه، فإنّك إن فعلت ذلك (يحبّك) - بفتح الباء المشددة- (الله) تعالى لكونك أعرضت عمّا أعرض عنه؛ ولم ينظر إليه منذ خلقه، ولأنّ الله تعالى يحبّ من أطاعه، وطاعته تعالى لا تجتمع مع محبة الدّنيا، كما دلّت عليه النصوص والتجربة والتواتر؛ لأنّ «حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة»، والله لا يحبّ الخطايا ولا أهلها.
(وازهد فيما في أيدي النّاس)؛ أي: فيما عندهم من الدنيا (يحبّك) - بفتح الموحدة المشددة- (النّاس») لأنّ قلوبهم مجبولة على حبّها مطبوعة عليها.
[ ٣ / ٢٩٢ ]
ومن نازع إنسانا في محبوبه كرهه وقلاه، ومن لم يعارضه فيه أحبّه واصطفاه.
ولهذا قال الحسن البصري: لا يزال الرجل كريما على الناس حتى يطمع في دنياهم؛ فيستخفّون به ويكرهون حديثه.
وقيل لبعض أهل البصرة: من سيّدكم؟ قالوا: الحسن البصري، قيل: بم سادكم؟ قال: احتجنا لعلمه، واستغنى عن دنيانا. انتهى.
وقال النووي في «شرح الأربعين» قوله: «ازهد في الدنيا.. الخ» الزّهد:
ترك ما لا يحتاج إليه من الدنيا؛ وإن كان حلالا، والاقتصار على الكفاية.
والورع: ترك الشبهات. قالوا: وأعقل الناس الزهاد؛ لأنّهم أحبوا ما أحبّ الله، وكرهوا ما كره الله تعالى من جمع الدنيا، واستعملوا الراحة لأنفسهم.
قال الشافعي رحمه الله تعالى: لو «أوصي لأعقل الناس» ! صرف إلى الزّهاد.
ولبعضهم:
كن زاهدا فيما حوت أيدي الورى تضحى إلى كلّ الأنام حبيبا
أو ما ترى الخطّاف حرّم زادهم فغدا رئيسا في الجحور قريبا
وللشافعي رضي الله تعالى عنه في ذمّ الدّنيا:
ومن يذق الدّنيا فإنّي طعمتها وسيق إلينا عذبها وعذابها
فلم أرها إلّا غرورا وباطلا كما لاح في ظهر الفلاة سرابها
وما هي إلّا جيفة مستحيلة عليها كلاب همّهنّ اجتذابها
فإن تجتنبها كنت سلما لأهلها وإن تجتذبها نازعتك كلابها
فدع عنك فضلات الأمور فإنّها حرام على نفس التّقيّ ارتكابها
قوله: «حرام على نفس التقي ارتكابها» يدلّ على تحريم الفرح بالدّنيا، وقد صرّح بذلك البغوي في تفسير قوله تعالى وَفَرِحُوا بِالْحَياةِ الدُّنْيا [٢٦/ الرعد] .
[ ٣ / ٢٩٣ ]
ثمّ المراد بالدنيا المذمومة: طلب الزّائد على الكفاية، أمّا طلب الكفاية! فواجب.
قال بعضهم: وليس ذلك من الدنيا. وأمّا الدنيا فالزائدة على الكفاية، واستدلّ بقوله تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ مِنَ النِّساءِ وَالْبَنِينَ [١٤/ آل عمران] الآية، فقوله تعالى ذلك إشارة إلى ما تقدم من طلب التوسع والتبسط.
وقال الشافعي رحمه الله تعالى: طلب الزائد من الحلال عقوبة ابتلى الله بها أهل التوحيد. ولبعضهم:
لا دار للمرء بعد الموت يسكنها إلّا الّتي كان قبل الموت يبنيها
فإن بناها بخير طاب مسكنه وإن بناها بشرّ خاب بانيها
النّفس ترغب في الدّنيا وقد علمت أنّ الزّهادة فيها ترك ما فيها
فاغرس أصول التّقى ما دمت مجتهدا واعلم بأنّك بعد الموت لاقيها ثمّ بعد ذلك إذا فرح بها لأجل المباهاة والتفاخر والتطاول على الناس؛ فهو مذموم، ومن فرح بها لكونها من فضل الله تعالى؛ فهو محمود.
قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: اللهم لا نفرح إلّا بما رزقتنا.
انتهى كلام النووي ملخصا.
والحديث!! قال السخاوي وغيره: رواه ابن ماجه، والطبراني في «الكبير»، والحاكم، وابن حبان، وأبو نعيم والبيهقي وآخرون؛ من حديث خالد بن عمر القرشي، عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله تعالى عنه أنّه قال:
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: يا رسول الله؛ دلّني على عمل إذا عملته أحبّني الله وأحبّني الناس!! فقال: «ازهد » وذكر الحديث.
وحسّنه الترمذي، وتبعه النّوويّ، وصحّحه الحاكم، وتعقّبه الذّهبي؛ بأن فيه خالد بن عمر وضّاع، ومحمد بن كثير المصيصي ضعّفه أحمد.
[ ٣ / ٢٩٤ ]
٢١- «استعينوا على الحاجات بالكتمان؛ فإنّ كلّ ذي نعمة محسود» .
وقال المنذري عقب عزوه لابن ماجه: وقد حسّن بعض مشايخنا إسناده! وفيه بعد، لأنّه من رواية خالد القرشي وقد ترك واتّهم!!.
قال: لكن على هذا الحديث لامعة من أنوار النّبوّة، ولا يمنع كونه من رواية الضعفاء أن يكون النبي ﷺ قاله. انتهى.
وقال السخاوي: فيه خالد هذا مجمع على تركه، بل نسبوه إلى الوضع.
قال ابن حبان: ينفرد عن الثقات بالموضوعات.
وقال ابن عدي: خالد وضع هذا الحديث. وقال العقيلي: لا أصل له.
لكن رواه غير الحاكم عن الثوري، وأخرجه أبو نعيم من طريق مجاهد عن أنس مرفوعا، لكن في سماع مجاهد من أنس نظر!! وقد رواه الثقات فلم يجاوزوا به مجاهدا، وكذا يروى عن الربيع بن خثيم رفعه مرسلا.
وبالجملة فقد حسّن الحديث النووي؛ ثم العراقي، وكلام شيخنا- يعني الحافظ ابن حجر- ينازع فيه كما بيّنته في تخريج «الأربعين» . انتهى.
وقال ابن حجر الهيتمي في «شرح الأربعين»: التحسين إنّما جاء باعتبار تعدد الطّرق، فهو حسن لغيره؛ لا لذاته، وهو أحد الأحاديث الأربعة الّتي عليها مدار الإسلام. انتهى.
٢١- («استعينوا على) قضاء (الحاجات بالكتمان) - بكسر الكاف- أي:
إخفائها عن الغير قبل الشروع فيها مستعينين بالله على الظّفر بها، فالكتمان؛ وإن كان سببا عاديّا لقضائها؛ لكنّه في الحقيقة لله تعالى.
وعلّل طلب الكتمان بقوله: (فإنّ كلّ ذي نعمة محسود») يعني: إن أظهرتم حوائجكم للناس حسدوكم فعارضوكم في مرامكم.
[ ٣ / ٢٩٥ ]
قال السخاوي وغيره: والأحاديث الواردة في التحدث بالنّعم محمولة على ما بعد وقوعها؛ فلا تعارض هذا!!
نعم إن ترتب على التّحدث بها حسد فالكتمان أولى. انتهى.
وأخذ من الحديث أن على العقلاء إذا أرادوا التشاور في أمر إخفاء التحاور فيه؛ والاجتهاد في طيّ سرّهم.
قال الشافعي: من كتم سرّه كانت الخيرة في يده. قال: وروي لنا عن عمرو بن العاصي أنّه قال: ما أفشيت إلى أحد سرّا فأفشاه فلمته، لأنّي كنت أضيق منه سرّا.
وقال بعض الحكماء: من كتم سرّه كان الخيار له، ومن أفشاه كان الخيار عليه، وكم من إظهار سرّ أراق دم صاحبه ومنع من بلوغ مأربه!! ولو كتمه كان من سطواته آمنا! ومن عواقبه سالما، وبنجاح حوائجه فائزا!
وقال بعضهم: سرّك من دمك، فإذا تكلّمت فقد أرقته.
وقال أنوشروان: من حصّن سرّه فله بتحصينه خصلتان: الظّفر بحاجته، والسّلامة من السّطوات.
وفي «منثور الحكم»: انفرد بسرّك، ولا تودعه حازما فيزول، ولا جاهلا فيحول؛ لكن من الأسرار ما لا يستغنى فيه عن مطالعة صديق ومشورة ناصح فيتحرّى له من يأتمنه عليه ويستودعه إيّاه؛ فليس كلّ من كان على الأموال أمينا كان على الأسرار أمينا، والعفّة عن الأموال أيسر من العفّة عن إذاعة الأسرار.
قال الراغب: إذاعة السّرّ من قلّة الصّبر وضيق الصّدر، ويوصف به ضعفة الرجال والنساء، والسبب في صعوبة كتمان السّر أنّ للإنسان قوّتين: آخذة؛ ومعطية، وكلتاهما تتشوّف إلى الفعل المختصّ بها، ولولا أنّ الله وكّل المعطية بإظهار ما عندها لما أتاك بالأخبار من لم تزوده، فصارت هذه القوّة تتشوّف إلى
[ ٣ / ٢٩٦ ]
٢٢- «استعينوا على كلّ صنعة بأهلها» .
فعلها الخاصّ بها، فعلى الإنسان أن يمسكها ولا يطلقها إلّا حيث يجب إطلاقها.
انتهى.
مناوي على «الجامع»، وزرقاني على «المواهب» .
والحديث أخرجه الطبراني في «معاجمه» الثلاثة عن معاذ بن جبل رفعه، لكن بلفظ: «استعينوا على إنجاح حوائجكم بالكتمان» والباقي سواء.
وكذا أخرج الحديث البيهقيّ في «الشعب»، وأبو نعيم وابن أبي الدنيا والعسكري والقضاعي وابن عديّ: كلّهم؛ عن معاذ بن جبل وفيه عند الجميع سعيد بن سلّام العطار كذّبه أحمد وغيره، وقال البخاري: يذكر بوضع الحديث، وقال فيه العجلي: لا بأس به.
ولكن أخرجه العسكري أيضا من غير طريقه بسند ضعيف مع انقطاعه بلفظ:
«استعينوا على طلب حوائجكم بالكتمان لها، فإنّ لكلّ نعمة حسدة، ولو أنّ امرأ كان أقوم من قدح لكان له من الناس غامز» .
ويستأنس له بما أخرجه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عباس مرفوعا: «إنّ لأهل النّعم حسّادا فاحذروهم» .
وفي الباب عن جماعة منهم عمر؛ عند الخرائطي، وابن عباس؛ عند الخطيب، وعلي بن أبي طالب؛ عند الخلعي، فلا يسوغ دعوى وضعه كما صنع ابن الجوزي، وقد جزم الحافظ العراقي بأنه ضعيف فقط. انتهى من الزرقاني.
لكن قال العلامة الحفني في حاشية «الجامع الصغير»: الجمهور على أن هذا الحديث موضوع، والله أعلم.
٢٢- («استعينوا على كلّ صنعة بأهلها») ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» ورمز له برمز الحاكم، وذكره في «كشف الخفا» بلفظ: «استعينوا على كلّ صنعة بصالح أهلها»، وقال: قال في «الأصل»: قد يستأنس له بقوله ﷺ: «ما كان من أمر دنياكم فإليكم» .
[ ٣ / ٢٩٧ ]
٢٣- «استفت قلبك وإن أفتاك النّاس وأفتوك» .
وقال في «التمييز»: ويشهد له ما ثبت في «سنن أبي داود» عن سعد قال:
مرضت مرضا فأتاني رسول الله ﷺ يعودني، فوضع يده بين ثدييّ حتّى وجدت بردها على فؤادي، وقال لي: «إنّك رجل مفؤد فأت الحارث بن كلدة من ثقيف، فإنّه رجل يطبّ » الحديث.
٢٣- («استفت قلبك)؛ أي: اطلب الفتوى من قلبك، وعوّل على ما فيه؛ لأنّ للنفس شعورا من أصل الفطرة بما تحمد عاقبته فيه وما تذمّ؛ فيطمئن القلب للعمل الصالح طمأنينة تبشّره بأمن العاقبة، ولا يطمئنّ للإثم بل يورثه نفرة وتندّما وحزازة؛ لأن الشرع لا يقرّ عليه، وفي رواية: «استفت نفسك» (وإن) غاية لمقدّر دلّ عليه ما قبله، أي: فالتزم العمل بما في قلبك وإن (أفتاك النّاس)؛ أي: علماؤهم كما في رواية: وإن أفتاك المفتون (وأفتوك») بخلافه، فرّخصوا لك فيه، لأنهم إنما يطّلعون على الظّواهر لا السّرائر.
والجمع للتأكيد!! كما في قوله تعالى فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ [١٧/ الطارق] فأتى بالثاني تأكيدا للأول، قال النووي في «شرح الأربعين» مثاله: الهدية إذا جاءتك من شخص غالب ماله حرام وتردّدت النفس في حلّها وأفتاك المفتي بحلّ الأكل، فإن الفتوى لا تزيل الشّبهة، وكذلك إذا أخبرته امرأة بأنه ارتضع مع فلانة، فإن المفتي إذا أفتاه بجواز نكاحها لعدم استكمال النّصاب لا تكون الفتوى مزيلة للشبهة، بل ينبغي الورع؛ وإن أفتاه الناس.
لكن قال المناوي: قال حجة الإسلام الغزالي: ولم يردّ كلّ أحد لفتوى نفسه، وإنّما ذلك ل «وابصة» في واقعة تخصّه. انتهى.
قال البعض: وبفرض العموم؛ فالكلام فيمن شرح الله صدره بنور اليقين فأفتاه غيره بمجرّد حدس أو ميل من غير دليل شرعي، وإلّا! لزمه اتباعه، وإن لم ينشرح له صدره. انتهى.
[ ٣ / ٢٩٨ ]
وبما بحثه صرّح حجّة الإسلام، لكن بزيادة بيان وإحسان، فقال ما محصوله:
ليس للمجتهد أو المقلّد إلّا الحكم بما يقع له أو لمقلّده. ثمّ يقال للورع:
استفت قلبك وإن أفتوك، إذ للإثم حزازات في القلوب، فإذا وجد قابض مال في نفسه شيئا منه؛ فليتّق الله، ولا يترخّص تعلّلا بالفتوى من علماء الظاهر، فإن لفتاويهم قيودا من الضّرورات، وفيها تخمينات واقتحام شبهات، والتّوقي عنها من شيم ذوي الدّين وعادات السالكين لطريق الآخرة. انتهى كلام المناوي.
والحديث المذكور رواه الإمام أحمد ابن حنبل والدارمي في «مسنديهما» بإسناد حسن، ورواه أبو يعلى وأبو نعيم والطبراني مرفوعا؛ كلّهم عن وابصة بن معبد الأسدي رضي الله تعالى عنه قال:
أتيت رسول الله ﷺ وأنا لا أريد أن أدع شيئا من البّر والإثم إلا سألت عنه، فقال لي: «ادن يا وابصة» . فدنوت منه حتى مسّت ركبتي ركبته، فقال: «يا وابصة؛ أخبرك بما جئت تسأل عنه، أو تسألني عنه؟» قلت: يا رسول الله، أخبرني، قال: «جئت تسأل عن البّر والإثم» . فقلت: نعم، قال: فجمع أصابعه الثلاث فجعل ينكت بها في صدري؛ ويقول: «يا وابصة؛ استفت نفسك، البّرّ ما اطمأنّت إليه النّفس واطمأنّ إليه القلب، والإثم ما حاك في النفس وتردّد في الصدر؛ وإن أفتاك الناس وأفتوك» . قال النووي: حديث حسن.
قال العلّامة ابن حجر الهيتمي رحمه الله تعالى: وفي جوابه ﷺ لوابصة بهذا إشارة إلى متانة فهمه وقوّة ذكائه وتنوير قلبه؛ لأنّه ﷺ أحاله على الإدراك القلبيّ، وعلم أنّه يدرك ذلك من نفسه، إذ لا يدرك ذلك إلّا من هو كذلك.
وأما الغليظ الطبع الضعيف الإدراك! فلا يجاب بذلك، لأنّه لا يتحصّل منه على شيء، وإنما يفصّل له ما يحتاج إليه من الأوامر والنواهي الشرعية.
وهذا من جميل عاداته ﷺ مع أصحابه، فإنه ﷺ كان يخاطبهم على قدر
[ ٣ / ٢٩٩ ]
٢٤- «أسلم.. تسلم» .
عقولهم، ومن ثمّ قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أمر رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. انتهى.
قال في «كشف الخفا ومزيل الإلباس»: وفي الباب عن النّواس وواثلة وغيرهما رضي الله تعالى عنهم. انتهى.
٢٤- («أسلم) - بكسر اللام- (تسلم») - بفتحها-: فيه غاية الاختصار، ونهاية الإيجاز والبلاغة، وجمع المعاني مع ما فيه من البديع؛ وهو الجناس الاشتقاقي: وهو رجوع اللّفظين في الاشتقاق إلى أصل واحد.
وهذا قطعة من كتاب النبيّ ﷺ إلى هرقل مذكور في حديث طويل مشهور ب «حديث هرقل»، رواه البخاري في مواضع كثيرة من «صحيحه»، وأخرجه مسلم في «المغازي» وغيرها، ولفظ الكتاب:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد رسول الله ﷺ- وفي رواية البخاري في «الجهاد، وبدء الوحي»: من محمد عبد الله ورسوله- إلى هرقل عظيم الرّوم؛ سلام على من اتّبع الهدى. أمّا بعد؛ فإنّي أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرّتين، فإن تولّيت فإنّ عليك إثم الأريسيين، قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضًا أَرْبابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)» [آل عمران] انتهى «١» .
وفي رواية للبخاري في «الجهاد»: «أسلم تسلم، وأسلم يؤتك الله »
الخ بتكرار «أسلم» مع زيادة الواو في الثانية، فيحتمل التأكيد، ويحتمل أن الأمر الأول للدخول في الإسلام، والثاني للدوام عليه. كقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ [١٣٦/ النساء] قاله الحافظ؛ نقله عنه الزّرقاني ثمّ قال:
_________________
(١) في اللفظ النبوي اقتباس من الآية لا تصريح بنصها! فتنبه.
[ ٣ / ٣٠٠ ]
٢٥- «اسمح.. يسمح لك» .
قال الحافظ: وقد اشتملت هذه الجمل القليلة التي تضمّنها بعض هذا الكتاب على الأمر بقوله «أسلم»، والترغيب بقوله. «تسلم، ويؤتك»، والزجر بقوله «فإن توليت»، والترهيب بقوله «فإن عليك» والدلالة بقوله «يا أهل الكتاب» .
وفي ذلك من البلاغة ما لا يخفى، وكيف لا! وهو من كلام من أوتي جوامع الكلم ﷺ.
قال: واستنبط منه شيخنا شيخ الإسلام- يعني: السراج البلقيني-: أن كلّ من دان بدين أهل الكتاب كان في حكمهم في المناكحة والذّبائح، لأنّ هرقل هو وقومه ليسوا من بني إسرائيل، بل ممّن دخل في النصرانية بعد التبديل، وقد قال لهم «يا أهل الكتاب»، فدلّ على أنّ لهم حكمهم، خلافا لمن خصّ ذلك بالإسرائيليّين؛ أو بمن علم أن سلفه دخل اليهوديّة أو النصرانيّة قبل التبديل.
انتهى.
٢٥- («اسمح) أمر من السماح؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وقال الحفني: «اسمح» من المسامحة وهي ترك المال؛ لا في مقابلة شيء.
فالمسامحة ترك، والسماح بذل، فثمّ فرق بينهما. انتهى.
(يسمح) - بالبناء للمفعول، والفاعل-؛ أي: يسمح الله (لك») في الدنيا بالإنعام، وفي العقبى بعدم المناقشة في الحساب وغير ذلك.
والمعنى: عامل الناس بالمسامحة والمساهلة يعاملك الله بمثله في الدنيا والآخرة، «كما تدين تدان»، وهو حثّ على المساهلة في المعاملة وحسن الانقياد، وهو من سخاوة الطبع وحقارة الدنيا في القلب، فمن لم يجده من طبعه فليتخلّق به، فعسى أن يسامحه الحقّ فيما قصّر فيه من طاعته وعسر عليه في الانقياد إليه في معاملته إذا أوقفه بين يديه لمحاسبته.
ولا يخفى كمال المسامحة على ذي لبّ، فجمع بهذا اللفظ الموجز المضبوط
[ ٣ / ٣٠١ ]
٢٦- «أصحابي كالنّجوم؛
بضابط العقل الذي أقامه الحقّ حجّة على الخلق ما لا يكاد يحصى من المصالح والمطالب العالية؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث رواه الإمام أحمد بسند رجاله ثقات، والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» بسند رجاله رجال الصحيح؛ كما قاله الحافظ الهيثمي.
ورواه البيهقي في «شعب الإيمان» كلّهم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وخطّئوا من حكم عليه بالوضع. ورواه عبد الرزاق عن عطاء مرسلا بلفظ:
«اسمحوا يسمح لكم» .
وروى الشيخان وأحمد؛ عن أسماء بنت أبي بكر الصديق أنّ النبيّ ﷺ قال:
«أنفقي ولا تحصي فيحصي الله عليك» .
وعندهم أيضا عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّه قال: «قال الله: أنفق أنفق عليك»، وفي معناه ما في «المجالسة» من طريق عون أنّه قال: أخذ الحسن شعره فأعطى الحجام درهمين، فقيل له: يكفيه دانق، فقال: لا تدنّقوا فيدنّق عليكم.
انتهى من المناوي على «الجامع»، ومن العجلوني.
٢٦- («أصحابي كالنّجوم) في الهداية، لأنّ كلّا منهما يهتدى به؛ فالنجوم يهتدى بها في ظلمات البرّ والبحر، والصحابة يهتدى بهم من ظلمات الجهل؛ لكن الاهتداء بالصّحابة أقوى من الاهتداء بالنّجوم، لأنّه ينجي من الهلاك الآخروي ومن الدنيوي، بخلاف الاهتداء بالنّجوم.
ولا يقال: إذا كان كذلك فكيف يشبه الصّحابة بالنجوم؛ مع أن القاعدة أن وجه الشبه يكون أقوى في المشبّه به!!
لأنّا نقول: التشبيه إنّما هو باعتبار الحسّ والمألوف. وبهذا الاعتبار يكون الاهتداء في المشبّه به أقوى من المشبّه.
وهذا لا ينافي أنّه أقوى في المشبّه باعتبار آخر.
[ ٣ / ٣٠٢ ]
فبأيّهم اقتديتم اهتديتم» .
وفي تشبيههم بالنّجوم إشارة إلى علوّ مرتبتهم جميعا؛ كعلوّ مرتبة النجوم.
وفيه إشارة إلى تفاوت مراتب الصحابة كتفاوت مراتب النجوم.
(فبأيّهم)؛ أي: بأيّ واحد منهم (اقتديتم)؛ فيما اختلفوا فيه (اهتديتم»)
يوضّح ذلك ما روي من أن النبيّ ﷺ سأل الربّ عما يختلف فيه أصحابه؟
فقال: «يا محمد؛ أصحابك عندي كالنجوم في السماء بعضها أضوأ من بعض؛ فمن أخذ بشيء ممّا اختلفوا فيه فهو على هدى عندي»؛ قاله الباجوري على «السّلّم المنورق» قال:
وظاهر هذين الحديثين: أنّ الصّحابة كلّهم مجتهدون، وهو ما جرى عليه ابن حجر في «شرح الهمزية»، وعلّله بتوفّر شروط الاجتهاد في جميعهم.
قال: ولذلك لم يعرف أنّ واحدا منهم قلّد غيره في مسألة من المسائل، لكن رجّح بعضهم أن فيهم المقلّدين والمجتهدين. ثم قال- أي: الباجوري-:
فإن قيل: خطابه ﷺ في قوله «بأيّهم اقتديتم اهتديتم»؛ لا يصحّ أن يكون للصّحابة كما هو ظاهر، ولا لغيرهم؛ لعدم حضورهم حين الخطاب؟!
أجيب بأنه لغيرهم على طريق استحضارهم؛ وفرضهم حاضرين؛ كذا قال بعض المحققين. ثمّ ذكر الباجوري أن الشيخ تقي الدين السبكي نقل عن تاج الدين بن عطاء الله أنّ النبي ﷺ كانت له تجليات يرى في بعضها سائر أمّته الآتية بعده؛ فيقول: مخاطبا لهم: «لا تسبّوا أصحابي؛ فلو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما أدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» .
قال: ومثله يقال في الخطاب الذي نحن بصدده. انتهى كلام الباجوري في «شرح السّلّم المنورق» .
قال السيد عبد الله الغماري- عافاه الله تعالى-: هذا الحديث رواه الدارقطني في «غرائب مالك»، وابن عبد البر في «كتاب العلم»؛ من حديث جابر بن عبد الله
[ ٣ / ٣٠٣ ]
٢٧- «أعجل الأشياء عقوبة.. البغي» .
بإسنادين ضعيفين، ورواه عبد بن حميد في «مسنده» من حديث ابن عمر بإسناد واه، والقضاعي في «مسند الشهاب»؛ من حديث أبي هريرة بإسناد فيه كذّاب، وأبو ذرّ الهروي في «السنة»؛ من طريق الضحّاك معضلا، وإسناده ضعيف جدّا.
وقد ثبت ما يؤدي معنى صدره كما قال البيهقي؛ وهو ما في «صحيح مسلم» عن أبي موسى مرفوعا: «النّجوم أمنة أهل السّماء، فإذا ذهب النّجوم أتى أهل السّماء ما يوعدون، وأصحابي أمنة أمّتي، فإذا ذهب أصحابي أتى أمّتي ما يوعدون» .
وفيه- كما قال الحافظ- الإشارة إلى الفتن الحادثة بعد انقراض عصر الصحابة.
انتهى كلام الغماري في تعليقاته على كتاب «تأييد الحقيقة العلية» للسيوطي رحمه الله تعالى.
وقال في «كشف الخفاء ومزيل الإلباس»: رواه البيهقي وأسنده الديلمي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «أصحابي بمنزلة النّجوم في السّماء؛ بأيّهم اقتديتم اهتديتم» انتهى.
وقال الباجوري في حواشي «السلّم المنورق»: وتكلّم بعضهم في سنده حتى قال الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء»: إنه روي من طرق كلّها ضعيفة، بل قال ابن حزم: إنه موضوع. لكن نقل العارف بالله الشعراني في «الميزان»: إنه صحيح عند أهل الكشف؛ وإن كان فيه مقال. انتهى.
٢٧- («أعجل): أسرع (الأشياء)؛ أي: الذنوب (عقوبة) - بالنصب- (البغي»): مجاوزة الحدّ والتعدي بلا حقّ، و«عقوبة» تمييز؛ محوّل عن المضاف، و«البغي» حذف منه المضاف؛ وأقيم المضاف إليه مقامه!! أي:
أسرع عقوبات الأشياء عقوبة البغي.
والمعنى: لكل ذنب عقوبة، لكنها قد تتأخر إلّا البغي فينجّز للباغي في الدّنيا إن لم يعف الله تعالى عنه، وما أحسن ما قيل:
[ ٣ / ٣٠٤ ]
٢٨- «أعدى عدوّك.. نفسك الّتي بين جنبيك» .
لا يأمن الدّهر ذو بغي ولو ملكا جنوده ضاق عنها السّهل والجبل
وهذا الحديث ذكره في «المواهب» ولم يعزه إلى أحد!! وكذلك شارحه الزرقاني لم يذكر من رواه! ولعلّه مرويّ بالمعنى، فكان ينبغي للمصنف حذفه، لكنّه تبع «المواهب» في ذكره، ويدلّ لما قلناه أن الزرقاني ذكر لفظ الحديث الوارد في هذا المعنى؛ فقال:
روى الطبراني في «الكبير»، والبخاري في «التاريخ»؛ عن أبي بكرة مرفوعا: «اثنان يعجّلهما الله تعالى في الدنيا: البغي وعقوق الوالدين» .
قال في «الفائق»: وأصل التعجيل إيقاع الشيء قبل أوانه، أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ [١٥٠/ الأعراف]؛ سبقتموه. انتهى.
قال المناوي- بعد ذكر الحديث الذي أورده الزرقاني-: وفيه أن البغي والعقوق من الكبائر. وخصّ هاتين الخصلتين من بين خصال الشرّ بذكر التعجيل فيهما!! لا لإخراج غيرهما؛ فإنه قد يعجل أيضا، بل لأنّ المخاطب بذلك كان لا يحترز من البغي؛ ولا يبرّ والديه، فخاطبه بما يناسب حاله؛ زجرا له، وكثيرا ما يخصّ بعض الأعمال بالحثّ عليها بحسب حال المخاطب وافتقاره للتنبيه عليها أكثر ممّا سواها؛ إمّا لمشقتها عليه، وإمّا لتساهله في أمرها. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
٢٨- («أعدى عدوّك)؛ أي: أشد أعدائك عداوة لك (نفسك)؛ الأمّارة بالسّوء (الّتي بين جنبيك»)؛ لأنّها عدوّ ملازم من داخل تعين الشّيطان على هلاكك، والعدوّ يكون للواحد والجمع والمؤنث والمذكر، وقد يثنّى، وقد يجمع، وما أحسن ما قيل:
إنّي بليت بأربع ما سلّطوا إلّا لأجل شقاوتي وعنائي
إبليس والدّنيا ونفسي والهوى كيف الخلاص وكلّهم أعدائي
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق»؛ معزوّا للبيهقي- يعني في
[ ٣ / ٣٠٥ ]
٢٩- «أعظم النّاس خطايا.. أكثرهم خوضا في الباطل» .
٣٠- «أعظم الخطايا.. اللّسان الكذوب» .
«الزّهد» بإسناد ضعيف؛ كما قاله العجلوني- قال: وله شاهد من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. انتهى.
٢٩- («أعظم النّاس خطايا): جمع خطيئة؛ وهي الذنب الواقع عن عمد (أكثرهم خوضا)؛ أي: كلاما (في الباطل»)؛ الذي لا فائدة فيه تعود على الإنسان. و«من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» فلا ينبغي للشخص أن يصرف أوقاته في الخوض في الباطل، فإن ذلك ضياع لعمره، وكلّ نفس من أنفاسك جوهرة؛ إن صرفته فيما ينفعك في الآخرة، أو حسرة؛ إن صرفته في الأمور التي لا خير فيها ولا ثواب تناله منها.
٣٠- («أعظم الخطايا)؛ أي: الذنوب الصّادرة عن عمد، والخطايا: جمع خطيئة، أصلها خطائي، بوزن فعائل؛ فأبدلت الياء بعد ألف الجمع همزة فصار خطائئ بهمزتين، ثمّ أبدلت الثانية ياء لتطرّفها، ثم قلبت الكسرة قبلها فتحة على حدّ عذاري، ثم قلبت الياء ألفا لتحرّكها وانفتاح ما قبلها؛ فصار خطاآ بألفين بينهما همزة، فاجتمع شبه ثلاث ألفات؛ فأبدلت الهمزة ياء فصار خطايا بعد خمسة أعمال.
والخطيئة: - فعيلة- من الخطي- بكسر أوله-: وهو الذنب. انتهى ذكره ابن علان في «شرح رياض الصالحين» .
(اللّسان)؛ أي: خطيئة اللّسان (الكذوب»)؛ أي: الكثير الكذب الذي تكرّر كذبه حتى صار صفة له، حتى يأتي بالكبائر كلّها؛ كالقذف والبهتان وشهادة الزور وغيرها، وربّما أفضى إلى الكفر، ذلك لأنّ اللّسان أكثر الأعضاء عملا من سائر الجوارح. وما من معصية إلّا وله فيها مجال، وإذا تعوّد الكذب أورد صاحبه
[ ٣ / ٣٠٦ ]
٣١- «أعمى العمى.. الضّلالة بعد الهدى» .
المهالك؛ فمن أهمله مرخيّ العنان؛ ينطق بما شاء من البهتان؛ سلك به في ميدان الخطايا والطّغيان، وما ينجى من شرّه إلّا أن يقيّده بلجام الشرع، ولكون جريمته عظيمة جعل له حاجزان: الأسنان والشفتان.
والحديث أخرجه ابن لال والديلمي؛ كلاهما عن ابن مسعود، وأخرجه ابن عديّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم، وإسناده ضعيف؛ كما في العزيزي.
٣١- («أعمى العمى الضّلالة بعد الهدى»)؛ أي: الكفر بعد الإسلام، فهو العمى على الحقيقة، والمرتد أسوء حالا من الكافر الأصلي؛ لأنّه لا يرث ولا يورث، وماله فيء، فإن عاد إلى الإسلام عاد إليه ماله إلى غير ذلك من أحكام يخالف فيها الكافر الأصليّ.
وهذا الحديث هو قطعة من حديث طويل رواه البيهقي في «دلائل النبوّة» وابن عساكر في «تاريخه»؛ عن عقبة بن عامر الجهنيّ قال:
خرجنا في غزوة تبوك فاسترقد رسول الله ﷺ إذ كان منها على ليلة؛ فلم يستيقظ حتى كانت الشمس كرمح؛ فقال: «ألم أقل لك يا بلال إكلأ لنا الفجر» فقال:
يا رسول الله ذهب بي الّذي ذهب بك! فانتقل غير بعيد، ثمّ صلّى، ثمّ حمد الله، ثمّ أثنى عليه، ثم قال: «أما بعد فإن أصدق الحديث كتاب الله » وهو مذكور بطوله في «الجامع الصغير»، وكذا رواه العسكري، والديلمي؛ عن عقبة بن عامر، ورواه أبو نصر السجزي في «الإبانة»؛ عن أبي الدرداء مرفوعا، ورواه ابن أبي شيبة، وأبو نعيم في «الحلية»، والقضاعي في «الشهاب»؛ عن ابن مسعود موقوفا. قال بعض شراح «الشهاب»: إنه حسن غريب؛ قاله المناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٣٠٧ ]
٣٢- «اعمل لوجه واحد.. يكفك الوجوه كلّها» .
٣٣- «أفضل الأعمال.. سرور تدخله على مسلم» .
٣٢- («اعمل لوجه واحد يكفك) - بحذف الياء- من الكفاية؛ لأنّه مجزوم في جواب الأمر، والفاعل المعمول له المدلول عليه بالفعل؛ أي: اعمل لله تعالى وحده خالصا لوجهه يكفك المعمول له (الوجوه كلّها»)؛ أي: جميع مهماتك في حياتك وبعد مماتك.
قال الغزالي: اعمل لأجل من إذا عملت لأجله ووحّدته بقصدك وطلبت رضاه بعملك؛ أحبّك وأكرمك وأغناك عن الكلّ، ولا تشرك بعبادته عبدا حقيرا مهينا لا يغني عنك شيئا.
وهذا الحديث أخرجه ابن عديّ والديلمي في «مسند الفردوس»؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، وفي سنده أبو عبد الرحمن السّلمي وضاع للصوفية.
ومحمد بن أحمد بن هارون؛ قال: الذهبي في «الضعفاء»: متّهم بالوضع، ونافع بن هرمز أبو هرمز قال في «الميزان»: كذّبه ابن معين، وتركه أبو حاتم وضعفه أحمد. انتهى. وبه يعرف أنّ سنده هلهل بالمرّة، فكان ينبغي للمصنف حذفه؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وبه يعلم أنّ مصنّفنا تبع «الجامع الصغير» في ذكره هذا الحديث والأولى حذفه.
٣٣- («أفضل الأعمال)؛ أي: من أفضلها بعد الفرائض، والمراد الأعمال التي يفعلها المؤمن مع إخوانه (سرور)؛ أي: سبب سرور (تدخله على مسلم») من المسلمين، والمراد أن تدخل على أخيك المسلم سببا ينشرح به صدره؛ إمّا من جهة الدّين، أو من جهة الدّنيا، كأن تقضي عنه دينا لزمه أداؤه، أو تطعمه طعاما لا سيّما إذا كان ممّا يشتهيه.
[ ٣ / ٣٠٨ ]
٣٤- «أفضل الأعمال.. العلم بالله تعالى» .
قيل لابن المنكدر: ما بقي ممّا يستلذّ؟ قال: الإفضال على الإخوان.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللّفظ الّذي أورده المصنف ورمز له برمز ابن عديّ، وهو موجود في «الجامع الصغير» بلفظ: «أفضل الأعمال أن تدخل على أخيك المؤمن سرورا أو تقضي عنه دينا أو تطعمه خبزا» . انتهى
وعزاه لابن أبي الدنيا في «قضاء الحوائج» والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن عديّ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: وظاهر صنيع المصنف أنّ البيهقي خرّجه وسكت عليه، والأمر بخلافه، بل قال: عمّار فيه نظر، وللحديث شاهد مرسل ثمّ ذكره.
وضعّفه المنذري؛ وذلك لأنّ فيه الوليد بن شجاع! قال أبو حاتم: لا يحتجّ به، وفيه عمّار بن محمد مضعّف، ثمّ قال: والحاصل أنّه حسن لشواهده. انتهى
٣٤- («أفضل الأعمال العلم بالله تعالى»)؛ أي معرفة ما يجب له، ويستحيل عليه سبحانه من الصفات والسلوب والإضافات، فالعلم بذلك أفضل الأعمال وأشرف العلوم وأهمّها، فإنّه ما لم يثبت وجود صانع عالم قادر مكلّف مرسل للرّسل منزّل للكتب؛ لم يتصوّر علم فقه ولا حديث ولا تفسير، فجميع العلوم متوقّفة على علم الأصول، وتوقفها عليه ليس بطريق الخدمة، بل بالإضافة والرئاسة. ومن ثمّ عدّ رئيس العلوم كلّها؛ فمعرفة الله تعالى والعلم به أول واجب مقصود لذاته على المكلّف، لكن ليس المراد بالمعرفة الحقيقية لأنّ حقيقته تعالى غير معلومة للبشر، ولا العيانيّة لأنّها مختصّة بالآخرة، ولا الكشفيّة فإنّها منحة إلهيّة، ولا نكلّف بمثلها إجماعا. بل البرهانيّة أي: التي تنشأ عن البراهين، وهي الّتي كلّفنا بها.
وإيضاح ذلك أنّ المعرفة أربعة أقسام:
١- المعرفة الحقيقية؛ أي: الإحاطة بذاته تعالى وهذا مستحيل لا نكلّف به،
[ ٣ / ٣٠٩ ]
٣٥- «أفضل الجهاد.. أن تجاهد نفسك وهواك» .
ومنه: ما عرفناك حقّ معرفتك؛ أي: ما أحطنا بذاتك.
و٢- المعرفة التي لا تكون في الدنيا إلّا لنبيّنا ﷺ؛ وهي معرفة العيان؛ أي:
المعرفة الناشئة عن إدراك البصر؛ فإنها لا تقع لغير نبيّنا إلا في الآخرة، فلسنا مكلّفين بها أيضا.
و٣- المعرفة عن كشف؛ وهي خاصّة بأولياء الله تعالى بأن يكشف عن لطيفة قلوبهم بحيث يدركون بواطن الأمور، حتى لو كشف لهم الحجاب في الآخرة لم يزدادوا يقينا. وهذه الجنّة المعجّلة في الدنيا، ولسنا مكلّفين بها أيضا، لأنها تقع بالفيض الإلهي، وإن كان لها أسباب ذكرها القوم في كتب التصوّف.
و٤- المعرفة البرهانية؛ أي: الّتي تنشأ عن البراهين وهي الّتي كلّفنا بها، وذلك بأن يعلم بالدّليل وجوده تعالى وما يجب له وما يستحيل عليه كما تقرّر.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» وقال: رواه ابن عبد البر.
وذكره في «الجامع» معزوّا للحكيم الترمذي، عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: «أفضل الأعمال العلم بالله، إنّ العلم ينفعك معه قليل العمل وكثيره، وإنّ الجهل لا ينفعك معه قليل العمل ولا كثيره» .
قال المناوي: وسبب هذا الحديث: أنّ رجلا جاء إلى النبي ﷺ وقال: أيّ الأعمال أفضل؟ قال: «العلم بالله» . ثمّ أتاه فسأله، فقال مثل ذلك، فقال:
يا رسول الله: إنّما أسألك عن العمل؟ فقال: «إنّ العلم ينفعك » الخ
قال ابن حجر الهيتمي: وفيه أن العلم بالله ومعرفة ما يجب من حقّه أعظم قدرا من مجرّد العبادة البدنيّة. انتهى كلام المناوي؛ ملخصا.
٣٥- («أفضل الجهاد) بالمعنى اللّغوي: وهو ارتكاب المشاقّ، إذ الجهاد شرعا: قتال الكفار (: أن تجاهد) أيّها الإنسان (نفسك وهواك») في ذات الله بأن تكفّها عن الشهوات، وتمنعها عن الاسترسال في اللّذات، وتلزمها فعل الأوامر
[ ٣ / ٣١٠ ]
٣٦- «افتضحوا فاصطلحوا» .
٣٧- «أفضل الدّين.. الورع» .
وتجنب المناهي؛ فإنه الجهاد الأكبر، والهوى أكبر أعدائك؛ وهو ونفسك أقرب الأعداء إليك، لما أنّ ذلك بين جنبيك؛ والله يقول يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ [١٢٣/ التوبة]، ولا أكفر عندك من نفسك؛ فإنها في كلّ نفس تكفر نعمة الله تعالى عليها، وإذا جاهدت نفسك هذا الجهاد خلص لك جهاد الأعداء الّذي إن قتلت فيه كنت شهيدا من الأحياء الذين عند ربهم يرزقون!!.
ولعمري إنّ جهاد النّفس لشديد! بل لا شيء أشدّ منه؛ فإنها محبوبة، وما تدعو إليه محبوب، فكيف إذا دعيت إلى محبوب؛ فإذا عكس الحال وخولف المحبوب اشتدّ الجهاد، بخلاف جهاد أعداء الدين والدنيا!.
ولهذا قال الغزالي: وأشدّ أنواع الجهاد الصّبر على مفارقة ما يهواه الإنسان ويألفه، إذ العادة طبيعة خامسة فإذا انضافت إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله، ولا يقوى باعث الدين على قمعهما؛ فلذا كان أفضل الجهاد. انتهى ذكره المناوي على «الجامع»؛ قال:
والحديث أخرجه الحافظ أبو نعيم والديلمي؛ من حديث أبي ذر رضي الله تعالى عنه، وذكره في «الجامع الصغير» معزوّا إلى ابن النجار؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه بلفظ: «أفضل الجهاد أن يجاهد الرجل نفسه وهواه» . انتهى.
٣٦- («افتضحوا فاصطلحوا») هو من الأمثال السائرة، وليس بحديث، وقد رواه الخطابي في «العزلة»، من طريق محمد بن حاتم المظفري.
قال النجم الغزي: وفي معناه: «تعالوا نقتبح ساعة ونصطلح» انتهى. ذكره العجلوني في «كشف الخفا» فكان ينبغي للمصنف ألايذكره.
٣٧- («أفضل الدّين الورع»): الذي هو الخروج من كل شبهة، ومحاسبة النّفس مع كل طرفة. والورع: يكون في خواطر القلوب وسائر أعمال الجوارح،
[ ٣ / ٣١١ ]
٣٨- «أفضل الصّدقة.. جهد المقلّ، وابدأ بمن تعول» .
وإنّما كان أفضل! لما فيه من التخلّي عن الشبهات، وتجنّب المحتملات.
والحديث رواه الطبراني في «معاجيمه» الثلاثة؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما بلفظ: «أفضل العبادة الفقه، وأفضل الدين الورع» وفيه محمد بن أبي ليلى ضعّفوه لسوء حفظه؛ كما قاله المنذري، ثمّ الهيثمي. نقله المناوي، وقد ذكره أيضا في «كنوز الحقائق» مقتصرا على الجملة التي في المتن.
٣٨- («أفضل الصّدقة)؛ أي: من أفضلها (جهد) - قال المناوي: روي بضم الجيم وفتحها! فبالضم-: الوسع والطّاقة وهو الأنسب هنا. وبالفتح:
المشقة والمبالغة والغاية (المقلّ) - بضمّ الميم فكسر القاف-: أي: مجهود قليل المال، يعني: قدرته واستطاعته، ولا شك أن الصّدقة بشيء مع شدّة الحاجة إليه والشهوة له أفضل من صدقة الغني، وهو أفضل الناس بشهادة خبر: «أفضل النّاس رجل يعطي جهده» .
وإنّما كان ذلك أفضل!! لدلالته على الثقة بالله والزّهد. والمراد بالمقلّ:
الغني القلب؛ ليوافق حديث مسلم وغيره: «أفضل الصّدقة ما كان عن ظهر غنى» .
(وابدأ) - بالهمز، وتركه- (بمن تعول»)؛ أي: بمن تلزمك مؤنته وجوبا، ثمّ بعد ذلك تدفع الصّدقة لغيرهم، لأنّ القيام بكفاية العيال واجب عليك، والصّدقة مندوب إليها، ولا يدخل في ذلك ترفّه العيال وتشهيتهم وإطعامهم لذائذ الأطعمة بما زاد على كفايتهم من التّرفّه؛ لأنّ من لم تندفع حاجته أولى بالصّدقة ممن اندفعت حاجته في مقصود الشرع.
والحديث أخرجه أبو داود في «الزكاة» وسكت عليه، وأقرّه المنذري، وأخرجه الحاكم في «الزكاة» أيضا: كلاهما؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم. وأقرّه الذّهبي. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
[ ٣ / ٣١٢ ]
٣٩- «أفضل النّاس.. أتقاهم لله، وأوصلهم للرّحم» .
٤٠- «أفلح من رزق لبّا» .
٣٩- («أفضل النّاس أتقاهم لله)؛ أي: أخوفهم فيما أمر ونهي (وأوصلهم للرّحم»)؛ أي: القرابة. وقد تقدم الكلام على صلة الرحم. وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
٤٠- («أفلح) بصيغة الماضي (من رزق) - بالبناء للمفعول- (لبّا») - بضم اللّام وبالباء الموحدة المشددة-: يعني فاز وظفر من رزقه الله تعالى عقلا راجحا؛ اهتدى به إلى الإسلام، وفعل المأمور، وتجنّب المنهيّ.
وكلّما كان العقل في العبد أوفر؛ فسلطان الدّلالة فيه على الرشد والنهي عن الغيّ أنفذ وأظهر، ولذلك كان المصطفى ﷺ إذا ذكر له عن رجل شدّة اجتهاده وعبادته سأل عن عقله؛ لأنه مناط الفلاح.
والعقل هو الكاشف عن مقادير العبودية، ومحبوب الله ومكروهه. والعقل:
نور خلقه الله وقسمه بين عباده على قدر مشيئته فيهم، وعلمه بهم.
وأول ما فات ابن آدم من دينه العقل، فإن كان ثابت العقل يكون خاشع القلب لله، متواضعا بريئا من الكبر؛ قائما على قدميه ينظر إلى اللّيل والنّهار يعلم أنّهما في هدم عمره؛ لا يركن إلى الدنيا ركون الجاهل؛ لعلمه أنّه إذا خلف الدنيا خلف الهموم والأحزان.
قال بعض العارفين: ما قسم الله لخلقه حظّا أفضل من العقل واليقين.
قال الراغب: والفلاح: الظّفر. وإدراك البغية أربعة أشياء: ١- بقاء بلا فناء، و٢- غنى بلا فقر. و٣- عزّ بلا ذلّ. و٤- علم بلا جهل.
وقال الزمخشري: المفلح الفائز بالبغية كأنّه الّذي انفتحت له وجوه الظّفر ولم تستغلق عليه. والمفلج- بالجيم-: مثله. انتهى.
[ ٣ / ٣١٣ ]
٤١- «الاقتصاد في النّفقة.. نصف المعيشة، والتّودّد إلى النّاس وقال بعضهم: ليس شيء أجمع لخصال الخير من خصال الفلاح.
واللّب: العقل الخالص من الشوائب. سمي به! لأنّه خالص بما في الإنسان من قواه كاللبّاب من الشيء، وقيل: هو ما زكى من العقل، وكلّ لبّ عقل، ولا عكس. انتهى ذكره المناوي في «شرح الجامع» .
وهذا الحديث رمز له في «الجامع الصغير» برمز البخاري في «التاريخ»، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن قرّة بن هبيرة بن عامر القشيري- من وجوه الوفود- قال: أتينا النبي ﷺ فقلنا: إنّه كان لنا أرباب نعبدهنّ فودعناهنّ
فذكره. قال الهيثمي: فيه راو لم يسم، وبقية رجاله ثقات. انتهى من المناوي على «الجامع» .
٤١- («الاقتصاد)؛ أي: التوسط (في النّفقة) وتجنّب الإفراط والتفريط فيها. (نصف المعيشة) قال الطيبي: وذلك لأنّ كلا طرفي التبذير والتقتير ينغّص المعيشة، والتوسّط فيه هو العيش.
والعيش نوعان: عيش الدنيا، وعيش الآخرة. كما أن العقل صنفان:
مطبوع، ومسموع.
والمسموع: صنفان؛ معاملة مع الله، ومعاملة مع الخلق.
وقال غيره: التوسّط في النفقة يحصل به راحة للعبد وحسن حال، وذلك نصف ما به الحياة. فقد قيل:
كمال المعيشة شيئان: مدة الأجل، وحسن الحال. فمدّة الأجل لا دخل للعبد فيها بوجه، وحسن الحال؛ وإن كان من الله؛ لكنّه جعل للعبد مدخلا فيه بالسّعي في أسبابه المحصّله له عادة. ذكره الزرقاني على «المواهب» .
(والتودّد)؛ أي: التحبب (إلى النّاس) بالأخذ في أسباب المحبة؛
[ ٣ / ٣١٤ ]
نصف العقل، وحسن السّؤال نصف العلم» .
كملاقاتهم بالبشر وطلاقة الوجه، وحسن الخلق، والرفق، وغير ذلك (نصف العقل) لأنّه يبعث على محبتهم، وعلى السلامة من شرّهم؛ أي: نصف ما يرشد إليه العقل ويحصّله.
وجعله نصفين! مبالغة حتّى كأنّ ما يرشد إليه من المحاسن هو نفسه.
(وحسن السّؤال نصف العلم») فإن السائل الفطن يسأل عما يهمّه وهو بشأنه أعنى، وهذا يحتاج إلى فضل تمييز بين مسؤول ومسؤول؛ فإذا ظفر بمبتغاه وفاز به كمل علمه، وعليه يحمل قوله: «- لا أدري- نصف العلم» ذكره الطيبيّ.
وقال غيره: إذا أحسن سؤال شيخه أقبل عليه بقلبه وقالبه، وأوضح له ما أشكل، وأبان له ما أعضل؛ لكونه وجد استعدادا وقابلا، وإذا لم يحسن السؤال أعرض عنه وضنّ بإلقاء النفائس إليه، وفتح من الجواب بنزر يسير ممّا يورده عليه.
ذكره الزّرقاني على «المواهب» .
