[الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه،]
الباب الرّابع في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه، بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
وبه نستعين على أمور الدّنيا والدّين.
(الباب الرّابع) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب ومقدّمة وخاتمة.
(في) بيان ما ورد في (صفة أكل رسول الله ﷺ) وإدامه.
والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطّعام الجامد من الفم إلى البطن، سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره، كالتفكّه، فمن قال الأكل إدخال شيء من الفم إلى البطن بقصد «الاغتذاء») ! لم يصب، لأنه يخرج من كلامه أكل الفاكهة، وخرج بالجامد المائع، فإدخاله ليس بأكل بل شرب، وأما الأكل بضمّ الهمزة فاسم لما يؤكل.
(و) في بيان ما ورد في صفة (شربه)
بالضمّ، مصدر والفاعل شارب والجمع شاربون، وشرب كصاحب وصحب، وشربة ككافر وكفرة، قال في «المصباح»: والشّرب مخصوص بالمص حقيقة، ويطلق على غيره مجازا، والقصد هنا بيان كيفية شربه ﷺ، وفيه ذكر شرابه وهو ما يشرب من المائعات.
[ ٢ / ٥ ]
ونومه وفيه ستّة فصول
(و) في بيان ما ورد في صفة (نومه) ﷺ؛
والنّوم: حالة طبيعية تتعطل معها القوى تسير في البخار إلى الدماغ، وقيل:
غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، فهو آفة، ومن ثمّ قيل (إنّ النّوم أخو الموت)، وأما السّنة ففي الرأس، والنّعاس في العين، وقيل السّنة هي النّعاس، وقيل السّنة ريح النّوم يبدو في الوجه ثم ينبعث إلى القلب فيحصل النعاس ثم النوم
(وفيه ستّة فصول) يأتي بيانها.
[ ٢ / ٦ ]
[الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه]
الفصل الأوّل في صفة عيشه ﷺ وخبزه عن سماك بن حرب [رحمه الله تعالى] قال: سمعت النّعمان بن بشير
(الفصل الأوّل) من (الباب الرابع) (في) بيان ما ورد في (صفة عيشه ﷺ) أي: كيفية معيشته حال حياته، إلى وقت مماته، لأن العيش يطلق على الحياة وعلى ما يكون به الحياة.
والمراد بالعيش هنا الحياة، والمبوّب له هنا بيان صفة حياته ﷺ هو وأصحابه وما اشتملت عليه حياتهم من الضيق والفقر.
(و) في بيان ما ورد في صفة (خبزه) الخبز- بضم الخاء المعجمة وإسكان الباء-: الشيء المخبوز أي: اسم ما يؤكل من نحو برّ، وبفتح الخاء المعجمة مع إسكان الباء مصدر، بمعنى اصطناع الخبز بالضمّ.
(عن) أبي المغيرة (سماك) بكسر السين المهملة (ابن حرب) بن أوس بن خالد البكري الذهلي الكوفي، أحد الأعلام التابعين.
أدرك ثمانين صحابيا، وروى عن جابر بن سمرة والنعمان بن بشير وغيرهما، وروى له مسلم وأبو داود والترمذي والنّسائي وابن ماجه والبخاري في «التاريخ»، وفي المحدثين من يضعّفه، وكان ذهب بصره ثم شفي وعاد إليه، ومات سنة:
ثلاث وعشرين ومائة هجرية رحمه الله تعالى (قال:
سمعت) أبا عبد الله (النّعمان) - بضم النون- (بن بشير) - بالباء الموحدة
[ ٢ / ٧ ]
رضي الله تعالى عنهما يقول: ألستم في طعام وشراب ما شئتم؟ لقد رأيت نبيّكم ﷺ وما يجد من الدّقل ما يملأ بطنه.
والشين المعجمة- بزنة «نذير» ابن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، هو وأبوه وأمّه صحابيون، اسم أمّه: عمرة بنت رواحة.
وولد النّعمان على رأس أربعة عشر شهرا من الهجرة على الأصح، وهو أوّل مولود من الأنصار بعد الهجرة، استعمله معاوية على حمص ثم على الكوفة، واستعمله عليها بعده يزيد بن معاوية، وكان كريما جوادا شاعرا.
وروي له عن النّبي ﷺ مائة حديث وأربعة عشر حديثا؛ اتفق البخاري ومسلم منها على خمسة، وانفرد البخاري بحديث، وانفرد مسلم بأربعة.
وروى عنه ابناه محمد وبشير، وعروة بن الزّبير والشعبي وآخرون.
قتل بالشام بقرية من قرى حمص في ذي الحجة سنة أربع وستين، وقيل سنة ستين (رضي الله تعالى عنهما؛ يقول:
(ألستم في طعام وشراب ما شئتم) أي: ألستم متنعمين؟! في طعام وشراب الذي شئتموه من التوسعة والإفراط! ف «ما» موصولة، وهي بدل مما قبله، والقصد التقريع والتوبيخ، ولذلك أتبعه بقوله:
(لقد رأيت نبيّكم ﷺ) أضاف النبيّ إلى المخاطبين؛ للإشارة إلى أنّه يلزمهم الاقتداء به والمشي على طريقته، وعدم التطلع إلى الدنيا- أي: إلى نعيم الدّنيا وزخارفها- والرغبة في القناعة، والمعنى: والله لقد رأيت نبيّكم ﷺ (و) الحال أنه (ما يجد من الدّقل) - بفتحتين- وهو رديء التمر (ما يملأ بطنه) لإعراضه عن الدّنيا وما فيها، وإقباله على الآخرة، وهو مع ذلك نضير الجسم، محفوظ القوة، حتى إن رأيته لا تقول «به جوع» !.
وفي «مسند» الحارث بن أبي أسامة عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ فاطمة رضي الله تعالى عنها جاءت بكسرة خبز إلى المصطفى ﷺ، فقال: «ما هذه؟»
[ ٢ / ٨ ]
و(الدّقل): رديء التّمر.
وكان أكثر طعام رسول الله ﷺ: التّمر والماء.
قالت: قرص خبزته فلم تطب نفسي حتى أتيتك بهذه. فقال: «أما إنّه أوّل طعم دخل فم أبيك منذ ثلاثة أيّام» .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: لم يشبع ﷺ قط، وما كان يسأل أهله طعاما ولا يشتهي؛ إن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل، وما سقوه شرب. وذلك كله رفعة في مقامه الشريف، وزيادة في علو قدره المنيف.
واعلم أن فقره ﷺ كان اختياريا؛ لا كرها واضطراريا!! وقد استمر عليه حتى مات ودرعه مرهونة عند يهودي، فلا يحتاج إلى ما قاله بعضهم من «أن هذا كان في ابتداء الحال» . والله أعلم.
وقد انقسم النّاس بعده ﵊ أربعة أقسام:
قسم لم يرد الدّنيا ولم ترده؛ كالصّدّيق الأكبر رضي الله تعالى عنه.
وقسم لم يرد الدّنيا وأرادته؛ كالفاروق.
وقسم أرادها وأرادته؛ كخلفاء بني أمية، وبني العباس؛ إلّا عمر بن عبد العزيز.
وقسم أرادها ولم ترده؛ كمن أفقره الله تعالى، وامتحنه بجمعها وحبّها.
(والدّقل) - بفتح الدال والقاف؛ بوزن «دخل» و«فرس»، - هو: (رديء التّمر) ويابسه، وما ليس له اسم خاص.
(و) قال حجة الإسلام الغزالي، والشعراني في «كشف الغمة»:
(كان أكثر طعام رسول الله ﷺ التّمر والماء) .
قال العراقي: روى البخاري من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: توفّي رسول الله ﷺ وقد شبعنا من الأسودين؛ التّمر والماء» .
[ ٢ / ٩ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كنّا آل محمّد نمكث شهرا ما نستوقد بنار، إن هو إلّا التّمر والماء.
وفي رواية البخاريّ
(و) روى الترمذي وغيره في «الشمائل» وغيرها؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كنّا)، وفي نسخة من «الشمائل»: إن كنا؛ بزيادة «إن» المخفّفة من الثقيلة، والمعنى: إنّا كنّا (آل محمّد)؛ بالرفع بدل من الضمير في «كنا»، وبالنصب على تقدير «أعني» أو «أخص»، وجعله خبر «كنا» بعيد لأنّ القصد ليس كونهم آله، بل المقصود بالإفادة ما بعده، وهو قولها:
(نمكث شهرا) لا يشكل عليه رواية «الصحيحين» الآتية عنها؛ شهرين!! لأن الأكثر لا ينفي الأقل، ولا يشكل عليه اتفاق النحاة على لزوم اللّام في الفعل الواقع في خبر «إن» المخففة؛ لأنّه محمول على الغالب، فعائشة من فصحاء العرب وقد نطقت به بلا لام!!
(ما نستوقد) - حال، وجعله خبرا بعد خبر!! بعيد- (بنار) أي: لا نهيّء شيئا نطبخه بها (إن هو) أي: الذي نتناوله (إلّا التّمر والماء) أي: ما طعامنا إلا التّمر والماء، وفي رواية: «إلّا التّمر والملح»، وفي أخرى: «إلا الأسودان»، والجملة مستأنفة جوابا لنحو: ما كنتم تتقوتون.
(وفي رواية) الإمام أبي عبد الله محمد بن إسماعيل بن إبراهيم بن المغيرة بن بردزبه الجعفي مولاهم (البخاريّ) أمير المؤمنين في الحديث مؤلف «الصحيح» و«التاريخ» وغير ذلك، ولد في ثالث شوال سنة: - ١٩٤- أربع وتسعين ومائة.
وألهم حفظ الحديث في الكتّاب وهو ابن عشر سنين، وحفظ «كتب» ابن المبارك ووكيع وهو ابن ست عشرة سنة، وخرج مع أمّه وأخيه أحمد إلى مكّة وتخلّف بها يطلب، وكتب بخراسان والجبال والعراق والشام ومصر.
وروى عن مكّي بن إبراهيم، وأبي نعيم الفضل بن دكين وخلائق من هذه الطّبقة
[ ٢ / ١٠ ]
ومسلم: كانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول لعروة: والله يا ابن أختي؛
ومن بعدهم، حتى كتب عن أقرانه وعن أصغر منه حتى زاد عدد شيوخه على ألف!!.
روى عنه مسلم خارج «الصحيح» والترمذي وأبو زرعة وابن خزيمة وابن حبان ومحمد بن يوسف الفربري وهو آخر من روى «الصّحيح»، وآخر من زعم أنّه سمع منه عبد الله بن فارس البلخي.
وروى الفربري عنه «ما وضعت في «الصحيح» حديثا إلا اغتسلت قبل ذلك وصليت ركعتين» . وقال جماعة من المشايخ: حول البخاري تراجم «جامعه» بين قبر النبي ﷺ ومنبره، «وكان يصلي لكل ترجمة ركعتين» . قال البخاري: صنفت «كتاب الصحيح» لستّ عشرة سنة، خرجته من ستمائة ألف حديث، وجعلته حجة بيني وبين الله تعالى!.
وتوفي ليلة السبت عند صلاة العشاء ليلة عيد الفطر سنة- ٢٥٦- ست وخمسين ومائتين، ودفن ب «خرتنك» قرية على فرسخين من سمرقند رحمه الله تعالى رحمة الأبرار آمين.
(و) رواية أبي الحسين (مسلم) بن الحجاج بن مسلم القشيري النّيسابوري الإمام المشهور صاحب «الصحيح» رحمه الله تعالى.
(كانت عائشة) أم المؤمنين الصّدّيقة بنت الصّدّيق (رضي الله تعالى عنها) وعن أبيها (تقول لعروة) بن الزبير ترغيبا للمسلمين، وتذكيرا للنّعم الطارئة عليهم بعده ببركته ﵊، وحملا على التأسي به في التقلل من الدنيا.
(والله يا ابن أختي) أسماء ذات النطاقين وهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري أنها قالت لعروة: ابن أختي، قال القسطلّاني: بوصل الهمزة وتكسر في الابتداء وفتح النون على النداء وأداته محذوفة.
[ ٢ / ١١ ]
إن كنّا لننظر إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة في شهرين وما أوقد في أبيات رسول الله ﷺ نار.
قال: قلت يا خالة؛ فما كان يعيّشكم؟ قالت: الأسودان؛ التّمر والماء، إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار، (إن كنّا) إن مخفّفة من الثّقيلة دخلت على الفعل الماضي الناسخ، واللّام في (لننظر) فارقة بينها وبين «إن» النافية عند البصريين قاله القسطلّانيّ.
(إلى الهلال ثمّ الهلال ثمّ الهلال؛ ثلاثة أهلّة) بجرّ ثلاثة ونصبه بتقدير لننظر (في شهرين) باعتبار رؤية الهلال أول الشهر الأول والثاني وآخره ليلة الثالث، فالمدة ستون يوما والمرئي ثلاثة أهلة، (وما أوقد) بضم الهمزة وكسر القاف (في أبيات رسول الله ﷺ نار) بالرفع نائب عن الفاعل، لا لطبخ ولا لغيره، فعند ابن جرير عنها: أهدى لنا أبو بكر رضي الله تعالى عنه رجل شاة فإني لأقطّعها في ظلمة البيت، فقيل لها: أما كان لكم سراج؟! فقالت: لو كان لنا ما نسرج به أكلناه.
(قال) أي: عروة (قلت: يا خالة) بضم التاء منادى مفرد، وفي رواية خالتي (فما كان يعيّشكم) بضم أوله من أعاشه الله يعيشه، وضبطه النّووي بتشديد الياء الثّانية، أي: مع فتح العين؛ قاله الحافظ ابن حجر وغيره، أي: يدفع عنكم ألم الجوع ويكون سببا في الحياة.
(قالت: الأسودان؛ التّمر والماء) هو على التغليب، فالماء لا لون له، وكذا قالوا: الأبيضان اللبن والماء، وإنما أطلق على التمر أسود لأن غالب تمر المدينة أسود.
(إلّا أنّه كان لرسول الله ﷺ جيران) بكسر الجيم جمع جار؛ وهو المجاور في السكن (من الأنصار) سعد بن عبادة وعبد الله بن عمرو بن حرام وأبو أيوب خالد بن زيد وسعد بن زرارة وغيرهم؛ قاله الحافظ ابن حجر وتبعه القسطلاني في باب الهبة.
[ ٢ / ١٢ ]
وكانت لهم منائح، فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها، فيسقيناه.
وعن أبي طلحة
(وكانت لهم منائح) بنون ومهملة جمع منيحة وهي العطيّة لفظا ومعنى، أي غنم فيها لبن، وأصلها عطيّة الناقة أو الشّاة. وقيل: لا يقال منيحة إلّا للنّاقة وتستعار للشاة.
قال الحربي: يقولون منحتك الناقة، وأعرتك النخلة، وأعمرتك الدار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة! انتهى «زرقاني» .
والمعتمد عند الشافعية: أن أعمرتك الدار كوهبتك الدار في كون كل منهما هبة للرقبة حيث وجد باقي شروط الهبة. والله أعلم.
(فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه) أي: منه لا يخصهم بجميعه، بحيث لا يتناول منه شيئا، ففي رواية الإسماعيلي: فيسقينا منه.
(و) أخرج الترمذي من طريق أنس بن مالك، (عن أبي طلحة) زيد بن سهل بن الأسود بن حزام، - بالزاي- ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجار الأنصاري المدني.
شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
وهو أحد النقباء ﵃، روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم منها على حديثين وانفرد البخاري بحديث وانفرد مسلم باخر.
روى عنه جماعة من الصحابة منهم ابن عباس وأنس وآخرون وجماعات من التابعين. توفي بالمدينة المنورة سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين. وقيل أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة كذا قال الأكثرون بأنّه توفي بالمدينة.
[ ٢ / ١٣ ]
رضي الله تعالى عنه قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين.
وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله (ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر): وكان أحدهم يشدّ في بطنه الحجر من الجهد والضّعف الّذي به من الجوع.
وصلّى عليه عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنهما وعن سائر أصحاب رسول الله ﷺ آمين (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه.
(قال: شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا) أي: كشفنا (عن بطوننا عن حجر حجر) بدل اشتمال بإعادة الجار، أي: رفع كل واحد عن حجر مشدود عن بطنه، كعادة العرب أو أهل المدينة إذا خلت أجوافهم لئلا تسترخي، فالتكرير باعتبار تعدد المخبر.
(فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه عن حجرين) ليعلم أصحابه أن ليس عنده ما يستأثر به عليهم، وتسلية لهم؛ لا شكاية أن ما بهم من الجوع أصابه فوقه حتى احتاج إلى حجرين!! (وقال الإمام التّرمذيّ: ومعنى قوله: ورفعنا عن بطوننا عن حجر حجر!! وكان أحدهم يشدّ في بطنه) أي عليه (الحجر من الجهد) أي: من أجله، ف «من» تعليلية، والجهد- بضمّ الجيم وفتحها-: المشقة (والضّعف) - بفتح الضاد، ويجوز ضمها- وهو كالتفسير لما قبله.
وقوله: (الّذي به) صفة للجهد والضعف، وإنما أفرد الموصول!! لما علمت من أن الضعف كالتفسير للجهد.
وقوله (من الجوع) أي: الناشىء من الجوع، وفي تعبيره ب «معنى» تجوّز إذ معنى اللفظ ما دلّ عليه، وإنما هذا بيان لحكمة وضع الحجر!!
[ ٢ / ١٤ ]
وفي كتاب «المواهب»: عن ابن بجير [رضي الله تعالى عنه] قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا ربّ نفس طاعمة ناعمة في الدّنيا.. جائعة عارية يوم القيامة،
(وفي كتاب «المواهب) اللدنية» للعلامة القسطلّانيّ (عن ابن بجير):
بموحّدة وجيم، صحابي يعدّ في الشاميين، روى عنه جبير بن نفير هكذا أورده الذهبي في «التجريد فيمن عرف بأبيه ولم يسمّ» تبعا لأبي نعيم، وكذا تبعه الحافظ في «أطراف الفردوس» والمنذري في «الترغيب» .
وأورده الذهبي أيضا في باب الكنى فقال: أبو البجير صحابي روى عنه جبير بن نفير ثم ترجم له أبو بجير، روى عنه ابنه بجير حديثا. وفي «الإصابة» أبو بجير غير منسوب. ذكره ابن منده.
وأخرج من طريق عثمان بن عبد الرحمن عن عبد الله بن بجير عن أبيه عن جده عن النّبي ﷺ قال: «القرآن كلام ربي» .. الحديث وسنده ضعيف. وترجم عقبه أبو البجير، استدركه ابن الأمين وعزاه لابن العرضي في «المؤتلف»، ولعله ابن البجير الآتي في المبهمات. انتهى.
فيجوز أن ابن بجير يكنى بأبي البجير فلا خلف، ثم هما شخصان كلّ يكنى بأبي البجير، وراوي هذا الحديث ليس هو الذي روى عنه ابنه، بل الثاني الذي روى عنه جبير بن نفير كما بيّنه في «الجامع الكبير» . وأما الذي روى عنه ابنه فإنما له حديث: «القرآن كلام ربي» انتهى «زرقاني» .
(قال: أصاب النّبيّ ﷺ جوع يوما، فعمد) - بفتح الميم- (إلى حجر، فوضعه على بطنه، ثمّ قال: «ألا) - حرف تنبيه تؤكّد بها الجملة المصدرة بها- (ربّ نفس) وفي رواية: «ألا يا ربّ نفس» بأداة النداء وحذف المنادى؛ أي:
ألا يا قوم ربّ. وهي للتقليل، والمقام مقام تخويف وتهويل (طاعمة ناعمة في الدّنيا)؛ أي: مشغولة بلذات المطاعم والملابس، غافلة عن أعمال الآخرة (جائعة عارية) - بالرفع خبر مبتدأ- أي: هي لأنّه إخبار عن حالها (يوم القيامة)
[ ٢ / ١٥ ]
ألا ربّ مكرم لنفسه.. وهو لها مهين، ألا ربّ مهين لنفسه.. وهو لها مكرم» .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
لا في الدّنيا لوصفها فيها بضد ذلك، أي: تحشر وهي كذلك، يوم الموقف الأعظم، زاد في رواية ابن سعد والبيهقي: «ألا يا رب نفس جائعة عارية في الدّنيا طاعمة ناعمة يوم القيامة» .
(ألا ربّ مكرم لنفسه) بمتابعة هواها وتبليغها مناها بتبسطه بألوان طعام الدنيا وشهواتها، وتزينه بملابسها ومراكبها، وتقلبه في مبانيها، وزخارفها، (وهو لها مهين) أن ذلك يبعده عن الله، ويوجب حرمانه من مثال حظ المتقين في الآخرة.
(ألا ربّ مهين لنفسه) بمخالفتها وإذلالها، وإلزامها بعدم التطاول، والاقتصار على الأخذ من الدّنيا بقدر الحاجة، (وهو لها مكرم») يوم العرض الأكبر لسعيه لها، فيما يوصلها إلى السعادة الأبدية والراحة السرمدية.
رواه ابن أبي الدنيا وضعّفه المنذري، وأخرجه ابن سعد والبيهقي بزيادة:
«ألا يا ربّ متخوض ومتنعم فيما أفاء الله على رسوله!؟ ما له عند الله من خلاق.
ألا وإنّ عمل الجنة حزن بربوة، ألا وإنّ عمل النار سهل بشهوة!! ألا ربّ شهوة ساعة أورثت حزنا طويلا» .
وروى ابن أبي الدّنيا وغيره عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
دخلت على النبي ﷺ وهو يصلي جالسا، فقلت: ما أصابك: قال:
«الجوع» . فبكيت، فقال: «لا تبك فإنّ شدّة الجوع لا تصيب الجائع- أي: في يوم القيامة- إذا احتسبت في دار الدّنيا» .
(و) روى مسلم وأصحاب «السنن الأربعة» والترمذي أيضا في «الشمائل»:
كلهم (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) .
[ ٢ / ١٦ ]
قال: خرج رسول الله ﷺ في ساعة لا يخرج فيها ولا يلقاه فيها أحد، فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟»، قال: خرجت ألقى رسول الله ﷺ وأنظر في وجهه، والتّسليم عليه،
ورواه مالك عنه في «الموطأ» بلاغا والبزار وابن المنذر وابن أبي حاتم والحاكم؛ عن عمر بن الخطاب، وابن حبان عن ابن عباس، وابن مردويه عن ابن عمر، والطبراني عن عبد الله بن مسعود، وفي سياقهم اختلاف بالزيادة والنقص.
(قال) - أي- أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ كما «في الشمائل»:
(خرج رسول الله ﷺ) أي: من بيته إلى المسجد، أو إلى غيره (في ساعة لا يخرج فيها)؛ أي: لم تكن عادته الخروج فيها، (ولا يلقاه فيها أحد) أي:
باعتبارها عادته.
وهذه الساعة يحتمل أن تكون من الليل وأن تكون من النهار!!
ويعيّن الأول ما في مسلم أنه ﷺ خرج ذات ليلة فإذا هو بأبي بكر وعمر؛ فقال: «ما أخرجكما من بيوتكما هذه السّاعة؟» . قالا: الجوع يا رسول الله.
قال: «وأنا والّذي نفسي بيده أخرجني الّذي أخرجكما!! قوما» . فقاما معه، فأتوا رجلا من الأنصار، وهو أبو الهيثم بن التّيّهان. انتهى.
وفي شرح ملّا علي قاري على «الشمائل» ما يعيّن الثاني، وهو ما روي عن جابر: أصبح رسول الله ﷺ ذات يوم جائعا فلم يجد عند أهله شيئا يأكله، وأصبح أبو بكر جائعا الحديث.
ولعل ذلك تعدّد فمرة كان ليلا ومرة كان نهارا!.
(فأتاه أبو بكر، فقال: «ما جاء بك يا أبا بكر؟!») أي: ما حملك على المجيء؟
(قال: خرجت ألقى رسول الله) أي: حال كوني أريد أن ألقى رسول الله (ﷺ وأنظر في وجهه) أي: وأريد أن أنظر في وجهه الشريف، (والتّسليم عليه)
[ ٢ / ١٧ ]
فلم يلبث أن جاء عمر فقال: «ما جاء بك يا عمر؟»، قال: الجوع يا رسول الله، قال ﷺ: «وأنا قد وجدت بعض ذلك» .
فانطلقوا إلى منزل أبي الهيثم
- بالنصب- على أن التقدير: وأريد التسليم عليه (فلم يلبث أن جاء عمر) أي:
فلم يلبث مجيء عمر، ف «أن» وما بعدها في تأويل مصدر فاعل، والمعنى لم يتأخّر مجيء عمر، بل حصل سريعا بعد مجيء أبي بكر.
(فقال) أي: النبي ﷺ (: «ما جاء بك يا عمر؟!» أي: ما حملك على المجيء؟.
(قال: الجوع يا رسول الله!) كأنه جاء ليتسلّى عنه بالنظر إلى وجهه المكرم، وكان ذلك بعد كثرة الفتوحات، وكثرتها لا تنافي ضيق الحال في بعض الأوقات! لا سيما بعد ما تصدّق أبو بكر بماله.
(قال) رسول الله (ﷺ: «وأنا قد وجدت بعض ذلك») الجوع الذي أدركك! قاله تسليا وإيناسا لهما لما علم من شدّة جوعهما، ([فانطلقوا]) أي:
ذهبوا وتوجهوا (إلى منزل أبي الهيثم) - بمثلاثة- هكذا صرّح به في «الموطأ»؛ والترمذي، وكذا البزار، وأبو يعلى، والطبراني؛ عن ابن عباس، والطبراني أيضا عن ابن عمر.
وفي رواية عند الطبراني وابن حبان «في صحيحه» عن ابن عباس أنّه أبو أيوب، والظاهر أن القضية اتفقت مرة مع أبي الهيثم، كما صرّح به في أكثر الروايات، ومرة مع أبي أيوب.
وفي رواية مسلم: رجلا من الأنصار. وهي محتملة لهما، وعلى كل ففيه منقبة عظيمة لكلّ منهما إذ أهّله ﷺ لذلك، وجعله ممن قال الله فيهم:
أَوْ صَدِيقِكُمْ [٦١/ النور] . انتهى «زرقاني» .
[ ٢ / ١٨ ]
ابن التّيّهان الأنصاريّ- وكان رجلا كثير النّخل والشّاء، ولم يكن له خدم- فلم يجدوه، فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟»، فقالت:
انطلق يستعذب لنا الماء.
واسم أبي الهيثم: مالك (بن التّيّهان) - بفتح التاء المثناة فوق، وتشديد الياء المثناة، تحت مكسورة- وهو لقب، واسمه عامر بن الحارث، وقيل: عتيك بن عمرو (الأنصاريّ) أي: المنسوب للأنصار لأنه حليفهم، وإلّا! فهو قضاعي ترهّب قبل الهجرة، وأسلم وحسن إسلامه.
وانطلاقهم إلى منزله لا ينافي كمال شرفهم، فقد استطعم موسى والخضر عليهما الصلاة والسلام قبلهم، وكان للمصطفى مندوحة عن ذلك؛ ولو شاء لكانت جبال تهامة تمشي معه ذهبا؛ لكن الله ﷾، أراد أن يهتدي الخلائق بهم، وأن يستنّ بهم السنن، ففعلوا ذلك تشريعا للأمة.
وهل خرج ﷺ قاصدا من أوّل خروجه إنسانا معينا، أو جاء التعيين بالاتفاق؟! احتمالان، قال بعضهم: الأصحّ أن أوّل خاطر حركه للخروج لم يكن إلى جهة معينة، لأن الكمّل لا يعتمدون إلّا على الله تعالى.
(وكان) أي: أبو الهيثم (رجلا) من أشراف الصحابة وأكابرهم، (كثير النّخل)؛ واحده نخلة، (والشّاء) بالهمز؛ جمع شاة بالتاء، وتجمع أيضا على شياه.
(ولم يكن له خدم) - بفتحتين- جمع خادم، يقع على الذكر والأنثى.
وليس المراد نفي الجمع، بل نفي جميع الأفراد، إذ لم يكن له خادم لا ذكر ولا أنثى، والمقصود من ذكر ذلك بيان سبب خروجه بنفسه لحاجته، فهو توطئة لقوله:
(فلم يجدوه) أي: في البيت لاحتياجه إلى خروجه، بسبب خدمة عياله (فقالوا لامرأته: «أين صاحبك؟»)؛ وهو أحسن عبارة من «زوجك» .
(فقالت: انطلق) أي: ذهب (يستعذب لنا الماء)؛ أي: يأتي لنا بماء عذب، من بئر، وكان أكثر مياه المدينة مالحة.
[ ٢ / ١٩ ]
فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم بقربة يزعبها- أي: يملؤها- فوضعها، ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ ويفدّيه بأبيه وأمّه.
ثم إن هذه المرأة تلقّتهم أحسن التلقّي، وأنزلتهم أكرم الإنزال، وفعلت ما يليق بذلك الجناب الأفخم، والملاذ الأعظم.
ويؤخذ من ذلك حلّ تكليم الأجنبيّة، وسماع كلامها مع أمن الفتنة؛ وإن وقعت فيه مراجعة.
ويؤخذ منه جواز إذن المرأة في دخول منزل زوجها؛ إذا علمت رضاه، وجواز دخول الضيف منزل الشخص، بإذن زوجته؛ مع علم رضاه، حيث لا خلوة محرّمة.
ويؤخذ منه حلّ استعذاب الماء، وجواز الميل إلى المستطاب طبعا من ماء وغيره وأن ذلك لا ينافي الزهد.
(فلم يلبثوا أن جاء أبو الهيثم) أي: فلم يمكثوا زمنا طويلا، إلى أن جاء أبو الهيثم، بل مكثوا يسيرا لقرب مجيئه لهم، والمعنى أنه لم يكن لهم انتظار كثير إلى مجيئه (بقربة) أي: متلبسا بقربة، وحاملا لها (يزعبها) - بتحتية مفتوحة، فزاي ساكنة، فمهملة، فموحّدة-؛ من زعب القربة كنفخ إذا ملأها فلذلك قال المصنف:
(أي: يملؤها) وقيل: حملها ممتلئة.
ويؤخذ منه أن خدمة الإنسان بنفسه لأهله، لا تنافي المروءة، بل هي من التواضع، وكمال الخلق،
(فوضعها) أي: القربة
(ثمّ جاء يلتزم النّبيّ ﷺ): يعانقه، ويلصق صدره به؛ تبركا به.
(ويفدّيه) - بضم ففتح فتشديد- (بأبيه وأمّه) أي: يقول: فداك أبي وأمي.
[ ٢ / ٢٠ ]
ثمّ انطلق بهم إلى حديقته، فبسط لهم بساطا، ثمّ انطلق إلى نخلة فجاء بقنو فوضعه، فقال النّبيّ ﷺ: «أفلا تنقّيت لنا من رطبه؟!»، فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا (ثمّ انطلق بهم إلى حديقته) أي: ثمّ انطلق مصاحبا لهم إلى بستانه، فالباء للمصاحبة، والحديقة: البستان، سمي بذلك! لأنهم في الغالب يجعلون عليه حائطا؛ يحدق به، أي: يحيط به، يقال: أحدق القوم بالبلد، إذا أحاطوا به.
(فبسط لهم بساطا) - بكسر أوّله-؛ أي: مدّ لهم فراشا، ونشره للجلوس عليه، وهو فعال بمعنى مفعول، كفراش بمعنى مفروش.
(ثمّ انطلق إلى نخلة) من نخيله (فجاء بقنو) - بكسر القاف وسكون النون-؛ بوزن حمل، - أي: عذق، كما في مسلم وهو: الغصن من النخلة المسمّى بالعرجون؛ فيه بسر وتمر ورطب؛ بمنزلة العنقود من الكرم.
(فوضعه) أي: بين أيديهم، ليتفكّهوا منه قبل الطعام، لأن الابتداء بما يتفكّه من الحلاوة أولى، فإنّه مقوّ للمعدة لأنه أسرع هضما.
وقال القرطبي: إنما قدّم لهم هذا العرجون!! لأنّه الذي تيسر فورا، من غير كلفة، ولأن فيه أنواعا من التمر والبسر والرطب.
(فقال النّبيّ ﷺ: «أفلا تنقّيت) من التنقّي، بمعنى التخيّر، أي: أفلا تخيرات؟ (لنا من رطبه») وتركت باقيه! حتى يترطّب فينتفعون به.
فالتنقّي: التخيّر، والتنقية: التنظيف، والرّطب- بضم الراء وفتح الطّاء-:
تمر النّخل؛ إذا أدرك ونضج، الواحدة رطبة.
وهو نوعان: نوع لا يتتمّر، بل إذا تأخر أكله أسرع إليه الفساد، ونوع يتتمر؛ أي: يصير تمرا.
ويؤخذ من الحديث أنه ينبغي للمضيف أن يقدّم إلى الضيف أحسن ما عنده.
(فقال: يا رسول الله؛ إنّي أردت أن تختاروا) أي: تتخيروا أنتم بأنفسكم،
[ ٢ / ٢١ ]
من رطبه وبسره. فأكلوا وشربوا من ذلك الماء.
فقال النّبيّ ﷺ: «هذا- والّذي نفسي بيده- من النّعيم الّذي تسألون عنه يوم القيامة؛
فتأخذوا الخيّر (من رطبه وبسره) أي: تارة من رطبه، وأخرى من بسره، بحسب اشتهاء الطبع، أو بحسب اختلاف الأمزجة في الميل إلى أحدهما، أو إليهما جميعا.
(فأكلوا) أي من ذلك القنو، (وشربوا من ذلك الماء) . زاد في رواية مسلم: «حتى شبعوا»، وهو دليل على جواز الشبع، ومحلّ كراهته في الشبع المثقّل للمعدة، المبطّئ بصاحبه عن العبادة.
(فقال) أي: (النّبيّ ﷺ: «هذا) أي المقدّم لنا (و) الله (الّذي نفسي بيده) أي: بقدرته فيتصرّف فيها كيف يشاء، ووسّط القسم بين المبتدأ والخبر!! لتأكيد الحكم (من النّعيم)؛ أي: التنعم (الّذي تسألون عنه) - بالبناء للمجهول-، وهذا ناظر لقوله ﵊ في موضع آخر: «حلالها حساب، وحرامها عقاب» (يوم القيامة)، ثُمَّ لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ (٨) [التكاثر] أي: عن القيام بحقّ شكره، أو تعداد النّعم والامتنان بها، وإظهار الكرامة بإسباغها، لا سؤال تقريع وتوبيخ ومحاسبة.
والمراد أن كلّ أحد ليسأل عن نعيمه الذي كان فيه: هل ناله من حلّه ووجهه أم لا؟! فإذا خلص من هذا سئل: هل قام بواجب الشّكر، فاستعان به على الطّاعة أم لا؟. فالأول سؤال عن سبب استخراجه، والثاني عن محل صرفه؛ ذكره ابن القيم.
وإنما ذكر ﷺ ذلك في ذلك المقام!! إرشادا للآكلين والشاربين، إلى حفظ أنفسهم في الشبع من الغافلة؛ باشتغال أحدهم بحديقته، ونعيمه عن تدبّر الآخرة، والنعيم: كلّ ما يتنعّم به؛ أي: يستطاب ويتلذذ به.
[ ٢ / ٢٢ ]
ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد» .
فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما، فقال النّبيّ ﷺ: «لا تذبحنّ لنا ذات درّ»، فذبح لهم عناقا؛ أو جديا،..
ثم عدد ﷺ أوجه النّعيم الذي هم فيه بقوله: (ظلّ بارد، ورطب طيّب، وماء بارد») . وهو خبر لمبتدأ محذوف، والجملة بيان لكون ذلك من النّعيم.
(فانطلق أبو الهيثم ليصنع لهم طعاما)؛ أي: مطبوخا، على ما هو معروف في العرف العام؛ وإن كان قد يطلق الطّعام على الفاكهة لغة.
وبهذا الحديث استدلّ الشافعي على أن نحو الرطب فاكهة؛ لا طعام.
وقال أبو حنيفة: إنّ الرّطب والرّمّان ليسا بفاكهة، بل الرطب غذاء، والرمان دواء، وأما الفاكهة، فهو ما يتفكه به تلذّذا.
(فقال النّبيّ ﷺ: «لا تذبحنّ لنا) شاة (ذات درّ») - بفتح الدال وتشديد الراء المهملتين- أي: لبن، وفي المستقبل بأن تكون حاملا.
ولعله ﷺ فهم من قرائن الأحوال أنّه أراد أن يذبح لهم شاة؛ فقال له ذلك، وهذا نهي إرشاد، وملاطفة، لا كراهة في مخالفته، فالمقصود الشفقة عليه؛ وعلى أهله، لأنهم ينتفعون باللبن مع حصول المقصود بغيرها.
وفي رواية مسلم: أنّه أخذ المدية، فقال له ﷺ: «إيّاك والحلوب» .
(فذبح لهم عناقا) - بفتح العين كسحاب-: أنثى المعز لها أربعة أشهر.
(أو) شك (جديا) - بفتح فسكون- كفلس: ذكر المعز ما لم يبلغ سنة، وهذا ليس من التكلف للضيف؛ المكروه عند السّلف، لأنّ محلّ الكراهة إذا شقّ ذلك على المضيف، وأما إذا لم يشقّ عليه! فهو مطلوب، لقوله ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم ضيفه» لا سيما هؤلاء الأضياف، الذين فيهم سيد ولد عدنان!! ﷺ.
[ ٢ / ٢٣ ]
فأتاهم بها فأكلوا.
فقال ﷺ: «هل لك خادم؟»
قال: لا. قال: «فإذا أتانا سبي.. فأتنا» .
فأتي ﷺ برأسين ليس معهما ثالث، فأتاه أبو الهيثم، فقال النّبيّ ﷺ: «اختر منهما» .
قال: يا رسول الله؛ اختر لي.
(فأتاهم بها) أي: بالعناق، وهذا ظاهر على الشق الأول من الشك.
(فأكلوا) أي: منها، وفي رواية: فشوى نصفه، وطبخ نصفه، وأتاهم به، فلما وضع بين يديه ﷺ أخذ من الجدي؛ فجعله في رغيف، وقال للأنصاري:
«أبلغ بهذا فاطمة، لم تصب مثله منذ أيّام» فذهب به إليها.
(فقال): أي النّبي (ﷺ) لما رآه يتولى خدمة بيته بنفسه، (: «هل لك خادم؟») يقع على الذكر والأنثى، لإجرائه مجرى الأسماء غير المأخوذة من الأفعال؛ كحائض.
(قال: لا) أي: ليس لي خادم، (قال: «فإذا أتانا سبي) - بفتح السين المهملة فسكون الموحدة-؛ أي: سبي من الأسارى عبد أو جارية (فأتنا») لنعطيك خادما، مكافأة على إحسانك إلينا.
وفي هذا إشارة إلى كمال جوده وكرمه ﷺ (فأتي) - بصيغة المجهول- أي:
فجيء النبي (ﷺ برأسين) أي: بأسيرين اثنين، (ليس معهما ثالث) تأكيدا لما قبله، (فأتاه أبو الهيثم) امتثالا لقوله ﷺ: «فأتنا» .
(فقال النّبيّ ﷺ «اختر») واحدا (منهما» .
قال)؛ أي أبو الهيثم: (يا رسول الله؛ اختر لي) أي: أنت، فإن اختيارك لي خير من اختياري لنفسي، وهذا من كمال عقله، وحسن أدبه وفضله.
[ ٢ / ٢٤ ]
فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ المستشار مؤتمن، خذ هذا فإنّي رأيته يصلّي،
(فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ المستشار مؤتمن») - بصيغة المفعول-.
وهو حديث صحيح كاد أن يكون متواترا. ففي «الجامع الصغير» «المستشار مؤتمن» رواه الأربعة عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والترمذي عن أم سلمة، وابن ماجه عن ابن مسعود، والطبرانيّ في «الكبير» عن سمرة، وزاد: «إن شاء أشار، وإن شاء لم يشر» .
وفي «الأوسط» عن عليّ كرّم الله وجهه؛ وزاد: «فإذا استشير فليشر بما هو صانع لنفسه» .
ثمّ الاستشارة: استخراج الرأي، من قولهم شرت العسل إذا أخرجتها من خلاياها، والاسم المشورة. وفيها لغتان: [مشورة] سكون الشّين وفتح الواو، والثانية [مشورة] ضم الشين وسكون الواو، وزان معونة.
ومعنى الحديث: أن من استشار ذا رأي في أمر اشتبه عليه وجه صلاحه فقد ائتمنه واستشفى برأيه، فعليه أن يشير عليه بما يرى النّصح فيه، ولو أشار عليه بغيره! فقد خانه ويبتلى بخلل في عقله.
والحاصل: أن المستشار أمين فيما يسأل من الأمور، فلا ينبغي أن يخون المستشير بكتمان مصلحته، وامتناع نصيحته. وسيأتي الكلام على ذلك مطولا في «الفصل الثالث»؛ من «الباب السابع في جوامع كلمه ﷺ» .
وإنما قال ﵊ ذلك! إعلاما أو تعليما لأبي الهيثم («خذ هذا) إشارة إلى أحد الرأسين، (فإنّي) تعليل لاختياره (رأيته يصلّي) .
ويؤخذ منه أنّه يستدل على خيريّة الإنسان بصلاته، قال تعالى إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [٤٥/ العنكبوت] .
ويؤخذ منه أيضا أنه ينبغي للمستشار أن يبيّن سبب إشارته بأحد الأمرين؛ ليكون أعون للمستشير على الامتثال.
[ ٢ / ٢٥ ]
واستوص به معروفا» . فانطلق أبو الهيثم إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ؛ فقالت امرأته: ما أنت ببالغ حقّ ما قال فيه النّبيّ ﷺ.. إلّا أن تعتقه. قال: فهو عتيق.
فقال ﷺ: «إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة..
إلّا وله بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر،
(واستوص به معروفا»)؛ أي: اقبل وصيتي به، وكافئه بالمعروف، ف «معروفا» ليس منصوبا ب «استوص»، بل مفعولا لمحذوف، أو افعل في حقه معروفا؛ وصية مني، فهو منصوب ب «استوص» بتضمين «افعل» .
(فانطلق أبو الهيثم) أي: فذهب به (إلى امرأته فأخبرها بقول رسول الله ﷺ، فقالت امرأته: ما أنت) أي: لو صنعت ما صنعت من المعروف به ما أنت (ببالغ) أي: بواصل (حقّ ما قال فيه)؛ أي: في حقه (النّبيّ ﷺ) أي من المعروف (إلّا أن تعتقه) أي: ما أنت ببالغ حق المعروف الذي وصّاك به النّبيّ ﷺ إلّا بعتقه، فلو فعلت به ما فعلت ما عدا العتق لم تبلغ ذلك المعروف؟.
(قال) أي: أبو الهيثم: (فهو) أي: فبسبب ما قلت الذي هو الحق؛ هو (عتيق) أي: معتوق؛ فعيل بمعنى مفعول، فتسبّبت في عتقه ليحصل لها ثوابه، فقد صحّ في الحديث: «إنّ الدّالّ على الخير كفاعله» .
(فقال) أي: فأخبره أبو الهيثم بمقالة امرأته التي تسبّب عنها العتق؛ فقال (ﷺ:
«إنّ الله لم يبعث نبيّا ولا خليفة)؛ فضلا عن غيرهما؛ (إلّا وله بطانتان) - بكسر أوله، تثنية بطانة- وهو المحب الخالص للرجل؛ مستعار من بطانة الثوب وهي خلاف الظّهارة، ومنه قوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا بِطانَةً مِنْ دُونِكُمْ [١١٨/ آل عمران] . وبطانة الرجل: صاحب سره، الذي يستشيره في أموره، ويطلعه على خفايا أحواله؛ ثقة به.
(بطانة تأمره بالمعروف وتنهاه عن المنكر)، يعلم منه أن بطانة الخير لا تكتفي
[ ٢ / ٢٦ ]
وبطانة لا تألوه خبالا، ومن يوق بطانة السّوء فقد وقي، والمعصوم من عصمه الله تعالى» .
بالسكوت، بل لا بد من الأمر بالمعروف والحثّ عليه، والنّهي عن المنكر والزجر عنه، وقد علم أن زوجة أبي الهيثم من هذا القسم الّذي يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، فهي بطانة خير.
(وبطانة لا تألوه) أي: لا تمنعه (خبالا) - بخاء معجمة، فموحدة مفتوحتين-: أي: فسادا، أي: لا تقصر في فساد حاله ولا تمنعه منه.
فالألو: التقصير، وقد تضمن معنى المنع فلذلك تعدّى إلى مفعولين.
وعبّر هنا بهذا!! تنبيها على أن بطانة السوء يكفي فيها السكوت على الشر، وعدم النّهي عن الفساد. وهذا ظاهر في الخليفة، ولا يجيء في الأنبياء.
فالمراد ببطانة الخير في حق النبي الملك، وببطانة السّوء الشيطان، بل هذا عامّ في كلّ أحد كما يصرح به قوله ﷺ: «ما منكم من أحد، إلّا وقد وكّل به قرينه من الجنّ، وقرينه من الملائكة» قالوا: وإياك؛ يا رسول الله؟ قال: «وإيّاي إلّا أنّ الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلّا بخير» .
(ومن يوق) - بصيغة المجهول-؛ من وقى يقي- أي يحفظ (بطانة السّوء) - بفتح السين، ويجوز ضمّه، ففيه لغتان؛ قرئ بهما في السبع «١»، كما في الكره والضّعف، إلا أن المفتوحة غلبت في أن يضاف إليها ما يراد ذمّه من كلّ شيء.
(فقد وقي) ماض مجهول، أي: من يحفظ من بطانة السوء وأتباعها فقد حفظ من الفساد، أي من جميع الأسواء والمكاره؛ في الدنيا والآخرة.
وجاء في رواية: (والمعصوم من عصمه الله تعالى») وفيه الإحسان للضيف بالفعل إن وجد، وإلّا فالوعد، وأنه لا بأس أن يطالبه بما وعد به؛ وتخيير الموعود
_________________
(١) قرأ ابن كثير المكي وأبو عمرو البصري: بضمّ السين. وقرأ الباقون: بفتحها.
[ ٢ / ٢٧ ]
وعن عتبة بن غزوان رضي الله تعالى عنه
له حين الوفاء بين أشياء متعدّدة؛ زيادة في إكرامه وتأكّد النّصح لا سيما للمستشير، والوصيّة بالضّعفاء، وجواز مشي الصّاحب إلى صاحبه الموسر من غير طلب وغير ذلك.
(و) أخرج مسلم والتّرمذي وغيرهما (عن عتبة) - بضمّ العين المهملة، وإسكان المثناة الفوقية، وموحدة- (بن غزوان) - بفتح المعجمة وسكون الزاي- ابن جابر بن وهب المازني «حليف بني عبد شمس؛ أو بني نوفل» .
من السابقين الأولين، وهاجر إلى الحبشة، ثم رجع مهاجرا إلى المدينة.
وشهد بدرا وما بعدها، وروى له مسلم وأصحاب السنن، وولاه عمر في الفتوح؛ فاختط البصرة وفتح فتوحا، وكان طوالا جميلا.
قال ابن سعد وغيره: قدم على عمر يستعفيه من الإمارة فأبى، فرجع في الطريق ب «معدن بني سليم» فدعا الله فمات سنة: - ١٧- سبع عشرة، وقيل: ستّ وعشرين، وقيل قبل ذلك. وعاش سبعا وخمسين- ٥٧- سنة (رضي الله تعالى عنه) .
لمّا بعثه عمر بن الخطاب وقال: انطلق أنت ومن معك حتى إذا كنتم في أقصى بلاد العرب، وأدنى بلاد العجم- أي: للمرابطة هنالك لحفظ بلاد العرب من العجم-.
فأقبلوا، حتى إذا كان بالمربد، وجدوا هذا الكذّان؛ فقالوا: ما هذه؟ قال بعضهم: هذه البصرة، فساروا حتى بلغوا حيال الجسر الصغير، فقالوا: ها هنا أمرتم.
فنزلوا، ولما حلّوا هناك استمد عتبة من بعض الدهاقين من أهل خوزستان، فجاؤوا فوافوا ضعفه وقلة رجاله؛ وكان معه ثلثمائة رجل فنقضوا العهد وقاتلوه، فنصره الله عليهم.
ثم شرع عتبة في بناء البصرة لمشقّة الإقامة من غير بناء.
[ ٢ / ٢٨ ]
قال: لقد رأيتني وإنّي لسابع سبعة مع رسول الله ﷺ، ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر، حتّى تقرّحت أشداقنا، فالتقطت بردة فقسمتها بيني وبين سعد بن مالك؛ فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها،
(قال) أي عتبة (: لقد رأيتني) أي: والله لقد أبصرت نفسي (وإنّي) - بكسر الهمزة- أي: والحال أنّي (لسابع سبعة) أي: في الإسلام (مع رسول الله ﷺ)، لأنه أسلم مع ستة فصار متمّما لهم سبعة، فهو من السّابقين الأولين.
واعلم أن سابع ونحوه له استعمالان:
أحدهما: أن يضاف إلى العدد الذي أخذ منه؛ فيقال «سابع سبعة» كما هنا، وهو حينئذ بمعنى الواحد من السبعة، ومثله في التنزيل ثانِيَ اثْنَيْنِ [التوبة: ٤٠] .
وثانيهما: أن يضاف إلى العدد الذي أخذ منه؛ فيقال «سابع ستة» وهو حينئذ بمعنى مصيّر الستة سبعة.
(ما لنا طعام إلّا ورق الشّجر) بالرفع على البدل، جعله طعاما لقيامه مقام الطّعام في حقّهم (حتّى تقرّحت) - بالقاف وتشديد الرّاء بعدها حاء مهملة- (أشداقنا) جمع شدق- بالكسر- وهو جانب الفم، أي: ظهر في جوانب أفواهنا قروح من خشونة ذلك الورق وحرارته.
(فالتقطت بردة) أي: عثرت عليها بغير قصد وطلب، والبردة: شملة مخطّطة، أو كساء أسود مربّع فيه خطوط يلبسه الأعراب، واللّقط أخذ الشيء من الأرض، وقيل: أخذ الشيء بغير طلب.
(فقسمتها) - بتخفيف السين؛ ويجوز تشديدها- (بيني وبين سعد بن مالك) هو سعد بن أبي وقّاص القرشي الزّهري المكّي المدني، أحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنّة، وتوفي وهو عنهم راض، - وقد مرت ترجمته، وترجمة ولده عامر-.
(فأتزرت بنصفها وأتزر سعد بنصفها) دليل لضيق عيشهم؛ وعيش
[ ٢ / ٢٩ ]
فما منّا من أولئك السّبعة أحد.. إلّا وهو أمير مصر من الأمصار، وستجرّبون الأمراء بعدنا.
المصطفى ﷺ، وذلك أنّ أهل المدينة كانوا في شظف من العيش، عندما قدم عليهم المصطفى ﷺ مع المهاجرين، وكان المهاجرون فرّوا بدينهم، وتركوا أموالهم وديارهم، فقدموا فقراء على أهل شدّة وحاجة، مع أن الأنصار واسوهم، وأشركوهم فيما بيدهم، غير أن ذلك ما سدّ خلّتهم ولا دفع فاقتهم، مع إيثارهم الضراء على السراء؛ والفقر على الغنى، ولم يزل ذلك دأبهم حتى فتح عليهم الفتوح كخيبر وغيرها، ومع ذلك لم يزل عيشهم شديدا، وجهدهم جهيدا، حتى لقوا الله صابرين على شدّة العيش؛ معرضين عن الدنيا وزهرتها ولذّتها، مقبلين على الآخرة ونعيمها، فحماهم الله ما رغبوا عنه، وأوصلهم إلى ما رغبوا فيه، حشرنا الله في زمرتهم. آمين.
(فما منّا من أولئك السّبعة أحد؛ إلّا وهو أمير مصر) بالتنوين (من الأمصار)، وهذا جزاء الأبرار في هذه الدار، وهو خير وأبقى في دار القرار.
(وستجرّبون الأمراء بعدنا!) إخبار بأن من بعدهم من الأمراء، ليسوا مثل الصّحابة في العدالة والديانة والإعراض عن الدنيا الدنية والأغراض النفسية، وكان الأمر كذلك. فهو من الكرامات بالخبر عن الأمور الغيبية، وذلك لأنهم رأوا منه ﷺ ما كان سببا لرياضتهم ومجاهدتهم وتقلّلهم في أمر معيشتهم، فمضوا بعده على ذلك واستمروا على ما هنالك، وأما غيرهم ممن بعدهم! فليسوا كذلك، فلا يكونون إلا على قضية طباعهم المجبولة على الأخلاق القبيحة، فلا يستقيمون مع الحق على الصدق، ولا مع الخلق على حسن الخلق.
وهذا الّذي ذكره المصنف بعض من خطبة عتبة بن غزوان العظيمة التي رواها مسلم في أواخر «صحيحه» .
ورواها الترمذي في «جامعه» و«شمائله»؛ مقتصرا منها على ما ذكره المصنف هنا.
[ ٢ / ٣٠ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لقد أخفت في الله وما يخاف أحد،
ورواها النسائي في «الرقاق»، وابن ماجه في «الزهد» مختصرة.
وذكرها الإمام النووي في «رياض الصالحين» منقولة عن «صحيح مسلم» ولفظها- كما في مسلم-: عن خالد بن عمير العدوي قال:
خطبنا عتبة بن غزوان فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد؛ فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولّت حذّاء، ولم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء يتصابّها صاحبها، وإنكم منتقلون منها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما بحضرتكم، فإنه قد ذكر لنا أنّ الحجر يلقى من شقّة جهنّم، فيهوي فيها سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، وو الله لتملأنّ. أفعجبتم؟! ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين سنة، وليأتين عليها يوم وهو كظيظ من الزّحام!.
ولقد رأيتني سابع سبعة مع رسول الله ﷺ؛ ما لنا طعام إلّا ورق الشجر حتى قرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فشققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتّزرت بنصفها واتّزر سعد بنصفها؛ فما أصبح اليوم منا أحد إلّا أصبح أميرا على مصر من الأمصار، وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما؛ وعند الله صغيرا، وإنّها لم تكن نبوّة إلا تناسخت حتى يكون آخر عاقبتها ملكا، فستخبرون وتجرّبون الأمراء بعدنا. انتهى.
(و) روى الإمام أحمد، والترمذي في «الزهد» من «جامعه» وفي «شمائله» - وقال: حسن صحيح- وصححه ابن حبان، ورواه ابن ماجه أيضا:
كلهم (عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ «لقد أخفت) - ماض مجهول؛ من الإخافة- (في) إظهار دين (الله) أي: أخافني المشركون بالتهديد والإيذاء الشديد، في أمر الله؛ أو لله، كما في حديث «دخلت امرأة النّار في هرّة»؛ أي: بهرة
(وما يخاف) - بضمّ أوّله- أي: والحال أنّه لا يخاف (أحد) غيري مثل
[ ٢ / ٣١ ]
ولقد أوذيت في الله وما يؤذى أحد، ولقد أتت عليّ ثلاثون من بين ليلة ويوم ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد إلّا شيء يواريه إبط بلال» .
ما أخفت، لأنهم في حال الأمن، وكنت وحيدا في إظهار ديني، ولم يكن أحد يوافقني في تحمل أذيّة الكفار، أو هو دعاء، أي: حفظ الله المسلمين عن الإخافة، أو مبالغة في الإخافة، وذلك معروف لغة، يقال: لي بليّة لا يبلى بها أحد.
(ولقد أوذيت) - ماض مجهول؛ من الإيذاء- (في الله) بقولهم ساحر، شاعر، مجنون، وغير ذلك، (وما يؤذى أحد) غيري بشيء من ذلك، بل كنت المخصوص بالإيذاء، لنهيي إيّاهم عن عبادة الأوثان، وأمري لهم بعبادة الرحمن.
وقال ابن القيّم: قوله في كثير من الأحاديث «في الله» يحتمل معنيين:
أحدهما أن ذلك في مرضاة الله وطاعته، وهذا فيما يصيبه باختياره.
والثاني: أنّه بسببه ومن جهته حصل ذلك، وهذا فيما يصيبه بغير اختياره، وغالب ما يجيء من الثاني، وليست «في» للظرفية، ولا لمجرّد السببية؛ وإن كانت السببية أصلها.
ألا ترى إلى خبر: «دخلت النّار امرأة في هرّة»، فإن فيه معنى زائدا على السببية، فقولك «فعلت كذا في مرضاتك» فيه معنى زائد على فعلته لرضاك. وإن قلت: أوذيت في الله لا تقوم مقامه بسببه. انتهى.
(ولقد أتت) أي: مرّت، ومضت (عليّ) - بتشديد الياء- (ثلاثون من بين ليلة ويوم) أي: ثلاثون متواليات غير متفرقات لا ينقص منها شيء.
قال الطيبي: وهو للتأكيد الشمولي. ووجه إفادة الشّمول أنّه يفيد أنه لم يتكلم بالتسامح والتساهل، بل ضبط أول الثلاثين وآخرها، وأحصى أيامها ولياليها.
(ما لي ولبلال طعام يأكله ذو كبد)؛ أي: حيوان عاقل أو دابة (إلّا شيء) أي: قليل، ولقلّته جدّا كان (يواريه)؛ أي: يستره (إبط بلال») - بالكسر-:
ما تحت الجناح يذكّر ويؤنّث، يعني كان ذلك الوقت بلال رفيقي، ولم يكن لنا من
[ ٢ / ٣٢ ]
قال المصنّف في «جامعه»: معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه.
وعن أنس أيضا: أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء ولا عشاء من خبز ولحم إلّا على ضفف.
و(الضّفف): كثرة أيدي الأضياف.
الطّعام إلّا شيء قليل بقدر ما يأخذه بلال تحت إبطه، ولم يكن لنا ظرف نضع الطعام فيه؛ كناية عن كمال القلّة.
(قال المصنّف) يعني الترمذي (في «جامعه»):
الذي قيل فيه: من كان عنده «جامع» الترمذي؛ فكأنما في بيته نبي يتكلّم
(معنى هذا الحديث: أنّه إنّما كان مع بلال حين خرج النّبيّ ﷺ من مكّة هاربا؛ ومع بلال من الطّعام ما يواريه تحت إبطه) واعترضه العصام؛ بأن بلالا لم يكن معه حين الهجرة.
وردّ بأن الترمذي لم يرد خروجه مهاجرا، بل خروجه قبل الهجرة إلى الطائف وغيره.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه (أنّ النّبيّ ﷺ لم يجتمع عنده غداء) - بفتح المعجمة فمهملة- وهو الذي يؤكل أوّل النّهار، ويسمّى السّحور غداء، لأنه بمنزلة غداء المفطر. (ولا عشاء) - بفتح العين المهملة- هو: ما يؤكل آخر النهار (من خبز ولحم)؛ أي: من هذين الجنسين (إلّا على ضفف) - بفتح الضاد المعجمة والفاء الأولى- أي: حال نادر وهو تناوله مع الضيف.
(و) قال المصنف كما في «الشمائل» نقلا عن بعضهم:
(الضّفف) - ك: فرس- (: كثرة أيدي الأضياف) . وهذا المعنى هو المراد
[ ٢ / ٣٣ ]
فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما لأجلهم.
وعن نوفل بن إياس الهذليّ قال: كان عبد الرّحمن ابن عوف هنا، وإن كان الضّفف له معان أخر أكثرها لا يناسب هنا.
وفي «النهاية»: الضفف الضيق والشدّة، ومنه ما يشبع منها إلّا عن ضيق وقلة.
وقيل: هو اجتماع النّاس، أي: لم يأكلهما وحده؛ ولكن مع النّاس.
وقيل: الضّفف أن تكون الأكلة أكثر من مقدار الطّعام، والحفف أن يكونوا بمقداره. انتهى.
قال الباجوري في «حاشية الشمائل»: (فكان ﷺ لا يجتمع عنده الخبز واللّحم في الغداء والعشاء؛ إلّا إذا كان عنده الأضياف فيجمعهما) ولو يتكلف (لأجلهم) .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن نوفل) - بفتح الفاء- (بن إياس) - بكسر الهمزة- (الهذليّ) - بضمّ الهاء وفتح الذال المعجمة- المدني، يروي عن عبد الرحمن بن عوف، وعنه مسلم بن جندب؛ وثّقه ابن حبّان. (قال:
كان) أبو محمد (عبد الرّحمن بن عوف) القرشي الزهري المدني، أحد الثّمانية السّابقين إلى الإسلام، وأحد الخمسة الذين أسلموا على يد أبي بكر، وأحد العشرة الذين شهد لهم رسول الله ﷺ بالجنة، وأحد الستة الّذين هم أهل الشّورى.
وكان من المهاجرين الأولين، وهاجر الهجرتين إلى الحبشة، ثم إلى المدينة، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين سعد بن الربيع.
وشهد مع رسول الله ﷺ بدرا، وأحدا، والخندق، وبيعة الرضوان، وسائر المشاهد.
ومن مناقبه التي لا توجد لغيره من الناس أن رسول الله ﷺ صلّى وراءه في غزوة تبوك!! حين أدركه وقد صلى بالنّاس ركعة، وحديثه هذا في «صحيح مسلم» وغيره.
[ ٢ / ٣٤ ]
رضي الله تعالى عنه لنا جليسا، وكان نعم الجليس، وإنّه انقلب بنا ذات يوم حتّى إذا دخلنا بيته.. دخل فاغتسل، ثمّ خرج وأتينا بصحفة فيها خبز ولحم، فلمّا وضعت.. بكى عبد الرّحمن.
فقلت: يا أبا محمّد؛ ما يبكيك؟.
قال بعضهم:
ولم يصلّ المصطفى خلف أحد إلّا ابن عوف فله الفضل أبد
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وستون حديثا؛ اتفقا منها على حديثين، وانفرد البخاري بخمسة. وتوفي سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين. وقيل: إحدى وثلاثين. وعمره اثنان وسبعون سنة، ودفن بالبقيع (رضي الله تعالى عنه
لنا جليسا) أي: مجالسا؛ (وكان) مقولا في حقه: (نعم الجليس) هو، (وإنّه) بكسر الهمزة (انقلب) أي: رجع (بنا)؛ أي: انقلب معنا من السوق، أو غيرها فالباء بمعنى «مع»، ويحتمل أنها للتعدية؛ أي: قلبنا وردّنا من الجهة الّتي كنّا ذاهبين إليها إلى بيته (ذات يوم)؛ أي: ساعة ذات يوم؛ أي: في ساعة من يوم، ويحتمل أن «ذات» مقحمة، والمعنى: في يوم.
(حتّى إذا دخلنا بيته دخل) يغتسل (فاغتسل) لكونه محتاجا للغسل، ولم يكن ليأكل طعاما بدون الغسل؛ لأنه خلاف الكمال، وهذا من مؤكّدات أنّه «نعم الجليس» .
(ثمّ خرج) أي: من مغتسله إلينا، (وأتينا) - بالبناء للمجهول- أي: أتانا غلامه أو خادمه (بصحفة) هي إناء كالقصعة، وقيل: إناء مبسوط كالصّحيفة؛ (فيها) أي: في تلك الصّحفة (خبز ولحم، فلمّا وضعت)؛ أي: الصّحفة الّتي فيها خبز ولحم (بكى عبد الرّحمن) بن عوف؛ خوفا مما يترتب على السّعة في الدّنيا.
(فقلت) له (: يا أبا محمّد) هذه كنية عبد الرحمن (ما يبكيك؟) أي أيّ شيء يجعلك باكيا؟.
[ ٢ / ٣٥ ]
فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع هو وأهل بيته من خبز الشّعير، فلا أرانا أخّرنا لما هو خير لنا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه أتي رسول الله ﷺ بتمر؛ فرأيته يأكل وهو مقع من الجوع.
ومعنى (الإقعاء): التّساند إلى وراء.
(فقال: توفّي رسول الله ﷺ ولم يشبع) أي يومين متواليين!! في خبر عائشة رضي الله تعالى عنها (هو وأهل بيته من خبز الشّعير) .
وفي رواية عن أبي هريرة أنه قال: خرج النّبيّ ﷺ من الدّنيا؛ ولم يشبع من خبز الشّعير» رواه البخاري. ولعل ما في الصّحفة كان مشبعا لهم؛ فلذلك بكى.
(فلا أرانا) - بضمّ الهمزة- أي: لا أظنّنا (أخّرنا) - بصيغة المجهول- أي:
أبقينا بعده موسّعا علينا وقد ضيّق عليه (لما هو خير لنا!)، لأنّه إذا كان خير النّاس حاله كذلك؛ فما صرنا إليه من السّعة يخاف عاقبته، ومن ثمّ كان الصدر الأول يخافون على من هو كذلك أنّه إنّما عجّلت له طيباته في حياته الدنيا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّه أتي) أي: جيء. ولفظ «الشمائل»: حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا الفضل بن دكين قال: حدثنا مصعب بن سليم قال: سمعت أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه يقول: أتي (رسول الله ﷺ [بتمر فرأيته يأكل]) حال من مفعول «رأيت»؛ (وهو مقع)؛ أي: متساند إلى ما وراءه (من) الضّعف الحاصل له بسبب (الجوع)، فلذلك قال المصنف:
(ومعنى الإقعاء) هنا (: التّساند إلى وراء) وجملة «وهو مقع» حال من فاعل «يأكل» .
وفي «القاموس»: أقعى في جلوسه تساند إلى ما وراءه، وليس في هذا
[ ٢ / ٣٦ ]
وكان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا آتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط، من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله ﷿.
وروى البخاريّ ومسلم:
ما يفيد أن الاستناد من آداب الأكل، لأنّه إنّما فعله لضرورة الضعف، وليس المراد بالإقعاء هنا النّوع المسنون في الجلوس بين السجدتين؛ وهو أن يبسط ساقيه ويجلس على عقبيه، ولا النّوع المكروه في الصّلاة؛ وهو أن يجلس على ألييه ناصبا ساقيه. قاله الباجوري كالمناوي.
(و) في «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ لا يأخذ ممّا آتاه الله تعالى إلّا قوت عامه فقط؛ من أيسر ما يجد من التّمر والشّعير، ويضع سائر ذلك في سبيل الله ﷿)
قال العراقي: متفق عليه، بنحوه من حديث عمر بن الخطاب، وقد تقدّم في «الزّكاة»، وقال في «الزّكاة»: أخرجاه من حديث عمر: كان يعزل نفقة أهله سنة.
وللطبراني في «الأوسط» من حديث أنس: كان إذا ادّخر لأهله قوت سنة تصدّق بما بقي. قال الذّهبي: حديث منكر. انتهى.
قلت: وفي حديث عمر بن الخطاب ومخاصمة علي بن أبي طالب والعباس في أموال بني النضير ما نصه: قال: فإنّي سأخبركم عن هذا الفيء. ثم ساق، وفيه:
ولقد قسّمها بينكم وبثّها فيكم حتّى بقي منها هذا المال، فكان ينفق منه على أهله رزق سنة، ثمّ يجمع ما بقي منه مجمع مال الله ﷿.. الحديث.
وفي رواية: وكان ينفق منها على أهله فهذا يؤيّد ما أخرجه الطبراني.
فتأمل. انتهى. «شرح الإحياء» .
(وروى) الإمام أبو عبد الله محمد بن إسماعيل (البخاريّ) - وقد تقدمت ترجمته- (و) الإمام أبو الحسين (مسلم) بن الحجّاج القشيري النيسابوري في
[ ٢ / ٣٧ ]
أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء.
وروى التّرمذيّ عن أنس: أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد.
«صحيحيهما»؛ من حديث عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه كما تقدم آنفا (أنّ رسول الله ﷺ كان يعزل نفقة أهله سنة) .
ولا تعارض بينه وبين ما روي عنه أنه ﷺ كان لا يدّخر قوت غد، كما سيأتي فإنّ معناه لا يدخر لنفسه، وأمّا لعياله فقد كان يدخر لهم قوت سنة، على أنّه مع ذلك كان تنوبه أشياء يخرج فيها ما ادّخره لهم، فلا تنافي بين ادخاره ومضي الزمن الطويل عليه؛ وليس عنده شيء له ولا لهم. انتهى (شرح «الإحياء») .
(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رفع رسول الله ﷺ غداء لعشاء، ولا عشاء لغداء) لمزيد ثقته بربّه.
(وروى) الإمام الحافظ أبو عيسى محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) في «جامعه» في «كتاب الزهد»؛ من حديث قطن بن بشير عن جعفر بن سليمان عن ثابت (عن أنس) رضي الله تعالى عنه (أنّ رسول الله ﷺ كان لا يدّخر شيئا لغد) أي: لا يدّخره ملكا؛ بل تمليكا، فلا ينافي أنه ادّخر قوت سنة لعياله، فإنّه كان خازنا، فلما وقع المال بيده قسم لعياله؛ كما قسم لغيرهم، فإن لهم حقّا في الفيء.
قال بعض الصوفية: ولا بأس بادخار القوت لأمثالنا، لأن النفس إذا أحرزت قوتها اطمأنت.
وحقق بعضهم فقال: من كانت نفسه مطمئنة بربّها كانت عيناه وسكونه إليه،
[ ٢ / ٣٨ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا تغدّى.. لم يتعشّ، وإذا تعشّى.. لم يتغدّ.
قال القسطلّانيّ في «المواهب اللّدنّيّة»: (قد استشكل كونه ﵊ وأصحابه كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت: فلا يلتفت لذلك. انتهى «عزيزي» . قال الشيخ: حديث صحيح. انتهى «منه» .
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناد ضعيف؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا تغدّى) - بالدال المهملة- بدليل مقابلته بالعشاء، إذ هو بالذال المعجمة شامل للغداء والعشاء، والغداء- بالمهملة-: من طلوع الشمس إلى الزوال، وبعد الزوال يسمّى عشاء؛ قاله الحفني على «الجامع الصغير» .
(لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ) أي: لا يأكل في يوم مرتين؛ تنزّها عن الدنيا، وتقوّيا على العبادة، وتقديما للمحتاج على نفسه.
وفي قلة الأكل فوائد. منها: رقة القلب، وقوة الفهم والإدراك، وصحّة البدن ودفع الأمراض؛ فإن سببها كثرة الأكل.
ومنها: خفّة المؤونة، فإن من تعوّد قلّة الأكل كفاه من المال قدر يسير.
ومنها: التمكّن من التصدق بما فضل من الأطعمة على الفقراء والمساكين. وليس للعبد من ماله إلّا ما تصدق فأبقى أو أكل فأفنى أو لبس فأبلى. انتهى «عزيزي» .
(قال) العلامة الحافظ شهاب الدين: أبو العباس أحمد بن محمد (القسطلّانيّ) رحمه الله تعالى (في) كتاب («المواهب اللّدنّيّة»)؛ في النّوع الأول من «الفصل الثالث»، الكائن في المقصد الثالث:
(قد استشكل كونه ﵊ و) كون (أصحابه) - فهو بالجر؛ عطفا على الضمير، ويجوز نصبه مفعولا معه- (كانوا يطوون الأيّام جوعا؛ مع ما ثبت:
[ ٢ / ٣٩ ]
أنّه كان يرفع لأهله قوت سنة. وأنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه. وأنّه ساق في عمرته مئة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين. وأنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم..
وغير ذلك. مع من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة وغيرهم، مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه.
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله، وعمر بنصفه.
وحثّ على تجهيز جيش العسرة؛ فجهّزهم عثمان بألف بعير
إلى غير ذلك؟. وأجاب عنه الطّبريّ
١- أنّه كان يرفع) أي يدّخر (لأهله قوت سنة) وسماه «رفعا» تجوّزا.
(و٢- أنّه قسم بين أربعة أنفس من أصحابه ألف بعير ممّا أفاء الله عليه.
و٣- أنّه ساق في عمرته مائة بدنة؛ فنحرها وأطعمها المساكين.
و٤- أنّه أمر لأعرابيّ بقطيع من الغنم وغير ذلك)؛ كإعطائه جماعة كثيرة من أموال خيبر، وفدك، وقريظة، والنضير، وكانت خالصة له!!
(مع) وجود (من كان معه من أصحاب الأموال؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وطلحة) بن عبيد الله (وغيرهم)؛ كالزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن عبادة (مع بذلهم أنفسهم وأموالهم بين يديه!
وقد أمر بالصّدقة فجاء أبو بكر بجميع ماله)؛ وقال: أبقيت الله ورسوله لعيالي.
(و) جاء (عمر بنصفه، وحثّ على تجهيز جيش العسرة) [في] غزوة تبوك، حين أراد السير إليها (فجهّزهم عثمان بألف بعير)، وجاء بعشرة آلاف درهم، إلى النّبي ﷺ فوضعها بين يديه (إلى غير ذلك!؟
وأجاب عنه) أي: عن هذا الإشكال؟! الإمام البارع في أنواع العلوم:
أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب (الطّبريّ) .
[ ٢ / ٤٠ ]
- كما حكاه في «فتح الباري» -: بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز
كان أحد أئمة الدنيا يحكم بقوله، ويرجع إلى رأيه لمعرفته وفضله.
وكان قد جمع من العلوم؛ ما لم يشاركه فيه أحد من أهل عصره.
وكان حافظا لكتاب الله تعالى؛ عارفا بالقراآت؛ بصيرا بالمعاني، فقيها في أحكام القرآن، عالما بالسنن وطرقها؛ صحيحها وسقيمها، ناسخها ومنسوخها، عارفا بأقوال الصحابة والتابعين فمن بعدهم في الأحكام، عارفا بأيام الناس وأخبارهم.
قال محمد بن إسحاق بن خزيمة: ما أعلم تحت أديم السّماء أعلم من محمد بن جرير. وتفرّد بمسائل حفظت عنه.
قال الرافعي: تفرّد ابن جرير لا يعدّ وجها في مذهبنا؛ وإن كان معدودا من طبقات أصحاب الشافعي!! وأخذ فقه الشافعي عن الربيع المرادي، والحسن الزعفرانيّ.
وهو في طبقة الترمذي والنّسائي، سمع أحمد بن منيع، وأبا كريب:
محمد بن العلاء، ومحمد بن المثنى وغيرهم من شيوخ البخاري ومسلم.
وحدّث عنه خلائق؛ منهم أحمد بن كامل ومخلد بن جعفر،
وتوفي ابن جرير وقت المغرب؛ ليلة الاثنين ليومين بقيا من شهر شوال، سنة: - ٣١٠- عشر وثلثمائة هجرية. ودفن ضحوة يوم الاثنين في داره، وكان مولده في آخر سنة- ٢٢٤- أربع- أو أول سنة: - ٢٢٥- خمس- وعشرين ومائتين. فعمره يقارب: خمسا وثمانين- ٨٥- سنة رحمه الله تعالى. آمين.
(كما حكاه) أي الحافظ الحجة شهاب الملة والدين: أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى (في «فتح الباري») شرح «صحيح البخاري» (بأنّ ذلك كان منهم في حالة دون حالة؛ لا لعوز) - بفتح العين المهملة، وفتح الواو
[ ٢ / ٤١ ]
وضيق، بل تارة للإيثار، وتارة لكراهة الشّبع وكثرة الأكل.
قال الحافظ ابن حجر: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك، فواساهم الأنصار بالمنازل
وإسكانها-؛ يقال عوز؛ من باب تعب: عزّ فلم يوجد؛ وعزت الشّيء أعوزه؛ من باب قال: احتجت إليه فلم أجده، كما في «المصباح» . فإن أخذ من الأول فتحت الواو، أي لا لعدم وجدان، أو من الثاني سكّنت؛ أي لا للاحتياج (وضيق) تفسير.
ولا يرد على ذا الجواب أنه لم يعرج على قول الإشكال «كان يرفع لأهله قوت سنة» ! لأنه أشار للجواب عنه بقوله: (بل تارة للإيثار)؛ فقد كان يدّخر قوت عام، ثمّ يجد المحاويج فيدفعه إليهم؛ ويترك أهله، (وتارة لكراهة الشّبع) لأنهم لم يكونوا يشبعون، إذ الشبع بدعة ظهرت بعد القرن الأول.
قال بعضهم: الشّبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
(و) لكراهة (كثرة الأكل) . انتهى جواب الطبري..
وتعقّب بأنّ ما نفاه مطلقا في قوله «لا لعوز وضيق» فيه نظر؛ لما تقدم من الأحاديث الدالة على أنه للعوز.
وأخرج ابن حبان في «صحيحه» عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
من حدّثكم أنّا كنّا نشبع من التّمر؛ فقد كذبكم، فلما افتتحت قريظة أصبنا شيئا من التّمر والودك. إلى غير ذلك.
(قال الحافظ ابن حجر) العسقلاني رحمه الله تعالى
(: والحقّ أنّ الكثير منهم كانوا في حال ضيق قبل الهجرة؛ حيث كانوا بمكّة، ثمّ لمّا هاجروا إلى المدينة كان أكثرهم كذلك؛ فواساهم الأنصار بالمنازل
[ ٢ / ٤٢ ]
والمنائح، فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها.. ردّوا عليهم منائحهم.
نعم.. كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له؛ كما أخرج التّرمذيّ من حديث أبي أمامة: أنّ النّبيّ ﷺ قال: «عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا،
والمنائح) تمليكا للمنافع، لا للرقاب.
وذكر البيضاوي: أنّ من كان عنده امرأتان نزل عن واحدة؛ وزوّجها من أحدهم، (فلمّا فتحت لهم النّضير وما بعدها؛ ردّوا عليهم منائحهم) ومنازلهم.
(نعم؛ كان ﷺ يختار ذلك مع إمكان حصول التّوسّع والتّبسّط في الدّنيا له، كما أخرج) الإمام أحمد و(التّرمذيّ) وحسّنه ونوزع؛ (من حديث أبي أمامة) الباهلي: صديّ- بضمّ الصاد وفتح الدال المهملتين وتشديد الياء- ابن عجلان بن والبة- بالموحدة- ابن رياح- بكسر الراء- ابن الحارث بن معن بن مالك بن أعصر بن سعد بن قيس عيلان- بالمهملة- ابن مضر بن نزار بن معد بن عدنان.
وقيل غير ذلك في نسبه، وهو من مشهوري الصّحابة رضوان الله عليهم.
روي له عن رسول الله ﷺ مائتا حديث وخمسون حديثا؛ انفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثلاثة.
سكن مصر، ثم حمص؛ وبها توفي، سنة: - ٨١- إحدى وثمانين هجرية، وقيل: سنة ست وثمانين. قيل: هو آخر الصحابة موتا بالشام، رضي الله تعالى عنه وعامّة حديثه عند الشاميين (أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة)؛ أي: حصباءها.
قال الطيبي: تنازع فيه «عرض» و«ليجعل»؛ أي: عرض علي بطحاء مكّة ليجعلها لي (ذهبا)، فلا حاجة لتقدير مفعول «عرض» محذوفا، أي: أسباب الغنى؛ كما قاله بعضهم.
[ ٢ / ٤٣ ]
فقلت: لا يا ربّ، ولكن أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت..
تضرّعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت.. شكرتك وحمدتك» .
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا، فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ ما أمسى لآل محمّد سفّة من دقيق، ولا كفّ من سويق» .
فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة
فقلت: لا) أريدها (يا ربّ؛ ولكن أشبع يوما وأجوع يوما) .
هذا ورد على منهج التقسيم، وهو ذكر متعدد، ثم إضافة ما لكلّ على التعيين، فذكر أولا الشّبع والجوع في أيامهما، ثم أضاف لكلّ ما يناسبه بقوله:
(فإذا جعت تضرّعت إليك) بذلّة وخضوع، (وذكرتك) في نفسي، وبلساني، (وإذا شبعت شكرتك وحمدتك») عطفه على سابقه!! لما بينهما من عموم الحمد موردا، وخصوصه متعلّقا، وخصوص الشّكر موردا وعمومه متعلقا.
وحكمة هذا التفصيل: الاستلذاذ بالخطاب، وإلا فالله تعالى أعلم بالأشياء جملة وتفصيلا.
(وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
كان رسول الله ﷺ ذات يوم وجبريل على الصّفا) بمكّة؛ (فقال رسول الله ﷺ: «يا جبريل؛ والّذي بعثك بالحقّ) رسولا إلى أنبيائه، (ما أمسى لآل محمّد سفّة) - بضم السين المهملة-: قبضة (من دقيق، ولا كفّ من سويق») كأمير هو دقيق الشعير المقلو، ويكون من القمح، والأكثر جعله من الشعير. قال أعرابي يصفه: هو عدة المسافر، وطعام العجلان، وبلغة المريض.
(فلم يكن كلامه بأسرع من أن سمع هدّة) - بفتح الهاء وتشديد الدال المهملة-
[ ٢ / ٤٤ ]
من السّماء أفزعته، فقال رسول الله ﷺ: «أمر الله القيامة أن تقوم؟» .
قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك.
فأتاه إسرافيل، فقال: إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض، وأمرني أن أعرض عليك: إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا
أي: صوتا قويا (من السّماء أفزعته): خوّفته.
(فقال رسول الله ﷺ) لجبريل مستفهما. - بحذف همزته- (: «أمر الله القيامة أن تقوم»؟! قال: لا، ولكن أمر إسرافيل فنزل إليك حين سمع كلامك) لي!
ولعل حكمة نزوله بتلك الهدة، الإشارة إلى قدرته على فعل ما يعرضه عليه!!
(فأتاه إسرافيل، فقال): (إنّ الله تعالى قد سمع ما ذكرت) لجبريل، (فبعثني إليك بمفاتيح خزائن الأرض) المعادن، أو البلاد التي فيها، أو الممالك التي فتحت لأمته بعده، وظاهر الحديث أنّها مفاتيح وخزائن حقيقية، وهو الأصل.
وذكر الزمخشري فيه وما أشبهه أنه من قبيل التمثيل والاستعارة حيث قال في قوله وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنا خَزائِنُهُ [٢١/ الحجر] . ذكر الخزائن تمثيل، والمعنى:
وما من شيء ينتفع به العباد إلّا ونحن قادرون على إيجاده وتكوينه والإنعام به؛ فضرب الخزائن مثلا.
(وأمرني أن أعرض عليك؛ إن أردت أن أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا) - بزاي أوله وذال معجمة آخره وراء قبل آخره مشدّدة؛ مضمومات الأوائل.
هو أربعة أضرب: الأول: الذّبابيّ.
الثّاني: الرّيحاني؛ وهو أخضر مفتوح اللون شبيه بلون ورق الرّيحان.
[ ٢ / ٤٥ ]
الثالث: السّلقي؛ وخضرته أشبه شيء بلون السّلق.
الرابع: الصّابوني؛ ولونه كلون الصابون الأخضر.
وأفضل أنواعه وأشرفها الذّبابيّ، وهو شديد الخضرة لا يشوب خضرته شيء آخر من الألوان؛ من صفرة ولا سواد ولا غيرهما، حسن الصبغ، جيد المائية، شديد الشعاع؛ ويسمى ذبابيا!! لمشابهة لونه في الخضرة لون كبار الذباب الأخضر الربيعي، وهو من أحسن الألوان خضرة وبصيصا، ويزداد حسنه بكبر الجرم، واستواء القصبة، وعدم الاعوجاج فيها.
ومن عيوب الذبابي اختلاف الصبغ، بحيث يكون موضع منه مخالفا للموضع الآخر، وعدم الاستواء في الشكل، والتشعير وهو شبه شقوق خفية؛ إلّا أنه لا يكاد يخلو منه.
ومن عيوبه: الرخاوة، وخفة الوزن، وشدة الملاسة، والصقال، والنعومة، وزيادة الخضرة، والمائية، إذا ركّب على البطانة.
ومن خاصّيّة الذبابي التي امتاز بها عن سائر الأحجار: أنّ الأفاعي إذا نظرت إليه، ووقع بصرها عليه؛ انفقأت عيونها. وبهذه الخاصّية يمتحن الزمرّذ الخالص من غيره، كما يمتحن الياقوت بالصبر على النار.
ومن منافع الزمرّذ الذبابي: أنّ من أدمن نظره أذهب عن بصره الكلال، ومن تختّم به دفع عنه داء الصرع؛ إذا كان قد لبسه قبل ذلك.
وإذا كان في موضع لم تقربه ذوات السموم، وإذا سحل منه وزن ثمان شعيرات وسقيته شارب السّمّ قبل أن يعمل السّم فيه خلّصته منه.
وإذا تختّم به من به نفث الدّم؛ أو إسهاله! منع من ذلك، وإذا علق على المعدة من خارج نفع من وجعها، وشرب حكاكته ينفع من الجذام.
وهذه الخواصّ توجد في الصغير منه والكبير والمعوجّ والمستقيم.
[ ٢ / ٤٦ ]
وياقوتا،
أما بقية أصناف الزمرذ! فإنّه لا قيمة لها يعتدّ بها، لعدم المنافع الموجودة في الذبابي، انتهى ملخصا من «صبح الأعشى» .
(وياقوتا) هو ثلاثة أضرب:
الضرب الأول: الأحمر ومنه البهرمان، ولونه كلون العصفر الشّديد الحمرة؛ النّاصع في القوّة الذي لا يشوب حمرته شائبة، ويسمّى «الرّمّاني» لمشابهته حب الرمان الرائق الحب، وهو أعلى أصناف الياقوت، وأفضلها، وأغلاها ثمنا.
وأردأ ألوانه الوردي الذي يضرب إلى البياض.
الضرب الثاني: الأصفر، وأعلاه الجلّناري، وهو أشدّه صفرة، وأكثره شعاعا، ومائية. ودونه الخلوقي؛ وهو أقلّ صفرة منه؛ ودونه الرّقيق؛ وهو قليل الصفرة كثير الماء ساطع الشعاع. وأردأ الأصفر ما نقص لونه؛ ومال إلى البياض.
الضرب الثالث: الأبيض، ومنه المهاني وهو أشدّها وأكثرها ماء، وأقواها شعاعا، وأصلب حجرا، وهو أدون أصناف الياقوت وأقلها ثمنا.
وأجود الياقوت الأحمر: البهرماني والرّمّاني والوردي النيّر المشرق اللّون الشفّاف الذي لا ينفذه البصر بسرعة.
وعيوب الياقوت: الشعرة؛ وهي شبه تشقيق يرى فيه. والسوس؛ وهو خروق توجد في باطنه، ويعلوها شيء من ترابية المعدن.
ومن خواصّ الياقوت بأنواعه: أنه يقطع كل الحجارة كما يقطعها الماس.
وليس يقطعه هو- على أي لون كان- غير الماس.
ومن خواصّه: أنه ليس لشيء من الأحجار المشعة شعاع مثله، وأنه أثقل من سائر الأحجار المساوية له في المقدار، وأنه يصبر على النار؛ فلا يتكلّس بها كما يتكلس غيره من الحجارة النفيسة، وإذا أخرج من النار برد بسرعة؛ حتى أن الإنسان يضعه في فيه عقب إخراجه من النار فلا يتأثّر به، إلّا أن لون غير الأحمر منه؛
[ ٢ / ٤٧ ]
وذهبا وفضة.. فعلت، فإن شئت: نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا؟
فأومأ إليه جبريل أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» (ثلاثا) . رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن.
كالصفرة وغيرها يتحول إلى البياض، أما الحمرة فإنها تقوى بالنار، فما ذهبت حمرته بالنار، فليس بياقوت أحمر بل ياقوت أبيض مصبوغ، أو حجر يشبه الياقوت.
ومن منافعه: أنّ التختّم به يمنع صاحبه أن يصيبه الطّاعون؛ إذا ظهر في بلد هو فيه، وأنّه يعظّم لابسه في عيون الناس، ويسهل عليه قضاء الحوائج، وتتيسر له أسباب المعاش، ويقوّي قلبه ويشجعه، وأن الصاعقة لا تقع على من تختم به.
وإذا وضع تحت اللسان قطع العطش؛ قاله أرسطاطاليس.
قال: وامتحانه أن يحك به ما يشبهه من الأحجار فإنه يجرحها بأسرها ولا تؤثر هي فيه. انتهى ملخصا من «صبح الأعشى» .
(وذهبا وفضّة) لفظ «المواهب»: وأمرني أن أعرض عليك؛ أسيّر معك جبال تهامة زمرّذا وياقوتا وذهبا وفضة (فعلت، فإن شئت نبيّا ملكا، وإن شئت نبيّا عبدا!! فأومأ إليه جبريل) لما استشاره (أن تواضع.
فقال: «بل نبيّا عبدا» . قالها (ثلاثا. رواه الطّبرانيّ بإسناد حسن)
كما قال المنذري وغيره، ولا يعارضه قوله ﷺ أتيت بمقاليد الدّنيا على فرس أبلق جاءني به جبريل» رواه الإمام أحمد برجال الصحيح، وصححه ابن حبّان عن جابر رضي الله تعالى عنه! لأنّ هذا بعد ذاك للإشارة إلى ما ستملكه أمته من بعده.
فانظر إلى همته العلية ﷺ كيف عرضت عليه مفاتيح كنوز الأرض فأباها؟!
ومعلوم أنّه لو أخذها لأنفقها في طاعة ربه، فأبى ذلك مع أن النّبوة معطاة له على كلا التقديرين. فيا لها من همّة شريفة رفيعة ما أسناها! ونفس زكيّة ما أبهاها! وقد عوّضه الله تعالى بالتصرف في خزائن السماء: ردّ الشمس بعد غروبها، وشقّ
[ ٢ / ٤٨ ]
ولله درّ الأبوصيريّ حيث قال:
وراودته الجبال الشّمّ من ذهب عن نفسه فأراها أيّما شمم)
القمر، ورجم النجوم، واختراق السموات، وحبس المطر وإرساله، وإرسال الريح وإمساكها وغير ذلك
(ولله درّ الأبو صيريّ حيث قال) في «بردة المديح»:
(وراودته) أي: طلبت منه (الجبال الشّمّ) - بضم الشين-: المرتفعة (من ذهب
عن نفسه) ونسبة المراودة إليها مجاز، (فأراها) - بفتحتين- (أيّما شمم)
بفتح المعجمة والميم، وبعد هذا البيت قوله:
فأكّدت زهده فيها ضرورته إنّ الضّرورة لا تعدو على العصم
وكيف تدعو إلى الدّنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدّنيا من العدم
ولعل المصنف حذف هذين البيتين من كلام القسطلّاني، لمّا أورده في «المواهب»؛ من أنّ في البيتين شيئا! قال: لأنه في مقام المدح فلا يليق منه الوصف بالزهد ولا بالضرورة. قال الزرقاني: لأن الزهد يقتضي رغبته فيما زهد فيه والضرورة تقتضي الحاجة. انتهى.
قال الحليمي في «شعب الإيمان»: من تعظيم النبي ﷺ ألايوصف بما هو عند النّاس من أوصاف الضّعة، فلا يقال كان فقيرا. وأنكر بعضهم إطلاق الزهد في حقّه ﷺ. إذ لا قدر للدّنيا عنده. وقد حكى صاحب كتاب «نثر الدر»؛ وهو أبو سعيد منصور بن الحسين الآبي- بالمد- عن محمد بن واسع، أنّه قيل له: فلان زاهد. فقال: وما قدر الدنيا حتى يزهد فيها!!. فإذا قيل هذا في حقّ غير المصطفى ﷺ فما بالك به؟!.
وقد ذكر القاضي عياض في «الشفاء»؛ ونقله عنه الشيخ تقي الدين السبكي في كتابه «السيف المسلول»: أن فقهاء الأندلس أفتوا بقتل حاتم المتفقه الطليطليّ
[ ٢ / ٤٩ ]
وأمّا خبز رسول الله ﷺ:
فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة طاويا هو وأهله؛ لا يجدون
وصلبه لاستخفافه بحق النّبيّ ﷺ، وتسميته إياه أثناء مناظرته ب «اليتيم»، وزعمه أنّ زهده لم يكن قصدا!! ولو قدر على الطيبات أكلها!. انتهى.
وكلّ واحدة من هذه الثلاث كافية في القتل؛ بلا استتابة عند مالك رحمه الله تعالى.
وذكر الشيخ بدر الدين الزركشي عن بعض الفقهاء المتأخرين؛ أنّه كان يقول:
لم يكن النّبيّ ﷺ فقيرا من المال، ولا حاله حال فقير، بل كان أغنى النّاس، فقد كفي أمر دنياه في نفسه وعياله.
وكان يقول في قوله ﷺ «اللهم أحيني مسكينا» أنّ المراد به استكانة القلب، لا المسكنة الّتي هي ألايجد ما يقع موقعا من كفايته. وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك. انتهى. وهو حسن نفيس. انتهى كلام «المواهب»؛ مع شيء من «شرح الزرقاني» رحمهما الله تعالى.
(وأمّا خبز رسول الله ﷺ!) والخبز- بالضمّ-: الشّيء المخبوز من نحو برّ.
وهو المراد هنا، فقد جاء بيانه في أحاديث كثيرة.
أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «جامعه» و«شمائله» وصححه، وابن سعد في «طبقاته» - واللفظ ل «الشمائل» - (فعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
كان رسول الله ﷺ يبيت اللّيالي المتتابعة) أي المتوالية، يعني كان في تلك الليالي على الاتصال (طاويا) أي: خالي البطن جائعا (هو) تأكيد فاعل «طاويا»، لتصحيح عطف (وأهله) عليه، (لا يجدون) أي: النّبيّ ﷺ وأهله فأفرد «طاويا» نظرا لمطابقة الفاعل، وجمع «لا يجدون» ! نظرا لمشاركتهم له في
[ ٢ / ٥٠ ]
عشاء، وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين
عدم وجدانهم، (عشاء) - بفتح العين المهملة والشين المعجمة والمدّ- هو:
ما يؤكل آخر النّهار الصادق؛ بما بعد الزوال.
والمراد بأهله عياله الذين في نفقته.
وفي «المغرب»: أهل الرّجل؛ امرأته وولده، والذين في عياله، ونفقته، وكذا كل أخ وأخت، وعمّ وابن عمّ وصبيّ يقوته في منزله. انتهى.
وكان ﷺ لشرف نفسه، وفخامة منصبه؛ يبالغ في ستر ذلك عن أصحابه؛ وإلّا فكيف يظنّ عاقل أنه يبلغهم أنه يبيت طاويا، هو وأهل بيته اللّيالي المتتابعة، مع ما عليه طائفة منهم من الغنى؛ بل لو علم فقراؤهم- فضلا عن أغنيائهم- ذلك لبذلوا الجهد في تقديمه، هو وأهل بيته، على أنفسهم واستبقوا على إيثاره!!؟
وهذا يدلّ على فضل الفقر والتجنّب عن السؤال مع الجوع.
(وكان أكثر خبزهم خبز الشّعير) أي: وقد يكون خبزهم خبز البرّ مثلا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل»؛ (عن) أمّ المؤمنين (عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت: ما شبع آل محمّد ﷺ) - هم هنا: عياله الّذين في مؤونته، لا من تحرم عليهم الصّدقة. وما يأكله عياله يسمّى خبزه، ومنسوب له؛ فالخبر مطابق للترجمة.
ويحتمل أن لفظ «آل» مقحم، والمراد هو!! ويؤيده الرواية الآتية: ما شبع رسول الله ﷺ الخ (من خبز الشّعير يومين متتابعين) . خرج بقوله «خبز الشعير» خبز البر. ففي رواية البخاري عن عائشة: ما شبع آل محمّد ﷺ منذ قدم المدينة، من طعام برّ ثلاث ليال تباعا حتّى قبض!!
[ ٢ / ٥١ ]
حتّى قبض رسول الله ﷺ.
وعن سليم بن عامر [رحمه الله تعالى] قال: سمعت أبا أمامة [الباهليّ] رضي الله تعالى عنه يقول: ما كان يفضل عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها أيضا أنّها
وأخذ منه أن المراد هنا اليومان بلياليهما، كما أنّ المراد اللّيالي بأيامهما.
وقولها (حتّى قبض رسول الله ﷺ) إشارة إلى استمرار تلك الحالة مدة إقامته بالمدينة، وهي عشر سنين؛ بما فيها من أيام حجّه وغزوه.
(و) أخرج التّرمذي في «الشمائل» (عن سليم) - بالتصغير- (بن عامر) الرّحبي المشرفي الحمصي- ورحبة: بطن من حمير-.
له نحو مائتي حديث، وكان ثبتا ناصبيا. مات سنة ثلاث وستين ومائة. وغلا من قال (له رؤية) . خرّج له مسلم والأربعة
(قال: سمعت أبا أمامة) - بضم الهمزة- ([الباهليّ]) اسمه: صدي بن عجلان- تقدمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه؛ يقول:
(ما كان يفضل) - بضم الضاد المعجمة؛ أي: يزيد- (عن أهل بيت رسول الله ﷺ خبز الشّعير) . أي: ما كان يزيد عن كفايتهم، بل كان ما يجدونه لا يشبعهم في الأكثر، كما تدلّ عليه الرواية السابقة.
(و) في الباجوري على «الشمائل»: روي (عن عائشة رضي الله تعالى عنها) أنها قالت: (ما رفع عن مائدته ﷺ كسرة خبز حتّى قبض.
وقد ورد عنها) أي: عائشة (أيضا)؛ فيما رواه البخاري ومسلم؛ (أنّها
[ ٢ / ٥٢ ]
قالت: توفّي رسول الله ﷺ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد إلّا شطر شعير في رفّ لي- أي: نصف وسق- فأكلت منه حتّى طال عليّ فكلته ففني.
قالت: توفّي رسول الله ﷺ؛ وليس عندي شيء يأكله ذو كبد) شامل لكل حيوان، (إلّا شطر شعير) قال التّرمذي: أي: شيء من شعير.
وقال ابن الأثير: قيل: نصف مكوك، وقيل: نصف وسق. ويقال: شطر وشطير؛ مثل نصف ونصيف؛ انتهى ذكره الشّمنّي في «حواشي الشفاء»
([في رفّ لي]) - بفتح الراء وشد الفاء مكسورة-: خشب يرفع عن الأرض في البيت، يوضع فيه ما يراد حفظه؛ قاله القاضي عياض.
وفي «الصّحاح»: الرفّ شبه الطاق في الحائط. قيل: وهو أقرب هاهنا، لأن الخشب لا يحتمل وضع هذا المقدار عليه، وفيه نظر لقلّته؛ ذكره الزرقاني.
وقال المصنف تبعا للباجوري؛ في تفسير قوله شطر شعير: (أي: نصف وسق) .
قالت عائشة: (فأكلت منه حتّى طال عليّ) - بتشديد الياء- (فكلته) - بكسر الكاف- (ففني) . زادت في رواية: «فياليتني لم أكله» .
فإن قيل: مقتضى هذا أنّ الكيل سبب لعدم البركة، فيعارض قوله ﷺ:
«كيلوا طعامكم؛ يبارك لكم فيه» رواه البخاري وأحمد عن المقدام بن معدي كرب؟ وفي الباب غيره!؟
أجيب: بأن البركة عند البيع، ودخوله البيت، وعدمها عند النفقة، وبأن المراد أن يكيله بشرط بقاء الباقي مجهولا، أو لأن الكيل عند الشراء مطلوب لتعلّق حق المتبايعين؛ فلذا ندب، وحصلت البركة فيه!! لامتثال أمر الشارع، بخلاف كيله عند الإنفاق للاختبار، فقد يبعث عليه الشح؛ فلذا كره وذهبت بركته.
والحاصل: أنّ مجرد الكيل إنما يحصّل البركة بقصد الامتثال فيما شرع كيله،
[ ٢ / ٥٣ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول، وربّما وقف في حلقه فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء.
وعن سهل بن سعد رضي الله تعالى عنهما أنّه قيل له: أكل
ومجرد عدمه إنما ينزعها إذا انضم إليه الاختبار والمعارضة، ولذا قال القرطبي:
سبب رفع النّما الالتفات بعين الحرص مع معاينة إدرار نعم الله ومواهب كراماته وكثرة بركاته، والغافلة عن الشّكر عليها، والثّقة بالذي وهبها، والميل إلى الأسباب المعتادة عند مشاهدة خرق العادة. انتهى «زرقاني على «المواهب»» .
(و) في «الإحياء» مع الشرح: (كان رسول الله ﷺ يأكل خبز الشّعير غير منخول) من نخالته.
وفي هذا تركه ﷺ التكلّف والاعتناء بشأن الطّعام، فإنّه لا يعتني به إلّا أهل البطالة والغافلة.
قال العراقي: رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. انتهى.
قلت: ورواه مسلم والترمذي نحوه. انتهى كلام «شرح الإحياء» .
(وربّما وقف في حلقه؛ فلا يسيغه إلّا بجرعة من ماء) .
هذه الزيادة غير موجودة في «الإحياء» !.
(و) أخرج البخاري والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لهما-.
(عن سهل) - بفتح السين المهملة وسكون الهاء- (بن سعد) بن مالك بن خالد الأنصاري الخزرجي الساعدي: أبي العباس.
له ولأبيه صحبة وهو آخر من مات من الصحب بالمدينة المنورة، مات سنة:
- ٨٨- ثمان وثمانين أو إحدى وتسعين وعمره جاوز المائة (رضي الله تعالى عنهما أنّه) أي: الشأن (قيل له) أي لسهل (: أكل) هو استفهام بحذف الهمزة،
[ ٢ / ٥٤ ]
رسول الله ﷺ النّقيّ يعني: الحوّارى؟
فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ حتّى لقي الله ﷿.
فقيل له: هل كانت لكم مناخل على عهد رسول الله ﷺ؟ قال: ما كانت لنا مناخل.
أي: قال بعضهم له على وجه الإستفهام: أأكل (رسول الله ﷺ النّقيّ؟) - بفتح النون وكسر القاف وتشديد الياء- أي: الخبز المنقّى من النّخالة، أي: المنخول دقيقه.
وأما النّفي بالفاء: فهو ما ترامت به الرحى؛ كما قاله الزمخشري.
(يعني) أي: يريد سهل بالنقي (الحوّارى) تفسير من الراوي أدرجه في الخبر. وهو- بضمّ الحاء المهملة وتشديد الواو وفتح الراء، وفي آخره ألف تأنيث مقصور-: ما حوّر من الدّقيق بنخله مرارا، فهو خلاصة الدقيق وأبيضه، وكل ما بيض من الطعام كالأرز. وقصره على الأول تقصير.
(فقال سهل: ما رأى رسول الله ﷺ النّقيّ)، أجابه بنفي الرؤية مع أن السؤال عن الأكل! لأنّه يلزم من نفي رؤيته نفي أكله. وإنما عدل عن نفي الأكل!! لأن نفي الرؤية أبلغ. أي: ما رآه فضلا عن أكله (حتّى لقي الله ﷿) أي: حتى فارق الدّنيا، لأن الميت بمجرّد خروج روحه تأهّل للقاء ربه، إذ الحائل بين الله وبين العبد هو التعلقات الجسمانية، فبعد قطعها يلاقيه؛ إمّا بصفاته الجلالية، أو الجمالية.
(فقيل له) أي لسهل (: هل كانت لكم) معشر الصحابة من المهاجرين والأنصار (مناخل) جمع منخل- بضم الميم والخاء المعجمة- وهو: اسم آلة على غير قياس، إذ القياس كسر الميم وفتح الخاء (على عهد) أي: في زمن (رسول الله ﷺ؟)
(قال) أي سهل (: ما كانت لنا مناخل) أي: في عهده ﷺ وزمانه ليطابق
[ ٢ / ٥٥ ]
قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟
قال: كنّا ننفخه فيطير منه ما طار، ثمّ نعجنه.
وفي رواية له: هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى.
الجواب السؤال، وليوافق ما في الواقع. إذ بعده ﷺ كانت لهم ولغيرهم مناخل ممن لم يثبت على حاله. ولذا قيل: المنخل أوّل بدعة في الإسلام.
وفي «صحيح مسلم» عن الحسن أنّ عائذ بن عمرو- وكان من أصحاب رسول الله ﷺ- دخل على عبيد الله بن زياد الأمير الظالم. فقال: - أي: عائذ بن عمرو-:
أي بني؛ إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ شرّ الرّعاء الحطمة فإيّاك أن تكون منهم» .
فقال له: اجلس فإنما أنت من نخالة أصحاب محمّد ﷺ.
فقال: هل كانت لهم نخالة؟ إنما كانت النخالة بعدهم وفي غيرهم!!.
(قيل: كيف كنتم تصنعون بالشّعير؟) أي: بدقيقه مع ما فيه من النخالة، ولا بد من نخلها ليسهل بلعه!!. (قال: كنّا ننفخه) بضمّ الفاء أي: نطيّره، والاستعمال الأشيع: ننفخ فيه (فيطير منه ما طار) من القشر، (ثمّ نعجنه) - بفتح النون وكسر الجيم؛ من باب ضرب-.
(وفي رواية له) أي: لسهل في البخاري؛ بعد «باب الأطعمة»: (هل كانت لكم في عهد رسول الله ﷺ مناخل؟ فقال: ما رأى النّبيّ ﷺ منخلا من حين ابتعثه الله تعالى حتّى قبضه الله تعالى) .
وبقية الحديث: قلت: كيف كنتم تأكلون الشّعير غير منخول؟ قال: كنّا نطحنه وننفخه فيطير ما طار، وما بقي ثرّيناه فأكلناه.
[ ٢ / ٥٦ ]
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا حتّى لحق بالله،
وقوله ثرّيناه- بمثلاثة وراء ثقيلة مفتوحتين- أي: ندّيناه وليّنّاه بالماء.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: قوله «من حين ابتعثه الله» أظنّه احتراز عما قبل البعثة، لأنه ﷺ توجّه في أيام الفترة مرتين، إلى جانب الشام تاجرا، ووصل إلى بصرى، وحضر في ضيافة بحيرا الراهب، وكانت الشام إذ ذاك مع الروم، والخبز النقي عندهم كثير، والظاهر أنه ﷺ رأى ذلك عندهم.
وأما بعد ظهور النّبوة! فلا شك أنّه في مكة والطائف والمدينة المنورة.
وقد اشتهر أنّ سبيل العيش صار مضيّقا عليه وعلى أكثر أصحابه؛ اضطرارا أو اختيارا. انتهى؛ ذكره في «جمع الوسائل» .
وروى الإمام أحمد عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت: والله الذي بعث محمدا بالحق؛ ما رأى منخلا ولا أكل خبزا منخولا منذ بعثه الله تعالى إلى أن قبض.
قلت: كيف كنتم تصنعون بالشعير؟ قالت: كنا نقول: أف.
قال الغزالي: وهذا لا يقتضي أنّ اتّخاذ المناخل لنخل الطعام منهيّ عنه، وإن كان أبدع بعد رسول الله ﷺ!! لأنّ المنهي عنه بدعة تضادّ سنة، وترفع أمرا من الشرع مع بقاء علّته، وليس نخل الطعام كذلك!! لأن القصد منه تطييب الطّعام، وذلك مباح ما لم ينته إلى التّنعّم المفرط. انتهى.
(وقال أنس رضي الله تعالى عنه: ما أعلم أنّ رسول الله ﷺ رأى رغيفا مرقّقا) - براء مهملة فقافين- وهو: المليّن المحسّن كخبز الحوّارى وشبهه. والترقيق:
التليين.
وفي رواية في «الأطعمة»؛ عن أنس: ما أكل خبزا مرقّقا (حتّى لحق بالله) ﷿.
[ ٢ / ٥٧ ]
ولا رأى شاة سميطا بعينه حتّى لحق بالله. رواه البخاريّ.
و(الشّاة السّميط): هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن، وشويت والمعنى لم يأكل خبزا مليّنا؛ أي: متّخذا من دقيق ناعم، بحيث إذا عجن يلين عجينه، بل كان أكله من نحو الشّعير، الذي يغلب على عجينه اليبس، ولم يكن عندهم مناخل، وذلك سبب لعدم لين خبزهم.
(ولا رأى شاة سميطا) - بمهملتين- من سمط الشاة إذا نتف صوفه؛ بعد إدخاله في الماء الحار.
فإن قلت: القياس سميطة.
قلت: لا؛ إذ الفرق في الشاة ونحوها بين المذكر والمؤنث بالصّفة نحو شاة وحشي ووحشية. أو أن الفعيل بمعنى المفعول؛ يستوي فيه المذكر والمؤنث.
وغرضه أنّه ﷺ ما كان متنعّما في المأكولات؛ قاله الكرماني.
(بعينه) - بالإفراد قاله القسطلّانيّ- (حتّى لحق بالله) تعالى.
وفي رواية: حتّى لقي الله تعالى.
قال القسطلّانيّ: وهذا يعارضه ما ثبت أنّه ﷺ أكل الكراع؛ وهو لا يؤكل إلّا مسموطا. انتهى.
ولا معارضة، إذ نفي رؤية الشاة بتمامها سميطا؛ لا ينفي رؤية الأكارع؛ كما هو بيّن!!
(رواه البخاريّ) في «الرقاق» بلفظه، و«الأطعمة» بنحوه؛
عن قتادة قال: «كنّا عند أنس وعنده خبّاز له، فقال: كلوا، ما أعلم »
الحديث. ولم يعرف الحافظ ابن حجر اسم الخباز.
وفي الطّبراني: «كان لأنس غلام يخبز له الحوّارى ويعجنه بالسمن، فقال:
كلوا » الحديث.
(والشّاة السّميط: هي الّتي أزيل شعرها بالماء المسخّن؛ وشويت
[ ٢ / ٥٨ ]
بجلدها، وهو من فعل المترفّهين.
وعن قتادة، عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان، ولا في سكرّجة،
بجلدها) وإنما يصنع ذلك في الصغير السّن، (وهو من فعل المترفّهين)، أي الأغنياء المتنعّمين. وإنما كان هذا من فعلهم! لأنهم لا يفوت غرضهم لزيادة ثمن مثل هذا، ولأن المسلوخ ينتفع بجلده في اللّبس وغيره، والسّمط يفسده. والمترفّه لا يبالي بفوات ذلك.
(و) أخرج البخاري والنسائي وابن ماجه والترمذي في «الشمائل» - واللفظ له- (عن قتادة) بن دعامة السدوسي رحمه الله تعالى
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: ما أكل نبيّ الله ﷺ على خوان) لما فيه من الترفّه والتكبّر، والخوان- بكسر أوله المعجم ويضم-: وهو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه كالكراسي المعتادة عند أهل الأمصار، وهو فارسيّ معرّب. يعتاد المتكبرون من العجم الأكل عليه كيلا تنخفض رؤوسهم. فالأكل عليه بدعة، لكنه جائز؛ إن خلا عن قصد التكبر.
(ولا في سكرّجة) - بضمّ السين المهملة والكاف والراء مع التشديد-، وهي كما قال ابن العربي: إناء صغير يوضع فيه الشيء القليل المشهّي للطّعام الهاضم له؛ كالسّلطة والمخلّل.
وإنما لم يأكل النبي ﷺ في السّكرّجة!! لأنّه لم يأكل حتّى يشبع فيحتاج لاستعمال الهاضم والمشهّي، بل كان لا يأكل إلّا لشدّة الجوع، ولأنها أوعية الألوان؛ ولم تكن الألوان من شأن العرب، إنما كان طعامهم الثّريد عليه مقطّعات اللّحم. قاله الباجوري.
قال في «جمع الوسائل»: والأكل في السّكرّجة من دأب المترفين، وعادة الحريصين على الأكل المفرطين. انتهى.
[ ٢ / ٥٩ ]
ولا خبز له مرقّق. قال قتادة: كانوا يأكلون على هذه السّفر.
و(الخوان): هو مرتفع يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه.
(ولا خبز) - ماض مجهول- (له) أي: لأجله ﷺ (مرقّق) - بصيغة اسم المفعول؛ مرفوع على أنه نائب الفاعل، وهو بتشديد القاف الأولى-:
ما رقّقه الصانع أي جعله رقيقا، وهو الرّقاق- بالضم- يعني لم يكن يخبز له خبز مليّن محسّن مبيّض كالحوّارى، لأنّ عامة خبزهم إنّما كان من الشّعير، والرّقاق إنما يتّخذ من دقيق البرّ، وليس ذا من شأن العرب.
وهذا الحديث إنما يفيد نفي خبزه له، وحديث البخاري يفيد نفي رؤيته له؛ سواء خبز له أو لغيره.
(قال قتادة:) لسائله؛ وهو يونس بن أبي الفرات عبيد البصري- ولفظ الترمذي في «الشمائل» فقلت لقتادة-: فعلام (كانوا يأكلون؟) .
قال: (على هذه السّفر) أي: كانوا يأكلون على هذه السّفر- بضمّ السين المهملة المشددة وفتح الفاء؛ جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطعام كما سيأتي.
والسفرة أخصّ من المائدة؛ وهي ما يمد ويبسط ليؤكل عليه؛ سواء كان من الجلد، أو من الثياب. وممّا يحقّق أنّ المائدة ما يمدّ ويبسط ما جاء في تفسير المائدة حيث قالوا: نزلت سفرة حمراء مدورة.
وقال ابن العربي: رفع الطّعام على الخوان من الترفّه، ووضعه على الأرض إفساد له، فتوسّط الشارع حيث طلب أن يكون على السفرة والمائدة.
وقال الحسن البصري: الأكل على الخوان فعل الملوك، وعلى المنديل فعل العجم، وعلى السفرة فعل العرب، وهو سنة. انتهى (باجوري؛ على «الشمائل») .
(والخوان) - المشهور فيه كسر الخاء المعجمة، ويجوز ضمها- و(هو مرتفع) عن الأرض (يهيّأ ليؤكل الطّعام عليه)، واستعماله لم يزل دأب المترفين،
[ ٢ / ٦٠ ]
و(السّكرّجة): إناء صغير يوضع فيه الشّيء القليل المشهّي للطّعام؛ كالسّلطة.
و(السّفر) - جمع سفرة- وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام.
وعن مسروق
وفيه لغة ثالثة، وهي: إخوان؛ بكسر الهمزة وسكون الخاء المعجمة، ولعله سمي بذلك! لاجتماع الإخوان والأصحاب عنده وحوله. والصحيح أنّه اسم أعجميّ معرب.
(والسّكرّجة) - بضم أحرفه الثلاثة مع تشديد الراء وقد تفتح الراء-
(: إناء صغير يوضع فيه الشّيء القليل المشهّي للطّعام) الهاضم له؛ حول الطعام على المائدة (كالسّلطة) - بفتحات، ويقال لها الزلطة؛ بالزّاي- وكالمخلل وما أشبههما من الجوارش.
(والسّفر) - بضمّ السين المهملة وفتح الفاء- (جمع سفرة؛ وهي: ما يتّخذ من جلد مستدير ليؤكل عليه الطّعام) .
وأصل السّفرة: طعام يتّخذ للمسافر، والغالب حمله في جلد مستدير. فنقل اسمه لذلك الجلد؛ فسمّي به لذلك، كما سميت المزادة راوية. فهو مجاز مرسل علاقته المجاورة.
ولأن للجلد المذكور معاليق تنضمّ وتنفرج، فللانفراج سمّي سفرة، لأنها إذا حلّت معاليقها انفرجت فأسفرت عما فيها. وسمي السّفر سفرا!! لإسفاره عن أخلاق الرّجال.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» (عن) أبي عائشة (مسروق) بن الأجدع- بالجيم والدّال المهملة- ابن مالك بن أميّة بن عبد الله الهمذاني الكوفي التابعي المخضرم، يقال أنه سرق صغيرا ثم وجد؛ فسمي مسروقا.
[ ٢ / ٦١ ]
قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها، فدعت لي بطعام، وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت.
قال: قلت: لم؟
قالت: أذكر الحال الّتي فارق عليها رسول الله ﷺ الدّنيا،
أسلم قبل وفاة النّبيّ ﷺ، وأدرك الصدر الأول من الصحابة؛ كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود. وروى عنهم؛ وعن خبّاب بن الأرتّ، وزيد بن ثابت، وابن عمرو، والمغيرة، وعائشة، رضي الله تعالى عنهم.
روى عنه أبو وائل؛ وهو أكبر منه، وسليم بن أسود والشّعبي والنّخعي والسّبيعي وعبد الله بن مرّة، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة «أحد الفقهاء السبعة» وآخرون.
اتفقوا على جلالته، وتوثيقه، وفضيلته، وإمامته. وكان يصلّي حتى تورّمت قدماه. وتوفي سنة: - ٦٢- اثنتين وستين. وقيل سنة: - ٦٣- ثلاث وستين هجرية كما في «تهذيب الأسماء واللغات» للنّووي.
(قال: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فدعت لي بطعام) أي:
طلبت من خادمها طعاما لأجلي، (وقالت: ما أشبع من طعام فأشاء أن أبكي إلّا بكيت) أي: ما أشبع من مطلق الطعام، فأريد البكاء؛ إلّا بكيت تأسّفا وحزنا على فوات تلك الحالة العليّة، والمرتبة المرضيّة، وهي ما كان عليها رسول الله ﷺ، وكأنها ذكرت هذا اعتذارا، عن عدم اهتمامها بالأكل، كما هو سنة المضياف! ليأكل الضيف بلا خجل.
ومرادها أنه ما يحصل من شبع، إلّا تسبب عنه مشيئتي للبكاء؛ فيوجد مني فورا.
(قال) أي مسروق (: قلت: لم؟) أي: لم تسبّب عن الشبع تلك المشيئة المسبب عنها وجود البكاء فورا.
(قالت: أذكر الحال الّتي فارق) مستقرا (عليها رسول الله ﷺ الدّنيا) .
[ ٢ / ٦٢ ]
والله ما شبع من خبز ولا لحم مرّتين في يوم.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما شبع آل محمّد ﷺ من طعام ثلاثة أيّام تباعا حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم. وروى مسلم: ما شبع آل محمّد يومين من خبز البرّ إلّا وأحدهما تمر.
وحاصله أنّها قالت: كلما شبعت بكيت لتذكّر الحال الّتي فارقت عليها رسول الله ﷺ، وبيّنت تلك الحالة بقولها:
(والله ما شبع من خبز؛ ولا لحم؛ مرّتين في يوم) واحد من أيام عمره، فلم يوجد [يوم] قط شبع فيه مرتين منهما؛ ولا من أحدهما.
قال ابن العربي: الاتساع في الشهوات من المكروهات، وقد نهى الله تعالى قوما عن ذلك في كتابه العزيز فقال أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا [٢٠/ الأحقاف]، وكذا التبسّط في المأكول والموائد والتّجمّع بالألوان، والفواكه، والتقلّل هو المحبوب، والتّواضع هو المحمود المطلوب.
(وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: ما شبع آل محمّد ﷺ) والمراد ب «آله»: هو وآله. ففي رواية لمسلم «ما شبع محمد وأهله» (من طعام ثلاثة أيّام) .
ولمسلم «ثلاث ليال»، فالمراد هنا الأيام بلياليها، كما أنّ المراد اللّيالي بأيّامها؛ كما في «الفتح» (تباعا) - بكسر الفوقية وخفّة الموحدة- أي: متتابعة متتالية، (حتّى قبض. رواه البخاريّ ومسلم) في «الأطعمة» وغيرها.
(وروى مسلم) في «صحيحه» من حديث مسعر بن كدام الهلالي، عن هلال بن حميد، عن عروة، عن عائشة، رضي الله تعالى عنها قالت:
(ما شبع آل محمّد يومين من خبز البرّ) القمح (إلّا وأحدهما) أي اليومين (تمر) لقلة خبز البرّ. وأخرجه البخاري من هذا الطريق عنها بلفظ «ما أكل آل
[ ٢ / ٦٣ ]
وروى مسلم أيضا: عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لقد مات رسول الله ﷺ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين. وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض.
وفي رواية عنها أيضا: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء.. لأعطاه الله ﷿ ما لا يخطر ببال.
محمّد أكلتين في يوم إلّا وإحداهما تمر» . ولأبي ذر «تمرا» بالنصب. إما على تقدير إلّا كانت إحداهما تمرا؛ وإما جعل إحداهما تمرا!!
(وروى مسلم أيضا عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لقد مات رسول الله ﷺ؛ وما شبع من خبز وزيت في يوم واحد مرّتين) . خصّت الزيت! لأنهم كانوا يأتدمونه كثيرا، ومع ذلك لم يأكله في اليوم إلّا مرة زهدا في الدنيا.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل»؛ (عنها) أي: عائشة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما شبع رسول الله ﷺ من خبز الشّعير يومين متتابعين حتّى قبض)، لاجتنابه الشّبع وإيثاره الجوع.
ولا يناقضه خبر أبي الهيثم «فلمّا أن شبعوا» ! لأن ذلك الشّبع كان من الشاة.
ولا قوله في خبر آخر حين عرضت عليه الدّنيا واختار الفاقة؛ وقال: «أريد أن أجوع يوما فأصبر، وأشبع يوما فأشكر» ! لأنها بيّنت جنس ما لم يشبع منه؛ وهو خبز الشعير.
(وفي رواية عنها أيضا) رواها البخاري (: ما شبع) - بكسر الموحدة- أي ما أكل حتى شبع (رسول الله ﷺ من خبز شعير يومين متواليين، ولو شاء) الدنيا وترفها ونعيمها (لأعطاه الله ﷿ ما لا يخطر) - بضم الطاء المهملة وكسرها- يقال خطر يخطر خطورا: إذا ذكر وتصوّر- (ببال) البال: القلب والعقل والفكر،
[ ٢ / ٦٤ ]
قال القسطلّاني في «المواهب»: (وقد تتبّعت هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش. نعم.. روي أمره بتصغيرها في حديث عن عائشة رضي الله تعالى عنها، رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده.. يبارك لكم فيه» .
وكان شيخي العارف الرّبّانيّ
أي: يعطيه منها كل أمر نفيس لم يتصوّره أحد من الناس، لجلالته وعظمته، وكونه لم يعهد مثله حتى يعرف قدره.
(قال) العلامة أبو العباس أحمد بن محمد شهاب الدين (القسطلّاني) رحمه الله تعالى (في) كتابه («المواهب) اللّدنيّة» في النوع الأول؛ من الفصل الثالث في المقصد الثالث:
(وقد تتبّعت! هل كانت أقراص خبزه ﷺ صغارا؛ أم كبارا؟ فلم أجد في ذلك شيئا بعد التّفتيش.
نعم؛ روي أمره بتصغيرها في حديث) عند الديلمي، من طريق عبد الله بن إبراهيم قال: حدثنا جابر بن سليم الأنصاري عن يحيى بن سعيد عن عمرة (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ رفعته بلفظ: «صغّروا الخبز، وأكثروا عدده؛ يبارك لكم فيه») وهو واه جدا بحيث ذكره ابن الجوزي في «الموضوعات» . وقال: إنّ المتّهم بوضعه جابر بن سليم الأنصاري.
(وكان شيخي) وقدوتي (العارف الرّبّاني) هو العالم المعلّم، الذي يغذو النّاس بصغار العلوم قبل كبارها. وقال محمد بن الحنفية- لما مات عبد الله بن عبّاس- اليوم مات ربانيّ هذه الأمّة.
وروي عن علي أنّه قال: الناس ثلاثة: عالم ربّاني، ومتعلم على سبيل نجاة،
[ ٢ / ٦٥ ]
إبراهيم المتبوليّ
وهمج رعاع أتباع كلّ ناعق. والربّاني، العالم الرّاسخ في العلم والدّين، أو العالم العامل المعلّم، أو العالي الدّرجة في العلم.
وقيل: الرّباني المتألّه العارف بالله تعالى برهان العارفين: أبو إسحاق (إبراهيم) بن علي بن عمر (المتبوليّ) الأنصاري الأحمدي.
والمتبولي نسبة إلى محلة «متبول»: قرية بالجيزة؛ من مصر. وكان إمام الأولياء في عصره، وهو أحد شيوخ سيدي علي الخوّاص.
وله كرامات كثيرة؛ منها أنّه كان يرى النّبيّ ﷺ في المنام، فيخبر بذلك أمه؛ فتقول له: يا ولدي؛ إنّما الرجل من يجتمع به في اليقظة. فلمّا صار يجتمع به في اليقظة، ويشاوره في أموره؛ قالت له: الآن قد شرعت في مقام الرّجولية.
وكان إذا جاءه رجل يطلب تسكين شهوته؛ يقول: تطلب مرة أو دائما؟ فإن قال مرة، شدّ وسطه بخيط فما دام كذلك لا تتحرك شهوته، وإن قال أبدا، مسح ظهره فلا يشتهي النّساء حتى يموت. وكراماته كثيرة؛ ذكرها المصنف في «جامع كرامات الأولياء» .
وكان متعبّده في بركة الحاج مشهور، وخرج إلى القدس؛ فمات في الطريق، فدفن بقرية سدود من أرض فلسطين؛ عند سلمان الفارسي سنة: نيف وثمانين وثمانمائة هجرية.
وذكر الشعراني في «الأخلاق المتبولية» أنه عاش مائة وتسع سنين- بتقديم المثنّاة على المهملة-. قال المناوي: وذكر «شارح القاموس»: أنّ من ولده الإمام الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد المتبولي «١» . أخذ عن السيوطي وابن حجر المكي وشرح «الجامع الصغير» . انتهى كلام شارح القاموس.
_________________
(١) توفي سنة: ألف وثلاث، رحمه الله تعالى «هامش الأصل» .
[ ٢ / ٦٦ ]
يصغّر أرغفة سماطه، كالشيخ أبي العبّاس أحمد البدويّ
وفيه نظر؟ فإن الشّعراني صرّح في «الطّبقات» بأنّ إبراهيم المتبولي لم يتزوّج. وكان يقول: ما في ظهري أولاد! حتى أتزوّج بقصدهم! فالظاهر أنّ أحمد المتبولي شارح «الجامع الصغير» رجل منسوب إلى «متبولة»، المحلّة المذكورة، وليس هو من ذرية القطب البرهان المتبولي. والله أعلم!؟
(يصغّر أرغفة) - جمع رغيف- من الخبز؛ مشتق من الرّغف كالمنع جمعك العجين تكتله بيدك. أي: يأمر بجعل أقراص الخبز صغارا يقدّمها على (سماطه) يمدّ عليه الطعام.
(كالشّيخ) أي: مثل فعل الشيخ العارف بالله تعالى السيد الشريف الحسيب النسيب سيدي (أبي العبّاس أحمد) بن علي (البدويّ) الغوث الكبير، والقطب الشهير.
أحد أركان الولاية الذين اجتمعت الأمة على اعتقادهم ومحبتهم. وشهرته في جميع الأقطار تغني عن تعريفه، ولقب ب «البدوي» لكثرة ما كان يتلثّم.
وكانت ولادته بمدينة فاس؛ من أرض المغرب، فلما بلغ سبع سنين انتقل والده بعائلته إلى مكّة المشرّفة، وكان ذلك سنة: ثلاث وستمائة.
فقرأ القرآن بمكّة وحفظه غيبا، ثم انتقل إلى مصر، واشتغل بالعلم على مذهب الإمام الشّافعي مدة، حتى حدث له حادث الوله، فترك ذلك.
وله كرامات كثيرة؛
منها قصة المرأة التي أسر ابنها الفرنج فلاذت به، فأحضره في قيوده.
ومرّ به رجل يحمل قربة لبن، فأشار بإصبعه إليها، فانفذت فخرجت منها حية انتفخت. وكراماته تتجاوز العدّ والحدّ. وهو إمام الأولياء وأحد أفراد العالم.
قال المتبولي: قال لي رسول الله ﷺ: ما في أولياء مصر بعد محمد بن إدريس [الشافعي]؟! أكبر فتوّة من أحمد البدوي! ثم نفيسة، ثم شرف الدين الكردي، ثم المنوفي.
[ ٢ / ٦٧ ]
والسّادات بني الوفاء. أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: خرج- تعني النّبيّ ﷺ- من الدّنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، كان إذا شبع من التّمر.. لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير.. لم يشبع من التّمر.
وكانت وفاة صاحب الترجمة سنة: - ٦٧٥- خمس وسبعين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى.
(والسّادات) إكسير معارف السعادات، أولي المواهب العليّة والحقائق المحمّديّة (بني الوفاء) الذين لم يشتهر ب «السّادات» في مصر أحد سواهم؛ كسيدي محمد بن محمد وفاء السكندري الأصل، ثم المغربي ثم المصري؛ الشاذلي المالكي الصّوفي الكبير الشهير، وولده سيدي علي بن محمد وفاء الصّوفي الولي الكبير الشّهير أحد أفراد الزّمان، وبحور العرفان.
قال الإمام الشعراني في حقه: طالعت كثيرا وقليلا من كلام الأولياء! فما رأيت أكثر علما؛ ولا أرقى مشهدا من كلام سيدي علي وفاء!!
قال الشعراني: وسمي والده «وفاء» !! لأن بحر النيل توقف، فلم يزد إلى أوان الوفاء، فعزم أهل مصر على الرحيل، فجاء إلى البحر وقال: اطلع بإذن الله تعالى. فطلع ذلك اليوم سبعة عشر ذراعا، وأوفى فسمّوه «وفاء» . انتهى.
وتراجمهم مذكورة في «طبقات» الشّعراني والمناوي، «وجامع كرامات الأولياء» . (أعاد الله تعالى علينا من بركاتهم) وواصل إمداداتهم إلينا. آمين
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات» من طريق عمران بن زيد المدني قال:
حدثني والدي (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
خرج- تعني) أي: تريد (النّبيﷺ- من الدّنيا) أي: مات (ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين؛ كان إذا شبع من التّمر لم يشبع من الشّعير، وإذا شبع من الشّعير لم يشبع من التّمر)
[ ٢ / ٦٨ ]
قال القسطلّاني: (واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل.
وقد روى النّسائيّ
وليس في هذا ما يدلّ على ترك الجمع بين نوعين من الطّعام، إذ صريحه عدم امتلائه منهما، أما الجمع فقدر آخر، فقد جمع ﷺ القثاء بالرّطب.
ثم هذه الأحاديث السابقة لا تنافي أنّه كان في آخر حياته يدّخر قوت عياله سنة، لأنّه كان يعرض له حاجة المحتاج فيخرج فيها ما كان ادّخره؛ ولا يبقي منه بقية.
فصدق أنّه لم يشبع، وأنّ أصحابه لم يشبعوا، وأنّه ادّخر قوت سنة. كذا قاله المناوي وغيره؛ أخذا من كلام النووي في «شرح مسلم» .
وقال في «جمع الوسائل»: وفيه أنّه يلزم منه أنّ تضييق الحال كان في أواخر السنة، والحال أن الأحاديث تعمّ الأحوال، فالأحسن في الجواب أن يقال: إنّما كان يدّخر قوتهم؛ لا على وجه الشّبع، أو أنّه كان لا يدّخر لنفسه. فما كانوا يشبعون معه ﷺ في بعض الأوقات، مع أنّه لا تصريح في الحديث أنّهم كانوا لا يشبعون من القلة، وإنما كان عادتهم عدم الشّبع. نعم؛ ما كانوا يجدون من لذيذ الأطعمة المؤدية إلى الشّبع غالبا. والله أعلم. انتهى.
(قال) العلامة الشهاب (القسطلّانيّ) في «المواهب»:
(واعلم أنّ الشّبع بدعة ظهرت بعد القرن الأوّل) . قال بعضهم: الشّبع نهر في النفس يرده الشيطان، والجوع نهر في الروح ترده الملائكة.
(وقد روى) الترمذي و(النّسائيّ) - بفتح النّون والسّين المهملة المخففة بعدها ألف ممدودة؛ منسوب إلى «نسا» مدينة بخراسان، ويقال في النسب إليها نسوي أيضا. انتهى. وقال بعضهم:
والنّسئيّ نسبة لنسأ مدينة في الوزن مثل سبأ
والنّسائي هو: أحمد بن شعيب بن علي بن سنان بن بحر بن دينار.
أبو عبد الرحمن، الحافظ مصنف السنن، وأحد الأئمة المبرزين.
[ ٢ / ٦٩ ]
وابن ماجه
قال الدارقطني: كان النّسائي أفقه مشايخ مصر في عصره، وأعرفهم بالصحيح والسّقيم، وأعلمهم بالرّجال ولم يكن مثله، ولا أقدّم عليه أحدا!. ولم يكن في الورع مثله، يقدّم على كل من يذكر بهذا العلم من أهل عصره.
وقال ابن يونس: كان إماما في الحديث ثقة، ثبتا حافظا، وكان مولده سنة:
- ٢١٤- أربع عشرة ومائتين، وكان خروجه من مصر في ذي القعدة سنة: - ٣٠٢- اثنتين وثلثمائة إلى دمشق فوقعت له بها كائنة، ثم حمل إلى مكّة ومات بها في شعبان سنة: - ٣٠٣- ثلاث وثلثمائة؛ قاله الدارقطني، وابن منده. رحمهم الله تعالى.
آمين
(و) الحافظ أبو عبد الله محمد بن يزيد (ابن ماجه) القزويني- بفتح القاف وسكون الزاي المعجمة وكسر الواو وسكون التحتية ثم نون- نسبة لقزوين: أشهر مدن عراق العجم
قال العراقي: الربعي نسبة إلى ربيعة «مولاهم»، و«ماجه» بالهاء وصلا ووقفا، وهو لقب لأبيه يزيد.
وابن ماجه: الحافظ إمام كبير من أئمة المسلمين، متقن مقبول بالاتفاق، صنف «التفسير»، و«التاريخ»، و«السنن» وتقرن سننه بالكتب الخمسة.
وأوّل من قرنه بها الحافظ أبو الفضل بن طاهر، وتبعه عليه من بعده، فصار أحد الكتب الستّة، وجرى على ذلك أصحاب الأطراف، وأسماء الرجال.
ومن نظر في كتابه علم منزلته من حسن الترتيب وغزارة الأبواب وقلّة الأحاديث الزائدة على القصد، بالتبويب وترك التكرار- إلا نادرا جدا- والمقاطيع والمراسيل والموقوفات، ونحو ذلك.
وكانت ولادة ابن ماجه سنة: - ٢٠٩- تسع ومائتين، ورحل إلى البلدان، وسمع بمكة، والمدينة، ومصر، والشام، والعراق، والرّي، ونيسابور، والبصرة.
[ ٢ / ٧٠ ]
وصحّحه الحاكم
قال السخاوي: ولم أر أحدا ذكره في طبقات الشافعية، وإن كان الميل في غالب أئمة الحديث لعدم التقليد.
وكانت وفاته سنة: - ٢٧٣- ثلاث وسبعين ومائتين، فعمره: أربع وستون سنة تقريبا رحمه الله تعالى.
(وصحّحه الحاكم)، قال في «الفتح»: وإسناده حسن.
والحاكم هو أبو عبد الله محمد بن عبد الله النيسابوري المعروف ب «ابن البيع» .
ولد بنيسابور في شهر ربيع الأول سنة: - ٣٢١- إحدى وعشرين وثلثمائة.
وتوفي بها في يوم الأربعاء ثالث صفر سنة: - ٤٠٥- خمس وأربعمائة.
طلب العلم من الصغر باعتناء والده وخاله، وأول سماعه سنة ثلاثين، وأكثر من الشيوخ أكثرهم من نيسابور، وله فيها نحو ألف شيخ وفي غيرها نحو ألف شيخ أيضا.
روى عنه خلق كثير؛ من أجلّهم البيهقي والدارقطني؛ وهو من شيوخه، ورحل إليه من البلاد الشاسعة لسعة علمه وروايته واتفاق العلماء على أنّه من أعلام الأمّة الذين حفظ الله بهم هذا الدين، وحدّث عنه في حياته، وكان يرجع إلى قوله حفاظ عصره.
وكتابه «المستدرك» - بفتح الراء- سمي به! لأنه استدرك فيه الزائد على «الصحيحين» من الصحيح مما هو على شرطهما؛ أو شرط أحدهما؛ أو ما ليس على شرط واحد منهما، وربّما أورد فيه ما هو فيهما؛ أو في أحدهما سهوا، وربما أورد فيه ما لم يصحّ عنده منبّها على ذلك. وهو متساهل في التصحيح.
قال النووي في «شرح المهذب»: اتفق الحفاظ على أن تلميذه البيهقي أشدّ تحرّيا منه. وقد لخّص الذهبي «المستدرك» وتعقب كثيرا منه بالضعف والنكارة،
[ ٢ / ٧١ ]
من حديث المقدام بن معدي كرب: أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم وعاء شرّا من بطنه، حسب ابن آدم لقيمات
وجمع جزآ فيه الأحاديث التي هي فيه وهي موضوعة؛ فذكر نحو مائة حديث.
قال أبو موسى المديني: إنّ الحاكم اغتسل في الحمام وخرج؛ وقال: آه.
وقبضت روحه وهو متّزر لم يلبس قميصه بعد رحمه الله تعالى.
(من حديث المقدام) - بالميم أوله وآخره- (بن معدي كرب) - بفتح الكاف وكسر الراء، أما الباء الموحدة! فيجوز كسرها مع التنوين، ويجوز فتحها على البناء- وهو أبو كريمة المقدام بن معدي كرب بن عمرو بن يزيد بن معدي كرب الكندي.
وفد على رسول الله ﷺ في وفد كندة، عداده في أهل الشّام سكن حمص.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وأربعون حديثا.
وتوفي بالشّام سنة: سبع وثمانين؛ وهو ابن إحدى وتسعين سنة رضي الله تعالى عنه.
(أنّ رسول الله ﷺ قال: «ما ملأ ابن آدم) - وفي رواية: آدمي- (وعاء شرّا من بطنه) لما فاته من الخير الكثير، حيث جعل بطنه كالأوعية، التي تجعل ظروفا، وتوهينا لشأنه، ثم جعله شرّ الأوعية، لأنها تستعمل في غير ما هي له، والبطن خلق ليتقوّم به الصلب بالطّعام، وامتلاؤه يفضي إلى إفساد الدين والدنيا؛ فيكون شرّا منها.
ووجه ثبوت الوصف في المفضّل عليه!! أنّ ملء الأوعية لا يخلو عن طمع أو حرص، وكلاهما شرّ، والشّبع يوقع في مداحض فيزيغ عن الحق، ويغلب عليه الكسل، فيمنعه التعبّد، وتكثر فيه موادّ الفضول؛ فيكثر غضبه، وشهوته، ويزيد حرصه، فيطلب الزائد عن الحاجة.
(حسب ابن آدم) أي: يكفيه (لقيمات) جمع قلة؛ فهو لما دون العشرة.
[ ٢ / ٧٢ ]
يقمن صلبه، فإن غلبت الآدميّ نفسه.. فثلث للطّعام، وثلث للشّراب، وثلث للنّفس» .
قال القرطبيّ:
قاله الغزالي. وفي رواية: «أكلات» بفتح الهمزة والكاف؛ جمع أكلة- بالضمّ- وهي: اللّقمة. أي: يكفيه هذا القدر في سدّ الرّمق، وإمساك القوّة، ولذا قال:
(يقمن صلبه) أي: ظهره! تسمية للكلّ باسم جزئه، إذ كلّ شيء من الظهر فيه فقار، فهو صلب كناية عن أنّه لا يتجاوز ما يحفظه من السقوط، ويتقوّى به على الطّاعة.
(فإن غلبت الآدميّ نفسه) وفي رواية «فإن كان لا محالة»؛ (فثلث للطّعام، وثلث) يجعله (للشّراب)؛ أي: المشروب (وثلث للنّفس») - بفتحتين- وفي رواية: لطعامه.. لشرابه.. لنفسه. بالضمير في الثلاثة، وهذا غاية ما اختير للأكل، وهو أنفع للبدن والقلب، فإن البدن إذا امتلأ طعاما؛ ضاق عن الشّراب، فإذا ورد عليه الشّراب ضاق عن النّفس، وعرض الكرب والثّقل.
وقسم إلى الثلاثة!! لأن الإنسان فيه أرضي، ومائي، وهوائي، وترك الناري! لأنّه ليس في البدن جزء ناري، كما قاله جمع من الأطباء؛ قاله ابن القيّم الحنبلي رحمه الله تعالى.
(قال) العلامة الإمام الشّيخ محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح- بإسكان الراء والحاء المهملة- الأنصاري الأندلسي أبو عبد الله (القرطبيّ) المفسّر:
كان من عباد الله الصّالحين، والعلماء العارفين الورعين؛ الزاهدين في الدنيا، المشغولين بما يعنيهم من أمور الآخرة، أوقاته معمورة ما بين توجّه، وعبادة، وتصنيف؛
جمع في تفسير القرآن كتابا كبيرا في اثني عشر مجلدا؛ سماه كتاب «جامع أحكام القرآن المبيّن لما تضمن من السنّة وآي القرآن» وهو من أجلّ التفاسير!
[ ٢ / ٧٣ ]
لو سمع بقراط هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة)
وأعظمها نفعا! أسقط منه القصص والتواريخ، وأثبت عوضها أحكام القرآن، واستنباط الأدلّة، وذكر القراآت والإعراب، والناسخ والمنسوخ.
وله كتاب «شرح أسماء الله الحسنى»، وكتاب «التذكار في أفضل الأذكار» وضعه على طريقة «التبيان» للنووي؛ لكن هذا أتمّ منه، وأكثر علما.
وكتاب «التذكرة بأمور الآخرة» مجلدين، وكتاب «شرح التقصّي»، وكتاب «قمع الحرص بالزهد والقناعة ورد ذلّ السؤال بالكتب والشفاعة» . وله أرجوزة؛ جمع فيها أسماء النّبيّ ﷺ. وله تاليف وتعاليق مفيدة غير هذه.
وكان قد طرح التكلّف، يمشي بثوب واحد؛ وعلى رأسه طاقية.
سمع من الشيخ أبي العباس: أحمد بن عمر القرطبي، مؤلف كتاب «المفهم شرح صحيح مسلم» بعض هذا الشرح، وحدّث عن أبي علي: الحسن بن محمد بن محمد البكري وغيرهما.
وكان مستقرا بمصر، ب «منية بني خصيب»، وتوفي بها ودفن بها؛ في شوال سنة: - ٦٧١- إحدى وسبعين وستمائة رحمه الله تعالى.
قال في كتابه «شرح أسماء الله الحسنى» كما نقله عنه شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: (لو سمع بقراط) - بضم الباء- (هذه القسمة لعجب من هذه الحكمة!!)، لأنها أرجح وأتمّ ممّا يتخيّلونه في نفوسهم، إذ هو بالحدس والتخمين، وهذا ممّن لا ينطق عن الهوى.
وقال الغزالي: ذكر هذا الحديث لبعض الفلاسفة؛ فقال: ما سمعت كلاما في قلة الأكل أحكم منه. وإنّما خصّ الثلاثة: الطّعام والشّراب والنّفس بالذكر!! لأنها أسباب حياة الحيوان، إذ لا بدّ له من الثلاثة، ولأنه لا يدخل البطن سواها.
وهل المراد بالثلث المساوي حقيقة على ظاهر الخبر؟ والطريق إليه غلبة الظّن!! أو المراد التقسيم إلى ثلاثة أقسام متقاربة؟؛ وإن لم يغلب ظنّه بالثلث
[ ٢ / ٧٤ ]
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه
الحقيقي!؟ محلّ احتمال. قال الحافظ ابن حجر: والأول أولى.
ويحتمل أنّه لمّح بذكر الثّلث إلى قوله في الحديث الآخر «والثّلث كثير» .
انتهى.
وقال غيره: أرجح الاحتمالين الأول، إذ هو المتبادر، والثّاني يحتاج لدليل.
(و) روى الدمياطي في السيرة له- كما في «المواهب» - (عن الحسن رضي الله تعالى عنه) أي: البصري، لأنّه المراد عند الإطلاق مرسلا.
وهو الإمام المشهور، المجمع على جلالته في كلّ فنّ، أبو سعيد الحسن بن [أبي الحسن] يسار التابعي، البصري- بفتح الباء وكسرها- الأنصاري «مولاهم»، مولى زيد بن ثابت. وقيل: مولى جميل بن قطبة.
وأمّه اسمها خيرة، مولاة لأم المؤمنين أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها.
ولد الحسن لسنتين بقيتا من خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، قالوا: فربما خرجت أمّه في شغل فيبكي؛ فتعطيه أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها ثديها فيدر عليه، فيرون أن تلك الفصاحة والحكم من ذلك.
ونشأ الحسن بوادي القرى، وكان فصيحا، رأى طلحة بن عبيد الله وعائشة رضي الله تعالى عنها، ولم يصح له سماع منها!! وقيل: إنّه لقي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه. ولم يصح!
وسمع ابن عمر، وأنسا، وسمرة، وأبا بكرة، وقيس بن عاصم، وجندب بن عبد الله، ومعقل بن يسار، وعمرو بن تغلب- بالمثناة والغين المعجمة- وعبد الرحمن بن سمرة، وأبا برزة الأسلمي، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن المغافل، وأحمد بن جزء، وعائذ بن عمرو المزني الصحابيين رضي الله تعالى عنهم. وسمع خلائق من كبار التابعين وغيرهم.
قال ابن سعد: كان الحسن جامعا، عالما، رفيعا، فقيها، ثقة، مأمونا،
[ ٢ / ٧٥ ]
قال: خطب رسول الله ﷺ، فقال: «والله ما أمسى في آل محمّد صاع من طعام، وإنّها لتسعة أبيات» . والله ما قالها استقلالا لرزق الله ﷾، ولكن أراد أن تتأسّى به أمّته.
وفي «الشّفا» للقاضي عياض رحمه الله تعالى:
عابدا، ناسكا، كثير العلم، فصيحا، جميلا، وسيما.
قدم مكّة، فأجلسوه على سرير واجتمع النّاس إليه؛ فيهم طاووس، وعطاء، ومجاهد، وعمرو بن شعيب، فحدّثهم فقالوا- أو قال بعضهم-: لم ير مثل هذا قط.
وتوفي سنة: - ١١٠- عشر ومائة رحمه الله تعالى عليه. آمين. (قال:
خطب رسول الله ﷺ؛ فقال: «والله؛ ما أمسى في آل محمّد صاع من طعام، وإنّها) أي: آل محمد (لتسعة) أي: أهل تسعة (أبيات») هي أبيات زوجاته.
(والله ما قالها) أي: هذه الكلمة (استقلالا لرزق الله ﷾)، إذ لا يتأتّى ذلك منه، (ولكن أراد أن تتأسّى): تقتدي (به أمّته) في القناعة، والرّضا بالمقسوم.
قال الزرقاني: جزم شيخنا بأن القسم من الحسن راوي الحديث، والأصل أنّه من المرفوع، لأن الإدراج إنما يكون بورود رواية تبيّن القدر المدرج، أو استحالة أنّ المصطفى يقوله!! ولا استحالة هنا، فقد يكون قال ذلك خوفا على بعض أمّته اعتقاد أنّه قاله استقلالا فيهلك بذلك؛ كما قال لرجل مرّ عليه ومعه زوجته صفية:
«إنّها صفيّة؟!» . فقال الرّجل: أفيك يا رسول الله؟! فقال: «خشيت عليك الشّيطان» .
(وفي) كتاب («الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ» (للقاضي) أبي الفضل (عياض) بن موسى اليحصبي- وقد تقدمت ترجمته في أول الكتاب- (رحمه الله تعالى) في (الباب الثاني) في فصل زهده ﷺ «١»:
_________________
(١) بل وردت في بداية الكتاب، عند ذكر المصنف للكتب التي جمع منها كتابه.
[ ٢ / ٧٦ ]
عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: لم يمتلئ جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ، ولم يبثّ شكوى إلى أحد، وكانت الفاقة أحبّ إليه من الغنى،
و: (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: لم يمتلئ) - بهمز- وهو الصحيح (جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة وفتح الموحدة- (قطّ)؛ أي: أبدا، ولعلّ مرادها غالب أحواله، أو شبعا مفرطا غير مناسب لكماله، فإنّ المطلوب تقليل الطّعام، والاقتصار على ما يقوم به الأود، ثم ملء ثلث البطن، فإنّ ثلثا للزاد، وثلثا للماء، وثلثا للنفس- كما مرّ- فإن زاد! فنصفها، وما زاد على ذلك حرص وبطنة غير ممدوحة، وقد يحرم، إن وصّله للضرورة، والتّخمة قصدا، كما أنّ أول مراتبه واجب.
(ولم يبثّ) - بفتح الياء التحتية؛ وضمّ الباء الموحدة وتشديد المثلّثة- أي:
لم يذكر ولم يظهر (شكوى)؛ أي: شكايته، ولا بطريق حكايته، في جميع حالاته (إلى أحد) من أصحابه وزوجاته، لقوله تعالى في ضمن آياته؛ حكاية عن يعقوب، في شدة ما ابتلاه قال نَّما أَشْكُوا بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ
[٨٦/ يوسف] .
فالشكوى إلى الخلق مذمومة، والّذي يليق بمقام العارفين الصبر وكتم ما بهم؛ لا سيما والنّبيّ ﷺ كان يسرّ بكلّ ما يأتيه من الله، ولا يعدّه مؤلما؛ بل يتلذّذ به، فكيف يتصور شكواه؟!.
وإلى هذا أشار بقوله: (وكانت الفاقة): وهي الحاجة الملازمة، المقتضية للصبر (أحبّ إليه من الغنى) المقتضي للشّكر.
وهذا صريح في تفضيل الصبر على الشكر؛ كما ذهب إليه أجلّاء الصوفية، وأكثر علماء الفقه وقد ورد: «لو تعلمون ما لكم عند الله؛ لأحببتم أن تزدادوا فاقة وحاجة» على ما رواه الترمذي؛ عن فضالة بن عبيد رضي الله تعالى عنه. كذا قاله القاري رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٧٧ ]
وإن كان ليظلّ جائعا يلتوي طول ليلته من الجوع
وقد اختلف هل الغنيّ الشّاكر خير أم الفقير الصابر؟!
فذهب إلى كلّ منهما قوم من العلماء، ولكلّ منهم أدلّة مبسوطة في محلّها.
وللعلامة الحافظ محمد بن أبي بكر بن قيّم الجوزية الحنبلي رحمه الله تعالى كتاب «عدة الصابرين» ذكر فيه هذه المسألة بأدلّتها من الجانبين. فليراجع.
وقال الإمام حجّة الإسلام الغزالي رحمه الله تعالى: قد انكشف أنّ الفقر هو الأفضل لكافّة الخلق؛ إلا في موضعين:
١-: غنى يستوي فيه الوجود والعدم، ويستفاد به دعاء المساكين وقضاء حوائجهم، كغنى بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
و٢- فقر يكون مع الضرورة حتى يكاد يكون كفرا؛ فالأول خير محض، وهذا لا خير فيه بوجه من الوجوه.
والممدوح غنى النّفس؛ لا غنى المال من حيث هو، والفضل كلّه في الكفاف، والاقتصار على مقدار الحاجة، ولذا طلبه ﷺ له ولآله. انتهى. نقله الخفاجيّ رحمه الله تعالى.
(وإن) مخفّفة من الثقيلة، أي: وإنّه (كان ليظلّ) - بفتح الظاء المعجمة وتشديد اللام- أي: يكون في طول النّهار (جائعا) - بهمزة مكسورة- (يلتوي) - بتقديم اللّام على التاء الفوقية، وواو مخففة مكسورة- وفي نسخة من «الشّفاء»:
ويتلوّى- بياء مثنّاة مفتوحة وفوقية مفتوحة، ولام كذلك، وواو مشددة مفتوحة، يليها ألف- أي: حال كونه يتقلب ويضطرب (طول ليلته من الجوع)؛ أي: من أجل حرارة لذعته، ولذا ورد «اللهم؛ إنّي أعوذ بك من الجوع، فإنّه بئس الضّجيع» كما رواه الحاكم في «مستدركه» عن ابن مسعود مرفوعا، وهذا كله لكمال زهده في الدّنيا، وصبره على مشاقّها، وإقبال قلبه على الآخرى؛ لرضى المولى وليرشد أمّته لذلك.
[ ٢ / ٧٨ ]
فلا يمنعه صيام يومه، ولو شاء.. سأل ربّه جميع كنوز الأرض وثمارها، ورغد عيشها، ولقد كنت أبكي رحمة له ممّا أرى به وأمسح بيدي على بطنه ممّا به من الجوع، وأقول: نفسي لك الفداء؛
(فلا يمنعه) أي: جوعه (صيام يومه)؛ أي: الذي فيه، ولو كان نفلا، أو صيام يوم عادته في مستقبله. وهذا بيان بعض شدّة حاله.
(ولو شاء) ﷺ الغنى، وما يترتب عليه من التنعّم وحصول المنى.
و«شاء» كثيرا ما يحذف مفعولها بعد «لو» لدلالة جوابها عليه.
(سأل ربّه جميع كنوز الأرض)؛ لا سيما وقد عرضها عليه مولاه (وثمارها) يجوز نصبه عطفا على «جميع»، وجرّه عطفا على «كنوز»، ومثله ما بعده، والثّمار جمع ثمرة، وهي ما يحصل من الأشجار ونحوها؛ وقد يراد به كلّ ما يستفاد من غيره؛ كما يقال ثمرة العلم العمل.
(ورغد) - بفتحتين؛ وقد يسكن ثانيه-، وأصل معنى الرغد: الواسع، يقال: أرغد فلان إذا أصاب رغدا؛ أي: سعة وخصبا وغيره.
(عيشها) أي: سعة معيشتها وطيب منفعتها.
(ولقد كنت أبكي رحمة له ممّا أرى به)، أي: ممّا أشاهده به، أو ممّا أعلمه به، (وأمسح بيدي على بطنه) كأنه بمسحه يستريح بذلك، كما كان يضع الحجر عليه ليبرّده، ويشدّ صلبه؛
وهذا للشفقة (ممّا به من الجوع)، أي: من ألمه.
ثم بينت أنّ ذلك شفقة؛ بقولها: (وأقول: نفسي لك الفداء) . الفداء- بالكسر والفتح؛ والقصر والمد-: هو ما يفدى به الأسير ونحوه، فيجعل عوضا عنه، ويقال: أفديه بنفسي، وبأمي، وبأبي، وبمالي، وقد يقال: بنفسي؛ من
[ ٢ / ٧٩ ]
لو تبلّغت من الدّنيا بما يقوتك؟ فيقول: «يا عائشة؛ ما لي وللدّنيا؟!
غير ذكر للفداء، وتسمّى الباء باء التفدية- بالفاء-.
وهذا جائز بل مستحبّ لصدوره منه ﷺ، فيقال لمن شرف؛ كالحكام، والعلماء، والصلحاء، وأعزة الإخوان، قصدا لتوقيره واستعطافه، ولو كان محظورا- كما قيل- لما قاله ﷺ، ولكان نهى عنه من قاله له، وقد قال له أبو بكر رضي الله تعالى عنه: فديناك بابائنا وأمهاتنا. وقال ﷺ لسعد: «إرم فداك أبي وأمّي» .
ومنعه قوم، لحديث مالك بن فضالة؛ أنّ الزبير رضي الله تعالى عنه دخل عليه ﷺ وهو شاك؛ فقال: كيف تجدك جعلني الله فداك؟، فقال له ﷺ «ما زلت على أعرابيّتك بعد»؟! قيل: ولا حجّة فيه لما ادّعوه، لأن الحديث الواحد لا يقاوم الأحاديث الصحيحة الكثيرة الواردة بخلافه، ولاحتمال أنّه إنّما نهاه عنه لوروده في غير محلّه، لأنّه لا ينبغي أن يقال ذلك للمريض، بل يتوجّع له، ويقال «لا بأس عليك»، و«عافاك الله وشفاك» ونحوه، ولكل مقام مقال، لا لأن القائل له كان أبواه مشركين، ولا لأنه من خصوصياته، لأنّ من قائليه من ليس كذلك، والأصل عدم الخصوصية.
(لو تبلّغت) التبلغ من البلاغ؛ وهو مقدار الكفاية، يقال: تزود من دنياك بالبلاغ؛ مأخوذ من الزّاد الّذي يبلغ به المسافر منزله، وضمّنه هنا معنى «اكتفيت» (من الدّنيا بما يقوتك) - بضم القاف- أي: لو اكتفيت منها بالكفاف من القوت، من غير ضرورة ومخمصة، و«لو» للتمني.
(فيقول) ﷺ (: «يا عائشة ما لي وللدّنيا؟!) قيل: «ما» نافية، أي:
ليس لي ألفة ومحبة مع الدنيا، حتى أرغب فيها، أو استفهامية أي: أيّ ألفة ومحبّة ورغبة لي في الدنيا؟.
[ ٢ / ٨٠ ]
إخواني من أولي العزم من الرّسل صبروا على ما هو أشدّ من هذا، فمضوا على حالهم، فقدموا على ربّهم، فأكرم مابهم، وأجزل ثوابهم، فأجدني أستحيي إن ترفّهت في معيشتي أن يقصّربي
وهذا من إيثاره ﷺ الزّهد، وإظهاره لغنى القلب، ومحبّة تركه لها.
ثم بيّن أنّه مقام عظيم سبق به الرسل عليهم الصّلاة والسّلام، فجرى على طريقهم، فقال: (إخواني من أولي العزم من الرّسل)؛ وهم نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، عليهم الصّلاة والسّلام، على خلاف فيهم. وقد نظم هؤلاء الخمسة بعضهم فقال:
محمّد إبراهيم موسى كليمه فعيسى فنوح هم أولو العزم فاعلم
(صبروا على ما هو أشدّ من هذا)؛ أي: ممّا أنا صابر عليه، لما روي أنّ بعضهم مات من الجوع، وبعضهم من شدّة أذى القمل، وبعضهم من كثرة الجراحات، وشدة الأمراض والعاهات، وقد خصّني الله تعالى فيما حثّني وحضّني على الاقتداء بهم، بقوله ﷾ فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٣٥/ الأحقاف]؛ كذا قال القاري في «شرح الشفا» .
(فمضوا) أي: استمرّوا (على حالهم) الّتي كانوا عليها، راضين بقضاء الله تعالى لهم، صابرين على بلائه، شاكرين على نعمائه؛ إلى أن ماتوا، ولم يطلبوا من ربّهم السّعة، ولا دفع المضرّة؛ نظرا إلى كمال حسن مالهم.
(فقدموا على ربّهم) لاقوه (فأكرم مابهم) أي: أكرمهم الله تعالى في مرجعهم إليه، يقال: آب يؤوب إذا رجع، فهو اسم مكان أو مصدر ميمي (وأجزل ثوابهم)؛ أي: كثّر لهم العطاء والجزاء في دار المقام، (فأجدني أستحيي) - بيائين، وفي نسخة من «الشفاء» بياء واحدة؛ أي: من الله تعالى عند لقائه، (إن ترفّهت) أي: إن تنعّمت (في معيشتي)، وقد كان الله تعالى خيّره ﷺ قبيل موته؛ بين الخلد في الدنيا ولقائه؟ فاختار لقاءه (أن يقصّر بي) - بتشديد الصاد
[ ٢ / ٨١ ]
غدا دونهم، وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني وأخلّائي» .
قالت: فما أقام بعد شهرا حتى توفّي صلوات الله وسلامه عليه.
ثمّ قال رحمه الله تعالى بعد ثلاث ورقات:
المفتوحة؛ مبنيا للمجهول- (غدا) بالمعجمة؛ اليوم الذي بعد يومك، والمراد به الآخرة، جعل الدنيا بمنزلة اليوم الحاضر، والآخرة لكونها بعدها بمنزلة غد.
(دونهم) أي: دون مرتبتهم، وتحت درجتهم، فيكون مقامي دون مقامهم، وهمّتي أن أكون فوق جملتهم. (وما من شيء هو أحبّ إليّ من اللّحوق بإخواني) أي: في الجملة، (وأخلّائي») أي: أحبائي في الملّة؛ والمراد بالإخوان والأخلّاء الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، واللّحوق بهم كونه معهم.
(قالت)؛ أي: عائشة رضي الله تعالى عنها: (فما أقام بعد) - بالبناء على الضمّ- أي: بعد مقالته هذه (شهرا حتّى توفّي صلوات الله وسلامه عليه) غاية لاقامته أي: إلى أن مات وانتقل إلى رحمة ربه واستوفى أيام عمره، وهذا يدل على اختياره الفقر في جميع أمره إلى آخر عمره.
قال الدلجي رحمه الله تعالى: لم أدر من روى هذا الحديث!! لكن روى ابن أبي حاتم؛ في تفسيره عنها قالت: ظلّ رسول الله ﷺ صائما ثم طواه، ثم ظلّ صائما ثمّ طواه، ثم ظل صائما!! قال: «يا عائشة؛ إنّ الدّنيا لا تنبغي لمحمّد ولا لآل محمّد، يا عائشة؛ إنّ الله تعالى لم يرض من أولى العزم من الرّسل إلّا بالصّبر على مكروهها، والصّبر عن محبوبها، ولم يرض منّي إلّا أن يكلّفني ما كلّفهم فقال فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ [٣٥/ الأحقاف]، وإنّي والله لأصبرنّ كما صبروا جهدي ولا قوّة إلّا بالله» . انتهى.
(ثمّ قال)؛ أي: القاضي عياض (رحمه الله تعالى) في «الشفاء» (بعد) نحو (ثلاث ورقات) من الكلام السابق، وذلك قبل فصلين من «الباب الثالث»:
[ ٢ / ٨٢ ]
كان داود ﵊ يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر، ويأكل خبز الشّعير بالملح والرّماد، ويمزج شرابه بالدّموع.
وقيل لعيسى ﵊: لو اتّخذت حمارا؟
فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار.
وكان يلبس الشّعر
(كان داود) على نبينا و(عليه) الصّلاة و(السّلام يلبس الصّوف، ويفترش الشّعر) أي: ما نسج منه، لأنه خشن يمنعه لذة النّوم والاستغراق فيه، المانع له عن ورده، وهذا شعار الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والصّلحاء، ولذا اختاره السّادة الصّوفية.
(ويأكل خبز الشّعير بالملح) لأنّه إدام، (والرّماد) قال ملا علي قاري: لعله أراد به ما اختلط بالخبز واستهلك فيه! وإلّا فأكل الرّماد حرام لما فيه من الضرر.
([ويمزج شرابه بالدّموع]) لكثرة بكائه وعدم خلوّه منه.
وهذا رواه ابن أبي حاتم عن أنس مرفوعا، وعن مجاهد وغيره موقوفا.
(وقيل لعيسى) على نبيّنا و(عليه) الصّلاة و(السّلام) - كما أخرجه الإمام أحمد في «الزهد»، وابن أبي شيبة في «مصنفه» عن ثابت- (لو اتّخذت حمارا) لتركبه لتستريح من المشي؟!
(فقال: أنا أكرم على الله من أن يشغلني بحمار!!) أي: بأن يتعلّق قلبي به وبكلفته وخدمته. ويشغلني- بفتح الغين- من شغله يشغله؛ كسأله يسأله، وأشغله لغة رديئة.
(وكان) كما روى أحمد في «الزهد»؛ عن عبيد بن عمير، ومجاهد والشعبي وابن عساكر في «تاريخه» أنّه كان (يلبس الشّعر) أي: ما نسج منه؛ زيادة في تقشفه.
وإنما كره مالك لبس الصوف لمن يتخذه شعارا له؛ إظهارا لزهده، فإن إخفاءه
[ ٢ / ٨٣ ]
ويأكل الشّجر؛ ولم يكن له بيت، أينما أدركه النّوم.. نام. وكان أحبّ الأسامي إليه أن يقال له: (يا مسكين) .
وقيل: إنّ موسى لمّا ورد ماء مدين كانت ترى خضرة البقل في بطنه من الهزال.
وقال ﷺ:
أفضل، لما فيه من الرّياء (ويأكل الشّجر) أي: ورقه، (ولم يكن له بيت) يأوي إليه؛ (أينما أدركه النّوم) أي: وقت (نام) . أي: ينام في أيّ مكان يجنّ عليه اللّيل فيه.
(وكان أحبّ الأسامي) جمع الأسماء (إليه) أي: الألفاظ التي ينادى بها (أن يقال له «يا مسكين») رغبة في التواضع لعظمة الله ﷿.
وقد رواه أحمد في «الزهد» عن سعيد بن عبد العزيز بلفظ: بلغني أنه ما من كلمة كانت تقال لعيسى بن مريم أحبّ إليه من أن يقال «هذا المسكين» .
(وقيل) - كما رواه الإمام أحمد أيضا في «الزهد»، وابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، موقوفا-:
(إنّ موسى) على نبينا وعليه الصّلاة والسّلام (لمّا ورد ماء مدين)، سمي باسم مدين بن إبراهيم الخليل، وكان ورود موسى ﷺ لماء مدين لمّا فرّ من قبط مصر؛ فلقي ابنتي شعيب على ذلك الماء، وبينه وبين مصر ثماني مراحل أو أكثر؛ في قصته المذكورة في القرآن، وكان موسى ﷺ حافيا؛ من غير زاد وبه جوع شديد، حتّى كانت ترى أمعاؤه،
و(كانت ترى خضرة البقل) الذي كان يأكله موسى ﷺ إذ لم يجد غيره.
والبقل: ما ليس بشجر؛ من النّبات الّذي لا تبقى أرومته وأصوله بعد أخذه، وهو معروف (في بطنه من الهزال) - بضم الهاء وزاي معجمة- ضدّ السّمن.
(وقال ﷺ) كما رواه الحاكم وصححه؛ عن أبي سعيد الخدري رضي الله
[ ٢ / ٨٤ ]
«لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى أحدهم بالفقر والقمل، وكان ذلك أحبّ إليهم من العطاء إليكم» .
تعالى عنه مرفوعا:
(«لقد كان الأنبياء قبلي يبتلى) - بالبناء للمفعول ونائبه- (أحدهم بالفقر) أي: بشدة الحاجة في مطعمه، (والقمل)؛ أي بكثرته في ثوبه وبدنه.
(وكان ذلك) الابتلاء (أحبّ إليهم من العطاء إليكم»)؛ رضا بقضاء المولى، وعلما بأنّ ما أعده الله لهم خير وأبقى، ولفظ الحديث ليس كما ذكره المصنف رحمه الله تعالى.
وهو ما قاله أبو سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه:
قلت: يا رسول الله؛ من أشدّ النّاس بلاء؟ قال: «الأنبياء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «العلماء» . قلت: ثمّ من؟ قال: «الصّالحون؛ كان أحدهم يبتلى بالقمل حتّى يقتله، ويبتلى بالفقر حتّى لا يجد إلّا العباءة يلبسها، ولأحدهم أشدّ فرحا بالبلاء من أحدنا بالعطاء» . وهو صحيح على شرط مسلم.
قيل: وهو يدلّ على أنّ الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام يتسلّط عليهم القمل، ويعرض لهم، لأنه من الأعراض البشرية، إلّا أنّ ابن الملقن رحمه الله تعالى نقل عن ابن سبع أنّ القمل لم يكن يؤذيه ﷺ؛ تكريما له.
ونقل ابن عبد البرّ رحمه الله تعالى في «التمهيد» أنّ نعيم بن حماد ذكر عن ابن المبارك [عن مبارك] بن فضالة عن الحسن رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ كان يقتل القمل في الصّلاة
والظّاهر أن جسده الشّريف لا يتولّد منه القمل، لاعتدال مزاجه الشّريف، وإنّما كان يوجد في ثيابه؛ من الفقراء المجالسين له، وكذا سائر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، ولو قيل: «إنّ ضمير «يبتلى» في حديث الحاكم للصّالحين» ! كان أقرب. انتهى.
[ ٢ / ٨٥ ]
وقال مجاهد: كان طعام يحيى: العشب، وكان يبكي من خشية الله تعالى ﷿، حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه.
وحكى الطّبريّ عن وهب:
وهذا ينافيه ما نقله عن «التمهيد»؛ وقد تقدّم. وفيما قاله دليل على صبر الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام، وعلو همّتهم في النّظر للآخرة. انتهى؛ من شرح الخفاجي على «الشفاء» .
(وقال مجاهد:) رواه الإمام أحمد في «الزهد»، وابن أبي حاتم عنه:
(كان طعام) النّبيّ (يحيى) على نبينا وعليه الصّلاة والسّلام (العشب) - بضمّ العين المهملة- هو النبت الذي يخرج بغير زرع.
(وكان) مع ذلك (يبكي من خشية الله تعالى ﷿) . والخشية: خوف مع تعظيم؛ مع أنّه ما همّ بمعصية (حتّى اتّخذ الدّمع مجرى في خدّه)؛ أي: صار محلّ جريانه منخفضا متميزا عن غيره، لتأثيره بدوام جريانه فيه وذلك لشدة معرفته بربه، لقوله ﷾ إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ [٢٨/ فاطر] .
(وحكى) الإمام الحافظ المجتهد المطلق محمد بن جرير (الطّبري) رحمه الله تعالى- وتقدمت ترجمته- (عن) أبي عبد الله (وهب) بن منبّه التابعي الأنباوي اليماني؛ أخو همام بن منبّه.
وهو تابعي جليل، من المشهورين بمعرفة الكتب الماضية.
سمع جابر بن عبد الله وابن عباس وابن عمرو بن العاصي وأبا سعيد الخدري وأبا هريرة وأنسا والنّعمان بن بشير.
روى عنه عمرو بن دينار وعوف الأعرابي والمغيرة بن حكيم وآخرون.
واتفقوا على توثيقه، توفي سنة: - ١١٤- أربع عشرة ومائة.
وقال ابن سعد: سنة عشر ومائة رحمه الله تعالى؛ قاله النّووي رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٨٦ ]
أنّ موسى ﵊ كان يستظلّ بعريش، ويأكل في نقرة من حجر، ويكرع فيها إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة؛ تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) انتهى.
(أنّ موسى) على نبينا و(عليه) الصّلاة و(السّلام كان يستظلّ بعريش) هو:
كلّ ما يستظلّ به؛ خيمة كان أو خشبا أو نباتا مثلا.
(ويأكل في نقرة) - بضمّ النّون وسكون القاف- أي: حفرة (من حجر) بدلا من ظرف خشب أو خزف، ولا يأكل في آنية، ويضع طعامه في الأرض.
(ويكرع) - بفتح الراء- (فيها) أي: النقرة؛ أي: يأخذ الماء بفيه بأن يكب عليها ويشرب منها بفيه من غير كف ولا إناء؛ (إذا أراد أن يشرب كما تكرع الدّابّة) أي: تشرب بفمها بلا آنية؛ (تواضعا لله تعالى بما أكرمه من كلامه) إذ كلّمه بلا واسطة، كما قال وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيمًا (١٦٤) [النساء] وأخبارهم في هذا المعنى مسطورة، وصفاتهم في الكمال وحسن الأخلاق، وحسن الصورة؛ والشمائل معروفة مشهورة، (انتهى) . أي: كلام القاضي عياض رحمه الله تعالى في «الشفاء» .
[ ٢ / ٨٧ ]
[الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه]
الفصل الثّاني في صفة أكله ﷺ وإدامه عن كعب بن عجرة (الفصل الثاني) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة أكله ﷺ) من الأخبار.
والأكل- بفتح الهمزة-: إدخال الطعام الجامد من الفم إلى البطن؛ سواء كان بقصد التغذّي، أو غيره؛ كالتفكّه، وقد تقدّم الكلام على ذلك.
(و) في بيان ما ورد في (إدامه) ﷺ.
والإدام- بكسر الهمزة-: ما يساغ به الخبز، ويصلح به الطعام.
فيشمل الجامد؛ كاللحم. وفي «النهاية»: الإدام- بالكسر-؛ والأدام- بالضم-: ما يؤكل مع الخبز أيّ شيء كان مائعا أو غيره. انتهى.
وكون اللحم إداما!! إنما هو بحسب اللغة، أما بحسب العرف؛ فلا يسمى «إداما»، ولهذا لو حلف (لا يأكل إداما)؛ لم يحنث بأكل اللحم.
أخرج الطبراني في «الأوسط»؛ (عن) أبي محمد- وقيل: أبي عبد الله، وقيل: أبي إسحاق- (كعب بن عجرة) - بضم العين المهملة، وإسكان الجيم، ثم راء مهملة مفتوحة- ابن أميّة بن عدي بن عبيد بن الحارث بن عمرو بن عوف بن غنم بن سواد- بالتخفيف- البلوي المدني؛ الصحابي الجليل المشهور.
حليف الأنصار- وقال الواقدي: ليس حليفا لهم، وإنما هو من أنفسهم.
وتعقّبه ابن سعد كاتبه؛ بأنّ المشهور أنّه بلوي حالف الأنصاري. ولم نجده في نسب الأنصار-.
[ ٢ / ٨٨ ]
رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث؛ بالإبهام، والّتي تليها، والوسطى
تأخّر إسلامه، وكان له صنم في بيته، فجاءه صديقه عبادة بن الصامت يوما؛ فلم يجده، فدخل البيت فكسر الصنم بالقدوم، فلما جاء كعب ورآه؛ خرج مغضبا يريد الانتقام من عبادة، ثم فكّر في نفسه؛ فقال: لو كان هذا الصنم ينفع لنفع نفسه. فأسلم. وشهد بيعة الرضوان وما بعدها من المشاهد، وفيه نزل قوله تعالى فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ [١٩٦/ البقرة] .
روي له عن النّبيّ ﷺ فيما قيل: سبعة وأربعون حديثا، في «الكتب الستة» وغيرها، منها؛ في «الصحيحين» أربعة؛ اتّفقا منها على حديثين، وانفرد مسلم باخرين.
روى عنه ابن عمر، وابن عبّاس، وجابر بن عبد الله، وعبد الله بن عمرو بن العاصي، وغيرهم.
سكن الكوفة مدّة، ومات بها. وقيل: مات بالمدينة بعد الخمسين من الهجرة، وله سبع وسبعون سنة. وقيل: خمس وسبعون سنة (رضي الله تعالى عنه.
قال: رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث، بالإبهام والّتي تليها) السّبابة (والوسطى) . وهذا بيان للأصابع التي كان يأكل بها، فتفسّر به الروايات المطلقة، التي منها ما رواه الترمذيّ في «الشمائل» من حديث كعب بن مالك:
كان ﵊ يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهنّ.
وأخرجه أحمد، ومسلم، وأبو داود عنه؛ قال: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويلعق يده قبل أن يمسحها. ولذا تورّع بعض السّلف عن الأكل بالملاعق؛ لأن الوارد إنّما هو الأكل بالأصابع.
وفي «الكشاف»: أحضر الرّشيد طعاما فدعا بالملاعق، وعنده أبو يوسف
[ ٢ / ٨٩ ]
ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى، ثمّ الّتي تليها، ثمّ الإبهام.
فقال: جاء في تفسير جدّك ابن عباس في قوله تعالى. وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [٧٠/ الإسراء]: جعلنا لهم أصابع يأكلون بها. فأحضرت الملاعق فردّها وأكل بأصابعه.
وكذلك وقع من بعض الصالحين القريبين من عصرنا؛ فإنّه لمّا عرضت عليه الملاعق حين دخوله مصر؛ وكان أهل مصر إذ ذاك قد دخلت عندهم الحضارة الغربية ردّها؛ ولم يأكل بها، وأنشد قول ابن مالك في «الألفيّة»:
فما لنا إلّا اتّباع أحمدا
وبعضهم أنشد قوله:
وفي اختيار لا يجيء المنفصل إذا تأتّى أن يجيء المتّصل
وهو ظريف جدا.
فيستحب الأكل بالثّلاث فقط؛ إن كفت، وإلّا زاد بقدر الحاجة، لقول عامر بن ربيعة: كان ﷺ يأكل بثلاث أصابع، ويستعين بالرابعة. أخرجه الطبرانيّ في «الكبير» .
قال ابن العربي: إن شاء أحد أن يأكل بخمس فليأكل، فقد كان ﷺ يتعرّق العظم، وينهش اللحم، ولا يمكن عادة إلّا بالخمس.
قال الحافظ العراقيّ: وفيه نظر، لأنّه يمكن بالثلاث، سلّمنا، لكنه ممسك بكلّها، لا آكل بها، فسلمنا، لكنّ المحلّ محلّ ضرورة لا يدل على عموم الأحوال، فهو كمن لا يمين له؛ يأكل بشماله.
(ثمّ رأيته يلعق أصابعه الثّلاث) المذكورة (قبل أن يمسحها؛) محافظة على بركة الطّعام، فيستحبّ ذلك، كما يستحبّ الاقتصار على الأكل بالثلاث.
ثم بيّن كيفية لعقه؛ فقال: (الوسطى) أي: يلعق أصبعه الوسطى، (ثمّ) يلعق الأصبع (الّتي تليها) وهي: السّبابة، (ثمّ) يلعق (الإبهام) .
[ ٢ / ٩٠ ]
قال الحافظ زين الدّين العراقيّ في «شرح الترمذي»: كأنّ السرّ فيه أنّ الوسطى أكثر تلويثا؛ لأنّها أطول، فيبقى فيها الطّعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل فيها الطّعام، وهي أقرب إلى الفم حين يرتفع، فزعم أنّ نسبة الأصابع إلى الفم على السواء ساقط.
ووقع في مرسل ابن شهاب الزهريّ؛ عن سعيد بن منصور الخراساني: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل أكل بخمس. فيجمع بينه وبين ما تقدّم من أكله بثلاث، باختلاف الحال، فأكثر الأحوال بالثلاث؛ وبعضها بالخمس. وحمل على ما إذا كان الطّعام مائعا.
وقد جاءت علّة اللّعق مبيّنة في بعض روايات مسلم: بأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة، هل في الباقي في الإناء؛ أو على الأصابع؟
قال ابن دقيق العيد: وقد يعلّل بأنّ مسحها قبل لعقها فيه زيادة تلويث لما يمسح به، مع الاستغناء عنه بالرّيق!! لكن إذا صحّ الحديث بالتّعليل لم يتعدّ عنه.
قال الحافظ ابن حجر: العلّة المذكورة لا تمنع ما ذكره الشيخ، فقد يكون للحكم علّتان؛ أو أكثر، والنّصّ على واحدة لا ينفي الزيادة.
قال: وأبدى القاضي عياض علّة أخرى: وهي أنّه لا يتهاون بقليل الطعام.
انتهى.
وفي الحديث ردّ على من كره لعق الأصابع استقذارا؛ ممّن ينسب إلى الرّياسة والإمرة في الدنيا. نعم يحصل ذلك الاستقذار لو فعل اللّعق في أثناء الأكل، لأنّه يعيد أصابعه في الطّعام وعليها أثر ريقه، والمصطفى إنّما كان يلعق بعد الفراغ من الأكل، وبذلك أمر.
وقال الخطّابي: عاب قوم- أفسد عقولهم الترفّه- لعق الأصابع، وزعموا أنّه مستقبح، كأنّهم لم يعلموا أنّ الطعام الذي علق بالأصابع والصّحفة جزء من أجزاء
[ ٢ / ٩١ ]
وكان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه. وكان ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة، فأبردوه؛ فإنّ الله لم يطعمنا نارا» .
ما أكلوه، وإذا لم يكن سائر أجزائه مستقذرا لم يكن الجزء اليسير منه مستقذرا!! وليس في ذلك أكثر من مصّه أصابعه ببطن شفتيه، ولا يشكّ عاقل أنّه لا بأس بذلك، فكيف يزعمون قبحه؟! فقد يتمضمض الإنسان فيدخل أصابعه في فيه؛ فيدلك أسنانه وباطن فمه، ثم لم يقل أحد: إنّ ذلك قذارة وسوء أدب!!. انتهى.