وهذا الحديث رواه البيهقي في «الشّعب»، والطبراني في «مكارم الأخلاق»، والعسكري في «الأمثال»، وابن السني والديلمي من طريقه، والقضاعي: كلّهم من طريق نافع؛ عن ابن عمر مرفوعا.
وضعّفه البيهقي لكن له شاهد عند العسكري من حديث خلّاد بن عيسى الصّفّار أبي مسلم الكوفي، عن ثابت البناني، عن أنس رفعه: «الاقتصاد نصف المعيشة، وحسن الخلق نصف الدّين» .
وكذا أخرجه الطبراني، والخطيب، وابن لال «١» .
ومن شواهده أيضا للعسكري عن أنس رفعه: «السؤال نصف العلم، والرّفق نصف المعيشة، وما عال امرؤ في اقتصاد» .
_________________
(١) اسمه أحمد بن علي. و«لال»: معناه أخرس. «هامش الأصل» .
[ ٣ / ٣١٥ ]
٤٢- «الله في عون العبد.. ما دام العبد في عون أخيه المسلم» .
وورد: «الرّفق في المعيشة خير من بعض التّجارة»؛ رواه الدارقطني والطبراني وغيرهما، ويروى كما في «الفردوس»: «الرّفق خير من كثير من التّجارة» .
وللديلمي من حديث أبي أمامة رفعه: «السؤال نصف العلم، والرّفق نصف المعيشة» . وفي «صحيح ابن حبان» من حديث طويل عن أبي ذرّ أنّ النبيّ ﷺ قال له: «يا أبا ذرّ؛ لا عقل كالتّدبير، ولا ورع كالكفّ، ولا حسب كحسن الخلق» . وهذا اللفظ عند البيهقي في «الشعب» .
وله أيضا، وللعسكريّ عن عليّ مرفوعا: «التّودّد نصف الدّين، وما عال امرؤ قطّ على اقتصاد»؛ أي: ما افتقر من أنفق قصدا ولم يجاوزه إلى الإسراف.
وورد في حديث عند الديلمي؛ عن أنس رفعه: «إنّ أحدكم يأتيه الله ﷿ برزق عشرة أيّام في يوم واحد، فإن هو حبس عاش تسعة أيّام بخير، وإن هو وسّع وأسرف قتّر عليه تسعة أيّام» . وجاء في خبر: «من فقه الرّجل رفقه في معيشته» .
قال مجاهد: ليرفق أحدكم بما في يده، ولا يتأوّل قوله وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [٣٩/ سبأ] فإنّ الرّزق مقسوم، فلعلّ رزقه قليل فينفق نفقة الموسّع ويبقى فقيرا حتّى يموت، بل معنى الآية: أنّ ما كان من خلف فمنه سبحانه، فلعلّه إذا أنفق بلا إسراف ولا إقتار كان خيرا من معاناة بعض التجارة. انتهى من «المواهب» وشرحها.
٤٢- («الله في عون العبد)؛ أي: إعانته وتسديده، ومثل العبد الأمة.
فالمراد الذّكر والأنثى، وإنّما عبّر بالعبد! تنبيها على شرف العبوديّة.
(ما دام العبد) كرّر «العبد» بوضع الظاهر موضع المضمر!! تفخيما لشأنه وترغيبا في سرعة الامتثال، و«ما» مصدرية ظرفية؛ أي: مدة دوام كون العبد
(في عون أخيه المسلم»)؛ أي: إعانة بقلبه أو بدنه أو ماله أو جاهه.
[ ٣ / ٣١٦ ]
قيل: وهذا إجمال لا يسع بيانه الطّروس، فإنّه مطلق في سائر الأحوال والأزمان. ومنه أنّ العبد إذا عزم على معاونة أخيه فينبغي له ألايجبن عن إنفاذ قوله وصدعه بالحقّ، وتأمّل دوام هذه الإعانة، فإنه ﷺ لم يقيّدها بحالة خاصّة، بل أخبر أنّها دائمة بدوام كون العبد في عون أخيه.
وروى الإمام أحمد: «من كان في حاجة أخيه كان الله تعالى في حاجته» .
والطبراني: «أفضل الأعمال إدخال السّرور على المؤمن فكسوت عورته، أو أشبعت جوعته، أو قضيت له حاجته» .
وورد: «من سعى في حاجة أخيه المسلم؛ قضيت له أو لم تقض؛ غفر له ما تقدّم من ذنبه وما تأخّر، وكتب له براءة من النّار وبراءة من النّفاق» .
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه: أنّه أمر ثابتا البناني بالمشي في حاجة، فقال: أنا معتكف! فقال له: يا أعمش؛ أما علمت أنّ مشيك في حاجة أخيك المسلم خير لك من حجّة بعد حجّة؟!» .
وروى الإمام أحمد: أنّ خبّاب بن الأرتّ خرج في سرية فكان ﷺ يحلب عنزا لعياله، فيملأ الجفنة حتى يفيض زيادة على حلابها؛ فلما قدم وحلبها عاد إلى ما كان.
وكان أبو بكر الصّدّيق يحلب للحيّ أغنامهم؛ فلما استخلف؛ قيل: الآن لا يحلبها!، فقال: بلى؛ وإنّي لأرجو ألايغيّرني ما دخلت فيه عن شيء كنت أفعله. وذلك لأن العرب كانوا يستقبحون حلب النّساء.
وكان عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه يتعاهد الأرامل فيستقي لهنّ الماء باللّيل، ورآه طلحة داخلا بيت امرأة ليلا فدخل لها نهارا؛ فإذا هي عجوز عمياء مقعدة! فقال: ما يصنع هذا الرجل عندك؟ فقالت له: منذ كذا وكذا يتعاهدني بما يقوم بي من البرّ، وما يصلح لي شأني، ويخرج عنّي الأذى ويقمّ لي بيتي! فقال
[ ٣ / ٣١٧ ]
٤٣- «أمت أمر الجاهليّة
طلحة لنفسه: ثكلتك أمّك يا طلحة؛ أعثرات عمر تتبع!!. انتهى من «شرح الأربعين» للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الذي أورده المصنف؛ مرموزا له برمز متفق عليه.
لكن رأيت في «شرح رياض الصالحين» وغيره: أنه جزء من حديث طويل أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم، وابن عساكر، وأبو بكر بن أبي شيبة في «مصنفه»، وأبو عوانة في «مستخرجه»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ولم أر الحديث معزوّا للبخاري في شيء من المصنفات التي راجعتها، كما أنّي لم أر فيها زيادة لفظ «المسلم»؛ بعد لفظة «أخيه» .
وهذا لفظ الحديث بطوله: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه عن النبيّ ﷺ قال: «من نفّس عن مؤمن كربة من كرب الدّنيا نفّس الله عنه كربة من كرب يوم القيامة، ومن يسّر على معسر يسّر الله عليه في الدّنيا والآخرة، ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة، والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه، ومن سلك طريقا يلتمس فيه علما سهّل الله له به طريقا إلى الجنّة، وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم؛ إلّا نزلت عليهم السّكينة وغشيتهم الرّحمة وحفّتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده، ومن بطأ به عمله لم يسرع به نسبه» هذا لفظ مسلم في «صحيحه» في «كتاب الدعوات» .
٤٣- («أمت) - بإسكان التاء-: أمر من «أمات»، والخطاب لمعاذ من جملة وصيته له، والمراد توصيته بأن يحيل (أمر الجاهليّة) بنقض أحكامها، وخفض أعلامها، حتى ينسى ذكرها، ويعفو أثرها؛ فتكون كالميت الذي نسي ذكره وانقطع خبره.
[ ٣ / ٣١٨ ]
وفي «بلوغ الأرب» للألوسي: الجاهلية الذي كثر فيه الجهّال وهي ما قبل الإسلام. وعن ابن خالويه: أنّ هذا اللفظ اسم حدث في الإسلام للزّمن الذي كان قبل البعثة.
قال الحافظ ابن حجر في «شرحه على البخاري»: وهذا هو الغالب، ومنه يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [١٥٤/ آل عمران] . ثم قال: وأما جزم النووي في عدّة مواضع في «شرح مسلم» أنّ هذا هو المراد حيث أتى!! ففيه نظر، فإنّ هذا اللّفظ- وهو «الجاهلية» - يطلق على ما مضى، والمراد ما قبل إسلامه، وضابط آخره فتح مكّة. انتهى كلام «الفتح» . أي: فلفظ «الجاهلية» لا يقال غالبا إلا على حال العرب التي كانوا عليها قبل الإسلام؛ لما كانوا عليه من مزيد الجهل في كثير من الأعمال والأحكام.
ومما أبطله الشرع من عوائدهم: أنّهم كانوا يطلّقون النساء حتى إذا قرب انقضاء عدّتهنّ راجعوهن؛ لا عن حاجة ولا لمحبّة، ولكن لقصد تطويل العدّة وتوسيع مدة الانتظار، وكان الرجل يطلق امرأته أو يتزوج أو يعتق ويقول «كنت لاعبا» فأبطل الله تعالى ذلك، وردّه عليهم بقوله سبحانه وَإِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ [٢٣١/ البقرة] .
وفي الحديث: «ثلاث جدّهنّ جدّ وهزلهنّ جدّ: النكاح، والطلاق، والرّجعة» .
ومن ذلك: أنهم كانوا يمنعون النساء أن يتزوجنّ من أردن من الأزواج بعد انقضاء عدّتهنّ؛ حميّة جاهلية، كما يقع كثيرا من نحو الملوك؛ غيرة على من كنّ تحتهم من النساء أن يصرن تحت غيرهم، فإنهم بسبب ما نالوه من رياسة الدنيا وما صاروا فيه من النّخوة والكبرياء؛ يتخيّلون أنهم قد خرجوا من جنس بني آدم إلا من عصمه الله منهم بالورع والتواضع، وقد أبطل الله ذلك ونهى عنه بقوله وَإِذا
[ ٣ / ٣١٩ ]
طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْواجَهُنَّ إِذا تَراضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ ذلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكُمْ أَزْكى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٢٣٢) [البقرة] .
ومن ذلك: أنهم كانوا إذا مات الرجل منهم كان أولياؤه أحقّ بامرأته إن شاء أن يتزوّجها بعضهم، وإن شاؤا زوّجوها، وإن شاؤا لم يزوّجوها. فهم أحقّ بامرأته من أهلها، فنهى الله تعالى عن ذلك بقوله يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّساءَ كَرْهًا وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ ما آتَيْتُمُوهُنَّ [١٩/ النساء] أي: لتأخذوا ميراثهن أو ليدفعن إليكم صداقهن إذا أذنتم لهن بالنكاح.
قال ابن عباس في سبب نزول هذه الآية: كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته، فيعضلها حتى تموت؛ أو تردّ إليه صداقها. وفي رواية: إن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها.
وحاصل معنى الآية: لا يحل لكم أن تأخذوهنّ بطريق الإرث؛ فتزعمون أنّكم أحقّ بهنّ من غيركم، وتحبسونهنّ لأنفسكم، وكان الرجل من العرب إذا مات عن المرأة أو طلّقها قام أكبر بنيه، فإن كان له حاجة فيها طرح ثوبه عليها، وإن لم يكن له حاجة فيها تزوّجها بعض إخوته بمهر جديد، وقد أبطل الله ذلك بقوله تعالى وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ إِلَّا ما قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كانَ فاحِشَةً وَمَقْتًا وَساءَ سَبِيلًا (٢٢) [النساء] وقد كان هذا النكاح يسمى في الجاهلية «نكاح المقت»، ويسمى الولد الحاصل منه «مقتي»،
ولهم في هذا الباب غير ذلك من المنكرات، وقد ذكرت في كتب الحديث والتفسير!!.
وروى البخاري في «صحيحه» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال:
إذا سرّك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة في سورة الأنعام: قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا ما رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِراءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَما
[ ٣ / ٣٢٠ ]
إلّا ما حسّنه الإسلام» .
٤٤- «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» .
كانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠) [الأنعام] .
(إلّا ما حسّنه الإسلام») وأقرّه كالقسامة والدية مئة من الإبل.
وكانت العرب في الجاهلية تحرّم أشياء نزل القرآن بتحريمها، فكانوا لا ينكحون الأمهات، ولا البنات، ولا الخالات، ولا العمات، إلّا ما يحكى عن حاجب بن زرارة وهو سيّد بني تميم: تزوج بنته وأولدها.
وإنما تنزّهت العرب، ولا سيّما قريش عن هذه المناكح!! حفظا لحرمة الأرحام الدّانية أن تنتهك بالمناكح العاهرة، فتضعف الحميّة وتقل الغيرة، وهم أخصّ الناس بالمناكح الطاهرة، وكان أقبح ما يصنع بعضهم أن يجمع بين الأختين.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
٤٤- («أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم») رواه الديلمي- بسند ضعيف- عن ابن عباس مرفوعا. وفي «اللآلئ» بعد عزوه ل «مسند الفردوس» عن ابن عباس مرفوعا قال: وفي إسناده ضعيف ومجهول. انتهى.
وقال في «المقاصد»: وعزاه الحافظ ابن حجر ل «مسند الحسن بن سفيان» عن ابن عباس بلفظ: «أمرت أن أخاطب الناس على قدر عقولهم» قال: وسنده ضعيف جدّا.
ورواه أبو الحسن التميمي من الحنابلة في «العقل» له؛ عن ابن عباس من طريق أبي عبد الرحمن السلمي أيضا بلفظ: «بعثنا معاشر الأنبياء نخاطب النّاس على قدر عقولهم» .
وله شاهد عن سعيد بن المسيب مرسلا بلفظ: «إنّا معاشر الأنبياء أمرنا »
وذكره.
[ ٣ / ٣٢١ ]
ورواه في «الغنية» للشيخ عبد القادر الجيلاني قدّس سرّه بلفظ: «أمرنا معاشر الأنبياء أن نحدّث النّاس على قدر عقولهم» .
وفي «صحيح البخاري»؛ عن عليّ موقوفا: حدّثوا الناس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله!!
ونحوه ما في «مقدمة صحيح مسلم» عن ابن مسعود قال: ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة.
وروى العقيلي في «الضعفاء» وابن السنّي وأبو نعيم في «الرياضة» وغيرهم عن ابن عباس مرفوعا: «ما حدّث أحدكم قوما بحديث لا يفهمونه إلّا كان فتنة عليهم» .
ورواه الديلمي أيضا من طريق حمّاد بن خالد، عن ابن عباس رفعه:
«لا تحدّثوا أمّتي من أحاديثي إلّا ما تحمله عقولهم» .
وروى البيهقي في «الشعب» عن المقدام بن معدي كرب مرفوعا: «إذا حدّثتم النّاس عن ربّهم فلا تحدّثوهم بما يعزب عنهم ويشقّ عليهم» .
وصحّ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: حفظت عن النبيّ ﷺ وعاءين؛ فأمّا أحدهما فبثثته، وأمّا الآخر فلو بثثته لقطع هذا البلعوم.
وروى الديلمي عن ابن عباس مرفوعا: «عاقبوا أرقّاءكم على قدر عقولهم» .
وأخرجه الدارقطني عن عائشة مثله.
وروى الحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين؛ عن أبي ذرّ مرفوعا:
«خالقوا الناس بأخلاقهم» .
وأخرج الطبراني وأبو الشيخ عن ابن مسعود مرفوعا: «خالط الناس بما يشتهون؛ ودينك فلا تكلمنّه» .
ونحوه عن عليّ رفعه: «خالق الفاجر مخالفة، وخالص المؤمن مخالصة،
[ ٣ / ٣٢٢ ]
٤٥- «إنّ الله تعالى بعثني رحمة مهداة، بعثت برفع أقوام وخفض آخرين» .
٤٦- «إنّ الله تجاوز لأمّتي عن النّسيان، وما أكرهوا عليه» .
ودينك لا تسلمه لأحد» . انتهى.
ذكر جميع ذلك العجلونيّ في «كشف الخفا» رحمه الله تعالى.
٤٥- («إنّ الله تعالى بعثني) أرسلني (رحمة مهداة) - بضم الميم وسكون الهاء-: أي: هدية للمؤمنين والكافرين بتأخير العذاب. (بعثت برفع أقوام) وهم المؤمنون (وخفض آخرين») وهم من أبى واستكبر، وإن بلغ من الشرف المقام الأفخر، بمعنى: أنه يضع قدرهم ويذلّهم باللّسان والسّنان؛ فكان عنده مزيد الرحمة للمؤمنين، وغاية الغلظة على الكافرين؛ فاعتدل فيه الإنعام والانتقام.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير»، وقال: أخرجه ابن عساكر في «التاريخ» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
٤٦- («إنّ الله تجاوز)؛ أي: عفا «من جازه يجوزه»: إذا تعدّاه وعبر عليه (لأمّتي) أمة الإجابة (عن النّسيان) - بكسر النون-: ضد الذّكر والحفظ؛ أي:
عن إثم النّسيان، (وما أكرهوا)؛ أي: الأمة، وذكّره «١» !! نظرا للمدلول؛ لا للفظ (عليه»)؛ أي: حملوا على فعله قهرا. قال المناوي: والمراد رفع الإثم، وفي ارتفاع الحكم خلف، والشافعي كالجمهور على الارتفاع.
قال العلقمي: وحدّه الإكراه: أن يهدّد قادر على الإكراه بعاجل من أنواع العقوبات؛ يؤثر العاقل لأجله الإقدام على ما أكره عليه، وقد غلب على ظنّه أنه يفعل به ما هدّد به؛ إن امتنع ممّا أكرهه عليه، وعجز عن الهرب والمقاومة والاستغاثة بغيره ونحوهما من أنواع الدّفع.
_________________
(١) أي ضمير «أكرهوا» .
[ ٣ / ٣٢٣ ]
٤٧- «إنّ الله جعل الحقّ على لسان عمر وقلبه» .
ويختلف الإكراه باختلاف الأشخاص والأسباب المكره عليها. انتهى «عزيزي» .
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الّذي أورده المصنف؛ مرموزا له برمز الطبراني في «الكبير» عن ثوبان الهاشمي «مولى المصطفى ﷺ»، وقال الحاكم: إنّه صحيح على شرطهما. ذكره المناوي.
وأطال العجلوني في «كشف الخفا» في تخريجه وما قيل فيه من قدح، إلى أن قال: وأصل الباب: حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في «الصحيحين»؛ عن زرارة بن أوفى يرفعه: «إنّ الله تجاوز لأمّتي عمّا حدّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تكلّم به» . انتهى.
٤٧- («إنّ الله جعل الحقّ) يعني: أجراه (على لسان عمر) بن الخطاب، فكان كالسّيف الصّارم والحسام القاطع. قال الطيبي: «جعل» بمعنى «أجرى»، فعدّاه ب «على» وفيه معنى ظهور الحقّ واستعلائه على لسانه، ووضع «جعل» موضع أجراه!! إيذانا بأنّ ذلك كان خلقيّا ثابتا لازما مستقرا (وقلبه») فكان الغالب على قلبه جلال الله؛ فكأنّ الحقّ معتمله حتى يقوم بأمر الله وينفّذ بقاله وحاله؛ وفاء بما قلّده الله الخلق من رعاية هذا الدين الذي ارتضاه لهم. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال الحفني: أي هو زائد عن غيره في ذلك؛ وإن كان أفضل منه كأبي بكر، إذ قد يوجد في المفضول ما لا يوجد في الفاضل، فالغالب على سيّدنا أبي بكر الرأفة، والغالب على سيّدنا عمر الشدّة في دين الله تعالى، ولذا لما أسلم ووجد الناس مختفين فقال: ألسنا على الحقّ؛ يا رسول الله!! فقال ﷺ: «بلى» فقال:
ففيم الاختفاء؟. فأمر بالصّلاة والطّواف جهارا فظهر الإسلام من حينئذ، وإنما قيل هو زائد الخ!! لأنّ جميع الصّحابة كذلك لا يجري على ألسنتهم وقلوبهم إلّا الحق. انتهى كلام الحفني.
[ ٣ / ٣٢٤ ]
٤٨- «إنّ الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم،
وفي «سنن أبي داود» في «كتاب الخراج» أنّ عمر بن عبد العزيز كتب: أنّ من سأل عن مواضع الفيء، فهو ما حكم فيه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، فرآه المؤمنون عدلا موافقا لقول النّبي ﷺ: «جعل الله الحقّ على لسان عمر وقلبه» .
فرض الأعطية وعقد لأهل الأديان ذمّة بما فرض عليهم من الجزية لم يضرب فيها بخمس ولا مغنم. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه الإمام أحمد والترمذي عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما؛ وقال الترمذي: حسن صحيح غريب من هذا الوجه.
وأخرجه أبو يعلى والحاكم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الحاكم: على شرط مسلم، وأقرّه الذهبي.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» عن بلال بن رباح الحبشي المؤذن، وعن معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما.
وأخرجه الإمام أحمد وأبو داود في «الخراج»، وابن ماجه، والحاكم، وصحّحه عن أبي ذرّ الغفاري رضي الله تعالى عنه بلفظ: «إنّ الله وضع الحقّ على لسان عمر يقول به» . وفي «كشف الخفا» للعجلوني: حديث: «الحقّ بعدي مع عمر حيث كان» قال الصغاني: موضوع. انتهى.
وأقول رواه في «الجامع الكبير» عن الحكيم الترمذي، وابن عساكر؛ عن الفضل بن عباس بلفظ: «الحق بعدي مع عمر بن الخطاب حيث كان» . انتهى كلام العجلوني رحمه الله تعالى.
٤٨- («إنّ الله) ﷿ (لا ينظر إلى أجسامكم) المجرّدة عن السّير المرضية، وفي «صحيح مسلم»: «أجسادكم» بدل «أجسامكم»؛ أي:
لا يجازيكم على ظاهرها (ولا إلى صوركم) الظاهرة.
[ ٣ / ٣٢٥ ]
ولكن ينظر إلى قلوبكم» .
(ولكن ينظر إلى قلوبكم») التي هي محلّ التقوى، وأوعية الجواهر، وكنوز المعرفة؛ أي: إنّما تكون المجازاة على ما في القلب من عظمة الله وخشيته ومراقبته؛ دون الصّور الظّاهرة، فمعنى النظر هنا: الإحسان والرحمة والعطف.
ومعنى نفيه: نفي ذلك، فعبّر عن الكائن عند النظر بالنظر مجازا، وذلك لأن النظر في الشاهد دليل المحبّة، وترك النظر دليل البغض والكراهة، وميل الناس إلى الصّور المعجبة، والله منزّه عن ذلك، فجعل نظره إلى ما هو السرّ واللّبّ؛ وهو القلب.
والجمال قسمان: ظاهري، وباطني؛ كجمال علم وعقل وكرم، وهذا هو محلّ نظر الله من غيره، وموضع محبته؛ فيرى صاحب الجمال الباطني، فيكسوه من الجمال والمهابة والحلاوة بحسب ما اكتسبت روحه من تلك الصفات؛ فإن المؤمن يعطى حلاوة ومهابة بحسب إيمانه؛ فمن رآه هابه، ومن خالطه أحبّه؛ وإن كان أسود مشوها، وهذا أمر مشهود بالعيان.
قال الغزالي: قد أبان هذا الحديث أن محلّ القلب موضع نظر الرّبّ، فيا عجبا ممن يهتمّ بوجهه الّذي هو محل نظر الخلق؛ فيغسله وينظفه من القذر والدّنس، ويزيّنه بما أمكن لئلا يطّلع فيه مخلوق على عيب، ولا يهتمّ بقلبه الذي هو محلّ نظر الخالق فيطهّره ويزيّنه لئلا يطّلع ربّه على دنس أو غيره فيه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وهذا الحديث رواه مسلم في «صحيحه» في «كتاب الأدب»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، ورواه مسلم أيضا في «الأدب» عنه بلفظ: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
ورواه ابن ماجه بمثله عن أبي هريرة في «باب الزهد» بلفظ: «إنما ينظر
الخ» .
[ ٣ / ٣٢٦ ]
٤٩- «إنّ الله يحبّ معالي الأمور، ويكره سفسافها» .
٤٩- («إنّ الله) تعالى (يحبّ معالي الأمور) قال المناوي على «الجامع»:
هي الأخلاق الشرعية والخصال الدينيّة. انتهى.
قال الحفني: كالصلاة والصوم وتعليم العلم ونحو ذلك. انتهى.
أي: لا الأمور الدنيويّة، فإن العلوّ فيها نزول؛ كما في المناوي.
(ويكره سفسافها») - بفتح أوله-؛ أي: حقيرها ورديئها كالعجب والكبر.
فمن اتصف بالأخلاق الزكية أحبّه، ومن تحلّى بالأوصاف الرديّة كرهه.
والإنسان يضارع الملك بقوة الفكر والتمييز، ويضارع البهيمة بالشهوة والدناءة. فمن صرف همّته إلى اكتساب معالي الأخلاق أحبّه الله، فحقيق أن يلتحق بالملائكة لطهارة أخلاقه. ومن صرفها إلى السفاسف ورذائل الأخلاق التحق بالبهائم، فيصير إمّا ضاريا ككلب، أو شرها كخنزير، أو حقودا كجمل، أو متكبرا كنمر، أو رواغا كثعلب، أو جامعا لذلك كشيطان.
وشرف النفس صونها عن الرذائل والدّنايا، والمطامع القاطعة لأعناق الرجال؛ فيربأ بنفسه أن يلقيها في ذلك.
من نفسه شريفة أبيّه يربأ عن أموره الدّنيّه
ولم يزل يجنح للمعالي يسهر في طلابها اللّيالي
والحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفا» بلفظ: «إنّ الله يحبّ معالي الأمور ويبغض سفسافها»، وقال: رواه الحاكم عن سهل بن سعد.
ورواه أبو نعيم والطبراني وابن ماجه؛ عن سهل أيضا بلفظ: «إنّ الله كريم يحبّ الكرم، ويحبّ معالي الأخلاق؛ ويكره سفسافها» .
ورواه ابن ماجه عن طلحة، وأبو نعيم عن ابن عباس بلفظ: «إنّ الله جواد يحبّ الجود، ويحبّ معالي الأخلاق ويكره سفسافها» .
[ ٣ / ٣٢٧ ]
٥٠- «إنّ الله يحبّ الرّفق في الأمر كلّه» .
ورواه الطبراني عن الحسن بن عليّ بن أبي طالب بلفظ: «إنّ الله يحبّ معالي الأمور وأشرفها، ويكره سفسافها» . انتهى.
٥٠- («إنّ الله) تعالى (يحبّ الرّفق) - بكسر فسكون-: لين الجانب بالقول والفعل، والأخذ بالأسهل والدفع بالأخفّ (في الأمر كلّه»)؛ أي: في أمر الدّين وأمر الدنيا في جميع الأحوال والأفعال حتى في معاملة المرء نفسه، ويتأكّد ذلك في معاشرة من لا بدّ من معاشرته؛ كزوجته وخادمه وولده.
فالرّفق محبوب مطلوب مرغوب، وكلّ ما في الرفق من الخير ففي العنف مثله من الشرّ.
قال الغزالي: فلا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر إلا رفيق فيما يأمر به؛ رفيق فيما ينهى عنه، حليم فيما يأمر به؛ حليم فيما ينهى عنه، فقيه فيما يأمر به؛ فقيه فيما ينهى عنه.
وعظ المأمون واعظ بعنف؛ فقال له: يا هذا ارفق، فقد بعث من هو خير منك إلى من هو شرّ منّي.
قال تعالى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا [٤٤/ طه] . أخذ منه أنه يتعيّن على العالم الرفق بالطالب، وألايوبّخه ولا يعنّفه. انتهى.
قال العلقمي: وسببه كما في البخاري عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
دخل رهط من اليهود على النبيّ ﷺ فقالوا: السام عليكم؛ قالت عائشة: ففهمتها فقلت: وعليكم السّام واللّعنة، قالت: فقال رسول الله ﷺ: «مهلا يا عائشة؛ إنّ الله يحبّ الرّفق في الأمر كلّه»، فقلت: يا رسول الله؛ أو لم تسمع ما قالوا!؟
قال رسول الله ﷺ: «قلت: وعليكم» . انتهى من المناوي على «الجامع»، ومن العزيزي على «الجامع» .
والحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم في «الاستئذان»؛ كلاهما عن
[ ٣ / ٣٢٨ ]
عائشة رضي الله تعالى عنها، وروى مسلم رحمه الله تعالى عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «إنّ الرّفق لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا نزع من شيء إلّا شانه» .
وفي رواية له؛ من حديث شعبة عنها: ركبت بعيرا فكانت فيه صعوبة فجعلت تردّده، فقال لها رسول الله ﷺ: «عليك بالرّفق إنّ الرّفق » الحديث.
وعزاه في «اللآلي» ل «مسند الإمام أحمد» عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأخرجه البخاري في «الأدب المفرد» وأحمد وآخرون بلفظ: كنت على بعير فيه صعوبة، فقال النبيّ ﷺ: «عليك بالرّفق فإنّه لا يكون في شيء إلّا زانه، ولا ينزع من شيء إلّا شانه» .
ورواه العسكري عن عائشة بلفظ: «ما كان الرّفق في قوم إلّا نفعهم، ولا كان الخرق في قوم إلّا ضرّهم» .
وله من حديث حجاج بن سليمان الرعيني قال: قلت لابن لهيعة: كنت أسمع عجائز المدينة يقلن «إنّ الرّفق في المعيشة خير من بعض التّجارة»، فقال: حدّثنيه محمد بن المنكدر، عن جابر، رفعه.
وله أيضا عن عروة بن الزبير قال: مكتوب في التوراة: الرّفق رأس الحكمة.
وأثر عروة عند أبي الشيخ بلفظ: بلغني أنه مكتوب في التوراة: ألا إنّ الرّفق.. الخ.
وأخرج الطبراني عن جرير مرفوعا: «الرفق زيادة تبركة» .
وروى العسكري والقضاعي عن عائشة مرفوعا: «من أعطي حظّه من الرّفق فقد أعطي حظّه من خير الدنيا والآخرة، ومن حرم حظّه من الرّفق فقد حرم حظّه من خير الدنيا والآخرة» .
[ ٣ / ٣٢٩ ]
٥١- «إنّ الله ينزل الرّزق على قدر المؤونة» .
وفي رواية للعسكري عنها بلفظ: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرّفق» . ومثله للقضاعي عن أبي الدرداء مرفوعا.
وروى العسكري عن أنس مرفوعا: «ما كان الرّفق في شيء قطّ إلّا زانه، ولا كان الخرق في شيء قطّ إلّا شانه» .
ورواه عن جرير رفعه: «من يحرم الرّفق يحرم الخير كلّه» .
وروى البيهقي في «مناقب الشافعي» عن ابنه محمد أنّه قال: رآني أبي وأنا أعجل في بعض الأمور، فقال: يا بنيّ؛ رفقا، فإنّ العجلة تنقض الأعمال، وبالرفق تدرك الآمال.
ثمّ ساق الشافعي سنده إلى أبي هريرة رفعه: «إنّ الله رفيق يحبّ الرّفق، ويعطي عليه ما لا يعطي على العنف» .
وقال النجم: وعند الطبراني عن ابن مسعود: «الرفق يمن، والخرق شؤم وهو عند البيهقي- وإذا أراد الله بأهل بيت خيرا أدخل عليهم الرّفق؛ فإنّ الرفق لم يكن في شيء قطّ إلّا زانه، وإنّ الخرق لم يكن في شيء قطّ إلّا شانه» .
وعند الدارقطني في «الأفراد» عن أنس: «إذا أراد الله بأهل بيت خيرا نفعهم في الدّين، ووقّر صغيرهم كبيرهم، ورزقهم الرّفق في معيشتهم، والقصد في نفقاتهم، وبصّرهم عيوبهم فيتوبوا منها، وإذا أراد بهم غير ذلك تركهم هملا» .
انتهى من «كشف الخفا» .
٥١- («إنّ الله) تعالى (ينزل الرّزق) - كذا في «كنوز الحقائق» ! قال العجلوني: والمشهور على الألسنة: «المعونة- (على قدر المؤونة») .
وهو في «الجامع الصغير» كما قال العجلوني: إنه مشهور على الألسنة.
قال العزيزي في «شرح الجامع»: ومعناه: أنّ الله يعين الإنسان على قدر ما يحتاج إليه من المؤونة؛ بحسب حاله، وما يناسبه.
[ ٣ / ٣٣٠ ]
وقال المناوي؛ يريد أن العبد إذا لزمه القيام بمؤونة من تلزمه مؤونته شرعا، فإن كانت تلك المؤن قليلة قلّل له، وإن كانت كثيرة وتحمّلها على قدر طاقته وقام بحقّها وعانى من فنون الدنيا ما أمر به لأجلها؛ أمدّه الله بمعونته، ورزقه من حيث لا يحتسب بقدرها. وعماد ذلك طلب المعونة من الله تعالى بصدق وإخلاص، فهو حينئذ مجاب فيما طلب من المعونة، فمن كانت عليه مؤنة شيء فاستعان الله عليها جاءته المعونة على قدر المؤونة، فلا يقع لمن اعتمد ذلك عجز عن مرام أبدا.
وفي ذلك ندب إلى الاعتصام بحول الله وقوّته وتوجيه الرّغبات إليه بالسؤال والإبتهال، ونهي عن الإمساك والتقتير على العيال؛ فلا يخشى الإنسان الفقر من كثرة العيال، فإنّ الله يعينه على مؤونتهم، بل يندب له أن يعمل على ما فيه تكثيرهم؛ اعتمادا على الله. ولذا لما شكا بعض التلامذة لشيخه ضيق العيش أمره بالزّواج؛ فتعجب لكونه على مؤونة نفسه، لكنه امتثل ثمّ شكا له بعد ذلك؛ فأمره بالسكنى في بيت، ثمّ باتخاذ دابة، ثمّ باتّخاذ خادم، فوسّع الله عليه بعد ذلك، فالشيخ أخذ ذلك من هذا الحديث. انتهى كلام المناوي على «الجامع»، مع زيادة من غيره.
وتمام الحديث- كما في «الجامع الصغير» -: «وينزل الصّبر على قدر البلاء»، ورمز له بأنّه أخرجه ابن لال في «مكارم الأخلاق» وابن عدي.
قال المناوي: وكذا البيهقي في «الشعب»: كلّهم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه عبد الرحيم بن رافد! أورده الذهبي في «الضعفاء»، وقال:
ضعفه الخطيب، عن وهب بن وهب. قال أحمد وغيره: كذّاب، لكن يأتي ما يقوّيه بعض قوة. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
وكأنه يعني بما يقوّيه حديث: «إنّ المعونة تأتي من الله للعبد على قدر المؤونة، وإنّ الصّبر يأتي من الله للعبد على قدر المصيبة» .
أخرجه الحكيم الترمذي في «النوادر»، والبزار في «المسند»، والحاكم في
[ ٣ / ٣٣١ ]
٥٢- «إنّ أخسر النّاس صفقة
كتاب «الكنى والألقاب»، والطبراني في «الكبير»: كلهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قال الهيثمي: وفيه طارق بن عمّار! قال البخاري: لا يتابع على حديثه.
وبقية رجاله ثقات. وقال المنذري: رواته محتجّ بهم في «الصحيح» إلا طارق بن عمّار ففيه كلام قريب؛ ولم يترك. قال: والحديث غريب. انتهى؛ نقله المناوي على «الجامع» .
وهذا الحديث وهو حديث: «إنّ المعونة تأتي من الله للعبد» الخ
ذكره العجلوني في «الكشف»؛ وقال: رواه البيهقي في «الشعب»، والعسكري في «الأمثال»، والبزار وابن شاهين عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
ورواه البيهقي أيضا بلفظ: «أنزل الله ﷿ المعونة على قدر المؤونة، وأنزل الصّبر عند البلاء» . ورواه ابن الشخير بلفظ: «أنزل المعونة مع شدة المؤونة، وأنزل الصّبر عند البلاء» .
ورواه عمر بن طلحة من حديث أبي الحواري؛ حدثنا: عبد العزيز بن عمر أنه قال: أوحى الله ﷿ إلى داود ﵊: يا داود اصبر على المؤونة تأتك المعونة، وإذا رأيت لي طالبا؛ فكن له خادما.
انتهى كلام العجلوني في «الكشف» رحمه الله تعالى.
٥٢- («إنّ أخسر النّاس صفقة) هي في الأصل: ضرب اليد على اليد في البيع والبيعة، والخسر في الأصل: نقص رأس المال، ثمّ استعمل في المقتنيات الخارجة؛ كالمال والجاه، وأكثر استعماله في النفيس منها؛ كصحة وسلامة وعقل وإيمان وثواب، وهو المراد هنا؛ ذكره الراغب.
أي: من أشد الناس خسرانا لعظيم الثواب، وأعظمهم حسرة يوم الماب.
[ ٣ / ٣٣٢ ]
من أذهب آخرته بدنيا غيره» .
٥٣- «إنّ الدّين يسر، ولن يشادّ الدّين
(من أذهب آخرته) بترك الواجب أو المندوب (بدنيا غيره»)؛
أي: بسبب اشتغاله بجلب دنيا غيره؛ كخدام العظماء يشتغلون بنفع مخاديمهم، والقيام بمصالحهم، ويتركون الصّلوات، ويحلفون الأيمان الفاجرة، ويأخذون أموال الناس لاسترضاء مخاديمهم؛ كذا قاله الزرقاني على «المواهب» .
وفي القليوبي على «المنهاج» الفقهي: وأخسّ الأخسّاء: من باع دينه بدنيا غيره كالمكّاس. انتهى. أي: وكالقاضي الذي يحكم لغيره بملك غيره ظلما؛ كما قاله شيخنا.
وفي «المواهب مع الشرح»: أن ابن النّجار في «تاريخ بغداد» روى من حديث عبد الله بن عامر بن ربيعة العتري «حليف بني عديّ» أبي محمد المدني ولد على عهد النبيّ ﷺ، ووثّقه العجلي.
روى عن أبيه عامر صحابيّ مشهور حديثا لفظه: «أخسّ الناس صفقة: رجل أخلق يديه في آماله، ولم تساعده الأيام على أمنيّته؛ فخرج من الدّنيا بغير زاد، وقدم على الله بغير حجة» . وهو مما بيّض له الديلمي لعدم وقوفه له على سند.
انتهى ملخصا، ومثله في «الجامع الصغير وشرحه» .
٥٣- («إنّ الدّين) - بكسر الدال- أي: دين الإسلام (يسر) أي: ذو يسر؛ نقيض العسر، أو هو يسر، مبالغة لكثرة اليسر- بالنسبة للأديان قبله- كأنّه نفسه، لأنّ الله رفع عن هذه الأمة الإصر الّذي كان على من قبلهم.
ومن أوضح الأمثلة له أنّ توبتهم كانت بقتل أنفسهم، وتوبة هذه الأمّة بالإقلاع والعزم على عدم العود والنّدم.
(ولن يشادّ): أي: يقاوم (الدّين) بأن يتعمّق بكثرة العبادة كأن يصوم كلّ
[ ٣ / ٣٣٣ ]
أحد إلّا غلبه» .
يوم، ويقوم جميع اللّيل، فإنه يعجز، فيترك جميع ذلك، فيصير معرضا عن الله بعد الإقبال، أو بالمبالغة في الطهارة والصّلاة وإخراج الحروف من مخارجها.
و«الدّين» منصوب على المفعولية، وفاعله قوله: (أحد) الثابت في رواية ابن السكن وفي بعض الروايات عند الأصيلي، وكذا هو في طرق هذا الحديث عند الإسماعيلي وأبي نعيم وابن حبان وغيرهم، وأكثر رواة البخاري بإسقاط لفظ «أحد» على إضمار الفاعل للعلم به، و«الدين» نصب على المفعولية أيضا.
وحكى صاحب «المطالع» أن أكثر الروايات برفع «الدّين» على أنّ «يشادّ» مبنيّ لما لم يسمّ فاعله، وعارضه النووي بأنّ أكثر الروايات: بالنصب.
قال الحافظ ابن حجر: ويجمع بينهما بأنّه بالنسبة إلى روايات المغاربة والمشارقة، ويؤيّد النصب لفظ حديث بريدة عند أحمد: «إنه من يشادّ هذا الدين يغلبه» . ذكره في حديث آخر يصلح أن يكون هو سبب حديث الباب. انتهى زرقاني
(إلّا غلبه») قال العلقمي: المعنى لا يتعمّق أحد في الأعمال الدينيّة ويترك الرّفق إلّا عجز وانقطع، فيغلب. قال في «الفتح»: وليس المراد منع طلب الأكمل في العبادة، فإنّه من الأمور المحمودة، بل منع الإفراط المؤدي إلى الملال، والمبالغة في التطوع المفضي إلى ترك الأفضل، أو إخراج الفرض عن وقته كمن بات يصلّي اللّيل ويغالب النّوم إلى أن غلبته عيناه في آخر اللّيل؛ فنام عن صلاة الصّبح؛ أي: عن وقت الفضيلة، أو إلى أن خرج الوقت المختار، أو إلى أن طلعت الشمس؛ فخرج وقت الفريضة.
وفي حديث محجن بن الأدرع عند أحمد: «إنّكم لن تنالوا هذا الأمر بالمبالغة، وخير دينكم أيسره» .
وقد يستفاد من هذا، الإشارة إلى الأخذ بالرّخصة الشرعية، فإن الأخذ بالعزيمة في موضع الرّخصة تنطّع، كمن يترك التيمّم عند العجز عن استعمال الماء فيفضي به استعمال الماء إلى حصول الضّرر.
[ ٣ / ٣٣٤ ]
٥٤- «إنّ الصّبر عند الصّدمة الأولى» .
قال ابن المنير: في هذا الحديث علم من أعلام النبوّة فقد رأينا ورأى الناس قبلنا أنّ كلّ متنطّع في الدّين ينقطع. انتهى عزيزي.
وقال الطيبيّ: بناء المفاعلة في «يشادّ» ليس للمغالبة، بل للمبالغة نحو طارقت النّعل، وهو من جانب المكلّف، ويحتمل أن يكون للمبالغة على سبيل الاستعارة، والمستثنى منه عامّ الأوصاف؛ أي: لم يحصل ويستقرّ ذلك المشادّ على وصف من الأوصاف إلّا على وصف المغلوبيّة. انتهى زرقاني.
وتمام هذا الحديث: «فسدّدوا وقاربوا وأبشروا، واستعينوا بالغدوة والرّوحة وشيء من الدّلجة» . انتهى من «الجامع الصغير» . ورمز له برمز البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وفي الزرقاني: قال الحافظ ابن حجر: هذا الحديث من أفراد البخاري؛ عن مسلم. انتهى.
٥٤- («إنّ الصّبر)؛ الكامل المحبوب ما كان (عند الصّدمة الأولى»)؛ أي: عند زمن ابتداء المصيبة وشدّتها بخلاف زمن آخرها؛ فإنّه وإن كان فيه ثواب إلّا أنه دون الأوّل؛ لأنّ آخر المصيبة يهوّن الأمر شيئا فشيئا؛ فيحصل له التّسلّي.
والصّبر: حبس النفس على كريه تتحمّله أو لذيذ تفارقه، وهو لفظ عامّ ربّما خولف بين أسمائه بحسب اختلاف موقعه. فحبس النفس لمصيبة يسمّى «صبرا»؛ لا غير، ويقابله: الجزع، وحبسها في محاربة يسمى «شجاعة» ويقابله:
الجبن، وفي إمساك عن الكلام يسمّى «صمتا وكتمانا» ويقابله: القلق.
وأصل الصّدم: ضرب الشيء الصلب بمثله، فاستعير للمصيبة الواردة على القلب. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» باللّفظ الّذي أورده المصنف مرموزا له برمز الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة: البخاري، ومسلم، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
[ ٣ / ٣٣٥ ]
٥٥- «إنّك لن تدع لله شيئا.. إلّا عوّضك الله خيرا منه» .
وسببه: أنّ النبيّ ﷺ مرّ بامرأة تبكي على صبيّ لها؛ فقال رسول الله ﷺ لها:
«اتقي الله واصبري» فقالت: إليك عنّي، فإنّك لم تصب بمصيبتي!، ولم تعرفه.
فقيل لها: إنّه النبيّ ﷺ! فأتت بابه فلم تجد عنده بوّابين فقالت: لم أعرفك
فذكره.
وفي رواية: «إنّما الصّبر عند الصّدمة الأولى» وفي رواية: «إنّما الصّبر عند أوّل صدمة»، وفي رواية: «الصّبر عند الصّدمة الأولى» .
(«إنّك لن تدع لله)؛ أي: لمحض الامتثال من غير مشاركة غرض من الأغراض (شيئا)؛ بأن لا تشدّد في طلبه لكون تركه فيه رفق بالمسلمين (إلّا عوّضك الله خيرا منه») في الدين والدنيا، لأنّك لما قهرت نفسك وهواك لأجل الله جوزيت بما هو أفضل وأنفع.
والحديث ذكره المناوي في «الطبقات» باللفظ الذي أورده المصنف.
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «ما ترك عبد شيئا لله لا يتركه إلّا له؛ إلّا عوّضه الله منه ما هو خير له في دينه ودنياه» وقال: رواه أبو نعيم عن ابن عمر مرفوعا، وقال: غريب.
لكن له شواهد منها ما رواه التيمي في «ترغيبه» عن أبي بن كعب مرفوعا بلفظ: «لا يترك عبد شيئا لا يدعه إلّا لله، إلّا آتاه الله ما هو خير له منه» .
ولأحمد عن قتادة وأبي الدهماء: أنّهما نزلا على رجل من البادية، فقالا له:
هل سمعت من رسول الله ﷺ شيئا؟ قال: نعم سمعته يقول: «إنّك لن تدع شيئا لله إلّا أبدلك الله به ما هو خير لك منه» . وفي لفظ له أيضا: «إنّك لن تدع شيئا اتّقاء الله إلّا أعطاك الله خيرا منه» . ورجاله رجال الصحيح.
وأخرج ابن عساكر عن ابن عمر مرفوعا: «ما ترك عبد لله أمرا لا يتركه إلّا لله؛ إلّا عوّضه الله منه ما هو خير له منه في دينه ودنياه» .
[ ٣ / ٣٣٦ ]
٥٦- «إنّكم لن تسعوا النّاس بأموالكم.. فسعوهم بأخلاقكم» .
وللطبراني وأبي الشيخ عن أبي أمامة مرفوعا: «من قدر على طمع من طمع الدّنيا فأدّاه ولو شاء لم يؤدّه؛ زوّجه الله من الحور العين حيث شاء» . انتهى.
٥٦- («إنّكم لن تسعوا) - بفتح السين المهملة- وفي رواية: «لا تسعون» بالفتح أيضا- أي: لا تطيقون أن تعمّوا (النّاس بأموالكم) لعزّة المال وكثرة الناس فلا يمكنكم ذلك (فسعوهم بأخلاقكم») بحيث تقبلون على كلّ منهم بالبشاشة وإظهار المودّة، وكأنّه جعل المال محلّا لطالبيه لاستراحة من حصل له منك مال، فاطمأنّ به كما يطمئنّ من هيّء له منزل يدفع عنه الضّرر.
وهذا الحديث ذكره في «المواهب»، وقال: رواه أبو يعلى والبزار من طرق؛ أحدها حسن عن أبي هريرة رفعه بلفظ: «إنّكم لن تسعوا الناس بأموالكم، ولكن ليسعهم منكم بسط الوجه وحسن الخلق» .
قال الزرقاني: أي: لا تتسع أموالكم لعطائهم، فوسّعوا أخلاقكم لصحبتهم.
والوسع والسّعة: الجدة والطّاقة، وذلك لأن استيعاب عامّتهم بالإحسان بالفعل لا يمكن، فأمر بجعل ذلك بالقول. كما قال تعالى وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا [٨٣/ البقرة] .
وروى العسكري عن الصّولي: لو وزنت كلمة النبيّ ﷺ بأحسن كلام الناس كلّهم لرجحت على ذلك، وهي قوله: «إنكم..» الخ. قال: وقد كان ابن عبّاد كريم الوعد، كثير البذل، سريعا إلى فعل الخير، فطمس ذلك سوء خلقه.
وقال إبراهيم بن أدهم: إنّ الرجل ليدرك بحسن خلقه ما لا يدركه بماله؛ لأنّ المال عليه فيه زكاة وصلة أرحام وأشياء أخر، وخلقه ليس عليه فيه شيء.
وقال ﷺ: «إنّ الرجل ليدرك بحسن خلقه درجة القائم باللّيل الظامىء بالهواجر» رواه الطبراني. انتهى. وذكر حديث المتن في «الجامع الصغير» بلفظ «المواهب» مرموزا له برمز البزار، وأبي نعيم في «الحلية»، والحاكم، والبيهقي
[ ٣ / ٣٣٧ ]
٥٧- «إنّ لصاحب الحقّ مقالا» .
٥٨- «إنّما الأعمال بالنّيّات» .
في «شعب الإيمان» . زاد المناوي: رواه الطبراني؛ كلّهم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
٥٧- («إنّ لصاحب الحقّ)؛ أي: الدّين (مقالا») صولة الطلب، وقوّة الحجة.
وأخذ منه الغزالي أنّ المظلوم من جهة القاضي له أن يتظلّم إلى السلطان وينسبه إلى الظلم، وكذا يقول المستفتي للمفتي: قد ظلمني أبي.. أو أخي.. أو زوجي. فكيف طريقي في الخلاص!؟. والأولى التعريض بأن يقول: ما قولكم في رجل ظلمه أبوه أو أخوه، لكن التعيين مباح؛ لما ذكر.
والحديث رواه الشيخان: البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: إن رجلا تقاضى رسول الله ﷺ فأغلظ له، فهمّ به أصحابه، فقال:
«دعوه، فإنّ لصاحب الحقّ مقالا» وهو من غرائب الصحيح، فإنه لا يروى عن أبي هريرة إلا بإسناد مداره على سلمة بن كهيل، وقد صرّح بأنّه سمعه من أبي سلمة بن عبد الرحمن بمنى حين حجّ.
وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها، وبرمز أبي نعيم في «الحلية» عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه.
٥٨- («إنّما الأعمال): جمع عمل، وهو حركة البدن؛ فيشمل القول ويتجوّز به عن حركة النفس، والمراد هنا عمل الجوارح الصّادرة من المؤمنين، أي: إنما صحتها (بالنّيّات) من مقابلة الجمع بالجمع؛ أي: كل عمل بنيّته.
وقال الحربي: كأنه إشارة إلى تنويع النيّة كالأعمال، كمن قصد بعمله وجه الله، أو تحصيل وعده، أو اتقاء وعيده.
[ ٣ / ٣٣٨ ]
وفي معظم الرّوايات: «بالنّيّة» بالإفراد لأن محلّها القلب؛ وهو متّحد، فناسب إفرادها بخلاف الأعمال فإنها متعلقة بالظواهر؛ وهي متعدّدة فناسب جمعها، أو لأنّ النّيّة ترجع إلى الإخلاص؛ وهو واحد للواحد الذي لا شريك له.
وفي «صحيح ابن حبان»: «الأعمال بالنّيّات» بحذف «إنّما» وجمعهما، وللبخاري في «الإيمان والعتق والهجرة»: «الأعمال بالنّيّة» بجمع «الأعمال» وإفراد «النّيّة» . وله في «النكاح»: «العمل بالنّيّة» بإفرادهما.
وهذا التركيب يفيد الحصر عند المحققين؛ لأنّ «أل» في الأعمال للاستغراق، وهو مستلزم للحصر؛ لأنّ معناه: كلّ عمل بنيّة، فلا عمل إلّا بنية.
أو لأنّ «إنّما» للحصر، وهل إفادتها له بالمنطوق؛ أو بالمفهوم، أو تفيد الحصر بالوضع؛ أو بالعرف، أو تفيده بالحقيقة، أو بالمجاز؟ ومقتضى كلام الإمام وأتباعه أنها تفيده بالمنطوق وضعا حقيقيا، بل نقله شيخ الإسلام البلقيني عن جميع أهل الأصول من المذاهب الأربعة إلّا اليسير كالآمدي، وعلى العكس من ذلك أهل العربية.
وعبّر بالأعمال دون الأفعال!! لأن الفعل قد يكون زمانه يسيرا ولا يتكرر، قال تعالى أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ (١) [الفيل]، وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنا بِهِمْ [٤٥/ إبراهيم] حيث كان إهلاكهم في زمن يسير ولم يتكرر، بخلاف العمل فإنه الذي يوجد من الفاعل في زمان مديد بالاستمرار والتكرار الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ [٢٥/ البقرة] طلب منهم العمل الدائم المتجدد لا نفس العمل، قال تعالى فَلْيَعْمَلِ الْعامِلُونَ (٦١) [الصافات] ولم يقل الفاعلون.
و«النيات» جمع نية؛- بكسر النون وشدّ المثناة التحتية في المشهور، وفي لغة: تخفيفها.
قال البيضاوي: هي انبعاث القلب نحو ما يراه موافقا لغرض؛ من جلب نفع أو دفع ضرّ حالا أو مالا. والشرع خصّه بالإرادة المتوجهة نحو الفعل؛ لابتغاء رضاء
[ ٣ / ٣٣٩ ]
٥٩- «إنّما البيع عن تراض» .
٦٠- «إنّما العلم بالتّعلّم،
الله تعالى وامتثال حكمه. وهي محمولة في الحديث على المعنى اللّغوي، ليحسن تطبيقه على ما بعده من بقية الحديث وتقسيمه أحوال المهاجر، فإنه تفصيل لما أجمل.
والحديث أخرجه الإمام أحمد وأصحاب الكتب الستة: البخاري؛ في سبعة مواضع من «صحيحه»، ومسلم، والترمذي في «الجهاد»، وأبو داود في «الطلاق»، والنسائي في «الأيمان»، وابن ماجه في «الزهد»؛ كلهم من حديث عمر بن الخطاب. ولم يخرجه في «الموطأ» رواية الأكثرين، وخرّجه في رواية محمد بن الحسن عنه، ذكره في آخر «باب النوادر» قبيل آخر الكتاب بورقات.
٥٩- («إنّما البيع)؛ أي: الجائز الصحيح شرعا الذي يترتب عليه أثره؛ الذي هو انتقال الملك وحلّ الانتفاع: هو ما وقع (عن تراض») من المتعاقدين مع باقي أركانه وشروطه، بخلاف ما لو صدر بنحو إكراه بغير حقّ، فلا أثر له، بل المبيع باق على ملك البائع؛ وإن صدرت صورة البيع.
وأفاد الحديث بإناطة الانعقاد بالرضى؛ اشتراط الصيغة لوجود صورته الشرعية في الوجود، لأنّ الرضى أمر خفيّ لا يطّلع عليه، فاعتبر ما يدلّ عليه وهو الصّيغة.
والحديث أخرجه ابن ماجه والضّياء؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال: قدم يهودي بتمر وشعير وقد أصاب الناس جوع، فسألوه أن يسعّر لهم فأبى وذكر الحديث.
٦٠- («إنّما العلم)؛ أي: اكتسابه في الابتداء، وإدراك الأحكام ووصولها إلى الذّهن (بالتّعلّم) من العلماء؛ أي: بالأخذ في أسبابه من سؤال العلماء العارفين، والاعتناء بالتّلقّي عنهم، وإنّما بقاؤه وعدم ضياعه بمذاكرته وعدم الغافلة عنه، ولا يستحي من السؤال عمّا أشكل.
[ ٣ / ٣٤٠ ]
وإنّما الحلم بالتّحلّم» .
قال مجاهد: لا يتعلّم العلم مستحي ولا مستكبر.
وقيل لابن عباس: بم نلت هذا العلم؟ قال: بلسان سؤول وقلب عقول.
والحصر في الحديث بالنّظر للغالب، وإلّا! فقد يحصل العلم بسبب الرياضة المقتضية لإفاضة العلوم على القلب من غير تعلم.
(وإنّما الحلم)؛ أي: المكتسب (بالتّحلّم»)؛ أي: بحمل النفس عليه.
قال الراغب: الحلم: إمساك النفس عن هيجان الغضب. والتّحلّم: إمساكها عن قضاء الوطر إذا هاج الغضب. انتهى.
وفيه إشارة إلى أنّ الملكة قد تحصل بالاكتساب، فإذا كان عادته الغضب والانتقام؛ وعالج نفسه ومنعها من الانتقام المرّة بعد الآخرى، تعوّدت على الحلم حتى صار ملكة له، وكذا معالجة نحو الكبر والبخل والعجب والحسد تقتضي تبدّل الوصف الذميم بالوصف الجميل.
والحديث قال العجلوني في «الكشف»: رواه الطبراني في «الكبير»، وأبو نعيم والعسكري عن أبي الدرداء رفعه بلفظ: «إنّما العلم بالتعلم والحلم بالتّحلّم، ومن يتحرّ الخير يعطه، ومن يتوقّ الشرّ يوقه. لم يسكن الدرجات العلى؛ ولا أقول لكم من الجنة: من استقسم، أو تطيّر طيرا يردّه من سفره» .
وفي سنده محمد بن الحسن الهمذاني: كذاب. ولكن رواه البيهقي في «المدخل» عن أبي الدرداء موقوفا.
وفي رواية للطبراني؛ وكذا البيهقي عن أبي الدرداء بزيادة بعد قوله «يوقه»:
«ثلاث من كنّ فيه لم يسكن الدّرجات العلى، ولا أقول لكم الجنّة من تكهّن، أو استقسم؛ أو ردّ من سفر تطيّرا» .
وأخرجه العسكري عن أنس مرفوعا، وعن معاوية مرفوعا بلفظ: «يا أيها الناس؛ إنّما العلم بالتّعلّم والفقه بالتّفقّه، ومن يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين،
[ ٣ / ٣٤١ ]
٦١- «إنّما المرء بخليله،
وإنّما يخشى الله من عباده العلماء» .
وأخرجه الطبراني في «الكبير» وابن أبي عاصم في «العلم» عن معاوية أيضا.
وجزم البخاري بتعليقه؛ فقال: وقال النبي ﷺ: «من يرد الله به خيرا يفقّهه في الدين»، وقال: «إنّما العلم بالتّعلم» .
وأخرجه الدارقطني في «الأفراد» والخطيب؛ كلاهما عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والخطيب عن أبي الدرداء بلفظ: «إنّما العلم بالتّعلم، وإنّما الحلم بالتّحلّم، ومن يتحرّ الخير يعطه، ومن يتوقّ الشرّ يوقه»
وأخرجه أبو نعيم عن شداد بن أوس بلفظ: إنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ ماذا يزيد في العلم؟ قال: «التّعلم» . وفي سنده كذّاب، وهو عمر بن صبيح.
وأخرجه البزار بسند في حديث طويل رجاله ثقات عن ابن مسعود مرفوعا أنّه كان يقول: «فعليكم بهذا القرآن فإنه مأدبة الله، فمن استطاع منكم أن يأخذ من مأدبة الله فليفعل، فإنّما العلم بالتّعلم» .
وروى البيهقي في «المدخل»، والعسكري في «الأمثال»: كلاهما عن أبي الأحوص أنه قال: «إنّ الرجل لا يولد عالما، وإنّما العلم بالتّعلم» .
وروى العسكري أيضا عن حميد الطويل أنّه قال: كان الحسن يقول: إذا لم تكن حليما فتحلّم، وإذا لم تكن عليما فتعلّم، فقلما تشبّه رجل بقوم إلّا كان منهم.
وروى العسكري أيضا من وجه آخر عن عمرو البجلي أنه قال: الحسن هو الله، والله أحسن منك رداء، وإن كان رداؤك حبرة رداؤه الحلم، فإن لم يكن حلم لا أبالك- فتحلّم، فإنّ من تشبّه بقوم لحق بهم. انتهى.
٦١- («إنّما المرء): يعني الإنسان (بخليله)؛ أي: صاحبه، يعني: هو على عادته وطريقته وسيرته، لأن الطبع يسرق من الطبع من حيث لا يشعر،
[ ٣ / ٣٤٢ ]
فلينظر المرء من يخالل» .
(فلينظر)؛ أي: فليتأمّل ويتدبّر (المرء) بعين بصيرته إلى أمور (من يخالل»)؛ أي: الذي يريد صداقته، فمن رآه ورضي دينه وخلقه صادقه، ومن سخط دينه فليجتنبه، ومن رآه يرى له مثل ما يرى له؛ صحبه، فأقلّ درجات الأخوّة والصّداقة النظر بعين المساواة، والكمال رؤية الفضل للأخ، وفي معنى الحديث قول الشاعر:
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
فإن كان ذا شرّ فجنّبه سرعة وإن كان ذا خير فقارنه تهتدي
إذا كنت في قوم فصاحب خيارهم ولا تصحب الأردا فتردى مع الرّدي
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» باللفظ الذي أورده المصنف.
وذكره النووي في «رياض الصالحين» بلفظ: «الرجل على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل»؛ وقال: رواه أبو داود والترمذي بإسناد صحيح عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال الترمذي: حديث حسن. ومثله في «الجامع الصغير» .
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» . وقال: رواه أبو داود والترمذي وحسّنه، والبيهقي، والقضاعي عن أبي هريرة رفعه، وتساهل ابن الجوزي فأورده في «الموضوعات» ومن ثمّ خطّأه الزركشي، وتبعه في «الدرر» .
وقال الحافظ في «اللآلئ»: والقول ما قال الترمذي. يعني: أن الحديث حسن.
ورواه العسكري عن أنس رفعه بلفظ: «المرء على دين خليله، ولا خير في صحبة من لا يرى لك من الخير؛ أو من الحقّ مثل الذي ترى له» ورواه ابن عدي في «كامله» بسند ضعيف. وأورده جماعة؛ منهم البيهقي في «شعبه» بلفظ: من يخالّ- بلام مشددة-. انتهى كلام «الكشف» .
[ ٣ / ٣٤٣ ]
٦٢- «إنّ من البيان لسحرا» .
وفي «دليل الفالحين»: قال السيوطي في «المرقاة»: هذا الحديث أحد الأحاديث التي انتقدها الحافظ سراج الدين القزويني على «المصابيح»، وزعم أنه موضوع.
قلت: قال الحافظ العلائي: نسبة هذا الحديث إلى الوضع جهل قبيح، بل هو حسن؛ كما قال الترمذي، ولا ينتهي إلى الضعف فضلا عن الوضع.
قال الحافظ العسقلاني في ردّه عليه: قد حسّنه الترمذي، وصححه الحاكم.
انتهى كلام «دليل الفالحين» . ملخصا.
ثم قال ابن علان: وبه يعلم ما في قول المصنف- يعني النووي- بإسناد صحيح، إلا أن يريد به المقبول مجازا، فيشمل الحسن، والله أعلم.
٦٢- («إنّ من البيان) هو: المنطق الفصيح المعرب عمّا في الضمير. وقال القاضي: البيان: جمع الفصاحة في اللفظ والبلاغة باعتبار المعنى. (لسحرا») بفتح لام التوكيد-؛ أي: إنّ من البيان لنوعا يحلّ من العقول والقلوب في التمويه محلّ السّحر، والسّحر- في الأصل-: الصّرف، قال تعالى فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩) [المؤمنون] وسمّي السحر سحرا!! لأنه مصروف عن جهته. والساحر بسحره يزيّن الباطل في عين المسحور حتى يراه حقّا، فكذا المتكلم بمهارته في البيان وتفنّنه في البلاغة وترصيف النظم؛ يسلب عقل السامع، ويشغله عن التفكر فيه والتدبّر له؛ حتى يخيّل إليه الباطل حقّا والحقّ باطلا، وهذا معنى قول ابن قتيبة «إن منه ما يقرب البعيد، ويبعد القريب، ويزين الباطل القبيح، ويعظم الصغير؛ فكأنه سحر» .
والقصد النهي عن ذلك كالنهي عن السحر؛ إن كان ذلك البيان لأجل ستر حقّ ونصرة باطل. ويحتمل أنه مدح إن كان زخرفة العبارة لأجل قبول حقّ ونصره؛ فيكون تشبيهه بالسحر من حيث استمالة القلوب فقط، لا في النهي.
وهذا قاله النبيّ ﷺ حين قدم وفد تميم وفيهم الزّبرقان وعمرو بن الأهيم فخطبا
[ ٣ / ٣٤٤ ]
ببلاغة وفصاحة، ثمّ فخر الزبرقان فقال: يا رسول الله؛ أنا سيّد بني تميم، والمطاع فيهم، والمجاب لديهم، أمنعهم من الظلم، وآخذ لهم بحقوقهم، وهذا يعلم ذلك. فقال عمرو: إنه لشديد العارضة، مانع لجانبه، مطاع في أدنيه؛ فقال الزّبرقان: والله لقد علم مني أكثر ممّا قال؛ ما منعه أن يتكلم إلّا الحسد!!
فقال عمرو: أنا أحسدك! والله إنّك للئيم الخال، حديث المال، ضيّق العطن، أحمق الولد، والله يا رسول الله لقد صدقت فيما قلت أوّلا، وما كذبت فيما قلت ثانيا؛ لكني رجل إذا رضيت قلت أحسن ما علمت، وإذا غضبت قلت أقبح ما وجدت، ولقد صدقت في الأولى والآخرى جميعا.
فقال رسول الله ﷺ: «إن من البيان لسحرا» . قال الميداني: هذا المثال في استحسان النطق وإيراد الحجة البالغة.
قال التوربشتي: وحقّه أن يقال إن بعض البيان كالسّحر، لكنّه جعل الخبر مبتدأ مبالغة في جعل الأصل فرعا، والفرع أصلا. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الإمام مالك، والإمام أحمد، والبخاري في «النكاح والطّبّ»، وأبو داود في «الأدب»، والترمذي في «البرّ»: كلهم عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما.
وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إنّ من البيان سحرا، وإن من الشّعر حكما» . ورمز له برمز الإمام أحمد وأبي داود عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. والجملة الثانية في البخاري بلفظ: «إنّ من الشّعر لحكمة» من حديث أبيّ ﵁.
وذكره في «الجامع الصغير» أيضا بلفظ: «إنّ من البيان سحرا، وإنّ من العلم جهلا، وإنّ من الشّعر حكما، وإن من القول عيالا» ورمز له برمز أبي داود في «الأدب»؛ من حديث صخر بن عبد الله بن بريدة، عن أبيه، عن جدّه: بريدة بن الحصيب ﵃ آمين.
[ ٣ / ٣٤٥ ]
٦٣- «أنا مدينة العلم، وعليّ بابها» .
٦٣- («أنا مدينة العلم وعليّ بابها») الذي يدخل منه إلى المدينة، فإن المصطفى ﷺ المدينة الجامعة لمعاني الديانات كلّها، ولا بدّ للمدينة من باب، فأخبر أن بابها هو علي بن أبي طالب كرم الله وجهه، فمن أخذ طريقه دخل المدينة، ومن أخطأه أخطأ طريق الهدى، وقد شهد له بالأعلميّة الموافق والمخالف، والمعادي والمحالف؛
أخرج الكلاباذي: أن رجلا سأل معاوية رضي الله تعالى عنه عن مسألة، فقال: سل عليا؛ هو أعلم مني. فقال: أريد جوابك، قال: ويحك كرهت رجلا كان رسول الله ﷺ يعزّه بالعلم عزّا!!.
وقد كان أكابر الصحب يعترفون له بذلك، وكان عمر بن الخطاب يسأله عمّا أشكل عليه؛ جاءه رجل فسأله، فقال: ههنا عليّ فاسأله؛ فقال: أريد أسمع منك؛ يا أمير المؤمنين!! قال: قم؛ لا أقام الله رجليك. ومحا اسمه من الدّيوان.
وصحّ عنه من طرق أنه كان يتعوّذ من قوم ليس فيهم عليّ بن أبي طالب حتى أمسكه عنده ولم يولّه شيئا من البعوث لمشاورته في المشكل.
وأخرج الحافظ عبد الملك بن سليمان قال: ذكر لعطاء: أكان أحد من الصحب أفقه من علي؟! قال: لا والله.
قال الحرالي: قد علم الأولون والآخرون أنّ فهم كتاب الله تعالى منحصر إلى علم عليّ، ومن جهل ذلك فقد ضلّ عن الباب الذي من ورائه يرفع الله عن القلوب الحجاب حتى يتحقّق اليقين الذي لا يتغير بكشف الغطاء. إلى هنا كلامه؛ ذكره المناوي.
وفيه أيضا: وناهيك بهذه المرتبة ما أسناها، وهذه المنقبة ما أعلاها، ومن زعم أن المراد «وعلي بابها» أنه مرتفع من العلوّ وهو الارتفاع فقد تنحّل لغرضه
[ ٣ / ٣٤٦ ]
الفاسد بما لا يجديه، ولا يسمنه ولا يغنيه.
أخرج أبو نعيم عن ترجمان القرآن مرفوعا: ما أنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إلّا وعليّ رأسها وأميرها.
وأخرج عن ابن مسعود قال: كنت عند النبي ﷺ فسئل عن عليّ كرم الله وجهه! فقال: «قسمت الحكمة عشرة أجزاء؛ فأعطي عليّ تسعة أجزاء، والناس جزآ واحدا» .
وعنه أيضا: «أنزل القرآن على سبعة أحرف، ما منها حرف إلّا وله بطن وظهر، وأما عليّ؛ فعنده منه علم الظاهر والباطن» .
وأخرج أيضا عن سيّد المرسلين وإمام المتقين: «أنا سيّد ولد آدم؛ وعليّ سيّد العرب» . وأخرج أيضا: «عليّ راية الهدى» .
وأخرج أيضا: «يا عليّ؛ إن الله أمرني أن أدنيك وأعلمك لتسعى»، وأنزلت عليه هذه الآية وَتَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ (١٢)
[الحاقة] .
وأخرج عن ابن عباس: كنا نتحدّث أنّ رسول الله ﷺ عهد إلى عليّ كرم الله وجهه سبعين عهدا لم يعهده إلى غيره. والأخبار في هذا الباب لا تكاد تحصى.
انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»، مرموزا له برمز العقيلي، وابن عدي، والطبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك» وصحّحه، زاد المناوي:
وكذا أبو الشيخ في «السنة»: كلّهم عن ابن عباس «ترجمان القرآن» مرفوعا مع زيادة: «فمن أراد العلم فليأت الباب» . ورمز له أيضا برمز ابن عدي والحاكم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما.
قال المناوي: ورواه الإمام أحمد بدون الزيادة يعني قوله: «فمن أراد العلم فليأت الباب» . قال الذهبي- كابن الجوزي-: موضوع، وقال أبو زرعة: كم خلق افتضحوا به. وقال ابن معين: لا أصل له. وقال الدارقطني: غير ثابت،
[ ٣ / ٣٤٧ ]
وقال الترمذي؛ عن البخاري: منكر، وتعقّبه جمع من الأئمة منهم الحافظ العلائي فقال: من حكم بوضعه فقد أخطأ، والصواب أنه حسن باعتبار طرقه؛ لا صحيح ولا ضعيف. وليس هو من الألفاظ المنكرة التي تأباها العقول، بل هو كخبر:
«أرأف أمّتي بأمتي أبو بكر» . قال الزركشي: الحديث ينتهي إلى درجة الحسن المحتجّ به، ولا يكون ضعيفا، فضلا عن كونه موضوعا!!
وفي «لسان الميزان»: هذا الحديث له طرق كثيرة في «المستدرك» أقلّ أحوالها أن يكون للحديث أصل، فلا ينبغي إطلاق القول عليه بالوضع. انتهى.
ورواه الخطيب في «التاريخ» باللفظ المذكور من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عباس ثم قال: قال القاسم: سألت ابن معين عنه؛ فقال: هو صحيح. قال الخطيب: قلت: أراد أنه صحيح من حديث أبي معاوية؛ وليس بباطل، إذ رواه غير واحد عنه، وأفتى بحسنه ابن حجر، وتبعه السخاوي؛ فقال: هو حديث حسن. انتهى؛ كلام المناوي على «الجامع» .
وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «أنا دار الحكمة، وعليّ بابها» . ورمز له برمز الترمذي عن علي بن أبي طالب، أي: من رواية إسماعيل بن موسى الفزاري؛ عن محمد بن عمر الرومي، عن شريك، عن سلمة بن كهيل، عن سويد بن غفلة، عن أبي عبد الضياء، عن عليّ وقال: غريب. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال في «المقاصد»: إنه رواه الترمذي في «المناقب» من «جامعه»، وأبو نعيم في «الحلية» وغيرهما من حديث عليّ: أنّ النبيّ ﷺ قال: «أنا دار الحكمة وعليّ بابها» قال الدارقطني في «العلل»: إنّه حديث مضطرب غير ثابت.
وقال الترمذي: إنه منكر، وكذا قال شيخه البخاري، وقال: إنه ليس له وجه صحيح. وقال ابن معين- فيما حكاه الخطيب في «تاريخ بغداد» -: إنه كذب لا أصل له، وأورده ابن الجوزي من هذين الوجهين في «الموضوعات» ووافقه
[ ٣ / ٣٤٨ ]
الذهبي وغيره على ذلك. انتهى كلام «المقاصد» .
وقال المناوي في «شرح الجامع» بعد ذكر حديث عليّ من رواية شريك المذكور: وزعم القزويني كابن الجوزي وضعه، وأطال العلائي في ردّه. وقال:
لم يأت أبو الفرج ولا غيره بعلّة قادحة في هذا الخبر؛ سوى دعوى الوضع دفعا بالصّدر.
وسئل عنه الحافظ ابن حجر في «فتاويه» فقال: هذا حديث صحّحه الحاكم، وذكره ابن الجوزي في «الموضوعات»؛ وقال: إنه كذب.
والصواب خلاف قولهما معا، وأنه من قسم الحسن: لا يرتقي إلى الصحة؛ ولا ينحطّ إلى الكذب. قال: وبيانه يستدعي طولا لكن هذا هو المعتمد. انتهى كلام المناوي.
وقال الحافظ السيوطي في «الدرر»: وقد بسطت كلام العلائي وابن حجر في «التعقبات على الموضوعات»، وقال في «اللآلئ» بعد كلام طويل:
والحاصل أن الحديث ينتهي بمجموع طريقي أبي معاوية وشريك إلى درجة الحسن المحتجّ به. انتهى.
وقال في «شرح الهمزية» لابن حجر المكي عند قولها «كم أبانت عن علوم»:
إنّه حسن خلافا لمن زعم وضعه. انتهى.
وقال في «الفتاوى الحديثية»: رواه جماعة وصححه الحاكم، وحسّنه الحافظان العلائي وابن حجر. انتهى.
وقد ألّف العلامة حافظ العصر أبو الفيض أحمد بن الصّدّيق الغماري المتوفى سنة ١٣٨٢ رحمه الله تعالى مؤلفا خاصّا في هذا الحديث؛ سمّاه «فتح الملك العلي بصحة حديث باب مدينة العلم عليّ» وقد طبع بمصر فليطلبه من أراده.
وما ذكرناه هو خلاصة ما قيل في هذا الحديث، ومن أراد المزيد فليراجع
[ ٣ / ٣٤٩ ]
٦٤- «أنت ومالك لأبيك» .
«المقاصد» و«الكشف» و«اللآلئ المصنوعة» مع مؤلّف السيد أحمد الغماري رحمه الله تعالى. آمين.
٦٤- («أنت) أيّها الرجل القائل «إنّ أبي يريد أن يجتاح مالي»؛ أي:
يستأصله (ومالك لأبيك») يعني: إنّ أباك كان سببا في وجودك، ووجودك سبب وجود مالك، فإذا احتاج فله الأخذ منه بقدر الحاجة؛ كما يأخذ من مال نفسه إذا كان المأخوذ فاضلا عن حاجة الابن، ومثل الأب سائر الأصول؛ ولو من جهة الأم، ومثل الابن سائر الفروع؛ ولو من جهة البنت.
وسببه- كما في ابن ماجه عن جابر بن عبد الله- أنّ رجلا قال: يا رسول الله؛ إنّ لي مالا وولدا، وإن أبي يجتاح مالي، فذكره حملا له على برّ أبيه، وعدم عقوقه، فليس المراد إباحة ماله له حتى يستأصله بلا حاجة.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز ابن ماجه في «التجارة»؛ عن جابر بن عبد الله. قال ابن حجر الحافظ في «تخريج أحاديث الهداية»: رجاله ثقات لكن قال البزار: إنما يعرف عن هشام، عن ابن المنكدر مرسلا، وقال البيهقي: أخطأ من وصله عن جابر.
انتهى مناوي على «الجامع» .
ورمز له في «الجامع» أيضا برمز الطبراني في «الكبير» .
قال المناوي: وكذا البزار، كلاهما عن سمرة بن جندب وابن مسعود. قال الحافظ الهيثمي: ومن طريق سمرة فيه عبد الله بن إسماعيل الحوداني، قال أبو حاتم: ليّن، وبقية رجال البزار ثقات. انتهى. ومفهومه: أنّ رجال الطبراني ليسوا كذلك، ومن طريق ابن مسعود فيه إبراهيم بن عبد الحميد؛ ولم أجد من ترجمه!! وبقية رجاله ثقات. انتهى.
وقال الحافظ ابن حجر: فيه من طريق ابن مسعود هذا: معاوية بن يحيى وهو
[ ٣ / ٣٥٠ ]
ضعيف. وأما حديث سمرة، فإن العقيلي بعد تخريجه عنه قال: وفي الباب أحاديث فيها لين، وبعضها أحسن من بعض.
وقال البيهقي: روي من وجوه موصولا لا يثبت مثلها، وقال الحافظ ابن حجر في موضع آخر: قد أشار البخاري في «الصحيح» إلى تضعيف هذا الحديث.
انتهى؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» .
وقال في «كشف الخفا»: وله طرق أخرى عند البيهقي في «الدلائل»، والطبراني في «الأوسط» و«الصغير» بسند فيه المنكدر- ضعّفوه- عن جابر؛
قال: جاء رجل إلى النبي ﷺ، فقال: يا رسول الله: إنّ أبي أخذ مالي، فقال النبي ﷺ: «اذهب فأتني بأبيك»، فنزل جبريل على النبيّ ﷺ فقال: إنّ الله ﷿ يقرئك السلام؛ ويقول لك: إذا جاء الشيخ فسله عن شيء قاله في نفسه؛ ما سمعته أذناه. فلما جاء الشيخ قال له النبيّ ﷺ: «ما بال ابنك يشكوك؛ تريد أن تأخذ ماله»؟ قال: سله يا رسول الله؛ هل أنفقته إلّا على إحدى عمّاته أو خالاته؛ أو على نفسي!! فقال النبيّ ﷺ: «إيه دعنا من هذا؛ أخبرني عن شيء قلته في نفسك ما سمعته أذناك» . فقال الشيخ: والله يا رسول الله؛ ما يزال الله يزيدنا بك يقينا، لقد قلت في نفسي شيئا ما سمعته أذناي. فقال: «قل وأنا أسمع، فقال: قلت:
غذوتك مولودا ومنتك يافعا تعلّ بما أجني عليك وتنهل
إذا ليلة ضافتك بالسّقم لم أبت لسقمك إلّا ساهرا أتململ
كأنّي أنا المطروق دونك بالّذي طرقت به دوني فعينيّ تهمل
تخاف الرّدى نفسي عليك؛ وإنّها لتعلم أنّ الموت وقت مؤجّل
فلمّا بلغت السّنّ والغاية الّتي إليها مدى ما كنت فيك أؤمّل
جعلت جزائي غلظة وفظاظة كأنّك أنت المنعم المتفضّل
فليتك إذ لم ترع حقّ أبوّتي فعلت كما الجار المجاور يفعل
تراه معدّا للخلاف كأنّه بردّ على أهل الصّواب موكّل
[ ٣ / ٣٥١ ]
ويروى بدل البيت الأخير قوله:
فأوليتني حقّ الجوار فلم تكن عليّ بمال دون مالك تبخل
قال: فحينئذ أخذ النبيّ ﷺ بتلابيب ابنه؛ وقال: «أنت ومالك لأبيك» .
وذكره في «الكشاف» في تفسير سورة الإسراء بلفظ:
شكا رجل إلى رسول الله ﷺ أباه وأنّه يأخذ ماله، فدعا به فإذا شيخ يتوكّأ على عصا، فسأله فقال: إنّه كان ضعيفا وأنا قويّ، وفقيرا وأنا غنيّ، فكنت لا أمنعه شيئا من مالي، واليوم أنا ضعيف وهو قويّ وأنا فقير وهو غنيّ؛ وهو يبخل عليّ بماله.
فبكى ﵊ وقال: «ما من حجر ولا مدر يسمع هذا إلّا بكى»، ثمّ قال للولد: «أنت ومالك لأبيك» وقال مخرّجه: لم أجده.
وقال في «المقاصد» قال شيخنا: أخرجه في «معجم الصحابة» من طريق وبيّض له. قال: قلت: وكأنه رام ذكر الذي قبله.
والحديث عند البزار في «مسنده»؛ عن عمر أنّ رجلا أتى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبي يريد أن يأخذ مالي فذكره، وهو منقطع.
وأخرجه الطبراني في «معاجيمه» الثلاثة عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتى رجل إلى النبيّ ﷺ يستعدي على والده، قال: إنه أخذ منّي مالي، فقال له رسول الله ﷺ: «أما علمت أنّك ومالك من كسب أبيك» .
وأخرج ابن ماجه؛ عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال:
جاء رجل إلى النبيّ ﷺ فقال: إنّ أبي اجتاح مالي؛ قال: «أنت ومالك لأبيك، إنّ أولادكم من طيب كسبكم فكلوا من أموالكم» . وأخرجه أحمد عنه، وكذا ابن حبان عن عائشة رضي الله تعالى عنها. قال في «المقاصد»: والحديث قويّ.
[ ٣ / ٣٥٢ ]
٦٥- «أن تفعل الخير خير لك» .
٦٦- «أنزلوا النّاس منازلهم» .
٦٥- («أن تفعل الخير خير لك») «أن» حرف مصدري فهو بفتح الهمزة، أي: فعلك الخير واشتغالك به خير لك من خلافه الّذي هو الترك؛ أو الاشتغال بالشرّ، فإنّ النّفس إن لم تشغلها بالخير شغلتك بالشرّ؛ فينبغي للإنسان أن يوجّه اهتمامه إلى وجوه الخير وأعمال البرّ؛ ليكون ذلك شغلا شاغلا له عن التوجّه إلى الشّر والتفكير فيه. والحديث المذكور لم أقف على من ذكره؛ ولا من خرّجه.
٦٦- («أنزلوا) الخطاب للأئمة أو عامّ (النّاس)؛ من مسلم وكافر، وولي وصالح وعالم، وغني وفقير، وكبير وصغير وأشيب وغيره (منازلهم»)؛ أي:
احافظوا حرمة كلّ أحد على قدره، وعاملوه بما يلائم منصبه في الدين والعلم والشرف؛ فلا تسوّوا بين الخادم والمخدوم، والرئيس والمرؤوس، فإنه يورث عداوة وحقدا في النفوس؛ لأن الإكرام غذاء الآدمي، والتارك لتدبير الله في خلقه لا يستقيم حاله، وقد دبّر الله تعالى الأحوال لعباده غنى وفقرا، وعزّا وذلّا، ورفعة وضعة؛ ليبلوكم أيّكم أشكر، فالعامل عن الله يعاشر أهل دنياه على ما دبّر الله لهم، فإذا لم ينزله المنزلة الّتي أنزله الله، ولم يخالقه بخلق حسن؛ فقد استهان به وجفاه، وترك موافقة الله في تدبيره.
فالمراد بالحديث الحضّ على مراعاة مقادير النّاس ومراتبهم ومناصبهم، وتفضيل بعضهم على بعض في المجالس وفي القيام وغير ذلك من الحقوق.
فمنزلة العالم فوق منزلة الجاهل، ومنزلة الغني فوق منزلة غيره الّتي اعتادها بحيث لو ترك ذلك لأورث حقدا.
ومن ذلك قبول هديته، فينبغي عدم الردّ، إلّا إذا بلغ رتبة الزهد والورع. وإلّا إذا كانت في المعنى جعالة على قضاء حاجة، فالأولى الردّ صونا للمروءة، وبعضهم حرّمها إذا كانت بهذه الصّفة.
[ ٣ / ٣٥٣ ]
فإذا سوّيت بين شريف ووضيع وغنيّ وفقير في مجلس أو عطية؛ كان ما أفسدت أكثر ممّا أصلحت.
فالغنيّ إذا أقصيت مجلسه، أو حقرت هديته يحقد عليك، لما أنّ الله تعالى لم يعوّده ذلك، وإذا عاملت الولاة بما عاملت به الرّعية؛ فقد عرّضت نفسك للبلاء.
وقد عدّ العسكري هذا الحديث من الأمثال والحكم، وقال: هذا ممّا أدّب به المصطفى ﷺ أمته من إيفاء الناس حقوقهم؛ من تعظيم العلماء والأولياء، وإكرام ذي الشيبة المسلم، وإجلال الكبير وما أشبهه.
انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث رواه مسلم تعليقا في مقدمة «صحيحه» فقال: ويذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم. ووصله أبو نعيم في «المستخرج» وأبو داود، وابن خزيمة، والبزار، وأبو يعلى، والبيهقي في «الأدب»، والعسكري في «الأمثال» وغيرهم من حديث ميمون بن أبي شبيب أنه قال:
جاء سائل إلى عائشة رضي الله تعالى عنها فأمرت له بكسرة، وجاء رجل ذو هيئة فأقعدته معها، فقيل لها: لم فعلت ذلك؟ قالت: أمرنا رسول الله ﷺ أن ننزل الناس منازلهم.
قال في «اللآلئ»: وأعلّه أبو داود بأن ميمونا لم يدرك عائشة، وردّ عليه بأن ميمونا هذا كوفي قديم أدرك المغيرة، والمغيرة مات قبل عائشة، ومجرّد المعاصرة كاف عند مسلم، وقد حكم الحاكم بصحّته، وتبعه ابن الصلاح في «علومه» .
انتهى ما في «اللآلئ» .
ورواه أبو نعيم في «الحلية» بلفظ: إن عائشة كانت في سفر فأمرت لناس من قريش بغداء؛ فمرّ رجل غنيّ ذو هيئة؛ فقالت: ادعوه فنزل، فأكل ومضى، وجاء
[ ٣ / ٣٥٤ ]
٦٧- «انظري أين أنت منه، فإنّما هو جنّتك ونارك»؛ يعني:
الزّوج.
سائل فأمرت له بكسرة. فقالت: إن هذا الغنيّ لم يجمل بنا إلّا ما صنعنا به، وإن هذا السائل سأل فأمرت له بما يترضاه، وإن رسول الله ﷺ أمرنا أن ننزل الناس منازلهم.
ولفظ أبي داود: أنزلوا الناس منازلهم. وقد صحّحه الحاكم وغيره.
قال في «المقاصد»: تعقّب بالانقطاع، وبالاختلاف في رفعه ووقفه كما بسطت ذلك في أول ترجمة شيخنا مع الإلمام بمعناه.
وورد عن غير عائشة أيضا:
١- كمعاذ، فروى حديثه مرفوعا الخرائطي في «مكارم الأخلاق» بلفظ:
«أنزل الناس منازلهم من الخير والشرّ، وأحسن أدبهم على الأخلاق الصّالحة» .
و٢- كجابر، فروى حديثه مرفوعا في «جزء» الغسولي بلفظ: «جالسوا الناس على قدر أحسابهم، وخالطوا الناس على قدر أديانهم، وأنزلوا الناس على قدر منازلهم، وداروا الناس بعقولكم» .
و٣- كعليّ، فروى حديثه موقوفا في «تذكرة الغافل» بلفظ: «من أنزل الناس منازلهم رفع المؤونة عن نفسه، ومن رفع أخاه فوق قدره فقد اجترّ عداوته» .
وبالجملة فحديث عائشة حسن، وقال في «التمييز»: وذكره الحاكم أبو عبد الله في كتابه «معرفة علوم الحديث» وقال: حديث صحيح.
انتهى من «كشف الخفا» للعجلوني رحمه الله تعالى.
٦٧- («انظري)؛ أي: تأملي أيتها المرأة الّتي هي ذات بعل (أين أنت منه)؛ أي: في أي منزلة أنت من زوجك!! أقريبة من مودته؛ مسعفة له عند شدّته، ملبية لدعوته، أم متباعدة من مرامه؛ كافرة لعشرته وإنعامه؟!
(فإنّما هو)؛ أي الزوج (جنّتك ونارك» . يعني: الزّوج) أي: هو سبب
[ ٣ / ٣٥٥ ]
٦٨- «أنهاكم عن قيل، وقال،
لدخولك الجنّة برضاه عنك، وسبب لدخولك النار بسخطه عليك، فاعرفي حقّه وأحسني عشرته، ولا تخالفي أمره فيما ليس بمعصية، وهذا قاله النبي ﷺ للمرأة الّتي جاءت تسأله عن شيء؛ فقال: «أذات زوج أنت»؟ قالت: نعم، قال:
«كيف أنت منه؟!» قالت: لا آلوه إلّا ما عجزت عنه. فذكر الحديث.
وأخذ الذهبي من هذا الحديث ونحوه أنّ النشوز كبيرة.
والحديث رواه النسائي من طريقين، وعزاه له جمع جمّ؛ منهم الذهبي في «الكبائر»، ولفظه: قالت عمة حصين وذكرت زوجها للنبيّ ﷺ فقال:
«أين أنت منه! فإنّه جنّتك ونارك» أخرجه الذهبي من وجهين؛ نقله المناوي.
وذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز الطبراني في «الكبير» وابن سعد في «الطبقات» كلاهما عن عمة حصين- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين مصغرا-:
ابن محصن- بكسر الميم وسكون المهملة وفتح الصاد-. وفي العزيزي قال الشيخ:
حديث صحيح.
٦٨- («أنهاكم عن قيل وقال) قال في «شرح مسلم»: هو الخوض في أخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم.
وقال في «رياض الصالحين»: معناه: الحديث بكلّ ما يسمعه فيقول «قيل كذا»، و«قال فلان كذا» ممّا لا يعلم صحته ولا يظنّها، و«كفى بالمرء إثما أن يحدّث بكلّ ما سمع» . انتهى.
وقال في «شرح مسلم»: واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين:
أحدهما: أنهما فعلان، ف «قيل»: مبنيّ لما لم يسمّ فاعله، و«قال»: فعل ماض.
والثاني: أنهما [«قيل وقال»] اسمان مجروران منوّنان؛ لأن القيل والقال والقول والقالة؛ كلّه بمعنى، ومنه قوله وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢) [النساء] ومنه
[ ٣ / ٣٥٦ ]
وكثرة السّؤال» .
قولهم: كثرة القيل والقال. انتهى.
(وكثرة السّؤال») قال في «شرح مسلم»: قيل المراد به القطع في المسائل والإكثار من السؤال عمّا لم يقع ولا تدعو إليه حاجة.
وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنّهي عن ذلك، وكان السّلف يكرهون ذلك ويرونه من التكلّف المنهيّ عنه.
وفي «الصحيح»: كره رسول الله ﷺ المسائل وعابها.
وقيل: المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم، وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة السؤال عن أخبار الناس وأحداث الزمان وما لا يعني الإنسان، وهذا ضعيف، لأنّه قد عرف هذا من النهي عن قيل وقال.
وقيل: يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره فيدخل في ذلك سؤاله عما لا يعنيه ويتضمّن ذلك حصول الحرج في حقّ المسؤول، فإنّه قد لا يؤثر إخباره بأحواله، فإن أخبره شقّ عليه، وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقّة، وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب. انتهى.
قال في «دليل الفالحين»: والأولى حمل السؤال في الخبر على ما يعمّ الجميع، وذلك لأنّه اسم جنس محلّى ب «أل» فيعمّ، أمّا سؤال المال للغير!! فالظاهر اختلافه باختلاف الأحوال، ولنفسه لحاجة فلا كراهة؛ بشرط عدم الإلحاح، وذلّ نفسه زيادة على ذلّ السؤال والمسؤول؛ فإن فقد شرط حرم. انتهى ملخصا.
والحديث ذكره بهذا اللفظ في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي يعلى الموصلي، وأخرجه الشيخان: البخاري في ثلاثة مواضع: «الزكاة والاستقراض والأدب»، ومسلم في «الأحكام»؛
[ ٣ / ٣٥٧ ]
٦٩- «ألا لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» .
عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ قال: «إنّ الله تعالى حرّم عليكم عقوق الأمهات، ومنعا، وهات، ووأد البنات، وكره لكم: قيل، وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال» وهذا لفظ البخاري في «الأدب» .
٦٩- («ألا لا طاعة) خبر بمعنى النهي (لمخلوق) من المخلوقين كائنا من كان ولو أبا أو أما أو زوجا (في معصية الخالق») بل كلّ حقّ؛ وإن عظم، ساقط إذا جاء حقّ الله، إنّما الطّاعة فيما رضيه الشارع واستحسنه، فإذا أمر الإمام بمعصية فلا سمع ولا طاعة.
قال مسلمة بن عبد الملك لأبي حازم: ألستم أمرتم بطاعتنا بقوله تعالى وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ [٥٩/ النساء] قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله تعالى فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [٥٩/ النساء] . قال ابن الأثير: يريد طاعة ولاة الأمور إذا أمروا بما فيه إثم كقتل ونحوه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» باللفظ الذي أورده المصنف.
ورواه الإمام أحمد، والحاكم عن عمران بن الحصين، وعن الحكم بن عمرو الغفاري رضي الله تعالى عنهم بلفظ: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» قال الحافظ الهيثمي: ورجال أحمد رجال الصحيح. وقال في العزيزي: إسناده حسن.
ورواه البغوي عن النوّاس، وابن حبان عن عليّ بلفظ: «لا طاعة لبشر في معصية الله» ورواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عن علي رضي الله تعالى عنه بلفظ «لا طاعة لأحد في معصية الله »، إنما الطّاعة في المعروف» .
وروى الإمام أحمد عن أنس رضي الله تعالى عنه في رواية: «لا طاعة لمن لم يطع الله» . وفي رواية لأحمد أيضا: «لا طاعة لمن عصى الله» . قال الحافظ
[ ٣ / ٣٥٨ ]
٧٠- «الإسلام حسن الخلق» .
الهيثمي: فيه عمرو بن زبيب لم أعرفه! وبقية رجال أحمد رجال الصحيح، وقال ابن حجر: سنده قوي. انتهى كلام المناوي على «الجامع» .
٧٠- («الإسلام) الكامل (حسن الخلق)؛ الذي يرجع حسنه إلى اعتدال قوّة العقل بكمال الحكمة، وإلى اعتدال القوّة الغضبيّة والشهويّة، وإطاعة كلّ منهما للعقل مع الشرع.
ثمّ هذا الاعتدال إمّا أن يكون بجود إلهي وكمال فطري، وإمّا أن يكون باكتساب أسبابه من المجاهدة والرياضة؛ بأن يحمل نفسه على كلّ عمل يوجب حسن خلقها ويضادّ سوء طويّتها، إذ هي لا تألف ربّها ولا تأنس بذكره؛ إلّا إذا فطمت عن عاداتها وحفظت عن شهواتها بالخلوة والعزلة أوّلا، ليحفظ السمع والبصر عن المألوفات، ثمّ بإدمان الذكر والدعاء في تلك الخلوة إلى أن يغلب عليه الأنس بالله وبذكره؛ فحينئذ يتنعّم به في نهايته؛ وإن شق عليه في بدايته. وربمّا ظنّ من جاهد نفسه أدنى مجاهدة بترك فواحش المعاصي أنه قد هذّبها وحسّن خلقها؛ وأنى له بذلك؛ ولم توجد فيه صفات الكاملين ولا أخلاق المؤمنين!!
قال الله تعالى إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيمانًا إلى أن قال: أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا [٢- ٤/ الأنفال] .
وقال تعالى قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خاشِعُونَ (٢) إلى أن قال:
أُولئِكَ هُمُ الْوارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيها خالِدُونَ (١١) [المؤمنون] .
وقال تعالى التَّائِبُونَ الْعابِدُونَ إلى قوله: وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٢) [التوبة] .
وقال ﷿ وَعِبادُ الرَّحْمنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا [٦٢/ الفرقان] إلى آخر السورة.
فمن أشكل عليه حال نفسه فليعرضها على هذه الآيات ونظائرها، فوجود جميع
[ ٣ / ٣٥٩ ]
هذه الصفات علامة حسن الخلق، وفقد جميعها علامة سوء الخلق الذي هو أصل لكثير من المعاصي والذنوب، ووجود البعض يدلّ على البعض.
وقد أشار ﷺ إلى مجامع محاسن الأخلاق؛ بقوله:
«المؤمن يحبّ لأخيه ما يحبّ لنفسه»، وبأمره بإكرام الضيف والجار.
وبأن المؤمن إمّا أن يقول خيرا أو يصمت.
وبما جاء: «إذا رأيتم المؤمن صموتا وقورا فادنوا منه فإنه يلقي الحكمة» .
«لا يحلّ لمسلم أن يشير إلى أخيه بنظر يؤذيه» .
«لا يحل لمسلم أن يروّع مسلما» .
«إنما يتجالس المتجالسان بأمانة الله، فلا يحل لأحدهما أن يفشي على أخيه ما يكره» .
وجمع بعضهم علامات حسن الخلق فقال: أن يكون كثير الحياء، قليل الأذى، كثير الصلاح، صدوق اللسان، قليل الكلام، كثير العمل، قليل الفضول، قليل الزلل، وهو برّ، وصول، وقور، صبور، رضيّ، شكور، حليم، رفيق، عفيف، شفيق، لا لمّاز، ولا سبّاب، ولا نمّام، ولا مغتاب، ولا عجول، ولا حقود، ولا بخيل، ولا حسود، هشاش بشاش، يحب في الله؛ ويبغض في الله، ويرضى في الله؛ ويغضب في الله.
فهذا هو حسن الخلق وفقنا الله تعالى للتحلّي بمعاليه، وأدام علينا سوابغ أفضاله، وموانح قربه، والاندراج في سلك أوليائه وأحبابه ومواليه. آمين. قاله ابن حجر في «الزواجر» رحمه الله تعالى.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
[ ٣ / ٣٦٠ ]
٧١- «الإسلام يجبّ ما قبله، والهجرة تجبّ ما قبلها» .
٧١- («الإسلام يجبّ) - بفتح المثناة التحتية وضم الجيم- (ما قبله) من الكفر والمعاصي وما يترتب عليهما من حقوق الله تعالى؛ أي: يقطع ذلك ويمحو أثره، أما حقّ الآدمي فلا يسقط، وظاهر الخبر أن مجرّد الإسلام مكفّر للسوابق، سواء أساء أو أحسن بعد.
وأمّا خبر: «من أحسن في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر» !! فوارد على منهج التحذير. انتهى مناوي ٣/ ٧٧؛ على «الجامع» .
(والهجرة)؛ أي: الانتقال من أرض الكفر إلى بلاد الإسلام (تجبّ) بالمثناة الفوقية والجيم- أي: تمحو (ما قبلها») من الخطايا المتعلقة بحقّ الله تعالى من العقوبات، أمّا الحقّ الماليّ؛ كزكاة، وكفارة يمين! ففي سقوطها خلاف بين العلماء.
والمراد بالهجرة: ما كان قبل الفتح. وفيه: عظم موقع كلّ واحد من الخصلتين. وفي تكرير «يجبّ» في كلّ منهما دلالة على أن كلّ واحد منهما يكفّر بمفرده؛ قاله المناوي.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» بهذا اللفظ مرموزا له برمز الطبراني.
وذكره العجلوني في «كشف الخفا» بلفظ: «الإسلام يجبّ ما قبله»، وقال: رواه ابن سعد في «طبقاته» عن الزبير، وجبير بن مطعم.
ورواه الإمام أحمد والطبراني عن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه.
انتهى.
ونحو ذلك في «الجامع الصغير» والمناوي.
وأخرجه مسلم في «صحيحه» في كتاب «الإيمان» من حديث ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاصي وهو في سياقة الموت؛ فبكى طويلا
[ ٣ / ٣٦١ ]
٧٢- «الإسلام يعلو ولا يعلى» .
وحول وجهه إلى الجدار فجعل ولده يقول: يا أبتاه، أما بشرك رسول الله ﷺ بكذا! أما بشرك بكذا! فأقبل بوجهه؛ فقال: إنّ أفضل ما نعدّ شهادة (ألاإله إلّا الله وأن محمدا رسول الله) إني كنت على أطباق ثلاث؛ لقد رأيتني وما أحد أشدّ بغضا للمصطفى ﷺ منّي، ولا أحبّ إليّ أن أكون استمكنت منه فقتلته؛ فلو متّ على ذلك كنت من أهل النار؛ فلما جعل الله في قلبي الإسلام أتيته؛ فقلت: ابسط يمينك أبايعك؛ فبسطها، فقبضت يدي، قال: «ما لك»؟
قلت: أشترط. قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن يغفر لي، فقال: «أما علمت أنّ الإسلام يهدم ما كان قبله، وأنّ الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأنّ الحجّ يهدم ما كان قبله»، فما كان أحد أحبّ إليّ ولا أجلّ في عيني منه، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه؛ إجلالا له، ولو سئلت أن أصفه ما أطقت، ولو متّ على تلك الحالة رجوت أن أكون من أهل الجنة. ثمّ ولّينا أشياء ما أدري حالي فيها!!. انتهى.
٧٢- («الإسلام يعلو ولا يعلى) عليه. قال البيهقي: قال قتادة: يعني: إذا أسلم أحد أبوين فالولد مع المسلم، فلا يتبع الفرع أحد أبويه الكافر؛ بل المسلم، فالعلوّ في نفس الإسلام.
وقال ابن حزم: معناه إذا أسلمت يهودية أو نصرانية تحت كافر يفرّق بينهما، ويحتمل العلو بحسب الحجّة، أو بحسب النصرة في العاقبة، فإنها للمسلمين.
انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» وفي «كشف الخفاء» وقالا: رواه الدارقطني والضياء في «المختارة»، والخليلي في «فوائده»، والروياني كلّهم عن عائذ بن عمرو المزني رفعه. ورواه الطبراني في «الصغير»، والبيهقي في «الدلائل» عن معاذ رفعه. وعلّقه البخاري في «صحيحه» .
[ ٣ / ٣٦٢ ]
٧٣- «إيّاك ودعوة المظلوم» .