ولا ريب أنّ من استقذر ما نسب إلى النّبيّ ﷺ سيّىء الأدب يخشى عليه أمر عظيم، فنسأل الله تعالى بوجاهة وجهه الكريم: ألايسلك [بنا] غير سبيل سنّته، وأن يديم لنا حلاوة محبّته، بمنّه وكرمه. آمين.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد- قال الهيثمي: فيه راو لم يسمّ، وبقيّة إسناده حسن- عن جويرية رضي الله تعالى عنه- وهو أحد وفد عبد القيس رضي الله تعالى عنهم- قال:
(كان رسول الله ﷺ يكره أن يأكل الطّعام الحارّ حتّى تذهب فورة دخانه) أي:
حدّته وغليانه، لأنّ الحارّ لا بركة فيه، كما جاء مصرّحا به في عدّة أخبار.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الطّعام الحارّ، ويقول: «إنّه غير ذي بركة فأبردوه، فإنّ الله لم يطعمنا نارا!») .
روى الطبرانيّ في «الصغير»، و«الأوسط»؛ من حديث بلال بن أبي هريرة عن أبيه: أنّ النّبيّ ﷺ أتي بصحفة تفور، فرفع يده منها- وفي لفظ: فأشرع يده فيها، ثمّ رفع يده عنها- فقال: «إنّ الله لم يطعمنا نارا» . وفي إسناده عبد الله بن يزيد البكري؛ ضعّفه أبو حاتم.
وللطبرانيّ في «الأوسط»؛ من حديث أبي هريرة: «أبردوا الطّعام، فإنّ الطّعام الحارّ غير ذي بركة» وكلاهما ضعيف.
[ ٢ / ٩٢ ]
وكان ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث،
وعند أبي نعيم في «الحلية»؛ من حديث أنس مرفوعا: كان النّبيّ ﷺ يكره الكيّ، والطعام الحارّ، ويقول: عليكم بالبارد؛ فإنّه ذو بركة، ألا وإنّ الحارّ لا بركة فيه»، وكان له مكحلة يكتحل بها عند النّوم ثلاثا ثلاثا.
وروى الدّيلميّ؛ عن ابن عمر مرفوعا: «أبردوا بالطّعام؛ فإنّ الحارّ لا بركة فيه» .
ولأحمد، وأبي نعيم؛ من حديث ابن لهيعة عن عقيل عن ابن شهاب عن عروة بن الزّبير؛ عن أسماء بنت الصّدّيق؛ أنّها كانت إذا ثرّدت غطّته بشيء حتى يذهب فوره، ثمّ تقول: إنّي سمعت رسول الله ﷺ يقول: «هو أعظم بركة» - يعني: الطّعام البارد أعظم بركة-.
وقد علمت أنّ في إسناده ابن لهيعة؛ وفيه ضعف، وكذا في أسانيد الأحاديث التي ذكرناها مقال؛ فلا تصلح للحجّية في أنّه لم يأكل طعاما حارّا؛ لضعف مفرداتها.
نعم؛ روى البيهقيّ بسند صحيح؛ عن أبي هريرة قال: أتي النّبيّ ﷺ يوما بطعام سخن؛ فقال: «ما دخل بطني طعام سخن منذ كذا وكذا قبل اليوم» .
وهو عند ابن ماجه من وجه آخر؛ عن أبي هريرة بلفظ: أتي يوما بطعام سخن فأكل منه، فلمّا فرغ قال: «الحمد لله؛ ما دخل » . وذكره.
ولأحمد بإسناد جيّد، والطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب»؛ من حديث خولة بنت قيس، وقدّمت له حريرة، فوضع يده فيها؛ فوجد حرّها فقبضها. هذا لفظ الطّبراني، والبيهقي، وقال أحمد: فأحرقت أصابعه.
ورواه ابن منده في «معرفة الصحابة»؛ وفيه بعد قوله «فقبضها»: وقال:
«يا خولة لا نصبر على حرّ ولا برد » الحديث.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل بأصابعه الثّلاث):
[ ٢ / ٩٣ ]
وربّما استعان بالرّابعة، ولم يكن يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان.
الإبهام والسّبّابة والوسطى. قال العراقيّ: رواه مسلم؛ من حديث كعب بن مالك. انتهى.
قلت: وكذلك رواه أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» ولفظهم جميعا: كان يأكل بثلاث أصابع ويلعق يده قبل أن يمسحها. ذكره في «شرح الإحياء»، وقد تقدّم.
(وربّما استعان بالرّابعة) قال العراقيّ: رويناه في «الغيلانيّات»؛ من حديث عامر بن ربيعة، وفيه القاسم بن عبد الله العمري: هالك. وفي «مصنّف ابن أبي شيبة»؛ من رواية الزّهري مرسلا: كان النبيّ ﷺ يأكل بالخمس» . انتهى.
قلت: حديث عامر بن ربيعة رواه أيضا الطبرانيّ في «الكبير»؛ ولفظه: كان يأكل بثلاث أصابع ويستعين بالرّابعة. وأمّا مرسل الزهري! فمحمول على المائع، وذلك لأنّ الاقتصار على الثلاث محلّه إن كفت، وإلّا! فكما في المائع؛ زاد بحسب الحاجة. انتهى شرح «الإحياء» . وقد سبق قريبا الكلام على ذلك بأوسع ممّا هنا.
(ولم يكن) النبي ﷺ (يأكل قطّ بأصبعين، ويخبر أنّ ذلك من فعل الشّيطان) .
روى الدارقطنيّ في «الأفراد»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: أنّه ﷺ لم يأكل بأصبعين، وقال: «إنّه أكل الشّياطين» . وأخرج أيضا عنه بسند ضعيف:
«لا تأكل بأصبع فإنّه أكل الملوك، ولا تأكل بأصبعين، فإنّه أكل الشّياطين» .
ورواه الحكيم الترمذيّ في «نوادر الأصول» بلفظ: «لا تأكلوا بهاتين» - وأشار بالإبهام والمشيرة- كلوا بثلاث فإنّها سنّة، ولا تأكلوا بالخمس فإنّها أكلة الأعراب» .
[ ٢ / ٩٤ ]
وكان ﷺ يلعق الصّحفة بأصابعه، ويقول:
«آخر الطّعام أكثر بركة» .
وكان يلعق أصابعه من الطّعام
وروى الحافظ أبو أحمد محمد بن أحمد بن الحسن الغطريف، وابن النّجار؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: الأكل بأصبع أكل الشيطان، وبالأصبعين أكل الجبابرة، وبالثلاث أكل الأنبياء.
وفي «الإحياء»: الأكل بالأصبع من المقت، وبأصبعين من الكبر، وبثلاث من السنّة، وبأربع أو خمس من الشّره.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يلعق) - بفتح العين المهملة- أي: يلحس (الصّحفة) الّتي فيها الطعام (بأصابعه) إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه، لأنّه يقذر الطّعام، (ويقول: «آخر الطّعام أكثر بركة») .
قال العراقيّ: روى البيهقيّ في «الشعب»؛ من حديث جابر في حديث قال فيه: ولا يرفع القصعة حتى يلعقها، أو يلعقها؛ فإنّ آخر الطّعام فيه البركة.
ولمسلم؛ من حديث أنس: أمرنا أن نسلت الصّحفة؛ قال: إنّ أحدكم لا يدري في أيّ طعامه يبارك له فيه؟. انتهى.
قلت: وفي بعض روايات مسلم من حديث جابر: فإنّكم لا تدرون في أيّ طعامكم البركة. وأمّا حديث جابر الذي رواه البيهقيّ! فقد رواه أيضا ابن حبّان بلفظ: ولا ترفع الصحفة حتى تلعقها، فإنّ في آخر الطعام البركة.
وروى الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن ماجه، والبغويّ، والدارميّ، وابن أبي خيثمة، وابن السّكن، وابن شاهين، وابن قانع، والدارقطني؛ من حديث نبيشة الخير الهذلي مرفوعا:
«من أكل في قصعة ولحسها استغفرت له» . قال الترمذيّ، والدارقطنيّ:
غريب. وأورده بعضهم: «تستغفر القصعة للاحسها» . انتهى (شرح «الإحياء») .
(وكان يلعق أصابعه من الطّعام) أي: ثلاثا إذا فرغ من الأكل؛ لا في أثنائه،
[ ٢ / ٩٥ ]
حتّى تحمّر. وكان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة» .
لأنّه يقذر الطعام، وتعاف منه نفس الآكلين (حتّى تحمرّ) .
قال العراقيّ: رواه مسلم من حديث كعب بن مالك دون قوله «حتى تحمرّ»؛ فلم أقف له على أصل.
قلت: والمعنى: يبالغ في لعقها، وكأنّه أخذ ذلك من رواية الترمذيّ في «الشمائل»: كان يلعق أصابعه ثلاثا، أي: يلعق كلّ أصبع ثلاث مرات. انتهى شرح «الإحياء» .
(وكان) ﷺ (لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه واحدة واحدة، ويقول: «إنّه لا يدري في أيّ الطّعام البركة») .
قال العراقيّ: روى مسلم من حديث كعب بن مالك: أن النّبيّ ﷺ كان لا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها. وله من حديث جابر:
فإذا فرغ فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة!!.
وللبيهقي في «الشعب» من حديثه: «لا يمسح أحدكم يده بالمنديل حتّى يلعق يده، فإنّ الرّجل لا يدري في أيّ طعامه يبارك له» . انتهى.
قلت: روي في هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة، وزيد بن ثابت، وأنس بلفظ حديث ابن عباس: «إذا أكل أحدكم طعاما فلا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعقها، أو يلعقها» . رواه كذلك أحمد، والشيخان، وأبو داود، وابن ماجه.
وحديث جابر مثله؛ بزيادة: «فإنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» . رواه كذلك أحمد، ومسلم، والنسائيّ، وابن ماجه.
وأمّا حديث أبي هريرة! فلفظه: إذا أكل أحدكم طعاما فليلعق أصابعه، فإنّه لا يدري في أيّ طعامه تكون البركة. رواه كذلك أحمد، ومسلم، والترمذيّ.
ورواه كذلك الطبرانيّ في «الكبير»؛ عن زيد بن ثابت. ورواه كذلك الطبرانيّ في
[ ٢ / ٩٦ ]
وكان ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة.. غسل يديه غسلا جيّدا،
«الأوسط»؛ عن أنس.
قال ابن حجر في «شرح الشمائل»: الأكمل أن يلعق كلّ أصبع ثلاثا متوالية، لاستقلال كلّ؛ فناسب كمال تنظيفها قبل الانتقال إلى البقية، فيبدأ بالوسطى لكونها أكثر تلوّثا، إذ هي أطول فيبقى فيها من الطعام أكثر من غيرها، ولأنّها لطولها أوّل ما ينزل الطّعام، ثمّ بالسّبابة، ثم بالإبهام، لما روى الطبرانيّ في «الأوسط»:
رأيت رسول الله ﷺ يأكل بأصابعه الثلاث بالإبهام والتي تليها والوسطى، ثم رأيته يلعق أصابعه الثلاث قبل أن يمسحها؛ الوسطى ثمّ التي تليها، ثم الإبهام.
وعند مسلم من حديث جابر، وأنس مرفوعا: «إذا وقعت لقمة أحدكم فليأخذها، وليمط ما كان بها من أذى، ولا يدعها للشّيطان، ولا يمسح يده بالمنديل حتّى يلعق أصابعه، لأنّه لا يدري في أيّ طعامه البركة» .
وفي هذه الأخبار الردّ على من كره اللّعق استقذارا، وقد مرّ كلام الخطّابي المشتمل على تقريع المستقذرين للعق الأصابع، والكلام فيمن استقذر ذلك من حيث هو؛ لا مع نسبته للنّبي ﷺ، وإلّا! خشي عليه الكفر، إذ من استقذر شيئا من أحواله ﷺ مع علمه بنسبته إليه كفر. انتهى شرح «الإحياء» مع حذف منه.
(و) في «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل الخبز واللّحم خاصّة؛ غسل يديه غسلا جيّدا) . قال العراقيّ: روى أبو يعلى من حديث ابن عمر بإسناد ضعيف: «من أكل من هذه اللحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» . انتهى.
قلت: ورواه ابن عديّ في «الكامل»؛ بلفظ: «إذا أكل أحدكم طعاما فليغسل يده من وضر اللّحم» وإسناده ضعيف أيضا، وعليه يحمل ما رواه أحمد، والطحاوي، والطبرانيّ، وابن عساكر من حديث سهل بن الحنظليّة رفعه:
«من أكل لحما فليتوضّأ» . أي: فليغسل يده من وضره، أي: زهومته ودسمه.
[ ٢ / ٩٧ ]
ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه.
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا.. فليغسل يده من ريح وضره، ولا يؤذي من حذاءه» .
وكان أكثر جلوسه ﷺ
وروى النّسائيّ، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما» «١» - وقال الحاكم:
صحيح على شرط مسلم- عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
دعانا رجل من الأنصار من أهل قباء- يعني النّبيّ ﷺ- فانطلقنا معه، فلما طعم وغسل يده- أو يديه-؛ قال: «الحمد لله الّذي يطعم؛ ولا يطعم» الحديث.
انتهى شرح «الإحياء» .
(ثمّ يمسح بفضل الماء على وجهه) . لم يتكلّم على هذه الجملة في شرح «الإحياء» !!
(و) أخرج أبو يعلى بإسناد ضعيف؛ (عن) أبي عبد الرحمن عبد الله (ابن عمر) بن الخطّاب- وقد تقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «من أكل من هذه اللّحوم شيئا فليغسل يده من ريح وضره) - بفتح الواو والضّاد المعجمة-: وسخ الدّسم واللّبن، يعني: يزيل ذلك بالغسل بالماء أو بغيره؛ لكن بعد لعق أصابعه؛ حيازة لبركة الطعام، كما تقدّم.
(ولا يؤذي من حذاءه) - بكسر الحاء المهملة، وذال معجمة ممدودة- أي:
عنده، من آدمي، أو ملك. فترك غسل اليد من الطّعام الدّسم مكروه، لتأذّي الحافظين به وغيرهم.
(و) في «كشف الغمّة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان أكثر جلوسه ﷺ
_________________
(١) غلّب اسم الصحيحين على صحيح ابن حبّان علما، و«مستدرك» الحاكم إلحاقا.
[ ٢ / ٩٨ ]
للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي، إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم.
وكان ﷺ يقول:
للأكل أن يجمع بين ركبتيه وبين قدميه؛ كما يجلس المصلّي) في حال صلاته، (إلّا أنّ الرّكبة تكون فوق الرّكبة، والقدم فوق القدم) .
قال العراقيّ: رواه عبد الرزاق في «المصنف»؛ من رواية أيوب معضلا: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا أكل احتفز؛ وقال: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وروى ابن الضّحّاك في «الشمائل»؛ من حديث أنس- بسند ضعيف-:
كان إذا قعد على الطّعام استوفز على ركبته اليسرى، وأقام اليمنى؛ ثمّ قال:
«إنّما أنا عبد؛ أجلس كما يجلس العبد، وأفعل كما يفعل العبد» .
وروى أبو الشّيخ في «الأخلاق» - بسند جيد-؛ من حديث أبيّ بن كعب: أنّ النّبيّ ﷺ كان يجثو على ركبتيه، وكان لا يتّكئ.
أورده في صفة أكل رسول الله ﷺ، وإنّما فعل ذلك رسول الله ﷺ تواضعا لله تعالى، فالسنّة أن يجلس جاثيا على ركبتيه وظهور قدميه، أو ينصب رجله اليمنى ويجلس على اليسرى.
قال ابن القيّم: ويذكر عنه ﷺ: أنّه كان يجلس للأكل متورّكا على ركبتيه، ويضع ظهر اليمنى على بطن قدمه اليسرى؛ تواضعا لله ﷿، وأدبا بين يديه.
قال: وهذه الهيئة أنفع الهيئات للأكل وأفضلها، لأنّ الأعضاء كلّها تكون على وضعها الطبيعي الذي خلقها الله تعالى عليه. انتهى شرح «الإحياء» بتصرّف.
(و) في «كشف الغمة» - ونحوه في «الإحياء» -: (كان) رسول الله (ﷺ يقول)؛ كما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن أبي أمامة رضي الله تعالى عنه قال:
خرج علينا رسول الله ﷺ متوكّئا على عصا؛ فقمنا له. فقال: «لا تقوموا كما تقوم
[ ٢ / ٩٩ ]
«إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» .
وعن أبي جحيفة
الأعاجم يعظّم بعضهم بعضا! (إنّما أنا عبد)، حصر إضافيّ؛ أي: لست بملك، فإن أريد به الرّقيق فهو استعارة، شبّه نفسه تواضعا لله تعالى بالرّقيق؛ فقوله: (آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد») بيان لوجه الشبه، وإن أريد عبد الله، وكلّ الخلق عبيده؛ الملوك وغيرهم!! فالمراد أنّه متمحّض لهذه العبودية؛ لا يشوبها بشيء من أمور الدنيا، ولا يتخلّق بشيء من أخلاق أهلها؛ في جلوس وأكل وغيرهما، بل كان يجلس على الأرض، ولا يأكل على خوان، ولا يغلق عليه باب، وليس له بوّاب، ويأكل مستوفزا.
وأخرج البزّار من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «إنّما أنا عبد آكل كما يأكل العبد» . ولأبي يعلى؛ من حديث عائشة: «آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد» . وإسنادهما ضعيف.
(و) أخرج البخاريّ والترمذيّ (عن أبي جحيفة) - بجيم مضمومة ثمّ حاء مهملة مفتوحة؛ مصغّرا- وهب بن عبد الله، ويقال: وهب بن وهب السّوائي- بضمّ السّين المهملة، وتخفيف الواو، وبالمد- منسوب إلى سواة بن عامر بن صعصعة:
صحابيّ كوفيّ، توفي النّبيّ ﷺ؛ وهو صبي لم يبلغ.
وكان عليّ بن أبي طالب يكرم أبا جحيفة ويسمّيه «وهب الخير»، و«وهب الله»، وكان يحبّه ويثق به، وجعله على بيت المال بالكوفة، وشهد معه مشاهده كلّها، ونزل الكوفة؛ وابتنى بها دارا.
روي له عن النّبيّ ﷺ خمسة وأربعون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم على حديثين، وانفرد البخاري بحديثين، ومسلم بثلاثة.
[ ٢ / ١٠٠ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «أمّا أنا فلا آكل متّكئا» .
روى عنه ابنه عون، وإسماعيل بن أبي خالد، وأبو إسحاق السّبيعي، وعليّ بن الأقمر، والحكم بن عتيبة- بالمثناة فوقا-.
وكانت وفاته سنة: اثنتين وسبعين؛ (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «أمّا) - هي لتفصيل ما أجمل، ولتأكيد الحكم غالبا، نحو جاء القوم؛ أمّا زيد فراكب، وأمّا عمرو فماش، وقد تجيء لمجرّد التّأكيد.
ذكره الرّضيّ. والثاني هو المراد هنا.
(أنا) قال ابن حجر: خصّص نفسه الشريفة بذلك!! لأنّ من خصائصه كراهته له دون أمّته؛ على ما زعمه ابن القاصّ من أئمّتنا، والأصحّ: كراهته لهم أيضا، فوجه ذلك أنّ قضية كماله ﷺ عدم الاتّكاء في الأكل؛ إذ مقامه الشريف يأباه من كلّ وجه، فامتاز عليهم بذلك. انتهى.
قال في «جمع الوسائل»: والأظهر أن يراد به تعريض غيره من أهل الجاهلية والأعجام؛ بأنّهم يفعلون ذلك إظهارا للعظمة والكبرياء، والافتخار والخيلاء، وأمّا أنا فلا أفعل ذلك، وكذلك من تبعني، قال تعالى قُلْ هذِهِ سَبِيلِي أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي [١٠٨/ يوسف] . وفيه إشارة خفيّة إلى أنّ امتناعه إنّما هو بالوحي الخفيّ؛ لا الجليّ. انتهى كلام ملّا علي قاري رحمه الله تعالى.
(فلا آكل) - بالمدّ؛ على أنّه متكلم- (متّكئا») - بالهمز- ومعنى المتّكئ:
المائل إلى أحد الشّقين؛ معتمدا عليه وحده.
وحكمة كراهة الأكل متّكئا: أنّه فعل المتكبّرين، المكثرين من الأكل نهمة وشرها، المشغوفين من الاستكثار من الطعام. والكراهة مع الاضطجاع أشدّ منها مع الاتّكاء.
نعم؛ لا بأس بأكل ما يتنقّل به مضطجعا، لما ورد عن عليّ كرم الله وجهه أنّه
[ ٢ / ١٠١ ]
وروى ابن ماجه: أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل وهو منبطح على وجهه.
أكل كعكا على برش، وهو منبطح على بطنه.
قال حجّة الإسلام: والعرب قد تفعله. والأكل قاعدا أفضل، ولا يكره قائما بلا حاجة.
واعلم أنّ الاتّكاء أربعة أنواع:
الأوّل: أن يضع جنبه على الأرض مثلا.
الثّاني: أن يتربّع على وطاء ويستوي عليه.
الثالث: أن يضع إحدى يديه على الأرض ويعتمدها.
الرّابع: أن يسند ظهره على وسادة ونحوها.
وكلّها مذمومة حالة الأكل، لكن الثاني لا ينتهي إلى الكراهة، وكذا الرّابع فيما يظهر، بل هما خلاف الأولى، وما صار إليه بعضهم «من أنّ الاستناد من مندوبات الأكل؛ تمسّكا بأنّ المصطفى ﷺ كان يأكل وهو مقع من الجوع، أي: مستند لما وراءه من الضّعف الحاصل له بسبب الجوع» !! عليه منع ظاهر لأنّه لم يفعله إلّا لتلك الضرورة، والكلام في حالة الاختيار.
وما رواه ابن أبي شيبة عن مجاهد: أنّه أكل مرة متّكئا!! فلعلّه لبيان الجواز، أو كان قبل النهي. ويؤيد الثاني ما رواه ابن شاهين عن عطاء: أنّ جبريل رأى المصطفى ﷺ يأكل متّكئا فنهاه.
ومن حكم كراهة الأكل متّكئا: أنّه لا ينحدر الطعام سهلا، ولا يسيغه هيّنا، وربّما تأذّى به. والله أعلم.
(وروى) الحافظ أبو عبد الله محمّد بن يزيد (ابن ماجه) - بالهاء وصلا ووقفا- لقب يزيد والد أبي عبد الله- وقد مرّت ترجمته؛ رحمه الله تعالى-.
(أنّ رسول الله ﷺ نهى أن يأكل الرّجل) - وصف أغلبي- (وهو منبطح)؛ أي: ملقى (على وجهه)، لأنّه مضرّ.
[ ٢ / ١٠٢ ]
وأخرج ابن عديّ: أنّ رسول الله ﷺ زجر أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل.
وأمّا إدام رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ لا يتورّع عن مطعم حلال؛ إن وجد تمرا دون خبز.. أكله،
(وأخرج) الحافظ أبو أحمد عبد الله (بن عديّ) بن عبد الله بن محمّد بن مبارك بن القطان الجرجاني، أحد أئمة الحديث ورجاله.
ولد سنة: - ٢٧٧- سبع وسبعين ومائتين، وتوفي سنة: - ٣٦٥- خمس وستين وثلثمائة، وعمره: ثمان وثمانون سنة تقريبا.
أخذ عن أكثر من ألف شيخ، وكان يعرف في بلده ب «ابن القطّان»، واشتهر بين علماء الحديث ب «ابن عديّ»، وهو من الأئمة الثقات في الحديث.
له من التّصانيف: «الكامل في معرفة الضعفاء والمتروكين من الرواة»، وكتاب «علل الحديث»، و«معجم في أسماء شيوخه»، وله «كتاب الانتصار على مختصر المزني» في الفروع الشافعية. رحمه الله تعالى. آمين
(أنّ رسول الله ﷺ زجر) أي: منع (أن يعتمد الرّجل على يده اليسرى عند الأكل)، وسنده ضعيف.
(وأمّا إدام رسول الله ﷺ؛ فقد كان ﷺ) - كما في «كشف الغمّة» و«الإحياء» - (لا يتورّع عن مطعم حلال)؛ ففي الترمذيّ؛ من حديث أمّ هانىء قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ؛ فقال: «أعندك شيء؟» قلت: لا، إلّا خبز يابس وخلّ، فقال: «هاتي » الحديث.
ولمسلم؛ من حديث جابر: أنّ النّبيّ ﷺ سأل أهله الأدم!! فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ، فدعا به الحديث.
(إن وجد تمرا دون خبز أكله) . روى مسلم، والترمذيّ، من حديث أنس
[ ٢ / ١٠٣ ]
وإن وجد لحما مشويّا.. أكله، وإن وجد خبز برّ.. أكله، أو شعيرا.. أكله، وإن وجد حلوى، أو عسلا.. أكله،
قال: رأيته مقعيا يأكل تمرا. وروى أبو داود؛ من حديث أنس قال: كان يؤتى بالتمر فيه دود فيفتّشه يخرج السّوس منه.
(وإن وجد لحما مشويّا أكله) روى الترمذيّ في «السنن»؛ وصحّحه، وكذا في «الشمائل»؛ من حديث أمّ سلمة أنّها أخرجت إليه جنبا مشويا؛ فأكل منه
الحديث. وسيأتي في المتن.
(وإن وجد خبز برّ): حنطة (أكله، أو) خبزا (شعيرا أكله) .
روى الشّيخان؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
ما شبع رسول الله ﷺ ثلاثة أيّام تباعا من خبز برّ، حتى مضى لسبيله. لفظ مسلم، وفي رواية له: ما شبع من خبز شعير يومين متتابعين.
وللطبراني في «الكبير»؛ من حديث ابن عبّاس: كان يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض، ويعتقل الشّاة «١»، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وللترمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ من حديث ابن عباس: كان أكثر خبزهم الشعير.
وروى الترمذيّ في «الشمائل»: كان يدعى إلى خبز الشّعير والإهالة السّنخة» .
(وإن وجد حلوى) - بالمد والقصر- (أو عسلا أكله) .
روى الشيخان والأربعة من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
أنّ رسول الله ﷺ كان يحبّ الحلواء والعسل.
والحلواء: كلّ ما فيه حلاوة، فالعسل تخصيص بعد تعميم.
_________________
(١) ليحلبها.
[ ٢ / ١٠٤ ]
وإن وجد لبنا دون خبز.. أكله واكتفى به، وإن وجد بطّيخا، أو رطبا.. أكله.
وكان ﷺ يأكل ما حضر، ولا يردّ ما وجد.
وقال الخطابيّ: الحلواء يختصّ بما دخلته الصّنعة.
وقال ابن سيده: هي ما عولج من الطعام بحلو. وقد تطلق على الفاكهة.
وقال الثعالبيّ في «فقه اللغة»: إنّ حلواءه ﷺ التي كان يحبّها هي المجيع، وهي تمر يعجن بلبن.
وقال الخطابيّ: لم تكن محبّته ﷺ للحلواء على معنى كثرة التّشهّي لها، وشدّة نزوع النفس، وإنّما كان ينال منها إذا حضرت نيلا صالحا؛ فيعلم بذلك أنّها تعجبه.
(وإن وجد لبنا دون خبز؟ أكله واكتفى به) . روى الشيخان من حديث ابن عباس: أنّ النّبيّ ﷺ شرب لبنا، فدعا بماء فمضمض.
(وإن وجد بطّيخا، أو رطبا أكله) . روى الحاكم؛ من حديث أنس قال:
كان يأكل الرّطب ويلقي النّوى في الطّبق. وروى النّسائي؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأكل الرّطب بالبطّيخ. وإسناده صحيح.
ولفظ الترمذيّ: كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وهكذا رواه ابن ماجه؛ من حديث سهل بن سعد، والطّبرانيّ؛ من حديث عبد الله بن جعفر.
وزاد أبو داود، والبيهقيّ في حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ويقول:
«يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» . وروى الطبرانيّ في «الأوسط»، والحاكم، وأبو نعيم في «الطب»؛ من حديث أنس قال: كان يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطيخ، وكانا أحبّ الفاكهة إليه.
(و) في «كشف الغمّة» و«إحياء علوم الدين»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل ما حضر) لديه، (ولا يردّ ما وجد) . في كتاب «الشمائل» لأبي الحسن بن
[ ٢ / ١٠٥ ]
وعن زهدم الجرميّ قال: كنّا عند أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، فأتي بلحم دجاج، فتنحّى رجل من القوم، فقال: ما لك؟
الضّحّاك بن المقري؛ من رواية الأوزاعيّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ما أبالي ما رددتّ به عنّي الجوع» !. وهذا معضل؛ قاله العراقي.
قلت: وقد رواه ابن المبارك في «الزهد»؛ عن الأوزاعيّ، كذلك. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) أخرج الشّيخان، والتّرمذيّ في «الشمائل»، واللفظ له قال: حدّثنا هنّاد، قال: حدّثنا وكيع عن سفيان عن أيّوب عن أبي قلابة.
(عن زهدم) - بفتح الزّاي، وسكون الهاء وفتح الدّال المهملة وآخره ميم؛ بوزن جعفر- (الجرميّ) - بالجيم المفتوحة والرّاء السّاكنة-؛ نسبة لقبيلة جرم كفلس.
أبو مسلم البصريّ، ثقة من الثالثة، خرّج له البخاريّ وغيره.
(قال:) أي: زهدم الجرميّ: (كنّا عند أبي موسى الأشعريّ)؛ نسبة إلى «أشعر» قبيلة باليمن، واسمه عبد الله بن قيس- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنه) .
وهذا يدلّ على مشروعية اجتماع القوم عند صديقهم.
(فأتي) - بصيغة المجهول- أي: جيء (بلحم دجاج)، أي: فأتاه خادمه بطعام فيه لحم دجاج، وهو اسم جنس مثلّث الدّال، واحده دجاجة؛ مثلّثة الدال أيضا، سمّي به لإسراعه من دجّ يدجّ؛ إذا أسرع.
(فتنحّى)؛ أي: تباعد (رجل من القوم) عن الأكل، بمعنى أنّه لم يتقدّم له، وهذا الرّجل من بني تيم الله أحمر، كأنّه من الموالي!! أي: العجم.
(فقال) أي أبو موسى (: ما لك) تنحّيت؟! فهو استفهام متضمّن للإنكار. أي:
أيّ شيء باعث لك على ما فعلت من التنحي؟! أو أيّ شيء مانع لك من التّقدّم؟!.
[ ٢ / ١٠٦ ]
فقال: إنّي رأيتها تأكل شيئا، فحلفت ألاآكلها. قال: ادن، فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج.
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطعام أن يسأل عن سبب امتناع من حضره من الأكل.
(فقال) أي الرّجل لأبي موسى (: إنّي رأيتها)، أي: أبصرت الدّجاجة حال كونها (تأكل شيئا) أي: قذرا. وأبهمه لئلّا يعاف الحاضرون أكله عند التصريح به. زاد في بعض الروايات: فقذرتها، أي: كرهتها نفسي، (فحلفت) - بفتح اللّام- أي: أقسمت (ألاآكلها)، ولعلّ حلفه لئلّا يكلّفه أحد أكله فيعذره بالحلف. (قال:) أي: أبو موسى للرّجل:
(ادن)؛ أي: اقرب؛ من الدّنوّ وهو القرب. وأمره بالقرب ليأكل من الدّجاج؛ (فإنّي رأيت رسول الله ﷺ يأكل لحم الدّجاج) . بيّن له أبو موسى أنّ ظنّه ليس في محله؛ لما رأى من أكل رسول الله ﷺ لها، فينبغي أن يأكل هذا الرّجل منها؛ اقتداء بالمصطفى ﷺ ويكفّر عن يمينه، فإنّه خير له من بقائه على يمينه، لخبر: «لا يؤمن أحدكم حتّى يكون هواه تبعا لما جئت به» .
وهذا يدلّ على أنّه ينبغي لصاحب الطّعام أن يسعى في حنث من حلف على ترك شيء لأمر غير مكروه شرعا، إلّا إذا كان الحلف بالطلاق، فلا ينبغي له أن يسعى في حنثه فيه، وكذا لو حلف بالعتق؛ وهو محتاج لقنّه، لنحو خدمة أو منصب.
ويؤخذ منه جواز أكل الدّجاج، وهو إجماع، إلا ما شذّ به بعض المتعمّقين على سبيل الورع، لكن استثنى بعضهم الجلّالة؛ فتحرم أو تكره- على الخلاف المشهور فيها-.
وما ورد من أنّه ﷺ كان إذا أراد أن يأكل دجاجة أمر بها فربطت أيّاما؛ ثمّ يأكلها بعد ذلك!! إنّما هو في الجلّالة، فكان يقصرها حتّى يذهب اسم الجلّالة عنها.
قال ابن القيّم: ولحم الدّجاج حارّ رطب، خفيف على المعدة، سريع
[ ٢ / ١٠٧ ]
وعن إبراهيم بن عمر بن سفينة، عن أبيه، عن جدّه سفينة مولى رسول الله ﷺ، قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى.
الهضم، جيد الخلط، يزيد في الدّماغ والمنيّ، ويصفّي الصّوت، ويحسّن اللّون، ويقوّي العقل.
وما قيل من أنّ المداومة عليه تورث النّقرس- بكسر النّون والرّاء بينهما قاف ساكنة، وآخره سين مهملة-؛ وهو: ورم يحدث في مفاصل القدمين!! لم يثبت.
ولحم الدّيوك أسخن مزاجا، وأقلّ رطوبة. انتهى «باجوري رحمه الله تعالى» .
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع»، واستغربه وفي «الشمائل» - واللّفظ لها- قال: حدّثنا الفضل بن سهل الأعرج البغدادي؛ قال: حدّثنا إبراهيم بن عبد الله بن مهدي؛ (عن إبراهيم بن عمر بن سفينة) «مولى أمّ سلمة»، صدوق من الثالثة، خرّج له أبو داود.
قال الترمذيّ في «الجامع»: هذا حديث غريب لا يعرف إلّا من هذا الوجه، وإبراهيم روى عنه ابن أبي فديك، وإبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي، وأبو الحجّاج النّضر بن طاهر البصريّ.
(عن أبيه)؛ أي: عمر بن سفينة (عن جدّه)؛ أي: (سفينة مولى رسول الله ﷺ)، يكنّى أبا عبد الرحمن، ويقال: كان اسمه «مهران» أو غيره.
ولقّب «سفينة» ! لكونه حمل شيئا كثيرا في سفر.
مات بعد السبعين، خرّج له مسلم، والأربعة.
(قال: أكلت مع رسول الله ﷺ لحم حبارى) - بضمّ الحاء المهملة، وتخفيف الموحدة، وفتح الرّاء، وفي آخره ألف تأنيث-: طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللون، شديد الطيران، ويسمّى عند بعض أهل اليمن «اللوام»، ولحمه بين لحم الدّجاج والبطّ.
[ ٢ / ١٠٨ ]
و(الحبارى): طائر طويل العنق، في منقاره طول، رماديّ اللّون، شديد الطّيران.
وكان ﷺ يأكل لحم الدّجاج
قال ابن القيّم: لحم الحبارى حارّ، يابس، بطيء الانهضام، نافع لأصحاب الرياضة والتعب.
وهذا الحديث يدلّ على جواز أكل الحبارى، وبه صرّح أصحابنا الشافعيّة.
وفي ذلك الحديث وغيره ردّ على من حرّم أكل اللّحم من الفرق الزائغة.
ولم يذكر المصنّف- كالتّرمذيّ- في الحبارى غير حديث سفينة هذا!!
وفيه عن أنس- رواه ابن عديّ في «الكامل» - قال: أتي رسول الله ﷺ بطير حبارى؛ فقال: «اللهمّ ائتني برجل يحبّ الله ورسوله، ويحبّه الله ورسوله، فإذا عليّ يقرع الباب» . فقال أنس رضي الله تعالى عنه: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثّانية؛ فقال: رسول الله مشغول. ثمّ أتى الثالثة؛ فقال: «يا أنس؛ أدخله فقد عنيته» . انتهى. ذكره المناوي؛ نقلا عن الحافظ العراقيّ رحمهم الله تعالى.
(والحبارى)؛ كسمانى ألفها للتّأنيث؛ يقال له في بعض بلدان اليمن «اللوام» وصفته أنه (طائر طويل العنق؛ في منقاره) بعض (طول)، وهو (رماديّ اللّون) أي: على لون الرّماد؛ (شديد الطّيران)، واسمه يقع على الذكر والأنثى؛ والواحد والجمع.
وهو من أكثر الطّير حيلة في تحصيل الرّزق، ومع ذلك يموت جوعا بهذا السبب!! وقيل: يوجد في بطنه حجر إذا علق على شخص لم يحتلم ما دام عليه، وقيل: يضرب به المثل في الحمق، ويقال «كلّ شيء يحبّ ولده؛ حتّى الحبارى» . وولدها يقال له «النّهار»، وفرخ الكروان «اللّيل» . قال الشاعر:
ونهارا رأيت منتصف اللّي ل وليلا رأيت نصف النّهار
(و) في «كشف الغمّة»: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل لحم الدّجاج) .
[ ٢ / ١٠٩ ]
والطّير الّذي يصاد، وكان لا يشتريه ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له، فيؤتى به فيأكله.
وكان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها: «إذا طبختم قدرا.. فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها تشدّ قلب الحزين» .
رواه الشيخان والترمذيّ، وغيرهم؛ عن أبي موسى الأشعريّ في حديث طويل قد تقدّم.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: كان يأكل لحم (الطّير الّذي يصاد) .
قال العراقيّ: روى التّرمذيّ من حديث الحسن؛ قال: كان عند النّبيّ ﷺ طير، فقال: «اللهمّ؛ ائتني بأحبّ الخلق إليك يأكل معي هذا الطّير» . فجاء عليّ فأكل معه. قال: حديث غريب. انتهى «شرح الإحياء» .
(وكان لا يشتريه)، وفي «الإحياء»: لا يتبعه، (ولا يصيده، ويحبّ أن يصاد له فيؤتى به فيأكله) .
قال العراقيّ: هذا هو الظّاهر من أحواله، فقد قال: «من اتّبع الصّيد غفل» .
رواه أبو داود، والترمذيّ، والنّسائيّ؛ من حديث ابن عباس، وقال الترمذيّ:
حسن غريب.
وأمّا حديث صفوان بن أميّة عند الطبرانيّ: «قد كانت قبلي لله رسل كلّهم يصطاد» أو: «يطلب الصّيد» !! فهو ضعيف جدا. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يقول لعائشة رضي الله تعالى عنها): «يا عائشة؛ (إذا طبختم قدرا) أي: طعاما في قدر- بكسر القاف وسكون الدال المهملة؛ مؤنّثة-: آنية يطبخ فيها (فأكثروا فيها من الدّبّاء؛ فإنّها) أي: الدّبّاء (تشدّ قلب الحزين») .
[ ٢ / ١١٠ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد باللّحم والقرع.
وكان يحبّ القرع، ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس» .
قال العراقيّ: رويناه في «فوائد» أبي بكر الشافعي من حديثها، ولا يصحّ؛ قاله في شرح «الإحياء» . قال الزرقاني على «المواهب»: ولأحمد وغيره:
أنّه ﷺ قال لعائشة: «إذا طبخت قدرا فأكثري فيها من الدّبّاء، فإنّها تشدّ قلب الحزين» . انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يأكل الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الرّاء؛ فعيل، بمعنى مفعول، ويقال أيضا: مثرود- وهو:
أن يثرد؛ أي: يفتّ ثمّ يبلّ بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم، أو يفتّ ثمّ يبلّ بأي مرق كان. وهو ظاهر «القاموس»، و«المصباح» .
(باللّحم والقرع) . رواه مسلم من حديث أنس.
وروى أبو داود، والحاكم وصحّحه؛ من حديث ابن عبّاس: كان أحبّ الطّعام إليه الثّريد من الخبز، والثّريد في الحيس.
(وكان) ﷺ (يحبّ القرع) - بسكون الراء وفتحها؛ لغتان- وهو: الدّبّاء، (ويقول: «إنّها شجرة أخي يونس») على نبيّنا وعليه الصّلاة والسّلام.
قال العراقيّ: روى النّسائيّ، وابن ماجه؛ من حديث أنس: كان النبيّ ﷺ يحبّ القرع. وقال النّسائيّ: الدّباء. وهو عند مسلم بلفظ: يعجبه الدّبّاء. وروى ابن مردويه في تفسيره من حديث أبي هريرة في قصة يونس فلفظته في أصل شجرة وهي الدباء. انتهى.
قلت: وروى الترمذيّ في «الشمائل»؛ من حديث أنس: كان يتتبّع الدّبّاء من حوالي القصعة. وعند أحمد؛ كما عند مسلم: كان يعجبه القرع.
وقوله تعالى وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) [الصافات] !! قالوا: هي الدّبّاء. انتهى شرح «الإحياء» .
[ ٢ / ١١١ ]
وعن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه قال: دخلت على النّبيّ ﷺ فرأيت عنده دبّاء يقطّع، فقلت: ما هذا؟
فقال: «نكثّر به طعامنا» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: إنّ خيّاطا
وسيأتي الكلام على حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن جابر بن طارق رضي الله تعالى عنه) صحابيّ مقلّ. روى له النّسائيّ، وابن ماجه. وعنه ابنه حكم.
قال الترمذيّ: ولا نعرف له إلّا هذا الحديث؛ (قال:
دخلت على النّبيّ ﷺ) أي: في بيته، (فرأيت عنده دبّاء يقطّع) - بكسر الطّاء المهملة؛ بصيغة المعلوم، كما هو كذلك في أكثر الأصول من «الشمائل»، وفي بعض النّسخ [يقطّع] بصيغة المجهول، فيكون بفتح الطّاء المهملة!! وعلى كلّ؛ فهو بضمّ الياء وفتح القاف مع تشديد الطّاء؛ من التّقطيع، وهو جعل الشيء قطعا-.
(فقلت: ما هذا؟!) أي: ما فائدة هذا التقطيع؟!! فليس المراد السّؤال عن حقيقته، وإن كان هو الأصل في «ما» !! لأنّه لا يجهل حقيقته،
(فقال: «نكثّر) - بنون مضمومة وكاف مفتوحة ومثلّثة مشدّدة مكسورة؛- من التّكثير، ويجوز أن يكون: بسكون الكاف وتخفيف المثلّثة؛ من الإكثار، لكن الأصول على الأوّل- (به) أي: بالتّقطيع (طعامنا») .
وهذا يدلّ على أنّ الاعتناء بأمر الطّبخ لا ينافي الزّهد والتّوكل؛ بل يلائم الاقتصاد في المعيشة، المؤدّي إلى القناعة.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وغيرهما- واللّفظ ل «الشمائل» -
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: إنّ خيّاطا) لا يعرف له اسم، لكن في
[ ٢ / ١١٢ ]
دعا رسول الله ﷺ لطعام صنعه.
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام، فقرّب إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا فيه دبّاء، وقديد. قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع الدّبّاء حوالي القصعة،
رواية: أنّه مولى للمصطفى ﷺ (دعا رسول الله ﷺ لطعام)؛ قيل: كان ثريدا (صنعه؛
قال أنس: فذهبت مع رسول الله ﷺ إلى ذلك الطّعام)؛ تبعا له ﷺ لكونه خادما، أو بطلب مخصوص، (فقرّب) - بتشديد الرّاء المفتوحة؛ مبنيّ للفاعل- أي: فقدّم الخيّاط (إلى رسول الله ﷺ خبزا من شعير، ومرقا) - بفتحتين- (فيه دبّاء)، - بضم الدّال وتشديد الموحدة وبالمد ويقصر-: القرع، الواحدة دبّاءة، (وقديد) أي: لحم مملوح مجفّف في الشمس؛ فعيل بمعنى مفعول. وفي «السنن»؛ عن رجل: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة؛ ونحن مسافرون، فقال:
«أملح لحمها» . فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
(قال أنس: فرأيت النّبيّ ﷺ يتتبّع)؛ أي يتطلّب (الدّبّاء حوالي) - بفتح اللّام وسكون التّحتيّة؛ مفرد مثنّى الصورة- أي: جوانب.
وفي «الصحيح»: من حوالي (القصعة) - بفتح القاف في الأشهر الأكثر- وهي: إناء يشبع منه عشرة، وأمّا الصّحفة: فهي الّتي تشبع الخمسة.
ومن اللّطائف: لا تكسر القصعة ولا تفتح الخزانة.
ثمّ تتبّعه من جوانبها؛ إمّا بالنّسبة لجانب؛ دون بقية الجوانب، بدليل أنّ أنس بن مالك كان يقرّبه إلى جهته ﵊، أو مطلقا.
ولا ينافيه النّهي عن ذلك!! لأنه للتّقذر والإيذاء، وهو منتف فيه ﷺ؛ لأنّهم كانوا يودّون ذلك منه، لتبرّكهم باثاره ﷺ، حتى أنّ نحو بصاقه، ومخاطه كانوا يدلكون به وجوههم، ويشربون بوله ودمه؛ فلا تناقض بين هذا وحديث: «كل
[ ٢ / ١١٣ ]
فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ.
قال النّوويّ: (فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء، وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ) .
ممّا يليك» .
على أنّ محلّ كراهة الأكل من غير ما يلي الآكل؛ إذا اتّحد لون ما في الإناء، لا إن اختلف كما هنا، فإنّ الإناء فيه قديد، ودبّاء، ومرق.
قال أنس رضي الله تعالى عنه: (فلم أزل أحبّ الدّبّاء من يومئذ)، أي: من يوم إذ رأيت النّبيّ ﷺ يتتبّعه. وللترمذيّ من حديث طالوت الشامي: دخلت على أنس رضي الله تعالى عنه؛ وهو يأكل قرعا، وهو يقول: يا لك شجرة، ما أحبّك إليّ بحبّ رسول الله ﷺ إيّاك.
(قال) العلّامة الإمام وليّ الله تعالى محيي الدّين يحيى (النّوويّ) رحمه الله تعالى:
(فيه أنّه يستحبّ أن يحبّ المرء الدّبّاء)، أي: يسعى في الأسباب المحصّلة إلى محبّتها، (وكذلك كلّ شيء كان يحبّه ﷺ)؛ لأنّ من خالص الإيمان حبّ ما كان يحبّه، واتّباع ما كان يفعله، ألا ترى إلى قول أنس: «فلم أزل أحبّ الدّبّاء » إلى آخره!!.
ولا شكّ أنّ محبّة المصطفى ﷺ مؤدّية إلى محبّة ما كان يحبّه، حتى من مأكول ومشروب وملبوس؛ فيسنّ محبّة الدّبّاء لمحبّته ﷺ له، وقد قال: «عليكم بالقرع؛ فإنّه يزيد في الدّماغ» . رواه الطبرانيّ؛ عن واثلة.
وللبيهقي: «فإنّه يزيد في العقل ويكبّر الدّماغ» . وروى الإمام أحمد؛ عن أنس: أنّ القرع كان أحبّ الطعام إلى رسول الله ﷺ. ولعلّه لما فيه من الرّطوبة في البدن.
وفي الحديث أنّه يسنّ إجابة الدّعوة؛ وإن قلّ الطعام، أو كان المدعوّ شريفا
[ ٢ / ١١٤ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء والعسل.
والدّاعي دونه، وأنّ كسب الخيّاط ليس بخبيث، ومحبّة ما يحبّه المصطفى ومؤاكلة الخادم، وجواز أكل الشّريف طعام من دون؛ من محترف وغيره، ومزيد تواضع المصطفى ﷺ، وملاطفة أصحابه وجبر خواطرهم، وتعاهدهم بالمجيء لمنازلهم.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأصحاب «السنن الأربعة»، و«الشمائل»
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يحبّ الحلواء) - بالمدّ على الأشهر فتكتب بالألف، وتقصر؛ فتكتب بالياء، وهي مؤنثة- قال الأزهري، وابن سيده: اسم طعام عولج بحلاوة، لكنّ المراد هنا- كما قال النووي-: كلّ حلو؛ وإن لم تدخله صنعة، وقد تطلق على الفاكهة.
(والعسل) النّحل، عطف خاصّ على عام لشرفه، كقوله تعالى وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة]، فما خلق لنا في معناه أفضل منه، ولا مثله، ولا قريبا منه، إذ هو غذاء من الأغذية، شراب من الأشربة، دواء من الأدوية، حلو من الحلواء، طلاء من الأطلية، مفرح من المفرحات؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
وحبّه ﷺ لذلك لم يكن للتّشهي، وشدّة نزوع النّفس له، وتأّنّق الصّنعة في اتّخاذها كفعل أهل التّرفّه المترفين الآن؛ بل معناه أنّه إذا قدّم له نال منه نيلا صالحا، فيعلم منه أنّه أعجبه.
وفيه حلّ اتّخاذ الحلاوات والطّيّبات من الرّزق، وأنّه لا ينافي الزهد، وردّ على من كره من الحلواء ما كان مصنوعا. كيف؛ وفي «فقه اللّغة»: أنّ حلواه التي كان يحبّها المجيع- كعظيم-: تمر يعجن بلبن.
وفيه ردّ على من زعم: «أنّ حلواه أنّه كان يشرب كلّ يوم قدح عسل بماء،
[ ٢ / ١١٥ ]
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. العسل.
وكان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ.. اللّبن.
وأنّ الحلواء المصنوعة لا يعرفها» .
ولم يصحّ أنّه رأى السّكّر. وخبر: «أنّه حضر ملاك أنصاري وفيه سكر» !!.
قال السّهيلي: غير ثابت. وشنّع على من احتجّ به؛ كالطحاوي، لعدم كراهة النّثار.
وأوّل من خبص في الإسلام عثمان؛ خلط بين دقيق وعسل وعصره على النّار حتّى نضج، أو كاد، وبعث به إلى المصطفى ﷺ فاستطابه. رواه الطبرانيّ، وغيره، وسيأتي.
(و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم: كلاهما في «الطبّ النبويّ»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان أحبّ الشّراب)؛ أي: المشروب (إلى رسول الله ﷺ العسل)؛ أي: الممزوج بالماء، كما قيّده به في رواية أخرى.
وفيه من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي لمعرفته إلّا فضلاء الأطبّاء، فإنّ شربه ولعقه على الرّيق يذيب البلغم ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها، ويدفع فضلاتها، ويفتح سددها، ويسخّنها باعتدال، ويفعل ذلك بالكبد والكلى والمثانة.
وإنّما يضر بالعرض؛ لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء، فربّما هيّجها!! ودفع ضرره لهم بالخل.
(و) أخرج أبو نعيم في «الطب»، عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وهو حديث حسن لغيره؛ كما في العزيزي- قال:
(كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ اللّبن)؛ لكثرة منافعه، ولكونه لا يقوم مقام الطّعام غيره، لتركّبه من الجبنيّة والسّمنيّة والمائيّة، فالجبنيّة باردة رطبة؛ مغذّية للبدن. والسّمنيّة معتدلة الحرارة والرطوبة؛ ملائمة للبدن الإنسانيّ الصحيح، كثيرة المنافع. والمائيّة حارّة رطبة؛ مطلقة للطبيعة، مرطّبة للبدن،
[ ٢ / ١١٦ ]
وكان ﷺ إذا شرب اللّبن.. قال: «إنّ له دسما» . وكان ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة مشوبا بالماء البارد.
وليس شيء من المائعات كذلك، كما قال ﵊: «ليس شيء يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ، وابن ماجه؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
لكن ينبغي ألايفرط في استعماله، لأنّه رديء للمحموم والمصروع، وإدامته تؤذي الدّماغ، وتحدث ظلمة البصر، والغشي، ووجع المفاصل، وسدد الكبد، ونفخ المعدة، ويدفع ضرره إضافة العسل أو السّكر إليه.
قال في «العارضة»: العسل واللّبن مشروبان عظيمان، سيما لبن الإبل «١»، فإنّه أجود الألبان، فإنّها تأكل من كلّ الشجر، وكذا النّحل لا تبقي نورا إلّا أكلت منه، فهما مركّبان من أشجار مختلفة، وأنواع من النّبات متباينة، فكأنّهما شرابان مطبوخان مصعّدان؛ لو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركّبوا شيئين منهما ما أمكن؛ فسبحان جامعهما!!.
واللّبن أفضل من العسل؛ على ما قاله السبكيّ، وقال غيره: العسل أفضل، وجمع بأنّ اللّبن أفضل من جهة التّغذّي والرّي، والعسل أفضل من حيث عموم المنافع؛ كالشفاء للناس والحلاوة.
ثمّ قضيّة حديث ابن عباس: «ليس يجزىء من الطّعام والشّراب إلّا اللّبن»: أنّ اللّبن أفضل من اللّحم!! ويعارضه ما ورد: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» .
وهذه الثلاثة- أعني الحلواء والعسل واللّحم- من أفضل الأغذية، وأنفعها للبدن والكبد والأعضاء، ولا ينفر منها إلّا من به علّة وآفة.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا شرب اللّبن؛ قال: «إنّ له دسما» .
و) في «المواهب»: (كان) رسول الله (ﷺ يشرب اللّبن خالصا تارة، وتارة) أخرى (مشوبا) مخلوطا (بالماء البارد) .
_________________
(١) لعلها: البقر والله أعلم.
[ ٢ / ١١٧ ]
وكان ﷺ إذا أتي بلبن.. قال: «بركة» .
وكان ﷺ يتمجّع التّمر باللّبن، ويسمّيهما:
«الأطيبين» .
ولا يرد أنّ اللّبن بارد؛ لأنّ اللّبن عند الحلب فيه حرارة بالنّسبة لما بعد الحلب بمدة، وتلك البلاد الحجازيّة في الغالب حارّة، فكان يكسر حرّ اللّبن النّسبيّ بالماء البارد على عادته في التعديل، وكان إذا شرب منه؛ قال: «اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه»، بخلاف غيره؛ فيقول: «وأبدلنا خيرا منه» .
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها- قال العزيزيّ: وهو حديث صحيح- (كان) رسول الله (ﷺ إذا أتي بلبن؛ قال «بركة»)، أي: هو بركة، يعني شربه زيادة في الخير.
(و) أخرج الإمام أحمد- بإسناد قويّ- عن بعض الصّحابة قال:
(كان) رسول الله (ﷺ [يتمجّع] التّمر باللّبن، ويسمّيهما: «الأطيبين»)؛ لأنّهما أطيب ما يؤكل. وفي رواية الإمام أحمد عن أبي خالد: دخلت على رجل وهو يتمجّع لبنا بتمر، فقال: ادن فإنّ رسول الله ﷺ سمّاهما «الأطيبين» . ورجاله ثقات، وإبهام الصحابيّ لا يضرّ «١» .
قال في «شرح الإحياء»: المجيع- كأمير-: تمر يعجن بلبن. وقد جاء ذكره في «فقه اللّغة» للثّعالبيّ، وأنّه ﷺ كان يحبّه، وتقدم.
قال المجد: تمجّع: أكل التّمر اليابس باللّبن معا، أو أكل التّمر وشرب عليه اللّبن.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ يسمّي التّمر واللّبن: «الأطيبين» . رواه الحاكم وصحّحه، وردّه الذهبيّ بأن طلحة بن زيد
_________________
(١) لأن جميعهم ثقات عدول ﵃ أجمعين.
[ ٢ / ١١٨ ]
وأكل ﷺ التّمر بالزّبد، وكان يحبّه.
وفي «الإحياء»: أنّه جاء عثمان بن عفّان رضي الله تعالى عنه بفالوذج، فأكل منه، وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟» .
- روايه عن هشام عن عروة عنها- ضعيف. انتهى «زرقاني» .
(و) في «المواهب»: (أكل ﷺ التّمر بالزّبد) - بالضم فسكون-:
ما يستخرج بالخضّ؛ من لبن البقر والغنم، أمّا المستخرج من لبن الإبل! فلا يسمى زبدا، بل يقال «حباب»؛ «حبابي» .
(وكان يحبّه)، يعني الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر يابس، ففيه إصلاح كلّ بالآخر.
أخرج أبو داود، وابن ماجه- بإسناد حسن؛ كما قال بعض الحفّاظ- عن عبد الله، وعطيّة «ابني بسر المازنيّ»؛ قالا: دخل علينا رسول الله ﷺ، فقدّمنا له زبدا وتمرا، وكان يحبّ الزّبد والتمر. وفيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا، والتوسّع في المطاعم.
وما روي عن السّلف من خلافه!! محمول على الكراهة في التّوسّع، والترفّه، والإكثار؛ لغير مصلحة دينيّة.
قال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفة الأطعمة، وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللّائق على قاعدة الطبّ. انتهى «زرقاني» .
(وفي «الإحياء»): يروى (أنّه) ﷺ (جاء) هـ (عثمان بن عفّان)، ذو النّورين؛ أحد العشرة المبشّرين بالجنّة، وثالث الخلفاء الراشدين. وتقدّمت ترجمته.
(رضي الله تعالى عنه؛ بفالوذج): وهو اسم أعجميّ لنوع من الحلوى، (فأكل منه؛ وقال: «ما هذا يا أبا عبد الله؟») . قال ابن عبد البرّ: يكنى أبا عبد الله، وأبا عمرو؛ كنيتان مشهورتان، وأبو عمرو أشهرهما؛
[ ٢ / ١١٩ ]
قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة، ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه حتّى ينضج؛ فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب» .
قيل: إنّه ولدت له رقيّة بنت النبيّ ﷺ ابنا؛ فسماه عبد الله، واكتنى به ومات.
ثمّ ولد له عمرو، فاكتنى به إلى أن مات. قال: وقد قيل: إنّه كان يكنى أبا ليلى.
(قال: بأبي أنت وأمّي، نجعل السّمن والعسل في البرمة) - بالضمّ-: قدر من فخّار، والجمع برم، كغرفة وغرف. (ونضعها على النّار، حتّى نغليه، ثمّ نأخذ مخّ الحنطة)؛ أي: لبابها (إذا طحنت، فنلقيه على السّمن والعسل في البرمة، ثمّ نسوطه) أي: نحرّكه بالسّوط (حتّى ينضج)؛ أي: يستوي، (فيأتي كما ترى.
فقال رسول الله ﷺ: «إنّ هذا الطّعام طيّب») .
قال العراقيّ: المعروف أنّ الّذي صنعه عثمان: الخبيص.
رواه البيهقيّ في «الشّعب» من حديث ليث بن أبي سليم؛ قال: أوّل من خبص الخبيص عثمان بن عفان، قدمت عليه عير تحمل الدّقيق والعسل، فخلط بينها، وبعث إلى رسول الله ﷺ، فأكل فاستطابه. وقال العراقيّ: هذا منقطع.
وروى الطبرانيّ، والبيهقيّ في «الشعب» من حديث عبد الله بن سلام: أقبل عثمان ومعه راحلة، وعليها غرارتان. وفيه: فإذا دقيق وسمن وعسل. وفيه: ثمّ قال لأصحابه: كلوا هذا الّذي تسمّيه فارس «الخبيص» .
وأمّا خبر الفالوذج!! فرواه ابن ماجه- بإسناد ضعيف- من حديث ابن عبّاس قال: أوّل ما سمعنا بالفالوذج: أنّ جبريل أتى النّبيّ ﷺ فقال: إنّ أمّتك تفتح عليهم الأرض، ويفاض عليهم من الدنيا، حتّى أنّهم ليأكلون الفالوذج.
[ ٢ / ١٢٠ ]
وذكر هذه القصّة في «المواهب» عن عبد الله بن سلام بوجه آخر، مع تسمية هذا الطّعام: الخبيص.
قال النّبيّ ﷺ: «وما الفالوذج؟!» . قال: يخلطون السّمن والعسل جميعا.
قال ابن الجوزي في «الموضوعات»: هذا حديث باطل لا أصل له. انتهى كلام العراقيّ نقله في «شرح الإحياء» ثمّ قال: قلت: أخرجه ابن الجوزي من طريق ابن أبي الدنيا؛ قال: حدّثني إبراهيم بن سعد الجوهري؛ قال: حدّثنا أبو اليمان عن إسماعيل بن عيّاش؛ عن محمد بن طلحة عن عثمان بن يحيى عن ابن عبّاس فذكره.
وفي رواية أخرى بزيادة: فشهق النّبيّ ﷺ شهقة. قال: وهذا حديث باطل لا أصل له. ومحمد بن طلحة: قد ضعّفه يحيى بن معين، وعثمان بن يحيى الحضرميّ. قال الأزديّ: لا يكتب حديثه عن ابن عباس. وقال النّسائيّ:
إسماعيل بن عيّاش ضعيف.
قلت: وهذا القدر الّذي ذكره لا يوجب أن يكون الحديث باطلا؛ لا أصل له.
كيف؛ وقد أخرجه ابن ماجه؟! وغاية ما يقال: إن إسماعيل بن عيّاش إذا روى عن غير الشّاميّين فلا يحتجّ بحديثه، وفرق بين أن يقال: ضعيف؛ وأن يقال:
باطل. والعجب من الحافظ العراقيّ كيف سكت عن التّعقّب عليه؟!. انتهى.
(وذكر هذه القصّة) القسطلّانيّ (في «المواهب»؛
عن عبد الله بن سلام)، بالتّخفيف- الإسرائيليّ أبي يوسف،
حليف بني الخزرج. قيل: كان اسمه الحصين، فسمّاه النّبيّ ﷺ عبد الله،
وهو صحابي جليل مشهور، مبشّر بالجنة، له أحاديث. مات بالمدينة المنوّرة سنة: - ٤٣- ثلاث وأربعين، رضي الله تعالى عنه (بوجه آخر) فيه مخالفة لما ساقه في «الإحياء»؛ (مع تسمية هذا الطّعام) المتّخذ من العسل والدقيق والسّمن (الخبيص) !! أي: الخليط، فعيل بمعنى مفعول، من الخبص بمعنى الخلط يقال: خبصت الشّيء خبصا- من باب ضرب-: خلطته.
[ ٢ / ١٢١ ]
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم،
قال في «المواهب»: وعن عبد الله بن سلام قال: قدمت عير فيها جمل لعثمان رضي الله تعالى عنه، عليه دقيق حوّارى وسمن وعسل، فأتى بها النّبيّ ﷺ، فدعا فيها بالبركة، ثمّ دعا ﷺ ببرمة فنصبت على النار، وجعل فيها من العسل والدقيق والسمن، ثمّ عصد حتى نضج؛ أو كاد ينضج، ثمّ أنزل، فقال النّبيّ ﷺ: «كلوا؛ هذا شيء تسمّيه فارس: الخبيص» .
قال المحبّ الطبريّ: خرّجه تمّام في «فوائده»، والطبرانيّ في «معاجيمه»، ورجاله ثقات. وفي الشّاميّ: رجال «الأوسط» و«الصغير» ثقات، وقد أخرجه الحاكم وصحّحه، وبقيّ بن مخلد. انتهى.
ومقتضى هذا الحديث أنّ أوّل من خبص في الإسلام النّبيّ ﷺ، فيخالف ما ذكره في «شرح الإحياء» وغيره: أنّ أوّل من خبص عثمان بن عفان.
ويحتمل أنّ نسبته إلى عثمان؛ لكونه كان سببا في فعله بإهدائه إليه.
لكن روى الحارث بسند منقطع: صنع عثمان خبيصا بالعسل والسّمن والبرّ، وأتى به في قصعة إلى النّبيّ ﷺ، فقال: «ما هذا؟» . قال: هذا شيء تصنعه الأعاجم، تسمّيه الخبيص. فأكل.
ويمكن الجمع أيضا بتكرّر ذلك، فيكون عثمان فعله أوّلا بنفسه، ثمّ عرضه على المصطفى فأمر بأن يصنع له منه ففعل. والله أعلم. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ ابن حيّان؛ من رواية ابن سمعان «١» قال: سمعت علماءنا «٢» يقولون: (كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ اللّحم) .
_________________
(١) هو محمد بن أبي يحيى وهو سمعان الأسلمي المدني صدوق من الخامسة. مات سنة ١٤٧؛ كما في «التقريب» . وليس هو أبا منصور السمعاني محمد بن محمد بن سمعان بكسر السين المذكور في «التبصرة» . «هامش الأصل» .
(٢) يعني التابعين. «هامش الأصل» .
[ ٢ / ١٢٢ ]
ويقول: «إنّه يزيد في السّمع، وهو سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة،
وللتّرمذي في «الشمائل»؛ من حديث جابر: أتانا النّبيّ ﷺ في منزلنا، فذبحنا له شاة، فقال: «كأنّهم علموا أنّا نحبّ اللّحم» !. وإسناده صحيح.
وفي حديث قصة جابر في الخندق؛ وهي طويلة: (ويقول: «إنّه)؛ أي:
اللحم (يزيد في السّمع) .
قال الإمام الشافعيّ: إنّ أكله يزيد في العقل. وقال الإمام الزهريّ: أكل اللحم يزيد سبعين قوة، ولكن ينبغي ألايواظب على أكله؛ كما قال الغزاليّ، لما جاء عن عليّ رضي الله تعالى عنه: إنّه يصفّي اللّون، ويحسّن الخلق، ومن تركه أربعين ليلة ساء خلقه، ومن داوم عليه أربعين يوما قسا قلبه» .
وقال ابن القيّم: ينبغي عدم المداومة على أكل اللّحم؛ فإنّه يورث الأمراض الدّمويّة والامتلائيّة، والحمّيّات الحادّة.
وقال بقراط: لا تجعلوا بطونكم مقابر للحيوان. انتهى «زرقاني» .
(وهو سيّد) أي: أفضل، إذ السّيّد الأفضل، كخبر: «قوموا إلى سيّدكم» أي: أفضلكم (الطّعام في الدّنيا والآخرة) .
ولابن ماجه؛ من حديث أبي الدرداء- بإسناد ضعيف لا موضوع؛ كما زعم ابن الجوزي! -: «سيّد طعام أهل الدّنيا وأهل الجنّة اللّحم» .
وروى أبو نعيم في «الطب»؛ من حديث عليّ: «سيّد طعام الدّنيا اللّحم، ثمّ الأرزّ. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» أيضا..
وروى الدّيلميّ؛ عن صهيب رفعه: «سيّد الطّعام في الدّنيا والآخرة اللّحم، ثمّ الأرزّ، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء» .
وعن بريدة مرفوعا: «سيّد الإدام في الدّنيا والآخرة اللّحم، وسيّد الشّراب في الدّنيا والآخرة الماء، وسيّد الرّياحين في الدّنيا والآخرة الفاغية» .
[ ٢ / ١٢٣ ]
ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم.. لفعل» .
وعن عطاء بن يسار: أنّ أمّ سلمة
رواه الطّبرانيّ وغيره، ورواه أبو نعيم في «الطب» بلفظ «خير» .
وعن ربيعة بن كعب رفعه: «أفضل طعام الدّنيا والآخرة اللّحم» .
رواه العقيلي، وأبو نعيم في «الحلية» . وكلّها ضعيفة، لكن بانضمامها تقوى، كما أشار إليه السّخاوي رحمه الله تعالى.
(ولو سألت ربّي أن يطعمنيه كلّ يوم لفعل»)، لكنّي لم أسأله، ولذا كان لا يأكل اللّحم إلّا غبّا. كما رواه الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» .
(و) أخرج الترمذيّ (عن عطاء بن يسار) الهلاليّ المدنيّ «مولى ميمونة بنت الحارث الهلاليّة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها»، أخي سليمان، وعبد الله، وعبد الملك، بني يسار، وهو من كبار التابعين.
سمع ابن مسعود، وأبيّ بن كعب، وعبد الله بن سلام، وأبا أيّوب، وابن عمر، وابن عبّاس، وابن عمرو بن العاصي، وأبا واقد اللّيثيّ، وأبا رافع، وأبا سعيد الخدريّ، وأبا هريرة، وأبا ملك، وزيد بن ثابت، وزيد بن خالد، ومولاته ميمونة رضي الله تعالى عنهم. وقال أبو حاتم: لم يسمع ابن مسعود، وأثبت البخاري سماعه منه.
روى عنه جماعات من التابعين؛ منهم أبو سلمة بن عبد الرحمن، وعمرو بن دينار، وغيرهما. قال ابن سعد: كان ثقة؛ كثير الحديث، واتّفقوا على توثيقه، وتوفي سنة: - ١٠٣- ثلاث ومائة، وقيل غير ذلك رحمه الله تعالى.
(أنّ أمّ سلمة)، كنيت بابنها سلمة بن أبي سلمة، واسمها: هند بنت أبي أمية، - واسمه: حذيفة، أو سهيل، أو هشام- ابن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم المخزومية كانت قبل رسول الله ﷺ عند أبي سلمة، عبد الله بن عبد الأسد، وهاجر بها أبو سلمة إلى أرض الحبشة في الهجرتين جميعا، فولدت له
[ ٢ / ١٢٤ ]
رضي الله تعالى عنها أخبرته أنّها قرّبت إلى رسول الله ﷺ جنبا مشويّا فأكل منه.
هناك زينب بنت أبي سلمة، وولدت له بعد ذلك سلمة، وعمر، ودرّة: بني أبي سلمة؛ قاله ابن سعد.
ومات أبو سلمة سنة: أربع من الهجرة في جمادى الآخرى فاعتدّت، وحلّت في أواخر شوّال سنة: أربع، وتزوّجها رسول الله ﷺ سنة أربع في أواخر شوال، وتوفّيت في ذي القعدة سنة: - ٥٩- تسع وخمسين.
وكانت من أجلّ النّساء، واتّفقوا على أنّها دفنت بالبقيع، وهي آخر أمّهات المؤمنين وفاة، وكانت هي وزوجها أوّل من هاجر إلى الحبشة (رضي الله تعالى عنها)، وعن زوجها وأولادها. آمين.
(أخبرته أنّها قرّبت) - بتشديد الراء- أي: قدّمت (إلى رسول الله ﷺ جنبا) - بفتح الجيم وسكون النّون وموحدة-: شقّ الإنسان وغيره؛ كما في «القاموس»، ولذا أطلق على الشّق الذي قدّمته له من شاة، كما قال بعض الشّرّاح، وزعم «أنّه لا دليل عليه» !! يدفعه أنّه الظّاهر من أحوالهم.
(مشويّا) بمطلق نار؛ أو بالحجارة المحماة، كما قيل في قوله تعالى ف جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) [هود]: أي: مشويّ بالرّضف، أي: الحجارة المحماة. وقال ابن عبّاس: أي: نضيج، وهو أخصّ منه.
قال العراقيّ: وقع الاصطلاح في هذه الأعصار على أنّ المراد بالشّواء اللحم السّميط؛ وإنّما كان يطلق قبل هذا على المشويّ، ولم يكن السّميط على عهده ﷺ، ولا رأى شاة سميطا قطّ.
(فأكل منه) ثمّ قام إلى الصّلاة وما توضأ. قال الترمذيّ- بعد ما رواه-:
حديث صحيح.
[ ٢ / ١٢٥ ]
وعن عبد الله بن الحارث قال: أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء في المسجد.
وعن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه قال: ضفت مع رسول الله ﷺ ذات ليلة، فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ الشّفرة؛
(و) أخرج الترمذيّ أيضا (عن عبد الله بن الحارث؛ قال:
أكلنا مع رسول الله ﷺ شواء) - بكسر الشّين المعجمة أو ضمّها؛ مع المدّ، ويقال: شوى كغنى-: هو اللّحم المشويّ بالنّار. فقول شارح «أي: لحما ذا شواء» !! ليس على ما ينبغي، لأنّ الشّواء ليس مصدرا كما يقتضيه كلامه، بل اسم اللّحم المشويّ (في المسجد) .
زاد ابن ماجه: ثمّ قام فصلّى وصلّينا معه، ولم نزد أن مسحنا أيدينا بالحصباء.
وفيه دليل لجواز أكل الطّعام في المسجد؛ جماعة وفرادى، ومحلّه إن لم يحصل ما يقذر المسجد، وإلّا! فيكره أو يحرم، ويمكن حمل أكلهم على زمن الاعتكاف، فلا يرد أنّ الأكل في المسجد خلاف الأولى عند أمن التّقذير، على أنّه يمكن أن يكون لبيان الجواز. والله أعلم.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن المغيرة بن شعبة رضي الله تعالى عنه؛ قال: ضفت) - بكسر أوّل- (مع رسول الله ﷺ ذات ليلة)، أي: نزلت معه ﷺ ضيفين على إنسان في ليلة من اللّيالي.
يقال: ضفت الرجل؛ إذا نزلت به في ضيافة، وأضفته إذا أنزلته، فليس المراد جعلته ضيفا لي حال كوني معه، خلافا لمن زعمه.
وقد وقعت هذه الضّيافة في بيت ضباعة بنت الزّبير بن عبد المطلب، «بنت عم النّبيّ ﷺ»؛ كما أفاده القاضي إسماعيل (فأتي بجنب مشويّ، ثمّ أخذ)، أي:
النّبيّ ﷺ (الشّفرة) - بفتح الشّين المعجمة، وسكون الفاء؛ كطلحة-: وهي
[ ٢ / ١٢٦ ]
فجعل يحزّ، فحزّ لي بها منه.
قال: فجاء بلال يؤذنه بالصّلاة، فألقى
السّكين العريض العظيم، وجمعه شفار؛ ككلب وكلاب، وشفرات مثل سجدة وسجدات.
(فجعل) أي: شرع (يحزّ) - بضم الحاء؛ من باب ردّ- أي: يقطع من الحزّ- بحاء مهملة-: القطع (فحزّ) - بتشديد الزّاي- أي: فقطع (لي)؛ أي: لأجلي (بها)، أي: بالشّفرة (منه)، أي: من ذلك الجنب المشويّ.
وفيه حلّ قطع اللّحم بالسّكين! ولا يشكل على ذلك خبر: «لا تقطعوا اللّحم بالسّكّين؛ فإنّه من وضع الأعاجم، وانهسوه، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
رواه أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها!! لقول أبي داود- عقب روايته- فيه: ليس بالقويّ.
وعلى التنزّل! فالنّهي وارد في غير المشويّ، أو محمول على ما إذا اتّخذه عادة. ويمكن أن يقال: النّهس محمول على النّضيج، والحزّ على غير النّضيج، وبذلك عبّر البيهقيّ؛ فقال: النّهي عن قطع اللّحم بالسّكين في لحم تكامل نضجه.
وذهب بعضهم إلى أنّ الحزّ لبيان الجواز؛ تنبيها على أنّ النّهي للتّنزيه لا للتّحريم.
وفيه أنّه ينبغي للكبير أن يحزّ للصغير؛ إظهارا لمحبّته، وتألّفا له. قاله المناوي.
(قال) أي المغيرة (: فجاء بلال) أي: المؤذّن، أبو عبد الرّحمن.
كان يعذّب في ذات الله، فاشتراه أبو بكر رضي الله تعالى عنه فأعتقه. وهو أوّل من أسلم من الموالي «١»، شهد بدرا وما بعدها، ومات بدمشق سنة: - ١٨- ثمان عشرة، وله ثلاث وستون سنة؛ من غير عقب، ودفن بباب الصغير رضي الله تعالى عنه.
(يؤذنه) - بسكون الهمزة وقد تبدل واوا؛ من الإيذان- وهو: الإعلام، والتّأذين مثله إلّا أنّه خصّ بالإعلام بوقت الصّلاة، أي: يعلمه (بالصّلاة، فألقى
_________________
(١) لعل أول من أسلم من الموالي الصحابي زيد بن حارثة ﵁. والله أعلم.
[ ٢ / ١٢٧ ]
الشّفرة، فقال: «ما له؟! تربت يداه» .
قال: وكان شاربه قد وفا، فقال له: «أقصّه لك على سواك؟
أو: قصّه على سواك» .
الشّفرة)، أي: رماها النّبيّ ﷺ (فقال: «ما له)، أي: لبلال (تربت يداه؟!»)، أي: أيّ شيء ثبت له؛ يبعثه على الإعلام بالصلاة بحضرة الطعام، التصقت يداه بالتراب من شدة الفقر؟!. وهذا معناه بحسب الأصل.
والمقصود منه هنا: الزّجر عن ذلك؛ لا حقيقة الدّعاء عليه، فإنّه ﷺ كره منه إعلامه بالصّلاة بحضرة الطعام. والصّلاة بحضرة طعام تتوق إليه النّفس مكروهة، مع ما في ذلك من إيذاء المضيف وكسر خاطره!! هذا هو الأليق بالسّياق وقواعد الفقهاء. قاله الباجوريّ.
(قال)؛ أي المغيرة (: وكان شاربه) أي: بلال (قد وفا)، أي: طال.
أي: قال المغيرة: وكان شارب بلال قد طال وأشرف على فمه.
والشّارب: هو الشّعر النّابت على الشّفة العليا، والذي يقصّ منه هو الذي يسيل على الفم، ولا يكاد يثنّى؛ فلا يقال: شاربان، لأنّه مفرد، وبعضهم يثنّيه باعتبار الطّرفين، وجمعه: شوارب.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (له) أي: لبلال (: «أقصّه) أنا (لك على سواك!)، بوضع السّواك تحت الشّارب، ثم قصّ ما فضل عن السواك (أو:
قصّه) أنت (على سواك»)، بصيغة الفعل المضارع المسند للمتكلم وحده في الأوّل، وبصيغة الأمر في الثّاني.
وهذا شكّ من المغيرة، أو ممّن دونه من الرواة؛ في أيّ اللّفظين صدر من النّبيّ ﷺ. وسبب القصّ على السّواك ألاتتأذّى الشّفة بالقصّ.
ويؤخذ من هذا الحديث: ندب قصّ الشّارب إذا طال حتّى تظهر حمرة الشّفة، وجواز أن يقصّه لغيره، وأن يباشر القصّ بنفسه. ويندب الابتداء بقصّ الجهة اليمنى من الشارب.
[ ٢ / ١٢٨ ]
وكان ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت.
وكان ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف.
وهل الأفضل قصّه؛ أو حلقه؟! والأكثرون على الأوّل، بل قال مالك:
يؤدّب الحالق، وبعضهم على الثّاني، وجمع بأنّه يقصّ البعض ويحلق البعض.
ويكره إبقاء السّبال، لخبر ابن حبّان: ذكر لرسول الله ﷺ المجوس، فقال:
«إنّهم قوم يوفرون سبالهم ويحلقون لحاهم، فخالفوهم»، وكان يجزّ سباله كما يجزّ الشاة والبعير! وفي خبر عند أحمد: «قصّوا سبالكم ووفّروا لحاكم» .
وفي «الجامع الصغير»: «وفّروا اللّحى، وخذوا من الشّوارب، وانتفوا الإبط، وقصّوا الأظافير» . رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ عن أبي هريرة.
وروى البيهقيّ؛ عن أبي أمامة: «وفّروا عثانينكم وقصّوا سبالكم» .
والعثنون: اللّحية.
لكن رأى الغزاليّ وغيره: أنّه لا بأس بترك السّبال؛ اتّباعا لعمر وغيره، فإنّه لا يستر الفم، ولا يصل إليه غمر الطعام. أي: دهنه.
(و) في «كشف الغمة» للشّعرانيّ: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل من الكبد إذا شويت) . روى الدّارقطنيّ: أنّه ﷺ لم يكن يفطر يوم النّحر حتى يرجع ليأكل من كبد أضحيته.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . وفي رواية: «لحم الظّهر» .
والجمع: أنّه كان يحبّ ذلك كلّه، وربّما قدّم بعضها على بعض؛ في بعض الأحيان، فأخبر كلّ راو عما رآه يتعاطاه.
وروى الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكانت أحبّ الشاة إليه الحديث.
[ ٢ / ١٢٩ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: أتي النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع- وكانت تعجبه- فنهس منها.
وعن ابن مسعود
وروى أبو الشّيخ وغيره؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف. وإسناده ضعيف.
ومن حديث أبي هريرة: لم يكن يعجبه من الشّاة إلّا الكتف.
وروى أبو داود؛ من حديث ابن مسعود بلفظ: كان يعجبه الذّراع.
ولابن السّنّي، وأبي نعيم في «الطب»؛ من حديث أبي هريرة: كان يعجبه الذّراعان والكتف.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ، والنسائيّ، وابن ماجه؛
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: أتي) بصيغة المجهول (النّبيّ ﷺ بلحم، فرفع إليه الذّراع) - كحمار- هو اليد من كلّ حيوان، لكنّها من الإنسان من طرف المرفق إلى طرف الأصبع الوسطى؛ تؤنّث وقد تذكّر، ومن البقر والغنم ما فوق الكراع- بضم الكاف- الذي هو مستدقّ السّاق.
(وكانت تعجبه) !! لأنّها أحسن نضجا، وأعظم لينا، وأسرع استمراء، وأبعد عن مواضع الأذى، مع زيادة لذّتها وحلاوة مذاقها.
(فنهس منها) - بمهملة أو بمعجمة- أي: تناوله بأطراف أسنانه، وقيل: هو بالمهملة ما ذكر، وبالمعجمة: تناوله بجميع الأسنان، وهذا أولى وأحبّ من القطع بالسّكين، حيث كان اللّحم نضيجا- كما سبق-.
ويؤخذ من هذا منع الأكل بالشّره، فإنّه ﷺ مع محبّته للذّراع نهس منها، ولم يأكلها بتمامها؛ كما يدلّ عليه حرف التّبعيض!.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن ابن مسعود): عبد الله بن
[ ٢ / ١٣٠ ]
رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ يعجبه الذّراع، وسمّ في الذّراع، وكان يرى أنّ اليهود سمّوه.
عبد الرحمن الهذليّ، حليف بني زهرة، من السّابقين البدريّين، شهد المشاهد كلّها، ومات بالمدينة المنورة سنة: - ٣٢- اثنتين وثلاثين، وتقدّمت ترجمته (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان النّبيّ ﷺ يعجبه) بالتذكير، وفي نسخة صحيحة من «الشمائل» [تعجبه] بالتّأنيث (الذّراع)، وفي رواية: الكتف؛ بدل: الذراع.
(وسمّ في الذّراع) في فتح خيبر، أي: جعل فيه سمّا قاتلا لوقته، فأكل منه لقمة، فأخبره جبريل؛ أو الذراع- على الخلاف-، وجمع بأنّ الذّراع أخبرته أوّلا، ثمّ أخبره جبريل بذلك تصديقا لها، فتركه؛ ولم يضرّه السّمّ- ففي ذلك ما أظهره الله من معجزاته ﷺ من تكليم الذّراع له، وعدم تأثير السّمّ فيه حالا.
وفي رواية: «لم تزل أكلة خيبر تعاودني حتّى قطعت أبهري» .
ومعناه: أنّ سمّ أكلة خيبر- بضم الهمزة-: وهي اللّقمة التي أكلها من الشاة.
وبعض الرواة فتح الهمزة! وهو خطأ؛ كما قاله ابن الأثير- كان يعود عليه، ويرجع إليه حتّى قطعت أبهره! وهو: عرق مستبطن بالصّلب متّصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه.
قال العلماء: فجمع الله له بين النّبوّة والشهادة. ولا يرد على ذلك قوله تعالى وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [٦٧/ المائدة] !! لأنّ الآية نزلت عام تبوك، والسّمّ كان بخيبر قبل ذلك.
(وكان) أي: ابن مسعود (يرى) - بصيغة المجهول، أو [يرى] المعلوم- أي: يظنّ (أنّ اليهود سمّوه)، أي: أطعموه السّمّ في الذّراع.
وأسنده إلى اليهود!! لأنّه صدر على أمرهم واتّفاقهم، وإلّا! فالمباشر لذلك زينب بنت الحارث امرأة سلام بن مشكم اليهوديّ، وقد أحضرها ﷺ، وقال:
[ ٢ / ١٣١ ]
وعن أبي عبيدة رضي الله تعالى عنه قال: طبخت للنّبيّ ﷺ قدرا، وكان يعجبه الذّراع، فناولته الذّراع، ثمّ قال:
«ناولني الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من
«ما حملك على ذلك»؟ فقالت: قلت: إن كان نبيّا لا يضرّه السّمّ، وإلّا! استرحنا منه.
فاحتجم على كاهله وعفا عنها، لأنّه كان لا ينتقم لنفسه.
قال الزّهريّ وغيره: أسلمت، فلمّا مات بشر بن البراء- وكان أكل مع النّبيّ ﷺ- من الذراع دفعها لورثته فقتلوها قودا.
وبه جمع القرطبيّ وغيره بين الأخبار المتدافعة.
(و) أخرج الدارميّ، وتلميذه الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل»؛
(عن أبي عبيدة) - بالتصغير- مولى المصطفى ﷺ، صحابيّ، له هذا الحديث في هذا الكتاب، اسمه كنيدة (رضي الله تعالى عنه) . قال زين الحفّاظ العراقيّ:
هكذا وقع في سماعنا من كتاب «الشمائل»: أبي عبيدة، بزيادة تاء التّأنيث في آخره.
وهكذا ذكره المؤلّف في «الجامع»، والمعروف أنّه أبو عبيد!! وهكذا هو في بعض نسخ «الشمائل»، بلاتاء تأنيث، وهكذا ذكره المزّيّ في «أطرافه»؛ (قال:
طبخت)، أي: أنضجت (للنّبيّ ﷺ قدرا)؛ أي: شاة في قدر، يقال:
طبخت اللّحم طبخا؛ أنضجته، قاله الزّهريّ: ومن ثمّ قال بعضهم: لا يسمّى طبيخا- فعيلا بمعنى مفعول- إلّا إذا كان يمرق، ويكون الطبخ في غير اللّحم أيضا، فيقال: خبزة جيّدة الطبخ؛ كما في «الصحاح» وغيره.
(وكان يعجبه الذّراع) ذكره توطئة لقوله: (فناولته الذّراع) . ظاهره أنّه لم يطلبه منه أوّل مرّة، بل ناوله إيّاه لعلمه أنّه يعجبه، (ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فناولته، ثمّ قال: «ناولني الذّراع»، فقلت: يا رسول الله؛ وكم للشّاة من
[ ٢ / ١٣٢ ]
ذراع؟! فقال: «والذي نفسي بيده؛ لو سكتّ.. لناولتني الذّراع ما دعوت» .
ذراع؟!) استفهام، لكن فيه إساءة أدب، وعدم امتثال له ﷺ، فلذلك عاد عليه شؤم عدم الامتثال، بأن حرم مشاهدة المعجزة، وهي أن يخلق الله تعالى ذراعا بعد ذراع وهكذا؛ إكراما لخلاصة خلقه ﷺ.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (: «و) الله (الّذي نفسي) أي: روحي أو جسدي أوهما (بيده): بقوّته وقدرته وإرادته، إن شاء أبقاه، وإن شاء أفناه.
وكان يقسم به كثيرا، والظاهر أنّه يريد به: أنّ ذاته منقادة له لا يفعل إلّا ما يريد (لو سكتّ) عمّا قلت، ممّا فيه إساءة أدب، وامتثلت أمري في مناولة المراد (لناولتني الذّراع) أي: واحدا بعد واحد (ما دعوت»)، أي: مدّة طلبي الذّراع؛ بأن يخلق الله تعالى فيها ذراعا بعد ذراع وهكذا؛ معجزة لي، لكنّك لم تسكت!! فمنعت تلك المعجزة التي فيها نوع تشريف لمشاهدها، لأنّه لا يليق إلّا بكامل التّسليم الذي لا يستفهم، فحملته عجلة نفسه على أن قال ما قال، فانقطع المدد.
فلو تلقّاه المناول بالأدب، وصمت مصغيا إلى ذلك العجب؛ لشرّفه الله بإجراء هذا المزيد عليه ولم ينقطع لديه، فلمّا عجل وعارض تلك المعجزة برأيه؛ منعه ذلك عن مشاهدة هذه المعجزة العظمى التي لا تناسب إلّا من كمل تسليمه.
وقد روى الحديث أيضا الإمام أحمد؛ عن أبي رافع القبطيّ «مولى رسول الله ﷺ»، واسمه: أسلم، ومات في أوّل خلافة عليّ- على الصحيح- ولفظه: أنّه أهديت له شاة؛ فجعلها في قدر.
فدخل رسول الله ﷺ فقال: «ما هذا؟» . قال: شاة أهديت لنا فطبختها في القدر، قال: «ناولني الذّراع يا أبا رافع» . فناولته الذّراع، ثمّ قال: «ناولني الذّراع الآخر» . فناولته الذّراع الآخر، فقال: «ناولني الذّراع الآخر» .
[ ٢ / ١٣٣ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ، ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا، وكان يعجل إليها؛ لأنّها أعجلها نضجا.
فقال: يا رسول الله؛ إنّما للشّاة ذراعان!!.
فقال له ﷺ: «أما إنّك لو سكتّ لناولتني ذراعا فذراعا ما سكتّ» . ثمّ دعا بماء فمضمض فاه، وغسل أطراف أصابعه، ثمّ قام فصلّى الحديث.
والظّاهر أنّ القضيّة متعدّدة لاختلاف مخرج الحديث.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» بإسناد فيه مقال؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
ما كانت الذّراع أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ) - أي: على الإطلاق، لما سيأتي من قوله ﷺ: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» !
(ولكنّه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا) - بكسر الغين المعجمة وتشديد الباء الموحدة- أي: وقتا دون وقت، لا يوما بعد يوم، لما ثبت في «الصحيحين»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان يأتي علينا الشهر، ما نوقد فيه نارا؛ إنّما هو التّمر والماء، إلّا أن يؤتى باللّحم. قاله في «جمع الوسائل» .
(وكان يعجل) - بفتح الجيم- أي: يسرع (إليها)، أي: إلى الذّراع، (لأنّها)، أي: الذّراع، وتأنيثها باعتبار كونها قطعة من الشاة؛ قاله المناوي.
وقد تقدّم أنّ الذّراع تذكّر وتؤنّث، فلا معنى لهذا التأويل (أعجلها)؛ أي:
أعجل اللّحوم، أو أعجل الشّاة (نضجا) - بضمّ النّون- أي: طبخا، ومعنى الحديث: أنّ الذّراع ما كان أحبّ إليه؛ وإنّما يعجل إليه لسرعة نضجه، لكونه كان لا يجد اللّحم إلّا غبّا.
قال الحافظ العراقيّ: وليس فيه منافاة لبقيّة الأحاديث، أنّه كان يعجبه الذّراع،
[ ٢ / ١٣٤ ]
وكان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها.
إذ يجوز أن يعجبه وليست بأحبّ اللّحم إليه، ويؤيّده تصريحه في الحديث الآخر:
أنّ أطيب اللّحم لحم الظهر.
وقال ابن حجر الهيتميّ: هذا بحسب ما فهمته عائشة رضي الله تعالى عنها، وإلّا فالذي دلّت عليه الأحاديث السابقة وغيرها: أنّه كان يحبّها محبّة غريزيّة طبيعيّة، سواء فقد اللّحم أم لا!!
وكأنّها أرادت بذلك تنزيه مقامه الشريف عن أن يكون له ميل إلى شيء من الملاذّ، وإنما سبب المحبّة سرعة نضجها، فيقلّ الزّمن للأكل، ويتفرّغ لمصالح المسلمين. وعلى الأوّل!! فلا محذور في محبّة الملاذّ بالطبع، لأنّ هذا من كمال الخلقة؛ وإنما المحذور المنافي للكمال التفات النّفس وعناؤها في تحصيل ذلك وتأثّرها لفقده.
وتعقّب بأنّ نسبة قصور الفهم لعائشة رضي الله تعالى عنها لا تليق.
(و) أخرج ابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطب النبوي»، والبيهقيّ في «سننه»؛ عن مجاهد مرسلا- وهو حسن لغيره-، والطبرانيّ؛ عن ابن عمر، وابن عديّ، والبيهقيّ- بسند ضعيف؛ كما قال العراقيّ- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الشّاة إلى رسول الله ﷺ مقدّمها)؛ لكونه أقرب إلى المرعى، وأبعد عن النجاسة، وأخفّ على المعدة، وأسرع انهضاما. وهذا لا يدركه إلّا أفاضل الأطباء؛ فإنهم شرطوا في جودة الأغذية نفعها وتأثيرها في القوى، وخفّتها على المعدة وسرعة هضمها.
وكان ﷺ أحبّ المقدم إليه الذّراع- كما سبق-.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» - واللفظ لها-، والنّسائيّ، وابن ماجه، والحاكم، والبيهقيّ: كلهم؛
[ ٢ / ١٣٥ ]
وعن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم لحم الظّهر» .
وعن ضباعة بنت الزّبير رضي الله تعالى عنها:
(عن عبد الله بن جعفر) بن أبي طالب بن عبد المطلب بن هاشم الهاشميّ، أبو محمد، وأبو جعفر؛ وهي أشهر.
أمّه أسماء بنت عميس، ولدته بأرض الحبشة، وهو أوّل مولود من المسلمين ولد بها، توفّي بالمدينة المنوّرة سنة: ثمانين، عن سبعين سنة.
وكان عبد الله كريما، جوادا، ظريفا، حليما، عفيفا، سخيّا.
سمّي «بحر الجود»، ويقال: إنّه لم يكن في الإسلام أسخى منه، وعوتب في ذلك؛ فقال: إنّ الله عوّدني عادة وعوّدت النّاس عادة، وأخاف إن قطعتها قطعت عنّي، وأخباره في الجود شهيرة، وفضائله كثيرة.
روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وعشرون حديثا، اتّفقا منها على اثنين.
(رضي الله تعالى عنهما؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّ أطيب اللّحم) أي: ألذّه وأحسنه (لحم الظّهر») . والتفضيل نسبيّ إضافي، أو «من» مقدّرة، أي: من أطيب، فلا ينافي أنّ الذّراع أطيب منه؛ ومن الرقبة! ووجه مناسبة هذا الحديث للتّرجمة: أنّ أطيبيّته تقتضي أنّه ﷺ ربّما تناوله في بعض الأحيان.
(و) أخرج الإمام أحمد، والنّسائيّ، والبيهقيّ (عن ضباعة) - بضاد معجمة مضمومة فموحدة فألف؛ فعين مهملة؛ فتاء تأنيث- (بنت الزّبير) بن عبد المطّلب الهاشميّة، بنت عمّه ﷺ، زوج المقداد بن الأسود، وولدت له عبد الله وكريمة، وليس للزبير بن عبد المطّلب عقب إلّا منها.
روت عن النّبي ﷺ، وعن زوجها، وعنها ابن عبّاس، وعائشة، وبنتها كريمة وآخرون. (رضي الله تعالى عنها:
[ ٢ / ١٣٦ ]
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ:
«أن أطعمينا «١» من شاتكم» . فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ، فرجع الرّسول، فأخبره بقولها. فقال: «ارجع إليها، فقل لها: أرسلي بها، فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى» .
أنّها ذبحت في بيتها شاة، فأرسل إليهم رسول الله ﷺ: «أن أطعمينا من شاتكم»)؛ يا أهل البيت، أو قصد تعظيمها، وإلّا! فالقياس: من شاتك!!
(فقالت: ما بقي عندنا إلّا الرّقبة، وإنّي لأستحي أن أرسل إلى النّبيّ ﷺ)؛ لحقارتها عند العرب، لكثرة عظمها. قال الشاعر:
أمّ الحليس لعجوز شهربه ترضى من اللّحم بعظم الرّقبه
(فرجع الرّسول؛ فأخبره بقولها، فقال: «ارجع إليها؛ فقل لها: أرسلي بها) ولا تستحي؛ إذ هي عظيمة، فيها منافع؛ (فإنّها هادية الشّاة، وأقرب الشّاة إلى الخير، وأبعدها عن الأذى»): البول، والرّجيع. ولذا قيل: إنّها أفضل الشاة، والأصحّ: أنّ الأفضل الذّراع.
قال في «المواهب»: ولا ريب أنّ أخفّ لحم الشاة لحم الرقبة، ولحم الذّراع، والعضل، وهو أخفّ على المعدة وأسرع انهضاما.
وفي هذا دليل على أنّه ينبغي مراعاة الأغذية التي تجمع ثلاث خواصّ:
أحدها: كثرة نفعها وتأثيرها في القوى.
ثانيها: خفّتها على المعدة وسرعة انحدارها عنها.
ثالثها: سرعة هضمها. وهذا أفضل ما يكون من الغذاء؛ لاشتماله على النفع وعدم الضّرر.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: أطعمونا.
[ ٢ / ١٣٧ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم.. لم يطأطىء رأسه إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهسه انتهاسا.
وأكل رسول الله ﷺ القديد؛ كما في حديث «السّنن»
وقال الحافظ العراقيّ: وتفضيل لحم الرّقبة في الحديث السابق ونحوه لا يقتضي تفضيله على لحم الظّهر، ولا على لحم الذراع؛ وإنّما فيه مدحه بالأوصاف المتقدّمة، أي: ومدحه إنّما فيه فضيلته؛ لا أفضليّته على غيره.
قال: ويجوز أن يكون ﷺ قال ذلك جبرا لمن أخبره أنّه ليس عنده إلّا الرقبة، فمدحه بما هو صادق عليها، كما قال: «نعم الإدام الخلّ»؛ حيث طلب إداما فلم يجد عندهم إلّا الخل.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل اللّحم لم يطأطىء رأسه)، أي: لم يخفضه (إليه، بل يرفعه إلى فيه، ثمّ ينهشه) - بالشّين المعجمة، والسين المهملة- (انتهاشا)، النّهش والانتهاش؛ كلاهما بمعنى الأخذ بمقدّم الأسنان- كما مر-.
قال في «شرح الإحياء»: روى أبو داود؛ من حديث صفوان بن أميّة قال:
كنت آكل مع النّبيّ ﷺ، فاخذ اللّحم من العظم، فقال: «ادن العظم من فيك، فإنّه أهنأ وأمرأ» .
وللترمذيّ من حديثه: «انهس اللّحم نهسا، فإنّه أهنأ وأمرأ» . وهو والذي قبله منقطع. وللشيخين من حديث أبي هريرة: فتناول الذّراع؛ فنهس منها نهسة الحديث؛ قاله العراقيّ. انتهى
(وأكل رسول الله ﷺ القديد) - بفتح القاف وكسر الدّال المهملة مكبّرا-: هو اللّحم [المملوح] المقدّد؛ أي: المجفّف في الشّمس.
وفي «شرح البخاريّ» للقسطلّاني: القديد لحم مشرر مقدّد، أو ما قطع منه طوالا. انتهى، ونحوه في «القاموس»؛ (كما في حديث «السّنن) الأربعة»؛
[ ٢ / ١٣٨ ]
عن رجل قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها»، فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة.
وأكل ﷺ لحم حمار الوحش.
(عن رجل) من الصحابة، ولا ضير في إبهامه لعدالة جميع الصّحابة رضوان الله عليهم.
(قال: ذبحت لرسول الله ﷺ شاة ونحن مسافرون، فقال: «أصلح لحمها)؛ أي: اجعله قديدا على حالة يبقى معها؛ بحيث لا يسرع فساده، بدليل قوله (فلم أزل أطعمه منه إلى المدينة) المنوّرة. فظاهره طول المدّة، إذ هي التي يتمدّح بها في مثل هذا المقام. وفي لفظ «أملح لحمها» - بالميم- أي: اجعل عليه ملحا، ليمنعه العفونة.
وفي «الصحيح»؛ عن أنس: رأيت رسول الله ﷺ أتي بمرقة فيها دبّاء وقديد، فرأيته يتتبّع الدّبّاء يأكلها.
تنبيه: علم ممّا تقدّم أنّه ﷺ أكل القديد والحنيذ؛ الذي هو المشوي، والحنيذ أعجله وألذّه، وهو كان قرى إبراهيم الخليل للملائكة.
ومن الناس من يقدّم القديد على المشويّ، وهذا كلّه في حكم الشهوة.
أمّا في حكم المنفعة! فالقديد أنفع، وهو الذي يدوم عليه المرء، ويصلح به الجسد، وعليه أثنى الشّرع لوجهين:
أحدهما: أنّ المصطفى ﷺ في «الصحيحين» أمر بإكثار المرقة، ليقع بها عموم المنفعة في أهل البيت. الثاني: أنّه يصنع به الثّريد، وهو أفضل الطعام الذي ضرب به المصطفى المثل في التفضيل، حيث قال: «فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد» إلى آخره. والمرق من اللّحم هو لبّه. انتهى «مناوي» .
(وأكل) رسول الله (ﷺ لحم حمار الوحش) . رواه الشّيخان؛ عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه في حديث طويل.
[ ٢ / ١٣٩ ]
وأكل ﷺ لحم الضّأن، وأكل ﷺ لحم الجمال سفرا وحضرا. وأكل ﷺ لحم الأرنب. وأكل ﷺ من دوابّ البحر.
(وأكل ﷺ لحم الضّأن. وأكل) رسول الله (ﷺ لحم الجمال) - جمع جمل-: وهو الذّكر من الإبل؛ كبيرا وصغيرا. وإن قالوا: لا يسمّى جملا إلّا إذا بزل، لكنّ المراد هنا ما هو أعمّ، (سفرا وحضرا)؛ أي: في السّفر والحضر.
روى النّسائيّ؛ عن جابر قال: قدم عليّ بهدي للنّبيّ ﷺ من اليمن، وقدم رسول الله ﷺ بهدي، فكان الجميع مائة بدنة، فنحر ﷺ ثلاثا وستين، ونحر عليّ سبعا وثلاثين، وأشرك عليا في بدنه، ثمّ أخذ من كلّ بدنة بضعة، فجعلت في قدر فطبخت، فأكل ﷺ وعليّ من لحمها، وشربا من مرقها.
(وأكل) رسول الله (ﷺ لحم الأرنب) . رواه الشيخان؛ عن أنس أنّه أصاب أرنبا بمرّ الظّهران، فأتى به أبا طلحة فذبحه بمروة وشواها، وبعث معي بعجزها.
وفي لفظ: بوركها. وفي لفظ: بفخذها إلى رسول الله ﷺ فقبلها، والبخاريّ في (الهبة): فأكلها. وفي رواية: أكله. قيل له: أكله!؟ قال: قبله.
(وأكل) رسول الله (ﷺ من دوابّ البحر) . رواه مسلم.
وذكر القسطلّاني في «المواهب»؛ في سرية الخبط: أنّه روى الأئمة السّتّة عن جابر:
بعثنا ﷺ ثلثمائة راكب؛ أميرنا أبو عبيدة، فأقمنا على السّاحل حتّى فني زادنا، حتّى أكلنا الخبط «١»، ثمّ إنّ البحر ألقى لنا دابّة؛ يقال لها: العنبر، فأكلنا منها نصف شهر حتى صحّت أجسامنا، فأخذ أبو عبيدة ضلعا من أضلاعه فنصبه، ونظرنا إلى أطول بعير فجاز تحته.
_________________
(١) الخبط: ورق يخبط بالمخابط ويجفّف ويطحن ويخلط بدقيق.. «القاموس» .
[ ٢ / ١٤٠ ]
وأكل ﷺ الثّريد؛ وهو أن يثرد الخبز بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم. ومن أمثالهم: (الثّريد أحد اللّحمين) .
وأكل ﷺ الخبز بالزّيت.
وعن عمر بن الخطّاب
زاد الشّيخان في رواية: فلما قدمنا المدينة ذكرنا ذلك للنّبيّ ﷺ؛ فقال: «هو رزق أخرجه الله لكم، فهل معكم شيء من لحمه فتطعمونا؟»، فأرسلنا إليه منه فأكل.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الثّريد) - بفتح المثلّثة وكسر الراء؛ فعيل بمعنى مفعول، ويقال أيضا مثرود- (وهو أن يثرد الخبز) أي: يفتّ، ثمّ يبلّ (بمرق اللّحم، وقد يكون معه لحم) وقضيّته، أنّه إذا ثرد بمرق، غير اللّحم لا يسمّى «ثريدا» . وظاهر «القاموس» و«المصباح»: أيّ مرق كان. وكذا قول الزّمخشريّ: ثردت الخبز أثرده؛ وهو أن تفتّه، ثم تبلّه بمرق وتشرفه في وسط الصّحفة؛ وتجعل له وقبة «١» .
(ومن أمثالهم: «الثّريد أحد اللّحمين»)، لأّنّ المرق يطبخ باللّحم، فتنزل خاصّية اللّحم في المرق. ومحلّ اللّذّة والقوّة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في اللّحم وحده. فإن كان معه لحم فهو الثّريد الكامل، وعليه قول الشاعر:
إذا ما الخبز تأدمه بلحم فذاك أمانة الله الثّريد
(وأكل) رسول الله (ﷺ الخبز بالزّيت)، وأمر بأكله.
روى أبو نعيم في «الطّبّ» عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّ فيه شفاء من سبعين داء؛ منها الجذام» .
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع»، و«الشمائل» (عن عمر [بن الخطّاب])
_________________
(١) الوقبة: منخفض ضمن القصعة يتجمع فيها المرق ليسر الاستفادة منه مع بقية الطعام. «عبد الجليل» .
[ ٢ / ١٤١ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ:
«كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه من شجرة مباركة» .
الخليفة عشر سنين ونيّفا، وأوّل من سمّي «أمير المؤمنين»، ومات سنة: أربع وعشرين عن ثلاث وستين، روى له الجماعة (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «كلوا الزّيت): دهن الزّيتون، أي: مع الخبز، واجعلوه إداما.
فلا يرد أنّ الزّيت مائع؛ فلا يكون تناوله أكلا، (وادّهنوا به): أمر من الادّهان، وهو استعمال الدّهن، أي: ادهنوا به شعر رؤوسكم. كما قيّد به في رواية. وعادة العرب دهن شعر رؤوسهم.
وقال الباجوريّ: ادّهنوا به في سائر البدن. وأمثال هذا الأمر للإباحة، أو النّدب لمن وافق مزاجه وعادته، وقدر على استعماله؛ كما قاله ابن حجر.
قال الحافظ العراقيّ: لكنّ الأمر بالادهان به لا يحمل على الإكثار منه، ولا على التّقصير فيه؛ بل بحيث لا يشعث رأسه، كما يرشد إليه الأمر بالادّهان غبّا.
وقال ابن القيّم: الدّهن في البلاد الحارّة كالحجاز من أسباب حفظ الصّحة وإصلاح البدن، وهو كالضروري لهم. وأما في البلاد الباردة! فضارّ، وكثرة دهن الرّأس به خطر بالبصر، (فإنّه) أي: لأّنه يخرج (من شجرة مباركة») يعني:
زيتونة لا شرقية ولا غربية، يكاد زيتها يضيء؛ ولو لم تمسسه نار.
ووصفها بالبركة لكثرة منافعها، ولكونها تنبت في الأرض المقدّسة التي بارك الله تعالى فيها للعالمين. قيل: بارك فيها سبعون نبيّا؛ منهم إبراهيم ﵊.
ويلزم من بركة هذه الشّجرة بركة ثمرتها؛ وهو الزّيتون، وبركة ما يخرج منها من الزّيت، وكيف لا؛ وفيه التّأدّم والتّدهّن!! وهما نعمتان عظيمتان؟! وقد
[ ٢ / ١٤٢ ]
وأكل ﷺ السّلق مطبوخا.
ورد: «عليكم بهذه الشّجرة المباركة زيت الزّيتون فتداووا به؛ فإنّه مصحّة من الباسور» رواه الطبراني، وأبو نعيم عن عقبة بن عامر.
وفي «الجامع الصغير»؛ بعد ذكر حديث الباب الذي أورده المصنّف:
رواه التّرمذيّ عن عمر. ورواه أحمد، والترمذيّ، والحاكم؛ عن أبي أسيد.
ورواه ابن ماجه، والحاكم عن أبي هريرة؛ ولفظه: «كلوا الزّيت وادّهنوا به، فإنّه طيّب مبارك» . ورواه أبو نعيم في «الطب» عنه؛ وقال:
«فإنّ فيه شفاء من سبعين داء منها الجذام» انتهى.
ومناسبة الحديث للباب: أنّ الأمر بأكله يستدعي أكله ﷺ منه. أو يقال:
المقصود من الترجمة معرفة ما أكل منه ﷺ؛ وما أحبّ الأكل منه.
قال الترمذيّ؛ بعد ذكر حديث عمر المذكور في الباب: وعبد الرزّاق كان مضطربا في هذا الحديث؛ فربّما أسنده وربما أرسله. انتهى.
والاضطراب؛ تخالف روايتين أو أكثر؛ إسنادا أو متنا بحيث لا يمكن الجمع بينهما، لكنّه بيّن المراد بالاضطراب هنا بقوله: فربما أسنده وربّما أرسله.
ففي بعض الطّرق أسنده حيث ذكر فيه عمر بن الخطّاب.
وفي بعضها أرسله؛ حيث أسقط عمر بن الخطّاب، والمضطرب ضعيف لإنبائه عن عدم إتقان ضبطه. فهذا الحديث ضعيف للاضطراب في إسناده، لكن رجّح بعضهم عدم ضعفه، لأنّ طريق الإسناد فيها زيادة علم، وخصوصا وقد وافق إسناد غيره؛ كما في بعض الروايات. والله أعلم.
(وأكل) رسول الله (ﷺ السّلق) - بكسر السّين المهملة، وإسكان اللام، وآخره قاف-: بقلة معروفة وهو نبت له ورق طوال، وأصل ذاهب في الأرض، يقال له: السّلك- بالكاف آخره بدل القاف-. (مطبوخا) بالشعير، قال التّرمذيّ
[ ٢ / ١٤٣ ]
وأكل ﷺ الخزيرة؛ وهي: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها.
وأكل ﷺ الأقط؛
بعد ما رواه: حديث حسن غريب.
وفي «الصّحيحين»؛ عن سهل بن سعد: إن كنّا لنفرح بيوم الجمعة، كانت لنا عجوز تأخذ أصول السّلق فتجعله في قدرها فتجعل عليه حبّات من شعير، إذا صلّينا الجمعة زرناها؛ فقرّبته إلينا، والله ما فيه شحم؛ ولا ودك!!.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الخزيرة) كما في «الصحيح»؛ من حديث عتبان بن مالك رضي الله تعالى عنه، (وهي) - بخاء معجمة مفتوحة، ثم زاي مكسورة، وبعد التّحتانية الساكنة راء- (: ما يتّخذ من الدّقيق على هيئة العصيدة، لكنّه أرقّ منها)؛ قاله الطّبري. وقال ابن فارس: دقيق يخلط بشحم.
وقال ابن قتيبة- وتبعه الجوهريّ-: أن يؤخذ اللّحم فيقطع قطعا صغارا ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق، فإن لم يكن فيها لحم فهي عصيدة.
وفي «القاموس» مع «الشرح»: الخزير والخزيرة شبه عصيدة، وهو: اللّحم الغابّ «١» يقطع صغارا في القدر، ثمّ يطبخ بالماء الكثير والملح، فإذا أميت طبخا ذرّ عليه الدّقيق، فعصد به ثمّ أدم بأيّ إدام.
ولا تكون الخزيرة إلا بلحم، وإذا كانت بلا لحم؟ فهي عصيدة. انتهى.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الأقط) - قال بعضهم عن «القاموس»: هو بتثليث الهمزة مع سكون القاف، و[الأقط] بفتح الهمزة مع فتح القاف؛ أو كسرها. أو [الأقط] ضمّها، و[الإقط] بكسرها جميعا-: شيء يتّخذ من المخيض الغنمي.
روى البخاريّ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
_________________
(١) لعله الفاسد أو المنتن.
[ ٢ / ١٤٤ ]
وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده، وهو أشبه شيء بالكشك.
وأكل ﷺ الرّطب والتّمر والبسر.
وأكل ﷺ الكباث؛
أهدت خالتي إلى النّبي ﷺ ضبابا وأقطا ولبنا، فوضع الضّبّ على مائدته، فلو كان حراما لم يوضع، وشرب اللّبن وأكل الأقط؛
(وهو: جبن اللّبن المستخرج زبده) لا الحليب.
ويوافق قول الأزهري: الأقط يتّخذ من اللبن المخيض ثم يترك حتّى يمصل؛ أي: تسيل عصارته؛ وهي ماؤه الذي يخرج منه حين يطبخ، وهو كثير بالحرمين وغيرهما، ويقال له «المضير» عندهم.
(وهو أشبه شيء بالكشك) وزان فلس: ما يعمل من الحنطة، وربّما عمل من الشّعير. قال المطرّزيّ: فارسيّ معرّب؛ قاله في «المصباح» .
(وأكل) رسول الله (ﷺ الرّطب) - بضمّ الرّاء وفتح الطّاء المهملة-: هو ثمر النّخل إذا أدرك ونضج قبل أن يتتمّر، والرّطب نوعان: نوع لا يتتمّر، وإذا تأخّر أكله أسرع إليه الفساد. ونوع يتتمّر ويصير عجوة وتمرا يابسا.
(و) أكل (التّمر والبسر) - بضمّ الباء- هو: البلح الطّريّ، أكل الثلاثة النّبيّ ﷺ في وقت واحد في حديقة الأنصاريّ. رواه مسلم، وأصحاب «السّنن الأربعة»، والتّرمذيّ في «الشمائل» كلّهم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وقد مرّ الكلام على ذلك في حديث أبي الهيثم بن التيّهان رضي الله تعالى عنه.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الكباث) رواه مسلم، وبوّب عليه البخاريّ في؛ الأطعمة «باب الكباث» .
وروى فيه وفي أحاديث الأنبياء حديث جابر: كنّا مع النّبيّ ﷺ بمرّ الظهران
[ ٢ / ١٤٥ ]
وهو: ثمر الأراك. وأكل ﷺ الجبن.
عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك، فدعا بسكّين فسمّى وقطع.
نجني الكباث، فقال: «عليكم بالأسود منه فإنّه أطيب» . فقيل: أكنت ترعى الغنم؟ قال: «نعم، وهل من نبيّ إلّا رعاها!!»
(وهو) أي: الكباث- بفتح الكاف، وتخفيف الموحّدة، وبعد الألف مثلاثة- (: ثمر الأراك) - بفتح الهمزة وخفّة الراء- أي: النّضيج من ثمر الأراك. وقيل:
ورق الأراك. وقيل: تمر الأراك- بالمثنّاة-؛ وهو البرير- بموحدة؛ بوزن الحرير- فإذا اسودّ فهو الكباث. وفي «المطالع»: الكباث تمر الأراك قبل نضجه. وقيل: بل هو حصرمه. وقيل: غضّه. وقيل: متزبّبه.
(وأكل) رسول الله (ﷺ الجبن) . فيه ثلاث لغات؛ رواها أبو عبيد عن يونس ابن حبيب؛ سماعا من العرب.
أجودها: إسكان الباء؛ مع ضمّ الجيم، والثانية: ضمّ الباء للإتباع.
والثالثة؛ وهي أقلّها: التّثقيل. ومنهم من يجعل التّثقيل من ضرورة الشعر.
ففي «السّنن» لأبي داود (عن) عبد الله (بن عمر) بن الخطّاب (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: أتي) - بالبناء للمجهول- (النّبيّ ﷺ بجبنة في تبوك) من عمل النّصارى. فقيل: هذا طعام تصنعه المجوس! (فدعا بسكّين فسمّى وقطع) .
رواه أبو داود ومسدّد وغيرهما.
وروى أبو داود الطيالسيّ عن ابن عباس أنّ النّبيّ ﷺ لما فتح مكّة رأى جبنة فقال: «ما هذا؟» فقالوا: طعام يصنع بأرض العجم. فقال: «ضعوا فيه السّكّين، وكلوا» .
وروى الإمام أحمد والبيهقيّ عنه: أتي النّبيّ ﷺ بجبنة في غزوة تبوك، فقال:
«أين صنعت هذه؟» قالوا: بفارس؛ ونحن نرى أن يجعل فيها ميتة!. فقال ﷺ:
[ ٢ / ١٤٦ ]
وأمّا البصل: فروى أبو داود في «سننه»: عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها سئلت عن البصل فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل.
والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا قولها: (إنّ آخر طعام أكله فيه بصل)، ولم تقل أكل البصل.
«اطعموا» . وفي رواية «ضعوا فيها السّكّين واذكروا اسم الله تعالى وكلوا» .
قال الخطّابيّ: أباحه ﷺ على ظاهر الحال؛ ولم يمتنع من أكله لأجل مشاركة المسلمين للكفّار في عمله.
وتعقّبه المقريزيّ بتوقّفه على نقل، إذ لم يكن بفارس والشّام حينئذ أحد من المسلمين.
قال الشّامي: وهو ظاهر لا شكّ فيه.
(وأمّا البصل) والثّوم والكرّاث!؟ (فروى أبو داود في «سننه»)، والنّسائيّ، والتّرمذيّ في «الشمائل»، وأحمد، والبيهقيّ (عن عائشة) «أمّ المؤمنين» الصّدّيقة بنت الصّديق (رضي الله تعالى عنها) وعن أبيها.
(أنّها سئلت عن البصل)، والسّائل لها أبو زياد خيار بن سلمة، قال: سألتها عن البصل، (فقالت: إنّ آخر طعام أكله رسول الله ﷺ فيه بصل) أي: مطبوخ، كما قال: (والظّاهر أنّ هذا البصل كان مطبوخا، حتّى لم يبق له رائحة كريهة.
ويدلّ على هذا) الاحتمال (قولها: إنّ آخر طعام أكله) ﷺ (فيه بصل، ولم تقل أكل البصل!) .
[ ٢ / ١٤٧ ]
وقد صرّح البيهقيّ بذلك؛ فقال: كان مشويّا في قدر، أي: مطبوخا. كما نقله الزّرقاني في «شرح المواهب»، وكأن المصنّف لم يستحضر كلام الزّرقاني، فأبدى هذا الاحتمال.
وقد ثبت عنه ﷺ في «الصّحيحين» أنّه منع آكله نيّا من دخول المسجد، لأنه يؤذي بريحه، فروى البخاريّ ومسلم، وغيرهما عن جابر: نهى رسول الله ﷺ عن أكل الثّوم والبصل والكرّاث فغلبتنا الحاجة فأكلنا منها، فقال: «من أكل ثوما أو بصلا فليعتزلنا، وليعتزل مسجدنا، وليقعد في بيته» وأنه أتي بقدر فيها خضراوات من بقول؛ فوجد لها ريحا، فسأل، فأخبر بما فيها من البقول، فقال: «قرّبوها» إلى بعض أصحابه كان معه، فلما رآه كره أكلها، قال: «كل، فإنّي أناجي من لّا تناجي» .
وكان ﵊ يترك الثوم دائما، لأنه يتوقّع مجيء الملائكة والوحي كلّ ساعة.
روى أبو نعيم في «الحلية»، والخطيب في «التاريخ» عن أنس: كان لا يأكل الثّوم ولا البصل ولا الكرّاث؛ من أجل أن الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل.
ولمسلم من حديث أبي أيوب في قصّة بعثه إليه بطعام فيه ثوم؛ فلم يأكل منه، وقال: «لكنّي أكرهه من أجل ريحه» . ويقاس على هؤلاء الفجل وكلّ بقلة كريهة.
قال النّوويّ: اختلف أصحابنا في حكم الثوم- بضمّ المثلّثة- في حقّه ﷺ وكذلك البصل والكرّاث ونحوها من كلّ ما له رائحة كريهة!!
فقال بعض أصحابنا: هي محرّمة عليه، وهو مذهب مالك. والأصحّ عندنا أنّها مكروهة في حقّه كراهة تنزيه؛ ليست محرّمة، لعموم قوله ﵊ «لا» في جواب قول السائل «أحرام هي؟» . ومن قال بالأول يقول: معنى الحديث: ليس بحرام في حقّكم دوني، لأني أناجي من لا تناجون. انتهى.
[ ٢ / ١٤٨ ]
وكان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ» .
قال في «الفتح»: حجّة التحريم أنّ العلة في المنع ملازمة الملك له، وأنّه ما من ساعة إلا والملك يمكن أن يلقاه فيها ﷺ فينبغي لمحبّه موافقته ﵊ في ترك الثوم ونحوه وإن جاز له! وكراهة ما يكرهه، فإنّ من أوصاف المحبّ الصادق أن يحبّ ما يحبّه محبوبه، ويكره ما يكرهه لأجل الموافقة، وإن كانت الحكمة التي ترك المصطفى الأكل لأجلها ليست في غيره. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج أبو الشّيخ بإسناد ضعيف، وأبو نعيم في «الطب»: كلاهما عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ الصّباغ إلى رسول الله ﷺ الخلّ) أي: هو أحبّ شيء يصبغ به الخبز، بأن تغمس اللقمة فيه وتؤكل؛ فيكون إداما للخبز، كما ورد: «نعم الإدام الخلّ» وسيأتي.
(و) أخرج مسلم، والترمذيّ؛ في «الجامع» و«الشمائل»، وابن ماجه كلّهم
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: «نعم الإدام الخلّ») .
ورواه الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب «السّنن»، عن جابر رضي الله تعالى عنه.
قال العلقميّ في «شرح الجامع الصغير»: وقد ورد حديث: «نعم الإدام الخلّ» من رواية جمع من الصّحابة أفردوا بجزء. وهو حديث مشهور كاد أن يكون متواترا.
[ ٢ / ١٤٩ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها وكان جائعا، فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟»،
قال ابن القيّم: هذا ثناء عليه بحسب مقتضى الحال الحاضر لتيسّره دون غيره؛ لا تفضيل له على غيره كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنما يقتضي فضله في نفسه؛ لا على غيره.
قال: وسبب الحديث يدلّ على ذلك، وهو أنه دخل على أهله يوما، فقدّموا له خبزا؛ فقال: «ما عندكم شيء من إدام؟» فقالوا: ما عندنا إلّا خلّ. فقال:
«نعم الإدام الخلّ» .
والمقصود أنّ أكل الخبز مع الأدم من أسباب حفظ الصّحة، بخلاف الاقتصار على أحدهما، فقد يتولّد منه أمراض!
وسمّي الأدم «إداما» لإصلاحه الخبز، وجعله ملائما لحفظ الصّحة.
وليس في هذا تفضيل للخلّ على اللّحم واللّبن والعسل والمرق. ولو حضر لحم أو لبن؛ لكان أولى بالمدح منه، فقال هذا جبرا لخاطر وتطييبا لقلب من قدّمه له، سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ»؛ أو غيرها، لا تفضيلا له على سائر أنواع الإدام، فلا ينافي أحاديث مدح اللّحم والثّريد وغيرهما.
(و) أخرج البيهقي في «الشعب» (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
دخل رسول الله ﷺ يوم فتح مكّة على أمّ هانىء) - بهمز في آخره- بنت أبي طالب، أخت عليّ. واسمها: فاختة، لها صحبة وأحاديث- وتقدمت ترجمتها- (رضي الله تعالى عنها؛ وكان جائعا؛
فقال لها: «أعندكم طعام آكله؟»
[ ٢ / ١٥٠ ]
فقالت: إنّ عندي لكسرا يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك.
فقال: «هلمّيها»، فكسّرها في ماء، وجاءته بملح، فقال: «ما من إدام؟»، فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ، فقال:
«هلمّيه» . فلمّا جاءته به.. صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ، يا أمّ هانىء؛ لا يقفر بيت فيه خلّ» .
فقالت: إنّ عندي، لكسرا) - بكسر الكاف، وفتح السّين المهملة، جمع كسرة؛ مثل سدرة وسدر، وهي: القطعة من الخبز (يابسة، وإنّي لأستحيي أن أقدّمها إليك)، لحقارتها في جنب عظمة المصطفى ﷺ.
(فقال) تطييبا لخاطرها (: «هلمّيها»)؛ أي أحضريها وهو فعل أمر على لغة تميم. (فكسّرها في ماء) لإساغتها (وجاءته بملح؛
فقال): أي: النّبيّ ﷺ (ما من إدام؟» .
فقالت: ما عندي إلّا شيء من خلّ. فقال: «هلمّيه») أي: أحضريه.
(فلمّا جاءته به صبّه على طعامه؛ فأكل منه، ثمّ حمد الله ﷿، وأثنى عليه، ثمّ قال: «نعم الإدام الخلّ؛ يا أمّ هانىء لا يقفر) أي: لا يخلو (بيت فيه خلّ») صفة لبيت.
والفصل بين الصفة والموصوف بما يتعلّق بعامل الموصوف سائغ.
وفيه الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الحقارة، وأنّه لا بأس بسؤال الطعام ممّن لا يستحي السائل منه؛ لصدق المحبّة، والعلم بودّ المسؤول.
وقد أخرج هذا الحديث التّرمذيّ، والطّبرانيّ، وأبو نعيم عن أمّ هانىء رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ؛ فقال: «أعندك شيء؟» . فقالت:
لا، إلا خبز يابس وخلّ. فقال «هاتي؛ ما أقفر بيت من أدم فيه خلّ» .
[ ٢ / ١٥١ ]
وعن أمّ سعد رضي الله تعالى عنها قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟»، فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ، فقال: «نعم الإدام الخلّ، اللهمّ؛ بارك في الخلّ؛ فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر بيت فيه خلّ» .
وهذا مدح للخلّ بحسب الوقت- كما قاله ابن القيّم-
(و) في الباب عند ابن ماجه بسند ضعيف (عن أمّ سعد) بنت زيد بن ثابت الأنصاريّة (رضي الله تعالى عنها)، قال ابن عبد البرّ: لها أحاديث؛ منها الأمر بذمّ الحجامة، من رواية محمّد بن زاذان عنها. وقيل: لم يسمع منها، بل بينهما واسطة هو عبد الله بن خارجة عنها؛ عن النبيّ ﷺ (قالت: دخل رسول الله ﷺ على عائشة؛ وأنا عندها، فقال: «هل من غداء؟») الغداء- بفتح الغين المعجمة، والدّال المهملة والمدّ-: طعام الغداة.
(فقالت: عندنا خبز وتمر وخلّ. فقال: «نعم الإدام الخلّ؛ اللهمّ) أي:
يا الله (بارك)، أي: ضع البركة التي هي فيض إلهيّ (في الخلّ، فإنّه كان إدام الأنبياء قبلي، ولم يقفر) أي: لم يخل (بيت) من القفر، وهو الأرض الخالية من الماء، والمفازة لا ماء فيها ولا زاد، ودار قفر خالية من أهلها. وأقفرت الدّار:
خلت. ووهم من جعله بالفاء مع القاف «١» (فيه خلّ») صفة بيت.
وفي الحديث الحثّ على عدم النّظر للخبز والخلّ بعين الاحتقار. والله أعلم.
(وهذا مدح للخلّ بحسب) بموحّدة (الوقت) الحاضر لتيسّره دون غيره؛ (كما قاله) الحافظ (ابن القيّم) الحنبليّ رحمه الله تعالى؛ يعني: أنّ المتيسّر حقيق بأن يوصف بالحسن ذلك الوقت، لا لأنه نفيس في ذاته.
_________________
(١) أي قبلها؛ يفقر!.
[ ٢ / ١٥٢ ]
لا لتفضيله على غيره، بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه، لا تفضيلا له على غيره؛ إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن.. لكان أحقّ بالمدح.
وبهذا علم أنّه لا تنافي بين هذا وبين قوله: «بئس الإدام الخلّ» .
وعن أبي موسى الأشعريّ رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال: «فضل عائشة على النّساء
و(لا لتفضيله على غيره)؛ كما ظنّه بعضهم، إذ المدح إنّما يقتضي تفضيله في نفسه؛ لا على غيره، ألا ترى أنّ حديث «ركعتا الفجر خير من الدّنيا وما فيها» مع أنّ الوتر أفضل منهما!!
(بل هو جبر لقلب من قدّمه له ﷺ، وتطييبا لنفسه)؛ سواء التي سألها فقالت «إلّا خلّ»؛ أو غيرها (لا تفضيلا له على غيره)؛ كاللّحم واللّبن والعسل والمرق، (إذ لو حضر نحو لحم أو عسل أو لبن؛ لكان أحقّ بالمدح) منه.
(وبهذا) الجواب (علم أنّه لا تنافي بين هذا) المدح المذكور في هذا الحديث.
(وبين) الذّمّ المذكور في (قوله: «بئس الإدام الخلّ») قال في «كشف الخفا»: وأمّا «بئس الإدام الخلّ» ! فلا أصل له، وفي طلبه ﷺ الإدام إشارة إلى أنّ أكل الخبز مع الإدام من أسباب حفظ الصّحّة، بخلاف الاقتصار على أحدهما.
قال الحكيم التّرمذيّ في «النوادر»: في الخلّ منافع للدّين والدّنيا. وذكر أنّه بارد يقطع حرارة السّموم ويطفيها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن أبي موسى الأشعريّ): عبد الله بن قيس (رضي الله تعالى عنه، عن النّبيّ ﷺ قال:
«فضل عائشة) الصّديقة بنت الصّدّيق (على النّساء) أي: نساء رسول الله ﷺ
[ ٢ / ١٥٣ ]
اللاتي في زمنها؛ فلا تكون أفضل من خديجة، بل خديجة أفضل على الأصحّ، لتصريحه ﷺ لعائشة بأنه لم يرزق خيرا من خديجة. وفاطمة أفضل منهما؛ أي من عائشة وخديجة!!
قال الباجوري: أفضل النّساء مريم بنت عمران، ثم فاطمة الزّهراء، ثمّ خديجة، ثم عائشة التي قد برّأها الله تعالى. وقد نظم بعضهم ذلك فقال:
فضلى النّسا بنت عمران ففاطمة خديجة ثمّ من قد برّأ الله
وهذا هو الذي أفتى به الرّمليّ.
وقد قال جمع من الخلف والسّلف: لا يعدل ببضعة رسول الله ﷺ أحد!! وبه يعلم أنّ بقية أولاده ﷺ كفاطمة، وأنّ سبب الأفضليّة ما فيهن من البضعة الشّريفة.
ومن ثمّ حكى السّبكي عن بعض أئمة عصره أنّه فضّل الحسن والحسين على الخلفاء الأربعة، أي: من حيث البضعة؛ لا مطلقا. فهم أفضل منهما علما ومعرفة، وأكثر ثوابا وآثارا في الإسلام.
قال في «جمع الوسائل»: قلت: إذا لو حظت الحيثيّة؛ فما يوجد أفضل على الإطلاق مطلقا، ولذا قيل: إن عائشة أفضل من فاطمة، لأنّ كلا منهما تكون مع زوجها في الجنّة، ولا شكّ في تفاوت منزلتيهما!!
هذا وقد قال السيوطي: في «إتمام الدراية شرح النقاية»: ونعتقد أن أفضل النساء مريم بنت عمران، وفاطمة بنت النّبيّ ﷺ.
روى التّرمذيّ وصحّحه: «حسبك من نساء العالمين مريم بنت عمران، وخديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، وآسيّة امرأة فرعون» .
وفي «الصحيحين»؛ من حديث علي: «خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة بنت خويلد. وفي «الصحيح»: «فاطمة سيّدة نساء هذه الأمّة»
وروى النّسائيّ عن حذيفة أنّ رسول الله ﷺ قال: «هذا ملك من الملائكة
[ ٢ / ١٥٤ ]
استأذن ربّه ليسلّم عليّ، وبشّرني أنّ حسنا وحسينا سيّدا شباب أهل الجنّة، وأمّهما سيّدة نساء أهل الجنّة» .
وروى الطّبرانيّ عن عليّ مرفوعا: «إذا كان يوم القيامة قيل: يا أهل الجمع غضّوا أبصاركم حتّى تمرّ فاطمة بنت محمّد» .
وفي هذه الأحاديث دلالة على تفضيلها على مريم؛ خصوصا إذا قلنا بالأصحّ «إنّ مريم ليست نبية»، وقد تقرّر أن هذه الأمة أفضل من غيرها!!.
وروى الحارث بن أبي أسامة في «مسنده» بسند صحيح لكنّه مرسل: «مريم خير نساء عالمها، وفاطمة خير نساء عالمها» .
ورواه التّرمذيّ موصولا من حديث عليّ بلفظ: «خير نسائها مريم، وخير نسائها فاطمة» . قال الحافظ ابن حجر: والمرسل يفسّر المتّصل.
قلت: يعكّر عليه ما أخرجه ابن عساكر عن ابن عباس مرفوعا؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «سيّدة نساء أهل الجنة مريم بنت عمران، ثم فاطمة، ثمّ خديجة، ثم آسيّة امرأة فرعون» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن عبد الرّحمن بن أبي ليلى؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «فاطمة سيّدة نساء العالمين بعد مريم بنت عمران» .
وأخرج ابن أبي شيبة عن مكحول؛ قال: قال رسول الله ﷺ:
«خير نساء ركبن الإبل نساء قريش أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل في ذات يده، ولو علمت أنّ مريم بنت عمران ركبت بعيرا ما فضّلت عليها أحدا» .
ثم قال: قال السّيوطي: إنّ أفضل أمّهات المؤمنين خديجة، وعائشة.
قال ﷺ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلا مريم وآسيّة وخديجة، وفضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
وفي التفضيل بينهما أقوال؛ ثالثها الوقف.
[ ٢ / ١٥٥ ]
كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
قلت: وقد صحّح العماد بن كثير أن خديجة أفضل، لما ثبت أنّه ﷺ قال لعائشة حين قالت: قد رزقك الله خيرا منها. فقال لها: «لا؛ والله ما رزقني الله خيرا منها؛ آمنت بي حين كذّبني الناس، وأعطتني ما لها حين حرمني النّاس» .
وسئل ابن داود؛ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السّلام من جبريل. وخديجة أقرأها السّلام جبريل من ربّها، فهي أفضل على لسان محمد ﷺ.
فقيل: فأيّ أفضل؛ فاطمة أم أمّها؟ قال: فاطمة بضعة النّبيّ ﷺ؛ فلا نعدل بها أحدا.
وسئل السّبكيّ، فقال: الذي نختاره وندين الله به: أنّ فاطمة بنت محمد أفضل، ثمّ أمّها خديجة، ثم عائشة.
وعن ابن العماد أنّ خديجة إنما فضّلت باعتبار الأمومة؛ لا السّيادة. انتهى.
والحاصل: أنّ الحيثيات مختلفة، والروايات متعارضة والمسألة ظنية.
والتّوقف لا ضرر فيه قطعا. فالتسليم أسلم. والله أعلم
(كفضل الثّريد) - بفتح الثاء المثلّثة؛ فعيل بمعنى مفعول-.
وهو الخبز المأدوم بالمرق، سواء كان مع اللّحم؛ أو لم يكن، لكنّ الأوّل ألذّ وأقوى، وهو الأغلب.
قال بعض الأطباء: الثّريد من كلّ طعام أفضل من المرق؛ فثريد اللّحم أفضل من مرقه، وثريد ما لا لحم فيه أفضل من مرقه.
وفي «النهاية»: بل اللّذّة والقوة إذا كان اللحم نضيجا في المرق أكثر مما في نفس اللّحم. قال الأطبّاء: الثّريد يعيد الشّيخ إلى صباه.
(على سائر الطّعام») أي: باقي الأطعمة من جنسه بلا ثريد، لما في الثّريد من النّفع، وسهولة مساغه وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذّة والقوّة وقلّة المؤنة في المضغ، فشبّهت به؛ لما أعطيت من حسن الخلق، وحسن
[ ٢ / ١٥٦ ]
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أو لم رسول الله ﷺ
الخلق، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأي، ورصانة العقل، والتّحبّب إلى البعل. فهي تصلح للتّبعّل والتحدّث والاستئناس بها، والإصغاء إليها. وحسبك أنها عقلت من النّبيّ ﷺ ما لم يعقل غيرها من النّساء، وروت ما لم يرو مثلها من الرّجال!!.
وفي الحديث إشارة إلى أنّ الفضائل التي اجتمعت في عائشة لا توجد في جميع النّساء؛ من كونها امرأة أفضل الأنبياء، وأحبّ النساء إليه، وأعلمهنّ وأنسبهنّ وأحسبهنّ، وإن كانت لخديجة وفاطمة وجوه أخر من الفضائل البهيّة، والشمائل العليّة. ولكنّ الهيئة الجامعيّة في الفضيلة المشبّهة بالثريد لم توجد في غيرها. والله أعلم.
وحديث أبي موسى الذي ذكره المصنّف! رواه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، والتّرمذيّ، وابن ماجه، بلفظ: «كمل من الرّجال كثير، ولم يكمل من النّساء إلّا آسيّة امرأة فرعون، ومريم بنت عمران. وإنّ فضل عائشة على النّساء كفضل الثّريد على سائر الطّعام» .
ورواه البخاريّ، ومسلم؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الجامع»، و«الشمائل»؛
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: «أو لم رسول الله ﷺ) من الولم؛ وهو: الاجتماع، والوليمة: كلّ طعام يتّخذ لحادث سرور أو حزن.
ووليمة النّكاح: طعام يصنع عند عقد النّكاح أو بعده، وهي سنّة مؤكّدة.
والأفضل فعلها بعد الدّخول؛ اقتداء به ﷺ.
ونقل القاضي عياض اتفاق العلماء على وجوب الإجابة في وليمة العرس، وقال: واختلفوا فيما سواها؛ فقال مالك والجمهور: لا تجب الإجابة إليها.
[ ٢ / ١٥٧ ]
على صفيّة بتمر وسويق؛ وهو: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير.
وعن سلمى زوج أبي رافع
وقال أهل الظّاهر: تجب الإجابة إلى كلّ دعوة من عرس وغيره.
وبه قال بعض السّلف، لكن محلّه ما لم يكن هناك مانع شرعيّ؛ أو عرفيّ!!.
ومعنى الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ صنع وليمة (على صفيّة) بنت حييّ بن أخطب اليهوديّ من نسل هارون أخي موسى عليهما الصلاة والسلام، زوجة سلام بن أبي الحقيق- بالتصغير- شريف خيبر، قتل يوم خيبر فسبيت صفيّة؛ فاصطفاها رسول الله ﷺ لمّا ذكر له جمالها، وكانت عروسا فخرج حتى بلغ الصّهباء حلّت له؛ أي:
طهرت من الحيض فبنى بها، وصنع حيسا (بتمر وسويق.
وهو) أي: السّويق (: ما يعمل من الحنطة، أو الشّعير) وهو معروف عند العرب.
وفي «الصحيحين»: أولم عليها بحيس، وهو الطعام المتّخذ من التّمر والأقط والسّمن، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق؛ كذا في «النهاية» . وضعه في نطع، ثم قال لأنس: «آذن من حولك»؛ فكانت وليمته عليها. قال: ثم خرجنا إلى المدينة؛ فرأيت رسول الله ﷺ يحوّي لها وراءه بعباءة، ثم يجلس عند بعير فيضع ركبته، وتضع صفيّة رجلها على ركبته لتركب. وفي رواية: فأعتقها وتزوّجها.
وفي أخرى: قال له: «خذ جارية من السّبي غيرها»، وفي رواية: «أنّها صارت لدحية، ثم للنبيّ ﷺ اشتراها بسبعة أرؤس»، ولا تعارض، فلعلّه قال له أولا «خذ جارية» ثم أكمل له سبعة. وإنما أخذها منه! رعاية للمصلحة العامّة:
أنّها بنت ملكهم فخاف من اختصاص دحية بها تغيّر خواطر نظائره، وكانت رأت أنّ القمر سقط في حجرها. فتؤوّل بذلك، وماتت سنة: خمسين. ودفنت بالبقيع رضي الله تعالى عنها.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» واللفظ لها؛
(عن) أمّ رافع (سلمى) - بفتح أوّله- (زوج أبي رافع)، واسمه أسلم
[ ٢ / ١٥٨ ]
- مولى النّبيّ ﷺ-: أنّ الحسن بن عليّ،
(مولى النّبيّ ﷺ)، يقال: إنها مولاة صفية بنت عبد المطلب، ويقال لها أيضا مولاة النّبيّ ﷺ، وكانت تخدم النّبيّ ﷺ؛ قالت: ما كان يكون برسول الله ﷺ قرحة إلّا أمرني أن أضع عليها الحنّاء. وهي قابلة إبراهيم ابن المصطفى، وغاسلة فاطمة بنت عميس، وقابلة فاطمة بنت النّبيّ ﷺ في ابنيها الحسنين، وغاسلتها مع عليّ رضي الله تعالى عنهم.
وزوجها أبو رافع؛ يقال: اسمه إبراهيم، ويقال: أسلم. وقيل: سنان.
وقيل غير ذلك. غلبت عليه كنيته؛ وكان قبطيّا، وكان للعبّاس فوهبه للنّبيّ ﷺ، فلما بشّر النّبيّ ﷺ بإسلام العباس أعتقه. قال الحافظ ابن حجر:
والمحفوظ أنّه أسلم لما بشّر العبّاس بأن النّبيّ ﷺ انتصر على أهل خيبر؛ وذلك في قصّة جرت، وكان إسلامه قبل بدر ولم يشهدها، وشهد أحدا وما بعدها.
روى عن النّبيّ ﷺ، وعن عبد الله بن مسعود، وروى عنه خلق؛ منهم أولاده رافع، والحسن، وعبيد الله، والمغيرة، وأحفاده: الحسن وصالح وعبيد الله؛ أولاد عليّ بن أبي رافع، والفضل بن عبيد الله بن أبي رافع.
ومات بالمدينة المنورة قبل قتل عثمان بيسير رضي الله تعالى عنه:
(أنّ الحسن بن عليّ) بن أبي طالب بن عبد المطّلب بن هاشم بن عبد مناف القرشيّ الهاشميّ
أبا محمد سبط رسول الله ﷺ، وريحانته.
أمير المؤمنين، خامس الخلفاء الراشدين، ولد في نصف شهر رمضان؛ سنة: - ٣- ثلاث من الهجرة بالمدينة المنوّرة، وأمّه فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ وهو أكبر أولادها وأوّلهم؛
وكان عاقلا حليما؛ محبا للخير، فصيحا وسيما من أحسن الناس منطقا وبديهة.
[ ٢ / ١٥٩ ]
وابن عبّاس وابن جعفر رضي الله تعالى عنهم.. أتوها، فقالوا:
اصنعي لنا طعاما ممّا كان يعجب رسول الله ﷺ..
حجّ عشرين حجّة ماشيا، ودخل أصبهان غازيا مجتازا إلى غزاة جرجان؛ ومعه عبد الله بن الزّبير.
وبايعه أهل العراق بالخلافة بعد مقتل أبيه سنة: - ٤٠- أربعين هجرية.
وأشاروا عليه بالمسير إلى الشام لمحاربة معاوية بن أبي سفيان، فأطاعهم وزحف بمن معه، وبلغ معاوية خبره؛ فقصده بجيشه وتقارب الجيشان.
فهال الحسن أن يقتتل المسلمون، ولم يستشعر الثّقة بمن معه، وطلب منه معاوية الصّلح، فكتب إلى معاوية يشترط شروطا للصّلح، ورضي معاوية، فخلع الحسن نفسه من الخلافة، وسلّم الأمر لمعاوية في بيت المقدس سنة: - ٤١- إحدى وأربعين هجريّة، وسمّي هذا العام «عام الجماعة» لاجتماع كلمة المسلمين فيه.
وانصرف الحسن إلى المدينة المنوّرة راجعا، حيث أقام بها إلى أن توفّي مسموما سنة: - ٥٠- خمسين من الهجرة، ومدّة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام.
وولد له أحد عشر ابنا وبنت واحدة! روي له عن النّبيّ ﷺ أحاديث، ودفن بالبقيع رضي الله تعالى عنه.
(وابن عبّاس) عبد الله (وابن جعفر) عبد الله بن جعفر بن أبي طالب؛ تقدمت ترجمته (رضي الله تعالى عنهم؛ أتوها) زائرين، لكونها خادمة المصطفى ﷺ وطبّاخته (فقالوا: اصنعي لنا طعاما ممّا)؛ أي: من الطّعام الّذي (كان يعجب) - روي: بضمّ أوّله، وكسر ثالثه؛ من الإعجاب، وروي: بفتح الياء والجيم؛ من العجب، من باب علم- (رسول الله ﷺ) بنصبه على الأوّل، ورفعه على الثّاني. وقال في «جمع الوسائل»: يعجب- على صيغة المعلوم؛ إما من الإعجاب، ف «رسول الله» مفعوله، والضمير المستتر فيه للموصول. أو من
[ ٢ / ١٦٠ ]
ويحسن أكله. فقالت: يا بنيّ؛ لا تشتهيه اليوم. قال: بلى، اصنعيه لنا. قال: فقامت، فأخذت شيئا من شعير، فطحنته، ثمّ
العجب- بفتحتين؛ من باب علم- فهو فاعله وضمير الموصول في الصّلة محذوف، أي مما كان يعجبه ﷺ.
ويمكن أن يكون الرسول فاعلا في الوجه الأول؛ بناء على أنّ معناه يستحسنه.
وبالجملة إن كان يعجب من الإعجاب يمكن أن يكون الرسول مرفوعا ومنصوبا؛ بناء على أن معنى الإعجاب الاستحسان، وإن كان من العجب! فهو مرفوع، وكذا الحال فيما وقع ثانيا في قوله:
(ويحسن)؛ من الإحسان، أو التّحسين. فهو على الأول بسكون الحاء وتخفيف السّين، وعلى الثّاني بفتح الحاء وتشديد السّين؛ وعلى كلّ فهو بضمّ الياء. (أكله) بالنّصب؛ وهو بفتح الهمزة، وسكون الكاف مصدر.
(فقالت: يا بنيّ) - روي مصغّرا؛ للشّفقة، وأفردته مع أنّ الأحقّ الجمع؛ إمّا إيثارا لخطاب أعظمهم؛ وهو الحسن، أو لأنّهم لكمال الملاءمة والارتباط والمناسبة بينهم واتّحاد بغيتهم صاروا بمنزلة شخص واحد. وروي كما قال بعض الشّرّاح: يا بنيّ؛ مكبّرا.
وقال آخر: يدفعه (لا تشتهيه) بالإفراد، لكن حيث ثبت رواية فلا دفع.
فالمعنى: لا تشتهيه نفوسكم (اليوم) أي زمن اعتياد النّاس الأطعمة اللّذيذة التي تطبخها الأعاجم المختلطة بكم، فكلوا ما يوافق عادتكم وأبدانكم، وإن كان المختلط غير ما أكله رسول الله ﷺ، فإن ذلك أمر يتفاوت بالأزمنة وتغيّر العادات، واستعينوا به على أداء العبادة.
(قال: بلى) نشتهيه على سبيل البركة (اصنعيه لنا.
قال) أي: الرّاوي عن سلمى، أو أحد الثّلاثة: (فقامت) أي: سلمى
(فأخذت شيئا من شعير) - بالتّنكير، وروي بالتّعريف- (فطحنته، ثم
[ ٢ / ١٦١ ]
جعلته في قدر، وصبّت عليه شيئا من زيت، ودقّت الفلفل والتّوابل، فقرّبته إليهم. فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ ويحسن أكله. قوله (التّوابل): هي أدوية حارّة يؤتى بها من الهند، وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة والزّنجبيل والكمّون. ويؤخذ من هذا: أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل، وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد.
جعلته)؛ أي دقيقه (في قدر) - بكسر أوّله، أي: برمة- (وصبّت عليه شيئا من زيت) زيت الزّيتون، أو غيره (ودقّت الفلفل) - بضمّ الفاءين وسكون اللّام الأولى؛ كهدهد- مصروف هذا هو الرواية، والواحدة فلفلة، وفي «القاموس»: الفلفل كهدهد وزبرج: حبّ هنديّ، والأبيض أصلح، وكلاهما نافع لأشياء ذكرها.
(والتّوابل) - بمثنّاة فوقيّة؛ بزنة المساجد-: أبزار الطّعام. وسيأتي، (فقرّبته) أي: فوضعته على الطّعام وقدّمته (إليهم.
فقالت: هذا ممّا كان يعجب النّبيّ ﷺ) - بالضبطين- (ويحسن أكله) بالوجهين.
(قوله: التّوابل) بالتّاء المثنّاة قبل الواو، وبالباء بعد الألف؛ جمع تابل- بفتح الباء، وقد تكسر- (: هي) أبزار الطّعام، وهي (أدوية حارّة يؤتى بها من الهند. وقيل: إنّها مركّبة من الكزبرة) - بضمّ الباء وفتحها-: نبات معروف (والزّنجبيل): هو عروق تسري في الأرض حرّيفة تحذي اللّسان وهو ما ينبت في بلاد العرب، له منافع كثيرة (والكمّون)؛ كتنّور: حبّ معروف أدقّ من السّمسم، واحدته كمّونة، وهو عربيّ. قال الجواليقي: وعوامّ الناس تفرق بين التوابل والأبزار، والعرب لا تفرّق بينهما!!
(ويؤخذ من هذا) الحديث؛ كما في الباجوريّ وغيره:
(أنّه ﷺ كان يحبّ تطييب الطّعام بما تيسّر وسهل) من أنواع الأبازير، (وأنّ ذلك لا ينافي الزّهد) في الدّنيا ولذّاتها.
[ ٢ / ١٦٢ ]
وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال في غزوة الخندق: انكفيت- أي: انطلقت إلى امرأتي- فقلت: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ جوعا شديدا.
فأخرجت جرابا فيه صاع من شعير ولنا بهيمة داجن،
(وعن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام الأنصاريّ- وتقدّمت ترجمته- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال: في غزوة الخندق) وهي الأحزاب؛ قال: لما حفر الخندق رأيت بالنبيّ ﷺ خمصا شديدا، ف (انكفيت) قال الحافظ ابن حجر: بفاء مفتوحة بعدها تحتيّة ساكنة، أي: انقلبت، وأصله انكفأت؛ بهمزة، وكأنه سهّلها.
وقال القسطلّانيّ: بالهمز، وقد تبدل ياء. لكن قال الحافظ أبو ذرّ: صوابه:
فانكفأت بالهمز.
وقال في «التنقيح»: أصله الهمزة؛ من كفأت الإناء، وتسهّل!
قال في «المصابيح»: لكن ليس القياس في تسهيل مثله إبدال الهمزة ياء، أي: انقلبت. وقال المصنّف تبعا للباجوريّ.
(أي: انطلقت إلى امرأتي): سهيلة بنت مسعود بن أوس بن مالك بن سوّاد الأنصارية الظفريّة، زوجة جابر، وأمّ ولده عبد الله، ذكرها ابن حبيب في المبايعات؛ كما في «الإصابة» رضي الله تعالى عنها.
(فقلت) لها (: هل عندك شيء؟ فإنّي رأيت بالنّبيّ ﷺ) خمصا أي:
(جوعا شديدا!.
فأخرجت جرابا) - بكسر الجيم- (فيه صاع من شعير.
ولنا بهيمة) - بضمّ الموحّدة وفتح الهاء؛ مصغّر بهمة-: وهي الصّغيرة من أولاد الغنم. وفي رواية: عناق، وهي الأنثى من المعز، (داجن) - بكسر الجيم-: التي تترك في البيت، ولا تخرج إلى المرعى، ومن شأنها أن تسمن.
وقد زاد في رواية أحمد: سمينة.
[ ٢ / ١٦٣ ]
فذبحتها، وطحنت الشّعير حتّى جعلنا اللّحم في البرمة، ثمّ جئته ﷺ، وأخبرته الخبر سرّا، وقلت له: تعال أنت ونفر معك.
(فذبحتها) - بسكون الحاء، وضمّ التّاء- فالذابح جابر.
(وطحنت) - بسكون التّاء الفوقيّة، قبلها نون؛ فحاء مهملة، فطاء مهملة:
مفتوحات- أي: امرأتي (الشّعير) .
وفي رواية أحمد: فأمرت امرأتي فطحنت لنا الشعير وصنعت لنا منه خبزا وفي رواية في «الصحيح»؛ من طريق آخر عن جابر: إنّا يوم الخندق نحفر فعرضت كدية شديدة، فجاؤوا إلى النّبيّ ﷺ، فقالوا: هذه كدية عرضت في الخندق؛ فقال: «أنا نازل» ثم قام، وبطنه معصوب بحجر، ولبثنا ثلاثة أيام لا نذوق ذواقا. فأخذ النّبيّ ﷺ المعول فضرب؛ فعاد كثيبا أهيل أو أهيم.
فقلت: يا رسول الله؛ ائذن لي إلى البيت، فقلت لامرأتي: رأيت بالنبي ﷺ شيئا ما كان في ذلك صبر، فعندك شيء؟ قالت: عندي شعير وعناق، فذبحت العناق، وطحنت الشعير (حتّى جعلنا)؛ أي: وشرعنا في تهيئته حتى جعلنا- وللكشميهني: جعلت، أي المرأة- (اللّحم في البرمة) - بضمّ الموحّدة، وسكون الرّاء-: القدر مطلقا، أو من حجارة. وفي رواية: ففرغت إلى فراغي أي معه، وقطّعتها في برمتها وغطتها.
(ثمّ جئته ﷺ) زاد في رواية «الصحيح»: والعجين قد انكسر؛ أي:
اختمر. والبرمة بين الأثافيّ قد كادت أن تنضج، فقالت: لا تفضحني برسول الله ﷺ وبمن معه، فجئته (وأخبرته الخبر سرّا؛
وقلت له): يا رسول الله؛ ذبحنا بهيمة لنا، وطحنت المرأة صاعا من شعير كان عندنا؛ ف (تعال أنت ونفر معك) دون العشرة من الرّجال. وفي رواية:
فقلت: طعيم لي صنعته، فقم أنت يا رسول الله؛ ورجل أو رجلان.
ولأحمد: وكنت أريد أن ينصرف ﷺ وحده. قال: «كم هو؟» فذكرت له.
[ ٢ / ١٦٤ ]
فصاح: «يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا فحيّ هلا بكم»،
قال: «كثير طيّب، قل لها لا تنزع البرمة؛ ولا الخبز من التّنّور حتّى آتي» .
(فصاح) أي النّبيّ ﷺ: («يا أهل الخندق؛ إنّ جابرا صنع سورا) - بضمّ السّين المهملة، وسكون الواو بغير همز-: قال ابن الأثير: أي طعاما يدعو الناس إليها، أو هو الطعام مطلقا. وأمّا الذي بالهمز!! فهو البقيّة، وليس مرادا هنا.
ولفظة سور- بدون همز- فارسية، ولعله ﷺ عبّر بها دون «طعاما» !! لعمومه في كلّ مأكول، بخلاف الطّعام فيختصّ بالحنطة عند أهل مكّة، فقد يفهم بعض السّامعين خلاف المراد، أو لبيان الجواز.
(فحيّ) - بحاء مهملة وشدّ التّحتيّة- (هلا) - بفتح الهاء واللّام المنوّنة مخفّفة- وفي رواية: أهلا (بكم») بزيادة ألف، والصواب حذفها؛ قاله الحافظ ابن حجر.
وهي كلمة استدعاء فيها حثّ على سرعة الإجابة، أي: هلمّوا مسرعين.
وفي رواية في «الصحيح»: فقال: «قوموا» فقام المهاجرون والأنصار.
فلما دخل على امرأته؛ قال: ويحك، جاء النّبيّ ﷺ بالمهاجرين والأنصار ومن معهم. قالت: هل سألك؟ قلت: نعم.
وفي سياقه اختصار.
وبيانه في رواية يونس بن بكير في «زيادات المغازي» قال:
فلقيت من الحياء ما لا يعلمه إلا الله، وقلت جاء الخلق على صاع من شعير وعناق!! فدخلت على امرأتي أقول: افتضحت؛ جاءك رسول الله ﷺ بالجند أجمعين!!.
فقالت: هل كان سألك كم طعامك؟ فقلت: نعم.
فقالت: الله ورسوله أعلم، نحن أخبرناه بما عندنا!! فكشفت عني غمّا شديدا.
[ ٢ / ١٦٥ ]
وقال: «لا تنزلنّ برمتكم، ولا تخبزنّ عجينتكم حتّى أجيء» .
فلمّا جاء.. أخرجت له العجين؛ فبصق فيه،
وفي رواية في «الصحيح»: فجئت امرأتي، فقالت: بك وبك. فقلت: قد فعلت الذي قلت!!
ويجمع بينهما بأنّها أوّلا أمرته أن يعلمه بالصورة، فلما قال لها «إنه جاء بالجميع»؛ ظنّت أنّه لم يعلمه؛ فخاصمته، فلما أعلمها أنّه أعلمه سكن ما عندها، لعلمها بإمكان خرق العادة. ودلّ ذلك على وفور عقلها وكمال فضلها.
وقد وقع لها في قصة التمر: أن جابرا أوصاها لمّا زارهم النّبيّ ﷺ أن لا تكلّمه. فلما أراد ﷺ الانصراف نادته: يا رسول الله؛ صلّ عليّ وعلى زوجي.
فقال: «صلّى الله عليك وعلى زوجك» .
فعاتبها جابر، فقالت له: أكنت تظنّ أنّ الله يورد رسوله بيتي، ثم يخرج؛ ولا أسأله الدعاء!! أخرجه أحمد بإسناد حسن؛ ذكره الحافظ ابن حجر.
(وقال): أي: النّبيّ ﷺ لجابر (: «لا تنزلنّ) - بضم التّاء الفوقيّة وكسر الزّاي، وضمّ اللّام- (برمتكم) نصب على المفعولية، ولأبي ذرّ: «لا تنزلنّ» - بفتح اللام والزاي؛ مبنيّ للمفعول- برمتكم- بالرفع نائب الفاعل.
(ولا تخبزنّ) - بفتح المثنّاة الفوقية، وكسر الموحّدة، وضمّ الزّاي وشدّ النون- (عجينتكم) - بالنّصب، ولأبي ذرّ بضمّ الفوقيّة وفتح الموحّدة والزاي؛ ورفع «عجينكم» (حتّى أجيء») إلى منزلكم.
(فلمّا جاء أخرجت)؛ أي المرأة (له العجين)
ولفظ البخاريّ: فجئت وجاء ﷺ يقدم الناس حتى جئت إلى امرأتي؛ فقالت:
بك وبك. فقلت: فعلت الذي قلت، فأخرجت له عجينا (فبصق فيه) بالصاد.
ولأبوي ذرّ والوقت، وابن عساكر: فبسق- بالسّين- ويقال بالزّاي أيضا، لكن قال النّوويّ: بالصّاد في أكثر الأصول، وفي بعضها بالسّين؛ وهي لغة قليلة.
[ ٢ / ١٦٦ ]
وبارك، ثمّ عمد إلى برمتنا، فبصق، وبارك، ثمّ قال: «ادعي خابزة فلتخبز معك، واغرفي من برمتكم، ولا تنزلوها» .
والقوم ألف، فأقسم بالله لقد أكلوا حتّى تركوه، وانصرفوا، وإنّ برمتنا لتغطّ- أي: تغلي- كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو.
(وبارك) في العجين: أي دعا فيه بالبركة، (ثمّ عمد) - بفتح الميم: قصد- (إلى برمتنا فبصق) . زاد الكشميهني: فيها؛ أي البرمة (وبارك) في الطّعام، (ثمّ قال): أي ﷺ لجابر (: «أدع خابزة، فلتخبز) بسكون اللّام (معك) بكسر الكاف! خطابا لزوجة جابر. فخصّه بالأمر بالدّعاء، لأنه صاحب المنزل المشار إليه بإذنه لمن شاء في دخول منزله، وخاطب زوجته بأنه إذا أحضرها يأمرها بالخبز معها؛ أي مساعدتها فيه، ثم تباشر هي غرف الطعام.
ولا ينافيه أنّ لفظ البخاريّ: فلتخبز معي، لأنّ المراد: وقولي لها لتخبزي معي؛ أي تعاونيني فيه. ويدلّ عليه قوله: (و) اقدحي أي (اغرفي من برمتكم) والمغرفة: تسمّى المقدحة، وقدحة من المرق: غرفة منه (ولا تنزلوها») - بضمّ المثنّاة الفوقية، وكسر الزّاي- أي: البرمة من فوق الأثافي- بفتح الهمزة، والمثلّثة فألف ففاء مكسورة، فتحتيّة مشددة-: حجارة ثلاثة يوضع عليها القدر.
(و) هم أي: (القوم) الذين أكلوا (ألف) .
وفي «مستخرج أبي نعيم»: وهم سبعمائة، أو ثلثمائة. وللإسماعيلي ثمانمائة، أو ثلثمائة. وفي مسلم: ثلثمائة.
قال الحافظ ابن حجر: والحكم للزّائد، لمزيد علمه، ولأنّ القصّة متّحدة.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: وأقعدهم عشرة عشرة يأكلون، (فأقسم بالله، لقد أكلوا حتّى تركوه، و)؛ انحرفوا أي: (انصرفوا) ومالوا عن الطعام؛ (وإنّ برمتنا لتغطّ) - بكسر الغين المعجمة، وشدّ الطّاء المهملة- (أي: تغلي) وتفور بحيث يسمع لها غطيط (كما هي، وإنّ عجيننا ليخبز كما هو) لم ينقص من ذلك
[ ٢ / ١٦٧ ]
رواه البخاريّ ومسلم.
وعن جابر أيضا قال: خرج رسول الله ﷺ وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار، فذبحت له شاة؛
شيء، و«ما» في «كما» كافة، وهي مقحمة لدخول الكاف على الجملة، وهي مبتدأ والخبر محذوف، أي كما هي قبل ذلك. (رواه البخاريّ، ومسلم) في «صحيحيهما» في «كتاب المغازي» من حديث سعيد بن ميناء عن جابر.
وأخرجه البخاريّ وحده من رواية أيمن عن جابر بنحوه: وفي آخره:
فقال ﷺ «ادخلوا ولا تضاغطوا» فجعل يكسر الخبز ويجعل عليه اللّحم ويخمر البرمة والتنّور إذا أخذ منه، ويقرب إلى أصحابه ثم ينزع، فلم يزل يكسر الخبز ويغرف حتى شبعوا وبقي بقية، قال: «كلي هذا، وأهدي فإنّ النّاس أصابتهم مجاعة» .
وفي رواية يونس بن بكير: فما زال يقرّب إلى الناس حتى شبعوا أجمعين، ويعود التنور والقدر أملأ ما كانا. فقال: «كلي وأهدي»، فلم نزل نأكل ونهدي يومنا أجمع.
وفي رواية أبي الزّبير عن جابر: فأكلنا نحن وأهديناا لجيراننا، فلما خرج ﷺ ذهب ذلك. انتهى.
وصريح هذا أنّ الذي باشر الغرف النّبيّ ﷺ، فيخالف ظاهر قوله «واقدحي من برمتكم ولا تنزلوها»؛ أي: اغرفي من أن مباشرة المرأة!!.
ويمكن الجمع بينهما بأنّها كانت تساعده في الغرف. ولم يتعرّض الحافظ ابن حجر، ولا القسطلّانيّ لهذا. والله أعلم.
وفي ذلك علم من أعلام نبوّته ﷺ.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن جابر أيضا) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (قال: خرج رسول الله ﷺ)؛ أي: من بيته، أو من المسجد (وأنا معه، فدخل على امرأة من الأنصار؛ فذبحت له شاة) .
[ ٢ / ١٦٨ ]
فأكل منها، وأتته بقناع- أي: طبق من رطب- فأكل منه، ثمّ توضّأ للظّهر، وصلّى، ثمّ انصرف، فأتته بعلالة من علالة الشّاة، فأكل، ثمّ صلّى العصر، ولم يتوضّأ.
يؤخذ منه حلّ ذبح المرأة، لأن الظاهر أنّها ذبحت بنفسها حقيقة، ويحتمل أنّها أمرت بذبحها. والجزم به يحتاج إلى دليل.
(فأكل منها) أي: من تلك الشّاة (وأتته) أي: المرأة الأنصاريّة (بقناع) - بقاف مكسورة، فنون، فعين مهملة- (أي: طبق) يعمل من سعف النّخل يؤكل عليه. هذا هو المراد هنا.
(من رطب فأكل منه)؛ أي: من الرّطب (ثمّ توضّأ للظّهر)، يحتمل أنّه كان محدثا، فلا دلالة فيه على وجوب الوضوء ممّا مسّته النّار، ولا على ندبه، (وصلّى، ثمّ انصرف) من صلاته، أو من محلّها؛ (فأتته بعلالة) - بضمّ العين المهملة- أي بقية (من علالة الشّاة) أي: من بقيّة لحمها.
و«من» تبعيضيّة، أو بيانيّة، بل جعلها بيانيّة له وجه وجيه؛ (فأكل) .
فيه أنّه لا حرج في الأكل بعد الأكل، بل يندب ذلك جبرا لخاطر المضيف ونحوه؛ كما كان يفعله شيخنا العلّامة السيّد علوي المالكي رحمه الله تعالى، وإن لم يطل فصل؛ ولا انهضم الأوّل، أي إن أمن التّخمة باعتبار عادته، أو قلّة المأكول، أو لم يتخلّل بينهما شرب، لأنه حينئذ أكل واحد، وإلا؛ فهو مضرّ طبّا.
وفيه أنّه أكل من لحم في يوم مرّتين! لا أنه شبع في يوم مرّتين؛ كما وهم، إذ لا يلزم من أكله مرّتين الشّبع في كلّ منهما. فمن عارضه بقول عائشة رضي الله تعالى عنها السابق «ما شبع من لحم في يوم مرّتين» !! لم يكن على بصيرة.
(ثمّ صلّى العصر؛ ولم يتوضّأ) أي: لكونه لم يحدث.
[ ٢ / ١٦٩ ]
وعن أمّ المنذر رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال معلّقة.
قالت: فجعل رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل. فقال ﷺ لعليّ: «مه يا عليّ، فإنّك ناقه» .
ويعلم منه أنّ الوضوء لا يجب مما مسّته النار. والله أعلم.
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» بإسناد حسن- كما قال العراقيّ- (عن أمّ المنذر) اسمها:
سلمى بنت قيس بن عمرو الأنصاريّة، من بني النّجار، إحدى خالات النّبيّ ﷺ من جهة أبيه؛ بايعت وصلّت إلى القبلتين.
لها صحبة، خرّج لها أبو داود والنّسائي (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
دخل عليّ) - بتشديد الياء المثناة- (رسول الله ﷺ ومعه عليّ ولنا دوال) - بفتح الدال المهملة، وتنوين اللام المكسورة-: أعذاق من بسر النّخل تعلّق، كلما أرطبت أكل منها على التّدريج، واحدتها: دالية.
(معلّقة) - بالرّفع، صفة مؤكّدة لدوال- (قالت:
فجعل) أي: شرع (رسول الله ﷺ يأكل، وعليّ معه يأكل) بالجملة عطف على «جعل» (فقال ﷺ لعليّ: «مه)؛ أي: اكفف (يا عليّ، فإنّك ناقه») بكسر القاف بعده هاء. اسم فاعل. أي قريب برء من المرض لم تتقرّر صحّتك، نخاف عليك عود المرض؛ إن أكثرت. يقال نقه- بفتح القاف وكسرها- من بابي نفع وتعب؛ إذا برىء من المرض. فالنقاهة حالة بين الصّحة والمرض.
قال الأطباء: وأنفع ما يكون الحمية لناقه من المرض، فإنّ طبيعته لم ترجع بعد إلى قوّتها، والقوّة الهاضمة ضعيفة، والطّبيعة قابلة، والأعضاء مستعدّة، فتخليطه يوجب انتكاسا أصعب من ابتداء مرضه.
[ ٢ / ١٧٠ ]
قالت: فجلس عليّ والنّبيّ ﷺ يأكل.
قالت: فجعلت لهم سلقا وشعيرا.
فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب؛
وقد اشتهر على الألسنة: «الحمية رأس الدّواء، والمعدة بيت الدّاء، وعوّدا كلّ جسد ما اعتاد» . وهو ليس بحديث، وإنّما هو من كلام الحارث بن كلدة، طبيب العرب.
ولا ينافي نهيه لعليّ خبر ابن ماجه أنّه عاد رجلا فقال له: «ما تشتهي؟» قال:
كعكا. وفي لفظ: خبز برّ. فقال: «من عنده خبز فليبعث إلى أخيه، وإذا اشتهى مريض أحدكم شيئا؛ فليطعمه» .
لأنّ العليل إذا اشتدّت شهوته لشيء ومالت إليه طبيعته، فتناول منه القليل لا يحصل له منه ضرر، لأنّ المعدة والطّبيعة يتلقّيانه بالقبول؛ فيندفع عنه ضرره، بل ربّما كان ذلك أكثر نفعا من كثير من الأدوية التي تنفر منها الطّبيعة. وهذا سرّ طبيّ لطيف.
(قالت: فجلس عليّ) أي: وترك أكل الرّطب (والنّبيّ ﷺ يأكل) .
فيه جواز الأكل قائما بلا كراهة، لكنّ تركه أفضل كما في «الأنوار» «١» .
(قالت: فجعلت) أي: فبسبب أمره ﷺ عليا بالتّرك لكونه ناقها؛ جعلت (لهم) المراد بالجمع ما فوق الواحد، وقيل: كان معهما ثالث.
واقتصر على ذكر علي فيما سبق!! لداعي بيان ما جرى بينه وبين النبيّ ﷺ.
(سلقا) - بكسر السّين المهملة، وسكون اللّام- وهو: النّبت المشهور ويقال له «سلك» بالكاف آخره. (وشعيرا) لأنّه نافع.
(فقال النّبيّ ﷺ لعليّ: «من هذا فأصب) أي: كل.
فالفاء في جواب شرط محذوف، أي: إذا حصل هذا فكل منه معنا.
_________________
(١) للأردبيلي.
[ ٢ / ١٧١ ]
فإنّ هذا أوفق لك» .
وعن عبد الله بن سلام
وتقديم الجار والمجرور يفيد الحصر أي: أصب من هذا؛ لا من غيره. أي:
خصّه بالإصابة ولا تتجاوزه. وفي التعبير ب «أصب» إشارة إلى أنّ أكله منه هو الصّواب.
(فإنّ هذا أوفق) أي: موافق (لك») فأفعل التّفضيل ليس على بابه، وإنما كان موافقا له، لأن ماء الشّعير نافع للنّاقه جدا، لا سيّما إذا طبخ بأصول السّلق فإنّه من أوفق الأغذية لضعيف المعدة، بخلاف الرّطب والعنب فإنّ الفاكهة تضرّ بالنّاقه لسرعة استحالتها، وضعف المعدة عن دفعها.
وفيه أنّ التّداوي مشروع، ولا ينافي التّوكّل اقتداء بسيّد المتوكّلين ﷺ.
(و) أخرج أبو داود والتّرمذيّ في «الشمائل» بسند حسن أو صحيح
(عن عبد الله بن سلام) بن الحارث الإسرائيليّ. وفي بعض النّسخ: عن يوسف بن عبد الله بن سلام عن أبيه. وهذه النّسخة أصحّ، فالحديث من مسند يوسف بن عبد الله بن سلام، لا من مسند أبيه، وكلّ منهما صحابيّ جليل.
أما يوسف! فولد في حياة رسول الله ﷺ، وحمل إليه، وأقعده في حجره، وسمّاه يوسف، ومسح رأسه.
وكنيته أبو يعقوب. روى عن رسول الله ﷺ ثلاثة أحاديث، وروى عن أبيه، وعن عثمان وعليّ وأبي الدّرداء وغيرهم. وذكره ابن سعد في الطّبقة الخامسة من الصّحابة، وذكره جمع ممّن ألّف في الصّحابة.
وتوفّي في خلافة عمر بن عبد العزيز.
وقال بعضهم: بقي إلى سنة مائة من الهجرة رضي الله تعالى عنه
وأما أبوه عبد الله بن سلام- بتخفيف اللام- فيكنّى أبا يوسف، أحد الأحبار والعلماء الأخيار، وأحد من شهد له رسول الله ﷺ بالجنّة.
[ ٢ / ١٧٢ ]
رضي الله تعالى عنه قال: رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة من خبز، فوضع عليها تمرة وقال: «هذه إدام هذه» .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل.
روى عنه ابناه يوسف ومحمد وغيرهما، مات بالمدينة المنوّرة سنة ثلاث وأربعين هجرية (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
رأيت النّبيّ ﷺ أخذ كسرة) - بكسر الكاف وسكون السّين- أي قطعة (من خبز فوضع عليها تمرة، وقال: «هذه) التمرة (إدام هذه») الكسرة، لأنّ التّمر كان طعاما مستقلا غير متعارف للائتدام، فأخبر أنّه يصلح له.
وفي نسخة من «الشمائل» زيادة: «فأكل» بالفاء. وفي نسخة بالواو.
وهذا الحديث يقوّي قول من ذهب من الأئمّة إلى أنّ التّمر إدام، كالإمام الشّافعي ومن وافقه.
ويؤخذ منه أنّه ﷺ كان يدبّر الغذاء، فإنّ الشّعير بارد يابس، والتّمر حارّ رطب، فكان ﷺ لا يجمع بين حارّين ولا باردين، ولا مسهّلين ولا قابضين ولا غليظين، ولا بين مختلفين؛ كقابض ومسهّل.
ولم يأكل طعاما قطّ في حال شدّة حرارته، ولا طبيخا بائتا مسخّنا، ولا شيئا من الأطعمة العفنة والمالحة، فإنّ ذلك كلّه ضارّ مولّد للخروج عن الصّحّة.
وبالجملة: فكان ﷺ يصلح ضرر بعض الأغذية ببعض ما وجد إليه سبيلا، ولم يشرب على طعامه لئلا يفسده، ذكره ابن القيّم.
(و) أخرج الإمام أحمد والتّرمذيّ في «الشّمائل»، والحاكم بسند جيّد؛
(عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان يعجبه الثّفل) .
قال الزرقانيّ على «المواهب»: بضمّ الثّاء المثلّثة وكسرها، وقاف؛ في
[ ٢ / ١٧٣ ]
و(الثّفل): ما بقي من الطّعام في أسافل القدر والقصعة والصّحفة ونحوها. وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز،
الأصل!!: ما يثقل من كلّ شيء، وفسّر في خبر بالثّريد، وبما يقتات به، وبما يعلق بالقدر، وبطعام فيه شيء من حبّ أو دقيق.
قيل: والمراد هنا الثّريد. قال ابن الأثير: سمّي ثقلا لأنّه من الأقوات الثّقيلة، بخلاف المائعات.
(و) قال المصنّف تبعا لشرّاح «الشمائل»:
(الثّفل) - بضمّ المثلّثة وكسرها، وبسكون الفاء- (: ما بقي من الطّعام في أسافل القدر، و) الظّروف ك (القصعة والصّحفة ونحوها) . وقيل: الثّفل هو الثّريد. وهو مختار صاحب «النّهاية»، وما فسّره به المصنّف هو الذي فسّره به شيخ التّرمذي: عبد الله بن عبد الرحمن الدارميّ رحمه الله تعالى.
قال الباجوريّ كالمناويّ، وغيره: وإنّما فسّره الراوي! حذرا من توهّم خلاف المعنى المراد. ولعلّ حكمة إعجابه ﷺ بالثّفل أنّه منضوج غاية النّضج القريب إلى الهضم، فهو أهنأ وأمرأ وألذّ.
وفيه إشارة إلى التّواضع والقناعة باليسير. وكثير من الأغنياء يتكبّرون ويأنفون من أكل الثّفل، والله جعل جميل حكمته في أقواله وأفعاله وأحواله ﷺ، فطوبى لمن عرف قدره واقتفى أثره.
وأخرج أبو داود، وقال في بعض رواياته وهو حديث ضعيف. والحاكم وصحّحه وأقرّه الذّهبيّ كلاهما عن ابن عبّاس ﵄ قال (وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ الثّريد من الخبز) لمزيد نفعه، وسهولة مساغه، وتيسّر تناوله، وبلوغ الكفاية منه بسرعة، واللذة، والقوّة وقلة المؤونة في المضغ. ولذا قال ﵊: «أثردوا ولو بالماء» رواه الطّبرانيّ، والبيهقي مبالغة في
[ ٢ / ١٧٤ ]
والثّريد من الحيس. و(الحيس): التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدّقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتّى يختلط.
وكان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف،
تأكّد طلبه، والمراد ولو مرقا يقرب من الماء.
(والثّريد من الحيس) - بفتح الحاء المهملة، وإسكان المثنّاة التّحتية وآخره سين مهملة-
(و) هو أي (الحيس: التّمر مع السّمن والأقط) لبن مجفّف منزوع الزّبد- كما تقدّم-.
(وقد يجعل عوض) أي: بدل (الأقط الدّقيق؛ أو الفتيت) - بفاء ومثنّاتين فوقيّتين، بينهما مثنّاة تحتيّة؛ بوزن شتيت-: الخبز المفتوت، فعيل بمعنى مفعول. (فيدلك الجميع حتّى يختلط) . والأصل فيه الخلط. قال الرّاجز:
التّمر والسّمن جميعا والأقط الحيس إلّا أنّه لم يختلط
قال ابن رسلان: وصفته أن يؤخذ التّمر أو العجوة؛ فينزع منه النّوى، ويعجن بالسّمن أو نحوه، ثم يدلك باليد حتى يصير كالثّريد، وربّما جعل معه سويق.
انتهى. ذكره العزيزيّ على «الجامع الصّغير» .
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يحبّ من الشّاة الذّراع والكتف) . روى الشيخان من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
وضعت بين يدي رسول الله ﷺ قصعة من ثريد ولحم، فتناول الذّراع، وكان أحبّ الشّاة إليه الحديث.
وروى أبو الشّيخ من حديث ابن عباس: كان أحبّ اللّحم إلى رسول الله ﷺ الكتف، وإسناده ضعيف. ومن حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: لم يكن
[ ٢ / ١٧٥ ]
ومن القدر الدّبّاء، ومن التّمر العجوة. ودعا في العجوة بالبركة، وكان يقول: «إنّها من الجنّة وهي شفاء من السّمّ والسّحر» .
يعجبه من الشّاة إلا الكتف، وتقدّم الكلام على الكتف والذّراع بزيادة عما هنا.
(ومن القدر) أي: المطبوخ في القدر (الدّبّاء) تقدّم حديث أنس: «كان يحبّ الدّبّاء» . ولأبي الشّيخ من حديث أنس: «كان أعجب الطعام إليه الدّبّاء» .
(ومن التّمر العجوة) المراد بالعجوة عجوة المدينة المنوّرة.
قال الزّمخشريّ: العجوة تمر بالمدينة من غرس رسول الله ﷺ. وهي أجود التّمر وألينه وألذّه، وأنواع تمر المدينة مائة وعشرون نوعا.
روى أبو الشيخ من حديث ابن عباس بسند ضعيف: كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة. وكذا رواه أبو نعيم في «الطّبّ» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما (ودعا) ﷺ (في العجوة بالبركة.
وكان يقول: «إنّها من الجنّة) يريد المبالغة في الاختصاص بالمنفعة والبركة، فكأنّها منها. وقال الحليميّ: معنى كونها من الجنّة أنّ فيها شبها من ثمار الجنّة في الطّبع. فلذلك صارت شفاء من السّمّ.
وقال السمهودي: لم يزل إطباق الناس على التّبرك بالعجوة، وهو النّوع المعروف الذي يأثره الخلف عن السّلف بالمدينة المنوّرة، ولا يرتابون في ذلك.
(وهي شفاء من السّمّ والسّحر») روى الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وأبو داود من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه:
«من تصبّح بسبع تمرات من عجوة؛ لم يضرّه في ذلك اليوم سمّ ولا سحر» .
وأخرج البزّار، والطّبرانيّ في «الكبير» من حديث عبد الله بن الأسود قال:
كنّا عند رسول الله ﷺ في وفد سدوس، فأهديناا له تمرا الحديث.
[ ٢ / ١٧٦ ]
وكان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة.
وكان ﷺ يحبّ الزّبد
وفيه: حتّى ذكرنا له تمرا؛ فقلنا له: هذا الجذاميّ فقال: «بارك الله في الجذاميّ، وفي حديقة خرج منها هذا» الحديث.