والمشهور على الألسنة زيادة: «عليه» آخرا، بل هي رواية الإمام أحمد، والمشهور أيضا على الألسنة: «الحقّ يعلو ولا يعلى عليه» . قال ابن حجر:
وسنده ضعيف. انتهى.
٧٣- («إيّاك) - منصوب بفعل مضمر لا يجوز إظهاره- من قبيل قولهم: إياك والأسد، وتقديره هنا: باعد نفسك (ودعوة) - بفتح الدال-: المرّة من الدعاء؛ أي: احذر الظلم لئلا يدعو عليك.
(المظلوم»)؛ أي: من ظلمته بأيّ وجه كان من نحو استيلاء على ما يستحقه، أو إيذاء له. فأقام المسبب الذي هو الدعاء مقام السبب الذي هو الظلم.
وخلاصك من الظلم بأن تردّ إليه حقّه، أو تمكّنه من استيفائه، فإنك إن ظلمته ودعا عليك استجيب له؛ وإن كان عاصيا مجاهرا، لأنّه إنما يسأل الله حقّه الواجب على خصمه. وربّ العالمين لا يمنع صاحب حقّ من حقّه لأنّه الحاكم العادل.
نعم ورد أنّ الله ﷾: يرضي خصوم بعض عباده بما شاء.
وفي خبر رواه ابن لال والديلمي وغيرهما: أنّ في صحف إبراهيم: أيها الملك المسلّط المبتلى المغرور؛ إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها لبعض، لكن بعثتك لتردّ عني دعوة المظلوم؛ فإني لا أردّها؛ ولو كانت من كافر.
وقال عمر بن عبد العزيز: إنّ الله يأخذ للمظلوم حقّه من الظّالم، فإيّاك أن تظلم من لا ينتصر عليك إلّا بالله تعالى، فإنه تعالى إذا علم التجاء عبده بصدق واضطرار انتصر له ولا بدّ! أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذا دَعاهُ [٦٢/ النمل] انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «إياكم ودعوة المظلوم؛ وإن كانت من كافر، فإنها ليس لها حجاب دون الله ﷿» أخرجه سمويه عن أنس
[ ٣ / ٣٦٣ ]
رضي الله تعالى عنه.
قال المناوي: وله شواهد كثيرة سبقت؛ ويجيء كثير منها.
وذكره في «الجامع» بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم؛ فإنّما يسأل الله تعالى حقّه، وإنّ الله تعالى لن يمنع ذا حقّ حقّه» . ورمز له برمز الخطيب عن عليّ أمير المؤمنين، وهو حديث ضعيف.
وذكره العجلوني في «الكشف» بلفظ: «اتّقوا دعوة المظلوم» وقال: رواه أحمد وأبو يعلى عن أنس مرفوعا؛ بزيادة: «وإن كانت من كافر، فإنّه ليس بينها وبين الله تعالى حجاب» .
ورواه الطبراني عن خزيمة رفعه بزيادة: فإنها تحمل على الغمام، ويقول الله ﷻ: «وعزّتي وجلالي لأنصرنّك ولو بعد حين» .
ورواه الحاكم وقال: إنّه على شرط مسلم، والضياء في «المختارة» عن ابن عمر مرفوعا بزيادة: «فإنها تصعد إلى السماء كأنّها الشّرار» .
ورواه الحاكم عن ابن عمر بلفظ: «اتّقوا دعوة المظلوم فإنّها تصعد إلى السماء كأنّها شرارة» .
ورواه أبو يعلى عن أبي سعيد مرفوعا بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم؛ فإنّه ليس بينها وبين الله تعالى حجاب» . واتفق عليه الشيخان بهذا اللفظ عن ابن عباس مرفوعا.
ورواه الخطيب عن عليّ بلفظ: «اتّق دعوة المظلوم فإنّما يسأل الله حقّه، وإنّ الله لم يمنع ذا حقّ حقّه» انتهى كلام العجلوني.
وذكره أيضا في موضع آخر بلفظ: «اتّقوا الظّلم فإنّه ظلمات يوم القيامة»، وقال: رواه الإمام أحمد، والطبراني، وابن ماجه عن ابن عمر.
وأخرجه أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، ومسلم عن جابر بزيادة:
[ ٣ / ٣٦٤ ]
٧٤- «إيّاك وقرين السّوء، فإنّك به تعرف» .
٧٥- «إيّاك والخيانة،
«واتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلّوا محارمهم» . انتهى.
وقد ألّف العلامة القاضي محمد بن أحمد مشحم اليمانيّ الصّعديّ كتاب:
«تحذير الظّلوم من سهام دعوات المظلوم» . رسالة مطوّلة جمع فيها كثيرا من الأحاديث المتعلقة بالتحذير من الظّلم مع ذكر حكايات وأشعار تتعلق بذلك، وهي مخطوطة لم تطبع.
٧٤- («إيّاك وقرين السّوء) - بالفتح-: مصدر (فإنّك به تعرف») أي:
تشتهر بما اشتهر من السوء. قال تعالى وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطانُ لَهُ قَرِينًا فَساءَ قَرِينًا (٣٨) [النساء] .
ومن ثمّ قالوا: الإنسان موسوم بسيما من يقارن، ومنسوب إليه أفاعيل من صاحب؛ أي: فإن صاحب الفاجر كان دليلا على فجوره، وعكسه بعكسه.
وقال أمير المؤمنين عليّ كرم الله وجهه: الصاحب مناسب. ما شيء أدلّ على شيء؛ ولا الدخان على النار من الصاحب على الصاحب.
وقال بعض الحكماء: اعرف أخاك بأخيه قبلك، وقال آخر: يظنّ بالمرء ما يظنّ بقرينه.
عن المرء لا تسأل وسل عن قرينه فكلّ قرين بالمقارن يقتدي
ومقصود الحديث: التحرّز من أخلاق السوء، وتجنّب صحبة أهل الرّيب؛ ليكون موفر العرض سليما من العيب؛ فلا يلام بلائمة غيره.
والحديث أخرجه ابن عساكر في «التاريخ»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قاله في «الجامع» مع المناوي. وفي العزيزي: إنه حديث ضعيف. والله أعلم.
٧٥- («إيّاك والخيانة)؛ أي: خيانة الغير؛ كالخيانة في الوديعة، وخيانة
[ ٣ / ٣٦٥ ]
فإنّها بئست البطانة» .
٧٦- «إيّاك وما يسوء الأذن» .
النفس كأن لا تمتثل المأمورات، وكأن لا تجتنب المنهيات؛ قاله الحفني.
والخيانة: تكون في المال والنفس والعدد والكيل والوزن والزرع وغير ذلك. وفي العزيزي: قال بعضهم: أصل الخيانة أن يؤتمن الرجل على شيء فلا يؤدّي الأمانة فيه.
قال أبو عبيد: لا نراه خصّ به الأمانة في أمانات الناس؛ دون ما افترض الله على عباده وائتمنهم، فإنه قد سمّى ذلك أمانة؛ فقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَماناتِكُمْ [٢٧/ الأنفال] فمن ضيّع شيئا ممّا أمر الله به، أو ارتكب شيئا ممّا نهى الله عنه؛ فقد خان نفسه، إذ جلب إليها الذمّ في الدّنيا والعقاب في الآخرة. انتهى.
(فإنّها بئست البطانة») - بالكسر-؛ أي: بئس الشيء الذي يستبطنه من أمره ويجعله بطانة.
قال في «المغرب»: بطانة الرجل أهله وخاصّته؛ مستعار من بطانة الثوب.
وقال الراغب: تستعار البطانة لمن تخصّه بالاطلاع على باطن أمرك.
وقال القاضي: البطانة أصلها في الثوب؛ فاستعيرت لما يستبطن الرجل من أمره ويجعله بطانة حاله؛ قاله المناوي.
وقال الحفني: البطانة في الأصل: الثوب الملاصق للجسد، والجهة التي لا تلاصقه تسمّى ظهارة، فاستعيرت لكلّ شيء ملازم، يقال: بطانة الرجل أهله وعياله، والمراد هنا الصّفة الملازمة للشخص. انتهى.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطبراني.
٧٦- («إيّاك) - بكسر الكاف-: خطاب لامرأة (وما يسوء الأذن») قال ذلك
[ ٣ / ٣٦٦ ]
ثلاثا، وهو نهي عن الغيبة؛ أي: احذري النطق بكلام يسوء غيرك؛ إذا سمعه عنك، فإنّه موجب للتنافر والعداوة.
والحديث أخرجه الإمام أحمد عن أبي الغادية- بغين معجمة-؛ قال: خرجت أنا وحبيب بن الحارث وأم العلاء؛ مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فأسلمنا، فقالت المرأة: أوصني فذكره.
وأخرجه أبو نعيم في «المعرفة»؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي؛ عن العاصي بن عمرو الطفاوي، عن حبيب بن الحارث، قلت: يا رسول الله أوصني فذكره.
قال في «الإصابة»: والعاصي مجهول.
وأخرجه الطبراني في «الكبير» عن عمّه العاصي بن عمرو الطفاوي، قال:
حدثتني عمّتي؛ قالت: دخلت مع ناس على النبيّ ﷺ قلت: حدّثني حديثا ينفعني الله به فذكره. قال الهيثمي: فيه العاصي بن عمرو الطفاوي؛ وهو مستور، روى عنه محمد بن عبد الرحمن الطّفاوي وتمّام بن السريع، وبقية رجال المسند رجال الصحيح. انتهى.
وقال السخاوي: هذا مرسل، فالعاصي لا صحبة له، وقال شيخي «يعني ابن حجر»: مجهول، لكن ذكره ابن حبان في «الثقات» . انتهى.
ولذلك لم يذكره الذهبي في «الصّحابة» !! انتهى مناوي.
وفي «الكشف»: إنّه رواه عبد الله بن أحمد في «زوائده»؛ من طريق محمد بن عبد الرحمن الطفاوي قال: سمعت العاصي قال: خرج أبو الغادية وحبيب بن الحارث وأم الغادية مهاجرين إلى رسول الله ﷺ فأسلموا، فقالت المرأة: أوصني يا رسول الله؛ قال: «إيّاك وما يسوء الأذن» وهو مرسل، إذ العاصي لا صحبة له.
[ ٣ / ٣٦٧ ]
٧٧- «إيّاكم وخضراء الدّمن؛ المرأة الحسناء في المنبت السّوء» .
وأخرجه ابن منده في «المعرفة»، والخطيب في «المؤتلف» عن العاصي، عن عمّته «أم غادية» قالت: خرجت مع رهط من قومي إلى النبيّ ﷺ فلما أردت الانصراف؛ قلت: يا رسول الله أوصني. قال: «إياك وما يسوء الأذن» . انتهى ملخصا.
٧٧- («إيّاكم وخضراء الدّمن) - بكسر الدال المهملة، وفتح الميم- جمع:
دمنة، مثل سدر وسدرة، وهي البعر؛ أي: احذروا المرأة الحسناء ومنبتها سوء؛ كالشجرة الخضراء النابتة في الزبل.
ومعناه: أنه كره نكاح ذات الفساد في أصلها، فإن أعراق السّوء تنزع أولادها؛ أي: لشبههم بها. وتفسير حقيقته: أنّ الريح يجمع الدّمن؛ وهي البعر في البقعة من الأرض، ثم يركبه الساقي فإذا أصابه المطر أنبت نباتا غضّا ناعما يهتزّ، وتحته الأصل الخبيث، فيكون ظاهره حسنا؛ وباطنه قبيحا فاسدا. قال الشاعر:
وقد ينبت المرعى على دمن الثّرى وتبقى حزازات النّفوس كما هيا
ومعنى البيت: أن الرجلين قد يظهران الصلح أو المودة وينطويان على البغضاء والعداوة؛ كما ينبت المرعى على الدّمن. وهذا أكثريّ، أو كلّيّ- في زماننا-، والله المستعان.
والحديث رواه الدارقطني في «الأفراد»، والرامهرمزي والعسكري كلاهما في «الأمثال»، وابن عدي في «الكامل»، والقضاعي في «مسند الشهاب» وأبو بكر بن دريد في «المجتنى»، والخطيب في «إيضاح الملتبس»، والديلمي في «الفردوس»: كلّهم من حديث الواقدي؛ قال: حدثنا يحيى بن سعيد بن دينار، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري مرفوعا باللفظ المزبور مع زيادة: قيل: يا رسول الله؛ وماذا؟ قال:
(«المرأة الحسناء) الجميلة (في المنبت) - بالميم- (السّوء») قال ابن عدي:
[ ٣ / ٣٦٨ ]
٧٨- «الإيمان نصفان؛ فنصف في الشّكر، ونصف في الصّبر» .
تفرّد به الواقدي وهو متروك، وذكره أبو عبيد في «الغريب»، وقال الدارقطني:
لا يصح من وجه.
٧٨- («الإيمان نصفان؛ فنصف في الشّكر) أي: العمل بالطاعة (ونصف في الصّبر») عن المحارم. والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال المناوي: وفيه يزيد الرّقاشي، قال الذهبي وغيره: متروك، ورواه القضاعي بهذا اللفظ، وذكر بعض شرّاحه أنه حسن. انتهى كلام المناوي.
[ ٣ / ٣٦٩ ]
[(حرف الباء)]
(حرف الباء) ٧٩- «البرّ حسن الخلق، والإثم ما حاك في صدرك
(حرف الباء) أي: هذا باب الأحاديث التي أولها حرف الباء الموحدة.
٧٩- («البرّ) - بكسر الموحدة-؛ أي: الفعل المرضي الذي هو في تزكية النفس كالبرّ في تغذية البدن، أي: معظم البرّ (حسن الخلق) - بضم اللام-:
فالحصر مجازيّ، وضدّه الفجور، والإثم، ولذا قابله به، والبرّ بهذا المعنى عبارة عما اقتضاه الشارع؛ وجوبا أو ندبا، والإثم ما ينهى عنه، وتارة يقابل البرّ بالعقوق فيكون هو الإحسان، والعقوق الإساءة.
وأمّا حسن الخلق! فهو التخلّق مع الحقّ والخلق، والمراد هنا المعروف، وهو طلاقة الوجه، وكفّ الأذى، وبذل الندى، وأن يحبّ للناس ما يحب لنفسه، وهذا راجع لتفسير البعض له بأنه الإنصاف في المعاملة والرفق في المجادلة، والعدل في الأحكام، والإحسان في العسر واليسر إلى غير ذلك من الخصال الحميدة.
قال النووي: قال العلماء: البرّ يكون بمعنى الصلة، وبمعنى الصدق، وبمعنى اللّطف، والمبرة وحسن الصحبة والعشرة، وبمعنى الطاعة، وهذه الأمور هي مجامع حسن الخلق. انتهى.
ففعل أنواع الخير ناشئ عن حسن الخلق، وفعل الشرور يدلّ على سوء الخلق وعدم استقامة الطبيعة. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
(والإثم ما حاك) - بحاء مهملة وكاف- (في صدرك)؛ أي: تحرّك فيه وتردّد، ولم ينشرح له الصدر، وحصل في القلب منه الشكّ وخوف كونه ذنبا.
[ ٣ / ٣٧٠ ]
وكرهت أن يطّلع عليه النّاس» .
٨٠- «برّوا آباءكم.. تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا.. تعفّ
(وكرهت أن يطّلع عليه النّاس»)؛ أي: أماثلهم الذين يستحيا منهم كالعلماء والصلحاء، بخلاف من لا يبالى باطلاعهم، والمراد بالكراهة هنا الدينية الخارمة، فخرج العادية؛ كمن يكره أن يرى آكلا لنحو حياء أو بخل، وغير الخارمة؛ كمن يكره أن يركب بين مشاة لنحو تواضع.
وإنما كان التأثير في النفس علامة للإثم!! لأنه لا يصدر إلّا لشعورها بسوء عاقبته.
وظاهر الخبر أن مجرّد خطور المعصية إثم لوجود الدلالة ولا مخصص، وذا من جوامع الكلم. لأن البرّ كلمة جامعة لكلّ خير، والإثم جامع للشرّ. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، ومسلم في «الأدب»، والترمذي في «الزهد»؛ عن النّوّاس بن سمعان رضي الله تعالى عنه قال: سأل رجل رسول الله ﷺ عن الإثم والبر فذكره. واستدركه الحاكم فوهم، وعجيب ذهول الذهبي عنه في اختصاره.
٨٠- («برّوا آباءكم)؛ أي: وأمهاتكم، وكأنّه اكتفى به عنه من قبيل سَرابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ [٨١/ النحل]، أو أراد بالآباء ما يشمل الأمهات تغليبا؛ كالأبوين
فإنكم إن فعلتم ذلك (تبرّكم) - بفتح الموحدة- (أبناؤكم)؛ أي: وبناتكم، و«كما تدين تدان» . عن ثابت البناني قال: رأيت رجلا يضرب أباه في موضع؛ فقيل له ما هذا؟ فقال الأب: خلّوا عنه، فإني كنت أضرب أبي في هذا الموضع؛ فابتليت بابن يضربني في هذا الموضع.
(وعفّوا) - بكسر العين المهملة-: من عفّ يعفّ من «باب ضرب»، يقال:
عفّ عن كذا فهو لازم؛ أي: لا تزنوا بنساء الغير (تعفّ) - بكسر العين- قال
[ ٣ / ٣٧١ ]
نساؤكم» .
البرماوي في (شرحه على «لامية ابن مالك»): والحاصل: أنّ مضارع المضاعف اللازم: الكسر، والمتعدي: الضم، وما سمع من المضموم في الأول نادر، وما سمع من المكسور في الثاني نادر؛ فيحفظ في كلّ منهما ولا يقاس عليه.
(نساؤكم») أي: حلائلكم عن الرجال الأجانب؛ أي لا يزنين.
قال الراغب: دخلت امرأة يزيد بن معاوية وهو يغتسل؛ فقالت: ما هذا!؟
قال: جلدت عميرة «١»، ثم دخل وهي تغتسل، فقال: ما هذا؟ قالت: جلدني زوج عميرة. انتهى «مناوي» .
والحديث رواه الطبراني في «الأوسط» عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما. وقال المنذري: إسناده حسن، وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح غير شيخ الطبراني أحمد «غير منسوب» !! والظاهر أنّه من المتكثرين من شيوخه؛ فلذلك لم ينسبه. انتهى.
وبالغ ابن الجوزي فجعله موضوعا.
وأخرجه الطبراني في «الكبير»، والخطيب في «التاريخ»، والحاكم في «المستدرك»: كلّهم من طريق علي بن قتيبة عن مالك، عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله تعالى عنه بلفظ: «برّوا آباءكم تبرّكم أبناؤكم، وعفّوا عن النّساء تعفّ نساؤكم، ومن تنصّل إليه فلم يقبل؛ فلن يرد عليّ الحوض» . قال الحاكم:
صحيح. وقال ابن الجوزي: موضوع، لأن عليّ بن قتيبة يروي عن الثقات البواطيل. انتهى.
وتعقبه السيوطي بأن له شاهدا. انتهى، وأورده في «الميزان» في ترجمة عليّ بن قتيبة الرفاعي وقال: قال ابن عدي: له أحاديث باطلة عن مالك، ثم أورده في هذا الخبر. انتهى مناوي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) هو اسم لفرج الرجل. والمراد الاستمناء بالكف. وكذا يحمل خبرها بعده. (عبد الجليل) .
[ ٣ / ٣٧٢ ]
٨١- «بعثت بمداراة النّاس» .
٨٢- «البلاء موكّل بالمنطق» .
٨١- («بعثت بمداراة) - بلا همز- (النّاس»): كلين الكلام، وخفض الجناح، وترك الإغلاظ عليهم، والقيام لمن يحصل له حقد إذا لم يقم له، وذلك من أسباب الألفة واجتماع الكلمة وانتظام الأمر، ولهذا قيل: من لانت كلمته وجبت محبته، وحسنت أحدوثته، وظمئت القلوب إلى لقائه، وتنافست في مودته.
والمداراة: تجمع الأهواء المتفرقة، وتؤلّف الآراء المتشتتة، وهي غير المداهنة المنهيّ عنها.
والفرق بينهما: أن المداراة بذل الدنيا لسلامة الدين، والمداهنة: بذل الدين لأجل الدنيا، وهي محرمة؛ والمداراة مطلوبة؛ لأنّها من أخلاق المؤمنين. ولذا لما طرق بعض الناس «١» بابه ﷺ فسأل عنه؛ فقيل له: فلان، فقال: بئس أخو العشيرة، فلما فتح له ودخل عظّمه وفرش له رداءه، وأظهر له البشر؛ فلما ذهب الرجل قيل له: كيف ذلك؟ قال: «إنّا لنبشّ في وجوه قوم- أي: لأجل التأليف- وقلوبنا تلعنهم» أي: لعلمنا بنفاقهم-: أي: تلعنهم ما داموا لم يرجعوا للحقّ.
انتهى (شروح «الجامع الصغير») .
والحديث أخرجه البيهقي في «شعب الإيمان» عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما بإسناد ضعيف؛ كما قاله العزيزي.
٨٢- («البلاء موكّل بالمنطق») قال الديلمي: البلاء: الامتحان والاختبار، ويكون حسنا ويكون سيئا، والله يبلو عبده بالصنع الجميل ليمتحن شكره، ويبلوه بما يكره ليمتحن صبره.
ومعنى الحديث: أنّ العبد في سلامة ما سكت، فإذا تكلم عرف ما عنده بمحنة
_________________
(١) هو السيد المطاع: الأقرع بن حابس كما سيأتي في الجزء الرابع.
[ ٣ / ٣٧٣ ]
النطق؛ فيتعرض للخطر؛ أو للظفر، ولذا قال ﷺ لمعاذ «أنت في سلامة ما سكتّ، فإذا تكلّمت فلك؛ أو عليك» . ويحتمل أن يريد التحذير من سرعة النطق بلا تثبت؛ خوف بلاء لا يطيق دفعه، وقد قيل: اللسان ذئب الإنسان، وما من شيء أحقّ بسجن من اللسان. وعلى ذلك أنشدوا:
لا تنطقنّ بما كرهت فربّما نطق اللّسان بحادث فيكون
وقال آخر:
لا تمزحنّ بما كرهت فربّما ضرب المزاح عليك بالتّحقيق
وفي «تاريخ الخطيب»: اجتمع الكسائي واليزيدي عند الرشيد، فقدموا الكسائي يصلي جهريّة فأرتج عليه في قراءة «الكافرون»، فقال اليزيدي: قارئ الكوفة يرتجّ عليه في هذه!!، فحضرت جهرية أخرى؛ فقام اليزيدي: فأرتج عليه في الفاتحة، فقال الكسائي:
احفظ لسانك لا تقول فتبتلى إنّ البلاء موكّل بالمنطق
والحديث رواه ابن أبي شيبة، والبخاري في «الأدب المفرد»؛ من رواية إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود مرفوعا بهذا اللفظ، وزيادة: «لو سخرت من كلب لخشيت أن أحوّل كلبا» .
ورواه الخطيب والديلمي وأبو نعيم والعسكري مرفوعا: «البلاء موكّل بالمنطق، فلو أنّ رجلا عيّر كلبة برضاع كلبة لرضعها» وسنده ضعيف.
وهو عند أحمد في «الزهد»؛ موقوفا على ابن مسعود. قاله السخاوي.
ورواه الديلمي عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة: «ما قال عبد لشيء: والله لا أفعله إلّا ترك الشيطان كلّ شيء وولع به حتى يؤثّمه» . وقد رواه القضاعي وابن السمعاني عن عليّ، والديلمي عن ابن مسعود، والعسكري عن أبي الدرداء رفعوه، وابن لال في «المكارم» عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق موقوفا، وابن
[ ٣ / ٣٧٤ ]
٨١- «البيّنة على المدّعي، واليمين
أبي الدنيا من مرسل الحسن: خمستهم بلفظ: «البلاء موكّل بالقول» .
وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» من حديث أبي الدرداء وابن مسعود.
قال السخاوي في «المقاصد»:
ومع مجموع ما ذكرناه- يعني هذه الطرق التي لخصت من كلامه- لا يحسن الحكم عليه بالوضع؛ لأن تعدّد الطّرق وتباين مخارجها دليل على أنّ للحديث أصلا، ويشهد لمعناه قوله ﷺ للأعرابي الذي دخل عليه يعوده، وقال له:
«لا بأس طهور»، فقال الأعرابي: كلّا بل هي حمى تفور على شيخ كبير، تزيره القبور، قال: «فنعم إذا» . انتهى من الزرقاني على «المواهب» وغيره.
٨٣- («البيّنة) قال البيضاوي: البينة في الأصل: الدلالة الواضحة التي تفصل الحقّ من الباطل. وقال غيره: هي ما ظهر برهانه في الطبع والعلم والعقل، بحيث لا مندوحة عن شهود وجوده، والمراد هنا ما يثبت به الحقّ من شاهد أو شاهدين، أو شاهد ويمين، أو أربعة رجال، أو أربع نسوة.
وسمّي الشهود «بيّنة» !! لأن بهم يتبيّن الحقّ.
وقوله: (على المدّعي) هو: من يخالف قوله الظاهر، والمدّعى عليه: من يوافق قوله الظاهر. وقيل: المدعي من لو سكت خلّي ولم يطالب بشيء، والمدعى عليه من لا يخلّى؛ ولا يكفيه السكوت. وفي رواية: «على من ادعى» .
(واليمين) قال الإمام النووي: هذه اليمين تسمى يمين الصّبر، وتسمى يمين الغموس، وسميت يمين الصبر!! لأنها تحبس صاحب الحقّ عن حقّه، والحبس:
الصبر، ومنه قيل للقتيل والمحبوس عن الدفن «مصبّر»، قال ﷺ: «من حلف على يمين صبر يقتطع بها مال امرئ مسلم هو فيها فاجر؛ لقي الله وهو عليه غضبان» . وهذه اليمين لا تكون إلّا على الماضي.
[ ٣ / ٣٧٥ ]
على من أنكر» .
ووقعت في القرآن العظيم في مواضع كثيرة منها قوله تعالى يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ ما قالُوا [٧٤/ التوبة]، ومنها قوله تعالى إخبارا عن الكفرة ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قالُوا وَاللَّهِ رَبِّنا ما كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) [الأنعام] ومنها قوله تعالى إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا [٧٧/ آل عمران] .. الآية.
ويستحبّ للحاكم أن يقرأ هذه الآية عند تحليفه للخصم لينزجر. انتهى.
(على من)؛ أي: الذي (أنكر») المدّعى به عليه، لأنّ جانب المدعي ضعيف، فكلّف حجة قويّة وهي البيّنة، وجانب المدعى عليه قويّ؛ فقنع منه بحجة ضعيفة، وهي اليمين.
قال الإمام النووي: وإنما كانت اليمين في جانب المدعى عليه! لأنه يدعي ما وافق الأصل؛ وهو براءة الذّمة. ويستثنى مسائل فيقبل فيها قول المدعي بلا بيّنة فيما لا يعلم إلّا من جهته،
كدعوى الأب حاجة إلى الإعفاف. ودعوى السّفيه التوقان إلى النكاح مع القرينة. ودعوى الخنثى الأنوثة أو الذكورة. ودعوى الطفل البلوغ بالاحتلام.
ودعوى القريب عدم المال ليأخذ النفقة. ودعوى المدين الإعسار في دين لزمه بلا مقابل كصداق الزوجة والضمان وقيمة المتلف. ودعوى المرأة انقضاء العدة بالأقراء؛ أو بوضع الحمل. ودعواها أنها استخلت وطلقت، ودعوى المودع تلف الوديعة؛ أو ضياعها بسرقة ونحوها.
ويستثنى أيضا القسامة، فإن الأيمان تكون في جانب المدعي مع اللّوث.
واللّعان، فإن الزّوج يقذف ويلاعن ويسقط عنه الحدود، ودعوى الوطء في مدة العنّة، فإنّ المرأة إذا أنكرته يصدّق الزوج بدعواه، إلّا أن تكون الزوجة بكرا، وكذا لو ادّعى أنّه وطئ في مدّة الإيلاء. وتارك الصلاة إذا قال: صليت في البيت، ومانع الزكاة إذ قال: أخرجتها؛ إلّا أن ينكر الفقراء وهم محصورون؛ فعليه البيّنة، وكذا
[ ٣ / ٣٧٦ ]
لو ادّعى الفقر وطلب الزكاة أعطي؛ ولا يحلّف. بخلاف ما إذا ادّعى العيال، فإنّه يحتاج إلى البيّنة. انتهى ملخصا.
قال ابن العربي: وهذا الحديث من قواعد الشريعة الّتي ليس فيها خلاف، وإنّما اختلف في تفاصيل الوقائع. انتهى.
وهذا الحديث أخرجه عبد الرزاق والبيهقي في «سننه» وابن عساكر في «التاريخ» والدارقطني عن ابن عمرو بن العاصي بزيادة: «إلّا في القسامة» .
قال الحافظ ابن حجر: وهو حديث غريب معلول.
وأخرجه الترمذي من حديث ابن عمرو أيضا بلفظ: «البيّنة على المدّعي، واليمين على المدّعى عليه»، وله شاهد عن ابن عباس وابن عمر وغيرهما.
[ ٣ / ٣٧٧ ]
[(حرف التّاء)]
(حرف التّاء) ٨٤- «ترك الشّرّ صدقة» .
٨٥- «تعرّف إلى الله في الرّخاء.. يعرفك في الشّدّة،
(حرف التّاء) أي: هذا باب الأحاديث التي أولها حرف التاء- المثناة الفوقية-:
٨٤- («ترك الشّرّ): السّوء والفساد والظلم، وجمعه شرور.
وهذا شرّ من ذاك أصله: أشرّ؛ بالألف على «أفعل»، واستعمال الأصل لغة لبني عامر. قال ابن مالك في «الكافية»:
وغالبا أغناهم خير وشر عن قولهم أخير منه وأشر
وقرئ شاذا: مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ [٢٦/ القمر] على هذه اللغة.
(صدقة») معنى ذلك: أن من ترك الشرّ وترك أذى الناس فكأنّه تصدّق عليهم، وعلم من ذلك أن فضل ترك الشرّ كفضل الصّدقة؛ أي: في الجملة.
والحديث ذكره في «المواهب» بغير عزو.
٨٥- («تعرّف) - بالمثناة الفوقية وتشديد الراء المفتوحتين- أي: تحبب وتقرّب (إلى الله) تعالى بطاعته والشكر على سابغ نعمته، والصّبر تحت مرّ أقضيته، وصدق الالتجاء الخالص قبل نزول بليّته (في الرّخاء)؛ أي: في حالة الغنى وصحة البدن والأمن، فالتّعرف في حال الغنى بالصّدقات ونفع الناس بماله، والتعرف في حال الصّحة بالعبادات، والتعرف في حالة الأمن بالاشتغال بموالاته تعالى؛ لخلوّ ذهنه عن العدوّ والخوف، فإن فعلت ذلك (يعرفك في الشّدّة) بتفريجها عنك، وجعله لك من كلّ ضيق مخرجا، ومن كلّ همّ فرجا بما سلف من ذلك التعرّف؛ فإذا تعرّفت إليه في الاختيار جازاك به عند الاضطرار بمدد توفيقه
[ ٣ / ٣٧٨ ]
واعلم أنّ ما أخطأك.. لم يكن ليصيبك، وما أصابك.. لم يكن ليخطئك،
وخفيّ لطفه؛
كما أخبر تعالى عن يونس ﵊ بقوله فَلَوْلا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) [الصافات] يعني: قبل البلاء، فلما عرف الله تعالى في الرّخاء بالتسبيح وغيره؛ نجّاه من بطن الحوت.
وكما وقع للثلاثه الذين انطبقت عليهم الصخرة؛ ففرج الله عنهم، فإنهم تعرّفوا إليه في الرخاء فعرفهم في الشدّة، بخلاف فرعون فإنّه لما تنكّر لربّه في حال رخائه؛ لم ينجه اللجوء عند بلائه، وقيل له آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١) [يونس] .
وأمّا أهل الله فتعرّفهم الاشتغال به على الدوام وترك ما سواه؛ فيعرفهم وقت الموت، والقبر، والقيامة، وغيرها. قال الصوفية: ينبغي للعبد أن يكون بينه وبين ربّه معرفة خاصّة بقلبه بحيث يجده قريبا للاستغناء له منه، فيأنس به في خلوته، ويجد حلاوة ذكره ودعائه ومناجاته وخدمته، ولا يزال العبد يقع في شدائد وكرب في الدنيا، والبرزخ، والموقف؛ فإذا كان بينه وبين ربّه معرفة خاصّة كفاه ذلك كلّه. انتهى من «شروح الجامع الصغير» .
(واعلم): يا من يتأتّى منك العلم (أنّ ما أخطأك) من المقادير؛ أي:
جاوزك فلم يصل إليك (لم يكن ليصيبك) لأنّه بان بكونه أخطأك أنّه غير مقدّر عليك، (وما أصابك) منها (لم يكن) قدّر (ليخطئك)؛ أي: محال أن يتجاوزك إلى غيرك؛ إذ لا يصيب الإنسان إلّا ما قدّر عليه.
ومعنى ذلك: أنّه قد فرغ ممّا أصابك، أو أخطأك من خير أو شرّ، فما أصابك فإصابته لك محتومة لا يمكن أن يخطئك، وما أخطأك فسلامتك منه محتومة؛ فلا يمكن أن يصيبك، لأنّها سهام صائبة وجّهت من الأزل، فلا بدّ أن تقع مواقعها،
[ ٣ / ٣٧٩ ]
واعلم أنّ النّصر مع الصّبر، وأنّ الفرج مع الكرب،
ومن ثمّ قال ﷺ: «إنّ لكلّ شيء حقيقة، وما بلغ عبد حقيقة الإيمان حتّى يعلم أنّ ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه» . رواه الإمام أحمد.
ففي ذلك حضّ على تفويض الأمور كلّها إلى الله تعالى، مع شهود أنّه الفاعل لما يشاء، وأن ما قضاه وأبرمه لا يمكن أن يتعدّى حدّه المقدّر له، وهذا راجع لقوله تعالى ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) [الحديد]، وقُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلى مَضاجِعِهِمْ [١٥٤/ آل عمران] .
(واعلم): تنبيه على أنّ الإنسان في هذه الدار؛ لا سيّما الصالحون معرّضون للمحن والمصائب وطروق المنغّصات والمتاعب. قال الله تعالى وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) [البقرة] الآيات.
فينبغي للإنسان أن يصبر ويحتسب ويرضى بالقضاء والقدر، وينتظر وعد الله تعالى له بأنّ عليه صلوات من ربّه ورحمة، وبأنّه من المهتدين. (أنّ النّصر) من الله للعبد على جميع أعداء دينه ودنياه إنّما يوجد (مع الصّبر) على طاعته وعن معصيته.
قال ﷺ: «لا تتمنّوا لقاء العدوّ، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا ولا تفرّوا، فإنّ الله مع الصّابرين»، وكذلك الصبر على الأذى في مواطن يعقبه النّصر، قال تعالى وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦) [النحل]، وكَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩) [البقرة] ومن خيريّته لهم كونه سببا لنصرهم على أعدائهم ونفوسهم.
(وأنّ الفرج) - بفتحتين-: وهو كشف الغمّ يحصل سريعا (مع الكرب)؛ أي: يعقبه لا محالة، فلا دوام للكرب، وهو شدّة البلاء، فإذا اشتدّ البلاء أعقبه الله تعالى الفرج، كما جاء: اشتدّي أزمة تنفرجي.
وفيه إشارة إلى أنّ الله تعالى إذا أراد أن يفتح لعبده بابا من فضله ابتلاه بشيء من
[ ٣ / ٣٨٠ ]
وأنّ مع العسر يسرا» .
بلائه، ثمّ يخصّه بنعمة من نعمائه، وما رأيت شيئا من الامتحان إلّا ورأيت معه أو بعده من بوادر برّه ولطائف امتنانه سبحانه ما ينسيك ما أصابك من طوارق الحدثان.
نحمده على شمول النّعم حتّى لقد أبطنها في الألم
والحكمة في ذلك: أن يعرف قدر النّعمة وشرف الكرامة، فبمرارة الفراق يعرف حلاوة الوصال، وبحرارة الهجران يدرك راحة العرفان؛ فيحسن لمن نزل به كرب أن يكون صابرا محتسبا؛ راجيا سرعة الفرج ممّا نزل به، حسن الظّنّ بمولاه في جميع أموره، فالله ﷾ أرحم به من كلّ راحم حتّى أمّه وأبيه؛ إذ هو سبحانه أرحم الراحمين، وأكرم الأكرمين.
(وأنّ مع العسر يسرا») كما نطق به قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٦) [الانشراح]، وقال تعالى سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧) [الطلاق] .
وتنوين «يسرا» للتعظيم مبالغة، و«اليسر» هو السهولة، ومنه اليسار للغنى، لأنّه تسهل به الأمور، واليد اليسرى لأنّ الأمور تسهل بمعاونتها لليمنى، والعسر:
نقيضه.
فإن قلت: النّصر والفرج، واليسر بعد الصّبر، والكرب والعسر؛ لأنّهما يتواردان على المحل بالتناوب؛ فما معنى الاصطحاب المستفاد من «مع»؟
فالجواب: أنّ المقصود المبالغة في معاقبة أحدهما الآخر واتصاله به، حتّى جعله كالمقارن له، وزيادة في التسلية والتنفيس.
فإن قلت: كيف الجمع بين قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ [١٨٥/ البقرة] وبين قوله تعالى فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا (٥) [الانشراح]، فإنّ الآية الأولى تدلّ على عدم إرادة العسر، وما لا يريده الله تعالى لا يكون ولا يقع؛ إجماعا من أهل السنة، والآية الثانية تدلّ على وقوع العسر قطعا؟
فالجواب: أنّ المراد ب «العسر» في الآية الأولى: العسر في الأحكام
[ ٣ / ٣٨١ ]
والتكاليف الشاقّة، بدليل قوله تعالى وَما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ [٧٨/ الحج] .
وقوله تعالى لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة]، وقوله ﵊: «بعثت بالحنيفيّة السمحة» مع أنّ صدر الآية يدلّ على ذلك، وهو قوله تعالى وَمَنْ كانَ مَرِيضًا أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ [١٨٥/ البقرة] . وأمّا الآية الثانية فالمراد بالعسر فيها العسر في العوارض الدنيويّة؛ كضيق الأرزاق، وتوالي المحن والفتن، وأخذ الأموال ظلما.
وقد ذكر الله تعالى اليسر في القرآن مرتين، وذكر العسر مرتين. لكن عند العرب أن المعرفة إذا أعيدت معرفة توحدت؛ لأنّ اللام الثانية للعهد، وإذا أعيدت النكرة نكرة تعدّدت، فالعسر ذكر مرتين معرفا، فهو عسر واحد، واليسر ذكر مرتين منكرا فكان اثنين.
فلهذا قال ﷺ: «لن يغلب عسر يسرين» . أخرجه الحاكم عن الحسن البصري مرسلا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النبيّ ﷺ قال: «لو جاء العسر فدخل هذا الجحر لجاء اليسر حتى يدخل عليه فيخرجه» . أخرجه البزار وابن أبي حاتم، واللفظ له.
وما أحسن قول القائل:
لا تجزعنّ لعسرة من بعدها يسران وعدا ليس فيه خلاف
كم عسرة ضاق الفتى لنزولها لله في أعطافها ألطاف
وقال الشاعر:
إذا اشتدّت بك البلوى ففكّر في «ألم نشرح»
فعسر بين يسرين إذا فكّرته تفرح
والحديث أخرجه عبد بن حميد في «مسنده» عن ابن عباس رضي الله تعالى
[ ٣ / ٣٨٢ ]
٨٦- «تعس عبد الزّوجة» .
٨٧- «تمسّكوا بالعروة الوثقى؛ قول: (لا إله إلّا الله)» .
٨٨- «تهادوا تحابّوا» .
عنهما، وسنده ضعيف. وأخرجه الطبراني في «الكبير»، والعسكري في «الأمثال» كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
٨٦- («تعس عبد الزّوجة») لم أقف على من رواه.
٨٧- («تمسّكوا بالعروة الوثقى)؛ أي: العقدة المحكمة الّتي لا انقطاع ولا زوال لها حتّى تؤدّيه إلى الجنّة، وهي (: قول: (لا إله إلّا الله)»)؛ أي: مع قرينتها محمّد رسول الله، بأن تعتقدوا ما تضمّنته من التّوحيد وعموم الرّسالة لنبيّنا محمد ﷺ، و«العروة» في الأصل: موضع شدّ اليد، وأصل المادّة تدلّ على التّعلّق، ومنه: عروته إذا ألممت به متعلقا به، واعتراه الهمّ: تعلّق به.
و«الوثقى» فعلى للتفصيل؛ تأنيث الأوثق، كفضلى تأنيث الأفضل، وجمعها على: وثق، نحو: كبرى وكبر. وأمّا «وثق» بضمتين: فجمع وثيق.
والكلام إمّا من باب التمثيل مبنيّ على تشبيه الهيئة العقلية المنتزعة من ملازمة الاعتقاد الحقّ بالهيئة الحسيّة المنتزعة من التمسّك بالحبل المحكم، وإمّا من باب الاستعارة المفردة، حيث استعيرت العروة الوثقى للاعتقاد الحق. انتهى «جمل» .
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس»، وقد روى الطبراني في «الدعاء» عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: «العروة الوثقى هي شهادة ألاإله إلّا الله» . انتهى «شرح الإحياء» .
٨٨- («تهادوا) - بفتح الدال المهملة-؛ أي: ليهد بعضكم لبعض (تحابّوا»)؛ أي: يحبّ بعضكم بعضا، لأنّ الهديّة خلق من أخلاق الإسلام دلّت
[ ٣ / ٣٨٣ ]
عليه الأنبياء، وحثّ عليه خلق الأولياء، وهي تؤلّف القلوب، وتنفي البغضاء من الصدور.
قال الغزالي: قبول الهدية سنّة، لكن الأولى ترك ما فيه منّة، فإن كان البعض تعظم منّته دون البعض ردّ ما تعظم منّته. انتهى.
ويسنّ المكافأة عن الهديّة بردّ مثلها أو زيادة إن قدر على ذلك، ولا يكلّف نفسه ما لا يطيق. والتهادي: تفاعل، فيكون من الجانبين.
وينبغي للمهدي أن يقصد بالهدية امتثال أمر الشارع وما ندب لأجله، ولا يقصد بذلك الدنيا. قال حسّان ﵁:
إنّ الهدايا تجارات اللّئام وما يبغي الكرام لما يهدون من ثمن
والحديث ذكره في الجامع الصغير مرموزا له برمز أبي يعلى الموصلي في مسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقال المناوي: أخرجه النسائي في الكنى وسلطان المحدثين البخاري في الأدب المفرد، قال الزين العراقي: والسند جيد، وقال ابن حجر: سنده حسن. انتهى وذكره في المقاصد والكشف وأطالا في تخريجه وبيان اختلاف ألفاظه بالزيادة والنقص فراجعه إن شئت.
[ ٣ / ٣٨٤ ]
[(حرف الثّاء)]
(حرف الثّاء) ٨٩- «ثلاث من كنّ فيه.. وجد حلاوة الإيمان: ١- أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه ممّا سواهما،
(حرف الثّاء) ٨٩- («ثلاث)؛ نكرة، وهي صفة لموصوف محذوف، ومن ثمّ وقعت مبتدأ؛ أي: خصال ثلاث، والخبر جملة، قوله: (من كنّ)؛ أي: حصلن (فيه وجد)؛ أي: أصاب (حلاوة الإيمان)؛ أي: التلذّذ بالطاعة وتحمّل المشقة في رضا الله ورسوله، وإيثار ذلك على عرض الدنيا.
وهذا استعارة بالكناية؛ شبّه الإيمان بنحو العسل للجهة الجامعة، وهو الالتذاذ؛ فأطلق المشبّه وأضاف إليه ما هو من خصائص المشبّه به ولوازمه، وهو الحلاوة على جهة التخييل. وادّعى بعض الصّوفيّة أنّها حلاوة حسيّة، لأنّ القلب السليم من أمراض الغافلة والهوى يجد طعم الإيمان كذوق الفم طعم العسل. ذكره المناوي رحمه الله تعالى.
(١- أن يكون الله ورسوله أحبّ)؛ أي: كون الله ورسوله في محبته إيّاهما أكثر محبّة (إليه ممّا سواهما) من نفس وأهل ومال وكلّ شيء.
قال النووي: وعبّر ب «ما» دون «من» ! لعمومها «١»، وجمعه بين اسم الله ورسوله في ضمير لا ينافيه إنكاره [ﷺ] على الخطيب: «ومن يعصهما» !! لأنّ المراد في الخطب الإيضاح لا الرمز، وهنا المطلوب إيجاز اللّفظ ليحفظ.
وأولى منه قول البيضاوي: ثنّى الضمير هنا إيماء إلى أنّ المعتبر هو المجموع المركب من المحبّتين لا كلّ واحدة؛ فإنّها وحدها لاغية. وأمر بالإفراد في حديث
_________________
(١) للعاقل وغيره.
[ ٣ / ٣٨٥ ]
٢- وأن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله،
الخطيب؛ إشعارا بأنّ كلّ واحد من العصيانين مستقل باستلزام الغواية إذ العطف في تقدير التكرار، والأصل استقلال كلّ من المعطوفين في الحكم. انتهى.
ومحبّة العبد ربّه بفعل طاعته وترك مخالفته، وكذلك محبّة رسوله.
ومحبّة العبد ربّه تنقسم باعتبار سببها والباعث عليها إلى قسمين:
أحدهما: ينشأ عن مشاهدة الإحسان ومطالعة الآلاء والنظر في النّعم، فإن الإحسان سبب لميل النفس إلى حبّ من أحسن إليها، والقلوب جبلت على حبّ من أحسن إليها، ولا إحسان أعظم من إحسان الربّ تقدّس، وهذا القسم يدخل فيه كلّ أحد.
والثاني: يتعلّق بالخواصّ؛ وهي محبّة الجلال والجمال ولا شيء أكمل ولا أجمل منه، فلا يحدّ كماله، ولا يوصف جلاله، ولا ينعت جماله.
وأسباب محبة النبيّ ﷺ كثيرة منها: أنّه أنقذنا به من النار، وأوجب لنا باتباعه الفلاح الأبديّ والنعيم السرمديّ.
(و٢- أن يحبّ المرء لا يحبّه إلّا لله)؛ أي: لا يحبّه لغرض، إلا لغرض رضا الله حتى تكون محبّته لأبويه؛ لكونه سبحانه أمر بالإحسان إليهما، ومحبته لولده لكونه ينفعه في الدعاء الصالح له.
وهكذا ذكره المناوي في «شرح الجامع» .
وفي «النصائح الدينية» للحبيب الولي السيد عبد الله الحداد رحمه الله تعالى.
آمين:
فإذا أحبّ الإنسان الإنسان وألفه وصاحبه؛ لأنّه يحبّ الله ويعمل بطاعته؛ كان ذلك من المحبة في الله.
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنّه يعينه على دينه ويساعده على طاعة ربّه؛ فقد أحبه في الله.
[ ٣ / ٣٨٦ ]
٣- وأن يكره أن يعود في الكفر- بعد إذ أنقذه الله منه- كما يكره أن يلقى في النّار» .
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنه يعينه على دنياه الّتي يستعين بها على أخراه؛ فقد أحبّه في الله تعالى.
وإذا أحبّه وصحبه؛ لأنه وجد طبعه يميل إليه ونفسه تأنس به، أو لأنّه يعينه على دنياه وأسباب معاشه الّتي يتمتع بها؛ فتلك محبّة طبيعية ليست من المحبة لله في شيء، وتلك صحبة نفسانيّة اقتضاها ميل الطّبع، ولكنّها مباحة، ولعلّها لا تخلو من خير إن شاء الله تعالى.
وأمّا إذا أحبّه وصحبه؛ لأنّه يعينه على المعصية والظلم ويساعده على أسباب الفسق والمنكر؛ فتلك محبّة وصحبة مذمومة قبيحة، وهي في سبيل الشيطان، وليست من الله في شيء، وهي التي تنقلب في الآخرة عداوة، وربما انقلبت في الدنيا قبل الآخرة. قال الله تعالى الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧) [الزخرف] انتهى كلام الحداد.
(و٣- أن يكره أن يعود في الكفر)؛ أي: يصير إليه، واستعمال العود بمعنى الصيرورة غير عزيز. (بعد إذ أنقذه الله)؛ أي: نجّاه (منه) بالإسلام؛ إن كان كافرا، وبأن خلقه من أمّة الإجابة؛ إن كان مسلما أصالة. قاله: «الحفني على الجامع»
(كما يكره أن يلقى) - بالبناء للمفعول- (في النّار») لثبوت إيمانه، وتمكّنه في جنانه.
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم في «كتاب الإيمان»، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
قال النووي رحمه الله تعالى: هذا حديث عظيم، أصل من أصول الإسلام.
[ ٣ / ٣٨٧ ]
٩٠- «ثلاث من كنّ فيه حاسبه الله حسابا يسيرا، وأدخله الجنّة برحمته: ١- تعطي من حرمك، ٢- وتعفو عمّن ظلمك، ٣- وتصل من قطعك» .
٩١- «ثلاث منجيات: ١- خشية الله تعالى في السّرّ والعلانية، ٩٠- («ثلاث من كنّ فيه حاسبه الله حسابا يسيرا) يوم القيامة، فلا يناقشه، ولا يشدّد عليه، ولا يطيل وقوفه. (وأدخله الجنّة) مع السابقين (برحمته)؛ أي: بإحسانه تعالى، وإن كان عمله لا يبلّغه ذلك لقلته.
(١- تعطي من حرمك): إعطاءه أو مودته أو معروفه.
(و٢- تعفو عمن ظلمك) في نفس أو مال أو عرض.
(و٣- تصل من قطعك») من ذوي قرابتك وغيرهم.
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي الدنيا القرشي في كتاب «ذم الغضب»، والطبراني في «الأوسط»، والحاكم في «التفسير»؛ من حديث سليمان بن داود اليمامي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. قال الحاكم: صحيح، وردّه الذهبي، فقال: سليمان ضعيف، وفي «الميزان»: قال البخاري: سليمان منكر الحديث، قال: ومن قلت فيه: منكر الحديث لا تحلّ رواية حديثه، ثم ساق له أخبارا هذا منها، وقال العلائي: فيه سليمان؛ ضعفه غير واحد. وقال الهيثمي: فيه سليمان متروك. انتهى «مناوي» .
٩١- («ثلاث منجيات) للعبد في الدنيا والآخرة:
(١- خشية الله)؛ أي: خوفه (تعالى في السّرّ والعلانية) فهذا أكمل من خوفه في العلن فقط، أو في السّرّ فقط إلّا إذا كان عالما يقتدى به فأظهر الخشية لهذا
[ ٣ / ٣٨٨ ]
٢- والعدل في الرّضا والغضب، ٣- والقصد في الفقر والغنى.
وثلاث مهلكات: ١- هوى متّبع، ٢- وشحّ مطاع، ٣- وإعجاب المرء بنفسه» .
القصد، أو خاف من الإظهار الرياء؛ فالأمور بمقاصدها.
(و٢- العدل)؛ العادل: من لا يميل به الهوى فيجور في الحكم (في)؛ حال (الرّضا والغضب) كما قال تعالى اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى [٨/ المائدة]، وقال تعالى كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ [١٣٥/ النساء] .
(و٣- القصد)؛ أي: التوسط (في) الإنفاق في حال (الفقر والغنى)؛ فلا يقتّر جدّا لفقره، ولا يسرف لغناه، بل يتوسّط. قال تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) [الفرقان] .
(وثلاث مهلكات)؛ أي: موقعات لفاعلهن في الهلاك.
(١- هوى) - بالقصر- (متّبع) - بالتشديد، وفتح الموحدة-: يعني اتباع هوى النفس دائما، فكلّما مال إلى شهوة أتاها وحرص على غيرها، فهذا هواه موقع له في الرّدى دنيا وأخرى. أمّا مطاوعة الهوى في بعض الأوقات مع الرجوع إليه تعالى عقب ذلك! فليست من المهلكات.
(و٢- شحّ)؛ أي: بخل (مطاع) وهو: أن يطيعه صاحبه في منع الحقوق الّتي أوجبها الله عليه في ماله.
وقيّد الشّحّ بالمطاع! لأنّه إنّما يكون مهلكا إذا كان مطاعا؛ أمّا لو كان موجودا في النفس غير مطاع فلا يكون كذلك، لأنّه من لوازم النّفس.
(و٣- إعجاب المرء بنفسه»)؛ أي: ملاحظته إيّاها بعين الكمال مع نسيان نعمة الله تعالى، وتحسينه فعل نفسه على غيره؛ وإن كان قبيحا، بأن يرى فعل نفسه خيرا من فعل غيره، وكثيرا ما يقع ذلك في أهل العلم، وقد قال أهل الله تعالى:
[ ٣ / ٣٨٩ ]
لا يتمّ حال العبد إلّا إذا رأى نفسه دون كلّ مخلوق.
وما وقع لبعض أهل الله تعالى من التّكلم بكلام يقتضي الإعجاب!! فهو من أهل الأحوال في حال السّرّ والغيبة؛ بحيث لو استيقظوا لتابوا من ذلك، كما نتوب من الذّنوب. ومن الكمّل في حال شهود وحدة الوجود والاشتغال به عن كلّ ما سواه؛ فيكون من التحدّث بنعمة الله تعالى؛ لا عجبا وافتخارا. قاله الحفني على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»، وقال: أخرجه أبو الشيخ في «التوبيخ»، والبزار، وأبو نعيم، والبيهقي، والطبراني في «الأوسط» كلهم عن أنس رضي الله تعالى عنه. قال الحافظ العراقي: سنده ضعيف. انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٣٩٠ ]
[(حرف الجيم)]
(حرف الجيم) ٩٢- «الجار قبل الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» .
(حرف الجيم) ٩٢- («الجار)؛ أي: التمسوا الجار الصّالح (قبل) شراء (الدّار)؛ والدار مؤنثة، وقد سئل عن ذلك العلامة عبد الملك العصامي المكي رحمه الله تعالى:
وهذا نصّ السؤال:
ماذا يقول إمام العصر سيّدنا ومن لديه ينال القصد طالبه
في الدّار: هل جائز تذكير عائدها في قولنا مثلا «في الدّار صاحبه»
ومن إبانة همز ابن أراد فهل يكون موصوفه اسما يطالبه
أم كونه علما كاف ولو لقبا أو كنية إن أراد الحذف كاتبه
أفد، فما قد رأينا الحقّ منخفضا إلّا وأنت على التّمييز ناصبه
فأجاب بما نصّه:
يا فاضلا لم يزل يهدي الفرائد من علومه وتروّينا سحائبه
تأنيثك الدّار حتم لا سبيل إلى التّ ذكير فامنع إذا «في الدّار صاحبه»
والابن موصوفه عمّم فإن لقبا أو كنية فارتكاب الحذف واجبه
هذا جوابي فاعذر إن ترى خللا فمصدر العجز والتّقصير كاتبه
لا زلت تاجا لهامات الهدى علما في العلم يحوي بك التّحقيق طالبه
(و) التمسوا (الرّفيق)؛ الذي تحصل به المعاونة والمرافقة على قطع السّفر (قبل) السلوك في (الطّريق») وكلّ من «الجار» و«الرّفيق» يجوز نصبه ورفعه؛ فنصبه بفعل مقدّر؛ أي: التمس أو اتّخذ. ورفعه بالابتداء والله أعلم.
والحديث أخرجه الخطيب في «الجامع» عن عليّ ورافع بن خديج بأسانيد ضعيفة، وتمامه: «والزّاد قبل الرّحيل» .
[ ٣ / ٣٩١ ]
٩٣- «الجماعة رحمة، والفرقة عذاب» .
ورواه العسكري في «الأمثال» عن عليّ قال: خطب رسول الله ﷺ وذكر حديثا طويلا في آخره: «الجار ثمّ الدّار، والرّفيق ثمّ الطّريق»
ورواه الطبراني في «الكبير» وابن أبي خيثمة، والعسكري في «الأمثال» عن رافع بن خديج بلفظ: «التمسوا الرّفيق قبل الطريق، والجار قبل الدّار» .
ورواه القضاعي بلفظ: «التمسوا الجار قبل شراء الدّار، والرّفيق قبل الطّريق» وكلها ضعيفة، لكن بانضمامها يقوى الحديث؛ فيصير حسنا. قاله في «الكشف» للعجلونيّ.
٩٣- («الجماعة رحمة)؛ أي: لزوم جماعة المسلمين موصل إلى الرحمة، أو سبب للرحمة. (والفرقة) عن جماعة المسلمين بأن لا ينصرهم ببدنه أو اعتقاده (عذاب»)؛ أي: سبب للعذاب، لأنّه تعالى جمع المؤمنين على معرفة واحدة، وشريعة واحدة؛ ليألف بعضهم بعضا بالله وفي الله؛ فيكونون كرجل واحد على عدوّهم، فمن انفرد عن حزب الرّحمن انفرد به الشّيطان، وأوقعه فيما يؤدّيه إلى عذاب النيران.
قال العامريّ في «شرح الشهاب»: لفظ الجماعة ينصرف لجماعة المسلمين لما اجتمع فيهم من جميل خصال الإسلام، ومكارم الأخلاق، وترقّي السابقين منهم إلى درجة الإحسان؛ وإن قلّ عددهم، حتّى لو اجتمع التقوى والإحسان اللّذان معهما الرحمة في واحد كان هو الجماعة، فالرحمة في متابعته، والعذاب في مخالفته. انتهى.
والحديث أخرجه عبد الله بن أحمد في «زوائد المسند»، والقضاعي في «مسند الشهاب» عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ على المنبر: «الجماعة..» الخ.
قال الزركشي- بعد عزوه لأحمد والطبراني-: فيه [أبو وكيع الجراح بن مليح] «١»؛ قال
_________________
(١) في الأصل: (الجراح بن وكيع) . والله أعلم.
[ ٣ / ٣٩٢ ]
٩٤- «جفّ القلم بما أنت لاق» .
الدارقطني: ليس بشيء. وقال السّيوطيّ في «الدرر» سنده ضعيف.
وقال السخاوي: سنده ضعيف؛ لكن له شواهد،
منها: ما روى الترمذي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما رفعه: «يد الله على الجماعة، اتّبعوا السّواد الأعظم، فإنّ من شذّ شذّ في النّار» .
ومنها: ما روى الطبراني عن أسامة بن شريك رفعه: يد الله على الجماعة، فإن شذّ الشّاذّ منهم اختطفته الشّياطين» الحديث.
ومنها ما رواه أيضا؛ عن عرفجة رفعه: «يد الله مع الجماعة، والشّيطان مع من فارق الجماعة يركض» . ومنها ما رواه الديلمي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا: «الشّيطان يهمّ بالواحد والاثنين، فإذا كانوا ثلاثة لم يهمّ بهم» .
انتهى مناوي على «الجامع الصغير»، مع زيادة من «كشف الخفاء ومزيل الإلباس» للعجلوني ﵏. آمين.
٩٤- («جفّ القلم بما أنت لاق»)؛ أي: نفذ المقدور بما كتب في اللوح المحفوظ؛ فبقي القلم الذي كتب به جافا لا مداد فيه، لفراغ ما كتب به.
قال القاضي عياض: كتاب الله ولوحه وقلمه من غيب علمه الذي نؤمن به ونكل علمه إليه. وهذا اللفظ لم يوجد في كلام العرب، بل هو من الألفاظ التي لم يهتد إليها البلغاء، بل اقتضتها الفصاحة النبوية.
وهذا الحديث رواه البخاري، والنسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قلت: يا رسول الله، إني رجل شاب وأنا أخاف على نفسي العنت، ولا أجد ما أتزوّج به النساء، فأذن لي أختصي. فسكت عنّي، ثم قلت مثل ذلك؛ فسكت، ثم قلت مثل ذلك؛ فقال النبي ﷺ: «يا أبا هريرة؛ جفّ القلم بما أنت لاق فاختص على ذلك، أو ذر» .
ورواه الطبراني في «الكبير» عن ابن عباس ﵄ بلفظ: «جفّ
[ ٣ / ٣٩٣ ]
٩٥- «الجنّة تحت أقدام الأمّهات» .
القلم بما هو كائن» وهو حسن. ورواه القضاعي؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: سمعت النبي ﷺ يقول: «جفّ القلم بالشّقيّ والسّعيد، وفرغ من أربع: من الخلق، والخلق، والأجل، والرّزق» وكذا رواه الديلمي؛ عن ابن مسعود بلفظ «جرى القلم بما حكم» .
٩٥- («الجنّة تحت أقدام الأمّهات») يعني: التواضع لهنّ وترضّيهن وإطاعتهن في خدمتهنّ، وعدم مخالفتهن إلا فيما حظره الشرع سبب لدخول الجنة، وتمام الحديث: «من شئن أدخلن، ومن شئن أخرجن» .
قال العامري: المراد أنّه يكون في برّها وخدمتها كالتراب تحت قدميها؛ مقدّما لها على هواه، مؤثرا برّها على برّ كلّ عباد الله، لتحمّلها شدائد حمله ورضاعه وتربيته. انتهى.
فينبغي التواضع جدا للأمّهات حتى يكون كالتراب الذي تحت أقدامهنّ ليدخل الجنة مع السابقين، لأن لها ثلثي البرّ.
قال بعض الصوفية: هذا الحديث له ظاهر وباطن، وحقّ وحقيقة، لأن المصطفى ﷺ أوتي جوامع الكلم فقوله «الجنة» الخ
ظاهره: أن الأمّهات يلتمس رضاهنّ المبلّغ إلى الجنة بالتواضع لهنّ، وإلقاء النّفس تحت أقدامهنّ، والتذلّل لهنّ.
والحقيقة فيه: أنّ أمّهات المؤمنين هنّ معه ﵊ أزواجه في أعلى درجة في الجنة، والخلق كلّهم تحت تلك الدرجة، فانتهاء رؤوس الخلق في رفعة درجاتهم في الجنة؛ وآخر مقام لهم في الرفعة: أوّل مقام أقدام أمّهات المؤمنين، فحيث انتهى الخلق فهنّ ثمّ ابتداء درجاتهنّ، فالجنة كلها تحت أقدامهن. وهذا قاله لمن أراد الغزو معه؛ وله أمّ تمنعه، فقال: «الزمها ثم ذكره.
[ ٣ / ٣٩٤ ]
٩٦- «الجنّة تحت ظلال السّيوف» .
قال الذهبي: فيه أن عقوق الأمهات من الكبائر وهو إجماع. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الخطيب في «جامعه»، والقضاعي في «مسند الشهاب»؛ عن أنس رفعه، وهو منكر لأن في سنده مجهولين.
وذكره الخطيب أيضا عن ابن عباس ﵄ وضعفه.
قال في «المقاصد»: وقد عزاه الديلمي لمسلم عن أنس فلينظر!! ومثله في «الدرر» انتهى «كشف الخفا» .
وفي المناوي على «الجامع»: أنه أخرجه النسائي وابن ماجه، وكذا الإمام أحمد والحاكم وصححه. ومثله في «كشف الخفا»؛ قال: عن معاوية بن جاهمة السلمي ﵁.
٩٦- («الجنّة تحت ظلال) - وفي رواية للبخاري: تحت بارقة- (السّيوف»)؛ أي: الجهاد ماله الجنة، يعني: أنّ ظلال السّيوف والضرب بها في سبيل الله تعالى سبب للفوز بظلال بساتين الجنّة ونعيمها.
وفي «النّهاية»: هو كناية عن الدّنوّ من الضّرب في الجهاد حتى يعلوه السّيف ويصير ظلّه عليه؛ وخصّ السّيوف! لكونها أعظم آلات الحرب وأنفعها إذ ذاك.
والحديث رواه الحاكم في «المستدرك» في «الجهاد»؛ عن أبي موسى الأشعري ﵁؛ وقال: صحيح على شرط مسلم، وأقرّه الذّهبي.
وفي رواية للبخاري؛ عن ابن أبي أوفى مرفوعا بلفظ: «اعلموا أنّ الجنّة تحت ظلال السّيوف» . ورواه مسلم في «المغازي»؛ عن أبي موسى بلفظ: أنّه قال بحضرة العدوّ: قال رسول الله ﷺ: «إنّ أبواب الجنّة تحت ظلال السّيوف» .
فقام رجل رثّ الهيئة، فقال: يا أبا موسى؛ أنت سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا؟ قال: نعم. قال: فرجع إلى أصحابه؛ فقال: أقرأ عليكم السلام؛ ثمّ كسر جفن سيفه وألقاه، ثمّ مشى بسيفه إلى العدوّ، فضرب به حتى قتل. وأخرجه أبو داود في «الجهاد» .
[ ٣ / ٣٩٥ ]
[(حرف الحاء)]
(حرف الحاء) ٩٧- «حبّ الدّنيا.. رأس كلّ خطيئة» .
(حرف الحاء) ٩٧- («حبّ الدّنيا)؛ أي: تعلّق القلب بها، والانهماك في تحصيلها بأي وجه كان، كالمكاسين والتجّار الّذين يحلفون كذبا لترويج السلعة.
(رأس كلّ خطيئة») بشاهد التجربة والمشاهدة، فإنّ حبّها يوقع في الشّبهات ثم في المكروهات، ثم في المحرمات، وطالما أوقع في الكفر، بل جميع الأمم المكذّبة لأنبيائهم إنما حملهم على كفرهم حبّ الدنيا، فكل خطيئة في العالم أصلها حبّ الدنيا، ولا تنس خطيئة الأبوين، فإن سببها حبّ الخلود في الدنيا؛ ولا تنس خطيئة إبليس، فإن سببها حب الرّياسة التي هي شرّ من حبّ لدنيا، وكفر فرعون وهامان وجنودهما فحبّ الدّنيا هو الذي عمر النّار بأهلها، وبغضها هو الذي عمر الجنّة بأهلها، ومن ثمّ قيل: الدّنيا خمر الشّيطان، فمن شرب منها لم يفق من سكرتها إلّا في عسكر الموتى، خاسرا نادما.
نعم؛ إذا أحبّ جمع الدنيا لصرفها في مصارفها كإطعام الجائع؛ فهو محمود لا خطيئة، فضلا عن كونه رأس كل خطيئة، ولذا ورد: «نعمت الدّنيا مطيّة المؤمن، بها يصل إلى الخير وينجو من الشّرّ»، وهذه نصيحة منه ﷺ لأمّته.
وإلّا! فكل واحد لا غنى له عن الدنيا، ولو لم يحبّ الناس الدنيا هلك العالم وبطل المعاش، إلّا أنّه علم ﷺ أن حبّ الدنيا مهلك؛ وأنّ ذكر كونه مهلكا لا ينزع الحبّ من قلب الأكثر، إلّا الأقلين الذين لا تخرب الدنيا بتركهم؛ فلم يترك النصح؛ وذكر ما في حب الدنيا من الخطر، ولم يترك ذكره؛ خوفا من أن يترك ثقة بالشهوات المهلكة التي سلّطها الله على عباده ليسوقهم بها إلى جهنّم تصديقا لقوله وَلكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي [١٣/ السجدة] . الآية
[ ٣ / ٣٩٦ ]
تنبيه: أخذ بعضهم من الحديث أنّه ينبغي ألايؤخذ العلم إلّا عن أقلّ الناس رغبة في الدنيا، فإنه أنور قلبا وأقلّ إشكالات في الدّين؛ فكيف يؤخذ علم عمّن جمع في قلبه رأس خطيئات الوجود!! كيف وذلك يمنع من دخول حضرة الله وحضرة رسوله؟! فإنّ حضرته تعالى كلامه وحضرة رسوله كلامه، ومن لم يتخلّق بأخلاق صاحب الكلام لا يمكنه دخول حضرته؛ ولو في صلاته، إذ لا يفهم أحد عن أعلى صفة إلّا إن صلح لمجالسته؛ فمن زهد في الدنيا كما زهد فيها المصطفى ﷺ؛ فقد أهّل لفهم كلامه، ولو رغب فيها كغالب الفقهاء! لا يؤهّل لذلك، ولا يفهم مراد الشارع إلّا إن فسر له بكلام مغلق قلق ضيق؛ كذا في «إرشاد الطالبين» .
قال: وسمعت نصرانيّا يقول لفقيه: كيف يزعم علماؤكم أنّهم ورثة نبيّهم؛ وهم يرغبون فيما زهد فيه رهباننا؟! قال: كيف؟. قال: لأنّهم يأخذون في إقامة شعار دينهم؛ من تدريس وخطابة وإمامة ونحوها عرضا من الدنيا؛ ولو منعوه لعطّلوها، وجميع الرّهبان يقومون بأمر ديننا مجّانا. فانظر قوّة يقين أصحابنا وضعف يقين أصحابكم، فلو صدقوا ربّهم أنّ ما عنده خير وأبقى؛ لزهدوا في الدنيا كما زهد فيها نبيّهم والرهبان.
وشكا بعضهم كثرة خواطر الشّيطان؛ فقال: طلّق بنته يهجر زيارتك، وهي الدنيا، تريد أن يقطع رحمه لأجلك. قال: هو يأتي من لا دنيا عنده، قال: إن لم تكن عنده؟؛ فهو خاطب لها، ومن خطب بنت رجل فتح باب مودّته؛ وإن لم يدخل بها.
وكان الرّبيع بن خثيم يقول: أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم يدخلها حبّ الآخرة. انتهى. مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث رواه البيقهي في «شعب الإيمان»؛ عن الحسن البصري مرسلا؛ ثم قال- أعني البيهقي-: ولا أصل له من حديث النّبي ﷺ.
[ ٣ / ٣٩٧ ]
٩٨- «الحبّ في الله والبغض في الله من أفضل الأعمال» .
قال الحافظ الزّين العراقي: ومراسيل الحسن عندهم شبه الرّيح، ومثل به في «شرح الألفية» للموضوع من كلام الحكماء، وقال: هو من كلام مالك بن دينار؛ كما رواه ابن أبي الدنيا، أو من كلام عيسى، كما رواه البيهقي في «الزهد»، وأبو نعيم في «الحلية»، أو من قول سعيد بن سعود؛ كما ذكره ابن يونس في «تاريخ مصر» .
وجزم ابن تيمية بأنه من قول جندب البجلي، وعدّ ابن الجوزي الحديث في الموضوعات، وتعقّبه الحافظ ابن حجر بأن ابن المديني أثنى على مراسيل الحسن، والإسناد إليه حسن. وأورده الديلمي من حديث علي وبيّض لسنده. وقال ابن الغرس: الحديث ضعيف.
وللديلمي؛ عن أبي هريرة رفعه: «أعظم الآفات تصيب أمّتي: حبّهم الدّنيا، وجمعهم الدّنانير والدّراهم، لا خير في كثير ممّن جمعها إلّا من سلّطه الله على هلكتها في الحقّ» انتهى مناوي على «الجامع»، و«كشف الخفا» للعجلوني، رحمهما الله تعالى. آمين.
٩٨- («الحبّ في الله)؛ أي: في ذات الله، لا لشوب رياء ولا هوى، (والبغض في الله من أفضل الأعمال») . قال الطيبي: «في» هنا بمعنى اللام في الحديث الآخر «من أحبّ لله»؛ إشارة إلى الإخلاص، لكن «في» هنا أبلغ، أي: الحب في جهته ووجهه، كقوله تعالى وَالَّذِينَ جاهَدُوا فِينا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنا [٦٩/ العنكبوت] . أي: في حقنا، ومن أجلنا، ولوجهنا خالصا.
فمن أفضل الأعمال أن يحبّ الرجل للإيمان والعرفان، لا لحظ نفساني كإحسان، وأن يكرهه للكفر والعصيان؛ لا لإيذائه له.
والحاصل: ألايكون معاملته مع الخلق إلا لله؛
ومن البغض في الله بغض النفس الأمّارة بالسّوء وأعداء الدّين، وبغضهما
[ ٣ / ٣٩٨ ]
٩٩- «حبّك الشّيء يعمي ويصمّ» .
مخالفة أمرهما، والمجاهدة مع النّفس بحبسها في طاعة الله تعالى بما أمر ونهى، ومع أعدائه تعالى بالمصابرة معهم والمرابطة لأجلهم.
وهذا الحديث من تدبّره وقف على سلوك طريق الله وفناء السالك في الله.
قال ابن رسلان: فيه دليل على أنه يجب أن يكون للرجل أعداء يبغضهم في الله؛ كما يكون له أصدقاء يحبّهم في الله: بيانه أنّك إذا أحببت إنسانا لأنه مطيع لله ومحبوب عند الله، فإن عصاه فلا بدّ أن تبغضه؛ لأنه عاص لله وممقوت عند الله، فمن أحبّ لسبب فبالضرورة يبغض لضدّه؛ وهذان وصفان متلازمان لا ينفصل أحدهما عن الآخر، وهو مطّرد في الحب والبغض في العادات، والله أعلم.
انتهى. من «شروح الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» باللّفظ الذي أورده المصنف معزوا لأبي داود.
وذكره في «الجامع الصّغير» بلفظ: «أفضل الأعمال الحبّ في الله والبغض في الله» . معزوّا لأبي داود؛ من حديث أبي ذر الغفاري ﵁، وهو الموافق لما في «سنن أبي داود»، لكن في سنده راو لم يسمّ.
٩٩- («حبّك الشّيء) - بلام ودونها روايتان- (يعمي) عن عيوب المحبوب، (ويصمّ») عن سماعها، فلا تبصر قبيح فعله، ولا تسمع فيه نهي ناصح، بل ترى قبيحه حسنا وتسمع منه الجفا قولا جميلا، وهذا شامل لمحبّة النّفس، فإذا أحبّ الشخص نفسه وفعلها؛ رضي بكل أفعال نفسه، وأثنى على نفسه، فلا يرى لنفسه فعلا سيّئا، وهذا من سوء الحال. انظر قول سيّدنا يوسف ﵊: وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ [٥٣/ يوسف] فما بالك بغيره!! فالحبّ لذّة تعمي عن رؤية غير المحبوب، وتصمّه عن سماع العذل فيه، والمحبة إذا استولت على القلب سلبته عن صفاته، ولذا قال بعض الشّعراء:
[ ٣ / ٣٩٩ ]
١٠٠- «الحرب خدعة» .
وعين الرّضا عن كلّ عيب كليلة كما أنّ عين السّخط تبدي المساويا
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصغير»؛ مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري في «التاريخ»، وأبي داود في «الأدب» عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا، قال الحافظ العراقيّ: وإسناده ضعيف. وقال الزركشي: روي من طرق في كلّ منها مقال. وقال السيوطي في «الدرر»: الوقف أشبه.
وقال في «المقاصد»: رواه أبو داود والعسكري؛ عن أبي الدرداء مرفوعا وموقوفا، والوقف أشبه؛ وفي سنده ابن أبي مريم، ورواه أحمد؛ عن ابن أبي مريم؛ فوقفه، والرفع أكثر. ولم يصب الصّغاني حيث حكم عليه بالوضع.
وكذا قال العراقي: إن ابن أبي مريم لم يتهمه أحد بكذب، إنما سرق له حليّ فأنكر عقله! وقال الحافظ ابن حجر- تبعا للعراقي-: ويكفينا سكوت أبي داود عليه. فليس بموضوع، ولا شديد الضعف؛ فهو حسن. انتهى.
وقال القاري- بعد أن ذكر ما تقدم-: فالحديث؛ إما صحيح لذاته أو لغيره، مرتقي عن درجة الحسن لذاته إلى [الصحة] لصحة معناه؛ وإن لم يثبت مبناه.
انتهى. من المناوي على «الجامع» و«كشف الخفاء» للعجلوني.
١٠٠- («الحرب خدعة»)؛ بفتح الخاء المعجمة وإسكان الدال المهملة، وهي أشهر اللغات وأفصحها، حتى قال ثعلب وغيره: هي لغة النّبيّ ﷺ، وهي المرّة الواحدة من الخداع، أي: الحرب خدعة واحدة؛ من تيسرت له حقّ له الظّفر.
أو المعنى: أنها تخدع أهلها؛ من وصف الفاعل باسم المصدر، أو أنّها وصف للمفعول، كهذا الدرهم ضرب الأمير؛ أي: مضروبه.
وفيها لغة ثانية: [خدعة] بضم الخاء وإسكان الدال، ومعناها أنها تخدع الرّجال؛ أي: هي محلّ الخداع وموضعه؛ وفيها لغة ثالثة: [خدعة] بضمّ الخاء وفتح الدال، صيغة مبالغة: ك هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١) [الهمزة] . والمعنى: إنّها تخدع
[ ٣ / ٤٠٠ ]
١٠١- «الحسب.. المال، والكرم.. التّقوى» .
الرّجال؛ أي: تمنّيهم الظّفر، ولا تفي لهم، كالضّحكة إذا كان يضحك بالناس.
قال العسكري: أراد بالحديث أن المماكرة في الحرب أنفع من الطعن والضرب؛ والمثل السّائر: إذا لم تغلب فاخلب. أي: اخدع.
قال العزيزي: وأصل الخدع: إظهار أمر وإضمار خلافه، يعني: الحرب الكامل إنما هو المخادعة؛ لا المواجهة، وحصول الظّفر مع المخادعة بغير خطر.
وفيه التحريض على أخذ الحذر في الحرب، والندب إلى خداع الكفّار، إلّا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان؛ فلا يجوز.
ويقع الخداع بالتعريض والتوراة واليمين وإخلاف الوعد ونحو ذلك؛ قال النووي:
اتفقوا على حلّ خداع الكفّار في الحرب كيف كان، حيث لا نقض عهد ولا أمان.
وفي الحديث الإشارة إلى استعمال الرأي في الحرب، بل الاحتياج إليه آكد من الشّجاعة، فينبغي قدح الفكر وإعمال الرأي، واستعمال المكيدة في الحرب حسب الاستطاعة، فإن ذلك أنفع من الشجاعة، ولهذا وقع الاقتصار على ما يشير إليه بهذا الحديث، كما في قوله: «الحجّ عرفة» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد والبخاري ومسلم وأبي داود والترمذي في «الجهاد»؛ عن جابر بن عبد الله، والبخاري ومسلم؛ عن أبي هريرة، والإمام أحمد؛ عن أنس بن مالك، وأبي داود؛ عن كعب بن مالك الأنصاري، وابن ماجه؛ عن ابن عباس، وعن عائشة. والبزّار في مسنده؛ عن الحسين بن علي؛ والطبراني في «الكبير»؛ عن الحسين بن علي وعن زيد بن ثابت وعبد الله بن سلام وعوف بن مالك، وعن نعيم بن مسعود وعن النواس بن سمعان. وابن عساكر عن خالد بن الوليد؛ وهو حديث متواتر.
١٠١- («الحسب: المال، والكرم: التّقوى»)، أي: الشيء الذي يكون به المرء عظيما عند الناس؛ هو المال، والذي يكون به عظيما عند الله؛ هو التقوى، والتفاخر بالآباء ليس واحدا منهما فلا فائدة له؛ أو المراد: إن الغني يعظم ما لا يعظم الحسيب، فكأنه لا حسب إلّا المال؛ وإنّ الكريم هو المتّقي، لا من يجود بماله ويخاطر بنفسه ليعدّ جوادا شجاعا. وقال العلقمي: الحسب- في الأصل- الشّرف بالآباء،
[ ٣ / ٤٠١ ]
١٠٢- «حسبك بالصّحّة والسّلامة داء قاتلا لابن آدم» .
وما يعده الإنسان من مفاخره، والمعنى: إنّ الفقير ذا الحسب لا يوقّر ولا يحتفل به، والغنيّ الذي لا حسب له يوقّر ويجلل في العيون؛ وقال العامري في شرح الشهاب: أشار بالخبر إلى أن الحسب الذي يفتخر به أبناء الدنيا اليوم المال، فقصد ذمّهم بذلك حيث أعرضوا عن الأحساب الخفية ومكارم الأخلاق الدينية، ألا ترى أنه أعقبه بقوله: والكرم التقوى؛ والتقوى تشمل المكارم الدينيّة والشيم المرضيّة التي فيها شرف الدارين. انتهى.
من شروح «الجامع الصغير» .
ومما ينسب للإمام الشافعي- رحمه الله تعالى-:
قيمة المرء فضله عند ذي الفض ل وما في يديه عند الرّعاع
فإذا ما حويت علما ومالا كنت عين الزّمان بالإجماع
وإذا منهما غدوت خليّا صرت في النّاس من أخسّ المتاع
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»؛ مرموزا له برمز الإمام أحمد والترمذي في «التفسير»، وابن ماجه في «الزهد»، والحاكم في «النكاح»؛ عن سمرة بن جندب؛ وقال الترمذي: حسن صحيح؛ وقال الحاكم: على شرط البخاري، وأقرّه الذّهبي.
لكن قيل: إنّه من حديث الحسن عن سمرة؛ وقد تكلموا في سماعه منه. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
١٠٢- («حسبك بالصّحّة) في البدن، (والسّلامة) عن المنغّصات؛ في النفس والأهل والمال (داء قاتلا لابن آدم»)، لأنّ ذلك يدعوه إلى الغرور وارتكاب الشّرور، ويورثه البطر والعجب، وينسيه الآخرة، ويحبّب إليه الدّنيا لما يألفه من الشّهوات؛ «وحبّ الدّنيا رأس كلّ خطيّة» ! والتمتّع بالشّهوات المباحات يحجب القلوب عن الآخرة، وكل ذلك يسقم الدين؛ وهو دليل على عدم محبّة الله له، لأنّ المؤمن كخامة الزرع يتكفّؤها البلاء، وإذا أحبّ الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرّعه، ويكره العفريت النّفريت الذي لا يمرض ولا يرمد.
فالمؤمن كثير المشوّشات والمنغّصات في بدنه وماله وأهله، فيمرض ويصاب غالبا، ويخلو من ذلك أحيانا ليكفّر عنه سيئاته، ولا يخلو المؤمن من قلّة أو علّة أو ذلّة.
وأمّا دوام السّلامة للعبد فيخشى منه الاستدراج؛ وهو من علامة الكفّار، لأن الغالب
[ ٣ / ٤٠٢ ]
١٠٣- «حفّت الجنّة بالمكاره، وحفّت النّار بالشّهوات» .
عليهم الصحّة ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة.
وهذا لا ينافي طلب العافية المأمور به في عدة أحاديث، لأن المطلوب العافية السليمة العاقبة مما ذكر.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس»، وذكره في «الجامع الصغير» بلفظ: «كفى بالسّلامة داء» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس»؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، وإسناده ضعيف؛ قال الديلمي: وفي الباب؛ عن أنس ﵁.
١٠٣- («حفّت الجنّة بالمكاره) أي: أحاطت بها.
والمراد بالمكاره: ما يكرهه المرء ويشقّ عليه من القيام بحقوق العبادة على وجهها؛ كإسباغ الطّهر في الشّتاء وتجرّع الصّبر على المصائب والتسليم لأمر الله فيها واجتناب المنهيات قولا وفعلا، وأطلق عليها مكاره!! لمشقّتها على العامل وصعوبتها؛ (وحفّت النّار بالشّهوات») أي: ما يستلذّ من أمور الدّنيا مما منع الشرع من تعاطيه، وهذا تمثيل حسن، ومعناه يوصل إلى الجنّة بارتكاب المكاره من الجهد في الطاعة، والصبر عن الشهوة؛ كما يوصل المحجوب عن الشيء إليه بهتك حجابه، ويوصل إلى النّار بارتكاب الشهوات
ومن المكاره: الصبر على المصائب بأنواعها، فكلّ من صبر على واحدة قطع حجابا من حجب الجنّة، ولا يزال يقطع حجبها حتى لا يبقى بينه وبينها إلا مفارقة روحه بدنه؛ فيقال يا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلى رَبِّكِ راضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) [الفجر] .
قال الغزالي: بيّن بهذا الحديث أن طريق الجنّة وعر، وسبيل صعب كثير العقبات شديد المشقّات، بعيد المسافات عظيم الآفات، كثير العوائق والموانع، خفيّ المهالك والقواطع، عزيز الأعداء والقطّاع، عزيز الأتباع والأشياع؛ وهكذا يجب أن يكون.
قال ابن حجر: وهذا من جوامع كلم المصطفى ﷺ وبديع بلاغته في ذمّ الشّهوات؛ وإن مالت إليها النّفوس، والحث على الطاعات؛ وإن كرهتها وشقّت عليها.
والحديث متفق عليه؛ عن أبي هريرة ﵁. لكن للبخاري «حجبت» بدل «حفّت» في الموضعين؛ ورواه القضاعي؛ عن أبي هريرة بلفظ مسلم؛ وأخرج الإمام
[ ٣ / ٤٠٣ ]
١٠٤- «الحكمة ضالّة المؤمن» .
أحمد، ومسلم، والترمذي؛ عن أنس ﵁. وأخرجه الإمام أحمد في «الزهد»؛ عن ابن مسعود موقوفا.
١٠٤- («الحكمة) - التي هي العلم بالأشياء على ما هي عليه، والعمل كما ينبغي.
وقال ابن دريد: كلّ كلمة وعظتك أو زجرتك، أو دعتك إلى مكرمة، أو نهتك عن قبيح فهي حكمة (ضالّة المؤمن»)؛ أي: بمنزلة الضّالّة التي هو ناشد لها وساع في طلبها.
والحديث ذكره في «الكشف»؛ وقال: رواه القضاعي في مسنده مرسلا؛ عن زيد بن أسلم رفعه بزيادة: «حيث ما وجد المؤمن ضالّته فليجمعها إليه» .
ورواه الترمذي والعسكري والقضاعي أيضا؛ عن أبي هريرة ﵁- وفي سندهم إبراهيم بن الفضل ضعيف-؛
ولفظ العسكري والقضاعي: «كلمة الحكمة ضالّة كلّ حكيم، فإذا وجدها فهو أحقّ بها» . ولفظ الترمذي: «الكلمة الحكيمة ضالّة المؤمن، فحيث وجدها فهو أحقّ بها»؛ وقال: غريب.
ورواه العسكري أيضا عن أنس رفعه بلفظ: «العلم ضالّة المؤمن حيث وجده أخذه» .
ورواه أيضا؛ عن ابن عباس من قوله؛ بلفظ: خذوا الحكمة ممّن سمعتموها، فإنّه قد يقول الحكمة غير الحكيم، وتكون الرّمية من غير رام» .
وهذا عند البيهقي في «المدخل»؛ عن عكرمة بلفظ: خذ الحكمة ممّن سمعت، فإنّ الرّجل يتكلّم بالحكمة وليس بحكيم؛ فيكون كالرّمية خرجت من غير رام» ..
وعنده أيضا؛ عن سعيد بن أبي بردة قال: كان يقال: الحكمة ضالّة المؤمن؛ يأخذها حيث وجدها. وعن عبد الله بن عبيد بن عمير قال: كان يقال: العلم ضالّة المؤمن يغدو في طلبها، فإن أصاب منها شيئا حواه حتى يضمّ إليه غيره.
وفي معناه ما رواه الديلمي؛ عن علي مرفوعا: «ضالّة المؤمن العلم، كلّما قيّد حديثا طلب إليه آخر» . وللديلمي أيضا؛ عن ابن عباس مرفوعا: «نعم الفائدة الكلمة من الحكمة؛ يسمعها الرّجل فيبديها لأخيه» .
[ ٣ / ٤٠٤ ]
١٠٥- «الحلال بيّن والحرام بيّن» .
وله أيضا بلا سند؛ عن ابن عمر رفعه: «خذ الحكمة؛ ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت» . ويروى نحو هذا من قول علي ﵁. انتهى.
ولله در من قال:
خذ العلوم ولا تنظر لقائلها من أين كان، فإنّ العلم ممدوح
كدرّة أنت تلقاها بمزبلة ألست تأخذها؛ والزّبل مطروح!!
١٠٥- («الحلال)، ضد الحرام- لغة؛ وشرعا- (بيّن): ظاهر واضح؛ لا يخفى حله، وهو ما نص الله أو رسوله، أو أجمع المسلمون على تحليله بعينه أو جنسه؛ ومنه: ما لم يرد فيه منع في أظهر الأقوال.
(والحرام بيّن») واضح لا تخفى حرمته، وهو ما نص الله أو رسوله، أو أجمع المسلمون على تحريمه بعينه أو جنسه، أو بورود عقوبة أو وعيد عليه.
ثم التحريم. إمّا لمفسدة أو مضرة خفية: كالزّنا ومذكّى المجوس؛ وإما لمفسدة أو مضرة واضحة: كالسّمّ والخمر وتفصيله يطول.
والحديث طويل، أخرجه البخاري في «كتاب الإيمان»، وأخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي في «البيوع»، وابن ماجه في «الفتن»؛ كلهم من حديث النّعمان بن بشير رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت النبي ﷺ يقول فذكره مطولا.
[ ٣ / ٤٠٥ ]
[(حرف الخاء)]
(حرف الخاء) ١٠٦- «خذ الحكمة، ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت» .
١٠٧- «خصلتان لا يجتمعان إلّا في مؤمن: السّخاء، وحسن الخلق» .
١٠٨- «خصلتان لا يجتمعان في مؤمن: البخل، وسوء الخلق» .
(حرف الخاء) ١٠٦- («خذ الحكمة؛ ولا يضرّك من أيّ وعاء خرجت») أخرجه الدّيلمي بلا سند؛ عن ابن عمر رفعه، وقد تقدّم في «الحكمة ضالّة المؤمن» .
١٠٧- («خصلتان لا يجتمعان)، مع بلوغ النّهاية فيهما؛ (إلّا في مؤمن) كامل الإيمان (: ١- السّخاء) - بالمد-: الجود والكرم والإعطاء بطيب نفس.
(و٢- حسن الخلق»)؛ وهو هيئة للنفس تصدر عنها الأفعال الحسنة بسهولة. والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «مسند الفردوس» .
١٠٨- («خصلتان لا يجتمعان في مؤمن)، أي: كامل الإيمان؛ فلا يرد أن كثيرا من الموحدين موجودتان فيه؛ (: ١- البخل، و٢- سوء الخلق») . قال العلقمي: قال شيخنا: قال في «النهاية»: المراد من ذلك: اجتماع الخصلتين فيه مع بلوغ النّهاية فيهما، بحيث لا ينفكّ عنهما؛ ولا ينفكان عنه، فأمّا من فيه بعض هذا وبعض هذا؛ وينفك عنه في بعض الأوقات! فإنّه بمعزل عن ذلك. انتهى «عزيزي» .
وفي المناوي على «الجامع الصغير»: «خصلتان لا يجتمعان»: مبتدأ
[ ٣ / ٤٠٦ ]
١٠٩- «الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله» .
موصوف، والخبر محذوف، أي: فيما أحدثكم به خصلتان، كقوله سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها [١/ النور] . أي: فيما أوحينا إليك.
والبخل وسوء الخلق: مبتدأ تقديره: هما. وأفرد البخل عن سوء الخلق؛ وهو بعضه، وجعله معطوفا عليه يدلّ على أنه أسوؤها وأبشعها!! لأنّ البخيل بعيد من الله بعيد من الجنة بعيد من الناس.
والحديث ذكره في «كشف الخفا»؛ وقال: رواه الترمذي وأبو داود الطيالسي؛ عن أبي سعيد الخدري. وذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الترمذي والبخاري في «الأدب المفرد»؛ عن أبي سعيد أيضا: قال الترمذي:
غريب، لا نعرفه إلّا من حديث صدقة بن موسى. انتهى. قال الذهبي: وصدقة ضعيف؛ ضعّفه ابن معين وغيره. وقال المنذري: ضعيف. انتهى من المناوي على «الجامع الصغير» .
١٠٩- («الخلق كلّهم عيال الله)؛ أي: فقراؤه، وهو الذي يعولهم.
(وأحبّهم إلى الله أنفعهم لعياله») بالهداية إلى الله، والتعليم لما يصلحهم، والعطف عليهم، والترحم والشفقة والإنفاق عليهم من فضل ما عنده وغير ذلك من وجوه الإحسان الآخروية والدنيوية.
والعادة أنّ السّيّد يحب الإحسان إلى عبيده وحاشيته، ويجازي عليه.
وفيه حثّ على فضل قضاء حوائج الخلق ونفعهم بما تيسّر؛ من علم أو مال أو جاه أو إرشاد أو نصح، أو دلالة على خير، أو إعانة أو شفاعة أو غير ذلك.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز أبي يعلى، والبزار في «مسنده»، وكذا البيهقي في «الشعب»؛ عن أنس. قال السيوطي كالزركشي:
سنده ضعيف؛ وأخرجه الديلمي وابن عدي؛ من حديث ابن مسعود؛ قال ابن
[ ٣ / ٤٠٧ ]
١١٠- «خير الأمور.. أوساطها» .
الجوزي: حديث لا يصح. انتهى مناوي على «الجامع»، و«درر» .
١١٠- («خير الأمور أوساطها») أي: التوسّط فيها بين الإفراط والتفريط في الأخلاق؛ كالكرم بين التبذير والبخل؛ والشّجاعة بين التهوّر والجبن؛ وفي الأحوال كالاعتدال بين الخوف والرّجاء، والقبض والبسط؛ وفي الاعتقاد بين التشبيه والتعطيل، وبين القدر والجبر، فكلّ إنسان مأمور أن يجتنب كلّ وصف مذموم بالبعد عنه، وأبعد الجهات والمقادير من كلّ طرفين وسطهما؛ فإذا كان في الوسط فقد بعد عن الأطراف المذمومة.
ويشهد لما تقدم قوله تعالى وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ [٢٩/ الإسراء] . وقوله تعالى وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَوامًا (٦٧) [الفرقان] . وقوله تعالى وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخافِتْ بِها وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا (١١٠) [الإسراء] . وقوله تعالى بَقَرَةٌ لا فارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [٦٨/ البقرة] .
وكذا حديث الاقتصاد؛ ولقد أجاد بعضهم حيث قال:
عليك بأوساط الأمور فإنّها نجاة ولا تركب ذلولا ولا صعبا
وقال الحريري:
حبّ التّناهي غلط خير الأمور الوسط
وقال:
خير الأمور عندنا الأوساط ويكره التفريط والإفراط
والحديث ذكره في «الكشف» باللّفظ المذكور، قال: وفي لفظ «أوسطها» وقال: قال ابن الغرس: ضعيف، انتهى.
وقال في «المقاصد»: رواه ابن السّمعاني في ذيل «تاريخ بغداد»، لكن بسند فيه مجهول؛ عن علي مرفوعا.
[ ٣ / ٤٠٨ ]
١١١- «خير الرّزق.. ما لا يطغيك ولا يلهيك» .
١١٢- «خير العمل.. أن تفارق الدّنيا ولسانك رطب من ذكر الله» .
وللدّيلمي بلا سند؛ عن ابن عبّاس مرفوعا: «خير الأعمال أوسطها»؛ في حديث أوّله: «دوموا على أداء الفرائض» .
وللعسكري عن الأوزاعي أنّه قال: ما من أمر أمر الله إلّا عارض الشّيطان فيه بخصلتين؛ لا يبالي أيّهما أصاب: الغلوّ، أو التقصير.
ولأبي يعلى بسند جيّد؛ عن وهب بن منبّه قال: إنّ لكلّ شيء طرفين ووسطا، فإذا أمسك بأحد الطّرفين مال الآخر، وإذا أمسك بالوسط اعتدل الطّرفان، فعليكم بالأوساط من الأشياء. انتهى.
١١١- («خير الرّزق ما) - يعني: الكفاف الذي- (لا يطغيك ولا يلهيك»)، لأنّ ذلك هو الاقتصاد المحمود، فإنّ الزّيادة ربّما تطغي الإنسان، والنّقص عن ذلك ربما يورثه السّخط؛ والمراد بالرزق: الحلال. والحديث ذكره المناوي؛ في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الطّبرانيّ.
١١٢- («خير العمل أن تفارق الدّنيا) يعني تموت (ولسانك)؛ أي: والحال أنّ لسانك (رطب من ذكر الله»)، هذا مسوق للحثّ على لزوم الذّكر؛ ولو باللّسان مع عزوب القلب، إذ ذكر اللّسان خير؛ وإن كان قلبه مشغولا، فلا يشترط حضور القلب في الذّكر، ولذلك قال تلميذ لأبي عثمان البنانيّ: في بعض الأحيان يجري الذّكر على لساني؛ وقلبي غافل! فقال: اشكر الله أن استعمل جارحة منك في خير وعوّدك الذّكر، ومن عجز عن الحضور بالقلب، فترك تعويد اللّسان بالذّكر فقد أسعف الشّيطان، فتدلّى بحبل غروره. فتمّت بينهما المشاكلة والموافقة.
ولهذا قال التاج ابن عطاء الله: لا تترك الذّكر مع عدم الحضور؛ فعسى أن ينقلك منه إلى ذكر مع الحضور، ومنه إلى ذكر مع غيبة عما سوى المذكور،
[ ٣ / ٤٠٩ ]
١١٣- «خيركم.. خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي» .
وما ذلك على الله بعزيز.
قال ناظم «الحكم العطائيّة»:
لا تترك الذكر إذا لم تحضر فيه مع المولى الجليل الأكبر
فغافلة منك عن الذّكر أشدّ من غفلة في الذّكر يا أخا الرّشد
لكنّ أكمل الذّكر وأنفعه هو ما كان بالقلب واللّسان. أي: استحضار القلب لمعنى ما يجري على لسانه، وأكمل منه: أن يغيب عن الذّكر بالمذكور.
وهذا الحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز أبي نعيم في «الحلية»؛ عن عبد الله بن بسر- بضمّ الموحّدة وسكون المهملة- رضي الله تعالى عنه، وفي «العزيزي»: إنّه حديث ضعيف.
١١٣- («خيركم)؛ أي: من خيركم (خيركم لأهله)؛ يعني: من خياركم وأفاضلكم: من كان معظم برّه لأهله، كما يقال: فلان أعقل النّاس، أي: من أعقلهم، فلا يصير بذلك خير النّاس مطلقا.
والأهل: قد يخصّ الزّوجة وأولادها، وقد يطلق على جملة الأقارب، فهم أولى من الأجانب.
قال ابن الأثير: هو إشارة إلى صلة الرّحم والحثّ عليها.
قال الحفني: والأولى حمله على العموم من كلّ ذي رحم.
(وأنا خيركم لأهلي») برّا ونفعا لهم دينا ودنيا، وكان أحسن النّاس عشرة لهم، حتى أنّه كان يرسل بنات الأنصار لعائشة يلعبن معها. وكانت إذا هويت شيئا لا محذور فيه تابعها عليه. وإذا شربت شرب من موضع فمها، ويقبّلها وهو صائم. وأراها الحبشة وهم يلعبون في المسجد؛ وهي متّكئة على منكبه. وسابقها في السّفر مرتين فسبقها وسبقته؛ ثم قال: «هذه بتلك» . وتدافعا في خروجهما من المنزل مرّة.
[ ٣ / ٤١٠ ]
١١٤- «خيركم.. خيركم لأهلي من بعدي» .
وفي «الصحيح»: أنّ نساءه كنّ يراجعنه الحديث. وتهجره الواحدة منهنّ يوما إلى الليل، ودفعته إحداهنّ في صدره؛ فزجرتها أمّها؛ فقال لها:
«دعيها فإنّهنّ يصنعن أكثر من ذلك»؛ كذا في «الإحياء» .
وجرى بينه وبين عائشة كلام؛ حتى أدخل بينهما أبا بكر حكما؛ كما في خبر «الطّبرانيّ»، وقالت له عائشة مرّة في كلام غضبت عنده: وأنت الذي تزعم أنّك نبيّ الله!! فتبسّم، كما في خبر أبي يعلى، وأبي الشّيخ؛ عنها.
وكان يعتني بهنّ ويهتمّ بتفقّد أحوالهنّ، فكان إذا صلّى العصر دار على نسائه، فدنا منهنّ، واستقرأ أحوالهنّ، فإذا جاء اللّيل انقلب إلى صاحبة النّوبة.
وكان إذا شربت عائشة من الإناء؛ أخذه فوضع فمه على موضع فمها. رواه مسلم.
ولمّا أراد أن يحمل صفيّة بنت حييّ على بعير؛ نصب لها فخذه لتضع رجلها عليه؛ فلوت ساقها عليه.
فينبغي الاقتداء به ﷺ في تلك الملاطفة. وفي «تذكرة ابن عراق»؛ عن الإمام مالك: يجب على الرّجل أن يتحبّب إلى أهل داره حتّى يكون أحبّ النّاس إليهم.
وذكر نحوه يوسف الصّدفي المالكي رحمهم الله تعالى.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الترمذي في «المناقب»؛ عن عائشة ﵂. وابن ماجه؛ عن ابن عباس. والطبراني في «الكبير»؛ عن معاوية. وصحّحه الترمذي؛ وتمام الحديث: «وإذا مات صاحبكم فدعوه ولا تقعوا فيه» . انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
١١٤- («خيركم)؛ أيّها الصّحب، (خيركم لأهلي): زوجاتي وأقاربي وعيالي، (من بعدي»)؛ أي: من بعد وفاتي وقد قبل أكثر الصحابة وصيّته، فقابلوهم بالإكرام والاحترام.
[ ٣ / ٤١١ ]
١١٥- «خير النّاس.. أنفعهم للنّاس» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن أبي هريرة ﵁. قال المناوي: ورواه أيضا أبو يعلى وأبو نعيم والدّيلمي، ورجاله ثقات، ولكنّ شذّ راويه بقوله: «لأهلي» . والكلّ إنما قالوه: «لأهله» ذكره ابن أبي خيثمة. انتهى.
١١٥- («خير النّاس أنفعهم للنّاس») بالإحسان إليهم بماله وجاهه، فإنّهم عباد الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعباده، أي: أشرفهم عنده؛ أكثرهم نفعا للنّاس، بنعمة يسديها، أو نقمة يزويها عنهم دينا ودنيا.