قال أبو موسى المدينيّ: قيل: هو تمر أحمر.
ولأحمد والترمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه من حديث أبي هريرة:
«العجوة من الجنّة، وهي شفاء من السّمّ» .
وروى أبو نعيم في «الطب» بسند ضعيف من حديث بريدة: «العجوة من فاكهة الجنّة»،
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، والحاكم، والديلميّ من حديث رافع بن عمرو المزنيّ: «العجوة والصّخرة والشّجرة من الجنّة» .
ولابن النّجار من حديث ابن عباس: «العجوة من الجنّة، وفيها شفاء من السّمّ » الحديث.
(و) أخرج أبو نعيم في «الطّبّ»، وأبو الشّيخ بإسناد ضعيف: كلاهما عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان أحبّ التّمر إلى رسول الله ﷺ العجوة): عجوة المدينة المنورة.
(و) أخرج أبو داود، وابن ماجه بإسناد حسن- كما قال بعض الحفّاظ- كلاهما عن ابن بشر- بموحدة مكسورة، وشين معجمة-.
وابن بشر في الصحابة اثنان سلمانيان هما: عبد الله وعطية، فلا يعرف أيّهما المراد! قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ الزّبد) - بضمّ الزّاي، وسكون الموحّدة؛ كقفل-: ما يستخرج بالمخض من لبن بقر أو غنم، معز أو ضأن.
[ ٢ / ١٧٧ ]
والتّمر. وكان ﷺ يحبّ من البقول الهندباء، والشّمر، والرّجلة.
وأمّا لبن الإبل! فلا يسمّى ما يستخرج منه زبدا، بل يقال له «حباب»
(والتّمر) - بمثناة فوقيّة- يعني: يحبّ الجمع بينهما في الأكل، لأنّ الزّبد حارّ رطب، والتّمر بارد يابس.
وفي جمعه بينهما من الحكمة إصلاح كلّ منهما بالآخر.
قال النّوويّ: فيه جواز أكل شيئين من فاكهة وغيرها معا، وجواز أكل طعامين معا؛ وجواز التوّسع في المطاعم. ولا خلاف بين العلماء في جواز ذلك!!
وما نقل عن السّلف من خلافه! محمول على الكراهة في التّوسّع والترفّه والإكثار لغير مصلحة دينيّة.
وقال القرطبيّ: ويؤخذ منه مراعاة صفات الأطعمة وطبائعها، واستعمالها على الوجه اللائق على قاعدة الطّبّ.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ من البقول الهندباء) - بكسر الهاء وسكون النّون وفتح الدّال المهملة، وقد تكسر مقصورة وتمدّ-: بقلة معروفة، تسمى عند بعض الناس ب «السّالط» وبعضهم يسمّيها
روى أبو نعيم في «الطّب» من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما «عليكم بالهندباء، فإنّه ما من يوم إلّا وهو يقطر عليه قطرة من قطر الجنّة» .
وفي سنده عمرو بن أبي سلمة. ضعّفه ابن معين وغيره!!
ولأبي نعيم، من حديث الحسن بن عليّ، وأنس بن مالك نحوه، وكلّها ضعيفة!
(والشّمر) - بالشين المعجمة، والميم المفتوحتين بغير ألف؛ هو: الشّمار- بألف؛ كسحاب- وهو الرازيانج، (والرّجلة) - بكسر الرّاء، وإسكان الجيم- هي البقلة الحمقاء.
[ ٢ / ١٧٨ ]
وكان ﷺ يحبّ القثّاء.
وكان ﷺ يحبّ الجذب.
و(الجذب): الجمّار؛ وهو: شحم النّخل، واحدته: جذبه.
سمّيت بذلك!! لأنّها تنبت على طرق النّاس فتداس، وفي مسيل الماء فيقتلعها ماء السّيل، وأصل الرّجلة: المسيل، فسمّيت به البقلة، ومنه قولهم «أحمق من رجلة»؛ يعنون هذه البقلة.
روى أبو نعيم في «الطب» من رواية ثوير قال: مرّ النبيّ ﷺ بالرّجلة؛ وفي رجله قرحة فداواها بها فبرئت، فقال رسول الله ﷺ: «بارك الله فيك، انبتي حيث شئت؛ أنت شفاء من سبعين داء، أدناها الصّداع» وهو مرسل ضعيف.
(و) أخرج الطّبرانيّ في «الكبير» عن الرّبيّع- بضمّ الرّاء، وفتح الموحّدة وشدّ المثناة التحتيّة المكسورة مصغّرا مثقّلا- بنت معوّذ- بصيغة اسم الفاعل- الأنصارية النّجّاريّة؛ من صغار الصّحابة- بإسناد حسن- قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ يحبّ القثّاء) - بكسر القاف أكثر من ضمّها ممدودا-:
نوع من الخيار أخفّ منه. وقيل: هو اسم جنس لما يقول له الناس الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثاءة، وإنّما كان يحبّها!! لإنعاش ريحها للروح وإطفائها لحرارة المعدة الملتهبة؛ سيما في أرض الحجاز، ولكونها بطيئة الانحدار عن المعدة، وكان كثيرا ما يعدّلها بنحو رطب أو تمر أو عسل كما سيأتي.
(و) في «النهاية» لابن الأثير: (كان) رسول الله (ﷺ يحبّ الجذب)؛ بالجيم والذّال المعجمة المفتوحتين. (والجذب: الجمّار) - بضم الجيم، وفتح الميم المشدّدة- (وهو: شحم النّخل) وهو قلبها، (واحدته جذبه)؛ بالهاء.
ورطبه الحلو بارد يابس في الأولى، وقيل في الثانية يعقل البطن.
وينفع من المرّة الصّفراء، والحرارة والدم الحاد، وينفع من الشّرى أكلا وضمادا، وكذا من الطاعون، ويختم القروح، وينفع من خشونة الحلق، نافع للسع
[ ٢ / ١٧٩ ]
وكان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين؛ لمكانهما من البول.
وكان لا يأكل من الشّاة سبعا: الذّكر، والأنثيين، والحيا- وهو الفرج-
الزّنبور ضمادا. انتهى «زرقاني» .
وفي البخاريّ عن ابن عمر: كنت جالسا عند رسول الله ﷺ وهو يأكل جمّارة نخل الحديث.
(و) أخرج ابن السّنّي في كتاب «الطبّ النبويّ»، وفي جزء من حديث أبي بكر محمد بن عبد الله بن الشخّير؛ من حديث ابن عباس بسند ضعيف، فيه أبو سعيد الحسن بن علي العدولي «أحد الكذّابين؛ كما قال العراقيّ» قال:
(كان رسول الله ﷺ يكره أكل الكليتين) - تثنية كلية؛ وهي من الأحشاء معروفة، والكلو والكلوة- بالواو- لغة لأهل اليمن، وهما بضمّ الكاف ولا تكسر.
وقال الأزهريّ: الكليتين للإنسان ولكلّ حيوان، وهما منبت زرع الولد (لمكانهما) أي: لقربهما (من البول) لأنّهما كما في «التهذيب»: لحمتان حمراوان لاصقتان بعظم الصّلب عند الخاصرتين، فهما مجاورتان لتكوّن البول، وتجمّعه فتعافهما النفس، ومع ذلك يحلّ أكلهما!.
(و) في «كشف الغمة» و«الإحياء»: (كان) ﷺ (لا يأكل من الشّاة):
الواحدة من الغنم؛ للذكر والأنثى والمعز والضّأن (سبعا) مع كونها حلالا: (الذّكر، والأنثيين) أي: الخصيتين (والحيا) قال العزيزيّ بالقصر (وهو الفرج) . قال ابن الأثير: الحياء ممدود: الفرج من ذوات الخفّ والظّلف؛ نقله عنه المناويّ في «شرح الجامع»، والزّبيديّ في «شرح الإحياء» ساكتين عليه، لكن قال الحفنيّ على «الجامع» الحيا- بالقصر، وقول بعض الشرّاح بالمدّ غير ظاهر.
وفي «القاموس»: ما يؤيّد كلاميهما، فإنه قال: الحياء الفرج من ذوات
[ ٢ / ١٨٠ ]
والدّم، والمثانة، والمرارة، والغدد. ويكره لغيره أكلها.
الخفّ والظّلف والسّباع، وقد يقصر. قال في «شرحه»: قال الأزهريّ: وهو خطأ لا يجوز قصره إلا لشاعر ضرورة، وما جاء عن العرب إلا ممدودا!!!
وإنّما سمّي حياء باسم الحياء من الاستحياء، لأنه يستر عن الآدميّ من الحيوان ويستفحش التّصريح بذكره واسمه الموضوع له، ويستحى من ذلك ويكنّى عنه.
انتهى ملخصا
(والدّم) غير المسفوح كالكبد والطّحال؛ وأكله من كبد أضحيته؛ لبيان الجواز، وإشارة إلى طلب أكل شيء من الأضحية، أمّا الدّم المسفوح فحرام، والكلام في الحلال الّذي تعافه النّفس.
(والمثانة) وهي: مجمع البول، (والمرارة) وهي: ما في جوف الحيوان، فيها ماء أخضر، وكل حيوان له مرارة، إلّا الجمل فلا مرارة له، (والغدد) جمع غدّة- بالضّمّ- وهي: لحم يحدث من داء بين الجلد واللّحم، يتحرّك بالتّحريك، والغدّة للبعير؛ كالطّاعون للإنسان.
وإنّما لم يأكل هذه المذكورات! لأنّ الطّبع السّليم يعاف هذه الأشياء، وليس كلّ حلال تطيب النّفس لأكله.
(ويكره لغيره أكلها)، قال الخطابي: الدّم حرام إجماعا، وعامّة المذكورات معه مكروهة لا محرّمة، وقد يجوز أن يفرق بين القرائن التي جمعها نظم واحد؛ بدليل يقوم على بعضها، فيحكم له بخلاف حكم صواحباتها. انتهى.
وردّه أبو شامة بأنّه لم يرد بالدّم هنا ما فهمه الخطّابي، فإنّ الدّم المحرّم بالإجماع قد انفصل من الشّاة وخلت منه عروقها، فكيف يقول الرّاوي: كان يكره من الشّاة. - يعني: بعد ذبحها- سبعا، والسّبع موجودة فيها.
وأيضا؛ فمنصبه ﷺ يجلّ عن أن يوصف بأنّه كره شيئا هو منصوص على تحريمه على النّاس كافّة، وكان أكثرهم يكرهه قبل تحريمه، ولا يقدم على أكله إلّا الجفاة في شظف من العيش وجهد من القلّة.
[ ٢ / ١٨١ ]
وكان ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين.
وكان ﷺ يعاف الضّبّ،
وإنّما وجه هذا الحديث المنقطع الضعيف: أنه كره من الشّاة ما كان من أجزائها دما منعقدا مما يحلّ أكله، لكونه دما غير مسفوح، كما في خبر: «أحلّ لنا ميتتان ودمان» . فكأنّه أشار بالكراهة إلى الكبد والطّحال مما ثبت أنّه أكله!! والله أعلم.
انتهى من شرح «الإحياء»، ومن شرح المناوي على «الجامع الصغير» .
والحديث رواه الطّبراني في «الأوسط»؛ من حديث ابن عمر، وفيه يحيى الحمّاني، وهو ضعيف. ورواه البيهقي؛ عن مجاهد مرسلا. ورواه ابن عدي، والبيهقي؛ عن مجاهد، عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال البيهقي:
ووصله لا يصحّ.
ولفظ الحديث: كان ﷺ يكره من الشّاة سبعا: المرارة والمثانة والحيا والذّكر والأنثيين والغدّة والدّم؛ وكان أحبّ الشّاة إليه مقدّمها. انتهى.
(و) أخرج ابن صصرى في «أماليه الحديثيّة»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما وهو حديث حسن لغيره؛ قال: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الجراد، ولا الكليتين) - بضم الكاف- تثنية كلية، لقربهما من محل البول، وتمام الحديث: ولا الضّبّ؛ من غير أن يحرّمها. انتهى. أي: كان يعاف المذكورات من غير أن يحرّمها، وقد أكل الضّبّ على مائدته؛ وهو ينظر!!.
(و) في «الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يعاف الضّبّ) وهو دابّة من الحشرات، وهو أنواع، فمنها ما هو على قدر الجرذون، ومنها أكبر منه، ومنها دون العنز، وهو أعظمها.
وهو يعيش سبعمائة عام، ولا يشرب الماء، بل يكتفي بالنّسيم، ويبول في كل أربعين يوما قطرة، وأسنانه قطعة واحدة معوجة، وإذا فارق جحره لم يعرفه، ويبيض كالطير، ومن عجيب خلقه أن الذكر له زبّان، والأنثى لها فرجان تبيض
[ ٢ / ١٨٢ ]
والطّحال، ولا يحرّمهما.
وكان ﷺ لا يأكل الثّوم
منهما، وذنب الضّبّ ذو عقد، والضّبّ يتلوّن ألوانا نحو الشّمس؛ كما تتلوّن الحرباء، وهو أحرش الذّنب خشنه مفقّره، ولونه إلى الصحمة؛ وهو غبرة مشربة سوادا، وإذا سمن اصفرّ صدره، ولا يأكل إلّا الجنادب والدّبا والعشب، ولا يأكل الهوام. انتهى «شرح القاموس» مع زيادة من «المصباح» .
(و) يعاف (الطّحال) - بكسر الطّاء- معروف، ويقال: هو لكل ذي كرش، إلّا الفرس فلا طحال له، والجمع طحالات، وأطحلة؛ مثل لسان وألسنة، وطحل؛ مثل كتاب وكتب.
(ولا يحرّمهما)، أما الضّبّ!
ففي «الصّحيحين»؛ من حديث ابن عباس: «لم يكن بأرض قومي فأجدني أعافه» .
وفي «الصّحيحين» من حديث ابن عمر: «لست باكله ولا محرمه» .
وأما الطّحال!
فروى ابن ماجه من حديث ابن عمر: «أحلّت لنا ميتتان ودمان» .
وفيه: «وأمّا الدّمان فالكبد والطّحال» . وللبيهقي موقوفا على زيد بن ثابت:
«إنّي لا آكل الطّحال، وما بي إليه حاجة؛ إلّا ليعلم أهلي أنّه لا بأس به» .
وقد سبق قريبا حديث ابن صصرى في «أماليه»: كان لا يأكل الجراد ولا الكلوتين، ولا الضّبّ من غير أن يحرّمهما.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية»، والخطيب في «التاريخ»، والدّارقطني في «غرائب مالك»: كلهم؛ عن أنس بن مالك، وهو حديث حسن لغيره- كما في «العزيزي» - قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل الثّوم) - بضم المثلّثة- أي: النّيء؛
[ ٢ / ١٨٣ ]
ولا البصل، ولا الكرّاث؛ من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل. وما ذمّ ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه..
أكله، وإلّا.. تركه.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأتيني فيقول: «أعندك غداء»،
(ولا البصل) أي: النّيء، (ولا الكرّاث) - بضم الكاف، وقد تفتح؛ مع تشديد الرّاء فيهما، بوزن رمّان وكتّان- (من أجل أنّ الملائكة تأتيه، وأنّه يكلّم جبريل)، فكان يكره أكل ذلك؛ خوفا من تأذّي الملائكة به.
(و) في «الإحياء»: (ما ذمّ) رسول الله (ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله وإلّا تركه) . رواه البخاري ومسلم، ولفظه: عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: ما عاب رسول الله ﷺ طعاما قطّ؛ إن اشتهاه أكله، وإن كرهه تركه. وفي رواية لمسلم: وإن لم يشتهيه سكت.
قال النّوويّ في «شرح مسلم»: هذا أدب من آداب الطّعام، كقوله: مالح، قليل الملح، حامض رقيق، غليظ غير ناضج، أو نحو ذلك.
وأما حديث ترك أكل الضب! فليس هو من عيب الطّعام، وإنّما هو إخبار بأنّ هذا الطّعام الخاصّ لا أشتهيه. انتهى.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة أمّ المؤمنين) إنّما سمّيت زوجات النّبيّ ﷺ أمّهات المؤمنين!! لحرمتهنّ عليهم. وقيل: لوجوب رعايتهنّ واحترامهنّ. وعلى الأوّل؛ فلا يقال: أمّهات المؤمنات، وعلى الثّاني! يقال ذلك. (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان النّبيّ ﷺ يأتيني) أي: في أوّل النّهار؛ (فيقول: «أعندك غداء») - بفتح الغين المعجمة وبالدّال المهملة مع المدّ-؛ وهو: الطّعام الّذي يؤكل أوّل
[ ٢ / ١٨٤ ]
فأقول: لا، فيقول: «إنّي صائم»، قالت: فأتاني يوما؛ فقلت: يا رسول الله؛ إنّه أهديت لنا هديّة، قال: «وما هي؟»، قلت: حيس
النّهار، وأمّا بكسر الغين المعجمة وبالذّال المعجمة أيضا! فهو ما يؤكل على وجه التّغذّي، مطلقا، فيشمل العشاء كما يشمل الغداء.
(فأقول: لا) أي: ليس عندي غداء. (فيقول: «إنّي صائم») أي: ينوي الصّوم بهذه العبارة، وهو صريح في جواز نيّة صوم النّفل نهارا «١»، لكن إلى الزّوال عند الشّافعي، وأوجب مالك التّبييت كالفرض لإطلاق خبر «من لم يبيّت الصّيام فلا صيام له» . وحمل «إنّي صائم»؛ على أنّي كنت.
وأجيب بأنّه تأويل بعيد عن ظاهر اللّفظ، والأصل تراخي رتبة النّفل عن الفرض، فلا يشكل الفرق بينهما، وفي قوله: «إنّي صائم» إيماء إلى أنّه لا بأس بإظهار النّفل لقصد التّعليم.
(قالت: فأتاني يوما، فقلت: يا رسول الله، إنّه أهديت) بصيغة المجهول، أي: أرسلت (لنا هديّة، قال: «وما هي»؟ قلت: حيس) - بفتح الحاء المهملة، وسكون التّحتيّة وفي آخره سين مهملة- وهو التّمر مع السّمن والأقط، وقد يجعل عوض الأقط الدقيق أو الفتيت، فيدلك الجميع حتى يختلط، قال الشاعر:
وإذا تكون كريهة أدعى لها وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
هذا وجدّكم الصّغار بعينه لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أب
عجب لتلك قضيّة، وإقامتي فيكم على تلك القضيّة أعجب
_________________
(١) مما يجب التنبيه عليه ههنا: أن هذه النية ينبغي أن تشمل القصد ما تقدمها من أجزاء اليوم قبل إنشائها؛ فينوي أنه صائم من الفجر فليعلم؛ فإن أكثر الناس عنه غافلون. وفيه وجه توفيق من كلام مالك الآتي بعده. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ١٨٥ ]
قال: «أما إنّي أصبحت صائما»، قالت: ثمّ أكل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. سأل عنه:
«أهديّة أم صدقة؟»، فإن قيل صدقة.. قال لأصحابه: «كلوا»، ولم يأكل. وإن قيل هديّة.. ضرب بيده فأكل معهم.
وكان ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر
(قال: «أما) - بالتّخفيف؛ للتّنبيه- (إنّي أصبحت صائما») إخبار عن كونه صائما، فيكون قد نوى من اللّيل. (قالت: ثمّ أكل)، هذا صريح في حلّ قطع النّفل، - وهو مذهب الشّافعي كالأكثر- ويوافقه خبر «الصّائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر» . وأمّا قوله تعالى وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ (٣٣) [محمد] ! فهو في الفرض وجوبا، والنّفل ندبا؛ جمعا بين الأدلة.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم والنّسائي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان رسول الله ﷺ إذا أتي) بالبناء للمجهول (بطعام) - زاد في رواية الإمام أحمد: من غير أهله- (سأل عنه) ممن أتى به (: «أهديّة أم صدقة؟») - بالرّفع، خبر مبتدأ محذوف- أي: هذا، أي: عيّنوا لي أحد الأمرين.
(فإن قيل:) هو (صدقة؛ قال لأصحابه) أي: من حضر منهم (: «كلوا»، ولم يأكل) هو منه، لأنّ الصّدقة حرام عليه.
(وإن قيل:) هو (هديّة) - بالرّفع- (ضرب بيده) أي: مدّ يده وشرع في الأكل مسرعا؛ (فأكل معهم) من غير تحام عنه؛ تشبيها للمدّ بالذّهاب سريعا في الأرض، فعدّاه بالباء، وذلك لأن الهدية يقصد فيها إكرام المهدى إليه، والصّدقة لم يقصد بها ذلك، بل يقصد بها ثواب الآخرة، ففيها نوع ذلّ للآخذ.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» والبزّار بإسناد صحيح؛ عن عمّار بن ياسر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأكل من هديّة حتّى يأمر
[ ٢ / ١٨٦ ]
صاحبها أن يأكل منها؛ للشّاة الّتي أهديت له.
وكان له ﷺ لقاح وغنم يتقوّت من ألبانها هو وأهله، وكان لا يحبّ أن تزيد على مئة، وإن زادت.. ذبح الزّائد.
وكان له جيران
صاحبها أن يأكل منها. للشّاة) أي: لأجل قصّة الشّاة (الّتي أهديت له) يوم خيبر؛ وفيها سمّ، فأكلوا منها، فمات بعض أصحابه، وصار المصطفى ﷺ يعاوده الأذى منها حتّى توفاه الله تعالى إلى كرامته.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان له ﷺ لقاح) - بكسر اللّام فقط، وخفة القاف، جمع لقحة؛ بكسر اللام وفتحها- هي:
النّاقة القريبة العهد بالولادة، إلى ثلاثة أشهر، ثمّ هي بعد الثلاثة لبون، وجاء اللّقحة في البقر والغنم أيضا، فمن لقاحه: القصواء والعضباء.
قال ابن القيّم في «الهدي النبوي»: كانت له خمسة وأربعون لقحة؛ منها:
أطلال وأطراف وبرده، والبغوم والحنّا والرّيا، والسّعدية والسّمراء والشّقراء، والعريّس ومروة ومهرة.
(و) كان له (غنم)، منها شاة تسمّى: زمزم والسّقيا وعجرة وغوثة- وقيل غيثة- وقمر واليمن (يتقوّت من ألبانها) أي: اللّقاح والغنم (هو وأهله.
وكان) له مائة شاة (لا يحبّ أن تزيد على مائة، وإن زادت؟ ذبح الزّائد) رواه أبو داود من حديث لقيط بن صبرة العقيلي؛ عن النبي ﷺ، ولفظه:
لنا غنم مائة، لنا غنم مائة، لا نريد أن تزيد، فإذا ولّد الرّاعي بهمة ذبحنا مكانها شاة الحديث.
(وكان له جيران) - بكسر الجيم- جمع جار، وهو المجاور في السّكن من الأنصار؛ سعد بن عبادة، وعبد الله بن عمرو بن حرام، وأبو أيّوب خالد بن زيد،
[ ٢ / ١٨٧ ]
لهم منائح، يرسلون له من ألبانها فيأكل منها ويشرب، وكان له ﷺ سبعة أعنز منائح ترعاهنّ أمّ أيمن حاضنته ﷺ.
وسعد بن زرارة، وغيرهم؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(لهم منائح) - بنون، وآخره حاء مهملة-: جمع منيحة، وهي العطيّة لفظا ومعنى، أي: غنم فيها لبن، وأصلها: عطيّة النّاقة؛ أو الشّاة، وقيل: لا يقال:
منيحة إلّا للنّاقة، وتستعار للشّاة.
قال الحربي: يقولون: منحتك النّاقة. وأعريتك النّخلة، وأعمرتك الدّار، وأخدمتك العبد، وكل ذلك هبة منافع؛ لا رقبة. فظهر بهذا أنّ المنيحة في الأصل شاة أو بقرة يعطيها صاحبها لمن يشرب لبنها، ثمّ يردّها إذا انقطع اللّبن، ثمّ كثر استعمالها حتى أطلق على كل شاة أو بقرة معدّة لشرب لبنها.
لكنّ المراد هنا الشّياه، فقد قال اليعمري: وأمّا البقر! فلم ينقل أنّه ﷺ ملك منها شيئا. انتهى. أي: للقنية، فلا يرد عليه ما في «الصّحيح» أنّه ﷺ ضحّى عن نسائه بالبقر في حجّة الوداع!! قاله الزّرقاني رحمه الله تعالى.
(يرسلون له) ﷺ (من ألبانها فيأكل منها، ويشرب) هو وأهل بيته، (وكان له ﷺ سبعة أعنز) - جمع عنز، وهي: الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول- (منائح ترعاهنّ أمّ أيمن): بركة الحبشية؛ (حاضنته ﷺ) .
روى محمد بن سعد «كاتب الواقديّ» في «الطّبقات»؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان عيشنا مع رسول الله ﷺ اللّبن- أو قالت: أكثر عيشنا-.
كانت لرسول الله ﷺ بالغابة الحديث.
وفي رواية له: كانت لنا أعنز سبع، فكان الراعي يبلغ بهن مرة الجمد، ومرة أحدا ويروح بهن علينا، وكانت لرسول الله ﷺ لقاح بذي الجدر، فيثوب إلينا ألبانها بالليل الحديث.
وفي إسنادهما محمد بن عمر الواقدي!! ضعيف في الحديث.
[ ٢ / ١٨٨ ]
وكان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب.
وكان ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد،
وفي «الصحيحين» من حديث سلمة بن الأكوع: كانت لقاح رسول الله ﷺ ترعى بذي قرد الحديث. وقد تقدم حديث «الصحيحين»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وفيه: كان لرسول الله ﷺ جيران من الأنصار؛ وكانت لهم منائح فكانوا يرسلون إلى رسول الله ﷺ من ألبانها فيسقيناه.
(و) في «كشف الغمة»: (كان ﷺ يخرج كثيرا إلى بساتين أصحابه، فيأكل منها ويحتطب) تقدّم أنه ﷺ خرج إلى بستان أبي الهيثم بن التيّهان فيما رواه الترمذي من حديث أبي هريرة؛ وقال: حسن غريب صحيح.
والقصة عند مسلم لكن ليس فيها ذكر لأبي الهيثم، وإنما قال «رجل من الأنصار» !!
وكذلك خرج ﷺ إلى بستان أبي أيوب الأنصاري؛ كما رواه الطبراني في «المعجم الصغير» من حديث ابن عباس بسند ضعيف.
وخرج أيضا إلى بساتين غيرهما؛ كما ذكره في «شرح الإحياء» .
(و) في «كشف الغمة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يجيب دعوة الحرّ والعبد) . قال العراقي: رواه الترمذي وابن ماجه والحاكم من حديث أنس:
كان يجيب دعوة المملوك. قال الحاكم: صحيح الإسناد. قلت: بل ضعيفه.
وللدارقطني في «غرائب مالك» والخطيب في «أسماء رواة مالك»؛ من حديث أبي هريرة: كان يجيب دعوة العبد إلى أيّ طعام دعي، ويقول: «لو دعيت إلى كراع لأجبت» .
وهذا بعمومه دالّ على إجابة دعوة الحرّ، وهذه القطعة الأخيرة عند البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وروى ابن سعد من رواية حمزة بن عبد الله بن عتبة: كان
[ ٢ / ١٨٩ ]
ويقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها ويأكلها؛ ولا يأكل الصّدقة.
وكان ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد.. أعلم به ربّ المنزل؛
لا يدعوه أحمر ولا أسود من النّاس إلّا أجابه الحديث، وهو مرسل. انتهى.
(و) كان رسول الله ﷺ (يقبل الهديّة؛ ولو أنّها جرعة لبن، أو فخذ أرنب، ويكافىء عليها) .
قال العراقيّ: روى البخاريّ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
كان رسول الله ﷺ يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وأمّا ذكر جرعة اللّبن وفخذ الأرنب!! ففي «الصحيحين» من حديث أمّ الفضل أنّها أرسلت بقدح من اللّبن إلى النّبي ﷺ؛ وهو واقف بعرفة، فشربه.
ولأحمد من حديث عائشة: أهدت أمّ سلمة لرسول الله ﷺ. انتهى.
قلت: والّذي رواه البخاريّ من جهة قبول الهديّة والإثابة عليها رواه كذلك أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «السنن»؛ وفي «الشمائل» .
ومعنى «يثيب عليها» - أي: يجازي عليها- فيسنّ التّأسّي به ﷺ، ولكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قوية فيها، وندب الإثابة حيث لم يظنّ المهدى إليه: أنّ المهدي إنّما أهدى له حياء؛ لا في مقابل، فأمّا إذا ظنّ أنّ الباعث عليه إنّما هو الإثابة!! فلا يجوز له إلّا إن أثابه بقدر ما في ظنّه مما تدلّ عليه قرائن حاله؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) كان ﷺ (يأكلها)؛ أي: الهدية، (ولا يأكل الصّدقة) .
رواه الشّيخان؛ من حديث أبي هريرة، ورواه أحمد والطّبراني؛ من حديث سلمان، ورواه ابن سعد؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا دعي لطعام وتبعه أحد؛ أعلم به ربّ المنزل)،
[ ٢ / ١٩٠ ]
فيقول: «إنّ هذا تبعنا، فإن شئت.. رجع» .
وكان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده.
كما في البخاريّ ومسلم وغيرهما؛ عن أبي مسعود الأنصاري قال:
كان من الأنصار رجل يقال له أبو شعيب، وكان له غلام لحّام، فقال: اجعل لي طعاما يكفي خمسة، فإنّي أريد أن أدعو رسول الله ﷺ، وقد عرفت في وجهه الجوع!! فدعا رسول الله ﷺ خامس خمسة؛ فتبعهم رجل، فقال النّبيّ ﷺ:
«إنّك دعوتني خامس خمسة، وهذا رجل قد تبعنا!! فإن شئت أذنت له، وإن شئت تركته» . قال: بل أذنت له.
وفي رواية: «اتّبعنا»، بالتّشديد. وفي رواية: «لم يكن معنا حين دعوتنا، فإن أذنت له دخل» . وفي أخرى: «وإن شئت أن يرجع رجع»، وفي رواية:
«وإن شئت رجع»، فقال: لا، بل أذنت له يا رسول الله.
قال الحافظ ابن حجر: ولم أقف على اسم هذا الرّجل في شيء من طرق هذا الحديث، ولا اسم واحد من الأربعة، ولا اسم الغلام اللّحام!!
(فيقول: «إنّ هذا تبعنا) - بفتح المثنّاة الفوقيّة، وكسر الموحّدة، كما ضبطه القسطلاني كغيره- أي: تبعنا من غير طلب له. (فإن شئت رجع»)؛
ففيه أنّ من تطفّل في الدّعوة كان لصاحبها الخيار في حرمانه، فإن دخل بلا إذن فله إخراجه، وحرمة التّطفّل ما لم يعلم رضا المالك به، لما بينهما من أنس وانبساط.
وقيّد بالدّعوة الخاصّة. أمّا العامّة! كأن فتح الباب ليدخل من شاء فلا تطفّل.
وفي «سنن أبي داود» بسند ضعيف؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما رفعه: «من دخل بغير دعوة دخل سارقا وخرج مغيرا» .
(و) أخرج الطّبراني، والخرائطي: (كان رسول الله ﷺ لا يأكل وحده) .
[ ٢ / ١٩١ ]
وكان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي. وكان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قطّ،
(و) يؤيّده ما أخرجه أبو يعلى، والطّبراني في «الأوسط»، وابن عدي في «الكامل»، وابن حبّان، والبيهقي، والضّياء؛ من حديث جابر بن عبد الله، رضي الله تعالى عنهما، - بإسناد حسن؛ كما قال العراقي- قال:
(كان أحبّ الطّعام إلى رسول الله ﷺ ما كثرت عليه الأيدي)، لما فيه من السّخاء بالطّعام وقلّة الأكل وكثرة البركة
(و) في «المواهب»: (كان ﷺ يكرّر على أضيافه، ويعرض عليهم الأكل مرارا) .
وفي حديث أبي هريرة ما يؤيّد ذلك في قصّة شرب اللبن، وقوله مرارا «اشرب»، فما زال يقول «اشرب» حتّى قال أبو هريرة: والّذي بعثك بالحقّ لا أجد له مسلكا. رواه البخاري مطوّلا في كتاب «الرّقاق»؛ من «صحيحه» .
(و) في «المواهب» و«الشّفاء»:
(قالت عائشة رضي الله تعالى عنها، وعن والديها: لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا) - بكسر الشّين المعجمة، وفتح الباء، وهو تمييز، أو مفعول له- (قطّ)، بل كان إذا تغدّى لم يتعشّ، وإذا تعشّى لم يتغدّ.
رواه أبو نعيم، عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه، وقد تقدّم.
وقول عائشة «لم يمتلىء جوف النّبيّ ﷺ شبعا قط» ! محمول على الشّبع الّذي يثقل المعدة، ويثبّط عن القيام بالعبادة، ويفضي إلى البطر والأشر والنّوم والكسل، وقد تنتهي كراهته إلى التّحريم؛ بحسب ما يترتّب عليه من المفسدة.
[ ٢ / ١٩٢ ]
وإنّه كان في أهله لا يسألهم طعاما ولا يتشهّاه، إن أطعموه.. أكل، وما أطعموه.. [قبله]، وما سقوه.. شرب.
وكان ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه، أو يشرب.
وليس المراد الشّبع النّسبيّ المعتاد في الجملة، ففي «صحيح مسلم» خروجه ﷺ وصاحبيه أبي بكر وعمر من الجوع وذهابهم إلى بيت الأنصاري، وذبحه الشّاة، وفيه: فلما أن شبعوا ورووا!!. قال النّووي: فيه جواز الشّبع.
وما جاء في كراهته! محمول على المداومة عليه، فلا ينافي هذا الحديث وغيره من الأحاديث الدّالّة على جوازه، وقد ترجم البخاري «باب من أكل حتّى شبع»، وأورد حديث دخوله ﷺ منزل أبي طلحة، وقوله له: «اذن لعشرة ثمّ عشرة»، فأكل القوم كلّهم وشبعوا، وهم ثمانون، وحديث أبي بكر: كنّا مع النّبيّ ﷺ ثلاثين ومائة الحديث؛ وفيه: فأكلنا أجمعون، وشبعنا.
(وأنّه) ﷺ (كان في أهله لا يسألهم طعاما)، أي: لا يكلّفهم شيئا ليس عندهم، أو ما لا يريدون إحضاره لغرض آخر يتعلّق بهم، فلا ينافيه قوله: «هل عندكم من غداء؟» .
(ولا يتشهّاه) إذ التّشهّي آية الحبّ، وهو منزّه عنه!
(إن أطعموه أكل، وما أطعموه) قدّموه له ليأكله ([قبله]) منهم، فيأكل منه.
(وما سقوه) من الأشربة لبن أو غيره (شرب)، وهذا كان غالب أحواله ﷺ.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ ربّما قام فأخذ ما يأكل بنفسه! أو يشرب) . أخرج التّرمذي وصحّحه، وابن ماجه؛ عن كبشة:
دخل علي رسول الله ﷺ فشرب من في قربة معلّقة قائما الحديث.
وقد تقدّم حديث أبي داود والتّرمذي و«الشّمائل»؛ عن أمّ المنذر بنت قيس:
[ ٢ / ١٩٣ ]
وعن سلمان
دخل عليّ رسول الله ﷺ ومعه عليّ، وعليّ ناقه، ولنا دوال معلّقة، فقام رسول الله ﷺ، فأكل منها الحديث، وإسناده حسن كما قال العراقي.
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و«الشمائل»؛ (عن) أبي عبد الله (سلمان) الفارسيّ «مولى رسول الله ﷺ» سئل عن نسبه فقال: أنا سلمان ابن الإسلام؛ لأنّه كان لا ينتسب إلى أب.
أبي الإسلام لا أب لي سواه إذا انتسبوا لقيس أو تميم
أصله من فارس، من جيّ- بفتح الجيم وتشديد الياء-: قرية من قرى أصبهان، وقيل: من «رام هرمز» .
وسبب إسلامه مشهور، وأنّه هرب من أبيه؛ وكان مجوسيّا؛ فلحق براهب، ثمّ جماعة من الرّهبان.. واحد بعد واحد، يصحبهم إلى وفاتهم، إلى أن دلّه الأخير على الذّهاب إلى الحجاز، وأخبره بظهور النّبيّ ﷺ، فقصده مع عرب، فغدروا به؛ وباعوه في وادي القرى ليهودي.
ثم اشتراه منه يهودي من قريظة، فقدم به المدينة، فأقام بها مدّة حتى قدمها رسول الله ﷺ؛ فأتاه بصدقة، فلم يأكل منها، ثمّ بعد مدّة أتاه بهديّة فأكل منها، ثمّ رأى خاتم النّبوّة، وكان الرّاهب الأخير وصف له هذه العلامات الثّلاث للنّبيّ ﷺ.
قال سلمان: فرأيت الخاتم، فقبّلته وبكيت، فأجلسني رسول الله ﷺ بين يديه، فحدّثني بشأني كله، وفاتني معه بدر وأحد بسبب الرّقّ، وأوّل مشاهده مع رسول الله ﷺ الخندق، ولم يتخلّف عن مشهد بعدها، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين أبي الدّرداء.
وكان من فضلاء الصّحابة وزهّادهم وعلمائهم وذوي القرب من رسول الله ﷺ، وهو الّذي أشار على رسول الله ﷺ بحفر الخندق يوم الأحزاب.
وسكن العراق، وكان يعمل الخوص بيده؛ فيأكل منه، وكان عطاؤه خمسة آلاف، فإذا خرج فرّقه.
[ ٢ / ١٩٤ ]
رضي الله تعالى عنه قال: قرأت في «التّوراة»: إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده، فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت في التّوراة، فقال رسول الله ﷺ: «بركة الطّعام الوضوء قبله والوضوء بعده» .
ونقلوا اتّفاق العلماء على أنّ سلمان الفارسي عاش مائتين وخمسين سنة.
وقيل: ثلثمائة وخمسين سنة.
روي له عن رسول الله ﷺ ستّون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم على ثلاثة، ولمسلم ثلاثة.
روى عنه ابن عبّاس، وأنس، وعقبة بن عامر، وأبو سعيد، وكعب بن عجرة، وأبو الطّفيل رضي الله تعالى عنهم. وروى عنه جماعات من التّابعين.
توفّي سلمان بالمدائن في أوّل سنة: - ٣٦- ستّ وثلاثين: وقيل غير ذلك.
(رضي الله تعالى عنه؛ قال: قرأت في «التّوراة»): الكتاب المنزل على موسى ﷺ، وهو أعظم الكتب بعد القرآن: «إنّ بركة الطّعام الوضوء بعده» يصحّ قراءته بكسر همزة «إنّ» على أنّ المعنى أنّ هذه الجملة في «التّوراة»، ويصح الفتح أيضا.
(فذكرت ذلك للنّبيّ ﷺ وأخبرته بما قرأت) أي: بقراءتي (في «التّوراة») على أنّ «ما» مصدريّة، فلا يغني عنه ذكرت ذلك للنّبي ﷺ.
(فقال رسول الله ﷺ): مقرا لسلمان على ما أخبر أنّه قرأه في «التّوراة»؛ وإن كان لم ينزل عليه، لأنّه إخبار عن شيء يحصل به البركة، والأخبار لا تنسخ.
فقال:
(«بركة الطّعام الوضوء)، يعني: غسل اليدين (قبله) أي: قبل الطّعام عند إرادته، بحيث ينسب إليه عرفا، (والوضوء)، يعني: غسل اليدين (بعده»)،
[ ٢ / ١٩٥ ]
والمراد بالوضوء هنا المعنى اللّغويّ؛ وهو: غسل الكفّين.
أي: عقب الفراغ من الأكل، فيحصل بالوضوء الأوّل استمراؤه على الأكل وحصول نفعه، وزوال ضرره، وترتّب الأخلاق الكريمة والعزائم الجميلة عليه، ويحصل بالوضوء الثّاني زوال الدّسم ونحوه، المستلزم لبعد الشّيطان ودحضه.
(والمراد بالوضوء هنا): في هذا الحديث؛ (المعنى اللّغويّ؛ وهو غسل الكفّين) كما علمت مما قرّرناه، وقول بعض الشّافعية «أراد الوضوء الشّرعيّ» !! يدفعه تصريحهم بأنّ الوضوء الشّرعيّ ليس سنّة عند الأكل. قال التّرمذيّ في «جامعه»: لا يعرف هذا الحديث؛ أي: حديث سلمان إلّا من حديث قيس بن الربيع، وهو ضعيف. انتهى.
وتمسّك به بعضهم على ندب غسل اليد قبله وبعده؛ وإن لم يكن بها لوث البتّة، ويعضده خبر الطّبراني في «الأوسط»: «الوضوء قبل الطّعام وبعده ينفي الفقر، وهو من سنن المرسلين» .
وكان حجّة الإسلام يميل إلى ذلك، حيث قال: الأكل بقصد الاستعانة على الدّين عبادة، فهو جدير بأن يقدم عليه ما يجري منه مجرى الطّهارة من الصّلاة!!
لكن ذهب النّوويّ رحمه الله تعالى إلى حمله في الغسل «بعده»؛ على ما إذا علق بها منه شيء، وإلّا فلا يسنّ، وكذا قبله إن تحقّق نظافتها، أي: وكان يأكل وحده، وإلّا: فيظهر سنّ غسلها مطلقا، كما بحثه ابن حجر؛ تطييبا لخاطر جليسه.
ويسنّ تقديم الصّبيان على المشايخ في الغسل قبل الطّعام؛ لأنّ أيدي الصّبيان أقرب إلى الوسخ، وقد يفقد الماء لو قدم المشايخ «١» .
وأمّا بعد الطّعام! فبالعكس إكراما للشّيوخ، وهذا في غير صاحب الطّعام،
_________________
(١) قلت: وخير من هذا التعليل أن يقال: إن الصبيان أحق بالانتظار على المائدة من الشيوخ فيتهيأون قبلهم؛ فإذا غسل الشيوخ بدأوا دون انتظار أحد. «عبد الجليل» .
[ ٢ / ١٩٦ ]
وأمّا هو فيقدم بالغسل قبل الطّعام ويتأخّر بعده؛ لأنّه يدعو النّاس إلى كرمه، فيحقّ أن يتقدّم.
ويسنّ تنشيف اليدين من الغسل بعد الطّعام، لا قبله؛ لأنّه ربّما كان بالمنديل وسخ يعلق باليد، ولأنّ بقاء أثر الماء يمنع شدّة التصاق الدّهنية باليدين، والله أعلم. انتهى. «مناوي على «الشّمائل» رحمه الله تعالى» .
[ ٢ / ١٩٧ ]
[الفصل الثّالث في ما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده]
الفصل الثّالث في ما كان يقوله ﷺ قبل الطّعام وبعده كان رسول الله ﷺ إذا وضعت المائدة
(الفصل الثّالث من الباب الرّابع (فيما كان يقوله ﷺ) أي: في بيان الأخبار الواردة في الذّكر الّذي كان يقوله رسول الله ﷺ.
(قبل الطّعام)،
وهو التّسمية،
(وبعده)
أي: بعد الفراغ من الطّعام؛ وهو الحمدلة.
قال الباجوري: وينبغي أنّ مثل الطّعام الشّراب، بل هو منه، كما يؤخذ من قوله تعالى- فيما حكاه القرآن- وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي [٢٤٩/ البقرة] . انتهى.
قال حجّة الإسلام في «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ إذا وضعت المائدة) - هي خوان عليه طعام، وإلّا فهو خوان؛ لا مائدة. كذا في «الصّحاح» .
وفي «فتح الباري»: وقد تطلق المائدة ويراد بها ما عليه الطّعام؛ وإن لم يكن خوان، وقد تطلق على الطّعام نفسه. ونقل عن البخاري أنّه قال:
إذا أكل الطّعام على شيء ثم رفع قيل: رفعت مائدته. وسمّيت «مائدة» !! قيل: لأنّها تميد بما عليها، أي: تتحرّك من قوله تعالى وَجَعَلْنا فِي الْأَرْضِ رَواسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ [٣١/ الأنبياء] . وقيل: من ماد أعطى، فكأنّها تميد، أي: تعطي من حواليها ممّا أحضر عليها، وأجاز بعضهم أن يقال فيها: ميدة، كقول الرّاجز:
[ ٢ / ١٩٨ ]
قال: «باسم الله، اللهمّ؛ اجعلها نعمة مشكورة تصل بها نعمة الجنّة» .
وميدة كثيرة الألوان تصنع للجيران والإخوان
(قال: «باسم الله)، قال النّووي في «الأذكار»: أجمع العلماء على استحباب التّسمية على الطّعام في أوّله، فإن ترك في أوّله عامدا أو ناسيا أو مكرها أو عاجزا لعارض آخر، ثم تمكّن في أثناء أكله! استحبّ أن يسمّي ويقول: «باسم الله أوّله وآخره» .
والتّسمية في شرب الماء واللّبن والعسل والمرق وسائر المشروبات كالتّسمية في الطّعام في جميع ما ذكرناه، ويستحبّ أن يجهر بالتّسمية ليكون فيه تنبيه لغيره على التّسمية، وليقتدى به في ذلك، والأفضل أن يقول: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فإن قال: «باسم الله» ! كفاه، وحصلت السّنّة، وسواء في ذلك الجنب والحائض وغيرهما.
وينبغي أن يسمّي كلّ واحد من الآكلين، فلو سمّى واحد منهم؟ أجزأ عن الباقين. انتهى. قال ابن علّان في «شرحه»: قوله: أجزأ عن الباقين، وكذا يجزيء عمّن لحقهم؛ أو لحق من لحقهم تبعا لهم، فإن جاء واحد أو جمع بعد فراغ الجميع؟ فلا تكفي التّسمية السّابقة بالنّسبة إليه؛ أو إليهم.
ووقع التّردّد فيما لو كثر الآكلون كثرة مفرطة، واتّسعت خطّتهم بحيث لا ينسب عرفا أوّلهم لآخرهم؛ وسمّى واحد حال اجتماع الجميع، هل يكفي عنهم حينئذ؟
والّذي يتّجه أنّه لا يكفي، لأنّ انتفاء النّسبة العرفية يقتضي انتفاءها حقيقة، والمدار هنا ليس إلّا عليها. انتهى.
(اللهمّ)؛ أي: يا الله، (اجعلها نعمة مشكورة) أي: نشكرك عليها، ونتقوّى بها على طاعتك، وما يقرب إليك، (تصل بها نعمة الجنّة») .
قال العراقي: أمّا التّسمية فرواها النّسائي من رواية من خدم النّبيّ ﷺ ثمان
[ ٢ / ١٩٩ ]
وكان ﷺ إذا قرّب إليه طعام.. يقول:
«باسم الله»، فإذا فرغ.. قال: «اللهمّ؛ أطعمت وسقيت، وأغنيت وأقنيت، وهديت واجتبيت، فلك الحمد على ما أعطيت» .
سنين أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا قرّب إليه طعاما قال: «باسم الله» الحديث، وإسناده صالح، وأمّا بقيّة الحديث، لم أجده. نقله عنه في «شرح الإحياء» .
(و) أخرج النّسائي، وابن السنّي- بإسناد صحيح؛ كما في «فتح الباري» - عن عبد الرحمن بن جبير التّابعي، أنّه حدّثه رجل خدم النّبيّ ﷺ ثماني سنين أنّه (كان) يسمع النبيّ (ﷺ إذا قرّب إليه طعاما) ليأكل (يقول: «باسم الله») فقط في ابتدائه. وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك، من طريق ميسرة، عن أنس:
رأيت رسول الله ﷺ وهو يأكل طعامه يسمّي عند ثلاث لقم، عند كل لقمة مرّة، فلعله فعل ذلك- إن صحّ- مرّة!.
(فإذا فرغ) من الأكل؛ (قال: «اللهمّ؛ أطعمت وسقيت وأغنيت) من شئت بالكفاية في الأموال، (وأقنيت)؛ أي: أعطيت المال المتّخذ قنية، وهي ما يماثل من الأموال، وفي هذا الذّكر اقتباس من قوله تعالى وَأَنَّهُ هُوَ أَغْنى وَأَقْنى (٤٨) [النجم] .
(وهديت)؛ أي: أوصلت من شئت من العباد إلى طرق الرّشاد (واجتبيت) .
كذا في نسخ من «المواهب»؛ من الاجتباء، وفيه تلميح لقوله تعالى وَاجْتَبَيْناهُمْ وَهَدَيْناهُمْ [٨٧/ الأنعام] وفي نسخ: وأحييت؛ من الإحياء، والأولى أنسب.
(فلك الحمد على ما أعطيت»)؛ أي: جميع الّذي أعطيته، أو على جميع عطائك ممّا ذكر؛ وممّا لم يذكر، ف «ما» موصولة أو مصدريّة.
وفي رواية لأحمد: «فلك الحمد غير كفور» أي: مجحود فضله ونعمته.
[ ٢ / ٢٠٠ ]
وكان ﷺ إذا رفعت مائدته.. قال: «الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، الحمد لله الّذي كفانا وآوانا، غير مكفيّ
ونبّه بهذا الحديث ونحوه على أنّ الحمد كما يشرع عند ابتداء الأمور يشرع عند اختتامها، ويشهد له قوله تعالى وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ (١٠) [يونس]، وقوله وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ
(٧٥) [الزمر] .
(وكان) رسول الله (ﷺ إذا رفعت مائدته؛ قال) يحتمل أن يكون قال ذلك جهرا، وهو ظاهر سياق حديث أبي أمامة الآتي، ويحتمل أنّه أسرّ به، ولما رآه أبو أمامة يحرّك شفتيه سأله فعلّمه؛ ثمّ السّنّة للآكل ألايجهر بالحمد إذا فرغ من الطّعام قبل جلسائه؛ كيلا يكون منعا لهم.
(«الحمد لله) لذاته وصفاته وأفعاله الّتي من جملتها الإنعام بالإطعام؛ (حمدا) - مفعول مطلق للحمد- (كثيرا) - صفة المفعول المطلق- والكثرة، المراد منها: عدم النّهاية، إذ لا نهاية لحمده تعالى كما لا نهاية لنعمه-.
(طيّبا) خالصا من الرّياء والسّمعة والأوصاف الّتي لا تليق بجنابه، تقدّس؛ لأنّه طيّب لا يقبل إلّا طيّبا، أو خالصا عن أن يرى الحامد أنّه قضى حقّ نعمته.
(مباركا) بفتح الرّاء (فيه)؛ أي في الحمد، وهو مفعول أقيم مقام فاعل «مبارك» أي: ما وقع فيه البركة واليمن والزّيادة والثّبات.
والمعنى: حمدا ذا بركة دائما لا ينقطع؛ لأنّ نعمه تعالى لا تنقطع، فينبغي أن يكون حمدنا غير منقطع أيضا، ولو نيّة وقصدا.
(الحمد لله الّذي كفانا وآوانا غير) - بالنّصب- حال من الاسم الكريم، والرّفع خبر مبتدأ محذوف، أي: هو غير (مكفيّ) - بفتح الميم وسكون الكاف وشدّ التّحتيّة- أي: غير مردود ولا مقلوب.
والضّمير راجع للطّعام الدّال عليه السّياق، أو هو من الكفاية، فيكون من المعتلّ، يعني: أنّه تعالى هو المطعم لعباده، والكافي لهم، أي: أنّه تعالى غير
[ ٢ / ٢٠١ ]
ولا مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنه
مكفيّ رزق عباده. أي: غير محتاج إلى أحد في كفايتهم، إذ لا يكفيهم أحد غيره ﷾، فالضّمير راجع إلى الله تعالى.
ودليل هذا حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
دعا رجل من الأنصار من أهل قباء رسول الله ﷺ؛ فانطلقنا معه، فلمّا طعم النّبيّ ﷺ وغسل يده قال:
«الحمد لله الّذي يطعم ولا يطعم، منّ علينا فهدانا وكلّ بلاء حسن أبلانا، الحمد لله؛ غير مكفور ولا مودّع ولا مكافا ولا مستغنى عنه، الحمد لله الّذي أطعم من الطّعام، وسقى من الشّراب، وكسا من العري، وهدى من الضّلالة، وبصّر من العماية، وفضّل على كثير ممّن خلق تفضيلا، الحمد لله ربّ العالمين» .
رواه النسائي واللفظ له، والحاكم، وابن حبّان في «صحيحيهما»، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم، وقيل: إنّ الضّمير راجع إلى الحمد، أي: إنّ الحمد غير مكفيّ.
(ولا مكفور) أي: غير مجحود نعم الله ﷾ فيه، بل مشكورة؛ غير مستور الاعتراف بها، والحمد عليها.
(ولا مودّع) - بضمّ الميم وفتح الواو والدّال المهملة المشدّدة- أي: غير متروك. وبكسر الدّال، أي: حال كوني غير تارك له، فمؤدّى الروايتين واحد؛ وهو دوام الحمد، واستمراره للكريم سبحانه.
(ولا مستغنى عنه) - بفتح النّون والتّنوين-؛ أي حمدا لا يكتفى به، بل يعود إليه كرّة بعد كرة، ولا يتركه، ولا يستغني عنه أحد، بل حمدا يحتاج إليه كلّ منهم لبقاء نعمه واستمرارها.
ولم يصب من جعله عطف تفسير؛ محتجّا بأنّ المتروك هو المستغنى عنه، لظهور أنّ فيه فائدة «لم يفدها ما قبله» هي أنّه لا استغناء لأحد عن الحمد، إذ لا فيض إلّا منه سبحانه، فيجب على كلّ مكلّف؛ إذ لا يخلو أحد عن نعمة، بل
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ربّنا» . وكان إذا فرغ من طعامه.. قال: «اللهمّ؛ لك الحمد،..
نعم لا تحصى، وهو في مقابلة النّعم واجب، فالآتي به في مقابلتها يثاب عليه ثواب الواجب، ومن أتى به؛ لا في مقابلة شيء! أثيب ثواب المستحب، أمّا شكر المنعم بمعنى امتثال أوامره واجتناب نواهيه؛ فواجب على كل مكلّف شرعا، ويأثم بتركه إجماعا.
(ربّنا») بالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: هو ربّنا.
وبالنّصب على المدح أو الاختصاص، أو إضمار: أعني.
أخرج البخاري من حديث أبي أمامة: كان إذا فرغ من طعامه قال: «الحمد لله الّذي كفانا، وأوانا، وأروانا، غير مكفيّ ولا مكفور» . وقال مرّة «لك الحمد ربّنا غير مكفيّ ولا مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا» .
وروى الجماعة إلّا مسلما من حديث أبي أمامة: كان إذا رفع مائدته؛ قال:
«الحمد لله كثيرا طيّبا مباركا فيه غير مكفيّ، ولا مودّع، ولا مستغنى عنه ربّنا» .
وفي رواية الترمذيّ وابن ماجه، وإحدى روايات النّسائي «الحمد لله حمدا»، وفي لفظ للنّسائي «اللهمّ لك الحمد حمدا» . ذكره في «شرح الإحياء» .
ورواه الترمذي في «الشمائل» عن أبي أمامة بلفظ: «كان رسول الله ﷺ إذا رفعت المائدة من بين يديه يقول: الحمد لله حمدا كثيرا طيّبا مباركا فيه، غير مودّع ولا مستغنى عنه ربّنا» .
(و) أخرج الإمام أحمد بسند رجاله ثقات إلّا عبد الله بن عامر الأسلميّ ففيه ضعف من قبل حفظه؛ كما قال الحافظ ابن حجر عن رجل من بني سليم له صحبة، ولفظه:
(كان) رسول الله ﷺ (إذا فرغ من) أكل (طعامه قال: «اللهمّ؛ لك الحمد)، لأنّ الطّعام نعمة، والحمد عقيب النّعم يقيّدها ويؤذن باستمرارها
[ ٢ / ٢٠٣ ]
أطعمت وسقيت، وأشبعت وأرويت، فلك الحمد غير مكفور ولا مودّع ولا مستغنى عنك» .
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال:
وزيادتها، كما قيل: الحمد قيد للموجود صيد للمفقود. فلذلك أتى ﷺ بتلك الصّفات البليغة، تحريضا لأمّته على التّأسّي به في ذلك؛ فقال:
(«أطعمت وسقيت، وأشبعت وأرويت) - كلها بفتح التاء خطاب لله ﷿- (فلك الحمد) - أي: على ما أعطيت- (غير مكفور) - أي: غير مجحود فضله ونعمته (ولا مودّع) - بتشديد الدال- (ولا مستغنى عنك») .
قال العراقي: رواه الطّبراني من حديث الحارث بن الحارث بسند ضعيف.
قلت: وهو صحابي أزدي. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) أخرج الإمام أحمد والأربعة والترمذي، في «الشمائل» وصححه الضياء في «المختارة»؛ (عن أبي سعيد) سعد بن مالك بن سنان بن عبيد بن ثعلبة بن عبيد بن الأبجر- بالباء الموحدة وبالجيم- وهو؛ خدرة بن عوف بن الحارث بن الخزرج الأنصاري الخزرجي (الخدريّ) - بضمّ الخاء المعجمة وإسكان الدّال المهملة- نسبة إلى خدرة؛ جدّه الّذي هو الأبجر- مرّ في نسبه-.
استصغر يوم أحد؛ فردّ، وغزا بعد ذلك مع رسول الله ﷺ ثنتي عشرة غزوة، وكان أبوه مالك صحابيّا، استشهد يوم أحد، وهو من المكثرين في الرّواية.
روي له عن النبيّ ﷺ ألف حديث ومائة وسبعون حديثا؛ اتّفق البخاريّ ومسلم على ستّة وأربعين منها، وانفرد البخاريّ بستّة عشر، ومسلم باثنين وخمسين.
قالوا: ولم يكن من أحداث الصّحابة أفقه من أبي سعيد الخدري. - وفي رواية: أعلم-! ومناقبه كثيرة.
وتوفي بالمدينة المنوّرة يوم الجمعة سنة: - ٦٤- أربع وستين، وقيل: سنة أربع وسبعين. ودفن بالبقيع (رضي الله تعالى عنه؛ قال:
[ ٢ / ٢٠٤ ]
كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من طعامه.. قال:
«الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين» .
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب.. قال:
«الحمد لله الّذي أطعم وسقى، وسوّغه وجعل له مخرجا» .
كان رسول الله ﷺ إذا فرغ من) أكل (طعامه) - سواء كان في بيته مع أهله؛ أو مع أضيافه؛ أو في منزل الضّيف. ولفظ التّرمذي في «جامعه»: كان النّبيّ ﷺ إذا أكل أو شرب- (قال:
«الحمد لله) - فائدة إيراد الحمد بعد الطّعام أداء شكر المنعم وطلب المزيد، قال تعالى لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ [٧/ إبراهيم] .
ولمّا كان الباعث على الحمد هو الطّعام ذكره أوّلا لزيادة الاهتمام؛ فقال (الّذي أطعمنا)، ولمّا كان السّقي من تتمّته أردفه به؛ فقال: (وسقانا)، فإنّه يقارنه في الأغلب، إذ الأكل لا يخلو غالبا عن الشّرب في أثنائه.
وختم ذلك بقوله: (وجعلنا مسلمين»)؛ أي: منقادين لجميع أمور الدّين؛ للجمع بين الحمد على النّعم الدّنيويّة، والنّعم الآخرويّة. وإشارة إلى أنّ الأولى بالحامد ألايجرّد حمده إلى دقائق النّعم، بل ينظر إلى جلائلها، فيحمد عليها، لأنّها بذلك أحقّ، ولأنّ الإتيان بالحمد من نتائج الإسلام.
(و) أخرج أبو داود، والنّسائي، وابن حبّان، وغيرهم، بإسناد صحيح؛ عن أبي أيّوب الأنصاري؛ رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ إذا أكل أو شرب قال) عقبه (: «الحمد لله الّذي أطعم وسقى، وسوّغه) - بتشديد الواو-: سهل كلّا من دخول اللّقمة ونزول الشّربة في الحلق، ومنه وَلا يَكادُ يُسِيغُهُ [١٧/ إبراهيم] . أي: يبتلعه، فالإفراد باعتبار المذكور. (وجعل له) أي: لما ذكر، (مخرجا)؛ أي: السّبيلين.
[ ٢ / ٢٠٥ ]
وعن أبي أيّوب الأنصاريّ
قال الطيبي: ذكر نعما أربعا: الإطعام، والسّقي؛ والتّسويغ، ومكان الخروج؛ فإنّه خلق الأسنان للمضغ، والرّيق للبلع؛ وجعل المعدة مقسما للطّعام، ولها مخارج، فالصّالح منه ينبعث إلى الكبد، وغيره يندفع في الأمعاء، كلّ ذلك فضل ونعمة يجب القيام بواجبها؛ من الشّكر بالجنان، والبثّ باللّسان، والعمل بالأركان.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» (عن أبي أيّوب)؛ خالد بن زيد بن كليب بن ثعلبة بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النجار (الأنصاريّ)، الخزرجي النّجاري، المدني الصّحابي الجليل:
شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق وبيعة الرّضوان وجميع المشاهد مع رسول الله ﷺ، ونزل عليه رسول الله ﷺ حين قدم المدينة مهاجرا، وأقام عنده شهرا حتى بنيت مساكنه ومسجده.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة وخمسون حديثا؛ اتّفق البخاري ومسلم على سبعة منها، وانفرد البخاري بحديث، ومسلم بخمسة.
وروى عنه خلق كثير من الصّحابة والتابعين؛ منهم البراء بن عازب، وجابر بن سمرة، وأبو أمامة الباهلي، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله بن عمر. وعروة بن الزّبير. وخرّج له السّتّة، وكان مع علي في حروبه كلّها.
ومات بأرض الروم غازيا سنة: إحدى وخمسين مع يزيد بن معاوية. لما أعطاه أبوه القسطنطينية؛ خرج معه فمرض، فلما ثقل عليه المرض؛ قال لأصحابه: إذا أنا متّ فاحملوني، فإذا صاففتم العدوّ فادفنوني تحت أقدامكم، ففعلوا ودفنوه قريبا من سورها.
وقبره بالقسطنطينيّة معروف إلى اليوم، والنّاس يعظّمونه ويستشفون به؛
[ ٢ / ٢٠٦ ]
رضي الله تعالى عنه قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ يوما فقرّب طعام، فلم أر طعاما أعظم بركة منه أوّل ما أكلنا، ولا أقلّ بركة في آخره. فقلنا: يا رسول الله؛ كيف هذا؟ قال: «إنّا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا، ثمّ قعد من أكل؛ ولم يسمّ الله تعالى، فأكل معه الشّيطان» .
فيشفون، وهذا مصداق حديث: «من تواضع لله رفعه الله» . فلمّا قصد التواضع بدفنه تحت الأقدام رفعه الله بتعظيمهم له. (رضي الله تعالى عنه؛
قال: كنّا عند النّبيّ ﷺ يوما فقرّب)؛ أي: إليه (طعام، فلم أر طعاما) كان (أعظم بركة منه أوّل ما أكلنا)؛ أي: أوّل أكلنا ف «ما» مصدريّة، وهو منصوب على الظّرفيّة مع تقدير مضاف؛ أي: في أوّل وقت أكلنا.
ويدلّ عليه قوله: (ولا أقلّ بركة) - منه- (في آخره)؛ أي: في آخر وقت أكلنا إيّاه، (فقلنا: يا رسول الله، كيف هذا؟!) أي: بيّن لنا الحكمة والسّبب في حصول عظمة البركة وكثرتها في أوّل أكلنا هذا الطعام، وفي قلّتها في آخره؟.
(قال: «إنّا ذكرنا اسم الله تعالى حين أكلنا)، فبسبب ذلك كثرت البركة في أوّل أكلنا، وفيه إشارة إلى حصول سنّيّة التّسمية ب «بسم الله»
وأمّا زيادة «الرّحمن الرّحيم» !! فهي أكمل؛ كما قاله الغزالي والنّووي وغيرهما، وإن اعتراضه الحافظ ابن حجر بأنّه لم ير لأفضليّة ذلك دليلا خاصّا
فتندب التّسمية على الطّعام حتى للجنب والحائض والنّفساء، ولكن لا يقصدون بها قرآنا، وإلّا حرمت.
ولا تندب في مكروه؛ ولا حرام لذاتهما، بخلاف المحرّم والمكروه لعارض.
(ثمّ قعد من أكل؛ ولم يسمّ الله تعالى، فأكل معه الشّيطان») . أي: فبسبب ذلك قلّت البركة في آخره.
[ ٢ / ٢٠٧ ]
وأكل الشّيطان محمول على حقيقته عند جمهور العلماء سلفا وخلفا، لإمكانه شرعا وعقلا، والشارع إذا أثبت شيئا لا يخرج عن دائرة الإمكان وجب اعتقاد حقيقته، وهذا من هذا القبيل.
قال الإمام النّوويّ: الصواب الّذي عليه جماهير العلماء من السّلف والخلف؛ من المحدثين والفقهاء والمتكلمين: أنّ هذا الحديث وشبهه من الأحاديث الواردة في أكل الشّيطان محمولة على ظواهرها، وأنّ الشّيطان يأكل حقيقة، إذ العقل لا يحيله والشّرع لا ينكره؛ فوجب قبوله واعتقاده. انتهى.
وقال النّوويّ أيضا في «شرح مسلم» وغيره: وينبغي أن يسمّي كلّ واحد من الآكلين، فإن سمّى واحد منهم! حصل أصل السّنّة؛ نصّ عليه الشّافعي.
ويستدلّ له بأنّ النّبيّ ﷺ أخبر بأنّ الشّيطان إنّما يتمكّن من الطّعام إذا لم يذكر اسم الله تعالى عليه! وهذا قد ذكر اسم الله عليه.
ولأنّ المقصود يحصل بواحد؛ فهو شبيه بردّ السّلام، وتشميت العاطس، فإنّه يجزىء فيه قول أحد الجماعة. انتهى.
ولا يشكل هذا الحديث على ما قاله الإمام الشافعي!! لأنّا نقول: الحديث محمول على أنّ هذا الرّجل حضر بعد التّسمية؛ فلم تكن تلك التسمية مؤثّرة في عدم تمكّن الشّيطان من الأكل معه.. وأمّا حمله على أنّ هذا الرّجل حضر بعد فراغهم من الطّعام!. ففيه بعد؛ لأنّه خلاف ظاهر الحديث، وكلمة «ثمّ» لا تدلّ إلّا على تراخي قعود الرّجل عن أوّل اشتغالهم بالأكل؛ لا عن فراغهم منه، كما ادّعاه من حمله على هذا.
وكلام الشّافعي مخصوص بما إذا اشتغل جماعة بالأكل معا؛ وسمّى واحد منهم، فتسمية هذا الواحد تجزىء عن الحاضرين معه وقت التّسمية، لا عن شخص لم يكن حاضرا معهم وقت التّسمية، إذ المقصود من التّسمية عدم تمكّن الشّيطان من أكل الطّعام مع الإنسان، فإذا لم يحضر إنسان وقت التّسمية عند الجماعة؛ لم تؤثّر
[ ٢ / ٢٠٨ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان النّبيّ ﷺ يأكل الطّعام في ستّة من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين، فقال رسول الله ﷺ: «لو سمّى.. لكفاكم» .
تلك التّسمية في عدم تمكّن شيطان ذلك الإنسان من الأكل معه فتأمّل. انتهى.
«شرح الأذكار» .
(و) أخرج التّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل» - واللّفظ له-، والنّسائيّ، وابن ماجه، وابن حبّان في «صحيحه» وغيرهم- وقال التّرمذي: حديث حسن صحيح-
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: كان النّبيّ ﷺ يأكل الطّعام في ستّة)؛ أي: مع ستّة (من أصحابه، فجاء أعرابيّ) - بفتح الهمزة- نسبة إلى الأعراب، وهم سكّان البادية. وفي «المصباح»: الأعرابي الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ. زاد الأزهري: سواء كان من العرب أو من مواليهم، فمن نزل البادية أو جاور البادين، وظعن بظعنهم فهو أعرابي.
وإخبارها بذلك! إمّا ١- عن رؤيتها قبل الحجاب أو بعده، واقتصرت في الرّواية على رؤية الإناء، ولا يلزم منه رؤية الأعرابي!
أو ٢- عن إخباره ﷺ أو من غيره، فإن كان الأخير! فالحديث مرسل صحابي، وهو حجّة، خلافا للإسفرايني.
(فأكله)؛ أي: جاء ولم يذكر التّسمية، وشرع في الأكل فأكل الطّعام المذكور، (بلقمتين)؛ أي: في لقمتين. وهذا يدلّ على أنّ الطّعام كان قليلا في حدّ ذاته، وكفاية ستّة نفر بذلك الطّعام مع قلّته من جملة معجزاته ﷺ.
(فقال رسول الله ﷺ: «لو سمّى) - وفي لفظ «أما إنّه لو سمّى» وفي لفظ «لو سمى الله» - (لكفاكم») وإياه، ببركة التّسمية، والمعنى: أنّ هذا الطّعام؛ وإن كان قليلا، لكن لو سمّى الأعرابي لبارك الله في الطّعام وكفاكم، لكن لمّا ترك
[ ٢ / ٢٠٩ ]
وعنها رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله ﷺ: «إذا أكل أحدكم فنسي أن يذكر الله تعالى على طعامه..
فليقل: باسم الله أوّله وآخره» .
ذلك الأعرابيّ التّسمية انتفت البركة؛ لأنّ الشّيطان ينتهز الفرصة وقت الغافلة عن ذكر الله تعالى، وهذا تصريح بعظيم بركة التّسمية وفائدتها.
وفي هذا كمال المبالغة في زجر تارك التّسمية على الطّعام؛ لأنّ تركها يمحقه.
وفي الحديث: ما كان عليه النّبيّ ﷺ من التّواضع بالجلوس مع أصحابه والأكل معهم؛ بحيث يقدم الغريب فيأكل معه؛ (و) أخرج الإمام أحمد وأبو داود والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»؛ واللّفظ له، وابن ماجه، والحاكم، ورجاله ثقات، وهو من تتمة الحديث السابق. (عنها)؛ أي: عن عائشة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: قال رسول الله ﷺ:
«إذا أكل أحدكم فنسي) - بفتح النّون وكسر السّين المخفّفة، أي: ترك نسيانا- (أن يذكر الله تعالى)؛ أي: التّسمية، (على طعامه) - حين الشّروع في الأكل، ثمّ تذكّر في أثنائه أنّه ترك التّسمية- (فليقل:) ندبا (باسم الله)؛ أي:
آكل (أوّله) - بفتح اللّام- (وآخره») - بفتح الرّاء، أي: عند أوّله وعند آخره، ويجوز الجرّ، أي: في أوّله وفي آخره.
ولا يقال: ذكر الأوّل والآخر يخرج الوسط!! لأنّا نقول: المراد بذلك التّعميم، فالمعنى: باسم الله على جميع أجزائه، فهو كقوله تعالى وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيها بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢) [مريم] فإنّ المراد به التّعميم، بدليل قوله تعالى أُكُلُها دائِمٌ [٣٥/ الرعد] .
على أنّه يمكن أن يقال: المراد بأوله: النّصف الأوّل، وباخره: النّصف الثّاني؛ فلا واسطة.
وألحق أصحابنا الشّافعية بالنّسيان ما إذا تعمّد أو جهل، ومثل الأكل فيما ذكر
[ ٢ / ٢١٠ ]
وكان رسول الله ﷺ إذا أكل عند قوم.. لم يخرج حتّى يدعو لهم، فكان يقول: «اللهمّ؛ بارك لهم وارحمهم»،
في ندب الذّكر المذكور كلّ ما يشتمل على أفعال متعدّدة؛ من نحو اكتحال، وتأليف، وشرب، ما لم يكره الكلام أثناءه كجماع. انتهى «شرح الأذكار» .
واعلم أنّ هذا الحديث، والّذي قبله، كلاهما حديث واحد، ذكره ابن علّان في «شرح الأذكار» عن ابن حجر، ولفظه:
عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ النّبيّ ﷺ كان يأكل طعاما في ستّة نفر من أصحابه، فجاء أعرابيّ فأكله بلقمتين، فقال النّبيّ ﷺ: «أما إنّه لو ذكر الله تعالى لكفاكم، فإذا أكل أحدكم فليذكر اسم الله تعالى، فإن نسي أن يذكر اسم الله تعالى؛ فليقل باسم الله أوّله وآخره» حديث حسن، أخرجه أحمد وابن ماجه ورجاله ثقات. انتهى.
ثمّ ذكر أنّ ابن حجر ذكره من طريق أخرى عن عائشة؛ وقال: أخرجه أحمد وأبو داود والتّرمذي والنّسائي والحاكم، وقال التّرمذي: حديث حسن صحيح، ثمّ ذكر أنّ بعض المحدّثين ذكر الحديث مقتصرا على القطعة الأولى، وبعضهم مقتصرا على القطعة الأخيرة؛ كما فعل المصنف النّبهاني.
ثمّ قال: قال الحافظ: لحديث عائشة شاهد من حديث ابن مسعود أنّ رسول الله ﷺ قال: «من نسي أن يذكر الله تعالى في أوّل طعامه؛ فليقل حين يذكر «باسم الله أوّله وآخره»؛ فإنّه يستقبل طعاما جديدا، ويمنع من كان يصيب منه» .
أخرجه الحافظ ابن حجر من طريق الطّبراني في «الأوسط» قال: وأخرجه ابن حبّان، قال الحافظ: ورجاله ثقات. انتهى.
(و) في «المواهب» و«الباجوري»: (كان رسول الله ﷺ إذا أكل عند قوم لم يخرج) من دارهم (حتّى يدعو لهم، فكان يقول) - حين دعا في منزل عبد الله بن بسر المازني- (: «اللهمّ بارك لهم) فيما رزقتهم، واغفر لهم (وارحمهم») .
[ ٢ / ٢١١ ]
وكان يقول: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» .
رواه مسلم، قال: نزل النّبيّ ﷺ على أبي، فقرّبنا له طعاما الحديث.
وفيه: فقال أبي: ادع لنا فذكره.
وللنّسائي: قال أبي لأخي: لو صنعت لرسول الله ﷺ طعاما. الحديث.
وفي أبي داود وابن ماجه؛ عنه: دخل علينا رسول الله ﷺ فقدّمنا له زبدا وتمرا، وكان يحب زبدا وتمرا.
(وكان يقول) - حين دعا في منزل سعد لمّا أفطر عنده في رمضان- (: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم)؛ أي: وشرب شرابكم (الأبرار)؛ صائمين ومفطرين، فمفاد هذه الجملة أعمّ مما قبلها. (وصلّت عليكم الملائكة»)؛ أي:
استغفرت لكم الملائكة الموكّلون بخصوص ذلك إن ثبت، وإلّا! فالحفظة، أو المعقّبات، أو رافعو الأعمال، أو الكلّ، أو بعض غير ذلك.
وفيه ندب الدّعاء بذلك بناء على أنّ الجملة دعائيّة، وهو أقرب من جعلها خبريّة، وذلك مكافأة له على ضيافته إيّاه. رواه أبو داود؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّ النّبيّ ﷺ جاء إلى سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه، فجاء بخبز وزيت فأكل، ثم قال النبي ﷺ: «أفطر عندكم الصّائمون وأكل طعامكم الأبرار وصلّت عليكم الملائكة» .
ورواه ابن ماجه وابن حبّان؛ عن عبد الله بن الزّبير رضي الله تعالى عنهما قال:
أفطر رسول الله ﷺ عند سعد بن معاذ فقال: «أفطر عندكم الصّائمون»
الحديث.
قال النّووي: قلت: هما قضيّتان جرتا لسعد بن عبادة؛ وسعد بن معاذ. وهو متّجه؛ لاختلاف المخرّجين!! وقد كثرت الأحاديث بدعائه ﷺ بذلك في عدّة مواضع، فمنها ما وقع في قصّة أبي الهيثم، وفي آخرها: فأخذ النّبيّ ﷺ بعضادتي
[ ٢ / ٢١٢ ]
وكان ﷺ إذا أكل مع قوم.. كان آخرهم أكلا.
وروي عنه ﷺ أنّه قال: «إذا وضعت المائدة..
فلا يقوم «١» الرّجل
الباب، وقال: «أكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة، وذكركم الله فيمن عنده» وقد سبقت قصّة أبي الهيثم، مع بيان من خرّجها.
روى أبو داود في «سننه» عن رجل، عن جابر رضي الله تعالى عنه قال:
صنع أبو الهيثم بن التّيّهان للنّبي ﷺ طعاما، فدعا النّبي ﷺ وأصحابه، فلمّا فرغوا قال: «أثيبوا أخاكم» . قالوا: يا رسول الله؛ وما إثابته؟ قال: «إنّ الرّجل إذا دخل بيته فأكل طعامه وشرب شرابه؛ فدعوا له، فذلك إثابته» .
وروى ابن السّنّي وغيره بإسناد فيه ضعف؛ عن عمرو بن الحمق رضي الله تعالى عنه أنّه سقى رسول الله ﷺ لبنا؛ فقال: «اللهمّ أمتعه بشبابه» . فمرّت عليه ثمانون سنة، لم ير شعرة بيضاء.
(و) روى البيهقي في «شعب الإيمان»؛ عن جعفر الصّادق، عن أبيه محمد الباقر مرسلا: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أكل مع قوم) - في منزله أو غيره- (كان آخرهم أكلا) لئلّا يخجلهم فيقوموا قبل استيفاء حاجتهم.
(وروي عنه ﷺ)؛ في حديث ابن عمرو مرفوعا، عند ابن ماجه والبيهقي، وضعّفه بقوله: أنا أبرأ من عهدته؛ (أنّه) ﷺ (قال: «إذا وضعت المائدة فلا [يقوم] الرّجل)، أي: أحد الآكلين؛ لا صاحب الطّعام فقط، أي: يندب أن لا يقوم والمصنّف اختصر الحديث تبعا للباجوري؛ التّابع لما في «جمع الوسائل» للقاري ك «المواهب» . ولفظه عند ابن ماجه والبيهقي: «إذا وضعت المائدة فليأكل الرّجل ممّا يليه، ولا يأكل ممّا بين يدي جليسه، ولا من ذروة القصعة،
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: يقم.
[ ٢ / ٢١٣ ]
وإن شبع حتّى يفرغ [القوم]؛ فإنّ ذلك يخجل جليسه، وعسى أن يكون له في الطّعام حاجة» .
وعن عمر بن أبي سلمة- ربيب رسول الله ﷺ-
فإنّما تأتيه البركة من أعلاها، ولا يقوم رجل حتّى ترفع المائدة، ولا يرفع يده»؛
(وإن شبع) . فالقيام مكروه، أو خلاف الأولى قبل رفع المائدة، بل رفع اليد؛ وإن شبع كذلك، ولو لم يقم، كما هو صريح الحديث، خلاف ما يوهمه اختصار المصنّف له (حتّى يفرغ [القوم]) - لفظه: حتّى يرفع القوم، وليقعد (فإنّ ذلك) القيام (يخجل جليسه) فيقوم؛ لما جبلت عليه النّفوس من كراهة نسبتها إلى الشّره، وزيادة الأكل على غيرها، (وعسى أن يكون له)؛ أي: الجليس (في الطّعام حاجة»)، فيقوم قبل تمامها؛ خجلا، وذلك قد يؤذيه.
(و) أخرج الأئمّة السّتّة- كما قاله المناوي والزّرقاني، زاد الزرقاني ومالك في «الموطأ»: أي: بألفاظ مختلفة، بالزّيادة والنّقص. وكذا أخرجه التّرمذي في «الشّمائل» وهذا لفظه-:
(عن) أبي جعفر: (عمر بن أبي سلمة)؛ عبد الله بن عبد الأسد القرشي، المخزومي (ربيب) - بالرّاء المفتوحة والباء الموحّدة بعدها ياء مثنّاة، وآخرها باء موحدة، بوزن حبيب- أي: ابن أمّ سلمة، زوج (رسول الله ﷺ) الصّحابي بن الصّحابيّين، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
ولد بالحبشة حين هاجر بها أبوه في السّنة الثالثة من هجرة رسول الله ﷺ.
وتزوّج ﷺ أمّه بعد موت أبيه عنها، فنشأ في حجر المصطفى ﷺ، وكان يوم الخندق هو وابن الزّبير في أطم حسّان بن ثابت، وكان عمره يوم قبض النّبيّ ﷺ تسع سنين.
شهد وقعة الجمل مع عليّ رضي الله تعالى عنه، واستعمله على البحرين.
روي له- فيما قيل- عن رسول الله ﷺ اثنا عشر حديثا؛ روى له البخاري منها
[ ٢ / ٢١٤ ]
أنّه دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام؛ فقال:
«ادن يا بنيّ.، فسمّ الله تعالى، [وكل بيمينك]،
حديثين، وخرّج عنه الأربعة، وروى عنه عطاء وثابت.
ومات سنة: - ٨٣- ثلاث وثمانين، في خلافة عبد الملك.
(أنّه) أي: عمر بن أبي سلمة (دخل على رسول الله ﷺ وعنده طعام)؛ أي:
والحال أنّ عنده ﷺ طعاما. (فقال: «ادن) بضمّ همزة الوصل عند الابتداء بها وبضمّ النّون أيضا؛ أمر من الدّنو، أي: اقرب إلى الطّعام، يقال: دنا منه وإليه:
قرب (يا بنيّ) - بصيغة التّصغير- شفقة منه ﷺ.
وفيه أنّه ينبغي للكبير ملاطفة الصّغير، لا سيّما على الطّعام؛ لشدّة الاستحياء حينئذ (فسمّ الله تعالى)؛ طردا للشّيطان ومنعا له من الأكل، والخطاب وإن خصّ الغلام لكن الحكم عامّ، والأمر فيه للنّدب، وهي سنّة كفاية، ولا خلاف في أنّ التّسمية بدء كل أمر محبوب سنّة مؤكّدة.
ويسنّ للمبسمل الجهر ليسمع غيره فيقتدي به، وفيه حصول السّنّة بلفظ «باسم الله»، لكن الأكمل إكمالها؛ كما صرّح به في «الأذكار»، فقال ما حاصله:
الأفضل إكمالها، وتحصل السّنّة ب (باسم الله) .
قال الحافظ أبو الفضل ابن حجر رحمه الله تعالى: ولم أر لما ادّعاه من الأفضليّة دليلا خاصّا!!. قال حجّة الإسلام الغزالي: يقول مع اللّقمة الأولى باسم الله، ومع الثّانية باسم الله الرحمن، ومع الثّالثة بسم الله الرحمن الرحيم. فإن سمّى مع كلّ لقمة فهو أحسن حتى لا يشغله الشّره عن ذكر الله، ويزيد بعد التّسمية:
«اللهمّ بارك لنا فيما رزقتنا، وقنا عذاب النّار» .
قال الحافظ ابن حجر: ولا أصل لذلك كله، واستحب العبّادي الشّافعي أن يقول «بسم الله الّذي لا يضرّ مع اسمه شيء» .
([وكل بيمينك]) حمله أكثر الشّافعيّة وغيرهم على النّدب، وبه جزم
[ ٢ / ٢١٥ ]
الغزالي؛ ثمّ النّووي، فيجوز مع الكراهة الأكل بالشّمال.
لكن نصّ الشافعي في «الرّسالة» وفي مواضع من «الأم» على الوجوب!! وكذا نقله عنه الصّيرفي في «شرح الرّسالة»، وانتصر له الإمام تقي الدّين السّبكي.
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: ويدلّ على وجوب الأكل باليمين ورود الوعيد في الأكل بالشّمال؛
ففي «صحيح مسلم» من حديث سلمة بن الأكوع أنّ النّبيّ ﷺ رأى رجلا يأكل بشماله فقال له: «كل بيمينك» فقال: لا أستطيع، فقال: «لا استطعت» . فما رفعها إلى فيه بعد.
وورد التّصريح باسم الرجل فيما رواه عبد بن حميد، والدّارمي وابن حبّان والطّبراني؛ عن سلمة أنّ النّبيّ ﷺ أبصر بسر- بضمّ الموحّدة وإسكان السّين المهملة- ابن راعي العير- بفتح العين وإسكان التحتيّة- الأشجعي، يأكل بشماله، فقال: «كل بيمينك»، قال: «لا أستطيع»، فما رفعها إلى فيه بعد. أي فما استطاع رفعها إلى فيه بعد. زاد في رواية ل «مسلم»: لم يمنعه إلا الكبر.
وبه استدلّ القاضي عياض في «شرح مسلم» على أنّه كان منافقا.
وزيّفه النّووي بأنّ ابن منده وأبا نعيم وابن ماكولا وغيرهم ذكروه في الصّحابة!! قال في «الإصابة»: وفيه نظر، لأنّ جميع من ذكره لم يذكر له سندا إلّا هذا الحديث، فالاحتمال قائم!؟ ويمكن الجمع بأنّه لم يكن في تلك الحالة أسلم، ثمّ أسلم بعد. انتهى.
وفي «الفتح»: إنّ النّووي ردّه أيضا بأنّ الكبر والمخالفة لا يقتضي النّفاق، لكنّه معصية إن كان الأمر للوجوب؟!.
وقد أجيب عن الاستدلال لوجوب الأكل باليمين بهذا الحديث بأنّ الدّعاء ليس لترك مستحبّ، بل لقصد المخالفة كبرا بلا عذر، فدعا عليه، فشلّت يمينه.
[ ٢ / ٢١٦ ]
وكل ممّا يليك» .
وبهذا لا يرد أنّ دعاءه ﵊ المقصود به الزّجر؛ لا الحقيقي.
وقد زاد الحافظ تقوية للوجوب قوله: وأخرج الطّبراني ومحمد بن الرّبيع الجيزي بسند حسن؛ عن عقبة بن عامر أنّ النّبيّ ﷺ رأى سبيعة الأسلميّة تأكل بشمالها؛ فقال ﷺ: «أخذها داء غزّة» ! فقيل: إنّ بها قرحة، فقال: «وإن» ! فمرّت بغزّة فأصابها الطّاعون فماتت.
وثبت النهي عن الأكل بالشّمال، وأنّه من عمل الشّيطان، من حديث ابن عمر وجابر عند مسلم. ولأحمد بسند حسن؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها رفعته:
«من أكل بشماله أكل معه الشّيطان» . وهو على ظاهره.
وورد: «إذا أكل أحدكم فليأكل بيمينه وليشرب بيمينه، وليأخذ بيمينه وليعط بيمينه، فإنّ الشّيطان يأكل بشماله ويشرب بشماله ويعطي بشماله ويأخذ بشماله» رواه الحسن بن سفيان في «مسنده»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
والظّاهر أنّه نهي عن التّشبّه، فيفيد الاستحباب، وحديث سبيعة حمله الجمهور على الزّجر والسّياسة؛ قاله ملّا علي قاري في «جمع الوسائل» .
قال المناوي: واليمين: مشتقّة من اليمن، كما ذمّ أهل النّار بنسبتهم إلى الشّمال، فقال وَأَمَّا إِنْ كانَ مِنْ أَصْحابِ الْيَمِينِ (٩٠) [الواقعة] .
فاليمين وما نسب إليها محمود ممدوح؛ لسانا وشرعا ودنيا وآخرة، وإذا كان كذلك فمن الآداب المناسبة لمكارم الأخلاق اختصاص اليمين بالأعمال الشّريفة، وإن احتيج في شيء منها إلى الاستعانة بالشّمال! يكون بحكم التّبعيّة؛ وأمّا إزالة الأقذار ومباشرة الأعمال الخسيسة فبالشّمال.
(وكل ممّا يليك»)؛ لأنّ الأكل من موضع يد صاحبه سوء عشرة وترك مودّة؛ لنفور النّفس منه، لا سيّما في الأمراق، ولما فيه من إظهار الحرص والنّهم وسوء الأدب وأشباهها.
[ ٢ / ٢١٧ ]
والأمر فيه للنّدب على الأصحّ، وقيل: للوجوب؛ لما فيه من إلحاق الضّرر بالغير، ومزيد الشّره. ونصّ عليه الشّافعي في «الرّسالة» ومواضع من «الأمّ» .
وانتصر له السّبكي- رحمه الله تعالى-! قال ولده العلّامة تاج الدّين السّبكيّ: جمع والدي نظائر هذه المسألة في كتاب له سماه: «كشف اللّبس عن المسائل الخمس»: ١- الأكل مما يلي، و٢- من رأس الثّريد، و٣- التعريس على قارعة الطّريق؛ و٤- اشتمال الصّمّاء؛ و٥- القران بين تمرتين أكلا؛ ونصر القول بأنّ الأمر فيها للوجوب. انتهى. لكنه اختيار له، والمعتمد خلافه.
وفي «مختصر البويطي»: يحرم الأكل من رأس الثّريد، والقران في التّمر؛ والأصحّ أنّهما مكروهان، ومحلّ الخلاف إن لم يعلم رضا صاحبه، وإلّا! فلا حرمة ولا كراهة، فقد ورد أنّه ﷺ كان يتتبّع الدّباء من حوالي القصعة!!
والجواب بأنّه أكل وحده مردود بأنّ أنسا كان يأكل معه، على أنّه لو سلّم لا يجدي، لأنّ الأكل مما يلي الآكل سنّة؛ وإن كان وحده، كما اقتضاه إطلاق الشّافعيّة.
وقيل: الأولى حمل التتبّع المذكور على أنّه من يمينه وشماله بعد فراغ ما بين يديه، ولم يكن أحد في جانبيه ﷺ. والأوّل أولى، والله أعلم
على أنّ محلّ النّهي حيث كان الطّعام نوعا واحدا؛ وإلّا! كالثّريد والدّباء واللّحم، فيتعدى الأكل إلى غير ما يليه، ومحلّه أيضا في غير نحو الفاكهة، أمّا هي! فله أن يجيل يده فيها؛ كما في «الإحياء» .
ويشهد له ما جاء عند ابن ماجه رحمه الله تعالى؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه ﷺ كان إذا أتي بطعام أكل ممّا يليه، وإذا أتي بالتّمر جالت يده فيه) .
وأورد في «الإحياء» أنّه ﷺ قال: «كل ممّا يليك» وكان يدور على الفاكهة.
فقيل له في ذلك! فقال: «ليس هو نوعا واحدا» . انتهى.
[ ٢ / ٢١٨ ]
[وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت]: كان رسول الله ﷺ إذا أتي بطعام.. أكل ممّا يليه، وإذا أتي بالتّمر.. جالت يده [فيه] .
وتوقّف فيه النّووي ﵀، لكنّ خبر ابن ماجه يشهد له.
وقضيّة ما رواه الغزالي أنّ محل الإجالة إذا كانت الفاكهة الحاضرة ذات أنواع، فإن كانت نوعا واحدا؟! فهي كغيرها في ندب الأكل مما يلي الآكل، وكراهته مما يلي غيره، وليس كذلك؛ بل كل ما يختلف أفراده فلا بأس بالإجالة فيه؛ نوعا كان أو أنواعا، وإن كان الأولى عدم الإجالة حينئذ لما فيه؛ مع وجود ذلك من الشّره، والتّطلّع إلى ما عند غيره، وترك الإيثار الّذي هو من شأن الأخيار. والله أعلم.
انتهى من «شرح الأذكار» .
ويؤخذ من هذا الحديث: أنّه يندب على الطّعام تعليم من أخل بشيء من آدابه، خلاف ما عليه النّاس في زعمهم أنّ فيه كسر نفس الآكل، فلا يعبأ بعادة النّاس المصادمة لما ثبت عن الصّادق المصدوق ﷺ من التّعليم لآداب الطّعام على الطّعام.
والله أعلم.
([و) أخرج ابن ماجه والخطيب، وهو حديث ضعيف: (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت]: كان رسول الله ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمجهول-، أي: جيء له- (بطعام أكل ممّا يليه)؛ تعليما لأمّته آداب الأكل، فإنّ الأكل مما يلي الغير مكروه؛ لما فيه من مزيد الشّره والنّهمة، وإلحاق الأذى بمن أكل معه؛
وسببه: أنّ كلّ آكل كالحائز لما يليه من الطّعام، فأخذ الغير له تعدّ عليه؛ مع ما فيه من تقذّر النّفوس ممّا خاضت فيه الأيدي.
ثمّ هو سوء أدب من غير فائدة؛ إذا كان الطّعام لونا واحدا، أمّا إذا اختلفت أنواعه فيرخّص فيه، كما أشار إليه بقوله:
(وإذا أتي بالتّمر جالت) - بالجيم- (يده [فيه])؛ أي: دارت في جهاته
[ ٢ / ٢١٩ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليرضى عن العبد أن يأكل الأكلة.. فيحمده عليها،
وجوانبه، فيتناول منه ما شاء.
ومنه أخذ الغزاليّ أنّ محلّ ندب الأكل مما يلي إذا كان الطّعام لونا واحدا، وما إذا كان غير فاكهة، أمّا هي! فله أن يجيل يده فيها؛ لأنّها في معنى التّمر.
قال ابن العربي: إذا كان الطّعام صنفا واحدا؛ لم يكن للجولان فيه معنى إلّا الشّره والمجاعة. وإذا كان ذا ألوان؛ كان جولانها له معنى، وهو اختيار ما استطاب منه. انتهى «مناوي» .
قال الحفني: فيطلب الأكل ممّا يلي الآكل حيث لم يتنوّع الطّعام، وإلّا! فلا بأس بمدّ اليد إلى الآنية الّتي فيها الطّعام الّذي يشتهيه؛ وإن لم تكن تليه، كما لا بأس بمدّ اليد إلى التّمرة البعيدة عنه التي تشتهيها نفسه، ولذا كانت تجول يده ﷺ في التّمر، ويقاس عليه نحوه من مشمش وخوخ إلخ.
نعم؛ إن قامت قرينة على تخصيص قوم بنوع فلا يجوز لغيرهم الأكل من غير علمهم برضا صاحبه، والله أعلم. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»، والنّسائي- واللّفظ ل «الشّمائل» - كلهم (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال:
قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله ليرضى عن العبد) المؤمن، أي يرحمه ويثيبه؛ كما جاء في بعض الرّوايات: «يدخله الجنّة» - (أن) علّة ل «يرضى»، أي:
لأجل أن (يأكل) - بفتح همزة- «أن» - أي: بسبب أن يأكل، أو وقت أكله (الأكلة) - بفتح الهمزة: المرّة الواحدة- من الأكل، أي: الغدوة أو العشوة، كذا اقتصر عليه جمع منهم النّووي في «رياضه»، لكن ضبطه بعضهم بالضّمّ؛ وقال:
هي اللقمة. (فيحمده) بالنّصب؛ كما هو الظّاهر وفاقا لابن حجر، لكن رواية «الشّمائل» بالرّفع على أنّه خبر مبتدأ محذوف، أي: فهو يحمده (عليها)؛ أي:
[ ٢ / ٢٢٠ ]
أو يشرب الشّربة.. فيحمده عليها» .
يرضى أكله المتعقّب بالحمد، مع أنّ نفعه لنفسه، فكيف بالحمد على ما لا نفع له فيه؟!.
(أو) - للتّنويع، وليست للشّك- (يشرب الشّربة) - بفتح الشّين المعجمة، لا غير- وهذا يرجّح الوجه الأوّل في ضبط الأكلة، وكلّ من الأكلة والشّربة مفعول مطلق- (فيحمده عليها»)؛ يعني: يرضى عنه؛ لأجل أحد هذين الفعلين أيّا كان، وفيه أنّ أصل سنّيّة الحمد بعد كلّ من الطّعام والشّراب يحصل بأيّ لفظ اشتقّ من مادّة «ح م د»، بل بما يدلّ على الثّناء على الله تعالى.
وما سبق من حمده ﷺ المشتمل على تلك الصّفات البليغة البديعة! إنّما هو لبيان الأكمل؛ وفي هذا تنويه عظيم بمقام الشّكر، حيث رتّب هذا الجزاء العظيم- الذي هو أكبر أنواع الجزاء، كما قال ﷾ وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [٧٢/ التوبة]- في مقابلة شكره بالحمد.
وعبّر بالمرّة! إشعارا بأنّ الأكل والشّرب يستحقّ الحمد عليه؛ وإن قلّ جدا، أو أنّه يتعيّن علينا ألانحتقر من الله شيئا؛ وإن قلّ.
ويسنّ خفض صوته به إذا فرغ؛ ولم يفرغ رفقته، لئلّا يكون منعا لهم.
[ ٢ / ٢٢١ ]
[الفصل الرّابع في صفة فاكهته ﷺ]
الفصل الرّابع في صفة فاكهته ﷺ (الفصل الرّابع) من الباب الرّابع (في) بيان الأخبار الواردة في (صفة فاكهته ﷺ) والفاكهة: ما يتفكّه، أي: يتنعّم ويتلذّذ بأكله رطبا كان؛ أو يابسا كتين وبطيخ وزبيب ورطب ورمان، ومنه الفكاهة- بالضّمّ- للمزاح؛ لانبساط النّفس، وتفكّه بالشّيء: تمتّع به. وتفكّه: أكل الفاكهة، وقوله تعالى فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ (٦٨) [الرحمن] .
قال أهل اللّغة: إنّما خصّ ذلك بالذّكر!! لأنّ العرب تذكر الأشياء مجملة، ثمّ تخص منها شيئا بالتّسمية؛ تنبيها على فضل فيه، ومنه قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [٧/ الأحزاب] وكذلك مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة] . فكما أنّ إخراج محمّد ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى من النّبيين، وإخراج جبريل وميكائيل من الملائكة ممتنع؛ كذلك إخراج النّخل والرّمّان من الفاكهة ممتنع.
قال الأزهري: ولا أعلم أحدا من العرب قال: النّخل والرّمّان ليسا من الفاكهة»، ومن قال ذلك من الفقهاء!! فلجهله بلغة العرب وبتأويل القرآن «١» .
وكما يجوز ذكر الخاص بعد العام للتّفضيل؛ كذلك يجوز ذكر الخاصّ قبل
_________________
(١) وحجّة من قال من الفقهاء أنّ الرّمان والتمر ليسا من الفاكهة؛ هو العطف، ولأن التمر فاكهة وغذاء، والرّمان فاكهة ودواء، فلم يخلصا لتفكّه، وعلى هذا القول بعض الفقهاء، وأما عامة المفسرين وأهل اللّغة فعلى أنّ التمر والرّمان من جملة الفواكه، وإنما فصلهما بالذكر: للتخصيص والتفضيل. كقوله تعالى: مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [٩٨/ البقرة] .
[ ٢ / ٢٢٢ ]
كان رسول الله ﷺ يأخذ الرّطب بيمينه، والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان أحبّ الفاكهة إليه.
وكان ﷺ يأكل الرّطب، ويلقي النّوى على الطّبق.
العامّ للتفضيل، قال تعالى وَلَقَدْ آتَيْناكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) [الحجر] . انتهى «مصباح» .
أخرج الطّبراني في «الأوسط»، وأبو نعيم في «الطب»، وأبو الشيخ في «الأخلاق»، والحاكم في «الأطعمة»؛ من حديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، بسند ضعيف قال:
(كان رسول الله ﷺ) إذا أكل رطبا وبطّيخا معا (يأخذ الرّطب بيمينه)؛ أي:
بيده اليمين، (والبطّيخ بيساره؛ ويأكل الرّطب بالبطّيخ) للتّعديل.
(وكان) أي: البطّيخ (أحبّ الفاكهة إليه)، وفيه: جواز الأكل باليدين جميعا.
ويشهد له ما رواه الإمام أحمد؛ عن عبد الله بن جعفر قال:
آخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء؛ فيأكل بعضا من هذه وبعضا من هذه.
لكن لا يلزم منه لو ثبت أكله بشماله، فلعلّه كان يأخذ بيده اليمنى من الشّمال فيأكلها مع ما في يمينه، إذ لا مانع من ذلك!!.
وأمّا أكله البطّيخ بالسّكّر!! فلم أر له أصلا إلّا في خبر معضل ضعيف. رواه النّوقاتي: وأكله بالخبز، لا أصل له، إنّما ورد في أكل العنب بالخبز حديث رواه ابن عدي بسند ضعيف؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قاله جميعه الحافظ زين الدّين العراقي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج الحاكم في «مستدركه»؛ «باب الأطعمة»، وقال: على شرطهما، وأقره الذّهبي؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه، قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يأكل الرّطب؛ ويلقي النّوى على الطّبق)، يعارضه
[ ٢ / ٢٢٣ ]
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالرّطب، ويقول:
«يكسر حرّ هذا ببرد هذا، وبرد هذا بحرّ هذا» .
حديث: نهى أن تلقى النّواة على الطّبق الّذي هو يؤكل منه الرّطب والتّمر.
ولعلّ المراد هنا الطّبق الموضوع تحت إناء الرّطب؛ لا الطّبق الّذي فيه الرّطب، فإن وضعه مع الرطب في إناء واحد ربما تعافه النّفوس؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
(و) أخرج أبو داود في «الأطعمة»، والبيهقيّ كلاهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، قالت: (كان) رسول الله (ﷺ يأكل البطّيخ) - بتقديم الباء على الطّاء، وبتقديم الطّاء على الباء الطّبّيخ؛ لغة في البطيخ بوزنه، وكلاهما روايتان ثابتتان في الحديث- والمراد به: الأصفر، بدليل ثبوت لفظ الخربز بدل البطّيخ في الرّواية الآتية، وكان يكثر وجوده بالحجاز، بخلاف الأخضر.
وقال ابن القيّم: المراد الأخضر. قال زين الحفّاظ العراقي، وفيه نظر.
والحديث دالّ على أنّ كلّ واحد منهما فيه حرارة وبرودة، لأنّ الحرارة في أحدهما والبرودة في الآخر.
قال بعض الأطبّاء: البطّيخ بارد رطب، فيه جلاء، وهو أسرع انحدارا إلى المعدة من القثّاء والخيار، وهو سريع الاستحالة إلى أي خلط صادفه في المعدة، وإذا أكله محرور نفعه جدا، وإذا كان مبرودا عدّله بقليل زنجبيل. أو يفعل كما كان ﷺ يعدّله (بالرّطب): ثمر النّخل إذا أدرك قبل أن يتتمّر؛ (ويقول: «يكسر حرّ هذا) أي: الرّطب (ببرد هذا)، أي: البطّيخ، (وبرد هذا بحرّ هذا») . قال الزرقاني: كذا وقع للمصنّف- يعني القسطلّانيّ-: ببرد بحرّ- بالباء فيهما- تبعا لشيخه في «المقاصد»؛ تبعا لشيخه في «الفتح» !! فيحتمل أن أوّله [نكسر] بنون مبنيّ للفاعل، وأنّه [يكسر] بتحتيّة مبنيّ للمجهول. وساقه «الجامع» بدون موحّدة فيها، وكل عزاه لأبي داود. انتهى.
[ ٢ / ٢٢٤ ]
وكان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز وبالسّكّر،
قال ابن القيّم: وهذا من تدبير الغذاء الحافظ للصّحّة، لأنّه إذا كان في أحد المأكولين كيفية تحتاج إلى كسر وتعديل كسرها وعدّلها بضدّها. انتهى.
قيل: وأراد البطّيخ قبل النّضج، فإنّه بعده حارّ رطب.
قال ابن القيّم: في البطّيخ عدّة أحاديث لا يصحّ منها شيء غير هذا الحديث.
انتهى. نقله المناوي. وقال في «المواهب»: وأمّا فضائل البطّيخ فأحاديثه باطلة، وإن أفرده النّوقاتي في جزء؛ كما قاله الحفّاظ، والله أعلم.
وقد كان محمد بن أسلم الطوسي، العالم الرّباني، الزّاهد الورع، المقتدي بالآثار، الذي وصفه ابن المبارك بأنّه ركن من أركان الإسلام، كان لا يأكل البطّيخ تورّعا؛ لأنّه لم ينقل كيفيّة أكل رسول الله ﷺ له، أي: هل بقشره ولبه؛ أو بدونهما. فلعلّ هذا مراده!! وإلّا! فقد ورد كيفيّة جمعه بين الرّطب والقثّاء أو البطّيخ؛ فيما رواه الطّبراني في «الأوسط» من حديث عبد الله بن جعفر بن أبي طالب قال: رأيت في يمين رسول الله ﷺ قثّاء وفي شماله رطبا، وهو يأكل من ذا مرّة، ومن ذا مرّة!!. وفي سنده ضعف.
وقد تقدّم حديث أنس في أول هذا الفصل، وأنّه ﷺ كان يأخذ الرّطب بيمينه والبطّيخ بيساره، فيأكل الرّطب بالبطّيخ، وكان البطّيخ أحبّ الفاكهة إليه.
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ يأكل البطّيخ بالخبز) . قال العراقي: لم أره! وإنّما وجدت أكله العنب بالخبز، في حديث عائشة عند ابن عدي بسند ضعيف.
(و) يأكل تارة (بالسّكّر)، قال العراقيّ: إن أريد بالسّكّر نوع من التّمر والرّطب مشهور! فهو الحديث الآتي بعده. وإن أريد بالسّكّر الذي هو بطبرزد!! فلم أر له أصلا إلّا في حديث منكر معضل، رواه أبو عمر النّوقاتي في كتاب «البطيخ»، من رواية محمد بن علي بن الحسين: أنّ النّبيّ ﷺ أكل بطّيخا بسكّر، وفيه موسى بن إبراهيم المروزي؛ كذبه يحيى بن معين. انتهى.
[ ٢ / ٢٢٥ ]
وربّما أكله بالرّطب، ويستعين باليدين جميعا.
قلت: قال في «المصباح»: السّكّر نوع من الرّطب شديد الحلاوة؛ قال أبو حاتم في كتاب «النخلة»: نخل السّكر، الواحدة سكّرة.
وقال الأزهري: التّمر نخل السّكّر وهو معروف عند أهل البحرين، فإن كان المراد بالسّكّر هنا هو الطّبرزدي؛ فيتعيّن أن يكون المراد بالبطّيخ هو الأصفر، فإنّه الذي يؤكل به؛ مع احتمال إرادة الأخضر، إلّا أنّ ابن حجر ذكر في «شرح الشّمائل» أنّ النّبيّ ﷺ لم ير السّكّر، وما ورد بأنّه حضر ملاك بعض الأنصار فنثر على العروس بالسّكّر واللّوز!! فلا أصل له. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .
(وربّما أكله بالرّطب) . قال الحافظ العراقي:
رواه التّرمذي والنّسائي من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها وحسنه الترمذي ولابن ماجه من حديث سهل بن سعد: كان يأكل الرّطب بالبطيخ وهو عند الدّارمي بلفظ: البطيخ بالرّطب وروى ابن عدي من حديث عائشة ﵂: كان أحبّ الفاكهة إلى رسول الله ﷺ الرّطب والبطّيخ. وهو ضعيف. انتهى.
قلت: ورواه الطّبراني في «الكبير»؛ من حديث عبد الله بن جعفر بلفظ:
كان يأكل البطّيخ بالرّطب. وروى الطّيالسي؛ من حديث جابر بسند حسن:
كان يأكل الخربز بالرّطب، ويقول: «هما الأطيبان» . وهذا يؤيّد قول من قال: إنّ المراد بالبطّيخ هو الأصفر. انتهى من «شرح الإحياء» .
(ويستعين باليدين جميعا)، قال العراقي: رواه الإمام أحمد، من حديث عبد الله بن جعفر قال: آخر ما رأيت رسول الله ﷺ في إحدى يديه رطبات، وفي الآخرى قثّاء يأكل من هذه، ويعض من هذه.
وتقدم حديث أنس السّابق أوّل الفصل، في أكله بيديه.
وروى الطّبراني في «الأوسط»؛ من حديث عبد الله بن جعفر: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة. وسنده ضعيف.
[ ٢ / ٢٢٦ ]
وأكل يوما الرّطب في يمينه، وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت شاة، فأشار إليها بالنّوى، فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب.
و(الخربز): البطّيخ الأصفر.
(وأكل) ﷺ (يوما الرّطب في يمينه؛ وكان يحفظ النّوى في يساره، فمرّت) به (شاة فأشار إليها بالنّوى؛ فجعلت تأكل من كفّه اليسرى وهو يأكل بيمينه حتّى فرغ، وانصرفت الشّاة)، قال العراقي: هذه القصّة رويناها في «فوائد أبي بكر الشّافعي» من حديث أنس بإسناد ضعيف. انتهى.
(و) أخرج النّسائيّ والتّرمذيّ في «الشمائل»؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ رأيت رسول الله ﷺ يجمع بين الخربز والرّطب) .
وأخرج الطّيالسي بسند حسن؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه:
كان رسول الله ﷺ يأكل الخربز بالرّطب؛ ويقول: «هما الأطيبان» .
وأخرجه أبو الشّيخ أيضا.
(والخربز) - بكسر الخاء المعجمة وسكون الرّاء وكسر الموحّدة، بعدها زاي- (: البطّيخ) بالفارسيّة، والمراد به: (الأصفر)؛ لا الأخضر كما وهم؛ لأنّه المعروف بأرض الحجاز.
واستشكل بأنّ الغرض التّعديل بين برودة البطّيخ وحرارة الرّطب- كما علمت- والأصفر حارّ، والبارد إنّما هو الأخضر، فالأصفر ليس بمناسب هنا!!.
وأجيب بأنّ المراد الأصفر غير النّضيج، فإنّه غير حارّ، والحارّ ما تناهى نضجه، وليس بمراد؛ كما ذكره بعض شرّاح «المصابيح» . انتهى «باجوري» .
[ ٢ / ٢٢٧ ]
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ؛ فما استقام لها ذلك حتّى أكلت الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة. أخرجه ابن ماجه،
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والتّرمذي في «الجامع» و«الشمائل»؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنه قال:
(كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء) - بكسر القاف وتشديد المثلّثة ممدودا-: نوع من الخيار، وقيل: هو اسم جنس لما يشمل الخيار والعجّور والفقّوس؛ واحدته قثّاءة. (بالرّطب)، أي: مصحوبا معه دفعا لضرر كلّ منهما، وإصلاحا له بالآخر.
وفي «الصّحيحين»: عن عبد الله بن جعفر: رأيت رسول الله ﷺ يأكل الرّطب بالقثّاء.
والفرق بينهما: أنّ المقدّم أصل في المأكول كالخبز، والمؤخّر كالإدام.
ومن فوائد أكل هذا المركّب المعتدل تعديل المزاج وتسمين البدن؛
فقد (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: أرادت أمّي معالجتي للسّمنة لتدخلني على رسول الله ﷺ فما استقام لها ذلك) .
وفي رواية: فلم أقبل عليها بشيء ممّا تريد (حتّى أكلت) .
وفي رواية: حتّى أطعمتني (الرّطب بالقثّاء، فسمنت عليه كأحسن سمنة.
أخرجه) أبو داود، و(ابن ماجه) - بسكون الهاء وصلا ووقفا؛ لأنّه اسم أعجمي- وهو لقب ليزيد «والد الإمام أبي عبد الله محمد بن يزيد القزويني، صاحب «السّنن»، وتقدمت ترجمته.
[ ٢ / ٢٢٨ ]
ورواه النّسائيّ: بإبدال (التّمر) مكان (الرّطب) .
وكان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب وبالملح. وكان أحبّ الفواكه الرّطبة إليه [ﷺ]:
الرّطب والعنب.
(ورواه) الحافظ أبو عبد الرحمن؛ أحمد بن شعيب (النّسائيّ) نسبة إلى «نسأ» مدينة مثل سبأ، كما قال:
والنّسئيّ نسبة لنسإ مدينة في الوزن مثل سبإ
عنها رضي الله تعالى عنها قالت: لما تزوجني النّبيّ ﷺ عالجوني بكلّ شيء؛ فأطعموني القثّاء بالتّمر، فسمنت عليه كأحسن الشّحم.
(بإبدال التّمر مكان الرّطب)، وإبدال الشّحم مكان السّمنة، وهو من اختلاف الرّواة لاتّحاد المخرج، وعند أبي نعيم في «الطب» عنها أنّ النّبيّ ﷺ أمر أبويها بذلك.
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان رسول الله ﷺ يأكل القثّاء بالرّطب)، وقد مرّ تخريجه قريبا؛ من حديث عبد الله بن جعفر.
ورواه الطّبراني في «الأوسط» بلفظ: رأيت النّبيّ ﷺ في يمينه قثّاء وفي شماله رطب، وهو يأكل من ذا مرّة ومن ذا مرّة، وسنده ضعيف، وقد تقدّم.
(و) كان ﷺ يأكل القثّاء (بالملح)؛ لكونه يدفع ضرره.
قال العراقي: رواه أبو الشّيخ؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، وفيه يحيى بن هاشم! كذّبه ابن معين وغيره، ورواه ابن عدي وفيه عباد بن كثير، متروك. انتهى.
(وكان) ﷺ (أحبّ الفواكه الرّطبة إليه: الرّطب) كذا في «كشف الغمّة» .
وفي «الإحياء» بدل الرّطب البطّيخ، (والعنب) .
قال العراقي: روى أبو نعيم في «الطب النّبوي» من رواية أمية بن زيد العبسي
[ ٢ / ٢٢٩ ]
وكان ﷺ يأكل العنب خرطا؛ يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ.
أنّ النّبيّ ﷺ يحبّ من الفاكهة العنب والبطّيخ. وروى ابن عدي من حديث عائشة:
«فإنّ خير الفاكهة العنب»، وسنده ضعيف. انتهى.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير»، والعقيلي في «الضعفاء»، وأبو بكر الشّافعي في «الغيلانيات»: كلهم؛ من حديث داود بن عبد الجبّار عن أبي الجارود؛ عن حبيب بن يسار عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
(كان) رسول الله (ﷺ يأكل العنب خرطا)، يقال: خرط العنقود واخترطه: إذا وضعه في فيه فأخذ حبّه، وأخرج عرجونه عاريا. وفي رواية- ذكرها ابن الأثير-: خرصا- بالصّاد بدل الطّاء- أي: من غير عدد.
لكن قال أبو جعفر العقيلي- بعد ما روى هذا الحديث في «كتاب الضعفاء والمتروكين» -: لا أصل لهذا الحديث، وداود ليس بثقة، ولا يتابع عليه.
وقال البخاري: داود منكر الحديث. وفي «الميزان» للذّهبي؛ عن النّسائي: إنّه متروك.
وأخرجه البيهقي في «الشّعب» من طريقين؛ ثمّ قال: ليس فيه إسناد قويّ، ورواه ابن عدي من طريق آخر؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
وقال العراقي: طرقه كلّها ضعيفة. وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» .
وأقرّه السّيوطي في «مختصرها»؛ فلم يتعقّبه، إلّا بأنّ الزّين العراقي اقتصر على تضعيفه، لكن قال في «شرح الإحياء»: لم يصب ابن الجوزي في كونه موضوعا، بل هو ضعيف، وقال الزرقاني على «المواهب»: ونوزع بأنّه ضعيف جدّا؛ لا موضوع. والله أعلم.
(يرى رؤاله على لحيته كخرز اللّؤلؤ)، هذه الزّيادة موجودة في «الإحياء»؛
[ ٢ / ٢٣٠ ]
ورؤاله «١»: ماؤه الّذي يتقطّر منه.
وعن الرّبيّع بنت معوّذ ابن عفراء رضي الله تعالى عنها قالت:
بعثني معاذ
ولم يتكلّم عليها شارحه!! ([والرّؤال]) - بالضمّ- (: ماؤه الّذي يتقطّر منه) كما فسّره في «الإحياء» .
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل»؛ (عن الرّبيّع) - براء مضمومة فموحّدة مفتوحة فتحتيّة مكسورة مشدّدة، وآخره عين مهملة على صيغة التصغير-
(بنت معوّذ) - بضمّ الميم وفتح العين المهملة، وكسر الواو وبعدها ذال معجمة؛ على صيغة الفاعل، هذا هو المشهور.
(ابن عفراء) - بعين مهملة مفتوحة، ثمّ فاء ساكنة ثمّ راء ثمّ ألف ممدودة؛ كحمراء- اسم أمه هي عفراء بنت عبيد بن ثعلبة النجاريّة، من صغار الصّحب، وأبوها من أكابرهم قتل يوم بدر، روى له السّتّة.
وعفراء هذه لها خصيصة لا توجد لغيرها، وهي أنّها تزوّجت بعد الحارث البكير بن ياليل اللّيثي، فولدت له أربعة: إياسا وعاقلا وخالدا وعامرا، وكلّهم شهدوا بدرا، وكذلك إخوتهم لأمّهم بنو الحارث، فانتظم من هذا أنّها امرأة صحابيّة لها سبعة أولاد؛ شهدوا كلّهم بدرا مع النّبيّ ﷺ. انتهى؛ ذكره في «الإصابة» .
واشتهر معوّذ باسم أمّه. واسم أبيه: الحارث بن رفاعة بن الحارث بن سواد، ومعوّذ لم يرو له شيء، وهو أحد الّذين قتلوا أبا جهل بن هشام عدو الله يوم بدر.
وأمّا الرّبيّع؛ فهي ممّن بايع رسول الله ﷺ تحت الشجرة بيعة الرّضوان، روى عنها أهل المدينة (رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
بعثني معاذ) بن عفراء، «وهو عمّها»، اشترك هو وأخوه معوّذ بن عفراء في
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: ورؤاله.
[ ٢ / ٢٣١ ]
بقناع من رطب، وعليه أجر من قثّاء زغب.
وكان ﷺ يحبّ القثّاء، فأتيته به وعنده حلية قد قدمت عليه من البحرين،
قتل أبي جهل ببدر، وتمّ أمر قتله على يد ابن مسعود بأن حزّ رقبته وهو مجروح مطروح يتكلّم، حتّى قال له: لقد ارتقيت مرتقى صعبا؛ يا رويعي الغنم.
(بقناع) - بكسر القاف وتخفيف النّون- أي: بطبق يهدى عليه، وسمّي الطبق قناعا!! لأنّه أقنعت أطرافه إلى داخل أي: عطفت. انتهى «مناوي» .
(من رطب) بيان لجنس ما فيه؛ (وعليه) أي: على ذلك القناع (أجر) - بفتح الهمزة وسكون الجيم وكسر الرّاء منوّنة-؛ جمع جر وبتثليث أوّله- وهو الصّغير من كلّ شيء؛ حيوانا كان أو غيره-.
(من قثّاء) - بمثلّثة مشدّدة- (زغب) - بضمّ الزّاي وسكون المعجمة-: جمع أزغب، كأحمر وحمر، من الزّغب- بالفتح-: صغار الرّيش أوّل ما يطلع نبته، وصف به القثّاء تشبيها لزبره الّذي هو عليه بالرّيش الصّغير، روي مرفوعا على أنّه صفة لأجر، ومجرورا على أنّه صفة لقثّاء، قال شارح «» «١»: والأوّل أظهر.
قال الزّمخشري عن بعضهم: كنت أمرّ في بعض طرقات المدينة فإذا أنا بحمّال على رأسه طن، فقال: أعطني ذلك الجرو، فتبصّرت فلم أر كلبا؛ ولا جروا!! فقلت: ما هنا جرو، فقال: أنت عراقيّ، أعطني تلك القثّاءة.
(وكان ﷺ يحبّ القثّاء)، أي: مع الرّطب، كما يؤيّده ما سبق من جمعه ﷺ بينهما، (فأتيته به)، أي: بالقثّاء، (وعنده حلية)، أي: والحال أنّ عنده حلية- بكسر أو فتح فسكون-: اسم لما يتزيّن به من نقد وغيره.
(قد قدمت عليه) - بكسر الدّال؛ كعلمت، أي: وصلت إليه تلك الحلية- (من) خراج (البحرين) على لفظ التّثنية: إقليم بين البصرة وعمان، وهو من بلاد
_________________
(١) هكذا في الأصل.
[ ٢ / ٢٣٢ ]
فملأ يده منها، فأعطانيه.
قوله (أجر) - جمع جرو- وهو: الصّغير من كلّ شيء. وهنا:
الصّغير من القثّاء.
وكان رسول الله ﷺ إذا أتي بباكورة الثّمرة
نجد، ويعرب إعراب المثنّى، ويجوز أن تجعل النّون محل الإعراب مع لزوم الياء مطلقا؛ وهي لغة مشهورة، واقتصر عليها الأزهري؛ لأّنه صار علما مفرد الدّلالة؛ فأشبه المفردات، والنّسبة إليه بحرانيّ.
(فملأ يده)، أي: إحدى يديه؛ لا كلتا يديه، ولو أريد ذلك لقيل يديه، فالحمل على اليدين معا بعيد. (منها)؛ أي: من تلك الحلية، (فأعطانيه)، أي: لعظيم سخائه ﷺ وفيه كمال المناسبة، فإنّ الأنثى يليق بها الحلية.
(قوله: أجر) - بفتح الهمزة فسكون الجيم فراء منوّن مكسورة: (جمع جرو) مثلّث الجيم- (وهو الصّغير من كلّ شيء) حتى الحنظل والبطّيخ ونحوه.
(و) المراد (هنا الصّغير من القثّاء)، وقيل: الرّمّان، وقيل: المراد هنا القثّاء مطلقا.
(و) أخرج ابن السّنّي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، والحكيم التّرمذي في «نوادر الأصول»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه، والطّبراني في «الكبير» و«الصغير»؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما- ورجال «الصغير» رجال الصّحيح؛ كما قاله الهيثمي-:
(كان رسول الله ﷺ إذا أتي) - بالبناء للمجهول- أي: جيء له (بباكورة الثّمرة) - بالثّاء المثلّثة- أي: أوّل ما يدرك من الفاكهة بحيث يصلح للأكل منها، قال أبو حاتم: الباكورة، هي أوّل كلّ فاكهة، ما عجل الإخراج. وابتكرت
[ ٢ / ٢٣٣ ]
وضعها على عينيه، ثمّ على شفتيه، وقال: «اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله.. فأرنا آخره»، ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر
الفاكهة: أكلت باكورتها، ونخلة باكورة، وباكور، وبكور: أثمرات قبل غيرها؛ قاله المناوي.
(وضعها على عينيه ثمّ على شفتيه)؛ جبرا لخاطر من أتى بها، وسرورا بها لقرب عهدها بتكوين الله تعالى، كما كان يخرج يغتسل من ماء المطر، ويقول:
«إنّه قريب عهد بربّه»، أي: بتكوينه.
(وقال) في دعائه: («اللهمّ؛ كما أريتنا أوّله فأرنا آخره»)، أي: فأبقنا حتّى نرى آخره، وكان القياس أوّلها وآخرها، لكنه ذكره على إرادة النّوع، فيسنّ لنا قول ذلك الذّكر.
(ثمّ يعطيه من يكون عنده من الصّبيان)؛ إيثارا على نفسه، وهو سيّد من يؤثر على نفسه!! وخصّ الصّبيان بالإعطاء! لكونهم أرغب فيه، ولكثرة تطلّعهم إلى ذلك، ولما بينهما من المناسبة في حداثة الانفصال عن الغيب.
فإن لم يكن عنده صبيان حينئذ احتمل أنّه يعطيه نحو الرّجال، وأن يدّخره للصّبيان إلى أن يأتوا، واحتمل أن يأكله؛ والله أعلم.
(و) أخرج مسلم في «صحيحه»، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»، والنّسائي، وابن ماجه، وابن السّنّي في «عمل اليوم والليلة» بألفاظ مختلفة بالزّيادة والنّقص- وهذا لفظ «الشّمائل» - كلّهم يروونه؛
(عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان النّاس إذا رأوا أوّل الثّمر) - بالثّاء المثلّثة والميم المفتوحتين- ويسمّى الباكورة، أي: باكورة كلّ فاكهة.
قال ابن علّان: وظاهر أنّ المراد منه ثمر النّخل؛ لأنّه الّذي كان حينئذ بالمدينة.
[ ٢ / ٢٣٤ ]
جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ.. قال: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا، [وبارك لنا في مدينتنا]، وبارك لنا في صاعنا، وفي مدّنا
(جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ)؛ إيثارا له على أنفسهم حبّا له وتعظيما لجنابه، ونظرا إلى أنه أولى النّاس بما سيق إليهم من الرّزق.
قال العلماء: كانوا يفعلون ذلك رغبة في دعائه ﷺ بالبركة في الثّمر والمدينة والصاع والمدّ، وطلبا لمزيد استدرار بركته فيما تجدّد عليهم من النّعم؛ وفي الحديث: أنّه يستحبّ الإتيان بالباكورة لأكبر القوم علما وعملا.
(فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال) مستقبلا للنّعمة المجددة بالتضرّع والمسألة والتوجّه والإقبال التّام إلى المنعم الحقيقي؛ طلبا لمزيد الإنعام، على وجه يعمّ الخاصّ والعامّ (: «اللهمّ؛ بارك لنا في ثمارنا) أي: زد فيها الخير بالنّموّ والحفظ من الآفات.
([وبارك لنا في مدينتنا]) بكثرة الأرزاق وبقائها على أصلها وإقامة شعائر الإسلام، وإظهاره على غاية لا توجد في غيرها، (وبارك لنا في صاعنا، و) بارك لنا (في مدّنا) - بضمّ الميم وتشديد الدّال المهملة- بحيث يكفي صاعنا ومدّنا من لا يكفيه صاع غيرنا ومدّه.
فالمراد به الطّعام الّذي يكال بالصّيعان والأمداد، فيكون دعاء لهم بالبركة في أقواتهم.
قال القاضي عياض: البركة تكون:
١- بمعنى النّماء والزّيادة، وتكون بمعنى الثّبات واللّزوم.
و٢- يحتمل أن تكون البركة المذكورة في الحديث دينيّة؛ وهي ما يتعلّق بهذه المقادير من حقوق الله تعالى في الزّكاة والكفّارات. فتكون بمعنى الثّبات والبقاء لها؛ كبقاء الحكم ببقاء الشّريعة وثباتها.
[ ٢ / ٢٣٥ ]
و٣- يحتمل أن تكون دنيويّة من تكثير الكيل والقدر بها، حتى يكفي منه في المدينة ما لا يكفي منه في غيرها.
أو ١- ترجع البركة إلى التصرّف بها في التجارات وأرباحها.
أو ٢- إلى كثرة ما يكال بها من غلّاتها وثمارها، أو ترجع إلى الزّيادة فيما يكال بها؛ لاتساع عيشهم وكثرته بعد ضيقه، لما فتح الله عليهم ووسّع من فضله لهم، وملّكهم من بلاد الخصب والرّيف بالشّام والعراق ومصر وغيرها، حتّى كثر الحمل إلى المدينة واتّسع عيشهم، وصارت هذه البركة في الكيل نفسه، فزاد مدّهم مثل مدّ النّبيّ ﷺ مرّتين أو مرّة ونصفا.
ولا مانع من إرادة إحاطة البركة بالكلّ، وفي هذا كلّه ظهور إجابة دعاء النّبيّ ﷺ وقبوله.
واختار النّووي من تلك التوجيهات: البركة في نفس مكيل المدينة، بحيث يكفي المدّ فيها لمن لا يكفيه في غيرها كما تقدّم.
وقال القرطبي: إذا وجدت البركة فيها في وقت حصلت إجابة الدّعوة، ولا يلزم دوامها في كلّ حين ولكلّ شخص. انتهى. ذكره في «جمع الوسائل» .
وقدّم الثّمار في الدّعاء!! قضاء لحق المقام، إذ هو مستدع لذلك، ثمّ ذكر الصّاع والمدّ؛ اهتماما بشأنهما؛ ففي كلامه إجمال بعد تفصيل، وتفصيل بعد إجمال، وهو من اللّطائف.
والصّاع: مكيال معروف، وصاع المصطفى ﷺ الّذي بالمدينة المشار إليه هنا: أربعة أمداد، وذلك خمسة أرطال وثلث بالبغدادي.
وأمّا قول أبي حنيفة بأنّه ثمانية أرطال! فهو ممنوع بأنّ الزيادة عرف طارىء على عرف الشّرع، ولذلك لما اجتمع أبو يوسف بمالك رضي الله تعالى عنه بالمدينة المنورة حين حجّ مع الرّشيد، فقال أبو يوسف: الصّاع ثمانية أرطال. فقال
[ ٢ / ٢٣٦ ]
اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك، وإنّي عبدك، ونبيّك، وإنّه دعاك لمكّة، وإنّي أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه» .
قال: ثمّ يدعو أصغر وليد يراه فيعطيه ذلك الثّمر.
مالك: صاع المصطفى ﷺ خمسة أرطال وثلث، فأحضر مالك جماعة شهدوا بقوله، فرجع أبو يوسف عن قوله.
والمدّ: رطل وثلث، فهو ربع صاع؛ قاله المناوي.
(اللهمّ؛ إنّ إبراهيم عبدك، وخليلك، ونبيّك)، والغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّة أبيه إبراهيم وخلّته ونبوّته؛ (وإنّي عبدك، ونبيّك)، الغرض من ذلك التوسّل في قبول دعائه بعبوديّته ونبوّته.
وقدّم الأولى! لأّنّه لا شرف أعلى منها ولم يقل «وخليلك» وإن كان خليلا؛ كما ورد في عدّة أخبار!! لأنّه خصّ بمقام المحبّة الأرفع من مقام الخلّة، أو أدبا مع أبيه الخليل، مع كونه أشار إلى تميّزه عليه بقوله: «ومثله معه» ! على أنّ إبراهيم لم يبتد حرمة مكة بل أظهرها، وأمّا نبيّنا؛ فأوجد حرمة المدينة، إذ لم يكن بها قبل دعائه وحلوله بها ذلك الاحترام، وشتّان بين من كان سببا لإظهار موجود لكنّه كامن خفي، ومن كان سببا لإنشاء تعظيم وتحريم!!
(وإنّه دعاك لمكّة) بقوله فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ [٣٧/ إبراهيم] فاكتفى ﷺ بدعاء إبراهيم لها ولم يدع لها مع كونها وطنه.
(وإنّي أدعوك للمدينة) المنوّرة (بمثل ما دعاك به لمكّة ومثله معه)، أي:
مثل ذلك المثل، أي: أدعوك ضعف ما دعاك به إبراهيم لمكّة.
(قال) أي أبو هريرة (: ثمّ يدعو)، أي: ينادي (أصغر وليد يراه)، أي:
أصغر مولود يراه من أهل بيته؛ إن صادفه، وإلّا فمن غيرهم، (فيعطيه)، أي: فيعطي ذلك الوليد (ذلك الثّمر) الذي هو الباكورة لكثرة رغبة الولدان وشدّة تطلّعهم لها.
[ ٢ / ٢٣٧ ]
قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة، والحبيب للمدينة، فصار يجبى إليهما من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء.
وإنّما لم يأكل ﷺ منه!! إشارة إلى أنّ النّفوس الزكية والأخلاق المرضيّة لا تتشوّف إلى شيء من أنواع الباكورة؛ إلّا بعد عموم الوجود، فيقدر كلّ أحد على تحصيله.
وفيه ١- أن الآخذ للباكورة يسنّ أن يدعو بهذا الدّعاء.
و٢- أنّ وقت رؤية الباكورة مظنّة إجابة الدّعاء.
(قال العلماء: وقد استجيبت دعوة الخليل لمكّة) المكرمة في قوله:
فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ (٣٧) [إبراهيم] يعني: وارزقهم من الثّمرات بأن تجلب إليهم من البلاد الشّاسعة لعلّهم يشكرون النّعمة؛ في أن يرزقوا أنواع الثّمرات حاضرة في واد ليس لهم فيه نجم «١» ولا شجر؛ ولا ماء.
ولا جرم أنّ الله أجاب دعوته وجعله كما أخبر عنه بقوله أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبى إِلَيْهِ ثَمَراتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٥٧) [القصص]:
(و) استجيبت دعوة (الحبيب) الأعظم ﷺ (للمدينة) المنورة بأنواره ﷺ، وضوعف خيرها؛ (فصار يجبى إليهما)، أي: إلى مكّة والمدينة من زمن الخلفاء الراشدين (من مشارق الأرض ومغاربها ثمرات كلّ شيء) .
وزاد عليها- استجابة لقوله: «ومثله معه» - شيئان:
أحدهما: في ابتداء الأمر؛ وهو كنوز كسرى وقيصر وغيرهما؛ وإنفاقهما في سبيل الله على أهلها.
وثانيهما: في آخر الأمر؛ وهو أنّ الإيمان يأرز إليها من الأقطار.
_________________
(١) ما يقابل الشجر من النبات. وهو كل ما كان صغيرا منه.
[ ٢ / ٢٣٨ ]
وكان ﵊ يأكل من فاكهة بلده عند مجيئها، ولا يحتمي عنها.
فائدة: قال القسطلّانيّ: وهذا من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله ﷾ بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية، وقلّ من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم؛ إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة.
فمن أكل منها ما ينبغي، في الوقت الّذي ينبغي، على الوجه الّذي ينبغي.. كان له دواء نافعا.
(و) في «المواهب»: (كان ﵊ يأكل من فاكهة بلده)، أي: ما يتجدّد منها؛ كخوخ ورمّان في أوانهما، لا بمعناها اللّغوي؛ وهو:
ما يتنعّم بأكله رطبا كان أو يابسا؛ كلوز وبندق يابسين، بدليل قوله (عند مجيئها) أي: وجودها وظهورها، (ولا يحتمي): يمتنع (عنها) ﷺ.
(فائدة) تقدّم الكلام عليها: (قال) العلّامة (القسطلّانيّ) في «المواهب»:
(وهذا) أي: الأكل من فاكهة بلده عند مجيئها (من أكبر أسباب الصّحّة، فإنّ الله ﷾ بحكمته جعل في كلّ بلد من الفاكهة ما ينتفع به أهلها في وقته، فيكون تناوله من أسباب صحّتهم وعافيتهم، ويغني عن كثير من الأدوية،
وقلّ) - بمعنى النّفي الصّرف- أي: انتفت الصّحّة عن (من احتمى عن فاكهة بلده خشية السّقم)، فلا يوجد أحد منهم (إلّا وهو من أسقم النّاس جسما، وأبعدهم عن الصّحّة والقوّة) . وليس المراد أن المحتمّين المصابين بالسّقم قليل.
(فمن أكل منها ما ينبغي؛ في الوقت الّذي ينبغي؛ على الوجه الّذي ينبغي؛ كان له دواء نافعا) .
[ ٢ / ٢٣٩ ]
يؤخذ منه أنّ ما يجلب من الفاكهة؛ كتفّاح من الشّام إلى مصر، لا ينبغي تناوله إلّا بعد معرفة أنّه مما ينبغي تناوله ذلك الوقت، إذ ليس من فاكهة بلده، وجاز أنّ فيه خواصّ تليق بأكله في محلّه؛ دون ما جلب له.
خاتمة: روى ابن السّنّي وأبو نعيم؛ عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه:
أهدي له ﷺ طبق من تين، فقال: «كلوا، فلو قلت «إنّ فاكهة نزلت من الجنّة بلا عجم»؛ لقلت: هي التّين»، وأنّه يذهب بالبواسير وينفع من النّقرس.
ولأحمد أنّه ﷺ دخل بيت سعد بن عبادة؛ فقرب إليه زبيبا فأكل.
وللطّبراني: أتي النّبيّ ﷺ بسفر جلة من الطّائف، فقال: «كلوه؛ فإنّه يذهب بطخاوة القلب، ويجلو الفؤاد، ويذهب طخاء الصّدر» .
ولابن حبان: أتي رسول الله ﷺ برمّان؛ يوم عرفة فأكل.
وللخطيب؛ عن البراء: رأيت رسول الله ﷺ يأكل توتا في قصعة؛ ذكره الزرقانيّ في «شرح «المواهب اللّدنيّة» للقسطلّاني» رحمهم الله تعالى أجمعين.
آمين.
[ ٢ / ٢٤٠ ]
[الفصل الخامس في صفة شرابه ﷺ وقدحه]
الفصل الخامس في صفة شرابه ﷺ وقدحه عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها قالت: كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد.
(الفصل الخامس:) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد من الأخبار في (صفة شرابه) ﷺ، والشّراب: ما يشرب من المائعات، يقال: شربت الماء وغيره؛ شربا- بتثليث الشّين لكنّه بالفتح مصدر قياسيّ، وبالضّمّ والكسر مصدران سماعيّان، خلافا لمن جعلهما اسمي مصدر-.
وفي هذا الفصل بيان الأحاديث الّتي فيها كيفية شربه (ﷺ) .
قال في «المصباح»: الشّرب: مخصوص بالمصّ حقيقة، ويطلق على غيره مجازا.
(و) في بيان الأخبار الواردة في (قدحه) ﷺ.
والقدح- بفتحتين-: ما يشرب فيه، وهو إناء لا صغير ولا كبير، وجمعه أقداح؛ كسبب وأسباب.
وكان له ﷺ قدح يسمّى الرّيان، وآخر يسمّى مغيثا، وقدح مضبّب بسلسلة من فضّة في ثلاثة مواضع، وآخر من زجاج، وآخر من عيدان- بفتح العين المهملة- والعيدانة: النّخلة السّحوق، وهو الّذي كان يوضع تحت سريره ليبول فيه باللّيل.
وقد تقدّم (عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان أحبّ الشّراب إلى رسول الله ﷺ الحلو البارد)؛ برفع «أحبّ» على أنّه
[ ٢ / ٢٤١ ]
اسم «كان»، ونصب «الحلو البارد» على أنّه خبرها، وقيل: بالعكس.
أخرجه الإمام أحمد والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل» في «الأشربة»؛ عن عائشة، والحاكم في «الأطعمة»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أيضا.
وتعقّبه الذّهبيّ بأنّه من رواية عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة عن هشام، عن أبيه، عن عائشة. وعبد الله هالك! فالصّحيح إرساله. انتهى.
ولذا قال التّرمذيّ في «جامعه»: والصحيح ما روي عن الزّهري عن النّبيّ ﷺ مرسلا؛ ثمّ يحتمل أن تريد عائشة ب «الحلو البارد»: الماء الحلو العذب؛ كالعيون والآبار الحلوة، فإنّه كان يستعذب له الماء، ويحتمل أن تريد به الماء الممزوج بالعسل، أو الذي ينقع فيه التّمر أو الزّبيب.
قال ابن القيّم: والأظهر أنّه يعمّ الثّلاثة جميعا، لأنّه يصدق على الكلّ أنّه ماء حلو.
وكان ﷺ ينبذ له أوّل اللّيل ويشربه إذا أصبح يومه ذلك واللّيلة التي تجيء والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء سقاه الخادم؛ أو أمر به فصبّ. رواه مسلم.
وهذا النّبيذ هو: ماء حلو يطرح فيه تمر يحلّيه، وله نفع عظيم في زيادة القوّة، ولم يكن يشربه بعد ثلاث؛ خوفا من تغيره إلى الإسكار.
فإن لم يتغيّر سقاه الخادم، وإلّا صبّه.
ولا يشكل بأنّ اللّبن كان أحبّ إليه!! لأنّ الكلام في شراب هو ماء؛ أو فيه ماء.
وأمّا حديث عائشة: كان أحبّ الشّراب إليه العسل. رواه ابن السّنّي وأبو نعيم في «الطب»؟! فالمراد: الممزوج بالماء، كما يأتي في الرواية الّتي بعد هذا.
وروى الإمام أحمد: سئل رسول الله ﷺ: أيّ الشّراب أطيب؟ قال: «الحلو البارد»، فإذا جمع الماء الوصفين المذكورين- وهما الحلاوة والبرودة- حفظ
[ ٢ / ٢٤٢ ]
وكان رسول الله ﷺ يشرب العسل الممزوج بالماء البارد.
الصّحّة، ونفع الأرواح والقوى، والكبد والقلب، وقمع الحرارة وحفظ على البدن رطوباته الأصليّة، وردّ إليه ما تحلّل منها، ورقّق الغذاء ونفّذه إلى العروق.
والماء الملح؛ أو السّاخن يفعل ضدّ هذه الأشياء، وتبريد الماء وتحليته لا ينافي كمال الزّهد!! لأنّ فيه مزيد الشّهود لنعم الله تعالى، وإخلاص الشّكر له، ولذلك كان سيّدي أبو الحسن الشّاذلي يقول: إذا شربت الماء الحلو أحمد ربّي من وسط قلبي. وليس في شرب الماء الملح فضيلة.
ويكره تطييبه بنحو مسك كتطييب الماكل، ولذلك كان ﷺ يستعمل أنفس الشّراب؛ لا أنفس الطّعام غالبا، وكان ﷺ يستعذب له الماء من بيوت صحبه، أي: يطلب له الماء العذب من بيوتهم.
(و) في «المواهب»: (كان رسول الله ﷺ يشرب العسل): النحل، إذ هو المراد لغة وطبّا. وفي «القاموس» العسل- محرّكة-: لعاب النّحل.
(الممزوج بالماء البارد) .
وقال ابن القيّم: وفي هذا من حفظ الصّحّة ما لا يهتدي إلى معرفته إلّا أفاضل الأطبّاء، لما فيه من التّعديل، فإنّ شرب العسل ولعقه على الريق يزيل البلغم، ويغسل خمل المعدة، ويجلو لزوجتها «١»، ويدفع عنها الفضلات، ويسخّنها باعتدال، ويفتح سددها «٢»، والماء البارد رطب يقمع الحرارة ويحفظ البدن، فجمعه مع العسل غاية في التّعديل. وإنّما يضرّ بالعرض لصاحب الصّفراء!! لحدّته وحدّة الصّفراء، فربّما هيّجها، فدفع ضرره لصاحبها بالخلّ.
قال في «العارضة»: كان يشرب الماء البارد ممزوجا بالعسل، فيكون حلوا باردا، وكان يشرب اللّبن، ويصبّ عليه الماء حتّى يبرد أسفله.
_________________
(١) شيء كالدهن يتربى على فم المعدة.
(٢) بضم السين المهملة جمع سدة؛ كغرفة وغرف، وهي الحاجز بين الشيئين.
[ ٢ / ٢٤٣ ]
وعن جابر: أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار- ومعه صاحب له- فسلّم، فردّ الرّجل وهو يحوّل الماء في حائطه، فقال ﷺ: «إن كان عندك ماء بات في شنّة، وإلّا.. كرعنا»،
وقال في «العارضة» أيضا: العسل واللّبن مشروبان عظيمان، سيّما لبن الإبل «١»، فإنّها تأكل من كلّ الشّجر، وكذا النّحل لا تبقي نورا إلا أكلت منه، فهما مركبان من أشجار مختلفة، وأنواع من النّبات متباينة، فكأنّهما شرابان مطبوخان مصعدان، ولو اجتمع الأوّلون والآخرون على أن يركّبوا شيئين منهما لما أمكن، فسبحان جامعهما. انتهى نقله المناوي والزرقاني.
(و) أخرج البخاري في موضعين في «الأشربة»، وأبو داود وابن ماجه في «الأشربة» أيضا؛ (عن جابر) بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما (أنّه ﷺ دخل على رجل من الأنصار) بستانه، وهو أبو الهيثم بن التّيّهان- جزم به الحافظ ابن حجر في «المقدمة»، ومرّضه «٢» في «الشرح»، لأنّ راويه الواقديّ، وهو متروك-.
(ومعه صاحب له) أبو بكر الصدّيق رضي الله تعالى عنه (فسلّم)، أي: النّبيّ ﷺ وصاحبه- كما في رواية، أي: وسلّم صاحبه- على الرّجل، (فردّ الرّجل) السّلام عليهما- زاد في رواية للبخاري: وقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمّي- وهي ساعة حارة.
(وهو) - في رواية: والرجل- (يحوّل الماء في حائطه)، أي: ينقله من عمق البئر إلى ظاهرها، أو يجري الماء من جانب إلى جانب من بستانه؛ ليعمّ أشجاره بالسّقي.
(فقال ﷺ) للرجل (: «إن كان عندك ماء بات في شنّة) - بفتح الشّين المعجمة والنّون المشدّدة، وتاء تأنيث-: قربة خلق، وجواب الشّرط محذوف- صرّح به في رواية ابن ماجه، فقال-: فاسقنا منه، (وإلّا) يكن عندك (كرعنا»)، - بفتح
_________________
(١) لعلها: البقر والله أعلم.
(٢) ضعّفه أو شكك في صحته.
[ ٢ / ٢٤٤ ]
فقال: عندي ماء بات في شنّ، فانطلق إلى العريش فسكب في قدح ماء، ثمّ حلب عليه من داجن [له]؛ فشرب ﵊.
الكاف والرّاء؛ وتكسر- أي: شربنا من غير إناء ولا كفّ؛ بل بالفم.
(فقال: عندي ماء بات في شنّ)، قال الجوهري: الشّن والشّنة: القربة الخلق، وقال الدّاودي: هي الّتي زال شعرها من البلى.
(فانطلق) - بفتحات- أي: النّبيّ ﷺ وصاحبه مع الرّجل بطلبه (إلى العريش) الموضع المسقف من البستان بالأغصان، وأكثر ما يكون في الكروم؛ وعليه عشب وثمام- وفي رواية للبخاري: فانطلق بكسر اللّام وإسكان القاف فانطلق بهما- (فسكب) أي: الرّجل (في قدح ماء، ثمّ حلب عليه) لبنا (من داجن [له]) - بجيم ونون-: شاة تألف البيوت، كما سيأتي للمصنف.
(فشرب ﵊)، ثمّ شرب الرّجل الذي جاء معه.
وفي رواية أحمد: وشرب النّبيّ ﷺ وسقى صاحبه، قال الحافظ ابن حجر:
وظاهره أنّه شرب فضلة النّبيّ ﷺ. لكن في رواية لأحمد أيضا وابن ماجه: ثمّ سقاه، ثمّ صنع لصاحبه مثل ذلك، أي: حلب له أيضا، وسكب عليه من الماء البائت؛ هذا هو الظّاهر، ويحتمل أنّ المثليّة في مطلق الشّراب. انتهى.
وعورض هذا الحديث بما أخرجه ابن ماجه؛ عن ابن عمر: مررنا على بركة، فجعلنا نكرع فيها، فقال ﷺ: «لا تكرعوا، ولكن اغسلوا أيديكم ثمّ اشربوا بها..» الحديث. وفي سنده ضعف، فإن كان محفوظا!! فالنّهي فيه للتّنزيه.
وقوله: وإلّا كرعنا!! لبيان الجواز، أو كان قبل النّهي، أو النّهي في غير حال الضّرورة، وهذا الفعل كان لضرورة شرب الماء الّذي ليس ببارد، فشرب بالكرع لضرورة العطش؛ لئلّا تكرهه نفسه إذا تكررت الجرع، فقد لا يبلغ الغرض من الرّي. أشار إلى هذا الأخير ابن بطّال.
وإنّما قيل للشّرب بالفم كرع!! لأنّه فعل البهائم لشربها بأفواهها، والغالب أنّها
[ ٢ / ٢٤٥ ]
و(الشّنّ): الجلد البالي. و(الدّاجن): ما يألف البيوت من الشّياه ونحوها.
وكان رسول الله ﷺ إذا استنّ.. أعطى السّواك الأكبر،
تدخل أكارعها حينئذ. وعند ابن ماجه من وجه آخر؛ عن ابن عمر: نهانا رسول الله ﷺ أن نشرب على بطوننا؛ وهو الكرع. وسنده ضعيف أيضا.
فإن ثبت! احتمل أنّ النّهي خاصّ بهذه الصّورة، وهي أن يكون الشّارب منبطحا على بطنه، ويحمل حديث جابر على الشّرب بالفم من مكان عال لا يحتاج إلى الانبطاح. انتهى «زرقاني» .
(والشّنّ): - جمعه شنان؛ مثل سهم وسهام- هو (الجلد البالي.
(و) أمّا (الدّاجن) - بالدال المهملة والجيم المكسورة، وآخره نون؛ بوزن العاجن- فهي (: ما يألف البيوت من الشّياه) والدّجاج والحمام، (ونحوها) - والجمع دواجن.
(و) أخرج الحكيم الترمذي في «نوادر الأصول»؛ عن عبد الله بن كعب بن مالك السّلمي- قال في «التقريب»: يقال له رؤية؛ ولا رواية له اتفاقا، فالحديث مرسل. قال في العزيزي: وهو حديث حسن-:
(كان رسول الله ﷺ إذا استنّ)؛ أي: تسوّك، أي: استعمل السّواك في أسنانه- من السّنّ؛ وهو إمرار شيء فيه خشونة على آخر، ومنه المسنّ- (أعطى السّواك الأكبر)، الظّاهر أنّ المراد به: الأفضل، ويحتمل الأسنّ، أي: ناوله بعد تسوّكه به إلى أكبر القوم الحاضرين لأنّه توقير له، فيندب تقديم الأكبر في السّواك وغيره من سائر وجوه الإكرام والتّوقير، وفيه حلّ الاستياك بحضرة الغير؛ قاله المناوي.
وفي العزيزي: قال الشّيخ: وهذا يشعر بجواز دفع السّواك للغير، لكن ينبغي حمله على جواز بكراهة في شأن غير الشّارع، على أنّه كان يفعل مثل ذلك لبيان الجواز فلا ينافي حينئذ كراهة الاستياك بسواك الغير. انتهى.
[ ٢ / ٢٤٦ ]
وإذا شرب.. أعطى الّذي عن يمينه.
وكان ﷺ يمصّ الماء مصّا، ولا يعبّ عبّا.
وفي الحفني قوله: أعطى السّواك الأكبر، أي: أكبر الحاضرين؛ وإن لم يكن على يمينه، بخلاف الأكل والشّرب، فيسنّ البدء بمن على اليمين؛ ولو صغيرا ومفضولا.
ويؤخذ من هذا الحديث عدم كراهة الاستياك بسواك الغير إذا كان بإذنه، وهو كذلك، ففي «شرح محمد رملي»: ولا يكره سواك غيره بإذنه، ويحرم بدونه؛ إن لم يعلم رضاه به. انتهى.
قال علي الشّبراملسي: «قوله ولا يكره»؛ أي: لكنّه خلاف الأولى إلّا للتّبرّك، كما فعلته عائشة رضي الله تعالى عنها. انتهى.
(وإذا شرب) ماء؛ أو لبنا (أعطى الّذي عن يمينه)؛ ولو مفضولا صغيرا- كما مرّ-.
قال ابن حجر: وظاهر تخصيص الشّراب أنّ ذلك لا يجري في الأكل، لكن وقع في حديث أنس خلافه. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ يمصّ الماء) - بضمّ الميم وفتحها، ومنهم من يقتصر عليه- (مصّا) - مصدر مؤكّد لما قبله- أي: يأخذه في مهلة ويشربه شربا رفيقا.
(ولا يعبّ) - بضمّ العين- (عبّا)، أي: لا يشرب بكثرة من غير تنفّس.
روى البغوي، والطّبراني، وابن عدي، وابن قانع، وابن منده، وأبو نعيم في «الصحابة»، وابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطّب»؛ من حديث بهز: كان يستاك عرضا، ويشرب مصّا. وأسانيده كلّها ضعيفة مضطربة.
وروى الطّبراني؛ من حديث أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها:
كان يبدأ بالشّراب إذا كان صائما، وكان لا يعبّ فيشرب مرّتين أو ثلاثا.
[ ٢ / ٢٤٧ ]
وكان يدفع فضل سؤره إلى من على يمينه، فإن كان من على يساره أجلّ رتبة.. قال للّذي على يمينه: «السّنّة أن تعطى، فإن أحببت..
آثرتهم» .
ولأبي الشّيخ؛ من حديث ميمونة: لا يعبّ ولا يلهث. وكلّها ضعيفة.
وروى سعيد بن منصور، وابن السّنّي، وأبو نعيم في «الطّب»، والبيهقي في «الشّعب»؛ من مرسل ابن أبي حسين: «إذا شرب أحدكم فليمصّ مصّا، ولا يعبّ عبّا، فإنّ الكباد من العبّ» . وروى أبو داود في «مراسيله»؛ عن عطاء ابن أبي رباح: «إذا شربتم فاشربوا مصّا، وإذا استكتم فاستاكوا عرضا» .
وروى الدّيلمي من حديث علي: «إذا شربتم الماء فاشربوه مصّا، ولا تشربوه عبّا، فإنّ العبّ يورث الكباد» .
والكباد- بضمّ الكاف وتخفيف الباء-: وجع الكبد، لأنّ مجمع العروق عند الكبد، ومنه ينقسم إلى العروق ويتولّد منه السّدد فيقوى البلغم؛ فيورث كسلا عن القيام والعبادة، وهذا من محاسن حكمته ﵊.
قال ابن القيّم: وقد علم بالتجربة أنّ هجوم الماء دفعة واحدة يؤلم الكبد ويضعف حرارتها، بخلاف وروده بالتدريج، ألا ترى أنّ صبّ الماء البارد على القدر وهي تفور يضرّ، وبالتدريج لا. انتهى.
(وكان) ﷺ (يدفع فضل سؤره)؛ أي: ما بقي من الشراب (إلى من على يمينه) .
قال العراقي: متفق عليه من حديث أنس رضي الله تعالى عنه.
ومن ثم قال ﷺ: «الأيمن فالأيمن» أو «الأيمنون فالأيمنون» .
واستفيد منه تقديم الأيمن ندبا؛ ولو صغيرا مفضولا.
(فإن كان من على يساره أجلّ رتبة! قال) النّبيّ ﷺ (للّذي على يمينه:
«السّنّة أن تعطى) - بفتح الطّاء المهملة؛ مبنيا للمجهول- (فإن أحببت آثرتهم») - بفتح التّاء- قال العراقي: متّفق عليه؛ من حديث سهل بن سعد. انتهى.
[ ٢ / ٢٤٨ ]
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: دخلت مع رسول الله ﷺ أنا وخالد بن الوليد
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل» - وقال التّرمذيّ: هذا حديث حسن- وابن ماجه، وفي ألفاظهم اختلاف بالزّيادة والنّقص- وهذا لفظ «الشّمائل» -؛ كلهم
(عن) عبد الله (ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
دخلت مع رسول الله ﷺ أنا) - ضمير منفصل مؤكّد، أتى به لأجل العطف، كما قال ابن مالك في «الخلاصة»:
وإن على ضمير رفع متّصل عطفت فافصل بالضّمير المنفصل
(وخالد بن الوليد) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب، القرشي المخزومي.
أبو سليمان- وقيل: أبو الوليد- سيف الله.
أمّه لبابة الصّغرى بنت الحارث «أخت ميمونة: أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها»؛ ولبابة الكبرى امرأة العبّاس.
أسلم بعد الحديبية، وكانت الحديبية في ذي القعدة سنة: ستّ من الهجرة.
وشهد غزوة مؤتة، وسمّاه النّبيّ ﷺ يومئذ «سيف الله»، وشهد خيبر وفتح مكّة وحنينا. روي له عن رسول الله ﷺ ثمانية عشر حديثا اتفق البخاري ومسلم على حديث.
روى عنه ابن عبّاس، وجابر، والمقدام بن معدي كرب، وأبو أمامة بن سهل؛ الصّحابيّون رضي الله تعالى عنهم.
وروى عنه من التّابعين: قيس بن أبي حازم، وأبو وائل، وغيرهما.
وكان من المشهورين بالشّجاعة والشّرف والرّياسة، وممّن يوزن بألف من الرّجال:
[ ٢ / ٢٤٩ ]
على ميمونة،
ممّن بألف يوزن: المقداد خارجة، عبادة الآساد
كذا زبير، وعليّ منهم وخالد في العدّ أيضا معهم
وله الآثار العظيمة المشهورة في قتال المرتدّين باليمامة، وفي قتال الرّوم بالشّام، والفرس بالعراق، وافتتح دمشق.
ولما حضرته الوفاة؛ قال: لقد شهدت مائة زحف أو نحوها، وما في بدني موضع شبر؛ إلّا وفيه ضربة أو طعنة أو رمية، وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء، وما لي من عمل أرجى من «لا إله إلّا الله»؛ وأنا متترّس بها.
وتوفي في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما سنة: إحدى وعشرين هجرية بحمص، وقبره مشهور على نحو ميل من حمص «١»، وحزن عليه عمر والمسلمون حزنا شديدا رضي الله تعالى عنه وعنهم، وعن أصحاب رسول الله ﷺ أجمعين.
(على) أمّ المؤمنين (ميمونة) بنت الحارث بن حزن الهلالية العامريّة، تزوّجها النّبيّ ﷺ بمكّة سنة ستّ، وقيل: سنة سبع، وبنى بها «٢» في سرف- بسين مهملة مفتوحة، ثمّ راء مكسورة، ثم فاء-: موضع بين التّنعيم والوادي في طريق المدينة المنوّرة على عشرة أميال من مكّة، وقدّر الله أنّها ماتت عند قفولها من الحجّ ب «سرف» وهو المكان الّذي بنى بها فيه النّبيّ ﷺ سنة: - ٥١- إحدى وخمسين هجرية، ودفنت فيه، فاجتمع في ذلك المكان الهناء والعزاء.
وبني على قبرها مسجد يزار ويتبرّك به،
_________________
(١) هو الآن وسطها.
(٢) الصواب أن يقال بنى عليها. وإنما يقال دخل بها؛ خلاف المشهور. لأن المراد: بنى عليها قبة، ودخل عليها هذه القبة. والله تعالى أعلم.
[ ٢ / ٢٥٠ ]
فجاءتنا بإناء من لبن، فشرب رسول الله ﷺ، وأنا على يمينه، وخالد عن شماله.
فقال لي: «الشّربة لك،
وكان الّذي صلّى إماما بالنّاس على جنازتها ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما.
وهي أخت أم الفضل: امرأة العبّاس، وأخت لبابة الصغرى: أمّ خالد، وأخت أسماء بنت عميس، فهي خالة خالد بن الوليد وخالة ابن عبّاس، وهي آخر أزواج النّبيّ ﷺ.
روى عنها جماعة؛ منهم عبد الله بن عبّاس.
روي لها عن النّبيّ ﷺ ستّة وأربعون حديثا رضي الله تعالى عنها.
(فجاءتنا بإناء) مملوء (من لبن، فشرب رسول الله ﷺ)؛ أي: منه (وأنا على يمينه، وخالد عن شماله)، أي: والحال أنّي على يمينه وخالد عن شماله، وتعبيره ب «على» في الأوّل، وب «عن» في الثّاني!! للتّفنّن الّذي هو ارتكاب فنّين من التعبير مع اتّحاد المعنى، فهما هنا بمعنى واحد وهو مجرّد الحضور.
(فقال) أي: النّبيّ ﷺ (لي) - بفتح الياء وتسكّن- (: «الشّربة لك) أي:
هذه المرّة من الشّرب حقّ لك لأنّك على اليمين، ومن على اليمين مقدّم على من على اليسار، فقد ورد: «الأيمن فالأيمن» . رواه مالك، وأحمد، وأصحاب الكتب السّتّة؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
والسّرّ في تقديم من على اليمين على من على اليسار!! أنّ من على اليمين مجاور لملك اليمين الّذي هو حاكم على ملك الشّمال، وتجرى هذه السّنّة- وهي تقديم من على اليمين- في غير الشّراب كالمأكول والملبوس وغيرهما؛ كما قاله المهلّب وغيره، خلافا لمالك حيث قال في الشراب خاصة. وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ عنه.
وأوّله القاضي عياض بأنّ مراده أنّه إنّما جاءت السّنّة بتقديم الأيمن في الشّرب خاصّة، وغيره إنّما هو بطريق القياس، فالسّنّة البداءة في الشّرب ونحوه بعد الكبير
[ ٢ / ٢٥١ ]
فإن شئت آثرت بها خالدا» .
بمن على يمينه؛ ولو صغيرا مفضولا، وتأخير من على اليسار؛ ولو كبيرا فاضلا!! بل ذهب ابن حزم إلى وجوب ذلك، فقال: لا تجوز البداءة بغير الأيمن إلّا بإذنه.
فإن قيل: يعارض ما تقدّم ما رواه أبو يعلى؛ عن الحبر ابن عبّاس بإسناد صحيح: كان رسول الله ﷺ إذا سقى قال: «ابدأوا بالأكبر» أو قال: بالأكابر» .
أجيب: بأنّ ذلك محمول على ما إذا لم يكن عن يمينه أحد، بل كان الجميع أمامه؛ أو وراءه.
(فإن شئت آثرت بها خالدا») - بفتح التّاء فيها ومدّ الهمزة-؛ من آثرت.
يقال: آثرته- بالمدّ-: فضّلته وقدّمته، لأنّ الإيثار معناه: التّفضيل والتّقديم، وأما استأثر بالشّيء! فمعناه: استبدّ به؛ كما في «المصباح» وغيره.
وفي تفويض الإيثار إلى مشيئته تطييب لخاطره، وتنبيه على أنّه ينبغي له إيثار خالد؛ لكونه أكبر منه.
وهذا ليس من الإيثار في القرب المكروه، على أنّ الكراهة محلّها حيث آثر من ليس أحقّ منه؛ بأن كان مساويا له وأقلّ منه، أمّا إذا آثر من هو أحقّ منه!! كأن آثر من هو أحقّ منه بالإمامة!! فليس مكروها.
فإن قيل: قد استأذن رسول الله ﷺ الأيمن في هذا الخبر، ولم يستأذن أعرابيّا عن يمينه؛ والصّدّيق عن يساره في قصة نحو هذه!؟.
أجيب: بأنّه إنّما استأذن هنا ثقة بطيب نفس ابن عباس بأصل الاستئذان، لا سيّما وخالد قريبه، مع رياسته في قومه، وشرف نسبه بينهم، وقرب عهده بالإسلام، فأراد ﷺ تطييب خاطره، وتألّفه بذلك.
وأمّا الصّدّيق- رضي الله تعالى عنه- فإنّه مطمئنّ الخاطر؛ راض بكل ما يفعله المصطفى ﷺ، لا يتغيّر ولا يتأثّر، ولا ينقص ذلك بمقام الصّدّيق، ولا يخرجه عن فضيلته الّتي أولاه الله إيّاها، لأنّ الفضيلة إنّما هي فيما بين العبد وربّه، لا فيما بينه وبين الخلق.
[ ٢ / ٢٥٢ ]
فقلت: ما كنت لأؤثر على سؤرك أحدا.
ثمّ قال رسول الله ﷺ: «من أطعمه الله طعاما.. فليقل:
(فقلت: ما كنت لأؤثر) - بكسر اللّام ونصب الفعل، كما في قوله تعالى وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ [٣٣/ الأنفال]-.
(على سؤرك أحدا) السؤر- بضمّ السّين وسكون الهمزة، وقد تبدل واوا-:
ما بقي من الشّراب. والمعنى: لا ينبغي أن أقدّم على ما بقي من شرابك أحدا غيري يفوز به؛ لما فيه من البركة، ولا يضرّ عدم إيثاره لذلك، ولهذا أقرّه المصطفى ﷺ.
وكذا نقل عن بعض الصّحابة أنّه لما أقرع النّبيّ ﷺ بين رجل وولده في الخروج للجهاد فخرجت القرعة للولد؛ فقال له أبوه: آثرني، فقال: يا أبت لا يؤثر بالجنّة أحد أحدا أبدا!! فأقرّه النّبيّ ﷺ على ذلك، مع أنّ برّ الوالدين متأكّد، لكن على ما أحكمته السّنة؛ دون غيره.
ويؤخذ من هذا الحديث: أنّ من سبق إلى مجلس عالم أو كبير وجلس بمجلس عال لا ينقل منه لمجيء من هو أفضل منه، فيجلس ذلك الجائي حيث ينتهي به المجلس؛ ولو دون مجلس من هو دونه.
(ثمّ قال رسول الله ﷺ: «من أطعمه الله طعاما؛ فليقل) ندبا مؤكّدا حال الشروع في الأكل، فإن لم يقل ذلك حال الشّروع في الأكل؛ فليأت به بعده، ويقدم عليه حينئذ صيغة الحمد، نحو قوله «الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وجعلنا مسلمين»، كذا قاله الباجوري، تبعا للمناوي التّابع لابن حجر الهيتمي.
وقال ملّا علي قاري في «جمع الوسائل»: ليقل ندبا بعد أكله والحمد عليه.
وأما قول ابن حجر «فليقل حال الأكل، فإن أخّره إلى ما بعده! فالأولى أن يكون بعد الحمد كما هو ظاهر» !! فليس بظاهر، لأنّ حال الأكل لا يقال «أطعمنا خيرا منه، أو زدنا منه»؛ كما هو ظاهر. انتهى.
[ ٢ / ٢٥٣ ]
(اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه)، ومن سقاه الله لبنا..
فليقل: (اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه) .
ثمّ قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزىء مكان الطّعام والشّراب غير اللّبن» .
وكان ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته
(: اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وأطعمنا خيرا منه)، الظّاهر أنّه يأتي بهذا اللّفظ المذكور؛ وإن كان وحده، بل وإن كان امرأة؛ رعاية للّفظ الوارد، وملاحظة لعموم الإخوان من المسلمين.
(ومن سقاه الله لبنا؛ فليقل) حال الشّروع في الشّرب؛ كما تقدم
(: اللهمّ؛ بارك لنا فيه، وزدنا منه») أي: من جنس اللّبن الّذي شربنا منه، ولم يقل- على قياس ما سبق- «واسقنا خيرا منه» !! لأنّه لا خير من اللّبن، بخلاف بقيّة الأطعمة؛ لأنّ اللّبن يجزي مكان الطّعام والشّراب؛ ولا كذلك غيره، فهو خير من سائر الأطعمة وليس فيها خير منه.
وأشار المصنّف إلى دليله بقوله: (ثمّ قال) أي: ابن عبّاس: (قال: رسول الله ﷺ: «ليس شيء يجزىء) - بضمّ أوّله وهمزة في آخره؛ من الإجزاء- أي:
لا يقوم، ولا يغني شيء (مكان الطّعام والشّراب؛ غير اللّبن») - بنصب «غير» على الاستثناء، أو بالرّفع على البدل- يعني: لا يكفي في دفع الجوع والعطش معا شيء واحد؛ إلا اللّبن، فإنّه يقوم مقام الطّعام والشّراب، لكونه يغذّي ويسكّن العطش.
وبذلك يعلم أنّ سائر الأشربة لا تلحق باللّبن في ذلك، بل بالطّعام.
وحكمة الدّعاء حين الطّعام والشّراب: إسناد ذلك إلى الله ﷾، ورفع مدخليّة غيره في ذلك.
(وكان) رسول الله (ﷺ يشرب قاعدا، وكان ذلك عادته) المستمرّة.
[ ٢ / ٢٥٤ ]
رواه مسلم. وفي رواية له أيضا: أنّه نهى عن الشّرب قائما.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما أنّ النّبيّ ﷺ شرب من زمزم وهو قائم.
(رواه) الإمام (مسلم) في «صحيحه» .
(وفي رواية له أيضا) من حديث قتادة عن أنس رضي الله تعالى عنه (أنّه) ﷺ (نهى) - ولمسلم أيضا: زجر- (عن الشّرب قائما) .
قال قتادة: فقلنا: فالأكل!؟ قال: «ذلك أشرّ وأخبث»؛ هذا بقيّته في «مسلم» .
وكذا رواه أبو داود والتّرمذي- وفي رواية لمسلم أيضا- عن عمر بن حمزة:
أخبرني أبو غطفان المرّي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ عن النّبيّ ﷺ:
«لا يشربنّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقىء» .
(و) في «الصحيحين» وغيرهما: (عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ أنّ النّبيّ ﷺ شرب من) ماء (زمزم) - ولفظه: أتيت النّبيّ ﷺ بدلو من ماء زمزم في حجّة الوداع؛ فشرب- (وهو قائم) .
وفي حديث علي بن أبي طالب عند البخاريّ: أنّ عليّا شرب وهو قائم فضل وضوئه، وكان في رحبة الكوفة، ثمّ قال: إنّ أناسا يكرهون الشّرب قائما، وإنّ رسول الله ﷺ صنع مثل ما صنعت.
ولأحمد عن علي أنّه شرب قائما فرأى النّاس كأنّهم أنكروه؛ فقال: ما تنظرون أن أشرب قائما!! فلقد رأيت رسول الله ﷺ يشرب قائما، وإن شربت قاعدا؛ فقد رأيته يشرب قاعدا!!
وكلّ هذه الأحاديث صحيحة؛ خلافا لمن أشار إلى تضعيف أحاديث النّهي، ولا إشكال فيها، ولا تعارض.
[ ٢ / ٢٥٥ ]
وغلط من زعم أنّ فيها نسخا، وكيف يصار للنّسخ مع إمكان الجمع بين الأحاديث، والنّسخ إنّما يكون لو ثبت التّاريخ. وأنّى له بذلك!!
والصّواب أنّ النّهي محمول على كراهة التّنزيه.
وأمّا شربه ﷺ قائما! فلبيان الجواز، أو لأنّه لم يجد محلّا للقعود،؛ لازدحام النّاس على زمزم، أو ليرى النّاس أنّه غير صائم، أو لابتلال المحلّ.
فإن قلت: كيف يكون الشّرب قائما مكروها؛ وقد فعله ﷺ؟!.
فالجواب: أنّ فعله ﷺ إذا كان بيانا للجواز لم يكن مكروها في حقّه؛ بل البيان واجب عليه، فيثاب عليه ﷺ ثواب الواجب.
قال النّوويّ: وقد ثبت أنّه توضّأ مرة مرّة، وطاف على بعيره؛ مع أنّ الإجماع على أنّ الوضوء ثلاثا والطواف ماشيا أكمل!! ونظائر هذا لا تنحصر.
وكان ينبّه على جواز الشّيء مرّة أو مرّات، ويواظب على الأفضل، ولذا كان أكثر وضوئه ثلاثا، وأكثر طوافه ماشيا، وأكثر شربه جالسا؛ وهذا واضح، فلا يتشكّك فيه من له نسبة إلى علم.
وأمّا قوله ﵊ «فمن نسي فليستقىء» !! محمول على الاستحباب والنّدب، فيستحبّ لمن شرب قائما أن يتقيّأ، لهذا الحديث الصّحيح؛ سواء كان ناسيا؛ أو لا. قاله النّووي.
وقالت: المالكيّة: يجوز الشّراب قائما؛ وبالجواز صرّح ابن رشد من أئمّتهم، لصحّة الأدلّة [ولأنها] أقوى من أحاديث النّهي!!
فإنّهم استدلوا لذلك بحديث جبير بن مطعم الصّحابي؛ قال: رأيت أبا بكر الصّديق يشرب قائما وهو من أشد النّاس بعدا عن المكروه.
واستدلّوا بقول مالك: إنّه بلغه عن عمر بن الخطاب وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أنّهم كانوا يشربون قياما؛ وبلاغات مالك ليست من الضّعيف؛ لأنّها تتبعت كلّها فوجدت موصولة.
[ ٢ / ٢٥٦ ]
وهذا يؤيّد الجواز بلا كراهة، وقد صحّ: «عليكم بسنّة الخلفاء الراشدين من بعدي، عضّوا عليها بالنّواجذ»، و«واقتدوا باللّذين من بعدي أبي بكر وعمر» !!.
قال صاحب «المفهم»: لم يذهب أحد إلى أنّ النّهي في الحديث للتّحريم، ولا التفات لابن حزم! وإنّما حمل على الكراهة؛ والجمهور على عدمها، فمن السّلف الخلفاء الأربعة، ثمّ مالك؛ تمسّكا بشربه [ﷺ] من زمزم قائما، وكأنّهم رأوه متأخّرا عن النّهي، فإنّه في حجّة الوداع؛ فهو ناسخ، وحقّق ذلك فعل خلفائه بخلاف النّهي، ويبعد خفاؤه عليهم مع شدّة ملازمتهم له وتشدّدهم في الدّين.
وهذا؛ وإن لم يصلح دليلا للنّسخ يصلح لترجيح أحد الحديثين!! انتهى.
وأجاب المالكية عن حديث أبي هريرة: «لا يشربنّ أحدكم قائما، فمن نسي فليستقىء» بأجوبة منها: قول المازري: قال بعض شيوخنا: «لعلّ النّهي ينصرف لمن أتى أصحابه بماء، فبادر لشربه قائما» !! قال: وأيضا فالأمر بالاستقاء لا خلاف بين أهل العلم أنّه ليس على أحد أن يستقيء، قال: والأظهر لي أن أحاديث شربه قائما تدلّ على الجواز، وأحاديث النّهي تحمل على الاستحباب، والحثّ على ما هو أولى وأكمل؛ لأنّ في الشّرب قائما ضررا ما، فكره من أجله.
وفعله ﷺ!! لأمنه من الضّرر الحاصل لغيره، قال: وعلى هذا الثّاني يحمل قوله: «فمن نسي فليستقىء» على أنّ ذلك يحرّك خلطا يكون القيء دواءه، وعليه فالنّهي طبّي إرشاديّ.
ويؤيّده قول إبراهيم النّخعي: «إنّما نهى عن ذلك لداء البطن» !. انتهى كلام المازري.
قال ابن القيّم: وللشّرب قائما آفات عديدة؛
منها: أنّه ينزل بسرعة إلى المعدة؛ فيخشى منه أن يبرّد حرارتها.
ومنها: أنّه يسرع النّفوذ إلى أسافل البدن بغير تدريج؛ لعدم استقراره في المعدة، وكلّ هذا يضرّ بالشّارب قائما، فإذا فعله نادرا لم يضرّه، وكذا لحاجة!
[ ٢ / ٢٥٧ ]
وكان ﷺ إذا أراد أن يتحف الرّجل بتحفة..
سقاه من ماء زمزم.
قال- أعني ابن القيّم-: ولا يعترض على هذا بالعوائد، فإنّها لها طبائع ثوان وأحكام أخرى، وهي بمنزلة الخارج عن القياس عند الفقهاء. انتهى.
قال ابن العربي: وللمرء ثمانية أحوال: قائم، وماش، مستند، راكع، ساجد، متكىء، قاعد، مضطجع، كلّها يمكن الشّرب فيها. وأهنؤها وأكثرها استعمالا القعود، وأمّا القيام! فنهي عنه لأذيّته للبدن. انتهى.
وللحافظ ابن حجر- وقيل: للحافظ السيوطي- «١»:
إذا رمت تشرب فاقعد تفز بسنّة صفوة أهل الحجاز
وقد صحّحوا شربه قائما ولكنّه لبيان الجواز
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- قال «العزيزي»: قال الشّيخ حديث حسن. انتهى. قال المناويّ: وخرّجه الفاكهي في «تاريخ مكّة»: موقوفا بسند على شرط الشّيخين-:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد أن يتحف) - بضمّ أوّله، من أتحف- (الرّجل بتحفة) - بسكون الحاء؛ وقد تفتح، قال العلقمي: التّحفة: طرفة الفاكهة، وتستعمل في غيرها. وقال في «المصباح»: التّحفة: ما أتحفت به غيرك- (سقاه من ماء زمزم) لجموم فضائله وعموم فوائده، ومدحه في الكتب الإلهيّة.
قال وهب: إنّكم لا تدرون ماء زمزم!! والله؛ إنّها لفي كتاب الله. - أي:
«التّوراة» -: «المضنونة، وبرة، وشراب الأبرار؛ لا تنزف ولا تذمّ، طعام من طعم، وشفاء من سقم، لا يعمد إليها امرؤ فيتضلّع منها إلّا نفت ما به من داء، وأحدثت له شفاء، والنّظر إلى زمزم عبادة، تحطّ الخطايا حطّا» «٢» . رواه عبد الرزّاق وابن منصور بسند فيه انقطاع.
_________________
(١) بل هي للحافظ ابن حجر قطعا؛ لأنه أنشدها لنفسه وعزاها إليه الإمام ابن علان في «شرح الأذكار» .
(٢) انظر بداية الجزء الرابع عند قوله ﷺ «ماء زمزم لما شرب له» .
[ ٢ / ٢٥٨ ]
وكان ﷺ يحمل ماء زمزم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت رسول الله ﷺ
(و) أخرج التّرمذي، والحاكم؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
(كان) رسول الله (ﷺ يحمل ماء زمزم) من مكّة إلى المدينة، ويهديه لأصحابه، وكان يستهديه من أهل مكّة، فيسنّ فعل ذلك.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل»؛ (عن) أبي عبد الرحمن- وقيل:
أبي نصير؛ بضمّ النون- (عبد الله بن عمرو بن العاص) بن وائل بن هاشم بن سعيد- بضم السّين وفتح العين- ابن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي السّهمي، الزّاهد العابد، الصّحابي بن الصّحابي (رضي الله تعالى عنهما) .
كان بينه وبين أبيه في السّن اثنتا عشرة سنة، - وقيل: إحدى عشرة سنة-.
وأمّه ريطة بنت منبّه، بن الحجّاج بن عامر بن حذيفة بن سعيد بن سهم.
أسلمت. وكان النّبيّ ﷺ يقول في حقه: «نعم أهل البيت: عبد الله، وأبو عبد الله، وأمّ عبد الله» أخرجه أحمد، وأبو يعلى؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه؛
أسلم عبد الله قبل أبيه، وكان كثير العلم، مجتهدا في العبادة؛ تلّاء للقرآن.
وكان أكثر النّاس أخذا للحديث والعلم عن رسول الله ﷺ.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعمائة حديث؛ اتّفق البخاريّ ومسلم على سبعة عشر منها، وانفرد البخاري بثمانية، وانفرد مسلم بعشرين، وشهد مع أبيه فتح الشّام، وكانت معه راية أبيه يوم اليرموك، وتوفّي سنة: - ٦٣- ثلاث وستين.
وقيل غير ذلك، وكان عمره اثنتين وسبعين سنة.
(قال: رأيت) أي: أبصرت (رسول الله ﷺ) مفعول «رأيت»، وجملة
[ ٢ / ٢٥٩ ]
يشرب قائما وقاعدا.
وعن النّزّال بن سبرة قال: أتي عليّ بكوز من ماء وهو في الرّحبة، فأخذ منه كفّا فغسل يديه، ومضمض،
(يشرب) حال، و(قائما وقاعدا) حالان من فاعل «يشرب» .
والمراد أنّه رآه مرّة يشرب قائما ورآه مرّة يشرب قاعدا، لا أنّه رآه مرّة واحدة يشرب قائما وقاعدا، كما يوهمه ظاهر العبارة؛ فيكون قد جمع في مرّة واحدة بين القيام والقعود، وهو خلاف المراد.
وحيث كان الغالب من فعله ﷺ الشّرب قاعدا، وشربه قائما إنّما كان نادرا؛ لبيان الجواز!! كان تقديم القيام في نحو هذا الحديث للاهتمام بالردّ على المنكر لذلك؛ لا لكثرته كما وهم.
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل» (عن النّزّال) - بفتح النّون وتشديد الزّاي- (بن سبرة) - بفتح السّين وسكون الباء الموحّدة وفتح الراء؛ آخره تاء تأنيث- الهلاليّ العامريّ الكوفي. قيل: له صحبة، خرّج له الجماعة غير مسلم، روى عن أبي بكر وعثمان وعلي، وعنه الشّعبي والضّحّاك. وثّقه العجلي.
(قال: أتي عليّ) رضي الله تعالى عنه (بكوز من ماء؛ وهو في الرّحبة) أي:
والحال أنّه في الرّحبة- أي: رحبة الكوفة- كان يقعد فيها للحكم أو للوعظ، أو في رحبة المسجد؛- وهي بفتح الرّاء والحاء المهملة، وقد تسكن-: المكان المتّسع، ورحبة المسجد منه؛ فلها حكمه ما لم يعلم حدوثها، وهي المحوط عليه لأجله؛ وإن لم يعلم دخولها في وقفه. بخلاف حريمه؛ فليس له حكمه، والحريم ما تلقى فيه قمامات المسجد؛ وليس منه.