ومنافع الدّين أشرف قدرا وأبقى نفعا، قال بعضهم: هذا يفيد أنّ الإمام العادل خير الناس؛ أي: بعد الأنبياء لأنّ الأمور التي يعمّ نفعها، ويعظم وقعها؛ لا يقوم بها غيره، وبه نفع العباد والبلاد، وهو القائم بخلافة النّبوّة في إصلاح الخلق؛ ودعائهم إلى الحقّ، وإقامة دينهم، وتقويم أودهم، ولولاه لم يكن علم ولا عمل. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه القضاعي في «مسند الشّهاب»؛ عن جابر ﵁، وفيه عمرو بن أبي بكر السّكسكيّ الرّمليّ؛ قال في «الميزان»: واه. وقال ابن عديّ: له مناكير؛ وابن حبّان: يروي عن الثّقات الطّامات.
ثم أورد له أخبارا هذا منها. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وفي «العزيزي»: إنه حديث حسن لغيره.
[ ٣ / ٤١٢ ]
[(حرف الدّال)]
(حرف الدّال ١١٦- «الدّالّ على الخير.. كفاعله، والدّالّ على الشّرّ..
كفاعله» .
(حرف الدّال) ١١٦- («الدّالّ على الخير كفاعله») في حصول الثّواب؛ وإن تفاوت المقدار، كما إذا أمرت شخصا بنحو صدقة، أو صوم يوم، أو صلاة، أو صلة رحم، أو غير ذلك؛ فإن حصل ذلك الخير فله مثل ثوابه، وإلّا فله ثواب دلالته.
قال القرطبيّ: ذهب بعض الأئمّة إلى أنّ المثل المذكور إنّما هو بغير تضعيف؛ لأنّ فعل الخير لم يفعله الدّالّ! وليس كما قال!! بل ظاهر اللّفظ المساواة، ويمكن أن يصار إلى ذلك، لأنّ الأجر على الأعمال إنّما هو بفضل الله؛ يهب لمن يشاء على أيّ فعل شاء، وقد جاء في الشّرع كثير. انتهى «مناوي» .
ويدخل في ذلك دخولا أوّليّا أولويّا: من يعلّم النّاس العلم الشّرعيّ، ويتحمّلون عنه؛ قاله في شرح «الإحياء» .
(والدّالّ على الشّرّ كفاعله»)؛ أي: لإعانته عليه، فله كفعله من الإثم؛ وإن لم يحصل بمباشرته.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير»، وقال: أخرجه البزّار؛ عن ابن مسعود وعن أنس، والطّبرانيّ في «الكبير»؛ عن سهل بن سعد السّاعدي وعن أبي مسعود؛ وفي إسناده ضعيف [جدا] .
وأخرجه أحمد والضّياء؛ عن بريدة بن الحصيب، وابن أبي الدّنيا في «قضاء الحوائج»؛ عن أنس بإسناد حسن، بلفظ: «الدّالّ على الخير كفاعله، والله يحبّ إغاثة اللهفان» انتهى.
[ ٣ / ٤١٣ ]
١١٧- «الدّعاء.. مخّ العبادة» .
١١٨- «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك،
ورواه ابن عبد البرّ؛ عن أبي الدرداء من قوله بلفظ: الدّالّ على الخير وفاعله شريكان. ورواه التّرمذيّ؛ عن أنس وقال: غريب. ورواه مسلم، وأبو داود، والتّرمذيّ، وصحّحه؛ عن أبي مسعود البدريّ؛ بلفظ: من دلّ على خير فله مثل أجر فاعله. انتهى «كشف الخفا» .
١١٧- («الدّعاء مخّ العبادة»)؛ أي: خالصها، لأنّ الدّاعي إنّما يدعو الله عند انقطاع أمله ممّا سواه، وذلك حقيقة التّوحيد، والإخلاص، ولا عبادة فوقها، فكان مخّها بهذا الاعتبار. وأيضا لما فيه من إظهار الافتقار، والتّبرّي من الحول والقوّة وهو سمت العبوديّة، واستشعار ذلّة البشريّة، ومتضمّن للثّناء على الله؛ وإضافة الكرم والجود إليه.
وبقية الحديث: ثم قرأ وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] .
وهذا استدلال بالآية، فإنّها تدلّ على أنّه مأمور به؛ إذا أتى به المكلّف قبل منه لا محالة، وترتّب عليه المقصود ترتّب الجزاء على الشّرط، والمسبّب على السّبب، وما كان كذلك كان أتمّ العبادة وأكملها. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه الترمذي في (الدّعوات)؛ عن أنس ﵁ وقال:
غريب؛ لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة. وفي «العزيزي»: إنّه حديث صحيح.
انتهى.
١١٨- («دع ما يريبك) - بضمّ الياء، وفتحها أكثر رواية-؛ أي: اترك ما تشكّ في كونه حسنا، أو قبيحا، أو حلالا، أو حراما (إلى ما لا يريبك)؛ أي: واعدل إلى ما لا شكّ فيه؛ يعني: ما تيقّنت حسنه وحلّه.
والأمر للنّدب، لما أنّ توقّي الشّبهات مندوب لا واجب على الأصحّ. «ومن
[ ٣ / ٤١٤ ]
فإنّ الصّدق.. طمأنينة، وإنّ الكذب.. ريبة» .
اتّقى الشّبهات فقد استبرأ لعرضه ودينه» .
قال القاضي: هذا الحديث من دلائل النّبوّة، ومعجزات المصطفى ﷺ، فإنّه أخبر عمّا في ضمير وابصة قبل أن يتكلم به!.
والمعنى: أنّ من أشكل عليه شيء والتبس؛ ولم يتبيّن أنّه من أيّ القبيلين هو فليتأمل فيه؛ إن كان من أهل الاجتهاد، ويسأل المجتهدين؛ إن كان من المقلدين، فإن وجد ما يسكن إليه نفسه، ويطمئنّ به قلبه، وينشرح صدره، فليأخذ به، وإلّا! فليدعه، وليأخذ بما لا شبهة فيه ولا ريبة؛ (فإنّ الصّدق طمأنينة)؛ أي: يطمئنّ إليه القلب ويسكن. وفيه إضمار، أي: محلّ طمأنينة أو سبب طمأنينة.
(وإنّ الكذب ريبة»)؛ أي: يقلق القلب ويضطرب.
وقال الطّيبيّ: جاء هذا القول ممهّدا لما تقدّمه من الكلام. ومعناه: إذا وجدت نفسك ترتاب في الشّيء فاتركه، فإنّ نفس المؤمن تطمئنّ إلى الصّدق، وترتاب من الكذب، فارتيابك من الشّيء منبئ عن كونه مظنّة للباطل فاحذره، وطمأنينتك للشّيء مشعر بحقيقته؛ فتمسك به.
والصّدق والكذب يستعملان في الأقوال والأفعال، وما يحقّ أو يبطل من الاعتقاد. وهذا مخصوص بذوي النّفوس الشّريفة، القدسيّة المطهّرة عن دنس الذّنوب؛ ووسخ العيوب. انتهى.
والحاصل: أنّ الصّدق إذا مازج قلب الكامل؛ امتزج نوره بنور الإيمان، فاطمأنّ وانطفأ سراج الكذب، فإنّ الكذب ظلمة، والظّلمة لا تمازج النّور. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود الطّيالسيّ، وأبو يعلى في «مسانيدهم»، والتّرمذيّ، وابن ماجه، والحاكم، وآخرون؛ عن الحسن بن
[ ٣ / ٤١٥ ]
١١٩- «الدّنيا.. سجن المؤمن وجنّة الكافر» .
علي، وقال التّرمذيّ: حسن صحيح، وقال الحاكم: صحيح الإسناد، وصحّحه ابن حبّان، وهو طرف من حديث طويل. انتهى «كشف الخفاء»، ومناوي على «الجامع الصغير» .
١١٩- («الدّنيا) قال القرطبيّ: وزنها فعلى وألفها للتّأنيث، وهو من الدّنوّ بمعنى القرب، وهي صفة لموصوف محذوف، كما قال تعالى وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ (١٨٥) [آل عمران] غير أنّه كثر استعمالها استعمال الأسماء؛ فاستغني عن موصوفها. والمراد: الدّار الدّنيا والحياة الدّنيا الّتي تقابل الدار الآخرة؛ أو الحياة الآخرى. انتهى.
وقيل: هي ما على الأرض من الهواء والجوّ. وقيل: كلّ المخلوقات من الجواهر والأعراض، ويطلق على كلّ جزء من ذلك مجازا. انتهى عزيزي على «الجامع الصغير» .
(سجن المؤمن)؛ بالنّسبة لما أعدّ له في الآخرة من النّعيم المقيم.
(وجنّة الكافر»)؛ بالنّسبة لما أمامه من عذاب الجحيم، وعما قريب يحصل في السّجن المستدام؛ نسأل الله السلامة يوم القيامة.
وقيل: المؤمن صرف نفسه عن لذّاتها؛ فكأنّه في السّجن لمنع الملاذّ عنه، والكافر سرّحها في الشّهوات؛ فهي له كالجنّة.
قال السّهرورديّ: والسّجن والخروج منه يتعاقبان على قلب المؤمن على توالي السّاعات، ومرور الأوقات، لأنّ النّفس كلما طهرت صفاتها أظلم الوقت على القلب؛ حتى ضاق وانكمد. وهل السّجن إلا تضييق وحجر من الخروج؛ فكلما همّ القلب بالتّبرّي عن مشائم الأهواء الدّنيويّة، والتخلّص عن قيود الشّهوات العاجلة؛ تشهّيا إلى الآجلة، وتنزّها في فضاء الملكوت، ومشاهدة للجمال الأزلي؛ حجزه الشّيطان المردود من هذا الباب بالاحتجاب، فتدلّى بحبل النّفس
[ ٣ / ٤١٦ ]
١٢٠- «الدّنيا.. عرض حاضر، يأكل منها البرّ والفاجر، والآخرة.. وعد صادق،
الأمّارة إليه، فتكدّر صفو العيش عليه، وحال بينه وبين محبوب طبعه، وهذا من أعظم السّجون وأضيقها، فإنّ من حيل بينه وبين محبوبه ضاقت عليه الأرض بما رحبت، وضاقت عليه نفسه.
تتمة: ذكروا أنّ الحافظ شهاب الدّين؛ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني ﵀، لما كان قاضي القضاة مرّ يوما بالسّوق، في موكب عظيم، وهيئة جميلة؛ فهجم عليه يهوديّ يبيع الزيت الحارّ، وأثوابه ملطّخة بالزّيت، وهو في غاية الرّثاثة والشّاعة، فقبض على لجام بغلته؛ وقال: يا شيخ الإسلام؛ تزعم أنّ نبيّكم قال: «الدّنيا سجن المؤمن وجنّة الكافر» فأي: سجن أنت فيه؟!! وأي:
جنّة أنا فيها؟!! فقال: أنا بالنّسبة لما أعدّ الله لي في الآخرة من النّعيم؛ كأنّي الآن في السّجن، وأنت بالنسبة لما أعدّ لك في الآخرة من العذاب الأليم؛ كأنّك في جنّة. فأسلم اليهوديّ. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
وقيل: إنّ صاحب القصّة هو أبو سهل الصّعلوكيّ الفقيه الخراساني، وكان ممّن جمع رياسة الدّين والدّنيا، وقيل: إنّه الإمام الشّافعي؛ ولا مانع من تعدّد الواقعة.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد؛ ومسلم في «الرّقائق»، والتّرمذيّ؛ وابن ماجه في «الزهد»؛ عن أبي هريرة ﵁، والطّبراني في «الكبير»، والحاكم في «المستدرك»؛ عن سلمان، والبزّار؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
١٢٠- («الدّنيا عرض حاضر)؛ أي: متاع عاجل (يأكل منها البرّ والفاجر): الطائع والعاصي.
(والآخرة وعد) من الله (صادق)؛ إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعادَ (٩) [آل عمران] .
[ ٣ / ٤١٧ ]
يحكم فيها ملك عادل، يحقّ الحقّ ويبطل الباطل، فكونوا أبناء الآخرة، ولا تكونوا أبناء الدّنيا، فإنّ كلّ أمّ يتبعها ولدها» .
١٢١- «الدّنيا.. كلّها متاع، وخير متاعها: المرأة الصّالحة» .
(يحكم فيها ملك عادل)؛ لا يتصوّر منه الجور والظلم؛ (يحقّ الحقّ ويبطل الباطل.
فكونوا أبناء الآخرة)؛ أي: عاملين بأعمال الآخرة وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) [الإسراء] .
(ولا تكونوا أبناء الدّنيا)؛ أي: مشتغلين بها، منهمكين فيها، بحيث تشغلكم عن الآخرة، وعما يقرّبكم إلى الله تعالى.
(فإنّ كلّ أمّ يتبعها ولدها») فمن كان من أبناء الدّنيا مشتغلا بها معرضا عن الله والآخرة؛ فذلك حظّه وهو في الآخرة من الخاسرين، ومن كان من أبناء الآخرة، مشتغلا بما يقرّبه إلى الله؛ متزوّدا لآخرته؛ فعسى أن يكون من المفلحين.
ولله درّ من قال:
عتبت على الدّنيا لرفعة جاهل وخفض لذي علم، فقالت: خذ العذرا
بنو الجهل أبنائي لهذا رفعتهم وأهل التّقى أولاد للضّرّة الآخرى
١٢١- («الدّنيا كلّها متاع) أي: شيء يتمتّع به؛ أي: ينتفع به أمدا قليلا.
وعبّر بلفظ المتاع! إفهاما لخسّتها، لكونه من أسماء الجيفة؛ الّتي هي للمضطرّ يأخذ منها قدر الحاجة والضرورة.
(وخير متاعها المرأة الصّالحة») التي فسّرت في الحديث؛ بقوله:
«الّتي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته؛ في نفسها، وماله» .
وقيّد بالصّالحة!! إيذانا بأنّها شرّ المتاع؛ لو لم تكن صالحة، وهو كذلك.
[ ٣ / ٤١٨ ]
١٢٢- «الدّنيا.. مزرعة الآخرة» .
فشرّ متاع الدّنيا المرأة غير الصالحة. قال الطّيبيّ: المتاع من التمتّع بالشّيء؛ وهو الانتفاع به، وكلّ ما ينتفع به من عروض الدّنيا: متاع. والظّاهر أنّ المصطفى ﷺ أخبر: بأنّ الاستمتاعات الدّنيويّة كلّها حقيرة؛ ولا يؤبه لها، وذلك أنّه تعالى لمّا ذكر أصنافها وملاذّها في آية زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ أتبعه بقوله ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا. ثمّ قال بعده وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) [آل عمران] . انتهى.
وفيه إيماء إلى أنّ المرأة أطيب حلال في الدّنيا، أي: لأنّه سبحانه زيّن الدّنيا بسبعة أشياء ذكرها بقوله زُيِّنَ لِلنَّاسِ.. الآية؛ وتلك السّبعة هي ملاذّها وغاية آمال طلّابها؛ وأعمّها زينة وأعظمها شهوة النّساء، لأنّها تحفظ زوجها عن الحرام، وتعينه على القيام بالأمور الدّنيويّة والدّينيّة، وكلّ لذّة أعانت على لذّات الآخرة فهي محبوبة مرضية لله تعالى؛ فصاحبها يلتذّ بها من جهة تنعّمه وقرّة عينه بها، ومن جهة إيصالها إلى مرضاة ربّه، وإيصاله إلى لذّة أكمل منها. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه الإمام أحمد، ومسلم، في «الرّضاع»، والنّسائي في «النّكاح»، وابن ماجه وغيره؛ عن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما رفعه. ولم يخرّجه البخاريّ!!.
١٢٢- («الدّنيا مزرعة الآخرة») الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق»؛ مرموزا له برمز الدّيلميّ في «الفردوس»، وذكره العجلوني في «الكشف» .
وقال: قال في «المقاصد»: لم أقف عليه. مع إيراد الغزالي له في «الإحياء» !!.
وقال القاري: قلت: معناه صحيح، مقتبس من قوله تعالى مَنْ كانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ [٢٠/ الشورى] . وقال ابن الغرس: لا يعرف.
وأنشدوا:
[ ٣ / ٤١٩ ]
١٢٣- «دوروا مع كتاب الله حيثما دار» .
١٢٤- «الدّين.. النّصيحة» .
إذا أنت لم تزرع وأبصرت حاصدا ندمت على التّفريط في زمن البذر
ورواه في «الفردوس» بلا سند، عن ابن عمر مرفوعا بلفظ: «الدّنيا قنطرة الآخرة»، وذكره الصّغاني بإسقاط الآخرة «فاعبروها؛ ولا تعمروها» .
وفي «الضّعفاء» للعقيلي و«مكارم الأخلاق» لابن لال؛ عن طارق بن أشيم رفعه: «نعمت الدّار الدّنيا لمن تزوّد منها لآخرته» الحديث.
وذكره الحاكم وصحّحه، ولكن تعقّبه الذّهبيّ بأنّه منكر، وراويه عبد الجبّار لا يعرف.
ولابن عساكر، عن يحيى بن سعيد؛ قال: كان عيسى ﵊ يقول: اعبروا الدّنيا ولا تعمروها، وحبّ الدّنيا رأس كلّ خطيئة، والنّظر يزرع في القلب الشّهوة» . انتهى كلام «الكشف» .
١٢٣- («دوروا مع كتاب الله حيثما دار») المراد- كما في حديث آخر-:
«أحلّوا حلاله وحرّموا حرامه، فإنّه الكتاب المبين والصراط المستقيم» .
وهذا الحديث يوضّحه ما رواه الطّبراني عن معاذ: «خذوا العطاء ما دام عطاء، فإذا صار رشوة على الدّين؛ فلا تأخذوه، ألا إنّ رحى الإسلام دائرة فدوروا مع الكتاب حيث دار، ألا وإنّ الكتاب والسّلطان سيفترقان؛ فلا تفارقوا الكتاب» .
انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما. وفي «العزيزي»: إنّه حديث صحيح.
١٢٤- («الدّين النّصيحة») أي: عماده وقوامه النّصيحة، على وزان «الحجّ عرفة»، فبولغ في النّصيحة حتى جعل الدّين كله إيّاها.
[ ٣ / ٤٢٠ ]
وهي- لغة-: الإخلاص والتّصفية. وشرعا-: إخلاص الرّأي من الغشّ للمنصوح، وإيثار مصلحته، ومن ثمّ كانت هذه الكلمة مع وجازة لفظها كلمة جامعة؛ معناها: حيازة الخير للمنصوح له.
وليس في كلام العرب أجمع منها، ومن كلمة الفلاح لخيري الدنيا والآخرة.
ودلت هذه الجملة على أنّ النّصيحة تسمّى «دينا» و«إسلاما» وعلى أنّ الدّين يقع على العمل كما يقع على القول.
قال ابن بطّال: والنّصيحة فرض يجزئ فيه من قام به ويسقط عن الباقين.
قال:
والنّصيحة واجبة على قدر الطّاقة؛ إذا علم الناصح أنّه يقبل نصحه ويطاع أمره، وأمن على نفسه المكروه، فإن خشي أذى! فهو في سعة. والله تعالى أعلم.
فإن قيل: ففي «صحيح البخاري»: أنّه ﷺ قال: «إذا استنصح أحدكم أخاه فلينصح له» . وهو يدلّ على تعليق الوجوب بالاستنصاح؛ لا مطلقا. ومفهوم الشّرط حجّة في تخصيص عموم المنطوق!؟
فجوابه: أنّه يمكن حمل ذلك على الأمور الدّنيويّة؛ كنكاح امرأة ومعاملة رجل ونحو ذلك. والأوّل يحمل بعمومه في الأمور الدّينيّة الّتي هي واجبة على كلّ مسلم. والله أعلم.
وبقيّة الحديث: قالوا: لمن يا رسول الله؟ قال: «لله ولكتابه ورسوله وأئمّة المسلمين وعامّتهم» . أخرجه الإمام مسلم في «صحيحه»؛ من حديث تميم الدّاريّ مرفوعا.
ورواه البخاريّ في الترجمة معلّقا؛ فقال: باب قول النّبي ﷺ: «الدّين النّصيحة لله ولرسوله ولأئمّة المسلمين وعامّتهم» .
وعزاه ابن حجر إلى مسلم، وأبي داود، وأحمد موصولا، وإلى البخاريّ.
[ ٣ / ٤٢١ ]
١٢٥- «دين المرء.. عقله، ومن لا عقل له لا دين له» .
وعزاه النّوويّ في «الأذكار» إلى مسلم.
ونسبه النّجم لأحمد عن ابن عبّاس، وله ولمسلم وأبي داود والنّسائي؛ عن تميم الدّاريّ. وللتّرمذيّ والنّسائيّ؛ عن أبي هريرة.
وذكره في «الجامع الصّغير» مقتصرا على الجملة الّتي في المتن هنا رامزا لها برمز البخاريّ في «التّاريخ»؛ عن ثوبان «مولى النّبيّ ﷺ»؛ والبزّار في «مسنده»؛ عن ابن عمر بن الخطاب. قال الهيثمي: رجاله رجال الصّحيح، وهو في «الأربعين النّوويّة»؛ الحديث السّابع. انتهى من المناوي وغيره.
١٢٥- («دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له») لأنّ العقل هو الكاشف عن مقادير العبوديّة، ومحبوب الله ومكروهه، وهو الدّليل على الرّشد، والناهي عن الغيّ، وكلّما كان حظّ العبد من العقل أوفر فسلطان الدّلالة فيه أبعد، فالعاقل من عقل عن الله أمره ونهيه فأتمر بما أمر وانزجر عما نهاه؛ فتلك علامة العقل.
وصورة العبادة قد تكون عادة، ومن ثمّ كان المصطفى ﷺ إذا ذكر له عبادة رجل سأل عن عقله. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه أبو الشّيخ بن حيّان في كتاب «الثّواب على الأعمال»، وابن النجار في «تاريخ بغداد»؛ عن جابر؛ ورواه عنه الدّيلمي أيضا.
وفي «العزيزي»: إنّه حديث ضعيف.
[ ٣ / ٤٢٢ ]
[(حرف الذّال)]
(حرف الذّال) ١٢٦- «ذكر الله.. شفاء القلوب» .
١٢٧- «الذّنب لا ينسى،
(حرف الذّال) ١٢٦- («ذكر الله) من تسبيح وتهليل (شفاء القلوب») من أمراضها، أي:
هو دواء لها مما يلحقها من ظلمة الذّنوب، ويدنّسها من درن الغافلة، ولهذا كان المصطفى ﷺ أكمل النّاس ذكرا، بل كان كلامه كلّه في ذكر الله وما والاه؛ أمره ونهيه وتشريعه وأخباره عن أسماء الرّبّ، وصفاته، وأحكامه، وأفعاله، ووعده ووعيده، وتمجيده وتسبيحه وتحميده، ورغبته ورهبته ذكرا منه بلسانه، وصمته ذكر منه بقلبه في كل أحيانه.
تنبيه: قال الرّاغب: ذكر الله تعالى تارة يكون لعظمته فيتولّد منه الهيبة والإجلال، وتارة لقدرته فيتولّد منه الخوف والحزن، وتارة لفضله ورحمته فيتولّد منه الرّجاء، وتارة لنعمته فيتولّد منه العزّ، فحقّ المؤمن ألاينفكّ أبدا عن ذكره على أحد هذه الوجوه. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلميّ في «مسند الفردوس»؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وفي «العزيزي»: إنّه حديث حسن لغيره.
١٢٧- («الذّنب) أي: الإثم، بمعنى: المؤثم، أي: ما يحصل به لوم، أو إثم على فاعله. (لا ينسى)، بل هو محفوظ في صحف الملائكة، ولا بدّ أن يجازى عليه؛ إن لم يحصل عفو؛ لا يضلّ ربّي ولا ينسى.
ونّبّه به على شيء دقيق، يغلط النّاس فيه كثيرا؛ وهو أنّهم لا يرون تأثير الذّنب؛ فينساه الواحد منهم، ويظنّ أنّه لا يضرّه ذلك، وأنّه كما قال:
[ ٣ / ٤٢٣ ]
والبرّ لا يبلى، والدّيّان لا يموت.. فكن كما شئت» .
إذا لم يغبّر حائط في وقوعه فليس له بعد الوقوع غبار
قال ابن القيّم: وسبحان الله؛ ما أهلكت هذه البليّة من الخلق، وكم أزالت من نعمة، وكم جلبت من نقمة!! وما أكثر المغترّين بها من العلماء فضلا عن الجهّال، ولم يعلم المغترّ أنّ الذّنب ينقض؛ ولو بعد حين، كما ينقض السّمّ والجرح المندمل على دغل.
(والبرّ) - بالكسر-: الخير والفضل (لا يبلى) أي: لا ينقطع ثوابه ولا يضيع، بل هو باق عند الله تعالى. وقيل: أراد الإحسان؛ وفعل الخير لا يبلى ثناؤه، وذكره في الدّنيا والآخرة، فهو بمنزلة الثّوب الجديد الذي لا يفنى ولا يتغيّر. (والدّيّان لا يموت)، بل هو سبحانه حيّ باق، عالم بأحوال عباده فيجازيهم عليها.
وإذا علمت هذا (فكن كما شئت») من أحوال وأفعال، خير؛ أو شرّ، فإنّ الدّيّان يجازيك عليها، ففيه وعيد شديد وتهديد، وفيه جواز إطلاق الدّيّان على الله لو صحّ الخبر.
وفي رواية عبد الرزاق وغيره: «اعمل ما شئت، كما تدين تدان»، أي: كما تجازي تجازى. يقال: دنته بما صنع؛ أي: جزيته. ذكره الدّيلميّ.
ومن مواعظ الحكماء: عباد الله؛ الحذر الحذر، فو الله لقد ستر، حتى كأنّه غفر، ولقد أمهل حتى كأنّه أهمل. انتهى «زرقاني» .
والحديث ذكره في «المواهب»؛ وقال رواه الدّيلميّ في «مسند الفردوس»، وأبو نعيم عن عمر بن الخطاب، وفيه محمد بن عبد الملك الأنصاري ضعيف.
وقد رواه عبد الرزّاق في «جامعه»، والبيهقيّ في «الزّهد»؛ وفي «الأسماء والصفات»، له عن أبي قلابة رفعه مرسلا: «البرّ لا يبلى الخ» . ووصله أحمد في «الزّهد»؛ فرواه عن أبي قلابة، عن أبي الدرداء من قوله لكنّه منقطع مع وقفه.
[ ٣ / ٤٢٤ ]
١٢٨- «ذهب حسن الخلق بخير الدّنيا والآخرة» .
١٢٩- «ذو الوجهين لا يكون عند الله وجيها» .
وللدّيلمي عن أنس رفعه: الذّنب شؤم على غير فاعله؛ إن عيّره ابتلي، وإن اغتابه أثم، وإن رضي به شاركه» . انتهى زرقاني رحمه الله تعالى.
١٢٨- («ذهب حسن الخلق) الذي جاء تفسيره في حديث آخر بقوله: تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك»، وقد مرّ الكلام على حسن الخلق غير مرّة.
(بخير الدّنيا والآخرة») وهو أثقل ما يوضع في الميزان، وهو الدّين كما جاء ذلك في أحاديث أخر، وهذا الحديث قاله النّبيّ ﷺ: لأمّ حبيبة رملة بنت أبي سفيان «إحدى أمهات المؤمنين ﵂» حين قالت له: يا رسول الله؛ أرأيت المرأة يكون لها زوجان في الدّنيا؛ فتموت، ويموتان ويدخلون الجنة، لأيهما تكون هي؟ قال: لأحسنهما خلقا كان عندها في الدّنيا؛ يا أمّ حبيبة، ذهب حسن الخلق بخير الدّنيا والآخرة» .
قال العراقيّ: أخرجه البزّار، والطبراني في «الكبير»، والخرائطي في «مكارم الأخلاق» بإسناد ضعيف؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
١٢٩- («ذو) أي: صاحب (الوجهين): هو الذي يأتي كلّ قوم بما يرضيهم؛ خيرا كان أو شرّا، فيظهر لأهل المنكر أنّه راض عنهم؛ فيستقبلهم ببشر منه وترحيب. ويظهر لأهل الحقّ أنّه عنهم راض، فيريد إرضاء كلّ فريق منهم، ويظهر أنّه معهم؛ وإن كان ليس كذلك باطنا. كذا في «الشهاب الخفاجي» .
وقال ابن حجر: ذو اللّسانين هو: ذو الوجهين الذي لا يكون عند الله وجيها.
ثم قال: قال الغزالي: ذو اللّسانين: من يتردّد بين متعاديين؛ ويكلّم كلّا بما يوافقه، وقلّ من يتردّد بين متعاديين إلّا وهو بهذه الصفة! وهذا عين النّفاق.
ثم قال الغزالي: واتفقوا على أنّ ملاقاة اثنين بوجهين نفاق. وللنفاق علامات
[ ٣ / ٤٢٥ ]
كثيرة؛ وهذه من جملتها، ثم قال:
فإن قلت: فبماذا يصير ذا لسانين! وما حدّ ذلك؟ فأقول: إذا دخل على متعاديين وجامل كلّ واحد منهما؛ وكان صادقا فيه لم يكن منافقا، ولا ذا لسانين.
فإنّ الواحد قد يصادق متعاديين؛ ولكنّ صداقته ضعيفة لا تنتهي إلى حدّ الأخوّة، إذ لو تحققت الصداقة لا قتضت معاداة الأعداء.
نعم؛ لو نقل كلام كلّ واحد إلى الآخر فهو ذو لسانين، وذلك شرّ من النّميمة لأنّه يصير نمّاما بمجرّد نقله من أحد الجانبين.
فإذا نقل من كلّ منهما؛ فقد زاد على النميمة.
وإن لم ينقل كلاما؛ ولكن حسّن لكلّ واحد منهما ما هو عليه من المعاداة مع صاحبه؛ فهو ذو لسانين أيضا.
وكذا إن وعد كلّا منهما بأنّه ينصره، أو أثنى على كلّ في معاداته، أو على أحدهما مع ذمّه له؛ إذا خرج من عنده، فهو ذو لسانين في كلّ ذلك. انتهى من «الزواجر» .
وفي «الشهاب الخفاجي» أنّه يقال له «ذو الوجهين» و«ذو اللّسانين»، ويقال له «ذو الأوجه» كما قال:
وكم من فتى يعجب النّاظرين له ألسن وله أوجه
وهذا القول مجاز؛ لأنّه ﵊ لم يرد تثنية الوجه الّذي هو العضو المخصوص على الحقيقة، لأنّ استحالة ذلك في الإنسان معلوم ضرورة.
وإنّما أراد ذمّ المنافق الّذي ظاهره يخالف باطنه، وحاضره يضادّ غائبه، فكأنّه يلقى أخاه في مشهده بصفحة المودّة، ويتناوله في مغيبه بلسان الذمّ والعصبيّة.
فشبّه ﵊ هاتين الحالتين لاختلافهما بالوجهين المختلفين، لتباين ما بينهما. وقوله (لا يكون عند الله وجيها») ! أي: ذا قدر ومنزلة. يعني:
[ ٣ / ٤٢٦ ]
أنّ الله لا يرضاه ولا يحبّه لقباحة فعله، لما يتفرّع عليه من الفساد بين العباد.
أما لو فعل ذلك لإصلاح ذات البين وإزالة ضغائن القلوب.. ونحو ذلك! فهو أمر حسن ليس داخلا فيما مرّ.
وإذا كان «ذو الوجهين» هذا حاله ف «ذو الأوجه» معلوم بطريق الأولى، وبين الوجه والوجيه جناس اشتقاق كقوله تعالى فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ الْقَيِّمِ [٤٣/ الروم] .
والحديث ذكره القاضي عياض في «الشفاء»، قال الشهاب الخفاجي: هذا حديث رواه أبو داود عن عمّار بلفظ: «ذو الوجهين وذو اللّسانين في النّار.
وروى أبو هريرة ﵁؛ عن النّبي ﷺ أنّه قال: «إنّ من شرّ النّاس ذا الوجهين؛ الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» أخرجه مسلم.
وعن أنس ﵁؛ عنه ﷺ أنّه قال: «من كان ذا لسانين في الدّنيا؛ جعل الله له لسانين من نار يوم القيامة» . انتهى.
وفي رواية الطبراني في «الأوسط» عن أبي سعيد: «ذو الوجهين في الدّنيا يأتي يوم القيامة له وجهان من نار» . وأخرج الشيخان وغيرهما؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «تجدون النّاس معادن؛ خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا، وتجدون خيار النّاس في هذا الشّأن أشّدهم له كراهية، وتجدون شرّ النّاس ذا الوجهين الّذي يأتي هؤلاء بوجه وهؤلاء بوجه» انتهى. من «الزواجر» . وقد عدّ ذلك من الكبائر! فانظره.
[ ٣ / ٤٢٧ ]
[(حرف الرّاء)]
(حرف الرّاء) ١٣٠- «رأس الحكمة.. مخافة الله» .
(حرف الرّاء) ١٣٠- («رأس الحكمة مخافة) - وفي رواية: خشية- (الله») ومعنى كون ذلك رأسا أنّه أصل ينبغي أن يترتّب عليه الثمرات؛ أي: أصل الحكمة وأسّها الخوف منه تعالى، لأنّ الحكمة تمنع النّفس عن المنهيّات، والشّهوات، والشّبهات، ولا يحمل على العمل بها إلا الخوف منه تعالى، فيحاسب النفس على كل خطرة ونظرة ولذّة، ولأنّ الخشية تدعوه إلى الزّهد في الدّنيا، فيفرّغ قلبه، فيعوّضه الله في قلبه حكمة ينطق بها، فالخوف سبب وأصل لورود الحكم.
والحكمة: العلم بأحوال الموجودات على ما هي عليه بقدر الطّاقة البشريّة، ويطلق على المعلومات، وعلى إحكام الأمور وسلامتها من الآفات، وعلى منع النّفس من الشهوات.. وغير ذلك. وأوثقها العمل بالطّاعات؛ بحيث يكون خوفه أكثر من رجائه؛ فيحاسب نفسه على كل خطرة ونظرة.
ومخافة الله تعالى آكد أسباب النّجاة. قال الغزالي: وقد جمع الله تعالى للخائفين الهدى والرّحمة والعلم والرّضوان، وناهيك بذلك!! فقال تعالى هُدىً وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (١٥٤) [الأعراف]، وقال إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر]، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذلِكَ لِمَنْ خَشِيَ رَبَّهُ (٨) [البينة] . انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث ذكره في «الجامع»؛ وقال أخرجه الحكيم الترمذي، وأبو بكر بن لال في «المكارم»، والقضاعيّ في «الشّهاب»، عن ابن مسعود ﵁.
ورواه عنه أيضا البيهقيّ في «الشّعب» وضعّفه، انتهى من المناوي. وفي العزيزي: إنّه حديث حسن لغيره.
[ ٣ / ٤٢٨ ]
١٣١- «رأس الدّين.. الورع» .
١٣٢- «رأس العقل بعد الإيمان بالله تعالى.. التّودّد إلى النّاس» .
١٣١- («رأس الدّين)؛ أي: قوّة الدّين واستحكام قواعده الّتي بها ثباته (الورع») بالكفّ عن أسباب التوسّع في الأمور الدّنيويّة؛ صيانة لدينه، وحراسة لعرضه، ومروءته والمتورّع دائم المراقبة للحقّ؛ حذرا من مزج حقّ بباطل، وبذلك قوام الدّين ونظامه.
قال يحيى بن معاذ: كيف يكون زاهدا من لا ورع له!!. تورّع فيما ليس لك ثمّ ازهد فيما لك!
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز ابن عديّ؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه. وفي «العزيزي» إنّه حديث حسن لغيره.
١٣٢- («رأس العقل)؛ أي: ثمرة العقل الكامل (بعد الإيمان بالله تعالى:
التّودّد إلى النّاس»)؛ أي: التسبّب في محبّة النّاس له؛ ولو عدوّا بالبشر، والطلاقة، والهداية، والإحسان، والزّيادة، ولا يكون قصده ذلك؛ أي المحبة؛ بل الأكمل أن يقصد بالتودّد القيام بحقّهم، وإن ترتب عليه محبتهم له وتعظيمه، لكنّه يكون في غاية الحذر من العدوّ باطنا، وربما كان إكرامه والتودّد إليه سببا في انقلاب عداوته محبّة. قال الشاعر:
إلق العدوّ بوجه باسم طلق واجعل له في الحشا جيشا يحاربه
والحديث ذكره في «كشف الخفاء»، وقال: رواه البيهقيّ في «الشعب» والعسكريّ والقضاعيّ عن أبي هريرة ﵁ رفعه، ورواه أبو نعيم؛ عن أنس وعليّ.
ورواه البيهقيّ؛ عن علي بن زيد مرسلا، وزاد فيه: «وما يستغني رجل عن مشهورة، وإنّ أهل المعروف في الدّنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإنّ أهل
[ ٣ / ٤٢٩ ]
١٣٣- «رحم الله عبدا قال خيرا.. فغنم، أو سكت.. فسلم» .
المنكر في الدّنيا هم أهل المنكر في الآخرة» . قال البيهقي: إنّه المحفوظ.
ورواه العسكري أيضا عن علي بن زيد بن جدعان بلفظ: و«لن يهلك» بدل قوله: «وما يستغني» . وقال الغدّانيّ: إنّ هشيما حدّث به الرّشيد فأمر له بعشرة آلاف درهم.
ورواه العسكري أيضا عن جابر بن عبد الله رفعه مثل الذي قبله، وزاد:
«وما سعد أحد برأيه؛ ولا شقي عن مشورة، وإذا أراد الله بعبد خيرا فقّهه في دينه؛ وبصّره عيوبه» . انتهى ملخّصا.
ثمّ قال: وقال ابن العرس: قال شيخنا: حديث حسن لغيره.
قلت: وأورده في «الجامع الصغير» من حديث أبي هريرة ﵁، وعزاه للبزّار والبيهقي. زاد الطّبراني؛ من حديث علي: «واصطناع الخير إلى كلّ برّ وفاجر» .
وعند الطّبراني؛ من حديث علي أيضا بلفظ: «رأس العقل بعد الإيمان التّحبّب إلى النّاس» . انتهى.
ورواه الدّيلمي عن ابن عباس بلفظ: رأس العقل التّحبّب إلى النّاس في غير ترك الحقّ» . انتهى كلام «كشف الخفا» مع حذف شيء منه.
١٣٣- («رحم الله عبدا قال خيرا)؛ كالذّكر والعلم والموعظة والأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر، (فغنم) الأجر والذّكر الجميل، (أو سكت) عن شوء؛ (فسلم») من وباله وما يندم عليه بسبب صمته.
قال الماوردي: يشير به إلى أنّ الكلام ترجمان يعبّر عن مستودعات الضّمائر، ويخبر بمكنونات السّرائر، لا يمكن استرجاع بوادره، ولا يقدر على دفع شوارده، فحقّ على العاقل أن يحترز من زلله بالإمساك عنه؛ أو الإقلال منه.
قال علي- كرّم الله وجهه-: اللّسان معيار إطاشة الجهل وأرجحة العقل.
[ ٣ / ٤٣٠ ]
١٣٤- «رضيت لأمّتي ما رضي لها ابن أمّ عبد» .
قال ابن عربي: أمراض النّفس قوليّة وفعليّة، وتفاريع القولية كثيرة، لكن عللها وأدويتها محصورة في أمرين:
الأوّل: ألاتتكلّم إذا اشتهيت أن تتكلّم.
والثّاني: ألاتكلم إلا فيما إن سكتّ عنه عصيت، وإلّا! فلا، وإيّاك والكلام عند استحسان كلامك، فإنّه حالتئذ من أكبر الأمراض، وماله دواء إلّا الصّمت، إلّا أن تجبر على رفع السّتر، وهذا هو الضّابط. انتهى من المناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الشّفا» للقاضي عياض، و«الجامع الصغير» للسيوطي، وقال: أخرجه ابن المبارك في «الزّهد»، وكذا الخرائطي في «مكارم الأخلاق»؛ عن خالد بن أبي عمران مرسلا.
ورواه أبو الشّيخ ابن حيان؛ عن أبي أمامة ﵁.
ورواه عنه أيضا الدّيلمي، ثمّ قال: وفي الباب عن أنس.
ورواه البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أنس بن مالك رفعه، وعن الحسن البصري مرسلا بلفظ: «رحم الله امرأ تكلّم فغنم؛ أو سكت فسلم» .
قال الحافظ العراقي في سند المرسل: رجاله ثقات، والمسند فيه ضعف.
قال الشّهاب الخفاجي: وله شواهد وروايات تقوّيه وتصحّحه.
١٣٤- («رضيت لأمّتي ما)؛ أي: كل شيء (رضي لها) به أبو عبد الرحمن عبد الله (ابن) مسعود الهذليّ، ويقال له: ابن (أمّ عبد) الهذليّة؛
أسلم قديما، وشهد المشاهد كلّها، وهاجر الهجرتين، وصلى إلى القبلتين.
وكان النّبي ﷺ يقرّبه؛ ولا يحجبه، وهو صاحب سواكه ونعليه وطهوره، وبشّره بالجنّة.
[ ٣ / ٤٣١ ]
١٣٥- «رياض الجنّة.. المساجد» .
ولكونه شبيها به ﷺ في سمته وأخلاقه ورحمته على الأمة وبذل النّصح لها رضي بما يرضاه للأمّة، وكان نحيفا قصيرا جدا، طوله نحو ذراع.
ولي قضاء الكوفة وما يليها في خلافة عمر، ومات بها؛ أو بالمدينة سنة:
اثنتين وثلاثين، عن بضع وستين سنة. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الحاكم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
ورواه عنه البزّار وزاد: «وكرهت لها ما كره ابن أمّ عبد» .
قال الهيثمي: وفيه محمد بن حميد الرّازي، وهو ثقة، وبقيّة رجاله وثقوا.
وفي العزيزي: إسناده صحيح.
١٣٥- («رياض الجنّة)؛ جمع روضة: وهي الموضع المعجب بالزّهر، سمّيت به لاستراضة الماء السّائل إليها (المساجد»)؛ لأنّ العبادة فيها سبب للحصول في رياض الجنّة.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز أبي الشّيخ (ابن حيان)، وله شاهد عند التّرمذي؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رفعه:
«إذا مررتم برياض الجنّة فارتعوا» قيل: وما رياض الجنّة؟ قال: «المساجد» .
قيل: وما الرّتع؟ قال: «سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلّا الله، والله أكبر» .
[ ٣ / ٤٣٢ ]
[(حرف الزّاي)]
(حرف الزّاي) ١٣٦- «زر غبّا.. تزدد حبّا» .
(حرف الزّاي) ١٣٦- («زر)؛ يا أبا هريرة أخاك (غبّا) - منصوب على الظرفية- أي: وقتا بعد وقت، ولا تلازم زيارته كل يوم (تزدد) عنده (حبّا») .
وبقدر الملازمة تهون عليه و«حبّا»: منصوب على التّمييز.
قال بعضهم: فالإكثار من الزّيارة مملّ، والإقلال منها مخلّ. ونظم البعض هذا المعنى؛ فقال:
عليك بإغباب الزّيارة إنّها إذا كثرت كانت إلى الهجر مسلكا
فإنّي رأيت الغيث يسأم دائما ويسأل بالأيدي إذا كان ممسكا
وقال آخر:
وقد قال النّبيّ وكان يروي:
«إذا زرت الحبيب فزره غبّا»
وقال آخر:
أقلل زيارتك الصّدي ق يكون كالثّوب استجدّه
وأملّ شيء لامرئ أن لّا يزال يراك عنده
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز البزّار في «مسنده»، والطّبراني في «الأوسط»، والبيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن أبي ذر.
والطّبراني في «الكبير» والحاكم؛ عن حبيب بن مسلمة الفهري.
والطّبراني في «الكبير»؛ عن ابن عمرو بن العاصي. والطّبراني في «الأوسط»؛ عن ابن عمر بن الخطاب، والخطيب؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
[ ٣ / ٤٣٣ ]
زاد في «الكشف»: وأخرجه أبو نعيم، والعسكري في «الأمثال»؛ عن أبي هريرة ﵁. ورواه أيضا أنس وجابر وابن عباس وعلي وأبو الدرداء وغيرهم، حتى قال ابن طاهر: إن ابن عدي أورده في أربعة عشر موضعا من «كامله» كلها معلّلة، وضعّفها كلّها، وأفرد أبو نعيم طرقه.
ثمّ الحافظ ابن حجر في «الإنارة بطرق غبّ الزيارة» .
وقال في «المقاصد» - وتبعه النّجم بعد ذكرهما طرقه-: وبمجموعها يتقوّى الحديث؛ وإن قال البزّار: «إنّه ليس فيه حديث صحيح»، فهو لا ينافي ما قلناه.
انتهى ونحوه في المناوي على «الجامع الصغير» .
[ ٣ / ٤٣٤ ]
[(حرف السّين)]
(حرف السّين) ١٣٧- «السّعيد.. من وعظ بغيره» .
(حرف السّين) ١٣٧- («السّعيد) المبارك المرضيّ عند الله وعند الناس (من وعظ بغيره»)؛ أي: تصفّح أفعال غيره فاقتدى بأحسنها، وانتهى عن سيّئها. انتهى مناوي على «الجامع» .
وقال الزّرقاني: أي تأمّل عواقب الأمور فلم يفعل ما يضرّه لما رأى ما أصاب غيره من فعلها. قال الشّاعر:
إنّ السّعيد له من غيره عظة وفي التّجارب تحكيم ومعتبر
وقال حجّة الإسلام الغزاليّ: المراد أنّ الإنسان يشاهد من خبائث من اضطر إلى مرافقته وأحواله وصفاته ما يستقبحه فيجتنبه. قيل لعيسى ﵊: من أدّبك؟ فقال: ما أدّبني أحد، رأيت جهل الجاهل فجانبته.
قال الحجّة: ولقد صدق، فلو اجتنب النّاس ما يكرهونه من غيرهم لكملت آدابهم؛ واستغنوا عن مؤدّب، فاطّلع في القبور واعتبر بالنّشور، وانظر إلى مصارع آبائك وفناء إخوانك. انتهى «مناوي» .
قال الزّرقاني: ومفهومه: والشّقيّ من وعظ به غيره.
وهذا الحديث رواه الدّيلمي؛ عن عقبة بن عامر، والعسكريّ؛ عن زيد بن خالد بهذا اللفظ مختصرا، وصحّحه الحافظ وشيخه العراقيّ؛ خلافا لقول ابن الجوزي في أمثاله «لا يثبت» !!
وأخرجه العسكري والقضاعي والبيهقي في «المدخل»؛ عن ابن مسعود رفعه بزيادة: «والشّقيّ من شقي في بطن أمّه» . ورواه «مسلم» عنه موقوفا بالزّيادة.
[ ٣ / ٤٣٥ ]
١٣٨- «السّفر.. قطعة من العذاب» .
١٣٩- «سيّد القوم.. خادمهم» .
وللبزّار بسند صحيح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه رفعه: «السّعيد من سعد في بطن أمّه، والشّقيّ من شقي في بطن أمّه» . انتهى كلام الزرقاني.
١٣٨- («السّفر قطعة من العذاب»)؛ أي: جزء منه؛ لما فيه من التّعب ومعاناة الرّيح والشّمس والبرد والخوف والخطر وأكل الخشن وقلّة الماء والزّاد وفراق الأحبّة.
ولا تعارض بين هذا الحديث وحديث ابن عمر مرفوعا: «سافروا تصحّوا»؛ لأنّه لا يلزم من الصّحّة بالسّفر؛ لما فيه من الرّياضة؛ ألايكون قطعة من العذاب؛ لما فيه من المشقّة!! فصار كالدّواء المرّ المعقب للصّحّة، وإن كان في تناوله الكراهة!. انتهى «عزيزي» .
وبما تقرّر علم أنّ المراد العذاب الدنيويّ الّذي هو الألم النّاشئ عن المشقّة:
لما يحصل بذلك من ترك المألوف أو نقصه؛ يدل له بقيّة الحديث: «يمنع أحدكم طعامه وشرابه ونومه، فإذا قضى أحدكم نهمته من وجهه؛ فليعجّل الرّجوع إلى أهله» .
أخرجه الإمام مالك في آخر «الموطّأ»، والإمام أحمد، والشّيخان، وابن ماجه: كلهم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ولله درّ من قال:
وإنّ اغتراب المرء من غير خلّة ولا همّة يسمو بها لعجيب
وحسب الفتى ذلّا؛ وإن أدرك العلا ونال الثّريّا: أن يقال غريب
لطيفة: لمّا جلس إمام الحرمين للتّدريس محلّ أبيه بعد موته سئل: لم كان السّفر قطعة من العذاب؟! فأجاب على الفور: لأنّ فيه فراق الأحباب. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
١٣٩- («سيّد القوم خادمهم»)؛ لأنّ السّيّد هو الّذي يفزع إليه في النّوائب
[ ٣ / ٤٣٦ ]
١٤٠- «السّيوف.. مفاتيح الجنّة» .
فيحمل الأثقال، فلمّا تحمّل الخادم عنهم الأمور وكفاهم المؤنة وقام بأعباء ما لا يطيقونه؛ كان سيّدهم بهذا الاعتبار.
ف «خادم»: مبتدأ مؤخّر، وأصله: خادم القوم كسيّدهم، فبولغ فيه بالقلب المكاني، وبحذف أداة التّشبيه؛ حتّى جعل السّيّد خادما.
قال الزّرقاني: رواه أبو عبد الرحمن السّلمي في كتاب «آداب الصّحبة» له؛ عن عقبة بن عامر رفعه، وفي سنده ضعف أو انقطاع، ورواه غيره أيضا كابن عساكر؛ من حديث ابن عبّاس؛ عن جرير مرفوعا، وأبو نعيم في «الحلية» بسند ضعيف جدّا مع انقطاعه؛ عن أنس رفعه بلفظ: «ويح الخادم في الدّنيا! سيّد القوم في الآخرة!» . والحاكم في «تاريخه» .
ومن طريقه البيهقي والدّيلمي؛ عن سهل بن سعد رفعه: «سيّد القوم في السّفر خادمهم، فمن سبقهم لخدمة لم يسبقوه بعمل إلّا الشّهادة» .
وعزاه الديلميّ للتّرمذيّ وابن ماجه؛ عن أبي قتادة فوهم؛ أفاده السّخاوي.
انتهى زرقاني على «المواهب» .
١٤٠- («السّيوف)؛ أي: سيوف الغزاة في سبيل الله (مفاتيح الجنّة»)؛ أي: سبب لفتح الجنّة يوم القيامة والدّخول فيها، ومعناه: أنّ الضّرب بها ينتج دخول الجنّة مع السّابقين؛ لأنّ أبواب الجنّة مغلقة لا يفتحها إلّا الطّاعة؛ والجهاد من أعظمها.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» وقال: أخرجه أبو بكر الشّافعي في كتاب «الغيلانيّات»، وابن عساكر في «تاريخه»؛ عن يزيد بن شجرة الرّهاوي؛ صحابيّ مشهور من أمراء معاوية، وفي سنده بقيّة «١» !.
وأخرجه أيضا الحاكم في «المستدرك» عن يزيد المذكور؛ قاله المناوي.
_________________
(١) ابن الوليد: علم.
[ ٣ / ٤٣٧ ]
[(حرف الشّين)]
(حرف الشّين) ١٤١- «الشّاهد.. يرى ما لا يرى الغائب» .
(حرف الشّين) ١٤١- («الشّاهد)؛ أي: الحاضر (يرى ما لا يرى الغائب») .