(فأخذ منه)، أي: من الماء الذي في الكوز (كفّا)، أي: ملء كفّ من الماء (فغسل يديه) إلى رسغيه، (ومضمض) .
قال العصام: الظّاهر أنّه عطف على «غسل»، فتكون المضمضة والاستنشاق
[ ٢ / ٢٦٠ ]
واستنشق، ومسح وجهه وذراعيه ورأسه، ثمّ شرب وهو قائم، ثمّ قال: هذا
وغسل اليدين ومسح الوجه والذّراعين والرّأس، وكذا مسح الرّجلين- كما وقع في رواية- من كفّ واحدة. قال: ولا صارف عنه.
وتعقّب؛ بأنّه لا صارف أقوى من استبعاد ذلك من كفّ واحد من طريق النّقل الشّرعي والفعل العرفي، إذ ملء الكفّ لا يحصل منه ما ذكر؛ خصوصا مع قوله «فغسل يديه» ! لأنّه إذا غسلهما بما في كفّه لم يبق شيء يتمضمض به، ويفعل منه ما ذكر بعد المضمضة، فالصّواب أنّه عطف على «أخذ» .
وكذا قوله (واستنشق؛ ومسح وجهه وذراعيه): يحتمل أنّ المراد بالمسح حقيقته، وهو: إمرار الماء من غير سيلان له على العضو، وعليه فالمراد بالوضوء: الوضوء اللّغوي، وهو مطلق التّنظيف.
ويؤيّده عدم ذكر الرّجلين في هذه الرّواية. ويحتمل أنّ المراد به: الغسل الخفيف، وعليه، فالمراد بالوضوء: الوضوء الشّرعي.
ويؤيّده ما في بعض الرّوايات الصّحيحة أنّه غسل الوجه والذّراعين مع ذكر الرّجلين. ويمكن الجمع بين الرّوايات على الاحتمال الأوّل بأنّ الواقعة تعدّدت منه رضي الله تعالى عنه.
(ورأسه) أي: مسح رأسه كلّه؛ أو بعضه، وفي رواية: ورجليه، أي:
ومسح رجليه. على الاحتمالين السّابقين- أعني: احتمال إرادة حقيقة المسح وإرادة الغسل الخفيف- وفي رواية: وغسل رجليه.
(ثمّ شرب) أي: منه، أي: من فضل ماء وضوئه.
وتعبيره ب «ثم» !! لإفادة التّراخي الرّتبي؛ لأنّ ما سبق وضوء، وهذا شرب ماء لدفع عطش.
(وهو قائم) حال. (ثمّ قال: هذا) - أي: ما ذكر، والإشارة لما عدا
[ ٢ / ٢٦١ ]
وضوء من لم يحدث، هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل.
وعن كبشة رضي الله تعالى عنها قالت: دخل عليّ النّبيّ ﷺ، فشرب من في قربة
الشّرب- (وضوء من لم يحدث) . أي: بل أراد التّنظيف على احتمال إرادة حقيقة المسح، أو التّجديد على احتمال إرادة الغسل، وأما وضوء المحدث! فمعلوم بشرائط معلومة.
(هكذا رأيت رسول الله ﷺ فعل)، أي: رأيت رسول الله ﷺ فعل مثل هذا، ومن بعض المشار إليه الشّرب قائما، وهذا هو السّبب في إيراد الحديث في هذا الباب.
ويؤخذ من الحديث أنّ الشّرب من فضل وضوئه مستحبّ؛ أخذا من فعله ﷺ، كما يدلّ له فعل عليّ رضي الله تعالى عنه، وإن كان الشّرب قائما لبيان الجواز؛ فليس سنّة، بل تركه أفضل، خلافا لمن زعم أنّه سنة.
(و) أخرج التّرمذيّ في «الجامع» و«الشّمائل» - وقال: حديث حسن غريب صحيح- وابن ماجه، واللفظ ل «الشّمائل»
(عن كبشة) - بفتح الكاف وسكون الموحدة فشين معجمة- بنت ثابت بن المنذر بن حرام، أخت حسّان لأبيه، من بني مالك بن النجار، لها صحبة وحديث، ويقال فيها: كبيشة- بالتصغير- (رضي الله تعالى عنها؛
قالت: دخل عليّ) - بتشديد الياء- أي: في بيتي (النّبيّ ﷺ، فشرب من في)، أي: من فم (قربة) - بكسر القاف- معروفة.
ولا ينافي ذلك ١- ما ورد من نهيه ﷺ عن الشّرب من فم السّقاء- على ما رواه البخاري وغيره؛ عن أنس- و٢- ما ورد من نهيه عن اختناث الأسقية- على ما رواه الشيخان وغيرهما؛ عن أبي سعيد- وهو أن يقلب رأسها ثمّ يشرب منه؛ لأنّ فعله ﷺ للشّرب من فم القربة لبيان الجواز أو للضّرورة، ونهيه عنه لبيان الأفضل
[ ٢ / ٢٦٢ ]
معلّقة قائما، فقمت إلى فيها فقطعته- أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء.
ووقع مثل ذلك لأمّ سليم رضي الله تعالى عنها.
والأكمل، فهو للتّنزيه (معلّقة قائما)، لبيان الجواز، أو لعدم إمكان الشّرب منها قاعدا.
(فقمت) قاصدة (إلى فيها) أي: إلى فمها، (فقطعته) . قال المصنف:
(أي: قطعت فم القربة للتّبرّك والاستشفاء)، أو لعدم الابتذال، ولا مانع من الجمع.
قال النّووي في «شرح مسلم» في تفسير هذا الحديث؛ ناقلا عن التّرمذي:
وقطعها فم القربة لوجهين، أحدهما: أن تصون موضعا أصابه فم رسول الله ﷺ عن أن يبتذل، ويمسّه كلّ أحد.
والثاني: أن تحفظه للتّبرك به والاستشفاء.
وهذا الحديث يدلّ على أنّ النّهي ليس للتّحريم. انتهى.
(ووقع مثل ذلك) القطع للتبرّك والاستشفاء (لأمّ سليم) سهلة، وقيل:
رملة، وقيل: مليكة، وقيل: أنيسة، وقيل: رميثة، وقيل: الرّميصاء بنت ملحان- بكسر الميم- ابن خالد بن زيد بن حرام بن جندب الأنصاريّة؛ أم أنس بن مالك، «خادم رسول الله ﷺ»؛
وكانت أم سليم هذه هي وأختها خالتين لرسول الله ﷺ من جهة الرضاع.
وكانت من فاضلات الصّحابيّات، وكانت تحت أبي طلحة.
روت عن النّبي ﷺ عدّة أحاديث، روى عنها: ابنها أنس، وابن عبّاس، وزيد بن ثابت، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وآخرون.
(رضي الله تعالى عنها)، وذلك فيما أخرجه التّرمذي في «الشّمائل»، وأبو الشّيخ في «الأخلاق» واللفظ له؛ عن أنس ﵁، قال:
[ ٢ / ٢٦٣ ]
وكان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب، ولا يتنفّس في الإناء.
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس ثلاثا، ويقول:
«هو أهنأ،
دخل النّبيّ ﷺ على أمّ سليم؛ فرأى قربة معلّقة فيها ماء، فشرب منها- ولفظ «الشّمائل»: فشرب من فم القربة- وهو قائم، فقامت أمّ سليم إليها- ولفظ «الشّمائل» إلى رأس القربة- فقطعتها بعد شرب رسول الله ﷺ منها، وقالت:
لا يشرب منها أحد بعد شرب رسول الله ﷺ.
(و) أخرج ابن ماجه والطّبراني بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما، قال: (كان رسول الله ﷺ لا ينفخ في طعام ولا شراب) .
بل إذا كان الطّعام حارا صبر حتّى يبرد، وإذا كان فيه نحو ذبابة أخرجها بنحو أصبعه أو عود، ولا ينفخ في الطّعام لإخراجها أو لتبريده؛ لأنّ ذلك مما تعافه الأنفس، ولربّما خرج من ريقه شيء في الطعام.
وذلك تعليم للأمّة، وإلّا! فنفسه الشّريف وريقه ممّا يستشفى به.
(و) كان (لا يتنفّس في الإناء)، أي: لا يتنفّس في جوف الإناء؛ لأنّه يغير الماء: إمّا لتغيّر الفم بالمأكول، وإمّا لترك السّواك، وإمّا لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة.
(و) أخرج الشيخان والأربعة، وأحمد، بألفاظ مختلفة بالزيادة والنّقص، وهذا لفظ أبي داود عن أنس رضي الله تعالى عنه، قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا شرب تنفّس) خارج الإناء (ثلاثا) من المرّات، كان يسمّي الله في أوّل كلّ مرّة ويحمده في آخرها؛ كما جاء مصرّحا به في رواية.
(ويقول: «هو) - أي: الشّرب بثلاث دفعات- (أهنأ) - بالهمز؛ من الهناء- وهو: خلوص الشّيء عن النّصب والنّكد، وفي رواية بدله: أروى من الرّي
[ ٢ / ٢٦٤ ]
وأمرأ، وأبرأ» .
وكان ﷺ إذا شرب.. تنفّس مرّتين، وربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ.
- بكسر الرّاء-؛ أي: أكثر ريّا. (وأمرأ) - بالهمز-: أقمع للظّمأ، وأقوى على الهضم، (وأبرأ») - بالهمز- من البراءة، أو البراء، أي: أكثر صحّة للبدن.
(و) أخرج التّرمذي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا شرب تنفّس مرّتين) . وإسناده ضعيف- كما في «الفتح» - لكن له شواهد، وفعله في بعض الأحيان! لجواز النّقص عن ثلاث.
وللتّرمذيّ بسند ضعيف أيضا- كما قال الحافظ- عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: لا تشربوا واحدة كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاث، وسمّوا إذا أنتم شربتم، واحمدوا إذا أنتم رفعتم.
قال التّرمذي: فيه أنّه لا بأس بالشّرب في نفسين؛ وإن كان الأولى كونه ثلاثا.
وقال العراقيّ: فيه الاقتصار على مرّتين إذا حصل الاكتفاء بهما، لكن ينبغي أن يزيد ثالثة؛ وإن اكتفى بمرّتين.
وأجاب الحافظ ابن حجر عن الحديثين بأنّهما ليسا نصّا في الاقتصار على مرّتين، بل يحتمل أنّه أراد مرّتي التّنفّس الواقعتين أثناء الشّرب، وأسقط الثّالثة! لأنّها بعد الشّرب، فهي من ضرورة الواقع.
(و) في «الإحياء»: (ربّما كان يشرب بنفس واحد حتّى يفرغ) .
رواه أبو الشّيخ بسند ضعيف؛ عن زيد بن أرقم أنّه ﷺ كان شربه بنفس واحد.
وللحاكم، وصحّحه؛ عن أبي قتادة مرفوعا: «إذا شرب أحدكم فليشرب بنفس واحد» . لكن قال الزّين العراقي: هذان الحديثان محمولان على ترك التّنفّس في الإناء.
[ ٢ / ٢٦٥ ]
وكان ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى الإناء إلى فيه.. سمّى الله تعالى، وإذا أخّره.. حمد الله تعالى.
(يفعل ذلك ثلاثا) .
وكان ﷺ لا يتنفّس في الإناء، بل ينحرف عنه.
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير» و«الأوسط»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، وإذا أدنى)؛ أي قرّب (الإناء إلى فيه سمّى الله تعالى، وإذا أخّره) عن فيه (حمد الله تعالى. يفعل ذلك ثلاثا) . أي: ثلاث مرّات.
وروى عبد بن حميد؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قال:
رأيت رسول الله ﷺ يشرب في ثلاثة أنفاس، فقلت: تشرب الماء في ثلاثة أنفاس؟! فقال: «هو الشّفاء، وأبرأ وأمرأ» .
وروى البزّار والطّبراني؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال:
كان رسول الله ﷺ إذا شرب تنفّس في الإناء ثلاثا؛ يحمد الله على كلّ نفس، ويشكره عند آخرهنّ.
قوله: «تنفّس في الإناء ثلاثا»؛ معناه: أنّه يشرب ثمّ يزيله عن فمه ويتنفّس، ثمّ يشرب؛ ثمّ يفعل كذلك، ثمّ يشرب، ثمّ يفعل كذلك.
وروى الطّبراني، وابن السّنّي؛ عن نوفل بن معاوية أنّه ﷺ كان يشرب في ثلاثة أنفاس؛ يسمّي الله في أوّله، ويحمد الله في آخره.
قال الإمام ابن القيّم: للتّسمية في الأوّل والحمد في الآخر تأثير عجيب في نفع الطّعام والشّراب، ودفع مضرّته.
قال الإمام أحمد: إذا جمع الطّعام أربعا فقد كمل: ١- إذا ذكر الله في أوّله، و٢- حمد في آخره، و٣- كثرت عليه الأيدي، و٤- كان من حل.
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمة»: (كان) رسول الله (ﷺ لا يتنفّس في الإناء) أي: في جوفه، (بل ينحرف عنه)؛ لأنّه يغيّر الماء، إمّا لتغيّر الفم
[ ٢ / ٢٦٦ ]
وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال:
«شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد؟!»، ثمّ قال ﷺ: «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا]، وأحبّ التّواضع [لربّي ﷿]؛ فإنّ من تواضع لله.. رفعه [الله]» .
بالمأكول، وإمّا لترك السّواك، وإمّا لأنّ النّفس يصعد ببخار المعدة.
قال العراقي: روى الحاكم من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
لا يتنفّس أحدكم في الإناء إذا شرب منه، ولكن إذا أراد أن يتنفّس فليؤخّره عنه، ثم يتنفّس. قال: حديث صحيح الإسناد.
(وأتوه مرّة بإناء فيه عسل ولبن، فأبى أن يشربه، وقال: شربتان في شربة، وإدامان في إناء واحد، ثمّ قال ﷺ: «لا أحرّمه، ولكنّي أكره الفخر والحساب بفضول الدّنيا [غدا]، وأحبّ التّواضع [لربّي ﷿]؛ فإنّ من تواضع لله رفعه [الله] [١]» .)
قال العراقي: رواه البزّار من حديث طلحة بن عبيد الله، دون قوله: «شربتان في شربة» إلى آخره، وسنده ضعيف. ورواه الطّبراني في «الأوسط»، والحاكم في «المستدرك» في «الأطعمة» من حديث أنس؛ قال:
أتي النّبيّ ﷺ بقعب فيه لبن وعسل؛ فأبى أن يشربه، وقال: «إدامان في إناء!! لا آكله ولا أحرّمه» . وقال الحاكم: صحيح. وردّه الذّهبيّ في «التّلخيص»، وقال: بل منكر واه.
وقال الهيثميّ عقب عزوه للحاكم: فيه عبد الكبير بن شعيب! لم أعرفه، وبقيّة رجاله ثقات. وقال الحافظ ابن حجر: في طريق الطّبراني راو مجهول.
[ ٢ / ٢٦٧ ]
وكان يستعذب له ﷺ الماء من بيوت السّقيا.
وأمّا قوله: «من تواضع لله رفعه» !! فرواه أبو نعيم في «الحلية» من حديث أبي هريرة. ورواه ابن النجّار بزيادة: «ومن اقتصد أغناه الله» .
وروى ابن منده وأبو عبيد من حديث أوس بن خولي بزيادة:
«ومن تكبّر وضعه الله» .
وروى أبو الشّيخ من حديث معاذ بلفظ: «من تواضع تخشّعا لله رفعه الله» .
وروى تمّام، وابن عساكر: من حديث ابن عمر في أثناء حديث: «إنّي قد أوحي إليّ أن تواضعوا، ولا يبغي أحد على أحد، فمن رفع نفسه وضعه الله، ومن وضع نفسه رفعه الله» الحديث. انتهى من شرح «الإحياء» .
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والحاكم- وقال: على شرط مسلم؛ وأقرّه الذّهبي- وبه ختم أبو داود «كتاب الأشربة» ساكتا عليه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان يستعذب له الماء)؛ أي: يطلب له الماء العذب ويحضر إليه لكون أكثر مياه المدينة مالحا، وهو كان يحبّ الماء الحلو البارد (من بيوت السّقيا) - بضمّ السّين المهملة وسكون القاف وتحتيّة؛ مقصورة-: عين بينها وبين المدينة يومان؛ كذا قاله المناوي كصاحب «المواهب»؛ تبعا لما نقله أبو داود في «سننه» عقب روايته الحديث المذكور؛ عن شيخه: فيه قتيبة بن سعيد.
قال السّمهودي: وهو صحيح لكنّها ليست المراد هنا، وكأنّه لم يطّلع على أنّ بالمدينة بئرا تسمّى بذلك!! وقد اغترّ به المجد «١»؛ فقال: السّقيا: قرية جامعة من عمل الفرع. ثم أورد حديث أبي داود.
وأورد قول «النّهاية»: السّقيا منزل بين مكّة والمدينة، قيل: على يومين منها، ومنه حديث: كان يستعذب له الماء من بيوت السّقيا.
_________________
(١) الفيروز آبادي.
[ ٢ / ٢٦٨ ]
وفي لفظ: يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا.
وقول أبي بكر بن موسى: «السّقيا: بئر بالمدينة، أي: على بابها، وكان يستسقى لرسول الله ﷺ منها» !! محمول على هذا.
ثم لو سلّم أنّ المراد الاستعذاب من العين التي ذكرها قتيبة! فمحمول على أنّه كان يستعذب له منها إذا نزل قربها في سفر حجّ أو غزو، وأمّا استعذابه منها إلى المدينة! فلا أراه وقع أصلا. انتهى.
ويؤيّده زيادة ابن حبّان، وأبي الشّيخ: من بيوت السّقيا من أطراف الحرّة عند أرض بني فلان، فإنّ الحرة بظاهر المدينة؛ وليس بينهما يومان!.
وروى أيضا أنّه كان يستعذب له الماء من بئر غرس، ومنها غسّل، ولمّا نزل عند أبي أيوب؛ كان يستعذب له من بئر مالك «والد أنس»، ثمّ كان أنس وهند وجارية «أبناء أسماء»، يحملون الماء إلى بيوت نسائه من السّقيا، وكان رباح الأسود يستقي له من بئر غرس مرّة؛ ومن بيوت السّقيا مرّة. رواه ابن سعد، والواقديّ، عن سلمى أمّ رافع.
وغرس- بفتح الغين المعجمة وإسكان الرّاء- كما قيّده أبو عبيد وياقوت وغيرهما.
وبه تعقّب الحافظ ضبط الذّهبي للغين بالضمّ قائلا: ذكره لي المطرّزي؛ وقد قال المجد: الصّواب الّذي لا محيد عنه الفتح ثمّ السّكون. وقطع به ابن الأثير، انتهى «زرقاني» .
(وفي لفظ) للحاكم وغيره: كان (يستسقى له الماء العذب من بئر السّقيا)؛ لأنّ الشّراب كلّما كان أحلى وأبرد؛ كان أنفع للبدن وينعش الرّوح والقوى والكبد، وينفذ الطّعام إلى الأعضاء أتمّ تنفيذ، لا سيّما إذا كان بائتا، فإنّ الماء البائت بمنزلة العجين الخمير، والّذي يشرب لوقته كالفطير.
وسمّيت سقيا!! لأنّ النّبيّ ﷺ استنبطها، وقال: «هذه سقيا» .
[ ٢ / ٢٦٩ ]
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه؛ لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا، أو باردا، فإنّه رديء جدّا.
وكان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء.. قال:
«الحمد لله الّذي سقانا عذبا
أخرج الطّبراني، وابن شاهين؛ عن بريح بن سدرة بن علي السّلمي، عن أبيه، عن جدّه قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ حتّى نزلنا القاح، فنزل بصدر الوادي، فبحث بيده في البطحاء؛ فنديت، فانبعث الماء، فسقى وأسقى كلّ من كان معه؛ وقال: «هذه سقيا سقاكم الله»؛ فسمّيت «السّقياء» .
قال ابن عبد البر: علي السّلمي صحابيّ من أهل قباء.
قال ابن بطّال: واستعذاب الماء لا ينافي الزّهد، ولا يدخل في الترفه المذموم، بخلاف تطييب الماء بالمسك ونحوه، فقد كرهه مالك لما فيه من السّرف، وأما شرب الماء الحلو وطلبه! فمباح كلّ منهما.
وقد فعله الصّالحون، وسيّدهم ﷺ، وليس في شرب الماء المالح فضيلة حتّى يكون اختياره والإعراض عن العذب مطلوبا؛ بل قد يترتب على استعماله ضرر؛ فيكره، أو يحرم.
(قال) العلامة: محمد بن أبي بكر (ابن القيّم رحمه الله تعالى:
ولم يكن رسول الله ﷺ يشرب على طعامه لئلّا يفسده، ولا سيّما إن كان الماء حارّا أو باردا، فإنّه رديء جدّا)، وهو حسن إن صحّ.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» من حديث الفضل، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن أبي جعفر: محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب مرسلا. ورواه أيضا كذلك الطّبراني في «الدعاء» !!
قال ابن حجر: وهذا الحديث- مع إرساله- ضعيف. من أجل جابر الجعفي.
(كان رسول الله ﷺ إذا شرب الماء؛ قال: «الحمد لله الّذي سقانا عذبا
[ ٢ / ٢٧٠ ]
فراتا برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا بذنوبنا» .
وأمّا قدح رسول الله ﷺ:
فقد روي عن ثابت
فراتا)، قال المناوي: الفرات: العذب، فالجمع بينهما للإطناب، وهو لائق في مقام السّؤال والابتهال.
وقال المحلي؛ في تفسير قوله تعالى هذا عَذْبٌ فُراتٌ [٥٣/ الفرقان]: شديد العذوبة. وقال البيضاوي: قامع للعطش؛ من فرط عذوبته.
وقال البغوي: الفرات: عذب المياه. انتهى «نقله العزيزي» .
(برحمته، ولم يجعله ملحا أجاجا) - بضمّ الهمزة-: مرّا شديد الملوحة (بذنوبنا»)، أي: بسبب ما ارتكبناه من الذّنوب.
(وأمّا قدح رسول الله ﷺ)
- القدح؛ بفتحتين-: ما يشرب فيه؛ كما في «المغرب» وغيره.
وقال ابن الأثير: هو إناء بين إناءين؛ لا صغير ولا كبير، وربّما وصف بأحدهما. وقال المجد: آنية تروي الرّجلين، أو اسم يجمع الكبار والصّغار؛ جمعه: أقداح. قال في «المصباح»: كسبب وأسباب.
(فقد) جاء فيه ما ذكره بقوله: (روي)، أي: روى التّرمذي بسنده في «الشّمائل» (عن ثابت) البناني بن أسلم أبو محمّد البصري؛
الإمام الحجّة القدوة، كان محدّثا من الثّقات المأمونين، صحيح الحديث.
قال أبو حاتم: أتيت أصحاب أنس بن مالك: الزّهريّ، ثم ثابت البناني، ثمّ قتادة.
روى عن أنس، وعبد الله بن الزبير، وابن عمر، وعبد الله بن مغفّل المزني، وأبي برزة الأسلمي، وعمر بن أبي سلمة، وجماعة.
وروى عنه حمّاد بن زيد، وحماد بن سلمة، وحميد الطّويل، وشعبة بن
[ ٢ / ٢٧١ ]
قال: أخرج إلينا أنس بن مالك قدح خشب غليظا مضبّبا
بسطام، وهمام بن يحيى، وجعفر بن سليمان، وخلق.
مات سنة: - ١٢٧- سبع وعشرين ومائة من الهجرة، وعمره: ست وثمانون سنة- ٨٦-.
قال بكر بن عبد الله: من أراد أن ينظر إلى أعبد أهل زمانه؛ فلينظر إلى ثابت البناني. فما أدركنا الّذي هو أعبد منه.
وكان يقرأ القرآن في كلّ يوم وليلة، ويصوم الدّهر، وبكى حتى كادت عينه تذهب، وكان يصلّي كلّ ليلة ثلثمائة ركعة.
كان يقول له أنس بن مالك: ما أشبه عينيك بعيني رسول الله ﷺ!! فما زال يبكي حتى عمشت عيناه، وكان يقوم اللّيل ويصوم النّهار.
وكان يقول: ما شيء أجده في قلبي ألذّ عندي من قيام اللّيل!
وكان يقول: كابدت الصلاة عشرين سنة، وتنعّمت بها عشرين سنة.
وكان يقوم الليل خمسين سنة فإذا كان السّحر؛ قال في دعائه «اللهمّ؛ إن كنت أعطيت أحدا من خلقك الصّلاة في قبره فأعطنيها»، فلما مات وسوي عليه اللبن في قبره سقطت لبنة؛ فإذا به قائم يصلّي في قبره، رحمه الله تعالى ونفعنا بعلومه.
آمين.
(قال: أخرج إلينا أنس بن مالك)، خادم رسول الله ﷺ (قدح خشب) أي:
قدحا من خشب، فالإضافة بمعنى «من»، وهو من جملة أقداح خمسة ذكرت في أوّل الفصل الخامس.
واقتصر هنا على الخشب! لأنّه الذي كان عند أنس رضي الله تعالى عنه.
(غليظا مضبّبا) - بالنّصب، على أنّه صفة قدح- والضبّة: ما تشعّب به الإناء، وجمعها ضبّات؛ كجنّة وجنّات، وضبّبته- بالتّشديد-: جعلت له ضبّة، فمعنى مضبّبا: مشعّبا.
[ ٢ / ٢٧٢ ]
بحديد، فقال: يا ثابت؛ هذا قدح رسول الله ﷺ، لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح الشّراب كلّه: الماء والنّبيذ، والعسل واللّبن.
(بحديد) كما في رواية التّرمذي؛ ورواية «الصحيح»: بفضة. وهي أصحّ، اللهمّ إلا أن يكون تجوّز بضبّة الحديد عن الحلقة الّتي كانت فيه، ونهى أبو طلحة أنسا عن تغييرها، أو كانت ضبّة الحديد فيه أوّلا، ثمّ لمّا صدع سلسل بفضّة، فصار فيه الضبّتان؛ قاله الزرقاني.
(فقال)، أي: أنس (يا ثابت، هذا قدح رسول الله ﷺ) المشار إليه هو القدح بحالته الّتي هو عليها، فالمتبادر من ذلك أنّ التّضبيب كان في زمانه ﷺ.
وتجويز كون التّضبيب من فعل أنس حفظا للقدح غير مرضيّ؛ قاله الباجوري.
ويؤخذ من الحديث: أنّ حفظ ما ينفع وإصلاحه مستحبّ وإضاعته مكروهة؛ واشتري هذا القدح من ميراث النضر بن أنس بثمانمائة ألف درهم.
وعن البخاري أنّه رآه بالبصرة، وشرب منه، هكذا في «شرح المناوي» .
والذي في «شرح القاري»: أنّ الذي اشتري من ميراث النّضر وشرب منه البخاريّ كان مضبّبا بفضّة، ويمكن الجمع بأنّه كان مضبّبا بكلّ من الفضّة والحديد.
انتهى باجوري على «الشّمائل» .
وأخرج مسلم والتّرمذي في «الجامع» و«الشمائل» عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (لقد سقيت رسول الله ﷺ بهذا القدح) المذكور، أي: فيه؛ وهو الخشب الغليظ المضبّب بحديد، فالتّضبيب من فعله ﷺ، لما تقرّر أنّ الإشارة ترجع للمذكور بجميع خصوصيّاته.
(الشّراب) وهو: ما يشرب من المائعات. (كلّه) أي: أنواعه كلّها:
(الماء والنّبيذ): ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو، (والعسل) النّحل، (واللّبن) الحليب. والأربعة بدل مفصّل من مجمل، أو بدل بعض من كلّ؛
[ ٢ / ٢٧٣ ]
قال الباجوريّ: (قوله: (النّبيذ) - أي: المنبوذ فيه- وهو:
ماء حلو يجعل فيه تمرات ليحلو.
وكان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل، ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك وليلته الّتي يجيء، والغد إلى العصر، فإن بقي منه شيء.. سقاه الخادم إن لم يخف منه إسكارا، وإلّا.. أمر بصبّه، وهو له نفع عظيم في زيادة القوّة) انتهى.
اهتماما بها؛ لكونها أفضل المشروبات، أو لأنّه إنّما سقاه الأربعة.
وسمّاها كلّ الشراب!! لأنّها أشهر أنواعه، أو لكثرة تناولها.
(قال) العلّامة شيخ الإسلام: إبراهيم (الباجوريّ) في حاشية «الشّمائل» كالمناوي، والقاري، و«المواهب»: (قوله: النّبيذ، أي: المنبوذ فيه.
وهو): كلّ ما ينبذ من غير العنب؛ من تمر أو زبيب أو قمح، والمراد هنا:
(ماء حلو يجعل) أي: يطرح (فيه تمرات ليحلو)، أي: لتزيد حلاوته.
(و) قد روى مسلم أنّه (كان ينبذ له ﷺ أوّل اللّيل) التمر في الماء، (ويشرب منه إذا أصبح يومه ذلك، وليلته الّتي يجيء) بعد اليوم، (والغد إلى العصر.
فإن بقي منه شيء؛ سقاه الخادم) لاستغنائه عنه، ورفقا بالخادم على عادته ﷺ؛ (إن لم يخف منه إسكارا) بأن كان لم يتغيّر، (وإلّا! أمر بصبّه)، أي: إذا ظهر له أنّه وصل إلى حالة لا يشرب معها بعد ذلك الوقت؛ خوف الإسكار أمر بصبّه، لأنّه صار في حكم العدم، فلا يقال: «صبّه إضاعة مال»؛ وقد نهى عنه!! ولم يكن يشربه ﷺ بعد ثلاث خوفا من تغيّره إلى الإسكار.
(وهو) أي: هذا النبيذ الّذي كان يشربه ﷺ (له نفع عظيم في زيادة القّوّة) .
لملاءمته للمزاج. (انتهى) أي: كلام الباجوري رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٢٧٤ ]
وعند البخاريّ: من حديث عاصم الأحول قال: رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك- وكان قد انصدع- فسلسله بفضّة؛
(وعند) الإمام الحافظ أبي عبد الله؛ محمد بن إسماعيل (البخاريّ) في «صحيحه» في «كتاب الأشربة»، (من حديث عاصم) بن سليمان (الأحول) أبي عبد الرحمن البصري، الحافظ الثّقة، من رجال الجميع، مات سنة: أربعين ومائة. (قال:
رأيت قدح النّبيّ ﷺ عند أنس بن مالك، وكان قد انصدع) أي: انشق (فسلسله) أي: وصل بعضه ببعض (بفضّة)، وظاهره أنّ الذي وصله أنس، ويحتمل أنّه النّبيّ ﷺ، وهو ظاهر رواية أبي حمزة عند البخاري في الخمس بلفظ:
إنّ قدح النّبيّ ﷺ انكسر فاتّخذ مكان الشّعب سلسلة من فضّة. لكن رواه البيهقي من هذا الوجه بلفظ: انصدع فجعلت مكان الشعب سلسلة من فضّة. قال- يعني أنسا-: هو الذي فعل ذلك.
قال البيهقي: كذا في سياق الحديث فلا أدري من قاله من رواته! هل هو موسى بن هارون، أو غيره؟!
وتعقّبه الحافظ بأنّه لم يتعيّن من هذه الرّواية ما قاله، وهو «جعلت» - بضمّ التّاء؛ على أنّه ضمير القائل، وهو أنس-، بل يجوز أن يكون «جعلت» - بضمّ أوّله؛ على البناء للمجهول- فيساوي رواية «الصّحيح» .
ووقع عند أحمد من رواية شريك؛ عن عاصم: رأيت عند أنس قدح النّبيّ ﷺ فيه ضبّة من فضّة، وهذا يحتمل أيضا.
والشّعب- بفتح المعجمة وسكون العين-: هو الصدع، وكأنّه سدّ الشّقوق بخيوط من فضّة، فصارت مثل السلسلة. انتهى.
وحاصله تساوي احتمال أنّ المضبّب له النّبيّ ﷺ، لأنّه ظاهر رواية «الصّحيح» في فرض الخمس، واحتمال أنّه أنس؛ لأنّه ظاهر روايته في «الأشربة» .
[ ٢ / ٢٧٥ ]
قال: وهو قدح جيّد عريض من نضار.
قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا.
قال: وقال ابن سيرين: إنّه كان فيه حلقة من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة.. فقال أبو طلحة:
ففيه ردّ على ترجيح ابن الصّلاح أنّه أنس، وقوله ما يوهمه بعض الرّوايات أنّه النّبيّ ﷺ ليس كذلك، وتبعه النّووي، وقال: قد أشار إليه البيهقي وغيره. انتهى «زرقاني» .
(قال) عاصم؛ راويه (: وهو قدح جيّد عريض)، أي: ليس بمتطاول؛ بل يكون طوله أقصر من عمقه؛ كما في «الفتح» وغيره (من نضار)، سيأتي معناه أنّه الخالص من العود.
(قال أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ في هذا القدح أكثر من كذا وكذا) .
ولمسلم من طريق ثابت عن أنس: لقد سقيت رسول الله ﷺ بقدحي هذا الشّراب كلّه: العسل والنّبيذ والماء واللّبن.
(قال) أي: عاصم (: وقال) محمد (ابن سيرين) العالم، العامل، الزّاهد، العابد- تقدّمت ترجمته- رحمه الله تعالى:
(إنّه كان فيه حلقة) - بسكون اللّام، والفتح لغة فيه؛ حكاها أبو عمرو-.
(من حديد، فأراد أنس أن يجعل مكانها حلقة من ذهب أو فضّة) بالشكّ من الرّاوي، أو هو تردّد من أنس عند إرادة ذلك؛ قاله القسطلاني.
(فقال) له (أبو طلحة)؛ زيد بن سهل بن الأسود بن حزام- بالزّاي- ابن عمرو بن زيد مناة بن عدي بن عمرو بن مالك بن النجّار، الأنصاري، المدني؛
شهد العقبة وبدرا وأحدا والخندق، والمشاهد كلها مع رسول الله ﷺ.
[ ٢ / ٢٧٦ ]
لا تغيّرنّ شيئا صنعه رسول الله ﷺ، فتركه.
وهو أحد النّقباء رضي الله تعالى عنهم.
روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا، اتّفق البخاريّ ومسلم منها على حديثين، وانفرد البخاريّ بحديث، ومسلم باخر.
روى عنه جماعات من الصّحابة؛ منهم: ابن عباس، وأنس وآخرون، وجماعات من التّابعين.
توفّي بالمدينة سنة: ثنتين وثلاثين. وقيل: أربع وثلاثين، وهو ابن سبعين سنة، وصلّى عليه عثمان بن عفان، وهو زوج أمّ سليم «والدة أنس بن مالك»، رضي الله تعالى عنهم أجمعين.
(: لا تغيّرنّ) - بفتح الرّاء ونون التأكيد الثّقيلة، وفي رواية: لا تغيّر؛ بالنّهي بلا تأكيد- (شيئا صنعه رسول الله ﷺ! فتركه) بلا تغيير.
وفي الحديث جواز اتّخاذ ضبّة الفضّة والسلسلة والحلقة!!
واختلف فيه! فمنع ذلك مطلقا جمع من الصّحابة والتّابعين، وبه قال مالك واللّيث.
وعن مالك أيضا: يجوز من الفضّة إذا كان يسيرا، وكرّهه الشّافعي لئلّا يكون شاربا على فضّة. وخصّ أحمد والحنفية الكراهة بما إذا كانت الفضّة موضع الشّرب.
والمقرّر عند الشّافعيّة تحريم ضبّة الفضّة؛ إذا كانت كبيرة للزينة، وجوازها إذا صغرت لحاجة أو زينة، أو كبيرة لحاجة، وتحريم ضبّة الذّهب مطلقا.
والمراد بالحاجة غرض الإصلاح؛ دون التّزيين، لا العجز عن غير الذّهب والفضّة، إذ العجز عن غيرهما يبيح استعمال الإناء الّذي كلّه ذهب أو فضّة؛ فضلا عن المضبّب. قاله القسطلّانيّ في «شرح البخاري» .
[ ٢ / ٢٧٧ ]
ومعنى (النّضار): الخالص من العود، ومن كلّ شيء، ويقال: أصل ذلك القدح من شجر النّبع، وقيل: من الأثل. ولونه يميل إلى الصّفرة.
وكان لرسول الله ﷺ قدح قوارير يشرب فيه.
وكان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من
(ومعنى النّضار) - بضمّ النّون أشهر من كسرها، وبالضّاد المعجمة- (: الخالص من العود، ومن كلّ شيء)؛ تبر أو خشب أو أثل أو غيرهما.
(ويقال: أصل ذلك القدح من شجر النّبع)، - بنون فمهملة-: الشّجر للقسيّ وللسّهام؛ ينبت في الجبال، كما في «القاموس» .
وفي «النهاية»: قيل: إنّه شجر كان يطول ويدلو، فدعا عليه النّبيّ ﷺ فقال: «لا أطالك الله من عود» فلم يطل بعد.
(وقيل: من الأثل) - بمثلّثة- (ولونه يميل إلى الصّفرة) .
وفي «شرح البخاري» للعلّامة القسطلّانيّ: قيل: إنّه عود أصفر يشبه لون الذّهب. وفي «القاموس»: النّضار- بالضمّ-: الجوهر الخالص من التّبر والخشب والأثل، أو: ما كان عذيا، أي: شجرا على غير ماء أو: الطّويل منه المستقيم الغصون، أو: ما نبت منه في الجبل، وخشب للأواني، ويكسر، ومنه كان منبر النّبيّ ﷺ.
(و) أخرج ابن ماجه- وقال في العزيزي: حديث حسن- عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما؛ قال: (كان لرسول الله ﷺ قدح)، قال بعضهم بالتّنوين.
انتهى. ويحتمل أنّه [قدح] مضاف إلى (قوارير)؛ أي: زجاج (يشرب فيه)؛ أهداه إليه النّجاشي.
(و) أخرج ابن سعد في «الطّبقات»؛ عن زينب بنت جحش، «أم المؤمنين»، رضي الله تعالى عنها؛ أنّه (كان ﷺ يعجبه أن يتوضّأ من
[ ٢ / ٢٧٨ ]
مخضب من صفر. و(المخضب): إناء. و(الصّفر): النّحاس الأصفر.
وكان له ﷺ قدح من عيدان تحت سريره يبول فيه باللّيل.
(٠ مخضب) - بكسر الميم وسكون المعجمة- أي: إجّانة (من صفر) .
وفيه ردّ على من كره الوضوء من إناء النّحاس.
(والمخضب) - بكسر الميم، وسكون الخاء، وفتح الضّاد المعجمتين، بعدها موحّدة- (: إناء) . قال ابن حجر: المشهور أنّه الإناء الّذي يغسل فيه الثياب من أيّ جنس كان، وقد يطلق على الإناء؛ صغر أو كبر، والقدح أكثر ما يكون من الخشب مع ضيق فيه.
(والصّفر) - بضمّ المهملة وسكون الفاء- (: النّحاس) - مثلّث النّون- (الأصفر) . وفي «المناوي»: إن الصّفر صنف من جيد النّحاس. انتهى.
(و) أخرج أبو داود، والنّسائي في «الطهارة»، والحاكم وصحّحه، وكذا ابن حبّان في «صحيحه» بإسناد حسن؛ عن أميمة بنت رقيقة- بضمّ أوّلهما وفتح ثانيهما وتخفيفهما، ورقيقة: بقافين- بنت خويلد بن أسد بن عبد العزّى، «أخت خديجة؛ أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها»، قالت:
(كان له ﷺ قدح من عيدان) - بفتح العين المهملة، وسكون المثنّاة التّحتيّة، ودال مهملة، قال في «الصّحاح»: العيدان الطّوال من النخل؛ الواحدة عيدانة.
وكان يجعل (تحت سريره) السّرير: مأخوذ من السّرور؛ لأنّه في الغالب لأولي النّعمة، وسرير الميت تشبيه به في الصّورة، وللتّفاؤل بالسرور.
(يبول فيه باللّيل)، تمامه كما عند الطّبراني- بسند؛ قال الهيثمي: رجاله رجال «الصحيح» - فقام وطلبه فلم يجده! فسأل، فقالوا: شربته برة «خادم أمّ سلمة الّتي قدمت معها من أرض الحبشة» !! فقال: «لقد احتظرت من النّار بحظار» انتهى.
[ ٢ / ٢٧٩ ]
قال الشّيخ وليّ الدّين: وهذا الخبر يعارضه ما رواه الطّبراني في «الأوسط» بسند جيّد؛ عن عبد الله بن مرثد؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «لا ينقع بول في طست في البيت، فإنّ الملائكة لا تدخل بيتا فيه بول منتقع» .
وروى ابن أبي شيبة؛ عن ابن عمر قال: لا تدخل الملائكة بيتا فيه بول!! قال: ويجاب بأنّ المراد بانتقاعه: طول مكثه، وما يجعل في الإناء لا يطول مكثه، بل تريقه الخدم عن قرب، ثمّ يعاد تحت السّرير لما يحدث.
والظّاهر أنّ هذا كان قبل اتّخاذ الكنف وبيوت الأخلية، فإنّه لا يمكنه التّباعد باللّيل للمشقّة، أمّا بعد اتخاذها! فكان يقضي حاجته فيها ليلا ونهارا.
وأخذ من تخصيص البول أنّه كان لا يفعل الغائط فيه؛ لغلظه بالنّسبة للبول، ولكثافته وكراهة ريحه.
وأخذ من تخصيص اللّيل أنّه كان لا يبول فيه نهارا.
وفيه حلّ اتّخاذ السّرير، وأنّه لا ينافي التّواضع؛ لمسيس الحاجة إليها، سيّما الحجاز؛ لحرارته.
وحلّ القدح من خشب النّخل، ولا ينافيه حديث: «أكرموا عمّاتكم النّخلة» !! لأنّ المراد بإكرامها سقيها وتلقيحها، فإذا انفصل منها شيء وعمل إناء؛ أو غيره؟ زال عنه اسم النّخلة، فلم يؤمر بإكرامه.
وفيه حلّ البول في إناء في البيت الّذي هو فيه ليلا بلا كراهة، حيث لم يطل مكثه فيه، كما تقرّر، وأما نهارا! فهو خلاف الأولى حيث لا عذر، لأنّ اللّيل محلّ الأعذار، بخلاف النّهار.
وفيه حلّ بول الرّجل بقرب أهل بيته للحاجة. انتهى «مناوي» و«عزيزي» .
فائدة: قال ابن قتيبة: كان سريره خشبات مشدودة باللّيف، بيعت في زمن بني أميّة؛ فاشتراها رجل بأربعة آلاف درهم. انتهى «مناوي» .
[ ٢ / ٢٨٠ ]
وكان لرسول الله ﷺ مطهرة من فخّار يتوضّأ ويشرب منها، وكان النّاس يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا فيدخلون عليه ﷺ فلا يدفعون، فإذا وجدوا في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم، يبتغون بذلك البركة.
وكان ﷺ إذا صلّى الغداة.. [جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء.. إلّا غمس يده فيه.
(و) في «كشف الغمة» للشّعراني: (كان لرسول الله ﷺ مطهرة) - بكسر الميم وفتحها-: إناء يتطهّر به ويتوضّأ به، كالإبريق ونحوه.
(من فخّار): الطين المشوي، وقبل الطبخ هو خزف وصلصال؛ (يتوضّأ) منها ﷺ (ويشرب منها) أي: المطهرة.
(وكان النّاس) أي: أهل المدينة (يرسلون أولادهم الصّغار الّذين عقلوا)؛ ولم يبلغوا الحلم، (فيدخلون عليه ﷺ) بلا استئذان، (فلا يدفعون) - بضمّ أوّله- أي: لا يردّون عن الدخول عليه ﷺ، (فإذا وجدوا)؛ أي: الصّبيان (في المطهرة ماء شربوا منه، ومسحوا على وجوههم، وأجسامهم) من فضل وضوئه؛ (يبتغون بذلك) الشّرب ومسح أجسامهم (البركة)، أي: حصول البركة.
وفيه التبرّك باثاره ﷺ!
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا صلّى الغداة) أي: الصبح ([جاءه] خدم أهل المدينة بانيتهم فيها الماء، فما يؤتى بإناء إلّا غمس يده فيه)؛ للتبرّك بيده الشّريفة.
وفيه: بروزه للنّاس، وقربه منهم ليصل كلّ ذي حقّ لحقّه، وليعلّم الجاهل ويقتدي بأفعاله، وكذا ينبغي للأئمة بعده.
[ ٢ / ٢٨١ ]
وكان ﷺ يبعث إلى المطاهر فيؤتى بالماء فيشربه، يرجو بركة أيدي المسلمين.
(و) أخرج الطّبراني في «الأوسط»، وأبو نعيم في «الحلية»؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: (كان) رسول الله (ﷺ يبعث إلى المطاهر) جمع مطهرة: كل إناء يتطهّر به، والمراد هنا نحو الحياض والفساقي والبرك المعدّة للوضوء.
(فيؤتى) إليه (بالماء) منها، (فيشربه)، وكان يفعل ذلك (يرجو بركة أيدي المسلمين) أي: يؤمل حصول بركة أيدي الّذين تطهّروا من ذلك الماء.
وهذا فضل عظيم، وفخر جسيم للمتطهّرين، فياله من شرف ما أعظمه!!، كيف وقد نصّ الله في التّنزيل على محبتهم صريحا حيث قال إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) [البقرة] !!.
وهذا يحمل من له أدنى عقل على المحافظة على إدامة الوضوء، ومن ثمّ صرّح بعض أجلّاء الشّافعيّة بتأكّد ندبه، وأمّا الصوفية فعندهم إدامة الوضوء واجبة، لأنّه يرى نور على أعضائه، والله أعلم؛ قاله المناوي رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٢٨٢ ]
[الفصل السّادس في صفة نومه ﷺ]
الفصل السّادس في صفة نومه ﷺ قال في «المواهب»: (كان ﵊ ينام أوّل اللّيل،
(الفصل السّادس) من الباب الرّابع (في) بيان ما ورد في (صفة نومه)؛ من كونه على اليمين أو غيره، وقدره، ووقته، وما يرقد عليه، وما كان يفعله (ﷺ) قبل النّوم وبعده، وغير ذلك.
والنّوم: غشية ثقيلة تهجم على القلب فتقطعه عن المعرفة بالأشياء، فهو آفة، ومن ثمّ قيل «إنّ النّوم أخو الموت» .
وأمّا السّنة! ففي الرّأس، والنّعاس! في العين، وقيل: السّنة هي النّعاس، وقيل: السّنة: ريح النوم يبدو في الوجه؛ ثمّ ينبعث إلى القلب، فيحصل النّعاس ثمّ النّوم، والله أعلم.
ثمّ اعلم أنّ تعريف النّوم بما ذكر بالنّسبة إلينا دونه ﷺ؛ فإنّه تنام عينه ولا ينام قلبه! كما في «الصّحيح» وسيأتي.
(قال) العلّامة القسطلّانيّ في («المواهب»)؛ في النوع الرّابع من المقصد الثّالث:
(كان ﵊ ينام أوّل اللّيل) بعد صلاة العشاء وما يتّصل بها، فالأولية نسبيّة.
وفي «الصحيح»؛ عن أبي برزة: كان ﷺ يكره النّوم قبل العشاء، والحديث بعدها.
[ ٢ / ٢٨٣ ]
ويستيقظ في أوّل النّصف الثّاني، فيقوم فيستاك، فيتوضّأ، ولم يكن يأخذ من النّوم فوق القدر المحتاج إليه منه، ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج منه،
وروى الشّيخان، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره. وسيأتي.
(ويستيقظ في أوّل النّصف الثّاني) غالبا، وفي «الصّحيحين» وغيرهما؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: كان يقوم إذا سمع الصّارخ. قال الحافظ ابن حجر: أي: الدّيك.
ووقع في «مسند الطّيالسي» في هذا الحديث: والصّارخ: الدّيك، والصّرخة: الصّيحة الشّديدة. وجرت العادة أنّ الدّيك يصيح عند نصف اللّيل غالبا، قاله محمد بن نصر، قال ابن التين: وهو موافق لقول ابن عباس نصف الليل أو قبله بقليل أو بعده.
وقال ابن بطّال: الصّارخ يصرخ عند ثلث اللّيل، فكان يتحرّى الوقت الّذي ينادى فيه: هل من سائل كذا!؟
وفي «البخاري»؛ عن أنس: كان لا تشاء أن تراه من اللّيل مصلّيا إلّا رأيته، ولا نائما إلا رأيته. قال الحافظ: أي: أنّ صلاته ونومه كان يختلف باللّيل، ولا يرتّب وقتا معيّنا، بل بحسب ما تيسّر له القيام، ولا يعارضه حديث عائشة رضي الله تعالى عنها؛ لأنّها أخبرت عمّا اطّلعت عليه، فإنّ صلاة اللّيل كانت تقع منه غالبا في البيت. وخبر أنس محمول على ما وراء ذلك. انتهى.
وحاصله أنّ كلا من عائشة وأنس أخبر بما اطّلع عليه.
(فيقوم فيستاك)؛ كما روى أحمد؛ عن ابن عمر: كان لا ينام إلّا والسّواك عند رأسه، فإذا استيقظ بدأ بالسّواك. ولابن عساكر؛ عن أبي هريرة: كان لا ينام حتى يستنّ؛ (فيتوضّأ)، كما في حديث ابن عباس وغيره.
(ولم يكن يأخذ من النّوم فوق القدر المحتاج إليه ولا يمنع نفسه من القدر المحتاج منه)؛ فتنازع فيه الأمران.
[ ٢ / ٢٨٤ ]
وكان ينام على جنبه الأيمن؛ ذاكرا الله تعالى حتّى تغلبه عيناه، غير ممتلىء البطن من الطّعام والشّراب.
قال: وكان ﵊ ينام على الفراش تارة، وعلى النّطع تارة، وعلى الحصير تارة، وعلى الأرض تارة.
وكان فراشه أدما؛ حشوه ليف، وكان له مسح ينام عليه) انتهى.
(وكان ينام على جنبه الأيمن)؛ لأنّه كان يحبّ التّيامن في شأنه كلّه، ومن جملته النّوم، وليرشد أمّته إلى النّوم على الجانب الأيمن؛ (ذاكرا الله تعالى حتّى تغلبه عيناه) بأن يأخذه النّوم، (غير ممتلىء البطن من الطّعام والشّراب) لضرره بالبدن وتثقيله النّوم.
(قال)؛ أي: القسطلّانيّ بعد ذلك بأسطر: (وكان ﵊) - كما علم من مجموع الأحاديث- (ينام على الفراش تارة، وعلى النطع) - بفتح النّون وكسرها مع فتح الطّاء وسكونها-: ما اتّخذ من جلد، والجمع: أنطاع ونطوع (تارة، وعلى الحصير تارة)؛ كما في حديث عمر، (وعلى الأرض تارة) أخرى.
(وكان فراشه)؛ كما في «الصحيحين» والتّرمذيّ؛ عن عائشة قالت: إنّما كان فراش رسول الله ﷺ الّذي ينام عليه (أدما) - بفتحتين-: جلدا مدبوغا؛ أو أحمر، أو مطلق الجلد؛ جمع أديم، وصف به المفرد!! لأنّه أجزاء من الجلد مجتمعة، فهو نظير قوله تعالى مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشاجٍ [٧٦/ الإنسان]، فوصف المفرد بالجمع؛ إذ «أمشاج»: أخلاط؛ جمع «مشيج» (حشوه ليف) من النّخل.
(وكان)؛ كما رواه التّرمذيّ؛ عن حفصة- (له مسح) - بكسر فسكون-:
فراش خشن غليظ (ينام عليه)؛ من شعر أو صوف. وتقدّم هذا في فراشه.
(انتهى) المقصود نقله من كلام «المواهب» .
[ ٢ / ٢٨٥ ]
وكان ﷺ ينام أوّل اللّيل ويحيي آخره.
وكان ﷺ لا ينام حتّى يستنّ.
وكان ﷺ لا يرقد من ليل ولا نهار فيستيقظ..
إلّا تسوّك.
(و) أخرج الشّيخان في «كتاب الصلاة» وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ ينام أوّل اللّيل) بعد صلاة العشاء إلى تمام نصفه الأوّل؛ لأنّه كره النّوم قبلها.
(ويحيي آخره)؛ لأنّ ذلك أعدل النّوم وأنفعه للبدن والأعضاء والقوّة، فإنّه ينام أوّله ليعطي القوّة حظّها من الرّاحة، ويستيقظ آخره ليعطيها حظّها من الرّياضة والعبادة، وذلك غاية صلاح القلب والبدن والدّين.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» - قال العزيزي: وهو حديث حسن لغيره-؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا ينام حتّى يستنّ) من الاستنان؛ وهو تنظيف الأسنان بدلكها بالسواك. ورواه أيضا أبو نعيم في «المعرفة» بلفظ: ما نام ليلة حتى يستنّ.
(و) أخرج أبو داود، وابن أبي شيبة، والطّبراني في «الأوسط» - قال العزيزي: وهو حديث حسن لغيره-؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يرقد)؛ أي: لا ينام (من ليل ولا نهار) «من» بمعنى «في» كما في قوله إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [٩/ الجمعة]، (فيستيقظ) - بالرفع- عطف على «يرقد»، وليس جوابا للنّفي!! وإنّما جوابه قوله (إلّا تسوّك) . وتمام الحديث: قبل أن يتوضّأ. انتهى. وهذا السّواك غير سنّة الاستياك للوضوء!! قاله الحفني على «الجامع» .
[ ٢ / ٢٨٦ ]
وكان ﷺ لا ينام.. إلّا والسّواك عند رأسه، فإذا استيقظ.. بدأ بالسّواك.
وكان ﷺ يستاك في اللّيل مرارا.
وكان ﷺ إذا أراد أن يرقد.. وضع يده اليمنى تحت خدّه، ثمّ يقول: «اللهمّ؛ قني عذابك يوم تبعث عبادك» (ثلاث مرّات) .
(و) أخرج الإمام أحمد، ومحمد بن نصر في «كتاب الصلاة» - قال العزيزي:
وهو حسن لغيره-؛ عن ابن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا ينام إلّا والسّواك عند رأسه)؛ ليسهل تناوله، (فإذا استيقظ بدأ بالسّواك)؛ أي: عقب استيقاظه، لشدّة حرصه عليه؛ فيندب ذلك، وهذا غير الاستياك عند إرادة الوضوء!!
(وكان) رسول الله (ﷺ يستاك في اللّيل مرارا) . لم أقف على تخريجه.
(و) أخرج أبو داود، والنّسائي في «اليوم واللّيلة» كلاهما؛ عن حفصة أمّ المؤمنين، ورواه الترمذي؛ عن حذيفة؛ لكن بدون التّثليث؛ وحسّنه:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد أن يرقد) - في رواية بدل: ينام- (وضع يده اليمنى تحت خدّه) الأيمن- وفي رواية: رأسه- (ثمّ يقول:
«اللهمّ؛ قني عذابك)؛ أي: أجرني منه (يوم تبعث)؛ أي: تحيي- وفي رواية: تجمع- (عبادك») من القبور إلى النّشور للحساب يوم القيامة، فلا تبعثني كريه المنظر؛ على وجهي غبرة، ترهقها قترة. يقول ذلك الدّعاء (ثلاث مرّات)؛ أي: يكرّره ثلاثا.
والظّاهر حصول أصل السّنّة بمرّة، وكمالها باستكمال الثّلاث، وإنّما قال ذلك مع عصمته ﷺ!! تواضعا لله وإجلالا له، وتعليما لأمّته أن يقولوا ذلك عند النّوم،
[ ٢ / ٢٨٧ ]
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. وضع يده تحت خدّه، ثمّ يقول: «باسمك اللهمّ أحيا، وباسمك أموت» .
وإذا استيقظ.. قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
لاحتمال أنّه آخر العمر؛ فيكون خاتمة عملهم ذكر الله، مع الاعتراف بالتّقصير الموجب للفوز والرّضا.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، والنّسائي؛ عن البراء بن عازب.
وأحمد، والبخاري، والأربعة؛ عن حذيفة بن اليمان. وأحمد، والشّيخان؛ عن أبي ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه قال:
(كان ﷺ إذا أخذ مضجعه) - بفتح الميم والجيم، وحكي كسرها- أي:
استقرّ فيه لينام (من اللّيل) «من»: للتبعيض، أو بمعنى «في»، وقيّد باللّيل؛ لأنّه الأغلب، وإلّا! فمثله النّهار!! (وضع يده)؛ يعني: اليمنى (تحت خدّه) الأيمن، (ثمّ يقول: «باسمك)؛ أي: بذكر اسمك (اللهمّ أحيا)، قال الشّيخ: بالبناء للفاعل، (وباسمك أموت»)؛ أي: وعليه أموت.
وقال الحفني: باسمك، لفظ «اسم» مقحم؛ أي: بك، أي: بقدرتك أحيا، أي: أتيقظ، وبك أموت. أي: أنام. انتهى.
(وإذا استيقظ) من نومه؛ (قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا)؛ أي: أيقظنا بعد ما أنامنا، أطلق الموت على النّوم!! لأنّه يزول معه العقل والحركة، ومن ثمّ قالوا: النّوم موت خفيف، والموت نوم ثقيل: وقالوا: النّوم أخو الموت.
والمعنى: الحمد لله الّذي ردّ أنفسنا بعد قبضها عن التّصرّف بالنّوم؛ شكرا لنيل نعمة التصرّف في الطّاعات بالانتباه من النّوم الّذي هو أخو الموت، وزوال المانع عن التّقرّب بالعبادات.
(وإليه النّشور»): الإحياء للبعث، أو المرجع في نيل الثّواب ممّا نكسب في
[ ٢ / ٢٨٨ ]
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل.. قال:
«باسم الله وضعت جنبي، اللهمّ؛ اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني، وفكّ رهاني، وثقّل ميزاني،
حياتنا هذه، وفيه إشارة بإعادة اليقظة بعد النّوم إلى البعث بعد الموت.
وحكمة الدّعاء عند النّوم: أن يكون خاتمة عمله العبادة، فالدّعاء هو العبادة وَقالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ [٦٠/ غافر] .
وحكمة الدّعاء عند الانتباه: أن يكون أوّل ما يستيقظ يعبد الله بدعائه وذكره وتوحيده؛ قاله المناوي.
(و) أخرج أبو داود في «الأدب»، والحاكم بإسناد حسن؛ عن أبي الأزهر- ويقال: أبو زهير- الأنماري الشّامي قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا أخذ مضجعه من اللّيل؛ قال: «باسم الله) - وفي رواية: «باسمك اللهمّ» - (وضعت جنبي)؛ أي: بإقدارك إيّاي وضعت جنبي؛ ففيه الإيمان بالقدر، وفي رواية أنّه قال: «باسمك اللهمّ وضعت جنبي وبك أرفعه» .
(اللهمّ، اغفر لي ذنبي، واخسأ شيطاني)؛ أي: اجعله خاسئا، أي:
مطرودا، وهو بوصل الهمزة، يقال: خسأت الكلب؛ أي: طردته، و«خسىء» يتعدّى، ولا يتعدى.
(وفكّ رهاني)؛ أي: نفسي المرهونة في سجن المخالفة، أي: خلّصني من عقال ما اقترفت نفسي من الأعمال الّتي لا ترتضيها بالعفو عنها. و«الرّهان» ك «سهام» .
الرّهن: وهو ما يجعل وثيقة بالدّين، والمراد هنا: نفس الإنسان، لأنّها مرهونة بعملها كُلُّ امْرِئٍ بِما كَسَبَ رَهِينٌ (٢١) [الطور] .
(وثقّل ميزاني) يوم توزن الأعمال؛ وهذا تشريع للأمّة، وإلّا! فالأنبياء
[ ٢ / ٢٨٩ ]
واجعلني في النّديّ الأعلى» .
وكان ﷺ إذا أخذ مضجعه.. قرأ (قل يا أيها الكافرون) حتّى يختمها.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا أوى إلى فراشه كلّ ليلة.. جمع كفّيه فنفث فيهما
لا سيّئات لهم، ولا توزن لهم أعمال!
(واجعلني في النّديّ) - بفتح النّون وكسر الدّال وتشديد الياء؛ كما في «الأذكار» -: هم القوم المجتمعون في مجلس، ومنه: النّادي؛ لمكان الاجتماع؛ أي: الملأ (الأعلى») من الملائكة.
وهذا دعاء يجمع خير الدنيا والآخرة، فتتأكّد المواظبة عليه كلّما أريد النّوم، وهو من أجلّ الأدعية المشروعة عنده؛ على كثرتها!
(و) أخرج الطّبراني في «الكبير»؛ عن عبّاد بن عبّاد- بتشديد الباء مع فتح العين المهملة فيهما- ابن أخضر المازني المصري، قال العلقمي: بجانبه علامة الحسن.
قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أخذ مضجعه) من اللّيل؛ (قرأ قُلْ يا أَيُّهَا الْكافِرُونَ (١»؛ أي: سورتها (حتى يختمها)، ثمّ ينام على خاتمتها؛ لأنّها براءة من الشّرك، كما جاء به معلّلا في خبر آخر.
(و) أخرج الإمام مالك، والإمام أحمد، والشّيخان، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا أوى) - بالقصر، وقد يمدّ- أي: وصل (إلى فراشه) وأراد النّوم فيه (كلّ ليلة؛ جمع كفّيه)، أي: ضمّ إحداهما للآخرى، (فنفث)؛ أي: نفخ (فيهما) نفخا لطيفا بلا ريق؛ على ما يلوح من ظواهر
[ ٢ / ٢٩٠ ]
وقرأ فيهما (قل هو الله أحد)، و: (قل أعوذ برب الفلق)، و:
(قل أعوذ برب الناس)، ثمّ مسح بهما ما استطاع من جسده، يبدأ بهما رأسه ووجهه وما أقبل من جسده؛ يصنع ذلك
الأحاديث، وإن اختلف أهل اللّغة في أنّ النّفث بريق أو بدونه!! فيكون النّفث أقلّ من التّفل؛ لأنّ التّفل لا يكون إلّا ومعه شيء من الرّيق، وكان ﷺ ينفث مخالفة لليهود لأنّهم يقرؤون ولا ينفثون.
(وقرأ فيهما) وفي رواية «فقرأ» - بالفاء-. مقتضى الرّواية الأولى: أنّ تقديم النّفث على القراءة وعكسه سيّان؛ حيث كانا بعد جمع الكفّين. ومقتضى الرّواية الثّانية: أنّ النّفث يكون قبل القراءة، وبه جزم بعضهم، وعلّل ذلك بمخالفة السّحرة؛ فإنّهم ينفثون بعد القراءة.
(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١»، (وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ (١» (وقُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١»؛ أي: قرأ السّور الثّلاث بكمالها، (ثمّ مسح بهما)؛ أي:
بكفّيه (ما استطاع) مسحه- فالعائد محذوف- (من جسده)؛ وهو ما تصل إليه يده من بدنه.
وظاهره أنّ المسح فوق الثّوب (يبدأ بهما)؛ أي: بكفّيه (رأسه) . فصله!! لأنّه بيان لجملة «مسح»، أو بدل منه، أو استئناف (ووجهه وما أقبل من جسده)؛ الجسد أخص من الجسم؛ لأنّه لا يقال إلّا لبدن الإنسان والملائكة والجن، كما ذكره في «البارع» وغيره.
ولا يرد قوله تعالى فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوارٌ [٨٨/ طه]؛ لأنّ إطلاق الجسد فيه على سبيل المجاز لتشبيهه بالعاقل!! وأمّا الجسم؛ فيشمل سائر الحيوانات والجمادات. انتهى «باجوري» .
وكان (يصنع ذلك)؛ أي: المذكور؛ من جمع الكفّين والنّفث فيهما والقراءة
[ ٢ / ٢٩١ ]
ثلاث مرّات. وكان لا ينام حتّى يقرأ: (بني إسرائيل) و:
(الزمر) .
وكان ﷺ لا ينام حتّى يقرأ: (ألم تنزيل) السّجدة، و: (تبارك الذي بيده الملك) .
والمسح (ثلاث مرّات)، كما هو كمال السّنّة، وأمّا أصلها؛ فيحصل بمرّة، كما يفيده رواية أخرى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي، والحاكم، وقال التّرمذي: حسن غريب؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان لا ينام حتّى يقرأ) سورة (بني إسرائيل)، ويقال لها سورة «الإسراء» .
(و) يقرأ سورة (الزّمر)، قال الطيبي: «حتّى» غاية لقوله: «لا ينام»، ويحتمل كون المعنى: إذا دخل وقت النّوم لا ينام حتّى يقرأ، وكونه لا ينام مطلقا حتّى يقرأ؛ يعني: لم يكن عادته النّوم قبل قراءتهما، فتقع القراءة قبل دخول وقت النوم؛ أيّ وقت كان!! ولو قيل: كان يقرؤهما باللّيل! لم يفد ذلك. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، والتّرمذي في «فضائل القرآن»، والنّسائي في «اليوم والليلة»، والحاكم في «التفسير»؛ وقال: على شرطهما؛ كلهم عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا ينام حتّى يقرأ الم (١) تَنْزِيلُ السّجدة، وتَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ) [١/ الملك] فيه التّقرير المذكور فيما قبله.
وعن العرباض بن سارية: كان ﷺ يقرأ المسبّحات قبل أن يرقد، وقال: «إنّ فيهنّ آية أفضل من ألف آية» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والتّرمذي؛ وحسّنه، والنّسائي، ورواه ابن الضّريس؛ عن يحيى بن أبي كثير مرسلا، وزاد:
قال يحيى: فنراها الآية الّتي في آخر «الحشر» . وقال ابن كثير: الآية هي قوله تعالى هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣) [الحديد] .
[ ٢ / ٢٩٢ ]
وكان ﷺ يأمر نساءه إذا أرادت إحداهنّ أن تنام..
أن تحمد ثلاثا وثلاثين، وتسبّح ثلاثا وثلاثين، وتكبّر ثلاثا وثلاثين.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه
والمسبّحات ست: الحديد، والحشر، والصفّ، والجمعة، والتغابن، وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) [الأعلى] .
(و) في «الجامع الصّغير» وقال: أخرجه ابن منده؛ عن حابس قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يأمر نساءه إذا أرادت إحداهنّ أن تنام)؛ ظاهره شمول نوم اللّيل والنّهار،
(أن تحمد) - بفتح الميم-؛ أي: تحمد الله تعالى (ثلاثا وثلاثين)؛ أي:
تقول «الحمد لله»، وتكرّرها ثلاثا وثلاثين مرّة.
(وتسبّح ثلاثا وثلاثين)؛ أي: تقول «سبحان الله»؛ وتكرّرها ثلاثا وثلاثين مرّة.
(وتكبّر ثلاثا وثلاثين)؛ أي: تقول «الله أكبر»، وتكرّره كذلك، وهي «الباقيات الصّالحات» في قول ترجمان القرآن الحبر: عبد الله بن عباس.
فيندب ذلك عند إرادة النّوم ندبا مؤكّدا للنّساء، ومثلهن الرّجال، فتخصيصهنّ بالذّكر ليس لإخراج غيرهن!
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والتّرمذي في «الجامع» و«الشّمائل»، والنّسائي: كلهم؛ (عن أنس) أي: ابن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ أنّ رسول الله ﷺ كان إذا أوى إلى فراشه) أي: دخل فيه.
قال الإمام النّوويّ في آخر «باب الحج» من «شرح مسلم»؛ نقلا عن القاضي عياض: يقال: آوى وأوى- بالمدّ والقصر في الفعل الّلازم والمتعدّي جميعا- لكن
[ ٢ / ٢٩٣ ]
قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا وكفانا وآوانا، فكم ممّن لا كافي له ولا مؤوي له» .
القصر في الّلازم أشهر وأفصح، والمدّ في المتعدّي أشهر وأفصح. انتهى.
قلت: وبالأفصح جاء القرآن العزيز في الموضعين، قال تعالى: أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنا إِلَى الصَّخْرَةِ [٦٣/ الكهف] . وقال تعالى في المتعدّي وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ [٥٠/ المؤمنون] . انتهى.
(قال: «الحمد لله الّذي أطعمنا وسقانا)، إنّما ذكرهما هنا!! لأنّ الحياة لا تتمّ إلّا بهما؛ كالنّوم، فالثّلاثة من واد واحد، وأيضا النّوم فرع الشّبع والرّيّ، وفراغ الخاطر من المهمّات، والأمن من الشرور والآفات؛ فلذلك ذكر ما بعده أيضا بقوله:
(وكفانا)؛ أي: دفع عنّا شرّ خلقه، (وآوانا)؛ في كنّ نسكن فيه يقينا الحرّ والبرد، ونحرس فيه متاعنا، ونحجب به عيالنا، وهو بالمدّ، ويجوز القصر، وعلّل الحمد مبيّنا لسببه الحامل عليه؛ إذ لا يعرف قدر النّعمة إلّا بضدّها؛ بقوله:
(فكم ممّن لا كافي له) - بدون همز- (ولا مؤوي له!!) - بميم مضمومة، فهمزة ساكنة، فواو مكسورة؛ اسم فاعل من «آوى» بالمدّ- أي: كثير من خلق الله لا يكفيهم الله شرّ الأشرار، ولا يجعل لهم مسكنا؛ بل تركهم يتأذّون في الصّحاري بالبرد والحرّ؛ قاله المناوي على «الجامع» .
وقال الباجوري: والمعنى: فكم من الخلق؛ أي: كثير منهم لا كافي لهم ولا مؤوي لهم على الوجه الأكمل عادة، فالله تعالى كاف لجميع خلقه ومؤو لهم؛ ولو من بعض الوجوه، وإن كان لا يكفيهم ولا يؤويهم من بعض آخر! فلا يكفيهم شرّ أعدائهم؛ بل يسلّطهم عليهم، ولا يؤويهم إلى مأوى، بل يتركهم يتأذّون ببرد الصّحاري وحرّها.
وفي الحديث إشارة إلى عموم الأكل والشّرب لشمول الرّزق، كما يقتضيه قوله تعالى. وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُها [٦/ الأنعام] .
[ ٢ / ٢٩٤ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر من اللّيل
وأمّا الكفاية من شرّ الأعداء- مثلا- والمأوى!! فالله تعالى يخصّ بهما من شاء من عباده؛ فإنّ كثيرا منهم من يتسلّط عليه أعداؤه، وكثير منهم ليس له مأوى! إمّا مطلقا، أو مأوى صالحا. انتهى.
وروى البخاريّ وغيره؛ عن حذيفة؛ ومسلم؛ عن البراء:
كان ﷺ إذا استيقظ؛ قال: «الحمد لله الّذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النّشور» .
وروى أبو داود؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: كان إذا استيقظ من اللّيل؛ قال: «لا إله إلّا أنت، سبحانك اللهمّ وبحمدك، أستغفرك لذنبي، وأسألك رحمتك، اللهمّ زدني علما، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنّك أنت الوهّاب» .
وروى الإمام أحمد، وابن ماجه؛ عن ربيعة بن كعب؛ أنّه سمع رسول الله ﷺ إذا قام من اللّيل يصلّي يقول: «الحمد لله ربّ العالمين القويّ»، ثمّ يقول:
«سبحان الله وبحمده القويّ» .
وأمّا ما كان يقوله إذا أصبح وإذا أمسى!! فكثير ألّفت فيه تاليف كثيرة، يقال لها «عمل اليوم واللّيلة» والله أعلم.
(و) أخرج النّسائي في «عمل اليوم والليلة»، والحاكم في «باب الدعاء»، وقال: على شرطهما، وأقرّه الذّهبيّ، وقال الحافظ العراقي في «أماليه»: حديث صحيح، وأخرجه ابن حبّان أيضا: كلهم؛ (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
كان رسول الله ﷺ إذا تضوّر) - بالتّشديد-؛ أي: تلوّى وتقلّب ظهرا لبطن؛ وقال الحفني: أي: استيقظ (من اللّيل) . «من» تبعيضيّة، أو بمعنى «في»؛
[ ٢ / ٢٩٥ ]
قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض وما بينهما العزيز الغفّار» .
ومعنى (تضوّر): تلوّى وتقلّب في فراشه.
وكان رسول الله ﷺ إذا تعارّ من اللّيل.. قال:
«ربّ اغفر وارحم، واهد للسّبيل الأقوم» .
(قال: «لا إله إلّا الله الواحد القهّار، ربّ السّماوات والأرض، وما بينهما العزيز الغفّار»)، هذا التسجيع في الدّعاء ليس مقصودا له ﷺ، فلا بأس به حيث لم يكن متكلّفا.
(ومعنى تضوّر) - بفتح المثنّاة الفوقيّة والضّاد المعجمة، وشدّة الواو؛ فراء- (: تلوّى وتقلّب في فراشه)؛ قاله العزيزي على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج محمد بن نصر في كتاب «فضل الصلاة»؛ وقال في «العزيزي»: حديث حسن لغيره؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها، زوج النّبيّ ﷺ قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا تعارّ) - بفتح المثنّاة، الفوقيّة، والعين المهملة، وشدّة الرّاء- أي: انتبه (من اللّيل) . والتّعارّ: الانتباه في اللّيل مع صوت؛ من نحو تسبيح أو استغفار، وهذا حكمة العدول إليه عن التعبير بالانتباه، فإنّ من هبّ من نومه ذاكرا لله وسأله خيرا أعطاه، وإنّما يكون ذلك لمن تعوّد الذّكر واستأنس به؛ وغلب عليه حتّى صار حديث نفسه في نومه ويقظته!!
قالوا: وأصل التّعارّ: السّهر والتّقلّب على الفراش، ثمّ استعمل فيما ذكر، وقد ورد عند الانتباه أذكار؛ منها: أنّه كان إذا انتبه (قال: «ربّ اغفر وارحم واهد للسّبيل الأقوم»)؛ أي: دلّني على الطّريق الواضح الّذي هو أقوم الطّرق وأعظمها استقامة. وحذف المعمول! ليؤذن بالعموم.
[ ٢ / ٢٩٦ ]
ومعنى (تعارّ): هبّ من نومه واستيقظ.
وعن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس بليل.. اضطجع على شقّه الأيمن،
وفيه جواز تسجيع الدّعاء إذا خلا عن تكلّف وقصد؛ كهذا.
فينبغي المحافظة على قول الذّكر عند الانتباه من النّوم، ولا يتعيّن له لفظ؛ لكنّه بالمأثور أفضل، ومنه ما ذكر في هذا الخبر. قاله المناوي.
(ومعنى تعارّ) - بتشديد الرّاء-: (هبّ من نومه واستيقظ)، والتّاء زائدة؛ قاله في «النّهاية» .
(و) أخرج التّرمذي في «الشّمائل»، والإمام أحمد، وابن حبّان، والحاكم؛ بأسانيد صحيحة، واللفظ ل «الشّمائل»؛ (عن أبي قتادة) من أكابر الصّحب الكرام.
اسمه: الحارث بن ربعيّ- بكسر أوّله-، أو: النّعمان بن ربعيّ. أو النّعمان ابن عمرو، الأنصاري، الخزرجي، السّلمي، المدني.
فارس رسول الله ﷺ؛ حضر المشاهد كلّها إلّا بدرا؛ ففيها خلف، وليس في الصّحب من يكنّى بكنيته.
مات بالمدينة المنوّرة سنة: ثمان وثلاثين، أو: أربع وخمسين؛ عن سبعين سنة (رضي الله تعالى عنه؛
أنّ النّبيّ ﷺ كان إذا عرّس) - بشدّ الرّاء وعين وسين مهملات- أي: نزل وهو مسافر آخر الليل للنّوم والاستراحة (بليل)؛ أي: في زمن ممتدّ منه، لقوله بعد:
«قبيل الصبح»، (اضطجع على شقّه الأيمن)؛ أي: نام على جنبه الأيمن، ووضع رأسه على لبنة، والشّقّ- بالكسر-: نصف الشّيء والجانب.
وهذه الحالة؛ وإن كانت تفضي إلى الاستغراق في النّوم؛ لكنّه لمّا كان الوقت متّسعا وثق من نفسه بالتّيقّظ وعدم فوات الصّبح.
[ ٢ / ٢٩٧ ]
وإذا عرّس قبيل الصّبح.. نصب ذراعه، ووضع رأسه على كفّه.
ومعنى (التّعريس): نزول القوم في السّفر آخر اللّيل.
وكان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب..
توضّأ وضوءه للصّلاة،
(وإذا عرّس قبيل الصّبح)؛ أي: قبل دخول وقته بقليل (نصب ذراعه)؛ أي: اليمين، (ووضع رأسه على كفّه)، وفي رواية أحمد وغيره: ووضع رأسه على كفّه اليمنى، وأقام ساعده. وذلك لأنّه أعون على الانتباه؛ لئلّا ينام طويلا؛ فيفوته الصّبح، فهو تشريع وتعليم لأمّته لئلّا يثقل نومهم فيفوتهم أوّل الوقت، فينبغي لمن قارب وقت الصّلاة أن يتجنب الاستغراق في النّوم، فينام على هيئة تقتضي سرعة يقظته؛ محافظة على تحصيل فضيلة أوّل الوقت؛ اقتداء به ﷺ.
(ومعنى التّعريس: نزول القوم في السّفر آخر اللّيل) للنّوم والاستراحة، هذا قول الأكثر؛ كما في الزّرقاني.
وقال المناوي: ظنّ بعضهم أنّ اللّيل قيد في مسمّاه، والأمر بخلافه!! فقد أطلقوا أن يقال: «عرّس»؛ إذا نزل المسافر ليستريح نزلة ثمّ يرتحل.
بل قال أبو زيد وغيره: قالوا: عرّس القوم في المنزل تعريسا؛ إذا نزلوا أيّ وقت كان من ليل أو نهار، هكذا حكاه عنه بلفظ: «قالوا» . انتهى كلام المناوي على «الشّمائل» .
(و) أخرج أبو داود، والنسائي، وابن ماجه بإسناد صحيح؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن ينام؛ وهو جنب توضّأ)؛ أي: غسل أعضاءه الأربعة بالنّية، ولمّا كان الوضوء لغويّا وشرعيّا؛ دفع توهّم إرادة اللّغوي الّذي هو مطلق النّظافة بقوله: (وضوءه للصّلاة)؛ احترازا عن الوضوء اللّغوي، فيسنّ وضوء الجنب للنّوم، ويكره تركه.
[ ٢ / ٢٩٨ ]
وإذا أراد أن يأكل أو يشرب وهو جنب.. غسل يديه ثمّ يأكل ويشرب.
وحكمة الوضوء: تخفيف الحدث، لا سيّما إذا قلنا بجواز تفريق الغسل؛ فينويه، فيرتفع الحدث عن تلك الأعضاء.
ويؤيّده ما رواه ابن أبي شيبة بسند قال فيه ابن حجر: رجاله ثقات؛ عن شدّاد رفعه: «إذا أجنب أحدكم من اللّيل؛ ثمّ أراد أن ينام فليتوضّأ؛ فإنّه نصف غسل الجنابة» .
وقيل: حكمته أنّه أحد الطّهارتين. وعليه؛ فيقوم التّيمم مقامه!! وقد روى البيهقي- بإسناد قال ابن حجر: هو حسن- عن عائشة رضي الله تعالى عنها:
كان إذا أجنب فأراد أن ينام توضّأ أو تيمّم. أي: عند فقد الماء.
وقيل: حكمته أن ينشط إلى العود أو الغسل.
ونقل ابن دقيق العيد عن نصّ الشّافعي أنّه مثل الجنب: الحائض بعد الانقطاع، ومثلها النّفساء؛ وفيه ندب التّنظيف عند النّوم. قال ابن الجوزي:
وحكمته أنّ الملائكة تبعد عن الوسخ والرّيح الكريه؛ بخلاف الشّياطين!.
(وإذا أراد أن يأكل أو يشرب؛ وهو جنب؛ غسل يديه)؛ أي: الأقلّ ذلك، والأكمل أن يتوضّأ؛ كما صرّح به الفقهاء، وغسل اليدين مطلوب عند الأكل؛ وإن لم يكن جنبا.
وإنما قيّد بالجنب! لتأكّد ذلك فيه أكثر من غيره. وقد ورد أنّه ﷺ كان يتوضّأ أيضا عند إرادة الأكل إذا كان جنبا، وقيس بالأكل الشّرب.
وكالجنب في ذلك الحائض والنّفساء إذا انقطع دمهما؛ قاله العزيزي والحفني.
(ثمّ يأكل ويشرب)؛ لأنّ أكل الجنب بدون ذلك يورث الفقر؛ كما جاء في
[ ٢ / ٢٩٩ ]
وكان ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب.. غسل فرجه وتوضّأ.
وكان ﷺ تنام عيناه ولا ينام قلبه.
خبر الديلمي؛ عن شدّاد بن أوس يرفعه: «ثلاث تورث الفقر: أكل الرّجل وهو جنب قبل أن يغسل يديه، وقيامه عريا بلا مئزر وسترة، والمرأة تشتم زوجها في وجهه» .
(و) أخرج الشّيخان، وأبو داود، والنّسائيّ، وابن ماجه؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ إذا أراد أن ينام وهو جنب؛ غسل فرجه)، أي: ذكره (وتوضّأ) - تمامه- للصّلاة. أي: وضوءه للصّلاة؛ أي: توضّأ كما يتوضّأ للصّلاة، وليس معناه أنّه توضّأ لأداء الصّلاة! وإنّما المراد أنّه توضّأ وضوآ شرعيّا؛ لا لغويا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الحاكم في «التفسير» - قال العزيزي: وهو حديث صحيح-؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ تنام عيناه) بالتّثنية، وبالإفراد، على أنّه مفرد مضاف يعمّ، روايتان في البخاري.
(ولا ينام قلبه) ليعي الوحي الذي يأتيه، بل هو دائم اليقظة، لا يعتريه غفلة؛ ولا يتطرّق إليه شائبة نوم؛ لمنعه من إشراق الأنوار الإلهيّة الموجبة لفيض المطالب السّنيّة، ولذا كانت رؤياه وحيا، ولا تنتقض طهارته بالنّوم، وكذا الأنبياء؛ لقوله ﷺ: «إنّا معشر الأنبياء تنام أعيننا؛ ولا تنام قلوبنا» . رواه ابن سعد؛ عن عطاء مرسلا،
ورواه البخاري وغيره بمعناه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها، ولفظها:
ما كان رسول الله ﷺ يزيد في رمضان، ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة؛ يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهنّ وطولهنّ، ثمّ يصلي أربعا؛ فلا تسأل عن حسنهن
[ ٢ / ٣٠٠ ]
وطولهنّ، ثمّ يصلي ثلاثا، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: قلت: يا رسول الله؛ أتنام قبل أن توتر؟! فقال: «يا عائشة؛ إنّ عينيّ تنامان ولا ينام قلبي» .
رواه الشّيخان، وأبو داود، والتّرمذي، والنّسائي.
وإنّما كان لا ينام قلبه! لأنّ القلب إذا قويت فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحالة كان لنبيّنا محمد ﷺ، ولباقي الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، فهو من خصائصه على الأمم؛ لا على الأنبياء؛ بنصّ حديثه المارّ!
والفرق بيننا وبينهم: أنّ النّوم يتضمّن أمرين: راحة البدن، وهو الّذي شاركونا فيه. والثّاني: غفلة القلب، وقلوبهم مستيقظة إذا ناموا؛ سليمة من أضغاث الأحلام، مشتغلة في تلقّف الوحي والتّفكر في المصالح؛ على مثل حال غيرهم إذا كان يقظانا، ولذا كانت رؤياهم وحيا، ولا ينقض النّوم وضوءهم.
ويحصل لمن أحيا الله قلبه بمحبّته واتباع رسوله من ذلك الحال الّذي كماله للمصطفى جزء بحسب نصيبه من محبّته ﵊، ولكنّهم؛ ولو شاركوا الأنبياء في جزء ما من ذلك؛ ليسوا كهم! لانتقاض وضوئهم، ورؤياهم ليست وحيا بإجماع.
وقد جمع العلماء بين هذا الحديث وبين حديث نومه ﵊ في الوادي؛ حيث كانوا قافلين من سفر عن صلاة الصّبح حتّى طلعت الشّمس وحميت حتّى أيقظه عمر رضي الله تعالى عنه بالتّكبير!! كما أخرجه البخاري ومسلم؛ عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما؛
فقال النّووي: له جوابان:
أحدهما: أنّ القلب إنّما يدرك الحسّيّات المتعلّقة به؛ كالحدث والألم ونحوهما، ولا يدرك ما يتعلّق بالعين؛ لأنّها نائمة والقلب يقظان.
الثاني: أنّه كان له حالان؛ حال كان قلبه لا ينام؛ وهو الأغلب، وحال ينام
[ ٢ / ٣٠١ ]
فيه قلبه؛ وهو نادر، فصادف هذا- أي: قصّة النّوم عن الصلاة- قال: والصّحيح المعتمد هو الأوّل، والثاني ضعيف، بل شاذّ؛ لمخالفته لصريح «ولا ينام قلبي» الشّامل لسائر الأحوال؛ إذ الفعل المنفي يفيد العموم. قال في «فتح الباري»:
وهو كما قال.
ولا يقال: القلب؛ وإن كان لا يدرك ما يتعلّق بالعين من رؤية الفجر مثلا؛ لكنّه يدرك إذا كان يقظانا مرور الوقت الطّويل، فإنّ من ابتداء طلوع الفجر إلى أن حميت الشّمس مدّة طويلة لا تخفى على من لم يكن مستغرقا!! لأنّا نقول: يحتمل أن يقال: كان قلبه ﷺ إذ ذاك مستغرقا بالوحي، ولا يلزم من ذلك وصفه بالنّوم، كما كان يستغرق ﷺ حالة إلقاء الوحي؛ فكان يستغرق بحيث يؤخذ عن النّاس إذا نزل عليه في اليقظة، وتكون الحكمة في ذلك الاستغراق: بيان التشريع بالفعل؛ لأنّه أوقع في النّفس، كما في قصّة سهوه في الصّلاة حين سلّم من ركعتين وغير ذلك.
وقريب من هذا جواب ابن المنير: أنّ القلب قد يحصل له السّهو في اليقظة لمصلحة التّشريع، ففي النّوم بطريق الأولى، أو على السّواء؛ حيث فرضنا أنّ نومه ويقظته سيّان.
وقال ابن العربي في «القبس»: النّبيّ ﷺ كيفما اختلفت حاله من نوم أو يقظة في حقّ وتحقيق، ومع الملائكة في كل طريق، إن نسي؛ فباكد من المنسيّ اشتغل، وإن نام؛ فبقلبه ونفسه على الله أقبل، ولهذا قالت الصّحابة الكرام رضوان الله عليهم: كان ﷺ إذا نام لا نوقظه حتّى يستيقظ، لأنّا لا ندري ما يحدث له!! أي: من الوحي؛ كانوا يخافون من إيقاظه قطع الوحي، فلا يوقظونه لاحتمال ذلك.
قال ابن العربي: فنومه عن الصّلاة أو نسيانه شيئا منها لم يكن عن آفة، وإنّما كان بالتّصرّف من حالة إلى حالة مثلها؛ لتكون لنا سنّة. انتهى. أي: كما قال
[ ٢ / ٣٠٢ ]
ولذلك كان ﷺ ينام حتّى ينفخ، ثمّ يقوم فيصلّي.
ﷺ: «لو أنّ الله أراد ألّا تناموا عنها لم تناموا، ولكن أراد أن تكون لمن بعدكم؛ فهكذا لمن نام أو نسي» . رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
(ولذلك) المذكور من كونه تنام عيناه ولا ينام قلبه (كان ﷺ ينام حتّى ينفخ)؛ من النّفخ: وهو إرسال الهواء من الفم بقوّة، والمراد هنا ما يخرج من النائم حين استغراقه في نومه، وبيّن به أنّ النّفخ يعتري بعض النائمين؛ دون بعض، وأنّه ليس بمذموم ولا مستهجن.
(ثمّ يقوم فيصلّي)، لفظ التّرمذي؛ عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما:
أنّه ﷺ نام حتّى نفخ، وكان إذا نام نفخ، فأتاه بلال فاذنه بالصّلاة، فقام وصلّى؛ ولم يتوضّأ!! أي: لأنّ نومه لا ينقض وضوءه مطلقا؛ ليقظة قلبه، فلو خرج منه حدث لأحسّ به!! وأمّا رواية: أنّه توضّأ! فإمّا للتجديد، أو وجود ناقض غير النّوم.
وفي البخاري؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: نام ﷺ حتّى نفخ، وكنا نعرفه إذا نام بنفخه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: نام ﷺ حتّى استثقل، ورأيته ينفخ.
ولأحمد عنها: ما نام قبل العشاء، ولا سمر بعدها. انتهى «زرقاني» .
[ ٢ / ٣٠٣ ]
[الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته]
الباب الخامس في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته وفيه ستّة فصول
(الباب الخامس) من الكتاب المشتمل على ثمانية أبواب، ومقدّمة، وخاتمة (في) بيان ما ورد في (صفة خلق رسول الله ﷺ) .
الخلق- بضم الخاء واللّام، - وقد تسكّن-: الطبع والسجيّة، وهو اسم للأوصاف الباطنة؛ بخلاف الخلق- بفتح الخاء وسكون اللام-!! فإنّه اسم للصفات الظّاهرة؛ وتعلّق الكمال بالصّفات الباطنة أكثر من تعلّقه بالصّفات الظّاهرة.
وعرّف الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ الخلق- بضمتين- بأنّه: هيئة للنّفس تصدر عنها الأفعال بسهولة، فإن كانت تلك الأفعال جميلة؛ سمّيت الهيئة خلقا حسنا، وإلّا! سمّيت خلقا سيئا.
(وحلمه) - بكسر الحاء- قال في «الشّفاء» للقاضي عياض: هو حالة توقّر وثبات عند الأسباب المحركات، (وعشرته) - بكسر العين المهملة-: اسم من المعاشرة والتعاشر، وهي المخالطة (مع نسائه)، وغيرهنّ، (وأمانته) في كلّ شيء يحفظه؛ قولا أو فعلا أو غير ذلك ممّا يجعل عنده، وكونه موثوقا به في أموال النّاس وأحوالهم، (وصدقه)؛ وهو مطابقة خبره للواقع.
(وحيائه) قال القاضي عياض في «الشفاء»: الحياء رقّة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته، أو ما يكون تركه خيرا من فعله.
[ ٢ / ٣٠٤ ]
(ومزاحه) - بكسر أوّله- مصدر «مازحه»؛ وهو الانبساط مع الغير من غير إيذاء له؛ فيتولّد منه الضّحك.
(وتواضعه) - بضمّ الضّاد المعجمة-؛ هضم النّفس، قال الخفاجي:
التّواضع إظهار أنّه وضيع وهو أشرف النّاس؛ فالصيغة للتّكلف في الأصل. قال ملا علي قاري: وهو من الملكات المورّثة للمحبّة الرّبّانيّة والمودّة الإنسانيّة؛ ولا يبلغ أحد حقيقة التّواضع إلّا عند لمعان نور المشاهدة في قلبه، فعند ذلك تذوب النّفس؛ وفي ذوبانها صفاؤها من غشّ الكبر والعجب؛ فتلين وتنطبع للحقّ والخلق؛ بمحو آثارها وسكون وهجها وغليانها، فالتواضع الحقيقيّ هو: ما كان ناشئا عن شهود عظمته تعالى، وتجلّي صفته ﷿.
ما المتواضع الّذي إذا اتّضع رأى بأنّ القدر فوق ما صنع
لكنّه الّذي إذا ما اتّضعا تكون نفسه لديه أوضعا
وما الحقيقيّ من التّواضع ما كان عن تصنّع من واضع
بل عن شهود هيبة العظيم وعن تجلّي وصفه القديم
(وجلوسه)؛ من كونه على شبه الحبوة، وإلى القبلة، وجلوسه مع أصحابه، ونحو ذلك، (وكرمه)؛ الكرم- بفتح أوّليه- قال القاضي عياض: هو الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره ونفعه. انتهى. فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقلّ نفعه.
(وشجاعته) - مثلّث الشين-: مصدر «شجع» - بالضم- شجاعة؛
وهي- كما قال الشامي-: انقياد النفس مع قوّة غضبيّة وملكة يصدر عنها انقيادها في إقدامها، متدرّبة على ما ينبغي، في زمن ينبغي، وحال ينبغي. انتهى.
والشّجاع- بالضم-: الشديد القلب عند البأس، المستهين بالحروب.
(وفيه)؛ أي: هذا الباب فيه (ستّة فصول) سيأتي بيانها.
[ ٢ / ٣٠٥ ]
[الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه]
الفصل الأوّل في صفة خلقه ﷺ وحلمه (الفصل الأوّل) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة خلقه ﷺ) .
في «النهاية»: الخلق- بالضّم والسكون، وبضمّتين-: السجيّة والطبيعة، والمروءة والدين. وحقيقته: أنّه صورة الإنسان الباطنة؛ وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصّة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها، ولهما أوصاف حسنة وقبيحة، والثواب والعقاب يتعلّقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلّقان بأوصاف الصورة الظاهرة، ولهذا تكرّرت الأحاديث في مدح حسن الخلق في غير موضع. انتهى.
واختلف: هل حسن الخلق غريزة طبيعية، أو مكتسبة اختيارية!؟.
فقيل بالأوّل؛ لخبر البخاري: «إنّ الله قسم بينكم أخلاقكم كما قسم أرزاقكم» .
وقيل: بعضه مكتسب؛ لما صحّ في خبر الأشجّ: «إنّ فيك لخصلتين يحبّهما الله: الحلم، والأناة» قال: يا رسول الله؛ قديما كان فيّ أو حديثا؟! قال:
«قديما» . قال: الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبّهما.
قال ابن حجر الهيتمي- رحمه الله تعالى-: فترديد السؤال عليه وتقريره يشعر بأنّ منه ما هو جبلّيّ، ومنه ما هو مكتسب؛ وهذا هو الحق.
ومن ثمّ قال القرطبيّ: هو جبلّة في نوع الإنسان؛ وهم متفاوتون فيه، فمن غلبه حسنه؛ فهو المحمود، وإلّا! أمر بالمجاهدة حتى يصير حسنا، وبالرياضة حتى يزيد حسنه.
[ ٢ / ٣٠٦ ]
قلت: الأظهر أنّ الأخلاق كلّها باعتبار أصلها جبلّيّة؛ قابلة للزيادة والنقصان في الكميّة والكيفيّة والرياضات الناشئة عن الأمور العلمية والعملية، كما تدلّ عليه الأخبار النبوية.
منها حديث: «إنّما بعثت لأتمّم صالح الأخلاق» . رواه البخاري في «تاريخه»، والحاكم، والبيهقي، وأحمد؛ عن أبي هريرة.
وأخرجه البزّار بلفظ: «مكارم الأخلاق» .
ومنها ما في «مسلم»؛ عن علي كرّم الله وجهه في «دعاء الافتتاح»:
«واهدني لأحسن الأخلاق لا يهدي لأحسنها إلّا أنت» .
ومنها ما صحّ عنه ﷺ: «اللهمّ؛ كما حسّنت خلقي فحسّن خلقي» .
فالمراد: زيادة تحسين الخلق على ما هو الظاهر؛ على طبق رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤) [طه] .
ومنها حديث: «حسن الخلق نصف الدّين» رواه الديلمي؛ عن أنس.
ومنها حديث: «إنّ من أحبّكم إليّ أحسنكم أخلاقا» . رواه البخاري؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما. انتهى. ذكره العلامة ملا علي القاري في «جمع الوسائل» .
(وحلمه) ﷺ وهو: ضبط النّفس والطبع عند هيجان الغضب وعدم إظهاره؛ قاله الخفاجي على «الشفاء» .
وفي «الابتهاج» للبلغيثي: واعلم أنّ الحلم من أصحّ السّمات على محمود الصفات، وهو يدرك بالتخلّق وحمل النفس عليه؛ فهو مكتسب، كما يدلّ عليه الحديث: «إنّما العلم بالتّعلّم، وإنّما الحلم بالتّحلّم» .
وقال عليّ رضي الله تعالى عنه: من حلم ساد، ومن تفهّم ازداد.
وللحلم عشرة أسباب: ١- رحمة الجهّال، و٢- القدرة على المعفوّ عنه،
[ ٢ / ٣٠٧ ]
و٣- الترفّع شرفا وعلوّ همّة، و٤- الاستهانة أنفة وعجبا، و٥- الحياء، و٦- الفضل، و٧- الاستكفاف؛ أي: جعل السكوت والصبر سببا لكفّ الجاهل، و٨- خوف العقوبة؛ إمّا لضعف نفس، أو لرأي وحزم، و٩- رعاية نعمة أو حرمة، و١٠- توقّع الفرصة؛ دهاء ومكرا.
فإن خلا الحلم عن هذه الأسباب كلّها؛ كان ذلّا. وكلّ واحد منها يحمل على عدم الانتقام في الحال أو دواما.
فمن رحمة الجهّال: قول أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه لرجل شتمه:
يا هذا؛ لا تغرق في سبّنا، ودع للصّلح موضعا، فإنّا لا نكافىء من عصى الله تعالى فينا بأكثر من أن نطيع الله فيه.
وقول الشافعي رضي الله تعالى عنه وقد شتمه رجل: إن كنت كما قلت غفر الله لي، وإلّا!! غفر الله لك.
وفي القدرة على المعفو عنه: ما جاء عن النّبيّ ﷺ: «إذا قدرت على عدوّك فاجعل العفو عنه شكرا على القدرة عليه» . وقيل: أحسن المكارم عفو المقتدر، وجود المفتقر.
ومن الترفّع: قول ابن هبيرة وقد أعرض عن رجل سبّه وقال له «إيّاك أعني»:
وأنا عنك أعرض.
ولبعضهم:
أو كلّما طنّ الذّباب زجرته إنّ الذّباب إذن عليّ كريم
ولعمرو بن علي:
إذا نطق السّفيه فلا تجبه فخير من إجابته السّكوت
سكتّ عن السّفيه فظنّ أنّي عييت عن الجواب وما عييت
وفي الصفح لأجل الحياء قيل: احتمال أذى السفيه أيسر من التحلّي بحليته.
[ ٢ / ٣٠٨ ]
ومن الفضل قول الإسكندر لما قيل له: فلان وفلان يتنقّصانك؛ فلو عاقبتهما! قال: هما بعد العقوبة أعذر في تنقّصي.
ومن الاستكفاف قول ضرار بن القعقاع- وقد قال له رجل: والله لئن قلت لي كلمة لتسمعنّ عشرا-؛ فقال ضرار: والله لو قلت لي عشرا ما سمعت كلمة واحدة.
وفي خوف العقوبة: قيل: الحلم حجاب الآفات.
وفي رعاية النعمة قيل: أكرم الشّيم أرعاها للذّمم.
وفي توقّع الفرصة قيل: غضب الأحمق في قوله، وغضب العاقل في فعله.
وقيل:
تعاقب أيدينا ويحلم رأينا ونشتم بالأفعال لا بالتّكلّم
ومن المشهورين بالحلم: الأحنف بن قيس، ويضرب به المثل في الحلم، واسمه: «الضّحّاك» وقيل: «صخر» . وهو من الموصوفين ببشاعة الصورة.
وهو من كبار التابعين، وكان يقول: إنّي تعلّمت الحلم من خالي قيس بن عاصم المنقري. وقيس هذا صحابي رضي الله تعالى عنه.
ومن حلمه: ما حدّث به الأحنف قال: كنّا عند خالي قيس بن عاصم، فأتي بولد له قتيل؛ فقال: ادفنوه؛ وعظّم الله أجر أمّه فيه. وما رأيناه تغيّر ولا حلّ حبوته لذلك، فقالوا له: إنّ أخاك قد قتله. فقال متمثّلا:
أقول للنّفس تأساء وتعزية إحدى يديّ أصابتني ولم ترد
كلاهما خلف من فقد صاحبه هذا أخي حين أدعوه وذا ولدي
ومن حلم الأحنف: ما روي أنّ عمرو بن الأهتم جعل لرجل ألف درهم على أن يسفّه الأحنف؛ فأقبل الرجل عليه فسبّه سبّا ذريعا؛ والأحنف ساكت. فرجع الرجل يعضّ أنامله، ويقول: واسوأتاه؛ ما منعه من جوابي إلّا هواني عليه.
[ ٢ / ٣٠٩ ]
قال القاضي عياض في «الشّفا»: (قال وهب بن منبّه:
وفعل به آخر مثل ذلك وأطال في شتمه، إلى أن أراد الأحنف القيام إلى غدائه.
فقال للرجل: يا هذا؛ إنّ غداءنا قد حضر فقم بنا إليه.
وكان الأحنف يقول: ما عاداني أحد إلّا أخذت في أمره بإحدى ثلاث خصال:
إن كان أعلى منّي؛ عرفت له قدره، أو دوني؛ رفعت عنه قدري، أو نظيري؛ تفضّلت عليه. انتهى.
وهذا كلام في غاية الحكمة، وقد نظمه الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى:
سألزم نفسي الصّفح عن كلّ مذنب وإن عظمت منه عليّ الجرائم
فما النّاس إلّا واحد من ثلاثة شريف ومشروف ومثل مقاوم
فأمّا الّذي فوقي فأعرف قدره وأتبع فيه الحقّ والحقّ لازم
وأمّا الّذي دوني فحلمي تكرّما أصون به عرضي وإن لام لائم
وأمّا الّذي مثلي فإن زلّ أو هفا تفضّلت إنّ الفضل بالفخر حاكم
انتهى كلام «الابتهاج» .
(قال القاضي) التقيّ النقيّ الورع (عياض) بن موسى اليحصبي الأندلسي السبتي- وقد تقدّمت ترجمته تغمّده الله برحمته وأسكنه فسيح جنته آمين- (في) كتاب («الشفا) بتعريف حقوق المصطفى» ﷺ؛ في الباب الثاني منه؛ في الفصل الثالث:
(قال) أبو عبد الله (وهب بن منبّه) - بضمّ الميم وفتح النون وكسر الموحدة المشدّدة؛ بزنة اسم الفاعل- ابن كامل اليماني الصنعاني التابعي المشهور بمعرفة الكتب القديمة.
اتّفقوا على توثيقه وعبادته، روى له أصحاب الكتب الستة. توفي سنة:
- ١١٦- ست عشرة ومائة هجرية، وعمره ثمانون سنة، وقد تقدّمت ترجمته، وله ترجمة طويلة في كتاب «الميزان» رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٣١٠ ]
قرأت في أحد وسبعين كتابا، فوجدت في جميعها: أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس عقلا، وأفضلهم رأيا.
(قرأت في أحد وسبعين كتابا) من الكتب القديمة؛ إذ كان خبرها- وفي «معارف» ابن قتيبة: قرأت من كتب الله اثنين وسبعين كتابا- (فوجدت في جميعها أنّ النّبيّ ﷺ أرجح النّاس) - أي: الخلق- (عقلا) يعني: أنّ عقله أزيد من عقول الناس جميعا.
وقد اختلف في ماهيّة العقل اختلافا طويلا يطول استقصاؤه، والحقّ أنّه نور روحانيّ به تدرك النّفوس العلوم الضرورية والنظرية.
وابتداء وجوده؛ عند اجتنان الولد في بطن أمّه، ثم لا زال ينمو إلى أن يكمل عند البلوغ.
ومحلّه: القلب عند جمهور أهل الشرع؛ كالأئمة الثلاثة؛ لقوله تعالى لَهُمْ قُلُوبٌ لا يَفْقَهُونَ بِها [١٧٩/ الأعراف]، إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ [٣٧/ ق] وقوله ﷺ: «ألا وإنّ في الجسد مضغة إذا صلحت؛ صلح الجسد كلّه، وإذا فسدت؛ فسد الجسد كلّه، ألا وهي القلب» والدّماغ تابع له؛ إذ هو من جملة الجسد.
وقال عليّ: العقل في القلب، والرحمة في الكبد، والرأفة في الطحال، والنّفس في الرئة. رواه البخاري في «الأدب المفرد»، والبيهقي بسند جيد.
وذهب الحنفية وابن الماجشون وأكثر الفلاسفة: إلى أنّه في الدّماغ؛ لأنه إذا فسد فسد العقل. وأجيب: بأنّ الله أجرى العادة بفساده عند فساد الدماغ؛ مع أنّه ليس فيه! ولا امتناع في هذا. انتهى من شرح الزرقاني على «المواهب» .
(وأفضلهم رأيا)؛ أي: تدبيرا ناشئا من العقل الكامل الذي ينظر في بدء الأمر ودبره، وأوّله وآخره.
وقد كان ﷺ من كمال العقل في الغاية القصوى التي لم يبلغها بشر سواه، ولهذا
[ ٢ / ٣١١ ]
وفي رواية أخرى: فوجدت في جميعها: أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) .
كانت معارفه عظيمة، وخصائصه جسيمة؛ حارت العقول في بعض فيض ما أفاضه من غيبه لديه، وكلّت الأفكار في معرفة بعض ما أطلعه الله عليه، وكيف لا يعطى ذلك؛ وقد امتلأ قلبه وباطنه وفاض على جسده المكرّم ما وهبه الله من أسرار إلهيته، ومعرفة ربوبيّته، وتحقّق عبوديته!!. قاله الزرقاني على «المواهب» .
وهذا الذي قاله وهب «من أنّه ﷺ منوّه بذكره في الكتب القديمة» يعضده قوله تعالى النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ [١٥٧/ الأعراف] .
(وفي رواية أخرى)؛ عن وهب أيضا: (فوجدت في جميعها)؛ أي: في جميع الكتب التي قرأها (أنّ الله تعالى لم يعط جميع النّاس من بدء الدّنيا إلى انقضائها من العقل في جنب عقله ﷺ إلّا كحبّة رمل من بين رمال الدّنيا) . رواه أبو نعيم في «الحلية»، وابن عساكر. يعني: أنّ عقله ﷺ كجميع رمال الدنيا، وعقل جميع الناس كحبّة منها. وهذا على طريق التمثيل؛ لأن عقولهم لا تقاس بعقله ﷺ، كما ضرب الخضر لموسى عليهما الصلاة والسلام مثلا بماء في منقار عصفور من ماء البحر بالنسبة لسائره؛ فشبّه به علم الله تعالى وعلم ما عداه.
وقد أورد على كونه أفضل الناس رأيا: أنّه ورد ما يخالفه في كثير من الوقائع الثابتة في الحديث، ورجوعه عن رأيه إلى رأي غيره؛
كما في قصة بدر ورجوعه إلى رأي الحباب بن المنذر؛ حيث نزل النّبيّ ﷺ بأدنى ماء من مياه بدر، فقال له الحباب: أهذا منزل أنزلكه الله؛ فلا تتقدّم ولا تتأخّر عنه، أو هو الرأي والمكيدة؟! فقال: «بل هو الرّأي والمكيدة»، فقال: ليس هذا بمنزل؛ بل الرأي أن نسير حتى نأتي أدنى ماء من مياه بدر،
[ ٢ / ٣١٢ ]
فننزل، ثمّ نغوّر ما وراءه، ونبني عليه حوضا ونملؤه، ثم نقاتل؛ ونشرب ولا يشربون. فقال: «أشرت بالرّأي» ورجع ﷺ لما قاله؛
وكذا في قصة أسارى بدر والفداء، وكذا في قصة تأبير النخل، ونحوه مما لا حاجة للتطويل بذكره هنا!
وأجاب التجاني: بأنّ رجحان رأيه على من سواه مخصوص بما أمضاه من سنن الشرع؛ واجتهاداته في أمور الدين، فلا ينافي رجوعه في آراء الدنيا لغيره؛ كما صرّح به في قصة التأبير، إذ قال: «إنّما أنا بشر مثلكم؛ فإذا أمرتكم بشيء من دينكم؛ فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنّما أنا بشر أخطىء وأصيب» وهذا نصّ فيما ذكر.
وردّ بأنّ مختار أهل الأصول: أنّه ﷺ كان متعبّدا فيما لا وحي فيه بانتظار الوحي، ثم بالاجتهاد بعد وقت الانتظار. وقيل: له الاجتهاد مطلقا في الأمور الشرعية والدنيوية. وهذا مذهب مالك وأحمد والشافعي، وهو المنقول عن أبي يوسف وغيره.
واختلف في جواز خطئه في اجتهاده؛ فذهب الإمام الرازيّ وغيره إلى أنّه لا يجوز. وفي «التوضيح»: يجوز؛ لكن لا يقرّر عليه. وعدم الإقرار بالإجماع؛ لوجوب اتّباعه المقتضي لعصمته، وجواز الخطأ عقلا لا مانع منه؛ بمقتضى البشرية. وقوّة عقله ﷺ وكمال حدسه وسداد رأيه لا ينافيه؛ لأنه من لوازم الطبيعة البشرية، وإذا جاز سهوه في صلاته ومناجاته؛ ففي غيرها بالأولى! فقول التجاني «إنّ جميع أموره الدينية صواب» خلاف المختار عند علماء الأصول.
وحينئذ فمعنى كونه أفضل الناس رأيا واجتهادا مع جواز الخطأ أحيانا:
أنّ رأيه لو خلّي ونفسه؛ أصاب، مع رجحان رأيه بعدم التقرير عليه إذا خالف الأولى. وآراؤه ﷺ كلّها صواب بعد التقرير عليها، وقبله لا. إلا على قول من يقول: «كل مجتهد مصيب» .
[ ٢ / ٣١٣ ]
وذكر القسطلّانيّ في «المواهب»، عن «عوارف المعارف»:
(اللّبّ والعقل مئة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ، وجزء في سائر المؤمنين.
قال: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين
والحاصل: أنّ كون رأيه أفضل الآراء لا ينافي رجوعه لغيره ومشاورته له، فإنّ العبرة بما وقع عليه القرار؛ لا ببادىء الرأي! فافهم! انتهى. قاله جميعه الشهاب الخفاجيّ في كتابه «نسيم الرياض» شرح «الشفاء» للقاضي عياض رحمهم الله تعالى أجمعين. آمين.
(وذكر) الشهاب (القسطلّانيّ) رحمه الله تعالى (في) كتاب («المواهب) اللّدنّيّة»؛ نقلا (عن) كتاب («عوارف المعارف») للعلّامة العارف بالله تعالى عمر شهاب الدين بن محمد بن عمر السّهرورديّ- بضمّ السين المهملة، وسكون الهاء، وضمّ الراء، وفتح الواو، وسكون الراء الثانية، ودال مهملة- نسبة إلى «سهرورد»:
بلد عند «زنجان»، الإمام الورع الزاهد الفقيه الشافعي رحمه الله تعالى.
ولد سنة: - ٥٣٩- تسع وثلاثين وخمسمائة، وأخذ عن الكيلاني وغيره، وسمع الحديث من جماعة، وقرأ الفقه والخلاف، ثم لازم الخلوة والصوم والذكر، ثم تكلّم على الناس لمّا أسنّ، ووصل إلى الله به خلق كثير، وتاب على يديه كثير من العصاة، وكفّ وأقعد؛ وما أخلّ بذكر ولا حضور جمع! ولازم الحج؛ فكانت محفّته تحمل على الأعناق من العراق إلى البيت الحرام.
ومات ببغداد مستهلّ محرّم الحرام سنة: - ٦٣٢- اثنتين وثلاثين وستمائة رحمه الله تعالى:
(اللّبّ والعقل مائة جزء؛ تسعة وتسعون في النّبيّ ﷺ، وجزء في سائر المؤمنين) من أمّته وغيرهم.
(قال) - أي: صاحب «العوارف» - (: ومن تأمّل حسن تدبيره للعرب الّذين
[ ٢ / ٣١٤ ]
هم كالوحش الشّارد، مع الطّبع المتنافر المتباعد، وكيف ساسهم واحتمل جفاهم، وصبر على أذاهم إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم وأحبّاءهم، من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب يتعلّم منها سير الماضين.. تحقّق له أنّه أعقل العالمين.
ولمّا كان عقله ﵊ أوسع العقول.. لا جرم اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا، لا يضيق عن شيء) .
هم كالوحش الشّارد) النافر النادّ (مع الطّبع المتنافر المتباعد، و) تأمّل (كيف ساسهم): ملكهم بحسن تصرّفه فيهم واستجلاب قلوبهم، (واحتمل جفاهم):
غلظتهم وفظاظتهم، (وصبر على أذاهم، إلى أن انقادوا إليه، واجتمعوا عليه، وقاتلوا دونه أهليهم وآباءهم وأبناءهم، واختاروه على أنفسهم، وهجروا في رضاه أوطانهم) - جمع وطن: مكانهم ومقرّهم- (وأحبّاءهم؛ من غير ممارسة سبقت له، ولا مطالعة كتب؛ يتعلّم منها سير الماضين: تحقّق له أنّه أعقل العالمين)؛ جواب قوله: «ومن تأمّل الخ» .
(ولمّا كان عقله عليه [الصّلاة] والسّلام أوسع العقول؛ لا جرم) - أي: حقّا، و«لا جرم» في الأصل بمعنى: لا بدّ ولا محالة، ثم كثرت فحوّلت إلى معنى القسم، وصارت بمعنى حقّا؛ ولذا تجاب باللام، نحو: لا جرم لأفعلنّ كذا؛ قاله الفرّاء. كما في «المصباح» -.
(اتّسعت أخلاق نفسه الكريمة اتّساعا لا يضيق عن شيء)؛ إذ كان مجبولا على الأخلاق الكريمة في أصل خلقته الزكيّة النقيّة، ولم يحصل له ذلك برياضة؛ بل بجود إلهي، ولهذا لم تزل تشرق أنوار المعارف في قلبه حتى وصل إلى الغاية القصوى، والمقام الأسنى.
[ ٢ / ٣١٥ ]
كان رسول الله ﷺ خلقه القرآن.
قال الإمام الغزاليّ
وأصل هذه الخصال الحميدة والمواهب المجيدة كمال العقل، لأنّ به تقتبس الفضائل، وتجتنب الرذائل، فإنّ العقل لسان الروح وترجمان البصيرة، والبصيرة للروح بمثابة القلب، والعقل بمثابة اللسان.
قال بعضهم: لكلّ شيء جوهر، وجوهر الإنسان العقل، وجوهر العقل الصبر على المكاره.
وقد روى الإمام أحمد في «مسنده»، ومسلم في «صحيحه»، وأبو داود في «سننه»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّها قالت:
(كان رسول الله ﷺ خلقه القرآن)؛ يغضب لغضبه، ويرضى لرضاه. قال ابن الأثير: أي كان متمسّكا بادابه وأوامره ونواهيه، وما يشتمل عليه من المكارم والمحاسن.
وقال البيضاوي: أي خلقه كان جميع ما حصل في القرآن، فإنّ كلّ ما استحسنه وأثنى عليه ودعا إليه قد تحلّى به، وكلّ ما استهجنه ونهى عنه تجنّبه وتخلّى عنه، فكان القرآن بيان خلقه.
وفي «الديباج»: معناه: العمل به، والوقوف عند حدوده، والتأدّب بادابه، والاعتبار بأمثاله وقصصه، وتدبّره وحسن تلاوته. انتهى. وهي متقاربة. انتهى «مناوي» .
(قال) حجّة الإسلام (الإمام) أبو حامد: محمد بن محمد بن محمد (الغزاليّ) - بتخفيف اللام في المشهور- ولد سنة: - ٤٥٠- خمسين وأربعمائة.
واشتغل في مبدأ أمره ب «طوس»، ثمّ قدم «نيسابور»، واختلف إلى دروس إمام الحرمين، وجدّ في الاشتغال حتى تخرّج في مدة قريبة، وصار من الأعيان في زمن أستاذه، وكان أستاذه يتبجّح به، ولم يزل ملازما له إلى أن توفي، فخرج من «نيسابور» .
[ ٢ / ٣١٦ ]
في «الإحياء»: (قال سعد بن هشام: دخلت على عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ؟ فقالت: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى.
قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن.
ولقي الوزير نظام الملك، فأكرمه وعظّمه، وكان بحضرة الوزير جماعة من الأفاضل؛ فجرى بينه وبينهم الجدال والمناظرة فظهر عليهم، واشتهر اسمه، وفوّض إليه تدريس النظامية، وأعجب به أهل العراق، وارتفعت عندهم منزلته.
ثم ترك جميع ما كان عليه، وتصوّف وسلك طريق الزهد والانقطاع، واجتهد في العبادة، وزيارة المشاهد المعظّمة، ووزّع أوقاته على وظائف الخير؛ من ختم القرآن، ومجالسة أهل القلوب، إلى أن انتقل إلى رحمة الله تعالى، فتوفي سنة:
- ٥٠٥- خمس وخمسائة هجرية رحمه الله تعالى.
(في) كتابه («الإحياء»)؛ أي: «إحياء علوم الدين»: (قال سعد بن هشام) بن عامر الأنصاري المدني؛ ابن عمّ أنس بن مالك.
روى عن أبيه، وعائشة، وعنه: زرارة بن أوفى، والحسن، وجميل بن همال. قال النسائي: ثقة. وذكر البخاري أنّه قتل بأرض «بكران» على أحسن أحواله. روى له البخاريّ حديثا واحدا:
(دخلت على عائشة)؛ الصّدّيقة بنت الصّدّيق (رضي الله تعالى عنها وعن أبيها) أبي بكر، (فسألتها عن أخلاق رسول الله ﷺ؟ فقالت: أما تقرأ القرآن؟! قلت: بلى) أقرأ القرآن، (قالت: كان خلق رسول الله ﷺ القرآن)؛ أي: ما دلّ عليه القرآن؛ من أوامره ونواهيه، ووعده ووعيده.
قال العارف السّهروردي في «عوارف المعارف»: ولا يبعد أنّ قول عائشة «كان خلقه القرآن» فيه رمز غامض، وإيماء إلى الأخلاق الرّبّانيّة؛ فاحتشمت الحضرة الإلهية أن تقول «كان متخلّقا بأخلاق الله»؛ فعبّرت عن هذا المعنى بقولها
[ ٢ / ٣١٧ ]
وإنّما أدّبه القرآن بمثل قوله تعالى: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ [الأعراف: ١٩٩] .
«كان خلقه القرآن»؛ استحياء من سبحات الجلال، وسترا للحال بلطيف المقال، وهذا من وفور عقلها وكمال أدبها. انتهى.
فكما أنّ معاني القرآن لا تتناهى؛ فكذلك أوصافه الجميلة الدّالّة على خلقه العظيم لا تتناهى؛ إذ في كلّ حالة من أحواله يتجدّد له من مكارم الأخلاق ومحاسن الشّيم وما يفيضه الله عليه من معارفه وعلومه ما لا يعلمه إلا الله تعالى!! فإذن:
التعرّض لحصر جزئيّات أخلاقه الحميدة تعرّض لما ليس من مقدور الإنسان، ولا من ممكنات عاداته. انتهى؛ من «المواهب» .
وقال في «الإحياء»: (وإنّما أدّبه القرآن بمثل قوله تعالى) في سورة الأعراف (خُذِ الْعَفْوَ) من أخلاق الناس وأعمالهم؛ من غير تجسّس، وذلك مثل قبول الاعتذار منهم، وترك البحث عن الأشياء. والعفو: المساهلة في كلّ شيء (وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ) المعروف؛ يعني: وأمر بكلّ ما أمرك الله به، وهو كلّ ما عرفته بالوحي من الله ﷿، وكل ما يعرف في الشرع حسنه، (وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩» .
وقد نظم هذا المعنى من قال:
خذ العفو وأمر بعرف كما أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لكلّ الأنام فمستحسن من ذوي الجاه لين
والجاهلون في الآية!!
إن فسّروا بضعفاء الإسلام وجفاة الأعراب؛ كانت الآية محكمة، لأنّ المراد بالإعراض عنهم ألايعنّفهم، ولا يقابلهم بمقتضى غلظتهم في القول والفعل.
وإن فسّروا بالكفار؟ كانت الآية منسوخة باية السيف، ويكون المراد بالإعراض عنهم تركهم على ما هم عليه. وقد أشار القرطبي للقولين.
[ ٢ / ٣١٨ ]
وقوله: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ
ويؤيد القول الأول: ما رواه البخاري من أنّ عيينة بن حصن استأذن له الحرّ بن قيس على عمر بن الخطاب في الدخول، فدخل عليه، وقال له: يا ابن الخطاب؛ ما تعطينا الجزل، ولا تحكم بيننا بالعدل. فغضب عمر رضي الله تعالى عنه، فقال له الحرّ: يا أمير المؤمنين؛ إنّ الله ﷿ قال لنبيه ص خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف] وإنّ هذا من الجاهلين. فما جاوزها عمر رضي الله تعالى عنه؛ وكان وقّافا عند كتاب الله تعالى. فهذا يدلّ على أنّها غير منسوخة، وهو الذي يتبادر إليه كلام صاحب «الجلالين» .
قال جعفر الصادق: ليس في القرآن أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية؛ روي أنّ النّبيّ ﷺ لما نزلت هذه الآية سأل جبريل عن تأويلها؟! فقال له: حتى أسأل العالم بها، ثم ذهب وأتاه، فقال: يا محمد؛ إنّ الله يأمرك أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمّن ظلمك.
قال السيوطي: رواه ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ؛ في «تفاسيرهم»، وابن أبي الدنيا في «مكارم الأخلاق»، ووصله ابن مردويه من حديث جابر رضي الله تعالى عنه، وعزاه الشيخ قاسم الحنفي للبخاري؛ عن عبد الله بن الزبير في قوله: خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) أنّه قال:
ما أنزل الله هذه الآية إلا في أخلاق الناس. وله في رواية أخرى تعليقا؛ عن عبد الله قال: أمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يأخذ العفو من أقوال الناس، أو من أخلاق الناس.
انتهى؛ قاله الخفاجي.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة النحل (. إِنَّ اللَّهَ) - أي:
فيما أنزله تبيانا لكل شيء وهدى وبشرى- (يَأْمُرُ) - آثر صيغة الاستقبال فيه وفي ما بعده لإفادة التجدّد والاستمرار- (بِالْعَدْلِ)؛ أي: التوحيد، أو الإنصاف.
وفي «البيضاوي»: أي بالتوسّط في الأمور؛
[ ٢ / ٣١٩ ]
وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ [النحل: ٩٠] .
اعتقادا؛ كالتوحيد المتوسّط بين التعطيل والتشريك، والقول بالكسب المتوسط بين محض الجبر والقدر،
وعملا؛ كالتعبّد بأداء الواجبات المتوسّط بين البطالة والترهّب،
وخلقا؛ كالجود المتوسّط بين البخل والتبذير. انتهى.
(وَالْإِحْسانِ) قال ابن عباس: العدل: شهادة ألاإله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض. وفي رواية عنه؛ قال: العدل: خلع الأنداد، والإحسان: أن تعبد الله كأنّك تراه، وأن تحبّ للناس ما تحبّ لنفسك؛ إن كان مؤمنا تحبّ أن يزداد إيمانا، وإن كان كافرا تحبّ أن يكون أخاك في الإسلام.
انتهى.
(وَإِيتاءِ): إعطاء (ذِي الْقُرْبى) القرابة، خصّه بالذكر! اهتماما به؛ فإن إيتاءه صدقة وصلة، وفي الحديث: «إنّ أعجل الطّاعة ثوابا صلة الرّحم» .
قال في «الخازن»: يعني ويأمر بصلة الرحم؛ وهم القرابة الأدنون والأبعدون منك، فيستحبّ أن تصلهم من فضل ما رزقك الله تعالى، فإن لم يكن لك فضل! فدعاء حسن، وتودّد. انتهى.
(وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ): الزنا (وَالْمُنْكَرِ)؛ شرعا من الكفر والمعاصي، (وَالْبَغْيِ): الظلم، خصّه بالذكر للناس!! اهتماما، كما بدأ بالفحشاء كذلك، ولم يذكر متعلّقات العدل والإحسان والبغي!! ليعمّ جميع ما يعدل فيه ويحسن به وإليه، ويبغى فيه؛ قاله الجمل.
قال بعضهم: إنّ أعجل المعاصي البغي، ولو أنّ جبلين بغى أحدهما على الآخر لدكّ الباغي.
[ ٢ / ٣٢٠ ]
وقوله: وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لقمان: ١٧] .
وقال بعضهم: إنّ الله ﷾ ذكر من المأمورات ثلاثة أشياء، ومن المنهيات ثلاثة أشياء؛ فذكر العدل؛ وهو الإنصاف والمساواة في الأقوال والأفعال، وذكر في مقابلته الفحشاء؛ وهي ما قبح من الأقوال والأفعال، وذكر الإحسان؛ وهو أن تعفو عمّن ظلمك، وتحسن إلى من أساء إليك، وذكر في مقابلته المنكر؛ وهو أن تنكر إحسان من أحسن إليك، وذكر إيتاء ذي القربى؛ والمراد به: صلة القرابة والتودّد إليهم والشفقة عليهم، وذكر في مقابلته البغي؛ وهو أن يتكبّر عليهم أو يظلمهم حقوقهم. انتهى من «الخازن» .
قال النسفي: وهذه الآية سبب إسلام عثمان بن مظعون؛ فإنّه قال: ما كنت أسلمت إلا حياء منه ﵊ لكثرة ما يعرض عليّ الإسلام، ولم يستقرّ الإيمان في قلبي حتى نزلت هذه الآية؛ وأنا عنده، فاستقرّ الإيمان في قلبي، فقرأتها على الوليد بن المغيرة، فقال: والله؛ إنّ له لحلاوة، وإنّ عليه لطلاوة، وإنّ أعلاه لمثمر، وإنّ أسفله لمغدق، وما هو بقول البشر.
وقال أبو جهل: إنّ إلهه ليأمر بمكارم الأخلاق.
وقال ابن مسعود: هي أجمع آية في القرآن للخير والشر. ولهذا يقرؤها كلّ خطيب على المنبر في آخر كل خطبة؛ لتكون عظة جامعة لكلّ مأمور؛ ولكل منهيّ. انتهى.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة لقمان
(وَاصْبِرْ عَلى ما أَصابَكَ)؛ أي على الذي أصابك أي: في عبادتك وغيرها؛ من الأمر بالمعروف وغيره، سواء كان بواسطة العباد؛ كأذيّتهم، أو لا؛ كالمرض. انتهى «خطيب» .
(إِنَّ ذلِكَ) المذكور (مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)؛ أي: مما عزمه الله من الأمور، أي قطعه قطع إيجاب؛ مصدر أطلق للمفعول.
[ ٢ / ٣٢١ ]
وقوله: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [الشورى: ٤٣] .
وقوله: فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ
قال الخازن: يعني: إقامة الصلاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والصبر على الأذى؛ من الأمور الواجبة التي أمر الله بها.
وهذه الآية من وصية لقمان لابنه؛ إذ قال له: يا بني؛ أقم الصلاة، وأمر بالمعروف، وانه عن المنكر. كما قصّه الله تعالى في كتابه الكريم. وكلّ ما قصّه الله تعالى من قصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فهو إرشاد لنبينا ﷺ ولأمّته، فكأنّه مما أمر به ابتداء؛ فلا تتوهّم أنها ليست في حقّه.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة الشورى (وَلَمَنْ صَبَرَ) فلم ينتصر، (وَغَفَرَ): تجاوز (إِنَّ ذلِكَ) الصبر والغفران منه (لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ)؛ أي: معزوماتها؛ بمعنى: المطلوبات شرعا، أي: من الأمور التي ندب إليها، أو مما ينبغي للعاقل أن يوجبه على نفسه، ولا يترخّص في تركه.
وفي القرطبي: وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ أي: صبر على الأذى، وغفر: ترك الانتصار لوجه الله؛ وهذا فيمن ظلمه مسلم.
ويحكى أنّ رجلا سبّ رجلا في مجلس الحسن رحمه الله تعالى، فكان المسبوب يكظم، ويعرق فيمسح العرق، ثم قام فتلا هذه الآية، فقال الحسن:
عقلها والله وفهمها؛ إذ ضيّعها الجاهلون!!
وبالجملة فالعفو مندوب إليه، ثمّ قد ينعكس في بعض الأحوال؛ فيرجع ترك العفو مندوبا إليه، وذلك إذا احتيج إلى كفّ زيادة البغي وقطع مادّة الأذى.
وعن النّبيّ ﷺ ما يدلّ عليه؛ وهو أنّ زينب أسمعت عائشة رضي الله تعالى عنها بحضرته، فكان ينهاها فلا تنتهي، فقال لعائشة: «دونك فانتصري» . خرّجه مسلم في «صحيحه» بمعناه، انتهى.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة المائدة (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ)؛
[ ٢ / ٣٢٢ ]
إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ [المائدة: ١٣] .
[وقوله وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢) [النور] .
أي: فاعف عن زلّاتهم يا محمد، واصفح عن جرمهم ومؤاخذتهم. وهذا الأمر بالعفو والصفح عن أهل الكتاب منسوخ باية السيف؛ وهي قوله قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ [٢٩/ التوبة] . قاله قتادة.
وقيل: إنها غير منسوخة؛ بل نزلت في قوم كان بينهم وبين النّبيّ ﷺ عهد؛ فغدروا ونقضوا ذلك العهد، فأظهر الله تعالى نبيّه ﷺ على ذلك، وأنزل هذه الآية؛ ولم تنسخ! وذلك أنّه يجوز أن يعفو عن غدرة فعلوها ما لم ينصبوا حربا؛ وما لم يمتنعوا من أداء الجزية والصّغار.
وعلى هذا القول بأنها غير منسوخة يكون معنى الآية: فاعف عن مؤمنيهم، أو عمّن تاب منهم، ولا تؤاخذهم بما سلف منهم قبل ذلك.
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)؛ يعني: إذا عفوت عنهم فإنّك تحسن إليهم؛ والله يحب المحسنين.
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة النور
(وَلْيَعْفُوا)؛ أي: أولو الفضل، (وَلْيَصْفَحُوا) عن الخائضين في الإفك؛ أي: ليعرضوا عن لومهم، فإنّ العفو أن يتجاوز عن الجاني، والصفح أن يتناسى جرمه.
(أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) على عفوكم وصفحكم وإحسانكم إلى من أساء إليكم!! (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)؛ مع كمال قدرته، فتخلّقوا بأخلاقه.
نزلت في شأن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه حين حلف ألاينفق على مسطح ابن خالته؛ لخوضه في الإفك على عائشة رضي الله تعالى عنها، وكان مسكينا بدريا مهاجرا، ولما قرأها النّبيّ ﷺ على أبي بكر؛ قال: بلى أحبّ أن يغفر
[ ٢ / ٣٢٣ ]
وقوله ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) [فصلت] .
الله لي، وردّ إلى مسطح ما كان ينفقه عليه.
وفي الآية أدلّة على فضل أبي بكر الصّدّيق، لأنّ الفضل المذكور في الآية ذكره تعالى في معرض المدح، وذكره بلفظ الجمع في قوله أُولُوا الْفَضْلِ، وقوله أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ.
وهذا يدلّ على علوّ شأنه ومرتبته؛
منها: أنّه احتمل الأذى من ذوي القربى، ورجّع عليه ما كان ينفقه عليه، وهذا من أشدّ الجهاد؛ لأنّه جهاد النّفس.
ومنها: أنّه تعالى قال في حقّ رسول الله ﷺ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ، وقال في حقّ أبي بكر: وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا فدلّ أنّ أبا بكر كان ثاني اثنين لرسول الله ﷺ في جميع الأخلاق؛ قاله الخازن.
وهذه الآية وإن نزلت في أبي بكر؛ فالنبيّ ﷺ داخل في عمومها؛ كما في سائر الخطابات، فلا يرد على المصنّف أنّ هذه الآية ليست في حقه ﷺ!
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة فصّلت:
(وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ) السيئة (بِالَّتِي) أي: بالخصلة التي (هِيَ أَحْسَنُ)؛ كالغضب بالصبر، والجهل بالحلم، والإساءة بالعفو؛ قاله في «الجلالين» .
وقال النسفي: يعني أنّ الحسنة والسيئة متفاوتتان في أنفسهما؛ فخذ بالحسنة التي هي أحسن من أختها إذا اعترضتك حسنتان، فادفع بها السيئة التي ترد عليك من بعض أعدائك؛ كما لو أساء إليك رجل إساءة؛ فالحسنة: أن تعفو عنه، والتي هي أحسن: أن تحسن إليه مكان إساءته إليك، ومثل أن يذمّك؛ فتمدحه، أو يقتل ولدك؛ فتفتدي ولده من يد عدوّه. (فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ)؛ أي: فيصير عدوّك كالصديق القريب في محبّته إذا فعلت ذلك.
[ ٢ / ٣٢٤ ]
وقوله وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ
(و) أدّبه بمثل (قوله) تعالى في سورة آل عمران (وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ)؛ كظم الغيظ: هو أن يمتلىء غيظا فيردّه في جوفه؛ ولا يظهره بقول ولا فعل، ويصبر عليه ويسكت عنه. ومعنى الآية: أنّهم يكفّون غيظهم عن الإمضاء مع القدرة، ويردّون غيظهم في أجوافهم. وهذا الوصف من أقسام الصبر والحلم.
عن سهل بن معاذ بن أنس الجهني؛ عن أبيه: أن رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا؛ وهو يستطيع أن ينفذه؛ دعاه الله تعالى يوم القيامة على رؤوس الخلائق؛ حتّى يخيّره في أيّ الحور شاء» . أخرجه الترمذيّ، وأبو داود.
وأخرج الإمام أحمد، وأبو داود، وغيرهما: «من كظم غيظا؛ وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» .
وأخرج الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس الشّديد بالصّرعة؛ إنّما الشّديد الّذي يملك نفسه عند الغضب» .
وروي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّ خادما لها غاظها، فقالت: لله درّ التقوى؛ ما تركت لذي غيظ شفاء!!.
(وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ) ممّن ظلمهم؛ أي: التاركين عقوبتهم. يعني:
إذا جنى عليهم أحد لم يؤاخذوه، فتكون الآية على العموم.
روي أنّه ﷺ قال: «ينادي مناد يوم القيامة: أين الّذين كانت أجورهم على الله؟! فلا يقوم إلّا من عفا» .
وعن ابن عيينة أنّه رواه للرّشيد وقد غضب على رجل؛ فخلّاه.
وروي أنه ﷺ قال: «إنّ هؤلاء في أمّتي قليل؛ إلّا من عصم الله، وقد كانوا كثيرا في الأمم التي مضت» . وهذا الاستثناء يحتمل أن يكون منقطعا؛ وهو ظاهر، وأن يكون متّصلا؛ لما في القلّة من معنى العدم؛ كأنّه قيل: إنّ هؤلاء في أمّتي لا يوجدون إلّا من عصم الله؛ فإنه يوجد في أمّتي. قاله الجمل على «الجلالين» .
[ ٢ / ٣٢٥ ]
وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)] «١» [آل عمران] .
وقوله: اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ
(وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) بهذه الأفعال؛ أي: يثيبهم.
(و) أدّبه القرآن بمثل (قوله) تعالى في سورة الحجرات يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا (اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ) .
قيل: نزلت في رجلين اغتابا رفيقهما، وذلك أنّ رسول الله ﷺ كان إذا غزا أو سافر ضمّ الرجل المحتاج إلى رجلين موسرين؛ يخدمهما ويتقدّمهما إلى المنزل؛ فيهيّىء لهما ما يصلحهما من الطعام والشراب، فضمّ سلمان إلى رجلين في بعض أسفاره، فتقدّم سلمان إلى المنزل؛ فغلبته عيناه، فنام؛ ولم يهيّىء لهما شيئا، فلما قدما قالا له: ما صنعت شيئا؟! قال: لا؛ غلبتني عيناي، قالا له: انطلق إلى رسول الله ﷺ فاطلب لنا منه طعاما؛ فجاء سلمان إلى رسول الله ﷺ وسأل طعاما، فقال رسول الله ﷺ: انطلق إلى أسامة بن زيد؛ وقل له: «إن كان عنده فضل طعام وإدام فليعطك» . وكان أسامة خازن طعام رسول الله ﷺ وعلى رحله، فأتاه، فقال: ما عندي شيء. فرجع سلمان إليهما فأخبرهما، فقالا: كان عند أسامة؛ ولكن بخل! فبعثا سلمان إلى طائفة من الصحابة؛ فلم يجد عندهم شيئا، فلما رجع؛ قالوا: لو بعثناك إلى بئر سمحة لغار ماؤها!!
ثم انطلقا يتجسّسان هل عند أسامة ما أمر لهما به رسول الله ﷺ، فلما جاآ إلى رسول الله ﷺ قال لهما: «ما لي أرى خضرة اللّحم في أفواهكما!؟» . قالا:
والله يا رسول الله؛ ما تناولنا يومنا هذا لحما! قال: «ظلمتما بأكل لحم سلمان وأسامة!!» فأنزل الله ﷿ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ يعني: أن يظن بأهل الخير سوآ؛ فنهى الله المؤمن أن يظنّ بأخيه المؤمن شرّا. وقيل: هو أن يسمع من أخيه المسلم كلاما لا يريد به سوآ، أو يدخل مدخلا لا يريد به سوآ؛
_________________
(١) الشواهد الثلاث التي مضت من إضافة الشارح.
[ ٢ / ٣٢٦ ]
فيراه أخوه المسلم؛ فيظنّ به سوآ، لأنّ بعض الفعل قد يكون في الصورة قبيحا؛ وفي نفس الأمر لا يكون كذلك!! لجواز أن يكون فاعله ساهيا؛ ويكون الرّائي مخطئا!!.
فأمّا أهل السوء والفسق المتجاهرون بذلك! فلنا أن نظنّ فيهم مثل الذي يظهر منهم. انتهى «خازن» .
وفي القرطبي: قال علماؤنا: الظنّ في الآية هو التّهمة، ومحلّ التحذير والنهي إنّما هو تهمة لا سبب لها يوجبها؛ كمن يتّهم بالفاحشة، أو بشرب الخمر؛ ولم يظهر عليه ما يقتضي ذلك.
ودليل كون الظنّ هنا بمعنى التهمة: قوله بعد هذا وَلا تَجَسَّسُوا؛ وذلك أنّه قد يقع له خاطر التهمة ابتداء؛ فيريد أن يتجسّس خبر ذلك ويبحث عنه، ويتبصّر ويتسمّع، ليتحقّق ما وقع له من تلك التهمة، فنهى النّبيّ ﷺ.
وإن شئت قلت: والذي يميّز الظّنون التي يجب اجتنابها عمّا سواها: أنّ كلّ ما لم تعرف له أمارة صحيحة وسبب ظاهر؛ كان حراما واجب الاجتناب، وذلك إذا كان المظنون به ممّن شوهد منه الستر والصلاح، وأونست منه الأمانة في الظاهر، فظنّ الفساد به والخيانة محرّم، بخلاف من أشهره الناس بتعاطي الريبة والتجاهر بالخبائث!!
وعن النّبيّ ﷺ: «حرم من المسلم دمه، وعرضه، وأن يظنّ به ظنّ السّوء» .
وعن الحسن: كنّا في زمن: الظنّ فيه بالنّاس حرام، وأنت اليوم: اعمل، واسكت، وظنّ بالناس ما شئت. انتهى.
وإبهام «الكثير» لإيجاب الاحتياط والتأمّل في كلّ ظنّ؛ حتى يعلم أنّه من أيّ قبيل!؟
فإنّ من الظّنّ ما يجب اتّباعه؛ كالظنّ فيما لا قاطع فيه من العمليّات، وحسن
[ ٢ / ٣٢٧ ]
إنّ بعض الظّنّ إثم ولا تجسّسوا
الظنّ بالله تعالى. ومنه ما يحرم؛ كالظنّ في الإلهيّات والنبوّات، وحيث يخالفه قاطع، وظنّ السوء بالمؤمنين. ومنه ما يباح؛ كالظن في الأمور المعاشية. انتهى «أبو السعود» .
(إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ)؛ أي: مؤثم، وهو كثير، كظنّ السوء بأهل الخير من المؤمنين؛ وهم كثير، بخلافه بالفسّاق منهم! فلا إثم فيه في نحو ما يظهر منهم، كما تقدّم.
قال سفيان الثّوريّ: الظنّ ظنّان: أحدهما: إثم؛ وهو أن يظنّ ويتكلّم به، والآخر: ليس بإثم؛ وهو أن يظنّ ولا يتكلم به.
وقيل: الظنّ أنواع؛ فمنه واجب، ومأمور به؛ وهو الظنّ الحسن بالله ﷿، ومنه مندوب إليه؛ وهو الظنّ الحسن بالأخ المسلم الظاهر العدالة، ومنه حرام محظور؛ وهو سوء الظنّ بالله ﷿، وسوء الظن بالأخ المسلم. انتهى «خازن» .
(وَلا تَجَسَّسُوا) - حذف منه إحدى التائين-: لا تتبّعوا عورات المسلمين ومعايبهم بالبحث عنها.
وفي «القرطبي»: معنى الآية: خذوا ما ظهر ولا تتبّعوا عورات المسلمين؛ أي: لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه؛ حتى يطّلع عليه؛ بعد أن ستره الله.
وفي «كتاب أبي داود» عن معاوية قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إنّك إن اتّبعت عورات المسلمين أفسدتهم، أو كدت أن تفسدهم» .
فقال أبو الدرداء: كلمة سمعها معاوية من رسول الله ﷺ فنفعه الله بها.
وعن المقدام بن معد يكرب؛ عن أبي أمامة؛ عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الأمير إذا ابتغى الرّيبة في النّاس أفسدهم» . انتهى.
وفي «الخازن»: أخرج الشيخان؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ
[ ٢ / ٣٢٨ ]
وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا [الحجرات: ١٢]) .
رسول الله ﷺ قال: «إيّاكم والظّنّ!! فإنّ الظّنّ أكذب الحديث، ولا تجسّسوا، ولا تحسّسوا، ولا تنافسوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، وكونوا عباد الله إخوانا؛ كما أمركم، المسلم أخو المسلم؛ لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يحقره، التّقوى ها هنا! التّقوى ها هنا! التّقوى ها هنا! - ويشير إلى صدره-.
بحسب امرىء من الشّرّ أن يحقر أخاه المسلم، كلّ المسلم على المسلم حرام؛ دمه، وعرضه، وماله.
إنّ الله لا ينظر إلى أجسادكم، ولا إلى صوركم وأعمالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم» .
وعن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال: صعد رسول الله ﷺ المنبر؛ فنادى بصوت رفيع: «يا معشر من أسلم بلسانه ولم يفض الإيمان إلى قلبه؛ لا تؤذوا المسلمين، ولا تعيّروهم، ولا تتّبعوا عوراتهم، فإنّه من تتبّع عورة أخيه المسلم تتبّع الله عورته، ومن تتبّع الله عورته يفضحه؛ ولو في جوف رحله» .
قال نافع: ونظر ابن عمر يوما إلى الكعبة؛ فقال: ما أعظمك وأعظم حرمتك! والمؤمن أعظم حرمة عند الله منك!! أخرجه الترمذي؛ وقال: حديث حسن غريب.
وعن زيد بن وهب قال: أتي ابن مسعود فقيل له: هذا فلان تقطر لحيته خمرا!!. فقال عبد الله: إنّا قد نهينا عن التجسّس، ولكن إن يظهر لنا شيء نأخذ به. أخرجه أبو داود.
وله؛ عن عقبة بن عامر: أنّ رسول الله ﷺ قال: «من رأى عورة فسترها كان كمن أحيا موؤودة» .
وأخرج مسلم؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«لا يستر عبد عبدا في الدّنيا إلّا ستره الله يوم القيامة» . انتهى.
(وَلا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا)؛ لا يذكره بشيء يكرهه؛ وإن كان فيه!.
[ ٢ / ٣٢٩ ]
وعن ابن عبّاس: الغيبة إدام كلام الناس.
وفي «القرطبي»: نهى ﷿ عن الغيبة؛ وهي أن تذكر الرجل بما فيه، فإن ذكرته بما ليس فيه! فهو البهتان، ثبت معناه في «صحيح مسلم»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رسول الله ﷺ قال: «أتدرون ما الغيبة؟!» قالوا:
الله ورسوله أعلم. قال: «ذكرك أخاك بما يكره»، قال: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول!؟ فقال: «إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته! وإن لم يكن فيه!! فقد بهتّه» .
يقال: اغتابه اغتيابا: إذا وقع فيه. والاسم: «الغيبة»؛ وهي: ذكر العيب بظهر الغيب.
قال الحسن: الغيبة ثلاثة أوجه كلّها في كتاب الله تعالى: الغيبة، والإفك، والبهتان؛
فأمّا الغيبة! فهي أن تقول في أخيك ما هو فيه.
وأمّا الإفك! فهو أن تقول فيه ما بلغك عنه.
وأمّا البهتان! فهو أن تقول فيه ما ليس فيه.
ولا خلاف أن الغيبة من الكبائر، وأنّ على من اغتاب أحدا التوبة إلى الله ﷿.
وهل يستحلّ المغتاب!؟ فيه خلاف؛
فقالت فرقة: ليس عليه استحلاله، وإنما هي خطيئة بينه وبين ربه.
واحتجّت بأنّه لم يأخذ من ماله، ولا أصاب من بدنه ما ينقصه، فليس ذلك مظلمة يستحلّها منه، وإنّما المظلمة: ما يكون في المال والبدن.
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وكفارتها الاستغفار لصاحبها الذي اغتابه.
[ ٢ / ٣٣٠ ]
وأمثال هذه التّأديبات في القرآن لا تنحصر.
وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب، ثمّ منه يشرق النّور على كافّة الخلق؛ فإنّه أدّب بالقرآن فتأدّب به،
واحتجّت بحديث يروى عن الحسن قال: «كفارة الغيبة أن تستغفر لمن اغتبته» .
وقالت فرقة: هي مظلمة؛ وعليه الاستحلال منها.
واحتجّت بقول النّبيّ ﷺ: «من كانت لأخيه عنده مظلمة في عرض أو مال؛ فليتحلّله منها من قبل أن يأتي يوم ليس فيه هناك دينار ولا درهم، يؤخذ من حسناته، فإن لم يكن له حسنات! أخذ من سيّئات صاحبه فزيد على سيّئاته» .
أخرجه البخاري؛ من حديث أبي هريرة. وغير ذلك من الأحاديث.
وليس من هذا الباب غيبة الفاسق المعلن به المتجاهر!! فإنّ في الخبر: «من ألقى جلباب الحياء فلا غيبة له» . وقال ﷺ: «اذكروا الفاجر بما فيه كي يحذره النّاس» . فالغيبة إذن في المرء الذي يستر نفسه.
وروي عن الحسن أنّه قال: ثلاثة ليست لهم حرمة؛ ١- صاحب الهوى، و٢- الفاسق المعلن، و٣- والإمام الجائر. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.
(وأمثال هذه التّأديبات في القرآن) - وهي كثيرة- (لا تنحصر، وهو ﷺ المقصود الأوّل بالتّأديب والتّهذيب) في هذه الآيات وأمثالها، (ثمّ منه يشرق النّور)؛ أي: نور العلم والأخلاق والهداية والإيمان (على كافّة الخلق)؛ إذ جميع الأخلاق الحميدة كلها كانت فيه ﷺ، واقتبس الناس منها كلّ على قدر حظّه ونصيبه الذي قسم له من الوهّاب، (فإنّه) ﷺ (أدّب بالقرآن) - بالبناء للمفعول-، أي: أدّبه الله بالقرآن أي: بما دلّ عليه القرآن (فتأدّب به) .
في «أدب الإملاء» لابن السمعاني من حديث ابن مسعود رفعه: «أدّبني ربّي فأحسن تأديبي، ثمّ أمرني بمكارم الأخلاق؛ فقال خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ الآية.
[ ٢ / ٣٣١ ]
وأدّب الخلق به؛ ولذلك قال ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق» .
ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه.. أثنى عليه فقال
وأخرج القشيري نحوه في «التحبير»؛ قاله في شرح «الإحياء» .
(وأدّب الخلق به. ولذلك قال ﷺ: «بعثت لأتمّم مكارم الأخلاق») .
قال ابن عبد البرّ: يدخل فيه الصلاح والخير كلّه والدين والفضل، والمروءة والإحسان والعدل، فبعث ليتمّمه.
وقال الباجيّ: كانت العرب أحسن الناس أخلاقا بما بقي عندهم من شريعة إبراهيم، وكانوا ضلّوا بالكفر عن كثير منها؛ فبعث ﷺ ليتمّم محاسن الأخلاق؛ ببيان ما ضلّوا عنه، وبما قضى به في شرعه. انتهى.
والحديث المذكور! قال العراقي: رواه الإمام أحمد، والحاكم، والبيهقيّ؛ من حديث أبي هريرة. قال الحاكم: صحيح على شرط مسلم.
ورواه مالك في «الموطأ»؛ بلاغا عن النّبيّ ﷺ بلفظ: «إنّما بعثت» .
وقال ابن عبد البرّ: هو متصل من وجوه صحاح؛ عن أبي هريرة مرفوعا؛ منها ما أخرجه أحمد في «مسنده»، والخرائطي في أوّل «مكارم الأخلاق»؛ من طريق محمد بن عجلان؛ عن القعقاع بن حكيم؛ عن أبي صالح؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا بلفظ: «صالح الأخلاق» ورجاله رجال الصحيح.
وللطبراني في «الأوسط» بسند ضعيف؛ عن جابر مرفوعا بلفظ: «إنّ الله بعثني بتمام مكارم الأخلاق، وكمال محاسن الأفعال» .
(ثمّ لمّا أكمل الله تعالى خلقه) - بضمّ أوّليه-؛ أي: بما جمع فيه من صفات الكمال مما لا يحيط به حدّ، ولا يحصره عدّ (أثنى عليه) في كتابه الكريم؛ (فقال
[ ٢ / ٣٣٢ ]
تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤] .
تعالى) مقسما ن وَالْقَلَمِ وَما يَسْطُرُونَ (١) ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢) وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ (٣) (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ)؛ لاجتماع مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال فيك.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما كان أحد أحسن خلقا من رسول الله ﷺ، ما دعاه أحد من أصحابه ولا من أهل بيته؛ إلا قال: «لبّيك» . فلذلك أنزل الله تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ. رواه ابن مردويه، وأبو نعيم بسند واه.
وكلمة «على» للاستعلاء؛ فدلّ اللفظ على أنه مستعل على هذه الأخلاق، ومستول عليها؛ بمعنى أنّه متمكّن من الجري على مقتضاها؛ ببذل المعروف، واحتمال الأذى، وعدم الانتقام، فأشبه في تمكّنه من ذلك: المستعلي على الشيء المستقرّ عليه؛ فهو استعارة تبعيّة لجريانها في الحرف.
قال الحليمي: إنّما وصف خلقه بالعظم؛ مع أنّ الغالب وصف الخلق بالكرم! لأنّ كرم الخلق يراد به السماحة والدّماثة؛ ولم يكن خلقه ﷺ مقصورا على ذلك؛ بل كان رحيما بالمؤمنين؛ رفيقا بهم، شديدا على الكفّار؛ غليظا عليهم، مهيبا في صدور الأعداء؛ منصورا بالرّعب منهم على مسيرة شهر، فكان وصفه بالعظم أولى؛ ليشمل الإنعام والانتقام.
وقال الجنيد: وإنّما كان خلقه ﷺ عظيما!! لأنّه لم يكن له همّة سوى الله تعالى، وقد وصف الله تعالى نبيّه ﷺ بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العلمية فقال وَعَلَّمَكَ ما لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا
(١١٣) [النساء]، ووصفه بكمال عظيم يرجع إلى قوّته العمليّة؛ فقال وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ،
فدلّ مجموع هاتين الآيتين على أنّ روحه فيما بين الأرواح البشرية عظيمة عالية الدرجة؛ كأنّها لقوّتها وشدّة كمالها من جنس أرواح الملائكة؛ إذ أعطاهم الله تعالى قوّة في العمل لا تصل إليها البشر، وفي العلم ما يصلون به إلى معرفة حقائق الأمور من اللوح المحفوظ، أو الإلهام والعلم الضروري بمعرفة الأمور على ما هي به في
[ ٢ / ٣٣٣ ]
ثمّ قال الغزاليّ: (وعن معاذ بن جبل، عن النّبيّ ﷺ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال» .
ومن ذلك: حسن المعاشرة، ذلك: حسن المعاشرة،
الواقع، وكذلك كان ﷺ.
(ثمّ قال) الإمام أبو حامد (الغزاليّ) في كتاب «إحياء علوم الدين»:
(وعن) أبي عبد الرحمن (معاذ بن جبل) بن عمرو بن أوس بن عائذ- بالمعجمة- ابن الخزرج الأنصاري الخزرجي الجشمي المدني، الفقيه الفاضل الصالح.
أسلم معاذ المذكور؛ وهو ابن ثماني عشرة سنة، وشهد العقبة الثانية مع السبعين من الأنصار، ثم شهد بدرا، وأحدا، والخندق، والمشاهد كلّها مع رسول الله ﷺ، وآخى رسول الله ﷺ بينه وبين عبد الله بن مسعود.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة حديث وسبعة وخمسون حديثا؛ اتّفقا على حديثين، وانفرد البخاري بثلاثة، ومسلم بحديث.
روى عنه ابن عمر، وابن عباس، وابن عمرو بن العاصي، وأبو قتادة، وجابر، وأنس، وأبو أمامة، وأبو ثعلبة، وعبد الرحمن بن سمرة، وآخرون من الصحابة والتابعين.
وتوفي شهيدا في طاعون عمواس سنة: ثماني عشرة؛ وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقيل: أربع وثلاثين. وقيل: ثمان وثلاثين. رضي الله تعالى عنه
(عن النّبيّ ﷺ؛ قال: «إنّ الله حفّ الإسلام بمكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال»
ومن ذلك)؛ أي: محاسن الأعمال: (حسن المعاشرة) مع الناس إذا خالطهم؛ ولم يكن بدّ من مخالطتهم. وكلّ مخالط ففي مخالطته أدب، والأدب على قدر حقّه، وحقّه على قدر رابطته التي بها وقعت المخالطة.
[ ٢ / ٣٣٤ ]
وكرم الصّنيعة،
والرابطة: ١- إما القرابة؛ وهي أخصّها. أو ٢- أخوّة الإسلام؛ وهي أعمّها. وينطوي في معنى الأخوّة الصداقة، والصحبة. وإمّا ٣- الجوار. وإمّا ٤- صحبة السفر والمكتب والدرس.
ولكلّ واحد من هذه الروابط درجات؛ فالقرابة لها حقّ؛ ولكن حقّ الرّحم المحرم آكد، وللمحرم حقّ؛ ولكن حقّ الوالدين آكد.
وكذلك حقّ الجار؛ ولكن يختلف بحسب قربه من الدار وبعده، ويظهر التفاوت عند النسبة، حتى أنّ البلديّ في بلاد الغربة يجري مجرى القريب في الوطن؛ لاختصاصه بحق الجوار في البلد.
وكذلك حقّ المسلم يتأكّد بتأكّد المعرفة.
وللمعارف درجات، فليس حقّ الذي عرف بالمشاهدة كحق الذي عرف بالسماع، بل آكد منه! والمعرفة بعد وقوعها تتأكّد بالاختلاط.
وكذلك الصحبة تتفاوت درجاتها؛ فحقّ الصحبة في الدرس والمكتب آكد من حقّ صحبة السفر.
وكذلك الصداقة تتفاوت، فإنّها إذا قويت! صارت أخوّة؛ فإن ازدادت! صارت محبّة. وتفاوت درجات الصداقة لا تخفى بحكم المشاهدة والتجربة.
وكلّ ذلك مفصّل في كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي شكر الله مسعاه، وجعل الجنّة متقلّبه ومثواه. آمين.
فينبغي أن يخالق الجميع بخلق حسن، ويعامل كلّا منهم بحسب طريقته؛ فإنّه إن أراد لقاء الجاهل بالعلم، والأميّ بالفقه، والعييّ بالبيان؛ آذى غيره وتأذّى بنفسه.
(و) من محاسن الأعمال: (كرم الصّنيعة)؛ أي: حسنها.
قال في «المصباح»: الصنيعة: ما اصطنعته من خير. انتهى.
[ ٢ / ٣٣٥ ]
ولين الجانب، وبذل المعروف، وإطعام الطّعام، وإفشاء السّلام،
وفي «القاموس مع الشرح»: والصنيع: الإحسان والمعروف، واليد يرمي بها إلى كل إنسان. وقيل: هو كلّ ما اصطنع من خير؛ كالصنيعة. انتهى.
(ولين الجانب)؛ هو كناية عن التواضع. قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله تعالى أوحى إليّ أن تواضعوا؛ حتّى لا يفخر أحد على أحد» .
قال العراقيّ: رواه أبو داود، وابن ماجه؛ واللفظ له؛ من حديث عياض بن حمار، ورجاله رجال الصحيح.
(وبذل المعروف)؛ هو اسم عامّ جامع للخير كلّه، وبذله: إعطاؤه. وقيل:
المراد به القرض.
عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: «اصنع المعروف إلى من هو أهله؛ وإلى غير أهله، فإن أصبت أهله! أصبت أهله، وإن لم تصب أهله!؟ كنت أنت أهله» . ذكره الدارقطني في «العلل»؛ وهو ضعيف. ورواه ابن النجار في «تاريخه»، ورواه الخطيب؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما.
وأخرج البيهقيّ من طريق علي بن موسى الرضا؛ عن آبائه؛ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: «رأس العقل بعد الدّين: التّودّد إلى النّاس، واصطناع المعروف إلى كلّ برّ وفاجر» .
(و) من محاسن الأعمال: (إطعام الطّعام)؛ وهو من شعب الإيمان؛ ففي «الصحيحين» أنّ رجلا سأل رسول الله ﷺ: أيّ الإسلام خير؟! قال:
«تطعم الطّعام، وتقرأ السّلام على من عرفت ومن لم تعرف» .
(وإفشاء السّلام)؛ أي: إشاعته وإكثاره، وبذله لكلّ مسلم؛ من عرفت ومن لم تعرف. ويكون قبل الكلام؛ ففي الحديث أنّ رسول الله ﷺ قال:
«من بدأ بالكلام قبل السّلام فلا تجيبوه؛ حتّى يبدأ بالسّلام» . ذكره في
[ ٢ / ٣٣٦ ]
وعيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا،
«الإحياء» . قال العراقي: رواه الطبراني في «الأوسط»، وأبو نعيم في «اليوم والليلة» واللفظ له؛ من حديث ابن عمر بسند فيه لين.
وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد»؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا مرّ على النّبيّ ﷺ وهو في مجلس؛ فقال: السلام عليكم، فقال: «عشر حسنات» . قال: ثمّ مرّ رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فقال: «عشرون حسنة» . قال: فمرّ رجل آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: «ثلاثون حسنة» .
وأخرج أبو داود؛ عن معاذ بن أنس الجهني رضي الله تعالى عنه أنّ رجلا أتى إلى مجلس فيه رسول الله ﷺ؛ فقال: السلام عليكم، فردّ عليه وقال:
«عشر حسنات» . ثمّ جاء رجل آخر؛ فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فردّ عليه وقال: «عشرون حسنة» . ثم جاء آخر؛ فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فقال: «ثلاثون» وجاءه آخر فقال: ومغفرته، فقال: «أربعون»، ثمّ قال: «هكذا تكون الفضائل» !.
(و) من محاسن الأعمال: (عيادة المريض المسلم؛ برّا كان أو فاجرا) . قال ابن علان في «شرح «الأذكار»»: أصلها: «عوادة» فقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، كما في «صيام»، و«قيام» .
وعيادة المريض سنّة بالإجماع؛ سواء فيه من تعرفه وغيره، والقريب والأجنبي. وما ورد عند مسلم بلفظ: «يجب للمسلم على المسلم سبع» وذكر منها العيادة وغيرها مما ظاهره الوجوب!! محمول على الندب المتأكّد؛ كحديث: «غسل الجمعة واجب على كلّ محتلم» . وهي من حقّ المسلم على المسلم. انتهى.
وقال في «الإحياء»: والمعرفة والإسلام كاف في إثبات هذا الحقّ.
[ ٢ / ٣٣٧ ]
قال في «شرحه»: والظاهر أنّ كلا منهما شرط؛ فإذا عدم أحدهما! سقط حقّ العيادة. انتهى:
ومن أدب العائد: تخفيف الجلوس عنده؛ لئلّا يملّ المريض منه؛ فقد روى الدّيلمي؛ من حديث أبي هريرة: «من تمام العيادة: خفّة القيام عند المريض» . انتهى.
ومن أدب العائد: قلّة السؤال عن أحواله؛ فإنّ كثرته ربّما تضجره.
ومنها: إظهار الرّقّة والدعاء له بالعافية.
قال في «الإحياء»: وآدابه عند الاستئذان: ألايقابل الباب في وقوفه؛ فإنّه ربّما يقع بصره عند فتحه على ما لا يحلّ له النظر إليه، بل يقف في طرف منه. وإذا دقّ الباب يدقّ برفق ولين؛ لا بإزعاج! ولا يقول: «أنا»؛ إذا قيل: «من بالباب» !! فقد ورد النهي عن ذلك؛ بل يقول: «فلان» باسمه المعروف. ففي الحديث عنه ﷺ أنّه قال: «من تمام عيادة المريض أن يضع أحدكم يده على جبهته- أو قال: على يده- ويسأله كيف هو؟!، وتمام تحيّاتكم المصافحة» .
وفي لفظ: «وتمام تحيّتكم بينكم المصافحة» . رواه الإمام أحمد، والترمذي وضعّفه.
ورواه ابن أبي الدنيا، والبيهقيّ؛ من حديث أبي أمامة بلفظ: «من تمام» .
ورواه ابن أبي الدنيا والبيهقيّ بلفظ: «من تمام عيادة أحدكم أخاه: أن يضع يده عليه؛ فيسأله كيف أصبح، كيف أمسى!؟» .
وعند الطبراني في «الكبير»؛ من حديث أبي رهم: «وإنّ من الحسنات:
عيادة المريض، وإنّ من تمام عيادته أن تضع يدك عليه؛ وتسأله كيف هو؟!» .
[ ٢ / ٣٣٨ ]
وتشييع جنازة المسلم،
وروى أصحاب «السنن»، والحاكم؛ من حديث علي: «من أتى أخاه المسلم عائدا مشى في خرافة الجنّة حتّى يجلس، فإذا جلس! غمرته الرّحمة، فإن كان غدوة! صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يمسي، وإن كان مساء! صلّى عليه سبعون ألف ملك حتّى يصبح» .
وهذا لفظ ابن ماجه، وصحّحه الحاكم، وحسّنه الترمذي.
ولمسلم؛ من حديث ثوبان: «من عاد مريضا لم يزل في خرافة الجنّة» .
وللبيهقي؛ من حديث علي: «من عاد مريضا قعد في خراف الجنّة، فإذا قام من عنده! وكّل به سبعون ألف ملك يصلّون عليه حتّى اللّيل» .
وفي لفظ عنده من حديثه أيضا: «من عاد مريضا مشى في خراف الجنّة، فإذا جلس عنده! استنقع في الرّحمة، فإذا خرج من عنده! وكّل الله به سبعين ألف ملك يستغفرون له، ويحفظونه ذلك اليوم» .
(و) من محاسن الأعمال: (تشييع جنازة المسلم)؛ أي: الذهاب مع الجنازة حتى تدفن. أخرج الشيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه:
«من تبع جنازة فله قيراط من الأجر، فإن وقف حتّى تدفن؛ فله قيراطان»، وأخرج الإمام أحمد ومسلم وابن ماجه وأبو عوانة وأبو داود الطيالسي من حديث ثوبان: «من تبع جنازة حتى يصلي عليها، كان له من الأجر قيراط، ومن مشى مع الجنازة حتى تدفن كان له من الأجر قيراطان، والقيراط مثل أحد» .
وأخرج البخاريّ، والنسائي، وابن حبّان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: «من تبع جنازة مسلم إيمانا واحتسابا، وكان معها حتّى يصلّى عليها ويفرغ من دفنها؛ فإنّه يرجع من الأجر بقيراطين؛ كلّ قيراط مثل أحد!! ومن صلّى عليها ثمّ رجع قبل أن تدفن؛ فإنّه يرجع بقيراط من الأجر» .
[ ٢ / ٣٣٩ ]
وحسن الجوار لمن جاورت؛ مسلما كان أو كافرا،
والمشي أمامها بقربها أفضل؛ فإنّه شفيع لها، والشفيع يتقدّم.
هذا مذهب الشافعي. ويدلّ له حديث ابن عمر: كان رسول الله ﷺ يمشي بين يديها، وأبو بكر، وعمر.
وقال أبو حنيفة: المشي خلفها أفضل؛ لما رواه البراء بن عازب؛ قال:
أمرنا رسول الله ﷺ باتّباع الجنازة. وعن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «حقّ المسلم على المسلم خمس » وذكر منها اتّباع الجنازة؛ والاتّباع لا يقع إلّا على التوالي.
وآداب تشييع الجنازة: دوام الخشوع، وترك الحديث، وملاحظة الميت والاعتبار به، والتفكّر في الموت والاستعداد له.
(و) من محاسن الأعمال: (حسن الجوار)؛ أي: المجاورة (لمن جاورت؛ مسلما كان) الجار؛ (أو كافرا)؛ لأنّك مأمور بالإحسان إلى جارك مطلقا، إلّا أنّ للمجاورة مراتب بعضها ألصق من بعض؛ على الترتيب المذكور في قوله ﷺ: «الجيران ثلاثة؛ فجار له حقّ واحد؛ وهو أدنى الجيران حقّا، وجار له حقّان، وجار له ثلاثة حقوق.
فأمّا الّذي له حقّ واحد؛ فجار مشرك لا رحم! له حقّ الجوار.
وأمّا الّذي له حقّان! فجار مسلم له حقّ الإسلام وحقّ الجوار.
وأمّا الّذي له ثلاثة حقوق! فجار مسلم وذو رحم؛ له حقّ الإسلام وحقّ الجوار وحقّ الرّحم» .
رواه الحسن بن يوسف، والبزّار في «مسنديهما»، وأبو الشيخ في «كتاب الثواب»، وأبو نعيم في «الحلية»؛ من حديث جابر.
ورواه ابن عديّ؛ من حديث عبد الله بن عمرو وكلاهما ضعيف، وكذلك رواه الديلميّ والطبراني؛ من حديث جابر. وله طرق متّصلة ومرسلة، وفي الكلّ مقال.
[ ٢ / ٣٤٠ ]
فانظر كيف أثبت للمشرك حقّا بمجرّد الجوار! وقد قال ﷺ: «أحسن مجاورة من جاورك تكن مؤمنا» الحديث بطوله الذي رواه الترمذي؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وهذا أعمّ من أن يجاور مسلما أو مشركا.
وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره» . متّفق عليه؛ من حديث أبي شريح.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما؛ من حديث عائشة، وابن عمر:
«ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه» .
وأخرج الطبرانيّ؛ عن معاوية بن حيدة: قلت يا رسول الله؛ ما حقّ الجار على جاره؟! قال: «إن مرض عدته، وإن مات شيّعته، وإن استقرضك أقرضته، وإن أعور سترته» .
وفي رواية لأبي الشيخ: «وإن استعانك أعنته، وإن احتاج أعطيته، هل تفقهون ما أقول لكم!؟ لن يؤدّي حقّ الجار إلّا قليل ممّن رحم الله» .
وفي رواية للخرائطي: «وإن أصابه خير هنّأته، وإن أصابته مصيبة عزّيته، وإن مات اتّبعت جنازته، ولا تستطل عليه بالبناء؛ فتحجب عنه الرّيح إلّا بإذنه، ولا تؤذه بفائح قدرك؛ إلّا أن تفرغ له منها، وإن اشتريت فاكهة فأهد له منها، فإن لم تفعل! فأدخلها سرّا، ولا يخرج بها ولدك ليغيظ بها ولده» .
قال في «الإحياء»: واعلم أنّه ليس حقّ الجوار كفّ الأذى فقط! بل احتمال الأذى، فإنّ الجار أيضا قد كفّ أذاه، فليس في ذلك قضاء حقّ، ولا يكفي احتمال الأذى؛ بل لا بدّ من الرّفق وإسداء الخير والمعروف إليه؛ إذ يقال: إنّ الجار الفقير يتعلّق بجاره الغنيّ يوم القيامة؛ فيقول: يا ربّ؛ سل هذا لم منعني معروفه وسدّ بابه دوني!؟.
وبلغ ابن المقفّع أنّ جارا له يبيع داره في دين ركبه- وكان يجلس في ظلّ
[ ٢ / ٣٤١ ]
وتوقير ذي الشّيبة المسلم،
داره- فقال: ما قمت إذا بحرمة ظلّ داره إن باعها معدما! فدفع إليه ثمن الدار؛ وقال: لا تبعها.
وشكا بعضهم كثرة الفأر في داره! فقيل له: لو اقتنيت هرّا! فقال: أخشى أن يسمع الفأر صوت الهرّ؛ فيهرب إلى دور الجيران؛ فأكون قد أحببت لهم ما لا أحبّ لنفسي!!.
وبالجملة: فالذي يشمل جميع حقوق الجار هو: إرادته الخير لجاره، وموعظته بالحسنى، والدعاء له بالهداية، وترك الأذى وترك الإضرار على اختلاف أنواعه؛ إلّا في الموضع الذي يجب فيه الإضرار بالقول؛ أو الفعل.
فإن كان كافرا! يعظه بعرض الإسلام عليه، وإظهار محاسنه برفق، والترغيب فيه، فيعظ الفاسق بما يناسبه أيضا، ويستر عليه زلله عن غيره، وينهاه برفق، فإن أفاد، وإلّا! هجره؛ قاصدا تأديبه مع إعلامه بالسبب ليكفّ. قاله ابن أبي جمرة. ذكره في شرح «الإحياء» .
(و) من محاسن الأعمال: (توقير) - أي: تعظيم- (ذي الشّيبة المسلم) بما يستحقّه من التبجيل والتعظيم؛ ففي الحديث عنه ﷺ: «من إجلال الله:
إكرام ذي الشّيبة المسلم» الحديث؛ أي: تعظيم الشيخ الكبير صاحب الشيبة البيضاء الذي عمّر في الإسلام، وتوقيره في المجالس، والرّفق به، والشفقة عليه.
وهذا الحديث قال العراقي: رواه أبو داود؛ من حديث أبي موسى الأشعري بإسناد حسن. وقد سكت عليه أبو داود. أي: فهو عنده حسن! وهكذا قال ابن القطّان، والحافظ ابن حجر.
وأورده ابن الجوزي في «الموضوعات» بهذا اللفظ؛ من حديث أنس، ونقل عن ابن حبّان أنه لا أصل له!
[ ٢ / ٣٤٢ ]
ولم يصب ابن الجوزي؛ ولا ابن حبّان!! بل له أصل من حديث أبي موسى.
وأما حديث أنس الذي قال ابن حبّان «لا أصل له!» فلفظه: «إنّ من إجلال الله توقير الشّيخ من أمّتي»؛ قاله في شرح «الإحياء» .
أخرج الطبراني في «الأوسط» بسند ضعيف؛ عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس منّا من لم يوقّر كبيرنا، ولم يرحم صغيرنا» .
وهو عند أبي داود، والبخاري في «الأدب المفرد»؛ من حديث عبد الله ابن عمر بسند حسن؛ قاله العراقي.
فيتعيّن أن يعامل كلّا منهما بما يليق؛ فيعطي الصغير حقّه من الرّفق به والرحمة والشفقة عليه، ويعطي الكبير حقّه من الشرف والتوقير.
ومن تمام توقير المشايخ وتعظيمهم: ألايتكلّم بين أيديهم إلا بإذن منهم.
روى أبو الشيخ في «التوبيخ» من حديث جابر: «ثلاثة لا يستخفّ بحقّهم إلّا منافق بيّن النّفاق: ١- ذو الشّيبة في الإسلام، و٢- الإمام المقسط، و٣- معلّم الخير» .
ورواه الطبراني في «الكبير»؛ من حديث أبي أمامة رضي الله تعالى عنه نحوه.
وفي الخبر عنه ﷺ: «ما أكرم شابّ شيخا لسنّه! إلّا قيّض الله له من يكرمه عند سنّه!!» . رواه الترمذي؛ من حديث أنس، وقال: حديث غريب، وفيه أبو الرجال وهو ضعيف.
قال الغزالي: وهذه بشارة بدوام الحياة فليتنبّه لها! فلا يوفّق لتوقير المشايخ إلّا من قضى الله له بطول العمر. وهكذا ذكره ابن العربي في «شرح الترمذي»
[ ٢ / ٣٤٣ ]
وإجابة دعوة الطّعام، والدّعاء عليه، والعفو، والإصلاح بين النّاس،
عن العلماء أنّ فيه دليلا على طول العمر لمن أكرم المشيخة. انتهى. من «الإحياء» و«شرحه» .
(و) من محاسن الأعمال: (إجابة) داعي (دعوة الطّعام)؛ وجوبا في وليمة العرس، وندبا في غيرها من الولائم؛ بشرطه!
(والدّعاء عليه)؛ أي: على الطعام وبعده، فقد كان ﷺ إذا أكل عند قوم لم يخرج حتّى يدعو لهم؛ فكان يقول: «اللهمّ؛ بارك لهم وارحمهم» . وكان يقول: «أفطر عندكم الصّائمون، وأكل طعامكم الأبرار، وصلّت عليكم الملائكة» . كما تقدّم.
(والعفو) عمّن اجترأ عليه. قال ﷺ: «ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبدا بعفو إلّا عزّا، وما تواضع أحد لله إلّا رفعه» . رواه مسلم؛ من حديث أبي هريرة.
ورواه كذلك الإمام أحمد، والترمذي، وابن حبّان.
وقالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قطّ إلّا أن تنتهك حرمة الله! فينتقم لله. رواه البخاري ومسلم.
وقال ابن عباس: ما عفا رجل عن مظلمة إلّا زاده الله بها عزّا. أي: في الدنيا؛ فإنّ من عرف بالعفو والصفح عظم في القلوب، أو في الآخرة؛ بأن يعظم ثوابه. وهو معنى حديث أبي هريرة السابق آنفا.
(و) من محاسن الأعمال: (الإصلاح بين النّاس)، ففي الحديث عنه ﷺ: «أفضل الصّدقة: إصلاح ذات البين» رواه الطبراني في «الكبير»، والخرائطي في «مكارم الأخلاق»؛ من حديث عبد الله بن عمرو. وفيه راو ضعيف.
[ ٢ / ٣٤٤ ]
والجود، والكرم، والسّماحة،
وعنه ﷺ: «اتّقوا الله وأصلحوا ذات بينكم؛ فإنّ الله تعالى يصلح بين المؤمنين يوم القيامة» . رواه الخرائطي في «مكارم الأخلاق»؛ عن أنس من حديث طويل، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد، وضعّفه البخاري وابن حبّان.
وقال ﷺ: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّلاة والصّيام والصّدقة؟!» قالوا: بلى! قال: «إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة» .
رواه أبو داود، والترمذي وصحّحه؛ من حديث أبي الدرداء.
ورواه كذلك الإمام أحمد، والبخاري في «الأدب المفرد»، قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح.
فينبغي للشخص الاعتناء بإصلاح ذات البين بين المسلمين ما وجد لذلك سبيلا. وقد قال ﷺ: «ليس بكذّاب من أصلح بين اثنين؛ فقال خيرا أو نمى خيرا» . رواه الشيخان؛ من حديث أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وكذلك رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن جرير؛ كلهم من حديث حميد بن عبد الرحمن؛ عن أمّه أمّ كلثوم بنت عقبة. ورواه الطبراني في «الكبير» من حديث شدّاد بن أوس.
وليس المراد من الحديث نفي ذات الكذب! بل نفي إثمه. فالكذب كذب؛ لإصلاح أو غيره.
وهذا الحديث يدلّ على وجوب الإصلاح، لأنّ ترك الكذب واجب، ولا يسقط الواجب إلّا بواجب آكد منه. انتهى جميعه من «الإحياء» و«شرحه» والله أعلم.
(و) من محاسن الأعمال: (الجود، والكرم، والسّماحة) ومعانيها متقاربة.
[ ٢ / ٣٤٥ ]
والابتداء بالسّلام،
وقد فرّق بعضهم بينها بفروق دقيقة؛
فجعلوا الكرم: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم قدره ونفعه. أي: فيما يكثر الانتفاع به؛ فلا يطلق على ما يحقر قدره ويقلّ نفعه. وقال بعضهم: الأظهر أن يقال: الكرم إنما هو عطاء ابتداء؛ من غير ملاحظة عوض وغرض انتهاء.
وأمّا السماحة! فهي التجافي عمّا يستحقّه المرء عند غيره؛ من أداء عين، أو قضاء دين؛ بطيب نفس. وقال العلّامة ملّا علي قاري: بعض الأحاديث يدلّ على أنّ المراد بالسماحة السخاوة الخاصة؛ وهي المساهلة في المعاملة؛ كما ورد:
«رحم الله من سمح في البيع والشّراء، والقضاء والاقتضاء» . وفي حديث:
«السّماح رباح» . انتهى.
والسخاء: سهولة الإنفاق على الأقارب والأجانب، والفقير والغني، وسائر المراتب، وتجنبّ اكتساب ما لا يحمد. وهو مرادف للجود.
وقيل: الجود إعطاء الموجود، وانتظار المفقود، والاعتماد على المعبود.
وقيل: الجود هو بذل المجهود، ونفي الموجود.
وقد يقال: من أعطى البعض؛ فهو سخي، ومن بذل الأكثر؛ فهو جواد، ومن أعطى الكلّ؛ فهو كريم. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: (الابتداء بالسّلام)؛ وهو سنّة عين من الواحد؛ ولو صبيا! ولو على من ظنّ أنّه لا يردّ، ومن الجماعة سنّة كفاية.
وردّه فرض عين على الواحد عند إقباله وانصرافه، وكذا لو علمه واحد فقط من الجماعة، ولو كان المسلّم صبيا مميّزا.
وفرض كفاية؛ إن كان على جماعة اثنين فأكثر، مسلمين مكلفين، أو سكارى؛ لهم نوع تمييز، عالمين به، ولو نساء.
ولو أسقط المسلّم حقّه؛ لم يسقط، لأن الحقّ لله تعالى، ولو ردّوا كلّهم؛
[ ٢ / ٣٤٦ ]
ولو مرتّبا؟ أثيبوا ثواب الفرض، كالمصلّين على جنازة.
وشرطه إسماع واتصال كاتصال الإيجاب بالقبول، فإن شكّ في سماعه؛ زاد في الرفع، فإن كان عنده نيام، خفض صوته ندبا.
ولا يكفي ردّ صبي مع وجود مكلّف، ولا ردّ غير المسلّم عليهم.
ولو سلّم على جماعة؛ فيهم امرأة فردّت؛ هل يكفي؟ قال الزركشي: ينبغي بناؤه على أنّه هل يشرع لها الابتداء بالسّلام؛ بأن كانت محرما له، أو غير مشتهاة مثلا؛ فحيث شرع لها؛ كفى جوابها، وإلّا فلا.
قال الشّبراملّسي: ومحلّ ذلك ما لم يخصّ الرجال، وإلّا فلا يكفي ردّها.
انتهى.
ويجب الجمع بين اللفظ والإشارة على من ردّ على أصمّ، وسنّ لمن يسلّم عليه أن يجمع بينهما.