قال ابن جرير: أراد رؤية القلب لا العين. أي: الشّاهد للأمر يتبيّن له من الرّأي والنّظر فيه ما لا يظهر للغائب؛ لأنّ الشّاهد للأمر يتّضح له ما لا يتّضح للغائب عنه! فمعه زيادة علم.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و«الكشف»، وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن علي قال: قلت: يا رسول الله، إذا بعثتني أكون لأمرك كالسّكّة المحمّاة، أو الشّاهد يرى ما لا يرى الغائب، قال: «بل الشّاهد الخ» ..
ورواه الضّياء في «المختارة»، والعسكري في «الأمثال»، وأبو نعيم؛ عن علي.
ورواه العسكريّ أيضا؛ عن ابن مسعود، ورواه القضاعي بسند فيه ابن لهيعة؛ عن أنس مرفوعا. انتهى.
[ ٣ / ٤٣٨ ]
[(حرف الصّاد)]
(حرف الصّاد) ١٤٢- «الصّبر.. خير مركب» .
١٤٣- «الصّبر.. مفتاح الفرج، والزّهد.. غنى الأبد» .
(حرف الصّاد) ١٤٢- («الصّبر خير مركب») يوصل إلى المقصود، يوصل إلى المقصود، فالتّحقّق بالصّبر يفتح باب الوصول إلى الله تعالى، وينتج النّجاح وحسن العواقب، ثمّ هذا مطلق فيما يصبر عليه من المصائب في النّفوس والأموال ومشاقّ التّكليف، ومقيّد بما إذا صبر ابتغاء وجه الله تعالى؛ لا ليقال: «ما أصبره وأحمله للنّوازل وأوقره عند الزّلازل» ! ولا لئلّا يعاب بالجزع! ولا لئلّا يشمت به الأعداء! كقوله «١»:
وتجلّدي للشّامتين، أريهم أنّي لريب الدّهر لا أتضعضع
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «مسند الفردوس» .
١٤٣- («الصّبر) على المكروه، وترك الشّكاية (مفتاح الفرج)؛ أي: سبب في حصول الفرج من الله، فإن النّصر مع الصّبر، والفرج مع الكرب، وهذا حيث لا مخلص ولا مفزع إلا بالصّبر. أما من جعل الله له إلى الخلاص طريقا!! فليسلكها متوكّلا على الله أن يؤدّيه ذلك إلى الخلاص ممّا هو فيه؛ ألا ترى أنّ الأسير لو أمكنه الانفلات من الكفّار فعليه الانفلات. ويتوكّل على الله!؟ وكذا نحو المحبوس على ظلم؛ إذا أمكنه الهرب لزمه ذلك. ولا يقال له: اصبر؛ فالصّبر مفتاح الفرج!.
(والزّهد) الّذي هو خلوّ القلب من الدّنيا (غنى الأبد»)؛ لأنّه يتفرغ لعمارة
_________________
(١) الشاعر أبو ذؤيب الهذلي رضي الله تعالى عنه الصحابي الجليل.
[ ٣ / ٤٣٩ ]
١٤٤- «الصّلاة.. عماد الدّين» .
وقته، ويجتمع قلبه على ما هو بصدده من الاشتغال بعبادة الله، ويتعلّق قلبه بالله ﷿ في جميع الأوقات.
والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي، وذكره في «الكشف»؛ وقال: رواه الديلمي بلا إسناد؛ عن الحسين بن علي مرفوعا.
ورواه القضاعي عن ابن عباس مرفوعا بلفظ: «انتظار الفرج بالصّبر عبادة»، ورواه ابن أبي الدّنيا في «الفرج بعد الشّدّة»، وأبو سعيد الماليني؛ عن ابن عمر، بلفظ: «انتظار الفرج عبادة» . انتهى.
١٤٤- («الصّلاة عماد الدّين»)؛ أي: أصله وأسّه، وهي أمّ العبادات ومعراج المؤمنين ومناجاة ربّ العالمين، وفيها أسرار لأجلها كانت عمادا، منها:
ما فيها من التّواضع بالمثول قائما بالرّكوع والسّجود، وهي خدمة الله في الأرض، والملوك لا تخدم بالكسل والتّهاون!! بل بالجدّ والتّذلّل؛ فلذلك كانت عمادا.
ولذا كان سعيد بن المسيّب دائم الإقبال على الصّلاة، حتّى قيل فيه «لو قيل له: إنّ جهنم لتسعر لك وحدك» ما قدر على أن يزيد في عمله شيئا! وكان يقول لنفسه إذا دخل اللّيل: «قومي إلى خدمة ربّك؛ يا مأوى كلّ شرّ، تريدين أن تغافلي بالنّهار وتنامي باللّيل!! والله لأدعنّك تزحفي زحف البعير» فيصبح وقدماه منتفختان؛ وصلّى ﵁ الصّبح بوضوء العشاء خمسين سنة.
وكان ثابت البنانيّ يقوم اللّيل كلّه خمسين سنة، فإذا جاء السّحر قال: اللهمّ إن كنت أعطيت أحدا أن يصلّي في قبره فأعطني ذلك. فلمّا مات وسدّوا لحده وقعت لبنة؛ فإذا هو قائم يصلّي حالا! وشهد ذلك من حضر جنازته.
وكان يقول: الصّلاة خدمة لله في الأرض، ولو كان شيء أفضل منها لما قال تعالى فَنادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرابِ [٣٩/ آل عمران] . انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٤٤٠ ]
١٤٥- «الصّلاة.. مفتاح كلّ خير، والنّبيذ.. مفتاح كلّ شرّ» .
١٤٦- «صوموا.. تصحّوا» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» ورمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن عمر بن الخطّاب، ثمّ قال البيهقي: عكرمة لم يسمع من عمر!! قال: وأظنّ عن ابن عمر.
قال الحافظ العراقي في حاشية «الكشاف»: فيه ضعيف وانقطاع.
ولم يقف عليه ابن الصّلاح؛ فقال في «مشكل الوسيط»: إنّه غير معروف.
وقول النّوويّ في «التنقيح» حديث منكر باطل! رده ابن حجر، وشنّع.
وأخرجه أيضا الديلمي في «مسند الفردوس» من حديث علي. انتهى مناوي على «الجامع» . وذكره في «كشف الخفاء»، وأطال في ذكر مخرّجيه، فراجعه.
١٤٥- («الصّلاة مفتاح كلّ خير) يحصل للعبد، (والنّبيذ مفتاح كلّ شرّ»)؛ أي: أصله ومنبعه؛ والحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا برمز الإمام أحمد، وذكره في «كشف الخفاء»، وقال: رواه الدّيلمي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما.
١٤٦- («صوموا تصحّوا») من الأمراض، لما ورد: «المعدة بيت الدّاء، والحمية رأس الدّواء» . والصّوم أعظم حمية؛ لأنّه يخلي الجوف من العفونات، وهذا فيمن يتناول عند فطوره وسحوره اللائق!! أمّا من يخلط ويأكل عند ذلك قدر ما يأكله وهو مفطر أو أكثر!! فلا تحصل له الصّحة؛ لوجود العفونات في جوفه.
وقد أجمع مجرّبة أعمال الدّيانة من: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ [٥٢/ الأنعام]؛ على أنّ مفتاح الهدى والصّحّة: الجوع؛ لأنّ الأعضاء إذا وهنت لله نوّر الله القلب، وصفّى النّفس، وقوّى الجسم؛ ليظهر من أمر الإيمان بقلب العادة جديد عادة هي لأوليائه أجل في القوى من عادته في الدّنيا لعامّة خلقه.
انتهى من شروح «الجامع الصغير» .
[ ٣ / ٤٤١ ]
والحديث ذكره في «الجامع»، وقال: أخرجه ابن السّنّي وأبو نعيم معا في كتاب «الطب النبوي»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال الزّين العراقي:
كلاهما سنده ضعيف.
وذكره في «كشف الخفاء» بلفظ: «سافروا تربحوا، وصوموا تصحّوا، واغزوا تغنموا» . وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا.
ورواه الطّبرانيّ بلفظ: «اغزوا تغنموا، وصوموا تصحّوا، وسافروا تستغنوا» .
وفي رواية لابن نجيب: «سافروا تربحوا، وصوموا تصحّوا، واغزو تغنموا» .
وللطّبراني، والحاكم؛ عن ابن عباس ﵄ بلفظ: «سافروا تصحّوا وتغنموا» . وبهذا اللّفظ رواه أيضا القضاعي، والطّبراني؛ عن ابن عمر رفعه.
ورواه أبو نعيم في «الطب» أيضا؛ عن ابن عمر رفعه بلفظ: «سافروا تصحّوا وتسلموا» . ورواه أيضا؛ عن أبي سعيد الخدري رفعه: «سافروا تصحّوا» .
ومثله في «الدرر» معزوّا لأحمد؛ عن أبي هريرة، والطّبراني؛ عن ابن عباس، والقضاعي؛ عن ابن عمر. وعزاه في «الّلآلي» ل «مسند أحمد»؛ عن أبي هريرة بلفظ: «سافروا تصحّوا، واغزوا تغنموا» . انتهى بحذف.
[ ٣ / ٤٤٢ ]
[(حرف الضّاد)]
(حرف الضّاد) ١٤٧- «ضالّة المؤمن.. العلم» .
(حرف الضّاد) ١٤٧- («ضالّة المؤمن)؛ الكامل الإيمان (العلم»)؛ يعني: يسعى في تحصيله كما يسعى صاحب الضّالّة في تحصيلها؛
شبهّه بالضّالّة بجامع الحفظ والتّقييد في كلّ.
وتمام الحديث: «كلّما قيّد حديثا طلب إليه آخر» . ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الدّيلمي في «مسند الفردوس»؛ عن عليّ أمير المؤمنين، وأخرجه أبو نعيم وابن لال أيضا. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» . وقد تقدم: «الحكمة ضالّة المؤمن» .
[ ٣ / ٤٤٣ ]
[(حرف الطّاء)]
(حرف الطّاء) ١٤٨- «طاعة المرأة.. ندامة» .
١٤٩- «طوبى لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس» .
(حرف الطّاء) ١٤٨- («طاعة المرأة ندامة»)؛ لنقصان عقلها ودينها، وتقصير رأيها، والنّاقص لا ينبغي طاعته إلّا فيما أمنت غائلته وهان أمره، فإنّ أكثر ما يفسد الملك والدّول طاعة النّساء، ولهذا قال عمر- فيما رواه العسكري-: خالفوا النّساء، فإنّ في خلافهنّ البركة.
قال إمام الحرمين: لا نعلم امرأة أشارت برأي فأصابت إلّا أمّ سلمة في صلح الحديبية. انتهى. واستدرك عليه ابنة شعيب في أمر موسى. انتهى.
وأمّا ما اشتهر على الألسنة من خبر «شاوروهنّ وخالفوهنّ» !! فلا أصل له.
انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز ابن عدي؛ عن زيد بن ثابت رضي الله تعالى عنه.
قال الحفني: وهذا الحديث قد تكلّم فيه بالوضع. انتهى.
١٤٩- («طوبى) - تأنيث أطيب، أي: راحة وطيب عيش (لمن شغله عيبه عن عيوب النّاس»)؛ فلم يشتغل بها، فعلى العاقل أن يتدبّر في عيوب نفسه، فإن وجد بها عيبا! اشتغل بعيب نفسه، فيستحي من أن يترك نفسه ويذمّ غيره، بل يعلم أنّ عجز غيره عن نفسه في التنزّه عن ذلك العيب كعجزه، هذا إن كان ذلك عيبا يتعلّق بفعله واختياره، فإن كان خلقيا! فالذّمّ له ذمّ للخالق. فإنّ من ذمّ صنعة فقد ذمّ صانعها.
[ ٣ / ٤٤٤ ]
١٥٠- «طوبى لمن طال عمره وحسن عمله» .
وإذا لم يجد بنفسه عيبا! فليعلم أن ظنّه بنفسه أنّه عري من كلّ عيب جهل بنفسه، وهو من أعظم العيوب.
ومن علامة بعد العبد عن حضرة ربّه نسيان عيوبه ونقائصه؛ وذلك لأنّ حضرة الحقّ نور، وشأن النّور أن يكشف عن الأشياء بخلاف الظلام!!
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و«كشف الخفاء» وقالا: رواه الدّيلمي؛ عن أنس مرفوعا، وتمامه: «وأنفق الفضل من ماله، وأمسك الفضل من قوله، ووسعته السّنّة؛ ولم يعدل عنها إلى البدعة» .
ورواه العسكريّ عنه أيضا، وعدّه من الحكم والأمثال.
ورواه أيضا أبو نعيم من حديث الحسين بن علي، قال الحافظ العراقي: وكلّها ضعيفة، قال في التمييز: وأخرجه البزّار؛ عن أنس مرفوعا بإسناد حسن. انتهى.
١٥٠- («طوبى لمن طال عمره وحسن عمله») . قاله جوابا لمن سأل: أيّ النّاس خير؟ و«طوبى» كلمة إنشاء؛ لأنّها دعاء، معناها: أصاب الخير من طال عمره وحسن عمله. وكان الظّاهر أن يجاب بقوله «من طال» . فالجواب من الأسلوب الحكيم؛ أي: غير خاف أنّ خير النّاس من طال عمره وحسن عمله.
قال القاضي: لما كان السّؤال عمّا هو غيب لا يعلمه إلّا الله؛ عدل عن الجواب إلى كلام مبتدأ، ليشعر بأمارات تدلّ على المسؤول عنه؛ وهو طول العمر مع حسن العمل، فإنّه يدلّ على سعادة الدّارين والفوز بالحسنيين.
قال الإمام علي بن أبي طالب: موت الإنسان بعد أن كبر وعرف ربّه خير من موته طفلا بلا حساب في الآخرة. ذكره الطيبي. انتهى مناوي؛ على «الجامع» .
قال العجلوني في «كشف الخفاء»: ومفهوم الحديث أنّ شرّ النّاس من طال عمره وقبح عمله، وهو كذلك.
وقد ذكر الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» في «كتاب المرضى» أحاديث
[ ٣ / ٤٤٥ ]
تدلّ للأمرين، وجمع بينهما باختلاف الحالين. وقلت في ذلك:
طول الحياة حميدة إن راقب الرّحمن عبده
وبضدّه فالموت خي ر والسّعيد أتاه رشده
انتهى.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطبراني في «الكبير»، وأبي نعيم في «الحلية» بسند فيه بقيّة! عن عبد الله بن بسر مرفوعا.
وفي العزيزي: إنّ إسناده حسن. وأخرجه التّرمذي؛ عن أبي بكر بلفظ:
«خير النّاس من طال عمره وحسن عمله» . وقال: حسن صحيح. انتهى «كشف الخفاء» .
[ ٣ / ٤٤٦ ]
[(حرف الظّاء)]
(حرف الظّاء) ١٥١- «ظهر المؤمن.. حمى؛ إلّا بحقّه» .
(حرف الظّاء) ١٥١- («ظهر المؤمن)، وكذا جميع بدنه (حمى)؛ أي: محميّ معصوم من الإيذاء (إلا بحقّه»)؛ أي: حقّ الله، أو بحقّه؛ أي: المؤمن، أي: الحقّ المتوجّه عليه من حدّ أو تعزير أو تأديب معلّم، فيحرم ضرب المسلم بغير حقّ، وقد عدّ ذلك كبيرة.
وكذا يحرم ضرب أهل الذّمّة؛ لكن إثم ضرب أهل الذّمة دون إثم ضرب المؤمن. وهذا الحديث له شاهد خرّجه أبو الشّيخ، والعسكري في «الأمثال»؛ عن عائشة بلفظ: «ظهر المؤمن حمى إلّا في حدّ من حدود الله» . نظير المعاصي حمى الله. والمعنى: لا يضرب ظهره إلا في حدّ من الحدود.
والحديث المذكور في المتن ذكره في «الجامع الصغير» مرموزا له برمز الطّبراني في «الكبير»، وكذا الدّيلمي؛ عن عصمة بن مالك الخطمي الأنصاري ﵁ وجزم المنذري بضعفه. انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٤٤٧ ]
[(حرف العين)]
(حرف العين) ١٥٢- «العدة.. دين» .
(حرف العين) ١٥٢- («العدة دين»)؛ أي: هي في مكارم الأخلاق كالدّين الواجب أداؤه في لزوم الوفاء، فيكره الخلف في الوعد بلا عذر، لما ورد فيه من التّشديد والحثّ على الوفاء بالوعد؛ وإن كان مندوبا.
فمن ذلك: ما رواه الطّبراني في «الأوسط» وغيره؛ عن علي أمير المؤمنين.
ولفظه: «العدة دين، ويل لمن وعد ثمّ أخلف، ويل ثمّ ويل له» فالمخلف يستوجب بالمنع لوم الخلف، ومقت الغادر، وهجنة الكذوب.
وقد أثنى الله على إسماعيل ﵊ بأنّه كان صادق الوعد. قال الشّاعر:
لسانك أحلى من جنى النّحل وعده وكفّاك بالمعروف أضيق من قفل
تمنّى الّذي يأتيك حتّى إذا انتهى إلى أمد ناولته طرف الحبل
وقال كعب:
كانت مواعيد عرقوب لها مثلا وما مواعيدها إلّا الأباطيل
وقال آخر:
وعدت وكان الخلف منك سجيّة مواعيد عرقوب أخاه بيثرب
وقال النّجم الغزّي: وممّا كتبته لبعضهم مستجيزا:
قد وعدتم بالجميل أنجزوا ما وعدتم فنجاز الوعد زين
في حديث قد روينا لفظه عن ثقات العلماء: «الوعد دين»
والحديث ذكره في «كشف الخفاء» وقال: رواه القضاعي بلفظ التّرجمة
[ ٣ / ٤٤٨ ]
١٥٣- «العزلة.. سلامة» .
فقط، ورواه الطّبراني في «الأوسط» والقضاعي وغيرهما؛ عن ابن مسعود بلفظ:
قال: لا يعد أحدكم صبيّه ثمّ لا ينجز له، فإنّ رسول الله ﷺ قال: «العدة دين» .
ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيّه فلينجز له، فإنّي سمعت رسول الله ﷺ، وذكره بلفظ: «العدة عطيّة» . ورواه البخاريّ في «الأدب المفرد» موقوفا، ورواه الطبراني والدّيلمي؛ عن عليّ مرفوعا بلفظ: «العدة دين، ويل لمن وعد ثمّ أخلف، ويل له- ثلاثا-» .
وللدّيلمي أيضا بلفظ: «الوعد بالعدة مثل الدّين أو أشدّ»؛ أي: وعد الواعد، وفي لفظ له: «عدة المؤمن دين، وعدة المؤمن كالأخذ باليد» . انتهى ملخصا.
١٥٣- (العزلة سلامة)؛ في الدّين والدّنيا، والسّلامة هي رأس المال، وقد قيل: لا يعدل بالسّلامة شيء.
وفيه حثّ على إيثار العزلة إذا تعذّرت صحبة الصّالحين، وحجة لمن فضّل العزلة، وقد ترجم البخاريّ «باب: العزلة راحة من خلّاط السّوء» .
وذكر حديث أبي سعيد رفعه: «ورجل في شعب من الشّعاب يعبد ربّه ويدع النّاس من شرّه»؛ وأخرج ابن المبارك؛ عن عمر: خذوا حظّكم من العزلة.
وما أحسن قول الجنيد «مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطاء» .
قال الغزالي: عليك بالتفرّد عن الخلق؛ لأنّهم يشغلونك عن العبادة.
وما أحسن ما قيل:
أنست بوحدتي ولزمت بيتي فدام الأنس لي ونما السّرور
وأدّبني الزّمان فلا أبالي هجرت فلا أزار ولا أزور
فلست بسائل ما دمت يوما أسار الجيش أم قدم الأمير!
وفي «إتمام الدّراية لقراء النّقاية» للحافظ جلال الدين السّيوطي ﵀
[ ٣ / ٤٤٩ ]
١٥٤- «العرق.. دسّاس» .
تعالى: ومخالطة النّاس وتحمّل أذاهم أفضل من اعتزالهم.
قال ﷺ: «المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم خير من الّذي لا يخالط النّاس ولا يصبر على أذاهم» . رواه البخاري في «الأدب المفرد»، وغيره.
وهو- أي: اعتزالهم- أفضل حيث خاف الفتنة في دينه بموافقتهم على ما هم عليه، وعليه يحمل حديث عقبة السّابق: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك» .
وحديث البخاري: «يوشك أن يكون خير مال المسلم غنما يتبع بها شعف الجبال ومواقع القطر، يفرّ بدينه من الفتن» . انتهى ملخصا.
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الدّيلمي في «مسند الفردوس» .
١٥٤- («العرق دسّاس»)؛ أي: دخّال- بالتّشديد- لأنّه ينزع في خفاء ولطف، يقال: دسست الشّيء إذا أخفيته وأخملته، ومنه وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها (١٠) [الشمس] أي: أخمل نفسه وأبخس حظّها، وقيل: معنى دسّاس: خفيّ قليل، وكل من أخفيته وقلّلته فقد دسسته.
والمعنى: أنّ الرجل إذا تزوّج في منبت صالح يجيء الولد يشبه أهل الزّوجة في العمل والأخلاق ونحوهما، وعكسه بعكسه، فعلى العاقل أن يتخيّر لنطفته ولا يضعها إلّا في أصل أصيل، وعنصر طاهر، فإنّ الولد فيه عرق ينزع إلى أمّه، فهو تابع لها في الأخلاق والطّباع. انتهى مناوي على «الجامع» .
فمن أراد التزوّج بامرأة فلينظر إلى أبيها وأخيها؛ فإنّها تأتيه بأحدهما؛ لأنّ الخلال تتبع الخال، فينبغي التزوّج بأصيلة النّسب؛ تباعدا بأولاده عن المنبت السّوء، وتقدم حديث: «إيّاكم وخضراء الدّمن» . ولله درّ من قال:
[ ٣ / ٤٥٠ ]
١٥٥- «عفو الملوك.. أبقى للملك» .
١٥٦- «على اليد ما أخذت حتّى تؤدّيه» .
لا تنكحنّ سوى كريمة معشر فالعرق دسّاس من الطرفين
أو ما ترى أنّ النّتيجة دائما تبع الأخسّ من المقدّمتين
والحديث ذكره العجلوني في «الكشف»، وقال: رواه الدّيلميّ والبيهقيّ في «شعب الإيمان»؛ كلاهما عن ابن عباس مرفوعا في حديث أوّله: «النّاس معادن، والعرق دسّاس، وأدب السّوء كعرق السّوء» .
وللمديني في كتاب «تضييع العمر والأيام في اصطناع المعروف إلى اللّئام» عن أنس بلفظ: «تزوّجوا في الحجز الصالح فإنّ العرق دسّاس» ذكره النجم الغزي.
انتهى. ونحو ذلك في «الجامع الصغير»، ورمز للحديث الأخير برمز ابن عدي عن أنس.
قال المناوي ورواه- يعني الحديث الأخير- الدّيلميّ في «مسند الفردوس» والمديني في كتاب «تضييع العمر»؛ عن ابن عمر وزاد: «وانظر في أيّ نصاب تضع ولدك» ! قال الحافظ العراقيّ: وكلّها ضعيفة.
١٥٥- («عفو الملوك) - بضم الميم؛ جمع «ملك» بفتح الميم وكسر اللام- (أبقى) - بالموحدة والقاف- (للملك»)؛ أي: أدوم وأثبت، ويمدّ في العمر أيضا؛ كما في حديث الحكيم؛ أي: يبارك فيه بصرفه في الطاعات؛ فكأنّه زاد، وأفاد بمفهومه أنّ التّسارع إلى العقوبة لا يطول معه الملك. قيل: وهذا مجرّب، انتهى «عزيزي» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» وقال: أخرجه الرافعيّ في «تاريخ قزوين»؛ عن علي أمير المؤمنين كرم الله وجهه. آمين.
١٥٦- («على اليد)؛ أي: على صاحبها ضمان (ما) - أي: الّذي- (أخذت)؛ أي: أخذته اليد (حتّى تؤدّيه») إلى صاحبه، فحينئذ تبرأ من
[ ٣ / ٤٥١ ]
١٥٧- «العين.. حقّ» .
الضمان، والإسناد إلى اليد على المبالغة لأنّها هي المتصرّفة، فمن أخذ مال غيره بغصب أو عاريّة أو نحو ذلك! لزمه ردّه إلى مالكه إن كان باقيا، وإن تلف! لزمه ردّ بدله، وأخذ بظاهره المالكيّة، فضمّنوا الأجراء مطلقا.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و«الكشف» وقالا: أخرجه الإمام أحمد، والأربعة، والحاكم بهذا اللفظ، ولفظ أبي داود والترمذي «حتّى تؤدّي» بدون الهاء؛ وكلهم رووه عن الحسن البصريّ، عن سمرة مرفوعا.
قال: في «التمييز»: وصحّحه الحاكم وحسّنه الترمذي.
والحسن البصري راويه عن سمرة مختلف في سماعه منه!! وزاد فيه أكثرهم:
ثم نسي الحسن فقال: هو أمينك لا ضمان عليه. انتهى.
١٥٧- («العين حقّ»)؛ يعني: الضرر الحاصل عنها حقّ، أي: ثابت وجوديّ مقضيّ به في الوضع الإلهي، لا شبهة في تأثيره في النفوس والأموال. هذا قول عامة الأمة ومذهب أهل السّنّة.
وأنكره قوم مبتدعة!! وهم محجوجون بما يشاهد منه في الوجود، فكم من رجل أدخلته العين القبر!! وكم من جمل أدخلته القدر!!
لكنه بمشيئة الله تعالى، ولا يلتفت إلى معرض عن الشّرع والعقل تمسكا باستبعاد لا أصل له! فإنّا نشاهد من خواصّ الأحجار وتأثير السّحر ما يقضي معه العجب، وتحقق أنّ ذلك فعل مسبّب الأسباب.
وقرّب ذلك بالمرأة الحائض؛ تضع يدها في إناء اللّبن فيفسد، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد!! وتدخل البستان فتضرّ بكثير من العروش بغير مسّ! والصحيح ينظر إلى الأرمد فقد يرمد!! ويتثاءب واحد بحضرته فيتثاءب هو! وقد ذكروا أنّ جنسا من الأفاعي إذا وقع بصره على الإنسان هلك!
وحينئذ فالعين قد تكون من سمّ يصل من عين العائن في الهواء إلى بدن المعيون.
[ ٣ / ٤٥٢ ]
وقد أجرى الله عادته بوجود كثير من القوى والخواصّ والأجسام والأرواح، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتشمه من الخجل فيحدث في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل. وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه، وذلك بواسطة ما خلق الله في الأرواح من التأثيرات. ولشدّة ارتباطها بالعين نسب الفعل إلى العين، وليست هي المؤثرة!! إنّما التأثير للرّوح، والأرواح مختلفة في طبائعها، وقواها، وكيفياتها، وخواصها.
فمنها ما يؤثّر في البدن بمجرّد الرؤية بغير اتصال، ومنها ما يؤثّر بالمقابلة، ومنها ما يؤثر بتوجه الروح؛ كأحاديث من الأدعية والرّقى والالتجاء إلى الله، ومنها ما يقع بالتوهّم والتخييل.
فالخارج من عين العائن سهم معنوي؛ إن صادف البدن ولا وقاية؛ لأثّر فيه، وإلا، فلا، كالسّهم الحسّي. وقد يرجع على العائن.
وقد اختلف في جريان القصاص في القتل بالعين!!
فقال القرطبي: لو أتلف العائن شيئا ضمنه، ولو قتل فعليه القصاص؛ أو الدّية إذا تكرّر ذلك منه بحيث يصير عادة.
ومنع الشّافعيّة القصاص في ذلك؛
وقال النّوويّ في «الرّوضة»: ولا دية فيه ولا كفارة؛ لأنّ الحكم إنّما يترتّب على منضبط عامّ؛ دون ما يختصّ ببعض النّاس في بعض الأحوال ممّا لا انضباط له، كيف ولم يقع منه فعل أصلا!؟
ثمّ قال: قال القاضي: في هذا الحديث من الفقه ما قاله بعض العلماء: أنّه ينبغي إذا عرف أحد بالإصابة بالعين أن يجتنب ويحترز منه، وينبغي للإمام منعه من مداخلة النّاس ويأمره بلزوم بيته، فإن كان فقيرا!! رزقه ما يكفيه، ويكفّ أذاه عن النّاس. انتهى. شروح «الجامع الصغير» .
[ ٣ / ٤٥٣ ]
وقد ورد الشّرع بالاستغسال للعين، في حديث سهل بن حنيف لمّا أصيب بالعين فأمر النّبي ﷺ عائنه بالاغتسال.
وصفته أن العائن يغتسل في قدح من ماء؛ يدخل يده فيه، فيمضمض ويمجّه في القدح، ويغسل وجهه فيه، ثمّ يصبّ بيده اليسرى على كفّه اليمنى، ثمّ باليمنى على كفّه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليسرى فيصبّ بها على مرفق يده اليمنى، ثمّ بيده اليمنى على مرفق يده اليسرى، ثمّ يغسل قدمه اليمنى، ثمّ يدخل اليمنى فيغسل قدمه اليسرى، ثمّ يدخل يده اليمنى، فيغسل الركبتين، ثمّ يأخذ داخلة إزاره، فيصبّ على رأسه صبّة واحدة، ويضع القدح حين يفرغ.
هكذا رواه ابن أبي ذئب؛ عن الزّهري عند ابن أبي شيبة. وهو أحسن ما فسّر به؛ لأن الزّهري رواي الحديث. وزاد ابن حبيب في قول الزّهري هذا: يصبّ من خلفه صبّة واحدة يجري على جسده، ولا يوضع القدح في الأرض، ويغسل أطرافه المذكورة كلها وداخلة الإزار في القدح. قال الزّهري: هذا من العلم. وأخبر أنّه أدرك العلماء يصفونه واستحسنه العلماء، ومضى به العمل. وجاء عن ابن شهاب من رواية عقيل مثله؛ إلّا أنّ فيه الابتداء بغسل الوجه قبل المضمضة، وفيه غسل القدمين أنّه لا يغسل جميعهما، وإنّما قال: ثمّ يفعل مثل ذلك في طرف قدمه اليمنى عند أصول أصابعه. واليسرى كذلك، وهو أقرب لقول الحديث: وأطراف رجليه.
وهذا الغسل ينفع بعد استحكام النّظرة، أمّا عند الإصابة به وقبل الاستحكام! فقد أرشد الشارع إلى دفعه بقوله «ألا برّكت!!» أي: دعوت له بالبركة؛ بأن تقول: «ما شاء الله، تبارك الله»، أو «اللهمّ بارك فيه ولا تضرّه» .
واختلف العلماء في العائن؛ هل يجبر على هذا الغسل للمعين، أم لا؟
احتجّ من أوجبه بقوله ﷺ في رواية «مسلم»: «وإذا استغسلتم فاغسلوا» .
وبرواية «الموطّأ» أمره بالوضوء؛ والأمر للوجوب. قال المازري: والصّحيح
[ ٣ / ٤٥٤ ]
عندي الوجوب، ويبعد الخلاف فيه إذا خشي على المعين الهلاك. انتهى. فواجب على العائن الغسل.
والحديث أخرجه الإمام أحمد، والشّيخان، وأبو داود، والنّسائي؛ من حديث أبي هريرة ﵁؛ وابن ماجه، عن عامر بن ربيعة؛ وفي رواية لأحمد؛ عن أبي هريرة أيضا بزيادة: «ويحضرها الشّيطان، وحسد ابن آدم» .
قال الهيثميّ: رجاله رجال الصّحيح.
وأخرجه الإمام أحمد، ومسلم في «الطّب»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بزيادة: «ولو كان شيء سابق القدر سبقته العين، وإذا استغسلتم فاغسلوا» .
وأخرجه الإمام أحمد، والطّبراني في «الكبير»، والحاكم في «الطّب»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما بزيادة: «تستنزل الحالق»، أي: الجبل العالي.
وقال الحاكم: صحيح. وأقرّه الذّهبي. انتهى من «كشف الخفاء» و«الجامع الصغير» وشرحه.
فائدة: أخرج ابن السّنّي والبزّار؛ عن أنس رفعه: «من رأى شيئا فأعجبه؛ فقال «ما شاء الله، لا قوّة إلّا بالله»؛ لم يضرّه» . وفي لفظ: «لم تضرّه العين» .
وأخرج ابن عساكر أنّ سعيدا السّاجيّ من كراماته أنّه قيل له: احفظ ناقتك من فلان العائن، فقال: لا سبيل له عليها، فعانها، فسقطت تضطرب؛ فأخبر السّاجي، فوقف عليه؛ فقال: باسم الله، حبس حابس، وشهاب قابس،
رددتّ عين العائن عليه، وعلى أحبّ النّاس إليه، وعلى كبده وكلوتيه وشيق، وفي ماله يليق، تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الملك] . فخرجت حدقة العائن وسلمت النّاقة. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» رحمه الله تعالى.
[ ٣ / ٤٥٥ ]
[(حرف الغين)]
(حرف الغين) ١٦٨- «الغنى.. غنى النّفس، والفقر.. فقر النّفس» .
(حرف الغين) ١٥٨- («الغنى) - بكسر الغين، والقصر-: ضد الفقر (غنى النّفس)؛ أي:
ليس الغنى الحقيقي هو كثرة العرض والمال، بل هو غنى النّفس وقنعها بما قسم لها، فيستغني بما حصل له، لعلمه بأنّه لم يتغيّر، فهذا هو الغنى المحمود المعتبر.
(والفقر فقر النّفس»)؛ لأنّه كلّما حصل على شيء طلب غيره وهلمّ جرّا، فنفسه فقيرة أبدا حتى يجذبه ملك الموت بخياشيمه، ويقبض روحه من جسده وهو على تلك الحالة الخبيثة الرّديئة، من غير استعداد للموت ولا تأهّب له، فكان كالّذي يأكل ولا يشبع.
والحديث أخرجه الدّيلمي بلا سند؛ عن أنس رفعه، ورواه العسكري؛ عن أبي ذرّ، في حديث أوّله: «يا أبا ذرّ؛ أترى أنّ كثرة المال هو الغنى!! إنّما الغنى غنى القلب، والفقر فقر القلب» .
وفي النّجم: وروى النّسائي وابن حبّان وابن عساكر؛ عن أبي ذرّ:
«يا أبا ذرّ؛ أترى كثرة المال هو الغنى!! إنّما الغنى غنى القلب والفقر فقر القلب، من كان الغنى في قلبه؛ فلا يضرّه ما لقي من الدّنيا، ومن كان فقره في قلبه فلا يغنيه ما أكثر له في الدّنيا، وإنّما يضرّ نفسه شحّها» . انتهى.
وصدر الحديث رواه البخاريّ ومسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا. انتهى «كشف الخفاء» للعجلوني.
[ ٣ / ٤٥٦ ]
[(حرف الفاء)]
(حرف الفاء) ١٥٩- «الفتنة.. نائمة، لعن الله من أيقظها» .
١٦٠- «فعل المعروف.. يقي مصارع السّوء» .
(حرف الفاء) ١٥٩- («الفتنة)؛ المحنة، وكلّ ما يشقّ على الإنسان، وكل ما يبتلي الله به عباده فتنة. قال تعالى وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً [٣٥/ الأنبياء]؛ كذا في «الكشّاف» .
وقال ابن القيّم: الفتنة نوعان: ١- فتنة الشّبهات، وهي العظمى، و٢- فتنة الشّهوات، وقد يجتمعان للعبد، وقد ينفرد بإحداهما. انتهى مناوي على «الجامع» .
وفي «الحفني»: الفتنة هي ما يحصل به ضرر للعبد في دينه أو دنياه.
(نائمة)؛ ساكنة (لعن)؛ أي: أبعد (الله) عن رحمته (من أيقظها»)؛ أي: أثارها، وذلك كأن يلقي المبتدع شبهة على المسلمين، وكأن يقول شخص لطائفة: إنّ عدوّكم فلان يريد قتالكم؛ ليحرّكهم للقتال! من غير أصل، وهكذا.
انتهى «حفني» .
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و«كشف الخفا» وقالا: أخرجه الرّافعي الإمام؛ عن أنس ﵁، ورواه عنه الدّيلمي، لكن بيّض ولده لسنده، وعند نعيم بن حماد في «كتاب الفتن»؛ عن ابن عمر بلفظ:
«إنّ الفتنة راتعة في بلاد الله، تطأ في خطامها؛ لا يحلّ لأحد أن يوقظها، ويل لمن أخذ بخطامها» . انتهى.
١٦٠- («فعل المعروف) في الدّنيا (يقي مصارع السّوء»)؛ أي: الوقوع في الهلكات في الدّنيا والآخرة. قال العامري: المعروف هنا يعود إلى مكارم الأخلاق مع الخلق؛ كالبرّ والمواساة بالمال، والتعهّد في مهمات الأحوال؛ كسدّ خلّة
[ ٣ / ٤٥٧ ]
١٦١- «في كلّ ذات كبد حرّى.. أجر» .
وإغاثة ملهوف وتفريج مكروب، وإنقاذ محترم من محذور، فيجازيه الله من جنس فعله؛ بأن يقيه مثلها، أو المعنى: يقيه مصارع السّوء عند الموت. انتهى مناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي الدّنيا في كتاب فضل قضاء الحوائج للناس؛ عن أبي سعيد الخدري. وأخرجه القضاعي في «الشهاب» .
١٦١- («في كلّ)؛ أي: في إرواء كلّ (ذات كبد) - بفتح فكسر- (حرّى) بالقصر؛ ك «عطشى» - من الحرّ، وهو تأنيث: حرّان، وهي للمبالغة.
وأنّثها!! لأنّ الكبد مؤنّث سماعي؛ يريد أنّها لشدّة حرّها قد عطشت ويبست من العطش، والمراد حرارة الحياة، وفي رواية: «كلّ كبد رطبة»، أي: حيّة، يعني رطوبة الحياة، والمعنى: أنّ في سقي كلّ ذي كبد حرّى (أجر») عام مخصوص بحيوان محترم، وهو ما لم يؤمر بقتله.
فيحصل الثّواب بسقيه، ويلحق به إطعامه) وغير ذلك من وجوه الإحسان.
وقال بعضهم: لا يمتنع إجراؤه على عمومه، يعني فيسقى ثمّ يقتل؛ لأنّا أمرنا بأن نحسن القتلة، ونهينا عن المثلة. انتهى شروح «الجامع الصغير» .
والحديث أخرجه البخاريّ ومسلم؛ عن أبي هريرة مرفوعا؛ البخاريّ في «بدء الخلق وفي باب الآبار»، بلفظ: «في كلّ ذات كبد رطبة أجر» في ذيل حديث المومسة؛ ومسلم في «الحيوان»؛ عنه كمثل معناه.
وذكره في «الجامع» بلفظ المصنّف مرموزا له برمز الإمام أحمد وابن ماجه؛ عن سراقة بن مالك، والإمام أحمد؛ عن ابن عمرو بن العاصي.
وسببه كما في «مسند أبي يعلى» قيل: يا رسول الله، الضّوالّ ترد علينا، هل لنا أجر إن نسقيها!؟ قال: «نعم..» ثمّ ذكره. انتهى مناوي على «الجامع» .
[ ٣ / ٤٥٨ ]
[(حرف القاف)]
(حرف القاف) ١٦٢- «القريب.. من قرّبته المودّة، وإن بعد نسبه» .
١٦٣- «قل: آمنت بالله.. ثمّ استقم» .
(حرف القاف) ١٦٢- («القريب من قرّبته المودّة وإن بعد نسبه»)؛ أي: ليس القريب من كان قريبا في النّسب، بل القريب حقيقة: من قرّبته المودّة والمحبّة؛ بأن كان ودودا لك وحبيبا وصديقا، فذلك هو القريب حقيقة، وإن كان بعيدا عنك في النّسب، ف «ربّ أخ لك لم تلده أمّك» .
وأصل القرب الأمانة، فمن كان متّصفا بها فهو الّذي يحبّه النّاس ويقرّبونه، وأصل البعد: الخيانة، فمن اتّصف بها. فهو الّذي يفرّ النّاس منه، كالجمل الأجرب، وإن كان أقرب قريب في النّسب!! وهذا مشاهد معلوم.
وهذا الحديث ذكره المناوي في «كنوز الحقائق» مرموزا له برمز الديلمي في «الفردوس» .
١٦٣- («قل آمنت بالله)؛ أي: جدّد إيمانك بالله ذكرا بقلبك ونطقا بلسانك.
(ثمّ استقم»)؛ أي: الزم عمل الطّاعات والانتهاء عن المنهيّات، يحصل لك كلّ خير دنيوي وأخروي. وانتزع هاتين الجملتين من آية إِنَّ الَّذِينَ قالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقامُوا [٣٠/ فصلت] وهذا من بدائع جوامع الكلم؛ فقد جمعتا جميع معاني الإيمان والإسلام؛ اعتقادا وقولا وعملا، إذ الإسلام توحيد، وهو حاصل بالجملة الأولى، والطّاعة بسائر أنواعها في ضمن الثّانية؛ إذ الاستقامة امتثال كلّ مأمور وتجنّب كلّ منهي، وعرّفها بعضهم بأنّها المتابعة للسنن المحمّديّة مع التّخلّق بالأخلاق المرضيّة.
والحديث ذكره في «الجامع الصغير» و«الكشف» وقال: أخرجه الإمام أحمد
[ ٣ / ٤٥٩ ]
١٦٤- «قلّة العيال.. أحد اليسارين» .
ومسلم والتّرمذي والنّسائي وابن ماجه؛ عن سفيان بن عبد الله الثّقفي الطّائفي قال:
قلت: يا رسول الله؛ قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا بعدك، فذكره.
وفي ابن ماجه قال: قلت: يا رسول الله؛ حدّثني بأمر أعتصم به، قال: «قل:
ربّي الله، ثمّ استقم» . وزاد التّرمذي: قلت: يا رسول الله؛ ما أخوف ما تخاف عليّ؟ قال: «هذا!» . وأخذ بلسانه.
١٦٤- («قلّة العيال أحد اليسارين»)؛ لأنّ الغنى نوعان:
١- غنى بالشيء؛ أي: بالمال؛ بأن يكون عنده ما يكفيه ويكفي عياله.
و٢- غنى عن الشّيء؛ بأن لا يكون عنده عيال يحوجونه إلى السّعي وطلب الدّنيا.
وهذا هو الغنى الحقيقي، فقلّة العيال لا حاجة معها إلى كثرة المؤن.
وقيل: اليسار خفض العيش؛ أي: سعته والراحة فيه، وزيادة الدّخل على الخرج، أو وفاء الدّخل بالخرج، فمن كثر عياله ودخله وفضل له من دخله، أو وفي دخله بخرجه، أو قلّ عياله ودخله وفضل أو وفى!! فهو في يسر، ومن قلّ دخله وكثر عياله!! ففي عسر. انتهى شرح «الجامع الصغير»، وشرح «المواهب» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير»، وقال: رواه القضاعي في «مسند الشّهاب»؛ عن علي، «أمير المؤمنين»؛ والدّيلمي في «مسند الفردوس»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنهما. انتهى
وفي «المقاصد»: حديث: «قلّة العيال أحد اليسارين، وكثرته أحد الفقرين» . القضاعي؛ عن علي، والدّيلمي؛ عن غيره، بالشّطر الأوّل مرفوعا بسندين ضعيفين. وذكره في «الإحياء» بتمامه. انتهى.
وكذا ذكره في «الجامع الصّغير» بتمامه، وأوّله: «التّدبير نصف العيش» ..
الخ.
[ ٣ / ٤٦٠ ]
١٦٥- «قل الحقّ، وإن كان مرّا» .
١٦٦- «قليل تؤدّي شكره.. خير من كثير لا تطيقه» .
١٦٥- («قل الحقّ) في جميع الأمور ولا يصرفك عنه صارف؛ (وإن كان مرّا!»)؛ بأن كان على نفسك، أو على ولدك، أو صديقك، أو ذوي قرابتك؛ بأن تقرّ به وتشهد به ولا تكتمه؛ كما قال تعالى* يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَداءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ [١٣٥/ النساء] .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق»، وفي «كشف الخفاء» وقال: رواه الإمام أحمد؛ عن أبي ذرّ مرفوعا، وهو صحيح.
وله شواهد؛ منها: ما أخرجه البيهقي؛ عن جابر مرفوعا بلفظ: «ما من صدقة أحبّ إلى الله من قول الحقّ» . وقد صحّحه ابن حبان في حديث طويل.
واشتهر على الألسنة: «قل الحقّ ولو على نفسك» . انتهى.
١٦٦- («قليل) من المال (تؤدّي شكره) يا ثعلبة؛ الّذي قال: ادع الله أن يرزقني مالا؛ (خير من كثير لا تطيقه») . تمامه عند الطّبراني: «أما تريد أن تكون مثل رسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلم!! لو سألت الله أن يسيل الجبال ذهبا وفضّة لسالت!!» . انتهى.
وهذا من معجزاته، فإنّه إخبار عن غيب وقع، فإنّه دعا لثعلبة هذا أن [ينمو] ماله، فنمت غنمه حتّى ضاقت المدينة عنها، فنزل واديا. وانقطع عن الجمعة والجماعة، وطلبت منه الزّكاة فقال: ما هذه إلّا أخيّة الجزية!! وفيه نزل* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية [٧٥/ التوبة] .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» وقال: أخرجه البغويّ والباوردي، وابن قانع، وابن السّكن، وابن شاهين: كلهم في «الصّحابة»، وكذا الطّبراني، والدّيلمي من طريق معاذ بن رفاعة؛ عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة الباهلي، عن ثعلبة بن حاطب «أو ابن أبي حاطب» الأنصاري؛
[ ٣ / ٤٦١ ]
١٦٧- «القناعة.. كنز لا يفنى» .
قال أبو أمامة: جاء ثعلبة إلى المصطفى ﷺ فقال: يا نبيّ الله؛ ادع الله أن يرزقني مالا.
فقال: «ويحك يا ثعلبة!! أما تحبّ أن تكون مثلي، فلو شئت أن تسير معي الجبال ذهبا لسارت!!» .
فقال: ادع الله لي أن يرزقني مالا، فو الّذي بعثك بالحقّ نبيّا لئن رزقنيه لأعطينّ كلّ ذي حقّ حقّه! قال: «لا تطيقه» !!
قال: يا نبيّ الله؛ ادع الله أن يرزقني مالا، فقال: «اللهمّ؛ ارزقه مالا»، فاتّخذ غنما فبورك له فيها، ونمت حتّى ضاقت به المدينة؛ فتنحّى عنها، فكان يشهد مع المصطفى ﷺ بالنّهار، ولا يشهد صلاة اللّيل، ثمّ نمت فكان لا يشهد إلّا من الجمعة إلى الجمعة، ثمّ نمت؛ فكان لا يشهد الجمعة ولا الجماعة.
فقال المصطفى ﷺ: «ويح ثعلبة!» . ثمّ أمر المصطفى ﷺ بأخذ الزّكاة والصّدقة؛ فبعث رجلين فمرّا على ثعلبة وقالا: الصّدقة؟! فقال: ما هذه إلّا أخيّة الجزية!! فأنزل الله فيه* وَمِنْهُمْ مَنْ عاهَدَ اللَّهَ الآية [٧٥/ التوبة] .
قال البيهقي: في إسناد هذا الحديث نظر!! وهو مشهور بين أهل التّفسير.
انتهى.
وأشار في «الإصابة» إلى عدم صحّة هذا الحديث، فإنّه ساق هذا الحديث في ترجمة ثعلبة هذا، ثمّ قال: وفي كون صاحب هذه القصّة- إن صحّ الخبر!! ولا أظنّه يصحّ؛ هو البدري! - نظر!! انتهى كلام المناوي رحمه الله تعالى..
١٦٧- («القناعة) الرّضا بالمقسوم (كنز)؛ أي: ككنز، بجامع أنّها تغني صاحبها عن النّاس؛ كما يغنيه كنز؛ أي: مال مدفون (لا يفنى»)؛ لأنّ القناعة تنشأ عن غنى القلب بقوّة الإيمان ومزيد الإيقان، ومن قنع أمدّ بالبركة ظاهرا وباطنا؛ لأنّ الإنفاق منها لا ينقطع؛ إذ صاحبها كلما تعذّر عليه شيء قنع بما دونه؛
[ ٣ / ٤٦٢ ]
فلا يزال غنيّا عن النّاس، ولذا كان ما يقنع به خير الرّزق؛ كما في حديث: «خير الذّكر الخفيّ، وخير الرّزق ما يكفي» . رواه أحمد والبيهقي.
ومن قنع بالمقسوم كانت ثقته بالله- الّتي شأنها ألاتنقطع؛ لتأكّد الوثاقة- كنزا لا ينفد إمداده، ولهذا قال لقمان لابنه: يا بنيّ، الدّنيا بحر عميق؛ غرق فيه ناس كثير، فاجعل سفينتك فيها القناعة.
ولله در من قال:
وجدت القناعة كنز الغنى فصرت بأذيالها ممتسك
فلا ذا يراني على بابه ولا ذا يراني به منهمك
وصرت غنيّا بلا درهم أمرّ على النّاس شبه الملك
وللإمام الشّافعي رحمه الله تعالى:
عزيز النّفس من لزم القناعه ولم يكشف لمخلوق قناعة
أفادتني القناعة كلّ عزّ وأيّ غنى أعزّ من القناعه
فصيّرها لنفسك رأس مال وصيّرها مع التّقوى بضاعه
وللإمام الشّافعي أيضا رحمه الله تعالى:
أمتّ مطامعي وأرحت نفسي فإنّ النّفس ما طمعت تهون
وأحييت القنوع وكان ميتا ففي إحيائه عرضي مصون
إذا طمع يحلّ بقلب عبد علته مهانة وعلاه هون
وفي القناعة أحاديث كثيرة؛ منها حديث ابن عمر مرفوعا: «قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا وقنّعه الله بما آتاه» .
وعن علي في قوله تعالى فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [٩٧/ النحل]؛ قال: القناعة.
وكذا قال الأسود: إنّها القناعة والرّضا.
وعن سعيد بن جبير قال: لا يحوجه إلى أحد.
[ ٣ / ٤٦٣ ]
١٦٨- «قيّد.. وتوكّل» .
وقال بعض الحكماء: انتقم من حرصك بالقناعة؛ كما تنتقم من عدوّك بالقصاص.
وكان من دعائه ﷺ: «اللهمّ؛ قنّعني بما رزقتني وبارك لي فيه» .
ولو لم يكن في القناعة إلّا التّمتّع بالعزّ؛ لكفى صاحبه.
وسئل بعض الصّوفيّة عن مقام القناعة: هل يطلب من ربّه القناعة بما أعطاه الحقّ له من معرفته؛ كما يقنع بنظيره من القوت!؟ فأجاب بأنّ القناعة المطلوبة خاصة بأمور الدّنيا لئلّا يشتغل بكثرتها عن آخرته، لكونه مجبولا على الشحّ.