نعم؛ لو علم أنّه فهم بقرينة الحال والنظر إلى فمه؟ لم تجب الإشارة.
وتجزىء إشارة الآخرس ابتداء وردّا.
وقال الشّبراملّسي: محلّ ذلك إن فهمها كلّ أحد، وإلّا كانت كناية، فتعتبر النيّة معها، لوجوب الردّ والكفاية في حصول السّنّة منه. انتهى.
وصيغته: «السلام عليكم»، أو «سلامي عليكم»، ويجزىء مع الكراهة «عليكم السلام» . ويجب فيه الردّ.
وك «عليكم السلام»، «عليكم سلامي»، ولو قال «وعليكم السلام»؟ لم يكن سلاما، فلا يجب ردّه «١» .
_________________
(١) بقي مما لا يجب ردّه وهو الآن مستعمل كثيرا: سلام الله عليكم. أو: سلام من الله عليكم.
[ ٢ / ٣٤٧ ]
وكظم الغيظ،
وندب صيغة الجمع في الواحد لأجل الملائكة، ويكفي الإفراد فيه، بخلافه في الجمع! فلا يكفي في أداء السّنة، ولا يجب الردّ حيث لم يعيّن واحدا.
والإشارة بيد ونحوها من غير لفظ! خلاف الأولى، والجمع بينها وبين اللفظ أفضل، وصيغة ردّه «وعليكم السلام وعليك السلام» للواحد، لا لجمع سلّموا عليه؛ كما في الشبراملسي، ومع ترك الواو، وإن كان ذكرها أفضل، فإن عكس؛ بأن قال: «والسلام عليكم»، أو «السلام عليكم»؟ جاز وكفى، فإن قال «وعليكم» وسكت؟ لم يجز.
والتعريف ابتداء وجوابا أفضل، وزيادة «ورحمة الله وبركاته» أكمل منهما.
انتهى ملخصا من كتاب «فتح العلام» للسيّد العلامة علوي بن أحمد السّقّاف ﵀، ثم قال فيه:
وهل لنا سنّة كفاية غير السلام من الجماعة؟! ذهب فخر الإسلام الشاشي إلى نفي ذلك. وردّ بأن منها تشميت العاطس، والتسمية للأكل، والأذان والإقامة، وما يفعل بالميّت؛ مما ندب إليه من جماعته، وتضحية الواحد من أهل البيت بالشاة الواحدة، لتأدّي شعار التضحية. وقد نظم بعضهم ذلك في قوله:
أذان وتشميت وفعل بميّت إذا كان مندوبا وللأكل بسملا
وأضحية من أهل بيت تعدّدوا وبدء سلام والإقامة فاعقلا
فذي سبعة إن جا بها البعض يكتفى ويسقط لوم عن سواه تكمّلا
زاد في «التحفة» و«النهاية»: إجابة تشميت العاطس. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: (كظم الغيظ) الكظم: هو الكفّ؛ إمّا بكفّ النفس؛ أو بالصفح.
والغيظ: هو الغضب الكامن في القلب.
أخرج ابن أبي الدنيا في «ذمّ الغضب»؛ عن ابن عمر ﵄ أنّ
[ ٢ / ٣٤٨ ]
والعفو عن النّاس،
رسول الله ﷺ قال: «من كظم غيظا، ولو شاء أن يمضيه أمضاه؛ ملأ الله قلبه يوم القيامة رضا» . وفي رواية: «من كتم غيظا؛ وهو يقدر على إنفاذه؛ ملأ الله قلبه أمنا وإيمانا» . رواه ابن أبي الدنيا؛ من حديث أبي هريرة.
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: قال رسول الله ﷺ: «ما جرع عبد جرعة أعظم أجرا من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى» . رواه ابن ماجه بإسناد جيد، وقال المنذريّ: رواته محتجّ بهم في «الصحيح» .
ورواه الإمام أحمد بلفظ: «ما تجرّع عبد أفضل منه عند الله من جرعة غيظ كظمها ابتغاء وجه الله تعالى» .
وقال ابن عبّاس: قال رسول الله ﷺ: «إنّ لجهنّم بابا لا يدخله إلّا من شفى غيظه بمعصية الله» . رواه ابن أبي الدنيا في «ذم الغضب» .
وقال ﷺ: «من كظم غيظا؛ وهو يقدر على أن ينفذه؛ دعاه الله على رؤوس الخلائق، ويخيّره من أيّ الحور العين شاء» . رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ؛ وقال: حسن غريب، وابن ماجه، والطبرانيّ، والبيهقيّ، وابن أبي الدنيا في «ذم الغضب»؛ وفي «الصمت» من حديث معاذ بن أنس.
وذكر أنّه كان عند ميمون بن مهران الجزري «كاتب عمر بن عبد العزيز» ضيف، فاستعجل جاريته بالعشاء؛ فجاءت مسرعة ومعها قصعة مملوءة من الثريد، فعثرت في ذيلها وأراقتها على رأس سيّدها ميمون، فقال: يا جارية أحرقتيني! قالت: يا معلّم الخير ومؤدّب الناس؛ ارجع إلى ما قال الله تعالى، قال لها: وما قال الله تعالى؟! قالت: قال وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ قال: قد كظمت غيظي؛ أي كففته. قالت وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ قال: قد عفوت عنك. قالت:
زد، فإنّ الله ﷿ يقول وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤) [آل عمران] قال: أنت حرّة لوجه الله تعالى.
(والعفو عن النّاس) تقدّم الكلام على العفو.
[ ٢ / ٣٤٩ ]
واجتناب ما حرّمه الإسلام من اللهو، والباطل، والغناء، والمعارف كلّها،
(واجتناب) كلّ (ما حرّمه الإسلام؛ من اللهو والباطل والغناء) - بكسر الغين والمدّ-: الصوت. وغنّى- بالتشديد-: إذا ترنّم بالغناء، والغنى- بالكسر والقصر- بالمال، وأما الغناء- بفتح الغين والمدّ-!! فهو النفع، وعلى ذلك قول بعضهم:
الغنا بالمدّ صوت والغنى بالمال مقصور
والجميع الغين منه عند أهل العلم مكسور
والغنا بالمدّ والفت ح اسمه للنّفع مشهور
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (المعازف كلّها): آلات يضرب بها.
الواحد عزف؛ مثل فلس. وقال الجوهريّ: المعازف الملاهي.
قال ابن حجر الهيتميّ: صحّ من طرق عن رسول الله ﷺ أنّه قال: «ليكوننّ في أمّتي أقوام يستحلّون الحر والحرير، والخمر والمعازف» . أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو نعيم بأسانيد صحيحة لا مطعن فيها، وصحّحه جماعة آخرون من الأئمة؛ كما قاله بعض الحفّاظ؛ خلافا لما وهم فيه ابن حزم! فقد علّقه البخاريّ؛ ووصله الإسماعيلي.
وهو صريح ظاهر في تحريم جميع آلات اللهو المطربة.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النبي ﷺ قال: «إيّاكم وسماع المعازف والغناء، فإنّهما ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء البقل» . رواه ابن صصري في «أماليه» .
وأخرج الدّيلميّ أنّه ﷺ قال: «الغناء واللهو ينبتان النّفاق في القلب كما ينبت الماء العشب، والذي نفسي بيده؛ إنّ القرآن والذّكر لينبتان الإيمان في القلب كما ينبت الماء العشب» .
[ ٢ / ٣٥٠ ]
وعن أبي موسى رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النبي ﷺ قال: «من استمع إلى صوت غناء لم يؤذن له أن يستمع إلى صوت الرّوحانيّين في الجنّة» . رواه الحكيم الترمذي.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ أنّه سئل عن قوله تعالى وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ [لقمان/ ٦]؛ قال: «الغناء، والذي لا إله إلّا هو؛ لا غيره» .
رواه ابن أبي شيبة بإسناد صحيح. وأخرجه الحاكم وصحّحه والبيهقيّ وغيره.
ثمّ قال ابن حجر الهيتميّ: يحرم سماع الغناء من حرّة وأمة أجنبيّة؛ بناء على قول عندنا «أنّ صوت المرأة عورة»، سواء أخاف فتنة بها؛ أم لا!! وكلام الشيخين في «الروضة» و«أصلها» في ثلاثة مواضع يقتضي أنّ هذا هو الراجح في المذهب، ونقل القاضي أبو الطيّب إمام أصحابنا عن الأصحاب: ولو من وراء حجاب.
وصرّح بالتحريم القاضي الحسين أيضا. وادّعى أنّه لا خلاف فيه؛ مستدلا بالحديث الصحيح: «من استمع إلى قينة صبّ في أذنيه الآنك» . أي: الرصاص المذاب.
قال الأذرعيّ: ولو لم يكن المغنّي والمغنّية محلّ الفتنة، ولكن استماع الغناء منه يبعث على الافتتان بغيره من الناس؛ فهو حرام، لما فيه من الخبث؛ وتحريك القلب الخرب إلى ما يهواه، لا سيّما أهل العشق والشغف، ومن يشتغل بصورة خاصّة! وهذا واضح ولا ينازع فيه منصف. انتهى.
وأمّا على قول «أنّ صوت المرأة غير عورة» وهو الأصحّ!! فلا يحرم؛ إلّا إن خشي فتنة.
قال الأذرعيّ: ومحلّه في غير الغناء الملحّن بالنغمات الموزونة مع التخنّث والتغنّج؛ كما هو شأن المغنّيات.
أما هذا!! ففيه أمور زائدة على مطلق سماع الصوت؛ فيتّجه التحريم هنا؛ وإن
[ ٢ / ٣٥١ ]
وكلّ ذي وتر، وكلّ ذي ذحل، والغيبة،
قلنا «إنّ صوتها غير عورة» .
ويجب أن يكون محلّ الخلاف في صوت غير مشتمل على ذلك؛ بخلاف المشتمل عليه، لأنّه يحثّ على الفسوق؛ كما هو مشاهد، ويظهر أنّ سماعه من الأمرد محرّم أيضا؛ إن خشي فتنة به، كسماعه من المرأة.
ثم رأيت الرافعي صرّح بذلك. والأذرعيّ نقل عن القرطبي: أنّ جمهور من أباح سماع الغناء حكموا بتحريمه من الأجنبيّة على الرّجال والنساء، وأنّه لا فرق بين إسماع الشعر والقرآن، لما فيه من تهيّج الشهوة وخوف الفتنة؛ لا سيما إذا لحّنته، فسماعه كالاطلاع على محاسن جسدها، بل الحاصل بغنائها من المفسدة أسرع من ذلك!؛ لأنّ السماع يؤثّر في النفس قبل رؤية الشخص، وأمّا تهييجه للشهوة وإيقاعه في الفتنة!! فلا شكّ فيه.
والحاصل: أنّ سماعهنّ مظنّة للشهوة قطعا. وأطال في تقريره وهو كما قال.
انتهى كلام الأذرعي؛ نقله ابن حجر رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (كلّ ذي وتر) - بفتح الواو وسكون التاء المثنّاة فوق، آخره راء-: هو الذّحل- بالذال المعجمة والحاء المهملة- المذكور في قوله (وكلّ ذي ذحل) الحقد وهو بفتح الذال المعجمة. وتفتح الحاء المهملة، فيجمع على أذحال؛ مثل سبب وأسباب، وتسكّن الحاء المهملة، فيجمع على ذحول؛ مثل فلس وفلوس، وطلب بذحله أي بثأره. انتهى «مصباح» وسيأتي تفسيرهما في كلام المصنف، والمراد منهما اجتناب الحقد وإضمار الشرّ للمسلمين.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الغيبة) - بكسر الغين المعجمة-: ذكرك أخاك بما يكره؛ ولو بما فيه؛ ولو بحضوره، لكن ظاهر المادّة تؤيّد ما قيل «من أن ما في الحضور لا يسمّى غيبة بل بهتان» . وإذا ذكره بما ليس فيه فقد زاد على ذلك إثم الكذب.
[ ٢ / ٣٥٢ ]
ومن الضلال قول بعض العامّة «ليس هذا غيبة، إنّما هو إخبار بالواقع»، فربّما جرّه ذلك لكفر الاستحلال- والعياذ بالله تعالى-.
وليست الغيبة مختصّة بالذكر، بل ضابطها: كلّ ما أفهمت به غيرك نقصان مسلم، بلفظك؛ أو كتابتك؛ أو أشرت إليه بعينك؛ أو يدك؛ أو رأسك؛ أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في بدنه؛ أو دينه؛ أو دنياه؛ أو ولده؛ أو والده؛ أو زوجته؛ أو خادمه؛ أو حرفته؛ أو لونه؛ أو مركوبه؛ أو عمامته؛ أو ثوبه؛ أو غير ذلك ممّا يتعلّق به.
ومن ذلك قول المصنفين في كتبهم «قال فلان كذا وهو غلط؛ أو خطأ.. أو نحو ذلك» فهو حرام، إلّا إن أرادوا بيان غلطه؛ أو خطئه، لئلا يقلّد؛ لأنّ ذلك نصيحة؛ لا غيبة.
وقولهم «قال مصنف، أو قال جماعة أو قوم كذا؛ وهو غلط أو خطأ» أو نحو ذلك؟! ليس غيبة، لأنّ الغيبة لا تكون إلّا في إنسان معين؛ أو جماعة معينين.
وقولك «فعل كذا بعض الناس»، أو: «بعض الفقهاء»، أو: «من يدّعي العلم»، أو: «بعض المفتين» أو نحو ذلك غيبة محرّمة إذا كان المخاطب يفهمه بعينه.
وقضيّة ذلك: أنّك إذا ذكرت شخصا تعرفه أنت دون المخاطب؛ لا يكون غيبة.
ويشكل عليه حرمة الغيبة في الخلوة؛ دون حضور أحد، وكذا بالقلب فقط، فإنّها بالقلب محرّمة كهي باللسان، ومحلّ ذلك في غير من شاهد، وأمّا من شاهد!! فيعذر في الاعتقاد حينئذ؛ نعم؛ ينبغي أن يحمله على أنّه تاب.
وحكم الغيبة التحريم بالإجماع.
وهل هي كبيرة؛ أو صغيرة؟!
[ ٢ / ٣٥٣ ]
قال القرطبي من المالكية: إنها كبيرة بلا خلاف- يعني في مذهبه-، وإليه ذهب كثير من الشافعية، وذكر صاحب «العدة» منهم: أنها صغيرة. وأقرّه عليه الرافعيّ ومن تبعه، لعموم البلوى بها، فقلّ من يسلم منها!! وفي التعليل نظر لا يخفى، لأنّ ذلك لا يقتضي كونها من الصغائر، والذي جزم به ابن حجر الهيتمي في «شرح الشمائل» أنّ غيبة العالم وحامل القرآن كبيرة، وغيبة غيرهما صغيرة؛ وهو المعتمد.
وكما يحرم على المغتاب ذكر الغيبة يحرم على السامع استماعها وإقرارها، فيجب على كلّ من سمع إنسانا يذكر غيبة محرّمة أن ينهاه، إن لم يخف ضررا ظاهرا.
وقد ورد: «من ردّ غيبة مسلم ردّ الله عن وجهه النّار يوم القيامة» . فإن لم يستطع باليد؛ ولا باللسان؟! فارق ذلك المجلس. فإن قال بلسانه «اسكت» وهو يشتهي بقلبه استمراره؟! فذلك نفاق؛ كما قاله الغزالي!! فلا بدّ من كراهته بقلبه.
وربّما ألحق مجلس الغيبة بمظانّ الإجابة، فيقول «الله يلطف بنا، وبفلان؛ فعل كذا وكذا» !!.
ومن ذلك غيبة المتفقّهين والمتعبّدين؛ فيقال لأحدهم «كيف حال فلان» فيقول «الله يصلحنا.. الله يغفر لنا.. الله يصلحه؛ نسأل الله العافية! الله يتوب علينا» وما أشبه ذلك مما يفهم منه تنقيصه. فكلّ ذلك غيبة محرّمة، وكذلك إذا قال «فلان ماله حيلة؛ كلنا نفعل ذلك.» .
واعلم أنّ العلماء ذكروا أنّ الغيبة تباح في أحوال للمصلحة؛ وهي ستّة نظمها العلامة ابن أبي شريف رحمه الله تعالى؛ فقال:
القدح ليس بغيبة في ستّة متظلّم ومعرّف ومحذّر
ولمظهر فسقا ومستفت ومن طلب الإعانة في إزالة منكر
[ ٢ / ٣٥٤ ]
والكذب،
فالأوّل: المتظلّم، كأن يقول المظلوم لمن له الولاية كالقاضي «فلان ظلمني» .. مثلا.
والثاني: المعرّف، كأن يقول «فلان الأعمش.. أو الأعرج.. أو نحو ذلك» فيمن كان معروفا بذلك؟! بشرط أن يكون بنيّة التعريف، فإن كان بقصد التنقيص!! حرم.
والثالث: المحذّر، كأن تذكر عيوب شخص لمن يريد الاجتماع عليه إذا لم ينكفّ بدون ذكرها، وإلّا!! حرم.
والرابع: مظهر الفسق؛ أي: المجاهر بفسقه، كالمجاهر بشرب الخمر وأخذ المكس.. وغير ذلك، فيجوز ذكره بما فسق به؛ لا بغيره من العيوب، بشرط أن يقصد أن تبلّغه لينزجر.
والخامس: المستفتي؛ كأن يقول للمفتي «ظلمني فلان»؛ فهل له ذلك؟
وما طريقي في الخلاص منه.
والسادس: الطالب للمعاونة على إزالة المنكر؛ كأن يقول لمن يرجو قدرته على إزالة المنكر «فلان يعمل كذا فأعنّي على منعه»، بشرط أن يكون قصده التوصّل إلى إزالة المنكر، فإن لم يقصد ذلك؟ كان حراما.
والتوبة تنفع في الغيبة من حيث الإقدام، وأمّا من حيث الوقوع في حرمة من هي له؟! فلا بدّ فيها- مع التوبة- من طلب العفو من صاحبها عنه؛ إذا بلغته. وإذا لم تبلغه؟ كفى الاستغفار له. وإن بلغته بعد ذلك؟ بلغته ممحوّة. انتهى جميع ذلك ملخصا من الباجوري رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الكذب) لغير مصلحة شرعية، فإن كان لمصلحة شرعيّة؟ جاز، كالكذب للزوجة؛ تطييبا لنفسها، بل قد يجب كالكذب لإنقاذ مسلم، أو لإصلاح ذات البين.
[ ٢ / ٣٥٥ ]
والبخل، والشّحّ،
قال في «الإحياء»: كلّ مقصود محمود يمكن التوصّل إليه بالصدق والكذب جميعا؛ فالكذب فيه حرام. وإن أمكن التوصّل إليه بالكذب؛ دون الصدق! فالكذب فيه مباح؛ إن كان تحصيل ذلك القصد مباحا، وواجب إن كان المقصود واجبا. كما أنّ عصمة دم المسلم واجبة؛ فمهما كان في الصدق سفك دم امرىء مسلم قد اختفى من ظالم؛ فالكذب فيه واجب، ومهما كان لا يتمّ مقصود الحرب؛ أو إصلاح ذات البين، أو استمالة قلب المجنيّ عليه إلّا بكذب؟! فالكذب مباح، إلّا أنّه ينبغي أن يحترز منه ما أمكن. انتهى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (البخل، والشّحّ) . قال في «الجمل» «١»: الشحّ: اللؤم؛ وهو غريزة، والبخل: المنع نفسه. فهو أعمّ، لأنّه قد يوجد البخل ولا شحّ له، ولا ينعكس.
وفي النسائي؛ عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يجتمع الشّحّ والإيمان في قلب عبد أبدا» .
فإذن الشحّ صفة راسخة يصعب معها على الرّجل تأتّي المعروف؛ وتعاطي مكارم الأخلاق، ويفتقر في التخلّص منه إلى معونة الله وتوفيقه.
وفي «الجامع الصغير»: «الشّحيح لا يدخل الجنّة» . رواه الخطيب في كتاب «البخلاء»؛ عن ابن عمر.
وفي «الصحاح»: الشحّ: البخل مع حرص. انتهى.
وفي «الإحياء»: قال عبد الله بن عمرو: الشحّ أشدّ من البخل، لأن الشحيح هو الذي يشحّ على ما في يد غيره حتى يأخذه، ويشحّ بما في يده فيحبسه، والبخيل هو: الذي يبخل بما في يده. انتهى.
_________________
(١) أي حاشية الجمل! لعلها على الجلالين!!.
[ ٢ / ٣٥٦ ]
وقال في «الاحياء» أيضا: أما حدّ البخل الذي يوجب الهلاك؛!
فقال قائلون: هو منع الواجب، فكلّ من أدّى ما وجب عليه؛ فليس ببخيل.
وهذا غير كاف. ثم أطال في تقرير حدّ البخل، إلى أن قال: السخيّ هو:
الذي لا يمنع واجب الشرع؛ ولا واجب المروءة، فإن منع واحدا منها؟! فهو بخيل، ولكن الذي يمنع واجب الشرع أبخل، كالذي يمنع أداء الزكاة ويمنع عياله وأهله النفقة، أو يؤدّيها؛ ولكنه يشقّ عليه، فإنّه بخيل بالطبع، وإنّما يتسخّى بالتكلّف، أو الذي يتيمّم الخبيث من ماله؛ ولا يطيب قلبه أن يعطي من أطيب ماله، أو من وسطه. فهذا كلّه بخل.
وأمّا واجب المروءة!! فهو ترك المضايقة، والاستقصاء في المحقّرات، فإنّ ذلك مستقبح. واستقباح ذلك يختلف بالأحوال والأشخاص؛
١- فمن كثر ماله استقبح منه ما لا يستقبح من الفقير من المضايقة. ويستقبح من الرّجل المضايقة مع أهله؛ وأقاربه؛ ومماليكه ما لا يستقبح مع الأجانب. ويستقبح مع الجار ما لا يستقبح مع البعيد، ويستقبح في الضيافة من المضايقة ما لا يستقبح أقلّ منه في المبايعة والمعاملة، فيختلف ذلك بما فيه من المضايقة في ضيافة؛ أو معاملة.
٢- أو بما فيه المضايقة؛ من طعام؛ أو ثوب، إذ يستقبح في الأطعمة ما لا يستقبح في غيرها، ويستقبح في شراء الكفن مثلا؛ أو شراء الأضحية، أو شراء خبز الصدقة ما لا يستقبح في غيره من المضايقة.
٣- وكذلك بمن معه المضايقة؛ من صديق؛ أو أخ؛ أو قريب؛ أو زوجة؛ أو ولد؛ أو أجنبي. وبمن معه المضايقة؛ من صبي؛ أو امرأة، أو شيخ؛ أو شاب، أو عالم؛ أو جاهل، أو موسر؛ أو فقير.
فالبخيل هو: الذي يمنع حيث ينبغي ألايمنع؛ إمّا بحكم الشرع، وإمّا بحكم المروءة، وذلك لا يمكن التنصيص على مقداره.
ولعل حدّ البخل هو: إمساك المال عن غرض، ذلك الغرض هو أهمّ من حفظ
[ ٢ / ٣٥٧ ]
والجفاء، والمكر، والخديعة،
المال!! فإنّ صيانة الدين أهمّ من حفظ المال، فمانع الزكاة والنفقة بخيل، وصيانة المروءة أهمّ من حفظ المال، والمضايق في الدقائق مع من لا تحسن المضايقة معه هاتك ستر المروءة لحبّ المال؛ فهو بخيل. انتهى كلام الإمام الغزاليّ رحمه الله تعالى.
وهو الذي استقرّ رأيه عليه في تقرير البخيل وحدّ البخل؛ بعد أن أطال الكلام في ذلك رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (الجفاء) أي: الغلظة والفظاظة. قال الأزهريّ: الجفاء ممدود؛ عند النحويين، وما علمت أحدا أجاز فيه القصر. وفي الحديث: «البذاء من الجفاء، والجفاء في النّار» . وفي الحديث الآخر: «من بدا جفا» أي: غلظ طبعه، لقلّة مخالطة الناس.
والجفاء يكون في الخلقة والخلق؛ يقال: رجل جافي الخلقة، وجافي الخلق أي: كزّ غليظ العشرة، خرق في المعاملة، متحامل عند الغضب والسورة على الجليس،
وفي صفته ﷺ: «ليس بالجافي المهين» أي: ليس بالغليظ الخلقة والطبع، أي: ليس بالذي يجفو أصحابه. انتهى من شرح «القاموس» .
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (المكر، والخديعة)؛ وهما من الكبائر. قال ابن حجر في «الزواجر»: المكر- لغة-: الستر، يقال مكر الليل؛ أي: ستر بظلمته ما هو فيه، ويطلق أيضا على الاحتيال والخداع والخبث، وبهذا الاعتبار عبّر عنه بعض اللغويين: بأنّه السعي بالفساد، وبعضهم: بأنّه صرف الغير عما يقصد بحيلة.
وهذا الأخير؛ إمّا محمود بأن يتحيّن في أن يصرفه إلى خير، وعليه يحمل قوله تعالى وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (٣٠) [الأنفال] .
وإمّا مذموم بأن يتحيّل به في أن يصرفه إلى شرّ، ومنه وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا
[ ٢ / ٣٥٨ ]
والنّميمة،
بِأَهْلِهِ [٤٣/ فاطر] انتهى.
ثم قال ابن حجر أيضا: أخرج الطبرانيّ في «الكبير» و«الصغير» بإسناد جيد، وابن حبّان في «صحيحه»؛ عن ابن مسعود ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ: «من غشّنا فليس منّا، والمكر والخداع في النّار» .
ورواه أبو داود؛ عن الحسن مرسلا مختصرا؛ قال: «المكر، والخديعة، والخيانة في النّار» .
وفي حديث: «لا يدخل الجنّة خبّ- أي: مكّار- ولا بخيل، ولا منّان» .
وفي آخر: «المؤمن غرّ كريم، والفاسق خبّ لئيم» .
وقال تعالى عن المنافقين يُخادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خادِعُهُمْ
[النساء/ ١٤٢] أي:
مجازيهم بما يشبه الخداع على خداعهم له، وذلك أنّهم يعطون نورا؛ كما يعطى المؤمنون، فإذا مضوا على الصراط أطفىء نورهم؛ وبقوا في الظّلمة.
وفي حديث: «أهل النّار خمسة ، وذكر منهم رجلا لا يصبح ولا يمسي؛ إلّا وهو مخادعك عن أهلك ومالك» . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (النّميمة) وهي: نقل كلام الناس بعضهم إلى بعض على وجه الإفساد بينهم، كقوله «فلان يقول فيك كذا» .. لكن قال أبو حامد الغزاليّ: وليست النميمة مختصّة بذلك!!. بل حدّها كشف ما يكره كشفه، سواء كان الكشف بالقول؛ أو بالكتابة؛ أو الرمز، أو نحوها، وسواء كان المنقول من الأعمال؛ أو من الأحوال! وسواء كان عيبا؛ أو غيره!!.
قال النّوويّ: فحقيقة النميمة إفشاء السر وهتك الستر عما يكره كشفه.
قال: وكلّ من حملت إليه نميمة لزمه ستّة أمور:
الأوّل: ألايصدّقه، لأن النمام فاسق. والفاسق مردود الخبر.
[ ٢ / ٣٥٩ ]
وسوء ذات البين،
الثاني: أن ينهاه عن ذلك وينصحه.
الثالث: أن يبغضه، فإنّه بغيض عند الله. ويجب بغض من أبغضه الله تعالى.
الرابع: ألايظنّ بالمنقول عنه السوء، لقوله تعالى اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ [الحجرات/ ١٢] .
الخامس: ألايحمله ما حكي له على التجسّس والبحث عن تحقيق ذلك، قال الله تعالى وَلا تَجَسَّسُوا [الحجرات/ ١٢] .
السادس: ألايحكى نميمة عنه، فيقول «فلان حكى لي كذا» فيصير بذلك نمّاما.
والنميمة محرّمة بالإجماع، والمذاهب متفقة على أنّها كبيرة، لحديث «الصحيحين»: «لا يدخل الجنّة نمّام» . وفي رواية لمسلم: «قتّات»؛ أي:
نمّام.
وكلّ ذلك ما لم تدع الحاجة إليها، وإلّا! جازت، لأنّها حينئذ ليست نميمة؛ بل نصيحة كما إذا أخبرك شخص: بأنّ فلانا يريد البطش بمالك؛ أو بأهلك؛ أو نحو ذلك! لتكون على حذر، فليس ذلك بحرام؛ لما فيه من دفع المفاسد.
وقد يكون بعضه واجبا، كما إذا تيقّن وقوع ذلك لو لم يخبرك بهذا الخبر.
وقد يكون بعضه مستحبّا، كما إذا شكّ في ذلك؛ ذكره النووي رحمه الله تعالى.
نقله الباجوري عنه رحمهم الله تعالى. آمين.
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (سوء ذات البين) أخرج أبو داود، والترمذيّ وصحّحه، والإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد» - قال الحافظ ابن حجر: سنده صحيح- عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنّه قال: «ألا أخبركم بأفضل من درجة الصّيام والصّلاة والصّدقة»؟ قالوا: بلى.
[ ٢ / ٣٦٠ ]
وقطيعة الأرحام،
قال: «إصلاح ذات البين. وفساد ذات البين هي الحالقة» أي: الخصلة التي شأنها أن تحلق: أي: تهلك، وتستأصل الدين كما يستأصل المزيّنون الشعر، أو المراد المزيلة لمن وقع فيها، لما يترتّب عليه من الفساد والضغائن. انتهى.
«شرح «الإحياء»» .
(و) من محاسن الأعمال: اجتناب (قطيعة الأرحام)؛ وهم كلّ قريب:
وارثا؛ أو غير وارث، محرما؛ أو غير محرم.
قال العلّامة ابن حجر في «الفتاوى الفقهية»؛ كتاب السير: المراد بالأرحام الذين يتأكّد برّهم، وتحرم قطيعتهم جميع الأقارب، من جهة الأب أو الأم؛ وإن بعدوا.
وقال في «الزواجر»: وظاهر أن الأولاد والأعمام من الأرحام، وكذا الخالة؛ خلافا للزركشي في قوله «إنّ الخالة والعمّ مثل الأب والأم؛ حتى في العقوق» .
انتهى.
والمراد بقطع الرحم: قطع ما ألف القريب منه من سابق الوصلة والإحسان لغير عذر شرعي، لأن قطع ذلك يؤدّي إلى إيحاش القلوب ونفرتها وتأذّيها، ويصدق عليه حينئذ أنّه قطع وصلة رحمه، وما ينبغي لها من عظيم الرعاية، فلو فرض أنّ قريبه لم يصل إليه منه إحسان؛ ولا إساءة! قط، لم يفسق بذلك.
ولا فرق بين أن يكون الإحسان الذي ألفه؛ منه القريب؛ مالا، أو مكاتبة، أو مراسلة، أو زيارة، أو غير ذلك. فقطع ذلك كلّه بعد فعله لغير عذر كبيرة. قاله ابن حجر في «الزواجر» .
قال: وينبغي أن يراد بالعذر في المال فقد ما كان يصله به؛ أو تجدّد احتياجه إليه، أو أن يندبه الشارع إلى تقديم غير القريب عليه، لكون الأجنبي أحوج أو أصلح، فعدم الإحسان إليه، أو تقديم الأجنبي عليه لهذا العذر يرفع عنه الفسق؛
[ ٢ / ٣٦١ ]
وسوء الخلق
وإن انقطع بسبب ذلك ما ألفه منه القريب، لأنه إنّما راعى أمر الشارع بتقديم الأجنبي على القريب. وواضح أن القريب لو ألف منه قدرا معيّنا من المال يعطيه إيّاه كل سنة مثلا فنقصه؛ لا يفسق بذلك، بخلاف ما لو قطعه من أصله لغير عذر.
فإن قلت: يلزم على ذلك امتناع القريب من الإحسان إلى قريبه أصلا؛ خشية أنه إذا أحسن إليه يلزمه الاستمرار على ذلك؛ خوفا من أن يفسق لو قطعه، وهذا خلاف مراد الشارع من الحثّ على الإحسان إلى الأقارب؟!.
قلت: لا يلزم ذلك، لما تقرّر أنه لا يلزمه أن يجري على تمام القدر الذي ألفه منه، بل اللازم له ألايقطع ذلك من أصله. وغالب الناس يحملهم شفقة القرابة ورعاية الرّحم على وصلتها، فليس في أمرهم بمداومتهم على أصل ما ألفوه منهم تنفير عن فعله، بل حثّ على دوام أصله، وإنما يلزم ذلك لو قلنا «إنه إذا ألف منه شيئا بخصوصه يلزمه الجريان على ذلك الشيء المخصوص دائما؛ ولو مع قيام العذر الشرعي» !!، ونحن لم نقل ذلك.
وأما عذر الزيارة! فينبغي ضبطه بعذر الجمعة «١»، بجامع أن كلّا فرض عين؛ وتركه كبيرة، وأما عذر ترك المكاتبة والمراسلة! فهو ألايجد من يثق به في أداء ما يرسله معه، والظاهر أنه إذا ترك الزيارة التي ألفت منه في وقت مخصوص لعذر لا يلزمه قضاؤها في غير ذلك الوقت، فتأمّل جميع ما قررته واستفده، فإني لم أر من نبّه على شيء منه مع عموم البلوى به وكثرة الاحتياج إلى ضبطه. انتهى كلام ابن حجر؛ شكر الله مسعاه ورضي الله عنه وأرضاه. آمين.
(و) اجتناب (سوء الخلق) وهو خلاف حسن الخلق.
والخلق؛ بضمتين: هيئة راسخة تصدر عنها الأفعال بيسر من غير حاجة إلى فكر ورويّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلا وشرعا
_________________
(١) يعني أعذار ترك صلاة الجمعة.
[ ٢ / ٣٦٢ ]
والتّكبّر،
بسهولة! سميت الهيئة خلقا حسنا، وإن كان الصادر عنها الأفعال القبيحة؛ سميت الهيئة التي هي المصدر خلقا سيئا، وليس الخلق عبارة عن الفعل، فربّ شخص خلقه السخاء؛ ولا يبذل!! إما لفقد مال أو لمانع، ولا يسمى خلقا ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ واستقرار.
(و) من محاسن الأعمال اجتناب (التّكبّر) اعلم أنّ الكبر اسم لحالة يتخصّص بها الإنسان من إعجابه بنفسه، وأن يرى نفسه أعظم من غيره.
وهو ينقسم إلى ظاهر وباطن، فالباطن: هو خلق في النفس. والظاهر: هو أعمال تصدر من الجوارح، واسم الكبر بالخلق الباطن أحقّ، لأنه منشأ الإعجاب والرؤية، وأما الأعمال فإنّها ثمرة لذلك الخلق ونتائج له، وخلق الكبر موجب للأعمال، ولذلك إذا ظهر أثره على الجوارح يقال: تكبر واستكبر، وإذا لم يظهر يقال: فلان في نفسه كبر، فالأصل هو الخلق الذي في النفس، وهو الاسترواح والركون إلى رؤية النفس فوق المتكبّر عليه، ويسمّى الكبر أيضا «عزّة» و«تعظّما»، ولذلك قال ابن عبّاس في قوله تعالى إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ ما هُمْ بِبالِغِيهِ [غافر/ ٥٦]؛ قال: عظمة لم يبلغوها، ففسر الكبر بتلك العظمة.
والأعمال الصادرة عن خلق الكبر كثيرة، وفيه يهلك الخواصّ من الخلق، وقلّما ينفكّ عنه العباد والزهّاد والعلماء؛ فضلا عن عوامّ الخلق، وهو من الكبائر وآفته عظيمة، وكيف لا تعظم آفته؛ وقد قال ﷺ: «لا يدخل الجنّة من كان في قلبه مثقال حبّة من خردل من كبر» الحديث!! رواه مسلم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
وإنما صار حجابا دون الجنة!! لأنّه يحول بين العبد وبين أخلاق المؤمنين كلّها، وتلك الأخلاق هي أبواب الجنة. والكبر وعزّة النفس يغلق تلك الأبواب كلّها؛ لأنه لا يقدر أن يحبّ للمؤمنين ما يحبّ لنفسه؛ وفيه شيء من العزّ!! ولا يقدر على التواضع- وهو رأس أخلاق المتقين- وفيه العزّ!! ولا يقدر على ترك
[ ٢ / ٣٦٣ ]
والفخر، والاختيال، والاستطالة،
الحقد؛ وفيه العزّ! ولا يقدر أن يدوم على الصّدق؛ وفيه العزّ! ولا يقدر على ترك الغضب؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على كظم الغيظ؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على ترك الحسد؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على النصح اللطيف؛ وفيه العزّ، ولا يقدر على قبول النصح؛ وفيه العزّ، ولا يسلم من الازدراء بالناس ومن اغتيابهم؛ وفيه العزّ، ولا معنى للتطويل.
فما من خلق ذميم إلّا وصاحب العزّ والكبر مضطرّ إليه، ليحفظ به عزّه!! وما من خلق محمود إلا وهو عاجز عنه؛ خوفا من أن يفوته عزّه!!
فمن هذا المعنى لم يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبّة منه.
والأخلاق الذميمة متلازمة، والبعض منها داع إلى البعض لا محالة.
وشرّ أنواع الكبر ما يمنع من استفادة العلم؛ وقبول الحق، والانقياد إليه. وفيه وردت الآيات التي فيها ذمّ الكبر والمتكبرين. انتهى ملخصا من «الإحياء» وشرحه.
(و) اجتناب (الفخر): ادّعاء العظم والكبر والشرف. والتفاخر: التعاظم والتفخّر التكبّر.
(و) اجتناب (الاختيال) - بالخاء المعجمة-، قال النووي: قال العلماء الخيلاء والمخيلة والبطر والزّهوّ والتبختر كلّها بمعنى واحد، وهو حرام، ويقال:
خال الرجل خالا، واختال اختيالا: إذا تكبّر، وهو رجل خال؛ أي: متكبر، وصاحب خال، أي: صاحب كبر. انتهى.
وقال العراقي في «شرح الترمذي»: كأنه مأخوذ من التخيّل إلى الظّنّ، وهو أن يخيّل له أنه بصفة عظيمة بلبسه لذلك اللباس أو لغير ذلك. انتهى نقله في «شرح الإحياء» .
(و) اجتناب (الاستطالة) في عرض المسلم أي: وصفه بأوصاف قبيحة،
[ ٢ / ٣٦٤ ]
والبذخ، والفحش، والتّفحّش،
واحتقاره والترفّع عليه، والوقيعة فيه؛ بنحو قذف أو سبّ، لأن العرض أعزّ على النّفس من المال.
(و) اجتناب (البذخ) - بالموحدة المفتوحة والذال المعجمة المفتوحة، والخاء المعجمة آخره-؛ وهو تطاول الرجل بكلامه وافتخاره.
(و) اجتناب (الفحش) اسم لكلّ ما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، كما ينكره العقل ويستخبثه الشرع، فتتفق في حكمه آيات الله الثلاث؛ من الشرع، والعقل، والطبع.
(و) اجتناب (التّفحّش): تكلّف ذلك وتعمّده، وكلّ ذلك مذموم ومنهيّ عنه، ومصدره الخبث واللؤم في أصل الطبع، قال رسول الله ﷺ: «إيّاك والفحش؛ فإنّ الله تعالى لا يحبّ الفحش ولا التّفحش» رواه النسائي في «سننه الكبرى»، والحاكم وصحّحه؛ من حديث عبد الله بن عمرو، ورواه ابن حبّان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم.
وقال ﷺ: «ليس المؤمن بالطّعّان ولا اللّعّان، ولا الفاحش، ولا البذيء» .
رواه الترمذي بإسناد صحيح؛ من حديث ابن مسعود، والحاكم وصحّحه، ورواه البخاري في «الأدب المفرد»، وأحمد وأبو يعلى، وابن حبّان، والطبراني، والبيهقي: كلّهم؛ من حديث ابن مسعود مرفوعا.
والطّعّان: هو الوقّاع في أعراض الناس بنحو ذمّ، أو غيبة.
واللّعّان: الذي يكثر لعن الناس، والفاحش: ذو الفحش في كلامه وأفعاله، والبذيء الفاحش في منطقه؛ وإن كان الكلام صدقا.
وعنه ﷺ: «الجنّة حرام على كلّ فاحش أن يدخلها» رواه ابن أبي الدنيا، وأبو نعيم في «الحلية»؛ من حديث عبد الله بن عمرو بإسناد فيه لين. انتهى. شرح «الإحياء» .
[ ٢ / ٣٦٥ ]
والحقد،
(و) اجتناب (الحقد) وهو: الانطواء على العداوة والبغضاء وهو ثمرة الغضب ونتيجته، لأن الغضب إذا لزم كظمه لعجز عن التشفّي في الحال رجع إلى الباطن واحتقن فيه؛ فصار حقدا، فيلزم قلبه حينئذ استثقاله والبغضة له والنّفار عنه.
والحقد يثمر ثمانية أمور:
الأول: الحسد؛ وهو أن يحملك الحقد على أن تتمنّى زوال النعمة عنه، فتغتمّ بنعمة؛ إن أصابها، وتسرّ بمصيبة؛ إن نزلت به.
الثاني: أن تزيد على إضمار الحسد في الباطن، فيشمت بما يصيبه من البلاء.
الثالث: أن تهجره وتصارمه وتنقطع عنه؛ وإن طلبك وأقبل عليك.
الرابع: وهو دونه بأن تعرض عنه استصغارا له.
الخامس: أن تتكلّم فيه بما لا يحلّ؛ من كذب، أو غيبة، وإفشاء سرّ، وهتك ستر وغيره.
السادس: أن تحاكيه استهزاء وسخرية منه.
السابع: إيذاؤه بالضرب؛ وما يؤلم بدنه.
الثامن: أن تمنعه حقّه؛ من قضاء دين، أو صلة رحم، أو ردّ مظلمة! وكلّ ذلك حرام.
وأقلّ درجات الحقد: أن تحترز من الآفات الثمانية المذكورة، ولا تخرج بسبب الحقد إلى ما تعصي الله به، ولكن تستثقله في الباطن، ولا ينتهي قلبك عن بغضه حتى تمتنع عما كنت تتطوّع به؛ من البشاشة والرفق والعناية، والقيام بحاجاته، والمجالسة معه على ذكر الله تعالى، والمعاونة على المنفعة له. أو بترك الدعاء له والثناء عليه، أو التحريض على برّه ومواساته، فهذا كلّه مما ينقص درجتك في الدين، ويحول بينك وبين فضل عظيم وثواب جزيل؛ وإن كان
[ ٢ / ٣٦٦ ]
والحسد،
لا يعرّضك لعقاب الله تعالى.
(و) اجتناب (الحسد)؛ وهو: تمنّي زوال نعمة الغير، سواء تمنّاها لنفسه؛ أو لا، بأن تمنّى انتقالها عن غيره لغيره، وهذا أخسّ الأخسّاء، لأنه باع آخرته بدنيا غيره، بخلاف ما إذا تمنّى مثل نعمة الغير؛ فإنّه غبطة محمودة في الخير، كما ورد: «لا حسد إلّا في اثنتين» الحديث.
ودليل تحريمه الكتاب والسنّة والإجماع.
قال الله تعالى وَمِنْ شَرِّ حاسِدٍ إِذا حَسَدَ (٥) [الفلق]، وقال ﷺ: «الحسد يأكل الحسنات كما تأكل النّار الحطب» رواه أبو داود؛ من حديث أبي هريرة، وابن ماجه؛ من حديث أنس.
وقال ﷺ: «لا تحاسدوا، ولا تقاطعوا، ولا تدابروا، ولا تباغضوا، وكونوا عباد الله إخوانا» أخرجه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم.
وفي رواية لمسلم: «لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانا، المسلم أخو المسلم» الحديث بطوله.
وقال ﷺ: «دبّ إليكم داء الأمم قبلكم: الحسد والبغضاء، هي الحالقة، لا أقول «حالقة الشّعر»، ولكن حالقة الدّين، والّذي نفس محمّد بيده؛ لا تدخلون الجنّة حتّى تؤمنوا، ولن تؤمنوا حتّى تحابّوا، ألا أنبّئكم بما يثبّت ذلك لكم!! أفشوا السّلام بينكم» .
رواه الطيالسي، وابن منيع، وأحمد، وعبد بن حميد، والترمذيّ، وابن أبي الدنيا، والشّاشيّ، وابن قانع، وابن عبد البرّ في «جامع العلم»، والبيهقيّ، والضّياء المقدسي: كلّهم؛ من طريق مولى للزبير، عن الزّبير بن العوّام مرفوعا.
والأحاديث الدالّة على تحريم الحسد كثيرة، وهو من «الكبائر» كما ذكره ابن
[ ٢ / ٣٦٧ ]
والطّيرة، والبغي،
حجر في «الزواجر» ﵀.
(و) اجتناب (الطّيرة) - بالطاء المهملة؛ وزان عنبة- أي: التطيّر؛ وهو التّشاؤم، وكانت العرب إذا أرادت المضيّ لمهمّ مرّت بمجاثم الطّير وأثارتها لتستفيد: هل تمضي؛ أو ترجع؟! فنهى الشارع عن ذلك، وقال: «لا هام ولا طيرة»، وقال: «أقرّوا الطّير في وكناتها» . أي: على مجاثمها.
وقال ﷺ: «ثلاث لا ينجو منهنّ أحد: الظّنّ والطّيرة والحسد، وسأحدّثكم بالمخرج من ذلك» . قالوا: أخبرنا يا رسول الله! قال: «إذا ظننت فلا تحقّق، وإذا تطيّرت فامض، وإذا حسدت فلا تبغ» أخرجه ابن أبي الدنيا في «ذمّ الحسد»؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وفيه راويان ضعيفان.
ورواه أبو الشيخ في «التوبيخ»، والطبراني في «الكبير»؛ من حديث حارثة بن النعمان: «ثلاث لازمات لأمّتي: سوء الظّنّ، والحسد، والطّيرة، فإذا ظننت فلا تحقّق، وإذا حسدت فاستغفر الله، وإذا تطيّرت فامض» ذكره في شرح «الاحياء» .
وقد نظم ذلك بعضهم؛ فقال:
ثلاثة لم ينج منها أحد طيرة والظّنّ ثمّ الحسد
لا تبغ لا ترجع ولا تحقّق وقد سلمت خذ كلام مشفق
أعني كلام المصطفى الرّؤوف بالمؤمنين المجتبى العطوف
(و) اجتناب (البغي): التعدّي عن الحقّ، والاستطالة.
قال الفرّاء في قوله تعالى وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ [الأعراف/ ٣٣]: إن البغي الاستطالة على النّاس.
وقال الأزهريّ: معناه الكبر، وقيل: هو الظلم والفساد.
وقال الرّاغب: البغي على ضربين: أحدهما: محمود؛ وهو: تجاوز العدل
[ ٢ / ٣٦٨ ]
والعدوان، والظّلم.
إلى الإحسان، والفرض إلى التطوع.
والثاني: مذموم؛ وهو: تجاوز الحقّ إلى الباطل، أو تجاوزه إلى الشّبهة، ولذلك قال الله تعالى إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ [النور/ ٢٤] . فخصّ العقوبة بمن يبغيه بغير الحق.
قال: والبغي في أكثر المواضع مذموم.
قال الأزهري: وأما قوله تعالى فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ [البقرة/ ١٧٣] !! فغير باغ أكلها تلذّذا، وقيل: غير طالب مجاوزة قدر حاجته، وقيل: غير باغ على الإمام.
وقال الرّاغب: أي غير طالب ما ليس له طلبه.
قال الأزهري: ومعنى البغي قصد الفساد، وفلان يبغي على الناس؛ إذا ظلمهم وطلب أذاهم.
وقال الجوهري: كلّ مجاوزة وإفراط على المقدار الذي هو حدّ الشيء بغي.
انتهى شرح «القاموس» .
(و) اجتناب (العدوان) - بضمّ العين المهملة وكسرها- وهو: الظلم المجاوز للقدر، فكأنه تجاوز في الإخلال بالعدالة، ومنه قوله تعالى فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣) [البقرة]؛ أي: لا سبيل، وقيل: العدوان سوء الاعتداء؛ في قول، أو فعل، أو حال ومنه قوله تعالى وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْوانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نارًا [النساء]، وقوله تعالى بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عادُونَ (١٦٦) [الشعراء] أي: معتدون.
قال الراغب: الاعتداء مجاوزة الحقّ، وقد يكون على سبيل الابتداء؛ وهو المنهيّ عنه، ومنه قوله تعالى وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠) [البقرة]، وقد يكون على سبيل المجازاة.
ويصحّ أن يتعاطى مع من ابتدأ، كقوله تعالى فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ
[ ٢ / ٣٦٩ ]
مَا اعْتَدى عَلَيْكُمْ [البقرة/ ١٩٤] أي: قابلوه بحقّ اعتدائه، سمّي بمثل اسمه!! لأن صورة الفعلين واحدة، وإن كان أحدهما طاعة والآخر معصية. انتهى. شرح «القاموس» .
(و) اجتناب (الظّلم) - بالضم-: التصرّف في ملك الغير، ومجاوزة الحدّ؛ قاله المناوي.
وقال الراغب: هو- عند أكثر أهل اللغة-: وضع الشيء في غير موضعه المختصّ به؛ إما بزيادة، أو نقصان، وإما بعدول عن وقته ومكانه، ويقال فيما يكثر وفيما يقلّ من التجاوز، ولهذا يستعمل في الذنب الكبير، وفي الذّنب الصغير.
قال بعض الحكماء: الظّلم ثلاثة:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى، وأعظمه الكفر والشرك والنفاق، ولذلك قال ﷿ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣) [لقمان] .
والثاني: ظلم بينه وبين الناس، وإيّاه قصد بقوله إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ [الشورى/ ٤٢]، وبقوله وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنا لِوَلِيِّهِ سُلْطانًا [الإسراء/ ٣٣] .
والثالث: ظلم بينه وبين نفسه، وإيّاه قصد بقوله تعالى فَمِنْهُمْ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ [فاطر/ ٣٢] .
وكلّ هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس، فإنّ الإنسان أوّل ما يهمّ بالظلم فقد ظلم نفسه، فإذن الظّالم أبدا مبتدىء بنفسه في الظلم، ولهذا قال تعالى في غير موضع ما ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلكِنْ كانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ
(٣٣) [النحل]، وقوله تعالى وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام/ ٨٢] فقد قيل: هو الشرك انتهى. شرح «القاموس» .
قال ابن حجر في «الزواجر»: أخرج الشيخان وغيرهما؛ عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: «الظّلم ظلمات يوم القيامة» .
[ ٢ / ٣٧٠ ]
وأخرج مسلم وغيره: «اتّقوا الظّلم، فإنّ الظّلم ظلمات يوم القيامة، اتّقوا الشّحّ، فإنّ الشّحّ أهلك من كان قبلكم؛ حملهم على أن سفكوا دماءهم، واستحلّوا محارمهم» .
وأخرج مسلم وغيره؛ عن النبي ﷺ- فيما يرويه عن ربّه ﷿- أنّه قال:
«يا عبادي؛ إنّي حرّمت الظّلم على نفسي وجعلته بينكم محرّما، فلا تظالموا» ..
الحديث.
وأخرج الطبراني: «لا تظلموا فتدعو فلا يستجاب لكم، وتستسقوا فلا تسقوا، وتستنصروا فلا تنصروا» .
وأخرج البخاريّ ومسلم وغيرهما أنّه ﷺ قال لمعاذ- لمّا بعثه إلى اليمن-:
«اتّق دعوة المظلوم، فإنّها ليس بينها وبين الله حجاب» .
وأخرج الشيخان وغيرهما: «إنّ الله ليملي للظّالم حتّى إذا أخذه لم يفلته» .
ثمّ قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢) [هود]» .
وأخرج أبو الشيخ: «قال الله ﷿: وعزّتي وجلالي لأنتقمنّ من الظّالم في عاجله وآجله، ولأنتقمنّ ممّن رأى مظلوما فقدر أن ينصره؛ ولم يفعل» .
وأخرج البخاريّ، والترمذيّ: «انصر أخاك ظالما؛ أو مظلوما» . فقال رجل: يا رسول الله؛ أنصره إذا كان مظلوما، أفرأيت إن كان ظالما كيف أنصره!؟
قال: «تحجزه- أو: تمنعه- عن الظّلم، فإنّ ذلك نصره» .
وأخرج مسلم: «ولينصر الرّجل أخاه ظالما؛ أو مظلوما، فإن كان ظالما فلينهه، فإنّه له نصرة، فإن كان مظلوما فلينصره» . انتهى كلام ابن حجر رحمه الله تعالى مقتطفا.
وهذه الجمل التي جاءت في هذا الحديث الكلام عليها بالإسهاب يستدعي مجلّدا كاملا؛ فلنقتصر على هذا القدر من شرحها، ولنرجع إلى كلام المؤلف.
[ ٢ / ٣٧١ ]
قوله وتر: (الوتر): الثّأر.
و(الذّحل): الحقد والعداوة، والثّأر أيضا.
قال أنس ﵁: فلم يدع نصيحة جميلة إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا، أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الآية: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [النحل: ٩٠] .
(قوله) وكلّ ذي (وتر: الوتر) - بفتح الواو وسكون التاء المثناة-: (الثّأر.
و) أما (الذّحل) - بفتح الذّال المعجمة وفتح الحاء المهملة- فهو (الحقد، والعداوة، والثّأر أيضا) يقال: طلب بذحله؛ أي: بثأره. والله أعلم.
وهذا الحديث المتقدّم بطوله. قال الحافظ العراقيّ: لم أقف له على أصل!! ويغني عنه حديث معاذ الآتي بعده بحديث:
(قال أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه: فلم يدع) ﷺ (نصيحة جميلة؛ إلّا وقد دعانا إليها وأمرنا بها، ولم يدع غشّا- أو قال: عيبا؛ أو قال: شيئا- إلّا حذّرناه ونهانا عنه، ويكفي من ذلك كلّه هذه الآية. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [٩٠/ النحل] الآية) . أي: اقرأ الآية.
قال العراقي: لم أقف له على إسناد!! وهو صحيح من حيث الواقع. انتهى.
قال في «شرح الإحياء»: والذي يظهر من سياق المصنّف أن الحديث المتقدّم هو من رواية أنس عن معاذ فتأمّل!!.
وأخرج ابن النّجار في «تاريخه»؛ من طريق الحارث العطلي؛ عن أبيه قال:
مرّ عليّ بن أبي طالب بقوم يتحدّثون، فقال: فيم أنتم؟ قالوا: نتذاكر المروءة، فقال: أو ما كفاكم الله ﷿ ذاك في كتابه؛ إذ يقول. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [٩٠/ النحل] فالعدل الإنصاف، والإحسان التفضل، فما بقي بعد هذا!؟!
[ ٢ / ٣٧٢ ]
وقال معاذ: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله،
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم؛ عن قتادة قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويعظمونه ويحبّونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيء كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه، وإنّما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها.
والله أعلم. انتهى.
(وقال معاذ) أي: ابن جبل رضي الله تعالى عنه: (أوصاني رسول الله ﷺ؛ فقال: «يا معاذ؛ أوصيك باتّقاء الله) . أي: بتقوى الله التي هي امتثال المأمورات واجتناب المنهيّات، فبذلك يصير العبد في وقاية من النار، ودرجة عالية مع المتقين في دار القرار.
والتقوى ثلاث مراتب؛
الأولى: التوقّي من العذاب المخلّد صاحبه، وذلك بالتبرّي من الكفر، وعليه قوله تعالى وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوى [٢٦/ الفتح] فإن المراد بها «لا إله إلا الله محمد رسول الله» .
والثانية: التجنّب عن كلّ ما فيه لوم؛ حتّى الصغائر عند قوم، وهذا المعنى هو المعنيّ بقوله تعالى وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٦٥) [المائدة] .
والثالثة: أن يتنزّه العبد عن كلّ ما يشغل سرّه عن الحق، وهو المعنى المراد بقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ [١٠٢/ آل عمران] .
وتقوى الله مطلوبة من العبد في كلّ حال؛ في جميع الأقوال والأفعال والحركات والسّكنات، وهي كلمة جامعة للخيرات مانعة للسيئات، وبها تنال السعادة الأبدية والكرامة الآخروية، وهي منتهى درجات السالكين ووصية الله للأولين والآخرين، قال الله تعالى وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَن
[ ٢ / ٣٧٣ ]
اتَّقُوا اللَّهَ [النساء/ ١٣١] .
وكم ترتّب عليها من كرامات ومواهب وعطيّات من ربّ البريّات!!
فمن ذلك: المدحة والثناء قال تعالى وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦) [آل عمران] .
ومن ذلك: الحفظ والوقاية من كيد الأعداء، قال تعالى وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا [١٢٠/ آل عمران] .
ومن ذلك: النصر والتّأييد، قال تعالى إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨) [النحل] .
ومن ذلك النجاة من الشدائد والرزق الحلال، قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ [الطلاق] .
ومن ذلك: إصلاح العمل وغفران الذنوب، قال الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١) [الأحزاب] .
ومنها محبة الله تعالى إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤) [التوبة] .
ومن ذلك: القبول، قال تعالى إِنَّما يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧) [المائدة] .
ومن ذلك: الإكرام والإعزاز، قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات] . فجعل الكرامة عنده بالتقوى، لا بالأنساب، ولا بالأموال، ولا بشيء آخر!!.
ومن ذلك: التيسير في الأمور قال تعالى وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا (٤) [الطلاق] .
ومن ذلك: البشارة بكل خير في الدنيا والآخرة، قال تعالى الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ (٦٣) لَهُمُ الْبُشْرى فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَفِي الْآخِرَةِ لا تَبْدِيلَ لِكَلِماتِ اللَّهِ ذلِكَ
[ ٢ / ٣٧٤ ]
وصدق الحديث،
َ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ
(٦٤) [يونس] .
ومنها: النجاة من النار، قال الله تعالى وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيها جِثِيًّا (٧٢) [مريم] .
ومنها: الخلود في الجنة، قال تعالى. وَسارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماواتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) [آل عمران] وقال تعالى لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ [١٥/ آل عمران]
إلى غير ذلك من الآيات التي ورد فيها ذكر التقوى ومدح المتقين في نحو مئة وخمسين آية، والأحاديث الواردة في وصف المتقين كثيرة.
قال الإمام حجّة الإسلام الغزاليّ رحمه الله تعالى:
اعلم أن التقوى كنز عزيز، فلئن ظفرت به فكم تجد فيه من جوهر شريف، وعلوّ، وعلم جسيم، وملك عظيم، فكأن خيرات الدنيا والآخرة جمعت في هذه الخصلة التي هي التقوى، وتأمّل ما في القرآن كم علّق بها من خير، وكم وعد عليها من ثواب، وكم أضاف إليها من سعادة!!. انتهى.
وقال بعض العارفين: من أخرجه الله من ذلّ المعصية بعزّ التقوى؛ أغناه بلا مال، وأعزّه بلا عشيرة، وآنسه بلا أنيس. انتهى.
نسأل الله تعالى أن يجعلنا من المتّقين، وأن يدخلنا في عباده الصالحين مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء والصالحين. آمين.
(وصدق الحديث)، أي: المقال. قال العلامة ابن أبي شريف في «حواشي شرح العقائد»: الصدق استعمله الصوفية بمعنى استواء السّرّ والعلانية، والظّاهر والباطن؛ بأن لا تكذّب أحوال العبد أعماله، ولا أعماله أحواله، وجعلوا الإخلاص لازما أعمّ؛ فقالوا: كلّ صادق مخلص، وليس كلّ مخلص صادق.
انتهى.
[ ٢ / ٣٧٥ ]
والوفاء بالعهد، وأداء الأمانة، وترك الخيانة،
أخرج البخاريّ، ومسلم؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه؛ عن النبي ﷺ أنه قال: «إنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإنّ البرّ يهدي إلى الجنّة، وإنّ الرّجل ليصدق حتّى يكتب عند الله صدّيقا، وإنّ الكذب يهدي إلى الفجور، وإنّ الفجور يهدي إلى النّار، وإنّ الرّجل ليكذب حتّى يكتب عند الله كذّابا» .
ورواه بنحوه؛ من حديث ابن مسعود: أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد»، والترمذيّ، وفي أوّله عندهم: «عليكم بالصّدق؛ فإنّ الصّدق يهدي إلى البرّ، وإيّاكم والكذب » الحديث.
(والوفاء بالعهد)؛ أي: إذا عاهد على أمر، قال الله تعالى وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ [٩١/ النحل] . وقال تعالى وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كانَ مَسْؤُلًا (٣٤) [الإسراء] . وقال تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [١/ المائدة] .
أخرج البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد، والنّسائي؛ عن عبد الله بن عمرو ابن العاصي رضي الله تعالى عنهما أنّ النبيّ ﷺ قال: «أربع من كنّ فيه كان منافقا خالصا، ومن كانت فيه خصلة منهنّ؛ كانت فيه خصلة من النّفاق حتّى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حدّث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» .
وأخرج الترمذي وغيره؛ عنه ﷺ أنه قال: «حسن العهد من الإيمان» .
(وأداء الأمانة) قال الله تعالى. إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَماناتِ إِلى أَهْلِها [٥٨/ النساء]، وقال الله تعالى إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمانَةَ عَلَى السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَها وَأَشْفَقْنَ مِنْها وَحَمَلَهَا الْإِنْسانُ إِنَّهُ كانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) [الأحزاب] .
وفي الحديث عنه ﷺ: «لا إيمان لمن لا أمانة له» رواه الإمام أحمد.
وعنه ﷺ أنّه قال: «المؤمن من أمنه النّاس على دمائهم وأموالهم» أخرجه الحاكم وصحّحه.
(وترك الخيانة) لحديث: «أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك» .
[ ٢ / ٣٧٦ ]
وحفظ الجار، ورحمة اليتيم،
وفي الحديث: «يطبع المؤمن على الخلال كلّها إلّا الخيانة والكذب» رواه الإمام أحمد، وروى الطبراني حديث:
«ناصحوا في العلم، فإنّ خيانة أحدكم في علمه أشدّ من خيانته في ماله» .
(وحفظ الجار)؛ أي: المجاور في السكن، والجمع جيران.
والجار- شرعا-: ما ذكر في «باب الوصايا» بأنّه لو أوصى لجيرانه دفع لأربعين دارا من كلّ جانب من الجوانب الأربعة.
وفي حفظ الجار حصول الألفة والتّوادّ الذي به نظام المعاش والمعاد.
أخرج البخاريّ، ومسلم أنّ النّبيّ ﷺ قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر؛ فلا يؤذ جاره» .
وروى الترمذيّ حديث: «أحسن إلى جارك تكن مؤمنا» .
وقال رسول الله ﷺ: «ما زال جبريل يوصيني بالجار حتّى ظننت أنّه سيورّثه» .
رواه البخاريّ ومسلم. وقال ﷺ: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره» . رواه البخاريّ ومسلم.
(ورحمة اليتيم) وهو: فاقد الأب ما دام صغيرا، فإذا بلغ زال عنه اسم اليتم.
قال ابن السّكّيت: اليتيم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم.
قال ابن خالويه: وفي الطير بفقدهما؛ أي: الأب والأم، لأنّهما يحضنانه ويرزقانه. انتهى.
قال الله تعالى فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) [الضحى]، قال البيضاوي: أي لا تغلبه على ماله لضعفه، وقال تعالى أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ (١) فَذلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢) [الماعون] أي: يدفعه دفعا عنيفا، هو أبو جهل؛ أو غيره كان وصيّا ليتيم، فجاءه عريانا يسأله من مال نفسه فدفعه.
[ ٢ / ٣٧٧ ]
ولين الكلام،
قال ﷺ: «كافل اليتيم له؛ أو لغيره أنا وهو كهاتين في الجنّة» . وأشار الرّاوي بالسبابة والوسطى. رواه مسلم.
وقال ﷺ: «اللهمّ؛ إنّي أحرّج حقّ الضّعيفين: اليتيم والمرأة» حديث حسن؛ رواه النسائي بإسناد جيّد.
وقال ﷺ: «لا تنزع الرّحمة إلّا من شقيّ» . رواه البخاريّ في «الأدب المفرد» وغيره، وقال ﷺ: «من لّا يرحم النّاس لا يرحمه الله» رواه البخاريّ، ومسلم.
وقال ﷺ: «لا يدخل الجنّة إلّا رحيم»، قيل: يا رسول الله؛ كلّنا يرحم! قال: «ليس أن يرحم أحدكم صاحبه، إنّما الرّحمة أن يرحم النّاس» . رواه البزّار.
وقال ﷺ: «الرّاحمون يرحمهم الرّحمن ﵎، ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السّماء» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما.
(ولين الكلام) روى الخرائطيّ، والطبراني في «الكبير» و«الأوسط» أنّه ﷺ قال: «أتدرون على من حرّمت النّار»؟ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: «على الهيّن اللّيّن السّهل القريب» .
وفي رواية ابن مسعود: «حرّم على النّار كلّ هيّن ليّن سهل قريب من النّاس» .
وقال أبو هريرة: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله يحبّ السّهل الطّليق» رواه البيهقي في «شعب الإيمان»، والشيرازيّ في «الألقاب»، والدّيلميّ.
وقال عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما: البرّ شيء هيّن.. وجه طليق وكلام ليّن. أخرجه ابن أبي الدنيا في «الصمت» .
وقد نظم بعضهم هذا الحديث؛ فقال:
بنيّ؛ إنّ البرّ شيء هيّن وجه طليق وكلام ليّن
[ ٢ / ٣٧٨ ]
وبذل السّلام، وحسن العمل، وقصر الأمل،
(وبذل السّلام) أخرج البزار: «ثلاث من الإيمان: الإنفاق من الإقتار، وبذل السّلام، والإنصاف من نفسك» . ورواه الطبراني بلفظ:
«من جمعهنّ؛ فقد جمع الإيمان» . وروى مسلم: «حقّ المسلم على المسلم ستّ. إذا لقيته فسلّم عليه، وإذا عطس فحمد الله فشمّته » الحديث.
(وحسن العمل) بالإتيان بالطّاعات على الوجه الذي جاءت به السّنة المطهّرة، واجتناب المحرّمات.
(وقصر الأمل) اعلم أنّ طول الأمل: استشعار طول البقاء في الدّنيا حتّى يغلب ذلك على القلب، فيأخذ في العمل بمقتضاه، وقد قال السّلف: من طال أمله ساء عمله، وذلك لأنّ طول الأمل يحمل على الحرص على الدّنيا والتشمير لعمارتها، حتى يقطع الإنسان ليله ونهاره بالتفكّر في إصلاحها وكيفية السّعي لها؛ تارة بقلبه، وتارة بالعمل في ذلك، والأخذ فيه بظاهره، فيصير قلبه وجسمه مستغرقين في ذلك، وحينئذ ينسى الآخرة ويشتغل عنها، ويسوّف في العمل لها، فيكون في أمر دنياه مبادرا مشمّرا، وفي أمر آخرته مسوّفا ومقصّرا، وكان ينبغي له أن يعكس الأمر، فإنّ طول الأمل مذموم؛ وهو ينسي الآخرة، ولا بأس بقصر الأمل؛ أعني: القدر الذي لا يلهي عن الآخرة، ويتيسّر معه القيام بالمعايش التي لا غنى عنها.
وفي وصيّة رسول الله ﷺ لابن عمر رضي الله تعالى عنهما: «كن في الدّنيا كأنّك غريب أو عابر سبيل»، وفي ذلك غاية الحثّ على قصر الأمل وقلّة الرّغبة في الدنيا.
فعلى العاقل أن يستشعر قرب الموت، فإنّه أقرب غائب ينتظر، لا يأتي في سنّ مخصوص، ولا في زمن مخصوص، وما يدري الإنسان لعلّه لم يبق من أجله إلا الشيء اليسير!! فلا يطيل الأمل، ويسوّف العمل، ويغافل عن الاستعداد للموت إلّا
[ ٢ / ٣٧٩ ]
ولزوم الإيمان، والتّفقّه في القرآن، وحبّ الآخرة، والجزع من الحساب، وخفض الجناح، وأنهاك أن تسبّ حكيما، أو تكذّب صادقا، أو تطيع آثما،
أحمق مغرور. انتهى. من «الإحياء» .
وقال ابن الجوزي: طول الأمل مذموم للنّاس؛ لا للعلماء، فلولا أملهم لما ألّفوا ولا صنّفوا. انتهى.
(ولزوم الإيمان) بالله وصفاته، وحدوث ما دونه، والإيمان بملائكته، وكتبه، ورسله، وباليوم الآخر، وبالقدر خيره وشره.
(والتّفقّه في القرآن) بتعلم أحكام القرآن والعمل بما فيه.
(وحبّ الآخرة) بالاستعداد لها بالعمل الصالح؛ قال الله تعالى وَمَنْ أَرادَ الْآخِرَةَ وَسَعى لَها سَعْيَها وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولئِكَ كانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩) [الإسراء] .
(والجزع) - بالجيم والزاي المفتوحتين آخره عين مهملة- أي: الحزن والخوف (من الحساب) يوم القيامة.
(وخفض الجناح) - بفتح الجيم- أي: لين الجانب لعباد الله.
(وأنهاك) يا معاذ (أن تسبّ حكيما) . قال ابن الأثير: الحكيم فعيل بمعنى فاعل، أو هو الذي يحكم الأشياء ويتقنها، فهو بمعنى مفعل، وقيل: الحكيم ذو الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء بأفضل العلوم، ويقال لمن يحسن دقائق الصناعات ويتقنها حكيم.
وقال الجوهريّ: الحكم الحكمة من العلم والحكيم العالم، وصاحب الحكمة، وقد حكم ككرم؛ صار حكيما. انتهى. شرح «القاموس» .
(أو تكذّب صادقا) بأن تنسب إليه الكذب؛ والحال أن الغالب عليه الصّدق.
(أو تطيع آثما)، أي: مرتكبا للإثم داعيا لك إليه.
[ ٢ / ٣٨٠ ]
أو تعصي إماما عادلا، أو تفسد أرضا.
وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر ومدر، وأن تحدث لكلّ ذنب توبة؛
(أو تعصي إماما) للمسلمين (عادلا) بعدم امتثال أوامره التي هي غير معصية، أو بالخروج عليه ومحاربته، وكذا إذا كان جائرا فاسقا؛ فلا يجوز الخروج عليه إلّا إذا كفر كفرا صريحا.
ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على وليّ الأمر
(أو تفسد أرضا.
وأوصيك باتّقاء الله تعالى عند كلّ حجر وشجر) والشجر: ماله ساق من النبات، والذي ليس له ساق يقال له: نجم.
(ومدر) - بالميم والدال المهملة والمفتوحتين آخره راء- هو: الطين اليابس، أو التراب المتلبّد، والمراد من ذلك ملازمة التقوى في جميع الأحوال. وقد تقدّم الكلام على التقوى «١» .
(وأن تحدث) - بضمّ أوّله- من: أحدث يحدث؛ أي تجدّد (لكلّ ذنب) أحدثته. (توبة) بالإقلاع عن الذّنب، والنّدم على ما فعل، والعزم على أن لا يعود، وردّ الظّلامة إلى صاحبها، أو التحلّل منها.
قال في «منهل الوراد»: التوبة- لغة-: الرجوع؛ يقال: تاب إذا رجع.
- وشرعا-: الرجوع عمّا كان مذموما في الشرع إلى ما هو محمود فيه.
ولها ثلاثة شروط: ١- الندم، و٢- الإقلاع، و٣- العزم على ألايعود.
هذا إن لم يتعلّق بحق آدمي!! فإن تعلّق الذنب بحقّ آدمي فللتوبة إذن أربعة
_________________
(١) قبل صفحات فقط.
[ ٢ / ٣٨١ ]
شروط: وهي الثلاثة المذكورة آنفا، و٤- وردّ الظّلامة إلى صاحبها، أو تحصيل البراءة منه تفصيلا عندنا- معاشر الشافعية-، وأما عند المالكية! فيكفي تحصيل البراءة إجمالا، وفيه فسحة، فإن لّم يقدر على ذلك؛ بأن كان مستغرق الذّمم؟! فالمطلوب منه الإخلاص وكثرة التضرّع إلى الله تعالى لعلّه يرضي عنه خصماءه يوم القيامة.
ومن شروط التوبة: ٥- صدورها قبل الغرغرة؛ وهي حالة النزع، و٦- قبل طلوع الشمس من مغربها، لأنه حينئذ يغلق باب التوبة، فتمتنع التوبة على من لم يكن تاب قبل، أي: لا تصحّ توبته. ولا تقبل حينئذ.
ولا فرق في عدم صحّة التوبة في حال الغرغرة؛ عند الأشاعرة بين الكافر والمؤمن العاصي!!
وأما عند الماتريدية! فلا تصحّ من الكافر في حال الغرغرة، وتصحّ من المؤمن حينئذ.
والذّنوب قسمان: صغائر وكبائر، وتجب التوبة من الصّغائر كوجوبها من الكبائر.
وليست الكبيرة منحصرة في عدد، وهي- كما قال ابن الصّلاح-: كلّ ذنب كبر كبرا يصحّ معه أن يطلق عليه اسم «الكبيرة» .
ولها أمارات؛ منها: إيجاب الحدّ. ومنها: الإيعاد عليها بالعقاب. ومنها:
وصف فاعلها بالفسق، ومنها: اللّعن؛ كلعن الله السّارق.
وأكبرها: ١- الشّرك بالله، ثم ٢- قتل النفس التي حرّم الله قتلها إلّا بالحقّ، وما سوى هذين منها: كالزّنا، واللّواط، وعقوق الوالدين، والسّحر، والقذف، والفرار يوم الزّحف، وأكل الربا وغير ذلك!! فمختلف أمره باختلاف الأحوال والمفاسد المترتّبة عليه، فيقال: لكلّ واحدة منه هي من أكبر الكبائر؛ كما قاله النووي رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٣٨٢ ]
وكلّ ما خرج عن حدّ الكبيرة وضابطها؛ فهو صغيرة.
ومن الكبائر الأمر بالفساد، والسرقة، وأكل أموال اليتامى، وضرب المسلم، وشتمه، وأخذ ماله بغير حق، وشهادة الزّور، وقذف المحصنات، واليمين الفاجرة، وشرب الخمر وغير ذلك مما بيّنه الشهاب ابن حجر رحمه الله تعالى في «الزواجر» انتهى. ملخصا.
ومن الصغائر: النظر المحرّم، وكذب لا حدّ فيه، ولا ضرر، والإشراف على بيوت الناس، وهجر المسلم فوق الثلاث، وكثرة الخصومات؛ وإن كان محقّا إلّا أن يراعي حقّ الشرع فيها، والضّحك في الصلاة والنياحة وشق الجيب في المصيبة والتبختر في المشي والجلوس بين الفساق إيناسا لهم، وإدخال مجانين وصبيان ونجاسة يغلب تنجيسهم المسجد، واستعمال نجاسة في بدن؛ أو ثوب لغير حاجة.
قال الناظم رحمه الله تعالى:
وتجب التّوبة من صغيرة في الحال كالوجوب من كبيرة
ولو على ذنب سواه قد أصرّ لكن بها يصفو عن القلب الكدر
تحقيقها إقلاعه في الحال وعزم ترك العود في استقبال
وإن تعلّقت بحقّ آدمي لابّدّ من تبرئة للذّمم
وواجب إعلامه إن جهلا فإن يغب فابعث إليه عجلا
فإن يمت فهي لوارث يرى إن لم يكن فأعطها للفقرا
مع نيّة العزم له إذا حضر ومعسر ينوي الأدا إذا قدر
وإن تصحّ توبة وانتقضت بالعود لا تضرّ صحّة مضت
فإن يمت من قبلها يرجى له مغفرة الله بأن تناله
قال في «منهل الورّاد»: وعندنا- معاشر أهل السنة والجماعة- لا يكفّر مرتكب الذنب؛ صغيرة كانت أو كبيرة، عالما كان مرتكبها أو جاهلا، بشرط أن
[ ٢ / ٣٨٣ ]
السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية») .
لا يكون ذلك الذنب من المكفّرات؛ كإنكاره علم الله تعالى بالجزئيات، وإلّا كفر مرتكبه قطعا، وألايكون مستحلّا له وهو معلوم من الدين بالضرورة؛ كالزنا، وإلّا! كفر مرتكبه باستحلاله لذلك، خلافا للخوارج، فالكبيرة عندهم موجبة للكفر.
وعند المعتزلة موجبة للمنزلة بين المنزلتين؛ صاحبها لا مؤمن ولا كافر، وهذا في ارتكابها؛ لا عن اعتقادها، لأنّه لو اعتقد حلّ بعض المحرّمات المعلومة من الدين بالضرورة؛ كالخمر كفر بلا خلاف، فمرتكب الكبيرة مخلّد عند الفريقين، ويعذّب عند الخوارج عذاب الكفّار، وعند المعتزلة يعذّب عذاب الفسّاق.
والحقّ ما عليه أهل السنّة من أن الكبيرة لا تخرج العبد من الإيمان، ولا تدخله في الكفر، ولا تخلّده في النار، ولا تحبط طاعته.
ومما يردّ على المخالفين لأهل السنة في هذه المسألة: ما نطق به القرآن في مواضع؛ منها قوله تعالى إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ [النساء/ ٤٨]؛ أي: من جميع الذنوب الكبائر والصغائر غير الشرك، فلا ريب عند أهل الحقّ أنّ من مات موحّدا لا يخلّد في النّار؛ وإن ارتكب من الكبائر غير الشرك ما ارتكب، وقد جاءت به الأحاديث الصّحيحة؛ منها: قوله ﵊: «وإن زنى وإن سرق» .
وباجتناب الكبائر تغفر الصّغائر، وأما الكبائر! فلا يكفّرها إلّا التوبة الصحيحة المستحقّة للشروط المقدّم ذكرها، انتهى ملخصا.
(السّرّ بالسّرّ، والعلانية بالعلانية») . يعني: إذا أذنبت سرّا؛ فتوبتك تكون سرّا، وإذا أذنبت جهرا فتوبتك تكون جهرا، وهذا ليس بشرط، وإنّما ذلك للمناسبة بين الذنب والتوبة؛ لأنّ التوبة لا يشترط فيها الجهر والإعلان؛ كما لا يشترط فيها الإسرار، لأنها تحصل بمجرّد عقد القلب، وقد ورد في الحديث:
«النّدم توبة» .
[ ٢ / ٣٨٤ ]
فهكذا أدّب عباد الله، ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب.
وهذا الحديث الذي رواه معاذ أخرجه أبو نعيم في «الحلية»، والبيهقي في «الزهد» . ذكره في شرح «الإحياء» .
(فهكذا) ﷺ (أدّب عباد الله؛ ودعاهم إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الآداب) يعني: أنه لم يخصّ معاذا بهذه الآداب، وإنما ذاك أنموذج يدلّك على أنّه فعل مع غير معاذ كما فعل مع معاذ؛ من الدعاء إلى مكارم الأخلاق، والحثّ على محاسن الآداب، وذلك واضح بيّن في كتب السّنة المطهرة؛
من ذلك قوله لبلال: «أنفق بلالا ولا تخش من ذي العرش إقلالا» .
وقوله لآخر أراد أن ينخلع من ماله كلّه: «أمسك عليك مالك، فإنّك أن تدع ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكفّفون النّاس» .
وقال له رجل أوصني؟! فقال: «استحيي من الله كما تستحيي رجلا صالحا من قومك» .
وقال له آخر: أوصني، فقال: «لا تغضب»، فوصاياه ﷺ لأصحابه؛ وإن اختلفت بحسب اختلاف أحوالهم؛ إلّا أنّها كلّها ترجع إلى مكارم الأخلاق والتأدبّ باداب الشريعة.
ولم يترك ﷺ أدبا يحتاج إليه إلّا أرشد إليه أصحابه وأمّته، ولا خيرا إلّا دلّهم عليه، ولا شرّا إلّا حذّرهم منه؛
يؤيد ذلك حديث أبي هريرة «١» ﵁ إذ قال له رجل: «لقد علّمكم نبيّكم كلّ شيء حتّى الخرأة الحديث.
_________________
(١) المشهور: سلمان!!
[ ٢ / ٣٨٥ ]
وعن الحسن بن عليّ رضي الله تعالى عنه قال: سألت خالي هند بن أبي هالة-
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»، وابن سعد، والبيهقيّ، والطبرانيّ، وذكره القاضي عياض في «الشفاء» بسنده؛ من طريق الترمذي وغيره- وهذا لفظ «الشمائل» -:
(عن) أبي محمد (الحسن بن عليّ) بن أبي طالب، واسمه عبد مناف بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف القرشي الهاشمي المدني.
سبط رسول الله ﷺ، وريحانته، وسيّد شباب أهل الجنة، وابن فاطمة الزهراء بنت رسول الله ﷺ، البضعة الطاهرة سيّدة نساء العالمين.
ولد سنة: ثلاث من الهجرة في نصف رمضان، سمّاه النبي ﷺ الحسن، وكنّاه «أبا محمد» وعقّ عنه يوم سابعه، وهو خامس أهل الكساء «١»، وكان شبيها برسول الله ﷺ.
روى عن النبي ﷺ أحاديث: قيل ثلاثة عشر، روت عنه عائشة رضي الله تعالى عنها، وروى عنه جماعات من التابعين؛ منهم: ابنه الحسن بن الحسن، والشعبيّ، وأبو وائل، وابن سيرين وآخرون.
توفي بالمدينة مسموما سنة: تسع وأربعين، وقيل: سنة خمسين، وقيل:
إحدى وخمسين، ودفن بالبقيع، وقبره فيه مشهور.
(رضي الله تعالى عنه): وعن أبويه وحشرنا في زمرتهم. آمين.
(قال: سألت خالي هند بن أبي هالة)، وإنّما كان خال الحسن!! لأنّه أخو
_________________
(١) جمعهم رسول الله ﷺ تحت عباء واحد وبشّرهم فكانوا جميعا خمسة، وفيهم قيل: لي خمسة أطفي بهم حرّ لهيب الحاطمه المصطفى، والمرتضى وابناهما، والفاطمه
[ ٢ / ٣٨٦ ]
وكان وصّافا- عن حلية رسول الله ﷺ- وأنا أشتهي أن يصف لي منها شيئا- فقال:
كان رسول الله ﷺ فخما،
أمّه فاطمة الزّهراء من أمّها، فإنّه ابن خديجة الّتي هي أمّ السيّدة فاطمة، وذلك لأن خديجة تزوّجت أبا هالة في الجاهلية؛ فولدت له ذكرين: هندا وهالة، ثم مات، فتزوّجت عتيق بن خالد المخزوميّ، فولدت له عبد الله وبنتا. وقيل الّذي تزوّجها أوّلا عتيق، تزوّجها بعده أبو هالة، وتزوّجها بعدهما رسول الله ﷺ، وجميع أولاد النبي ﷺ منها إلّا إبراهيم؛ فإنه من مارية القبطية- كما سيأتي-.
(وكان) هند (وصّافا)؛ أي: كثير الوصف لرسول الله ﷺ؛ كذا قالوه.
وقال الشهاب الخفاجي: وكان وصّافا؛ أي: كان فصيحا له خبرة بوصف النبي ﷺ لحذقه، أو كان معروفا بذكر صفات النبي ﷺ.
قال الباجوري: وإنّما كان هند وصّافا لرسول الله ﷺ!! لكونه قد أمعن النّظر في ذاته الشريفة؛ وهو صغير مثل عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه، لأن كلّا منهما تربّى في حجر النبي ﷺ، والصغير يتمكّن من التأمّل وإمعان النظر، بخلاف الكبير، فإنه تمنعه المهابة والحياء من ذلك، ومن ثمّ قال بعضهم: عمدة أحاديث الشمائل تدور على هند بن أبي هالة، وعليّ بن أبي طالب ﵄. انتهى.
(عن حلية) - بكسر الحاء المهملة وسكون اللام فتحتيّة-، أي: وصفه ونعته، وهو متعلّق ب «سألت»، أي: سألته عن صفة (رسول الله ﷺ وأنا أشتهي)؛ أي: أشتاق إلى (أن يصف لي منها)؛ أي: من حلية رسول الله ﷺ (شيئا) عظيما، فالتنوين للتّعظيم، والجملة معطوفة على جملة «وكان وصّافا الخ»، والجملتان معترضتان بين السؤال والجواب، أو حاليّتان من الفاعل أو المفعول، أو الأولى من المفعول، والثانية من الفاعل.
(فقال)؛ أي: هند خال الحسن (: كان رسول الله ﷺ فخما) - بفتح الفاء،
[ ٢ / ٣٨٧ ]
مفخّما، يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر فذكر الحديث بطوله.
قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا، ثمّ حدّثته فوجدته قد سبقني إليه، فسأله عمّا سألته عنه، ووجدته قد سأل أباه عن مدخله ومخرجه
وسكون الخاء المعجمة؛ أو كسرها، واقتصر بعضهم على السكون لكونه الأشهر- أي: عظيما في نفسه (مفخّما) - بتشديد الخاء المعجمة؛ بوزن مكرّما-، أي:
معظّما عند الخلق لا يستطيع أحد ألايعظّمه؛ وإن حرص على ترك تعظيمه، وقيل: معنى كونه «فخما»: كونه عظيما عند الله، وكونه «مفخّما» كونه معظّما عند الناس.
(يتلألأ وجهه تلألؤ القمر ليلة البدر)؛ أي: يشرق وجهه إشراقا مثل إشراق القمر ليلة كماله، وهي ليلة أربعة عشر، سمي «بدرا» !! لأنّه يبدر الشمس بالطلوع؛ أي: يسبق في طلوعه الشمس في غيرها.
(فذكر) أي: الحسن (الحديث بطوله) - وقد تقدّم في «باب الخلق» من هذا الكتاب-.
(قال الحسن: فكتمتها الحسين زمانا) أي: أخفيت هذه الصفات عن الحسين مدّة طويلة، وإنما كتمها عنه!! ليختبر اجتهاده في تحصيل العلم بحلية جدّه، أو لينتظر سؤاله عنها، فإنّ التعليم بعد الطّلب أثبت وأرسخ في الذهن.
(ثمّ حدّثته) بما سمعته من خالي هند (فوجدته) أي: الحسين (قد سبقني إليه) أي: إلى السّؤال عنها من خاله هند (فسأله) أي: فسأل الحسين خاله (عمّا سألته عنه) من الأوصاف (ووجدته) أي: وجدت الحسين (قد) زاد عليّ في تحصيل العلم بصفة جدّه حيث (سأل أباه عن) كيفية (مدخله ومخرجه)، كلّ منهما مصدر ميميّ؛ يصلح للزمان والمكان والحدث، والمراد هنا الزمان،
[ ٢ / ٣٨٨ ]
وشكله، فلم يدع منه شيئا.
قال الحسين: فسألت أبي عن دخول رسول الله ﷺ. فقال: كان إذا أوى إلى منزله.. جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء؛ جزآ لله، وجزآ لأهله،
والمعنى: أنه سأل أباه عن حاله، وصفته في زمن دخوله في البيت، وفي زمن خروجه منه.
(و) عن (شكله) - بفتح أوله- أي: هيئته وطريقته، الشامل لمجلسه، فدخل في السؤال عن الشّكل السؤال عن مجلسه الآتي.
(فلم يدع)؛ أي لم يترك عليّ (منه) أي: مما سأله عنه (شيئا)، أو لم يدع الحسين (منه)؛ أي من السؤال عن أحواله شيئا إلّا سأل عنه.
(قال الحسين) في تفصيل ما أجمله أوّلا بقوله «عن مدخله ومخرجه وشكله» . فقد روى الحسن عن أخيه الحسين ما رواه الحسين عن أبيه علي؛ فصار الحسن راويا ما تقدّم عن خاله هند بلا واسطة، وما سيأتي عن أبيه عليّ بواسطة أخيه الحسين.
ففيه رواية الأقارب عن الأقارب، والصحابيّ عن الصحابي، والكبير عن الصغير.
(فسألت أبي) عليّا (عن دخول رسول الله ﷺ) أي: عن سيرته وطريقته، وما يصنعه في زمن دخوله واستقراره في بيته.
(فقال) أي: أبوه عليّ (: كان) أي: النبيّ ﷺ (إذا أوى) - بالمدّ والقصر؛ كما تقدّم- (إلى منزله)؛ أي: وصل إليه واستقرّ فيه (جزّأ) أي: قسم (دخوله)؛ أي: زمن دخوله (ثلاثة أجزاء) أي: ثلاثة أقسام.
(جزآ لله) تعالى يستفرغ فيه وسعه لعبادة الله والتفكّر في مصنوعاته، (وجزآ لأهله) أي: لمؤانسة أهله ومعاشرتهم، فإنّه كان أحسن الناس عشرة،
[ ٢ / ٣٨٩ ]
وجزآ لنفسه. ثمّ جزّأ جزأه بينه وبين النّاس، فيردّ بالخاصّة على العامّة، ولا يدّخر عنهم شيئا.
وكان من سيرته في جزء الأمّة إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدّين،
(وجزآ لنفسه) أي: لنفع نفسه، فيفعل فيه ما يعود عليه بالتكميل الآخروي والدنيوي.
(ثمّ جزّأ جزءه بينه وبين النّاس)؛ أي: ثمّ قسم جزأه الذي جعله لنفسه بينه وبين جميع الناس؛ سواء من كان موجودا، ومن سيوجد بعدهم إلى يوم القيامة بواسطة التبليغ عنه.
(فيردّ بالخاصّة على العامّة)؛ أي: فيردّ ذلك الجزء الذي جعله للناس بسبب خاصّة الناس وهم أهله وأفاضل الصحابة الذين كانوا يدخلون عليه في بيته، فيأخذون عنه الأحاديث؛ ثم يبلّغونها للذين لم يدخلوا بعد خروجهم من عنده، فكان يوصل العلوم لعامّة الناس بواسطة خاصّتهم.
(ولا يدّخر) - بتشديد الدال المهملة؛ كما هو الرواية- أي: لا يخفي (عنهم شيئا) من تعلّقات النصح والهداية.
(وكان من سيرته): من عادته وطريقته (في جزء الأمّة)، أي: فيما يصنع في الجزء الذي جعله لأمّته (إيثار) أي: تفضيل (أهل الفضل) حسبا أو نسبا؛ أو سبقا أو صلاحا، أي يقدّمهم على غيرهم في الدخول عليه وإبلاغ أحواله للعامّة، أو في الحاجة كلّ ذلك إنما كان (بإذنه) لهم في ذلك.
(و) كان من سيرته في ذلك الجزء أيضا (قسمه) - بالفتح؛ مصدر قسم- معطوف على «إيثار»، أي: قسم ذلك الجزء (على قدر فضلهم) أي مراتبهم (في الدّين) من جهة الصلاح والتقوى، لا من جهة الأحساب والأنساب. قال تعالى إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ [١٣/ الحجرات]، أو المراد على قدر حاجاتهم في الدين.
[ ٢ / ٣٩٠ ]
فمنهم ذو الحاجة، ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج؛ فيتشاغل بهم ويشغلهم في ما يصلحهم والأمّة، من مسألتهم عنه، وإخبارهم بالّذي ينبغي لهم، ويقول: «ليبلّغ الشّاهد منكم الغائب، وأبلغوني حاجة من لا يستطيع إبلاغها،
ويلائمه قوله (فمنهم ذو الحاجة) الواحدة، (ومنهم ذو الحاجتين، ومنهم ذو الحوائج)، فإنّ هذا بيان للتفاوت في مراتب الاستحقاق، والفاء للتفصيل والمراد ب «الحوائج» المسائل المتعلّقة بالدّين.
(فيتشاغل بهم)؛ أي: فيشتغل بذوي الحاجات (ويشغلهم) - بفتح أوله مضارع؛ شغله كمنعه- (في ما) أي: الذي (يصلحهم، و) يصلح (الأمّة)؛ من قبيل عطف العامّ على الخاصّ، سواء كان المراد أمّة الدعوة، أو أمّة الإجابة؛ والمعنى: لا يدعهم يشتغلون بما لا يعنيهم؛ بل يشغلهم بما يصلحهم ويصلح الأمة.
(من) بيان ل «ما» (مسألتهم) أي: سؤالهم النبي ﷺ (عنه) أي: عما يصلحهم ويصلح الأمة، (وإخبارهم) أي: إخبار النبي إيّاهم (بالّذي ينبغي لهم) أي: بالأحكام التي تليق بهم، وبأحوالهم وزمانهم ومكانهم، والمعارف التي تسعها عقولهم.
(ويقول) لهم بعد أن يفيدهم ما يصلحهم ويصلح الأمّة: («ليبلّغ الشّاهد) الحاضر (منكم) الآن (الغائب) عن المجلس من بقيّة الأمة حتى من سيوجد.
(و) يقول لهم أيضا: («أبلغوني) أي: أوصلوا إليّ (حاجة من لا يستطيع إبلاغها)، إيّاي لعذر كمرض، أو بعد، أو ضعف؛ كالنساء والعبيد والمرضى والغائبين.
وهذا من كمال تواضعه ﷺ وشفقته على أمّته، واعتنائه بهدايتهم وإصلاحهم ما استطاع.
[ ٢ / ٣٩١ ]
فإنّه من أبلغ سلطانا حاجة من لا يستطيع إبلاغها.. ثبّت الله قدميه يوم القيامة»؛ لا يذكر عنده إلّا ذلك، ولا يقبل من أحد غيره.
يدخلون روّادا- أي: طلّابا- ولا يفترقون إلّا عن ذواق،
ويؤخذ من ذلك أنّه يسنّ المعاونة، والحثّ على قضاء حوائج المحتاجين.
ثم رغّب في ذلك وحثّ عليه بقوله (فإنّه) أي: الحال والشأن (من أبلغ سلطانا) أي: قادرا على تنفيذ ما يبلغه؛ وإن لم يكن سلطانا حقيقة (حاجة من لا يستطيع إبلاغها)؛ أي: من لا يقدر على إيصالها (ثبّت الله قدميه) على الصراط (يوم القيامة») يوم تزلّ الأقدام. دينية كانت الحاجة أو دنيوية، فإنّه لما حرّكهما في إبلاغ حاجة هذا الضعيف جوزي بثباتهما على الصراط.
(لا يذكر عنده إلّا ذلك) أي: لا يحكى عنده إلّا ما ذكر مما ينفعهم في دينهم؛ أو دنياهم، دون ما لا ينفعهم في ذلك؛ كالأمور المباحة التي لا فائدة فيها، وهذا الحصر غالبي، ومنه يعرف حالة قوله
(ولا يقبل) ﷺ (من) كلام (أحد) شيئا (غيره) أي: غير المحتاج إليه، فهو توكيد للكلام الذي قبله (يدخلون روّادا) - بضم الراء وتشديد الواو- (أي:
طلّابا) للمنافع في دينهم أو دنياهم، المكملة لعقولهم ونفوسهم، فهو جمع زائد من الرّود؛ وهو الطلب، وهو- في الأصل-: من يتقدّم القوم لينظر لهم الكلأ ومساقط الغيث، ثم استعير هنا لتقدّم أكابر الصّحب في الدخول عليه ليستفيدوا ما يصلح أمر الأمّة، ويكون سببا لوقايتهم من مهالك الجهل وغوائل الهوى.
(ولا يفترقون إلّا عن ذواق) - بفتح أوله فعال؛ بمعنى مفعول؛ من الذوق- أي: مذوق طعام حسّيّ؛ على ما هو الأغلب، أو معنوي من الأدب، فإنّه يقوم لأرواحهم مقام الطعام لأجسادهم، و«عن» بمعنى «بعد» كقوله تعالى لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩) [الانشقاق] .
وقال بعضهم: الأصل في الذواق الطعام، إلا أنّ العلماء كلّهم حملوه على
[ ٢ / ٣٩٢ ]
ويخرجون أدلّة؛ يعني: على الخير.
قال: فسألته عن مخرجه: كيف كان يصنع فيه؟
قال: كان رسول الله ﷺ يخزن لسانه إلّا فيما يعنيه، ويؤلّفهم ولا ينفّرهم،
العلم والخير، لأن الذوق قد يستعار؛ كما في القرآن فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [١١٢/ النحل] أي: لا يقومون من عنده إلّا وقد استفادوا علما جزيلا وخيرا كثيرا.
(ويخرجون) من عنده (أدلّة) قال القسطلّاني: الرواية المشهورة الصحيحة بدال مهملة، جمع دليل أي: علماء يدلّون الناس. (يعني على) ما علموه من (الخير)، ولهذا قال: «أصحابي كالنّجوم» .
وقال الكازروني: أذلّة- بالمعجمة؛ من الذل-: التواضع، ومعناه:
متواضعون يخضع بعضهم لبعض لأجل الموعظة التي يسمعون، والقرآن الذي يتلون. وهو حسن لو ساعدته الرواية؛ لكنه لا يناسب قوله «يعني على الخير» .
(قال) أي: الحسين: (فسألته)؛ أي: أبي (عن مخرجه) أي: عن سيرته وطريقته في زمن خروجه من البيت (: كيف كان يصنع فيه؟! قال) أي: عليّ ﵁.
(كان رسول الله ﷺ يخزن) - بضم الزاي وكسرها، أي: يحبس ويضبط- (لسانه إلّا فيما يعنيه) - بفتح المثناة التحتية- أي: يهمّه مما ينفع دينيا؛ أو دنيويا، فكان كثير الصمت إلّا فيما يعني، كيف وقد قال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت»؟!.
(ويؤلّفهم) - بفتح الهمزة وتشديد اللام؛ من الألفة- أي: يؤلّف بينهم حتّى يجعلهم كنفس واحدة؛ بحيث لا يبقى بينهم تباغض بوجه، أو يجعلهم آلفين له مقبلين عليه بحاسيّتهم بحسن الخلق معهم وملاطفتهم.
(ولا ينفّرهم) - بتشديد الفاء- أي: لا يفعل بهم ما يكون سببا لنفرتهم، لما
[ ٢ / ٣٩٣ ]
ويكرم كريم كلّ قوم ويولّيه عليهم، ويحذر النّاس ويحترس منهم؛ من غير أن يطوي عن أحد منهم بشره ولا خلقه، ويتفقّد أصحابه، ويسأل النّاس عمّا في النّاس،
عنده من العفو والصفح والرأفة بهم.
(ويكرم كريم كلّ قوم) أي: يعظّم أفضل كلّ قوم بما يناسبه من التعظيم.
(ويولّيه) أي: يجعله واليا: أي حاكما (عليهم) وأميرا فيهم، لأن القوم أطوع لكبيرهم مع ما فيه من الكرم الموجب للرفق بهم. وهذا من تمام حسن نظره وعظيم تدبيره.
(ويحذر النّاس) - بفتح الياء وخفة الذال؛ كيعلم، وعليه أكثر الرّواة- أي:
يحترز من الناس، لأنه لم يكن مغفّلا. (ويحترس منهم) أي: يتحفّظ من كثرة مخالطتهم المؤدّية إلى سقوط هيبته وجلالته من قلوبهم، لكن لا يفرط في ذلك؛ بل يحترس (من غير أن يطوي) - بكسر الواو- (عن أحد منهم) من الناس (بشره) - بكسر الموحّدة وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة وجهه وبشاشة بشرته (ولا خلقه) - بضمتين- أي: من غير أن يمنع عن أحد من الناس طلاقة وجهه ولا حسن خلقه.
(ويتفقّد أصحابه) أي: يسأل عنهم حال غيبتهم، فإن كان أحد منهم مريضا عاده، أو مسافرا دعا له، أو ميتا استغفر له، وذلك من مكارم الأخلاق كما قيل
ومن عادة السّادات أن يتفقّدوا أصاغرهم والمكرمات عوائد
(ويسأل النّاس) أي: يسأل خاصّة أصحابه (عمّا) وقع (في النّاس)؛ ليدفع ظلم الظالم، وينتصر للمظلوم، ويقوّي جانب الضعيف.
وليس المراد أنّه يتجسّس عن عيوبهم ويتفحّص عن ذنوبهم.
ويؤخذ منه أنّه ينبغي للحكّام أن يسألوا عن أحوال الرعايا، وكذلك الفقهاء
[ ٢ / ٣٩٤ ]
ويحسّن الحسن ويقوّيه، ويقبّح القبيح ويوهّيه، معتدل الأمر غير مختلف،
والصلحاء، والأكابر الذين لهم أتباع؛ فلا يغافلون عن السؤال عن أحوال أتباعهم، لئلا يترتّب على الإهمال مضارّ يعسر دفعها.
(ويحسّن) - بتشديد السين المهملة؛ من التحسين- أي: يصف الشيء (الحسن) بمعنى أنّه يظهر حسنه بمدحه؛ أو مدح فاعله (ويقوّيه)؛ من التقوية أي: يظهر قوّته بدليل معقول أو منقول.
(ويقبّح) - بتشديد الموحّدة؛ من التقبيح- أي: يصف الشيء (القبيح) بالقبح، بمعنى أنّه يظهر قبحه بذمّه أو ذمّ فاعله، ولا يبالي به؛ وإن عظم قدره وتناهى جاهه. (ويوهّيه) - بتشديد الهاء- أي: يجعله واهيا ضعيفا بالمنع والزجر عنه.
وبين «الحسن» و«القبيح»، و«يقوّيه» و«يوهّيه» من أنواع البديع الطّباق.
(معتدل الأمر): مستويه، والأمر الشأن، أو هو ضدّ النهي، يعني: لا يأمر بما لا يطاق (غير مختلف) هو إلى الإطناب أقرب، إذ «معتدل الأمر» يغني عنه، لكن هذا مقام مدح؛ والإطناب يليق به.
وحاصل المعنى: أنّ سائر أفعاله وأقواله على سنن الاستواء والاعتدال، وهي مع ذلك مصونة عن أن يصدر فيها منه أشياء متخالفة المحامل؛ متباينة الأواخر والأوائل.
والرواية في كلّ من هاتين الكلمتين بالرفع؛ على أنه خبر مبتدأ محذوف؛ مع أن ظاهر السياق النصب على أنّه معطوف على خبر «كان» بحذف حرف العطف، أي: وكان معتدل الأمر غير مختلف.
ولعل وجه الرفع: أن كونه معتدل الأمر غير مختلف من الأمور اللازمة التي
[ ٢ / ٣٩٥ ]
لا يغافل مخافة أن يغافلوا أو يميلوا، لكلّ حال عنده عتاد- أي: شيء معدّ ومهيّأ- لا يقصّر عن الحقّ ولا يجاوزه، الّذين يلونه من النّاس خيارهم، أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة،
لا تنفكّ عنه أبدا!!. والرفع- على أنّ ذلك خبر مبتدأ محذوف- يقتضي أن يكون الكلام جملة اسمية، وهي تفيد الدوام والاستمرار.
(لا يغافل) عن تذكيرهم وتعليمهم وإرشادهم ونصحهم (مخافة)؛ مفعول من أجله (أن يغافلوا) عن استفادة أحواله وأفعاله، (أو يميلوا) إلى الدّعة والراحة، أو يميلوا عنه وينفروا منه كما هو شأن المسلّكين، فإنّهم لا يغافلون عن إرشاد تلامذتهم؛ مخافة أن يغافلوا عن الأخذ عنهم، أو يميلوا إلى الكسل والرفاهية.
(لكلّ حال) من أحواله وأحوال غيره (عنده عتاد) - بفتح العين المهملة ومثنّاة فوقية؛ كسحاب- (أي شيء معدّ) له (ومهيّأ)، فكان يعدّ للأمور أشكالها ونظائرها كالة الحرب وغيرها.
(لا يقصّر)؛ من التقصير، أو القصور (عن الحقّ) أي: عن استيفائه لصاحبه؛ أو عن بيانه، (ولا يجاوزه)؛ أي: لا يأخذ أكثر منه.
(الّذين يلونه من النّاس)؛ أي: الذين يقربون منه في المجلس لاكتساب الفوائد ونشرها وتعليمها (خيارهم)؛ لأنهم الذين يصلحون لاستفادة العلوم وتعلّمها، ومن ثمّ قال: «ليلني منكم أولو الأحلام والنّهى، ثمّ الّذين يلونهم، ثمّ الّذين يلونهم» .
وينبغي للعالم في درسه أن يجعل الذين يقربون منه خيار طلبته، لأنّهم هم الذين يوثق بهم علما وفهما.
(أفضلهم عنده أعمّهم)؛ أي: أفضل الناس عنده ﷺ أكثرهم (نصيحة) للمسلمين في الدين والدنيا، فإنّه ورد: «الدّين النّصيحة» .
[ ٢ / ٣٩٦ ]
وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة.
قال: فسألته عن مجلسه.
فقال: كان رسول الله ﷺ لا يقوم ولا يجلس إلّا على ذكر، وإذا انتهى إلى قوم.. جلس حيث ينتهي به
(وأعظمهم عنده منزلة)؛ أي: مرتبة (أحسنهم مواساة)؛ وإحسانا للمحتاجين بالنفس والمال؛ ولو مع احتياج أنفسهم، لقوله تعالى وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ [٩٠/ الحشر] (ومؤازرة) أي: معاونة لإخوانهم في مهمات الأمور؛ من البر والتقوى، لقوله تعالى وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى [٢/ المائدة] .
وإنما قسم مدخله دون مخرجه؛ مع أنه ينقسم أيضا ثلاثة أجزاء:
١- قسم لله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، و٢- قسم لنفسه؛ وهو: ما تدعو إليه ضرورته. و٣- قسم للناس؛ وهو: السعي في حوائجهم!!
لأنهم يعلمون حاله في خروجه؛ فلم يحتج لتقسيمه.
(قال) أي الحسين (: فسألته) أي عليا (عن مجلسه)؛ أي عن أحواله ﷺ في وقت جلوسه: (فقال) أي عليّ:
(كان رسول الله ﷺ لا يقوم) من مجلسه (ولا يجلس) فيه؛ (إلّا على ذكر) أي: إلّا في حال تلبّسه بالذكر لله تعالى، «فعلى» للملابسة، وهي مع مدخولها في محلّ نصب على الحال.
ويؤخذ منه ندب الذكر عند القيام وعند القعود.
والأصل في مشروعيّة ذلك قوله تعالى الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيامًا وَقُعُودًا وَعَلى جُنُوبِهِمْ [١٩١/ آل عمران] والمقصود من ذلك تعميم الأحوال.
وبالجملة فالذكر أعظم العبادات، لقوله تعالى وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ [٤٥/ العنكبوت] .
(وإذا انتهى) أي: وصل (إلى قوم) جالسين (جلس حيث ينتهي به) ﷺ
[ ٢ / ٣٩٧ ]
المجلس، ويأمر بذلك، يعطي كلّ جلسائه بنصيبه، لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه.
(المجلس) أي: يجلس في أيّ مكان يلقاه خاليا، ولا يترفّع على أصحابه لمزيد تواضعه ومكارم أخلاقه، حيث لم يتكلّف خطوة زائدة على الحاجة لحظّ نفسه حتى يجلس في صدر المجلس.
ولأن القصد من قطع الطريق وتعب المشي للبلوغ والوصول إلى القوم، فإذا وصل إلى أوّلهم كان المشي بعد ذلك عبثا وتكبّرا لا يليق بحال العاقل؛ فضلا عن الفاضل؛ فضلا عن أفضل الناس!!
(ويأمر بذلك) أي: بالجلوس حيث ينتهي به المجلس؛ إعراضا عن رعونة النفس وأغراضها الفاسدة.
وقد ورد أمره بذلك فيما رواه الطبرانيّ، والبيهقيّ؛ عن شيبة بن عثمان مرفوعا: «إذا انتهى أحدكم إلى المجلس؛ فإن وسّع له فليجلس، وإلّا فلينظر إلى أوسع مكان يراه؛ فليجلس فيه» .
وبالجملة فقد ثبت مشروعية ذلك فعلا وأمرا.
(يعطي كلّ) واحد من (جلسائه بنصيبه)، أي: شيئا بقدر نصيبه؛ أي:
حظّه من البشر والطلاقة والكرامة والتعليم والتفهيم؛ بحسب ما يليق به، فالمفعول الثاني مقدّر. وقيل: إن الباء زائدة في «بنصيبه» الذي هو المفعول الثاني للتأكيد.
(لا يحسب) - بفتح السين وكسره؛ أي: لا يظنّ- (جليسه) الإضافة للجنس؛ فيشمل كلّ واحد من مجالسيه (أنّ أحدا) من أمثاله وأقرانه (أكرم عليه) ﷺ (منه)؛ أي: من نفسه.
وذلك لكمال خلقه وحسن معاشرته لأصحابه، فكان يظنّ كلّ واحد منهم أنّه أقرب من غيره إليه، وأحبّ الناس عنده، لما تبيّن له من عظيم بشره وتقريبه.
وهذا هو الكمال الأعظم!
[ ٢ / ٣٩٨ ]
من جالسه أو فاوضه في حاجة.. صابره حتّى يكون هو المنصرف عنه، ومن سأله حاجة.. لم يردّه إلّا بها أو بميسور من القول.
قد وسع النّاس بسطه وخلقه، فصار لهم أبا
(من جالسه) أي: جلس معه، (أو فاوضه)؛ أي: شرع معه في الكلام في مشاورة أو مراجعة (في حاجة) له، و«أو» للتنويع؛ خلافا لمن جعلها للشكّ.
(صابره)؛ أي: غلبه في الصبر على المجالسة، أو المكالمة فلا يبادر بالقيام من المجلس، ولا يقطع الكلام، ولا يظهر الملل والسامة، بل يستمرّ معه (حتّى يكون) أي: المجالس؛ أو المفاوض (هو المنصرف عنه) ﷺ، لمبالغته في الصبر معه.
(ومن سأله) ﷺ أيّ إنسان كان (حاجة) أيّة حاجة كانت؛ (لم يردّه) أي:
السائل (إلّا بها) إن تيسّرت عنده، (أو بميسور من القول)؛ إن لم تتيسر لفقد؛ أو مانع يقتضيه.
وهذه قضية مانعة خلوّ؛ أي: لا يخلو حاله حين يسأل من إعطاء المسؤول، أو الرّد بسهولة ولين قوله، ليكون ذلك مسلاة له عن حاجته.
وهذا من كمال سخائه ومروءته وحيائه. وهذا المعنى مأخوذ من قوله تعالى وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨) [الإسراء] ومن ذلك الميسور أن يعد السائل بعطاء إذا جاءه شيء؛ كما وقع له مع كثيرين، ولذلك قال الصدّيق رضي الله تعالى عنه- بعد استخلافه؛ وقد جاءه مال-: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة فليأتنا، فأتوه فوفّاهم.
(قد وسع) - بكسر السين؛ أي: عمّ- (النّاس) أجمعين حتّى المنافقين (بسطه) أي: بشره وطلاقة وجهه (وخلقه) أي: حسن خلقه الكريم، لكونه ﷺ يلاطف كلّ واحد بما يناسبه، (فصار لهم) أي: للناس (أبا) في الشفقة والرحمة، وأعظم من أب، إذ غاية الأب أن يسعى في صلاح الظاهر؛ وهو ﷺ
[ ٢ / ٣٩٩ ]
وصاروا عنده في الحقّ سواء.
مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات،
يسعى في صلاح الظاهر والباطن.
(وصاروا عنده في الحقّ سواء) أي: مستوين في الحقّ لسلامته من الأغراض النفسانية الحاملة للإنسان على اتباع هواه، فالبعيد عن الحقّ والطالب له عنده سواء فيوصل بكلّ إنسان منهم ما يستحقّه ويليق به، ولا يطمع أحد منهم أن يتميّز على أحد عنده لكمال عدله.
(مجلسه مجلس حلم) - بكسر الحاء واللام؛ أي: منه عليهم. وفي نسخة من «الشمائل»: علم؛ بدل: حلم، أي: يفيدهم إيّاه، كما قال تعالى وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ [١٢٩/ البقرة] .
(وحياء) أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب؛ كأنّما على رؤوسهم الطير.
(وصبر) أي: منه ﷺ على جفوتهم، لقوله تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] .
(وأمانة) أي: منهم على ما يقع في المجلس من الأسرار، والمراد أنّ مجلسه مجلس كمال هذه الأمور، لأنه مجلس تذكير بالله تعالى، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب فترقّ قلوبهم، فيزهدون في الدنيا ويرغبون في الآخرة.
(لا ترفع) البناء للمفعول (فيه) أي: في مجلسه (الأصوات)؛ أي:
لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه ﷺ إلّا لمجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ وما أشبه ذلك، لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [٢/ الحجرات] ﷺ، فكانوا ﵁ [م] على غاية من الأدب في مجلسه، بخلاف كثير من طلبة العلم، فإنّهم يرفعون أصواتهم في الدروس؛ إما لرياء، أو بعد فهم.
[ ٢ / ٤٠٠ ]
ولا تؤبن فيه الحرم ولا تنثى فلتاته. متعادلين، بل كانوا يتفاضلون فيه بالتّقوى، متواضعين،
(ولا تؤبن) - بضم التاء وسكون الهمزة، ويجوز إبدالها واوا وفتح الموحدة المخففة وتشدّد أيضا، وآخره نون- من الأبن- بفتح الهمزة- وهو العيب؛ أي:
لا تعاب (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (الحرم) - بضم الحاء وفتح الراء، وبضمّها- جمع حرمة؛ وهي: ما يحترم ويحمى من أهل الرجل.
والمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف؛ ولا غيبة ونحوها، بل مجلسه مصون عن كلّ قول قبيح.
(ولا تنثى) - بضمّ أوّله وسكون النون، وفتح المثلاثة- من «نثا الحديث»:
حدّث به وأشاعه، أي: لا تشاع ولا تذاع (فلتاته) - بفتح الفاء واللام- أي:
هفوات مجلسه، فالضمير للمجلس، والفلتات جمع فلتة؛ وهي: الهفوة، فإذا حصل من بعض حاضريه هفوة لا تشاع ولا تذاع، ولا تنقل عن المجلس، بل تستر على صاحبها إذا صدرت منه؛ على خلاف عادته وطبعه.
هذا ما يعطيه ظاهر العبارة!! والأولى جعل النفي منصبّا على الفلتات نفسها، لا وصفها؛ من الإشاعة والإذاعة.
فالمعنى: لا فلتات فيه أصلا، فلم يكن شيء منها في مجلسه ﷺ، وليس منها ما يصدر من أجلاف العرب؛ كقول بعضهم «أعطني من مال الله؛ لا من مال أبيك وجدّك»، بل ذاك دأبهم وعاداتهم.
(متعادلين) أي: كانوا متعادلين، فهو خبر «كان» مقدّرة.
والمعنى أنّهم كانوا متساوين، فلا يتكبّر بعضهم على بعض، ولا يفتخر عليه بحسب أو نسب.
(بل كانوا يتفاضلون) أي: يفضل بعضهم على بعض (فيه) أي: في مجلسه ﷺ (بالتّقوى) علما وعملا، (متواضعين) حال من الواو في
[ ٢ / ٤٠١ ]
يوقّرون فيه الكبير، ويرحمون فيه الصّغير، ويؤثرون ذا الحاجة، ويحفظون الغريب.
وكان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ﷿، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه.
وكان ﷺ أحسن النّاس خلقا.
«يتفاضلون» أي: حال كونهم متواضعين (يوقّرون) أي: يعظّمون (فيه) أي:
في مجلسه ﷺ (الكبير) - بفتح الكاف- (يرحمون فيه الصّغير) - بفتح الصّاد وكسرها- لما ورد: «ليس منّا من لّم يرحم صغيرنا، ولم يوقّر كبيرنا» رواه الترمذي في «جامعه»؛ عن أنس.
(ويؤثرون ذا الحاجة) أي: يقدّمونه على أنفسهم في تقريبه للنبي ﷺ ليقضي حاجته منه. (ويحفظون الغريب) . يحتمل أنّ المراد الغريب من الناس- كما هو المتبادر- فالمعنى يحفظون حقّه وإكرامه لغربته، ويحتمل أنّ المراد الغريب من المسائل، فالمعنى يحفظونه بالضبط والإتقان؛ خوفا من الضياع.
(و) في كتاب «الإحياء» و«كشف الغمة» للشعراني:
(كان رسول الله ﷺ لا يمضي له وقت في غير عمل لله ﷿، أو فيما لا بدّ له من صلاح نفسه) . وهذا مستفاد مما سبق في الحديث أنّه جزّأ دخوله ثلاثة أجزاء: جزآ لله، وجزآ لأهله، وجزآ لنفسه، كما جزّأ خروجه ثلاثة أجزاء:
لله؛ وهو وقت الصلاة والتعليم، وجزآ لنفسه؛ وهو ما تدعو إليه ضرورته، وجزآ للناس؛ وهو السعي في حوائجهم.
(و) أخرج مسلم- واللفظ له؛ من حديث طويل- والترمذيّ؛ عن أنس بن مالك قال:
(كان) رسول الله (ﷺ أحسن) - ورواية الترمذي: من أحسن- (النّاس خلقا) - بضمتين- لحيازته جميع المحاسن والمكارم وتكاملها فيه. ولما اجتمع فيه
[ ٢ / ٤٠٢ ]
وكان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق.
وعرّفوا (حسن الخلق) بأنّه: مخالطة النّاس بالجميل، والبشر، واللّطافة، وتحمّل الأذى، والإشفاق عليهم، والحلم «١»، والصّبر، وترك التّرفّع والاستطالة عليهم، وتجنّب الغلظة والغضب والمؤاخذة.
من خصال الكمال وصفات الجلال والجمال ما لا يحصره حدّ، ولا يحيط به عدّ؛ أثنى الله عليه به في كتابه بقوله وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤) [القلم] .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ عن عليّ رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ دائم البشر) - بكسر الموحّدة وسكون الشين- أي: طلاقة الوجه وبشاشته ظاهرا مع الناس، فلا ينافي أنّه كان متواصل الأحزان باطنا؛ اهتماما بأهوال الآخرة؛ خوفا على أمّته.
(سهل الخلق) - بضمّتين- أي: ليّنه ليس بصعبه، ولا خشنه، فلا يصدر عنه ما يكون فيه إيذاء لغيره بغير حقّ.
قال الباجوريّ في «حاشية الشمائل»: (وعرّفوا حسن الخلق بأنّه مخالطة النّاس بالجميل)؛ قولا وفعلا، (والبشر): طلاقة الوجه، (واللّطافة): اللّين (وتحمّل الأذى) منهم؛ (والإشفاق) أي: الخوف (عليهم) ممّا قد يضرّهم، ([والحلم]) - بكسر الحاء- وهو: ضبط النفس والطبع عند هيجان الغضب.
وفي معناه من قال: «هو احتمال الأعلى الأذى من الأدنى» .
(والصّبر) عليهم، (وترك التّرفّع) عليهم، (و) ترك (الاستطالة عليهم) في إعراضهم، (وتجنّب الغلظة)؛ أي: الخشونة في القول، (و) تجنّب (الغضب) أي: أسبابه المهيّجة له، (و) تجنّب (المؤاخذة) عن مستحقّها بجناية.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: التّحمّل.
[ ٢ / ٤٠٣ ]
وعن عليّ كرّم الله وجهه: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا، وأوسع النّاس صدرا، وأصدق النّاس لهجة، وأوفاهم ذمّة، وألينهم عريكة، وأكرمهم عشرة. من رآه بديهة..
هابه، ومن خالطه معرفة.. أحبّه، يقول ناعته: لم أر قبله ولا بعده مثله.
(و) في «الإحياء»؛ (عن عليّ) رضي الله تعالى عنه و(كرّم الله وجهه) في الجنة قال: (كان رسول الله ﷺ أجود النّاس كفّا) أي: بذلا للمعروف، (وأوسع النّاس صدرا) أي: قلبا قد وسع الناس بسطه وخلقه، (وأصدق النّاس لهجة) - بفتحتين أي: بفتح فسكون- أي: لسانا، أي كان لسانه ﷺ أصدق الألسنة، إذ هو أفصح الخلق، وأعذبهم كلاما، وأسرعهم أداء، وأحلاهم منطقا. كان حسن كلامه يأخذ بمجامع القلوب.
(وأوفاهم ذمّة) أي: عهدا (وألينهم عريكة) أي: طبيعة، فهو مع الناس على غاية من السلامة والمطاوعة، وقلّة الخلاف والنفور، (وأكرمهم عشرة) - بكسر العين المهملة-: اختلاطا وصحبة.
(من رآه بديهة) أي: فجأة من غير قصد (هابه) أي: أخذته الهيبة لما كان يظهر عليه من عظم الجلالة والمهابة والوقار.
(ومن خالطه معرفة أحبّه)، لكمال حسن عشرته وباهر عظيم تألّفه.
(يقول ناعته) أي واصفه (: لم أر قبله ولا بعده مثله) ﷺ، للزوم هذا الوصف له وظهوره عند من له أدنى بصيرة، فلما لم يخف كان كلّ واصف ملزوما بأن هذا القول يصدر عنه؛ وإن لم يصدر عنه التصريح به غفلة وذهولا.
فالرؤية هنا علميّة، أي: لم أعلم به مماثلا في وصف من أوصاف الكمال.
قال العراقي: رواه الترمذي وقال: ليس إسناده بمتّصل، أي: وفيه مخالفة يسيرة لما في الترمذي.
[ ٢ / ٤٠٤ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس، وأورع النّاس،
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
(عن أنس رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ أعلم النّاس وأورع النّاس) الورع: هو اجتناب الشبهات خوفا من الوقوع في المحرمات، فتركه الريبة في العبادات والمعاملات وسائر أبواب الأحكام إلى يقين الحلّ هو الورع المحمود، العميم النفع، العظيم الجدوى في الدنيا والآخرى.
قال في «منهل الورّاد»: الورع عامّ وخاصّ،
فالعامّ: هو التورّع عما يوجب الفسق، وذلك ما يحرّمه الفقهاء.
وأما ورع الخاصّة! فهو على ثلاث درجات.
الأولى: ورع الصالحين المشار إليه بقوله ﷺ: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك» وهو الحذر عما يطرق إليه احتمال التحريم، وإن أفتى المفتي بحلّه بناء على الظاهر، لأنّ مطمح الفقيه إلى ظاهر الأمر، كمن أساء معاشرة زوجته حتّى تبرئه من المهر، فيفتي المفتي الفقيه أن الإبراء صحيح، مع أنّه لا يحلّ للمبرىء المهر بينه وبين الله تعالى.
الثانية: ورع المتقين المشار إليه بقوله ﷺ: «لا يبلغ العبد أن يكون من المتّقين حتّى يدع ما لا بأس به حذرا ممّا به بأس» . قال المناوي: أن يترك فضول الحلال؛ حذرا من الوقوع في الحرام.
ومن هذا القبيل ترك النظر إلى تجمّل أهل الدنيا، فإنّه يحرّك داعية الرغبة فيها.
الثالثة: ورع الصديقين؛ وهو صحّة اليقين وكمال التعلّق بربّ العالمين، وعكوف الهمّة عليه، وهذه رتبة قوم عدّوا كلّ ما لم يكن لله عدّوه حراما، فاجتنبوا كلّ ما لا يراد بتناوله القوّة على طاعة الله تعالى.
وهؤلاء قد ذهب معظمهم، لا يكاد يوجد أحد منهم.
[ ٢ / ٤٠٥ ]
وأزهد النّاس،
فالفالح في زماننا: من كان ورعه ورع العدول غير مشدّد على نفسه بقوله «أموال الدنيا كلها حرام لكثرة الأيدي الغاصبة والمعاملات الفاسدة» . أي: فهذا مشدّد على نفسه، بل يراجع القلب مسترشدا بقوله ﷺ: «الإثم ما حاك في الصّدر وتردّد في القلب» . وقوله ﷺ: «استفت قلبك؛ وإن أفتاك النّاس وأفتوك» . إذ الإنسان غير متعبّد بما هو في نفس الأمر حلال، بل بما هو في اعتقاده أنّه حلال إلّا إن بان له شيء ظاهر في تحريمه. وهذا باب واسع. وقد أجاد بالتفصيل فيه الإمام الغزاليّ جزاه الله خيرا عن الإسلام، ورزقنا التوفيق وحسن الختام.
(وأزهد النّاس) الزهد: هو ترك فضول الحلال. أو هو بغض الدنيا والإعراض عنها، وقيل: هو ترك راحة الدنيا طلبا لراحة الآخرة.
وقال سيدنا الحبيب عبد الله بن علوي الحدّاد في «النصائح»: حقيقة الزهد خروج حبّ الدنيا والرغبة فيها من القلب، وهوان الدنيا على العبد؛ حتّى يكون إدبارها وقلّة الشيء منها أحبّ إليه من ضدّه! وهذا من حيث الباطن، وفي الظاهر يكون منزويا عنها ومتجافيا؛ اختيارا؛ مع القدرة عليها ويكون مقتصرا من سائر أمتعتها- مأكلا؛ وملبسا؛ ومسكنا وغير ذلك- على ما لا بدّ منه دون النعم والتمتع بشهواتها، انتهى.
وقال في «منهل الورّاد»: الزهد خلاف الرغبة: لغة، يقال «زهد في الشيء وعنه»؛ أي: لم يرغب فيه. وحقيقة: انصراف الرغبة عن الشيء إلى ما هو خير منه، وفضل الزهد شهير، قال الله تعالى وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا الآية إلى قوله وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (١٣٢) [١٣١- ١٣٢/ طه] .
والزهد على قسمين:
زهد في الدنيا: لأنها تلهي عن الله، وعن خدمته، وعن الأعمال الصالحة؛ مع أنها لا تصفو لصاحبها، بل لا يزال صاحبها في عناء ومحن وبلاء.
[ ٢ / ٤٠٦ ]
وأكرم النّاس، وأعدل النّاس، وأحلم النّاس، وأعفّ النّاس، لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ.
وزهد فيما في أيدي الناس قال ﷺ: «ازهد في الدّنيا يحبّك الله، وازهد فيما في أيدي النّاس يحبّك النّاس» .
ثم إن للزهد درجات: فزهد في الحرام والشبهة؛ وهو في معنى التقوى، وزهد فيما زاد على الحاجة.
ومن فوائد الزهد أنّ فيه فراغا للروح والبدن بالطاعة، والرغبة فيها، والتجنّب عن الشبهات. انتهى ملخصا من «منهل الوراد» .
(وأكرم النّاس) روى البخاريّ ومسلم؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه:
كان ﷺ أحسن النّاس، وأشجع الناس، وأجود النّاس. وسيأتي قريبا.
(و) كان ﷺ (أعدل النّاس) قد تقدّم في حديث عليّ الطويل قوله «وصار ما عنده في الحقّ سواء الحديث» .
ومعنى «أعدل الناس» أي: أكثرهم عدلا.
(و) كان ﷺ (أحلم النّاس) . قال العراقي: رواه أبو الشيخ في «كتاب الأخلاق»؛ من رواية عبد الرحمن بن أبزى: كان رسول الله ﷺ من أحلم الناس الحديث. وهو مرسل. انتهى.
وسيأتي حديث عبد الله بن سلام في قصة إسلام زيد بن سعنة، من أحبار اليهود. قال الواسطي لما سئل: لأي شيء كان رسول الله ﷺ أحلم النّاس؟! قال: لأنه خلق روحه أوّلا؛ فوقع له صحّة التمكين والاستقرار.
(و) كان ﷺ (أعفّ النّاس) أي: أكثرهم عفّة، وهي- بالكسر- حصول حالة للنفس يمتنع بها عن غلبة الشهوة، ولذلك قال: (لم تمسّ يده يد امرأة لا يملك رقّها، أو عصمة نكاحها، أو تكون ذات محرم منه ﷺ) .
[ ٢ / ٤٠٧ ]
وعن أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس، وأجود النّاس، وأشجع النّاس.
قال العراقي: رواه الشيخان؛ من حديث عائشة: ما مسّت يد رسول الله ﷺ يد امرأة إلّا امرأة يملكها. انتهى.
وأخرجه الترمذيّ، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود بألفاظ مختلفة؛ عن عائشة ﵂.
والمفهوم من هذه الأحاديث أنّه ﷺ لم تمسّ يده قطّ يد امرأة غير زوجاته، وما ملكت يمينه؛ لا في مبايعة ولا في غيرها، وإذا هو لم يفعل ذلك مع عصمته وانتفاء الرّيبة في حقّه، فغيره أولى بذلك؛ قاله في «شرح الإحياء» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه من حديث طويل؛ (عن أنس أيضا) رضي الله تعالى عنه:
(كان رسول الله ﷺ أحسن النّاس) صورة وسيرة.
(وأجود النّاس) بكلّ ما ينفع، كما أنّه أكملهم في سائر الأوصاف، فكان جوده يجمع أنواع الجود؛ من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لله في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم.
وكان جوده ﷺ كلّه لله تعالى، وفي ابتغاء مرضاته.
(وأشجع النّاس) أي: أقواهم قلبا، وأجرأهم في حال البأس، فكان الشجاع منهم الّذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ منهزما، ولا تحدّث عنه بفرار، وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي.
قال السيوطي: بل يؤخذ ذلك من النصّ القرآني كقوله يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ [٧٣/ التوبة] فكلّفه وهو فرد جهاد الكلّ؛ ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا
[ ٢ / ٤٠٨ ]
وكان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس.
وكان ﷺ أصبر النّاس على أقذار النّاس.
وعن خارجة بن زيد بن ثابت
وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة] ولا ضير في كون المراد هو ومن معه، إذ غايته أنه قوبل بالجمع، وذلك مفيد للمقصود. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ أرأف النّاس بالنّاس، وأنفع النّاس للنّاس، وخير النّاس للنّاس) هذا من المعلوم.
قال في «شرح الإحياء»: روينا في الجزء الأول من «فوائد أبي الدحداح»؛ من حديث علي رضي الله تعالى عنه- في صفة النبي ﷺ-: كان أرحم النّاس بالناس. الحديث. بطوله. انتهى.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات»؛ عن إسماعيل بن عيّاش بن سليم العنسي الشامي مرسلا؛ قال في العزيزي: وهو صحيح. قال:
(كان ﷺ أصبر النّاس) أي: أكثرهم صبرا (على أقذار النّاس)؛ أي:
ما يكون من قبيح فعلهم وسيّء قولهم، لأنه لانشراح صدره يتّسع لما تضيق عنه صدور العامّة، فكانت مساوىء أخلاقهم ومدانىء أفعالهم وسوء مسيرهم وقبح سيرتهم في جنب سعة صدره؛ كقطرة دم في قاموس اليمّ، وفيه شرف الصبر.
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» بسنده (عن) أبي زيد (خارجة بن زيد بن ثابت) بن الضّحاك بن زيد بن لوذان بن عمرو بن عبد عوف بن غنم بن مالك بن النّجّار الأنصاري النّجّاري المدني التابعي.
كان إماما بارعا في العلم، اتفقوا على توثيقه وجلالته، أدرك عثمان، وسمع أباه زيدا وعمّه يزيد، وأمّ العلاء الأنصاريّة، وأسامة بن زيد.
[ ٢ / ٤٠٩ ]
قال: دخل نفر على زيد بن ثابت
روى عنه سالم بن عبد الله والزّهريّ ويزيد بن عبد الله بن قسيط، وأبو الزناد وآخرون.
وهو أحد فقهاء المدينة السبعة الذين هم: ١- سعيد بن المسيب، و٢- عروة بن الزبير، و٣- القاسم بن محمد، و٤- عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، و٥- خارجة بن زيد، و٦- سليمان بن يسار. وفي السابع ثلاثة أقوال؛ فقيل: ٧- سالم بن عبد الله بن عمر، وقيل: ٧- أبو سلمة بن عبد الرحمن، وقيل: ٧- أبو بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام. وعلى هذا جمعهم الشاعر في قوله:
ألا كلّ من لّا يقتدي بأئمّة فقسمته ضيزى عن الحقّ خارجه
فخذهم عبيد الله عروة قاسم سعيد أبو بكر سليمان خارجه
توفي بالمدينة المنورة سنة: مائة، وقيل: سنة تسع وتسعين، وهو ابن سبعين سنة- بتقديم السين-.
خرّج له الجماعة رحمه الله تعالى.
(قال دخل نفر) - بفتحتين-: جماعة الرجال من ثلاثة إلى عشرة، وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه؛ بل من معناه؛ وهو رجل.
(على زيد بن ثابت) بن الضحاك الأنصاريّ.
الصحابيّ المشهور المدني. الفرضي الكاتب «كاتب الوحي والمصحف والمراسلات» .
أحد الأربعة الذين حافظوا القرآن على عهد المصطفى [ﷺ] «١»، وأحد الثلاثة
_________________
(١) المشهور أنّهم ثمانية. وفيهم يقول القائل: لقد حفظ القرآن عهد نبيّنا ثمانية عن جادة الحقّ ما مانوا أبيّ، أبو الدردا، معاذ، عبادة وزيد، أبو زيد، عليّ، وعثمان
[ ٢ / ٤١٠ ]
رضي الله تعالى عنه فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ.
قال: ماذا أحدّثكم؟
الذين جمعوا المصحف.
أعلم الصحابة بالفرائض، وكان عمره حين قدم رسول الله ﷺ المدينة إحدى عشرة سنة، وحفظ ستة عشر سورة قبل قدوم المصطفى ﷺ المدينة مهاجرا.
واستصغره النبيّ ﷺ يوم بدر فردّه، وشهد أحدا، وقيل: لم يشهدها، وشهد الخندق وما بعدها من المشاهد مع رسول الله ﷺ.
وكان يكتب لأبي بكر وعمر بن الخطاب في خلافتهما، وكان عمر يستخلفه إذا حجّ، وكان معه حين قدم الشام، وهو الذي تولّى قسمة غنائم اليرموك، وكان عثمان يستخلفه إذا حجّ، وكان من الراسخين في العلم، وكان على بيت المال لعثمان. وأحواله كثيرة مشهورة.
روي له عن رسول الله ﷺ اثنان وتسعون حديثا؛ اتفقا منها على خمسة، وانفرد البخاريّ بأربعة، ومسلم بحديث.
روى عنه جماعات من الصحابة؛ منهم: ابن عمر، وابن عبّاس، وأنس، وأبو هريرة. وخلائق من كبار التابعين، منهم ابن المسيب، وسليمان وعطاء: إبنا يسار.
وتوفي بالمدينة المنورة سنة: أربع وخمسين. وقيل غير ذلك.
ولما دفن قال الحبر ابن عباس: هذا ذهاب العلماء! دفن اليوم علم كثير.
(رضي الله تعالى عنه.
فقالوا له: حدّثنا أحاديث رسول الله ﷺ)، كأنهم سألوه أن يحدّثهم أحاديث الشمائل فاستعظم التحديث فيها؛ فلذلك (قال: ماذا أحدّثكم) كأنّ شمائله لا يحاط بها، وإن انتهى بها المحدّث إلى أقصى الغاية، ولذلك لم يتعاط أكابر
[ ٢ / ٤١١ ]
كنت جاره، فكان إذا نزل عليه الوحي.. بعث إليّ فكتبته له، فكنّا إذا ذكرنا الدّنيا.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الآخرة.. ذكرها معنا، وإذا ذكرنا الطّعام
الشعراء كأبي تمّام ونحوه مدحه وذكر شمائله، لعلمهم باستغنائه عن ذلك، واستشعارهم من أنفسهم العجز عن الوفاء بحقّه فيه، فهو الحقيق بقول القائل:
تجاوز قدر المدح حتّى كأنّه بأحسن ما يثنى عليه يعاب
فكلّ علوّ في حقّه تقصير، فلا يمكن أحد الإحاطة بها، بل ولا ببعضها من حيث الحقيقة والكمال، فالاستفهام تعجّب أفادهم به ردّ ما وقع في خاطرهم من طلب الإحاطة بها، لكن لمّا كان من المقرّر أنّ ما لا يدرك كلّه لا يترك كلّه أفادهم بعضا منها على وجه يدلّ على غاية ضبطه وإتقانه لمرويّه؛ فقال:
(كنت جاره) أي: فأنا أعرف بأحواله وأخبر بأسراره، (فكان إذا نزل عليه الوحي بعث إليّ)؛ أي: لكتابة الوحي غالبا، كما يدلّ عليه قوله (فكتبته) أي:
الوحي (له)، فهو من جملة كتبة الوحي، بل هو أجلّهم «١» وهم تسعة؛ ١- زيد المذكور، ٢- وعثمان، ٣- وعلي، ٤- وأبيّ، ٥- ومعاوية، ٦- وخالد بن سعيد، و٧- حنظلة بن الربيع، و٨- والعلاء بن الحضرمي، و٩- أبان بن سعيد.
(فكنّا) معاشر الصحابة (إذا ذكرنا الدّنيا) ذما أو مدحا، لكونها مزرعة الآخرة ومحلّ الاعتبار لأرباب المعرفة؛ (ذكرها معنا) أي: ذكر الأمور المتعلّقة بالدنيا المعينة على أمور الآخرة، كالجهاد وما يتعلّق به؛ من المشاورة في أموره.
(وإذا ذكرنا الآخرة ذكرها معنا)، وبيّن لنا تفاصيل أحوالها، وما يترتّب عليها من الأمور المرغّبة والمرهّبة وغيرها.
(وإذا ذكرنا الطّعام)، أي: ضرره ونفعه، وآداب أكله، وبيان أنواعه من
_________________
(١) في مضمار الكتابة، وإلا فلا خلاف أن عثمان وعليا أفضل منه!.
[ ٢ / ٤١٢ ]
ذكره معنا، فكلّ هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ؟!.
وكان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر بين يديه أحيانا، ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة، ويضحكون، فيتبسّم هو إذا ضحكوا، ولا يزجرهم إلّا عن حرام.
المأكولات والمشروبات والفواكه وسائر المستلذّات (ذكره معنا)، وأفاد ما في كلّ واحد من الحكم المتعلّقة به، وما يتعلق به من منفعته ومضرّته؛ كما يعرف من الطبّ النبوي، وإنما ذكر معهم الدنيا والطعام!! لأنه قد يقترن به فوائد علميّة وأدبية، على أن فيه بيان جواز تحدّث الكبير مع أصحابه في المباحات.
(فكلّ) - الرواية بالرفع، لكنه لا يمتنع جواز النصب؛ على أنه مفعول مقدّم «أحدّثكم»، بل هو أولى لاستغنائه عن الحذف-.
(هذا أحدّثكم عن رسول الله ﷺ؟!) لتتفقّهوا في الدين فترفعوا إلى درجات المقربين!! وإنما ذكر هذا ليؤكد به اهتمامه بالحديث.
(و) في «الإحياء»: (كان أصحاب رسول الله ﷺ يتناشدون الشّعر)؛ أي يرادّ بعضهم بعضا الأشعار الجائزة. والتّناشد والمناشدة مرادّة البعض على بعض شعرا (بين يديه أحيانا) فيسمعهم، (ويذكرون أشياء من أمر الجاهليّة)، وهي الحالة التي كانت عليها العرب قبل الإسلام من الجهل بالله ورسوله وشرائع الإسلام.
(ويضحكون؛ فيتبسّم هو إذا ضحكوا) ولا يزيد على ذلك، (ولا يزجرهم إلّا عن حرام) . ويؤخذ منه حلّ إنشاد الشعر، واستماعه؛ إذا كان لا فحش فيه، وإن اشتمل على ذكر أيّام الجاهلية، ووقائعهم في حروبهم، ومكارمهم ونحو ذلك.
وهذا الحديث رواه الترمذي في «الشمائل»؛ عن جابر بن سمرة دون قوله «ولا يزجرهم إلا عن حرام» . وروى مسلم بعضا منه.
ورواه البيهقيّ في «الدلائل»؛ كلاهما عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه
[ ٢ / ٤١٣ ]
وكان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه، وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم.
ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه.
باختلاف في الألفاظ.
(و) في «الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ أكثر النّاس تبسّما وضحكا في وجوه أصحابه وتعجّبا ممّا تحدّثوا به، وخلطا لنفسه بهم) .
روى الترمذيّ؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ.
وفي «الصحيحين»؛ من حديث جرير: ولا رآني إلّا تبسّم.
وللترمذي في «الشمائل»؛ من حديث علي: يضحك مما يضحكون منه، ويتعجّب مما يتعجّبون منه.
ولمسلم؛ من حديث جابر بن سمرة: كانوا يتحدّثون في أمر الجاهلية فيضحكون ويتبسّم.
(ولربّما ضحك حتّى تبدو نواجذه)؛ أي: أضراسه. وقيل: أربع آخر الأسنان، كلّ منهم يسمى «ضرس العقل»، لأنه لا ينبت إلّا بعد البلوغ. وقيل:
أنيابه. وقيل: ضواحكه.
وفي «القاموس»: هي أقصى الأسنان، أو الأنياب، أو التي على الأنياب؛ أو الأضراس.
قيل: ضحكه إلى أن يبدو آخر أسنانه بعيد من شيمته، فلذا قيل: المراد المبالغة في كون ضحكه هذا فوق ما كان يصدر.
ويؤيده قول الجوهريّ «حتّى بدت نواجذه» إذا استغرب منه، وقد جاء ذلك في المتفق عليه؛ من حديث ابن مسعود في قصّة «آخر من يخرج من النار» . وفي قصّة الحبر الّذي قال «إنّ الله يضع السماوات على إصبع» . ومن حديث أبي هريرة
[ ٢ / ٤١٤ ]
وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له.
قالوا: وقد جاءه أعرابيّ يوما؛ وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد أن يسأله، فقالوا: لا تفعل يا أعرابيّ، فإنّا ننكر لونه. فقال: دعوني، فو الّذي بعثه بالحقّ نبيّا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم. فقال: يا رسول الله؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني:
الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد وقد هلكوا جوعا.. أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب في ثريده حتّى إذا تضلّعت شبعا.. آمنت بالله وكفرت به؟!
قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه.
قصة «المجامع في رمضان» وغير ذلك.
وفي كلّ ذلك دليل على أنّ الضحك في مواطن التعجّب؛ سيما ما هو في مثل تعجّبه ﷺ لا يكره، ولا يخرم المروءة؛ إذا لم يجاوز به الحدّ المعتاد.
(وكان ضحك أصحابه عنده التّبسّم؛ اقتداء به، وتوقيرا له) . رواه الترمذيّ في «الشمائل»؛ من حديث هند بن أبي هالة في أثناء حديثه الطويل.
(قالوا: وقد جاءه أعرابيّ)؛ أي: من سكّان البادية (يوما وهو ﷺ متغيّر اللّون ينكره أصحابه، فأراد) ذلك الأعرابيّ (أن يسأله) في شيء، (فقالوا:
لا تفعل يا أعرابيّ؛ فإنّا ننكر لونه. فقال: دعوني؛ فو الّذي بعثه بالحقّ نبيا؛ لا أدعه حتّى يتبسّم. فقال: يا رسول الله؛؛ بلغنا أنّ المسيح- يعني الدّجّال- يأتي النّاس بالثّريد؛ وقد هلكوا جوعا!! أفترى لي- بأبي أنت وأمّي- أن أكفّ عن ثريده تعفّفا وتنزّها حتّى أهلك هزالا، أم أضرب) بيدي (في ثريده حتّى إذا تضلّعت) أي: امتلأت (شبعا آمنت بالله) وحده، (وكفرت به؟!) - يعني الدجال-.
(قالوا: فضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه. ثمّ قال: «لا، بل يغنيك
[ ٢ / ٤١٥ ]
ثمّ قال: «لا، بل يغنيك الله بما أغنى به المؤمنين» .
وكان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه، وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا» .
وكان ﷺ إذا فقد الرّجل من إخوانه ثلاثة أيّام..
سأل عنه، فإن كان غائبا.. دعا له، وإن كان شاهدا.. زاره، وإن كان مريضا.. عاده.
الله بما أغنى به المؤمنين») .
قال العراقي: وهو حديث منكر، لم أقف له على أصل!.
ويردّه قوله ﷺ في المتفق عليه؛ من حديث المغيرة بن شعبة؛ حين سأله:
إنّهم يقولون: إنّه معه جبل خبز ونهر ماء!!: قال: «هو أهون على الله من ذلك» .
وفي رواية لمسلم: يقولون معه جبال من خبز ولحم الحديث!! نعم، في حديث حذيفة وأبي مسعود المتفق عليهما: أنّ معه ماء ونارا الحديث.
(و) في «كشف الغمّة» للشعراني ﵀: (كان ﷺ يتلطّف بخواطر أصحابه، ويتفقّد من انقطع منهم عن مجلسه) بالسّؤال عنه، فإن كان غائبا؛ دعا له، وإن كان مريضا؛ عاده- كما سيأتي-.
(وكثيرا ما يقول لأحدهم: «لعلّك يا أخي وجدت منّي، أو من إخواننا شيئا») يغضبك؟!!
(و) أخرج أبو يعلى- بإسناد ضعيف- عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا فقد) - بالبناء للفاعل- (الرّجل من إخوانه) - أي: لم يره- (ثلاثة أيّام سأل عنه، فإن كان غائبا)، أي: مسافرا (دعا له، وإن كان شاهدا) أي: حاضرا بالبلد (زاره، وإن كان مريضا عاده)، لأن الإمام
[ ٢ / ٤١٦ ]
وكان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة؛ حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه.
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من البشاشة؛ حتّى يظنّ أنّه أكرم النّاس عليه.
وعن عمرو بن العاصي
عليه النّظر في حال رعيّته، وإصلاح شأنهم وتدبير أمرهم.
وأخذ منه أنّه ينبغي للعالم إذا غاب بعض الطلبة فوق المعتاد أن يسأل عنه، فإن لم يخبر عنه بشيء أرسل إليه، أو قصد منزله بنفسه وهو أفضل، فإن كان مريضا عاده، أو في غمّ خفّفه عليه، أو في أمر يحتاج لمعونة أعانه، أو مسافرا تفقّد أهله، وتعرّض لحوائجهم ووصلهم بما أمكن، وإلّا تودّد إليه ودعا له.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ يقبل على أصحابه بالمباسطة) بالكلام وطلاقة الوجه وإظهار التودّد لهم، (حتّى يظنّ كلّ منهم أنّه أعزّ عليه من جميع أصحابه) .
وسيأتي ما يؤيّده ويشهد له؛ من حديث عمرو بن العاصي رضي الله تعالى عنه.
(و) في «كشف الغمّة» أيضا: (كان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه)؛ أي: حظّه (من البشاشة) أي: طلاقة الوجه والإقبال عليه، (حتّى يظنّ)؛ أي:
جليسه (أنّه أكرم النّاس عليه) ﷺ، لما يرى من ملاطفته له ومؤانسته، وذلك من كمال خلقه ﷺ.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده؛ (عن) أبي عبد الله- ويقال: أبو محمد- (عمرو بن العاصي) - الجمهور على كتابته بالياء؛ وهو الفصيح عند أهل العربية. ويقع في كثير من كتب الحديث والفقه؛ أو أكثرها بحذف الياء، وهي لغة.
[ ٢ / ٤١٧ ]
رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه وحديثه على أشرّ القوم يتألّفهم بذلك،
أسلم عام خيبر أوّل سنة سبع، وقيل: أسلم في صفر سنة ثمان؛ قبل الفتح بستّة أشهر، وقيل غير ذلك.
وقدم على رسول الله ﷺ هو وخالد بن الوليد وعثمان بن طلحة فأسلموا، ثمّ أمّره رسول الله ﷺ في غزوة ذات السلاسل على جيش هم ثلاثمائة، فلما دخل بلادهم استمدّه فأمدّه بجيش من المهاجرين الأوّلين؛ فيهم أبو بكر وعمر، وأميرهم أبو عبيدة بن الجرّاح ﵃، وقال لأبي عبيدة: لا تختلفا.
وكان عمرو من دهاة العرب وأبطالهم، وكان قصيرا وذا رأي.
وكانت وفاته ليلة عيد الفطر سنة: ثلاث وأربعين بمصر؛ وهو وال عليها ودفن بها؛ وعمره سبعون سنة. وصلّى عليه ابنه عبد الله.
روي له عن رسول الله ﷺ سبعة وثلاثون حديثا؛ اتفقا على ثلاثة، ولمسلم حديثان، وللبخاريّ بعض حديث.
روى عنه أبو عثمان النّهدي، وقيس بن أبي حازم، وعروة بن الزّبير وغيرهم (رضي الله تعالى عنه، قال: كان رسول الله ﷺ يقبل بوجهه) على حدّ «رأيته بعيني» . (وحديثه) . الإقبال بالحديث معناه: جعل الكلام مع المخاطب وقصده به؛ فهو معنويّ والأوّل حسي (على أشرّ القوم) الكثير حذف الهمزة من «أشر»، واستعماله بها لغة رديئة؛ أو قليلة. قال في «الكافية» لابن مالك:
وغالبا أغناهم خير وشرّ عن قولهم أخير منه وأشرّ
(يتألّفهم) أي: الأشرّ، وإنّما أتى بضمير الجمع!! لأنّه جمع في المعنى، (بذلك) الإقبال المفهوم من الفعل، وإنّما كان يتألّفهم بذلك!! ليثبتوا على الإسلام، أو لاتقاء شرّهم، فاتقاء الشرّ بالإقبال على أهله والتبسّم في وجههم جائز، وأمّا الثناء عليهم!! فلا يجوز، لأنّه كذب صريح.
[ ٢ / ٤١٨ ]
فكان يقبل بوجهه وحديثه عليّ حتّى ظننت أنّي خير القوم. فقلت:
يا رسول الله؛ أنا خير، أو أبو بكر؟ فقال: «أبو بكر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟! فقال: «عمر» .
فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟ فقال: «عثمان» .
فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني.. فلوددت أنّي لم أكن سألته.
ولا ينافي هذا استواء صحبه في الإقبال عليهم- على ما سبق-!! لأن ذلك حيث لا ضرورة تحوج إلى التخصيص، وتخصيص الأشرّ بالإقبال عليه لضرورة تأليفه.
ومن فوائده أيضا: حفظ من هو خير عن العجب والكبر.
(فكان)؛ لعظم تألّفه وحسن معاشرته وكريم أخلاقه (يقبل بوجهه وحديثه عليّ) - بتشديد الياء-، (حتّى ظننت) من كثرة إقباله (أنّي خير القوم) .
وسبب ذلك أنه كان حديث عهد بالإسلام، ومن رؤساء قومه.
قال الحافظ العراقيّ:
يجالس الفقير والمسكينا ويكرم الكرام إذ يأتونا
ليس مواجها بشيء يكرهه جليسه بل بالرّضا يشافهه
(فقلت: يا رسول الله) أي: بناء على ظنّه وتردّده في بعض أكابر الصحب.
(أنا خير، أو أبو بكر؟ فقال: «أبو بكر» . فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عمر؟ فقال: «عمر»، فقلت: يا رسول الله؛ أنا خير، أم عثمان؟ فقال:
«عثمان» . فلمّا سألت رسول الله ﷺ فصدقني) - بتخفيف الدال- أي: أجابني بالصدق من غير مراعاة ومداراة؛ (فلوددت) - بكسر الدال واللام للقسم- أي:
أحببت وتمنّيت (أنّي لم أكن سألته)، وإنّما ودّ ذلك!! لأنه قبل السؤال كان يظنّ إقباله عليه لخيريّته، فلما سأله بان له أن إقباله عليه إنّما هو للتألّف، فندم لذلك.
[ ٢ / ٤١٩ ]
وكان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه، حتّى كأنّ مجلسه وسمعه وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه للجالس إليه.
ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة.
قال تعالى: فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] .
وفيه أنّه ينبغي للشخص ألايسأل عن شيء إلّا بعد تحقّق أمره والتثبت فيه، لأنّه ربّما ظهر خطؤه فيفتضح حاله.
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ يعطي كلّ من جلس إليه نصيبه من وجهه)؛ بالإقبال عليه، (حتّى كأنّ) - بالتشديد- (مجلسه وسمعه) بالإصغاء، (وحديثه ولطيف محاسنه وتوجّهه)؛ كلّ ذلك (للجالس إليه، ومجلسه مع ذلك مجلس حياء وتواضع وأمانة) .
قال في «شرح الإحياء»: رواه الترمذيّ في «الشمائل»؛ في حديث عليّ الطويل. وفيه: ويعطي كلّ جلسائه نصيبه؛ لا يحسب جليسه أنّ أحدا أكرم عليه منه، وفيه: ومجلسه مجلس حلم وحياء وصبر وأمانة.
(قال) الله (تعالى) ممتنّا عليه في كتابه العزيز (فَبِما رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ) [١٥٩/ آل عمران] «ما» زائدة للتأكيد، أي: فبرحمة. وقيل: نكرة موصوفة، و«رحمة» بدل من «ما» (لِنْتَ لَهُمْ) - أي: سهلت أخلاقك لهم- (وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا) - أي: سيّء الخلق- (غَلِيظَ الْقَلْبِ) - أي: قاسيه على الخلق- (لَانْفَضُّوا) - أي: تفرقوا- (مِنْ حَوْلِكَ) ولم ينتفعوا بقولك.
والمعنى: أنّك لو كنت فظّا غليظ القلب انفضوا عنك، أي: تفرّقوا ولم يجتمعوا عليك، ولكن بلين جانبك لهم؛ وشفقتك عليهم تؤلّف قلوبهم، وتزيد محبّتهم. وهذا امتنان عليه بما جبله الله عليه من الأخلاق الحسنة.
[ ٢ / ٤٢٠ ]
وكان ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه بشيء يكرهه.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه، عن رسول الله ﷺ: أنّه كان عنده رجل به أثر صفرة
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الأدب المفرد»، وأبو داود، والنسائي في «اليوم والليلة» بسند حسن؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يواجه أحدا في وجهه) - يعني: لا يشافهه- (بشيء يكرهه)، لئلا يشوّش عليه، ولأن مواجهته ربّما تفضي إلى الكفر، لأن من يكره أمره ويأبى امتثاله عنادا؛ أو رغبة عنه: يكفر. وفيه مخافة نزول العذاب.
والبلاء إذا نزل قد يعمّ، ففي ترك المواجهة مصلحة، وقد كان واسع الصّدر جدّا غزير الحياء.
ومنه أخذ بعض أكابر السلف أنّه ينبغي إذا أراد أن ينصح أخا له أن يكتب له في لوح ويناوله له؛ كما في «الشّعب» .
فينبغي للرجل ألايذكر لصاحبه ما يثقل عليه، ويمسك عن ذكر أهله وأقاربه، ولا يسمعه قدح غيره فيه، وكثير من الناس يتقرّب لصاحبه بذلك، وهو خطأ ينشأ عن مفاسد، ولو فرض فيه مصالح؛ فلا توازي مفاسده، ودرؤها أولى.
نعم؛ ينبّهه بلطف على ما يقال فيه، أو يراد به؛ ليحذر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه) - وهو الحديث المتقدّم آنفا- ورواته رواته مع اختلاف في الألفاظ- وهذا لفظ «الشمائل»:
(عن رسول الله ﷺ أنّه) - أي الحال، والشأن- (كان عنده) أي: عند رسول الله ﷺ (رجل به أثر) أي: عليه بقيّة (صفرة) من زعفران؛ أو ورس.
[ ٢ / ٤٢١ ]
قال: وكان رسول الله ﷺ لا يكاد يواجه أحدا بشيء يكرهه، فلمّا قام.. قال للقوم: «لو قلتم له يدع هذه الصّفرة» .
قال الباجوريّ: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي ما ثبت عن عبد الله بن عمرو بن العاصي أنّه قال: رأى رسول الله ﷺ عليّ ثوبين معصفرين فقال: «إنّ هذين من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
(قال) أي: أنس (: وكان رسول الله ﷺ) غالبا من عادته (لا يكاد يواجه)؛ أي: لا يقرب من أن يقابل، والمواجهة بالكلام المقابلة به لمن حضر، وهذا لتضمّنه نفي القرب من المواجهة أبلغ من قوله «لا يواجه»، فالمعنى: لا يقرب من أن يقابل (أحدا) من المسلمين؛ بخلاف الكفّار، فكان يغلظ عليهم باللّسان والسّنان؛ امتثالا لأمر الرحمن (بشيء) من أمر؛ أو نهي (يكرهه) ذلك الأحد، فالضمير المستتر في «يكره» للأحد، والبارز للشيء. (فلمّا قام) أي: الرجل من المجلس؛ (قال)؛ أي المصطفى ﷺ (للقوم)؛ أي: أصحابه الحاضرين في المجلس: («لو قلتم له يدع) - أي: يترك- (هذه الصّفرة» !!) لكان أحسن، لأن فيها نوع تشبّه بالنساء، ولعل ذلك كان مباحا، وإلّا لما أخّر أمره بتركه لمفارقة المجلس، وجواب «لو» محذوف كما قدّرناه؛ بناء على أنها شرطيّة، ويحتمل أن «لو» للتمنّي؛ فلا جواب لها. والله أعلم.
(قال) العلّامة شيخ الإسلام إبراهيم (الباجوريّ) رحمه الله تعالى في حاشيته على «الشمائل الترمذية»: (والمراد أنّه لا يكاد يواجه أحدا بمكروه غالبا، فلا ينافي) . قال ملا علي قاري في «جمع الوسائل»: وقيّدنا بغالب عادته!! لئلا ينافيه (ما ثبت) في «صحيح مسلم» وغيره (عن عبد الله بن عمرو بن العاصي) رضي الله تعالى عنهما (أنّه قال:
رأى رسول الله ﷺ عليّ) - بتشديد المثناة التحتية- (ثوبين معصفرين؛ فقال:
«إنّ هذين) - أي: الثوبين- (من ثياب الكفّار، فلا تلبسهما» .
[ ٢ / ٤٢٢ ]
وفي رواية: قلت: أغسلهما؟ قال: «بل أحرقهما» .
ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على الزّجر.
وهذا يدلّ على ما عليه بعض العلماء من تحريم المعصفر، والجمهور
وفي رواية) لمسلم أيضا: رأى النبيّ ﷺ عليّ ثوبين معصفرين؛ فقال:
«أمّك أمرتك بهذا» !! (قلت: أغسلهما؟! قال: «بل احرقهما» . ولعلّ الأمر بالإحراق محمول على) التغليظ و(الزّجر) له ولغيره؛ عن تعاطي مثل هذا الفعل نظير أمر تلك المرأة التي لعنت الناقة بإرسالها، وأمر أصحاب بريرة ببيعها وأنكر عليهم اشتراط الولاء ونحو ذلك.
(وهذا) أي: النهي عن لبس المعصفر (يدلّ على ما) جرى (عليه بعض العلماء)؛ كالحليمي وصوّبه في «الروضة»، وجزم به في «الأنوار»، ومال إليه في «شرح مسلم»، ومال إليه شيخ الإسلام زكريا الأنصاري؛ واعتمده ابن حجر في «التحفة»؛ وفي «شرح بافضل»؛ (من تحريم) لبس (المعصفر) سواء صبغ قبل نسجه؛ أم بعده- كما في «التحفة» أخذا بإطلاقهم، كما صحّت به الأحاديث، واختاره البيهقيّ وغيره، ولم يبالوا بنصّ الشافعي على حلّه؛ تقديما للعمل بوصيته بالعمل بالأحاديث الصحيحة، كما لم يبالوا بكون جمهور العلماء على حلّه المذكور في قوله:
(والجمهور) من علماء الصحابة والتابعين ومن بعدهم؛ قالوا بإباحة المعصفر، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، ومالك، كما في «شرح مسلم»؛ لكنه قال: غيره أفضل منه.
وجرى الرّملي في «النهاية» والخطيب في «المغني» «١» وغيرهما على حلّه
_________________
(١) مغني المحتاج شرح المنهاج.
[ ٢ / ٤٢٣ ]
على كراهته) انتهى.
وكان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه،..
مطلقا، أي: سواء صبغ قبل النسج؛ أم بعده!!
وجرى جماعة من العلماء (على كراهته) كراهة تنزيه، وعليه كثير من المتأخّرين أرباب الحواشي؛ كالشبراملسي، والجمل، والبجيرمي على «الإقناع»، والباجوريّ، والشرقاوي.
قال في «شرح مسلم»: وحملوا النهي على هذا، لأنه ثبت أنّ النبي ﷺ لبس حلّة حمراء.
وفي «الصحيحين»؛ عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
رأيت النبي ﷺ يصبغ بالصفرة. وقال الخطّابي: النهي منصرف إلى ما صبغ من الثياب بعد النسج، فأمّا ما صبغ غزله ثم نسج؛ فليس بداخل في النهي.
انتهى.
وفي «الإمداد» للعلامة ابن حجر رحمه الله تعالى: ومحلّ الحرمة إذا صبغ بعد النسج لا قبله، وعليه حمل اختلاف الأحاديث في ذلك، ويحمل عليه اختلاف نصّ الشافعي إلخ، وعليه جرى في «فتح الجواد» .
وأقرّ زكريا في «أسنى المطالب» أقرّ الزركشي على ذلك، لكن ردّه في «التحفة» بمخالفته لإطلاقهم الصريح في الحرمة مطلقا؛ نقله الكردي.
قال في «شرح مسلم»: وحمل بعض العلماء النهي على المحرم بالحجّ؛ أو العمرة، ليكون موافقا لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: نهى المحرم أن يلبس ثوبا مسّه ورس؛ أو زعفران، والله أعلم (انتهى) أي: كلام الباجوري رحمه الله تعالى.
(و) في «كشف الغمّة» للشعراني رحمه الله تعالى: (كان رسول الله ﷺ لا يواجه أحدا بمكروه)؛ أي: لا يخاطبه شفاها، ويقول له في وجهه شيئا
[ ٢ / ٤٢٤ ]
ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا.
وكان ﷺ إذا بلغه عن الرّجل الشّيء.. لم يقل:
«ما بال فلان يقول؟!» . ولكن يقول: «ما بال أقوام يقولون..
كذا وكذا؟!» .
وكانت معاتبته ﷺ تعريضا: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..؟!»
يكرهه. (ولا يتعرّض في وعظه لأحد معيّن، بل يتكلّم خطابا عامّا)، لحصول الفائدة فيه لكل سامع، مع ما فيه من حصول المواراة والستر عن الفاعل وتأليف القلوب.
(و) أخرج أبو داود بإسناد صحيح؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا بلغه عن الرّجل)، ذكر الرجل وصف طرديّ؛ والمراد الإنسان (الشّيء) الّذي يكرهه (لم يقل ما بال فلان) باسمه المعيّن (يقول) كذا، والظاهر أن المراد بالقول ما يشمل الفعل، (ولكن) استدراك أفاد أن من شأنه ألايشافه أحدا معيّنا حياء منه، بل (يقول) منكرا عليه ذلك (: «ما بال أقوام) - أي: ما شأنهم- (يقولون.. كذا وكذا») إشارة إلى ما أنكره؛ وهذا هو المعروف من خطبه ﷺ أنّه إذا كره شيئا فخطب له؛ ذكر كراهيته، ولا يعيّن فاعله.
وهذا من عظيم خلقه ﷺ، فإن المقصود من ذلك الشخص وجميع الحاضرين وغيرهم ممن يبلغه ذلك، ولا يحصل توبيخ صاحبه في الملأ. انتهى «شرح مسلم» .
(وكانت معاتبته ﷺ تعريضا)، وهو أبلغ وأعمّ نفعا، كقوله في حقّ موالي بريرة حين اشترطوا الولاء لهم (: «ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله تعالى..!؟) - أي: ليس لها أصل في كتاب الله تعالى- ما كان من شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل؛ وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحقّ،
[ ٢ / ٤٢٥ ]
ونحو ذلك. وكان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق.. لم يدع أحدا يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق.
وكان ﷺ لا يأخذ بالقرف، ولا يقبل قول أحد على أحد.
وشرط الله أوثق، ما بال رجال منكم يقول أحدهم «أعتق فلانا والولاء لي! إنّما الولاء لمن أعتق؟!» . ذكره في «الصحيحين» . وهذا لفظ مسلم.
(ونحو ذلك)؛ كقوله في حقّ النفر الذين سألوا أزواج النبي ﷺ عن عمله في السرّ، فقال بعضهم: لا أتزوّج النساء. وقال بعضهم: لا آكل اللحم. وقال بعضهم: لا أنام على فراش. فحمد الله وأثنى عليه، فقال:
«ما بال أقوام قالوا كذا وكذا!!. لكنّي: «أصلّي وأنام، وأصوم وأفطر، وأتزوّج النّساء، فمن رغب عن سنّتي فليس منّي» . ذكره مسلم.
(و) في «كشف الغمة» للشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ إذا رأى إنسانا يفعل ما لا يليق لم يدع أحدا) من الناس (يبادر إلى الإنكار عليه حتّى يتثبّت في أمره، ويعلّمه الأدب برفق)، وهذا من عظيم خلقه ﷺ.
(و) أخرج أبو داود في «مراسيله»؛ عن الحسن بن علي، وأبو نعيم في «الحلية» بإسناد ضعيف:
(كان) رسول الله (ﷺ لا يأخذ) أحدا (بالقرف) - بفتح القاف وسكون الراء وفاء- أي: بالتهمة، والأخذ مجاز عن العقوبة، من: أخذه السلطان: إذا حبسه وجازاه على ما صدر منه.
(ولا يقبل قول أحد على أحد)؛ أي: لا يقبل كلام أحد في حقّ أحد، سواء ترتّبت عليه المؤاخذة؛ أم لا، فهو تعميم بعد تخصيص.
[ ٢ / ٤٢٦ ]
و(القرف): التّهمة.
وكان ﷺ كثيرا ما يقول: «لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا، فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم وأنا سليم الصّدر» .
وكان ﷺ إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره.. قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا ولا تعسّروا» .
وذلك وقوفا مع العدل، لأن ما يترتّب عليه موقوف على ثبوته عنده بطريقه المعتبر.
(والقرف) - بفتح القاف وسكون الراء وآخره فاء- هو (: التّهمة) وإسناد الذنب لغيره.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء»: (كان ﷺ كثيرا ما يقول:
«لا تبلّغوني عن أصحابي إلّا خيرا) . هذا نهي عامّ عن الغيبة والنميمة، ونقل ما يكره نقله من قول؛ أو فعل؛ أو ترك.
(فإنّي أحبّ أن أخرج إليكم؛ وأنا سليم الصّدر») سلامة الصدر كناية عن كونه ليس في قلبه بغض لأحد، ولا غضبان على أحد. قال العراقي: رواه أبو داود، والترمذيّ؛ من حديث ابن مسعود، وقال: غريب من هذا الوجه. ورواه كذلك أحمد، والبيهقيّ. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) أخرج مسلم في «صحيحه» في «المغازي»، وأبو داود في «الأدب»؛ عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا بعث) أي: أرسل (أحدا من أصحابه في بعض أمره) أي: مصالحه كأن أمّره على جيش أمره بالتسهيل على الناس وعدم التشديد المقتضي لتنفيرهم، (قال: «بشّروا ولا تنفّروا، ويسّروا، ولا تعسّروا») «١» أي: سهّلوا الأمور، ولا تنفّروا الناس بالتعسير والتشديد.
_________________
(١) انظر ما عن هذا الحديث في المجلد الرابع من هذا الكتاب فصل: (حرف الباء) .
[ ٢ / ٤٢٧ ]
وكان ﷺ إذا لقي أصحابه.. لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم.
وكان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه.. صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها.
لأن من أخلاقه ﷺ أنّه ما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما ما لم يكن إثما، فينبغي لأمّته أن يتخلّقوا بأخلاقه، وفي مقدّمتهم أصحابه ﷺ.
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»؛ عن جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا لقي أصحابه لم يصافحهم حتّى يسلّم عليهم)؛ تعليما لمعالم الديانة ورسوم الشريعة، وحثّا لهم على لزوم ما خصّت به هذه الأمة من هذه التحية العظمى التي هي تحيّة أهل الجنة في الجنة؛ فيندب تقديم السلام على المصافحة.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء»: (كان ﷺ إذا لقي أحدا من أصحابه صافحه، ثمّ أخذ بيده فشابكه، ثمّ شدّ قبضته عليها) أي: على يده.
قال بعض الشيوخ: أراد بذلك زيادة المحبّة، وتأكّدها؛ قاله في «شرح الإحياء» .
قال ملا علي قاري في «شرح الشفاء»: صفة المصافحة وضع بطن الكفّ على بطن أخرى عند التلاقي مع ملازمة ذلك على قدر ما يقع من السلام، أو من السؤال والكلام إن عرض لها، وأما اختلاف اليد في أثر التلاقي؛ فهو مكروه. انتهى.
وقال في «شرح الإحياء»: روى أبو داود؛ من حديث أبي ذر ﵁، وسأله رجل من عنزة: هل كان رسول الله ﷺ يصافحكم إذا لقيتموه؟ قال: ما لقيته قطّ إلّا صافحني الحديث.
وروّينا في «علوم الحديث» للحاكم؛ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: شبك بيدي أبو القاسم ﷺ.
[ ٢ / ٤٢٨ ]
وكان ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام معه..
قام معه، ولم ينصرف حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه، وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول يده.. ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزع يده منه، وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول أذنه- أي: ليكلّمه سرّا-.. ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه؛ أي: لا ينحّي أذنه عن فمه حتّى يفرغ الرّجل من حديثه.
وهو عند مسلم بلفظ: أخذ رسول الله ﷺ بيدي.
وقد وقع لنا مسلسلا بالمشابكة، كما وقع لنا في بعض طرق المصافحة؛ مسلسلا بقبض اليد. انتهى.
(و) أخرج ابن سعد في «الطبقات»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا لقيه أحد من أصحابه فقام) أي: ذلك الصحابي؛ أي: وقف (معه) أي: مع النبي ﷺ (قام) أي: وقف النبي ﷺ (معه)؛ أي:
مع ذلك الصحابي (ولم ينصرف) ﷺ، ويهمله، (حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينصرف عنه) ﷺ، وذلك من كمال الرّفق بأصحابه.
(وإذا لقيه أحد من أصحابه فتناول)؛ أي: ذلك الصحابي (يده) ﷺ ليصافحه (ناوله إيّاها، فلم ينزع يده منه)؛ وإن طال الزمن، (حتّى يكون الرّجل هو الذي ينزع يده منه) ﷺ. زاد ابن المبارك في رواية أنس: ولا يصرف وجهه عن وجهه حتّى يكون الرجل هو الذي يصرفه.
(وإذا لقي أحدا من أصحابه فتناول)؛ أي: ذلك الصحابي (أذنه) ﷺ (أي) قرّب فمه منها (ليكلّمه سرّا)؛ قاله العزيزي، (ناوله إيّاها؛ ثمّ لم ينزعها عنه حتّى يكون الرّجل هو الّذي ينزعها عنه) .
قال في العزيزي: (أي لا ينحّي أذنيه) ﷺ (عن فمه)؛ أي: الرجل (حتّى يفرغ) ذلك (الرّجل من حديثه) على الوجه الأكمل، وهذا من أعظم الأدلّة على
[ ٢ / ٤٢٩ ]
وكان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه.. مسحه ودعا له.
محاسن أخلاقه وكماله ﷺ؛ كيف وهو سيّد المتواضعين، وهو القائل «وخالق النّاس بخلق حسن» !!؟
فائدة: سئل العلّامة المحقّق برهان الدين إبراهيم بن حسن الكوراني المدني رحمه الله تعالى عمّا اعتاده المصلّون جماعة في المساجد وغيرها من المصافحة خلف الصّلوات المكتوبة؟
فأجاب بما ملخّصه: بأن الإمام النووي استفتي فيها ففصّل فيها وأجاد، فقال ما معناه: المتصافحان إن لم يلتقيا قبل الدخول في الصلاة؛ فالمصافحة مشروعة على أصلها، لأنّ أوّل اللقاء بعد السلام، وإن التقيا قبله!! فهي بدعة مباحة؛ كما قيل. انتهى. والله أعلم.
(و) أخرج النسائي- بإسناد حسن؛ كما قال العزيزي- عن حذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان ﷺ إذا لقيه الرّجل من أصحابه مسحه)؛ أي: مسح يده بيده- يعني صافحه- (ودعا له) .
قال المناوي: تمسّك مالك بهذا وما أشبهه على كراهة معانقة القادم وتقبيل يده.
وقد ناظر ابن عيينة مالكا، واحتجّ عليه سفيان بأن المصطفى ﷺ لمّا قدم جعفر من الحبشة خرج إليه فعانقه. فقال مالك: ذاك خاصّ بالنبي ﷺ.
فقال له سفيان: ما نخصّه بفهمنا!! انتهى.
قال الخفاجي في «شرح الشفاء»: والمصافحة سنّة عند التلاقي، وفي الحديث: «تمام تحيّتكم بينكم المصافحة» . وكانت الصحابة رضوان الله عليهم تفعلها، وإذا قدموا من سفر تعانقوا.
وكانت الصحابة ﵃ تقبّل يده أيضا، وهي مستحبّة للكبير، وكرّهها
[ ٢ / ٤٣٠ ]
وكان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم.. إلّا قال ﷺ: «لبّيك» .
مالك. أمّا إذا كان على وجه التّكبّر؛ فتكره. وقال النووي: إنّه مستحبّ أيضا لأهل الشرف والصلاح، وأمّا لأهل الدنيا! فمكروه.
وقال فقهاؤنا- أي: الحنفية-: لا بأس بالمصافحة، لأنها سنّة متوارثة، لما ورد في الحديث أيضا: «تصافحوا» .
وأمّا بعد صلاة الجمعة والعيد!! فقالوا: إنّه بدعة، وهو من فعل المشايخ، كأنّهم كانوا في الصلاة غائبين عمّن حضرهم، ومن كان هذا حاله لا يكره منه.
انتهى «كلام الشهاب الخفاجي رحمه الله تعالى» .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة» للشعراني:
(كان ﷺ لا يدعوه أحد من أصحابه، أو غيرهم؛ إلّا قال ﷺ: «لبّيك»)، ظاهره أنه جوابه دائما، ويحتمل أنّه كناية عن سرعة الجواب مع التعظيم؛ قاله الزرقاني.
و«لبّيك» كلمة يجاب بها المنادي، فالتلبية إجابة المنادي من دعاه؛ من «لبّ» و«ألب»: إذا أقام بمكان ولم يفارقه، فكأنّه يقول: أنا ثابت على إجابتك.
ولا تستعمل إلّا بلفظ التثنية، كأنّه قال إجابة بعد إجابة! والمراد التكثير، لقوله تعالى ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ [٤/ الملك]، وهو منصوب على المصدرية بعامل لا يظهر، وتغلب إضافته لضمير المخاطب، وقد يضاف لغيره؛ كما فصّله النّحاة.
ولا يجاب به إلّا من يعتنى بإجابته وتعظيمه، ولذا يقوله الحاج.
ففي إجابة المصطفى ﷺ أتباعه بذلك رعاية مقامهم وتعظيمهم، وهو من خلقه العظيم؛ كما كان النبي ﷺ يخاطب القادم ب «مرحبا» كقوله: «مرحبا بأمّ هانىء» . انتهى من الشهاب الخفاجي على «الشفاء» .
[ ٢ / ٤٣١ ]
وكان ﷺ يكنّي أصحابه ويدعوهم بالكنى، وبأحبّ أسمائهم؛ إكراما لهم، واستمالة لقلوبهم، ويكنّي من لم تكن له كنية،
قال العراقيّ: رواه أبو نعيم في «دلائل النبوة» بسند واه؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها.
قال في «شرح الإحياء»: لفظ أبي نعيم في «الدلائل»: ما كان أحسن خلقا منه، ما دعاه أحد من أصحابه إلّا قال «لبّيك» !! انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني ك «الإحياء» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يكنّي) - بتشديد النون- (أصحابه) أي: يجعل لهم كنى جمع كنية؛ ك «أبي تراب» و«أبي هريرة» و«أم سلمة»، (ويدعوهم) أي: يناديهم (بالكنى، و) يدعوهم (بأحبّ أسمائهم) أي: تارة، أو المراد من الأسماء ما يعمّ الأعلام والألقاب والكنى، والمعنى: أنّه لا ينبزهم بما يكرهونه، بل يدعوهم بما يحبّونه؛ (إكراما لهم) أي: يفعل ذلك ﷺ لأجل إكرامهم وتعظيمهم؛ تلطّفا بهم. (واستمالة لقلوبهم)، فإنّ نداء المرء بكنيته تعظيم.
وفي «الصحيحين»؛ في قصّة الغار؛ من حديث أبي بكر: «يا أبا بكر؛ ما ظنّك باثنين الله ثالثهما» . ولأبي يعلى الموصلي؛ من حديث سعد بن أبي وقّاص؛ فقال «من هذا؛ أبو إسحاق»؟! فقلت: نعم.
(ويكنّي من لم تكن له كنية) بأكبر أولاده، وتارة؛ وإن لم يولد له، فكان يدعى بما كنّاه به؛ تبركا بكنيته الشريفة.
روى الحاكم؛ من حديث ابن عبّاس ﵄ أنّه قال لعمر:
«يا أبا حفص؛ أيضرب وجه عمّ رسول الله» !! ﷺ. قال عمر: إنّه لأوّل يوم كنّاني فيه ب «أبي حفص» . وقال: صحيح على شرط مسلم.
وفي «الصحيح»: أنّه قال لعلي: «يا أبا تراب» . وللحاكم؛ من حديث رفاعة بن مالك: «إنّ أبا حسن وجد مغصا في بطنه » الحديث. يريد عليّا.
[ ٢ / ٤٣٢ ]
ويكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدىء لهنّ الكنى، ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم.
وله أيضا؛ من حديث ابن مسعود: أنّ النبي ﷺ كنّاه «أبا عبد الرحمن»؛ ولم يولد له.
وأخرج الطبرانيّ؛ عن ابن مسعود ﵁ قال: كنّاني النبي ﷺ «أبا عبد الرحمن» قبل أن يولد لي. وسنده صحيح.
وروى الترمذيّ؛ من حديث أنس قال: كنّاني رسول الله ﷺ: ب «بقلة» كنت أجتنيها- يعني «أبا حمزة»، وقال: حديث غريب.
ولابن ماجه: إنّ عمر قال لصهيب مالك! تكتني وليس لك ولد؟! قال:
كنّاني رسول الله ﷺ ب «أبي يحيى» .
وللطبراني؛ من حديث أبي بكرة: تدلّيت ب «بكرة» من حصن الطائف، فقال النبي ﷺ: «فأنت أبو بكرة» .
(و) كان ﷺ (يكنّي النّساء اللّاتي لهنّ الأولاد، واللّاتي لم يلدن؛ يبتدىء لهنّ الكنى) . روى الحاكم؛ من حديث أمّ أيمن؛ في قصة شربها بول النبي ﷺ، فقال: «يا أمّ أيمن» قومي إلى تلك الفخّارة الحديث.
ولابن ماجه؛ من حديث عائشة ﵂ أنّها قالت للنبيّ ﷺ: كلّ أزواجك كنّيت غيري!! قال: «فأنت أمّ عبد الله» وفيه «مولى الزبير»؛ لم يسمّ!! وروى أبو داود بإسناد صحيح نحوه.
(ويكنّي الصّبيان، فيستلين به قلوبهم) ففي البخاريّ؛ من حديث أمّ خالد أنّ النبي ﷺ قال لها: «يا أمّ خالد؛ هذا سناه» ! وكانت صغيرة.
وفي «الصحيحين»؛ من حديث أنس أنّ النبي ﷺ قال لأخ له صغير:
يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير»؟.
[ ٢ / ٤٣٣ ]
وكان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان.. سلّم عليهم، ثمّ باسطهم. وكان ﷺ إذا قدم من سفر.. تلقّي بصبيان أهل بيته.
وفيه دليل على جواز تكنية من لا ولد له على عادة العرب؛ تفاؤلا بأن يعمّر ويرزق أولادا؛ خلافا لمن منع ذلك، وقال: إنّه خلاف الواقع؛ فهو كذب.
وعن بعض السلف: بادروا أولادكم بالكنى قبل أن تغلب عليهم الألقاب، وكره بعضهم تكنية المرء نفسه إلا لقصد التّعريف.
وقال النوويّ: يجوز تكنية الكافر بشرطين:
الأول: ألايعرف إلا بكنيته.
الثاني: أن يخاف من ذكر اسمه فتنة، فالأول ك «أبي طالب»، والثاني ك «أبي حباب» لابن سلول! وفيه نظر. وقد تكون لأمر آخر ك «أبي لهب»، فإنه إشارة إلى أنّه جهنّميّ. وقيل: كنّي بذلك!! لحسن وجهه. والله أعلم؛ ذكره الشهاب الخفاجي في «شرح الشفاء» .
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان ﷺ إذا مرّ على الصّبيان) وهم يلعبون (سلّم عليهم) فيردّون عليه، (ثمّ باسطهم)؛ بنحو مسح رؤوسهم.
قال في «شرح الإحياء»: رواه الترمذي، من حديث أنس بدون قوله «ثم باسطهم» .
وروى البخاريّ بلفظ: إنّه ﷺ مرّ على صبيان؛ فسلّم عليهم.
وروى النسائي؛ من حديثه: كان يزور الأنصار ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، ومسلم في «الفضائل»، وأبو داود في «الجهاد»؛ عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا قدم من سفر تلقّي) - فعل ماض مجهول من التلقي- (بصبيان أهل بيته)، وإنّه قدم مرّة من سفر فسبق بي إليه؛ فحملني بين
[ ٢ / ٤٣٤ ]
وكان ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان والعيال.
وكان ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم،
يديه «١»، ثم جيء بأحد ابني فاطمة إمّا حسن؛ وإمّا حسين؛ فأردفه خلفه، فدخلنا المدينة ثلاثة على دابّة.
وفي «الصحيحين» أنّ عبد الله بن جعفر؛ قال لابن الزبير: أتذكر حين تلقّينا رسول الله ﷺ أنا وأنت؟! قال: نعم، فحملنا وتركك!. هذا لفظ مسلم، وقال:
أي: البخاريّ: إنّ ابن الزبير قال لابن جعفر. والله أعلم.
قال الإمام النوويّ: هذه سنّة مستحبّة أن يتلقّى الصبيان المسافر، وأن يركبهم، وأن يردفهم ويلاطفهم أي: لا كما فعل أهل التكبّر من التباعد عن الأطفال وزجرهم، إذ المطلوب ملاطفتهم؛ وإن بلغ الشخص ما بلغ للتواضع. انتهى نقله الحفني على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»؛ عن أنس ﵁ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ أرحم النّاس بالصّبيان، والعيال) .
قال النووي: وهذا هو المشهور. وروي: «بالعباد» !! وكلّ منهما صحيح واقع، والعيال أهل البيت ومن يمونه الإنسان.
قال الزين العراقيّ: روّينا في «فوائد أبي الدحداح»؛ عن علي ﵁:
كان أرحم النّاس بالناس. انتهى «مناوي» . وقد تقدّم.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود؛ عن عائشة ﵂- إلّا التحنيك؛ فليس في البخاري- قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ يؤتى بالصّبيان فيبرّك عليهم) أي: يدعو لهم بالبركة؛ ويقرأ عليهم الدعاء بالبركة، ذكره القاضي. وقيل: يقول «بارك الله عليكم» .
_________________
(١) على الدابة.
[ ٢ / ٤٣٥ ]
ويحنّكهم، ويدعو لهم.
وكان ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم، ويمسح رؤوسهم.
وقال الزمخشري: بارك الله فيه، وبارك له، وبارك عليه، وباركه، وبرّك على الطعام، وبرّك فيه؛ إذا دعا له بالبركة. قال الطّيبيّ: و«بارك عليه» أبلغ، فإنّ فيه تصويب البركات وإفاضتها من السماء. (ويحنّكهم)؛ بنحو تمر من تمر المدينة المشهود له بالبركة ومزيد الفضل. قال النّووي رحمه الله تعالى: اتفق العلماء على استحباب تحنيك المولود يوم ولادته بتمر، فإن تعذّر فما في معناه، أو قريب منه من الحلو، فيمضغ المحنّك التمرة حتّى تصير مائعة بحيث تبتلع، ثم يفتح فم المولود ويضعها فيه؛ ليدخل منها شيء جوفه. ويستحبّ أن يكون المحنّك من الصالحين، وممّن يتبرّك به؛ رجلا كان، أو امرأة. فإن لم يكن حاضرا عند المولود؟ حمل إليه.
(ويدعو لهم) بالإمداد والإسعاد، والهداية إلى طرق الرشاد.
(و) أخرج الترمذي، والنسائي، وابن حبّان؛ عن أنس ﵁، وهو حديث صحيح؛ كما قال العراقي في «أماليه» . قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يزور الأنصار، ويسلّم على صبيانهم)، فيه ردّ على منع الحسن «١» التسليم على الصبيان (ويمسح رؤوسهم)؛ أي: كان له اعتناء بفعل ذلك معهم أكثر منه مع غيرهم، وإلّا! فهو كان يفعل ذلك مع غيرهم أيضا. وكان يتعهّد أصحابه جميعا، ويزورهم. قال ابن حجر: هذا مشعر بوقوع ذلك منه غير مرّة. أي: فالاستدلال به على مشروعية السلام على الصبيان أولى من استدلال البعض بحديث «مرّ على صبيان فسلّم عليهم» فإنّها واقعة حال.
قال ابن بطّال: وفي السلام على الصبيان تدريبهم على آداب الشريعة، وطرح الأكابر رداء الكبر، وسلوك التواضع ولين الجانب. نعم؛ لا يشرع السلام على
_________________
(١) لعله البصري!!
[ ٢ / ٤٣٦ ]
وعن يوسف بن عبد الله بن سلام رضي الله تعالى عنهما قال:
سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف»، وأقعدني في حجره، ومسح على رأسي.
الصبي الوضيء، سيّما إن راهق. انتهى؛ ذكره المناوي في «كبيره» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذي في «الشمائل»: (عن يوسف بن عبد الله بن سلام) - بفتح السين وتخفيف اللام- الإسرائيلي المدني، أبو يعقوب صحابيّ صغير؛ وأبوه صحابيّ كبير- وقد تقدّمت ترجمتهما- (رضي الله تعالى عنهما؛ قال) أي يوسف (: سمّاني رسول الله ﷺ «يوسف»، وأقعدني في حجره) . قال الباجوري- بفتح الحاء وكسرها- والمراد به حجر الثوب؛ وهو طرفه المقدّم منه، لأن الصغير يوضع فيه عادة، ويطلق على المنع من التصرّف، وعلى الأنثى من الخيل، وعلى حجر ثمود، وعلى حجر إسماعيل وغير ذلك مما هو في قول بعضهم:
ركبت حجرا وطفت البيت خلف الحجر وحزت حجرا عظيما ما دخلت الحجر
لله حجر منعني من دخول الحجر ما قلت حجرا ولو أعطيت ملء الحجر «١»
(ومسح على رأسي) . زاد الطبراني: ودعا لي بالبركة. وفي الحديث: بيان تواضعه، وكمال رحمته، ومحاسن أخلاقه. وفيه: أنّه يسنّ لمن يقتدى به؛ ويتبرّك به تسمية أولاد أصحابه، وتحسين الاسم، وأن أسماء الأنبياء من
_________________
(١) (ركبت حجرا)؛ فرسا أنثى (وطفت البيت خلف الحجر)؛ حجر سيّدنا إسماعيل، والطواف يكون خلفه؛ لأنّه من الكعبة، داخل في أصل بناءها، (وحزت حجرا عظيما)؛ الحجر هنا: العقل؛ أي: أعطيت عقلا عظيما (ما دخلت الحجر)؛ أي: حجر سيّدنا إسماعيل. (لله حجر)؛ أي: منع، فالحجر أيضا: المنع (منعني من دخول الحجر)؛ حجر سيّدنا إسماعيل؛ وسبب الحجر- أي: المنع- سبق، وهو كونه من الكعبة. (ما قلت حجرا)؛ أي: حراما؛ فالحجر والحجر والحجر والمحجر، كلّ ذلك: الحرام- والكسر أفصح- (ولو أعطيت ملء الحجر)؛ أي: ما قلت حراما ولو أعطيت خيرات كثيرة. والبيتان من البحر البسيط. وإنّما سكّنت الراء، وحرّكت الجيم بالكسر في كلمة (حجر) في رويّ وقافية البيتين؛ لأجل الوزن.
[ ٢ / ٤٣٧ ]
وكان ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة، ويقول:
«يا زوينب؛ يا زوينب» (مرارا) .
وكان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما»، وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض.
ودخل الحسن- وهو ﷺ قد سجد- فركب على ظهره، فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ.. قال له بعض أصحابه:
الأسماء الحسنة، ووصفه بالحجر؛ قاله المناوي.
(و) أخرج الضياء المقدسيّ في «المختارة»؛ عن أنس بن مالك ﵁- وهو حديث صحيح؛ كما في العزيزي- قال:
(كان) رسول الله (ﷺ يلاعب زينب بنت أمّ سلمة) زوجته ﷺ، وزينب بنتها من أبي سلمة، فهي «ربيبته ﷺ»؛ أي: بنت زوجته (ويقول: «يا زوينب..
يا زوينب) - بالتصغير- (مرارا)، لأنّ الله جبله على التواضع والإيناس، وطهّر قلبه من الكبر والفحش؛ بشقّ الملائكة صدره المرّات العديدة عند تقلبه في الأطوار المختلفة، وإخراج ما في قلبه ممّا جبل عليه النوع الإنساني، وغسله وامتلائه من الحكم والعلوم.
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ يركب الحسن والحسين على ظهره، ويمشي على يديه ورجليه، ويقول: «نعم الجمل جملكما، ونعم العدلان أنتما» . وربّما فعل ذلك بينهما، وهما على الأرض!) لم أقف على من خرّجه!!
(و) في «المواهب اللّدنّية» للعلامة القسطلّاني: (دخل الحسن) بن عليّ رضي الله تعالى عنهما (وهو ﷺ) يصلّي (قد سجد، فركب على ظهره؛ فأبطأ في سجوده حتّى نزل الحسن، فلمّا فرغ؛ قال له بعض أصحابه:
[ ٢ / ٤٣٨ ]
يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟
قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله»؛ أي: جعلني كالرّاحلة، فركب على ظهري.
وعن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه: كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره.
يا رسول الله؛ قد أطلت سجودك؟! قال: «إنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله» «١»؛ أي: جعلني كالرّاحلة؛ فركب على ظهري) .
في «جمع الفوائد» للرداني رحمه الله تعالى ما نصّه:
عبد الله بن شدّاد عن أبيه: خرج علينا رسول الله ﷺ في إحدى صلاتي العشيّ؛ وهو حامل حسنا؛ أو حسينا. فتقدّم ﷺ فوضعه، ثمّ كبّر للصّلاة، فصلى فسجد بين ظهراني صلاته سجدة أطالها؛ فرفعت رأسي؛ فإذا الصبيّ على ظهر النبي ﷺ وهو ساجد، فرجعت إلى سجودي، فلما قضى الصلاة؛ قال النّاس:
يا رسول الله؛ إنّك سجدت بين ظهراني صلاتك سجدة أطلتها؛ حتّى ظننّا أنّه قد حدث أمر!! وأنّه يوحى إليك!! قال: «كلّ ذلك لم يكن، ولكنّ ابني ارتحلني فكرهت أن أعجله حتّى يقضي حاجته» . للنسائي رحمه الله تعالى.
وفي «الإصابة» لابن حجر رحمه الله تعالى في ترجمة الحسن؛ عن عبد الله بن الزبير قال: رأيت الحسن يجيء والنبي ﷺ ساجد؛ فيركب رقبته- أو قال: ظهره- فما ينزله حتّى يكون هو الذي ينزل، ولقد رأيته يجيء؛ وهو راكع فيفرج له بين رجليه حتّى يخرج من الجانب الآخر.
(و) أخرج أبو نعيم في «الحلية» بإسناد حسن؛ (عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه) قال:
(كان رسول الله ﷺ يصلّي والحسن والحسين يلعبان ويقعدان على ظهره) في
_________________
(١) أعجله: أستحثّه على العجلة- بفتح الهمزة والجيم-.
[ ٢ / ٤٣٩ ]
وكان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن بن عليّ، ووضع رجليه على ركبتيه وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ، عين بقّه حزقّة حزقّه» .
قال في «لسان العرب»:
حال السجود، وكان يطيل السّجود لطفا بهما.
ولا يقال «إن هذه الحالة تنافي كمال الخشوع المطلوب» !! لأنّه ﷺ أكمل النّاس خشوعا وحضورا بقلبه مع ربّه؛ وإن كان ظاهره مع الخلق، كما أنّ خلفاءه كذلك فلا حاجة للجواب: بأنّ ذلك للتشريع؛ قاله الحفني في «حاشية الجامع الصغير» .
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان أبو هريرة رضي الله تعالى عنه؛ يقول: رأيت رسول الله ﷺ وقد أخذ بيد الحسن) السّبط (بن عليّ) بن أبي طالب (ووضع رجليه) - أي: رجلي الحسن (على ركبتيه) ﷺ (وهو يقول: «ترقّ.. ترقّ) - أي: اصعد- (عين بقّه) - بفتح الباء الموحّدة، وتشديد القاف- (حزقّة) - بضمّ الحاء المهملة والزاي، وتشديد القاف؛ مرفوع على أنّه خبر مبتدأ محذوف تقديره: أنت حزقّه-.
و(حزقّه) الثاني كذلك، أو أنّه خبر مكرّر، ومن لم ينوّن «حزقة» أراد «يا حزقه» فحذف حرف النداء؛ وهو من الشذوذ، كقولهم «أطرق كرا»؛ لأن حرف النداء إنما يحذف مع العلم المضموم، أو المضاف؛ قاله في «النهاية» .
(قال) أي: الإمام العلّامة اللغوي الحجّة: أبو الفضل جمال الدين محمد ابن الإمام جلال الدين أبي العزّ مكرم ابن الشيخ نجيب الدين المعروف ب «ابن منظور» الأنصاري الخزرجي، الإفريقي المصري، المولود سنة: ٦٣٠، والمتوفى سنة:
٧١١، هجرية رحمه الله تعالى (في) كتاب («لسان العرب») في مادة حزق:
[ ٢ / ٤٤٠ ]
(وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ كان يرقّص الحسن أو الحسين؛ ويقول: «حزقّة.. حزقّه، ترقّ عين بقّه» .
(الحزقّة): الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف، فكان يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ.
قال ابن الأثير: ذكرها له على سبيل المداعبة والتّأنيس له.
و(ترقّ) بمعنى: اصعد.
و(عين بقّة): كناية عن صغر العين) انتهى.
(وفي الحديث أنّ النّبيّ ﷺ كان يرقّص) - بالتثقيل- (الحسن، أو الحسين) - بالشكّ- (ويقول) في حال ترقيصهما- (: «حزقّة) - بالتنوين والرفع- (حزقّة) - ينبغي أن يقرأ بالوقف على الهاء لأجل السّجع- (ترقّ) - بتشديد القاف؛ أي: اصعد- (عين بقّه») - بالوقف على الهاء.
(الحزقّه) بوزن عتلّه (: الضّعيف الّذي يقارب خطوه من ضعف) في بدنه، وقيل: القصير العظيم البطن، (فكان) الغلام (يرقى حتّى يضع قدميه على صدر النّبيّ ﷺ) .
(قال) العلّامة الحافظ مجد الدين (ابن الأثير) أبو السعادات: مبارك بن أبي الكرم؛ محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني الجزري، المولود سنة: ٥٤٤، المتوفى سنة: ٦٠٦ رحمه الله تعالى.
قال في «كتاب النهاية»: (ذكرها)، أي: هذه الكلمات (له) أي: للغلام (على سبيل المداعبة): الملاعبة (والتّأنيس له.
وترقّ): فعل أمر (بمعنى اصعد)؛ من الصعود، أي: العلوّ (وعين بقّة:
كناية عن صغر العين. انتهى) أي: كلام «لسان العرب» ملخصا.
[ ٢ / ٤٤١ ]
وكان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم، وكان يكرم ذوي رحمه، ويصلهم من غير أن يؤثرهم على من هو أفضل منهم.
وكان ﷺ يكرم بني هاشم.
وكان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني ك «الإحياء» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى: (كان رسول الله ﷺ يكرم أهل الفضل في أخلاقهم، ويتألّف أهل الشّرف بالإحسان إليهم) . روى الترمذيّ في «الشمائل»؛ من حديث عليّ الطويل؛ في صفته ﷺ: وكان من سيرته إيثار أهل الفضل بإذنه، وقسمه على قدر فضلهم في الدين، وفيه: ويؤلّفهم ولا ينفّرهم، ويكرم كريم كلّ قوم، ويولّيه عليهم الحديث المتقدّم.
وللطبرانيّ؛ من حديث جرير في قصة إسلامه: فألقى إليّ كساء، ثم أقبل على أصحابه؛ ثم قال: «إذا أتاكم كريم قوم؛ فأكرموه» . ورواه الحاكم؛ من حديث معبد بن خالد الأنصاري نحوه؛ وقال: صحيح الإسناد.
(وكان يكرم ذوي رحمه ويصلهم)؛ أي: يحسن إليهم ويعطف عليهم، وإن بعدوا عنه، أو أساؤا إليه (من غير أن يؤثرهم) أي: يخصّهم ويقدّمهم (على من هو أفضل منهم) من الناس؛ عدلا منه، وإعطاء لكل ذي حقّ حقّه، وهذا أيضا من حسن العهد.
(و) في «كنوز الحقائق» للمناوي؛ ورمز برمز الخطيب: (كان ﷺ يكرم بني هاشم) .
(و) في «كنوز الحقائق» أيضا؛ ورمز له ابن عساكر: (كان ﷺ من أشدّ النّاس لطفا بالعبّاس) .
[ ٢ / ٤٤٢ ]
وكان ﷺ يجلّ العبّاس إجلال الولد للوالد.
وكان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام،
وروى الحاكم في «الفضائل»، وكذا ابن حبّان في «صحيحه»؛ عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه أنّه ﷺ كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده؛ يعظّمه ويفخّمه ويبرّ قسمه. قال المناوي:
وأصل هذا أنّ عمر لما أراد أن يستسقي عام الرّمادة خطب؛ فقال: أيّها النّاس؛ إنّ رسول الله ﷺ كان يرى للعبّاس ما يرى الولد لوالده، فاقتدوا برسول الله ﷺ! واتّخذوا العبّاس وسيلة إلى الله تعالى، فما برحوا حتّى سقاهم الله تعالى.
(و) أخرج الحاكم في (المناقب)؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما- وقال: صحيح، وأقرّه الذهبي- أنّه (كان ﷺ يجلّ العبّاس) عمّه (إجلال الولد للوالد)؛ لأنّه في مقام الأب، لكونهما من أصل واحد، ولذا كان ﷺ يقول:
«إنّما عمّ الرّجل صنو أبيه» أي: فهو كصنو النخلة في كونها من أصل واحد، فهو بمنزلة الوالد في التعظيم والتوقير والإكرام.
وتمام الحديث؛ كما في «المستدرك»: خاصّة خصّ الله بها العبّاس من بين النّاس» .
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ يبدأ من لقيه بالسّلام) «من» تفيد العموم، أي: كلّ أحد لقيه؛ صغيرا أو كبيرا من المسلمين! إلّا في مواضع لا يستحبّ السّلام فيها، وأما الكفرة! فلا يسلّم عليهم، وجوّز بعضهم ابتداءهم بالسّلام أيضا؛ قاله الخفاجي.
وهذه السّنّة أفضل من الفريضة، لما فيه من التواضع والتسبّب لأداء الواجب.
وهذا رواه الترمذيّ؛ من حديث هند بن أبي هالة: يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسّلام.
[ ٢ / ٤٤٣ ]
وإذا أخذ بيده.. سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف.
وكان ﷺ إذا ودّع رجلا.. أخذ بيده، فلا ينزعها حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول: «أستودع الله دينك، وأمانتك، وخواتيم عملك» .
وكان ﷺ لا يجلس إليه أحد وهو يصلّي.. إلّا
(وإذا أخذ بيده سايره حتّى يكون ذلك هو المنصرف) .
روى ابن ماجه؛ من حديث أنس ﵁: كان إذا لقي الرّجل فكلّمه لم يصرف وجهه حتّى يكون هو المنصرف. وقد مرّت أحاديث نحو هذا.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ، في «الدعوات»، والنسائي، وابن ماجه، والحاكم في «الحج»، وأخرجه أيضا الضياء في «المختارة»؛ من طريق الترمذيّ؛ كلّهم عن ابن عمر بن الخطاب ﵄ قال:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا ودّع رجلا أخذ بيده فلا ينزعها)؛ أي: يتركها (حتّى يكون الرّجل هو الّذي يدع يده، ويقول) مودّعا له: («أستودع الله دينك وأمانتك) قال الشرف المناوي رحمه الله تعالى في «أماليه»:
الأمانة هنا: ما يخلّفه الإنسان في البلد التي سافر منها. انتهى؛ نقله عنه حفيده المناوي في «شرح الجامع الصغير» .
(وخواتيم عملك»)، لأن العبرة في العمل بخواتيمه؛ أي: أكل كلّ ذلك منك إلى الله تعالى، وأتبرّأ من حفظه، وأتخلّى من حراسته، وأتوكّل عليه سبحانه، فإنّه وفيّ حفيظ؛ إذا استودع شيئا حفظه، ومن توكّل عليه كفاه ولا قوّة إلّا بالله.
(و) في «كشف الغمة» ك «الإحياء» و«الشفاء»: (كان ﷺ لا يجلس إليه أحد)؛ أي: لا يجلس متوجّها إليه، والمراد لا يجلس عنده ﷺ (وهو يصلّي إلا
[ ٢ / ٤٤٤ ]
خفّف صلاته وأقبل عليه فقال: «ألك حاجة؟»، فإذا فرغ.. عاد إلى صلاته.
وكان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه، حتّى ربّما بسط ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع، يجلسه عليه.
خفّف صلاته)، أي: أسرع فيها (وأقبل عليه؛ فقال: «ألك حاجة»؟! فإذا فرغ) ﷺ من كلامه وقضاء حاجته (عاد إلى صلاته) الّتي كان فيها.
قال العراقيّ في «تخريج أحاديث الإحياء»: لم أجد له أصلا. انتهى.
ولذا قيل «لو أورد حديث «الصحيحين»: «إنّي لأقوم إلى الصّلاة أريد أن أطوّل فيها، فأسمع بكاء الصّبيّ؛ فأتجوّز في صلاتي؛ كراهة أن أشقّ على أمّه»؛ كان أظهر، فإنّه متفق عليه، وهو في معنى حديث «الإحياء»؛ قاله الخفاجي.
قال في «شرح الإحياء»: قلت: لكن روى الإمام أحمد في «مسنده»؛ عن رجل من الصحابة قال: كان ممّا يقول للخادم: «ألك حاجة؟!» .
وهذا يدلّ إذا جاءه الخادم ووجده في الصلاة كان يخفّف؛ ويقبل عليه بالسؤال عن الحاجة، وهو من جملة مكارم الأخلاق، إذ لا يأتيه في ذلك الوقت إلّا لحاجة، فإذا طوّل في الصلاة فقد أوقعه في الانتظار. انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان ﷺ يكرم كلّ داخل عليه) بالقيام له، ويلاطفه؛ كقيامه ﷺ لسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه؛ قاله الخفاجي.
(حتّى ربّما بسط)؛ أي: فرش (ثوبه لمن ليست بينه وبينه قرابة ولا رضاع؛ يجلسه عليه)؛ إكراما له، وتأليفا لقلبه.
روى الحاكم وصحّح إسناده؛ من حديث أنس ﵁: دخل جرير بن عبد الله على النبي ﷺ.. وفيه: فأخذ بردته فألقاها إليه؛ فقال: «اجلس عليها
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وكان ﷺ يؤثر الدّاخل عليه بالوسادة التي تكون تحته
يا جرير » الحديث. وفيه: «إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه» .
وللطبراني في «الكبير» من حديث جرير: فألقى إليّ كساءه.
ولأبي نعيم في «الحلية» فبسط إليّ رداءه.
وأمّا من بينه وبينه قرابة!!.
فروى الخرائطيّ في «مكارم الأخلاق» عن محمد بن عمير بن وهب «خال النبي ﷺ» أنّ عميرا- يعني أباه- جاء والنبيّ ﷺ قاعد فبسط له رداءه، فقال:
أجلس على ردائك؛ يا رسول الله!! قال: «نعم، فإنّما الخال والد» . وإسناده ضعيف.
ويروى عن القاسم؛ عن عائشة ﵂ أنّ الأسود بن وهب «خال النبي ﷺ» استأذن عليه؛ فقال: «يا خال؛ أدخل» فبسط له رداءه. وكذا وقع لأمّه وأخيه وأبيه من الرضاعة؛ كما هو مذكور في السير. انتهى. «شرح الإحياء» .
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان) رسول الله (ﷺ يؤثر الدّاخل عليه) أي: يقدّمه على نفسه، ويفرده (بالوسادة الّتي تكون تحته)؛ وهي فراش يجلس عليه، وكانت محشوّة بالليف؛ كما في البخاري.
وقال عديّ بن حاتم: دخلت على النبي ﷺ فقال: «من الرّجل؟!» .
فقلت: عديّ بن حاتم. فقام وانطلق بي إلى بيته، فو الله؛ إنّه لعامد بي إذ لقيته امرأة ضعيفة كبيرة، واستوقفته؛ فوقف لها طويلا تكلّمه في حاجتها. فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك!! ثمّ مضى حتّى دخل بيته؛ فتناول وسادة كبيرة من أدم محشوّة ليفا فقذفها إليّ؛ وقال لي: «اجلس على هذه» . فقلت بل أنت فاجلس عليها؛ فجلس على الأرض وصارت الوسادة بيني وبينه.
فانظر لمكارم الأخلاق!! فقلت «والله؛ ما هذا بملك» !!
[ ٢ / ٤٤٦ ]
فإن أبى أن يقبلها.. عزم عليه حتّى يقبل.
وعن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: خدمت رسول الله ﷺ عشر سنين، فما قال لي: «أفّ»
وهذا يدلّ على أن الوسادة فراش لا مخدّة؛ قاله الشهاب الخفاجي على «الشفا» رحمه الله تعالى.
(فإن أبى) - أي: امتنع- (أن يقبلها) أي: الوسادة حياء من رسول الله ﷺ (عزم عليه حتّى يقبل)؛ أي: أقسم عليه أن يجلس على وسادته بأن يقول له «بالله اجلس أنت» .
قال في «التهذيب»: يقال «عزمت عليك لتفعلن كذا»؛ أي: أقسمت انتهى.
وهو مأخوذ من العزم؛ وهو التصميم في الأمر. انتهى «خفاجي» .
(و) أخرج البخاريّ؛ ومسلم، وأبو داود والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» .
(عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ قال: خدمت رسول الله ﷺ) - زاد في رواية أحمد: في السفر والحضر- (عشر سنين) - بسكون الشين، ويجوز فتحها- وفي مسلم: تسع سنين- وحملت على التّحديد والأولى- وهي أكثر الروايات- على التقريب إلغاء للكسر، فخدمته إنّما كانت أثناء السّنة الأولى من الهجرة-.
(فما قال لي أفّ)؛ بضمّ الهمزة وتشديد الفاء مكسورة بلا تنوين، وبه، ومفتوحة بلا تنوين.
فهذه ثلاث لغات قرىء بها في السّبع «١»، وذكر فيها بعضهم عشر لغات.
_________________
(١) وهي؛ ١- أفّ: أبو عمرو وشعبة وحمزة والكسائي. ٢- أفّ: نافع وحفص. ٣- أفّ: ابن كثير وابن عامر.
[ ٢ / ٤٤٧ ]
قطّ، وما قال لشيء صنعته: «لم صنعته؟»، ولا لشيء تركته:
«لم تركته؟» .
وقذ ذكر أبو الحسن الكرمانيّ فيها تسعا وثلاثين لغة، وزاد ابن عطيّة واحدة؛ فأكملها أربعين.
ونظمها السيوطيّ في أبيات فأجاد، وقد ذكر لغاتها مفصّلة في «التصريح شرح التوضيح» للشيخ خالد الأزهري. فراجعه.
وهي كلمة تبرّم وملال، تقال لكلّ ما يتضجّر منه، ويستوي فيه الواحد والمثنّى والجمع، والمذكّر والمؤنث، قال تعالى فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [٢٣/ الإسراء] .
(قطّ) - بفتح القاف وتشديد الطاء- مضمومة في أشهر لغاتها، وهي ظرف بمعنى الزّمن الماضي، فالمعنى: فيما مضى من عمري، وربّما يستعمل بمعنى «دائما»، لكنه قد يتّفق له فعل شيء ليس على الوجه الذي أراده منه المصطفى، ففي رواية أبي نعيم: فما سبّني قطّ، وما ضربني ضربة، ولا انتهرني، ولا عبس في وجهي، ولا أمرني بأمر فتوانيت فيه؛ فعاتبني عليه، فإن عاتبني أحد قال:
«دعوه، ولو قدّر شيء كان» .
(وما قال لشيء صنعته)؛ أي: مما لا ينبغي صنعه، أو على وجه لا يليق فعله: («لم صنعته») أي: لأي شيء صنعته، (ولا لشيء تركته: «لم تركته»)؛ أي لشدّة وثوقه ويقينه بالقضاء والقدر، ولذلك زاد في رواية: ولكن يقول: «قدّر الله، وما شاء فعل» و«لو قدّر الله كان» و«لو قضي لكان» .
فكان يشهد أنّ الفعل من الله؛ ولا فعل لأنس في الحقيقة؛ فلا فاعل إلّا الله، والخلق الآن وسائط، فالغضب على المخلوق في شيء فعله أو تركه ينافي كمال التوحيد؛ كما هو مقرّر في علم التوحيد؛ من وحدة الأفعال.
وفي ذلك بيان كمال خلقه وصبره، وحسن عشرته، وعظيم حلمه وصفحه، وترك العقاب على ما فات، وصون اللّسان عن الزجر والذمّ للمخلوقات، وتأليف
[ ٢ / ٤٤٨ ]
وعنه أيضا قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين- خدمته عشر سنين- فما لامني على شيء قطّ، فإن لامني لائم من أهله.. قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء.. كان» .
وفي «المصابيح»: عن
خاطر الخادم بترك معاتبته على كلا الحالات.
وهذا كلّه في الأمور المتعلّقة بحظّ الإنسان. وأمّا ما يتعلّق بالله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! فلا يتسامح فيه، لأنه إذا انتهك شيء من محارم الله اشتدّ غضبه. وهذا يقتضي أنّ أنسا لم ينتهك شيئا من محارم الله، ولم يرتكب ما يوجب المؤاخذة شرعا في مدّة خدمته له ﷺ.
ففي ذلك منقبة عظيمة لأنس؛ وفضيلة تامّة لحسن أدبه في خدمته؛ مع صغر سنّه، لكنها كلّها مستفادة من بركة ملازمته للحضرة النبويّة والطلعة البهيّة ﷺ.
(و) في «المصابيح» للإمام البغوي- وقد تقدّمت ترجمته؛ في أوّل الكتاب رحمه الله تعالى-؛ (عنه)؛ أي: عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه (أيضا) مفعول مطلق؛ من «آض؛ إذا رجع» أي: ارجع إلى الرواية عن أنس رجوعا.
(قال: خدمت رسول الله ﷺ وأنا ابن ثمان سنين؛ خدمته عشر سنين) .
قال الحافظ ابن حجر: في معظم الروايات عشر سنين، وفي رواية لمسلم:
والله؛ لقد خدمته تسع سنين، فقال النووي: لعل ابتداء خدمة أنس في أثناء السّنة!! ففي رواية التسع لم يجبر الكسر واعتبر السنين الكوامل، وفي رواية العشر جبرها واعتبرها سنة كاملة. انتهى؛ نقله في «جمع الوسائل» .
(فما لامني على شيء قطّ) أتي فيه على يدي، (فإن لامني لائم من أهله؛ قال: «دعوه، فإنّه لو قضي شيء كان») .
قال في «المشكاة»: رواه البيهقيّ في «شعب الإيمان» بتغيير يسير.
(وفي «المصابيح») - وهو في «صحيح مسلم»؛ و«سنن أبي داود» - (عن
[ ٢ / ٤٤٩ ]
أنس أيضا: كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا، فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله لا أذهب- وفي نفسي أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ- فخرجت حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من ورائي. قال: فنظرت إليه وهو يضحك، فقال: «يا أنيس؛ أذهبت حيث أمرتك؟»، قلت: نعم، أنا أذهب
أنس أيضا) قال: (كان رسول الله ﷺ من أحسن النّاس خلقا) ينبغي إسقاط «من» لأنّه ﷺ أحسن النّاس خلقا إجماعا، فكان الأولى تركها لإيهامها خلاف ذلك؛ وإن قيل في الجواب عن ذلك: إنها لا تنافيه!!.
لأن الأحسن المتعدّد بعضه أحسن من بعض، أو لأن «كان» للدوام والاستمرار، فإذا كان دائما من أحسن الناس خلقا كان أحسن النّاس خلقا.
قال ملا علي القاري: وكأنّ مرادهم أنّ سائر الخلق؛ ولو حسن خلقهم أحيانا ساء خلقهم زمانا، بخلاف حسن خلقه ﵊، فإنه كان على الدوام، ومع عموم النّاس؛ لا مع خصوص الناس، قال تعالى وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيم (٤) [القلم] وقال تعالى: وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] انتهى كلام القاري والباجوري أيضا.
(فأرسلني يوما لحاجة؛ فقلت: والله؛ لا أذهب) بحسب الظاهر، (وفي نفسي) باطنا (أن أذهب لما أمرني به رسول الله ﷺ، فخرجت) من عنده (حتّى أمرّ على صبيان وهم يلعبون في السّوق؛ فإذا رسول الله ﷺ قد قبض بقفاي من) جهة (ورائي)؛ أي: خلفي.
(قال)؛ أي أنس (: فنظرت إليه) ﷺ (وهو يضحك، فقال: «يا أنيس) تصغير أنس (؛ أذهبت) - بالاستفهام- (حيث أمرتك»؟!) أي: المكان الذي أمرتك وأرسلتك إليه لقضاء الحاجة المذكورة. قال: (قلت: نعم، أنا أذهب)
[ ٢ / ٤٥٠ ]
يا رسول الله. وعن أنس أيضا قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد نجرانيّ غليظ الحاشية، فأدركه أعرابيّ فجبذه بردائه «١» جبذة شديدة رجع نبيّ الله في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة عاتق رسول الله ﷺ قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته.
ثمّ قال: يا محمّد؛
الآن (يا رسول الله) لقضاء حاجتك التي أرسلتني لها.
(و) أخرج البخاريّ في «الخمس» و«اللباس» و«الأدب»، ومسلم كلاهما (عن أنس أيضا؛ قال: كنت أمشي مع النّبيّ ﷺ وعليه برد) - بضمّ الموحّدة وسكون الراء-: نوع من الثياب. وفي رواية مسلم: رداء (نجرانيّ) - بنون مفتوحة فجيم ساكنة فراء مفتوحة؛ فألف فنون- نسبة إلى نجران: بلدة بين الحجاز واليمن، وهي إليه أقرب؛ فلذا يقال بلدة باليمن، (غليظ الحاشية) أي:
الجانب (فأدركه أعرابيّ) . قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على تسميته. انتهى.
وسياق الحديث- كما قيل- يقتضي أنّه من المسلمين المؤلّفة قلوبهم، (فجبذه) - بتقديم الباء على الذال المعجمة- ([بردائه] جبذة شديدة رجع) بسببها (نبيّ الله) ﷺ (في نحر الأعرابيّ، حتّى نظرت إلى صفحة): جانب (عاتق رسول الله ﷺ): ما بين العنق والكتف، أو موضع الرداء من المنكب (قد أثّرت فيه حاشية البرد من شدّة جبذته) .
وفي رواية مسلم: وانشقّ البرد وذهبت حاشيته في عنقه.
(ثمّ قال: يا محمّد) . قيل: [قبل] تحريم ندائه باسمه، أو لقرب عهد الأعرابي بالإسلام؛ فلم يتفقّه في الدين، وفي طبعه الغلظة والجفا، وإلّا فطلبه
_________________
(١) ساقطة من الأصل. وأثبتناها من «وسائل الوصول» .
[ ٢ / ٤٥١ ]
مر لي من مال الله الّذي عندك، فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء.
وكان ﷺ هينا لينا، ليس بفظّ ولا غليظ.
وعن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها أنّها قالت:
العطاء من مال الله يدلّ على أنّه مسلم.
(مر لي) - ولمسلم: أعطني- (من مال الله الّذي عندك!! فالتفت إليه رسول الله ﷺ، ثمّ ضحك، ثمّ أمر له بعطاء) . وهو تحميل بعيريه؛ كما سيأتي في حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
وفي هذا بيان حلمه ﵊، وصبره على الأذى في النفس والمال، والتجاوز عن جفاء من يريد تألّفه على الإسلام.
(و) في «كشف الغمة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى: (كان ﷺ هينا)؛ أي: سهلا (لينا) في أخلاقه، وكلاهما بالتّشديد والتخفيف.
قال ابن الأعرابي: العرب تمدح بالهين اللين مخفّف، وتذمّ بالهيّن الليّن مشدّد. وفي الحديث «المسلمون هينون لينون» جعله مدحا لهم.
وقال غير ابن الأعرابي: هما بمعنى واحد؛ قاله في «شرح القاموس» .
وقال في «المصباح»: وأكثر ما جاء المدح بالتخفيف. انتهى.
(ليس بفظّ) أي: ليس بسيء الخلق، (ولا غليظ) قلبه بحيث يكون جافي الطبع قاسي القلب، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] . رواه الترمذي في «الشمائل» في حديث الحسن الطويل، وفيه:
سهل الخلق لين الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ الحديث.
(و) روى الترمذيّ في «جامعه» و«شمائله» برجال ثقات؛ (عن عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ أنّها قالت) - وقد سئلت عن خلقه ﷺ قالت-:
[ ٢ / ٤٥٢ ]
لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا، ولا متفحّشا، ولا صخّابا في الأسواق،
(لم يكن رسول الله ﷺ فاحشا)؛ أي: ذا فحش طبعا؛ في أقواله وأفعاله وصفاته. والفحش: ما خرج عن مقداره حتّى يستقبح، واستعماله في القول أكثر.
(ولا متفحّشا) أي: متكلّفا الفحش في أقواله وأفعاله وصفاته، فالمقصود نفي الفحش عنه ﷺ طبعا وتكلّفا، إذ لا يلزم من نفي الفحش من جهة الطبع نفيه من جهة التطبّع، وكذا عكسه فمن ثمّ تسلّط النفي على كلّ منهما. فهذا من بديع الكلام.
وفي البخاري في «الصفة النبوية» و«الأدب»، ومسلم في «الفضائل»، والترمذيّ في «البر» من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي ﵄ قال:
لم يكن النبي ﷺ فاحشا ولا متفحّشا الحديث. فتوارد عبد الله بن عمرو مع عائشة على نفي الصفتين دليل ظاهر على أنّ ذلك جبلّته مع الأهل والأجانب.
(ولا صخّابا) - بالصاد المهملة المشدّدة- أي: لم يكن ذا صخب (في الأسواق)، فصيغة «فعال» - بالتشديد- للنّسب؛ كتمّار ولبّان، فيفيد التركيب حينئذ نفي الصّخب من أصله؛ على حدّ قوله تعالى وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيد (٤٦) [فصلت] أي: بذي ظلم.
وليس صيغة «فعّال» للمبالغة!! لئلا يفيد التركيب حينئذ نفي كثرة الصخب فقط، فالمعنى: ولا صيّاحا في الأسواق، وإذا لم يكن في الأسواق كذلك فغيرها أولى.
وقد جاء سخّابا- بالسين المهملة أيضا؛ على ما ذكره ميرك- من السّخب بفتحتين؛ كالصخب، و«في» ظرفية، والأسواق جمع سوق؛ سمّيت بذلك!! لسوق الأرزاق إليها، أو لقيام النّاس فيها على سوقهم.
[ ٢ / ٤٥٣ ]
ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح.
و(الصّخب): شدّة الصّوت.
وفي «الإحياء»:
(ولا يجزي) - بفتح الياء التحتية من غير همزة في آخره؛ بزنة «يرمي» أي:
لا يكافىء (بالسّيّئة) التي يفعلها الغير معه (السّيّئة) التي يفعلها هو مع الغير؛ مجازاة له، فالباء للمقابلة.
وتسمية الّتي يفعلها هو مع الغير مجازاة له «سيئة» !! من باب المشاكلة؛ كما في قوله تعالى وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها [٤٠/ الشورى]، وإشارة إلى أنّ الأولى العفو والإصلاح، ولذلك قال تعالى فَمَنْ عَفا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ [٤٠/ الشورى] .
(ولكن) استدراك لدفع ما قد يتوهّم أنّه ترك الجزاء عجزا؛ أو مع بقاء الغضب!! فصرّحت عائشة رضي الله تعالى عنها بأنّه مع القدرة؛ فقالت:
(يعفو) أي: يعامل الجاني معاملة العافي، بأن لا يظهر له شيئا مما تقتضيه الجناية، (ويصفح): يظهر له أنّه لم يطلع على شيء من ذلك، أو المراد يعفو بباطنه؛ ويصفح يعرض بظاهره، وذلك منه طبعا وامتثالا، لقوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ [١٣/ المائدة] وأصله من الإعراض بصفحة العنق عن الشيء؛ كأنه لم يره.
وحسبك من عفوه وصفحه عن أعدائه الّذين حاربوه، وبالغوا في إيذائه حتّى كسروا رباعيته وشجّوا وجهه!. وما من حليم؛ إلّا وقد عرفت له زلّة أو هفوة تخدش في كمال حلمه؛ إلّا المصطفى ﷺ، فلا يزيده الجهل عليه وشدّة إيذائه إلّا عفوا وصفحا انتهى «باجوري» . قال:
(والصّخب) - محرّكا- (: شدّة الصوت) يقال: صخب كفرح؛ فهو صخّاب وهي صخّابة. انتهى
(وفي «الإحياء») أي: كتاب «إحياء علوم الدين» للإمام الغزالي رحمه الله تعالى:
[ ٢ / ٤٥٤ ]
قد وصفه الله تعالى في «التّوراة» قبل أن يبعثه فقال: محمّد رسول الله عبدي المختار؛ لا فظّ، ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة،
(قد وصفه الله تعالى في «التّوراة») الّذي أنزل على موسى- على نبيّنا وعليه الصلاة والسلام- (قبل أن يبعثه) بمدّة طويلة في السّفر الأوّل؛ (فقال محمّد رسول الله عبدي المختار)؛ أي: اخترته من بين عبادي، (لا فظّ) - بفتح الفاء وتشديد الظاء المعجمة- وهو من الرجال: سيّء الخلق، (ولا غليظ)؛ هو:
الجافي الطبع القاسي القلب، ولا ينافيه قوله تعالى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة] !! لأنّ النفي بالنسبة للمؤمنين؛ والأمر بالنسبة للكفار والمنافقين، كما هو مصرّح به في الآية. أو النفي محمول على طبعه؛ والأمر محمول على المعالجة.
قال العلّامة ملا علي قاري رحمه الله تعالى:
وفيه نكتة لطيفة؛ وهي: أنّه كانت صفة الجمال من الرحمة واللّين غالبة عليه حتّى احتاج بمعالجة الأمر إليه. انتهى.
(ولا صخّاب)؛ من الصّخب- بالصاد والسين والخاء المعجمة- محرّكة؛ هو الضّجر واضطراب الأصوات للخصام. وقيل: غير ذلك.
(في الأسواق) لأنّه ليس ممّن ينافس في الدنيا وجمعها؛ حتّى يحضر الأسواق لذلك؛ فذكرها إنّما هو لكونها محلّ ارتفاع الأصوات لذلك؛ لا لإثبات الصّخب في غيرها، أو لأنّه إذا انتفى فيها انتفى في غيرها بالأولى.
والمراد بالمبالغة هنا أصل الفعل. وقد تقدّم قريبا الكلام على ذلك.
(ولا يجزي) بوزن: يرمي (بالسّيّئة السّيّئة) - بالنصب-، ولما كان ذلك موهما أنّه ترك الجزاء عجزا؛ استدركه بقوله:
[ ٢ / ٤٥٥ ]
ولكن يعفو ويصفح، مولده بمكّة، وهجرته بطابة، وملكه بالشّام، يأتزر على وسطه، هو ومن معه دعاة للقرآن والعلم، يتوضّأ على أطرافه.
(ولكن يعفو) بباطنه، (ويصفح): يعرض بظاهره، امتثالا لقوله تعالى فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣) [المائدة] .
(مولده بمكّة) في سوق الليل؛ محلّ معروف هناك، وقد جعل الآن خزانة للكتب العلمية الدينية؛ تابع لوزارة الأوقاف (وهجرته بطابة)، وهو من أسماء المدينة المنورة، (وملكه بالشّام)، المراد به الإقليم المعروف، وقد صارت المملكة الإسلامية كلّها عاصمتها دمشق الشام في زمن سيّدنا معاوية بن أبي سفيان رضي الله تعالى عنهما، ثم من بعده خلفاء بني أمية.
(يأتزر على وسطه) أي: يستعمل الإزار؛ كما هو عادة العرب.
(هو ومن معه) من أصحابه (دعاة)؛ جمع داع- بالدال المهملة- أي:
يدعون النّاس. وفي «الإحياء» - بالراء-: رعاة (للقرآن والعلم) أي: حملة لهما، وحفظة يرعونهما حقّ الرّعاية بالحفظ والفهم والعمل بما فيه.
(يتوضّأ على أطرافه) أي: يغسل أطرافه عند الوضوء.
قال في «شرح الإحياء»: أخرج البيهقيّ في «الدّلائل» عن عطاء بن يسار؛ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاصي؛ فقلت له: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في «التوراة»، فقال: أجل والله؛ إنّه لموصوف في «التوراة» ببعض صفته في القرآن: «يا أيّها النّبيّ؛ إنّا أرسلناك شاهدا ومبشّرا ونذيرا وحرزا للأمّيّين، أنت عبدي ورسولي، سمّيتك المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخب بالأسواق، ولا يدفع السّيّئة بالسّيّئة، ولكن يعفو ويغفر
الحديث، وفي لفظ له: ولا صخّاب في الأسواق، وفيه: ولكن يعفو ويصفح» .
رواه البخاريّ عن محمّد بن سنان عن فليح.
[ ٢ / ٤٥٦ ]
وكذلك نعته في «الإنجيل» .
ورواه البيهقي نحو ذلك؛ من حديث عبد الله بن سلام وكعب الأحبار. وفيه:
ولكن يعفو ويغفر ويتجاوز.
ومن طريق محمّد بن ثابت بن شرحبيل عن أمّ الدرداء أنّها سألت كعبا عن صفته ﷺ في «التوراة»؛ فقال: نجده «محمّد رسول الله اسمه المتوكّل، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب في الأسواق» الحديث.
ورواه من طريق المسيّب؛ عن نافع؛ عن كعب: قال الله ﷿ لمحمّد ﷺ «عبدي المتوكّل المختار؛ ليس بفظّ ولا غليظ، ولّا صخّاب في الأسواق، ولا يجزي بالسّيّئة السّيّئة، ولكن يعفو ويصفح» .
وأخرجه البيهقيّ؛ من طريق عمر بن الحكم بن رافع بن سنان عن بعض عمومته وآبائه: أنّه كانت عندهم ورقة يتوارثونها عن الجاهلية حتّى جاء الله بالإسلام، وفيها: «لأمّة تأتي في آخر الزّمان يبلّون أطرافهم، ويتّزرون على أوساطهم»
الحديث.
(وكذلك نعته في «الإنجيل») من جهة بعثته ومهاجرته وما خصّه الله من أوصافه. أخرج البيهقيّ في «الدلائل»؛ من طريق العيزار بن حريث؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
إنّ رسول الله ﷺ مكتوب في «الإنجيل»: «لا فظّ ولا غليظ، ولا صخّاب بالأسواق؛ ولا يجزي بالسّيّئة مثلها، بل يعفو ويصفح» .
وقد ذكر ذلك صاحب «الشفاء» وغيره، وأوسع شرّاحه الكلام فيه.
وروى الترمذيّ في «الشمائل»؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
لم يكن فاحشا ولا متفحّشا، ولا سخّابا في الأسواق، ولا يجزي السيّئة بالسيئة، ولكن يعفو ويصفح! وقد تقدّم.
[ ٢ / ٤٥٧ ]
وكان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء. وكان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه، ولو فعل ما فعل.
وكان ﷺ إذا آذاه أحد.. يعرض عنه، ويقول:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
(و) في «كشف الغّمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ لا يجفو على أحد، ولو فعل معه ما يوجب الجفاء) .
روى أبو داود، والترمذيّ في «الشمائل»، والنسائي في «اليوم والليلة»؛ من حديث أنس ﵁: قلّما يواجه رجلا بشيء يكرهه. وفيه ضعف.
وللشيخين؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنّ رجلا استأذن عليه ﷺ؛ فقال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا دخل ألان له القول
الحديث.. وسيأتي.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان ﷺ يقبل معذرة المعتذر إليه؛ ولو فعل ما فعل) . متّفق عليه؛ من حديث كعب بن مالك في قصّة الثلاثة الذين خلّفوا، وفيه: طفق المخلّفون يعتذرون إليه؛ فقبل منهم علانيتهم
الحديث.
(و) في «كشف الغمّة» للإمام الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا آذاه أحد يعرض عنه) ويصفح، ولا يقابله بالجفا، بل يشفق عليه؛ (ويقول: «رحم الله أخي موسى) - بن عمران عليه أفضل الصلاة والسلام- (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر») أي: آذاه قومه بأشدّ مما أوذيت به من تشديد فرعون وقومه، وإبائه عليه، وقصده إهلاكه، بل ومن تعنّت من آمن معه من بني إسرائيل حتّى رموه بالأدرة، واتهموه بقتل أخيه هارون ﵇ لما مات معه في التّيه، ولما سلك بهم البحر؛ قالوا: إنّ صحبنا لا نراهم!! فقال: «سيروا
[ ٢ / ٤٥٨ ]
وكان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره، وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي، فيحتمله ولا يؤاخذ.
فإنّهم على طريق كطريقكم» . قالوا: لا نرضى حتّى نراهم. قال: «اللهم أعنّي على أخلاقهم السيّئة» . ففتحت لهم كوّات في الماء فتراؤا وتسامعوا.. إلى غير ذلك من تعنّتاتهم معه ﵊.
وكلامه ﷺ ذلك شفقة عليهم ونصحا في الدين؛ لا تهديدا وتثريبا.
وسيأتي هذا الحديث مع بيان أنّه رواه الإمام أحمد، والشيخان؛ عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان ﷺ يرى اللّعب المباح فلا ينكره) . وروى البخاريّ، ومسلم؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها في لعب الحبشة بين يديه في المسجد، وقال لهم: «دونكم؛ يا بني أرفدة» .
(وترفع عليه الأصوات بالكلام الجافي فيحتمله؛ ولا يؤاخذ) .
قال الحافظ العراقي: روى البخاريّ؛ من حديث عبد الله بن الزبير: قدم ركب من بني تميم على النبي ﷺ، فقال أبو بكر: أمّر القعقاع بن معبد! وقال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس! فقال أبو بكر: ما أردت إلّا خلافي. فقال عمر: ما أردت خلافك! فتماريا حتّى ارتفعت أصواتهما، فنزلت يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ [١/ الحجرات] انتهى.
وروى البخاريّ، وابن المنذر، والطبرانيّ عن ابن أبي مليكة؛ قال: كاد الخيّران أن يهلكا: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند النبي ﷺ حين قدم عليه ركب من بني تميم فساقه. وأخرجه الترمذيّ من هذا الطريق. انتهى شرح «الإحياء» .
[ ٢ / ٤٥٩ ]
وكان ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد.. عدل عن الدّعاء عليه ودعا له.
وما ضرب رسول الله ﷺ بيده امرأة ولا خادما قطّ ولا غيرهما؛ إلّا أن يكون في الجهاد.
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمة»: (كان) رسول الله (ﷺ إذا سئل أن يدعو على أحد) مسلم أو كافر؛ عامّ أو خاصّ (عدل عن الدّعاء عليه ودعا له) .
روى الشيخان؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قالوا: يا رسول الله؛ إنّ دوسا قد كفرت وأبت فادع عليها. فقيل: هلكت دوس. فقال: «اللهمّ؛ اهد دوسا وأت بهم» .
ولما آذاه المشركون يوم أحد وكسروا رباعيته وشجّوا وجهه شقّ ذلك على أصحابه، فقالوا: لو دعيت عليهم؟! فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا! ولكن بعثت داعيا ورحمة!! اللهمّ؛ اغفر لقومي- أو اهد قومي- فإنّهم لا يعلمون» .
(و) روى مسلم، والترمذيّ في «الشمائل»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (ما ضرب رسول الله ﷺ بيده) - لتأكيد النوعيّة؛ نحو يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [٣٨/ الأنعام]، إذ الضرب عادة لا يكون إلا باليد- (امرأة) من نسائه، (ولا خادما) له (قطّ) وخصّهما!! لكثرة وجود سبب ضربهما، للابتلاء بمخاطبتهما ومخالفتهما غالبا، (ولا غيرهما) آدميّ وغيره؛ أي: ضربا مؤذيا.
وضربه لمركوبه!؟ لم يكن مؤذيا، ووكز بعير جابر حتّى سبق القافلة بعد ما كان عنها بعيدا معجزة، وكذا ضربه لفرس طفيل الأشجعيّ لمّا رآه متخلّفا عن الناس؛ وقال: «اللهمّ؛ بارك فيها»، وقد كان هزيلا ضعيفا!! قال طفيل: فلقد رأيتني ما أملك رأسها، ولقد بعت من بطنها باثني عشر ألفا. رواه النسائي «ذكره الزرقانيّ على «المواهب» .
(إلّا أن يكون في الجهاد) فيضرب إن احتاج إليه، وقد قتل بأحد أبيّ بن خلف
[ ٢ / ٤٦٠ ]
قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه.. يقول ﷺ: «لولا خشية القصاص يوم القيامة..
لأوجعتك بهذا السّواك» .
ولمّا كسرت رباعيته ﷺ وشجّ وجهه
الكافر، وما قتل بيده أحدا غيره!! بل قال ابن تيمية: لا نعلمه ضرب بيده أحدا غيره. انتهى.
(قال أنس رضي الله تعالى عنه: كان الخادم إذا أغضبه يقول ﷺ: «لولا خشية القصاص يوم القيامة لأوجعتك بهذا السّواك») . ذكره الشعراني في «كشف الغمّة» .
(و) في «الشفاء» و«المواهب»: روي أنّ النبي ﷺ (لمّا كسرت) - بصيغة المجهول؛ يعني: شطبت- (رباعيته ﷺ) اليمنى السفلى وذهبت منها فلقة،
وهي- بفتح الراء وخفّة الموحّدة والمثناة التحتية المفتوحة؛ بوزن ثمانية-:
السنّ التي بين الثنية والنّاب. وللإنسان ثنايا أربع، ورباعيات أربع، وأنياب أربعة، وأضراس عشرون.
وكان الذي كسرها عتبة بن أبي وقّاص وجرح شفته السفلى.
(وشجّ وجهه) - بصيغة المجهول- شجّه عبد الله بن شهاب الزّهري؛ قاله العلامة ملا علي القاري.
وقال الزرقاني: إن الّذي شجّ وجهه عبد الله بن قمئة، ونقل الخفاجيّ؛ عن «سيرة ابن هشام» وغيره: أن عتبة بن أبي وقّاص رماه ﷺ فكسر رباعيته اليمنى السفلى، وجرح شفته السّفلى، وأن عبد الله بن شهاب الزهري شجّ وجهه الشريف، وأنّ ابن قمئة ضربه بالسيف على شقّه الأيمن وجرح وجنته؛ فدخلت
[ ٢ / ٤٦١ ]
يوم أحد.. شقّ ذلك على أصحابه شديدا، وقالوا: لو دعوت عليهم، فقال: «إنّي لم أبعث لعّانا؛ ولكن بعثت داعيا ورحمة،
حلقتان من المغفر في وجنته الشريفة فنزعهما أبو عبيدة بن الجرّاح حتى سقطت ثنيّته.
وقد اختلف في إسلام عتبة بن أبي وقّاص؟! والصحيح أنّه لم يسلم، وابن شهاب أسلم. وأمّا ابن قمئة! فنطحه كبش فقتله، أو فألقاه من شاهق فهلك، ولم يولد أحد من نسل عتبة إلّا أبخر أهتم. فسرى خزيه لعقبه. انتهى.
ذكره الخفاجي والقاري في «شرحيهما»؛ على «الشفا» رحمهم الله تعالى.
آمين.
(يوم أحد) حتّى صار الدم يسيل على وجهه الشّريف، فصار ينشّفه، ويقول:
«لو وقع شيء منه على الأرض لنزل عليهم العذاب من السّماء» .
(شقّ ذلك) المذكور؛ من الكسر والجرح والشجّ (على أصحابه) شقّا (شديدا، وقالوا) له ﷺ (: لو دعوت)؛ أي: الله (عليهم) أي: على الكفّار بأن يهلكهم الله ويستأصلهم بأشدّ العذاب لأجيب دعاؤك، أو أنّ «لو» للتمنّي؛ فلا تحتاج لجواب.
(فقال: «إنّي لم أبعث) - بالبناء للمجهول- أي: لم يبعثني الله (لعّانا) أي: صاحب لعن وطرد عن رحمة الله تعالى، فالمراد نفي أصل الفعل؛ نحو وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ [٤٦/ فصلت] يعني: لو دعوت عليهم لبعدوا عن رحمة الله تعالى، ولصرت قاطعا عن الخير مع أنّي لم أبعث بهذا، (ولكن بعثت داعيا) للناس إلى الله تعالى، (ورحمة) للناس أجمعين بإخراجهم من الكفر إلى الإيمان، وبتأخير العذاب عمن كفر؛ لا لطردهم من رحمة الله، وإبعادهم عنه، فاللعن مناف لحالي فكيف ألعن؟!!.
ثمّ لم يكتف بذلك حتّى سأل الله تعالى لهم الغفران أو الهداية، فقال:
[ ٢ / ٤٦٢ ]
اللهمّ اهد قومي فإنّهم لا يعلمون» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ منتصرا من مظلمة ظلمها
(اللهمّ)؛ اغفر لقومي، كما في رواية، وفي أخرى:
اللهمّ (اهد قومي) بإضافتهم إليه؛ إظهارا لسبب شفقته عليهم، فإنّ الطبع البشري يقتضي الحنوّ على القرابة بأيّ حال، ولأجل أن يبلغهم ذلك فتنشرح صدورهم للإيمان. ثمّ اعتذر عنهم بالجهل؛ بقوله:
(فإنّهم لا يعلمون») طريق الحق؛ ولا معرفة قدر نبيه ﷺ، وما يريد بهم من الخير، ولو علموا ذلك لم يصدر عنهم ما صدر.
ولم يقل «يجهلون» !! تحسينا للعبارة ليجذبهم بزمام لطفه إلى الإيمان، ويدخلهم بعظيم حلمه حرم الأمان، مع أنّه إنّما هو جهل حكميّ، وإن لم يكن بعد مشاهدة الآيات البيّنات عذر، لكنه تضرّع إلى الله أن يمهلهم حتّى يكون منهم، أو من ذريّتهم مؤمنون، وقد حقّق الله رجاءه. انتهى «زرقاني، وخفاجي» .
وقال ملا علي قاري في «شرح الشفاء»: والحديث رواه البيهقيّ في «شعب الإيمان» مرسلا، وآخره موصولا؛ وهو في «الصحيح» حكاية عن نبيّ ضربه قومه. انتهى
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب» و«الصفة النبوية»، ومسلم في «الفضائل»، والإمام أحمد، وأبو داود في «الأدب»، والترمذيّ في «الشمائل» مع مخالفة يسيرة، وهذا لفظ «الشمائل» إلّا قوله فإن كان إثما إلخ: كلهم؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت) أي:
ما علمت، إذ هو الأنسب بالمقام (رسول ﷺ منتصرا)؛ أي منتقما وناصرا لنفسه على غيره (من) أجل (مظلمة) - بفتح الميم وكسر اللام، وتفتح- (ظلمها) - بصيغة المجهول- فلا ينتصر لنفسه ممّن ظلمه، بل كان يعفو عنه؛ فقد عفا عمّن
[ ٢ / ٤٦٣ ]
قطّ ما لم ينتهك من محارم الله شيء، فإذا انتهك من محارم الله شيء.. كان من أشدّهم في ذلك غضبا. وما خيّر بين أمرين إلّا اختار أيسرهما؛
قال له «إن هذه القسمة ما أريد بها وجه الله تعالى» !! لأجل تأليفه في الإسلام، مع عذره؛ لاحتمال أنّها جرت على لسانه من غير أن يقصد بها الطعن في القسمة،
وقد عفا أيضا عمّن رفع صوته عليه، لكونه طبعا وسجيّة له؛ كما هو عادة جفاة العرب. وعمّن جذبه بردائه حتّى أثّر في عنقه الشريف؛ وقال: إنّك لا تعطيني من مالك، ولا من مال أبيك!! فضحك وأمر له بعطاء!! لما كان عليه من مزيد الحلم والصبر، والاحتمال، فلو انتقم لنفسه لم يكن عنده صبر، ولا حلم، ولا احتمال، بل يكون عنده بطش وانتقام.
(قطّ) أبدا (ما لم ينتهك) - مبني للمفعول- أي: يرتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله، وهذا كالاستثناء المنقطع، لأنه في هذه الحالة ينتصر لله، لا لنفسه، وإنّما ناسب ما قبله!! لأنّ فيه انتقاما ما في الجملة.
(فإذا انتهك) أي: ارتكب (من محارم الله شيء) حرّمه الله؛ (كان من أشدّهم) أي: أشدّهم «من» زائدة (في ذلك) أي: لأجل ذلك (غضبا)، فينتقم ممّن ارتكب ذلك لصلابته، فإن العفو عن ذلك ضعف ومهانة.
ويؤخذ من ذلك: أنّه يسنّ لكل ذي ولاية التّخلّق بهذا الخلق، فلا ينتقم لنفسه، ولا يهمل حقّ الله ﷿. (وما) - رواية الشيخين: ولا- (خيّر) بلفظ المبنيّ للمجهول (بين أمرين) أي: من أمور الدنيا، بدليل قوله: «ما لم يكن مأثما» لأنّ أمور الدين لا إثم فيها.
(إلّا اختار أيسرهما): أسهلهما وأخفّهما، فإذا خيّره الله في حقّ أمّته بين وجوب الشيء وندبه؛ أو حرمته؛ أو إباحته اختار الأيسر لهم، وكذلك إذا خيّره الله في حقّ أمّته بين المجاهدة في العبادة والاقتصاد، فيختار الأسهل لهم؛ وهو الاقتصاد.
[ ٢ / ٤٦٤ ]
ما لم يكن إثما، فإن كان إثما.. كان أبعد النّاس منه. وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها، وإنّما يغضب إذا انتهكت حرمات الله ﷿؛ فحينئذ يغضب، ولا يقوم لغضبه شيء
وإذا خيّره الكفّار بين المحاربة والموادعة؛ اختار الأخفّ عليهم؛ وهو الموادعة.
وإذا خيّره الله بين قتال الكفار وأخذ الجزية منهم اختار الأخفّ عليهم؛ وهو أخذ الجزية.
فينبغي الأخذ بالأيسر، والميل إليه دائما، وترك ما عسر من أمور الدنيا والآخرة.
وفي معنى ذلك الأخذ برخص الله تعالى ورسوله ورخص العلماء؛ ما لم يتتبع ذلك بحيث تنحلّ ربقة التقليد من عنقه؛ قاله الباجوري رحمه الله تعالى.
(ما لم يكن) أيسرها (إثما)، وبعضهم جعل الاستثناء منقطعا؛ إن كان التخيير من الله، ومتّصلا؛ إن كان من غيره، إذ لا يتصوّر تخيير الله إلّا بين جائزين.
(فإن كان) الأيسر (إثما؟ كان) ﷺ (أبعد النّاس منه)؛ فيختار الأشدّ حينئذ.
(وكان ﷺ لا يغضب لنفسه، ولا ينتقم لها)؛ أي: لا ينتصر لها إذا آذاه أحد من الأعراب وغيرهم؛ بما يتعلّق بنفسه.
(وإنّما يغضب إذا انتهكت): ارتكبت (حرمات الله ﷿، فحينئذ يغضب) لله تعالى؛ لا لحظّ نفسه.
(ولا يقوم)؛ من قام: إذا ثبت، أي لا يثبت (لغضبه شيء) .
[ ٢ / ٤٦٥ ]
حتّى ينتصر للحقّ، وإذا غضب.. أعرض وأشاح.
والقريب والبعيد والقويّ والضّعيف.. عنده في الحقّ سواء.
قوله (أشاح) أي: أعرض بوجهه.
والمعنى: لا يقوم أحد من الخلق لدفع غضبه إذا تعرّض أحد له في أمر ربّه (حتّى ينتصر للحقّ)؛ أي: يقوم بنصرة الحقّ فيؤدّيه ويبطل خلافه.
(وإذا غضب أعرض) عمّن غضب عليه من غير لوم له، لشدّة حلمه ﷺ (وأشاح) - بشين معجمة وحاء مهملة؛ بينهما ألف- قيل معناه: صرف وجهه، فهو تأكيد لما قبله، وقيل معناه: قبض وجهه وزواه من غير لوم وعقاب؛ قاله الخفاجي.
(والقريب) أي: ذو القرابة (والبعيد) أي: الأجنبيّ، (والقويّ)؛ أي:
القادر على أخذ حقّه، (والضّعيف) أي: القاصر عن التوصّل إلى حقّه كلّهم (عنده في الحقّ سواء)، فيأخذ الحقّ من القويّ للضعيف، ومن القريب للبعيد، وعكسه.
(قوله: أشاح) - بشين معجمة وحاء مهملة في آخره- (أي: أعرض بوجهه) وصفح عنقه عنه، فهو على هذا تأكيد لما قبله- كما تقدّم-.
روى الترمذيّ في «الشمائل» في حديث هند بن أبي هالة: «لا تغضبه الدنيا؛ وما كان منها، فإذا تعدّي الحقّ؛ لم يقم لغضبه شيء حتى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه، ولا ينتصر لها، وقد تقدّم.
ونحوه في «الشفاء» وفيه: وإذا غضب أعرض وأشاح.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود: ثلاثتهم في «الأدب»، والترمذيّ في «البرّ» في «جامعه» وفي «شمائله» مع مخالفة في الألفاظ- وهذا لفظ- «الشمائل»:
[ ٢ / ٤٦٦ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: استأذن رجل على رسول الله ﷺ وأنا عنده، فقال: «بئس ابن العشيرة»، أو «أخو العشيرة» . ثمّ أذن له، فلمّا دخل.. ألان له القول.
فلمّا خرج.. قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ قالت: استأذن رجل) هو عيينة بن حصن الفزاريّ الّذي يقال له «الأحمق المطاع»، وكان إذ ذاك مضمر النّفاق، فلذلك قال فيه الرسول ﷺ ما قال ليتّقي شرّه، فهو ليس بغيبة، بل نصيحة للأمّة. ويدلّ على ذلك أنّه أظهر الردّة بعده ﷺ- كما سيأتي- (على رسول الله) أي: في الدخول على رسول الله (ﷺ وأنا عنده، فقال)؛ أي: النبي ﷺ في حقّ عيينة (: «بئس ابن العشيرة»؛ أو «أخو العشيرة» .) هكذا وقع في هذه الرواية بالشكّ من الراوي، وفي البخاري: «بئس أخو العشيرة، وبئس ابن العشيرة» - بالواو- ومن غير شكّ، والشكّ من سفيان، فإنّ جميع أصحاب ابن المنكدر رووه عنه بدون الشك.
والعشيرة: القبيلة، وإضافة الابن أو الأخ إليها كإضافة الأخ إلى العرب؛ في قوله: «يا أخا العرب» يريدون بذلك واحدا منهم؛ أي: بئس هذا الرجل من هذه القبيلة؛ فهو مذموم متميّز بالذمّ من بين آحادها.
(ثمّ أذن له) أي: في الدخول، (فلمّا دخل ألان له القول) أي: لطّفه له ليتألّفه ليسلم قومه، لأنّه كان رئيسهم.
وفيه جواز مداراة الكافر اتقاء شرّه، لا سيّما إن كان مطاعا في قومه ما لم يؤدّ للمداهنة في الدين.
(فلمّا خرج قلت: يا رسول الله؛ قلت ما قلت) أي: قلت الّذي قلته في غيبته (ثمّ ألنت له القول)؛ أي: لطّفت له القول عند معاينته، فهلا سوّيته بين حضوره وغيبته؟! وما السبب في عدم التسوية بين الحالين؛ كما هو المأمول منك فظهر
[ ٢ / ٤٦٧ ]
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس، أو ودعه النّاس اتّقاء فحشه» .
قال في «المواهب»: (هذا الرّجل هو عيينة بن حصن
من هذا أنّ غرضها الاستفهام عن سبب عدم التسوية بين الحالين كما هو المأمول.
(فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس- أو ودعه النّاس) شكّ من سفيان، والدّال مخففة؛ كما قرىء به قوله تعالى ما وَدَّعَكَ رَبُّكَ شاذّا، فلا ينافي قول الصرفيين: «وأمات العرب ماضي: يدع، ويذر» !! لأنّ المراد بإماتته ندرته؛ فهو شاذّ استعمالا صحيح قياسا.
قال صاحب «منظومة الصرف» .
وقد أماتوا الماضي من يذر يدع لكنّ في الضّحى قري بما ودع
(اتقاء فحشه») أي: لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله، أو لأجل اتقاء مجاوزته الحدّ الشرعي؛ قولا، أو فعلا.
وحاصل ما أجابها به ﵊: أنّه ألان له الكلام في الحضور لاتقاء فحشه؛ كما هو شأن جفاة العرب، لأنّه لو لم يلن له الكلام لأفسد حال عشيرته، وزيّن لهم العصيان، وحثّهم على عدم الإيمان، فإلانة القول له من السياسة الدينية والمصلحة للأمّة المحمّدية.
وبالجملة؛ فقد كمّل الله نبيّنا ﷺ في كلّ شيء.
ومن جملة ذلك تأليفه لمن يخشى عليه؛ أو منه، فكان يتألّفهم ببذل الأموال وطلاقة الوجه، وشفقة على الخلق وتكثيرا للأمّة، كيف لا؛ وهو نبيّ الرّحمة؟!
وقد جمع هذا الحديث علما وأدبا؛ فتنبّه لذلك.
(قال) العلّامة شهاب الدّين أبو العبّاس القسطلّاني (في «المواهب) اللّدنيّة»؛ نقلا عن ابن بطّال (: هذا الرّجل) المبهم في الحديث (هو عيينة بن حصن) - بكسر الحاء المهملة وإسكان الصاد المهملة- ابن حذيفة بن بدر
[ ٢ / ٤٦٨ ]
الفزاريّ، وكان يقال له: (الأحمق المطاع) .
وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على ضعف إيمانه، فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة. وأمّا إلانة القول بعد أن دخل
(الفزاريّ) - نسبة إلى بني فزارة: قبيلة مشهورة- وكذا فسّره به القاضي عياض، والقرطبيّ، والنوويّ جازمين بذلك.
(وكان يقال له «الأحمق) - فاسد العقل- (المطاع») !! لأنّه كان يتبعه من قومه عشرة آلاف قناة لا يسألونه «أين يريد» .
ومن حمقه أنّه دخل على النبي ﷺ وعائشة عنده قبل نزول الحجاب؛ فقال:
من هذه؟ قال: «عائشة» . قال: ألا أنزل لك عن أمّ البنين؟! فغضبت عائشة؛ وقالت: من هذا؟! فقال ﷺ: «هذا الأحمق المطاع» يعني: في قومه. رواه سعيد بن منصور.
وروى الحارث بن أبي أسامة هذا الحديث مرسلا؛ وفيه: «إنّه منافق أداريه عن نفاقه، وأخشى أن يفسد عليّ غيره» .
(وقد كانت منه في حياة النّبيّ ﷺ وبعده أمور تدلّ على ضعف إيمانه)؛ كدخوله على المصطفى بلا إذن، فقال له: «أخرج فاستأذن» !. فقال: إنّها يمين عليّ ألاأستأذن على مضريّ.
وقوله لعمر في خلافته: ما تعطي الجزل، ولا تحكم بالعدل. فغضب؛ فقال له الحرّ بن قيس: إنّ الله يقول خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ (١٩٩) [الأعراف] فتركه عمر ﵁.
ودخل على عثمان فأغلظ له؛ فقال عثمان: لو كان عمر ما أقدمت عليه.
(فيكون ما وصفه به ﵊ من علامات النّبوّة) .
(وأمّا إلانة القول بعد أن دخل) على المصطفى ﷺ في المحلّ الذي كان فيه!!
[ ٢ / ٤٦٩ ]
فعلى سبيل الائتلاف والمداراة. وهي مباحة، وربّما استحسنت بخلاف المداهنة.
والفرق بينهما أنّ المداراة: بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو الدّين، أو هما معا.
(فعلى سبيل الائتلاف والمداراة، وهي مباحة، وربّما استحسنت)؛ فكانت مستحبّة، أو واجبة.
وللديلميّ في «الفردوس»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها مرفوعا: «إنّ الله أمرني بمداراة النّاس؛ كما أمرني بإقامة الفرائض» .
ولابن عديّ، والطّبراني؛ عن جابر رفعه: «مداراة النّاس صدقة» .
وفي حديث أبي هريرة: «رأس العقل بعد الإيمان بالله مداراة النّاس» .
أخرجه البيهقي بسند ضعيف، وعزاه في «فتح الباري» للبزّار! وتعقبه الحافظ السّخاويّ؛ بأن لفظ البزار «التّودّد إلى النّاس» بدل «مداراة النّاس» !!. انتهى.
(بخلاف المداهنة) في الدين؛ فليست مباحة، بل محرّمة.
وفي «شرح القاموس»: المداهنة المصانعة؛ كما في «الصحاح»، وقيل:
إظهار خلاف ما يضمر؛ كالادّهان. ومنه قوله تعالى وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) [القلم] . وقال الفرّاء: يعني ودّوا لو تكفر فيكفرون. وقال- في قوله تعالى أَفَبِهذَا الْحَدِيثِ أَنْتُمْ مُدْهِنُونَ (٨١) [الواقعة]- أي: تكذّبون. ويقال: كافرون. وقيل: معناه ودّوا لو تلين في دينك فيلينون.
وقال قوم: المداهنة المقاربة، والادّهان الغش؛ نقله الجوهري. انتهى ملخصا.
(والفرق بينهما) أي: بين المداراة والمداهنة (: أنّ المداراة بذل الدّنيا لصلاح الدّنيا أو) لصلاح (الدّين، أو هما) أي: الدين والدنيا، أي لصلاحهما (معا)، أو لسلامة عرضه من مذمّة أهل الشرّ.
[ ٢ / ٤٧٠ ]
والمداهنة: بذل الدّين لصلاح الدّنيا.
والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته والرّفق في مكالمته، ومع ذلك فلم يمدحه بقول، فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه حقّ، وفعله معه حسن عشرة، وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب،
وفي الحديث: «ما وقى به المرء عرضه فهو له صدقة»، فإذا استكفى الإنسان ما يخافه من شرّ الأشرار بما لا يضرّه في دينه؛ لم يكن عليه في ذلك جناح؛ إن شاء الله تعالى، وهذا إنّما يكون عند الابتلاء بالأشرار.
ومن البذل لين الكلام، وترك الإغلاظ في القول، والرفق بالجاهل في التعليم؛ والفاسق في النهي عن فعله وترك الإغلاظ عليه؛ حيث لم يظهر ما هو فيه، والإنكار عليه بلطف حتّى يرتدع عمّا هو مرتكبه، فكلّ هذا من أنواع المداراة.
(و) أما (المداهنة) ! فهي (: بذل الدّين لصلاح الدّنيا)، كأن يترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لكون مرتكب ذلك يعطيه شيئا من الدنيا، وذلك واقع كثيرا، وقلّما فعل ذلك أحد؛ إلّا أذلّه الله وأهانه، وسلّط عليه النّاس وحرم ممّا يرجوه منهم. (والنّبيّ ﷺ إنّما بذل له من دنياه حسن عشرته، والرّفق في مكالمته)، وليس ذلك من بذل الدين في شيء!!
(ومع ذلك فلم يمدحه بقول! فلم يناقض قوله فيه فعله، فإنّ قوله فيه) «بئس ابن العشيرة» (حقّ، وفعله معه حسن عشرة)، فيزول مع هذا التقرير الإشكال الّذي هو: أن النصيحة فرض؛ وطلاقة الوجه وإلانة القول يستلزمان الترك!؟
وحاصل جوابه: أنّ الفرض سقط لعارض.
ولله الحمد على فهمه، ما ظاهره يشكل علينا ففهمه من النّعم.
قال في «فتح الباري»: (وقد ارتدّ عيينة في زمن الصّدّيق وحارب)، وبايع
[ ٢ / ٤٧١ ]
ثمّ رجع وأسلم، وحضر بعض الفتوح في عهد عمر رضي الله تعالى عنه) انتهى.
وقال ابن الأثير
طليحة. قال بعضهم: فجيء به إلى الصدّيق أسيرا؛ فكان الصبيان يصيحون عليه في أزقّة المدينة، ويقولون: هذا الّذي خرج من الدين؟! فيقول لهم: عمّكم لم يدخل حتّى خرج، فكان ذلك القول علما من أعلام نبوّته ﷺ ومعجزة من معجزاته حيث أشار لمغيّب يقع؛ لكنه كما قال.
(ثمّ رجع وأسلم) بعد ذلك وحسن إسلامه، (وحضر بعض الفتوح في عهد عمر) بن الخطاب (رضي الله تعالى عنه. انتهى) أي كلام «المواهب»؛ مع «شرحه من الزرقاني» .
(وقال) الإمام العلّامة المحدّث المؤرّخ النّسّابة أبو الحسن عليّ بن أبي الكرم محمد بن محمد بن عبد الكريم بن عبد الواحد الشيباني المعروف ب «(ابن الأثير)» الجزري الملقّب «عز الدين» .
ولد بالجزيرة؛ أي: جزيرة ابن عمر سنة: خمس وخمسين وخمسمائة، ونشأ بها وسكن الموصل، وتجوّل في البلدان، وعاد إلى الموصل ولزم بيته متوفّرا على النظر في العلم والتّصنيف، وكان بيته مجمع الفضل لأهل الموصل والواردين عليها.
وكان إماما في حفظ الحديث ومعرفته، وما يتعلّق به، وحافظا للتواريخ المتقدّمة والمتأخرة، وخبيرا بأنساب العرب ووقائعهم وأخبارهم.
قال ابن خلّكان: واجتمعت به فوجدته رجلا مكمّلا في الفضائل وكرم الأخلاق، وكثرة التواضع؛ فلازمت التّرداد عليه، وكان بينه وبين الوالد مؤانسة أكيدة، فكان بسببها يبالغ في الرعاية والإكرام لي.
ومن مؤلّفاته كتاب «الكامل في التاريخ»، وهو من خيار التواريخ مرتّب على
[ ٢ / ٤٧٢ ]
في كتابه «أسد الغابة»، في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل رضي الله تعالى عنه: (روى النّضر بن شميل قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز،
السنين، بلغ فيه عام: تسع وعشرين وستمائة. وأكثر من جاء بعده من المؤرخين عيال على كتابه.
ومنها كتاب «اللباب في مختصر «الأنساب» لابن السمعاني، و«أسد الغابة في معرفة الصحابة»، و«تاريخ الدولة الأتابكيّة»، وغيرها.
وكانت وفاته سنة: ثلاثين وستمائة هجرية رحمه الله تعالى.
والجزيرة التي ينسب إليها هي جزيرة عبد العزيز بن عمر رجل من أهل «برقعيد»؛ من أعمال الموصل بناها فأضيفت إليه. وقيل غير ذلك.
ذكره ابن خلّكان في «تاريخه» «١» رحمه الله تعالى.
(في كتابه «أسد الغابة) في معرفة الصحابة» (في آخر ترجمة مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري. صحابي شهير من مسلمة الفتح، وكان له سنّ عالية وعلم بالنسب، فكان يؤخذ عنه، وعلم بأنصاب الحرم، فبعثه عمر فيمن بعثه لتحديدها، ومات سنة: أربع- أو: خمس- وخمسين، عن مائة وخمس عشرة سنة.
(رضي الله تعالى عنه: روى النّضر بن شميل) - بالتصغير- المازني، أبو الحسن البصري؛ ثم الكوفي النحوي شيخ مرو روى عن حميد، وبهز بن حكيم، وابن عون، وشعبة. وعنه يحيى بن يحيى، وإسحاق، والكوسج، وثّقه النّسائيّ، وأبو حاتم، وابن معين.
قال محمد بن قهزاذ مات سنة: ثلاث ومائتين.
(قال: حدّثنا أبو عامر الخزّاز) - بمعجمات-: صالح بن رستم المزني
_________________
(١) وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان.
[ ٢ / ٤٧٣ ]
عن أبي يزيد المدنيّ، عن عائشة قالت: جاء مخرمة بن نوفل، فلمّا سمع النّبيّ ﷺ صوته.. قال: «بئس أخو العشيرة» . فلمّا جاء.. أدناه، فقلت: يا رسول الله؛ قلت له ما قلت، ثمّ ألنت له القول؟
«مولاهم»، البصري صدوق كثير الخطأ.
قال أحمد بن حنبل: صالح الحديث، وضعّفه ابن معين، وأبو حاتم. ووثقّه أبو داود الطيالسيّ، وأبو داود، وابن حبّان، وأبو أحمد ابن عدي وغيرهم.
ومات سنة: اثنتين وخمسين ومائة.
(عن أبي يزيد المدنيّ)؛ ثم البصري، روى عن أبي هريرة، وأسماء بنت عميس، وعنه أيوب، وجرير بن حازم؛ وثّقه ابن معين، وقال أبو حاتم:
لا يسمّى ويكتب حديثه. وقال أبو زرعة: لا أعرف اسمه.
(عن عائشة) أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها؛ (قالت: جاء مخرمة بن نوفل) القرشيّ الزّهري يستأذن، (فلمّا سمع النّبيّ) ﷺ (صوته؛ قال: «بئس أخو العشيرة»)؛ أي: الواحد منها. يقال «هو أخو تميم»؛ أي: واحد منهم، والمراد بالعشيرة: الجماعة من الناس؛ لا واحد لها من لفظها. أو القبيلة؛ قاله عياض.
وقال غيره: العشيرة الأدنى إلى الرجل من أهله وهم ولد أبيه وجدّه.
وللعشيرة ثلاثة إطلاقات.
(فلمّا جاء أدناه)؛ أي: قرّبه ولاطفه وألان له القول.
(فقلت: يا رسول الله؛ قلت له)؛ أي: لأجله؛ وفي شأنه، لا أنّه خاطبه!! لفساد المعنى (ما قلت) أي: الذي قلته في غيبته، (ثمّ) في حضوره (ألنت له القول)؛ أي: لطّفت له القول؟!
[ ٢ / ٤٧٤ ]
فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه» . أخرجه الثّلاثة.
قال: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم، وكان في لسانه فظاظة، وكان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) انتهى.
(فقال: «يا عائشة؛ إنّ من شرّ النّاس من تركه النّاس اتّقاء فحشه») أي:
لأجل اتقاء قبيح قوله وفعله.
(أخرجه الثّلاثة) لم أره فيها! وعزاه في «المواهب» إلى عبد الغني بن سعيد!! ولم يتعقّبه الزّرقاني!! فلو كان موجودا في الكتب الثلاثة لما سكت الزرقاني على عزوه لعبد الغني بن سعيد: كما هي عادته رحمه الله تعالى!!
(قال) أي ابن الأثير (: وكان مخرمة هذا من المؤلّفة قلوبهم)، أعطاه النبي ﷺ من غنائم حنين خمسين بعيرا؛ قاله الواقدي.
(وكان في لسانه فظاظة)؛ أي: خشونة في كلامه.
وفي البخاريّ؛ عن المسور بن مخرمة أنّ أباه؛ قال له: يا بنيّ؛ بلغني أن النبي ﷺ قدمت عليه أقبية؛ وهو يقسمها فاذهب بنا إليه. فذهبنا فوجدنا النبي ﷺ في منزله؛ فقال: يا بنيّ؛ ادع لي النبيّ ﷺ فأعظمت ذلك؛ وقلت: أدعو لك رسول الله ﷺ؟!! فقال: يا بنيّ إنّه ليس بجبّار! فدعوته، فخرج وعليه قباء من ديباج مزرّر بالذّهب. فقال: «يا مخرمة؛ هذا خبّأناه لك» . فأعطاه إيّاه.
قال الحافظ ابن حجر: وللحديث طرق؛ عن ابن أبي مليكة. وفي بعضها أنّه قال للنبي ﷺ: ما كنت أرى أن تقسم في قريش قسما فتخطئني.
(و) عند البغوي وأبي يعلى؛ من طريق صالح بن حاتم بن وردان؛ عن أبيه؛ عن أيوب؛ عن ابن أبي مليكة نحو الأول. وزاد: قلت لحاتم: لم فعل ذلك؟! قال: (كان النّبيّ ﷺ يتّقي لسانه) أي: خشونة لسانه. (انتهى)؛ أي: كلام ابن الأثير رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٤٧٥ ]
والظّاهر أنّ ماذكره ابن الأثير من أنّ صاحب هذه القصّة هو مخرمة بن نوفل هو الصّحيح، أو: تكّررت.
وعن الحسن بن عليّ [رضي الله تعالى عنه] قال: قال الحسين:
سألت أبي عن سيرة النّبيّ ﷺ في جلسائه.. فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر، سهل الخلق،
قال المصنف: (والظّاهر أنّ ما ذكره ابن الأثير) في «أسد الغابة» (من أنّ صاحب هذه القصّة) الأخيرة (هو مخرمة بن نوفل هو) القول (الصّحيح)، لأن في هذه الرواية التصريح بتسميته! وإن كان في سنده راويان: أبو يزيد، وأبو عامر؛ وفيهما مقال- كما علمت-
لكن قال الخطيب والقاضي عياض وغيرهما: الصحيح أنّه عيينة. قالوا:
ويبعد أن يقول ﷺ في حقّ مخرمة ما قال، لأنّه كان من خيار الصحابة.
(أو) يقال: إنّ القصة تعدّدت؛ أي (تكرّرت) !!
قال الحافظ ابن حجر: يحمل ذلك على التعدّد. وقد حكى المنذريّ القولين؛ فقال: هو عيينة، وقيل: مخرمة. وهو الراجح. انتهى
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسند فيه راو لم يسمّ (عن الحسن) السّبط (بن عليّ) بن أبي طالب؛ (قال) أي الحسن (: قال الحسين) السّبط أخو الحسن (: سألت أبي) هو عليّ بن أبي طالب (عن سيرة) - بكسر السين- (النّبيّ ﷺ) أي: طريقته ودأبه (في جلسائه)؛ أي: معهم (فقال:
كان رسول الله ﷺ دائم البشر) - بكسر الموحّدة وسكون الشين المعجمة- أي: طلاقة الوجه وبشاشته ظاهرا مع الناس، فلا ينافي أنّه كان متواصل الأحزان باطنا؛ اهتماما بأهوال الآخرة؛ خوفا على أمّته، فلم يكن حزنه لفوت مطلوب، أو حصول مكروه من أمور الدّنيا؛ كما هو عادة أبناء الدنيا.
(سهل الخلق) - بضمّتين- أي: ليّنه ليس بصعبه؛ ولا خشنه، فلا يصدر عنه
[ ٢ / ٤٧٦ ]
ليّن الجانب، ليس بفظّ ولا غليظ، ولا صخّاب ولا فحّاش، ولا عيّاب، ولا مشاحّ،
ما يكون فيه إيذاء لغيره بغير حقّ.
(ليّن) - بتشديد التحتية المكسورة- (الجانب)؛ أي: سريع العطف كثير اللّطف، جميل الصفح مع السكون والوقار والخشوع والخضوع وعدم الخلاف.
(ليس بفظّ) - بفتح الفاء وتشديد الظاء المشالة- (ولا غليظ) أي: ليس بسيّء الخلق ولا غليظ القلب؛ بحيث يكون جافي الطبع قاسي القلب، قال تعالى وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [١٥٩/ آل عمران] .
وهذا قد علم من قوله سهل الخلق، لكن ذكر تأكيدا ومبالغة في المدح، والمراد أنّه كذلك في حقّ المؤمنين، فلا ينافي قوله تعالى وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة]، لأنّه في الكفّار والمنافقين؛ كما هو مصرّح به في الآية.
(ولا صخّاب) - بالصاد المهملة وتشديد الخاء المعجمة-، أي: ذي صخب- بالصاد أو بالسين- فهو صيغة نسب فيفيد نفي أصل الصخب كما مرّ (ولا فحّاش) أي: ليس بذي فحش، فهو صيغة نسب أيضا، فيفيد نفي أصل الفحش قليله؛ فضلا عن كثيره.
(ولا عيّاب) - بالعين المهملة- أي: ليس بذي عيب، فهو صيغة نسب؛ كما في الّذي قبله. في «الصحيحين»: ما عاب طعاما قطّ.
وهذا بالنسبة للمباح؛ فلا ينافي أنّه كان يعيب المحرّم وينهى عنه.
ويؤخذ منه: أنّ من آداب الطعام ألايعاب؛ كمالح، حامض، قليل الملح، غير ناضج، ونحو ذلك كما صرّح به النووي- وقد تقدّم-.
(ولا مشاحّ) - بضم الميم وتشديد الحاء المهملة- اسم فاعل من المشاحّة؛ وهي المضايقة في الأشياء، وعدم المساهلة فيها؛ شحّا بها وبخلا فيها، فالمراد أنّه لا يضايق في الأمور، ولا يجادل، ولا يناقش فيها.
[ ٢ / ٤٧٧ ]
يتغافل عمّا لا يشتهي؛ ولا يؤيس منه، ولا يجيب فيه،
وفي بعض نسخ «الشمائل» المصحّحة، ولا مدّاح؛ أي: ليس مبالغا في مدح شيء، لأنّ ذلك يدلّ على شره النّفس؛ أي: شدّة تعلّقها بالطعام، فلذلك روي أنّه ما عاب طعاما ولا مدحه؛ أي: على وجه المبالغة لوقوع أصله منه أحيانا.
وفي بعض النسخ: «ولا مزّاح»؛ أي: ليس مبالغا في المزح. لوقوع أصله منه ﷺ أحيانا.
(يتغافل عمّا لا يشتهي)؛ أي: يظهر الغافلة والإعراض عمّا لا يستحسنه من الأقوال والأفعال؛ تلطفا بأصحابه ورفقا بهم.
(ولا يؤيس منه) - بضمّ الياء وسكون الهمزة وكسر الياء الثانية-، وفي نسخة من «الشمائل»: ولا يوئس منه- بسكون الواو بعدها همزة مكسورة؛ أي:
لا يجعل غيره آيسا مما لا يشتهيه، ولا يقطع رجاءه منه، فالضمير المجرور في «منه» عائد على ما لا يشتهيه، ويحتمل أنّه راجع إلى النّبيّ ﷺ؛ أي: لا يجعل غيره الرّاجي له آيسا من كرمه وجوده.
ويؤيّد الاحتمال الأوّل قوله: (ولا يجيب فيه) - بالجيم- فإنّ الضمير المجرور ب «في» عائد لما لا يشتهي، أي: إذا طلب منه غيره شيئا لا يشتهيه لا يؤيسه منه، ولا يجيبه فيه؛ بل يسكت عنه؛ عفوا وتكرّما.
وقيل: المعنى لا يجيب من دعاه إلى ما لا يشتهيه من الطعام، بل يردّ الداعي بميسور من القول.
ويؤيّد الاحتمال الثاني ما في بعض نسخ «الشمائل» من قوله «ولا يخيّب فيه» - بفتح الخاء المعجمة وتشديد الياء التحتية-؛ من التخييب، فإنّ الضمير المجرور ب «في» راجع للنبي ﷺ.
وفي نسخة من «الشمائل»: و«لا يخيب» - بكسر الخاء المعجمة وسكون
[ ٢ / ٤٧٨ ]
قد ترك نفسه من ثلاث: المراء، والإكثار، وما لا يعنيه، وترك النّاس من ثلاث:
الياء المثناة- وهي بمعنى التي قبلها. أي: لا يخيب الراجي فيه؛ أي: المترجّي منه شيئا من أمور الدّنيا والآخرة، بل يحصل له مطلوبه، وفي بعض الرّوايات:
«يتغافل عمّا يشتهي. بحذف «لا» النّافية.
ومعناه أنّه لا يتكلّف تحصيل ما يشتهيه من الطعام.
ويؤيده خبر عائشة رضي الله تعالى عنها المارّ: كان لا يسأل أهله طعاما ولا يتشهاه، فإن أطعموه أكل، وما أطعموه قبل.
(قد ترك نفسه)؛ أي: منعها (من ثلاث) خصال مذمومة، فضمّن «ترك» معنى «منع»؛ فعدّاه ب «من»؛ وأبدل من ثلاث قوله
(: ١- المراء) وما بعده، وهو بكسر الميم وبالمدّ؛ أي: الجدال، ولو بحقّ لحديث: «من ترك المراء وهو محقّ بنى الله له بيتا في ربض الجنّة» .
وفي نسخة من «الشمائل» بدله «الرياء»؛ وهو: أن يعمل ليراه النّاس.
(٢- والإكثار) - بالمثلاثة- أي: الإكثار من الكلام، أو من المال.
وفي نسخة من «الشمائل»: الإكبار- بالموحدة- أي: استعظام نفسه؛ من أكبره: إذا استعظمه. ومنه قوله تعالى فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ [٣١/ يوسف] وقيل: جعل الشيء كبيرا بالباطل، فلا ينافي قوله ﷺ «أنا سيّد ولد آدم ولا فخر» ونحوه.
(٣- وما لا يعنيه) أي: ما لا يهمّه في دينه ودنياه كيفا، وقد قال ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه»، وقال تعالى وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣) [المؤمنون] .
(وترك النّاس)؛ أي: ترك ذكرهم (من) خصال (ثلاث) مذمومة؛ فهذه الثلاث تتعلّق بأحوال النّاس، والثلاثة السابقة تتعلّق بحال نفسه؛ وإلّا! فهذه الثلاثة مما ترك نفسه منه أيضا.
[ ٢ / ٤٧٩ ]
كان لا يذمّ أحدا، ولا يعيبه؛ ولا يطلب عورته، ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه، وإذا تكلّم.. أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطّير،
(١- كان لا يذمّ أحدا)، أي: مواجهة، (ولا يعيبه)؛ أي: في الغيبة، فيكون على هذا تأسيسا «١»؛ وهو خير من التأكيد؛ فهذا أولى مما اختاره ابن حجر من جعله تأكيدا؛ نظرا لكون الذمّ والعيب بمعنى واحد.
وفي بعض نسخ «الشمائل»: «ولا يعيّره» من التعيير؛ وهو التوبيخ.
(ولا يطلب عورته) أي: لا يطلب الاطلاع على عورة أحد؛ وهي ما يستحيا منه؛ إذا ظهر، فلا يتجسّس عن أموره الباطنة التي يخفيها.
ولا يعارضه ما سبق، يسأل النّاس عمّا في النّاس؟! لأنّ ذلك للأمور الظاهرة التي تناط بها الأحكام الشرعيّة والمصالح البشرية، وما قرّرناه هو المتبادر من العبارة كما فسّر به الشيخ ابن حجر، وإن قال بعض الشّرّاح: وقد أبعد ابن حجر حيث فسّره بعدم تجسّس عورة أحد.
(ولا يتكلّم إلّا فيما رجا ثوابه)؛ أي: ولا ينطق إلّا في الشيء الذي يتوقّع ثوابه، لكونه مطلوبا شرعا، لا فيما لا ثواب فيه مما لا يعني.
(وإذا تكلّم أطرق جلساؤه) أي: أرخوا رؤوسهم إلى الأرض؛ ونظروا إليها، وأصغوا إليه لاستماع كلامه.
ولسرورهم وارتياح أرواحهم بحديثه (كأنّما على رؤوسهم الطّير)، هذا كناية عن كونهم في نهاية من السكوت والسكون عند تكلّمه وتبليغه إليهم الأحكام الشرعية، لأن الطير لا يقع إلا على رأس ساكت ساكن.
و«أل» في «الطير» للجنس، فالمراد جنس الطير مطلقا. وقيل: للعهد والمعهود الباز.
_________________
(١) أي حكما مستقلا عن ما قبله؛ لا تأكيدا له.
[ ٢ / ٤٨٠ ]
فإذا سكت.. تكلّموا، لا يتنازعون عنده الحديث، ومن تكلّم عنده.. أنصتوا له حتّى يفرغ، حديثهم عنده حديث أوّلهم، يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في منطقه ومسألته
وبالجملة فشبّه حال جلسائه عند تكلّمه بحال من ينزل على رأسهم الطير في السكوت والسكون؛ مهابة له وإجلالا، لا لكبر ولا لسوء خلق فيه. حاشاه الله من ذلك.
(فإذا سكت تكلّموا)، أي: فلا يبتدرونه بالكلام، ولا يتكلّمون مع كلامه، بل لا يتكلمون إلّا بعد سكوته. وفي بعض النسخ «فإذا سكت سكتوا» أي:
لاقتدائهم به وتخلّقهم بأخلاقه.
(لا يتنازعون عنده الحديث)؛ أي: لا يختصمون عنده في الحديث.
(ومن تكلّم عنده أنصتوا له) أي: استمعوا لكلام المتكلّم عنده (حتّى يفرغ) من كلامه، فلا يتكلّم عنده اثنان معا، ولا يقطع بعضهم على بعض كلامه، لأنّه خلاف الأدب.
(حديثهم عنده حديث أوّلهم)؛ أي: لا يتحدّث أوّلا إلّا من جاء أوّلا، ثم من بعده وهكذا على الترتيب.
(يضحك ممّا يضحكون منه، ويتعجّب ممّا يتعجّبون منه)؛ أي: موافقة لهم وتأنيسا وجبرا لقلوبهم.
(ويصبر للغريب على الجفوة) - بفتح الجيم- أي: الغلظة وسوء الأدب (في منطقه ومسألته) كما كان يصدر من جفاة الأعراب.
فالصبر على أذى النّاس وجفوتهم من أعظم أنواع الصبر، فقد ورد: «إنّ المؤمن الّذي يخالط النّاس ويصبر على أذاهم أفضل ممّن يعتزلهم» .
[ ٢ / ٤٨١ ]
حتّى أن كان أصحابه ليستجلبونهم، ويقول: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها.. فارفدوه» .
ولا يقبل الثّناء إلّا من مكافىء،
وقد كان ﷺ أعلى النّاس في ذلك مقاما، فقد أتاه ذو الخويصرة التميمي؛ فقال: يا رسول الله؛- ﷺ- اعدل. فقال: «ويحك؛ ومن يعدل إذا لم أعدل!! فقد خبت وخسرت إن لم أعدل» . فقال عمر: يا رسول الله؛ ائذن لي أضرب عنقه. فقال: «دعه» . رواه البيهقيّ؛ عن أبي سعيد.
والمعنى أنّه ﷺ كان يصبر للغريب إذا جفاه في مقاله وسؤاله، (حتّى أن) أي: أنّه؛ أي: الحال والشأن، «أن» مخفّفة من الثقيلة ([كان أصحابه] «١» ليستجلبونهم) أي: الغرباء إلى مجلسه ﷺ ليستفيدوا من مسألتهم ما لا يستفيدونه عند عدم وجودهم، لأنّهم يهابون سؤاله، والغرباء لا يهابون؛ فيسألونه عما بدا لهم، فيجيبهم ويصبر على مبالغتهم في السؤال.
(ويقول)؛ أي: النبي ﷺ لأصحابه (: «إذا رأيتم طالب حاجة يطلبها فارفدوه») - بوصل الهمزة وضمّ الفاء، و[أرفدوه] بقطع الهمزة وكسر الفاء؛ فإن كان من الرّفد؛ وهو العطاء؛ فالهمزة للوصل، وإن كان من الإرفاد؛ بمعنى:
الإعانة!! فمعناه: أعينوه على حاجته وساعدوه حتّى يصل إليها.
(ولا يقبل الثّناء)؛ أي: المدح من أحد (إلّا) إذا كان (من مكافىء) - بالهمزة- أي: مجاز على إنعام وقع من النبي ﷺ إليه؛ فإذا قال شخص: إنّه ﷺ من أهل الكرم والجود؛ وليس مثله موجود! فإن كان ذلك واقعا منه مكافأة على إحسان صدر من النبي ﷺ إليه قبل ثناءه عليه، وإلّا لم يقبل منه، بل يعرض عنه؛ ولا يلتفت إليه، لأنّ الله ذمّ من يحبّ أن يحمد بما لم يفعل في قوله تعالى لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِما أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِما لَمْ يَفْعَلُوا [١٨٨/ آل عمران] الآية.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من «وسائل الوصول» .
[ ٢ / ٤٨٢ ]
ولا يقطع على أحد حديثه حتّى يجوز فيقطعه بنهي، أو قيام.
وأمّا حلم رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أحلم النّاس، وأرغبهم في العفو مع القدرة، حتّى أتي بقلائد من ذهب أو فضّة، فقسمها بين أصحابه،
(ولا يقطع) ﷺ (على أحد حديثه) أي: حديث ذلك الأحد؛ لا حديث نفسه ﷺ، فالضمير المجرور في «حديثه» عائد على «الأحد» أي: لا يقطع كلام أحد يتكلّم عنده؛ بل يستمع له حتّى يفرغ منه.
(حتّى يجوز) - بجيم وزاي-؛ من المجاوزة، أي: حتى يتجاوز الحدّ، أو الحقّ.
وفي نسخة من «الشمائل»: حتّى يجور- بالجيم والراء-؛ من الجور. أي:
حتّى يجور في الحق بأن يميل عنه (فيقطعه) حينئذ (بنهي أو قيام) فيقطع ﵊ حديث ذلك الأحد؛ إذا جاوز الحدّ: إما ١- بنهي له عن الحديث إن أفاد؛ بأن لّم يكن معاندا، أو ٢- قيام من المجلس؛ إن كان معاندا.
ولذلك كان بعض الصالحين إذا اغتاب أحد في مجلسه ينهاه؛ إن أفاد النهي، وإلّا! قام من مجلسه.
وفي هذا الحديث ما لا يخفى من نهاية كماله ﷺ ورفقه، ولطفه، وحلمه، وصبره، وصفحه، ورأفته، ورحمته، وعظيم أخلاقه..
(وأمّا حلم رسول الله ﷺ فقد) ذكره بقوله:
(كان) رسول الله (ﷺ أحلم النّاس)؛ أي: أكثرهم حلما.
(و) كان (أرغبهم في العفو مع القدرة) على الانتقام.
(حتّى أتي) - بصيغة المجهول- (بقلائد) - جمع: قلادة- وهي: ما يجعل في العنق (من ذهب؛ أو فضّة) أي: القلائد مصوغة منهما؛ وهو الحليّ (فقسمها بين أصحابه) بما أراه الله تعالى.
[ ٢ / ٤٨٣ ]
فقال أعرابيّ: ما أراك تعدل، قال: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي؟!»، فلمّا ولّى.. قال: «ردّوه عليّ رويدا» .
وكان رسول الله ﷺ يقبض للنّاس يوم [حنين] «١»، من فضّة في ثوب بلال، فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل.
فقال رسول الله ﷺ: «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل؟! فقد خبت إذا وخسرت إن كنت لا أعدل» .
(فقال أعرابيّ) من سكّان البادية الأعراب الجفاة (: ما أراك تعدل)، حيث أعطى ﷺ بعضا وترك بعضا، أو أكثر لبعض وأقلّ لآخرين.
(قال) أي: النبي ﷺ (: «ويحك فمن يعدل عليك بعدي»؟! فلمّا ولّى) أي: الأعرابي (قال: «ردّوه عليّ رويدا») - أي: من غير استعجال، فحلم عليه، وعفا عنه مع غلظة كلامه، وأمر بردّه على إمهال!! لئلا يرتاع.
قال العراقيّ: رواه أبو الشيخ؛ من حديث ابن عمر بإسناد جيد. انتهى.
ورواه أيضا الحاكم؛ من حديث ابن عمر، وفيه زيادة في آخره. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم، وغيرهم- كما قاله في «شرح الإحياء» - عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان رسول الله ﷺ يقبض) - مبنيا للفاعل- أي: يعطي (للنّاس يوم [حنين] من فضّة) كانت (في ثوب بلال؛ فقال له رجل: يا رسول الله؛ اعدل. فقال رسول الله ﷺ: «ويحك؛ فمن يعدل إذا لم أعدل!! فقد خبت إذا وخسرت) - روي بفتح التاء في «خبت» و«خسرت»، وبضمّها فيهما- ومعنى الضمّ ظاهر، وتقدير الفتح: خبت أنت أيّها التابع؛ (إن كنت لا أعدل») . لكونك تابعا ومقتديا
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: خيبر.
[ ٢ / ٤٨٤ ]
فقام عمر فقال: ألا أضرب عنقه؟ فإنّه منافق.
فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي» .
وقسم رسول الله ﷺ قسمة، فقال رجل من الأنصار: هذه قسمة ما أريد بها وجه الله تعالى.
بمن لا يعدل، والفتح أشهر؛ قاله في «شرح مسلم» .
(فقام عمر) بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه (فقال: ألا أضرب عنقه؛ فإنّه منافق!!) وفي روايات أخر أنّ المستأذن في قتله خالد بن الوليد. وليس فيهما تعارض!! بل كلّ واحد منهما استأذن فيه؛ قاله في «شرح مسلم» .
(فقال) أي: النبي ﷺ (: «معاذ الله؛ أن يتحدّث النّاس أنّي أقتل أصحابي») فحلم ﷺ على القائل وصبر؛ لما علم من جزيل ثواب الصابر، والله يأجر بغير حساب.
(و) في «الإحياء»: (قسم رسول الله ﷺ) يوم حنين (قسمة) آثر ناسا فيها ليتألّفهم. (فقال رجل من الأنصار)؛ سمّاه الواقديّ بأنه معتب بن قشير المنافق.
(: هذه قسمة) ما عدل فيها، و(ما أريد بها وجه الله تعالى!!) .
قال في «شرح مسلم»: قال القاضي عياض رحمه الله تعالى: حكم الشرع أنّ من سبّ النبي ﷺ كفر، وقتل. ولم يذكر في هذا الحديث أنّ هذا الرجل قتل!
قال المازري: يحتمل أن يكون لم يفهم منه الطعن في النبوة، وإنّما نسبه إلى ترك العدل في القسمة.
والمعاصي ضربان: كبائر وصغائر؛ فهو ﷺ معصوم من الكبائر بالإجماع.
واختلفوا في إمكان وقوع الصغائر!! ومن جوّزها منع من إضافتها إلى الأنبياء؛ على طريق التنقيص. وحينئذ فلعلّه ﷺ لم يعاقب هذا القائل، لأنه لم يثبت عليه ذلك، وإنّما نقله عنه واحد، وشهادة الواحد لا يراق بها الدم!
قال القاضي: هذا التأويل باطل يدفعه قوله «اعدل؛ يا محمد، واتق الله؛
[ ٢ / ٤٨٥ ]
فذكر ذلك للنّبيّ ﷺ.. فاحمرّ وجهه وقال:
«رحم الله أخي موسى، قد أوذي بأكثر من هذا فصبر» .
وبال أعرابيّ في المسجد بحضرته، فهمّ به أصحابه، فقال ﷺ: «لا تزرموه»؛ أي: لا تقطعوا عليه البول.
يا محمد»، وخاطبه خطاب المواجهة بحضرة الملأ؛ حتّى استأذن عمر وخالد النبيّ ﷺ في قتله؛ فقال: «معاذ الله أن يتحدّث النّاس أنّ محمّدا يقتل أصحابه» ! فهذه هي العلّة. وسلك معه مسلكه مع غيره من المنافقين الذين آذوه، وسمع منهم في غير موطن ما كرهه؛ لكنّه صبر! استبقاء لانقيادهم وتأليفا لغيرهم؛ لئلا يتحدّث النّاس أنّه يقتل أصحابه؛ فينفروا، وقد رأى هذا الصنف في جماعتهم وعدّوه من جملتهم.
(فذكر ذلك) القول (للنّبيّ ﷺ فاحمرّ وجهه)، وغضب غضبا شديدا؛ لنسبته إلى الجور، وقد جبل الله تعالى النفس على التألّم بما يفعل بها، والتألّم سبب للانتقام من المؤلم، ولهذا شقّ عليه هذا القول، لكنه لكمال حلمه ﷺ تحمّله من فاعله؛ فلم ينتقم منه.
(وقال: «رحم الله أخي موسى) بن عمران الإسرائيليّ؛ (قد أوذي بأكثر من هذا فصبر») أي: آذاه قومه بأشدّ مما أوذيت به فصبر على إيذائهم.
قال العراقي: متفق عليه؛ من حديث ابن مسعود. ورواه الإمام أحمد أيضا عنه. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) في «الإحياء»: (بال أعرابيّ في المسجد) النّبوي (بحضرته) ﷺ (فهمّ به أصحابه) أي: قصدوا منعه عن ذلك؛ (فقال ﷺ: «لا تزرموه») - بضم التاء الفوقية وسكون الزاي- (أي: لا تقطعوا عليه البول) فإنّه يضرّ البائل.
قال ذلك شفقة عليه.
[ ٢ / ٤٨٦ ]
ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء» . وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا» .
وجاء أعرابيّ يطلب منه شيئا، فأعطاه ﷺ، ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» .
قال الأعرابيّ: لا، ولا أجملت.
فغضب المسلمون، وقاموا إليه. فأشار إليهم أن كفّوا.
ثمّ قام ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا،
(ثمّ قال له: «إنّ هذه المساجد لا تصلح لشيء من القذر والبول والخلاء»)؛ أي: الغائط.
(وفي رواية: «قرّبوا ولا تنفّروا») . قال العراقي: متّفق عليه؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه. انتهى «شرح الإحياء» .
(و) في «الإحياء» أيضا: (جاء أعرابيّ) لم يسمّ (يطلب منه شيئا)؛ أي:
من مطالب الدنيا (فأعطاه ﷺ، ثمّ قال: «آحسنت إليك؟!») - بهمزة ممدودة وسكون حاء؛ لاجتماع همزة الأفعال وهمزة الاستفهام التقريري وهو حمل المخاطب على الإقرار بأنه أحسن إليه وأنعم عليه.
(قال الأعرابيّ: لا) أي: لا أعطيتني كثيرا، ولا قليلا (ولا أجملت) أي:
ولا أتيت بالجميل، أو ولا أوصلتني جميلا حيث لا أحسنت جزيلا. وقيل:
ما أجملت ما أكثرت، وهو أوّل؛ قاله ملا علي قاري.
(فغضب المسلمون) من كلامه وجرأته عليه ﷺ (وقاموا إليه) ليضربوه ويجازوه بما يستحقّه. (فأشار إليهم أن كفّوا) أي: امتنعوا عنه.
وهذا من حلمه ﷺ وشفقته تألّفا له؛ ليحسن إسلامه.
(ثمّ قام) من مجلسه، (ودخل منزله، وأرسل إلى الأعرابيّ وزاده شيئا) على
[ ٢ / ٤٨٧ ]
ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» .
قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّك قلت ما قلت وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت فقل بين أيديهم ما قلت بين يديّ حتّى يذهب من صدورهم ما فيها عليك» .
قال: نعم.
فلمّا كان الغد أو العشيّ.. جاء فقال النّبيّ ﷺ:
ما أعطاه أوّلا، (ثمّ قال له: «آحسنت إليك؟» قال: نعم) أحسنت إليّ (فجزاك الله) على إحسانك إليّ ولطفك بي (من أهل وعشيرة خيرا. فقال له النّبيّ ﷺ: «إنّك قلت ما قلت) آنفا (وفي نفس أصحابي شيء من ذلك، فإن أحببت) - أي: أردت إزالة ذلك- (فقل بين أيديهم) أي: عندهم (ما قلت بين يديّ) أي: من المديح ليكون كفّارة لذلك القبيح، وعلّق قوله على محبّته وإرادته؛ لطفا منه ﷺ أيّ لطف، مع أنّه ذنب عظيم ينبغي التنصّل منه.
وفيه من الشفقة بالأمّة ما لا يخفى (حتّى يذهب)؛ أي: بقولك لهم ذلك (من صدورهم ما فيها) أي: الغضب والألم الذي في قلوبهم (عليك») بسبب ما قلته أوّلا.
(قال: نعم) أي: أقول لهم ذلك.
(فلمّا كان الغد) المراد بالغد صبيحة اليوم الذي بعد اليوم الذي كلّمه فيه النبيّ ﷺ، والغداة من طلوع الفجر إلى الزوال.
(أو) قال (العشيّ) - بفتح فكسر؛ فتشديد- وهو: ما بعد الزوال إلى الغروب، والشكّ هنا من الراوي.
(جاء) أي: الأعرابي إلى مجلس النبيّ ﷺ (فقال النّبيّ ﷺ) لأصحابه
[ ٢ / ٤٨٨ ]
«إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال، فزدناه فزعم أنّه رضي ذلك، أكذلك؟» . قال: نعم، فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا.
فقال ﷺ: «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه فاتّبعها النّاس؛ فلم يزيدوها إلّا نفورا فناداهم صاحب النّاقة: خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم، فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها، فأخذ لها من قمام الأرض
الحاضرين عنده (: «إنّ هذا الأعرابيّ قال ما قال) لي أوّلا مما سمعتموه، (فزدناه) على عطائه الأوّل (فزعم أنّه رضي [ذلك]) أي: بجملة ما أعطيناه له،
(أكذلك»؟!) استفهام تقرير متوجّه من النبي ﷺ للأعرابيّ، أي: الأمر كذلك من أنّك رضيت.
(قال، نعم: فجزاك الله من أهل وعشيرة خيرا. فقال ﷺ: «إنّ مثلي ومثل هذا الأعرابيّ كمثل رجل كانت له ناقة شردت عليه) أي: نفرت منه وذهبت في الأرض (فاتّبعها النّاس)؛ من الاتّباع، أو من الإتباع، أي مضوا وجروا خلفها ليمسكوها (فلم يزيدوها إلّا نفورا) أي: لم يحصل باتباع النّاس لها إلّا زيادة هربها ونفورها لخوفها منهم.
(فناداهم صاحب النّاقة) أن: (خلّوا بيني وبين ناقتي، فإنّي أرفق بها وأعلم) أي: أنا أشفق عليها وأعلم بحالها وطبعها وطريق أخذها منكم.
(فتوجّه لها صاحب النّاقة بين يديها)؛ أي: جاءها من أمامها.
(فأخذ لها من قمام الأرض) القمام- بضمّ القاف وتخفيف الميم- جمع قمامة ككناسة؛ لفظا ومعنى. والمراد بها هنا: النبات الّذي ترعاه الدوابّ كحشيش وتبن، شبّهه بالقمام! لخسّته، ولأنّه مما يطرح؛ كالقمامة، فاستعير له اسمها لمشاركته صفته.
[ ٢ / ٤٨٩ ]
فردّها هونا هونا حتّى جاءت واستناخت وشدّ عليها رحلها واستوى عليها، وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال فقتلتموه دخل النّار» .
(فردّها هونا هونا) هو اسم صوت لدعاء الناقة (حتّى جاءت) فيه مقدّر؛ أي: فدنت منه لتأكل ما بيده من الحشيش، فأمسكها وردّها حتّى أتى بها محلّه،
(واستناخت) أي: بركت ومكثت عنده؛ من ناخ الجمل ونوّخه إذا برّكه.
(وشدّ عليها رحلها) أي: ربط عليها قتبها، فالرّحل للإبل كالسّرج للفرس.
(واستوى عليها) أي: على ظهرها، أي: ركبها. يقال: استوى على الدابّة إذا علا على ظهرها وركبها، (وإنّي لو تركتكم حيث قال الرّجل ما قال) أي: لو لم أكفّكم وأمنعكم عنه حين قال لي الرّجل مقالته السيّئة (فقتلتموه دخل النّار»؛) عقوبة له بإساءته على النبي ﷺ.
وشبّه المال لخسّة الدّنيا عنده بالقمامة، وشبّه نفسه بالرّجل، وشبّه الأعرابيّ بدابّة شاردة عن ربّها، وشبّه الصحابة لما غضبوا وقاموا له بالناس التابعين لها الذين نفّروها عن ربّها، وشبّه قوله «كفّوا عنه» بقوله «خلّوا بيني وبينها» .
وفي قوله «فإنّي أرفق بها منكم» بيان لأنّه أعظمهم رفقا وأقواهم شفقة على خلق الله تعالى، وهو تشبية في أعلى طبقات البلاغة لتضمّنه هذه المعاني اللطيفة.
قيل: ويحتمل أنّ الرجل إنّما قال أوّلا ما قال ليطّلع على حلمه ﷺ، لأنه سمع صفاته من أهل الكتاب والنبي ﷺ علم بذلك.
وقيل: إنّ جزمه بدخول النّار لكفره بما قاله للنبي ﷺ. والنبيّ تلطّف به حتّى آمن ونجا من النار. فتأمل!!
وهذا الحديث رواه البزّار، وأبو الشيخ بسند ضعيف؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، وابن حبّان في «صحيحه»، وابن الجوزي في «الوفا» عنه.
ومما يناسب المقام ويلائم المرام: ما روي عن خوّات بن جبير من الصحابة
[ ٢ / ٤٩٠ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية، فجذبه أعرابيّ بردائه جبذة شديدة حتّى أثّرت حاشية البرد على صفحة عاتقه،
الكرام أنّه قال: نزلت مع رسول الله ﷺ بمرّ الظهران فإذا نسوة يتحدّثن، فأعجبنني، فأخرجت حلّة من عيبتي فلبستها؛ وجلست إليهنّ، فمرّ رسول الله ﷺ فهبته. فقلت: يا رسول الله؛ جمل لي شرود وأنا أبتغي له قيدا!! فمضى وتبعته، فألقى عليّ رداءه ودخل الأراك؛ فقضى حاجته وتوضّأ، ثمّ جاء؛ فقال:
«يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك؟» . ثمّ ارتحلنا، فجعل كلّما لحقني؛ قال: «السّلام عليك يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك» . فتعجّلت المدينة وتركت مجالسته والمسجد، فطال ذلك عليّ فتحيّنت خلوّ المسجد، ثمّ دخلت فطفقت أصلّي. فخرج من بعض حجره فصلّى ركعتين خفّفهما وطوّلت؛ رجاء أن يذهب عنّي. فقال: «طوّل يا أبا عبد الله ما شئت؛ فلست ببارح حتّى تنصرف» .
فقلت: والله؛ لأعتذرنّ إليه. فانصرفت، فقال: «السّلام عليك يا أبا عبد الله؛ ما فعل شراد الجمل» . فقلت: والذي بعثك بالحقّ؛ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت!! فقال: «رحمك الله» «مرّتين»، أو «ثلاثا» ثم لم يعد.
(و) أخرج أبو داود والبيهقيّ؛ (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) - وأخرجه الشيخان أيضا؛ عن أنس، وقد تقدّم- (قال: كنت مع النّبيّ ﷺ وعليه برد غليظ الحاشية) البرد والبردة: كساء أسود مربّع، أو شملة مخطّطة، والحاشية، جانب الثوب.
(فجذبه) - بتقديم الذال المعجمة على الموحّدة- وفي رواية: فجبذه- بتقديم الموحّدة- وهما لغتان صحيحتان (أعرابيّ) لم يسمّ (بردائه)، هذا يقتضي أنّه كان عليه برد ورداء فوقه؛ وإن الجذب وقع بهما (جبذة شديدة) أي: دفعة عنيفة (حتّى أثّرت) - بتشديد المثلاثة؛ مبنيّ للفاعل- أي: أظهرت أثرا وعلامة (حاشية البرد على صفحة عاتقه) الصفحة: الجانب؛ أو العرض. والعاتق: ما بين العنق
[ ٢ / ٤٩١ ]
ثمّ قال: يا محمّد؛ أحمل لي على بعيريّ هذين من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي من مالك ولا من مال أبيك.
فسكت النّبيّ ﷺ ثمّ قال: «المال مال الله، وأنا عبده»، ثمّ قال: «ويقاد منك يا أعرابيّ ما فعلت بي» . قال:
لا. قال: «لم؟»، قال: لأنّك لا تكافىء بالسّيّئة السّيّئة.
فضحك النّبيّ ﷺ،
والكتف، أو موضع الرداء من المنكب. وهو يؤنّث ويذكّر، وفي رواية أنّ البرد انشقّ، ولم يتأثّر ﷺ من سوء أدبه.
(ثمّ قال) أي: الأعرابيّ على عادة أجلاف العرب (: يا محمّد؛ أحمل لي) - بفتح الهمزة- أي: أعطني ما أحمل (على بعيريّ) بالتثنية مضافا إلى ياء المتكلم (هذين) أي: حمّلهما لي طعاما (من مال الله الّذي عندك، فإنّك لا تحمل لي) أي: لا تعطيني (من مالك، ولا من مال أبيك!!
فسكت النّبيّ ﷺ) حلما وكرما، (ثمّ قال: «المال مال الله؛ وأنا عبده») أي: أتصرف في ماله بإذنه، وأعطي من يأمرني بإعطائه، فردّ ﷺ بألطف ردّ.
(ثمّ قال) أي: النبيّ ﷺ (: «ويقاد منك)؛ من القود وهو القصاص، وهو هنا مجاز عن مطلق المجازاة، أي: أتجازى على ترك أدبك (يا أعرابيّ)، يشير به إلى أنّه معذور لما فيه من غلظ الأعراب وهم أهل البادية (ما فعلت بي») من جذب بردي بأن يفعل به مثله، أو يعزّر بما يليق به.
(قال) أي الأعرابي (: لا) أي: لا يقاد مني. (قال: «لم»؟!) أي: لأي شيء لا يقاد منك؟ (قال: «لأنّك لا تكافىء) بهمزة أي: لا تجازي (بالسّيّئة السّيّئة)، بل تجازي بالسيئة الحسنة، وفيه مشاكلة، لأنّ الجزاء ليس بسيئة.
(فضحك النّبيّ ﷺ) سرورا بما رآه من حسن ظنّه به، وأنّه لم يفعل ذلك بقصد التنقيص منه، وتطمينا لقلبه إذ أبدى المسرّة بمقالته، وهذا يقتضي أنّه كان مسلما غير أنّ فيه جفاء البادية.
[ ٢ / ٤٩٢ ]
ثمّ أمر أن يحمل له على بعير شعير وعلى الآخر تمر.
وروى الطّبرانيّ وابن حبّان
(ثم أمر أن يحمل له على بعير شعير، وعلى الآخر تمر) .
وفيه من حلمه ﷺ وتحمّله الأذى وعدم التضجّر ما لا يخفى، وهو إرشاد لأمّته لا سيّما من يتولّى منهم أمور المسلمين.
(وروى الطّبرانيّ)؛ كما في «المواهب» و«الشفاء»، (وابن حبّان) الحافظ العلامة:
أبو حاتم محمد بن حبّان بن أحمد بن حبان بن معاذ التميمي الدارمي البستي- بضم الباء الموحّدة وإسكان السين وفوقية- نسبة إلى «بست»: بلد كبير من بلاد الغور بطرف خراسان، الشافعي الإمام الكبير.
صاحب التصانيف، كان على قضاء سمرقند زمانا، وكان من فقهاء الدّين وحفّاظ الآثار، عالما بالطبّ والنجوم وفنون العلم.
قال الحاكم: كان ابن حبان من أوعية العلم؛ في الفقه، واللّغة، والحديث، والوعظ، ومن عقلاء الرجال. انتهى
سمع أبا عبد الرحمن النّسائي، والحسن بن سفيان، وأبا يعلى الموصلي، وأبا بكر بن خزيمة، وأمما لا يحصون من مصر إلى خراسان.
حدّث عنه الحاكم وغيره، وصنّف التصانيف؛ منها «المسند الصحيح» المسمّى ب «التقاسيم والأنواع» في خمس مجلدات كبار، وترتيبه مخترع ليس على الأبواب؛ ولا على المسانيد والكشف منه عسر جدّا، وهو موجود بتمامه؛ بخلاف «صحيح ابن خزيمة» فقد عدم أكثره؛ كما قاله السّخاويّ.
ومن مؤلّفاته «التاريخ»، و«كتاب الضعفاء» . وتوفي ب «بست» سنة:
أربع وخمسين وثلاثمائة؛ وهو في عشر الثمانين. وقد قيل: إنّ أصحّ من صنّف في الصحيح بعد الشيخين ابن خزيمة؛ فابن حبّان ﵏.
[ ٢ / ٤٩٣ ]
والحاكم والبيهقيّ
(و) أبو عبد الله (الحاكم) النّيسابوريّ، وأبو نعيم الأصفهاني، وأبو الشيخ ابن حيان؛ في كتاب «الأخلاق النبوية» .
(و) الإمام الحافظ العلّامة؛ الكبير الشهير شيخ السّنّة: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى؛ أبو بكر (البيهقيّ) نسبة إلى «بيهق»: قرى مجتمعة بنواحي نيسابور؛ على عشرين فرسخا منها. الخسروجردي الشافعي، الفقيه الحافظ الأصولي، الديّن الورع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم؛ ويزيد عليه بأنواع من العلوم.
كتب الحديث وحفظه وضبطه من صباه، وتفقّه وبرع، وأخذ في الأصول، وارتحل إلى العراق والجبال والحجاز.
ثم صنّف. وتاليفه تقارب ألف جزء مما لم يسبقه إليه أحد.
جمع بين علم الحديث والفقه وبيان علل الحديث، ووجه الجمع بين الأحاديث، وكان على سيرة العلماء؛ قانعا باليسير، متجمّلا في زهده وورعه.
وعن إمام الحرمين أبي المعالي؛ قال: ما من شافعي إلّا وللشافعي عليه منّة إلّا أبا بكر البيهقي، فإنّ له المنة على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه.
ولد سنة: أربع وثمانين وثلثمائة في شعبان، وسمع أبا عبد الله الحاكم، وأبا طاهر بن محمش، وأبا بكر بن فورك، وأبا عليّ الرّوذباري، وأبا عبد الرحمن السّلمي، وخلقا بخراسان، وعدّة ببغداد، وطائفة بمكّة، وجماعة بالكوفة.
وبورك له في علمه؛ لحسن قصده وقوّة فهمه وحفظه.
وصنّف التصانيف المفيدة؛ منها «السنن الكبرى» في عشر مجلدات ضخام، «والسنن الصغرى» في مجلدين، و«دلائل النبوة» و«شعب الإيمان» و«مناقب الشافعي» و«الدعوات الكبير» وكتاب «الأسماء والصفات»، وكتاب
[ ٢ / ٤٩٤ ]
عن زيد بن سعنة- وهو كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى: أجلّ أحبار اليهود الّذين أسلموا- أنّه قال: لم يبق من علامات النّبوّة شيء
«الخلافيات» وكتاب «معرفة السنن والآثار» أي: معرفة الشافعي بها، وكتاب «المدخل إلى السنن الكبرى»، وكتاب «البعث والنشور» و«الأربعون الكبرى» و«الأربعون الصغرى»، وجزء في الرؤية، وجزء في حياة «الأنبياء»، ومناقب الإمام أحمد.
وكانت وفاته في عاشر جمادى الأولى سنة: ثمان وخمسين وأربعمائة.
وحمل تابوته إلى بيهق؛ ودفن بها بخسروجرد، وهي من قراها الصغرى رحمة الله تعالى عليه. آمين.
(عن زيد بن سعنة) - بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة وفتح النون؛ كما قيّده بذلك الحافظ عبد الغني، والدارقطني. و[سعية]- بالمثناة التحتية بدل النون-؛ ثبت في «الشفاء» وهو الّذي ذكره ابن اسحاق، وحكى ابن عبد البر وغيره الوجهين قال ابن عبد البر: والنون أكثر، واقتصر الجمهور على النون. قال الذّهبيّ: وهو أصحّ.
- (وهو- كما قال النّوويّ رحمه الله تعالى-: أجلّ) - بجيم ولام؛ كذا في النسخ!! والذي في «تهذيب النووي»: أحد- بحاء ودال مهملتين- (أحبار اليهود الّذين أسلموا)، وأكثرهم علما ومالا، أسلم وحسن إسلامه، وشهد معه ﷺ مشاهد كثيرة، وتوفي في غزوة تبوك؛ مقبلا إلى المدينة. انتهى.
والمصنّف تبع القسطلّاني في «المواهب» . قال الزرقاني: فكأنّه غيّر «أحد» ب «أجل» !! لأن قوله «أكثرهم علما ومالا» يفيد أنّه أجلّهم، ثم يرد على هذا ابن سلام، إذ ظاهر الأحاديث أنّه أجل المسلمين من اليهود، إلّا أن تكون الجلالة باعتبار مجموع العلم والمال. (أنّه قال:
لم يبق من علامات النّبوّة شيء)، وفي رواية- عند ابن سعد-: ما بقي شيء
[ ٢ / ٤٩٥ ]
إلّا وقد عرفته في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أخبرهما «١» منه: ١- يسبق حلمه جهله، ٢- ولا تزيده شدّة الجهل عليه إلّا حلما. فكنت أتلطّف له لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت منه تمرا إلى أجل،
من نعت محمّد في «التوراة» (إلّا وقد عرفته) أي: شاهدته، ويروى: عرفتها.
باعتبار أنّ الشيء بمعنى العلامة. (في وجه محمّد ﷺ حين نظرت إليه
إلّا اثنتين) في رواية: إلّا خصلتين (لم [أخبرهما]) - بفتح الهمزة وإسكان الخاء المهملة وضمّ الباء الموحدة- أي: لم أعلمهما (منه) على حقيقتهما، إذ علمهما لا يكون بالمشاهدة؛ بل بالاختبار:
[الأولى]: (يسبق حلمه جهله) مقابل الحلم من الغضب والانتقام ممّن آذاه. قال الشاعر:
ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا
فالمراد أنّ حلمه يغلب حدّته، كقوله: «سبقت رحمتي غضبي» . فليس الجهل هنا مقابل العلم، وهو: عدم إدراك الشيء، أو إدراكه على خلاف ما هو عليه!! كما توهّمه من لم يعرف لغة العرب. حيث قال لو كان له جهل؛ نحو فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) [المؤمنون] «٢» وهذه إحدى الخصلتين.
(و) الثانية (لا تزيده شدّة الجهل) أي: جهل غيره- أي: سفاهته- (عليه) وأذيّته (إلّا حلما)، فكلّما زادت واشتدّت زاد حلمه ﷺ (فكنت أتلطّف):
أتخشع وأترفّق (له)؛ توصّلا (لأن أخالطه فأعرف حلمه وجهله، فابتعت) أي:
اشتريت (منه تمرا إلى أجل) «٣» . وفي رواية أبي نعيم: وأعطاه زيد بن سعنة قبل
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: أجدهما.
(٢) يعني لو كان هناك خالق. فليس فيه التفاضل على بابه من أن شيئين اشتركا فتنبه.
(٣) أي: سلما.
[ ٢ / ٤٩٦ ]
فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ الأجل بيومين أو ثلاثة.. أتيته فأخذت بمجامع قميصه وردائه [على عنقه]، ونظرت إليه بوجه غليظ، ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد حقّي؟! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل. فقال عمر: أي عدوّ الله؛ أتقول لرسول الله ما أسمع، فو الله لولا ما أحاذر [فوته] .. لضربت بسيفي رأسك. ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون وتؤدة، وتبسّم.
إسلامه ثمانين مثقالا ذهبا، في تمر معلوم إلى أجل معلوم. (فأعطيته الثّمن، فلمّا كان قبل محلّ) - بكسر الحاء- أي: وقت (الأجل بيومين أو ثلاثة) - وفي رواية أبي نعيم: بيوم أو يومين- (أتيته فأخذت بمجامع) جمع مجمع؛ كمقعد ومنزل:
موضع الاجتماع- كما في «القاموس» وغيره- أي: بما اجتمع من (قميصه وردائه [على عنقه]، ونظرت إليه بوجه غليظ) أي: عابس مقطّب (ثمّ قلت: ألا تقضيني يا محمّد؛ حقّي!! [فو الله] إنّكم يا بني عبد المطّلب مطل) - بضم الميم والطاء المهملة- جمع: ماطل؛ أي تمتنعون من أداء الحقّ، وتسوّفون بالوعد؛ مرّة بعد أخرى، (فقال عمر) - في رواية أبي نعيم: فنظر إليه عمر؛ وعيناه تدوران في وجهه؛ كالفلك المستدير؛ فقال- (: أي؛ عدوّ الله، أتقول لرسول الله ﷺ ما أسمع) !! زاد أبو نعيم: وتفعل به ما أرى!! (فو الله؛ لولا ما أحاذر) - بمعنى أحذر، أي: شيء أخاف ([فوته]) من بقاء الصلح بين المسلمين وبين قومه، - وفي رواية أبي نعيم: لولا ما أحاذر قومك- (لضربت بسيفي رأسك!!
ورسول الله ﷺ ينظر إلى عمر بسكون) ضدّ: الحركة (وتؤدة)؛ التأنّي، فتغاير مفهوما؛ لا ما صدقا «١»، (وتبسّم) من مقالهما، لشدّة حلمه، ولعله كوشف «٢»
_________________
(١) مصطلح منطقي يقابل المفهوم، غير أن أحدهما للمفرد والآخر للمركب.
(٢) في هذا تأمّل!! إذ لو كشف ما في رغبة ابن سعنة لم تعد ثمّة فضيلة في هذا الحلم، ولبطل موضع الشاهد.
[ ٢ / ٤٩٧ ]
ثمّ قال: «أنا وهو كنّا أحوج إلى غير هذا منك يا عمر؛ أن تأمرني بحسن [الأداء]، وأن تأمره بحسن [التّباعة]، اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته» . ففعل.
فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه، إلّا اثنتين لم أختبرهما:
يسبق حلمه جهله، ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما،
بمراد ابن سعنة!! وإنّ عمر لو كشف له لم يصعب عليه ذلك.
(ثمّ قال: «أنا وهو) - أي: صاحب الحقّ- (كنّا أحوج إلى غير هذا) الذي قلته. (منك يا عمر؛) وأبدل منه قوله: (أن تأمرني بحسن [الأداء]) أي: وفاء ما عليّ (وأن تأمره بحسن [التّباعة]») !! - بالكسر-: المطالبة بالحقّ.
وفي «الشفاء»: تأمرني بحسن القضاء، وتأمره بحسن التقاضي.
ثم قال: «لقد بقي من أجله ثلاث» !! انتهى. فتكرّم ﷺ فعجّلها قبل الأجل وزيادة، فقال:
(«اذهب به يا عمر؛ فاقضه حقّه وزده عشرين صاعا مكان ما روّعته»):
فزعته. و«ما» مصدرية أي: في مقابلة روعك له.
(ففعل) ذلك عمر. قال زيد: (فقلت: يا عمر؛ كلّ علامات النّبوّة قد عرفتها في وجه رسول الله ﷺ حينما نظرت إليه؛ إلّا اثنتين لم أختبرهما)؛ أي: لم أعلمهما.
(١- يسبق حلمه): ثباته وصفحه وصبره (جهله): حدّته؛ فلا ينتقم.
(٢- ولا يزيده شدّة الجهل [عليه] إلّا حلما، فقد اختبرتهما) أي:
[ ٢ / ٤٩٨ ]
فأشهدك أنّي قد رضيت بالله ربّا؛ وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا. قال القاضي عياض في «الشّفا»: (وحسبك ما ذكرناه ممّا في «الصّحيح» والمصنّفات الثّابتة، ممّا بلغ متواترا مبلغ اليقين: من صبره على مقاساة قريش،
صاحبهما، إذ الاختبار: الامتحان، وهو لم يختبر الخصلتين. والمذكور بخطّ الشاميّ: خبرتهما- بلا «ألف» - أي: علمتهما منه بما رأيت من فعله ﷺ
(فأشهدك) يا عمر؛ (أنّي قد رضيت بالله ربّا، وبالإسلام دينا، وبمحمّد ﷺ نبيّا) .
وفي رواية: وما حملني على ما رأيتني صنعت يا عمر إلّا أنّي كنت رأيت صفاته التي في «التوراة» كلّها إلّا الحلم، فاختبرت حلمه اليوم فوجدته على ما وصف في «التوراة»، وإنّي أشهدك أنّ هذا التمر وشطر مالي في فقراء المسلمين. وأسلم أهل بيته كلّهم إلّا شيخا غلبت عليه الشّقوة. انتهى «زرقاني» رحمه الله تعالى.
(قال) العلّامة الإمام (القاضي) أبو الفضل: (عياض) بن موسى اليحصبيّ الأندلس السّبتي- سقى الله ثراه صبيب الرحمة والرضوان- (في) كتابه («الشّفاء») الذي هو كاسمه شفاء، أي: شفاء لما في الصدور.
قال في «الباب الثّاني منه؛ في آخر: فصل الحلم والاحتمال»:
(وحسبك) أي: مغنيك وكافيك (ما ذكرناه ممّا في الصّحيح) أي: في الكتب الصحيحة، (والمصنّفات الثّابتة) أي: ولو لم تكن من الصحاح الستة!! أو: ولو لم تكن صحيحة؛ بل ثابتة حسنة!! فإنّها حجّة بيّنة؛ أي: كافيك ذلك منضمّا (ممّا بلغ) أي: ممّا وصل عندك مجموعه (متواترا)؛ تواترا معنويا (مبلغ اليقين) أي: مبلغا يحصل به اليقين للمؤمنين في أمر الدين، ولو قال «مبلغ الضروريّ» !! كان أولى.
(من صبره) بيان ل «ما بلغ»؛ أي: من تحمّله (على مقاساة قريش) أي:
[ ٢ / ٤٩٩ ]
وأذى الجاهليّة، ومصابرة الشّدائد الصّعبة معهم، إلى أن أظفره الله تعالى عليهم- يعني: بفتح مكّة- وحكّمه فيهم وهم لا يشكّون في استئصال شأفتهم، وإبادة خضرائهم- أي: إهلاك جماعتهم- فما زاد على أن عفا
مكابدتهم ومعارضتهم ومخالفتهم (وأذى الجاهليّة) أي: وتأذّيه من أهل جاهليّتهم وسفاهتهم، (ومصابرة الشدائد) أي: مغالبة المحن (الصّعبة) أي: الشّاقّة (معهم) في الحروب الواقعة بينه وبينهم، وهي؛ وإن كانت سجالا؛ إلّا أنّه صبّ عليهم العذاب.
فالمصابرة: مفاعلة؛ من الصبر عن شدائد الحروب، وهم صناديد وأبطال كان لهم صبر على اصطلاء نارها، لكنه ﷺ غلبهم وصابرهم وزاد عليهم.
(إلى أن أظفره الله تعالى) بهم، وفي نسخة: أظهره الله (عليهم- يعني:
بفتح مكّة- وحكّمه فيهم) - بتشديد الكاف-، أي: جعله الله تعالى قاهرا غالبا لهم، وهم في قبضة تصرّفه؛ يحكم فيهم بما يريد من قتل وأسر وعفو؛ إن شاء (وهم لا يشكّون)؛ أي: لا يتردّدون، بناء على زعمهم وقياسا على أنفسهم (في استئصال)؛ هو: قطع الشيء من أصله وإزالته بالكليّة (شأفتهم) - بفتح شين معجمة، فسكون همزة، ففاء؛ تليها هاء تاء تأنيث، وتبدل الهمزة ألفا- أي:
جمعهم وقطع أثرهم.
والشّأفة- في الأصل-: قرحة تخرج للإنسان في أسفل القدم؛ فتكوى فتذهب فهم يقولون في المثل «استأصل الله شأفته» أي: أذهبه كما أذهبها، (وإبادة) - بكسر الهمزة وبالدال المهملة- مصدر بمعنى: الإهلاك (خضرائهم) - بفتح الخاء المعجمة، وسكون الضّاد المعجمة؛ بعدهما راء، فألف ممدودة- (أي: إهلاك جماعتهم) وتفريق جمعهم.
والمعنى: أنّه ﷺ ظفر بهم في حال تيقّنوا هلاكهم بأسرهم؛ وذهابهم عن آخرهم، بحيث لا يبقى منهم باقية (فما زاد) ﷺ (على أن عفا): تجاوز عن
[ ٢ / ٥٠٠ ]
وصفح، وقال: «ما تقولون أنّي فاعل بكم؟»، قالوا: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم، فقال: «اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء» .
أفعالهم، (وصفح) أي: أعرض عن أقوالهم؛ أي: مع شدّة أذاهم ونصره عليهم بحيث صاروا في قبضة تصرّفه؛ قد أحاط بهم الهلاك من كلّ جانب، ما زاد على ما كان عليه من حاله إلا العفو والصفح، لاشفاء النفس بالانتقام؛ وفعل ما يستحقّون بحيث لو فعل لم يلم.
(وقال) أي: لهم تلويحا بلطفه إليهم؛ وشفقته عليهم، واستخراجا لما في ضمائرهم؛ واستظهارا لما في سرائرهم.
(: «ما تقولون) - «ما» استفهامية، «وتقولون» بمعنى تظنّون- (أنّي فاعل بكم؟!»)، بفتح همزة «أنّ» وهي وما معها سادّة مسدّ مفعوليه
(قالوا: خيرا) منصوب بمقدّر يدلّ عليه فاعل قبله؛ أي تفعل خيرا، أو أنت فاعل خيرا؛ (أخ كريم) أي: أنت (وابن أخ كريم) أي: فلا يجيء من مثلك إلّا ما يوجب الكرم والعفو عمن ظلم.
وهذا على عادة العرب في تسمية القريب «أخا» قال تعالى. وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا [٦٥/ الأعراف] .
والكريم: الجامع للخير والفضائل؛ كما في الحديث: «الكريم بن الكريم بن الكريم: يوسف.. إلخ» .
(فقال): أقول؛ كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين، (اذهبوا؛ فأنتم الطّلقاء») - بضمّ الطّاء المهملة؛ ففتح اللام ممدودا- جمع: طليق بمعنى مطلوق؛ وهو الأسير؛ يطلق ويخلّى سبيله؛ أي: أنتم الخلصاء من قيد الأسر، فإنّهم كانوا حينئذ أسرى.
وقد قال ذلك يوم فتح مكة؛ وهو آخذ بعضادتي باب الكعبة؛ على ما رواه ابن سعد، والنّسائي، وابن زنجويه؛ قاله ملا علي قاري في «شرح الشفاء» .
[ ٢ / ٥٠١ ]
وقال أنس رضي الله تعالى عنه: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم صلاة الصّبح ليقتلوا رسول الله ﷺ، فأخذوا، فأعتقهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ وَكانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرًا [الفتح: ٢٤] . وقال لأبي سفيان
قال الخفاجي: وفيه بلاغة وطيّ بديع، لما فيه من الإيماء إلى شقّهم عصا القرابة بينهم، وحسدهم له، وكذبهم عليه، وقطع رحمه مع ماله ﷺ من الشرف الباذخ؛ فإنّه الكريم بن الكريم!! وإنّ حسدهم وبغيهم كان سببا لعلوّ مقامه وتملّكه لنواصيهم وذلّتهم له معترفين بقصورهم. انتهى
(وقال أنس رضي الله تعالى عنه) كما رواه مسلم؛ وأبو داود، والترمذي، والنسائيّ؛ قاله القاري
(: هبط ثمانون رجلا من التّنعيم) - بفتح التاء-: موضع على ثلاثة أميال من مكّة، وقيل: أربعة، وهو من جهة المدينة. والشام سمّي بذلك!! لأنّه عن يمينه جبل؛ يقال له «نعيم»، وعن شماله جبل يقال «ناعم»؛ والوادي «نعمان» .
(صلاة الصّبح) - منصوب على الظرفية؛ أي: نزلوا وقت صلاة الصبح- (ليقتلوا رسول الله ﷺ، فأخذوا) - بصيغة المجهول- (فأعتقهم رسول الله ﷺ فأنزل الله تعالى) في هذه القصّة (وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ) - أي: كفار مكة- (عَنْكُمْ الآية) أي: اقرأ الآية، ونزول الآية عام الحديبية، وضمير الخطاب للنبي ﷺ ومن معه، وكان ذلك وهو في أصل الشجرة، فبينما هو كذلك إذ خرج ثمانون رجلا وأخذوا أسرى؛ والسّفراء يمشون في الصلح، فأطلقهم وخلّى سبيلهم، وعفا عنهم وهم «العتقاء» .
(وقال) ﷺ (لأبي سفيان): صخر بن حرب بن أميّة بن عبد شمس بن عبد مناف.
شهد مع رسول الله ﷺ حنينا وأعطاه من غنائمها مائة وأربعين أوقية؛ وزنها له
[ ٢ / ٥٠٢ ]
- وقد سيق إليه
بلال، وكان شيخ مكّة ورئيس قريش بعد أبي جهل.
أسلم يوم الفتح، ونزل المدينة سنة: إحدى وثلاثين، ودفن في البقيع؛ قاله القاري.
(وقد سيق إليه) أي: جيء به إليه، والسائق له هو العبّاس عمّ رسول الله ﷺ؛ لمّا سار النبيّ ﷺ لفتح مكّة، ونزل مرّ الظّهران عشاء، وأوقد عشرة آلاف نار، وجعل على الحرس عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وأراد دخولها قهرا لقتل الكفّار؛ فرقّت نفس العبّاس رضي الله تعالى عنه لأهل مكّة، فخرج على بغلة النبي ﷺ حتّى أتى الأراك، فقال: لعلّي أجد ذا حاجة يأتي مكّة؛ فيخبرهم برسول الله ﷺ حتّى يخرجوا؛ ويستأمنوه قبل أن يدخلها عنوة. قال: فسمعت صوت أبي سفيان يقول لبديل: ما رأيت كالليلة سرابا؛ ولا عسكرا!!
فقلت: أبا حنظلة؟!. فقال: أبو الفضل!! قلت: نعم.
قال: ما لك؛ فداك أبي وأمّي.
قلت: هذا رسول الله ﷺ في الناس!! واصباح قريش «١» .
قال: ما الحيلة؟
قلت: والله؛ لئن ظفر بك ليضربنّ عنقك، فاركب عجز هذه البغلة، حتّى آتي بك رسول الله ﷺ فأستأمنه لك، فركب خلفي؛ فكنت كلّما مررت بأحد؛ قال:
بغلة رسول الله ﷺ عليها عمّه!!
حتّى مررت بعمر ﵁؛ قال: أبو سفيان عدوّ الله!! الحمد لله الّذي أمكن منك بلا عقد؛ ولا عهد.
وخرج يشتدّ نحو رسول الله ﷺ، فركضت البغلة ودخلت عليه وعمر رضي الله تعالى عنه معه. فقال: هذا أبو سفيان؛ دعني أضرب عنقه.
_________________
(١) ندبة أو استغاثة.
[ ٢ / ٥٠٣ ]
بعد أن جلب عليه الأحزاب، وقتل عمّه وأصحابه ومثّل بهم،
فقلت: إنّي قد أجرته. وجلست.
فلما أكثر عمر ﵁ في شأنه؛ قال ﷺ: «مهلا يا عمر، اذهب به يا عبّاس إلى رحلك، فإذا أصبح فائتني به» .
فغدوت به صباحا، فلما رآه رسول الله ﷺ علم أنّه جاء ليسلم منقادا (بعد أن جلب عليه) أي: ساق إليه (الأحزاب)؛ وهي جموع مجتمعة للحرب من قبائل شتّى، ويقال: تحزّبوا: تجمّعوا.
وهذه غزوة الخندق التي كانت في سنة: خمس وكانوا ثلاثة عساكر، وعدّتهم عشرة آلاف، وكان الحصار للمسلمين أربعين يوما.
وإسناد جلب الأحزاب إليه!! لأنّه كان قائد جيشهم، وصاحب رأيهم، وإلّا! فسبب التحزيب إنّما كان جماعة من اليهود؛ دعوا القبائل وحرّكوا قريشا لذلك.
والمعنى بعد كثرة قبائحه وجملة فضائحه.
منها: أنّه جمّع أحزاب كفّار مكة وغيرهم وأتى أهل المدينة على عزم قتلهم ونهبهم واستئصالهم.
(و) منها: أنّه (قتل عمّه) حمزة سيّد الشهداء رضوان الله تعالى عنه في غزوة أحد، أي: تسبّب في قتله، إذ قاتله المباشر له هو وحشيّ، وهو من جملة عسكره؛ فهو الباعث والسبب في ذلك القتال والمهيّج له.
(و) منها: أنّه قتل (أصحابه) ﷺ يوم أحد؛ أي: تسبّب في قتلهم وهم سبعون. وقيل: سبعون من الأنصار خاصّة!! وقيل: مجموع القتلى سبعون؛ أربعة من المهاجرين: حمزة، ومصعب بن عمير، وشمّاس بن عثمان المخزومي، وعبد الله بن جحش الأسدي، وباقيهم من الأنصار.
(و) منها: أنّه (مثّل) - بتشديد المثلاثة- أي: تسبب في فعل المثلة- بضم الميم- (بهم)؛ وهي العقوبة الشديدة بتشويه خلقتهم؛ بقطع أنف وأذن، ومذاكير
[ ٢ / ٥٠٤ ]
فعفا عنه، ولاطفه في القول- وقال: «ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم ألاإله إلّا الله؟!»، فقال: بأبي أنت وأمّي، ما أحلمك، وأوصلك، وأكرمك) .
وشقّ بطن، وإخراج قلب وكبد، وسائر أطرافهم.
والممثّلة بحمزة زوجته «هند بنت عتبة» ومن معها من النسوة؛ تشفّيا لقتل حمزة أباها في بدر.
ونسب التمثيل لأبي سفيان؟! لأنّ فعل أهل الرجل كفعله، لا سيّما النساء.
وقد مثّل بجماعة غير حمزة، فممّن مثّل به أنس بن النّضر، وعبد الله بن جحش بل قال البغوي في «تفسيره»: لم يبق أحد من قتلى أحد إلّا مثّل به؛ غير حنظلة بن راهب، فإنّ أباه عامرا الراهب كان مع أبي سفيان؛ فتركوا حنظلة لذلك.
(فعفا) أي: مع هذا كلّه الذي صدر عنه عفا (عنه) ما سبق منه في حال كفره، لأنّ الإسلام يجبّ ما قبله.
(ولاطفه في القول)؛ إذ خاطبه، (وقال: «ويحك) «ويح» كلمة ترحّم لمن وقع في هلكة لا يستحقها، وقيل: «ويح» باب رحمة، و«ويل» باب هلكة، و«ويس» استصغار (يا أبا سفيان) أي: أتعجّب لك مع عقلك ودهائك وظهور حقيقة الإسلام؛ ألاتسلم (ألم يأن)؛ من «أنى يأني»؛ أي: جاء أناه، أي: ألم يقرب الوقت (لك أن تعلم) علما يقينا (ألاإله إلّا الله»؟!) أي: توحّد الله، وتصدّق به فتسلم إسلاما صحيحا.
(فقال) أي أبو سفيان (: بأبي أنت وأمّي) أي: أفديك بهما (ما أحلمك!) صيغة تعجّب؛ من الحلم!! وكذا ما بعده صيغ تعجب (وأوصلك) لرحمك! (وأكرمك!!) أي: ما أكثر كرمك على من أساء إليك؛ وخالف عليك، إذ خاطبتني بلطف مع ما قاسيته منّي، ثم أجابه مصدّقا؛ فقال: لقد ظننت أن لّو كان مع الله إله غيره؛ لقد أغنى شيئا بعد!!.
[ ٢ / ٥٠٥ ]
وقال الإمام النّوويّ في «التّهذيب»: (قد جمع الله ﷾ له ﷺ كمال الأخلاق، ومحاسن الشّيم، وآتاه علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز؛ وهو أمّيّ لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر، وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره على جميع
فقال له رسول الله ﷺ: «ويحك يا أبا سفيان؛ ألم يأن لك أن تعلم أنّي رسول الله؟!» . فقال: بأبي أنت وأمّي؛ أمّا هذه ففي النّفس منها شيء!! فقال له العبّاس: ويحك؛ أسلم واشهد أن لّا إله إلا الله، وأنّ محمدا رسول الله قبل أن يضرب عنقك. فشهد شهادة الحق وأسلم. والحديث مذكور بتمامه في السير، وأمر أبي سفيان ﵁ مشهور.
(وقال) الحافظ الحجّة (الإمام) وليّ الله تعالى شيخ الإسلام أبو زكريا يحيى بن شرف محيي الدين (النّوويّ) تغمّده الله برحمته ورضوانه. آمين
(في) كتاب («التّهذيب»)؛ أي: «تهذيب الأسماء واللغات» الّذي لا يستغني عنه طالب علم (: قد جمع الله ﷾ له ﷺ كمال الأخلاق) أي: الأخلاق الكاملة المتفرّقة في الناس، جمع الله تعالى لنبيه ﷺ منها كمالها وأعلاها، (ومحاسن الشّيم) - بالشين المعجمة والمثناة التحتية؛ جمع شيمة، كسدرة وسدر- وهي: الغريزة والطبيعة والجبلّة التي خلق الإنسان عليها؛ أي علّمه الله تعالى جميع محاسن الأخلاق والطرق الحميدة، وجمع له السيرة الفاضلة والسياسة التامّة.
(وآتاه) أي: أعطاه (علم الأوّلين والآخرين، وما فيه النّجاة والفوز) في الآخرة، والغبطة والخلاص في الدنيا، (وهو أمّيّ) منسوب إلى بطن الأم؛ (لا يقرأ ولا يكتب، ولا معلّم له من البشر!!)؛ نشأ في بلاد الجهل والصحاري يتيما لا أب له ولا أمّ.
(وآتاه ما لم يؤت أحدا من العالمين، واختاره) أي: اصطفاه (على جميع
[ ٢ / ٥٠٦ ]
الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها؛ فأبى أن يأخذها، واختار الآخرة عليها، وكان كما وصفه الله تعالى: لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ رَحِيمٌ [التوبة: ١٢٨] انتهى.
الأوّلين والآخرين، وأعطاه مفاتيح خزائن الأرض كلّها) حقيقة، (فأبى أن يأخذها)، ولو أخذها لصرفها في مرضاة الله تعالى.
(و) لكنه (اختار الآخرة عليها) لتأتسي به أمّته في الهرب من الدنيا والتقلّل منها.
(وكان) في أخلاقه (كما وصفه الله تعالى) في كتابه في سورة التوبة (لَقَدْ جاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ) - بضم الفاء؛ أي: منكم، وقرىء مِنْ أَنْفُسِكُمْ «١» - بفتح الفاء؛ من النفاسة، أي من أشرفكم- (عَزِيزٌ) - أي:
شديد- (عَلَيْهِ ما عَنِتُّمْ) - أي: عنتكم أي: مشقّتكم ولقاؤكم المكروه- (حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ) - أن تهتدوا- (بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُفٌ) - شديد الرحمة (رَحِيمٌ) يريد لهم الخير (انتهى) أي كلام الإمام النووي رحمه الله تعالى.
_________________
(١) هي قراءة شاذة.
[ ٢ / ٥٠٧ ]
[الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ]
الفصل الثّاني في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه.. ألين النّاس، وأكرم النّاس، ضحّاكا بسّاما.
وكان ﷺ من أفكه النّاس.
(الفصل الثّاني)، من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة عشرته ﷺ مع نسائه) أي: أزواجه (رضي الله تعالى عنهنّ)، وقد كان حسن العشرة معهنّ.
أخرج ابن سعد في «طبقاته»، وابن عساكر في «تاريخه»، وقال العزيزي:
إنه حديث حسن لغيره؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان رسول الله ﷺ إذا خلا بنسائه ألين النّاس، وأكرم النّاس) في القول والخلق، (ضحّاكا بسّاما) أي: كثير التبسّم، وهو تفسير لضحّاك، فيستحبّ للزوج فعل ذلك مع زوجته؛ اقتداء به ﷺ، إذ كان يلاطفهنّ ويتنزل معهنّ، حتّى إنّه سابق عائشة رضي الله تعالى عنها يوما فسبقته؛ كما رواه الترمذي في «العلل» عنها.
قال ابن القيّم: وكان من تلطّفه بهنّ أنّه إذا دخل عليهنّ بالليل سلّم تسليما لا يوقظ النائم، ويسمع اليقظان؛ ذكره مسلم.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»، والحسن بن سفيان في «مسنده»، والطبرانيّ، والبزّار: كلّهم؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
(كان) رسول الله (ﷺ من أفكه النّاس) زاد الطبراني: مع صبي. وزاد البزّار: مع نسائه.
[ ٢ / ٥٠٨ ]
قال المناويّ: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة نساءه حديثا، فقالت امرأة منهنّ: كأنّ الحديث حديث خرافة.
(قال المناويّ) في «فيض القدير؛ شرح الجامع الصغير»: (أي: من أمزحهم إذا خلا بنحو أهله) . والفكاهة: المزاحة، ورجل فكه؛ ذكره الزمخشري.
وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها: إنّي لطّخت وجه سودة بخزيرة.
ولطّخت سودة وجه عائشة؛ فجعل يضحك. رواه الزّبير بن بكّار في «كتاب الفكاهة»، وأبو يعلى بإسناده. قال الحافظ العراقيّ: جيّد.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛
قالت: حدّث رسول الله ﷺ ذات ليلة) أي: في ساعات ذات ليلة، ف «ذات» صفة موصوف محذوف. أو لفظ «ذات» مقحم، فهو مزيد للتأكيد (نساءه) أي:
أزواجه (حديثا) أي: كلاما عجيبا، أو تحديثا غريبا، فالمراد على الأوّل ما يتحدّث به، وعلى الثاني المصدر.
(فقالت امرأة منهنّ؛ كأنّ) - بتشديد النون- هذا (الحديث حديث خرافة!!) - بضمّ الخاء المعجمة وفتح الراء- ولا تدخله «أل» لأنّه معرفة؛ لكونه علما على رجل، نعم إن أريد به الخرافات الموضوعة من حديث الليل عرّف.
ولم ترد المرأة ما يراد من هذا اللفظ؛ وهو الكذب المستملح، لأنها عالمة بأنّه لا يجري على لسانه إلّا الصدق. وإنّما أرادت التشبيه في الاستملاح فقط، لأن حديث خرافة يراد به الموصوف بصفتين: الكذب، والاستملاح. فالتشبيه في إحداهما؛ لا في كلتيهما. انتهى «باجوري» . ولكنّه ﷺ لمّا علم أنّ كلا منهما موهم؛ وقالت تلك المرأة ما قالت بيّن المراد؛
[ ٢ / ٥٠٩ ]
فقال: «أتدرون ما خرافة؟ إنّ خرافة كان رجلا من عذرة، أسرته الجنّ
(فقال: «أتدرون ما خرافة؟!») خاطبهنّ خطاب الذكور تعظيما لشأنهنّ، فكأنّهنّ قلن: لا ندري، فقال:
(«إنّ خرافة كان رجلا من عذرة) - بضمّ العين المهملة وسكون الذال المعجمة-: قبيلة من اليمن (أسرته) أي: اختطفته (الجنّ) .
قال العلّامة الشيخ ابن حجر الهيتمي في «التحفة شرح المنهاج»: الجنّ أجسام هوائيّة؛ أو نارية أي: يغلب عليها ذلك، فهم مركّبون من العناصر الأربعة كالملائكة؛ على قول، وقيل: أرواح مجرّدة. وقيل: نفوس بشريّة مفارقة عن أبدانها، وعلى كلّ فلهم عقول وفهم، ويقدرون على التشكّل بأشكال مختلفة، وعلى الأعمال الشاقّة في أسرع زمن.
وصحّ خبر أنّهم ثلاثة أصناف: ذوو أجنحة يطيرون بها، وحيّات، وآخرون يحلّون ويظعنون.
ونوزع في قدرتهم على التشكل باستلزامه رفع الثّقة بشيء!! فإنّ من رأى؛ ولو ولده؛ يحتمل أنّه جنّيّ تشكّل به.
ويردّ: بأنّ الله تكفّل لهذه الأمّة بعصمتها عن أن يقع فيها ما يؤذي لمثل ذلك المترتب عليه الرّيبة في الدين، ورفع الثقة بعالم وغيره، فاستحال شرعا الاستلزام المذكور.
قال الشافعي رضي الله تعالى عنه: ومن زعم أنّه رآهم ردّت شهادته وعزّر، لمخالفته القرآن.
وكأنّ المصنّف أخذ منه قوله «من منع التفضيل بين الأنبياء عزّر، لمخالفته القرآن» !! وحمل بعضهم كلام الشافعي على زاعم رؤية صورهم الّتي خلقوا عليها.
[ ٢ / ٥١٠ ]
ولمّا عرّف البيضاويّ الجنّ في تفسير قُلْ أُوحِيَ [١/ الجن] بنحو ما مرّ؛ قال:
وفيه دليل على أنّه ﷺ ما رآهم، ولم يقرأ عليهم!! وإنّما اتفق حضورهم في بعض أوقات قراءته؛ فسمعوها، فأخبره الله تعالى بذلك. انتهى.
وكأنّه لم يطلّع على الأحاديث الصحيحة الكثيرة؛ المصرّحة برؤيته ﷺ لهم، وقراءته عليهم، وسؤالهم منه الزاد لهم ولدوابّهم على كيفيّات مختلفة!!
ولا يسقط عنا ما كلّفنا به من نحو إقامة الجمعة؛ أو فروض الكفايات بفعلهم!؟ لما مرّ أنّهم- وإن أرسل إليهم ﷺ وكلّفوا بشرعه إجماعا ضروريا؛ فيكفر منكره- لهم تكاليف اختصّوا بها؛ لا نعلم تفاصيلها.
ولا ينافي هذا إجراء غير واحد عليهم بعض الأحكام؛ كانعقاد الجمعة بهم معنا، وصحّة إمامتهم لنا.
والجمهور على أنّ مؤمنيهم يثابون ويدخلون الجنة.
وقول أبي حنيفة واللّيث «لا يدخلونها، وثوابهم النجاة من النار» !! بالغوا في ردّه، على أنّه نقل عن أبي حنيفة أنّه أخذ دخولهم من قوله تعالى لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ (٧٤) [الرحمن] انتهى كلام «التحفة» .
وفي كتاب «شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنّ من الأحكام» للشيخ العلّامة المحقّق الفهّامة: محمد بن عمر الحشيبري المتوفى سنة: إحدى وخمسين وألف هجرية رحمه الله تعالى:
الجنّ والشياطين جنس واحد، أبوهم إبليس؛ وهم ذريته، فالجنّ المؤمنون والشياطين الكافرون. قال تعالى حكاية عنهم وَأَنَّا مِنَّا الْمُسْلِمُونَ- وهم الجن- وَمِنَّا الْقاسِطُونَ الكافرون الجائرون؛ وهم الشياطين فَمَنْ أَسْلَمَ فَأُولئِكَ تَحَرَّوْا- قصدوا- رَشَدًا (١٤) . وأما القاسطون الجائرون بالكفر أَمَّا الْقاسِطُونَ فَكانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا
(١٥) [الجن] .
[ ٢ / ٥١١ ]
وسمّوا جنّا!! لاستتارهم عن أعين الناس غالبا، وسمّوا «شياطينا» !! لبعدهم عن رحمة الله تعالى، ومنه بئر شطون؛ إذا كانت بعيدة العمق.
وسمّي إبليس!! لأنّه أبلس من رحمة الله ﷿، أي: يئس، والمبلس:
الكئيب الحزين الآيس؛ كما في «التهذيب» للنووي. وفيهم أهل السّنّة، والمبتدعة؛ حتّى الشيعة والرافضة، والمرجئة والقدرية. وغير ذلك على مذاهب الإنس الذي يسكنون معهم في بلادهم، ولهم ملوك كبار، وأسماء ملوك يخضعون لها، ويطيعون للإقسام عليهم بها، وقد يخضعون لأسماء من أسماء الله تعالى القاهرة، ويستخدمون بها مسخّرين، ولذلك صفات وهيئات معروفة عند المعزّمين الذين يفتتنون بذلك، وقد يصيبهم منهم مصائب؛ نسأل الله العافية، ولهم سلطة على بعض المسلمين، ويتولّجون في باطن الحيوانات، وينفذون من منافذها الضيقة؛ نفوذ الهوى المستنشق.
وفي الحديث الصحيح في البخاري «إنّ الشّيطان يجري من ابن آدم مجرى الدّم» . قال الشّرّاح أي: يدخل فيه. لما تقرّر أنّه جسم لطيف، وحمل الحديث على الحقيقة؛ أخذا بظاهره أولى من حمله على المجاز؛ وهو الوسوسة. انتهى.
ومن لازم دخولهم في الإنس المرض والصّرع، وتشويه الخلقة لبعض المسلمين، ولغة الجنّ كلّ منهم على لغة من يسكنون بلده، ومذاهبهم على مذاهب الإنس الذين يسكنون بلدهم، ولهم الأعمار الطويلة؛ فلا يموتون إلّا بالصعقة، فإنهم كأبيهم إبليس من المنظرين. وقيل: إن المسلم منهم يموت قبل الصعقة؛ والكافر منهم لا يموت إلا بموت إبليس.
قال العلّامة شيخ الإسلام محمد بن أبي بكر الأشخر رحمه الله تعالى:
الجنّ مكلّفون، لا على حدّ تكليفنا وتفصيله، فمن ثمّ يجب الحجّ على من أمكنه الطيران منهم، بخلاف من أمكنه ذلك خرق عادة من الأنس، فعلى هذا يسجد لتلاوته، ويقتدى به، وتحصل فضيلة الصفّ، ويتمّ به عدد الجمعة، ويكفي
[ ٢ / ٥١٢ ]
في الجاهليّة،
تجهيز ميتنا، ويقبل خبره وشهادته؛ ولو في النكاح، على خلاف في جميع ذلك.
نعم؛ الأصحّ من وجهين حرمة مناكحتهم.
والرضاع مبنيّ على ذلك؛ فإن حرّمنا المناكحة لم يحرّم، وإن جوّزناها حرّم، وهو أحد احتمالين للبلقيني رحمه الله تعالى في «تدريبه» انتهى.
ولو أولج جنيّ ذكره في إنسية؛ أو أنسيّ في جنّيّة أجنب المولج والمولج فيه.
وفرض ذلك أن يتحقّق ما ذكر، إذ لا جنابة مع الشكّ. انتهى.
والجنّ مكلّفون بالإيمان بالله تعالى، وترك الإشراك به؛ من ابتداء خلقهم، لا مثل الإنس بعد البلوغ.
وأمّا التزام أحكام الشرائع!! فالذي أرسل إليهم عموما هو نبيّنا محمد ﷺ، فهم مكلّفون بالتزام شريعته ﷺ. قال مقاتل رحمه الله تعالى: لم يبعث نبيّ قبل نبينا إلى الإنس والجنّ جميعا، فعلى هذا لا يلزمهم اتباع شريعة نبيّ قبله، وإنما يلزمهم التوحيد، وترك الإشراك بالله تعالى.
والصحيح: أنّ الرسل من الإنس إلى الإنس، وفي زمن كلّ رسول كانت النّذر من الجن تسمع كلام الرّسل وتبلّغه قومها؛ منذرين لهم، فيعملون بما يسمعون.
وليس للجنّ رسل منهم يوحى إليهم، وإنّما يعملون بما أنذرهم قومهم بما يسمعون من رسل الإنس. انتهى. ملخصا من «شفاء الأسقام فيما يتعلق بالجنّ من الأحكام» تأليف الشيخ العلامة المحقق محمد بن عمر الحشيبري رحمه الله تعالى.
فائدة: الجنّ على مراتب، فالأصل «جنّيّ»، فإن خالط الإنسان قيل «عامر» ومن تعرّض منهم للصبيان قيل «أرواح»، ومن زاد في الخبث قيل «شيطان»، فإن زاد على ذلك قيل «مارد»، فإن زاد على ذلك قيل «عفريت» . انتهى كذا وجدت معزوّا لكتاب «توشيح» السيوطي ﵀.
(في) أيّام (الجاهليّة) هي: الحالة الّتي كانت عليها العرب قبل بعثته ﷺ من
[ ٢ / ٥١٣ ]
فمكث فيهم دهرا، ثمّ ردّوه إلى الإنس، فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب، فقال النّاس: (حديث خرافة)» .
الجهل بالله تعالى ورسوله وشرائع الإسلام، وكان اختطاف الجنّ للإنس كثيرا إذ ذاك.
(فمكث) - بضمّ الكاف وفتحها- أي: لبث (فيهم) أي: معهم (دهرا) أي: زمنا طويلا (ثمّ ردّوه إلى الإنس) - بكسر الهمزة وسكون النون- أي:
البشر، الواحد إنسيّ، والجمع: أناسيّ وأناسية؛ كصيارفة.
(فكان يحدّث النّاس بما رأى من الأعاجيب)؛ جمع: أعجوبة، أي الأشياء التي يتعجّب منها.
والتعجّب: انفعال النفس لزيادة وصف في المتعجّب منه. إمّا لاستحسانه والرّضا عنه، وإمّا لذمّه وإنكاره، فهو على وجهين: الأول: فيما يحمده الفاعل.
والثاني: في ما يكرهه. انتهى «باجوري» .
فكان خرافة يخبر الناس بما رأى؛ فيكذّبونه فيما أخبرهم به، مع أن الرجل كان صادقا؛ لا كاذبا.
(فقال النّاس: حديث خرافة») أي: قالوا ذلك فيما سمعوه من الأحاديث العجيبة والحكايات الغريبة؛ الّتي يستملحونها ويكذّبونها؛ لبعدها عن الوقوع.
وغرضه ﷺ من مسامرة نسائه تفريح قلوبهنّ، وحسن العشرة معهن، فيسنّ ذلك، لأنه من باب حسن المعاشرة، وفي الحثّ عليه أحاديث كثيرة مشهورة.
والنهي الوارد عن الكلام بعد العشاء!! محمول على ما لا يعني من الكلام الدّنيويّ.
قال في «المنهاج»: ويكره النوم قبلها والحديث بعدها؛ إلّا في خير.
انتهى.
[ ٢ / ٥١٤ ]
وكان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف ابنته فاطمة الزّهراء، وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا.
و(العرف): أعلى الرّأس، ويطلق على الرّقبة.
وكان ﷺ مع أصحابه وأزواجه كواحد منهم، وكان حسن المعاشرة.
وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها تقول: كنت إذا هويت
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه» - وهو حديث ضعيف؛ كما في العزيزي- عن عائشة رضي الله تعالى عنها: (كان ﷺ كثيرا ما يقبّل عرف) - بضم العين وإسكان الراء- (ابنته فاطمة الزّهراء) أي: أعلى رأسها؛ قاله المناوي
(وكان ﷺ كثيرا ما يقبّلها في فمها أيضا) . زاد أبو داود بسند ضعيف:
ويمصّ لسانها.
(والعرف) - بالضمّ- (أعلى الرّأس) مأخوذ من عرف الدّيك؛ وهو: اللحمة المستطيلة في أعلى رأسه. انتهى. (ويطلق) أي: العرف (على الرّقبة) .
قال في العزيزي: قال الشيخ: العرف- بالمهملة والفاء-: الرقبة؛ أخذا من معرفة الفرس؛ أي: منبت شعره من رقبته. انتهى.
(و) في «كشف الغمّة» للعارف الشعراني: (كان ﷺ مع أصحابه) كواحد منهم؛ لا يتميّز عنهم بشيء، لمزيد تواضعه وحسن عشرته.
(و) كان مع (أزواجه)؛ جمع: زوج، أي امرأة، لأن اللغة الفصحى:
«زوج» - بلا هاء، وبها جاء القرآن في نحو وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ [١٩/ الأعراف] حتّى بالغ الأصمعيّ؛ فقال: لا تكاد العرب تقول «زوجه» بالهاء.
وقوله (كواحد منهم) فيه تغليب الذكور، (وكان حسن المعاشرة) مع أصحابه وأزواجه، وأهل بيته وسائر النّاس على اختلاف طبقاتهم.
(وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ تقول: كنت إذا هويت) أي: أردت
[ ٢ / ٥١٥ ]
شيئا.. تابعني ﷺ عليه. وكنت إذا شربت من الإناء..
أخذه فوضع فمه على موضع فمي وشرب، وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم، وكان يتّكىء في حجري ويقرأ القرآن.
وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع؛ وهو: أنّ إحدى عشرة امرأة تعاهدن وتعاقدن ألايكتمن من أخبار أزواجهنّ شيئا،
(شيئا تابعني) أي: وافقني (ﷺ عليه) إشارة إلى مزيد حبّه لها.
(وكنت إذا شربت من الإناء أخذه؛ فوضع فمه على موضع فمي وشرب) .
رواه مسلم من حديثها.
(وكان ينهش فضلتي من اللّحم الّذي على العظم) رواه مسلم أيضا من حديثها بلفظ: وإذا تعرّقت عرقا أخذه فوضع فمه على موضع فمي.
(وكان يتّكىء في حجري ويقرأ القرآن) رواه الشيخان؛ من حديثها.
(وحدّثت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ رسول الله ﷺ بحديث أمّ زرع)؛ كما رواه الشيخان، والترمذيّ في «الشمائل»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها.
وأمّ زرع هي واحدة من النساء اللّاتي ذكرهن بقوله:
(وهو: أنّ إحدى عشرة) - بسكون الشين- (امرأة)؛ قيل: كلّهن من بعض قرى اليمن، أو قرى مكّة، ولم يعرف منهن سوى أسماء ثمانية سردها الخطيب البغدادي في كتاب «المبهمات»؛ وقال: إنّه لا يعرف أحد أسماءهن إلّا من تلك الطريق، وإنّه غريب جدّا.
(تعاهدن)؛ أي ألزمن أنفسهنّ عهدا، (وتعاقدن) عطف تفسير (أن لا يكتمن) أي: لا يخفين (من أخبار أزواجهنّ شيئا)؛ سواء كان مدحا، أو ذمّا، بل يظهرن ذلك ويصدقن.
[ ٢ / ٥١٦ ]
فوصفت كلّ واحدة زوجها،
(فوصفت كلّ واحدة زوجها)؛
فقالت الأولى: زوجي لحم جمل غثّ. على رأس جبل وعر؛ لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل.
قالت الثانية: زوجي لا أثير خبره، إنّي أخاف ألاأذره؛ إن أذكره أذكر عجره وبجره.
قالت الثالثة: زوجي العشنّق؛ إن أنطق أطلّق، وإن أسكت أعلق.
قالت الرابعة: زوجي كليل تهامة؛ لا حرّ ولا قر، ولا مخافة ولا سامة.
قالت الخامسة: زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد، ولا يسأل عما عهد.
قالت السادسة: زوجي إن أكل لفّ، وإن شرب اشتفّ، وإن اضطجع التفّ، ولا يولج الكفّ ليعلم البثّ.
قالت السابعة: زوجي عياياء، أو غياياء طلبقاء، كلّ داء له داء؛ شجّك، أو فلّك، أو جمع كلّا لك!!.
قالت الثامنة: زوجي المسّ مسّ أرنب، والريح ريح زرنب.
قالت التاسعة: زوجي رفيع العماد، طويل النّجاد، عظيم الرماد، قريب البيت من النّاد.
قالت العاشرة: زوجي مالك، وما مالك!! مالك خير من ذلك، له إبل كثيرات المبارك؛ قليلات المسارح، إذا سمعن صوت المزهر. أيقنّ أنهنّ هوالك.
قالت الحادية عشرة: زوجي أبو زرع وما أبو زرع!! أناس من حليّ أذني، وملأ من شحم عضدي، وبجحني فبجحت إليّ نفسي، وجدني في أهل غنيمة بشقّ؛ فجعلني في أهل صهيل وأطيط ودائس ومنق، فعنده أقول فلا أقبّح
[ ٢ / ٥١٧ ]
فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع.
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: فقال لي رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» .
وأرقد فأتصبح، وأشرب فأتقمّح:
أمّ أبي زرع؛ فما أمّ أبي زرع!! عكومها رداح، وبيتها فساح.
ابن أبي زرع؛ فما ابن أبي زرع!! مضجعه كمسلّ شطبة، ويشبعه ذراع الجفرة.
بنت أبي زرع؛ فما بنت أبي زرع!! طوع أبيها وطوع أمها، وملء كسائها وغيظ جارتها.
جارية أبي زرع؛ فما جارية أبي زرع!! لا تبثّ حديثنا تبثيثا، ولا تنقث ميرتنا تنقيثا. ولا تملأ بيتنا تعشيشا. قالت:
خرج أبو زرع والأوطاب تمخض فلقي امرأة معها ولدان لها؛ كالفهدين، يلعبان من تحت خصرها برمانتين، فطلّقني ونكحها.
فنكحت بعده رجلا سريّا؛ ركب شريّا، وأخذ خطيا، وأراح علي نعما ثريا، وأعطاني من كلّ رائحة زوجا، وقال: كلي أمّ زرع وميري أهلك. فلو جمعت كلّ شيء أعطانيه ما بلغ أصغر آنية أبي زرع.
(فكانت أحسنهنّ وصفا لزوجها، وأكثرهنّ تعدادا لنعمه عليها: زوجة أبي زرع) التي يضاف إليها الحديث؛ فيقال «حديث أم زرع» .
وإنّما أضيف إليها!! لأنّ معظم الكلام وغاية المرام فيه إنّما هو بالنسبة إلى ما يتعلّق بها ويترتّب عليها، ولذلك (قالت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ فقال) - وفي بعض نسخ «الشمائل»: قال عروة: قالت عائشة: فلما فرغت من ذكر حديثهنّ؛ قال- (لي رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع») في الألفة والوفاء؛ لا في الفرقة والجفاء.
[ ٢ / ٥١٨ ]
فالتشبيه ليس من كلّ وجه؛ كما يفيد ذلك قوله «لك» ولم يقل «وعليك» !! فإنّه يفيد أنّه لها كأبي زرع لأمّ زرع في النفع؛ لا في الضرّ الّذي حصل بطلاقها.