وأمّا القناعة من المعرفة بالقليل!! فمذمومة بنصّ آية وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) [طه]، أي: بك وبأسرار أحكامك، لا زيادة من التّكاليف؛ فإنّه كان يكره السّؤال في الأحكام، وأنشد يقول:
إنّ القناعة باب أنت داخله إن كنت ذاك الّذي يرجى لخدمته
فاقنع بما أعطت الأيّام من نعم من الطّبيعة لا تقنع بنعمته
لو كان عندك مال الخلق كلّهم لم يأكل الشّخص منه غير لقمته
وأنشد يقول:
لا تقنعنّ بشيء دونه أبدا واشره فإنّك مجبول على الشّره
واحرص على طلب العلياء تحظ بها فليس نائم ليل مثل منتبه
والحديث رواه الطّبراني في «الأوسط»؛ عن جابر، بلفظ: «القناعة مال لا ينفد وكنز لا يفنى» . قال الذهبيّ: وإسناده واه.
١٦٨- («قيّد)؛ ناقتك- وفي رواية: قيدّها- (وتوكّل») على الله، فإنّ التّقييد لا ينافي التّوكّل، إذ هو: اعتماد القلب على الرّبّ في كلّ عمل دينيّ أو دنيويّ، فالتّقييد لا يضادّه؛ كما أن الكسب لا يناقضه.
[ ٣ / ٤٦٤ ]
قال المحاسبيّ: من ظنّ أنّ التّوكّل ترك كسبه فليترك كلّ كسب دنيويّ ودينيّ، وكفى به جهلا!!.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» ورمز له برمز البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن عمرو بن أميّة الضّمري الكناني قال: يا رسول الله؛ أرسل راحلتي وأتوكّل، قال: «بل قيّد وتوكّل» . ورواه عنه أيضا الحاكم بلفظ: «قيّدها وتوكّل» . قال الذهبي: وسنده جيد.
وقال الهيثمي: رواه الطّبراني؛ عن أبي هريرة بإسنادين؛ في أحدهما عمرو بن عبد الله بن أميّة الضّمري، ولم أعرفه! وبقية رجاله ثقات. انتهى مناوي على «الجامع» . وفي «العزيزي»: إنّه حديث صحيح.
ورواه التّرمذي؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بلفظ: «اعقلها وتوكّل» وقال:
غريب. ونقل؛ عن يحيى بن سعيد القطان أنّه منكر، والبيهقي، وأبو نعيم، وابن أبي الدّنيا؛ عن أنس أنّه قال: قال رجل: يا رسول الله؛ أعقلها وأتوكّل، أو أطلقها وأتوكّل!؟ قال: «اعقلها وتوكّل» . يعني: النّاقة.
وأخرجه ابن حبّان وأبو نعيم أيضا؛ عن عمرو بن أميّة الضّمري أنّه قال: قال رجل للنّبي ﷺ- وقيل: القائل عمرو-: أرسل ناقتي وأتوكل!؟ قال: «اعقلها وتوكّل» . انتهى «كشف الخفا ومزيل الإلباس» .
[ ٣ / ٤٦٥ ]
[(حرف الكاف)]
(حرف الكاف) ١٦٩- «كفى بالمرء إثما.. أن يضيّع من يقوت» .
(حرف الكاف) ١٦٩- («كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يقوت»)؛ أي، من يلزمه قوته ونفقته، لا سيّما الزّوجة!! فإنّ نفقتها متأكّدة، وهذا صريح في وجوب نفقة من يقوت؛ لتعليقه الإثم على تركه، لكن إنّما يتصور ذلك في موسر لا معسر!! فعلى القادر السّعي على عياله لئلّا يضيّعهم، فمع الخوف على ضياعهم هو مضطرّ إلى الطّلب لهم، لكن لا يطلب لهم إلّا قدر الكفاية؛ لأنّ الدّنيا بغيضة، وسؤال أوساخ النّاس قروح وخموش يوم القيامة.
قال بعضهم: والضّيعة: هي التّفريط فيما له غناء وثمرة إلى ألايكون له غناء ولا ثمرة. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع» مرموزا له برمز الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم في «الزّكاة»، والبيهقي في «سننه»؛ عن ابن عمرو بن العاصي، وصحّحه الحاكم، وأقرّه الذّهبي، وقال في «الرياض»: إسناده صحيح. ورواه عنه أيضا النّسائي، وهو عند مسلم بلفظ: «كفى بالمرء إثما أن يحبس عمّن يملك قوته» . انتهى. مناوي على «الجامع» .
قال في «الكشف»: والمشهور على الألسنة: «كفى بالمرء إثما أن يضيّع من يعول» . بل هي رواية الحاكم؛ كما في «النجم» . انتهى.
قال المناوي: وسببه- كما في البيهقي- أنّ ابن عمرو كان ببيت المقدس فأتاه مولى له؛ فقال: أقيم هنا رمضان، قال: هل تركت لأهلك ما يقوتهم؟ قال:
لا، قال: سمعت النبي ﷺ يقول فذكره. انتهى.
[ ٣ / ٤٦٦ ]
١٧٠- «كفى بك إثما.. ألاتزال مخاصما» .
١٧١- «كفى بالدّهر واعظا، وبالموت مفرّقا» .
١٧٠- («كفى بك إثما ألاتزال مخاصما!»)؛ أي: تكثر المخاصمة مع الخلق؛ لأنّ كثرة المخاصمة تفضي غالبا فيما يذمّ صاحبه، فالمستمرّ على الخصام الماهر فيه من أبغض الخلق إلى الله تعالى، وقد ورد التّرغيب في ترك المخاصمة، ففي أبي داود؛ عن أبي أمامة رفعه: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنّة لمن ترك المراء؛ وإن كان محقّا، وأبغض العباد إلى الله تعالى الألدّ الخصم»؛ كما في «الصحيحين» .
فإن قيل: لا بد من الخصومة لاستيفاء الحقوق.
فالجواب ما قال الغزالي: إنّ الذّم المتأكّد إنّما هو خاصّ بباطل أو بغير علم؛ كوكلاء القاضي.
وقال بعض العارفين: إذا رأيت الرّجل لجوجا مرائيا معجبا برأيه فقد تمّت خسارته. انتهى مناوي على «الجامع» مرموزا له برمز التّرمذي؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، وقال: غريب. وخرّجه عنه البيهقي والطّبراني، قال ابن حجر: وسنده ضعيف. انتهى «مناوي» .
١٧١- («كفى بالدّهر)؛ أي: كفى تقلّبه بأهله (واعظا) مذكّرا ومنبّها على زوال الدّنيا، ومرقّقا مليّنا للقلوب، (وبالموت مفرّقا») - بشدّ الرّاء وكسرها- لأنّ تفريقه لا عود بعده إلّا في الآخرة؛ بخلاف فرقة غير الموت.
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» و«كنوز الحقائق» وقالا: أخرجه ابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة»، وكذا العسكري في «الأمثال» كلاهما؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
جاء رجل إلى النّبي ﷺ فقال: إن جاري يؤذيني! فقال: «اصبر على أذاه وكفّ عنه أذاك» . فما لبثت إلّا يسيرا إذ جاءه فقال له: مات!! فذكره.
[ ٣ / ٤٦٧ ]
١٧٢- «كلّ آت.. قريب» .
وهذا من بديع حكمته ﷺ ووجيزها؛ لأنّه لمّا علم أنّ أسباب العظات كثيرة؛ من العبر والآيات، وطوارق الآفات، وسوء عواقب الغفلات، ومفارقة الدّنيا وما بعد الممات؛ قال في عظة الموت كفاية عن جميع ذلك، لأنّ الموت ينزعه عن جميع محبوباته في الدّنيا ومخوفاته؛ إمّا إلى الجنّة، وإمّا إلى ما يكرهه، وذلك يوجب المنع من الرّكون إلى الدّنيا، والاستعداد إلى الآخرة وترك الغافلة. انتهى «مناوي» .
قال: في «الكشف»: في سنده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وفي «العزيزي»: إنّه حديث حسن لغيره.
١٧٢- («كلّ آت)؛ من الموت والقيامة والحساب والوقوف (قريب»)، وأنت سائر على مراحل الأيّام واللّيالي إليه، إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَراهُ قَرِيبًا (٧) [المعارج] .
فالجاهل يراه بعيدا لعمى قلبه، والمؤمن الكامل يراه بنور إيمانه قريبا؛ كأنّه يعاينه؛ فبذل دنياه لآخراه، وسلّم نفسه لمولاه، فلا تغرّنّك الدّنيا، فجديدها عمّا قليل يبلى، ونعيمها يفنى، ومن لم يتركها اختيارا؛ فعمّا قريب يتركها اضطرارا، ومن لم تزل نعمته في حياته زالت بمماته.
قال ابن عطاء الله السّكندري: لا بد لهذا الوجود أن تنهدم دعائمه، وأن تسلب كرائمه. فالعاقل من كان بما هو أبقى أوثق منه بما هو يفنى.
وقال بعض الحكماء: من كان يؤمّل أن يعيش غدا فهو يؤمل أن يعيش أبدا.
قال الماوردي: ولعمري؛ إنّه صحيح! إذ كل يوم غدا، فإذا يفضي به الأمل إلى الفوت من غير درك، ويؤديه الرّجاء إلى الإهمال بغير تلاف.
وقال الحكماء: لا تبت على غير وصيّة، وإن كنت من جسمك في صحّة، ومن عمرك في فسحة، فإنّ الدّهر خائن، وكل ما هو آت كائن. انتهى «مناوي» .
[ ٣ / ٤٦٨ ]
١٧٣- «كلّ الصّيد في جوف الفراء» .
والحديث ذكره في «الدّرر» للسّيوطي، وقال: أخرجه ابن ماجه من حديث ابن مسعود في أثناء حديث. وذكره في «الكشف»، وقال: رواه ابن مردويه؛ عن ابن مسعود مرفوعا وموقوفا، ولفظه: «ألا لا يطولنّ عليكم الأمد فتقسو قلوبكم، ألا إنّ كلّ ما هو آت قريب، ألا إنّما البعيد ما ليس بات» .
وروى البيهقي في «الأسماء والصفات»، عن ابن شهاب مرسلا: إنّه ﷺ كان يقول إذا خطب: «كلّ ما هو آت قريب، لا بعد لما هو آت، لا يعجل الله لعجلة أحد، ولا يخلف لأمر أحد، ما شاء الله لا ما شاء النّاس، يريد الله أمرا ويريد النّاس أمرا، وما شاء الله كائن؛ ولو كره النّاس، لا مبعّد لما قرّب الله؛ ولا مقرّب لما بعّد الله، ولا يكون شيء إلّا بإذن الله» .
وعزاه في «المقاصد» للقضاعي؛ عن زيد بن خالد الجهني ﵁، قال: تلقفت هذه الخطبة من في رسول الله ﷺ، فذكرها، وفيها: «كلّ ما هو آت قريب» . انتهى كلام «الكشف» .
وهذه الجملة موجودة في «الجامع الصّغير» أثناء حديث طويل أوله: «أمّا بعد؛ فإنّ أصدق الحديث كتاب الله» الخ.
١٧٣- («كلّ الصّيد في جوف الفراء») - بفتح الفاء، مقصور مهموز-: حمار الوحش، هذا خاطب به النّبي ﷺ أبا سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، حين جاءه مسلما، بالأبواء بين مكّة والمدينة والنّبي ﷺ سائر إلى فتح مكّة؛ بعد أن كان عدوّا له هجّاء، كثير الهجاء بعد البعثة، وكان يألفه قبلها، فلمّا أسلم كان لا يرفع رأسه إلى المصطفى حياء منه ﷺ.
وكان النبيّ ﷺ يحبّه، ويشهد له بالجنّة، ويقول: «أرجو أن يكون خلفا من حمزة!» ﵁.
فكأنّ النّبي ﷺ يقول: إنّ الحمار الوحشيّ من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنّك أعظم أهلي وأمسّهم رحما بي، ومن أكرم من يأتيني، وكلّ
[ ٣ / ٤٦٩ ]
دونك!! قال ذلك ملاطفة له؛ لأنّه استأذن فلم يأذن له، وقال: إنّه هتك عرضي.
والحديث أخرجه الرّامهرمزي الإمام؛ أبو محمد الحسن بن عبد الرحمن الفارسي في كتاب «الأمثال» من طريق ابن عيينة، عن وائل بن مازن، عن نصر بن عاصم الليثي؛ قال: أذن رسول الله ﷺ لقرشي وأخّر أبا سفيان، ثم أذن له فقال:
ما كدت أن تأذن لي حتى كدت أن تأذن لحجارة الجلهمتين قبلي وبكى، فقال:
«وما أنت وذاك يا أبا سفيان؛ إنّما أنت كما قال الأول: كلّ الصّيد في جوف الفراء» . وسنده جيد، لكنّه مرسل، لأنّ نصر بن عاصم تابعيّ وسط.
ونحوه عند العسكري، ولكنّه قال: «كلّ الصّيد في جوف الفراء- أو: جنب الفراء-» بالشّكّ.
قال في «المقاصد»: وقد أفردت فيه جزآ فيه نفائس.
والجلهمتان: تثنية الجلهمة- بضمّ الجيم وفتحها-: حافّة الوادي وناحيته.
قال الدّميري في «حياة الحيوان»: الفراء: الحمار الوحش. والجمع:
الفراء، مثل جبل وجبال، وفي المثل «كل الصّيد في جوف الفراء»؛ قاله النّبي ﷺ لأبي سفيان بن الحارث، وقيل: لأبي سفيان بن حرب.
وقال السّهيلي: الصّحيح أنّه قاله لأبي سفيان بن حرب يتألّفه به؛ وذلك لأنّه استأذن على النّبي ﷺ فحجب قليلا ثمّ أذن له، فلما دخل؛ قال للنّبي ﷺ:
ما كدت أن تأذن لي حتّى كدت أن تأذن لحجارة الجلهمتين قبلي!!، فقال له النبي ﷺ: «يا أبا سفيان؛ أنت كما قيل- كلّ الصّيد في جوف الفراء-» . ثمّ قال:
وأصل هذا المثل أنّ جماعة ذهبوا للصّيد؛ فصاد أحدهم ظبيا، والآخر أرنبا، والآخر حمار وحش، فاستبشر الأوّلان بما نالا؛ فقاله الثالث؛ يعني أنّ ما رزقته يشتمل على ما عندكما؛ لأنّه أعظم، ثمّ اشتهر هذا المثل في كلّ شيء كان جامعا لغيره، كما قال القائل:
يقولون: كافات الشّتاء كثيرة وما هي إلّا واحد غير مفترى
[ ٣ / ٤٧٠ ]
١٧٤- «كلّكم.. راع، وكلّكم مسؤول عن رعيّته» .
١٧٥- «كلّ المسلم.. على المسلم حرام؛ دمه، وماله، وعرضه» .
إذا صحّ كاف الكيس فالكلّ حاصل لديك وكلّ الصّيد في جوف الفرا
انتهى «كشف» .
١٧٤- («كلّكم راع)؛ أي: حافظ مؤتمن، ملتزم بصلاح ما قام عليه، وهو ما تحت نظره من الرّعاية؛ وهي الحفظ، يعني: كلكم ملتزم بحفظ ما يطالب به؛ من العدل إن كان واليا، ومن عدم الخيانة إن كان موليا عليه؛
(وكلّكم مسؤول عن رعيّته») في الآخرة، فكلّ من كان تحت نظره شيء فهو مطلوب بالعدل فيه والقيام بمصالحه في دينه ودنياه ومتعلّقات ذلك، فإن وفى ما عليه من الرّعاية! حصل له الحظّ الأوفر والجزاء الأكبر، وإلّا! طالبه كل أحد من رعيّته بحقّه في الآخرة.
ويدخل في ذلك الولاة، والمنفق على زوجة أو قريب أو رفيق أو بهيمة؛ هل قام بحقّها أم لا!؟
والرّعاية تختلف؛ فالسّلطان أكثر مسؤولية من غيره، فإنّ عليه حفظ جميع رعيّته والذّب عنهم، وكذا نوّابه، فكلّ عليه حفظ ما تحت يده، وهكذا الزّوج ونحوه، فالرّاعي غير مطلوب لذاته؛ بل أقيم لحفظ ما استرعاه، ويشمل المنفرد؛ إذ يصدق عليه أنّه راع في جوارحه بفعل المأمور وترك المنهي. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث رواه الإمام أحمد، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذي؛ عن ابن عمر ﵄.
١٧٥- («كلّ)؛ مبتدأ (المسلم) (- فيه ردّ لزاعم أنّ كلّا لا تضاف إلّا إلى نكرة (على المسلم) (متعلق بالخبر، وهو قوله (حرام: دمه) - بالرّفع، وكذا ما بعده بيان لكل؛ أي: إراقة دمه أو قتله بلا حق، (وماله)؛ أي: أخذ ماله بنحو غصب، (وعرضه»)؛ أي: هتك عرضه بالتّكلم فيه بما يشينه بلا
[ ٣ / ٤٧١ ]
١٧٦- «كلّ معروف.. صدقة» .
١٧٧- «كلّ مؤذ.. في النّار» .
استحقاق؛ والعرض: موضع المدح والذّمّ من الإنسان.
وأدلّة تحريم هذه الثّلاثة مشهورة معروفة من الدّين بالضّرورة، وجعلها كلّ المسلم وحقيقته! لشدّة اضطراره إليها؛ فالدّم فيه حياته، ومادّته المال، فهو ماء الحياة الدّنيا، والعرض به قيام صورته المعنويّة.
واقتصر على هذه الثّلاثة؛ لأنّ ما سواها فرع عنها وراجع إليها؛ لأنّه إذا قامت الصّورة البدنيّة والمعنويّة فلا حاجة لغيرهما؛ وقيامهما إنّما هو بتلك الثّلاثة.
ولكون حرمتها هي الأصل والغالب لم يحتج لتقييدها بغير حقّ.
فقوله في رواية «إلّا بحقّها» إيضاح وبيان.
وهذا حديث عظيم الفوائد كثير العوائد مشير إلى المبادئ والمقاصد. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث أخرجه مسلم، وأبو داود في «الأدب»، وابن ماجه في «الزهد» .
١٧٦- («كلّ معروف)؛ أي: عرف في الشّرع بأنّه قربة؛ من قول أو فعل، (صدقة»)؛ أي: كلّ ما يفعل من أعمال البرّ والخير فثوابه كثواب من تصدّق بالمال؛ وسمّيت صدقة؛ لأنّها من تصديق الوعد بنفع الطّاعة عاجلا وثوابها آجلا.
وفيه إشارة إلى أنّ الصّدقة لا تنحصر في المحسوس، فلا تختصّ بأهل اليسار مثلا، بل كلّ أحد يمكنه فعلها غالبا بلا مشقّة. انتهى «مناوي» وغيره.
والحديث أخرجه الإمام أحمد بسند رجاله رجال «الصحيح»، والبخاريّ في «صحيحه»؛ «باب الأدب» كلاهما؛ عن جابر بن عبد الله.
وأخرجه الإمام أحمد ومسلم في «الزّكاة»، وأبو داود في «الأدب» كلهم؛ عن حذيفة بن اليمان، وهو حديث متواتر، رواه نحو ستة عشر صحابيّا ﵃.
١٧٧- («كلّ مؤذ في النّار»)؛ يعني: كلّ ما يؤذي؛ من نحو حشرات
[ ٣ / ٤٧٢ ]
١٧٨- «كلّ.. ميسّر لما خلق له» .
وسباع، يكون في نار جهنّم عقوبة لأهلها؛ وقيل: هو وعيد لمن يؤذي النّاس، أي: كل من آذى الناس في الدّنيا من النّاس أو من غيرهم؛ يعذّبه الله في تلك الدّار في نار الآخرة. ذكره الزّمخشري والخطّابي. انتهى «مناوي» .
والحديث أخرجه الخطيب في ترجمة عثمان الأشج؛ المعروف ب «ابن أبي الدّنيا»، وأخرجه ابن عساكر في «تاريخ دمشق» كلاهما؛ عن علي، «أمير المؤمنين»، قال الخطيب: وعثمان عندي ليس بشيء. انتهى. وأورده الذّهبي في «المتروكين»، وقال: خبر غريب. انتهى مناوي على «الجامع»، وفي «العزيزي»: إنّه حديث حسن. اه.
١٧٨- («كلّ) - بالتّنوين-؛ أي: كلّ إنسان (ميسّر) - بضمّ الميم، وبالمثنّاة التّحتيّة، والمهملة الثّقيلة؛ المفتوحتين- وفي رواية يسّر (لما خلق له»)؛ أي: مهيّأ لما خلق لأجله، قابل له بطبعه، أي: فالأمر مغيب عنّا، فلا نعرف النّاجي من غيره، إلّا أنّ الشّارع نصب لنا دليلا على ذلك، فمن رأيناه منكبّا على الطّاعة علمنا أنّه ناج، وعكسه بعكسه.
وليس المراد بالتّيسير هنا ما يقابل التّعسير!! وقول بعضهم: «معناه كلّ موفّق لما خلق لأجله» غير سديد؛ لأنّ التّوفيق خلق قدرة الطّاعة في العبد؛ وليس المعنى هنا مقصورا عليه، بل المراد التّهيئة لما خلق لأجله من خير وشرّ وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها (٧) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها (٨) [الشمس] . انتهى مناوي على «الجامع»، وحفني على «الجامع» .
قال العزيزي: وفي الحديث إشارة إلى أنّ المال محجوب عن المكلّف، فعليه أن يجتهد في عمل ما أمر به، فإنّ عمله أمارة إلى ما يؤول إليه أمره غالبا، وإن كان بعضهم قد يختم له بغير ذلك؛ كما في حديث ابن مسعود وغيره، لكن لا اطّلاع له على ذلك، فعليه أن يبذل جهده ويجاهد نفسه في عمل الطّاعة، ولا يترك اتّكالا على ما يؤول إليه أمره، فيلام على ترك المأمور، ويستحقّ العقوبة. انتهى.
[ ٣ / ٤٧٣ ]
١٧٩- «كلّموا النّاس.. بما يعرفون، ودعوا ما ينكرون» .
فائدة: قال الرّاغب: لما احتاج النّاس بعضهم لبعض سخّر كلّ واحد منهم لصناعة ما يتعاطاه، وجعل بين طبائعهم وصنائعهم مناسبات خفيّة واتّفاقات سماويّة؛ ليؤثر الواحد بعد الواحد حرفة ينشرح صدره بملابستها، وتطيعه قواه لمزاولتها، فإذا جعل إليه صناعة أخرى ربّما وجده مستبلدا فيها، متبرّما منها، سخّرهم الله لذلك؛ لئلّا يختاروا كلهم صناعة واحدة، فتبطل الأقوات والمعاونات، ولولا ذلك ما اختاروا من الأسماء إلّا أحسنها، ومن البلاد إلا أطيبها، ومن الصّناعات إلا أجملها، ومن الأفعال إلّا أرفعها، ولتنازعوا فيه، لكنّ الله بحكمته جعل كلّا منهم في ذلك مخيّرا.
فالنّاس؛ إمّا راض بصنعته لا يبغي عنها حولا؛ كالحائك الّذي رضي بصناعته ويعيب الحجّام الّذي يرضى بصناعته، وبذلك انتظم أمرهم وكُلُّ حِزْبٍ بِما لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) [المؤمنون] . وإمّا كاره لها يكابدها مع كراهته إيّاها، كأنّه لا يجد عنها بدلا. وعلى ذلك دلّ هذا الحديث: نَحْنُ قَسَمْنا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَرَفَعْنا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ [٣٢/ الزخرف] .
فالتّباين والتّفرق والاختلاف سبب الالتئام والاجتماع والاتّفاق، فسبحان الله ما أحسن صنعه!. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «الجامع الصّغير» مرموزا له برمز الإمام أحمد، والشّيخين: البخاري ومسلم، وأبي داود؛ عن عمران بن حصين.
والتّرمذي؛ عن عمر بن الخطّاب.
والإمام أحمد؛ عن أبي بكر الصّدّيق رضي الله تعالى عنهم. أجمعين.
١٧٩- («كلّموا النّاس بما يعرفون)؛ أي: بما يفهمونه وتدركه عقولهم، لأنّ العقول لا تحتمل إلّا على قدر طاقتها، فلها حد محدود لا تتعدّاه، وشرّ العلم الغريب؛ (ودعوا ما ينكرون»)؛ أي: ما يشتبه عليهم فهمه؛ لأنّ السّامع لما لا يفهمه قد يعتقد استحالته جهلا؛ فلا يصدق بوجوده.
[ ٣ / ٤٧٤ ]
١٨٠- «كما تدين.. تدان» .
فأفاد أنّ المتشابه لا ينبغي ذكره عند العامّة.
ويؤخذ من ذلك طلب تعليم العلوم السّهلة أوّلا لقاصر العقل.
وينبغي للمدرّس أن يكلّم كلّ طالب على قدر فهمه وعقله، فيجيبه بما يحتمله حاله.
ومن اشتغل بعمارة أو تجارة أو مهنة؛ فحقّه أن يقتصر به من العلم على قدر ما يحتاج إليه من هو في رتبته من العامّة، وأن يملأ نفسه من الرّغبة والرّهبة الوارد بهما القرآن. انتهى مناوي على «الجامع» .
والحديث ذكره في «كنوز الحقائق» باللّفظ الّذي أورده المصنّف مرموزا له برمز البخاري.
وفي «الكشف» أنه في «صحيح البخاري»؛ عن علي موقوفا بلفظ: «حدّثوا النّاس بما يعرفون، أتحبّون أن يكذّب الله ورسوله!» .
ونحوه ما في مقدمة «صحيح مسلم»؛ عن ابن مسعود قال: «ما أنت بمحدّث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم إلّا كان لبعضهم فتنة» . انتهى. ذكره في الكلام على حديث: «أمرنا أن نكلّم النّاس على قدر عقولهم» .
١٨٠- («كما تدين تدان»)؛ أي: كما تفعل تجازى بفعلك، وكما تفعل يفعل معك، سمّي الفعل المبتدأ جزاء، والجزاء هو الفعل الواقع بعده؛ ثوابا كان أو عقابا. للمشاكلة، كما في وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [٤٠/ الشورى] .
مع أنّ الجزاء المماثل مأذون فيه شرعا؛ فيكون حسنا لا سيّئا!!
قال الميداني في ذلك: ويجوز إجراؤه على ظاهره، أي: كما تجازي أنت النّاس على صنيعهم تجازى أنت على صنيعك، والكاف في محلّ نصب للمصدر؛ أي: تدان دينا مثل دينك.
[ ٣ / ٤٧٥ ]
والقصاص إن لم يكن فيك؛ أخذ من ذرّيّتك، ولهذا قال تعالى: وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعافًا خافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٩) [النساء] .
فاتّق الله في أولاد النّاس يحفظك في ذرّيتك، وييسّر لهم ببركة تقواك ما تقرّ به عينك بعد موتك، وإن لم تتّق الله فيهم؛ فأنت مؤاخذ بذلك في نفسك وذرّيّتك، وما فعلته كله يفعل بهم، وهم وإن كانوا لم يفعلوا؛ لكنهم تبعا لأولئك الأصول، وناشئون عنهم وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَباتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا [الأعراف] .
والحديث ذكره في «كشف الخفا» للعجلوني، وقال: رواه أبو نعيم، والديلمي؛ عن ابن عمر رفعه في حديث بلفظ: «البرّ لا يبلى، والذّنب لا ينسى، والدّيّان لا يموت، فكن كما شئت، فكما تدين تدان» .
وأورده ابن عديّ أيضا في «الكامل» وفي سنده ضعيف.
قال في «اللآلئ»: رواه البيهقي في «كتاب الزّهد»، و«الأسماء والصّفات»؛ عن أبي قلابة قال: قال رسول الله ﷺ: «الذّنب لا ينسى، والبرّ لا يبلى، والدّيّان لا يموت، وكما تدين تدان» . ثمّ قال في «اللآلئ»: هذا مرسل.
ورواه ابن عديّ في «الكامل» من حديث محمد بن عبد الملك.
وأخرجه عبد الرّزّاق في «جامعه»؛ عن أبي قلابة رفعه مرسلا.
ووصله أحمد في «الزّهد»، لكن جعله من قول أبي الدّرداء.
ولابن أبي عاصم في «السّنّة» بسند فيه وضّاع؛ عن أنس في حديث أنّه قال:
«يا موسى، كما تدين تدان» .
وفي «الحلية»؛ عن يحيى بن أبي عمرو الشّيباني؛ أنّه قال: مكتوب في «التّوراة»: كما تدين تدان، وبالكأس الذي تسقي به تشرب. وفي التنزيل مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ [١٢٣/ النساء] .
[ ٣ / ٤٧٦ ]
١٨١- «كما تكونوا.. يولّى عليكم» .
وفي النجم؛ عن فضالة بن عبيد: مكتوب في «الإنجيل»: [كما تدين تدان، وبالمكيال الّذي تكيل تكتال] . انتهى كلام «الكشف» . وفي «العزيزي»: إنّه حديث حسن لغيره.
١٨١- («كما تكونوا يولّى عليكم»)؛ فإذا اتّقيتم الله وخفتم عقابه ولّى عليكم من يخافه فيكم، وعكسه.
وفي بعض الكتب المنزلة: [أنا الله؛ ملك الملوك، قلوب الملوك ونواصيهم بيدي، فإن العباد أطاعوني جعلتهم عليهم رحمة، وإن هم عصوني جعلتهم عليهم عقوبة؛ فلا تشتغلوا بسبّ الملوك، ولكن توبوا إليّ أعطّفهم عليكم] .
ومن دعاء المصطفى ﷺ: «اللهمّ؛ لا تسلّط علينا بذنوبنا من لا يرحمنا» .
والرواية بحذف النّون وإثبات الياء في «يولّى»، و«ما» مصدريّة؛ أعملت حملا على «أن» المصدريّة، كما أهملت «أن» حملا على «ما» .
وذكر السّيوطي في «فتاواه الحديثيّة»: أنّ حذف النّون على لغة من يحذفها بلا ناصب ولا جازم؛ كما في حديث: «لا تدخلوا الجنّة حتّى تؤمنوا» . أو أنّ حذفها على رأي الكوفيّين الّذي ينصبون «كلّما»، أو على أنّه من تغيير الرواة، لكن هذا بعيد جدا. انتهى.
وأنشد بعضهم في المقام:
بذنوبنا دامت بليّتنا والله يكشفها إذا تبنا
والحديث ذكره العجلوني في «الكشف»؛ وقال: رواه الحاكم، ومن طريقه الديلمي؛ عن أبي بكرة مرفوعا بلفظ: «يولّى عليكم أو يؤمّر عليكم» .
وأخرجه البيهقي بلفظ «يؤمّر عليكم» بدون شكّ، وبحذف «أبي بكرة» .
فهو منقطع.
[ ٣ / ٤٧٧ ]
١٨٢- «كن في الدّنيا كأنّك غريب،
وأخرجه ابن جميع في «معجمه»، والقضاعي؛ عن أبي بكرة بلفظ: «يولّى عليكم» بدون شكّ، وفي سنده مجاهيل.
ورواه الطّبراني بمعناه؛ عن الحسن أنّه سمع رجلا يدعو على الحجّاج، فقال له: لا تفعل، إنّكم من أنفسكم أتيتم؛ إنّا نخاف إن عزل الحجّاج أو مات أن يتولّى عليكم القردة والخنازير، فقد روي: «إنّ أعمالكم عمّالكم، وكما تكونوا يولّى عليكم» .
وقال «النجم»: روى ابن أبي شيبة، عن منصور بن أبي الأسود قال: سألت الأعمش عن قوله تعالى وَكَذلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا [١٢٩/ الأنعام] . ما سمعتهم يقولون فيه؟ قال: سمعتهم يقولون: إذا فسد النّاس أمّر عليهم شرارهم.
وروى البيهقي؛ عن كعب قال: إنّ لكل زمان ملكا، يبعثه الله على نحو قلوب أهله، فإذا أراد صلاحهم؛ بعث عليهم مصلحا، وإذا أراد هلاكهم؛ بعث عليهم مترفيهم.
وله عن الحسن: أنّ بني إسرائيل سألوا موسى ﵊: سل لنا ربّك يبيّن لنا علم رضاه عنا، وعلم سخطه، فسأله، فقال: أنبئهم أنّ رضائي عنهم أن أستعمل عليهم خيارهم، وأنّ سخطي عليهم أن أستعمل عليهم شرارهم. انتهى ملخصا.
١٨٢- («كن في الدّنيا كأنّك غريب)؛ أي: عش بباطنك عيش الغريب عن وطنه بخروجك عن أوطان عاداتها ومألوفاتها؛ بالزّهد في الدّنيا، والتّزوّد منها للآخرة، فإنّها الوطن؛ أي: إنّ الدّار الآخرة هي دار القرار، كما أنّ الغريب حيث حلّ نازع لوطنه، ومهما نال من الطّرف أعدّها لوطنه، وكلما قرب مرحلة سرّه، وإن تعوّق ساعة ساءه، فلا يتّخذ في سفره المساكن والأصدقاء، بل يجتزئ بالقليل قدر ما يقطع به مسافة عبوره؛ لأنّ الإنسان إنّما وجد ليمتحن بالطّاعة؛ فيثاب، أو بالإثم؛ فيعاقب لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا [٧/ هود]، فهو كعبد أرسله سيّده في
[ ٣ / ٤٧٨ ]
أو عابر سبيل، وعدّ نفسك من أهل القبور» .
حاجة، فهو إمّا غريب أو عابر سبيل، فحقّه أن يبادر لقضائها ثمّ يعود إلى وطنه.
وهذا أصل عظيم في قصر الأمل، وألايتّخذ الدّنيا وطنا ومسكنا، بل يكون فيها على جناح سفر مهيّأ للرّحيل، وقد اتفقت على ذلك وصايا جميع الأمم.
وفيه حثّ على الزّهد والإعراض عن الدّنيا، والغريب المجتهد في الوصول إلى وطنه لا بدّ له من مركب؛ وزاد؛ ورفقاء؛ وطريق يسلكها.
فالمركب: نفسه، ولا بد من رياضة المركوب ليستقيم للرّاكب، والزّاد:
التقوى، والرّفقاء: الّذين أنعم الله عليهم من النّبيّين والصّدّيقين و[الطريق:] الصّراط المستقيم، وإذا سلك الطّريق لم يزل خائفا من القطّاع؛ «إنّ أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنّة حتّى ما يكون بينه وبينها إلّا ذراع» . انتهى مناوي على «الجامع» .
(أو) بل (عابر سبيل) طريق قال الطّيبي: ليست «أو» للشّكّ ولا للتّخيير والإباحة، والأحسن أن تكون بمعنى «بل» .
فشبّه النّاسك السّالك بالغريب الّذي لا مسكن له يؤويه، ثمّ ترقى وأضرب عنه إلى عابر السّبيل لأنّ الغريب قد يسكن في بلد الغربة، بخلاف عابر السّبيل، القاصد لبلد شاسع، وبينهما أودية مردية ومفاوز مهلكة وقطاع طريق! فإنّ من شأنه أن لا يقيم لحظة، ولا يسكن لمحة، ومن ثمّ عقّبه بقوله: (وعدّ نفسك من أهل القبور»)؛ أي: استمرّ سائرا ولا تفتر، فإنّك إن فترت انقطعت وهلكت في تلك الأودية، فلا تتنافس في عمارة الدّور فعل المستوطن المغرور؛ فيأتيك الموت من غير استعداد، وتقدم على سفر آخرة بغير زاد.
والحديث أخرجه البيقي في «الشّعب»، والعسكري؛ من حديث ابن عمر بن الخطّاب مرفوعا في جملة حديث.
وأخرجه البخاري في «صحيحه»؛ «كتاب الرّقاق»؛ عن ابن عمر قال: أخذ رسول الله ﷺ بمنكبي فقال: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل» .
[ ٣ / ٤٧٩ ]
١٨٣- «الكيّس.. من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز.. من أتبع نفسه هواها،
وكان ابن عمر يقول: إذا أمسيت فلا تنتظر الصّباح، وإذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وخذ من صحّتك لمرضك، ومن حياتك لموتك» . وهذه رواية البخاري كما في «الأربعين النّوويّة» .
وزاد أحمد، والنّسائي؛ أوّله: «اعبد الله كأنّك تراه» . ورواه التّرمذيّ بمثل رواية البخاري، إلّا أنّه قدّم جملة: «وإذا أصبحت»، وقال: ومن حياتك قبل موتك، فإنّك لا تدري يا عبد الله! ما اسمك غدا!» . ورواه أبو داود وابن ماجه.
١٨٣- («الكيّس) - بتشديد الياء مكسورة؛ مأخوذة من الكيس- بفتح فسكون.
قال في «النهاية»: أي: العاقل المتبصّر في الأمور، النّاظر في العواقب.
هو: (من دان نفسه)؛ أي: أذلّها واستعبدها وأدّبها، وقيل: حاسبها؛ يعني:
جعل نفسه مطيعة منقادة لأوامر ربّها، مجتنبة لنواهيه، فلازم الطّاعة وتجنّب المعصية.
(وعمل لما بعد الموت) قبل نزوله، ليصير على نور من ربه؛ فالموت عاقبة أمور الدّنيا، فالكيّس من أبصر العاقبة، والأحمق من عمي عنها وحجبته الشّهوات والغفلات، وعاجل الحاصل يشترك في درك ضرّه ونفعه جميع الحيوانات بالطّبع؛ وإنّما الشّأن في العمل للآجل!!
فجدير بمن الموت مصرعه، والتّراب مضجعه، ومنكر ونكير جليسه، والدّود أنيسه، والقبر مقرّه، وبطن الأرض مستقرّه، والقيامة موعده، والجنّة أو النّار مورده؛
ألايكون له فكر إلّا في الموت وما بعده، ولا ذكر إلّا له، ولا استعداد إلّا لأجله ولا تدبير إلّا فيه، ولا اهتمام إلّا به، ولا انتظار إلّا له، وحقيق أن يعدّ نفسه من الموتى ويراها في أهل القبور، فكل ما هو آت قريب، والبعيد ما ليس بات.
(والعاجز) - بمهملة وجيم وزاي-؛ من العجز؛ أي: المقصّر في الأمور، ورواه العسكري: «الفاجر»؛ بالفاء والرّاء؛ من الفجور.
(من أتبع) - بسكون المثنّاة الفوقيّة- (نفسه هواها)؛ أي: صيّرها تابعة
[ ٣ / ٤٨٠ ]
وتمنّى على الله الأمانيّ» .
لميلها للشّهوات، فلم يكفّها عن اللّذّات ولم يمنعها من ارتكاب المحرمات.
قال الطيبي: العاجز الّذي غلبت عليه نفسه وقهرته فأعطاها ما تشتهيه، قوبل الكيّس بالعاجز!! والمقابل الحقيقي السّفيه؛ إيذانا بأنّ الكيّس هو القادر، والعاجز هو السّفيه.
(وتمنّى على الله الأمانيّ») - بتشديد الياء: جمع أمنية-؛ أي: فهو مع تقصيره في طاعة ربّه واتّباع شهوات نفسه لا يستعدّ ولا يعتذر ولا يرجع، بل يتمنى على الله العفو والجنّة، مع الإصرار وترك التوبة والاستغفار، فإذا قيل له: ارجع واستغفر، إلى متى هذا الانهماك والتّقصير؛ يقول: دعني، عفو الله واسع، وهو الغفور الرّحيم، ورحمته وسعت كل شيء!! وما درى هذا المسكين أنّ التّوغّل في المعاصي دليل على استدراج الله تعالى له، فالّذي ينبغي له أن يعدّ نفسه مقصّرا مستحقّا للهلاك والدّمار، لا أنّه يعد نفسه بالمغفرة والكرم، ويقول: فضل الله واسع! فإنّ ذلك تمنّ، فالشّارع أو عده بالعذاب، فكيف يعد نفسه بالمغفرة!؟
وإنّما ينبغي له الوعد بالمغفرة بعد أن يتوب، فيقول: لعلّ الله يقبل توبتي ويغفر لي، لأنّ هذا حينئذ من الترجّي، لا من التّمنّي! لأخذه في الأسباب، وسقط في رواية لفظ: «الأماني»، وأصل الأمنية: ما يقدّره الإنسان في نفسه من منى إذا قدّر، ولذلك يطلق على الكذب، وعلى ما يتمنّى.
قال الحسن: إنّ قوما ألهتهم الأماني حتّى خرجوا من الدّنيا وما لهم حسنة، ويقول أحدهم: إنّي أحسن الظّنّ بربّي. وكذب؛ لو أحس الظّنّ لأحسن العمل!! وَذلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْداكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخاسِرِينَ (٢٣) [فصلت] .
وقال سعيد بن جبير: الغرّة بالله: أن يتمادى الرّجل في المعصية، ويتمنّى على الله المغفرة.
قال العسكري: وفيه: ردّ على المرجئة وإثبات الوعيد. انتهى. وفيه: ذمّ
[ ٣ / ٤٨١ ]
التّمنّي. وأمّا الرّجاء!! فمحمود؛ لأنّ التّمنّي يصاحب الكسل، بخلاف الرّجاء!! فتعليق القلب بمحبوب يحصل حالا:
إنّ الرّجاء ما يقارن العمل وعند فقده تمنّ وكسل
انتهى من شروح «الجامع الصغير» وغيرها.
والحديث رواه الإمام أحمد، والتّرمذي، وابن ماجه؛ كلاهما في «الزّهد»؛ والحاكم في «المستدرك» في «كتاب الإيمان»، والعسكري، والقضاعي؛ من حديث أبي بكر بن أبي مريم الغسّاني، عن ضمرة بن حبيب، عن شدّاد بن أوس؛ وقال الحاكم: صحيح على شرط البخاري. قال الذّهبي: لا والله! أبو بكر واه.
قال ابن طاهر: مدار الحديث على ابن أبي مريم، وهو ضعيف جدّا. انتهى.
لكن له شاهد عند البيهقي في «الشّعب» بإسناد فيه ضعف؛ عن أنس رفعه:
«الكيّس من عمل لما بعد الموت، والعاري: العاري من الدّين، اللهمّ؛ لا عيش إلّا عيش الآخرة» . انتهى «زرقاني» .
[ ٣ / ٤٨٢ ]
[(حرف اللّام)]
(حرف اللّام) ١٨٤- «لدوا للموت، وابنوا للخراب» .
(حرف اللّام) ١٨٤- («لدوا)؛ أي: توالدوا (للموت، وابنوا للخراب») - اللّام لام العاقبة، فهو تسمية للشّيء باسم عاقبته- ونبّه بذلك على أنّه لا ينبغي للمرء أن يا بني من المساكن إلّا ما تندفع به الضّرورة؛ وهو ما يقي الحرّ والبرد، ويدفع الأعين والأيدي؛ وكذا لا يجمع من المال إلّا قدر الحاجة، وما عدا ذلك! فهو مضادّ للدين مفسد له، وقد اتّخذ نوح بيتا من قصب؛ فقيل له: لو بنيت!! فقال: هذا كثير لمن يموت.
وقال الحسن: دخلنا على صفوان بن محرز، وهو في بيت من قصب قد مال عليه فقلنا: لو أصلحته. فقال: كم من رجل مات وهذا قائم على حاله؟!.
وأنشد البيهقي بسنده إلى ثابت البربري من أبيات له:
وللموت تغدو الوالدات يخالها كما لخراب الدّور تبنى المساكن
ولغيره:
له ملك ينادي كلّ يوم لدوا للموت وابنوا للخراب
وأنشد ابن حجر رحمه الله تعالى:
بني الدّنيا أقلّوا الهمّ فيها فما فيها يؤول إلى الفوات
بناء للخراب وجمع مال ليفنى والتّوالد للممات
والحديث ذكره العجلوني في «كشف الخفاء»؛ وقال: رواه البيهقي في «الشّعب»؛ عن أبي هريرة والزبير مرفوعا بلفظ:
«إنّ ملكا بباب من أبواب السّماء» فذكر حديثا فيه: «وإنّ ملكا بباب آخر يقول: يا أيّها النّاس؛ هلمّوا إلى ربّكم، فإنّ ما قلّ وكفى خير ممّا كثر وألهى،
[ ٣ / ٤٨٣ ]
١٨٥- «لست من الباطل، ولا الباطل منّي» .
١٨٦- «ليس الخبر.. كالمعاينة» .
وإنّ ملكا بباب آخر ينادي: يا بني آدم؛ لدوا للموت وابنوا للخراب» .
ورواه البيهقي أيضا عن أبي حكيم مولى الزّبير رفعه: «ما من صباح يصبح على العباد إلّا وصارخ يصرخ: لدوا للموت، واجمعوا للفناء، وابنوا للخراب» . وفي سنده ضعيفان، وأبو حكيم مجهول.
ورواه أبو نعيم؛ عن أبي ذرّ موقوفا منقطعا أنّه قال: تلدون للموت وتبنون للخراب، وتؤثرون ما يفنى؛ وتتركون ما يبقى!!
وأخرج أحمد في «الزّهد» عن عبد الواحد بن زيد أنّه قال: قال عيسى ابن مريم: يا بني آدم؛ لدوا للموت وابنو للخراب، تفنى نفوسكم وتبلى دياركم!! انتهى، كله من (المناوي) و«الكشف» للعجلوني رحمهما الله تعالى.
١٨٥- («لست من الباطل)؛ أي: من أهله (ولا الباطل منّي»)؛ أي: من طريقتي، ولا من طريقة من اتّبعني، وإنّما لم يقل؛ «ولا هو مني» !! لأنّ الصّريح آكد وأبلغ، ولا يناقضه أنّه كان يمزح!! لأنّه كان لا يقول في مزاحه إلّا حقا.
والحديث أخرجه الطّبراني، والبزّار، وابن عساكر في «تاريخه»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، وفيه يحيى بن محمد بن قيس المدني المؤذّن، قال في «الميزان»: ضعفه ابن معين وغيره؛ لكن ليس بمتروك، وساق له أخبارا هذا منها، وقال الهيثمي: إنّ يحيى المذكور قد وثّق، لكن ذكر هذا الحديث من منكراته. قال الذهبي: لكن تابعه عليه غيره. انتهى مناوي على «الجامع» .
١٨٦- («ليس الخبر كالمعاينة»)؛ وفي رواية: «كالعيان» - بكسر العين- ومعناهما واحد؛ أي: المشاهدة، لأنّها تحصل العلم القطعيّ، وقد جعل الله لعباده آذانا واعية وأبصارا ناظرة، ولم يجعل الخبر في القوة كالنّظر بالعيان. وكما جعل في الرّأس سمعا وبصرا جعل في القلب ذلك!! فما رآه الإنسان ببصره قوي
[ ٣ / ٤٨٤ ]
علمه به، وما أدركه ببصر قلبه كان أقوى عنده.
والحديث أخرجه الإمام أحمد ابن حنبل، وأحمد بن منيع، والطّبراني، والعسكري؛ من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما بزيادة:
«إنّ الله تعالى أخبر موسى بما صنع قومه في العجل، فلم يلق الألواح، فلمّا عاين ما صنعوا ألقى الألواح فانكسرت» .
ورواه أحمد، وابن طاهر، والبغويّ، والدّارقطني، والطّبراني في «الأوسط»، وابن حبّان، والعسكري أيضا؛ عن ابن عباس مختصرا بدون الزّيادة، وصحّح الحديث ابن حبّان، والحاكم، والضّياء.
قال العسكري: أراد ﷺ أنّه لا يهجم على قلب المخبر من الهلع بالأمر والاستفظاع له مثل ما يهجم على قلب المعاين، قال: وطعن بعض الملحدين في حديث موسى فقال: لم يصدّق بما أخبره به ربّه. وردّ بأنّه ليس في هذا ما يدلّ على أنّه لم يصدق، أو شكّ فيما أخبره به، ولكن للعيان روعة هي أنكى للقلب وأبعث لهلعه من المسموع. قال: ومن هذا قول إبراهيم ﵊ وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي [٢٦٠/ البقرة] . لأنّ للمشاهدة والمعاينة حالا ليست لغيره.
ولله درّ من قال:
ولكن للعيان لطيف معنى له سأل المعاينة الخليل
وقال غيره: كان خبر الله ثابتا عند موسى، وخبره كلامه، وكلامه صفته، فعرف فتنة قومه بصفة الله، لكن صفة البشريّة لا تظهر عند صفة الله لعجز البشريّة وضعفها؛ فتمسّك موسى بما في يده ولم يلقه، فلمّا عاين قومه عاكفين على العجل عابدين له؛ عاتبهم بصفة نفسه الّتي هي نظره ببصره، ورؤيته بعينه، فلم يتمالك أن طرح الألواح من شدّة الغضب وفرط الضّجر؛ حميّة للدّين.
روي أنّها كانت سبعة، فانكسرت ستّة كان فيها تفصيل كلّ شيء، وبقي السّابع فيه المواعظ والأحكام. انتهى من «الزرقاني والمناوي وكشف الخفاء» رحمهم الله تعالى.
[ ٣ / ٤٨٥ ]
وهذا آخر ما أردنا تبييضه من الجزء الثّالث من كتاب (منتهى السّول» شرح كتاب «وسائل الوصول إلى شمائل الرّسول ﷺ») تأليف العبد الفقير إلى الله ﷿؛ عبد الله بن سعيد بن محمد بن عبادي، اللحجي، الحضرمي، الشحّاري، المكيّ، المدرّس بالمدرسة الصّولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرمة، رحمه الله تعالى رحمة الأبرار، وختم له بخاتمة السّعادة، ورزقه الحسنى وزيادة، بمنّه وكرمه. آمين.
حرر في ليلة الجمعة الموافق الثّالث من شهر ذي الحجّة الحرام سنة ١٣٩٨ هـ وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٣ / ٤٨٦ ]
فهرسة الجزء الثالث من كتاب منتهى السول شرح شمائل الرسول ﷺ
الموضوع الصحيفة
الباب السادس: في صفة عبادة رسول الله ﷺ فيه ثلاثة فصول ٥
الفصل الأول: في صفة عبادة رسول الله ﷺ ٦
الفصل الثاني: في صفة صومه ﷺ ٧٣
الفصل الثالث: في صفة قراءته ﷺ ١٠٤
الباب السابع: في أخبار شتى من أحوال رسول الله ﷺ الخ وفيه ثلاثة فصول ١٢٦
الفصل الأول: في أخبار شتى من أحوال رسول الله ﷺ ١٢٨
الفصل الثاني: في بعض أذكار وأدعية كان يقولها ﷺ الخ ١٨٤
الفصل الثالث: في ثلاثمائة وثلاثة عشر حديثا من جوامع كلمه ﷺ ٢٤٦
حرف الهمزة ٢٥١
حرف الباء ٣٧٠
حرف التاء ٣٧٨
حرف الثاء ٣٨٥
حرف الجيم ٣٩١
حرف الحاء ٣٩٦
حرف الخاء ٤٠٦
حرف الدال ٤١٣
حرف الذال ٤٢٣
حرف الراء ٤٢٨
حرف الزاي ٤٣٣
حرف السين ٤٣٥
[ ٣ / ٤٨٧ ]
الموضوع الصحيفة حرف الشين ٤٣٨
حرف الصاد ٤٣٩
حرف الضاد ٤٤٣
حرف الطاء ٤٤٤
حرف الظاء ٤٤٧
حرف العين ٤٤٨
حرف الغين ٤٥٦
حرف الفاء ٤٥٧
حرف القاف ٤٥٩
حرف الكاف ٤٦٦
حرف اللام ٤٨٣
[ ٣ / ٤٨٨ ]