ويؤخذ من الحديث ندب حسن العشرة مع الأهل، وحلّ السّمر في خير؛ كملاطفة حليلته، وإيناس ضيفه وجواز ذكر المجهول عند المتكلّم والسّامع بما يكره، فإنّه ليس غيبة.
غاية الأمر: أن عائشة رضي الله تعالى عنها ذكرت نساء مجهولات، وذكر بعضهن عيوب أزواجهن المجهولين الذين لا يعرفون بأعيانهم؛ ولا بأسمائهم، ومثل هذا لا يعدّ غيبة، على أنّهم كانوا من أهل الجاهليّة؛ وهم ملحقون بالحربيّين في عدم احترامهم.
وفي الحديث فوائد كثيرة. وقد أفرده بالتصنيف أئمّة؛ منهم القاضي عياض، والإمام الرافعي في مؤلف جليل جامع، وساقه بتمامه في «تاريخ قزوين» !.
قال الحافظ ابن حجر: المرفوع من حديث أبي زرع في «الصحيحين» «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع»، وباقيه من قول عائشة رضي الله تعالى عنها.
وجاء خارج «الصحيحين» مرفوعا كلّه من رواية عبّاد بن منصور عند النسائي، وساقه بسياق لا يقبل التأويل؛ ولفظه: قالت: قال لي رسول الله ﷺ: «كنت لك كأبي زرع لأمّ زرع» قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: بأبي أنت وأمّي، يا رسول الله من كان أبو زرع!؟ قال: «اجتمع » فساق الحديث كلّه.
وكذا جاء مرفوعا عند الزّبير بن بكّار، وجاء في بعض طرقه الصحيحة:
ثمّ أنشأ رسول الله ﷺ يحدّث بحديث أمّ زرع، ويقوّي رفعه جميعه أنّ التشبيه المتّفق على رفعه يقتضي أن يكون النبي ﷺ سمع القصّة وعرفها فأقرّها، فيكون مرفوعا كلّه؛ من هذه الحيثية. انتهى؛ نقله في «جمع الوسائل» للعلّامة الملا علي قاري رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٥١٩ ]
وكان ﷺ يسرّب إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار يلعبن معها.
وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون في المسجد، وهي متّكئة على منكبه.
وروي: أنّه ﷺ سابقها، فسبقته، ثمّ سابقها بعد ذلك، فسبقها وقال: «هذه بتلك» .
(و) روى الشيخان: (كان) رسول الله (ﷺ يسرّب)؛ من التسريب- بالمهملة- وهو: الإرسال، والتسريح أي: يرسل (إلى عائشة رضي الله تعالى عنها بنات الأنصار) واحدة بعد أخرى (يلعبن معها)، لأنّها كانت صغيرة.
(وكان ﷺ يريها الحبشة؛ وهم يلعبون) بحرابهم للتدريب على مواقع الحرب والاستعداد، ولذا جاز (في المسجد) لأنه من منافع الدين، (وهي متّكئة على منكبه)، ولعله أراها لعبهم لتضبطه وتعلمه فتنقله للناس بعد.
وهذا رواه البخاري؛ من حديثها، ورواه الترمذي بلفظ: قام ﷺ فإذا حبشة تزفن والصبيان حولها، فقال: «يا عائشة تعالي فانظري» . فجئت فوضعت لحيي على منكب رسول الله ﷺ؛ فجعلت أنظر إليها ما بين المنكب إلى رأسه؛ فقال لي: «أما شبعت.. أما شبعت!!» فجعلت أقول: لا.. لا. وقال الترمذي:
حديث حسن صحيح غريب.
ولعل رؤيتها للحبشة كان قبل الحجاب!! وقيل: إنّها كانت تنظر إلى لعبهم؛ لا إلى أجسامهم. وفيه ما فيه!!.
(وروي أنّه ﷺ سابقها) في سفر (فسبقته)؛ لخفّة جسمها بقلّة اللّحم.
(ثمّ سابقها بعد ذلك) في سفر آخر؛ وقد سمنت (فسبقها، وقال) مطيّبا لخاطرها (: «هذه بتلك») السّبقة. رواه أبو داود بلفظ: سابقته في سفر فسبقته على رجلي، فلما حملت اللّحم سابقته فسبقني. قال: «هذه بتلك السّبقة» .
[ ٢ / ٥٢٠ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها، إذ أتي بصحفة خبز ولحم من بيت أمّ سلمة، فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ، فقال: «ضعوا أيديكم»، فوضع نبيّ الله ﷺ [يده]، ووضعنا أيدينا، فأكلنا وعائشة تصنع طعاما عجّلته، وقد رأت الصّحفة الّتي أتي بها، فلمّا فرغت من طعامها.. جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها، فقال رسول الله ﷺ: «كلوا باسم الله؛ غارت أمّكم» .
وهذا من مزيد لطفه؛ حتّى لا تتشوّش.
وروى الإمام أحمد عنها: خرجت مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره؛ وأنا جارية لم أحمل اللّحم؛ ولم أبدن، فقال للناس: «تقدّموا» . فتقدّموا، ثم قال:
«تعالي حتّى أسابقك» . فسابقته فسبقته؛ فسكت عنّي، حتّى حملت اللّحم وبدنت وسمنت؛ خرجت معه في بعض أسفاره؛ فقال للناس: «تقدّموا» . ثمّ قال: «تعالي حتّى أسابقك» فسبقني، فجعل يضحك ويقول: «هذه بتلك» .
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّهم كانوا يوما عند رسول الله ﷺ في بيت عائشة رضي الله تعالى عنها؛ إذ أتي بصحفة): إناء كالقصعة المبسوطة ونحوها، جمعها صحاف (خبز ولحم من بيت أمّ سلمة؛ فوضعت بين يدي رسول الله ﷺ فقال: «ضعوا أيديكم») للأكل.
(فوضع نبيّ الله ﷺ [يده] ووضعنا أيدينا فأكلنا!! وعائشة تصنع طعاما عجّلته) أسرعت به. (و) الحال أنّها (قد رأت الصّحفة الّتي أتي) - على صيغة المبني للمجهول- أي: جيء (بها) من بيت أمّ سلمة.
(فلمّا فرغت من طعامها جاءت به فوضعته، ورفعت صحفة أمّ سلمة فكسرتها. فقال رسول الله ﷺ: «كلوا باسم الله) من صحفة عائشة (غارت أمّكم») هي كاسرة الصحفة عائشة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
[ ٢ / ٥٢١ ]
ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» . رواه الطّبرانيّ في «الصّغير» .
وهو عند البخاريّ بلفظ: كان ﷺ عند بعض نسائه، فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين بصحفة فيها طعام،
وأبعد الداودي؛ فقال: هي سارة زوج الخليل. وأنّه أراد لا تعجبوا مما وقع من هذه من الغيرة؛ فقد غارت تلك التي قبلها!! وردّ- مع بعده- بأن المخاطبين ليسوا من أولاد سارة، إذ ليسوا من بني إسرائيل!!.
(ثمّ أعطى صحفتها أمّ سلمة؛ فقال: «طعام مكان طعام، وإناء مكان إناء» .
رواه الطّبرانيّ في) «معجمه (الصّغير») . وعزاه في «الفتح» و«المقدمة» له في «الأوسط»، (وهو) أي: حديث أنس (عند البخاريّ) في «المظالم» و«الأطعمة» (بلفظ:
كان ﷺ عند بعض نسائه) هي عائشة؛ كما في الترمذي وغيره، ولا خلاف في ذلك! (فأرسلت إحدى أمّهات المؤمنين) هي:
صفيّة؛ كما رواه أبو داود والنسائيّ من حديث عائشة.
أو: حفصة؛ كما رواه الدارقطني؛ من حديث أنس وابن ماجه عن عائشة.
أو: أمّ سلمة؛ كما رواه الطبراني في «الأوسط» عن أنس وإسناده أصحّ من إسناد الدارقطني. وساقه بسند صحيح؛ وهو أصحّ ما ورد في ذلك.
ويحتمل التعدّد!!.
وحكى ابن حزم في «المحلّى» أنّ المرسلة زينب بنت جحش؛ ذكره الحافظ، وتبعه القسطلّانيّ، ففي جزم السيوطي بالأخير شيء.
(بصحفة) هذا لفظ البخاري في «الأطعمة»، ولفظه في «المظالم» بقصعة- بفتح القاف- (فيها طعام) أي: حيس؛ كما في «المحلّى» لابن حزم. ويأتي
[ ٢ / ٥٢٢ ]
فضربت الّتي في بيتها يد الخادم، فسقطت الصّحفة فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة، ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة ويقول: «غارت أمّكم»، ثمّ حبس الخادم، حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة إلى الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت.
رواية «يلتقط اللحم»، فيحتمل أن اتّحدت القصّة؛ أنّه كان فوق الحيس، قال الشاعر:
التّمر والسّمن جميعا والأقط الحيس إلّا أنّه لم يختلط
مع خادم (فضربت الّتي [النّبيّ]) ﷺ (في بيتها) هي عائشة على جميع الأقوال (يد الخادم) لم يسمّ؛ قاله الحافظ ابن حجر.
(فسقطت الصّحفة؛ فانفلقت، فجمع ﷺ فلق الصّحفة)؛ جمع فلقة؛ كقطعة وقطع: وزنا ومعنى. (ثمّ جعل يجمع فيها الطّعام الّذي كان في الصّحفة؛ ويقول) مبديا لعذرها (: «غارت أمّكم») عائشة.
(ثمّ حبس الخادم): منعه من العود إلى سيّدته التي أرسلته (حتّى أتي بصحفة من عند الّتي هو في بيتها، فدفع الصّحفة) الّتي لا كسر فيها (إلى) الخادم ليوصلها إلى (الّتي كسرت صحفتها، وأمسك المكسورة في بيت الّتي كسرت)؛ عقابا لها.
فإن قيل: القصعة متقوّمة فكيف ضمّنها بالمثل؛ لا بالقيمة؟!
أجاب البيهقيّ بأنّ القصعتين كانتا للنبيّ ﷺ في بيت زوجتيه، فعاقب الكاسرة- بجعل- المكسورة في بيتها، وجعل الصحيحة في بيت صاحبتها، ولم يكن هناك تضمين.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والنّسائيّ: قالت عائشة رضي الله تعالى
[ ٢ / ٥٢٣ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة طبختها له، وقلت لسودة والنّبيّ ﷺ بيني وبينها؛ فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: كلي، فأبت، فقلت لها: لتأكلين، أو لألطّخنّ بها وجهك، فأبت، فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها، فضحك رسول الله ﷺ.
عنها: ما رأيت صانعة طعاما مثل صفيّة؛ أهدت إلى النبي ﷺ إناء من طعام، فما ملكت نفسي أن كسرته!! فقلت: يا رسول الله؛ ما كفّارته؟ قال: «إناء كإناء، وطعام كطعام» ففي هذه الرواية: المرسلة صفيّة، فيخالف رواية الطّبراني أنّها أم سلمة!! إن لم يحمل على التعدّد.
وعند غير أحمد، وأبي داود، والنسائي: فأخذت القصعة من بين يديه فضربت بها وكسرتها، فقام النبيّ ﷺ يلتقط اللّحم والطعام؛ وهو يقول «غارت أمّكم» . فلم يثرّب عليها ﷺ، ووسع خلقه الشريف آثار طفحات غيرتها، ولم يتأثّر من فعلها ذلك بحضوره وحضور أصحابه؛ لمزيد حلمه وعلمه بما تؤدّي إليه الغيرة، وقضى عليها بحكم الله في التقاصّ بجعل المكسورة عندها ودفع الصحيحة لضرّتها.
(وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أتيت النّبيّ ﷺ بخزيرة) - بخاء وزاي معجمتين؛ فياء مثناة، فراء فتاء تأنيث- (طبختها له، وقلت لسودة) أمّ المؤمنين (والنّبيّ ﷺ بيني وبينها؛ فقلت لها: كلي. فأبت، فقلت لها: كلي. فأبت.
فقلت لها: لتأكلين؛ أو لألطّخنّ بها وجهك!! فأبت. فوضعت يدي في الخزيرة فلطخت بها وجهها) - بالتخفيف [لطّخت] وتشدّد مبالغة.
(فضحك رسول الله ﷺ)، فوضع فخذه لها؛ وقال لسودة: «ألطخي وجهها قصاصا» . فلطخت به وجهي. فضحك رسول الله ﷺ الحديث رواه ابن غيلان؛ من حديث الهاشمي.
[ ٢ / ٥٢٤ ]
و(الخزيرة): لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج ذرّ عليه الدّقيق.
وكان ﷺ إذا غضبت عائشة.. عرك بأنفها وقال: «يا عويش؛ قولي: اللهمّ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن» .
وكان ﷺ إذا أتي بهديّة قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة، فإنّها كانت صديقة لخديجة
وأخرجه الملّا في «سيرته»؛ ذكره في «المواهب» قال:
(والخزيرة: لحم يقطع قطعا صغارا، ويصبّ عليه ماء كثير، فإذا نضج):
استوى (ذرّ عليه الدّقيق)، فإن لم يكن فيها لحم؛ فهي عصيدة؛ قاله الجوهري وغيره، وكذا ذكره ابن السّكّيت؛ وزاد: من لحم بات ليلة. وقال ابن فارس:
دقيق يخلط بشحم. وقيل: غير ذلك، كما ذكره القسطلّاني في «المواهب» .
(و) أخرج ابن السّنّيّ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان ﷺ إذا غضبت عائشة عرك بأنفها) - بزيادة الموّحدة- (وقال)؛ ملاطفا لها (: «يا عويش) - منادى مصغّر مرخّم، فيجوز ضمّه وفتحه على لغة «من ينتظر» وعلى التمام- (قولي: (اللهمّ؛ ربّ محمّد اغفر لي ذنبي، وأذهب) - بهمزة القطع- (غيظ قلبي، وأجرني من مضلّات الفتن.)؛ أي: الفتن المضلّة، أي الموقعة في الضلال، فمن قال ذلك بصدق وإخلاص ذهب غضبه لوقته، وحفظ من الضلال والوبال.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: (كان) النبيّ (ﷺ إذا أتي) - مبنيّ للمجهول- أي: أتاه أحد (بهديّة؛ قال: «اذهبوا بها إلى بيت فلانة) لم يسمّها الرواة، (فإنّها كانت صديقة لخديجة
[ ٢ / ٥٢٥ ]
- رضي الله تعالى عنها- إنّها كانت تحبّ خديجة» .
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما غرت على امرأة ما غرت على خديجة رضي الله تعالى عنها لما كنت أسمعه يذكرها، وإن كان ليذبح الشّاة فيهديها إلى خلائلها، واستأذنت عليه أختها..
- رضي الله تعالى عنها-)
وفي رواية: (إنّها كانت تحبّ خديجة») . وفيه الحثّ على البرّ والصّلة وحسن العهد.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم وغيرهما (عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما غرت) - بكسر العين المعجمة وسكون الراء- (على امرأة) أي: من نساء النبي ﷺ (ما غرت)؛ أي: كغيرتي (على خديجة- رضي الله تعالى عنها- لما كنت) لعلة لغيرتها أي: لأجل كوني دائما (أسمعه)؛ أي: أسمع النبي ﷺ (يذكرها) أي: ذكرا جميلا وثناء جزيلا.
قال الطبريّ وغيره: الغيرة من النساء مسموح لهنّ ومفسوخ في أخلاقهن لما جبلن عليه، وإنّهن لا يملكن عندها أنفسهنّ. ولهذا لم يزجر النبي ﷺ عائشة، ولا ردّ عليها عذرها، لما علم من فطرتها وشدّة غيرتها. قال الزبيدي: والعامّة تكسرها والصواب فتحها. انتهى «ملا علي قاري رحمه الله تعالى» .
(وإن) - بكسر الهمزة وسكون النون؛ على أنّ «إن» مخفّفة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن محذوف؛ أي: وإنّه ﵊ (كان ليذبح الشّاة) - بفتح اللام- وهي المسماة ب «الفارقة»، نحو قوله تعالى وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً [١٤٣/ البقرة] (فيهديها) - بضمّ الياء- أي: فيرسلها هديّة (إلى خلائلها) - بالخاء المعجمة- جمع: خليلة؛ أي صدائقها لكلّ واحدة منها قطعة.
(واستأذنت عليه أختها) أي: طلبت الإذن في الدخول له ﷺ أخت خديجة؛
[ ٢ / ٥٢٦ ]
فارتاح لها «١»، ودخلت عليه امرأة فهشّ لها وأحسن السّؤال عنها، فلمّا خرجت قال: «إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
وهي هالة بنت خويلد بن أسد أمّ أبي العاصي بن الربيع «زوج زينب بنته ﷺ»، واسمه: لقيط بن الربيع، وهالة ذكرها ابن منده، وأبو نعيم في «الصحابة» .
(فارتاح [لها])؛ أي: حصلت له ﷺ راحة، إذ دخلت عليه وأظهر البشر والسرور برؤيتها، (ودخلت عليه امرأة) أي: أخرى في وقت آخر (فهشّ لها) - بتشديد الشين المعجمة- أي: فرح بها واستبشر، (وأحسن السّؤال عنها) بقوله «كيف أنتم..؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا»؟ (فلمّا خرجت) من عنده (قال: «إنّها كانت تأتينا أيّام خديجة) أي: في زمانها فلنا بها معرفة قديمة، (وإنّ حسن العهد) قال السّخاوي: ينصرف لغة إلى وجوه؛ أحدها: الحفظ والرعاية، وهو المراد هنا. أي: الوفاء والحفظ، ورعاية العهود القديمة، ورعاية من يحبّك أو يحبّ من يحبّك (من الإيمان») أي: من أخلاق أهله وخصالهم، أو من شعب الإيمان ومقتضياته، لأن من كمال الإيمان مودّة عباد الله ومحبّتهم.
وهذا الحديث رواه الحاكم في «مستدركه» في «كتاب الإيمان»؛ عن عائشة مرفوعا، وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين؛ وليس له علّة. وأقرّه الذّهبيّ. ومن طريق الحاكم رواه الدّيلميّ، من حديث الصّغاني؛ عن أبي عاصم؛ قال: حدّثنا رستم؛ عن ابن أبي مليكة؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت:
جاءت عجوز إلى النبيّ ﷺ وهو عندي، فقال لها: «من أنت»؟! فقالت جثّامة المزنيّة. قال: «أنت حسّانة، كيف أنتم ؟ كيف حالكم ؟ كيف كنتم بعدنا؟» . قالت: بخير، بأبي أنت وأمّي؛ يا رسول الله. فلما خرجت؛ قلت:
يا رسول الله؛ تقبل على هذه العجوز هذا الإقبال!! قال: «إنّها كانت تأتينا زمن
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: إليها.
[ ٢ / ٥٢٧ ]
قال القسطلّانيّ: (وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه، لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ، وإن أقام عليهنّ قسطاس عدل أقامه من غير قلق، ولا غضب.
وبالجملة: فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين.. علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق، وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق إلى غير ذلك) .
خديجة، وإنّ حسن العهد من الإيمان» .
(قال) العلّامة الشّهاب (القسطلّانيّ) في «المواهب» عقب الكلام على حديث عائشة ﵂ في كسر الصحفة السابق!! ولو ذكره المصنف هناك كان أولى؟!
(وهكذا كانت أحواله ﵊ مع أزواجه؛ لا يأخذ عليهنّ ويعذرهنّ) - بكسر الذال-: يرفع عنهن اللّوم.
(وإن أقام عليهنّ قسطاس): ميزان (عدل؛ أقامه من غير قلق ولا غضب) كما هو الواقع من غيره كثيرا.
(وبالجملة؛ فمن تأمّل سيرته ﵊ مع أهله وأصحابه وغيرهم؛ من الفقراء، والأيتام، والأرامل، والأضياف، والمساكين؛ علم أنّه قد بلغ من رقّة القلب ولينه الغاية الّتي لا مرمى وراءها لمخلوق)، أي: لا يصل أحد بعده إليها (وإنّه كان يشدّد في حدود الله وحقوقه ودينه؛ حتّى قطع يد السّارق إلى غير ذلك) كحدّ الزاني. انتهى كلام «المواهب» .
[ ٢ / ٥٢٨ ]
[الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه]
الفصل الثّالث في صفة أمانته ﷺ وصدقه كان رسول الله ﷺ آمن النّاس، وأصدقهم لهجة منذ كان.
قال تعالى: مُطاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ [التكوير: ٢١] .
أكثر المفسّرين على أنّه محمّد ﷺ.
(الفصل الثّالث)؛ من الباب الخامس (في) ما ورد في (صفة أمانته ﷺ) في كلّ شيء يحفظه قولا كان؛ أو فعلا؛ أو غير ذلك مما يجعل عنده، وكونه موثوقا به في أموال الناس وأحوالهم.
(و) في ما ورد في (صدقه) ﷺ، وهو: مطابقة خبره للواقع.
قال في «الشفاء»: (كان رسول الله ﷺ آمن النّاس) - بهمزة ممدودة- أي:
أكثرهم وأعظمهم أمانة وأمنا؛ من أن يقع منه خيانة، (وأصدقهم لهجة) أي:
منطقا أي: أكثرهم صدقا (منذ كان) أي: من ابتداء ما وجد، لما جبل عليه من الأخلاق الحسنة، وقد اعترف له بذلك محادّوه وعداه.
(قال) الله (تعالى) في حقه (مُطاعٍ) - أي: مكرّم- (ثَمَّ) - بفتح الثاء؛ أي: عند الملأ الأعلى والحضرة العليا- (أَمِينٍ) . موصوف بالأمانة في دعوى النبوة ووحي الرسالة.
(أكثر المفسّرين على أنّه) أي: المراد ب «المطاع الأمين» (محمّد ﷺ) وكثير منهم على أنّه جبريل ﵊؛ كما يشهد به سياق النظم القرآني ولذا ارتضاه المحقّقون.
[ ٢ / ٥٢٩ ]
وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته: (الأمين) .
ولمّا اختلفوا عند بناء الكعبة فيمن يضع الحجر.. حكّموا أوّل داخل عليهم، فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل، وذلك قبل نبوّته، فقالوا: (هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) .
(وكانت تسمّيه قريش قبل نبوّته) أي: ظهورها ودعوتها («الأمين»)، لأمانته وصدق قوله في جميع أحواله.
قال ابن إسحاق: كان ﷺ يسمّى «الأمين» بما جمع الله له من الأخلاق الصالحة.
قال الخفاجي: وهذا حديث صحيح، رواه أحمد في «مسنده»، والحاكم، والطبرانيّ؛ عن علي كرم الله وجهه.
(ولمّا اختلفوا)؛ أي: قريش (عند بناء الكعبة) حين أجمرت فطارت شرارة؛ فاحترقت الكعبة فهدموها، وأرادوا تجديد بنائها فوقع خلافهم (فيمن يضع الحجر) الأسود في موضعه الأصليّ قبل هدمه، وكلّ يقول «أنا وأتباعي نضعه»؛ افتخارا بوضعه، لأنه الركن الأعظم في ذلك المقام الأفخم، وكاد أن يقع بينهم القتال، لكثرة منازعة الرجال.
(حكّموا) - بفتح الحاء المهملة، وتشديد الكاف- فعل ماض، وهو جواب «لمّا» أي: ارتضوا بأن يكون الحاكم في ذلك (أوّل داخل عليهم) لدفع النزاع عنهم.
(فإذا بالنّبيّ ﷺ داخل) «إذا» فجائية، أي: فاجأهم دخوله عليهم بغتة من غير طلب ولا ميعاد منهم، (وذلك قبل) دعوى (نبوّته) وظهور رسالته ﷺ؛ وهو ابن خمس وثلاثين سنة، (فقالوا) مقرّين له بوصف أمانته (: هذا محمّد الأمين.. قد رضينا به) حكما في هذه القضية، فلما انتهى إليهم ذكروا له ذلك،
[ ٢ / ٥٣٠ ]
وقال ﷺ: «والله إنّي لأمين في السّماء، أمين في الأرض» . وورد أنّ أبا جهل قال للنّبيّ ﷺ: إنّا لا نكذّبك، وما أنت فينا بمكذّب، ولكن نكذّب بما جئت به. فأنزل الله فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ [الأنعام: ٣٣] .
ففرش ﷺ رداءه المبارك، ووضع الحجر عليه، وأمر كلّ رئيس أن يأخذ بطرف منه، وهو آخذ من تحته، فلما فعلوا ذلك وحملوه إلى قرب موضعه أخذه ﷺ بيده الشريفة فوضعه في ركن البيت، ثم بنى عليه، فكان شرف الوضع له.
(وقال ﷺ) فيما رواه ابن أبي شيبة في «مصنّفه» عن أبي رافع (: «والله؛ إنّي لأمين في السّماء)؛ أي: عند الله وملائكته المقرّبين (أمين في الأرض») عند المؤمنين وغيرهم من المجرمين، لكمال أمانته وظهور ديانته، وعدم خلفه في وعده، وتحقّق صدقه؛ يعني أنّه مشهور بذلك بين الملأ الأعلى وبين أهل الأرض.
وفيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه، مؤكّدا بالقسم؛ إذا دعت الحاجة إلى إظهار ذلك.
(وورد) فيما رواه الترمذيّ، والحاكم عن عليّ رضي الله تعالى عنه (أنّ أبا جهل) لعنه الله (قال للنّبيّ ﷺ: إنّا لا نكذّبك) - بالتشديد، و[لا نكذبك] بالتخفيف- أي: لا ننسبك إلى الكذب، (وما أنت فينا بمكذّب) لثبوت صدقك، (ولكن نكذّب) بالتشديد لا غير (بما جئت به)؛ من القرآن والإيمان بالتوحيد والبعث ونحو ذلك، فدلّت هذه المناقضة الظاهرة على أن كفر أكثرهم كان عنادا.
([فأنزل الله) فيما قاله، وهو سبب نزول هذه الآية (فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ [٣٣/ الأنعام]) بالتشديد، وقرأ نافع والكسائي [لا يُكَذِّبُونَكَ] بالتخفيف (الآية]) أي: اقرأ الآية، وتمامها وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣) [الأنعام] أي:
ينكرونه، فتكذيبهم في الحقيقة راجع إلى ربهم، ففيه وعيد أكيد وتهديد شديد لهم، وتسلية له ﷺ.
[ ٢ / ٥٣١ ]
وقيل: إنّ الأخنس بن شريق لقي أبا جهل يوم بدر فقال له: يا أبا الحكم؛ ليس هنا غيري وغيرك يسمع كلامنا، تخبرني عن محمّد:
صادق، أم كاذب؟
وروى أبو ميسرة أنّه ﷺ مرّ بأبي جهل وأصحابه؛ فقالوا: والله يا محمد؛ ما نكذبك، وإنّك عندنا لصادق، ولكنّا نكذّب بما جئت به فنزلت هذه الآية انتهى خفاجي على «الشفاء» .
وفي «المواهب»: روي أنّ أبا جهل لقي النبيّ ﷺ في بعض فجاج مكّة فصافحه. فقيل له: تصافحه!؟ فقال: والله؛ إنّي لأعلم أنّه نبي، ولكن متى كنا تبعا لبني عبد مناف!! فأنزل الله الآية فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ رواه ابن أبي حاتم.
وقيل: أي روي؛ كما أخرجه ابن إسحاق، والبيهقيّ؛ عن الزّهريّ، وكذا ابن جرير؛ عن السّدّي، والطبرانيّ في «الأوسط»:
(إنّ الأخنس) - بفتح الهمزة وسكون الخاء المعجمة وفتح النون وآخره سين مهملة؛ بزنة «أفعل» التفضيل: صحابيّ كما صرح به الخفاجيّ؛ في «شرح الشّفاء»، وقال الزرقاني على «المواهب»: إنّه أسلم بعد ذلك.
وقال الخفاجيّ: اسمه أبيّ (بن شريق) - بفتح الشين المعجمة وكسر الراء وقاف آخره؛ على وزن «فعيل» ابن ثعلبة الثقفي، قتل يوم بدر كافرا- يعني شريقا-؛ قاله الخفاجي.
(لقي أبا جهل يوم بدر)، وكان يوم جمعة السنة الثانية من الهجرة في سابع عشر رمضان؛
(فقال له: يا أبا الحكم) - بفتحتين- كنيته في الجاهلية، فغيّرها النبي ﷺ وكنّاه «أبا جهل»؛ قاله العلّامة ملا علي قاري.
(ليس هنا غيري وغيرك) أي: أحد (يسمع كلامنا) أي: فيما بيننا، (تخبرني) خبر معناه أمر، أي: أخبرني (عن محمّد) أي: عن وصفه؛ (: صادق أم كاذب؟) - يعني: أصادقا؛ فحذفت الهمزة تخفيفا.
[ ٢ / ٥٣٢ ]
فقال أبو جهل: والله إنّ محمّدا لصادق، وما كذب محمّد قطّ.
وسأل هرقل عنه ﷺ أبا سفيان فقال: هل كنتم تتّهمونه
(فقال أبو جهل: والله؛ إنّ محمّدا لصادق) أي: لموصوف بالصدق.
(وما كذب محمّد قطّ) اعتراف بالحقّ.
وهذا يدلّ على أنّهم لا يعتقدون كذبه.
وروي أنّ أبا جهل قال؛ بعد قوله «وما كذب محمّد»: ولكن إذا ذهب بنو قصيّ باللواء والسقاية والحجابة والندوة والنبوة؛ فماذا يكون لسائر قريش!!؟
وهذا يدلّ على أنّه ما منعه عن توحيد الله إلّا طلب الجاه!!.
(وسأل هرقل) - بكسر الهاء وفتح الراء وإسكان القاف؛ على المشهور- لا ينصرف للعلمية والعجمة، وهذا اسمه العلم، وأمّا قيصر!! فهو لقب كلّ من ملك الروم «١»؛ وقد هلك على كفره.
وحكى الجوهري وغيره في ضبطه [هرقل] سكون الراء بين كسرتين، وضبط [هرقل] بضمّتين بينهما ساكن.
(عنه) أي: عن النبيّ (ﷺ أبا سفيان): صخر بن حرب بن أميّة القرشي الأموي. أسلم يوم الفتح؛ فكان من المؤلّفة قلوبهم، ثم حسن إسلامه، وكان رئيس قريش، وأكثرهم مالا، وتوفي سنة: أربع وثلاثين؛ وعمره ثمان وثمانون سنة في المدينة المنورة، وقصّة أبي سفيان مع هرقل مشهورة مرويّة في «الصحيحين» مفصّلة في أوّل باب في «البخاري»؛ وفيها:
(فقال) أي: هرقل مخاطبا لأبي سفيان ومن معه (: هل كنتم تتّهمونه)
_________________
(١) فيه نظر!! والمعروف أنه لقب ملك الروم أيضا كما «قيصر»، ولكن «هرقل» خاصّ بملك الشام من قبلهم؛ أي فهو عامل الروم على الشام. فاعلمه.
[ ٢ / ٥٣٣ ]
بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال: لا.
وقال النّضر بن الحارث لقريش: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا؛
- بتشديد التاء المثنّاة الثانية- (بالكذب) أي: هل كنتم تنسبونه إلى الكذب؛ ولو بالتهمة؛ بناء على المظنّة (قبل أن يقول ما قال) من دعوى النبوّة والرّسالة!؟
وإنّما سألهم عن توهّم الكذب؛ ولم يقل «هل علمتم وتحققتم» !! لأنّه يعلم من انتفاء التوهّم انتفاء غيره بالطريق الأولى.
وهذا السؤال يدلّ على كمال عقل هرقل؛ ومعرفته بصفة الأنبياء، لكنه لم ينفعه علمه حيث لم يقترن بعمله، إذ هلك كافرا على نصرانيّته بالقسطنطينية سنة:
عشرين بعد فتح عمر ﵁ بلاده.
(قال) أي أبو سفيان (: لا) أي: لا نتّهمه بالكذب قبل ذلك.
فقال هرقل: قد عرفت أنّه لم يكن ليدع الكذب على الناس ويكذب على الله!!.
(وقال النّضر) - بنون مفتوحة فضاد معجمة ساكنة وراء مهملة آخره- (ابن الحارث) بن علقمة بن كلدة- بفتح الكاف- ابن عبد مناف القرشي.
وكان شديد العداوة للنبي ﷺ، أخذ أسيرا ببدر؛ فأمر النبيّ ﷺ عليّا ﵁ فقتله كافرا صبرا بالصّفراء عقب الواقعة.
وأمّا النّضير- بالتصغير-! فهو أخوه، وكان من المؤلّفة، وأعطي يوم حنين مائة من الإبل!! فاحذر أن يتصحّف عليك؛ كما توهّم الحلبي!! قاله ملا علي قاري رحمه الله تعالى.
(لقريش) في حديث رواه ابن إسحاق، والبيهقيّ؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما (: قد كان محمّد فيكم غلاما حدثا) - بفتحتين-.
[ ٢ / ٥٣٤ ]
أرضاكم فيكم، وأصدقكم حديثا، وأعظمكم أمانة، حتّى إذا رأيتم في صدغيه الشّيب وجاءكم بما جاءكم به.. قلتم ساحر؟! لا والله ما هو بساحر.
قال الجوهري: حدث: شابّ، فإن ذكرت السنّ؛ قلت: حديث السنّ من الحدوث، لقرب عهده بالوجود
(أرضاكم فيكم) أي: ترضون أفعاله وأحواله،
(وأصدقكم حديثا) أي: قولا ووعدا. (وأعظمكم أمانة.)
هذه شهادة العدوّ؛ فما بالك بغيره!!؟ والفضل ما شهدت به الأعداء.
(حتّى إذا رأيتم في صدغيه) - بضم فسكون-: ما بين لحظ العين والأذن (الشّيب) أي: بياض الشعر، لأن الشعر الذي فيه من أعلى العذار وجانب الرأس كثيرا ما يبدو فيه الشيب قبل غيره، فكنّى بذلك عن تمام رجولته وكمال عقله ﷺ بمجاوزته سنّ الشباب، وهذا أشدّ في الإنكار عليهم.
(وجاءكم بما جاءكم به) أي: بما أظهر لكم من الحقّ وكلام الصّدق؛ (قلتم) في حقّه: إنه (ساحر) في غيبته وحضوره؟! (لا والله؛ ما هو بساحر!!)
وهذا منه غاية الإنصاف، ولكن غلب عليه الشقاء؛ فقتل صبرا بالصفراء كافرا منصرفه ﷺ من بدر، كما ذكره الشيخان عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قاله الخفاجيّ على «الشفاء» . قال:
والّذي قال «إنّه ساحر» الوليد بن المغيرة، وسبب قول النّضر المذكور أنّ أبا جهل لمّا أراد أن يرضخ رأس رسول الله ﷺ بحجر فتمثّل له جبريل ﵊؛ في صورة فحل، ففرّ هاربا ويبست يده على الحجر.
فلما سمع ذلك النّضر؛ قال: يا معشر قريش.. والله؛ قد نزل بكم أمر؛
[ ٢ / ٥٣٥ ]
وفي حديث عليّ ﵁- في وصفه ﵊-: أصدق النّاس لهجة.
ما أتيتم فيه بحيلة بعد!! قد كان فيكم محمّد إلى قوله.. ما هو بساحر؛ وقد رأينا السّحرة نفثهم وعقدهم!! وقلتم: إنّه كاهن، والله ما هو بكاهن؛ وقد رأينا الكهنة؛ وسمعنا سجعهم!! وقلتم شاعر؛ والله ما هو بشاعر!! وقد رأينا الشعر وسمعنا أصنافه: هزجه ورجزه!! وقلتم: مجنون!! لا والله ما هو بمجنون، فما هو بخنقه؛ ولا تخليط؛ ولا وسوسة فانظروا في شأنكم، فإنّه والله قد نزل بكم أمر عظيم!؟
(وفي حديث عليّ) بن أبي طالب كرّم الله وجهه و(﵁؛ في وصفه ﵊: أصدق النّاس لهجة) أي: لسانا وبيانا. رواه الترمذيّ في «شمائله» . وقد تقدّم.
[ ٢ / ٥٣٦ ]
[الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه]
الفصل الرّابع في صفة حيائه ﷺ ومزاحه (الفصل الرّابع) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة حيائه ﷺ) والحياء- هنا- بالمدّ، وأمّا بالقصر!! فهو بمعنى المطر، وكلاهما مأخوذ من الحياة، لأنّ أحدهما فيه حياة الأرض، والآخر فيه حياة القلب.
والممدود معناه- في اللغة-: تغيّر وانكسار يعتري الإنسان من خوف ما يعاب به، أو يعاتب عليه.
ومعناه- في الشرع-: خلق يبعث؛ أي: يحمل من قام به على اجتناب القبيح، ويمنع من التقصير في حقّ ذي الحقّ؛ وهو الله تعالى في حقّ عباده، والصديق في حقّ صديقه، والسيّد في حقّ عبده إلى غير ذلك.
ولذا جاء في الحديث: «الحياء من الإيمان»، و: «الحياء خير كلّه»، و: «الحياء لا يأتي إلّا بخير» . وعلى حسب حياة القلب تكون فيه قوّة خلق الحياء، وقلّة الحياء من موت القلب والروح، وكلّما كان القلب حيّا؛ كان الحياء أتمّ، ولذا كان تمام الحياء في المصطفى ﷺ، إذ لا قلب أحيا من قلبه؛ قاله الزرقاني على «المواهب» للعلّامة القسطلّاني.
وقال في «المواهب» أيضا: وللحياء أقسام ثمانية يطول استقصاؤها؛
منها: حياء الكرم؛ كحيائه ﷺ من القوم الذين دعاهم إلى وليمة زينب؛ وطوّلوا عنده المقام، واستحيا أن يقول لهم «انصرفوا» .
ومنها حياء المحبّ من محبوبه؛ حتّى إذا خطر على قلبه في حال غيبته هاج الحياء من قلبه وأحسّ به في وجهه، فلا يدري ما سببه!.
[ ٢ / ٥٣٧ ]
ومنها حياء العبوديّة؛ وهو حياء يمتزج بين محبّة وخوف ومشاهدة عدم صلاحيّة عبوديّته لمعبوده؛ وأنّ قدره أعلى وأجلّ منها، فعبوديّته له توجب استحياء منه لا محالة.
ومنها حياء المرء نفسه، وهو حياء النفوس الشريفة الرفيعة من رضاها لنفسها بالنقص وقنعها بالدّون، فيجد نفسه مستحييا من نفسه حتّى كأنّ له نفسين يستحي بإحداهما من الآخرى، وهذا أكمل ما يكون من الحياء. فإنّ العبد إذا استحيا من نفسه؛ فهو بأن يستحي من غيره أجدر. انتهى.
(ومزاحه) - بكسر أوله- مصدر «مازحه»؛ فهو بمعنى الممازحة، يقال:
مازحه ممازحة ومزاحا؛ كقاتله مقاتلة وقتالا. والمزاح- بالضمّ- مصدر سماعيّ، والقياس الكسر؛ لقول ابن مالك:
لفاعل الفعال والمفاعله
وهو الانبساط مع الغير؛ من غير إيذاء له، وبه فارق الاستهزاء والسّخرية.
وإنّما كان ﷺ يمزح!! لأنّه كان له المهابة العظمى، فلو لم يمازح الناس لما أطاقوا الاجتماع به والتلقّي عنه. ولذا سئل بعض السلف عن مزاحه؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط مع الناس بالمداعبة والطلاقة والبشاشة.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها أنّه ﷺ كان يمزح؛ ويقول: «إنّ الله لا يؤاخذ المزّاح الصّادق في مزاحه» . لكن لا ينبغي المداومة عليه، لأنّه يتولّد عنه الضّحك، ويتولّد عن الضّحك قسوة القلب، ويشغل عن ذكر الله تعالى؛ وعن الفكر في مهمات الدّين، ويؤول في كثير من الأوقات إلى الإيذاء، لأنه يوجب الحقد ويسقط المهابة، فالإفراط فيه منهيّ عنه، والمباح: ما سلم من هذه الأمور، بل إن كان لتطييب نفس المخاطب ومؤانسته؛ كما كان ﷺ يفعله على ندور؛ فهو سنة. وما أحسن قول الإمام الشافعي ﵀:
[ ٢ / ٥٣٨ ]
عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
أفد طبعك المكدود بالجدّ راحة بجدّ وعلّله بشيء من المزح
ولكن إذا أعطيته المزح فليكن بمقدار ما يعطى الطّعام من الملح!!
انتهى؛ من الباجوري على «الشمائل» .
(عن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه) - فيما أخرجه البخاريّ في «الصفة النبوية» و«الأدب»، ومسلم في «الفضائل»، وابن ماجه في «الزهد»، والترمذي في «الشمائل»؛ (قال) أي أبو سعيد
(: كان رسول الله ﷺ أشدّ حياء) - نصب على التمييز- (من العذراء) - بفتح العين المهملة وسكون الذال المعجمة والمد- هي البكر ذات العذرة.
سمّيت بذلك!! لأنّ عذرتها؛ وهي جلدة البكارة باقية.
وجمع العذراء: عذارى- بفتح الراء، و[عذاري] بكسرها-.
والعذراء والبكر مترادفان لغة، وأمّا شرعا: فالعذراء أخصّ من البكر، لأنّها من لم تزل عذرتها بشيء، والبكر من لم تزل بكارتها بوطء؛ ولو أزيلت بسقطة وحدّة حيض ونحوهما. أي: كان حياؤه أبلغ من حياء البنت البكر حال كونها كائنة. (في خدرها)، أو الكائنة في خدرها، فهو حال على الأوّل؛ صفة على الثاني.
والخدر- بكسر الخاء المعجمة؛ وسكون الدال المهملة-: ستر يجعل لها إذا شبّت وترعرعت لتنفرد فيه، فمعنى قوله «في خدرها»؛ أي: في سترها، وهو تتميم للفائدة، فإنّ العذراء إذا كانت متربّية في سترها تكون أشدّ حياء؛ لتستّرها حتّى عن كثير من النساء، بخلافها إذا كانت في غير بيتها، لاختلاطها مع غيرها، أو كانت داخلة خارجة، فإنّها حينئذ تكون قليلة الحياء؛ قاله في «جمع الوسائل» .
[ ٢ / ٥٣٩ ]
وكان إذا كره شيئا.. عرف في وجهه.
وكان ﷺ أشدّ النّاس حياء، لا يثبّت بصره في وجه أحد.
ومحلّ وجود الحياء منه: في غير حدود الله، ولهذا قال للذي اعترف بالزّنا:
«أنكتها»؟ لا يكنّي؛ كما في «الصحيح» في «كتاب الحدود» .
ولشدّة حيائه ﷺ كان يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ.
أخرجه البزّار بسند حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما؛ قاله الباجوريّ، والزرقاني. زاد البخاري من وجه آخر، و«الشمائل»:
(وكان إذا كره شيئا عرف في وجهه) لأنّ وجهه كالشمس والقمر، فإذا كره شيئا كسا وجهه ظلّ؛ كالغيم على النّيّرين، فكان لغاية حيائه لا يصرّح بكراهته، بل إنّما يعرف في وجهه، وكذا العذراء في خدرها لا تصرّح بكراهة الشيء، بل يعرف ذلك في وجهها غالبا، وبهذا ظهر وجه ارتباط هذه الجملة بالّتي قبلها. انتهى «مناوي، وملا علي قاري» رحمهما الله تعالى.
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ أشدّ النّاس حياء) . قال في «المواهب»:
قال القرطبي؛ أي: في «شرح مسلم»: الحياء المكتسب: هو الذي جعله الشارع من الإيمان، وهو المكلّف به؛ دون الغريزي، غير أنّ من كان فيه غريزة منه؛ فإنّها تعينه على المكتسب حتّى يكاد يكون غريزة؛ قال:
وكان ﷺ قد جمع له النوعان؛ فكان في الغريزي أشدّ حياء من العذراء في خدرها.
وقال القاضي عياض في «الشّفاء»: وروي عنه ﷺ أنّه كان من حيائه (لا يثبّت) - بضمّ أوّله رباعيّ؛ لا بفتحها ثلاثي، لإيهامه العجز- (بصره) أي:
لا يديم نظره (في وجه أحد)، ولا يتأمّله لاستيلاء الحياء عليه. فإثبات البصر بمعنى: إطالة النظر من غير تخلّل إغماض الجفن ونحوه؛ حتّى كأنّ بصره صار قارّا في المرئيّ.
[ ٢ / ٥٤٠ ]
وكان ﷺ يكنّي عمّا اضطرّه الكلام إليه ممّا يكره.
قال السّيوطي: وهذا الحديث ذكره صاحب «الإحياء»؛ ولم يجده العراقيّ.
انتهى كلام «المواهب»؛ مع شيء من «الزرقاني» .
(و) في «الإحياء» و«الشفاء»: (كان ﷺ يكنّي) - بضمّ الياء وتشديد النون، أو [يكني] بفتح وتخفيف-؛ أي: يلوّح ولا يصرّح، ويعرّض (عمّا اضطرّه الكلام إليه) أي: عن شيء لا بدّ منه، ولا يسعه السكوت عنه (ممّا يكره) - بصيغة المفعول- أي: مما لا يستحسن التصريح به.
يعني أنّه يورد المعنى القبيح عادة بطريق الكناية، لشدّة حيائه ﷺ، كقوله:
«حتّى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك» رواه البخاري؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، لأنّ الجماع وذكره للمرأة يستحيا منه، وكقوله «خذي فرصة ممسّكة فتطهّري بها» رواه الشيخان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها. وكقوله: «فإنّه لا يدري أين باتت يده» حيث لم يقل «فلعل يده وقعت على دبره، أو ذكره، أو نجاسة في بدنه » ونظائر ذلك كثيرة في الأحاديث الصحيحة.
يفعل ذلك تخلّقا بأخلاق ربّه، واقتداء بادابه، إذ قال تعالى أَوْ جاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغائِطِ [٤٣/ النساء]، وقال تعالى فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ [٢٢٣/ البقرة] .
وهذا فيما إذا علم أنّ السامع يفهم المقصود بالكناية، وإلّا! لكان يصرّح لينتفي اللّبس والوقوع في خلاف المطلوب، وعلى هذا يحمل ما جاء من ذلك مصرّحا به. والله أعلم.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن بلال بن الحارث المزني، والإمام أحمد بن حنبل، والنّسائي، وابن ماجه- بسند حسن؛ كما في العزيزيّ-: كلّهم عن عبد الرحمن بن أبي فرّاد- بضمّ الفاء وشدّ الراء، بضبط المؤلف؛ يعني:
السيوطي- السّلمي؛ كذا قاله العزيزي على «الجامع الصغير»، وتعقّبه المناوي بأنّه ليس بصحيح! قال: ففي «التقريب» كأصله: بضمّ القاف وتخفيف الراء- يعني: أبا قراد السّليمي الأنصاريّ- ويقال له: الفاكه. قال:
[ ٢ / ٥٤١ ]
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. أبعد.
وكان ﷺ إذا أراد الحاجة.. لم يرفع ثوبه حتّى يدنو من الأرض.
(كان ﷺ إذا أراد الحاجة) بالصحراء (أبعد) بحيث لا يسمع لخارجه صوت؛ ولا يشمّ له ريح؛ ذكره الفقهاء. وقال في «الروض»: لم يبيّن مقدار البعد، وهو مبيّن في حديث ابن السّكن في «سننه»، أي: وفي «تهذيب الآثار» للطبري، و«الأوسط» و«الكبير» للطبراني؛ أي: بسند جيد؛ كما قاله الوليّ العراقيّ في «شرح أبي داود» بأنّه على ثلثي فرسخ من مكّة، أو نحو ميلين، أو ثلاثة. وفي معنى الإبعاد: اتخاذ الكنف في البيوت، وضرب الحجب، وإرخاء الستور، وإعماق الحفائر ونحو ذلك ممّا يستر العورة، ويمنع الرّيح.
قال الولي العراقي: ويلحق بقضاء الحاجة كلّ ما يستحى منه؛ كالجماع، فيندب إخفاؤه، بتباعد أو تستّرّ. وكذا إزالة القاذورات؛ كنتف إبط، وحلق عانة؛ كما نقله والدي؛ يعني: الزين العراقي؛ عن بعضهم. انتهى كلام الوليّ العراقيّ؛ نقله المناوي على «الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود، والتّرمذيّ؛ عن أنس بن مالك، وعن ابن عمر بن الخطاب، والطبرانيّ في «الأوسط»؛ عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهم.
قال في العزيزي: قال الشيخ: حديث صحيح.
قال المناوي: وليس بمسلّم!! فقد قال العراقيّ: والحديث ضعيف من جميع طرقه، وقد أورد النّوويّ في «الخلاصة» الحديث في «فصل الضعيف»، فدلّ على أنّه ضعيف عنده من جميع طرقه!. انتهى.
(كان ﷺ إذا أراد الحاجة) أي: القعود للبول؛ أو الغائط (لم يرفع ثوبه) أي: لم يتمّ رفعه عن عورته، ولفظ رواية أبي داود: حال قيامه، بل يصبر (حتّى يدنو)؛ أي: يقرب (من الأرض)، فإذا دنا منها رفعه شيئا فشيئا؛ محافظة على الستر، وهذا الأدب مستحبّ؛ اتفاقا، ومحلّه ما لم يخف تنجّس ثوبه، وإلّا! رفع قدر حاجته.
[ ٢ / ٥٤٢ ]
وكان ﷺ إذا دخل المرفق.. لبس حذاءه وغطّى رأسه.
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ قطّ.
(و) أخرج البيهقيّ، وابن سعد في «الطبقات»؛ من حديث أبي بكر بن عبد الله؛ عن أبي موسى حبيب بن صالح- ويقال: ابن أبي موسى- الطائي مرسلا.
(كان إذا دخل المرفق) - بكسر الميم وفتح الفاء-: الكنيف (لبس حذاءه) - بكسر الحاء وبالذال المعجمة، وبالمدّ-: نعله صونا لرجله عما قد يصيبها (وغطّى رأسه) حياء من ربّه، لأن هذا المحلّ معدّ لكشف العورة، ولأن تغطية الرّأس حال قضاء الحاجة أجمع لمسامّ البدن، وأسرع لخروج الفضلات، ولاحتمال أن يصل إلى شعره ريح الخلاء ويعلق به، قال أهل الطريق: ويجب كون الإنسان فيما لا بدّ منه من حاجته حييّ خجل مستور. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الترمذي في «الشمائل» - بإسناد فيه مجهول-؛
(عن عائشة رضي الله تعالى عنها؛ قالت: ما رأيت فرج رسول الله ﷺ)
- وفي رواية: ما رأيته منه ولا رآه مني- (قطّ)؛ أي: أبدا.
والمراد أنّه كان من شدّة حيائه لا يمكّنها النظر إلى فرجه، مع احتياطه بفعل ما يوجب امتناعها من رؤيته، إذ المرأة لا تتجرّأ على رؤية عورة زوجها إلّا من استهتاره وعلمها رضاه، مع أنّه يجوز رؤية كلّ واحد من الزوجين فرج الآخر؛ وإن كان مكروها!!
وفي حديث رواه ابن حبّان: «النّظر إلى الفرج يورث الطّمس»؛ أي:
العمى. فقيل: عمى الناظر. وقيل: عمى أولاده. وقيل: المراد عمى القلب.
[ ٢ / ٥٤٣ ]
فكان ﷺ لشدّة حيائه لا يكشف عورته عند أحد قطّ، كما ورد: «من كرامتي على الله أنّه لم يطلع لي على عورة أحد قطّ»، فإنّ عائشة رضي الله تعالى عنها زوجته؛ وأقرب الناس وأحبّهم إليه، وكان يضاجعها وينام عندها، فإذا لم تر ذلك منه ﷺ لزم عدم كشفه عندها، فإذا لم يكشف عندها؛ فبالطريق الأولى عند غيرها.
وقد أخرج البزّار؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ يغتسل من وراء الحجرات، وما رأى أحد عورته قطّ. وإسناده حسن.
وروى ابن الجوزيّ؛ عن أمّ سلمة رضي الله تعالى عنها: كان إذا أتى امرأة من نسائه غمّض عينيه وقنّع رأسه، وقال للّتي تحته: «عليك بالسّكينة والوقار» .
وروى أبو صالح؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: ما أتى رسول الله ﷺ أحدا من نسائه إلّا مقنّعا، يرخي الثوب على رأسه!! وما رأيته من رسول الله ﷺ ولا رآه مني!! أورده ابن الجوزي في كتاب «الوفا»؛ نقلا عن الخطيب.
خاتمة: أخرج ابن جرير، وأبو نعيم، وغيرهما؛ عن العبّاس قال:
لما بنت قريش البيت افترقت رجلين رجلين لنقل الحجارة، فكنت أنا وابن أخي نحمل على رقابنا وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا النّاس اتّزرنا، فبينما أنا أمشي ومحمّد ﷺ قدّامي خرّ، فانبطح على وجهه! فجئت؛ فألفيته ينظر إلى السماء!! فقلت: ما شأنك!! فأخذ إزاره، وقال: «نهيت أن أمشي عريانا!!» فقال: اكتمها مخافة أن يقولوا مجنون.
وأخرج أبو نعيم؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان أبو طالب يعالج زمزم؛ وكان رسول الله ﷺ ينقل الحجارة وهو غلام، فأخذ إزاره واتقى به.
فقيل لأبي طالب الحق ابنك؛ فقد غشي عليه، فلما أفاق من غشيته سأله
[ ٢ / ٥٤٤ ]
وأمّا مزاح رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ يمزح مع النّساء والصّبيان وغيرهم،
أبو طالب؛ فقال: «أتاني آت عليه ثياب بيض»؛ فقال لي استتر.
قال ابن عبّاس: فكان أوّل شيء رآه من النبوة أن قيل له «استتر» . فما رؤيت عورته من يومئذ. انتهى؛ من «شرح الخفاجي على الشفا» وشروح «الشمائل»:
المناوي؛ وعلي قاري؛ والباجوري رحمهم الله تعالى. آمين.
(وأمّا مزاح رسول الله ﷺ! فقد) ورد بيانه في الأحاديث الآتية، ففي «كشف الغمّة» للعارف الشعراني رحمه الله تعالى:
(كان ﷺ يمزح) أحيانا (مع النّساء)؛ تلطّفا بهنّ، (والصّبيان)؛ تأنيسا لهم، (و) مع (غيرهم) من أصحابه بالقول والفعل؛ جبرا لقلوبهم وتأنيسا لهم، لأن الناس مأمورون بالتأسّي به والاقتداء بهديه، فلو ترك الطلاقة والبشاشة ولزم العبوس؛ لأخذ الناس أنفسهم بذلك! على ما في مخالفة الغريزة من المشقّة والعنا!! فمزح ليمزحوا؛ قاله ابن قتيبة.
وقال الخطّابي: سئل بعض السلف عن مزاحه ﷺ؛ فقال: كانت له مهابة، فلذا كان ينبسط للناس بالدّعابة، وهو مع ذلك سرّه في الملكوت يجول حيث أراد الله تعالى به.
ولا يخالف هذا قوله ﷺ: «لست من دد ولا الدّد منّي» أخرجه البخاريّ في «الأدب المفرد»، والبيهقيّ عن أنس ﵁، والطبرانيّ في «الكبير»؛ عن معاوية ﵁.
ودد- بفتح الدال الأولى؛ وكسر الثانية- أي: لست من أهل اللهو واللّعب، ولا هما منّي. ومعنى تنكير الدّد في الأول: الشياع والاستغراق، وألايبقى شيء منه إلّا وهو منزّه عنه؛ أي: ما أنا في شيء من اللهو واللعب، وتعريفه في الجملة الثانية!! لأنّه صار معهودا بالذكر، كأنّه قال: ولا ذلك النوع، وإنما لم يقل
[ ٢ / ٥٤٥ ]
ولا يقول إلّا حقّا.
وكان ﷺ من أفكه النّاس مع صبيّ.
وكان ﷺ إذا مزح.. غضّ بصره.
وكان ﷺ فيه دعابة قليلة.
«ولا هو مني» !! لأن الصريح آكد وأبلغ.
وقد رواه الطبرانيّ أيضا والبزار، وابن عساكر؛ عن أنس بزيادة: «ولست من الباطل، ولا الباطل منّي» . انتهى. لأنّ المنفيّ ما كان بباطل ومجرّد لهو ولعب؛ وهو ﷺ في مزاحه صادق؛ كما قال:
(ولا يقول إلّا حقّا)، فلا ينافي الكمال حينئذ، بل هو من توابعه وتتمّاته لجريه على القانون الشرعي. فمن زعم تناقض الحديثين من الفرق الزايغة! فقد ضل؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
وحديث «المتن» رواه الإمام أحمد؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه، مع تغيير يسير في اللفظ، وهو عند الترمذي بلفظ: قالوا: إنّك تداعبنا! قال: «إنّي لا أقول إلّا حقّا» . وسيأتي في المتن إن شاء الله تعالى.
(و) أخرج الطبرانيّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه:
(كان ﷺ من أفكه النّاس) أي: من أمزحهم (مع صبيّ) - وقد تقدّم-.
(وكان ﷺ إذا مزح غضّ بصره) . لم أقف عليه!.
(و) أخرج الخطيب وابن عساكر في «تاريخه»؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان) رسول الله (ﷺ فيه دعابة) - بضمّ الدال وتخفيف العين المهملتين، وبعد الألف موحّدة (قليلة) أي: مزاح يسير للتشريع.
قال في «المواهب»: الدّعابة هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره؛
[ ٢ / ٥٤٦ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له: «يا ذا الأذنين»؛ يعني: يمازحه.
كالمداعبة الفعلية؛ كمجّه محمود بن الربيع، واحتضانه زاهرا. انتهى مع «شرح الزرقاني» .
قال المناوي في «كبيره»: قال ابن عربي: وسبب مزاحه أنّه كان شديد الغيرة، فإنّه وصف نفسه بأنّه أغير من سعد؛ بعد ما وصف سعدا بأنه غيور، فأتى بصيغة المبالغة، والغيرة من نعت المحبّة؛ وهم لا يظهرونها، فستر محبّته وماله من الوجد فيه بالمزاح وملاعبته للصغير، وإظهار حبّه فيمن أحبّه؛ من أزواجه وأبنائه وأصحابه!! وقال: «إنّما أنا بشر»، فلم يجعل نفسه أنّه من المحبّين، فجهلوا طبيعته وتخيّلت أنّه معها لمّا رأته أنّه يمشي في حقّها ويؤثرها، ولم تعلم أنّ ذلك عن أمر محبوبه إيّاه بذلك!. وقيل: إنّ محمدا ﷺ يحبّ عائشة والحسنين.
وترك الخطبة يوم العيد ونزل إليهما لما رآهما يعثران في أذيالهما. وهذا كلّه من باب الغيرة على المحبوب أن تنتهك حرمته، وهكذا ينبغي أن يكون تعظيما للجناب الأقدس أن يعشق. انتهى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» قال: حدّثنا محمود بن غيلان؛ قال:
حدّثنا أبو أسامة؛ عن شريك؛ عن عاصم الأحول.
(عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه: أنّ النّبيّ ﷺ قال له) أي لأنس (: «يا ذا الأذنين») - بضمّ الذال المعجمة، وتسكن- أي: يا صاحب الأذنين السميعتين الواعيتين الضابطتين لما سمعتاه، وصفه به مدحا له؛ لذكائه وفطنته وحسن استماعه، لأنّ من خلق الله له أذنين سميعتين كان أوعى لحفظه ووعيه جميع ما يسمعه، ولما كان ذلك لا يوجب كون الكلام ممازحة؛ قال محمود: (يعني) أي: يريد ﷺ بقوله: «يا ذا الأذنين» (يمازحه) أي: مزاحه من قبيل ذكر الفعل وإرادة المصدر، من قبيل «تسمع بالمعيدي خير من أن تراه»، ومنه قوله تعالى وَمِنْ آياتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا [٢٤/ الروم] .
[ ٢ / ٥٤٧ ]
وعن أنس أيضا قال: إن كان رسول الله ﷺ ليخالطنا حتّى يقول لأخ لي: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟» .
وإنّما كان ذلك مزاحا مع كونه معناه صحيحا يقصد بالإفادة!! لأن في التعبير عنه ب «ذا الأذنين» مباسطة وملاطفة؛ حيث سمّاه بغير اسمه، فهو من جملة مزحه ولطيف أخلاقه ﷺ، كما قال للمرأة عن زوجها: «ذاك الّذي في عينيه بياض» !!.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب»، ومسلم، والترمذي في «الجامع» في «الصلاة»، وفي «الشمائل» أيضا، وهذا لفظها:
(عن أنس أيضا؛ قال: «إن) - مخفّفة من الثقيلة، بدليل دخول اللام في خبرها، واسمها ضمير الشّأن محذوف، أي: أنّه (كان رسول الله ﷺ ليخالطنا) بالملاطفة وطلاقة الوجه والمزاح؛ قاله القسطلّانيّ في «المواهب» .
وقال شرّاح «الشمائل»: ليخالطنا: يمازحنا، ففي «القاموس»: خالطه مازحه، والمراد أنس وأهل بيته (حتّى) للغاية، أي: انتهت مخالطته لنا إلى الصغير من أهلنا ومداعبته والسؤال عن طيره (يقول لأخ لي) من أمّي «أمّ سليم»؛ يقال له «أبو عمير» بن أبي طلحة: زيد بن سهل الأنصاري.
وكان اسمه عبد الله؛ فيما جزم به أبو أحمد الحاكم، أو حفص؛ كما عند ابن الجوزي، وهو الذي حقّقه الحافظ ابن حجر في «الفتح» . وقال: هو وارد على من صنّف في «الصحابة» وفي «المبهمات» !! انتهى.
وقيل: اسمه «كبشة»؛ كما في «جامع الأصول» !! ومات في حياة النبي ﷺ. والمعروف أنّ عبد الله هو أخوه الذي حملت به أمه عند وفاته؛ وهو صاحب الليلة المباركة!! ففي مسلم؛ عن أنس: أنّ ابنا لأبي طلحة مات
فذكر قصّة موته، وأنهّا قالت لأبي طلحة: هو أسكن ممّا كان. وبات معها، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ؛ فقال: «بارك الله لكما في ليلتكما» . فأتت بعبد الله بن أبي طلحة؛ فبورك فيه، وهو والد إسحاق بن عبد الله الفقيه، وإخوة إسحاق كانوا عشرة، كلّهم حمل عنه العلم.
(: «يا أبا عمير) - بضم العين وفتح الميم؛ مصغّرا- (ما فعل النّغير؟!»)
[ ٢ / ٥٤٨ ]
قال أبو عيسى التّرمذيّ: وفقه هذا الحديث: أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح.
وفيه: أنّه كنّى غلاما صغيرا فقال له: «يا أبا عمير» .
وفيه: أنّه لا بأس أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به- أي: لعبا لا عذاب فيه
- بضمّ النون وفتح الغين المعجمة؛ تصغير النّغر، كالرّطب-: وهو طائر صغير كالعصفور أحمر المنقار؛ أي ما شأنه وحاله!! فباسطه بذلك ليسلّيه حزنه عليه؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، فيفرح بمكالمة المصطفى ﷺ، ويرتاح لها ويفتخر؛ ويقول لأهله: كلّمني وسألني!! فيشتغل باغتباطه بذلك عن حزنه فيسلى ما كان.
(قال) الإمام الحافظ (أبو عيسى) محمد بن عيسى بن سورة (التّرمذيّ) في «الشمائل» (: وفقه هذا الحديث) أي: المسائل الفقهية المستنبطة من هذا الحديث: (أنّ النّبيّ ﷺ كان يمازح)؛ أي: لمصلحة تطييب نفس المخاطب، ومؤانسته وملاطفته ومداعبته، وذلك من كمال خلقه ومكارم أخلاقه، وتواضعه ولين جانبه؛ حتّى مع الصبيان، وسعة صدره، وحسن معاشرته للناس.
(وفيه) أي: وفي هذا الحديث من الفوائد: (أنّه كنّى غلاما صغيرا؛ فقال له: «يا أبا عمير») وهو لا بأس به، لأنّ الكنية قد تكون للتفاؤل بأنّه يعيش ويصير أبا، لكونه يولد له. فاندفع ما يقال «إنّ في ذلك جعل الصغير أبا لشخص؛ وهو ظاهر الكذب» !!.
(وفيه)؛ أي: وفي الحديث أيضا من الفوائد: (أنّه لا بأس)؛ أي:
لا حرج (أن يعطى الصّبيّ الطّير ليلعب به؛ أي: لعبا لا عذاب فيه) . هذا إشارة إلى جواب ما استشكل بأن إعطاء الصغير الطير ليلعب به تعذيب له، وقد صحّ النهي عنه؟!.
[ ٢ / ٥٤٩ ]
- وإلّا.. حرم تمكينه منه؛ للنّهي عن تعذيب الحيوان.
وإنّما قال له النّبيّ ﷺ: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .. لأنّه كان له نغير يلعب به، فمات، فحزن الغلام عليه، فمازحه النّبيّ ﷺ فقال: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير» .
وحاصل الجواب: أن التعذيب غير محقّق، بل ربّما يراعيه فيبالغ في إكرامه وإطعامه لإلفه، وهذا إن قامت قرينة على أنّ الصبي لا يعذّبه، بل يلعب به لعبا لا عذاب فيه، ويقوم بمؤنته على الوجه اللائق، فيجوز تمكينه منه حينئذ.
(وإلّا) بأن كان غير مميّز، أو قاسي القلب جافي الطّبع؛ دلّت القرينة على أنه يعذّبه؛ (حرم تمكينه منه)، وذلك (للنّهي عن تعذيب الحيوان)، فما في الحديث منزّل على القسم الأوّل.
فائدة: قال ابن خلّكان في «تاريخه»: إن الإمام الزمخشريّ كانت إحدى رجليه ساقطة؛ أي أعرج، وكان يمشي في جارن خشب، وكان سبب سقوطها دعاء والدته عليه.
قال الزمخشري: كنت في صباي أمسكت عصفورا وربطته بخيط في رجله؛ فأفلت من يدي فأدركته؛ وقد دخل في خرق؛ فجذبته، فانقطعت رجله في الخيط. فقالت والدتي: قطع الله رجلك- الأبعد- كما قطعت رجله.
قال: فلما وصلت إلى سنّ الطلب رحلت إلى بخارى لطلب العلم فسقطت عن الدابّة فانكسرت رجلي، وعملت عليّ عملا أوجب قطعها. والله أعلم بالصّحة.
انتهى كلام ابن خلّكان بتصرّف.
(وإنّما قال له النّبيّ ﷺ)؛ أي للغلام (: «يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير؟!»؛ لأنّه كان له نغير يلعب): يتلهّى (به، فمات، فحزن الغلام عليه)؛ كما هو شأن الصغير إذا فقد لعبته، (فمازحه)؛ أي: باسطه (النّبيّ ﷺ، فقال:
«يا أبا عمير؛ ما فعل النّغير») ليسلّيه، ويذهب حزنه عليه، لأنّه يفرح بمكالمة
[ ٢ / ٥٥٠ ]
و(النّغير): طائر كالعصفور، أحمر المنقار.
النبي ﷺ له؛ فيذهب حزنه بسبب فرحه.
(والنّغير) تصغير نغر- بضمّ النون وفتح الغين-: (طائر) صغير (كالعصفور أحمر المنقار)، وأهل المدينة يسمّونه «البلبل»، وقيل: طائر له صوت.
وقيل: هو العصفور. وقيل غير ذلك. والرّاجح الأوّل.
قال شيخ مشايخنا العلّامة الشيخ محمد حبيب الله الشنقيطي رحمه الله تعالى في «زاد المسلم» في الجزء الرابع صفحة ١٦٥: وهذا الحديث فيه فوائد جمّة جمعها أبو العبّاس ابن القاصّ: أحمد بن أبي أحمد الطبري صاحب التصانيف من الشافعية في جزء مفرد، وسبقه إلى ذلك أبو حاتم الرّازيّ أحد أئمة الحديث، ثم التّرمذيّ في «الشمائل»، أشار لبعض فوائده المأخوذة منه، ثمّ الخطّابيّ إلى غير هؤلاء ممّن جمع فوائده.
قال الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» عند ذكره ما نصّه:
وفي هذا الحديث فوائد كثيرة جدّا؛
منها: ١- جواز تكنية من لم يولد له، و٢- تكنية الطفل، و٣- أنّه ليس كذبا، و٤- جواز المزاح فيما ليس إثما، و٥- جواز تصغير بعض المسمّيات، و٦- جواز لعب الصبي بالعصفور، و٧- تمكين الوليّ إيّاه من ذلك، و٨- جواز السجع بالكلام الحسن بلا كلفة، و٩- ملاطفة الصبيان وتأنيسهم، و١٠- بيان ما كان عليه النبيّ ﷺ من حسن الخلق وكرم الشمائل والتواضع، وزيارة الأهل، لأن أمّ سليم والدة أبي عمير هي من محارمه ﷺ كما سبق بيانه.
واستدلّ به بعض المالكية على جواز الصيد من حرم المدينة، وقد سبقت الأحاديث الصحيحة الكثيرة في كتاب الحج المصرّحة بتحريم صيد حرم المدينة، فلا يجوز تركها بمثل هذا، ولا معارضتها به. والله أعلم! انتهى بلفظه.
وأخذ منه بعضهم جواز حبس الطيور في الأقفاص، وكان الشيخ أبو القاسم بن
[ ٢ / ٥٥١ ]
زيتون ﵁ يحبسها في القفص، فإذا انقضى لها سنة أخرجها وسرّحها.
ووجه الأخذ من الحديث أنّ حبسها في القفص أخفّ من اللّعب بها. انتهى.
وأقول: قد استنبط العلماء من هذا الحديث فوائد كثيرة؛ وهو من الأحاديث التي كنت مصمّما على إشباع الكلام عليها، لأن كثرة معاني هذه الجملة الموجزة من أعلام نبوّة رسول الله ﷺ.
وقد قال الشيخ جسّوس والمناوي والقاري وغيرهم في «شرح الشمائل»؛ عند هذا الحديث: إنّ فوائده تزيد على المائة، وقد أفردها ابن القاصّ بجزء.
وقد قال الإمام تاج الدين بن عطاء الله- نفعنا الله به- في كتاب «التنوير»؛ لمّا تكلّم على حديث «اتّقوا الله؛ وأجملوا في الطّلب»: وذكر أنّ فيه عشرة أوجه ما حاصله أنّه ليس القصد الحصر، بل أوسع من ذلك، لأنه كلام صاحب الأنوار المحيطة، فلا يأخذ الآخذ منه إلّا على حسب نوره، ولا يحصّل من جواهر بحره إلّا على قدر غوصه، وكلّ يفهم على حسب المقام الذي أقيم فيه يُسْقى بِماءٍ واحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَها عَلى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ [٤/ الرعد] وما لم يأخذوا أكثر مما أخذوا، وقد قال ﵊: «أوتيت جوامع الكلم، واختصر لي الكلام اختصارا» !!.
فلو عبّر العلماء بالله أبد الآباد عن أسرار الكلمة الواحدة من كلامه؛ لم يحيطوا بها علما، ولم يقدروا لها فهما!! حتّى قال بعضهم: عملت بحديث واحد سبعين عاما؛ وما فرغت منه، وهو قوله ﷺ: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه» .
وصدق ﵁ لو مكث عمر الدنيا أجمع، وأبد الآباد لم يفرغ من حقوق هذا الحديث، وما أودع فيه من غرائب العلوم وأسرار الفهوم. انتهى.
وناهيك أنّ الله تعالى آتاه علم الأولين والآخرين ومنحه من الحكمة ما لم يمنحه أحدا من العالمين!!، فما من عالم ضربت إليه أكباد الإبل في أشتات العلوم العقلية
[ ٢ / ٥٥٢ ]
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قالوا: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا، فقال: «نعم، غير أنّي لا أقول إلّا حقّا» .
والنقلية؛ ممّن تقدّم أو تأخّر؛ إلّا وكلام المصطفى ﷺ له قدوة. وإشارته له حجّة؛ دون تعلّم منه ﷺ؛ ولا مدارسة ولا مطالعة كتب من تقدّم، ولا جلوس مع علمائها:
كفاك بالعلم في الأمّيّ معجزة في الجاهليّة والتّأديب في اليتم
انتهى.
قال مقيّده رحمه الله تعالى: ومن أوسع ما وقفت عليه مجموعا من فوائد هذا الحديث المستنبطة منه في محلّ واحد ما جمعه الحافظ ابن حجر في «فتح الباري» عند شرحه في «باب الكنية للصبي»؛ وقبل أن يولد للرجل في «كتاب الأدب» .
انتهى.
وساق في شرح «زاد المسلم» كلام الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بطوله؛ فليراجعه من أراده.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الجامع» وحسّنه وفي «الشمائل» - وهذا لفظها- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه؛ قال) أي: أبو هريرة (: قالوا)؛ أي: الصحابة مستفهمين (: يا رسول الله؛ إنّك تداعبنا) - بدال وعين مهملتين- أي: تمازحنا بما يستملح، وقد نهيت عن المزاح، فهل المداعبة خاصّة بك!! (فقال: «نعم)، أداعب (غير أنّي لا أقول إلّا حقّا»)
فمن حافظ على قول الحقّ وتجنّب الكذب وأبقى المهابة والوقار فله ذلك، بل هو سنّة كما مرّ!! ومن داوم عليها؛ أو أكثر منها، أو اشتمل مزاحه على كذب، أو أسقطت مهابته!! فلا.
وقد كان مزاح المصطفى ﷺ على سبيل النّدور؛ لمصلحة من نحو مؤانسة، أو تألّف لما كانوا عليه من تهيّب الإقدام عليه، فكان يمازح تخفيفا عليهم، لما ألقي
[ ٢ / ٥٥٣ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا
عليه من المهابة والجلال؛ سيّما عقب التجلّيات السّبحانية، ومن ثمّ كان لا يخرج إليهم قبل الفجر إلّا بعد الاضطجاع بالأرض؛ أو مكالمة بعض نسائه، إذ لو خرج إليهم عقب المناجات الفردانية والفيوضات الرحمانية؛ لما استطاع أحد منهم لقيّه.
وما ورد عنه ﷺ من النهي عن المداعبة؛ كقوله: «لا تمار أخاك ولا تمازحه، ولا تعده موعدا فتخلفه» رواه الترمذي!.
محمول على الإفراط، لما فيه من الشّغل عن ذكر الله تعالى، وعن التفكّر في مهمات الدين وغير ذلك؛ كقسوة القلب، وكثرة الضحك، وذهاب ماء الوجه، بل كثيرا ما يورث الإيذاء والحقد والعداوة، وجراءة الصغير على الكبير، وقد قال سيّدنا عمر بن الخطاب: من كثر ضحكه قلّت هيبته، ومن مزح استخفّ به. أسنده العسكري، ولذا قيل:
فإيّاك إيّاك المزاح فإنّه يجرّي عليك الطّفل والرّجل النّذلا
ويذهب ماء الوجه من كلّ سيّد ويورثه من بعد عزّته ذلّا
والذي يسلم من ذلك بأن لا يؤدّي إلى حرام؛ ولا مكروه: هو المباح المستوي الطرفين على الأصحّ، فإن صادف المباح مصلحة؛ مثل تطييب نفس المخاطب، كما كان هو فعله ﵊!! فهو مستحبّ. قاله القسطلّانيّ في «المواهب» مع الشرح.
وقال المناوي في «شرح الشمائل»: ما سلم من المحذور، فهو بشرطه مندوب لا مباح؛ وفاقا للصدر المناوي، وخلافا للعصام. إذ الأصل في أفعاله ﷺ وأقواله وجوب أو ندب الاقتداء به فيها؛ إلّا لدليل يمنع؛ ولا مانع هنا!!. انتهى.
(و) أخرج الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذيّ في «الجامع» وصحّحه، وفي «الشمائل» واللفظ لها، والبخاريّ في «الأدب المفرد»: كلهم؛
(عن أنس رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) كان به بله؛ أي: عدم اهتمام بأمر
[ ٢ / ٥٥٤ ]
استحمل رسول الله ﷺ، فقال: «إنّي حاملك على ولد ناقة»، فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟! فقال:
«وهل تلد الإبل إلّا النّوق؟!» .
الدنيا وتأمّل في معاني الألفاظ حتّى حمل الكلام على المتبادر، من أن المراد بالبنوّة الصغير فليس هو صفة ذمّ هنا، فهو كقوله في الحديث: «أكثر أهل الجنّة البله» .
أي: في أمر الدنيا لقلّة اهتمامهم بها؛ وهم أكياس في أمر الآخرة، وللبله إطلاقات؛ منها هذا، وعدم التمييز وضعف العقل والحمق وسلامة الصدر، ولكلّ مقام مقال:
(استحمل رسول الله ﷺ) أي: سأله أن يحمله، والمراد: طلب منه أن يركبه على دابّة، (فقال) أي: رسول الله ﷺ مباسطا له بما عساه أن يكون شفاء لبلهه بعد ذلك، والظنّ- بل الجزم- أنّه حصل له الشفاء بتلك المداعبة قائلا (: «إنّي حاملك) أي: مريد حملك (على ولد ناقة») فسبق لخاطره استصغار ما تصدق عليه البنوّة.
(فقال: يا رسول الله؛ ما أصنع بولد النّاقة؟!) توهما أن المراد ب «ولد الناقة» الصغير، لكونه المتبادر من الإضافة؛ ومن التعبير ب «الولد» .
(فقال) أي: رسول الله ﷺ (: «وهل تلد الإبل) - بالنصب مفعول مقدّم- والإبل: اسم جمع لا واحد له من لفظه، وهو بكسرتين، وسمع [الإبل] تسكين الباء للتخفيف، ولم يجيء من الأسماء على فعل- بكسرتين- إلّا الإبل والحبر (إلّا النّوق»؟!) - بالرفع فاعل مؤخّر- فالإبل؛ ولو كبارا أولاد الناقة، فيصدق «ولد الناقة» بالكبير والصغير، فكأنّه يقول لو تدبّرت وتأمّلت اللفظ لم تقل ذلك!!
ففيه مع المباسطة الإيماء إلى إرشاده وإرشاد غيره بأنّه ينبغي له إذا سمع قولا أن يتأمّله، ولا يبادر بردّه إلّا بعد أن يدرك غوره، ولا يسارع إلى ما تقتضيه الصورة.
والنّوق- بضمّ النون- جمع ناقة؛ وهي أنثى الإبل. وقال أبو عبيدة: لا تسمّى
[ ٢ / ٥٥٥ ]
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية- وكان اسمه زاهرا- وكان يهدي إلى النّبيّ ﷺ هديّة من البادية، فيجهّزه النّبيّ ﷺ إذا أراد أن يخرج، فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ زاهرا باديتنا؛
ناقة حتّى تجذع. انتهى «باجوري، ومناوي» رحمهما الله تعالى.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا من أهل البادية) خلاف الحاضرة، والنسبة إليها بدوي؛ على غير قياس.
(وكان اسمه زاهرا) بالتنوين؛ وهو ابن حرام- ضدّ حلال- الأشجعي، شهد بدرا.
(وكان يهدي) - بضمّ الياء بصيغة المعلوم، والإهداء؛ وهو: البعث بشيء إلى الغير إكراما، فهو هديّة- بالتشديد- لا غير (إلى النّبيّ ﷺ هديّة) حاصلة (من البادية) أي: بما يوجد بها من ثمار ونبات وغيرهما، لأنّها تكون مرغوبة عزيزة عند أهل الحضر، وكان ﷺ يقبلها منه، لأنّ من عادته قبول الهديّة، بخلاف العمّال بعده!! فلا يجوز لهم قبولها إلّا ما استثني في محلّه.
(فيجهّزه) - بضمّ المثنّاة التحتيّة وفتح الجيم وتشديد الهاء وآخره زاي- قال في «المصباح»: جهاز السّفر أهبته، وما يحتاج إليه في قطع المسافة- بالفتح، والكسر لغة قليلة- أي: يعطيه (النّبيّ ﷺ) ما يتجّهز به إلى أهله مما يعينه على كفايتهم والقيام بكمال معيشتهم، (إذا أراد أن يخرج) ويذهب إلى أهله؛ مكافأة له على هديته.
(فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ زاهرا باديتنا)؛ أي: ساكن باديتنا؛ فهو على تقدير مضاف، لأنّ البادية خلاف الحاضرة- كما تقدّم- فلا يصحّ الإخبار إلّا بتقدير مضاف، أو هو من إطلاق اسم المحلّ على الحال؛ أي: نستفيد منه ما يستفيد
[ ٢ / ٥٥٦ ]
ونحن حاضرته»، وكان ﷺ يحبّه، وكان رجلا دميما، فأتاه النّبيّ ﷺ يوما، وهو يبيع متاعه
الرجل من باديته من أنواع الثمار وصنوف النبات، فصار كأنّه باديتنا.
فالتاء على هذين الوجهين للتأنيث لأنّه الأصل، ويحتمل أن التاء للمبالغة، والأصل بادينا؛ أي: البادي المنسوب إلينا، لأنّا إذا احتجنا متاع البادية جاء به إلينا؛ فأغنانا عن السّفر إليها. قيل: وهو أظهر، والضمير لأهل بيت النبوة، أو أتي به للتعظيم.
ويؤيّد الأوّل ما في «جامع الأصول»؛ من قوله ﷺ: «إنّ لكلّ حاضر بادية، وبادية آل محمّد زاهر بن حرام» .
(ونحن) أي: أهل بيت النبوة، أو ضمير الجمع للتعظيم- كما مرّ في الذي قبله- (حاضرته»)؛ أي: يصل إليه منا ما يحتاج إليه مما في الحاضرة، أو لا يقصد بمجيئه إلى الحضر إلّا مخالطتنا.
وتوقّف بعضهم في الأوّل ب «أن المنعم لا يليق به ذكر إنعامه» !! منع بأنّه ليس من ذكر المنّ بالإنعام في شيء، بل إرشاد للأمّة إلى مقابلة الهديّة بمثلها؛ أو أفضل منها، لأنّه ﷺ كان يكافيء عليها كما هو عادته، على أنه ﷺ مستثنى ممّن يحرم عليه المنّ. انتهى. «باجوري» وزرقاني على «المواهب» .
(وكان) النّبيّ (ﷺ يحبّه)، يؤخذ منه جواز حبّ أهل البادية، وجواز الإخبار بمحبّة من يحبّك، (وكان رجلا دميما) - بالدال المهملة- أي: قبيح الوجه، كريه المنظر؛ مع كونه مليح السريرة، فلا التفات إلى الصورة، كما في الحديث: «إنّ الله لا ينظر إلى صوركم، وأموالكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم» .
(فأتاه النّبيّ ﷺ يوما)؛ أي: إلى السوق.
وفيه جواز دخول السّوق وحسن المخالطة، (وهو) أي: والحال أنّه (يبيع متاعه)؛ وهو: كلّ ما يتمتع به من نحو طعام وبرّ وأثاث بيت.
[ ٢ / ٥٥٧ ]
فاحتضنه من خلفه وهو لا يبصره، فقال من هذا؟ أرسلني، فالتفت فعرف النّبيّ ﷺ، فجعل لا يألو ما ألصق ظهره بصدر النّبيّ ﷺ حين عرفه،
وأصله: ما يتبلّغ به من الزاد، ومتاع زاهر في ذلك الحين كان قربة لبن، وقربة سمن؛ كما في رواية.
(فاحتضنه) أي: أدخله في حضنه؛ وهو: ما دون الإبط إلى الكشح- بزنة فلس-: ما بين الخاصرة إلى الضلع (من خلفه) أي: جاء من ورائه؛ وأدخل يديه تحت إبطيه.
(وهو) أي: والحال أنّه (لا يبصره) أي: لا يراه ببصره.
وذلك بعد أن جاء من أمامه وفتح إحدى القربتين، فأخذ منها على إصبعه، ثمّ قال له: «أمسك القربة»، ثم فعل بالقربة الآخرى كذلك، ثم غافله وجاء من خلفه واعتنقه، وأخذ عينيه بيديه كي لا يعرفه.
ويؤخذ من ذلك جواز اعتناق من تحبّه من خلفه؛ وهو لا يبصر.
(فقال: من هذا؟!) أي: المحتضن؟
(أرسلني) - بصيغة الأمر- أي خلّني، وأطلقني، فالإرسالة: التخلية والاطلاق
(فالتفت) أي: ببعض بصره ورأى بطرفه محبوبه.
(فعرف النّبيّ) - القياس: فعرف أنّه النبيّ- (ﷺ فجعل لا يألو)، أي:
لا يترك ولا يقصّر (ما): مصدرية (ألصق ظهره): أي شرع لا يقصر في إلصاق ظهره (بصدر النّبيّ ﷺ) تبرّكا به، وتلذّذا، وتحصيلا لثمرات ذلك الإلصاق من الكمالات الناشئة عنه (حين عرفه) .
ذكره مع علمه من قوله «فعرف النّبيّ ﷺ» !! اهتماما بشأنه، وإيماء إلى أن منشأ هذا الإلصاق ليس إلّا معرفته.
[ ٢ / ٥٥٨ ]
فجعل النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد؟»، فقال: يا رسول الله؛ إذن والله تجدني كاسدا، فقال النّبيّ ﷺ: «لكن عند الله لست بكاسد»، أو قال: «أنت عند الله غال»
(فجعل) أي: شرع (النّبيّ ﷺ يقول: «من يشتري هذا العبد!؟») أي: من يشتري مثل هذا العبد في الدّمامة، أو من يستبدله منّي بأن يأتي بمثله، فلما فعل ذلك معه ملاطفة نزّله منزلة العبد.
ويؤخذ من ذلك جواز رفع الصوت بالعرض على البيع، وجواز تسمية الحرّ عبدا، ومداعبة الأعلى مع الأدنى.
(فقال) أي زاهر (: يا رسول الله؛ إذن)؛ واقعة في جواب شرط محذوف.
أي: إن بعتني على فرض كوني عبدا إذن (والله تجدني كاسدا) رخيصا، لا يرغب فيّ أحد لدمامتي وقبح منظري.
(فقال النّبيّ ﷺ)؛ أي: مدحا له.
ويؤخذ جواز مدح الصّديق بما يناسبه (: «ولكن عند الله لست بكاسد») أي: لكونك حسن السريرة؛ وإن كنت دميما في الظاهر
(أو) شكّ من الراوي (قال: «أنت عند الله غال») - بغين معجمة- وهو ضدّ الكاسد، وذلك ببركة محبّته ﷺ.
وقد تضمّن هذا الحديث حكما عليّة وأسرارا جليّة، لأنّه لمّا أتاه المصطفى ﷺ وجده مشغوفا ببيع متاعه، فأشفق عليه أن يقع في بئر البعد عن الحقّ، ويشتغل عن الله تعالى؛ فاحتضنه احتضان المشفق على من أشفق عليه، فشقّ عليه الاشتغال بما يهواه، فقال: أرسلني لما أنا فيه!!. فلما شاهد جمال الحضرة العليّة اجتهد في تمكين ظهره من صدره ليزداد إمدادا، فقال النبيّ ﷺ تأديبا له: «من يشتري هذا العبد» !! إشارة إلى أنّ من اشتغل بغير الله فهو عبد هواه.
فببركته ﷺ حصلت منه الإنابة وصادفته العناية، فلذلك بشّره النّبيّ ﷺ بعلوّ
[ ٢ / ٥٥٩ ]
و(الدّميم): قبيح الوجه.
وعن زيد بن أسلم رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا كان يهدي للنّبيّ ﷺ العكّة
قدره وإعلاء رتبته. فتضمّن مزاحه ﷺ بشرى فاضلة وفائدة كاملة، فليس مزاحا إلّا بحسب الصورة، وهو في الحقيقة غاية الجدّ. انتهى لخّصه الباجوريّ من المناوي رحمه الله تعالى. آمين
(والدّميم) - بالدال المهملة- (: قبيح الوجه) كريه المنظر.
(و) أخرج أبو يعلى (عن) أبي أسامة؛ (زيد بن أسلم) القرشي العدوي «مولاهم؛ مولى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه» المدني التابعي، الصالح الفقيه، العالم الثقة، وهو من رجال الجميع، لكن كان يرسل.
روى عن ابن عمر، وأنس، وجابر، وربيعة بن عباد، وسلمة بن الأكوع الصحابيين رضي الله تعالى عنهم، وروى عن أبيه، وعطاء بن يسار، وحمران، وعلي بن الحسين، وأبي صالح السّمّان، وآخرين من التابعين.
روى عنه الزّهري، ويحيى الأنصاري، وأيّوب السّختياني، ومحمد بن إسحاق التابعيون. ومالك والثوري؛ ومعمر، وخلائق من الأئمة.
وتوفي بالمدينة المنورة سنة: ست وثلاثين ومائة، وقيل غير ذلك، ومناقبه كثيرة رحمه الله تعالى
فقول المصنف (رضي الله تعالى عنه) كلام صحيح، إلّا أنّه يوهم أنّه صحابيّ كما هو العادة المعروفة في تخصيص الصحابيّ بالترضّي، مع أنّ الحديث مرسل، لكون زيد بن أسلم تابعيا؛ كما علمت من ترجمته.
(أن رجلا) هو عبد الله الملّقب ب «حمار» بلفظ الحيوان المعروف؛ كما في «الإصابة» عن أبي يعلى نفسه
(كان يهدي) بضمّ أوّله (للنّبيّ ﷺ العكّة) - بضم العين المهملة-: آنية السّمن
[ ٢ / ٥٦٠ ]
من السّمن والعسل، فإذا جاء صاحبه يتقاضاه.. جاء به إلى النّبيّ ﷺ، فقال: أعط هذا حقّ «١» متاعه، فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم، ويأمر به فيعطى.
وفي رواية: كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك، فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه.. جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول: «ألم تهده لي؟!»، فيقول: ليس عندي، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
أصغر من القربة، جمعها: عكك، وعكاك
(من السّمن) تارة (والعسل) أخرى، ويحتمل أنهما مخلوطان كما هو شأن العرب كثيرا!! (فإذا جاء صاحبه يتقاضاه)؛ أي يطلبه (جاء به إلى النّبيّ ﷺ، فقال: أعط هذا [حقّ] متاعه)؛ أي: ثمنه كما في الرواية اللاحقة، (فما يزيد النّبيّ ﷺ على أن يتبسّم) تعجبّا، (ويأمر به فيعطى) الثمن.
(وفي رواية) لمحمّد بن عمرو بن حزم الأنصاري المدني، له رؤية وليس له سماع إلا من الصحابة:
(كان لا يدخل المدينة طرفة): ما يستطرف؛ أي يستملح ويعجب، والجمع طرف؛ مثل غرفة وغرف، (إلّا اشترى منها)، أي: فليست هديّته قاصرة على السّمن والعسل. (ثمّ جاء؛ فقال: يا رسول الله؛ هذا هديّة لك)؛ أي: حملته لك كما تحمل الهدية، فلا يرد: كيف يطلب ثمنه بعد قوله ذلك؟!
(فإذا جاء صاحبه يطلب ثمنه؛ جاء به، فيقول: أعط هذا الثّمن، فيقول)؛ أي ﷺ (: «ألم تهده لي؟!») استفهام تقريري. (فيقول: ليس عندي) ما أهديه! وإنّما أتيت به أريد ثمنه لمالكه!. (فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه) انتهى.
_________________
(١) ساقطة من الأصل، وأثبتناها من «وسائل الوصول» .
[ ٢ / ٥٦١ ]
وعن الحسن رضي الله تعالى عنه قال: أتت عجوز
قال الزرقاني على «المواهب»: هكذا مشاه شيخنا؛ وهو خلاف الظاهر!! ولذا قال بعض المحقّقين من شرّاح «الشمائل»: كان هذا الصحابيّ ﵁ من كمال محبّته للنّبيّ ﷺ كلّما رأى طرفة أعجبته اشتراها وآثره بها، وأهداها إليه على نية أداء ثمنها إذا حصل لديه، فلما عجز صار كالمكاتب؛ فرجع إلى مولاه وأبدى إليه جميع ما أولاه، فالمكاتب عبد ما بقي عليه درهم، فرجع بالمطالبة إلى سيّده. ففعله هذا جدّ حقّ؛ ممزوج بمزاح صدق. انتهى.
ووقع نحو ذلك للنّعيمان- بالتصغير- ابن عمرو بن رفاعة الأنصاري.
ذكر الزّبير بن بكّار في كتاب «الفكاهة والمزاح»:
كان لا يدخل المدينة طرفة إلّا اشترى منها، ثمّ جاء به إلى النبيّ ﷺ؛ فيقول:
هذا أهديته لك، فإذا جاء صاحبه يطلب نعيمان بثمنه أحضره إلى النبيّ ﷺ؛ فيقول: أعط هذا ثمن متاعه، فيقول: «أولم تهده لي؟» . فيقول: إنّه والله؛ لم يكن عندي ثمنه! ولقد أحببت أن تأكله، فيضحك ويأمر لصاحبه بثمنه.
(و) أخرج الترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» (عن الحسن)؛ أي البصري، لأنه المراد عند الإطلاق في اصطلاح المحدثين، فالحديث مرسل، وظنّ بعضهم أنّه الحسن بن علي (رضي الله تعالى عنه) !! وليس كما ظنّ.
(قال)؛ أي الحسن البصري ناقلا عن غيره (: أتت عجوز) قيل: إنّها صفيّة بنت عبد المطّلب أمّ الزّبير بن العوّام، وعمّة النبيّ ﷺ؛ ذكره ابن حجر الهيتمي وغيره، وتوقّف فيه بعضهم؛ فقال: الله أعلم بصحّته! ففي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها عند البيهقيّ: أتت خالتي وهي عجوز. وصفيّة ليست خالة عائشة؛ ذكره الزرقاني!! وقال: قلت: إن صحّ ما قالوه فسمّتها خالتها!! إكراما وتعظيما لسنّها، على العادة في تسمية المسنّة خالة، لا لكونها أخت أمّها حقيقة. انتهى كلام الزرقاني. وهو خلاف الظاهر المتبادر!! فلعل القصّة تعدّدت؛ إن ثبت تعيين صفية في رواية المتن؟! والله أعلم.
[ ٢ / ٥٦٢ ]
النّبيّ ﷺ فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة، فقال: «يا أمّ فلان؛ إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز» . قال:
فولّت تبكي، فقال: «أخبروها أنّها لا تدخلها وهي عجوز؛ إنّ الله تعالى يقول: إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ
(النّبيّ ﷺ؛ فقالت: يا رسول الله؛ ادع الله أن يدخلني الجنّة. فقال:
«يا أمّ فلان؛) كأنّ الراوي نسي اسمها، وما أضيف إليه؛ فكنّى عنه ب «أم فلان» !!
وفيه جواز التكنّي ب «أم فلان»، ولا يشترط للجواز كونها ذات ولد، فقد كنّيت عائشة ب «أم عبد الله»، ولم تلد، والكنية نوع تفخيم للمكنّى وإكرام.
(إنّ الجنّة لا يدخلها عجوز») كأنّه فهم من حالها أنّها تريد دخولها على صفتها حالة السؤال، فمازحها مريدا إرشادها إلى أنّها لا تدخل الجنّة على الهيئة التي هي عليها، بل ترجع في سنّ ثلاث وثلاثين، أو في سنّ ثلاثين سنة.
واقتصاره ﷺ على العجوز!! لخصوص سبب الحديث، أو لأن غيرها يعلم بالمقايسة. وقد روى معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال:
«يدخل أهل الجنّة جردا مردا مكحّلين أبناء ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة» أخرجه الترمذيّ في «الجامع» .
(قال)؛ أي: الحسن ناقلا عن غيره- كما مرّ- (: فولّت) - بتشديد اللام- أي: أدبرت وذهبت (تبكي) حال من فاعل «ولّت»، أي: باكية، لأنّها فهمت أنّها تكون يوم القيامة على الهيئة التي هي عليها؛ ولا تدخل الجنة، فحزنت.
(فقال)؛ أي: النبيّ ﷺ (: «أخبروها) بقطع الهمزة، أي: أعلموها (أنّها)؛ أي تلك المرأة (لا تدخلها)؛ أي: الجنّة (وهي عجوز) بل يرجعها الله تعالى في سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، واستشهد على ذلك تطييبا لخاطرها، فقال: (إنّ الله تعالى يقول إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ)؛ أي النسوة، أي أعدنا إنشاءهنّ
[ ٢ / ٥٦٣ ]
إِنْشاءً. فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا. عُرُبًا أَتْرابًا» [الواقعة: ٣٥- ٣٧] .
(إِنْشاءً) خاصّا، والمعنى إنّا خلقنا النسوة خلقا جديدا غير خلقهنّ بدون توسّط ولادة بحيث يناسب البقاء والدوام، فالضمير للنسوة، وجعله للحور العين يردّه هذا الحديث، وإن كان هو مقتضى سياق القرآن (فَجَعَلْناهُنَّ) بعد كونهنّ عجائز شمطا رمصا في الدنيا (أَبْكارًا) أي: عذارى، وإن وطئن كثيرا، فكلّما أتاها الرجل وجدها بكرا؛ كما ورد به الأثر، ولكن لا دلالة للّفظ عليه (عُرُبًا) أي:
عاشقات متحبّبات إلى أزواجهن، جمع عروب، (أَتْرابًا) أي: متساويات في السنّ، وهو سنّ ثلاثين، أو ثلاث وثلاثين سنة، وذلك أفضل أسنان النساء.
وفي الحديث: «هنّ اللّاتي قبضن في دار الدّنيا عجائز، قد خلقهنّ الله بعد الكبر، فجعلهنّ عذارى متعشّقات؛ على ميلاد واحد أفضل من الحور العين كفضل الظّهارة على البطانة، ومن يكن لها أزواج؛ فتختار أحسنهم خلقا» الحديث في «جامع الترمذي»، والطبراني مطولا. انتهى باجوري على «الشمائل» .
وهذا الحديث الذي ذكره المصنّف في «المتن» قد ذكره رزين بن معاوية العبدريّ السّرقسطيّ، ورواه الترمذيّ أيضا في «الجامع»، وابن الجوزيّ في «الوفا» بسنده موصولا؛ كلاهما عن أنس رضي الله تعالى عنه.
أنّ عجوزا دخلت على النّبيّ ﷺ فسألته عن شيء، فقال لها ومازحها: «إنّه لا تدخل الجنّة عجوز»، وحضرت الصّلاة فخرج النبيّ ﷺ إلى الصلاة، فبكت بكاء شديدا حتّى رجع النبي ﷺ، فقالت عائشة: يا رسول الله؛ إنّ هذه المرأة تبكي لمّا قلت لها: «إنّه لا تدخل الجنّة عجوز» !! فضحك، وقال: «أجل؛ لا تدخل الجنّة عجوز، ولكن قال الله تعالى إِنَّا أَنْشَأْناهُنَّ إِنْشاءً (٣٥) فَجَعَلْناهُنَّ أَبْكارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرابًا (٣٧) [الواقعة] وهنّ العجائز الرّمص» . أي: مريضات العيون.
ولا تنافي بين روايتي وصله وإرساله، لأنّ الحسن حدّث به مرسلا تارة؛ بإسقاط أنس، وتارة وصله بذكر أنس! وقد رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ من وجه آخر من حديث عائشة. انتهى؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
[ ٢ / ٥٦٤ ]
قال في «جمع الوسائل»: وقد أخرج أبو الشيخ ابن حيّان في «كتاب الأخلاق» بسنده إلى مجاهد قال: دخل النّبيّ ﷺ على عائشة رضي الله تعالى عنها وعندها عجوز؛ فقال: «من هذه»؟ قالت: هي عجوز من أخوالي. فقال النّبيّ ﷺ: «إنّ العجز- بضمّتين؛ جمع عجوز- لا يدخلن الجنّة» . فشقّ ذلك على المرأة، فلما دخل النبيّ ﷺ قالت له عائشة: لقد لقيت من كلمتك مشقّة شديدة! فقال: «إنّ الله ﷿ ينشئهنّ خلقا غير خلقهنّ» !! انتهى.
تتمة: وممّا ذكر من مزاحه ﷺ أيضا: ما رواه جمع عن خوّات بن جبير قال:
نزلت مع رسول الله ﷺ بمرّ الظهران، فخرجت من خبائي؛ فإذا نسوة يتحدّثن، فأعجبنني، فرجعت فأخرجت حلّة من عيبتي فلبستها، ثم جلست إليهنّ، وخرج رسول الله ﷺ من قبّته؛ فقال: «يا عبد الله؛ ما يجلسك إليهنّ»؟ فقلت:
يا رسول الله؛ جمل لي شرود، أبتغي له قيدا! فمضى وتبعته، فألقى رداءه ودخل فقضى حاجته وتوضّأ، ثمّ جاء؛ فقال: «ما فعل شراد جملك»؟ ثمّ ارتحل، فجعل لا يلحقني في منزل إلّا قال: «يا عبد الله؛ ما فعل شراد جملك؟» إلى أن قال: فقلت: والله؛ لأعتذرنّ إليه، ولأبرّدنّ صدره. فقال لي يوما.. فقلت:
والّذي بعثك بالحق؛ ما شرد ذلك الجمل منذ أسلمت.
ومن ذلك ما رواه ابن أبي حاتم وغيره؛ من حديث عبد الله بن سهم الفهري؛ للمرأة التي سألت عن زوجها: «أهو الّذي بعينه بياض»؟!
وقد ذكره القاضي عياض في «الشفاء» من غير إسناد!.
خاتمة: قد درج أكابر السلف وأعاظم الخلف؛ على ما كان عليه المصطفى ﷺ في الطلاقة والمزاح المجانب للكذب والفحش، فكان الإمام عليّ بن أبي طالب كرّم الله وجهه يكثر المداعبة، وكذا ابن سيرين.
وقال رجل لصالح جزرة: ما تقول في سفيان الثوري؟ فقال: كذّاب. فأكبر
[ ٢ / ٥٦٥ ]
الحاضرون ذلك ولاموه!! فقال: ما الّذي أقوله لمن سأل عن ذلك الإمام الأعظم؟!
وسأل رجل رجلا آخر عن حسان بن هشام، فقال: توفّي البارحة. فجزع الرجل واسترجع، فقرأ اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [٤٢/ الزمر] الآية انتهى من المناوي، وملا علي قاري: كلاهما على «الشمائل الترمذية» والله ﷾ أعلم.
[ ٢ / ٥٦٦ ]
[الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتّكائه]
الفصل الخامس في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتّكائه (الفصل الخامس) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة تواضعه ﷺ) .
بضمّ الضاد؛ أي تذلّله وخشوعه؛ قاله الباجوري.
وقال ابن القيّم: التواضع انكسار القلب لله، وخفض جناح الذلّ والرحمة للخلق؛ حتّى لا يرى له على أحد فضلا، ولا يرى له عند أحد حقا، بل، ويرى الحقّ لذلك الأحد؛ نقله الزرقاني على «المواهب» .
وقال شيخنا العلّامة الشيخ حسن المشاط في «إسعاف أهل الإسلام»؛ قبيل «باب ما جاء في ما يلبسه المحرم من الثياب» ما نصّه:
واعلم أنّ التواضع خلق شريف؛ معناه عند المحققين: ألايرى العبد لنفسه قدرا، ولا قيمة، ولا مزيّة، ويرى الحال التي هو فيها أعظم من أن يستحقّها.
قال سيّدي محمد بن قاسم الشهير ب «جسوس»؛ عن أبي زيد ﵁:
ما دام العبد يظنّ أنّ في الخلق من هو شرّ منه؛ فهو متكبّر.
قيل له: فمتى يكون متواضعا؟!
قال: إذا لم ير لنفسه مقالا؛ ولا حالا.
قال في «الحكم»: ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنّه فوق ما صنع، ولكنّ المتواضع الّذي إذا تواضع رأى أنّه دون ما صنع.
ثمّ التواضع تارة يكون لرؤية العبد نقص نفسه، وتارة يكون عن شهود عظمة ربّه، وهذا التواضع الحقيقيّ الّذي لا يمكن ارتفاعه، فإنّ شهود عظمته تعالى هو
[ ٢ / ٥٦٧ ]
كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا،
الذي يخمد النّفس ويذيبها، ويبطل أنانيّتها، وبه تنقلع شجرة الرياسة والكبر من القلب. فإنّ من شاهد عظيما من الخلق ذا هيئة ومنصب؛ لم يمكنه إلّا الخضوع له، فكيف لمن تتجلّى له عظمة الله تعالى التي لا عظمة تكاد تدانيها؟!! فما تجلّى الله لشيء إلّا خضع له فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقًا [١٤٣/ الأعراف] .
ولمّا كان لسيدنا رسول الله ﷺ الحظّ الأوفر من تجلّي نور الشهود كان أعظم الخلق تواضعا، وقد رفع الله ذكره، وأعلى على كلّ قدر قدره. ولم يخلق جاها أعظم من جاهه ﷺ!!.
وقد شرح الإمام العارف الشهير ب «زروق» في «قواعده» ما تقدّم من حقيقة خلق التواضع؛ بقوله: التواضع: ترك اعتقاد المزيّة على الغير، ولو كان في أعلى درجات الرفعة. والكبر: اعتقاد المزيّة، ولو كان في أدنى درجات الضعة.
وبالجملة؛ فالتواضع والأدب، والوقوف عند الحدّ، والتأسّي برسول الله ﷺ هو ملاك كلّ خير، وسبب كلّ علو وشرف، ومن تواضع لله رفعه الله، سلك الله بنا طريق الخير بمنّه وفضله. آمين؛ انتهى.
(و) صفة (جلوسه) لكونه محتبيّا ومتوقّرا، ومستقبل القبلة ونحو ذلك.
(و) صفة (اتّكائه) على وسادة؛ أو غيرها.
قال الإمام الغزاليّ في «الإحياء»، والإمام الشعراني في «كشف الغمّة»:
(كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس تواضعا) - بضمّ الضاد المعجمة- قال بعض العارفين: اعلم أنّ العبد لا يبلغ حقيقة التواضع؛ وهو التذلّل والتخشّع إلّا إذا دام
[ ٢ / ٥٦٨ ]
وأسكنهم من غير كبر،
تجلّي نور الشهود في قلبه، لأنه حينئذ يذيب النفس ويصفّيها عن غش الكبر والعجب، فتلين وتطمئنّ للحق والخلق؛ بمحو آثارها، وسكون وهجها، ونسيان حقّها، والذهول عن النظر إلى قدرها.
ولمّا كان الحظّ الأوفر من ذلك لنبيّنا ﷺ كان أشدّ النّاس تواضعا. وحسبك شاهدا على ذلك أنّ الله خيّره بين أن يكون نبيّا ملكا؛ أو نبيّا عبدا؛ فاختار أن يكون نبيّا عبدا!! ومن ثمّ لم يأكل متّكئا بعد حتى فارق الدنيا.
وقال: «أجلس كما يجلس العبد، وآكل كما يأكل العبد»، ولم يقل لشيء فعله خادمه أنس «أفّ» قطّ، وما ضرب أحدا من عبيده وإمائه، وهذا أمر لا يتّسع له الطبع البشري؛ لولا التأييد الإلهي، وكذا الأخبار الآتية فكلّها دالّة على شدّة تواضعه ﷺ.
(وأسكنهم) - بالنون- أي: أكثرهم سكونا (من غير كبر) .
قال الحافظ العراقيّ: روى أبو داود وابن ماجه؛ من حديث البراء:
فجلس وجلسنا كأنّ على رؤوسنا الطير. ولأصحاب «السنن»؛ من حديث أسامة بن شريك: أتيت النّبيّ ﷺ وأصحابه كأنّما على رؤوسهم الطير.
وفي «الشمائل» للترمذي: أطرق جلساؤه كأنّما على رؤوسهم الطير، فإذا سكت تكلّموا.
وفي «الشمائل» لأبي الحسن بن الضحاك؛ من حديث أبي سعيد الخدري:
دائب الإطراق. وسنده ضعيف. أي: دائم السكون.
وقوله «كأنّما على رؤوسهم الطير» كناية عن كونهم عند كلامه ﷺ على غاية تامّة من السكوت والإطراق، وعدم الحركة، وعدم الالتفات، أو عن كونه مهابين مدهوشين في هيئته، لما أنّ كلامه عليه أبّهة الوحي وجلالة الرسالة.
وأصل ذلك: أنّ سليمان ﵇ كان إذا أمر الطير بأن تظلّل على
[ ٢ / ٥٦٩ ]
وأبلغهم من غير تطويل، وأحسنهم بشرا، لا يهوله شيء من أمر الدّنيا.
أصحابه؛ غضّوا أبصارهم، ولم يتكلّموا حتّى يسألهم مهابة. أو عن كونهم متلذّذين بكلامه.
وأصل ذلك: أنّ الغراب يقع على رأس البعير يلقط عنه صغار القردان؛ فيسكن سكون راحة ولذّة، ولا يحرّك رأسه؛ خوفا من طيرانه عنه.
وهذه الحالة لهم إنّما هي من تخلّقهم بأخلاقه ﷺ إذ كان ﷺ لكمال استغراقه بالمشاهدة في سكون دائم وإطراق ملازم.
(وأبلغهم)؛ أي: أكثرهم بلاغة في الكلام (من غير تطويل) .
قال الحافظ العراقي: روى الشيخان؛ من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها:
كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه.
ولهما من حديثها: لم يكن يسرد الحديث كسردكم. علّقه البخاري، ووصله مسلم.
زاد الترمذيّ: ولكنه كان يتكلّم بكلام يبيّنه؛ فصل، يحفظه من جلس إليه.
وله في «الشمائل»؛ من حديث هند بن أبي هالة يتكلّم بجوامع الكلم، فصل؛ لا فضول ولا تقصير.
(وأحسنهم بشرا) قال الحافظ العراقي: رواه الترمذي في «الشمائل»؛ من حديث عليّ بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه: كان ﷺ دائم البشر، سهل الخلق الحديث.
وله في «الجامع»؛ من حديث عبد الله بن الحارث بن جزء: ما رأيت أحدا أكثر تبسّما من رسول الله ﷺ؛ وقال غريب. قلت: وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح «الإحياء» .
(لا يهوله شيء من أمر الدّنيا) يقال: هاله الشيء؛ إذا راعه وأعجبه.
[ ٢ / ٥٧٠ ]
وكان ﷺ متواضعا في غير مذلّة.
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لا تطروني كما أطرت النّصارى ابن مريم،
قال العراقيّ: روى أحمد من حديث عائشة: ما أعجب رسول الله ﷺ شيء من الدنيا، ولا أعجبه أحد قطّ؛ إلا ذو تقى.
وفي لفظ له: ما أعجب النبيّ ﷺ ولا أعجبه شيء من الدنيا، إلا أن يكون منها ذو تقى. وفيه ابن لهيعة. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) في «شرح الإحياء»: قال الحافظ العراقيّ: روى أبو الحسن بن الضحاك في «الشمائل»؛ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه؛ في صفته ﷺ: أنه (كان ﷺ متواضعا في غير مذلّة) . وسنده ضعيف. انتهى.
(و) أخرج البخاريّ والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» (عن) أبي حفص الفاروق (عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه؛ قال: قال رسول الله ﷺ) - ووقع في رواية البخاريّ؛ عن ابن عبّاس أنه سمع عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهم يقول على المنبر: سمعت النبي ﷺ يقول
(: «لا تطروني) - بضمّ أوّله وسكون الطاء المهملة- والإطراء: المدح بالباطل، أي: لا تتجاوزوا الحدّ في مدحي؛ بأن تقولوا ما لا يليق بي؛ (كما أطرت النّصارى) المسيح (ابن مريم) . وفي رواية: عيسى ابن مريم حيث كذبوا وقالوا: إله، و: ابن الله، و: أحد ثلاثة!! وحرّفوا قوله تعالى في «التوراة» «عيسى نبيي؛ أنا ولّدته- بتشديد اللام- من مريم»؛ فجعلوا الأول «بنيّ» بتقديم الباء، وخفّفوا اللام في الثاني «ولدته» إلى غير ذلك من إفكهم!!؟.
فمنعهم النبيّ ﷺ أن يصفوه بالباطل. وفي العدول عن «المسيح» إلى «ابن مريم» تبعيد عن الإلهية. والمعنى: أنّهم بالغوا في المدح بالكذب حتى جعلوا من حصل من جنس النساء الطوامث إلها، وابن إله.
[ ٢ / ٥٧١ ]
إنّما أنا عبد فقولوا: (عبد الله ورسوله)» .
قال ابن الجوزيّ: ولا يلزم من النهي عن الشيء وقوعه، لأنّا لا نعلم أن أحدا ادّعى في نبينا ما ادّعته النصارى في عيسى!!. وإنّما سبب النهي- فيما يظهر-:
ما وقع في حديث معاذ بن جبل لمّا استأذن في السجود له على قصد التعظيم وإرادة التكريم، فامتنع ونهاه، وكأنّه خشي أن يبالغ غيره بأخوف من ذلك؛ فبادر إلى النهي تأكيدا للأمر، فالمعنى لا تتجاوزوا الحدّ في مدحي بغير الواقع؛ فيجرّكم ذلك إلى الكفر، كما جرّ النصارى إليه لمّا تعدّوا عن الحدّ في مدح عيسى ﵇ بغير الواقع، واتخذوه إلها. وإلى ذلك أشار في «البردة» بقوله:
دع ما ادّعته النّصارى في نبيّهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
ثم استأنف؛ وقال: (إنّما أنا عبد)، أي: لست إلّا عبدا لا إلها، فلا تعتقدوا فيّ شيئا ينافي العبودية، (فقولوا عبد الله ورسوله») . ولا تقولوا ما قالته النصارى، فأثبت لنفسه ما هو ثابت له من العبودية والرسالة، وأسلم لله ما هو له؛ لا لسواه.
وقد روى الإمام أحمد عن أنس أنّ رجلا جاءه؛ فقال: يا سيّدنا وابن سيّدنا، وخيرنا وابن خيرنا! فقال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، ولا يستهوينّكم الشّيطان، أنا محمّد بن عبد الله؛ عبد الله ورسوله» .
وأخرج عن ابن الشخّير أنّه جاءه رجل؛ فقال: أنت سيّد قريش! فقال:
«السّيّد الله» . فقال: أنت أعظمها فيها طولا، وأعلاها قولا. قال: «يا أيّها النّاس قولوا بقولكم، ولا يستهوينّكم الشّيطان» .
وأخرج عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: استبّ رجلان؛ رجل من المسلمين، ورجل من اليهود. فقال المسلم: والّذي اصطفى محمّدا على العالمين. وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين! فلطم المسلم اليهوديّ، فأتى اليهوديّ رسول الله ﷺ وأخبره، فدعاه فسأله؛ فاعترف. فقال:
[ ٢ / ٥٧٢ ]
و(الإطراء): هو مجاوزة الحدّ في المدح.
وكان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه.
وكان ﷺ لا يأتيه أحد من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين.. إلّا قام معه في حاجته.
«لا تخيّروني على موسى، فإنّ النّاس يصعقون يوم القيامة، فأكون أوّل من يفيق فأجد موسى ممسكا بجانب العرش؛ ما أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممّن استثنى الله؟!» .
وهذه الأحاديث الثلاثة في «الصحيحين» أيضا، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ، وقد كان أعظم النّاس تواضعا- كما تقدّم-؛ ذكره المناوي على «الشمائل» .
(والإطراء: هو مجاوزة الحدّ في المدح) بالكذب.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما: (كان ﷺ لا يدفع عنه النّاس، ولا يضربوا عنه) ببناء الفعلين للمفعول؛ وحذف النون للتخفيف، وذلك لعظم تواضعه؛ وبراءته من الكبر والتعاظم الذي هو من شأن الملوك وأتباعهم.
وفيه أنّ أصحاب المقارع بين يدي الحكّام والأمراء محدثة مكروهة، كما ورد في خبر:
رأيت المصطفى ﷺ على ناقته.. لا ضرب ولا طرد، ولا «إليك إليك» .
وأخذ منه أن المفتي أو المدرّس ينبغي له ألايتخذ نقيبا جافيا غليظا، بل فطنا كيّسا دريّا يرتّب الحاضرين على قدر منازلهم، وينهى عن ترك ما ينبغي فعله؛ أو فعل ما ينبغي تركه، ويأمر بالإنصات للدرس، وعلى العالم سماع السؤال من مورده على وجهه؛ ولو صغيرا. انتهى مناوي؛ على «الجامع الصغير» .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان) رسول الله (ﷺ لا يأتيه أحد)؛ أي: يطلبه في حاجة (من حرّ ولا عبد، ولا أمة ولا مسكين؛ إلّا قام معه في حاجته) .
[ ٢ / ٥٧٣ ]
وكان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين.
روى البخاريّ تعليقا؛ من حديث أنس: إن كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت. ووصله ابن ماجه، وقال:
وما ينزع يده من يدها حتّى تذهب حيث شاءت من المدينة في حاجتها.
وسيأتي مع حديث ابن أبي أوفى: ولا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين حتى يقضي لهما حاجتهما. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان ﷺ لا يستكبر عن إجابة الأمة والمسكين) - بكسر الميم؛ لغة جميع العرب، إلا بني أسد فبفتحها- من السكون؛ لسكونه إلى النّاس.
قال السيّد محمّد مرتضى الزبيدي في شرح «الإحياء»: هكذا في النسخ!! وفي نسخة العراقي: لا يستكبر أن يمشي مع المسكين.
وقال: رواه النسائي، والحاكم؛ من حديث عبد الله بن أبي أوفى بسند صحيح.
ورواه الحاكم؛ من حديث أبي سعيد وقال: صحيح على شرط الشيخين.
انتهى.
قلت: ولفظ النسائيّ: كان لا يأنف أن يمشي مع الأرملة والمسكين.
وبهذا يظهر أن الذي في سياق المصنف من ذكر الأمة تحريف من النسّاخ! والصواب: الأرملة. ثمّ وجدت في البخاري: إن كانت الأمة لتأخذ بيده ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعند أحمد: فتنطلق به في حاجتها.
وعنده أيضا: كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتّى تذهب حيث شاءت. انتهى كلام السيد محمد مرتضى في شرح «الإحياء» . وستأتي هذه الأحاديث التي ذكرها قريبا.
[ ٢ / ٥٧٤ ]
وكان ﷺ يكثر الذّكر ويقلّ اللّغو، ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة، وكان لا يأنف ولا يستكبر أن يمشي مع الأرملة والمسكين والعبد حتّى يقضي له حاجته.
(و) أخرج النسائي، والحاكم؛ عن عبد الله بن أبي أوفى، والحاكم عن أبي سعيد الخدري، قال الحاكم: على شرطهما. وأقرّه الذهبيّ. ورواه الترمذيّ في «العلل» عن ابن أبي أوفى، وذكر أنّه سأل عنه البخاريّ؛ فقال: هو حديث تفرّد به الحسين بن واقد؛ قاله المناوي. وقال العزيزي: هو حديث صحيح.
(كان) رسول الله (ﷺ يكثر الذّكر) أي: ذكر الله تعالى، (ويقلّ اللّغو)؛ أي: لا يلغو أصلا. قال ابن الأثير: القلّة تستعمل في نفي الشيء أصلا، ويجوز أن يريد باللغو الهزل والدعابة، أي: أنّه كان منه قليلا. انتهى «مناوي» .
وقال الحفني: «قوله اللغو»؛ أي: المزاح. فالمراد باللغو غير الذكر من المزاح، فيقع منه قليلا. وهذا أظهر من حمل اللغو على حقيقته، فإنّه حينئذ يضيع قوله «يقل» إذ المعنى حينئذ: لا يلغو أصلا. انتهى.
(ويطيل الصّلاة ويقصر الخطبة)، ويقول: «إنّ ذلك من علامة فقه الرّجل» .
(وكان لا يأنف ولا يستكبر)، تفسير لقوله: لا يأنف.
(أن يمشي مع الأرملة)؛ أي: التي لا زوج لها، (والمسكين والعبد)، لأنه سيّد المتواضعين (حتّى يقضي له حاجته) قرب محلّها أو بعد.
وسيأتي حديث مسلم والترمذي؛ عن أنس: أنه جاءت امرأة إليه ﷺ، فقالت: إنّ لي إليك حاجة. فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك حتّى أقضي حاجتك» .
وفيه بروزه للناس، وقربه منهم ليصل ذو الحقّ إلى حقّه، ويسترشد بأقواله وأفعاله، وصبره على تخمّل المشاقّ لأجل غيره وغير ذلك. انتهى «مناوي» .
[ ٢ / ٥٧٥ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه: كانت الأمة من إماء أهل المدينة لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: أنّ امرأة
وقد نظم الحافظ العراقي معنى هذا الخبر فأجاد؛ حيث قال:
يمشي مع المسكين والأرملة في حاجة من غير ما أنفة
(و) أخرج البخاريّ في «باب الكبر؛ من كتاب الأدب» تعليقا، ووصله ابن ماجه: كلاهما (عن أنس رضي الله تعالى عنه): إن (كانت الأمة) أيّ أمة كانت (من إماء أهل المدينة) المنوّرة (لتأخذ بيد رسول الله ﷺ فتنطلق به حيث شاءت) من الأمكنة، ولو كانت حاجتها خارج المدينة.
وفي رواية الإمام أحمد؛ عن أنس: فتنطلق به في حاجتها.
وعند أحمد أيضا إن كانت الوليدة من ولائد أهل المدينة لتجيء؛ فتأخذ بيد رسول الله ﷺ، فما ينزع يده من يدها حتّى تذهب به حيث شاءت، ويجيب إذا دعي. انتهى. والمقصود من الأخذ باليد لازمه، وهو الانقياد.
قال في «المواهب»: وقد اشتمل الحديث على أنواع من المبالغة في التواضع، لذكره المرأة دون الرجل، والأمة دون الحرة، وحيث عمّم بلفظ الإماء. أي أيّ أمة كانت، وبقوله «حيث شاءت» أي: من الأمكنة.
والتعبير «باليد» إشارة إلى غاية التصرّف، حتى لو كانت حاجتها خارج المدينة؛ والتمست مساعدته في تلك الحالة لساعدها على ذلك بالخروج معها، وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وبراءته من جميع أنواع الكبر. ومن ثمّ أورده البخاريّ في «باب الكبر» إشارة إلى براءته منه. انتهى.
(و) أخرج البخاريّ ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» - واللفظ لها-: (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه أنّ امرأة) . أي: كان في عقلها شيء؛ كما في رواية مسلم.
[ ٢ / ٥٧٦ ]
جاءت إلى النّبيّ ﷺ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة، فقال: «اجلسي في أيّ طرق المدينة شئت أجلس إليك» .
وعند البخاريّ: امرأة من الأنصار. وفي رواية: ومعها صبيّ.
قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها! وفي بعض «الحواشي» أنّها أم زفر ماشطة خديجة أمّ المؤمنين. ونوزع فيه، وتردّد البرهان الحلبي في «المقتضى» في أنّها هي أو غيرها؟!! وجزم غيره بأنها هي، لكن نوزع!!.
(جاءت إلى النّبيّ ﷺ؛ فقالت له: إنّ لي إليك حاجة)؛ أي: أريد أن أخفيها عن غيرك؛ قاله القاري.
(فقال) رسول الله ﷺ (: «اجلسي») - بصيغة المخاطبة-؛ من أمر الحاضر (في أيّ) طريق من (طرق المدينة) المنوّرة (شئت)، أي: في أيّ سكّة من سككها وقيل: المعنى في أيّ جزء من أجزاء طريق المدينة، وليس المراد أيّ طريق يوصل إلى المدينة؛ وإن كان طريق الشيء: ما يوصل إليه!!
(أجلس)؛ بالجزم جواب الأمر (إليك») أي: معك ف «إلى» بمعنى «عند»، وزاد في رواية مسلم، «حتّى أقضي حاجتك» . قال أنس: فجلست، فجلس النبي ﷺ إليها حتّى فرغت من حاجتها؛ تواضعا منه ﷺ، وملاطفة لسعة حلمه، وبراءته من الكبر.
قال بعضهم: وفيه إيماء وإرشاد إلى أنّه لا يخلو أجنبيّ مع أجنبية، بل إذا عرضت حاجة يكون معها بموضع لا يتطرّق فيه تهمة، ولا يظن به ريبة؛ ككونه بطريق المارّة، وأنّه ينبغي للحاكم المبادرة إلى تحصيل أغراض ذوي الحاجات، ولا يتساهل في ذلك.
وفيه حلّ الجلوس في الطريق لحاجة.
ومحلّ النهي عنه!! إذا لزم عليه الإيذاء للمارّة.
وقد أخرج أبو نعيم في «الدلائل»؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
[ ٢ / ٥٧٧ ]
وكان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة أقبل عليهم بوجهه فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا..
قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا.. قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا» .
كان رسول الله ﷺ أشدّ النّاس لطفا، والله؛ ما كان يمتنع في غداة باردة من عبد؛ ولا أمة أن يأتيه بالماء فيغسل ﷺ وجهه وذراعيه. وما سأله سائل قطّ إلّا أصغى إليه؛ فلا ينصرف حتّى يكون هو الّذي ينصرف، وما تناول أحد يده قطّ إلّا ناوله إيّاها، فلا ينزعها حتّى يكون هو الّذي ينزعها منه.
قال في «المواهب»: إنّ هذا كلّه من كثرة تواضعه ﷺ، لبروزه للناس وقربه وصبره على المشاقّ لأجل غيره؛ خصوصا امرأة في عقلها شيء. انتهى مع شيء من الشرح.
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»؛ عن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال: (كان ﷺ إذا صلّى بالنّاس الغداة)؛ أي: الصبح (أقبل عليهم بوجهه؛ فقال: «هل فيكم مريض أعوده؟»، فإن قالوا: لا؛ قال: «فهل فيكم جنازة أتبعها؟»، فإن قالوا: لا؛ قال: «من رأى منكم رؤيا يقصّها علينا!») أي: لنعبّرها له، لأنّه محبّ لأصحابه؛ وسيّد العارفين بالتعبير، والمطلوب قصّ الرؤيا على حبيب عارف بالتعبير.
قال الحكيم الترمذيّ: كان شأن الرؤيا عنده عظيما؛ فلذلك كان يسأل عنها كلّ يوم، وذلك من إخبار الملكوت من الغيب، ولهم في ذلك نفع في أمر دينهم؛ بشرى كانت؛ أو نذارة؛ أو معاتبة. انتهى.
وقال القرطبيّ: إنّما كان يسألهم عن ذلك؟!! لما كانوا عليه من الصلاح والصدق، وعلم أنّ رؤياهم صحيحة؛ يستفاد منها الاطلاع على كثير من علم الغيب، وليسن لهم الاعتناء بالرؤيا والتشوّق لفوائدها، ويعلّمهم كيفية التعبير، وليستكثر من الاطلاع على الغيب.
[ ٢ / ٥٧٨ ]
وكان ﷺ يجلس على الأرض، ويأكل على الأرض،
وقال ابن حجر: فيه أنّه يسنّ قصّ الرؤيا بعد الصبح، وبعد الانصراف من الصلاة.
وأخرج الطبرانيّ والبيهقيّ في «الدلائل»: كان ﵊ إذا صلى الصبح قال: «هل رأى أحد منكم شيئا» فإذا قال رجل: أنا؛ قال: «خيرا تلقاه وشرّا توقاه، وخيرا لنا وشرّا لأعدائنا. والحمد لله ربّ العالمين؛ اقصص رؤياك..» . الحديث وسنده ضعيف جدّا.
قال ابن حجر: في الحديث ١- إشارة إلى ردّ ما أخرجه عبد الرزاق؛ عن معمر؛ عن سعيد بن عبد الرحمن، عن بعض علمائهم: ولا تقصص رؤياك على امرأة، ولا تخبر بها حتّى تطلع الشّمس. ٢- وردّ على من قال من أهل التعبير:
يستحبّ أن يكون تفسير الرّؤيا بعد طلوع الشمس! إلى الرابعة، ومن العصر إلى قبيل المغرب. فإنّ الحديث دلّ على ندب تعبيرها قبل طلوع الشمس! ولا يصحّ قولهم بكراهة تعبيرها في أوقات كراهة الصلاة.
قال المهلّب: تعبير الرؤيا بعد الصبح أولى من جميع الأوقات؛ لحفظ صاحبها لها، لقرب عهده بها، وقلّ ما يعرض له نسيانها، ولحضور ذهن العابر، وقلّة شغله فيما يفكره فيما يتعلّق بمعاشه؛ ليعرض الرائي ما يعرض له بسبب رؤيا. انتهى «مناوي» .
(و) أخرج الطبرانيّ في «الكبير» بإسناد حسن؛ عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
(كان) رسول الله (ﷺ يجلس على الأرض) أي: من غير حائل بل يباشر التراب، (ويأكل على الأرض) أي: من غير مائدة ولا خوان، إشارة إلى طلب التساهل في أمر الظاهر، وصرف الهمّ إلى عمارة الباطن وتطهير القلوب، وتأسّى به أكابر صحبه؛ فكانوا يصلّون على الأرض في المساجد، ويمشون حفاة في الطرقات، ولا يجعلون غالبا بينهم وبين التراب حاجزا في مضاجعهم.
[ ٢ / ٥٧٩ ]
ويعتقل الشّاة، ويجيب دعوة المملوك على خبز الشّعير.
وكان ﷺ يعود مرضى المساكين
قال الإمام الغزاليّ: وقد انتهت النوبة الآن إلى طائفة يسمّون الرعونة «نظافة»، ويقولون: هي مبنى الدين. فأكثر أوقاتهم في تزيين الظاهر؛ كفعل الماشطة لعروسها والباطن خراب، ولا يستنكرون ذلك، ولو مشى أحدهم على الأرض حافيا؛ أو صلّى عليها بغير سجادة مفروشة أقاموا عليه القيامة، وشدّدوا عليه النكير، ولقّبوه ب «القذر» وأخرجوه من زمرتهم، واستنكفوا عن مخالطته؛ فقد صار المعروف منكرا، والمنكر معروفا. انتهى. ذكره المناوي.
وهذا في زمان الغزاليّ؛ فكيف لو رأى زماننا، ورأى ما فيه من اعتناء الناس بإصلاح الظواهر؟! خصوصا الشباب، فإنّ الواحد منهم يحسّن نفسه ويمشط رأسه ويلبس الملابس الرقيقة الشفّافة؛ أو الملساء البرّاقة، حتّى يصير أشبه بالبنت في الميوعة والتكسّر، تكاد تكون ذهبت منه الرجولة؟! فلا حول ولا قوّة إلّا بالله العزيز الحكيم.
(ويعتقل الشّاة) قال المناوي: أي: يجعل رجليه بين قوائمها ليحلبها؛ إرشادا إلى التواضع وترك الترفّع. (ويجيب دعوة المملوك) يحتمل أنّ المراد إذا أمره سيّده بذلك، لأن المملوك يمتنع عليه الإطعام من مال سيده بغير إذنه (على خبز الشّعير) زاد في رواية: والإهالة السنخة: أي الدّهن المتغيّر الريح.
وعلمه ذلك؛ إمّا بإخبار الداعي، أو للعلم بفقره ورثاثة حاله، أو مشاهدة غالب مأكوله ونحو ذلك من القرائن الحاليّة، فكان لا يمنعه ذلك من إجابته؛ وإن كان حقيرا، وهذا من كمال تواضعه ومزيد براءته من سائر صنوف الكبر وأنواع الترفع. انتهى «مناوي» .
(و) «في كشف الغمّة»: (كان ﷺ يعود مرضى المساكين)؛ جمع مسكين بكسر الميم وفتحها؛ مأخوذ من السكون، ويكون بمعنى المتذلّل الخاضع، ومنه
[ ٢ / ٥٨٠ ]
الّذين لا يؤبه لهم، ويخدمهم بنفسه ﷺ، وكان ﷺ يجيب من دعاه؛ من غنيّ أو فقير أو شريف، ولا يحتقر أحدا.
وكان ﷺ يجيب إلى الوليمة، ويشهد الجنائز.
قوله ﷺ: «اللهمّ أحيني مسكينا وأمتني مسكينا»، ولا يجوز أن يطلق على النبي ﷺ أنّه «فقير» أو «مسكين»، وإن أطلقه على نفسه الشريفة.
(الّذين لا يؤبه) أي: لا يفطن (لهم، ويخدمهم بنفسه) الشريفة، أي:
يباشر خدمتهم بنفسه (ﷺ)؛ تواضعا منه.
(وكان ﷺ يجيب من دعاه، من غنيّ أو فقير أو شريف) أو وضيع، جبرا لخاطره وتواضعا مع ربّه.
(ولا يحتقر أحدا)؛ امتثالا لأمره سبحانه بقوله وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) [الشعراء] .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان ﷺ يجيب إلى الوليمة)؛ وهي طعام العرس، وسيأتي حديث «لو دعيت إلى كراع لأجبت» . وفي «الأوسط» للطبرانيّ؛ من حديث ابن عبّاس: كان الرّجل من أهل العوالي ليدعو رسول الله ﷺ بنصف الليل على خبز الشعير فيجيب، وإسناده ضعيف.
(ويشهد الجنائز)؛ أي: يحضرها للصلاة عليها، ودفنها؛ هبها لشريف أو وضيع.
روى الترمذي، وابن ماجه وضعّفه، والحاكم وصحّحه؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه قال:
كان يعود المريض ويشهد الجنائز. ورواه الحاكم؛ من حديث سهل بن حنيف. وقال: صحيح الإسناد.
[ ٢ / ٥٨١ ]
وكان ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم، ويعود مرضاهم، ويشهد جنائزهم.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يعود المرضى،
وفي «الصحيحين» وغيرهما عدّة أحاديث في عيادته ﷺ للمرضى وشهوده الجنائز؛
منها حديث جابر: مرضت فأتاني النبي ﷺ يعودني وأبو بكر ﵁؛ وهما ماشيان الحديث. وقد أخرجه أبو داود. فيتأكّد لأمّته التأسّي به.
وآثر قوم العزلة ففاتهم بها خيرات كثيرة؛ وإن حصل لهم منها خير كثير. ولتشييع الجنازة آداب مبيّنة في كتب الفروع، وسيأتي ذلك في حديث «الشمائل»، وغيرها.
(و) أخرج أبو يعلى والطبرانيّ في «الكبير»، والحاكم، عن سهل بن حنيف- بالتصغير- قال في العزيزي: وهو حديث صحيح
(كان) رسول الله (ﷺ يأتي ضعفاء المسلمين ويزورهم) في مواطنهم؛ تلطّفا بهم وإيناسا لهم، (ويعود مرضاهم)؛ أيّ مريض كان؛ حرا أو عبدا، شريفا أو وضيعا. وكان يدنو من المريض ويجلس عند رأسه، ويسأله كيف حاله.
وجاء في فضيلة العيادة أحاديث كثيرة، ولها آداب مبيّنة في محلّها، وللعلامة ابن حجر الهيتمي كتاب «الإفادة في ما جاء في المرضى والعيادة» رسالة مفيدة جدّا، ولم تكن عندي حال الكتابة حتّى أنقل من فوائدها شيئا أتحف به القرّاء.
(ويشهد جنائزهم) أي: للصلاة والدفن، وهو فرض كفاية، وكان إذا شيّع جنازة علا كربه، وأقلّ الكلام، وأكثر حديث نفسه. رواه الحاكم في «الكنى»؛ عن عمران بن حصين رضي الله تعالى عنهما.
(و) أخرج أبو داود، والبيهقيّ، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-؛ (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ يعود المرضى)؛
[ ٢ / ٥٨٢ ]
ويشهد الجنائز ويركب الحمار،
الشريف والوضيع، والحرّ والعبد؛ حتّى لقد عاد غلاما يهوديا كان يخدمه؛ فقعد عند رأسه؛ فقال له: «أسلم» فنظر إلى أبيه. فقال له: أطع أبا القاسم. فأسلم، فخرج ﷺ وهو يقول: «الحمد لله الّذي أنقذه من النّار» .
رواه البخاريّ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
وعاد عمّه أبا طالب؛ وهو مشرك، وعرض عليه الإسلام. وقصّته في «الصحيحين» .
وعدّت العيادة تواضعا؛ مع أنّ فيها رضا الله تعالى وحيازة الثواب؛ ففي الترمذيّ وحسّنه مرفوعا: «من عاد مريضا؛ ناداه مناد طبت وطاب ممشاك، وتبوّأت من الجنّة منزلا» . ولأبي داود: «من توضّأ فأحسن الوضوء؛ وعاد أخاه المسلم محتسبا بوعد من جهنّم سبعين خريفا..» إلى غير ذلك!!!
لما فيها من خروج الإنسان عن مقتضى جاهه وتنزّهه عن مرتبته إلى ما دون ذلك.
وكان ﷺ يدنو من المريض ويجلس عند رأسه ويسأل عن حاله؛ ويقول:
«كيف تجدك!!» أو «كيف أصبحت»، أو «كيف أمسيت»، أو «كيف هو»، ويقول: «لا بأس عليك، طهور إن شاء الله تعالى»، أو «كفّارة وطهور» .
وقد يضع يده على المكان الذي يألم؛ ثم يقول: «باسم الله أرقيك من كلّ داء يؤذيك، الله يشفيك» . انتهى ذكره العلامة ملا علي قاري في «جمع الوسائل» .
([ويشهد الجنائز]، ويركب الحمار)؛ بل عريانا أحيانا؛ مع قدرته على غيره من الناقة والفرس والجمل، وربما كان يردف أحدا معه؛ كما سيأتي.
وتأسّى به في ذلك أكابر السلف أخرج ابن عساكر أنّ سالم بن عبد الله بن
[ ٢ / ٥٨٣ ]
ويجيب دعوة العبد.
وكان يوم بني قريظة على حمار مخطوم بحبل من ليف وعليه إكاف.
عمر كان له حمار هرم، فنهاه بنوه عن ركوبه فأبى، فجدعوا أذنه، فأبى أن يدعه وركبه، فجدعوا الآخرى، فركبه فقطعوا ذنبه؛ فصار يركبه مجدوع الأذنين مقطوع الذنب.
قال الباجوري: وقد كان أكابر العلماء قبل زماننا هذا يركبون الحمير، واطّردت عادتهم الآن بركوب البغال. انتهى.
والآن مع ظهور هذه المخترعات الحديثة كالسيارات والطيارات؛ اكتفى النّاس بها وتركوا ركوب الدّواب إلّا قليلا.
(ويجيب دعوة العبد) وفي رواية: المملوك، فيجيبه لأمر يدعوه له؛ من ضيافة وغيرها. وروى ابن سعد: كان يقعد على الأرض، ويأكل على الأرض، ويجيب دعوة المملوك. وهذا من مزيد تواضعه ﷺ وبراءته من جميع أنواع الكبر، ولله درّ الحافظ العراقي حيث يقول:
يردف خلفه على الحمار على إكاف غير ذي استكبار
يمشي بلا نعل ولا خفّ إلى عيادة المريض حوله الملا
(وكان) راكبا (يوم بني قريظة)، وفي رواية لأبي الشيخ: يوم خيبر ويوم قريظة والنضير، وبنو قريظة- بصيغة التصغير، والقاف والراء المهملة والظاء المشالة، ثمّ [تاء التأنيث]-: قوم من اليهود بقرب المدينة، أي: يوم الذهاب إليهم لحربهم، وكان ذلك عقب الخندق (على حمار مخطوم) في أنفه (بحبل)؛ أي: مجعول له خطام- بكسر الخاء المعجمة- وهو: الزمام (من ليف) - بكسر اللام والفاء آخره- بشيء يتّخذ من النخل، ويفتل حبالا. (وعليه) أي: الحمار (إكاف) - بكسر الهمزة وكاف وألف وفاء آخره؛ بزنة كتاب، و[أكاف] بضمّ
[ ٢ / ٥٨٤ ]
و(الخطام): الزّمام. و(الإكاف): البرذعة.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه: كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير
كغراب، ويقال: وكاف- بالواو- وهو: رحل يوضع على ظهر الحمار للركوب عليه يسمّى في بعض البلدان ب «البرذعة» . وبعضهم يسمّيه «الشّدّ»؛ وهو لذوات الحافر بمنزلة السّرج للفرس.
وهذا نهاية التّواضع، وأيّ تواضع!! وقد ظهر له ﷺ من نصر الله عليهم، والظفر بهم، وبأموالهم ما هو معروف.
وفيه أنّ ركوب الحمار ممّن له منصب شريف لا يخلّ بمروءته.
وروى النسائيّ، وابن حبّان؛ عن ابن مسعود: أنّهم كانوا يوم بدر كلّ ثلاثة على بعير، فكان أبو لبابة وعليّ زميلي رسول الله ﷺ، فكان إذا جاءت عقبته؛ قالا: نحن نمشي عنك، فيقول: «ما أنتما بأقوى مني، وما أنا بأغنى عن الآخرة منكما» انتهى مناوي على «الشمائل» .
(والخطام) - بخاء معجمة وطاء مهملة- وهو: (الزّمام) الذي تقاد به الدابّة، (والإكاف) - بكسر الهمزة وكاف؛ آخره فاء؛ بزنة كتاب- هو (البرذعة) - بالذال والدال- وهي: حلس تجعل تحت الرّحل، والجمع البراذع؛ هذا هو الأصل، وفي عرف زماننا: هي للحمار ما يركب عليه؛ بمنزلة السّرج للفرس، والرحل للبعير، وهذه البرذعة التي يركب عليها يسمّيها بعضهم بهذا الاسم؛ أعني برذعة، وبعضهم يسميّها: «الشدّ» - بالشين المعجمة والدال المهملة-، ويخصّ اسم البرذعة بما تحت الشدّ، فيجتمع على ظهر الحمار شيئين الشدّ؛ وهو ما يركب عليه والبرذعة: وهي ما تحت الشدّ على هذا القول الأخير. والله أعلم.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»، وابن ماجه في «سننه» - واللفظ ل «الشمائل» -؛ (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه:
كان النّبيّ ﷺ يدعى إلى خبز الشّعير.
[ ٢ / ٥٨٥ ]
والإهالة السّنخة، فيجيب، ولقد كان له درع عند يهوديّ فما وجد ما يفكّها حتّى مات.
والإهالة: السّنخة) - بفتح السين وكسر النون؛ فالخاء المعجمة- أي: الدّهن المتغيّر الريح من طول المكث. ويقال الزّنخة- بالزاي بدل السين-.
ويؤخذ من ذلك جواز أكل المنتن من لحم وغيره؛ حيث لا ضرر.
(فيجيب) دعوة من دعاه، (ولقد كان له درع) - بكسر الدال المهملة- زاد البخاريّ: من حديد. وفي نسخة من «الشمائل»: كانت بالتأنيث وهي أولى، لأن درع الحديد مؤنّثة، لكن أجاز بعضهم فيه التّذكير.
وهذه الدرع هي «ذات الفضول» التي أرسل بها إليه سعد بن عبادة- كما قاله ابن القيّم- رهنها ﷺ (عند يهوديّ) هو أبو الشحم؛ في ثلاثين صاعا من شعير؛ كما رواه البخاريّ، وأحمد، وابن ماجه، والطبرانيّ وغيرهم.
وفي عشرين صاعا من طعام أخذه لأهله؛ كما قاله الترمذيّ في «الجامع»، والنسائي في «سننه» .
وجمع بينهما بأنّه أخذ أوّلا عشرين؛ ثم عشرة! أو لعلّها كانت دون ثلاثين وفوق العشرين، فمن قال «ثلاثين) جبر الكسر، ومن قال «عشرين) ألغاه.
وهل هذه العشرون اشتراها منه، أو اقترضها منه!؟ قولان في ذلك، وكان الشراء إلى أجل سنة؛ كما في البخاري. وإنّما عامل ﷺ اليهوديّ ورهن عنده؛ دون الصحابة؟! لبيان جواز معاملة اليهود وجواز الرهن بالدّين؛ حتى في الحضر، وإن كان القرآن مقيّدا بالسّفر!! لكونه الغالب، ولأن الصحابة رضي الله تعالى عنهم لا يأخذون منه رهنا، ولا يتقاضون منه ثمنا، فعدل إلى اليهودي لذلك.
(فما وجد ما يفكّها) - بضم الفاء وتشديد الكاف- أي: يخلّصها (حتّى مات) وافتكّها بعده أبو بكر وسلّمها إلى عليّ.
لكن روى ابن سعد؛ عن جابر أنّ أبا بكر قضى عداته، وأنّ عليّا قضى ديونه.
[ ٢ / ٥٨٦ ]
و(الإهالة السّنخة) وفي رواية: الزّنخة؛ هي: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث.
وعن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: «لو أهدي إليّ كراع.. لقبلت،
وفي ذلك بيان ما كان عليه ﷺ من الزهد والتقلّل من الدنيا والكرم الذي ألجأه إلى رهن درعه. وحديث «نفس المؤمن مرهونة بدينه حتّى يقضى عنه» !! مقيّد بمن لم يخلّف وفاء، مع أنّه في غير الأنبياء. انتهى باجوري، و«جمع الوسائل» .
(والإهالة) - بكسر الهمزة وتخفيف الهاء ولام- (: السّنخة) - بفتح السين المهملة وكسر النون وفتح الخاء المعجمة وهاء آخره-.
(- وفي رواية: الزّنخة-) بزاي بدل السّين. قال الزمخشريّ: سنخ وزنخ إذا تغيّر وفسد، والأصل السين، والزّاي بدله.
(هي) أي الإهالة السّنخة (: الدّهن المتغيّر الرّيح من طول المكث) يقال:
سنخ الدهن وزنخ إذا تغيّر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل»؛ (عن أنس أيضا رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله ﷺ: لو أهدي) - بصيغة المجهول- أي: لو أرسل هديّة (إليّ كراع) - بضم الكاف؛ كغراب: ما دون الكعب من الدوابّ، وقيل: مستدقّ الساق من الغنم والبقر، يذكّر ويؤنّث، والجمع: أكرع؛ ثم أكارع. وفي المثل «أعطي العبد كراعا؛ فطلب ذراعا»؛ لأنّ الذراع في اليد والكراع في الرجل، والذّراع خير من الكراع.
(لقبلت)، ولم أردّه على المهدي؛ وإن كان حقيرا، جبرا لخاطره ليحصل التحابب والتالف، فإنّ الردّ يحدث النّفور والعداوة، فيندب قبول الهديّة؛ ولو لشيء قليل.
[ ٢ / ٥٨٧ ]
ولو دعيت عليه.. لأجبت» .
(ولو دعيت) بصيغة المجهول (عليه) أي: إليه- كما في نسخة من «الشمائل» - أي: لو دعاني إنسان إلى ضيافة كراع غنم (لأجبت») أي: الداعي ولم أتكبّر، لا على داع؛ ولو كان حقيرا، ولا على مدعوّ إليه؛ ولو كان صغيرا، لأن القصد من الإجابة تأليف الداعي؛ وزيادة المحبة. وعدم الإجابة يقتضي النّفرة؛ وعدم المحبّة، فيندب إجابة الدعوة؛ ولو لشيء قليل.
وفيه حسن خلق المصطفى ﷺ وحسن تواضعه، وجبره للقلوب بإجابة الداعي، وإن قلّ الطعام المدعوّ إليه جدا، والحثّ على المواصلة والتّحابب.
وفي «الجامع الصغير» إنّ هذا الحديث بهذا اللفظ رواه الإمام أحمد، والترمذيّ، وابن حبان؛ عن أنس.
قال المناوي في «شرح الجامع»: ورواه البخاريّ؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه في مواضع من «النكاح» وغيره؛ بلفظ: «لو دعيت إلى كراع لأجبت، ولو أهدي إليّ ذراع لقبلت» .
وقال المناوي في «شرح الشمائل»: قال الحافظ ابن حجر: زعم بعضهم ١- أنّ المراد بالكراع المكان المعروف ب «كراع الغميم» محلّ بين الحرمين، و٢- أنّه أطلق ذلك مبالغة في الإجابة؛ ولو بعد المكان، لكن الإجابة مع حقارة الشيء أبلغ في المراد.
وذهب الجمهور إلى أنّ المراد كراع الشاة!! قال: وحديث «الشمائل» يؤيّده. انتهى.
وقال في «شرح الجامع الصغير»: قال ابن حجر: وأغرب في «الإحياء» فذكر الحديث بلفظ «كراع الغنم» !! ولا أصل لهذه الزيادة. انتهى.
[ ٢ / ٥٨٨ ]
وعنه أيضا قال: حجّ رسول الله ﷺ على رحل رثّ، وعليه قطيفة لا تساوي أربعة دراهم، فقال: «اللهمّ؛ اجعله حجّا لا رياء فيه ولا سمعة» .
(و) أخرج ابن ماجه، والترمذيّ في «الشمائل» واللفظ له- بسند ضعيف، وله شاهد ضعيف؛ ذكره في «جمع الوسائل» - وكذا أخرجه البيهقيّ: كلهم؛
(عنه) أي: أنس بن مالك (أيضا) رضي الله [تعالى] عنه (قال: حجّ رسول الله ﷺ) بعد الهجرة في حجّة الوداع (على رحل) أي: قتب (رثّ) - بفتح الراء المهملة وتشديد المثلاثة- أي: خلق بال، والرّحل للجمل كالسّرج للفرس، أي:
حال كونه ﷺ راكبا على قتب بال، (وعليه) أي: الرّحل، كما هو أنسب بالسياق.
ويؤيده قوله في رواية أخرى «على رحل وقطيفة» فأفادت أنّ ضمير «عليه» ليس للمصطفى [ﷺ] . (قطيفة) أي: كساء من صوف له خمل، وهو: هدب القطيفة، أي: الخيوط التي بطرفه المرسلة من السّدى من غير لحمة عليها (لا تساوي) أي: لا يبلغ مقدار ثمنها (أربعة دراهم)، لأنه في أعظم مواطن التواضع، لا سيّما والحجّ حالة تجرّد وإقلاع، وخروج عن المواطن سفرا إلى الله!! ألا ترى ما فيه من الإحرام!! ومعناه: إحرام النفس من الملابس؛ تشبيها بالفارّين إلى الله، ومن الوقوف الذي يتذكّر به الوقوف بين يدي الله تعالى، فكان التواضع في هذا المقام من أعظم المحاسن، لأن الحجّ من أعظم شعائره التواضع وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، ومنع النفس من التلذّذ والملابس؛
(فقال: «اللهمّ؛ اجعله) أي: اجعل حجّي هذا (حجّا) - بفتح الحاء وكسرها- (لا رياء فيه) الرياء: العمل لغرض مذموم؛ كأن يعمل ليراه الناس.
(ولا سمعة») - بضمّ السين، فسكون الميم- وهي: أن يعمل العمل وحده، ثم يتحدّث بذلك ليسمع الناس ويصير مشهورا به؛ فيكرم ويعظم جاهه في قلوبهم.
وفي الحديث: «من راءى راءى الله به، ومن سمّع سمّع الله به»، فتضرّع ﷺ إلى
[ ٢ / ٥٨٩ ]
و(القطيفة): كساء له خمل.
هذا.. وقد فتحت عليه الأرض، وأهدى في حجّه ذلك مئة بدنة.
ولمّا فتحت عليه مكّة
الله وسأله عدم الرّياء والسمعة مع كمال بعده عنهما؛ تخشّعا، وتذلّلا، وعدّا لنفسه كواحد من الآحاد، وهذا من عظيم تواضعه، إذ لا تتطرّق السمعة إلّا لمن حجّ على المراكب النفيسة، والملابس الفاخرة، والأغشية المحبّرة، والأكواب المفضّضة إلى غير ذلك مما هو مكروه كما يفعله أهل زماننا؛ لا سيّما علماؤنا!!.
هذا؛ مع أنّه ﷺ أهدى في هذه الحجة مائة بدنة، وأهدى أصحابه ما لا يسمح به أحد، ومنهم سيّدنا عمر بن الخطاب أهدى فيما أهدى بعيرا أعطي فيه ثلثمائة دينار فأبى قبولها. انتهى من المناوي على «الشمائل» .
(والقطيفة) - بقاف مفتوحة فطاء مهملة؛ فمثنّاة تحتيّة ففاء فهاء آخره؛ بزنة:
الصّحيفة- (: كساء) من صوف (له خمل) - بفتح الخاء المعجمة وإسكان الميم؛ بزنة فلس- وهو: هدب القطيفة، أي: الخيوط التي بطرفه المرسلة من السّدى من غير لحمة عليها.
(هذا) أي: فعله ﷺ هذا واختياره رثّ الثياب والمركب؛ (و) الحال أنّه (قد فتحت عليه الأرض)، وألقت أفلاذها من ذهب وغيره (وأهدى) كما روى مسلم عنه (في حجّه ذلك) عام حجة الوداع (مائة بدنة) أي: ناقة تقرّبا إلى الله تعالى، وإرشادا لمن يقتدي به، وإيماء إلى أن ترك تكلّفه في ثوبه ومركوبه لم يكن عن عجز وافتقار به، وقد نقل أنه ﷺ نحر بيده الكريمة ثلاثا وستين بقدر سنيّ عمره، وأمر عليّا كرّم الله وجهه بنحر البقية في يومه.
(ولمّا فتحت عليه مكّة) في شهر رمضان الكريم لتسع عشرة ليلة خلت منه؛
[ ٢ / ٥٩٠ ]
ودخلها بجيوش المسلمين.. طأطأ على رحله رأسه حتّى كاد يمسّ قادمته؛ تواضعا لله تعالى.
وكان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا،
فيما رواه ابن إسحاق والبيهقيّ؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها، والحاكم، والبيهقيّ، وأبو يعلي؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه أنّه ﷺ لمّا فتحت عليه مكّة (ودخلها بجيوش المسلمين) وعددهم!! قيل: ثمانية آلاف، وقيل: عشرة آلاف، وقيل: اثنا عشر ألفا (طأطأ) - بهمزتين أولاهما ساكنة وثانيهما مفتوحة- أي: خفض وأرخى (على رحله رأسه) مفعول «طأطأ» (حتّى كاد)؛ أي:
قارب ﷺ (يمسّ) - بفتح الميم- كقوله تعالى لا يَمَسُّهُ [٧٩/ الواقعة] أي: يصيب برأسه، أو قارب رأسه أن يمسّ (قادمته)؛ أي: مقدّمة رحله، لأنّ الرحل له مقدّم ومؤخّر مرتفع عن محل الراكب، وفيها لغات: قادم، وقادمة، ومقدّم، ومقدمة؛ بكسر الدال مخففة، و[مقدّمة] فتحها مشدّدة- وكذا آخره الرّحل (تواضعا لله تعالى)؛ مفعول لأجله، وفيه إيماء إلى ما يشير إليه قوله تعالى وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) [البقرة] أي: متواضعين، لا متكبرين؛ كالجبارين.
ومن تواضعه ﷺ أن ركب الجمل؛ دون الفرس وعلى رأسه مغفر فوقه عمامة سوداء، وأردف خلفه أسامة رضي الله تعالى عنه- كما سيأتي-.
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان ﷺ يركب ما يمكنه، فمرّة فرسا) . روى الشيخان؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه ركوبه ﷺ فرسا لأبي طلحة؛ وسيأتي.
ولمسلم؛ من حديث سمرة ركوبه الفرس عريا حين انصرف من جنازة ابن الدّحداح،
ولمسلم؛ من حديث سعد: كان للنبي ﷺ فرس يقال له «اللّحيف» .
[ ٢ / ٥٩١ ]
ومرّة بعيرا، ومرّة بغلة، ومرّة حمارا، ومرّة يمشي راجلا حافيا، بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة.
وكان ﷺ يركب الحمار عريا، ليس عليه شيء.
وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة، وعريانة أخرى،
(ومرّة) يركب (بعيرا) . روى الشيخان؛ من حديث البراء، ومن حديث ابن عبّاس: طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على بعير.
(ومرّة) يركب (بغلة) . روى الشيخان؛ من حديث البراء: رأيت النبي ﷺ على بغلته البيضاء يوم حنين.
(ومرّة) يركب (حمارا) . روى الشيخان؛ من حديث أسامة أنّه ﷺ ركب على حمار إكاف الحديث.
(ومرّة يمشي راجلا)؛ أي: على قدميه (حافيا): أي: بلا نعل (بلا رداء ولا قلنسوة، ليعود المرضى في أقصى المدينة) .
روى الشيخان؛ من حديث ابن عمر كان يأتي قباء راكبا وماشيا.
وروى مسلم؛ من حديث ابن عمر في عيادته ﷺ لسعد بن عبادة، فقام وقمنا معه؛ ونحن بضعة عشر: ما علينا نعال؛ ولا خفاف؛ ولا قلانس؛ ولا قمص نمشي في السّباخ.
(وكان ﷺ) فيما رواه ابن سعد في «طبقاته»؛ عن حمزة بن عبد الله بن عتبة مرسلا (يركب الحمار عريا) - بضمّ العين المهملة، وإسكان الراء- أي: (ليس عليه شيء) مما يشدّ على ظهره: من نحو إكاف وبرذعة؛ تواضعا، وهضما لنفسه وتعليما وإرشادا. قال ابن القيم: لكن كان أكثر مراكبه الخيل والإبل. انتهى «مناوي» .
(وركب ﷺ الفرس مسرجة تارة)؛ وهو الغالب من أحواله ﷺ (وعريانة) أي: بلا إكاف تارة (أخرى)؛ وهو قليل، واستعمال عريانة وصفا للفرس! غير
[ ٢ / ٥٩٢ ]
وكان يجري بها في بعض الأحيان.
وكان ﷺ يخرج إلى العيد ماشيا، ويرجع ماشيا.
وكان ﷺ يتوكّأ إذا مشى.
وعن جابر رضي الله تعالى عنه قال: جاءني رسول الله ﷺ ليس براكب بغل ولا برذون.
معروف، فإنّ الذي صرّح به أهل اللغة أنّه لا يقال فرس عريان؛ كما لا يقال رجل عري.
(وكان يجري بها في بعض الأحيان) رواه الشيخان؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه قال: فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق ناس قبل الصوت فتلقّاهم رسول الله ﷺ راجعا قد سبقهم إلى الصوت، واستبرأ الخبر على فرس لأبي طلحة عري، والسيف في عنقه؛ وهو يقول: «لن تراعوا» . وفي رواية: فلما رجع؛ قال: «ما رأينا من شيء؛ وإن وجدناه لبحرا» . أي: واسع الجري.
(و) أخرج ابن ماجه؛ عن ابن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما قال:
(كان ﷺ يخرج إلى العيد) أي: صلاته (ماشيا)؛ لا راكبا، (ويرجع ماشيا) في طريق آخر ليسلّم على أهل الطريقين، وليتبرّكا به، وليقضي حاجتهما وليظهر الشّعار فيهما، وليغيظ منافقيها، فتخالف الطريق لذلك ولغيره من الحكم التي لا يخلو فعله عنها، ولأنّ الطريقين يشهدان له، ففيه تكثير الشهود، وقد ندب المشي إلى الصلاة؛ تكثيرا للأجر. (و) في «كنوز الحقائق» للمناوي (كان ﷺ يتوكّأ إذا مشى) رمز له ابن عساكر.
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الشمائل»؛- واللفظ لها-.
(عن جابر رضي الله تعالى عنه؛ قال: جاءني رسول الله ﷺ) يعودني؛ كما في رواية أبي داود (ليس براكب بغل ولا برذون)، بل كان على رجليه ماشيا، كما
[ ٢ / ٥٩٣ ]
وكان ﷺ يردف خلفه عبده أو غيره،
صرّحت به رواية البخاريّ وغيره؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه: أتاني رسول الله ﷺ يعودني، وأبو بكر وهما ماشيان، فكان ﷺ لتواضعه يدور على أصحابه ماشيا.
والمراد أنّ الركوب ليس عادة مستمرّة له، فلا ينافي أنّه ركب في بعض المرّات.
والبرذون- بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح الذال المعجمة- هو: الفرس الأعجميّ، وهو أصبر من العربيّ، وفي «المغرب»: هو التركيّ من الخيل، والجمع البراذين وخلافها العراب، والأنثى برذونة. انتهى «باجوري، وجمع الوسائل» .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمّة»: (كان ﷺ يردف) - بضمّ التحتية- (خلفه عبده أو غيره)؛ ذكرا كان أو أنثى، صغيرا أو كبيرا.
قال الخفاجي في «نسيم الرياض؛ شرح شفاء القاضي عياض»: ذكروا أنّ جميع من أردفه النبي ﷺ على فرس؛ أو غيره في سفره وحضره بلغ أربعين:
وهم ١- أبو بكر الصديق في الهجرة ﵁، و٢- عثمان بن عفان ﵁؛ راجعا من بدر. و٣- علي كرّم الله وجهه؛ في حجة الوداع، و٤- أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما؛ مرجعه من عرفة. و٥- عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما بين يديه، وأسباطه الثلاثة: ٦- الحسين، و٧- الحسن، و٨- علي بن أبي العاص؛ مع: ٩/ ١٠- غلامين من بني هاشم، وأولاد عبّاس الأربعة: ١١- عبد الله، و١٢- عبيد الله، و١٣- الفضل، و١٤- قثم، و١٥- معاوية ﵁، و١٦- معاذ بن جبل؛ على عفير.
و١٧- أبو ذرّ، على حمار، و١٨- زيد بن حارثة ﵁، و١٩- ثابت بن الضحاك، و٢٠- الشريد بن سويد ﵁، و٢١- سلمة بن الأكوع،
[ ٢ / ٥٩٤ ]
و٢٢- أبو طلحة الأنصاريّ؛ زوج أم سليم، و٢٣- سهيل بن بيضاء، و٢٤- عبد الله بن الزّبير، و٢٥- غلام مطلبيّ، و٢٦- أسامة بن عمير، و٢٧- صفية بنت حييّ؛ مقدمه من خيبر، و٢٨- أبو الدرداء، و٢٩- آمنة بنت أبي الصلت، و٣٠- أبو إياس، و٣١- أبو هريرة، و٣٢- قيس بن سعد بن عبادة، و٣٣- خوات بن جبير، و٣٤- زيد بن أرقم، و٣٥- أم حبيبة الجهنية ﵂، و٣٦- جابر بن عبد الله، و٣٧- جبريل ﵇؛ على البراق في الإسراء انتهى.
وفي «فتح الباري» للحافظ ابن حجر أنّ الحافظ يحيى بن عبد الوهاب بن الحافظ الكبير أبي عبد الله بن منده أفرد أسماء من أردفه النبي ﷺ في جزء؛ فبلغوا ثلاثين نفسا، وذكر غير الحافظ أنّه بلّغهم نحو الخمسين، وذكر كثيرا منهم العلّامة إبراهيم بن أحمد الخليل الزّبيدي اليمني في «المنهج الأعدل شرح مولد الأهدل» .
قال الخفاجي في «نسيم الرياض»: وزاد ابن منده غير هؤلاء، ونظمهم أبو ذرّ بن موفّق الدين؛ فقال:
وأردافه جمّ غفير فمنهم عليّ وعثمان شريد وجبريل
وأولاد عبّاس ذوو الرّشد والهدى أسامة والدّوسيّ؛ وهو نبيل
معاوية قيس بن سعد صفيّة وسبطاه ماذا عنهم سأقول!؟
معاذ أبو الدّردا صديّ وعقبة وآمنة إن قام ثمّ دليل
كذلك خوّات الظّريف وسبطه عليّ ووجه النّقل فيه جميل
أسامة والصّدّيق ثمّ ابن جعفر وزيد وعبد الله ثمّ سهيل
كذا بنت قيس خولة وابن أكوع وقدرهم في العالمين جليل
كذلك زيد جابر ثمّ ثابت فعن حبّهم والله لست أحول
ثلاثة غلمان وزد معهم أبا إياس وحسبي الله وهو وكيل
وقد شرح هذا النظم العلّامة شيخ الإسلام مفتي الديار اليمنية السيد: محمد بن
[ ٢ / ٥٩٥ ]
أحمد عبد الباري الأهدل المراوعي؛ مؤلف «الكواكب الدريّة شرح متممة الآجرومية» المتوفى سنة: ثمان وتسعين ومائتين وألف هجرية رحمه الله تعالى في رسالة سماها «إتحاف النّجباء الظّراف بمن ثبت لهم من النبي ﷺ الإرداف» .
والفقير مؤلّف هذا الكتاب سيعلّق على هذه الأبيات من الشرح المذكور آنفا:
قوله وأردافه- بفتح الهمزة- جمع: رديف؛ أي الذين أردفهم النبي ﷺ.
وقوله عليّ ذكر حديثه ابن القيّم في «الهدي النبوي»، وذكر أبو داود والنسائي فيه حديثا آخر عن رافع بن عمر المزنيّ ﵁.
وقوله شريد؛ أي: ابن سويد الثقفي أبو عمرو، ذكر حديثه البخاريّ في «الأدب المفرد» عنه.
وقوله وجبريل قال في «الشرح»: صحّ أنّه حمله على البراق رديفا له، وذلك في ليلة الإسراء. ورواه الإمام أحمد بلفظ: على ظهره هو وجبريل حتى انتهيا إلى بيت المقدس. قال ابن حجر المكيّ: وأوّل ذلك بعضهم بما لا حاجة إليه، إذ ركوب جبريل معه لا ينافي كونه في خدمته. انتهى.
وقوله وأولاد عبّاس، فأمّا عبد الله- بالتكبير-!! فروى حديثه الإمام أحمد، والترمذي؛ عنه ﵁. وأمّا عبيد الله- بالتصغير-!! فروى حديثه النسائيّ وغيره. وأمّا الفضل!! فحديثه في «الصحيح»، وكذا قثم حديثه في «الصحيح» أيضا.
قوله أسامة: أي ابن زيد بن حارثة حبّ رسول الله ﷺ روى حديثه الإمام أحمد، والبخاريّ، ومسلم.
وقوله والدوسي؛ يريد أبا هريرة رضي الله تعالى عنه، وقصة إردافه ذكرها المحبّ الطبريّ في «سيرته» . وروى الإمام محمد بن جابر الفقيه في كتاب «الدلائل» له؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: كنت رديف النبي ﷺ؛
[ ٢ / ٥٩٦ ]
فقال: «يا أبا هريرة؛ هلك الأكثرون، إنّ الأكثرين هم الأقلّون يوم القيامة »
وذكر الحديث، وفيه قصّة الجمل الذي كلّمه في الحائط «١» .
قوله معاوية قيس؛ ذكر في الشرح أحاديثهما بغير عزو.
وقوله صفيّة روى حديثهما البخاريّ؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه.
قوله وسبطاه: الحسن والحسين؛ ذكر حديثهما مسلم بن الحجّاج؛ عن سلمة بن الأكوع، وكذلك روى حديثهما مسلم، وأبو داود، والنسائيّ؛ من طريق مورق العجلي، عن عبد الله بن جعفر رضي الله تعالى عنهما.
قوله معاذ؛ أي: ابن جبل، روى حديثه الإمام أحمد والشيخان، والترمذيّ عنه؛ ورواه البزّار بسند رجاله ثقات؛ عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه.
قوله أبو الدرداء؛ ذكر في «الشرح» حديثه بدون عزو.
قوله صدي أي: ابن عجلان أبو أمامة الباهلي ﵁؛ ذكر حديثه في «الشرح» غير معزوّ، ثم قال: وأصله في أبي داود والترمذي وغيرهما.
وقوله عقبة؛ يعني ابن عامر. قال في «الشرح»: لم أقف على قصّة إردافه!! قال: ولم يذكر أحد من علماء الحديث والسّير: أن النبي ﷺ أردف عقبة بن عامر الجهني؛ قاله القسطلّانيّ.
قوله وآمنة- بالنون- قيل: أمّه آمنة بنت وهب؛ وقيل غيرها؛ وهو أقرب لكنه لم يبيّنها في «الشرح» . قال: وبعضهم ضبطه أميّة- بضمّ الهمزة وبالياء التحتية المشدّدة- ويظهر لي أنّه وهم!! وقد جرى على ذلك إبراهيم بن أحمد الخليل في «شرح مولد الأهدل» فقال: وأميّة الغفاري. انتهى
قوله كذلك خوّات؛ أي: ابن جبير الأنصاري ﵁؛ ذكره ابن منده، وقال: كان رديف رسول الله ﷺ لمّا خرج إلى بدر، فردّه من الرّوحاء، لأنّه اشتكى.
_________________
(١) تقدّم، وهو الذي شكا أصحابه لرسول الله ﷺ حتى منعهم عنه.
[ ٢ / ٥٩٧ ]
قوله: وسبطه علي أي: ابن أبي العاص بن الربيع؛ أمّه زينب بنت رسول الله ﷺ؛ ذكر حديثه الزبير بن بكّار، وذكره في «مختصر الاستيعاب» لابن عبد البر.
قوله أسامة؛ أي: ابن عمير الهذلي ﵁، روى حديثه الطبرانيّ برجال الصحيح عنه ﵁.
قوله والصديق؛ أي: أبو بكر الصديق، روى حديثه الإمام أحمد، والبخاريّ وغيرهما؛ عن أنس ﵁.
قوله ابن جعفر- يعني: عبد الله بن جعفر بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهما- روى حديثه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود وغيرهم عنه. ورواه أيضا مسلم والنّسائي وغيرهما.
قوله وزيد؛ أي: ابن حارثة حبّ رسول الله ﷺ، روى حديثه أبو يعلى عنه ﵁.
قوله وعبد الله؛ يعني: ابن الزبير، روى حديثه البخاريّ، ومسلم، والإمام أحمد.
قوله ثم سهيل؛ أي: ابن بيضاء ﵁ ابن وهب بن ربيعة بن هلال، توفي على عهد رسول الله ﷺ. روى حديثه الإمام أحمد والطبرانيّ في «الكبير»، وابن أبي شيبة وغيرهم عنه ﵁.
قوله كذا بنت قيس خولة؛ وهي بنت قيس بن قهد- بالقاف- الأنصاري؛ تكنّى «أمّ محمد» وهي امرأة سيّدنا حمزة ﵁، روى لها البخاريّ والترمذي وغيرهما
قال في «الشرح»؛ ولم أقف على قصّة إردافه لها، ولعلّه في بعض مغازيه!.
قوله وابن أكوع؛ هو سلمة بن عمرو بن وهب بن سنان، وهو الأكوع الأسلمي
[ ٢ / ٥٩٨ ]
﵁، روى حديث إردافه البخاريّ ومسلم عنه.
ورواه أيضا الطبرانيّ بسند رجاله ثقات عنه.
قوله كذلك زيد؛ يعني: ابن ثابت، أو زيد بن أرقم، أو زيد بن سهل؛ أبو طلحة الأنصاري ﵃، إذ كلّ من هؤلاء الثلاثة قد عدّ فيمن أردفه النبيّ ﷺ!! ولم أقف على قصّة إردافه لكلّ منهم!! غير أنّ ذلك مصرّح به في كتب السّير.
قوله جابر؛ يعني: ابن عبد الله رضي الله تعالى عنهما، روى حديثه إبراهيم الحربيّ في «غريبه»، وابن عساكر في «تاريخه»؛ عن جابر رضي الله تعالى عنه.
قوله ثم ثابت؛ يريد: ابن الضحّاك بن خليفة الأنصاري الأشهلي، قال أبو زرعة الرازي: هو من أهل الصّفّة، وممن بايع تحت الشجرة، وكان رديف رسول الله ﷺ يوم الخندق، ودليله إلى حمراء الأسد.
قوله ثلاثة غلمان روى حديثهم البخاريّ في «الصحيح» .
قوله أبا إياس ﵁، روى حديثه ابن منده والحارث بن أبي أسامة عنه ﵁. انتهى.
وهذا آخر التعليق من شرح الأبيات للسيد العلّامة محمد بن أحمد عبد الباري الأهدل رحمه الله تعالى.
ثم رأيت في كتاب «دليل الفالحين شرح رياض الصالحين» للعلامة الشيخ محمد بن علي بن علّان المكّي رحمه الله تعالى ما نصّه:
وقد تتبعت الذين أردفهم النبيّ ﷺ معه على دابّته، فبلغت بهم فوق الأربعين، وجمعتهم في جزء سمّيته «تحفة الأشراف بمعرفة الأرداف»، وقد نظمت اسم جماعة منهم، وأوردته في آخر ذلك الجزء؛ وها هو:
لقد أردف المختار طه جماعة فسنّ لنا الإرداف إن طاق مركب
[ ٢ / ٥٩٩ ]
وتارة يردف خلفه وقدّامه، وهو في الوسط.
ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه، وآخر خلفه.
أبو بكر عثمان عليّ أسامة سهيل سويد جبرائيل المقرّب
صفيّة والسّبطان، ثمّ ابن جعفر معاذ وقيس والشّريد المهذّب
وآمنة مع خولة وابن أكوع وزيد أبو ذرّ سما ذاك جندب
معاوية زيد وخوّات ثابت كذاك أبو الدّرداء في العدّ يكتب
وأبناء عبّاس وابن أسامة صديّ بن عجلان حذيفة صاحب
كذلك جا فيهم أبو هريرة من روى ألوفا من الأخبار تروى وتكتب «١»
وعدّ من الأرداف يا ذا أسامة هو ابن عمير ثمّ عقبة يحسب
وأردف غلمانا ثلاثا كذا أبو إياس وأنثى من غفار تقرّب
وأردف شخصا، ثمّ أردف ثانيا وما سمّيا فيما روي يا مهذّب
أولئك أقوام بقرب نبيّهم لقد شرفوا طوبى لهم يا مقرّب
(وتارة يردف) - بضمّ أوّله؛ من الإرداف- والرّدف والرّديف: الراكب خلف الراكب بإذنه؛ قاله في «المواهب» . (خلفه) أي: من ورائه (وقدّامه) أي:
أمامه، (وهو) ﷺ يكون (في الوسط)، وقد بيّن ذلك في قوله:
(ولمّا قدم ﷺ مكّة استقبله أغيلمة) - تصغير الغلمة: جمع الغلام- وهو شاذّ، والقياس غليمة؛ قاله الكرماني. انتهى «زرقاني»
(بني عبد المطّلب، فحمل واحدا بين يديه وآخر خلفه) . رواه البخاريّ؛ عن عبد الله بن عبّاس، وقد بيّن في رواية أخرى هذين المبهمين، ففي البخاريّ: قال ابن عبّاس أتى رسول الله ﷺ مكّة وقد حمل قثم- بضم القاف وفتح المثلاثة الخفيفة- بين يديه، والفضل خلفه، أو قثم خلفه والفضل بين يديه؟! شكّ الراوي، ففي هذه الرواية الآخرى بيان المبهمين في الرواية الأولى.
_________________
(١) يستقيم الوزن بإبدال (هريرة) إلى (هرّ) .
[ ٢ / ٦٠٠ ]
وعن قيس بن سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنهما
وفيه جواز الإرداف؛ وإن كانوا ثلاثة إذا لم تكن الدابّة ضعيفة لا تطيق ذلك.
وقيل: يكره ما فوق الاثنين؛ قاله الزرقاني على «المواهب» .
(و) أخرج أبو داود؛ وغيره وفيه قصّة طويلة (عن) أبي الفضل (قيس بن سعد بن عبادة) بن دليم بن حارثة بن حرام بن حزيمة- بفتح الحاء المهملة وكسر الزاي- ابن ثعلبة بن طريف بن الخزرج بن ساعدة بن كعب بن الخزرج الأنصاري الخزرجي السّاعدي المدني.
الصحابي بن الصحابي (رضي الله تعالى عنهما) الجواد بن الجواد، وهم أربعة مشهورون بالكرم؛ هو، وأبوه سعد، وجدّه عبادة، وجدّ أبيه دليم.
وكان قيس من فضلاء الصحابة، وأحد دهاة العرب؛ وذوي الرأي الصائب؛ والمكيدة في الحرب والنّجدة، وكان شريف قومه غير مدافع، ومن بيت سيادتهم، وأحد السادات الطّلس- أي: لم يكن في وجهه لحية؛ ولا شعر- وكانت الأنصار تقول: وددنا أن نشتري لقيس لحية بأموالنا!! وكان جميلا، وكان بين يدي رسول الله ﷺ بمنزلة الشّرطيّ من الأمير- يعني: يلي أموره. ذكره النووي في «التهذيب» .
قال الزهري وكان قيس يحمل راية الأنصار مع النبي ﷺ.
وله في جوده أخبار كثيرة مشهورة، ورووا أنّه كان في سريّة فيها أبو بكر وعمر ﵄، فكان يستدين ويطعم النّاس!! فقالا: إن تركناه أهلك مال أبيه!! فهمّا بمنعه، فسمع سعد؛ فقال للنبي ﷺ: من يعذرني منهما؛ يبخّلان عليّ ابني!!
وصحب قيس بعد ذلك عليّا في خلافته؛ وكان معه في حروبه، واستعمله على مصر.
روى عن النبي ﷺ ستّة عشر حديثا؛ روى عنه الشعبيّ، وابن أبي ليلى،
[ ٢ / ٦٠١ ]
قال: زارنا رسول الله ﷺ، فلمّا أراد الانصراف..
قرّب له سعد حمارا وطّأ عليه بقطيفة، فركب ﷺ، ثمّ قال سعد: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ، قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ: «اركب»، فأبيت، فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف»، فانصرفت. وفي رواية أخرى: «اركب أمامي؛ فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها» .
وعمرو بن شرحبيل وغيرهم. وكانت وفاته سنة: ستين. وقيل: قبلها بسنة رحمة الله عليه ورضوانه. آمين.
(قال: زارنا رسول الله ﷺ) على عادته في تفقّد أصحابه. قيل: كان سعد دعاه رجل ليلا فخرج له، فضربه بسيفه، فعاده ﷺ (فلمّا أراد الانصراف قرّب له سعد حمارا) ليركبه (وطّأ) - بشدّ المهملة وهمزة آخره- (عليه بقطيفة)؛ بزنة صحيفة: كساء له خمل ووبر؛ وضعه على ظهر الحمار.
(فركب ﷺ ثمّ قال سعد) لابنه (: يا قيس؛ اصحب رسول الله ﷺ) أي:
كن معه في خدمته.
وفي ذا الحديث أنّه ﷺ جاء على حمار مردفا أسامة خلفه؛ فسعد وهبه الحمار ليركبه وحده؛ ويبقى أسامة على الحمار الذي جاء به.
(قال قيس: فقال لي رسول الله ﷺ: «اركب»، فأبيت) أن أركب تأدّبا معه ﷺ؛ لا مخالفة لأمره.
(فقال: «إمّا أن تركب، وإمّا أن تنصرف»)؛ أي: ترجع ولا تمشي معي، (فانصرفت.
وفي رواية أخرى: «اركب أمامي، فصاحب الدّابّة أولى بمقدّمها») . إذ هو أدرى بسيرها، وسمّاه صاحبا باعتبار ما كان، لأنّه ابن مالكها سعد بن عبادة.
وعند ابن منده: فأرسل ابنه معه ليردّ الحمار، فقال: «أحمله بين يديّ» .
قال: سبحان الله؛ أتحمله بين يديك؟! قال: «نعم، هو أحقّ بصدر حماره» .
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وفي «المواهب»: (عن المحبّ الطّبريّ:
قال: هو لك؛ يا رسول الله. قال: «أحمله إذن خلفي» .
وفي البخاريّ؛ من حديث أنس بن مالك: أقبلنا مع رسول الله ﷺ من خيبر وإنّي لرديف أبي طلحة وهو يسير، وبعض نساء رسول الله ﷺ رديف رسول الله ﷺ إذ عثرت الناقة، فقلت: المرأة!! فقال ﷺ: «إنّها أمّكم» .
فشددت الرّحل وركب رسول الله ﷺ فلما دنا ورأى المدينة؛ قال: «آيبون تائبون عائدون؛ لربّنا حامدون» . انتهى.
والمرأة هي صفيّة بنت حييّ أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
(و) ذكر العلّامة الشهاب القسطلّاني (في «المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمدية»؛ نقلا (عن المحبّ الطّبريّ) في «مختصر السيرة» له؛
وهو الإمام الحافظ القدوة المحدّث الفقيه الشافعي، أبو العباس: أحمد بن عبد الله بن محمد بن أبي بكر محبّ الدين الطّبري، ثم المكيّ شيخ الحرم،
فرع دوحة كبيرة من دوحات الشّرف والرياسة؛ في العلم والحسب، ينتهي نسبهم إلى سيّدنا الحسين السّبط بن عليّ بن أبي طالب ﵁
رسخت أصولهم في «طبرستان»؛ من بلاد العجم في الشرق، وامتدت فروعهم إلى أمّ القرى في بلاد الحجاز، وتوارث هو وبنو أعمامه وأبناؤهم وأحفادهم مناصب التدريس والقضاء، والخطابة وإمامة الحرم المكي نحو ستة قرون.
وكانوا أكثر أصحاب البيوتات بمكّة، حتّى كان الأشراف حكّام مكّة لا يعدلون بهم أحدا في الشرف والصهر والنّسب وكان نساء هذه الأسرة يبارين فحول الرجال في رفع منار العلم والاستباق إلى غايات المجد.
قال المحبيّ في «الخلاصة» «١»: والطبريّون بيت علم وشرف؛ مشهورون في
_________________
(١) خلاصة الأثر.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
مشارق الأرض ومغاربها، وهم أقدم ذوي البيوتات بمكّة، وإنّ أوّل من قدم منهم مكّة الشيخ رضيّ الدين أبو بكر محمّد بن أبي بكر بن علي بن فارس الحسيني الطبري. قيل: سنة سبعين وخمسمائة، أو: في التي بعدها وانقطع بها، وزار النبي ﷺ، وسأل الله عنده أولادا علماء، هداة مرضيين؛ فولد له سبعة أولاد؛ وهم: محمّد، وأحمد، وعلي، وإبراهيم، وإسحاق وإسماعيل، ويعقوب.
وكانوا كلّهم فقهاء علماء مدرّسين. انتهى، ذكره في مواضع متفرقة.
وكان دخول القضاء وإمامة مقام إبراهيم في بيتهم سنة: ثلاث وسبعين وستمائة؛ كما ذكره النجم بن فهد في تاريخه «إتحاف الورى بأخبار أمّ القرى»، والفاسيّ في «العقد الثمين» .
وكان منصب الخطابة قديما ينتقل بمكّة في ثلاثة بيوت: الطبريين، والظهريين، والنّويريين. وبيت الطبريّ أقدمهم في ذلك؛ كما يعلم من كتب التواريخ.
ومن خطباء الطبريين: المحبّ الطّبريّ، والبهاء الطبريّ،
ولبني الطبري مزيد التقوى والورع والصلاح، وتوفّر أسباب الخير والفلاح؛
وكان مولد صاحب الترجمة سنة: خمس عشرة وستمائة، أو: ستّ عشرة.
سمع من أبي الحسن بن المقيّر، وابن الجمّيزي، وشعيب الزعفراني، وعبد الرحمن بن أبي حرمي، وجماعة. وتفقّه ودرّس وأفتى وصنّف.
وكان شيخ الشافعية ومحدّث الحجاز، إماما صالحا، زاهدا كبير الشأن، روى عنه البرزالي، وأبو الحسن العطّار، وولده قاضي مكّة؛
وصنّف التصانيف الجيّدة؛ منها: كتاب «الأحكام» في الحديث، وله «مختصر في الحديث» رتّبه على أبواب الفقه، وكتاب «خلاصة سيرة سيّد البشر، ﷺ»، وكتاب «صفوة القرى في صفة حجة المصطفى ﷺ وطوفه بأمّ القرى»، وكتاب «السّمط الثمين في مناقب أمّهات المؤمنين»، و«القرى
[ ٢ / ٦٠٤ ]
أنّه ﷺ ركب حمارا عريا إلى قباء، وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت يا رسول الله، قال: «اركب»، فوثب أبو هريرة ليركب فلم يقدر، فاستمسك برسول الله ﷺ، فوقعا [جميعا]، ثمّ ركب ﷺ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، قال: ما شئت
لقاصد أمّ القرى»، و«الرياض النّضرة في مناقب العشرة»، و«ذخائر العقبى في مناقب ذوي القربى» .
ومن طالع «العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين» للفاسي علم ما لهم من المناقب، وما اشتملوا عليه من المناصب.
وتوفي في جمادى الأولى سنة: أربع وسبعين وستمائة، أو: أربع وتسعين وستمائة. وقع تحريف في «سبعين»؛ هل هي بتقديم السين!! رحمهم الله تعالى رحمة الأبرار. آمين.
(أنّه ﷺ ركب حمارا عريا) - بضمّ العين وإسكان الرّاء- أي: ليس عليه إكاف، ولا يقال ذلك في الآدمي، إنّما يقال عريان- كما تقدّم قريبا-.
(إلى قبا) - بالضمّ-: موضع بالمدينة، وفيه لغات جمعها القائل:
حرا وقبا أنّث وذكّرهما معا ومدّ أو اقصر واصرفن وامنع الصّرفا
وزدت عليها أخذا من «شرح مسلم» قولي:
وأفصحها التّذكير والصّرف يا فتى مع المدّ فاعلم إنّ ذلك لا يخفى
(وأبو هريرة معه، قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!» . قال: ما شئت) افعله (يا رسول الله. قال: «اركب»، فوثب أبو هريرة ليركب؛ فلم يقدر، فاستمسك) أي: تمسّك وتعلّق (برسول الله ﷺ، فوقعا [جميعا]، ثمّ ركب ﷺ، ثمّ قال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!»، قال:) افعل (ما شئت؛
[ ٢ / ٦٠٥ ]
يا رسول الله، فقال: «اركب»، فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟»، فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ لا رميتك ثالثا.
وذكر الطّبريّ أيضا: أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه بإصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها، وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها، وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ طبخها، فقال رسول الله ﷺ: «عليّ جمع الحطب»، فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل، فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني، ولكن أكره أن أتميّز عليكم،
يا رسول الله! فقال: «اركب» فلم يقدر أبو هريرة على ذلك، فتعلّق برسول الله ﷺ، فوقعا جميعا، فقال: «يا أبا هريرة؛ أأحملك؟!» فقال: لا، والّذي بعثك بالحقّ؛ لا رميتك) أي: لا أرميك (ثالثا) . واستعمل الماضي موضع المضارع، لأنّه قوي عنده أنّه إذا ركب وقعا جميعا أيضا.
(وذكر) المحبّ (الطبريّ أيضا) في الكتاب المذكور (أنّه ﵊ كان في سفر وأمر أصحابه) أي: الجنس (بإصلاح شاة) أي: تهيئتها للأكل.
(فقال رجل: يا رسول الله؛ عليّ ذبحها. وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ سلخها. وقال آخر: يا رسول الله؛ عليّ طبخها. فقال رسول الله ﷺ «عليّ جمع الحطب») من الوادي.
(فقالوا: يا رسول الله؛ نكفيك العمل!! فقال: «قد علمت أنّكم تكفوني) - بحذف إحدى النونين تخفيفا- والأصل: تكفونني (ولكن أكره أن أتميّز عليكم،
[ ٢ / ٦٠٦ ]
فإنّ الله ﷾ يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه») .
وقال في «الشّفا»: (عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال:
وفد وفد النّجاشيّ،
فإنّ الله ﷾ يكره من عبده أن يراه متميّزا بين أصحابه»)؛ أي: لا يثني عليه إذا رآه متميّزا.
والمكروه له تعالى في الحقيقة هو تميّز العبد؛ لا رؤيته تعالى لذلك.
(وقال) القاضي عياض (في) كتاب («الشّفا) بتعريف حقوق المصطفى ﷺ»:
وأخرجه ابن إسحاق، والبيهقي في «الدلائل» (؛ عن أبي قتادة) الأنصاريّ السّلمي- بفتحتين-: الحارث؛ ويقال: عمرو- أو النعمان- بن ربعي- بكسر الراء وسكون الموحدة بعدها مهملة-.
شهد أحدا وما بعدها، ولم يصحّ شهوده بدرا، وكان يقال له «فارس رسول الله ﷺ» .
ومات سنة: أربع وخمسين. وقيل: ثمان وثلاثين، والأوّل أصحّ، وأشهر وعمره: سبعون سنة- بتقديم السين المهملة على الموحدة-.
روى له أحمد، وأصحاب «السنن» (رضي الله تعالى عنه؛ [قال]:
وفد) أي: قدم (وفد) - بسكون الفاء-: اسم جمع بمعنى: وافدين (النّجاشيّ) - بفتح النون وكسرها وتشديد الياء وتخفيفها- واسمه: أصحمة، والنّجاشيّ اسم لكلّ من ملك الحبشة، وكان ﵁ ممن أعان المسلمين لمّا هاجروا إليه، وكاتب النبي ﷺ، وأهدى له الهدايا، وزوّجه ب «أمّ حبيبة» رضي الله تعالى عنها. وكتب له النبيّ ﷺ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام، فأسلم على يد جعفر بن أبي طالب ﵁ سنة: ستّ. وكان بينه وبين النبي ﷺ محبّة عظيمة، فلما توفي في رجب سنة: تسع من الهجرة نعاه النبي ﷺ وصلّى على
[ ٢ / ٦٠٧ ]
فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم، فقال له أصحابه: نكفيك، قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم» .
ولمّا جيء بأخته من الرّضاعة الشّيماء
جنازته، وبه استدلّ الشافعي ﵁ على جواز الصلاة على الغائب، ولما توفيّ خلفه نجاشيّ آخر دعاه النبي ﷺ للإسلام، فأبى ومات كافرا. انتهى «خفاجي؛ على «الشفاء» وأرسل النّجاشيّ المسلم جماعة من عنده رسلا إليه ﷺ.
(فقام النّبيّ ﷺ يخدمهم) بنفسه تواضعا منه وإرشادا لغيره.
(فقال له أصحابه:) نحن (نكفيك) خدمتهم؛ أي: نقوم عنك بذلك.
فأبى، و(قال: «إنّهم كانوا لأصحابنا) الذين هاجروا إلى أرضهم (مكرمين، وأنا أحبّ أن أكافئهم) - بكسر الفاء وبعدها همزة مفتوحة- أي:
أجازيهم على إكرامهم لأصحابنا بإكرامهم، ولا إكرام أعظم من تعاطيه ﷺ أمورهم بنفسه.
(ولمّا)؛ أي وحين (جيء) - مبنيّ للمفعول- أي: جاء الصحابة رضي الله تعالى عنهم (بأخته من الرّضاعة) - بفتح الراء وكسرها- بمعنى الرضاع (الشّيماء) - بفتح الشين المعجمة وسكون المثناة التحتية والميم وهمزة ممدودة- ويقال لها «الشّمّاء» - بتشديد الميم- من غير ياء؛ كما قاله المحبّ الطبري.
وهي بنت حليمة السعدية التي أرضعت النبي ﷺ، وقيل: أختها.
وزوج حليمة هو الحارث بن عبد العزّى، وحليمة أسلمت وعدّت من الصحابة واسمها- يعني «الشّمّاء» - جدامة- بجيم مضمومة ودال مهملة- وقيل: حذافة- بحاء مهملة وذال معجمة وفاء-. وقيل: خذافة- بمعجمتين أولاهما مكسورة-.
واختلف في زوجها أبو النبي ﷺ من الرضاع! فلم يذكر أحد من أهل السير إسلامه، ولكن ذكره يونس بن بكير في روايته؛ فقال حدّثنا ابن إسحاق؛ عن أبيه
[ ٢ / ٦٠٨ ]
في سبايا هوازن، وتعرّفت له.. بسط لها رداءه، وقال لها: «إن أحببت
عن بعض بني سعد بن بكر:
أن الحارث بن عبد العزّى أبا رسول الله ﷺ من الرضاع قدم عليه بمكّة بعد بعثته؛ فقالت له قريش: يا حارث؛ ما يقول ابنك هذا!! فقال: ما يقول؟.
قالوا: يزعم أنّ الله يبعث الخلق بعد الموت، وأنّ لله دارين، يعذّب فيهما من عصاه، ويكرم من أطاعه. وقد شتّت أمرنا وفرّق جماعتنا!!
فأتاه فقال: يا بنيّ؛ مالك ولقومك يشكونك، ويزعمون أنّك تقول لهم:
«إنّ النّاس يبعثون بعد الموت، ثمّ يصيرون إلى جنّة، أو نار؟!!» . فقال:
«نعم، ولو كان ذلك اليوم يا أبت أخذت بيدك حتّى أعرّفك حديثك اليوم» .
فأسلم وحسن إسلامه، وكان يقول حين أسلم: لو أخذ ابني بيدي فعرّفني ما قال؛
لم يرسلني- إن شاء الله- حتّى يدخلني الجنّة. انتهى ذكره الخفاجي.
(في سبايا) جمع سبية بمعنى: مسبية، أي: مأسورة (هوازن) اسم قبيلة؛ من بني سعد بن بكر، سمّيت باسم الأب الأعلى كتميم.
وهو هوازن بن نصر بن عكرمة بن خصفة بن قيس عيلان بن نصر.
والمراد بكونها فيهم: أنّها كانت مسبيّة معهم أيضا؛ أي: أسيرة من جملة أسارى قبيلة هوازن المذكورة.
(وتعرّفت له) يقال: تعرّف له: إذا أعلمه باسمه وشأنه، فهي أعلمته ﷺ أنّها أخته رضاعا، فقال لها ﷺ: «ما علامة ذلك!؟» . فقالت: عضّة كنت عضّيتنيها في ظهري، فعرف ذلك رسول الله ﷺ وصدّقها.
وجواب «لمّا» قوله (بسط [لها] رداءه) أي: فرشه لها لتجلس عليه؛ إكراما لها ومكافأة لفعلها، لأنها كانت تربّيه مع أمّها حليمة.
(وقال لها) أي: على وجه التّخيير (: «إن أحببت) - أي: الإقامة عندي-
[ ٢ / ٦٠٩ ]
أقمت عندي مكرمة محبّة، أو متّعتك ورجعت إلى قومك»، فاختارت قومها، فمتّعها.
وقال أبو الطّفيل:
(أقمت عندي مكرمة) - بضمّ أوله وسكون ثانية وتخفيف رائه؛ اسم مفعول من أكرمه: إذا فعل به ما يحسبه من الإحسان؛ قولا وفعلا- (محبّة) - بضمّ أوّله وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحّدة- أي: محبوبة وهو اسم مفعول؛ من أحبّه، ويقال «حبّه وأحبّه» بمعنى، والأفصح الأكثر في اسم المفعول: أن يكون من الثلاثي؛ فيكثر فيه محبوب، ويقال محبّ، لكنه هنا أحسن لاقترانه ل «مكرمة» ! وعليه الاستعمال؛ كقول الشاعر:
وإذا نزلت فلا تظنّي غيره منّي بمنزلة المحبّ المكرم
(أو متّعتك) أي: إن كنت تريدين الرجوع أعطيتك متاعا حسنا، وزوّدتك، (ورجعت إلى قومك») رجوعا مستحسنا.
(فاختارت قومها، فمتّعها) وزوّدها، ورجعت إلى قومها.
وتفصيله؛ كما قال أصحاب السّير: أنّه لما قدمت أخته الشّماء بنت الحارث بن عبد العزّى، وعرّفته ﷺ بنفسها فعرفها، وبسط لها رداءه، وأجلسها عليه وخيّرها؛ فاختارت الرجوع لقومها وأرضها، وأن يمتّعها بالإحسان إليها، فأعطاها عبدا له اسمه «مكحول» وجارية، فزوّجت أحدهما من الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقيّة.
وقال ابن عبد البرّ ﵀: إنّها أسلمت فأعطاها ثلاثة أعبد وجارية، ونعما وشاء، وهذا منه ﷺ صلة لرحمه، لأنّ الرضاع له حكم النسب والقرابة. انتهى
خفاجي، وعلي قاري: كلاهما على «الشفاء» للقاضي عياض.
(وقال أبو الطّفيل) - بضمّ الطاء المهملة، وفتح الفاء- منقول من مصغّر الطّفل، جعل علما لعامر بن واثلة- بالتاء المثلاثة- الكناني الصحابي آخر من مات
[ ٢ / ٦١٠ ]
رأيت النّبيّ ﷺ وأنا غلام، إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه، فبسط لها رداءه، فجلست عليه، فقلت: من هذه؟ قالوا:
أمّه الّتي أرضعته.
من الصّحابة على الإطلاق، كان مولده عام واحد من الهجرة، ووفاته سنة مائة من الهجرة، روى أربعة أحاديث. قال بعضهم:
آخر من مات من الصّحاب له أبو الطّفيل عامر بن واثله
وقد روى هذا الحديث أبو داود في «سننه» بسند حسن؛ كما قال الخفاجيّ، أو صحيح؛ كما قال ملا علي قاري؛ كلاهما في «شرح الشفاء»؛ عن أبي الطّفيل المذكور قال:
(رأيت النّبيّ ﷺ) أي: وكان جالسا [ذات] يوم بالجعرانة يقسم لحما؛
(وأنا غلام) في «كفاية المتحفّظ»: الغلام- عند بعض أهل اللغة-: الصبيّ إذا فطم إلى سبع سنين، ثم يصير يافعا إلى عشر حجج. وقد يطلق الغلام على الشابّ التامّ الرجولية. والمراد هنا الأوّل.
(إذ أقبلت امرأة حتّى دنت منه) أي: قربت من مكانه الجالس فيه، (فبسط لها رداءه)؛ تكريما لها. (فجلست عليه) أي: بأمره.
(فقلت [لمن عنده]: من هذه؟ قالوا: أمّه الّتي أرضعته) فقيل: هي حليمة. وقيل: ثويبة. قال الحافظ الدّمياطيّ: لا يعرف لحليمة صحبة؛ ولا إسلام، وزوجها لا نعرف له صحبة؛ ولا إسلاما،
وما قاله ابن عبد البرّ من «أنّها أتته ﷺ يوم حنين، وبسط لها رداءه، وروت عنه، وروى عنها عبد الله بن جعفر!! لم يصحّ، وابن جعفر لم يدركها، وإنّما التي جاءته هي بنتها الشّماء.
وأمّا حليمة!! فإنّها جاءته ﷺ بمكّة قبل النبوة في زمن خديجة ﵂؛ فأعطاها أربعين شاة وجملا، ثم انصرفت لأهلها.
[ ٢ / ٦١١ ]
وعن عمرو بن السّائب: أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما،
وما هنا يقتضي مجيئها له ﷺ بعد النبوة بالجعرانة بعد انقضاء حرب هوازن؛ ومجيء وفدهم!! وليس كذلك، إنّما هي ابنتها. وجوّز الذهبيّ رحمه الله تعالى أن تكون المرأة التي جاءته ثويبة مولاة أبي لهب الآتي ذكرها.
ويردّه أنّها ماتت سنة: سبع؛ قبل هوازن، ولما فتح مكة سأل عنها ابنها مسروحا فأخبره بموتها. وصحّح بعضهم خلافه؛ ذكره ابن الجوزي في «الوفا» .
وصنّف الحافظ مغلطاي جزآ في إسلامها سمّاه «النعمة الجسيمة في إثبات إسلام حليمة» . وأيّده وارتضاه علماء عصره، وممّن أنكره أبو حيّان النحوي.
والله أعلم.
وصحّح ابن حبّان وغيره ما يدلّ على إسلام حليمة. انتهى من «شرح الشفا» .
قلت: وابن عبد البرّ وابن حبّان كلّ منهما أجلّ من الحافظ الدمياطي، فالراجح عندي ما قاله ابن عبد البرّ؛ من إثبات إسلامها، وهو الذي اعتمده الحافظ مغلطاي. وأيّده علماء عصره؛ لا سيما وقد ذكرها الحافظ ابن حجر العسقلاني في «الإصابة» في الصحابيات أهل القسم الأول. والله أعلم.
(وعن عمرو بن السّائب)؛ كذا في «الشفاء»: عمرو- بالواو- وهو ابن راشد المصري «مولى بني زهرة» تابعيّ. ذكره الحافظ عبد الغني في «إكماله» فيمن اسمه عمرو، ووهّمه الحافظ المزّيّ؛ وقال: اسمه عمر- بضم العين-.
قال الحلبي: وهو غلط صريح صوابه عمر بن السائب- بضم العين؛ وحذف الواو-
وهو يروي عن أسامة بن زيد وجماعة، وعنه الليث، وابن لهيعة، وعمرو بن الحارث وغيرهم؛ ذكره ابن حبّان في «الثقات» .
والحديث رواه أبو داود مرسلا عنه أنّه بلغه (أنّ رسول الله ﷺ كان جالسا يوما
[ ٢ / ٦١٢ ]
فأقبل أبوه من الرّضاعة، فوضع له بعض ثوبه، فقعد عليه. ثمّ أقبلت أمّه، فوضع لها شقّ ثوبه من جانبه الآخر، فجلست عليه. ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة، فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه.
وكان ﷺ يبعث إلى ثويبة- مولاة أبي لهب-..
فأقبل أبوه من الرّضاعة)؛ هو: الحارث بن عبد العزّى- وقد تقدّم الكلام فيه وفي إسلامه- (فوضع له) ﷺ (بعض ثوبه) وفرشه له في الأرض ليجلس عليه، (فقعد عليه، ثمّ أقبلت أمّه)؛ أي: حليمة، (فوضع لها شقّ) - بكسر الشين المعجمة- أي: طرف (ثوبه من جانبه الآخر؛ فجلست عليه؛ ثمّ أقبل أخوه من الرّضاعة) وهو عبد الله بن الحارث المذكور، (فقام رسول الله ﷺ فأجلسه بين يديه) يعني:
أنّه أجلس أباه عن يمينه وفرش له جانبا من ثوبه، وأجلس أمّه حليمة عن يساره وفرش تحتها جانبا من ثوبه؛ إكراما لها، فلما قدم أخوه- وهو عبد الله بن الحارث بن عبد العزّى- لم يبق جانب من ثوبه يفرشه، فقام له ﷺ لئلا يقصّر في توقيره عن أبويه!!
وفيه دليل على أنّه يجوز القيام تعظيما لمن يستحقّ التعظيم؛ خلافا لمن قال «إنّه مكروه مطلقا» !!
وللنّبيّ ﷺ عدّة مرضعات؛ منها حليمة هذه، وثويبة مولاة أبي لهب الآتية، وخولة بنت المنذر بن زيد بن لبيد، وأمّ أيمن، وثلاث نسوة من سليم؛ تسمّى كلّ واحدة منهنّ «عاتكة»، وهو أحد القولين في قوله ﷺ: «أنا ابن العواتك» وقيل: إنّهنّ جدّات له.
ومعنى عاتكة: متضمّخة بالطيب؛ قاله الخفاجي.
(وكان ﷺ يبعث) أي: يرسل من المدينة إلى مكة (إلى ثويبة) - بضمّ مثلّثة وفتح واو، فسكون تحتيّة فموحّدة- (: مولاة أبي لهب) - بفتح الهاء- أي: جارية عتيقة لأبي لهب، وهذه كنيته، واسمه عبد العزّى، وكنّي «أبا لهب» ! لتوقّد
[ ٢ / ٦١٣ ]
مرضعته بصلة وكسوة، فلمّا ماتت.. سأل: «من بقي من قرابتها؟»، فقيل: لا أحد) .
لونه، وذكر بهذه الكنية في القرآن!! للإشارة إلى أنّه جهنّميّ.
(مرضعته) ﷺ؛ وهو بالجرّ بدل، أو عطف بيان من ثويبة (بصلة) - بكسر الصاد المهملة- أي: نفقة (وكسوة) - بكسر الكاف- أي: ثياب تلبسها.
(فلمّا ماتت) بمكّة بعد هجرته ﵊ (سأل: «من بقي) أي:
عمن بقي (من قرابتها؟»)؛ فهو منصوب بنزع الخافض، أو تقديره.
وقال: من بقي من قرابتها!! فهي إمّا موصولة؛ أو استفهامية.
(فقيل: لا أحد) أي: ما بقي منهم أحد، وما ذكر من حسن الوفاء وصلة الرحم. وفيه من مكارم أخلاقه وحسن عهده ﷺ ما لا يخفى.
وهذا الحديث رواه ابن سعد؛ عن الواقدي؛ عن غير واحد من أهل العلم.
وفي «الروض الأنف» كان يصلها من المدينة، فلما فتح مكّة؛ سأل عنها وعن ابنها «مسروح»؟ فقيل: ماتا.
وأما إرضاع ثويبة له ﷺ!! فثابت في «الصحيحين»، وهي أوّل من أرضعته مع ابنها مسروح؛ المتقدّم ذكره قبل حليمة، وأرضعت قبله عمّه حمزة، وأبا سلمة.
واختلف في إسلامها! فأثبته بعضهم، وعدّها في الصحابة، وأنكره أبو نعيم، وكان أبو لهب أعتقها لما بشّرته بولادة النبي ﷺ ورؤي في المنام؛ وهو يقول:
خفّف عنّي العذاب بإعتاقي ثويبة لمّا بشرتني به.
وفي السّير أنّه أعتقها قبل ولادته بدهر طويل. انتهى خفاجي، وملا علي قاري؛ على «الشفاء» .
[ ٢ / ٦١٤ ]
وكان ﷺ يستفتح ويستنصر بصعاليك المسلمين.
وكان له ﷺ عبيد وإماء، وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس.
(و) أخرج ابن أبي شيبة في «مصنفه»، والطبراني في «الكبير» - قال في العزيزي: إنّه حديث حسن- عن أميّة بن خالد بن عبد الله بن أسد الأموي يرفعه.
وقال المنذري: رواته رواة الصحيح، وهو مرسل. انتهى.
وقال الحافظ الهيثمي: رواه الطبراني بإسنادين أحدهما رجاله رجال الصحيح. انتهى، لكن الحديث مرسل، وأميّة المذكور لم يخرّج له أحد من الستّة. ورواه عنه أيضا البغوي في «شرح السنة» .
وقال ابن عبد البرّ: لا يصحّ عندي والحديث مرسل.
وفي «تاريخ ابن عساكر» أنّ أميّة هذا تابعيّ ثقة، ولّاه عبد الملك خراسان.
قال الذهبيّ في «مختصره»: والحديث مرسل.
وقال ابن حبان: أميّة هذا يروي المراسيل، ومن زعم أنّ له صحبة!! فقد وهم، وقال في «الاستيعاب»: لا يصحّ عندي صحبته.
وفي «أسد الغابة»: الصحيح لا صحبة له، والحديث مرسل.
وفي «الإصابة»: ليس له صحبة ولا رؤية. قاله المناوي على «الجامع الصغير» .
(كان ﷺ يستفتح ويستنصر) أي: يطلب النصر والفتح (بصعاليك المسلمين) أي: بدعاء فقرائهم لقربه من الإجابة، بسبب انكسار قلوبهم لخلوّ أيديهم من الأموال.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»:
(كان له ﷺ عبيد وإماء. وكان لا يرتفع عليهم في مأكل ولا ملبس) .
[ ٢ / ٦١٥ ]
وكان ﷺ يأكل مع خادمه.
وكان ﷺ يجلس مع الفقراء.
روى: محمد بن سعد في «الطبقات»؛ من حديث سلمى؛ قالت: كان خدم النبي ﷺ أنا، وخضرة، ورضوى، وميمونة بنت سعد؛ أعتقهنّ كلّهن. وإسناده ضعيف.
وروى أيضا: أن أبا بكر بن حزم كتب إلى عمر بن عبد العزيز بأسماء خدم النبي ﷺ فذكر بركة «أم أيمن»، وزيد بن حارثة، وأبا كبشة، وآنسة، وشقران، وثوبان، وسفينة، ورباحا، ويسارا، وأبا رافع، وأبا مويهبة، ورافعا؛ أعتقهم كلّهم، وفضالة، ومدعما، وكركرة.
ولمسلم من حديث أبي اليسر: «أطعموهم ممّا تطعمون، وألبسوهم ممّا تلبسون» الحديث.
(و) أخرج أبو بكر بن الضّحاك في «الشمائل»؛ من حديث أبي سعيد الخدري بإسناد ضعيف:
(كان ﷺ يأكل مع خادمه)؛ تواضعا لله وجبرا لخاطره.
(و) في «كنوز الحقائق» - ورمز له برمز أبي داود-: (كان ﷺ يجلس مع الفقراء)، ويجتنب مجالسة الأغنياء، ويقول: «اتّقوا مجالسة الموتى» .
روى أبو داود؛ من حديث أبي سعيد: جلست في عصابة من ضعفاء المهاجرين، وإنّ بعضهم ليستتر ببعض من العري!! وفيه؛ فجلس رسول الله ﷺ وسطنا ليعدل بنفسه فينا الحديث.
ولابن ماجه؛ من حديث خبّاب: وكان رسول الله ﷺ يجلس معنا
الحديث في نزول قوله تعالى وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ [٥٢/ الأنعام] الآية وإسنادهما حسن.
[ ٢ / ٦١٦ ]
وكان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين، ويفلي ثيابهم.
وكان ﷺ يخيط ثوبه، ويخصف نعله، ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم.
(و) في «كشف الغمّة»: (كان ﷺ يواكل الفقراء والمساكين) الفرق بين المسكين والفقير مشهور في مبحث الزكاة، إلّا أنّ كلّا منهما يطلق على الآخر من غير فرق في العرف، والمسكين- بكسر الميم وفتحها- مأخوذ من السكون، ويكون بمعنى المتذلّل الخاضع، ومنه قوله ﷺ: «اللهمّ؛ أحيني مسكينا، وأمتني مسكينا» .
ولا يجوز أن يطلق على النبي ﷺ أنّه فقير أو مسكين، وإن أطلقه على نفسه الشريفة؛ قاله العلّامة الشهاب الخفاجي على «الشفا» .
روى البخاريّ؛ من حديث أبي هريرة ﵁ قال: وأهل الصفة أضياف الإسلام لا يأوون إلى أهل ولا مال، ولا على أحد؛ إذا أتته صدقة بعث بها إليهم؛ ولم يتناول منها، فإذا أتته هديّة أرسل إليهم وأصاب منها، وأشركهم فيها.
(ويفلي) - بفتح فسكون- مضارع فلى؛ ثلاثيّا. (ثيابهم) أي: يزيل منها القمل. وهذه الجملة لم أجدها في غير «كشف الغمّة» !!.
(و) أخرج الإمام أحمد، وابن سعد، وأبو الشيخ وصحّحه، وابن حبّان؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
(كان) رسول الله (ﷺ يخيط) - بفتح المثناة التحتية وكسر الخاء المعجمة- (ثوبه)، ورواية أبي الشيخ وابن سعد: ويرقع الثوب، (ويخصف) - بكسر الصاد المهملة- (نعله)؛ أي: يخرز طاقا على طاق.
قال في «مختصر النهاية»: وخصف النعل خرزها.
(ويعمل ما يعمل الرّجال في بيوتهم) من الاشتغال بمهنة الأهل والنفس؛ إرشادا للتواضع وترك التكبّر، لكنه مشرّف بالوحي والنبوة، مكرّم بالمعجزات والرسالة.
[ ٢ / ٦١٧ ]
وعن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه قيل لها: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟ قالت: كان بشرا من البشر، يفلي ثوبه،
وفيه أنّ الإمام الأعظم يتولّى أموره بنفسه، وأنّه من دأب الصالحين.
(و) أخرج الإمام أحمد، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-، وأبو نعيم في «الحلية»: كلهم؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها؛ أنّه قيل لها)؛ أي: قال لها بعضهم (: ماذا كان يعمل رسول الله ﷺ في بيته؟.
قالت: كان بشرا من البشر)، ذكرت ذلك تمهيدا لما تذكره بعد؛ الذي هو محطّ الجواب، ودفعت بذلك ما رأته من اعتقاد الكفّار أنّه لا يليق بمنصبه أن يفعل ما يفعله غيره من العامّة، وإنّما يليق أن يكون كالملوك الذين يترفّعون عن الأفعال العاديّة؛ تكبرا! وَقالُوا مالِ هذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْواقِ [٧/ الفرقان] فقالت: إنّه كان خلقا من خلق الله تعالى. أي: واحدا من بني آدم؛ يعتريه ما يعتريهم من الاحتياج إلى المأكل والمشرب، والمشي في السوق، والمحن والضرورات.
(يفلي) - بفتح المثناة التحتية وسكون الفاء؛ بعدها لام مكسورة، وآخره ياء تحتية، مضارع «فلى» ثلاثيا؛ كما ضبطه غير واحد، بزنة: رمى يرمي. ويجوز [يفلي] ضمّ أوّله وسكون ثانيه مخفّفا، أو [يفلّي] فتحه مثقّلا-
(ثوبه) أي: يفتّشه ليلتقط ما فيه مما علق فيه من نحو شوك، أو ليرقع ما فيه؛ من نحو خرق، لا نحو قمل، لأن أصل القمل من العفونة؛ ولا عفونة فيه! وأكثره من العرق، وعرقه طيب!! ولذلك ذكر ابن سبع- وتبعه بعض شرّاح «الشفاء» أنّه لم يكن فيه قمل، لأنه نور، ومن قال «إنّ فيه قملا»؟! فهو كمن نقصه، وقيل: إنه كان في ثوبه قمل ولا يؤذيه. وإنّما كان يلتقطه!! استقذارا له؛ كذا قرّره الباجوريّ على «الشمائل» .
[ ٢ / ٦١٨ ]
ويحلب شاته، ويخدم نفسه.
وقال المناوي في شرح «الجامع الصغير»: ومن لازم التفلّي وجود شيء يؤذي في الجملة؛ كبرغوث وقمل، فدعوى أنّه لم يكن القمل يؤذيه؛ ولا الذباب يعلوه دفعت بذلك، ومحاولة الجمع ب «أن ما علق بثوبه من غيره؛ لا منه» !! ردّت بأنّه نفي أذاه، وأذاه غذاؤه من البدن، وإذا لم يتغذّ لم يعش، انتهى. ومن ثمّ قال الزرقاني؛ كالمناوي: ظاهره أنّ القمل يؤذيه. لكن قال ابن سبع إلى آخر ما تقدّم عن الباجوري.
(ويحلب) - بضمّ اللّام ويجوز كسرها- (شاته، ويخدم) - بضمّ الدال وتكسر- (نفسه) عطف عامّ على خاصّ. ونكتته الإشارة إلى أنّه كان يخدم نفسه عموما وخصوصا، وهذا يتعيّن حمله على أنّه كان يفعل ذلك في بعض الأوقات؛ لا دائما، فإنّه ثبت أنّه كان له خدم، فتارة يكون بنفسه، وتارة بغيره، وتارة بالمشاركة.
وفيه ندب خدمة الإنسان نفسه، وأنّه لا يخلّ بمنصبه؛ وإن جلّ. انتهى؛ قاله الزرقاني على «المواهب» . وذكر مثله المناويّ على «الجامع الصغير» .
وقال ملا علي قاري في «جمع الوسائل» - بعد قوله «يخدم نفسه» -: إنّه فسّر بصبّ الماء في الوضوء والغسل على الأعضاء. انتهى.
قال المناوي في «شرح الشمائل»: وفيه الترغيب في التواضع، وترك التكبّر، وخدمة الرجل نفسه وأهله. ولذا قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب لأمير المؤمنين عمر بن الخطّاب: يا أمير المؤمنين؛ إن سرّك أن تلحق بصاحبيك؛ فارفع القميص، وأنكس الإزار، واخصف النعل، وأقصر الأمل، وكل دون الشبع؛ تلحق بهما.
وقد نظم معنى ذلك الحافظ العراقيّ حيث قال:
يخصف نعله يخيط ثوبه يحلب شاته، ولن يعيبه
يخدم في مهنة أهله كما يقطع بالسّكّين لحما قدما
[ ٢ / ٦١٩ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا، وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة، وكان يصنع كما يصنع آحاد النّاس، يشيل هذا، ويحطّ هذا، ويقمّ البيت، ويقطّع اللّحم، ويعين الخادم.
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال: كان رسول الله ﷺ أوسع النّاس خلقا) - بضمّتين- أي: بشرا وطلاقة وجه وإبداء سرور.
(وكان إذا دخل بيته يكون أكثر عمله فيه الخياطة) .
روى ابن سعد في «طبقاته»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أنّه كان يرقع ثوبه ويعمل ما يعمل الرجال في بيوتهم، وفي رواية له عنها: يعمل عمل البيت، وأكثر ما يعمل الخياطة. انتهى.
وفيه أنّ الخياطة صنعة لا دناءة فيها، وأنّها لا تخلّ بالمروءة؛ ولا بالمنصب.
(وكان يصنع) في بيته (كما يصنع آحاد النّاس) في بيوتهم.
ثم فصّل بعض ما يفعله في البيت؛ فقال: (يشيل هذا) المتاع المحتاج إليه، (ويحطّ هذا) المتاع الذي انتهت منه الحاجة. (ويقمّ) - بضمّ القاف وكسرها وتشديد الميم- (البيت) أي: يكنسه ويزيل قمامته.
(ويقطع اللّحم) . قال الحافظ العراقي: رواه الإمام أحمد؛ من حديث عائشة ﵂: أرسل إلينا آل أبي بكر بقائمة شاة ليلا، فأمسكت وقطع رسول الله ﷺ. أو قالت: فأمسكه رسول الله ﷺ وقطعنا.
وفي «الصحيحين»؛ من حديث عبد الرحمن بن أبي بكر في أثناء حديث:
وايم الله؛ ما من الثلاثين ومائة إلّا حزّ له رسول الله ﷺ من سواد بطنها. انتهى «شرح الإحياء» .
(ويعين الخادم)؛ مملوكا أو غيره، وهو يشمل الذكر والأنثى.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
وكان ﷺ يركب الحمار، ويخصف النّعل، ويرقع القميص، ويلبس الصّوف، ويقول: «من رغب عن سنّتي.. فليس منّي» .
(و) أخرج ابن عساكر في «تاريخه»، وأبو الشيخ في «كتاب الأخلاق»:
كلاهما؛ عن أبي أيوب الأنصاري، وفي سنده راويان ضعيفان:
(كان ﷺ يركب الحمار)، زاد ابن سعد في رواية: عريا؛ ليس عليه شيء.
وذلك- مع ما فيه من غاية التواضع- إرشاد للعباد، وبيان أنّ ركوبه لا يخلّ بمروءة ولا رفعة، بل فيه غاية التواضع وكسر النّفس.
(ويخصف) - بفتح المثناة التحتية- (النّعل) أي: يصلحها بترقيع وخرز.
(ويرقع) - بالقاف؛ من باب قطع- (القميص) أي: يجعل مكان القطع خرقة من نوعه؛ ومن غير نوعه.
(ويلبس) - بفتح الموّحدة- يقال: لبس الثوب يلبس- بفتح الباء الموحّدة؛ في المضارع، وكسرها في الماضي-، ويقال لبس يلبس- بفتح الموحّدة في الماضي، وكسرها في المضارع؛ بمعنى خلط-.
وقد نظم الفرق بينهما بعضهم؛ فقال:
لعين مضارع في لبس ثوب أتى فتح، وفي الماضي بكسر
وفي خلط الأمور أتى بعكس لعينهما فخذه بغير عسر
(الصّوف)؛ رداآ وإزارا وعمامة. (ويقول) منكرا على من ترفّع عن ذلك:
«هذه سنّتي، و(من رغب عن سنّتي) - أي: طريقتي وهديي- (فليس منّي»)؛ أي: من العاملين بطريقتي السالكين منهجي، وهذه سنّة الأنبياء قبله أيضا.
روى الحاكم، والبيهقيّ في «الشعب»؛ عن ابن مسعود: كانت الأنبياء يستحبّون أن يلبسوا الصوف، ويحلبوا الغنم، ويركبوا الحمر.
وقال عيسى ﵊: بحقّ أقول: إنّه من طلب الفردوس فغذاء الشعير له، والنوم على المزابل مع الكلاب كثير.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وكان ﷺ يعقل البعير، ويعلف ناضحه، ويأكل مع الخادم، ويعجن معها، ويحمل بضاعته من السّوق.
وفيه ندب خدمة الرجل نفسه، وأنّه لا دناءة في ذلك.
(و) في «الشفاء»: (كان ﷺ يعقل) - بكسر القاف؛ بوزن يضرب- (البعير)؛ أي: يربطه في رجله بالعقال؛ وهو ما يعقل به من الحبال.
(ويعلف) - بكسر اللام- (ناضحه) - بنون وضاد معجمة وحاء مهملة- أي:
بعيره الذي يستقي عليه الماء.
(ويأكل مع الخادم) الخادم: متعاطي الخدمة؛ ذكرا كان أو أنثى، حرّا أو عبدا، وأكل الإنسان مع خادمه سنّة.
قال القاضي زكريا؛ في «شرح الروض»: السنّة أن يجلس خادمه للأكل معه، ويلبسه من لباسه، فإن أبى فلينا وله مما يأكله.
ومن الغريب ما نقل عن الشافعي: أنّه واجب للأمر به في الحديث. وفيه نظر!!
(ويعجن معها) الضمير للخادم، لأنّه يطلق على الأنثى- كما مرّ-، والعجين من عمل النساء غالبا، (ويحمل بضاعته) - بكسر الموحّدة-: ما يشتريه (من السّوق) إلى محلّه في بعض أوقاته، إذ ثبت أنّه ﵊ كان له خدم يقومون بما له من المرام.
وفي ذلك دلالة على أنّه ﷺ كان يدخل السوق، قالوا: وهو عادة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، قال الله تعالى وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [٢٠/ الفرقان] وكذا كان دأب الصحابة رضي الله تعالى عنهم.
ولا ينافيه: «أحبّ البقاع إلى الله تعالى المساجد، وأبغضها إلى الله الأسواق» !! لأن المراد بغض ما فيها، أو النهي عن الجلوس فيها من غير حاجة.
انتهى «خفاجي، وقاري» .
[ ٢ / ٦٢٢ ]
و(النّاضح): البعير يستقى عليه، ثمّ استعمل في كلّ بعير.
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: دخلت السّوق مع رسول الله ﷺ، فاشترى سراويل وأخذه، فذهبت لأحمله، فقال: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه أن يحمله» .
(والنّاضح) - بالنون والضاد المعجمة والحاء المهملة آخره- هو (: البعير يستقى عليه) الماء، والأنثى ناضحة؛ بالهاء.
سمّي ناضحا!! لأنّه ينضح العطش. أي: يبله بالماء الذي يحمله؛
هذا أصله، (ثمّ استعمل) الناضح (في كلّ بعير)؛ وإن لم يحمل الماء، وجمعه: نواضح.
(و) أخرج الطبرانيّ في «الأوسط»، وأبو يعلى في «مسنده» - بسند ضعيف جدّا- (عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه) قال:
(دخلت السّوق) يوما؛ (مع رسول الله ﷺ) فجلس إلى البزازين؛ (فاشترى سراويل) بأربعة دراهم. وسراويل فارسي معرب، يذكّر ويؤنّث، ولم يعرف فيه الأصمعيّ إلّا التأنيث. وجمعه سراويلات. والأشهر عدم صرفه.
وكان لأهل السوق وزّان، فقال له: «زن وأرجح» .
(وأخذه) أي: أخذ رسول الله ﷺ السراويل. قال أبو هريرة:
(فذهبت) أي: قصدت (لأحمله) عنه؛ (فقال) ﷺ لأبي هريرة (: «صاحب الشّيء أحقّ بشيئه) - أصله بالهمزة، قلبت ياء وأدغمت فيها الياء- أي: بمتاعه المختصّ به (أن يحمله») . أي: أحقّ بحمله، لأنّه أبقى على تواضعه، وأنفى لكبره وتمام الحديث- بعد قوله «أن يحمله» -: «إلّا أن يكون ضعيفا؛ فيعجز عنه فيعينه أخوه المسلم» . فقلت: يا رسول الله؛ إنّك لتلبس السراويل. قال: أجل في السّفر والحضر، وبالليل والنهار، فإنّي أمرت بالستر، فلم أجد أستر منه. انتهى.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
وكذا أخرجه ابن حبّان في «الضعفاء»؛ عن أبي يعلى، والدارقطني في «الأفراد»، والعقيلي في «الضعفاء»، ومداره على يوسف بن زياد الواسطي؛ وهو وشيخه ضعيفان.
بل بالغ ابن الجوزيّ فذكر الحديث هذا في «الموضوعات» !! وتعقّبه السيوطيّ، واقتصر الحافظ ابن حجر وغيره على أنّه ضعيف فقط.
لكن صحّ شراء النبيّ ﷺ للسراويل من غير هذا الطريق، فقد روى الإمام أحمد، وأصحاب «السنن الأربعة»، وصحّحه ابن حبّان؛ عن سويد بن قيس قال: جلبت أنا ومخرمة العبد بزّا من هجر، فأتينا مكّة، فجاءنا رسول الله ﷺ ونحن بمنى فتساومنا سراويل؛ فبعناه منه فوزن ثمنه، وقال للوزّان: «زن وأرجح» .
وروى النّسائيّ، وأحمد؛ عن أبي صفوان: مالك بن عميرة الأسدي: أنّه باع من النبي ﷺ قبل أن يهاجر رجل سراويل؛ فلما وزن له أرجح له، وهذه القصّة غير التي ساقها المصنف، لأنّها بعد الهجرة، إذ أبو هريرة إنما جاء في خيبر!!.
واختلف العلماء: هل لبس النبي ﷺ السراويل؛ أم لا!! فجزم بعض العلماء بأنّه لم يلبسه، ولكن اشتراه، ويستأنس له بما جزم به النّوويّ في «ترجمة عثمان بن عفان»؛ من كتاب «تهذيب الأسماء واللغات»: أنه ﵁ لم يلبس السراويل في جاهلية ولا إسلام إلّا يوم قتله؛ مخافة أن تظهر عورته، فإنّ الصحابة ﵃ كانوا أحرص شيء على اتباعه ﷺ.
وفي «الهدي النبوي» لابن القيّم: الظاهر أنّه إنما اشتراه ليلبسه.
قال الحافظ ابن حجر: وما كان ليشتريه عبثا، وإن كان غالب لبسه الإزار!! ويحتمل أنّه اشتراه لغيره! وفيه بعد. وكانوا يلبسونه في زمانه، وبإذنه، بل قال الشاميّ: يؤيّد ابن القيّم أن البيهقي في «الشعب»، وابن الجوزي في «الوفاء» وغيرهما من العلماء أوردوا الحديث في «باب ما كان رسول الله ﷺ يلبسه» .
[ ٢ / ٦٢٤ ]
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: لم يكن شخص أحبّ إليهم من رسول الله ﷺ، قال: وكانوا إذا رأوه.. لم يقوموا؛ لما يعلمون
وقد ترجم البخاري في «كتاب اللباس»؛ من «صحيحه» باب السراويل، وأورد فيه حديث المحرم: «لا تلبسوا القمص ولا السّراويل » الحديث، لكونه لم يرد فيه شيء على شرطه، فاكتفى بما دلّ عليه الحديث: أنّ الحلال يجوز له لبس السراويل.
وروى أبو نعيم؛ عن أبي هريرة مرفوعا: «أوّل من لبس السّراويل إبراهيم الخليل» . قيل: ولذا كان أوّل من يكسى يوم القيامة؛ كما في «الصحيحين» .
وروى الترمذيّ؛ وقال غريب، عن ابن مسعود رفعه: «كان على موسى يوم كلّمه ربّه كساء صوف، وكمّة صوف، وجبّة صوف، وسراويل صوف، وكانت نعلاه من جلد حمار ميت» . والكمّة- بالضمّ-: القلنسوة الصغيرة. صحّحه الحاكم وردّه المنذريّ. انتهى من «شرح المواهب» و«شرح الشفاء» . وقد تقدّم الكلام على السراويل في «اللباس» .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن أنس) بن مالك (رضي الله تعالى عنه؛ قال: لم يكن شخص أحبّ) أي: أكثر محبوبيّة (إليهم) أي: إلى الصحابة (من رسول الله ﷺ)، لأنّه أنقذهم من الضلالة، وهداهم إلى السعادة، حتى قال عمر: يا رسول الله؛ أنت أحبّ إليّ من كلّ شيء إلّا من نفسي.
فقال ﷺ: لا يكمل إيمانك حتّى أكون أحبّ إليك من نفسك» . فسكت ساعة، ثم قال: حتّى من نفسي. فقال: «ألآن تمّ إيمانك يا عمر» .
وقاتلوا معه آباءهم وأبناءهم، فقتل أبو عبيدة أباه، لإيذائه للمصطفى ﷺ.
وتعرّض أبو بكر لقتل ولده عبد الرحمن يوم بدر إلى غير ذلك مما هو مبيّن في كتب السّير.
(قال) أي أنس (: وكانوا إذا رأوه) أي: مقبلا (لم يقوموا) له (لما يعلمون
[ ٢ / ٦٢٥ ]
من كراهته لذلك.
وأمّا جلوس رسول الله ﷺ:
فعن خارجة بن زيد رضي الله [تعالى] عنه قال:
من كراهته لذلك!)، أي: لأجل المعلوم المستقرّ عندهم، وهو كراهته لذلك القيام؛ تواضعا وشفقة عليهم، وخوفا عليهم من الفتنة؛ إذا أفرطوا في تعظيمه، وإسقاطا لبعض حقوقه المعيّنة عليهم، فاختاروا إرادته على إرادتهم، لكن كان لا يكره قيام بعضهم لبعض، ولذلك قال: «قوموا لسيّدكم» يعني: سعد بن معاذ سيّد الأوس. فأمرهم بفعله؛ لأنه حقّ لغيره فوفّاه حقّه، وكره قيامهم له! لأنّه حقّه فتركه تواضعا.
وهذا دليل لما عليه محرّر المذهب الإمام محيي الدين النوويّ؛ من ندب القيام لأهل الفضل. وقد قام ﷺ لعكرمة بن أبي جهل لمّا قدم عليه، وكان يقوم لعديّ بن حاتم كلما دخل عليه؛ كما جاء ذلك في خبرين، وهما؛ وإن كانا ضعيفين؛ يعمل بهما في الفضائل. فزعم سقوط الاستدلال بهما وهم.
وقد ورد أنّهم قاموا لرسول الله ﷺ!! فيناقض ما هنا.
إلا أن يقال في التوفيق: إنّهم إذا رأوه من بعد غير قاصد لهم لم يقوموا له. أو أنه إذا تكرّر قيامه وعوده إليهم لم يقوموا؟! فلا ينافي أنّه إذا قدم عليهم أوّلا قاموا، وإذا انصرف عنهم قاموا. انتهى «باجوري» .
(وأمّا جلوس رسول الله ﷺ ف) قد ذكره في قوله:
(عن خارجة بن زيد) بن ثابت الأنصاريّ المدني التابعي، أحد فقهاء المدينة السبعة، وقد سبقت ترجمته (رضي الله [تعالى] عنه)، فيكون حديثه مرسلا، وهو من «مراسيل أبي داود»؛ كما قال الخفاجي في «شرح الشفاء» .
وذكره القاضي عياض في «الشفاء» بسنده من طريق أبي داود صاحب «السنن»؛ (قال): حدّثنا عبد الرحمن بن سلّام؛ قال: حدّثنا حجاج بن
[ ٢ / ٦٢٦ ]
كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه؛ لا يكاد يخرج شيئا من أطرافه.
وكان مجلسه ﷺ مجلس حلم وحياء، وأمانة
محمد بن عبد الرحمن بن أبي الزّناد؛ عن عمر بن عبد العزيز بن وهيب؛ قال:
سمعت خارجة بن زيد يقول:
(كان النّبيّ ﷺ أوقر النّاس في مجلسه) أي: أعظمهم وقارا إذا برز للناس وجلس معهم، بخلاف ما إذا خلا مع أهله، أو مع خاصّته، فإنّه ينبسط معهم ويلاطفهم؛ يعني: أنّ هذا كان عادته ودأبه ﷺ بحيث لا يصدر عنه خلافه.
و«كان»؛ وإن كانت بحسب الأصل فعلا ماضيا؛ لكنّها قد تستعمل ١- للاستمرار نحو وَكانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦) [النساء]، و٢- للتكرار نحو: كان حاتم يقري الضيف، لقرينة؛ وهو استعمال شائع، ولكثرته عدّه بعض الأصوليين معنى لها، ولم يحقّقه أحد كابن جني في كتاب «الخصائص» ! فإن أردته؛ فانظره. انتهى «خفاجي» .
(لا يكاد يخرج) - بضمّ أوّله مضارع: أخرج- و(شيئا) مفعول، (من أطرافه) أي: أطراف بدنه كرجليه، ولا يكاد يخرج فيه مبالغة، أي: لا يخرج ولا يقرب من الخروج، ولذا عدل عن «لا يخرج» وهو أخصر.
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» من حديث عليّ الطويل:
(كان مجلسه ﷺ مجلس حلم) - بكسر الحاء، وسكون اللام- وهو: ملكة تورث التّؤدة وعدم العجلة عند حركة الغضب وداعية العقوبة.
(و) مجلس (حياء) - بالمدّ- أي: منهم، فكانوا يجلسون معه على غاية من الأدب، فكأنّما على رؤوسهم الطير!
(و) مجلس (أمانة)؛ أي: يأمن المتكلّمون فيه على أسرارهم، فلا ينقل منه ما لا يحبّون إفشاءه؛ كما في الحديث: «المجالس بالأمانة» .
[ ٢ / ٦٢٧ ]
وصيانة، وصبر وسكينة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم،
وورد: «لا إيمان لمن لا أمانة له» . رواه الإمام أحمد، وابن حبّان في «صحيحه»؛ عن أنس ﵁.
(و) مجلس (صيانة)؛ غير موجود في «الشمائل» !
(و) مجلس (صبر) منه على جفائهم (وسكينة)؛ غير موجود في «الشمائل الترمذية» !
والمراد أنّه مجلس أعمال هذه الأمور، أو مجلس اكتسابها، وذلك لأنّ مجلسه مجلس تذكير بالله، وترغيب فيما عنده من الثواب، وترهيب مما عنده من العقاب، فترقّ قلوبهم فيزهدون في الدنيا، ويرغبون في الآخرة.
(لا ترفع) - بالبناء للمفعول- (فيه) أي: في مجلسه (الأصوات)؛ أي:
لا يرفع أحد من أصحابه صوته في مجلسه ﷺ إلّا بمجادلة معاند، أو إرهاب عدوّ.. وما أشبه ذلك، لكونه محرّما عليهم؛ لقوله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ [٢/ الحجرات] .
فكانوا ﵃ على غاية من الأدب في مجلسه ﷺ.
وأمّا كونه وقع رفع الصوت بحضرته في قصة الإفك!! فنادر لا يعتدّ به.
(ولا تؤبن) - بضمّ المثناة الفوقيّة، فهمزة ساكنة وتبدل واوا، ففتح الموحّدة المخفّفة، وقد تشدّد مع فتح الهمزة فنون آخره؛ من الأبن- بفتح الهمزة- وهو العيب، يقال أبنه يأبنه- بكسر الباء وضمّها- أبنا: إذا عابه. أي لا تعاب
(فيه) أي: في مجلسه (الحرم) - بضمّ الحاء وفتح الراء- جمع حرمة؛ وهي: كلّ ما يحرم هتكه. وأما استعماله بمعنى المرأة!! فعاميّة، وإن كان لها وجه؛ قاله الخفاجي.
والمعنى: لا تعاب فيه حرم الناس بقذف، ولا غيبة ونحوهما، بل مجلسه مصون عن كلّ قبيح.
[ ٢ / ٦٢٨ ]
يتعاطفون فيه بالتّقوى، ويتواضعون، ويوقّر الكبار، ويرحم الصّغار، ويؤثرون المحتاج، ويحفظون الغريب، ويخرجون أدلّة على الخير.
قوله: (لا تؤبن فيه الحرم)
(يتعاطفون فيه) أي: يعطف بعضهم على بعض، ويشفق عليه ويرحمه (بالتّقوى)؛ أي: بسبب تقوى الله لا رياء؛ ولا سمعة، ولا خوفا، واتقاء شرّ.
فالباء سببيّة، كقوله تعالى رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٢٩/ الفتح] .
(ويتواضعون) أي: يتواضع بعضهم لبعض، ولا يتكبّر أحد على أحد؛ فيخدمه ويخفض جناحه له، كما قال تعالى أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ [٥٤/ المائدة] وكما قال تعالى أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [٢٩/ الفتح]
(ويوقّر) فيه (الكبار) عمرا؛ أو قدرا.
(ويرحم) فيه (الصّغار) بمقتضى الشفقة، روى الترمذي في «جامعه»؛ عن أنس: «ليس منّا من لّم يرحم صغيرنا ولم يوقّر كبيرنا» .
(ويؤثرون المحتاج) أي: يقدّمونه على أنفسهم في تقريبه للنّبي ﷺ ليقضي حاجته منه. (ويحفظون الغريب) من الناس، أي: يراعونه ويكرمونه، ويحفظون حقّه؛ لبعده عن بلاده وأصحابه، ومفارقة أولاده وأحبابه.
(ويخرجون) من عنده (أدلّة) - بالدال المهملة- أي: علماء هداة يدلون الناس (على الخير) .
قال المصنّف: (قوله: لا تؤبن) - بضمّ المثناة الفوقية وهمزة ساكنة وتبدل واوا؛ من الأبن- بفتح الهمزة- يقال: أبنه يأبنه- بكسر الباء وضمّها- أبنا: إذا عابه ورماه بقبيح، وأصل الأبن: العقدة في القسيّ تفسدها وتعاب بها.
(فيه الحرم) - بضمّ الحاء المهملة وفتح الراء المهملة- جمع الحرمة؛ وهي:
ما لا يحلّ انتهاكه وروي بضمّتين بمعنى النساء من الأهل، وما يحميه الرّجل.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح، ويصان مجلسه عن الرّفث، وما يقبح ذكره.
وكان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب فلا يدري أيّهم هو حتّى يسأل عنه. فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا ليعرفه الغريب فقال: «افعلوا ما بدا لكم»، فبنوا له دكّانا من طين، فكان يجلس عليها.
(أي: لا تذكر فيه النّساء بقبيح) من القول. (و) منه حديث النّهي عن شعر تؤبن فيه النساء، وكذا حديث الإفك «أشيروا عليّ في أناس أبنوا أهلي» . بل كان (يصان مجلسه عن الرّفث) أي: القول الفاحش. (و) عن (ما يقبح) - بضمّ الموحّدة- (ذكره) من لغو القول، وما لا يليق بمقام الكرام. انتهى ملا علي قاري؛ في «شرح الشفاء» وغيره.
(و) في «كشف الغمّة» و«الإحياء»: (كان رسول الله ﷺ يجلس بين أصحابه)؛ مختلطا بهم (كأنّه أحدهم، فيأتي الغريب) من الخارج (فلا يدري أيّهم هو) ﷺ (حتّى يسأل عنه) الحاضرين؛ فيقول: أيّكم ابن عبد المطلب؟
أو: أيّكم رسول الله!؟ فكانوا يقولون: هذا الأبيض المتّكىء.
(فطلب أصحابه منه أن يجلس مجلسا رفيعا) أي: مرتفعا (ليعرفه الغريب) حال دخوله لما يرى من تميّزه في المجلس؛
(فقال: «افعلوا ما بدا لكم») ممّا يجريه الحقّ على أيديكم.
(فبنوا له دكّانا) - بضمّ الدال المهملة وتشديد الكاف- أي: دكة مرتفعة (من طين، فكان يجلس عليها) ﷺ.
قال العراقي: رواه أبو داود، والنّسائيّ، من حديث أبي هريرة؛ وأبي ذرّ
[ ٢ / ٦٣٠ ]
و(الدّكّان) - كالدّكّة-: المكان المرتفع يجلس عليه، وهو المسطبة «١» .
رضي الله تعالى عنهما. انتهى شرح «الإحياء» .
(والدّكّان) - بزنة رمّان- (: كالدّكّة) - بفتح الدّال المهملة؛ في المعنى- وكلاهما معناهما: (المكان المرتفع) عن الأرض (يجلس عليه) .
وفي «المصباح»: الدّكّان يطلق على الحانوت، وعلى الدّكّة التي يقعد عليها.
قال الأصمعي: إذا مالت النخلة بني تحتها من قبل الميل بناء كالدّكان فتمسكها بإذن الله تعالى أي دكّة مرتفعة.
وقال الفارابي: الطّلل ما شخص من آثار الدار؛ كالدّكان ونحوه.
وأما وزنه!! فقال السّرقسطي: النون زائدة؛ عند سيبويه، وكذلك قال الأخفش. وهي: مأخوذة من قولهم «أكمة دكّاء» أي: منبسطة.
وقال ابن القطّاع وجماعة: هي أصليّة؛ مأخوذة من دكنت المتاع: إذا نضدته. ووزنه على الزيادة فعلان، وعلى الأصالة فعال؛ حكى القولين الأزهريّ وغيره.
فإن جعلت الدّكّان بمعنى الحانوت؛ ففيه التذكير والتأنيث. انتهى
(وهو) أي: المكان المرتفع ([المسطبة]) - بفتح الميم وتكسر- أي:
يسمّى بذلك عرفا.
(و) أخرج البزّار في «مسنده»؛ عن قرّة بن إياس- وهو حديث ضعيف؛ كما في العزيزي-:
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: المصطبة. وكلاهما جائز.
[ ٢ / ٦٣١ ]
وكان ﷺ إذا جلس.. جلس إليه أصحابه حلقا حلقا.
وكان ﷺ لا يتنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل من أصحابه، فيدلك بها وجهه وجلده. وكان ﷺ إذا توضّأ.. كادوا يقتتلون على وضوئه؛ أي: الماء الّذي يتوضّأ به.
وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده.. يخفضون أصواتهم، وإذا
(كان ﷺ إذا جلس) يتحدّث (جلس إليه أصحابه حلقا حلقا) قال العزيزي:
بكسر الحاء وفتح اللام. وقال المناوي: [حلقا] بفتحتين؛ على غير قياس، واحدته: حلقة- بالسكون-. والحلقة: القوم الذين يجتمعون متدبّرين، وذلك لاستفادة ما يلقيه من العلوم وينشره من الأحكام الشرعية.
(و) أخرج البخاريّ في «صحيحه»؛ عن مروان بن الحكم، والمسور بن مخرمة في حديث صلح الحديبية الطويل؛ من كلام عروة بن مسعود الثقفي ﵁:
(كان ﷺ لا يتنخّم نخامة) - بضمّ النون-: ما يصعد من الصدر إلى الفم (إلّا وقعت في كفّ رجل) منهم، أي (من أصحابه فيدلك بها) أي: بالنّخامة (وجهه وجلده)؛ تبرّكا بفضلاته. زاد ابن إسحاق: ولا يسقط من شعره شيء إلّا أخذوه.
وفي البخاريّ: وإذا أمرهم بأمر ابتدروا أمره.
(وكان ﷺ إذا توضّأ) الأولى حذف «كان، وما بعدها»، لأنّه من جملة كلام عروة بن مسعود؛ إذ قال: وإذا توضّأ (كادوا يقتتلون على وضوئه) - بفتح الواو- (أي) فضلة (الماء الّذي يتوضّأ به)، أو على ما يجتمع من القطرات، وما يسيل من الماء الذي باشر أعضاءه الشريفة عند الوضوء.
(وكان ﷺ إذا تكلّموا عنده يخفضون أصواتهم)، إجلالا له وتوقيرا. (وإذا
[ ٢ / ٦٣٢ ]
نظروا إليه.. لا يحدّون النّظر؛ تعظيما له ﷺ.
وكان ﷺ يتخوّل أصحابه بالموعظة.
وعن أبي سعيد الخدريّ رضي الله تعالى عنه قال:
نظروا إليه) ﷺ (لا يحدّون) - بضمّ الياء المثناة وكسر الحاء المهملة- من الإحداد؛ وهو: شدّة النظر انتهى؛ من «شرح العيني، وزكريا الأنصاري:
كلاهما على البخاريّ»:
أي: لا يتأمّلونه ولا يديمون (النّظر) إليه (تعظيما له ﷺ) .
وهذا من جملة كلام عروة بن مسعود الثقفي ﵁، ثم قال- أي عروة- بعده حين رجع إلى أصحابه؛ مخبرا لهم بما رأى من الصحابة؛ من محبّتهم لرسول الله ﷺ وإجلالهم وتعظيمهم؛ قال: أي قوم؛ والله لقد وفدت على الملوك، ووفدت على كسرى وقيصر والنّجاشي، والله إن رأيت ملكا قطّ يعظّمه أصحابه ما يعظّم أصحاب محمّد محمّدا، والله؛ إن تنخّم نخامة إلّا وقعت في كفّ رجل منهم؛ فدلك بها وجهه وجلده، وإذا أمرهم ابتدروا أمره، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على وضوئه، وإذا تكلّموا خفضوا أصواتهم عنده، وما يحدّون إليه النظر؛ تعظيما له، وإنّه قد عرض عليكم خطّة رشد!! فاقبلوها الحديث.
(وكان ﷺ يتخوّل) - بفتح المثناة التحتية وفتح التاء الفوقية، والخاء المعجمة والواو المشدّدة المفتوحة واللام- أي: يتعهّد (أصحابه بالموعظة) أي: بالنصائح المفيدة؛ مخافة السامة، أي: الملالة عليهم. رواه الشيخان؛ من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ يتخوّلنا بالموعظة؛ مخافة السامة علينا.
(و) أخرج أبو داود، والترمذيّ في «الشمائل» - واللفظ لها-، والبزار، والبيهقيّ وإسناده ضعيف: كلهم؛ (عن أبي سعيد الخدريّ): سعد بن مالك بن سنان (رضي الله تعالى عنه) وعن والده؛ (قال:
[ ٢ / ٦٣٣ ]
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد.. احتبى بيديه. قوله: (احتبى) الاحتباء: أن يجلس على ألييه ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها عليهما وعلى ظهره.
و(اليدان) بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة.
كان رسول الله ﷺ إذا جلس في المسجد احتبى بيديه)
وفي رواية: بثوبه. زاد البزّار: ونصب ركبتيه.
وأخرج البزار أيضا؛ من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه بلفظ: جلس عند الكعبة فضمّ رجليه وأقامها، واحتبى بيديه. ذكره ملا علي قاري.
قال الباجوري؛ كالمناوي: هذا مخصوص بما عدا ما بعد صلاة الفجر، لخبر أبي داود بسند صحيح؛ عن جابر بن سمرة أنّه ﷺ كان إذا صلّى الفجر تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشمس حسناء. أي: بيضاء نقيّة.
ومخصوص أيضا بما عدا يوم الجمعة والإمام يخطب، للنهي عنه في حديث جابر ابن سمرة: «الاحتباء مجلبة للنّوم»، فيفوته سماع الخطيب. وربما ينتقض وضوءه.
(قوله: احتبى)؛ قال الباجوريّ: (الاحتباء) - بالحاء المهملة- (أن يجلس على ألييه) - بفتح الهمزة- تثنية: ألية؛ وهي: العجيزة، والجمع أليات مثل سجدة وسجدات، ولا تكسر الهمزة؛ كما قاله ابن السّكّيت وجماعة.
(ويضمّ رجليه إلى بطنه بنحو عمامة يشدّها) أي: العمامة (عليهما)، أي:
على رجليه (وعلى ظهره) . هذا معنى الاحتباء، وهذه كيفيته بحسب الاستعمال الكثير المعروف المألوف؛ ويقال: الحبوة جدار العرب.
(واليدان) أي: والاحتباء باليدين (بدل عمّا يحتبي به؛ من نحو عمامة) .
قال الحافظ ابن حجر: والاحتباء جلسة الأعراب، ومنه: الاحتباء حيطان العرب. أي: كالحيطان لهم في الاستناد، فإذا أراد أحدهم الاستناد احتبى، لأنّه لا حيطان في البراري، فيكون الاحتباء بمنزلة الحيطان لهم.
[ ٢ / ٦٣٤ ]
وكان أكثر جلوسه: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة. وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه؛ لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس.
وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه يضيّق بهما على أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا.
وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة.
(و) في «كشف الغمّة» ك «الإحياء»: (كان أكثر جلوسه) أي: هيئات جلوسه وحالات قعوده (: أن ينصب ساقيه جميعا، ويمسك بيديه عليهما شبه الحبوة) - بضمّ الحاء وكسرها-، والعامة تقول «حبية» .
روى البخاريّ؛ من حديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: رأيت رسول الله ﷺ بفناء الكعبة محتبيا بيديه؛ قاله العراقيّ.
(وكان لا يعرف مجلسه ﷺ من مجالس أصحابه)؛ لكثرة تواضعه وعدم تميّزه عليهم. روى أبو داود، والنّسائيّ، من حديث أبي هريرة؛ وأبي ذر رضي الله تعالى عنهما: كان رسول الله ﷺ يجلس بين ظهراني أصحابه؛ فيجيء الغريب؛ فلا يدري أيّهم هو حتى يسأل الحديث. (لأنّه كان حيث انتهى به المجلس جلس) . رواه الترمذي في «الشمائل»؛ من حديث عليّ الطّويل.
(وما رئي ﷺ قطّ مادّا رجليه) بين أصحابه (يضيّق بهما على) أحد من (أصحابه؛ إلّا أن يكون المكان واسعا) لا ضيق فيه. قال العراقيّ: رواه الدّارقطني في «غرائب مالك»؛ من حديث أنس وقال: باطل. وروى الترمذيّ، وابن ماجه:
لم ير مقدّما ركبتيه بين يدي جليس له. زاد ابن ماجه: «قطّ» . وسنده ضعيف.
(وكان أكثر جلوسه ﷺ إلى القبلة)، وكان يحثّ أصحابه بذلك؛ ويقول:
«أكرم المجالس ما استقبل به القبلة» كما رواه الطبرانيّ في «الأوسط»، وابن عديّ، من حديث ابن عمر ﵄. انتهى؛ جميعه من «شرح الإحياء» .
[ ٢ / ٦٣٥ ]
وعن قيلة بنت مخرمة رضي الله تعالى عنها: أنّها رأت رسول الله ﷺ في المسجد، وهو قاعد القرفصاء، قالت:
فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع
(و) أخرج أبو داود، والترمذي في «الجامع» و«الشمائل» - وهذا لفظها- والبخاريّ في «التاريخ»: كلهم؛
(عن قيلة) - بفتح القاف وسكون التحتيّة ولام- (بنت مخرمة) - بفتح الميم وإسكان المعجمة-.
قال في «الإصابة»: قيلة بنت مخرمة التميمية، ثمّ من بني العنبر، ومنهم من نسبها غنوية؛ فصحّف.
هاجرت إلى النبي ﷺ مع حريث بن حسان «وافد بني بكر بن وائل» .
روى حديثها عبد الله بن حسّان العنبري، عن جدّتيه: صفية ودحيية؛ ابنتي عليبة. وكانتا ربيبتي قيلة، وكانت قيلة جدّة أبيها. أنّها قالت:
قدمت على رسول الله ﷺ الحديث بطوله أخرجه الطبرانيّ مطوّلا.
وأخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» طرفا منه، وأبو داود طرفا منه أيضا، والترمذيّ؛ من أول المرفوع إلى قوله «يتعاونان» . قال: فذكر الحديث بطوله وقال: لا نعرفه إلّا من حديث عبد الله بن حسّان. قال أبو عمر: هو حديث طويل فصيح. وقد شرح حديثها أهل العلم بالحديث؛ فهو حديث حسن. انتهى.
(رضي الله تعالى عنها؛ أنّها رأت رسول الله ﷺ في المسجد) بعد صلاة الصبح. (وهو قاعد القرفصاء) - مثلاثة القاف، والفاء؛ مقصورة- والقرفصاء بالضمّ ممدودة، والقرفصاء- بضمّ القاف والراء على الإتباع؛ وهي منصوب مفعول مطلق؛ أي: قعودا مخصوصا. وسيأتي معنى القرفصاء في كلام المصنّف.
(قالت) أي قيلة (: فلمّا رأيت رسول الله ﷺ المتخشّع) - بالتشديد- أي:
[ ٢ / ٦٣٦ ]
في الجلسة «١» .. أرعدت من الفرق.
قوله: (القرفصاء)
الخاشع خشوعا تامّا (في الجلسة) أي: في هيئة جلسته تلك وكيفية قعدته المتضمّنة إظهار عبوديّته؛ فهو خافض الطرف والصوت، ساكن الجوارح؛ لا على هيئة جلوس الجبّارين المتكبّرين؛ من التربّع، والتمدّد، والاتكاء، ورفع الرأس، وشماخة الأنف؛ وعدم الالتفات إلى المساكين، والاحتجاب عن المحتاجين.
والتفعّل ليس للتكلّف؛ بل لزيادة المبالغة في الخشوع.
(أرعدت) - بضمّ تاء المتكلم؛ مبنيّا للمجهول- أي: حصلت لي رعدة (من الفرق) - بفاء وراء مفتوحتين، وقاف- أي: الخوف والفزع الناشىء مما علاه ﷺ من عظم المهابة والجلالة، أو للتّأسّي به، لأنّه إذا كان مع كمال قربه من ربّه غشيه من جلاله ما صيّره كذلك فغيره؛ يجب أن يرعد فرقا وهذا نهاية المهابة. ودليل على أنّ مهابته لأمر سماويّ ليس بالتصنّع.
والظاهر من سياق قصّة قيلة أنّه أوّل ملاقاتها للنّبيّ ﷺ، ولذلك هابته.
ووقع في قصّتها- بعد قولها: أرعدت من الفرق-: فقال له جليسه:
يا رسول الله؛ أرعدت المسكينة!! فقال ﷺ- ولم ينظر إلي وأنا عند ظهره-:
«يا مسكينة عليك السّكينة» . فلما قاله أذهب الله ما كان دخل قلبي من الرّعب انتهى. وقد تقدّم في «اللباس» بعض من قصّتها.
(قوله: القرفصاء) - بضمّ القاف وإسكان الراء وضمّ الفاء وصاد مهملة؛ مع المدّ- وهذه اللغة هي الفصحى، والقرفصى- مثلث القاف والفاء مع القصر- وزاد ابن جني: القرفصاء- بضمّ القاف والراء مع المدّ- وقال: هو على الإتباع ضرب من القعود. قال الجوهري: فإذا قلت قعد فلان القرفصاء. فكأنّك قلت: قعد قعودا مخصوصا.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: جلسته.
[ ٢ / ٦٣٧ ]
هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه، وهي: جلسة المحتبي. وقيل: أن يجلس على ركبتيه منكبّا، ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه.
و(الفرق): الخوف.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه:
و(هي: أن يجلس على ألييه، ويلصق فخذيه ببطنه، ويضع يديه على ساقيه)؛ كما يحتبى بالثوب؛ فتكون يداه مكان الثوب، (وهي: «جلسة المحتبي» .
وقيل) - كما نقله الجوهري؛ عن أبي المهدي- هي (: أن يجلس على ركبتيه منكبّا) - بالنون بعد الميم وباء آخره- (ويلصق بطنه بفخذيه، ويتأبّط كفّيه)، وهي «جلسة الأعراب» .
(والفرق) - بفاء وراء مفتوحتين- (: الخوف) والفزع.
(وعن أنس رضي الله تعالى عنه)؛ كذا في النسخ التي بأيدينا من هذا الكتاب «وسائل الوصول» .
والحديث بتمامه مذكور في «المواهب» !! قال شارحها الزّرقاني:
أخرجه ابن ماجه، والحاكم؛ من حديث أبي مسعود البدريّ، والحاكم أيضا؛ من حديث جرير.
وذكر في «الإحياء» قطعة منه إلى قوله «تأكل القديد» . وعزاه الزّبيديّ شارح «الإحياء» إلى الحاكم؛ من حديث جرير. وقال: صحيح على شرط الشيخين.
وكذا ذكر هذه القطعة في «الشفاء» للقاضي عياض، وعزاها شرّاحه إلى الحاكم؛ من حديث أبي مسعود البدري أيضا.
وراجعت «مستدرك الحاكم» فوجدته ذكر القطعة الّتي في «الإحياء» في
[ ٢ / ٦٣٨ ]
موضعين: الموضع الأول في «التفسير»؛ من حديث جرير بن عبد الله البجلي.
والموضع الثاني: في «المغازي»؛ من حديث أبي مسعود البدري.
كما راجعت ابن ماجه؛ فوجدته ذاكرا القطعة الّتي في «الإحياء»؛ من حديث أبي مسعود البدري.
وذكر النّوويّ في «رياض الصالحين» القطعة الأخيرة من الحديث معزوّة إلى مسلم؛ من حديث عياض بن حمار. قال شارحه ابن علّان: ورواه أبو داود، وابن ماجه؛ من حديث عياض أيضا، وكذا ذكره في «الجامع الصغير» بلفظ «رياض الصالحين»، ورمز له برمز مسلم وأبي داود وابن ماجه؛ عن عياض بن حمار.
وراجعت مسلما وأبا داود وابن ماجه؛ فوجدتهم ذكروا الحديث كما قال النووي، وجعلوه من مسند عياض بن حمار.
ولم أر أحدا من هؤلاء ذكر الحديث من مسند أنس بن مالك؛ كما قال المصنف!! إلّا الإمام الشّعراني في «كشف الغمّة» !! فإنّه ذكر القطعة الّتي ذكرها في «الإحياء»؛ فقال: قال أنس ﵁ وأتي ﷺ برجل الخ فتبعه المصنّف.
نعم؛ رأيت في «سنن ابن ماجه» في «كتاب الزهد» من مسند أنس بن مالك القطعة الأخيرة من الحديث، وهي قوله: قال رسول الله ﷺ: «إنّ الله أوحى إليّ أن تواضعوا، ولا يبغي بعضكم على بعض» .
والظاهر أنّ نسخة «كشف الغمّة» فيها تحريف، وأنّ قوله «قال أنس بن مالك» صوابه: «قاله أنس بن مالك» . والضمير في «قاله أنس» يعود على الكلام قبله، لأنّه المرويّ عن أنس بن مالك. ولفظه: كان ﷺ إذا مرّ على الصبيان سلّم عليهم، ثمّ باسطهم فهذا الحديث هو الّذي رواه أنس بن مالك. أخرجه الإمام الترمذيّ عنه؛ كما ذكره في شرح «الإحياء» .
[ ٢ / ٦٣٩ ]
أتي ﷺ برجل فأرعد من هيبته ﷺ، فقال له ﷺ: «هوّن عليك، فلست بملك، إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد»، فنطق الرّجل بحاجته، فقام ﷺ فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ
وقد تقدّم ذلك في الباب الرابع. فراجعه. والله أعلم.
(أتي ﷺ برجل) يوم الفتح، (فأرعد من هيبته) أي: انتفض جسمه من مهابته (ﷺ) عند وقوع بصره عليه، إذ قد تقدّم من وصفه: أنّه من رآه بديهة هابه.
وما ساقه المصنّف هو لفظ «كشف الغمّة» و«الإحياء» !!
وفي «المواهب»: ولقد جاء إليه ﷺ رجل فقام بين يديه؛ فأخذته رعدة شديدة ومهابة، (فقال له ﷺ: «هوّن عليك) - أي: خفّف عن نفسك هذا الخوف وأزله منك، ولا تجزع منّي-، (ف) - إني- (لست بملك) أي: متصوّر بصورة ملوك الأرض يهاب منهم! (إنّما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد»)؛ أي: اللحم اليابس، وكانت قريش تقدّد اللحم وترفعه لوقت الحاجة. (فنطق الرّجل بحاجته) التي جاء لها، فسكّن ﵊ روعه؛ شفقة، لأنّه بالمؤمنين رؤوف رحيم، وسلب عن نفسه الملوكية؛ بقوله «فإنّي لست بملك» لما يلزمها من الجبروتية، وقال «أنا ابن امرأة» فنسب نفسه إليها، ولم يقل «رجل» !! زيادة في شدّة التواضع؛ وتسكين الروع، لما علم من ضعف النسّاء، ووصفها بأنها تأكل القديد!! تواضعا، لأن القديد مفضول، وهو مأكول المتمسكنة، وكأنّه قال «أنا ابن امرأة مسكينة تأكل مفضول الأكل؛ فكيف تخاف مني!!» .
(فقام ﷺ)؛ إذ رأى تواضع نفسه مع الرجل سكّن روعه فتمكّن من عرض حاجته عليه؛ آمرا لهم بالتواضع وبيّن أنّه بالوحي؛
(فقال: «يا أيّها النّاس؛ إنّي أوحي إليّ) وحي إرسال، وزعم أنّه وحي
[ ٢ / ٦٤٠ ]
أن تواضعوا، ألا فتواضعوا حتّى لا يبغي أحد على أحد، ولا يفخر أحد على أحد،
إلهام!! خلاف الأصل؛ وخلاف الظاهر بغير دليل، والوحي: إعلام في خفاء.
(أن تواضعوا) أي: تواضعكم، أي: آمركم به (ألا فتواضعوا) بخفض الجناح ولين الجانب (حتّى لا يبغي) أي: لا يجور ولا يعتدي؛ (أحد) منكم (على أحد) ولو ذمّيّا؛ أو معاهدا؛ أو مؤمّنا. والبغي: مجاوزة الحدّ في الظلم.
وذلك لأنّ من انكسر وتذلّل امتثالا لأمر الله ﷿ حال ذلك بينه وبين الفساد والوقوع في الظلم والاعتداء والعناد، ف «حتّى» هنا بمعنى «كي»؛ كما قال الطيبي، فهو علّة للتواضع، فيكون طريقا لترك البغي والتعدّي.
(ولا يفخر) - بفتح الخاء المعجمة- والفخر: هو المباهاة بالمكارم والمناقب؛ من حسب ونسب.. وغير ذلك، سواء كان فيه، أو في آبائه. أي: لا يباهي (أحد) بتعداد محاسنه؛ كبرا، ورفع قدره على الناس؛ تيها وعجبا مستعليا بفخره (على أحد) ليس كذلك، فالخلق من أصل واحد، والنظر إلى العرض الحاضر الزائل ليس من شأن العاقل.
قال المجد ابن تيمية: نهى الله على لسان رسوله ﷺ عن نوعي الاستطالة على الخلق، وهما: البغي والفخر، لأن المستطيل إن استطال بحقّ؛ فقد افتخر، أو بغير حق فقد بغى. فلا يحلّ هذا ولا هذا، فإن كان الإنسان من طائفة فاضلة؛ كبني هاشم!! فلا يكن حظّه استشعار فضل نفسه، والنظر إليها، فإنّه مخطىء، إذ فضل الجنس لا يستلزم فضل الشخص، فربّ حبشيّ أفضل عند الله من جمهور قريش.
ثم هذا النظر يوجب بغضه وخروجه عن الفضل؛ فضلا عن استعلائه بهذا.
واستطالته به.
وأخذ منه أنّه يتأكّد للشيخ التواضع مع طلبته، وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥) [الشعراء] وإذا طلب التواضع لمطلق النّاس؛ فكيف لمن له حقّ
[ ٢ / ٦٤١ ]
وكونوا عباد الله إخوانا» .
وعن عبد الله بن زيد
الصحبة وحرمة التودّد وصدق المحبّة؟!! لكن لا يتواضع معهم مع اعتقاد أنّهم دونه! فقد قال ابن عطاء الله السّكندري رحمه الله تعالى: من أثبت لنفسه تواضعا؛ فهو المتكبّر حقّا، فالتواضع لا يكون إلّا عن رفعة مع عظمة واقتدار؛ ليس المتواضع الذي إذا تواضع رأى أنّه فوق ما صنع، بل الذي إذا تواضع رأى أنّه دون ما صنع. انتهى ذكره المناوي على «الجامع الصغير» .
(وكونوا) يا (عباد الله) فهو منادى بحذف الأداة، والخبر قوله (إخوانا»)، لا قوله «عباد الله» إذ هم عباده، فالقصد كونهم إخوانا. انتهى «زرقاني» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، وأبو داود، والترمذيّ، والنسائيّ، و«الموطأ»، و«الشمائل»؛ (عن) أبي محمد (عبد الله بن زيد) بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن غنم بن مازن بن النّجّار الأنصاري المازني؛ يعرف ب «ابن أمّ عمارة» واسمها نسيبة- بفتح النون وضمها- وهو راوي ١- حديث: صفة الوضوء، و٢- حديث: الرجل يشكّ في الحدث؛ فلا ينصرف حتى يسمع صوتا، و٣- حديث: صلاة الاستسقاء.
وهو غير صاحب الأذان. لأنّ هذا اسمه عبد الله بن زيد بن عبد ربه، وليس له إلّا حديث الأذان فقط، وتوفي في خلافة عثمان ﵁ سنة: اثنتين وثلاثين هجرية. بخلاف عبد الله بن زيد بن عاصم صاحب الترجمة؛ فإنّ له عدّة أحاديث، وشهد أحدا؛ وما بعدها من المشاهد،
واختلفوا في شهوده بدرا!! فقال ابن منده، وأبو نعيم الأصبهاني: شهدها.
وقال ابن عبد البرّ؛ لم يشهدها. ويقال: هو قاتل مسيلمة الكذّاب. شارك وحشيا في قتله؛ رماه وحشي بالحربة، وقتله عبد الله بن زيد بسيفه.
خرّج له الجماعة أهل الكتب الستة. وروى عنه ابن أخيه عبّاد بن تميم،
[ ٢ / ٦٤٢ ]
رضي الله تعالى عنهما: أنّه رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا في المسجد، واضعا إحدى رجليه على الآخرى.
ويحيى بن عمارة، وواسع بن حبان وغيرهم.
واستشهد يوم الحرّة بالمدينة المنورة سنة: ثلاث وستين، وهو: ابن سبعين سنة، وكان أبوه زيد صحابيا (رضي الله تعالى عنهما)؛ ذكره النووي في «التهذيب» .
(أنّه) أي: عبد الله بن زيد (رأى النّبيّ ﷺ مستلقيا)؛ أي: مضطجعا على قفاه (في المسجد)، ولا يلزم منه نوم، ولا يخفى أنّه إذا حلّ الاستلقاء في المسجد حلّ الجلوس فيه بالأولى، فلهذا ذكر هذا الحديث في فصل جلوس رسول الله ﷺ، فاندفع ما يقال «الاستلقاء ليس من الجلوس، فلا وجه لذكر هذا الحديث في هذا الباب» .
(واضعا) حال من النبي ﷺ، وكذا قوله «مستلقيا في المسجد» حال من النبي؛ فيكون حالا مترادفة، أو «واضعا» حال من ضمير «مستلقيا»؛ فتكون حالا متداخلة، أي: حال كونه واضعا (إحدى رجليه على الآخرى)، وهذا يدلّ على حلّ وضع الرّجل على الآخرى حال الاستلقاء، مع مدّ الآخرى؛ أو رفعها.
لكن يعارض ذلك رواية مسلم؛ عن جابر: أن النبيّ ﷺ قال: «لا يستلقينّ أحدكم ثمّ يضع إحدى رجليه على الآخرى» .
وجمع بأن الجواز لمن لم يخف انكشاف عورته بذلك، كالمتسرول مثلا، والنهي خاصّ بمن خاف انكشاف عورته بذلك؛ كالمؤتزر.
وإنما اطلق النهي!! لأن الغالب فيهم الاتزار.
نعم؛ الأولى خلافه في مجامع الناس، وبحضرة من يحتشمه، وإن لم يخف الانكشاف؛ لا كخدمه وأصاغر جماعته، والظاهر من حال المصطفى ﷺ أنّه إنّما فعله عند خلوّه ممن يحتشم منه.
[ ٢ / ٦٤٣ ]
وروى أبو داود بسند صحيح: أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر.. تربّع في مجلسه حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي: بيضاء نقيّة.
وهذا الجمع- كما قال الحافظ ابن حجر- أولى من ادّعاء النسخ، لأنه لا يصار إليه بالاحتمال، وأولى من زعم أنّه من خصائصه، لأنه لا يثبت بالاحتمال أيضا، ولأن بعض الصّحب كانوا يفعلونه بعد المصطفى ﷺ بالمسجد؛ ولم ينكره!! انتهى مناوي، وباجوري على «الشمائل» .
(وروى أبو داود) في «كتاب الأدب» (بسند صحيح)، وكذا رواه الإمام أحمد، ومسلم، والترمذي، والنسائي بتغيير في الألفاظ؛ كلهم عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه
(أنّ رسول الله ﷺ كان إذا صلّى الفجر تربّع في مجلسه) أي: يذكر الله تعالى- كما في رواية الطبراني- (حتّى تطلع الشّمس حسناء؛ أي: بيضاء نقيّة)؛ أي:
زائلة عنها الصفرة التي تتخيل فيها عند الطلوع بسبب ما يعترض دونها على الأفق من الأبخرة والأدخنة. والمعنى أنّه كان يجلس متربّعا في مجلسه مستقبل القبلة يذكر الله تعالى إلى ارتفاع الشمس.
وفيه استحباب الجلوس في المصلّى بعد صلاة الصبح إلى طلوع الشمس، مع الاشتغال بذكر الله تعالى في هذه الجلسة، فإنّ ثواب ذلك عظيم جدّا.
فقد ورد عنه ﷺ- فيما رواه أبو داود، وأبو يعلى؛ عن أنس رضي الله تعالى عنه بإسناد حسن- أنّه قال: «لأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة الغداة حتّى تطلع الشّمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل؛ دية كلّ واحد منهم اثنا عشر ألفا، ولأن أقعد مع قوم يذكرون الله تعالى من صلاة العصر إلى أن تغرب الشّمس أحبّ إليّ من أن أعتق أربعة من ولد إسماعيل؛ دية كلّ واحد منهم اثنا عشر ألفا» .
[ ٢ / ٦٤٤ ]
وكان ﷺ لا يقوم من مجلس إلّا قال:
«سبحانك اللهمّ وبحمدك، لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، وقال: «لا يقولهنّ أحد حيث يقوم من مجلسه.. إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس» .
وأخرج الترمذيّ- وقال: حسن غريب-؛ عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه؛ عن النبيّ ﷺ قال: «من صلّى الفجر في جماعة ثمّ قعد يذكر الله تعالى حتّى تطلع الشّمس، ثمّ صلّى ركعتين؛ كانت له كأجر حجّة وعمرة تامّة تامّة
تامّة» .
قال في «الحرز»: قوله «ثمّ قعد يذكر الله تعالى» أي: استمرّ على حال ذكره؛ سواء كان قائما، أو قاعدا، أو مضطجعا. والجلوس أفضل إلّا إذا عارضه أمر؛ كالقيام لطواف، أو صلاة جنازة، أو لحضور درس ونحوها. انتهى.
وما ذكره من القيام للطواف!! جرى على مثله المحقّق الشهاب الرّمليّ.
وفي «التحفة» لابن حجر: وأفتى بعضهم بأن الطواف بعد الصبح أفضل من الجلوس ذاكرا إلى طلوع الشمس وصلاة ركعتين، وفيه نظر ظاهر!! بل الصواب أنّ الثاني أفضل، لأنّه صحّ في الأخبار الصحيحة ما يقارب ذلك، ولأن بعض الأئمة كره الطواف بعد الصبح؛ ولم يكره أحد تلك الجلسة، بل أجمعوا على ندبها وعظيم فضلها. انتهى «شرح الأذكار» .
(و) أخرج الحاكم في «المستدرك» - قال العزيزي: وهو حديث صحيح- عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: (كان) رسول الله (ﷺ لا يقوم من مجلس)؛ أي: لا يفارقه (إلّا قال) - أي: قبل قيامه أو عقبه-
(: «سبحانك اللهمّ) - ربي، وفي رواية: ربّنا- (وبحمدك) أي: سبّحتك (لا إله إلّا أنت، أستغفرك وأتوب إليك»، وقال: «لا يقولهنّ)؛ أي: هذه الكلمات (أحد حيث يقوم من مجلسه إلّا غفر له ما كان منه في ذلك المجلس») .
[ ٢ / ٦٤٥ ]
وكان ﷺ إذا جلس مجلسا، فأراد أن يقوم..
استغفر عشرا إلى خمس عشرة،
أي: الذنوب الواقعة فيه مطلقا، أو خصوص الصغائر عند الجمهور إلّا حقوق الخلق؛ من نحو غيبة، أو أخذ مال، فلا بدّ من ردّه، أو استحلاله؛ قاله الحفني.
قال المناوي: في رواية «أنه كان يقول ذلك ثلاثا» .
قال الحليمي: كان يكثر أن يقول ذلك بعد نزول سورة الفتح الصغرى «١» عليه، وذلك لأن نفسه نعيت إليه بها.
فينبغي لكلّ من ظنّ أنّه لا يعيش مثل ما عاش؛ أو قام من مجلس فظنّ أنّه لا يعود إليه أن يستعمل هذا الذكر. إلى هنا كلامه!.
وقال الطيّبيّ: فيه ندب الذكر المذكور عند القيام، وأنّه لا يقوم حتّى يقوله، إلّا لعذر.
قال القاضي عياض: وكان السّلف يواظبون عليه، ويسمّى ذلك «كفّارة المجلس» .
(و) أخرج ابن السّنّيّ في «عمل اليوم والليلة»؛ عن أبي أمامة الباهليّ؛- وهو حديث حسن لغيره؛ كما قال العزيزي-:
(كان) رسول الله (ﷺ إذا جلس مجلسا)؛ أي: قعد مع أصحابه يتحدّث، (فأراد أن يقوم) منه (استغفر) الله تعالى (عشرا) من المرّات، وزاد (إلى خمس عشرة) مرّة، بأن يقول «أستغفر الله الّذي لا إله إلّا هو الحيّ القيّوم وأتوب إليه» كما ورد تعيينه في خبر آخر، فتارة يكرّرها عشرا، وتارة يزيد إلى خمس عشرة مرّة.
_________________
(١) هي السورة التي ذكر فيها النصر: إِذا جاءَ نَصْرُ اللَّهِ وأما الكبرى فهو التي ذكر فيها إِنَّا فَتَحْنا لَكَ
[ ٢ / ٦٤٦ ]
وروى ابن السّنّيّ: عشرين مرّة.
وكان ﷺ إذا انصرف.. انحرف بجانبه.
وكان ﷺ إذا قام
وهذه تسمّى «كفارة المجلس» أي: أنّها ماحية لما يقع فيه من اللّغط، وكان ﵊ يقولها تعليما للأمة، وتشريعا، وحاشا مجلسه من وقوع اللّغط!!.
(و) قد (روى ابن السّنّيّ) أيضا؛ عن عبد الله الحضرمي أنّه ﷺ كان إذا قام من المجلس استغفر الله (عشرين مرّة)؛ فأعلن بالاستغفار. أي: نطق به جهرا؛ لا سرّا، ليسمعه القوم فيقتدوا به.
وأخرج النسائي في «اليوم والليلة»؛ عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت:
ما جلس رسول الله ﷺ مجلسا، ولا تلا قرآنا، ولا صلّى إلّا ختم ذلك بكلمات فقلت يا رسول الله أراك ما تجلس مجلسا، ولا تتلو قرآنا ولا تصلّي صلاة إلا ختمت بهؤلاء الكلمات؟! قال: «نعم؛ من قال خيرا كنّ طابعا له على ذلك الخير، ومن قال شرّا كانت كفّارة له: سبحانك اللهمّ [و] بحمدك، لا إله إلّا أنت أستغفرك، وأتوب إليك» . انتهى. ذكره المناوي في «الشرح الكبير على الجامع الصغير» .
(و) أخرج أبو داود بسند حسن؛ عن يزيد بن الأسود العامري السوائي رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ إذا انصرف)؛ أي: من صلاته بالسّلام (انحرف بجانبه)، بأن يدخل يمينه في المحراب ويساره إلى الناس- على ما عليه الحنفية-، أو عكسه- على ما عليه الشافعية-؛ فيندب ذلك للإمام إلّا إذا كان في مسجد المدينة فالأفضل موافقة الحنفية، لئلا يصير مستدبرا لقبره ﷺ.
انتهى «عزيزي» .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»؛ عن وائل بن حجر الحضرمي رضي الله تعالى عنه قال:
(كان ﷺ إذا قام)؛ أي: من جلسة الاستراحة في الصلاة؛ كما في
[ ٢ / ٦٤٧ ]
اتّكأ على إحدى يديه.
وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ:
فعن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه قال: رأيت رسول الله ﷺ متّكئا على وسادة على يساره.
وعن أبي بكرة
المناوي. قال العزيزي: وظاهر الحديث الإطلاق، وهو المنقول في كتب الفقه (اتّكأ) - بالهمزة-، (على إحدى يديه) كالعاجن- بالنون-، فيندب ذلك لكلّ مصلّ من إمام أو غيره؛ ولو ذكرا قويّا، لأنه أعون وأشبه بالتواضع.
وقوله «إحدى يديه» هو ما وقع في هذا الخبر، وفي بعض الأخبار «يديه» بدون «إحدى»، وعليه الشافعية؛ فقالوا لا تتأدّى السنّة بوضع إحداهما مع وجود الآخرى وسلامتها؛ قاله المناوي في «شرحه الكبير على الجامع الصغير» .
(وأمّا اتّكاء رسول الله ﷺ)؛ وهو الاعتماد على الشيء من وسادة ونحوها.
(ف) قد ورد فيما أخرجه أبو داود في «اللباس»، والترمذي في «الجامع» في «الاستئذان»، وقال: حديث حسن غريب. وفي «الشمائل» - واللفظ لها-؛
(عن جابر بن سمرة رضي الله تعالى عنه؛ قال: رأيت رسول الله ﷺ) أي:
أبصرته حال كونه (متّكئا على وسادة) - بكسر الواو- بوزن: إفادة- بمهملات- متعلّق ب «متّكئا» . وهي المخدّة- بكسر الميم وفتح الخاء المعجمة- وقد يقال: «وساد» بلا تاء، و«أساد» بالهمزة بدل الواو (على يساره)؛ أي: حال كونها موضوعة على يساره، أي: جانبه الأيسر، وهو لبيان الواقع، وإلّا! فيحلّ الاتكاء يمينا أيضا.
وقد بيّن الراوي في هذا الخبر ما اتكأ عليه النبي ﷺ وكيفية اتكائه.
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والترمذيّ في «الجامع» و«الشمائل» واللفظ لها؛ كلهم
(عن أبي بكرة) - بالهاء في آخره- كنّي بذلك!! لأنه تدلّى من حصن بالطائف
[ ٢ / ٦٤٨ ]
رضي الله تعالى عنه وأرضاه قال: قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدّثكم
إلى النبي ﷺ ببكرة، وكان أسلم وعجز عن الخروج من الطائف إلّا هكذا.
وهو صحابي مشهور بكنيته، واسمه نفيع- بضم النون وفتح الفاء؛ بعدها مثناة تحتية؛ مصغّر- ابن الحارث بن كلدة- بكاف ولام مفتوحتين- ابن عمرو بن علاج بن أبي سلمة، وهو عبد العزّى بن غيرة- بكسر الغين المعجمة- ابن عوف بن قسي- بفتح القاف وكسر السين المهملة- وهو ثقيف بن منبه الثقفي البصري.
وأمّه سميّة أمة للحارث بن كلال؛ وهي أيضا أمّ زياد بن أبيه، فهو أخوه من الأم.
وكان أبو بكرة من الفضلاء الصالحين، ولم يزل على كثرة العبادة حتى توفّي، وكان أولاده أشرافا بالبصرة في كثرة العلم والمال والولايات.
قال الحسن البصري: لم يكن بالبصرة من الصحابة أفضل من عمران بن حصين؛ وأبي بكرة. واعتزل أبو بكرة يوم الجمل فلم يقاتل مع أحد من الفريقين.
وروي له عن النبي ﷺ مائة حديث واثنان وثلاثون حديثا؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على ثمانية أحاديث، وانفرد البخاريّ بخمسة، وانفرد مسلم بحديث.
روى عنه ابناه: عبد الرحمن ومسلم، وربعيّ بن حراش، والحسن البصري، والأحنف.
وكانت وفاته بالبصرة سنة: إحدى وخمسين، وقيل سنة: اثنتين وخمسين هجرية (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه. (قال:
قال رسول الله ﷺ: «ألا أحدّثكم) وفي رواية: ألا أخبركم» وفي أخرى:
«ألا أنبّئكم» ومعنى الكلّ واحد.
قال الزين العراقي: ويؤخذ من ذلك أنّه ينبغي للعالم أن يعرض على أصحابه ما يريد أن يخبرهم به، وكثيرا ما كان يقع ذلك من المصطفى ﷺ،
[ ٢ / ٦٤٩ ]
بأكبر الكبائر؟»،
ويحتمل ذلك أمورا؛ منها: ألايجد عندهم قابليّة لما يريد إخبارهم به، لاحتمال كونهم مشغولين بشيء آخر.
ومنها: حثّهم على التفرّغ والاستماع لما يريد إخبارهم به.
ومنها: أن يكون وجد هناك سببا يقتضي التحذير بما يحذّرهم، أو الحضّ على الإتيان بما فيه صلاحهم.
(بأكبر الكبائر») - وفي رواية: «ألا أنبّئكم بأكبر الكبائر؟!! «ثلاثا» .
والمراد: أن المصطفى ﷺ أعاد هذه الكلمة ثلاث مرّات؛ على عادته في تكرير كلامه المفيد؛ تأكيدا لينبّه السامع على احضار قلبه وفهمه للخبر الذي يذكره- كما يأتي في وصف كلامه-.
والكبائر؛ جمع كبيرة، واختلف في تعريفها!! فقيل: ما توعّد عليه بخصوصه بنحو غضب، أو لعن في الكتاب أو السنة. واختاره في «شرح اللّبّ» للقاضي زكريا الأنصاري. وقيل: ما يوجب حدّا.
واعترض على الأوّل: بالظهار، وأكل الخنزير، والإضرار في الوصية؛ ونحو ذلك مما عدّ كبيرة؛ ولم يتوعّد عليه بشيء من ذلك.
واعترض على الثاني: بالفرار من الزحف، والعقوق، وشهادة الزور، ونحوها من كلّ ما لا يوجب حدّا؛ وهو كبيرة.
وقيل: كلّ جريمة تؤذن بقلّة اكتراث مرتكبها بالدّين ورقّة الدّيانة؛ وعليه إمام الحرمين. وهو أشمل التعاريف.
لكن اعترض عليه بأنه يشمل صغائر الخسّة؛ كسرقة لقمة، وتطفيف حبّة.
والإمام إنّما ضبط به ما يبطل العدالة من المعاصي.
قال بعض الشافعية: والتحقيق: أنّ كلّ واحد من الأوجه اقتصر على بعض أنواعها. وبمجموع الأوجه يحصل ضابطها. وقد عدّوا منها جملة مستكثرة، حتّى
[ ٢ / ٦٥٠ ]
قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين»،
قال الأذرعي في «التوسّط»: رأيت للحافظ الذهبي جزآ جمع فيه من الكبائر أربعمائة. انتهى.
أقول: قد وقفت على ذلك الجزء، فلم أجده عدّ فيه إلّا نحو ثمانين!! انتهى (مناوي)
وقد استوعب المحقّق ابن حجر الهيتميّ في «الزواجر» كلّ ما قيل فيه «إنّه كبيرة»، أو انطبق عليه تعاريف الكبيرة. وقد عدّ منها أربعمائة ونيّفا وستين؛ في مجلدين ضخمين وهو مطبوع متداول!! فلينظره من أراده
(قالوا: بلى)، أي: حدّثنا (يا رسول الله)
فائدة النداء مع عدم الاحتياج إليه!! الإشارة إلى عظيم الإذعان لرسالته المصطفوية، وما ينشأ عنها من بيان الشريعة واستجلاب ما عنده من الكمالات والعلوم التي أوتيها بعد رسالته؛ كذا قيل. ذكره المناوي على «الشمائل»
(قال: «الإشراك بالله) يعني الكفر به، وإنما عبّر بالإشراك!! لأنه أغلب أنواع الكفر؛ لا لإخراج غيره (وعقوق) - بضمّ العين المهملة- (الوالدين»)؛ أو أحدهما. وجمعهما!! لأن عقوق أحدهما يستلزم عقوق الآخر غالبا، أو يجرّ إليه، لأن من تجرّأ على أحدهما تجرّأ على الآخر، لأن المعصية عقوبة المعصية قبلها، والطاعة تعجيل لبعض ثواب الطاعة قبلها، فالطاعات تتسلسل، كما أن المعاصي والذنوب تتسلسل بعضها يلي بعض، فالمتأخّرة من بعض ثمرات المتقدّمة
والمراد من العقوق: أن يصدر من الولد في حقّهما ما من شأنه أن يؤذيهما من قول؛ أو فعل مما لا يحتمل عادة.
والمراد بالوالدين: الأصلان؛ وإن عليا. ومال الزركشيّ الشافعي إلى إلحاق العمّ والخال بهما، ولم يتابع عليه!.
وقرن العقوق بالشرك!! لمشاركته له من حيث أنّ الأب سبب وجوده ظاهرا؛
[ ٢ / ٦٥١ ]
قال: وجلس رسول الله ﷺ- وكان متّكئا- قال:
«وشهادة الزّور»؛ أو: «قول الزّور»
وهو يربّيه، ولذلك ذكرهما تعالى في سلك واحد، فقال. وَقَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْسانًا [٢٣/ الإسراء] .
(قال) أي: أبو بكرة (وجلس رسول الله ﷺ)؛ تنبيها على عظم إثم شهادة الزور وتأكيد تحريمها وعظيم قبحها. (وكان متّكئا) قبل جلوسه.
وهذا وجه مناسبة الحديث للترجمة، لأن فيه الاتّكاء.
(قال)؛ أي: النبيّ ﷺ استئناف بيانيّ، فكأنّ سائلا قال: ما فعل بعد ما جلس!! فقال: قال (وشهادة الزّور)؛ عطف على ما سبق، أي: وأكبر الكبائر شهادة الزور.
وخصّها!! ١- لما يترتّب عليها من نحو قتل وزنا، و٢- لغلبة وقوع الناس فيها واستهانتهم بها، فإنّ الشّرك ينبو عنه قلب المسلم، والعقوق يضرب عنه الطبع. وأما الزور!! فالحامل عليه كثير؛ من نحو عداوة، وحسد، فاحتيج للاهتمام بتعظيمه، وليس ذلك لكونه فوق الإشراك؛ أو مثله، بل لتعدّي مفسدته إلى الغير، فكانت أبلغ ضررا من هذا الوجه.
قال القرطبي: شهادة الزور هي الشهادة بالكذب ليتوصّل بها إلى الباطل؛ من إتلاف نفس، أو أخذ مال، أو تحليل حرام؛ أو تحريم حلال، فلا شيء أعظم ضررا منه، ولا أكثر فسادا بعد الشرك بالله. انتهى؛ ذكره العلامة ملا علي قاري.
قال المطرّزيّ: وأصل الزّور تحسين الشيء، ووصفه بخلاف صفته حتّى يخيّل لمن سمعه بخلاف ما هو. وقيل للكذب «زور» !! لأنه مائل عن جهته.
(أو «قول الزّور») شكّ من الراوي، لا من الصحابي، إذ يبعد نسيانه مع المبالغة وكثرة التكرار. ورواية البخاري لا شكّ فيها؛ وهي «ألا وقول الزّور، وشهادة الزّور» فما زال يكرّرها حتّى قلنا: ألا سكت!!.
[ ٢ / ٦٥٢ ]
قال: فما زال رسول الله ﷺ يقولها حتّى قلنا: ليته سكت.
قال ابن دقيق العيد: يحتمل أن يكون عطف تفسير، فإنّا لو حملنا القول على الإطلاق؛ لزم أن الكذبة الواحدة كبيرة!! وليس كذلك.
وجزم غيره بأنّه عطف خاصّ على عامّ، وأنّ كلّ شهادة زور قول زور، ولا ينعكس.
وفيه أنّه ينبغي للواعظ والمفيد فعل ما يفيد كثرة توجّه الحاضرين من تغيير الوضع والتكرار والمبالغة وإجهاد النفس في الإفادة؛ حتّى يرحمه السامعون، كما يدلّ له قوله (قال) أي: أبو بكرة
(: فما زال رسول الله ﷺ يقولها) أي: هذه الكلمة؛ وهي «شهادة الزّور، أو قول الزّور» (حتّى قلنا: ليته سكت) تمنّوا سكوته!! شفقة عليه وكراهة لما يزعجه، أو خوفا أن يجري على لسانه ما يوجب نزول البلاء عليهم. وفيه ما كانوا عليه من كثرة الأدب والمحبّة والشفقة عليه ﷺ.
[ ٢ / ٦٥٣ ]
[الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته]
الفصل السّادس في صفة كرمه ﷺ وشجاعته (الفصل السّادس) من الباب الخامس (في) بيان ما ورد في (صفة كرمه) - بفتحتين- (ﷺ) .
اعلم أنّ الجود والكرم والسخاء معانيها متقاربة، وبعضهم جعل بينها فرقا؛ فقال: الكرم- بفتحتين-: الإنفاق بطيب نفس فيما يعظم خطره.
وفي «القاموس»: الكرم- محرّكة-: ضدّ اللؤم، كرم- بضمّ الراء- كرامة وكرما؛ فهو كريم. وفي «القاموس» أيضا: اللؤم: ضدّ الكرم. انتهى
والسخاء: صفة غريزية؛ وهي سهولة الإنفاق وتجنّب اكتساب ما لا يحمد من الصنائع المذمومة؛ كالحجامة، وأكل ما لا يحلّ؛ مأخوذ من الأرض السّخاوية وهي الرّخوة اللينة، ولذا وصف الله تعالى ب «جواد» دون «سخي»، لأنه أوسع في معنى العطاء، وأدخل في صفة العلا. فعلى هذا هو أخصّ، وفي مقابلة السخاء: الشحّ، وهو أشدّ البخل. والشحّ من لوازم صفة النفس، قال الله تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ- أي: حرصها على المال- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩) [الحشر] فحكم بالفلاح لمن وقي الشحّ، وحكم بالفلاح لمن أنفق وبذل؛ فقال وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥) [٣- ٥/ البقرة]
والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين، وليس الشحّ من الآدمي بعجيب، لأنّه جبلّي فيه، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة.
والسخاء أتمّ وأكمل من الجود؛ بناء على تغايرهما. والأصحّ أن السخاء أدنى
[ ٢ / ٦٥٤ ]
منه، ولذا لم يوصف الله به- كما مرّ- وفي مقابلة الجود البخل، وفي مقابلة السخاء الشحّ
والجود: إعطاء ما ينبغي شرعا لمن ينبغي أن يعطى لاستحقاقه، لأجل الصفة القائمة به؛ كالفقر. وقيل: الجود تجنّب اكتساب ما لا يحمد، وهو ضدّ التقتير.
والجواد الذي يتفضّل على من يستحقّ، ويعطي من لا يسأل، ويعطي الكثير؛ ولا يخاف الفقر. والسخيّ: الليّن عند الحاجة.
قال الأستاذ القشيريّ: قال القوم: من أعطى البعض فهو سخي، ومن أعطى الأكثر؛ وأبقى لنفسه شيئا فهو جواد، ومن قاسى الضّرّ وآثر غيره بالبلغة فهو مؤثر.
انتهى.
والجود والبخل يتطرّق إليهما الاكتساب بطريق العادة، بخلاف الشحّ والسّخاء، إذ كان ذلك من ضرورة الغريزة؛ فلا يمكن اكتسابهما، وبناء على التفرقة يقال: كلّ سخيّ جواد، وليس كلّ جواد سخيّا.
والجود يتطرّق إليه الرياء، ويأتي به الإنسان متطلّعا إلى غرض من الخلق؛ أو الحقّ بمقابلة من الثناء، أو غيره من الخلق والثواب من الله تعالى.
ولا يتطرّق الرياء إلى السخاء، لأنه غريزة لا صنع فيه، فلا يقصد به غرض، إذ هو ينبع من النفس الزكيّة المرتفعة عن الأغراض. أشار إليه العارف السّهروردي في «عوارف المعارف» . انتهى؛ ذكره في «المواهب» وشرحها.
(و) في بيان ما ورد في صفة (شجاعته) - مثلّث الشين المعجمة- قال الشامي: الشجاعة: انقياد النفس مع قوّة غضبيّة، وملكة يصدر عنها انقيادها في إقدامها متدرّبة على ما ينبغي؛ في زمن ينبغي؛ وحال ينبغي. انتهى
وهي مصدر شجع- بالضمّ- شجاعة، فهو شجيع وشجاع- بضمّ الشين-،
[ ٢ / ٦٥٥ ]
عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما أنّه قال: ما سئل رسول الله ﷺ شيئا قطّ فقال: (لا) .
وبنو عقيل بفتحها؛ حملا على نقيضه وهو جبان، وبعضهم كسرها للتخفيف؛ فرارا من توالي حركات متوالية من جنس واحد، وهو: الشديد القلب عند البأس المستهين بالحروب. انتهى من «شرح المواهب» للزرقاني.
(عن جابر بن عبد الله) بن عمرو بن حرام (رضي الله تعالى عنهما؛ أنّه قال)؛ فيما رواه البخاريّ، ومسلم، والترمذي في «الشمائل» - وهذا لفظها-:
حدّثنا محمد بن بشّار؛ قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي؛ قال: حدّثنا سفيان، عن محمد بن المنكدر؛ قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول:
(ما سئل رسول الله ﷺ)؛ أي: ما طلب منه أحد (شيئا) يقدر عليه من أمور الدنيا الخيرية (قطّ) أبدا، (فقال «لا) أعطيك» ردّا له، بل إمّا أن يعطيه؛ إن كان عنده المسئول، أو يقول له ميسورا من القول بأن يعده، أو يدعو له، فكان إن وجد جاد، وإلّا وعد؛ ولم يخلف الميعاد. ولذلك قال الفرزدق:
ما قال «لا» قطّ إلّا في تشهّده لولا التّشهّد كانت لاءه «نعم»
قال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري»: ليس المراد بقول جابر «فقال:
«لا»»: أنّه يعطي ما يطلب منه جزما، بل المراد أنّه لا ينطق بالردّ، بل إن كان عنده شيء أعطاه؛ إن كان الإعطاء سائغا، وإلّا! سكت، أو اعتذر. قال:
وقد ورد بيان ذلك في حديث مرسل لابن الحنفية؛ عند ابن سعد- ولفظه-:
كان إذا سئل فأراد أن يفعل؛ قال «نعم» . وإن لم يرد أن يفعل سكت. وهو قريب من حديث أبي هريرة ﵁ السابق: ما عاب طعاما قطّ إن اشتهاه أكله، وإلا تركه.
وبهذا لا يخالف ما ورد «أنّ من سأله حاجة لا يردّه إلّا بها؛ أو بميسور من القول» ذكره في «المواهب» .
[ ٢ / ٦٥٦ ]
وكان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه، ثمّ يعود على قوت عامه فيؤثر منه، حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء.
قال الباجوري: والمراد أنّه لم يقل «لا»؛ منعا للإعطاء، فلا ينافي أنّه قاله ١- اعتذارا؛ إن لاق الاعتذار، كما في قوله «لا أجد ما أحملكم عليه»، أو ٢- تأديبا للسائل؛ إن لم يلق به الاعتذار، كما في قوله للأشعريين «والله لا أحملكم»، فهو تأديب لهم لسؤالهم ما ليس عنده؛ مع تحقّقهم ذلك، ومن ثمّ حلف حسما لطمعهم في تكليفه التحصيل مع عدم الاضطرار إلى ذلك. انتهى.
(و) في «الإحياء»: (كان ﷺ لا يسأل شيئا إلّا أعطاه) .
قال العراقي: رواه الطيالسيّ، والدارميّ؛ من حديث سهل بن سعد.
وللبخاريّ من حديثه: أنّ الرّجل الذي سأله الشملة؛ فقال له القوم: سألته إيّاها؛ وقد علمت أنّه لا يردّ سائلا!! الحديث.
ولمسلم من حديث أنس: ما سئل على الإسلام شيئا إلّا أعطاه.
وفي «الصحيحين»؛ من حديث جابر: ما سئل شيئا قطّ؛ فقال «لا» . انتهى.
قلت: ورواه الحاكم؛ من حديث أنس بلفظ: لا يسأل شيئا إلّا أعطاه. أو سكت.
وروى الإمام أحمد؛ من حديث أبي أسيد السّاعدي: كان لا يمنع شيئا يسأله.
وكان ﷺ يؤثر على نفسه وأولاده، فيعطي عطاء تعجز عنه الملوك؛ كما سيأتي للمصنّف تفصيله.
ومن ذلك مما لم يذكره: جاءته امرأة يوم حنين أنشدته شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما قيمته خمسمائة ألف ألف.
قال ابن دحية: وهذا نهاية الجود الذي لم يسمع بمثله. انتهى «إتحاف» .
(ثمّ يعود على قوت عامه) الّذي ادّخره لعياله، (فيؤثر منه) على نفسه وعياله (حتّى لربّما احتاج قبل انقضاء العام إن لم يأته شيء) .
[ ٢ / ٦٥٧ ]
وكان ﷺ لا يكاد يسأل شيئا إلّا فعله.
قال العراقي: هذا معلوم. ويدلّ عليه ما رواه الترمذيّ، وابن ماجه، والنسائي؛ من حديث ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما:
توفّي ودرعه مرهونة بعشرين صاعا من طعام أخذه لأهله.
وقال ابن ماجه: بثلاثين صاعا من شعير. وإسناده جيد.
وللبخاري؛ من حديث عائشة: توفي ودرعه مرهونة عند يهودي. انتهى
قلت: اليهودي هو أبو الشحم. والجمع بين الروايتين أنّه أخذ منه أوّلا عشرين؛ ثم عشرة، ثم رهنه إيّاها على الجميع، فمن روى العشرين لم يحفظ العشرة الآخرى، ومن روى الثلاثين حفظها، على أنّ روايتها أصحّ وأشهر، فكانت أولى بالاعتبار.
وهذا يدلّ على غاية تواضعه ﷺ، إذ لو سأل مياسير «١» أصحابه في رهن درعه لرهنوها على أكثر من ذلك، فإذا ترك سؤالهم وسأل يهوديا؛ ولم يبال بأنّ منصبه الشريف يأبى أن يسأل مثل يهودي في ذلك؛ فدلّ على غاية تواضعه وعدم نظره لحقوق مرتبته.
وفيه دليل على ضيق عيشه ﷺ، لكن عن اختيار؛ لا عن اضطرار، لأن الله فتح عليه في أواخر عمره من الأموال ما لا يحصى، وأخرجها كلّها في سبيل الله، وصبر هو وأهل بيته على مرّ الفقر والضيق والحاجة التامّة. انتهى؛ ذكره في شرح «الإحياء» المسمّى «إتحاف السادة المتقين» .
(و) أخرج الطبراني في «الكبير»؛ عن طلحة رضي الله تعالى عنه:
(كان ﷺ لا يكاد يسأل) - بالبناء للمفعول- أي: لا يطلبه أحد (شيئا) من متاع الدنيا (إلّا فعله) . أي: جاد به على طالبه، لما طبع عليه من الجود، فإن لم
_________________
(١) جمع موسر، أو ميسور. أي أصحاب اليسار في النفقة أو السعة في الرزق.
[ ٢ / ٦٥٨ ]
وكان ﷺ لا يكاد يقول لشيء: (لا)، فإذا هو سئل فأراد أن يفعل.. قال: (نعم) . وإن لّم يرد أن يفعل.. سكت.
وعن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ أجود النّاس بالخير،
يكن عنده شيء؟! وعد، أو سكت. ولا يصرّح بالردّ- كما تقدّم-.
(و) أخرج ابن سعد في «طبقاته» عن محمد [ابن الحنفية] بن علي بن أبي طالب مرسلا:
(كان ﷺ لا يكاد يقول لشيء لا) أي: لا أعطيه، أو لا أفعل.
(فإذا هو سئل فأراد أن يفعل) المسؤول فيه (قال: نعم، وإن لم يرد أن يفعل سكت)، ولا يصرّح بالردّ، لما مرّ.
وفي «مسند الطيالسي والدارمي»؛ من حديث سهل بن سعد: كان لا يسأل شيئا إلّا أعطاه انتهى «مناوي» .
(و) أخرج البخاريّ، ومسلم، والنّسائيّ، والترمذي في «الشمائل» - واللفظ لها-:
(عن ابن عبّاس رضي الله تعالى عنهما قال: كان رسول الله ﷺ) - أي: في حدّ ذاته؛ بقطع النظر عن أوقاته وأحواله الكريمة- (أجود النّاس) أي: أشدّهم جودا (بالخير)، أي بكلّ خير من خيري الدنيا والآخرة، لله وفي الله؛ من بذل العلم والمال، وبذل نفسه لإظهار الدين وهداية العباد، وإيصال النّفع إليهم بكلّ طريق، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، فكان يسمح بالموجود، لكونه مطبوعا على الجود؛ مستغنيا عن الفانيات بالباقيات الصالحات، فكان إذا وجد جاد، وإذا أحسن أعاد، وإن لّم يجد وعد؛ ولم يخلف الميعاد، ويجود على كلّ أحد بما يسدّ خلّته.
ف «أجود»: أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي؛ لمن
[ ٢ / ٦٥٩ ]
وكان أجود ما يكون في شهر رمضان حتّى ينسلخ فيأتيه جبريل فيعرض عليه القرآن،
ينبغي؛ على ما ينبغي. ولما كانت نفسه أشرف النّفوس؛ كانت أخلاقه أفضل أخلاق الخلائق؛ فيكون أجود النّاس.
وبالجملة: فكان يعطي عطاء الملوك؛ ويعيش عيش الفقراء. فكان يربط على بطنه الحجر من الجوع، وكان يمرّ عليه الشهر والشهران؛ لا يوقد في بيته نار
(وكان أجود ما يكون) برفع «أجود»؛ على أنه اسم «كان»، و«ما» مصدرية، والخبر محذوف، والتقدير: كان أجود أكوانه حاصلا إذا كان مستقرّا (في شهر رمضان)، وبنصب «أجود»؛ على أنّه خبر «كان»، واسمها ضمير يعود على النبي ﷺ.
والمعنى: وكان النبي ﷺ مدّة كونه في شهر رمضان أجود من نفسه في غيره، لكن الرفع هو الذي في أكثر الروايات فهو الأشهر، والنصب أظهر.
(حتّى ينسلخ) غاية في أجوديّته.
والمعنى أنّ غاية جوده كانت تستمرّ في جميع رمضان إلى أن يفرغ، ثمّ يرجع إلى أصل جوده الذي جبل عليه الزائد عن جود الناس جميعا.
وإنّما كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان، لأنّه موسم الخيرات، وتزايد البركات، فإنّ الله تعالى يتفضّل على عباده في هذا الشهر ما لا يتفضّل عليهم في غيره. وكان ﷺ متخلّقا بأخلاق ربّه؛ (فيأتيه جبريل) عند ملاقاته ومدارسته القرآن، كما يدلّ عليه قوله الآتي: «فإذا لقيه جبريل كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة»
(فيعرض) - بفتح التحتية وكسر الرّاء- لأنّه من «باب ضرب»، أي: فيعرض النبيّ ﷺ (عليه) أي: على جبريل (القرآن)، كما يدلّ عليه رواية «الصحيحين»: كان جبريل يلقاه كلّ ليلة في رمضان يعرض عليه النبي ﷺ القرآن،
[ ٢ / ٦٦٠ ]
فإذا لقيه جبريل.. كان رسول الله ﷺ أجود بالخير من الرّيح المرسلة.
أي: يقرؤه عليه عن ظهر قلب.
أي: يعرض عليه بعضه؛ أو معظمه، لأنّ أوّل رمضان من البعثة لم يكن نزل من القرآن إلّا بعضه، ثمّ كذلك كلّ رمضان بعده إلى الأخير، فكان نزل كلّه إلّا ما تأخّر نزوله بعد رمضان المذكور، وكانت في سنة عشر إلى أن توفّي رسول الله ﷺ، وممّا نزل في تلك المدّة قوله تعالى الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ [٣/ المائدة] .. الآية، فإنّها نزلت في يوم عرفة بالاتفاق، ففيه إطلاق القرآن على بعضه؛ وعلى معظمه!!.
وقد روى الإمام أحمد، وأبو داود، والطبرانيّ أنّ الذي جمع عليه عثمان الناس يوافق العرضة الأخيرة
(فإذا لقيه جبريل) لا سيّما عند قراءة التنزيل (كان رسول الله ﷺ أجود بالخير) أي: أسخى ببذل الخير للخير (من الرّيح المرسلة) - بفتح السين- بالمطر، فإنّها ينشأ عنها جود كثير، لأنها تنشر السحاب وتملؤه ماء، ثم تبسطها لتعمّ الأرض فينصبّ ماؤها عليها، فيحيا به الموات، ويخرج به النبات.
وتعبيره ب «أفعل» التفضيل نصّ في كونه أعظم جودا منها، لأن الغالب عليها أن تأتي بالمطر، وربّما خلت عنه؛ وهو لا ينفكّ عن العطاء والجود.
وبالجملة؛ فقد فضل جوده على جود الناس، ثمّ فضل جوده في رمضان على جوده في غيره، ثم جوده في ليالي رمضان عند لقاء جبريل على جوده في غيره، ثم شبّهه بالريح المرسلة في التعميم والسرعة.
فإن قيل: ما الحكمة في تخصيص الليل المذكور في رواية «الصحيحين» بمعارضة القرآن؛ دون النهار!!؟
فالجواب: هو أن المقصود من التلاوة الحضور والفهم، ومظنّة ذلك الليل،
[ ٢ / ٦٦١ ]
وعن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه، فقال النّبيّ ﷺ: «ما عندي شيء، ولكن ابتع عليّ؛
بخلاف النهار؛ فإنّ فيه من الشواغل والعوارض ما لا يخفى، ولعلّه ﷺ كان يقسم ما نزل من القرآن في كلّ سنة أجزاء على ليالي رمضان؛ فيقرأ كلّ ليلة جزآ منه في جزء من الليلة، ويترك بقيّة ليلته لما سوى ذلك من تهجّد وراحة وتعهّد أهله!!.
ويحتمل أنّه كان يعيد ذلك الجزء مرارا بحسب تعدّد الحروف المنزّل بها القرآن. انتهى؛ ذكره في «زاد المسلم» .
وهذا حديث عظيم لاشتماله على ذكر أفضل الملائكة، إلى أفضل الخلق، بأفضل كلام، من أفضل متكلّم، في أفضل وقت.
ويؤخذ منه ندب إكثار الجود في رمضان، ومزيد الإنفاق على المحتاجين فيه، والتوسعة على عياله وأقاربه ومحبّيه، وخصوصا عند ملاقاة الصالحين، وعقب مفارقتهم؛ شكرا لنعمة الاجتماع بهم، وندب مدارسته القرآن.
وفيه أنّ صحبة الصالحين مؤثّرة في دين الرجل وعلمه، ولذلك قالوا: لقاء أهل الخير عمارة القلوب. انتهى «مناوي، وباجوري، وغيرهما» .
(و) أخرج الترمذيّ في «الشمائل» بسنده (عن عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه: أنّ رجلا) لم يسمّ؛ (جاء إلى النّبيّ ﷺ فسأله أن يعطيه) أي: شيئا من الدنيا؛ (فقال النّبيّ ﷺ: «ما عندي شيء) موجود أعطيه لك، (ولكن ابتع) - روي بموحّدة ساكنة بعد همزة الوصل، ففوقية مفتوحة وعين مهملة- أي: اشتر ما تحتاجه بدين يكون عليّ أداؤه، فالابتياع بمعنى الاشتراء.
وروي «أتبع عليّ» - بتقديم التاء الفوقية على الموحّدة- أي: أحل (عليّ) - بتشديد المثناة-، قال الزمخشري: أتبعت فلانا على فلان: أحلته، ومنه خبر:
«إذا أتبع أحدكم على مليء فليتبع» انتهى.
[ ٢ / ٦٦٢ ]
فإذا جاءني شيء.. قضيته» . فقال عمر: يا رسول الله؛ [قد أعطيته]، فما كلّفك الله ما لا تقدر عليه. فكره ﷺ قول عمر.
وفي رواية البزّار؛ عن عمر: فقال: «ما عندي شيء أعطيك، ولكن استقرض حتّى يأتينا شيء فنعطيك» . فلا مانع من تفسير «ابتع» أو «اتبع»:
ب «استقرض» تجوّزا؛ لرواية البزار، إذ الحديث واحد.
وليس بضمان! بل وعد منه. ووعده ملتزم الوفاء، إذ وعد الكريم دين.
ولذا صحّ أنّه لما توفّي نادى الصدّيق لما جاءه مال البحرين: من كان له عند رسول الله ﷺ عدة؛ أو دين فليأتنا. فجاء جابر؛ وقال: إنّه وعدني كذا. فأعطاه له الحديث في «الصحيح» .
(فإذا جاءني شيء) من باب الله كفيء وغنيمة (قضيته») عنك.
وهذا غاية الكرم ونهاية الجود.
(فقال) الرّاوي (عمر) وكان الظاهر أن يقول: «فقلت»، إلّا أن يقال «إنّه من قبيل الالتفات على مذهب بعضهم» ! (: يا رسول الله؛ قد أعطيته) أي: هذا السائل قبل هذا!! فلا حاجة إلى أن تعده بالإعطاء بعد ذلك؟! أو: قد أعطيته الميسور من القول؛ وهو قولك «ما عندي شيء»؛ فلا حاجة إلى أن تلتزم له شيئا في ذمّتك.
وقوله (فما كلّفك الله) الفاء للتعليل؛ لما يستفاد من قوله «قد أعطيته»، فكأنّه قال: لا تفعل ذلك، لأنّ الله ما كلّفك (ما لا تقدر عليه)؛ من أمره بالشّراء ووعده بالقضاء.
(فكره ﷺ قول عمر)، أي: بدا في وجهه الشريف أثر عدم رضاه به، لأنّ فيه كسر خاطر السائل، ولأنّ مثله لا يعدّ تكليفا لما لا يقدر عليه، لما عوّده الله من فيض نعمه.
[ ٢ / ٦٦٣ ]
فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله؛ أنفق ولا تخف من ذي العرش إقلالا.
فتبسّم رسول الله ﷺ، وعرف في وجهه البشر لقول الأنصاريّ، ثمّ قال: «بهذا أمرت» .
(فقال رجل من الأنصار) كان حاضرا حين رأى كراهة المصطفى لذلك (: يا رسول الله؛ أنفق) - بفتح الهمزة-: أمر من الإنفاق، (ولا تخف من ذي العرش إقلالا)؛ أي: افتقارا من «أقلّ» بمعنى: افتقر. وإن كان في الأصل بمعنى: صار ذا قلة.
وما أحسن من «ذي العرش» في هذا المقام!! أي: لا تخف؛ أي: يضيّع مثلك من هو مدبّر الأمر من السماء إلى الأرض!!.
قال البرهان في «المقتفي»: هذا الرّجل لا أعرفه. وفي حفظي أنّه بلال، لكنه مهاجري؛ لا أنصاري، فيكون قد قال ذلك بلال والأنصاريّ، أو الذي فيه ذكر بلال قصّة أخرى؛ المأمور فيها بالإنفاق بلال!!
روى الطبرانيّ، والبزّار؛ عن ابن مسعود: دخل النبي ﷺ على بلال وعنده صبرة من تمر؛ فقال: «ما هذا يا بلال» . قال: يا رسول الله؛ ذخرته لك ولضيفانك. قال: «أما تخشى أن يفور لها بخار من جهنّم؛ أنفق يا بلال، ولا تخش من ذي العرش إقلالا» . انتهى. فما في حفظه إنما هو في هذه القصة؛ فلا يصحّ تفسير المبهم ب «بلال» لوجهين.
(فتبسّم رسول الله ﷺ) فرحا بقول الأنصاري، (وعرف في وجهه البشر) - بكسر الباء- أي: الطلاقة والبشاشة (لقول الأنصاريّ) المارّ
(ثمّ قال) أي: ﷺ («بهذا) أي: الإنفاق من غير مخافة فقر (أمرت») بنحو وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ [٣٩/ سبأ] لا بقول عمر!! فقدّم الظرف! ليفيد قصر القلب ردّا لاعتماد عمر.
وإنّما فعل ذلك!! للمصلحة الداعية لذلك كالاستئلاف ونحوه.
[ ٢ / ٦٦٤ ]
وفيه أنّ الانفاق مأمور به في كلّ حال دعت المصلحة إليه، ولو بنحو استدانة، فإن عجز فبعدة. والعدة: إنفاق لأنها التزام النفقة؛ عند بعض الأئمّة.
وقد استشكل هذا الحديث بأنّ الله تعالى قال وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ [٢٩/ الإسراء] الآية.
وأجاب القاضي أبو يعلى بأن المراد بهذا الخطاب غيره ﷺ؛ وغير خلّص المؤمنين الذين كانوا ينفقون جميع ما عندهم عن طيب قلب لتوكّلهم وثقتهم بما عند الله، أمّا من كان ليس كذلك يتحسّر على ما ذهب منه!! فالمحمود منهم التوسّط؛ وهم الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا، لأنّهم لا صبر لهم على الفاقة، ولذا صعب عليه ﷺ كلام عمر لمّا راعى ظاهر الحال، وأمره بصيانة المال؛ شفقة على النبي ﷺ لعلمه بكثرة السائلين له وتهافتهم عليه. والأنصاريّ راعى حاله ﷺ، فلذا سرّه كلامه. فقوله «بهذا أمرت» إشارة إلى أنّه أمر خاصّ به وبمن يمشي على قدمه انتهى. من «شرح الشفاء» للخفاجي، ومن شرح الزرقاني على «المواهب» .
قال ابن القيّم رحمه الله تعالى: ومما ينبغي التنبّه له أنّ كلّ خصلة من خصال الفضل قد أحلّ الله نبيّه في أعلاها وخصّه بذروة سنامها، ثم تقاسمت الفرق فضائله، فكلّ احتجّ على مطلوبه بشيء منها؛
فإذا احتجّ الغزاة بهديه في الجهاد على أنّهم أفضل؛ احتجّ الفقهاء على مثل ما احتجّ به أولئك.
وإذا احتجّ الزّهاد به على فضلهم؛ احتجّ به ولاة الأمور على طولهم. وإذا احتجّ به الفقير الصابر؛ احتجّ به الغني الشاكر.
وإذا احتجّ به العبّاد على فضل نفلهم؛ احتجّ به العارفون على فضل المعرفة.
وإذا احتجّ به المتواضعون وأهل الحلم؛ احتجّ به أرباب العزّ والقهر للمبطلين والغلظة عليهم والبطش بهم.
[ ٢ / ٦٦٥ ]
وكان ﷺ إذا جاءه مال.. لم يبيّته، ولم يقيّله؛ أي: إذا جاءه آخر النّهار.. لم يمسكه إلى اللّيل، أو أوّل النّهار..
لم يمسكه إلى وقت القيلولة، بل يعجّل قسمته.
وكان ﷺ أسخى النّاس،
وإذا احتج به أرباب الوقار والهيبة؛ احتجّ به أرباب حسن الخلق والمزاح المباح وهكذا.
وسرّ ذلك أنّه بعث لصلاح الدنيا والدين. انتهى. نقله المناوي على «الشمائل» وهو كلام نفيس.
(و) أخرج البيهقيّ في «سننه»، والخطيب؛ عن أبي محمد الحسن بن محمد بن علي مرسلا، وهو حديث حسن- كما قال العزيزي-
(كان) رسول الله (ﷺ إذا جاءه مال)؛ من نحو فيء أو غنيمة (لم يبيّته) عنده، (ولم يقيّله) - بالتشديد فيهما- قال العزيزي: (أي: إذا جاءه آخر النّهار لم يمسكه إلى اللّيل، أو) جاءه (أوّل النّهار لم يمسكه إلى وقت القيلولة): نصف النهار (بل يعجّل قسمته) تعجيلا للخير، إذ كان هديه يدعو إلى تعجيل الإحسان والصدقة والمعروف، ولذلك كان أشرح الخلق صدرا، وأطيبهم نفسا، وأنعمهم قلبا، فإنّ للصدقة والبذل تأثيرا عجيبا في شرح الصدر. انتهى «مناوي» .
(و) في «الإحياء» و«كشف الغمة»: (كان ﷺ أسخى النّاس): أي أكثرهم سخاء.
قال الحافظ العراقي: رواه الطبرانيّ في «الأوسط»؛ من حديث أنس:
«فضّلت على النّاس بأربع: بالسّخاء والشّجاعة الحديث. ورجاله ثقات.
وقال صاحب «الميزان»: إنّه منكر.
وفي «الصحيحين»؛ من حديثه: كان ﷺ أجود الناس. واتفقا عليه؛ من حديث ابن عبّاس. انتهى.
[ ٢ / ٦٦٦ ]
لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل.. لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه.
قلت: وفي حديث آخر سنده ضعيف: «أنا أجود بني آدم» وهو بلا ريب أجودهم مطلقا، كما أنّه أكملهم في سائر الأوصاف، ولأن جوده لله تعالى في إظهار دينه، بل كان بجميع أنواع الجود؛ من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله تعالى في إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع إليهم بكلّ طريق؛ من إطعام جائعهم، ووعظ جاهلهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، وكان جوده ﷺ كلّه لله تعالى، وفي ابتغاء مرضاته.
(لا يبيت عنده دينار ولا درهم، وإن فضل) أي: بقي (شيء ولم يجد من يعطيه له، وفجأه اللّيل) أي: أتاه فجأة (لم يأو إلى منزله حتّى يبرأ منه إلى من يحتاج إليه) .
قال الحافظ العراقيّ: رواه أبو داود؛ من حديث بلال في حديث طويل فيه:
أهدى صاحب فدك لرسول الله ﷺ أربع قلائص، وكانت عليهنّ كسوة وطعام، وباع بلال ذلك ووفّى دينه، ورسول الله ﷺ قاعد في المسجد وحده، وفيه قال: «فضل شيء؟» . قلت: نعم، ديناران. قال: «انظر أن تريحني منهما، فلست بداخل على أحد من أهلي حتّى تريحني منهما» .
فلم يأتنا أحد، فبات في المسجد حتّى أصبح، وظلّ في المسجد اليوم الثاني حتّى إذا كان في آخر النهار جاء راكبان؛ فانطلقت بهما فكسوتهما وأطعمتهما، حتّى إذا صلّى العتمة؛ دعاني، فقال: «ما فعل الّذي قبلك»؟.
فقلت: قد أراحك الله منه، فكبّر وحمد الله؛ شفقة من أن يدركه الموت؛ وعنده ذلك، ثم اتبعه حتّى جاء أزواجه الحديث.
وللبخاريّ من حديث عقبة بن الحارث: «ذكرت؛ وأنا في الصّلاة تبرا
[ ٢ / ٦٦٧ ]
وأتاه ﷺ رجل فسأله، فأعطاه غنما سدّت ما بين جبلين، فرجع إلى قومه وقال: أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر.
وأعطى غير واحد مئة من الإبل.
فكرهت أن يمسي ويبيت عندنا فأمرت بقسمته» .
ولأبي عبيد في «غريبه»؛ من حديث الحسن بن محمد مرسلا: كان لا يقيّل مالا عنده؛ ولا يبيّته. انتهى شرح «الإحياء» .
(وأتاه ﷺ رجل)، هو: صفوان بن أمية- كما قال غير واحد- (فسأله) شيئا من العطاء، (فأعطاه غنما) كثيرة، ولكثرتها (سدّت ما بين جبلين) لسعة جوده وسماحة نفسه، (فرجع إلى قومه)؛ وهم قريش، (وقال:) يا قوم (أسلموا، فإنّ محمّدا يعطي عطاء من لا يخشى الفقر) . وذلك آية نبوّته. وفي رواية: من لا يخشى الفاقة. وهي: الفقر، أو: أشدّ الفقر. رواه مسلم؛ من حديث أنس ﵁. ويرحم الله أبا عبد الله محمد بن جابر حيث قال:
هذا الّذي لا يتّقي فقرا إذا أعطى ولو كثر الأنام وداموا
واد من الأنعام أعطى آملا فتحيّرت لعطائه الأوهام
(وأعطى غير واحد) أي: كثيرا من المؤلّفة (مائة من الإبل)؛ كأبي سفيان بن حرب، وابنيه: معاوية ويزيد، ومع كلّ واحد منهم أربعين أوقية، وكحكيم بن حزام، والحارث بن هشام وغيرهم والذين أعطاهم ﷺ مائة من الإبل ناس كثير؛ قد عدّهم البرهان الحلبي، وقال: إنّهم يبلغون ستّين من المؤلّفة قلوبهم، وكذا ذكر الشيخ قاسم في «تخريج أحاديث الشفا» ذكر ذلك الخفاجي في «نسيم الرياض» .
قال شيخنا الشيخ حسن المشّاط عافاه الله تعالى في «إنارة الدجى» ما نصّه:
أعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل، ثم سأله مائة أخرى؛ فأعطاه.
[ ٢ / ٦٦٨ ]
وأعطى النضر بن الحارث بن كلدة مائة من الإبل.
وأعطى أسيد بن جارية الثقفي مائة من الإبل.
وأعطى العلاء بن جارية الثقفي خمسين بعيرا.
وأعطى مخرمة بن نوفل خمسين بعيرا.
وأعطى الحارث بن هشام مائة من الإبل.
وأعطى سعيد بن يربوع خمسين من الإبل.
وأعطى صفوان بن أميّة مائة من الإبل.
وأعطى قيس بن عدي مائة من الإبل.
وأعطى عثمان بن وهب خمسين من الإبل.
وأعطى سهيل بن عمرو مائة من الإبل.
وأعطى حويطب بن عبد العزّى مائة من الإبل.
وأعطى هشام بن عمرو العامريّ خمسين من الإبل.
وأعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل.
وأعطى عيينة بن حصن مائة من الإبل.
وأعطى مالك بن عوف مائة من الإبل.
وأعطى العباس بن مرداس أربعين من الإبل؛ فقال في ذلك شعرا؛ فأعطاه مائة من الإبل، ويقال: خمسين. انتهى.
وقد أشار إلى ذلك العلامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي، في «نظم المغازي» حيث قال:
أعطى عطايا شهدت بالكرم يومئذ له ولم تجمجم
وكيف لا ومستمدّ سيبه من سيب ربّ ذي عناية به
[ ٢ / ٦٦٩ ]
وأعطى صفوان مئة ثمّ مئة ثمّ مئة.
أعطى عطايا أخجلت دلح الدّيم إذ ملأت رحب الفضا من النّعم
زهاء ألفي ناقة منها وما ملأ بين جبلين غنما
(وأعطى صفوان) بن أميّة بن خلف بن وهب بن قدامة بن جمح القرشي الجمحي المكيّ، صحابيّ من المؤلّفة.
أسلم يوم الفتح، وشهد حنينا والطائف؛ وهو مشرك، فلما أعطاه ﷺ ما ذكر قال: أشهد بالله؛ ما طابت بهذا إلّا نفس نبيّ، فأسلم وحسن إسلامه.
روى له مسلم، وأصحاب «السنن»، وعلّق له البخاريّ. ومات أيّام قتل عثمان، وقيل سنة: إحدى- أو اثنتين- وأربعين.
(مائة) من الإبل (ثمّ مائة ثمّ مائة) . كذا قال ملا علي قاري.
وقال في «شرح الإحياء»: أعطى صفوان بن أميّة يوم حنين مائة من الغنم؛ ثمّ مائة، ثمّ مائة حتى صار أحبّ الناس إليه بعد ما كان أبغضهم إليه، فكان ذلك سببا لحسن إسلامه. لكن في شرح الخفاجي على «الشفاء»، وشرح الزرقاني على «المواهب» ترك هذه المئات الثلاث بدون تفسير؛ هل هي من الإبل، أو الغنم؟! فليحرر.
قال الزرقاني: والحكمة في كونه ﷺ لم يعطها دفعة واحدة: أنّ هذا العطاء دواء لدائه، والحكيم لا يعطي الدواء دفعة واحدة، لأنه أقرب للشفاء. انتهى.
قال في «شرح الإحياء»: روى مسلم، والترمذي؛ من طريق سعيد بن المسيّب؛ عن صفوان بن أمية قال: والله؛ لقد أعطاني النبي ﷺ وإنّه لأبغض الناس إليّ، فما زال يعطيني حتّى إنّه لأحبّ الناس إليّ!! انتهى.
ولقد أحسن ابن جابر حيث قال:
يروى حديث النّدى والبشر عن يده ووجهه بين منهلّ ومنسجم
من وجه أحمد لي بدر، ومن يده بحر، ومن فمه درّ لمنتظم
[ ٢ / ٦٧٠ ]
وهذه كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث، وقد قال له ورقة بن نوفل:
يمّم نبيّا يباري الرّيح أنمله والمزن من كلّ هامي الودق مرتكم
لو عامت الفلك فيما فاض من يده لم تلق أعظم بحر منه إن تعم
يحيط كفّاه بالبحر المحيط فلذ به ودع كلّ طامي الموج ملتطم
لو لم تحط كفّه بالبحر ما شملت كلّ الأنام وروّت قلب كلّ ظمي
فسبحان من أطلع أنوار الجمال من أفق جبينه، وأنشأ أمطار السحائب من غمائم يمينه.
قال القاضي عياض في «الشفاء»: (وهذه)، أي: الخصلة والسجيّة في الكرم والعطاء (كانت حاله ﷺ قبل أن يبعث) نبيّا؛ أو يرسل. (وقد قال له ورقة) - بواو وراء مهملة مفتوحتين وقاف آخره تاء مربوطة- (بن نوفل) بن أسد بن عبد العزّى.
وكان من أعقل أهل زمانه وأعلمهم، شاعر بليغ متألّه، وكان يقرأ ويكتب الكتب القديمة بالعربية والعبرانية، ويتألّه ويتعبّد؛ ولذا سمّي «القسّ»، وتهوّد في أوّل أمره؛ ثم تنصّر، وهو ابن عمّ خديجة أمّ المؤمنين رضي الله تعالى عنها.
وله أشعار كثيرة في التوحيد ولترهّبه لم يكن له عقب، وورد في الحديث:
«لا تسبّوا ورقة، فإنّي رأيت له جبّة أو جبّتين» - يعني بذلك- ما ورد من طريق آخر أنّه ﷺ رآه في منامه في الجنّة وعليه حلّة خضراء؛ أو بيضاء، أو نحوه كثياب من حرير وحلّة من سندس.
وكان حيّا في ابتداء الوحي إلى أن تنبّأ رسول الله ﷺ واجتمع بالنبي ﷺ وآمن به؛ كما في أوّل البخاري، وقال: لئن أدركت زمانك لأنصرنّك نصرا مؤزّرا وكان ﷺ إذ ذاك نبيّا؛ ولم يؤمر بالدّعوة.
ومات ورقة بعد نبوّته ﷺ وقبل رسالته، ولذا قالوا: إنّه أوّل من آمن بالنبي ﷺ من الرجال، وهو ثان بالنسبة لخديجة رضي الله تعالى عنها وصحابي، ولذا عرّفوا الصحابي بأنّه: من اجتمع بالنبي ﷺ مؤمنا به. ولم يقولوا «بالرّسول»، وهذا ممّا
[ ٢ / ٦٧١ ]
إنّك تحمل الكلّ وتكسب المعدوم،
ينبغي التنبّه له. وفي «نظم السيرة» للحافظ العراقي في ذكر ورقة:
فهو الّذي آمن بعد ثانيا وكان برّا صادقا مواتيا
والصّادق المصدوق قال: إنّه رأى له تخطّطا في الجنّه
وهذا المذكور من أنّه صحابيّ هو الصحيح. وقيل: إنه ليس بصحابي، لأنه لم ير النبي ﷺ؛ ولم يؤمن به بعد بعثته، وعليه جماعة محقّقون، والأكثر من أصحابنا على أنه صحابيّ. انتهى «خفاجي» .
(إنّك تحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- أي: الثقيل؛ من العيال واليتيم ومن لا قدرة له من ضعيف الحال، أي: فيما بين قومه، وفي التنزيل وَهُوَ كَلٌّ عَلى مَوْلاهُ [٧٦/ النحل] أي: ثقيل في المؤنة ضعيف في الصنعة؛ قاله ملا علي قاري.
(وتكسب) - بفتح التاء وكسر السين المهملة- وهي أكثر الروايات وأصحّها.
قال النّووي: فتح التاء هو الصحيح المشهور، وروي بضمّها.
(المعدوم) - بالواو في النسخ المعتبرة- وهو: الشيء الذي لا وجود له.
والمراد أنّك تعطي الناس الفقراء ما لا يجدونه عند غيرك، لما فيك من مكارم الأخلاق.
وما ذكره المصنف؛ من أنّ هذا من كلام ورقة هو ما في «الشفاء» للقاضي عياض، واعترضه شرّاحه؛ فقال الخفاجي؛ نقلا عن السيوطي: إنّ القائل له ﷺ هذا إنّما هو خديجة رضي الله تعالى عنها؛ في قصة مكالمتها لورقة في شأن النبي ﷺ، لمّا رأى جبريل ﵊ في أوّل أمره وخاف على نفسه منه، وكذا اعترض عليه الشيخ قاسم في «تخريجه» أيضا؛ فقال: لا أعلم هذا من قول ورقة ﵁.
والذي في «صحيح البخاري» وغيره: أنّه من قول خديجة رضي الله تعالى عنها.
[ ٢ / ٦٧٢ ]
وقالت له خديجة رضي الله تعالى عنها: أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا، إنّك لتصل الرّحم، وتحمل الكلّ،
وما قيل: من «أنّ القاضي «١» جليل القدر؛ لا يخفى عليه مثله، ولا يبعد صدوره من ورقة!!» لا يجدي نفعا مع نقل «الصحيحين» خلافه، وليس مثله محلّ بحث، ولكلّ صارم نبوة، ولكلّ جواد كبوة. انتهى.
(و) المصنّف رحمه الله تعالى نقل ما في «الشفاء» وأردفه بما في «الصحيحين»؛ وهو:
(قالت له خديجة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها) حين قال لها ﷺ لمّا رأى جبريل ﵊: «لقد خشيت على نفسي» أي: الهلاك من شدّة الرّعب!! أو تعييرهم إيّاه، فأرادت خديجة ﵂ دفع ذلك الذي خشيه؛ فقالت له: (أبشر؛ فو الله لا يخزيك الله أبدا) يخزيك- بضمّ أوّله والخاء المعجمة والزاي المكسورة، ثم الياء السّاكنة- من الخزي؛ وهو: الفضيحة والهوان، وفي رواية: يحزنك- بالحاء المهملة والنون، ويجوز فتح الياء في أوّله وضمّها- وكلاهما صحيح.
ثمّ استدلّت خديجة على ما أقسمت عليه من نفي ذلك أبدا بأمر استقرائي، ووصفته بأصول مكارم الأخلاق، لأن الإحسان إمّا إلى الأقارب، أو إلى الأجانب، وإمّا بالبدن، أو بالمال، وإمّا على من يستقلّ بأمره، أو من لا يستقلّ.
وذلك كلّه مجموع فيما وصفته به في قولها:
(إنّك لتصل الرّحم) صلة الرحم: هي الإحسان إلى الأقارب على حسب حال الواصل والموصول، فتارة تكون بالمال، وتارة بالخدمة، وتارة بالزيارة والسّلام.. وغير ذلك.
(وتحمل الكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللّام- مصدر بمعنى الكلال؛ وهو:
_________________
(١) أي: عياض رحمه الله تعالى.
[ ٢ / ٦٧٣ ]
وتكسب المعدوم، وتقري الضّيف، وتعين على نوائب الحقّ.
الإعياء، وفسّر بالثّقل، فقيل: إنه لازم معناه، وهو المناسب للحمل، لأنّه لا يقال «حمل الإعياء» . وحمل الكلّ هو كقول العرب في المدح: هو حمّال أثقال. أي: يحمل ثقل غيره من الضعفاء والعيال، وإعانة الخلق بالإنفاق عليهم وإطعامهم وإعطائهم كلّ ما يحتاجون إليه، وكفالة الأيتام وغيره من وجوه البر.
(وتكسب) - بفتح أوله ويضمّ، وبكسر السين المهملة- (المعدوم) - بالواو، والمعنى: تكسب غيرك المال المعدوم؛ أي تعطيه، واختاره النوويّ.
وقيل: تعطي الناس ما لا يجدونه عند غيرك من مكارم الأخلاق. انتهى «ملا علي قاري» .
(وتقري) - بفتح التاء المثنّاة الفوقية- (الضّيف) أي: تحسن إليه، يقال قريت الضيف أقريه قرى- بكسر القاف- مقصور. وقراء بفتح القاف والمدّ، ويقال للطعام الذي يضيفه به قرى مقصور، ويقال لفاعله: قار مثل قضى؛ فهو قاض انتهى «نووي» .
(وتعين على نوائب الحقّ) النوائب: جمع نائبة؛ وهي الحادثة، وإنّما قالت نوائب الحق!! لأن النائبة قد تكون في الخير، وقد تكون في الشرّ، قال لبيد:
نوائب من خير وشرّ كلاهما فلا الخير ممدود؛ ولا الشّرّ لازب
قال العلماء رحمهم الله تعالى: معنى كلام خديجة رضي الله تعالى عنها: أنّك لا يصيبك مكروه، لما جعل الله فيك من مكارم الأخلاق؛ وكرم الشمائل. وذكرت ضروبا من ذلك.
وفي هذا دلالة على أن مكارم الأخلاق وخصال الخير سبب السلامة من مصارع السوء.
وقد روى أبو نعيم ما يؤيّده وهو قوله ﷺ: «صنائع المعروف تقي مصارع السّوء» .
[ ٢ / ٦٧٤ ]
و(الكلّ) هنا: الثّقل من كلّ ما يتكلّف؛ كما في «لسان العرب» .
وأعطى العبّاس رضي الله تعالى عنه ما لم يطق حمله.
وفيه مدح الإنسان في وجهه في بعض الأحوال لمصلحة.
وفيه تأنيس من حصلت له مخافة من أمر، وتبشيره، وذكر أسباب السلامة له.
وفيه أعظم دليل وأبلغ حجّة على كمال خديجة رضي الله تعالى عنها، وجزالة رأيها، وقوّة نفسها، وثبات قلبها، وعظم فقهها. والله أعلم. انتهى «شرح مسلم» مع زيادة.
(والكلّ) - بفتح الكاف وتشديد اللام- له معان كثيرة، لكن المراد (هنا) في حديث خديجة: (الثّقل من كلّ ما يتكلّف) يعني: مما فيه كلفة (كما) ذكره ابن منظور (في «لسان العرب»)، وابن الأثير في «النهاية»، والزّبيديّ في «شرح القاموس»؛ وهو من الكلال وهو الإعياء. قال الإمام النّوويّ: ويدخل في حمل الكلّ الإنفاق على الضعيف واليتيم والعيال وغير ذلك. انتهى.
(وأعطى) عمّه (العبّاس) بن عبد المطلب (رضي الله تعالى عنه، ما) أي:
شيئا (لم يطق حمله) من الإطاقة، أي: ما لم يقدر على حمله وحده مع قوّته.
روى البخاريّ في مواضع؛ من حديث أنس رضي الله تعالى عنه: أنّه ﷺ أتي بمال من البحرين؛ فقال: «انثروه» يعني: صبّوه في المسجد، وكان أكثر مال أتي به ﷺ، فخرج إلى المسجد؛ ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه، فما كان يرى أحدا إلّا أعطاه منه، إذ جاء العبّاس؛ فقال: يا رسول الله؛ أعطني، فإنّي فاديت نفسي وفاديت عقيلا. فقال له: «خذ» . فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه؛ فلم يستطع. فقال يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ؟ قال:
«لا» . قال: فارفعه أنت عليّ. فقال: «لا» . فنثر منه، ثمّ ذهب يقلّه فلم يستطع؛ فقال: يا رسول الله؛ مر بعضهم يرفعه عليّ. قال: «لا» . قال:
فارفعه أنت عليّ. قال: «لا» فنثر منه، ثمّ احتمله فألقاه على كاهله فانطلق، فما
[ ٢ / ٦٧٥ ]
وحمل إليه تسعون ألف درهم، فوضعت على حصير، ثمّ قام إليها يقسمها، فما ردّ سائلا حتّى فرغ منها.
ولمّا قفل من حنين
زال ﷺ يتبعه بصره حتى خفي علينا!! عجبا من حرصه، فما قام ﵊ وثمّ منها درهم!! وفي رواية: ثم انطلق؛ وهو يقول: «إنّما أخذت ما وعد الله، فقد أنجز» ! يشير إلى قوله تعالى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ [٧٠/ الأنفال] .
قال ابن كثير: كان العبّاس شديدا طويلا نبيلا، قلّما احتمل شيئا يقارب أربعين ألفا.
(و) روى الترمذيّ أنّه ﷺ (حمل) - بصيغة المجهول- أي: أتي (إليه تسعون) - بمثناة فوقية قبل السين- وفي رواية أبي الحسن بن الضحاك في «شمائله»؛ من حديث الحسن مرسلا: ثمانون (ألف درهم) .
وأخرجه ابن الجوزي في «الوفاء»؛ وقال: سبعون ألفا- بتقديم السين على الموحدة- ويوافقه قول الصرصري في مديحه؛ حيث قال:
سبعون ألفا فضّها في مجلس لم يبق منها عنده فلسان
(فوضعت) - بصيغة المجهول- أي: سكبت ونثرت (على حصير) أي:
خصفة (ثمّ قام إليها)، لعل المراد: شرع (يقسمها)، أو أخذ يقسمها؛ بأن أمر به؛ وإن لم يقم بالفعل، ولا باشر القسم بيده.
(فما ردّ سائلا)، لا يؤخذ منه أنّه لم يعط إلّا من سأله! بل يصدق بذلك، وبإعطاء من علم حاجته فيدفع له إن كان عنده بلا سؤال، أو يبعث إليه (حتّى فرغ منها) غاية لقوله «يقسمها» .
(و) في «الإحياء»: أنّه (لمّا قفل) ﷺ؛ أي: رجع (من) غزوة (حنين) - بضم الحاء المهملة فنونين بينهما مثنّاة تحتية مصغّرا-: واد بين مكّة والطائف،
[ ٢ / ٦٧٦ ]
وجاءت الأعراب
وهو مذكّر منصرف، وقد يؤنّث على معنى البقعة؛ قاله في «المصباح» .
وقال ابن بليهد النّجدي في كتابه «صحيح الأخبار عما في بلاد العرب من الآثار»: حنين موضع قد أعيانا الوقوف على حقيقته.
ومن كتّاب هذا العصر من قال: إنّه عين الشرائع؛ يعني الموضع المسمّى ب «الشرائع» أنّها هي عين حنين، وهذا قريب من الصواب، فإن لم تكن عين حنين؛ فهي قريبة منها في الوادي الذي يقع عن «الشرائع» جنوبا، لأنّه قريب من «ذي المجاز» الذي ذكر في آخر رواية السّهيلي «يعني الكلام الذي نقله ابن بليهد المذكور نفسه عنه حيث قال»: وحنين قريب من مكة. وقيل: هو واد بالطائف.
وقيل: واد بجنب «ذي المجاز» . انتهى كلام ابن بليهد.
قال في «المصباح»: وقصّة حنين أنّ النبي ﷺ فتح مكة في رمضان سنة ثمان، ثمّ خرج منها لقتال هوازن وثقيف، وقد بقيت أيّام من رمضان؛ فسار إلى حنين، فلما التقى الجمعان انكشف المسلمون، ثمّ أمدّهم الله بنصره فعطفوا، وقاتلوا المشركين فهزموهم، وغنموا أموالهم وعيالهم، ثم سار المشركون إلى أوطاس؛ فمنهم من سار على نخلة اليمانية، ومنهم من سلك الثنايا وتبعت خيل رسول الله ﷺ من سلك نخلة!.
ويقال: إنه ﵊ أقام عليها يوما وليلة، ثمّ سار إلى أوطاس فقاتلهم بقيّة شوّال، فلما أهلّ ذو القعدة ترك القتال، لأنّه شهر حرام، ورحل راجعا فنزل الجعرانة وقسم بها غنائم أوطاس وحنين، ويقال: كانت ستّة آلاف سبي- كما سيأتي- انتهى.
(وجاءت الأعراب) - بفتح الهمزة- هم: أهل البدو، الواحد أعرابيّ بالفتح أيضا، وهو: الذي يكون صاحب نجعة وارتياد للكلأ.
قال الأزهري: سواء كان من العرب أم من مواليهم. قال: فمن نزل البادية وجاور البادين وظعن بظعنهم؛ فهم أعراب، ومن نزل بلاد الريف؛ واستوطن
[ ٢ / ٦٧٧ ]
يسألونه حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت رداءه، فوقف رسول الله ﷺ وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه نعما.. لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا، ولا جبانا» .
و(العضاه): شجر له شوك، واحدها: عضاهة.
المدن والقرى العربية وغيرها ممن ينتمي إلى العرب فهم عرب؛ وإن لم يكونوا فصحاء؛ كذا في «المصباح» .
(يسألونه) أي: يطلبون منه أن يعطيهم الغنائم وكثروا حوله ﷺ وازدحموا (حتّى اضطرّوه إلى شجرة فخطفت) - بكسر الطاء المهملة- من باب فهم، وفيه لغة من باب ضرب. والخطف: الاستلاب بسرعة (رداءه.
فوقف رسول الله ﷺ) حينئذ. (وقال: «أعطوني ردائي؛ لو كان لي عدد هذه العضاه) - هي: من أشجار البادية- (نعما) أي: إبلا (لقسمته بينكم، ثمّ لا تجدوني بخيلا، ولا كذّابا؛ ولا جبانا») الجبان: ضعيف القلب.
قال الحافظ العراقيّ: رواه البخاريّ؛ من حديث جبير بن مطعم.
قلت: ولفظه: بينما أنا مع النبي ﷺ؛ ومعه الناس مقبلا من حنين علقت برسول الله ﷺ الأعراب يسألونه حتّى اضطروه إلى سمرة فذكره. وفيه:
«ولا كذوبا» بدل «كذّابا» .
ورواه البيهقي في «الدلائل»؛ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه؛ بلفظ المصنف. انتهى «شرح الإحياء» .
(والعضاه) - بالعين المهملة والضاد المعجمة فألف فهاء آخره؛ بزنة كتاب، والهاء أصلية- وهو (شجر له شوك) كالطلح والعوسج.
واستثنى بعضهم القتاد والسّدر، فلم يجعله من العضاه، (واحدها عضاهة) وعضهة وعضة بحذف الهاء الأصلية كما حذفت من الشفة.
[ ٢ / ٦٧٨ ]
وردّ على هوازن سباياها، وكانوا ستّة آلاف.
وفي «المواهب»: (ذكر ابن فارس
(و) في «الشفاء»: أنه ﷺ (ردّ على هوازن): اسم قبيلة منسوبة لهوازن بن أسلم، وكان يسكن حنينا؛ وهو موضع سمّي بحنين بن نابه بن مهلاييل، وغزوته تسمّى «غزوة حنين»، و«غزوة هوازن»، وكانت في شوال؛ أو في رمضان.
وأمرها معروف مفصّل في السّير.
ولما غزاهم وحاز غنائمهم قدم وفدهم على رسول الله ﷺ؛ وهم أربعة عشر رجلا؛ رئيسهم زهير بن صرفة، وفيهم أبو برقان عمّ رسول الله ﷺ من الرّضاع، فسألوه أن يمنّ عليهم بما أخذه منهم؛ لما بينهم وبينه من مناسبة الرضاعة، فقال لهم: «أبناؤكم ونساؤكم أحبّ إليكم أم أموالكم؟!» . قالوا: ما كنّا نعدل بالأحساب شيئا!!.
فردّ على هوازن (سباياها) بعد مفاوضة جرت، إذ قال ﷺ: «أمّا ما كان لي ولبني عبد المطّلب؛ فهو لكم، وما للنّاس يسأل منهم» . فقال: المهاجرون والأنصار: ما كان لنا؛ فهو لرسول الله ﷺ. وقال جماعة من المؤلّفة: أمّا ما لنا!! فلا، فأخذه ﷺ منهم قرضا على أن يعوّضهم عنه من أوّل مال يجيء، فسلّموهم جميعا (وكانوا ستّة آلاف) نفس من النّساء والذرّيّة غير الأموال التي من غنائمهم، وكانت أربعة وعشرين ألفا من الإبل، وأكثر من أربعين ألف شاة من الغنم، وأربعة آلاف أوقيّة من الفضّة. والأوقيّة: أربعون درهما.
(و) قال العلّامة شهاب الدين القسطلّاني شكر الله مسعاه؛ (في) كتابه («المواهب) اللّدنّيّة بالمنح المحمدية»: (ذكر) العلّامة الإمام أبو الحسين:
أحمد (بن فارس) بن زكريا بن محمّد بن حبيب الرازي اللّغويّ.
كان إماما في علوم شتى؛ وخصوصا اللغة فإنّه أتقنها، وألّف كتابه «المجمل»، وهو على اختصاره جمع شيئا كثيرا.
[ ٢ / ٦٧٩ ]
في كتابه في «أسماء النّبيّ ﷺ»: أنّه في يوم حنين جاءته امرأة؛ فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ وأعطاهم عطاء كثيرا حتّى قوّم ما أعطاهم ذلك اليوم، فكان خمس مئة ألف ألف.
وأصله من قزوين وأقام مدّة في همذان، ثم انتقل إلى الرّي، وإليها نسبته، وأخذ عنه البديع الهمذاني، والصاحب ابن عبّاد وغيرهما من أعيان البيان.
وله مؤلّفات عديدة؛ منها «مقاييس اللغة» طبع في ستّة أجزاء، و«الصاحبي في علم العربية» طبع، ألّف لخزانة الصاحب بن عباد، و«الفصيح»، و«تمام الفصيح»، و«فقه اللغة»، و«النيروز» خطّ، و«الإتباع والمزاوجة» طبع، و«الحماسة المحدثة»، و«متخيّر الألفاظ»، و«ذمّ الخطأ في الشعر» خط، و«اللامات» خط، و«كتاب الثلاثة» خط؛ في الكلمات المكوّنة من ثلاث حروف متماثلة. وكتاب «أسماء النبي ﷺ»، وكتاب «أوجز السّير لخير البشر» طبع في ثمان صفحات، و«جامع التأويل في تفسير القرآن» أربع مجلدات، وله كتاب «حلية الفقهاء»، وله شعر حسن.
وكانت ولادته سنة: تسع وعشرين وثلثمائة هجرية، ووفاته سنة: خمس وتسعين وثلثمائة. والله أعلم رحمه الله تعالى.
(في كتابه) المؤلّف (في «أسماء النّبيّ ﷺ»؛ أنّه في يوم حنين جاءته امرأة فأنشدت شعرا تذكّره أيّام رضاعته في هوازن، فردّ عليهم ما أخذ) من النساء والبنين. ونسب إليه!! لأنه الأمير.
(وأعطاهم) عطف تفسير؛ أي: كان المردود (عطاء كثيرا)، لأنّه لم يكن معه مال غير المأخوذ من الغنيمة، وسمّي المردود عطاء!! لملك الغانمين له (حتّى قوّم) - بالبناء للمفعول- (ما) أي: الذي (أعطاهم ذلك اليوم؛ فكان خمسمائة ألف ألف) من السبايا بتكرير لفظ «ألف» «مرتين»، وهو عبارة عن خمسمائة
[ ٢ / ٦٨٠ ]
قال ابن دحية:
مليون؛ بالتعبير العصري.
وأما أموالهم فلم يردّها عليهم، لأنّه كان قسم الجميع، فلما جاؤا مسلمين خيّرهم بين ردّ المال أو السبايا. فاختاروا السبايا فردّهم كما مرّ مفصّلا.
(قال) العلّامة الإمام الحافظ أبو الخطّاب عمر بن الحسن بن علي بن محمد الجميّل بن فرح بن خلف بن قومس بن مزلال بن ملّال بن بدر بن أحمد (بن دحية) - بكسر الدال المهملة وفتحها، وسكون الحاء المهملة، وبعدها ياء مثنّاة من تحت- وهو: دحية بن خليفة الكلبي «صاحب رسول الله ﷺ» . وصاحب الترجمة ينسب إليه، ويعرف ب «ذي النسبين»: دحية؛ والحسين السّبط، لأنّه كان يذكر أنّ أمّه من ذرية الحسين رضي الله تعالى عنهما.
كان أبو الخطّاب؛ من أعيان العلماء ومشاهير الفضلاء، متقنا لعلم الحديث النبوي، وما يتعلّق به، عارفا بالنحو واللغة وأيام العرب وأشعارها.
واشتغل بطلب الحديث في أكثر بلاد الأندلس الإسلامية، ولقي بها علماءها ومشايخها، ثم رحل منها إلى بر العدوة، ودخل مراكش، واجتمع بفضلائها.
ثم ارتحل إلى إفريقيا، ومنها إلى الديار المصريّة، ثمّ إلى الشام والشرق والعراق، ودخل إلى عراق العجم، وخراسان، وما والاها، وما زندران، كلّ ذلك في طلب الحديث والاجتماع بأئمّته والأخذ عنهم، وهو في تلك الحال يؤخذ عنه ويستفاد منه وولّي قضاء دانية.
ومن تصانيفه «المطرب من أشعار أهل المغرب» خط «١»، و«الآيات البينات» خطّ و«نهاية السول في خصائص الرسول» خط، و«النبراس في تاريخ خلفاء بني العباس» طبع، و«التنوير في مولد السراج المنير»، و«علم النّصر المبين في المفاضلة بين أهل صفين» .
_________________
(١) بل طبع.
[ ٢ / ٦٨١ ]
وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود) .
وعن عائشة رضي الله [تعالى] عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة ويثيب عليها.
وكانت ولادته سنة: أربع وأربعين وخمسمائة، ووفاته سنة: ثلاث وثلاثين وستمائة بالقاهرة؛ وعمره قارب التسعين، ودفن بسفح المقطّم رحمه الله تعالى.
(وهذا نهاية الجود الّذي لم يسمع بمثله في الوجود.
و) أخرج الإمام أحمد، والبخاريّ في «الهبة» وأبو داود في «البيوع»، والترمذيّ في «الجامع» في «البر» وفي «الشمائل»؛
(عن عائشة) أمّ المؤمنين (رضي الله تعالى عنها: أنّ النّبيّ ﷺ كان يقبل الهديّة)؛ طلبا للتحابب والتواصل، وفرارا من التباغض والتقاطع، إلّا لعذر؛ كما ردّ على الصعب بن جثّامة الحمار الوحشيّ؛ وقال: «إنّا لم نردّه عليك إلّا أنّا حرم» .
(ويثيب) أي: يجازي، والأصل في الإثابة: أن يكون في الخير والشرّ، لكن العرف خصّها بالخير (عليها)؛ بأن يعطي المهدي بدلها، وأقلّه قيمة ما يساوي الهديّة، فيسنّ التأسّي به في ذلك، لكن محلّ ندب القبول حيث لا شبهة قويّة فيها، وحيث لم يظنّ المهدى إليه أنّ المهدي أهداه حياء، وإلّا! لم يجز القبول.
قال الغزالي: مثال من يهدي حياء: من يقدم من سفر ويفرّق الهدايا؛ خوفا من العار، فلا يجوز قبول هديّته؛ إجماعا، لأنه: «لا يحلّ مال امرىء مسلم إلّا عن طيب نفس» .
وكذا إذا ظنّ المهدى إليه أنّ المهدي إنّما أهدى له هديّته لطلب المقابل، فلا يجوز له قبولها؛ إلّا إذا أعطاه ما في ظنّه بالقرائن.
[ ٢ / ٦٨٢ ]
وأتته ﷺ امرأة ببردة، فقالت: يا رسول الله؛ أكسوك هذه؟ فأخذها ﷺ محتاجا إليها، فلبسها،
قال المناوي: وأخذ بعض المالكية بظاهر الخبر، فأوجب الثواب عند الإطلاق؛ إذا كان ممن يطلب مثله الثواب، أي: كالهديّة من الأدنى للأعلى.
قال: وإنّما قبل الهدية؛ دون الصدقة!! لأنّ المراد بها ثواب الدنيا، وبالإثابة تزول المنّة. والقصد بالصدقة ثواب الآخرة، فهي من الأوساخ.
وظاهر الإطلاق: أنّه كان يقبلها من المؤمن والكافر.
وفي السّير أنّه قبل هدية المقوقس وغيره من الملوك. انتهى.
(وأتته ﷺ امرأة) قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمها (ببردة) منسوجة؛ فيها حاشيتها- كما في البخاريّ مرفوعا بمنسوجة، لأن اسم المفعول يعمل عمل فعله؛ كاسم الفاعل.
وقال الداودي: يعني أنّها لم تقطع من ثوب، فتكون بلا حاشية.
وقال غيره: حاشية الثوب هدبه. وكأنه أراد أنها جديدة لم يقطع هدبها ولم تلبس.
وقال القزّاز: حاشيتا الثوب ماحيتاه اللّتان في طرفيهما الهدب.
ولفظ البخاريّ في «الأدب»: جاءت امرأة ببردة؛ فقال سهل للقوم: أتدرون ما البردة؟! قالوا: الشّملة. قال سهل: هي شملة منسوجة فيها حاشيتها.
(فقالت: يا رسول الله: أكسوك هذه)؟! وفي رواية «الجنائز»: قال:
«نعم» . قالت: قد نسجتها بيدي؛ فجئت لأكسوكها.
قال الحافظ: وتفسير البردة بالشّملة تجوّز، لأن البردة كساء، والشّملة:
ما اشتمل به. فهي أعمّ، لكن لمّا كان أكثر اشتمالهم بها أطلقوا عليها اسمها.
(فأخذها) النبيّ (ﷺ محتاجا إليها)، كأنّهم عرفوا ذلك بقرينة حال، أو تقدّم قول صريح؛ (فلبسها) لفظ «الأدب»: وفي رواية «الجنائز»: فخرج إلينا، وإنّها إزاره.
[ ٢ / ٦٨٣ ]
فرآها عليه رجل من الصّحابة فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن هذه! فاكسنيها،
ولابن ماجه: فخرج إلينا فيها، وللطبرانيّ فاتّزر بها؛ ثمّ خرج (فرآها عليه رجل من الصّحابة) . أفاد المحبّ الطبريّ في «الأحكام» أنّه عبد الرحمن بن عوف، وعزاه للطبرانيّ، ولم أره في «المعجم الكبير»، لا في مسند سهل؛ ولا في مسند عبد الرحمن!!
وقد أخرج الطبرانيّ الحديث، وقال في آخره: قال قتيبة: هو سعد بن أبي وقّاص.
وأخرجه البخاريّ في «اللباس»، والنسائي في «الزينة» عن قتيبة؛ ولم يذكرا عنه ذلك!!
ورواه ابن ماجه؛ وقال فيه: فجاء رجل سمّاه يومئذ، وهو دالّ على أنّ الراوي ربّما سمّاه. وفي رواية أخرى للطبراني؛ من طريق زمعة بن صالح؛ عن أبي حازم؛ عن سهل أنّ السائل المذكور أعرابيّ، فلو لم يكن زمعة ضعيفا لانتفى أن يكون هو عبد الرحمن بن عوف، أو سعد بن أبي وقّاص!! أو يقال: تعدّدت القصّة على ما فيه من بعد.
وقول شيخنا ابن الملقّن «إنّه سهل بن سعد» غلط، التبس عليه اسم القائل باسم الراوي؛ قاله الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.
(فقال: يا رسول الله؛ ما أحسن) - بنصبه؛ تعجبا- (هذه) البردة (فاكسنيها) . لفظ «الأدب»؛ ولفظ الجنائز عقب أنّها إزاره: فحسّنها فلان؛ فقال: أكسنيها؛ ما أحسنها!!
قال الحافظ: فحسّنها؛ كذا في جميع الروايات هنا؛ أي: في «الجنائز» - بمهملتين من التحسين-.
وللبخاريّ في «اللباس» فجسّها- بجيم بلا نون-.
[ ٢ / ٦٨٤ ]
فقال: «نعم»، فلمّا قام ﵊.. لامه أصحابه، وقالوا: ما أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها، وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه.
رواه البخاريّ.
وكذا للطبرانيّ والإسماعيليّ؛ من طريق آخر (فقال)؛ أي: النبي ﷺ (: «نعم») أكسوكها.
وللبخاريّ في «اللباس»: فجلس ما شاء الله في المجلس، ثم رجع فطواها، فأرسل بها إليه.
(فلمّا قام ﵊ لامه) أي: السائل (أصحابه، وقالوا: ما) - نافية- (أحسنت حين رأيت النّبيّ ﷺ أخذها)، وفي رواية: لبسها (محتاجا إليها، ثمّ سألته إيّاها؛ وقد عرفت أنّه لا يسأل شيئا فيمنعه!!) .
وفي رواية: لا يردّ سائلا. بقيّته في البخاري: فقال: رجوت بركتها حين لبسها النبي ﷺ لعلّي أكفّن فيها.
وفي رواية للبخاريّ أيضا: فقال الرّجل: والله؛ ما سألتها إلّا لتكون كفني يوم أموت. قال سهل: فكانت كفنه.
وبيّن في رواية الطّبرانيّ المعاتب له من الصحابة؛ ولفظه: قال سهل: فقلت للرجل: لم سألته وقد رأيت حاجته إليها؟! فقال: رأيت ما رأيتم، ولكنّي أردت أن أخبّئها حتّى أكفّن فيها. وفي رواية البخاري في «الجنائز»: قال: والله؛ إنّي ما سألته لألبسها، إنّما سألته لتكون كفني. قال سهل: فكانت كفنه.
(رواه البخاريّ) في «الجنائز» و«البيوع» و«الأدب» و«اللباس»؛ من حديث سهل بن سعد السّاعديّ ﵁.
قال في «المواهب»: وفي هذا الحديث من الفوائد: حسن خلقه ﷺ، وسعة جوده، وقبوله الهدية، وغير ذلك.
[ ٢ / ٦٨٥ ]
واستنبط منه السّادة الصوفيّة جواز استدعاء المريد خرقة التصوّف من المشايخ تبرّكا بهم، وبلباسهم، كما استدلوا لإلباس الشيخ للمريد بحديث أنّه ﷺ ألبس أمّ خالد خميصة سوداء ذات علم. رواه البخاري.
لكن قال شيخنا- يعني السخاويّ- رحمه الله تعالى: ما يذكرونه- أي الصوفية- من أنّ الحسن البصريّ لبسها من علي بن أبي طالب ﵁!!
فقال ابن دحية وابن الصلاح: إنّه باطل.
وقال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: ليس في شيء من طرقها ما يثبت، ولم يرد في خبر صحيح؛ ولا حسن؛ ولا ضعيف أنّه ﷺ ألبس الخرقة على الصورة المتعارفة بين الصوفية لأحد من أصحابه، ولا أمر أحدا من أصحابه بفعلها، وكلّ ما يروى صريحا في ذلك!! فباطل.
قال الحافظ ابن حجر: ثمّ إنّ من الكذب المفترى قول من قال «إنّ عليا ألبس الخرقة الحسن البصري»، فإنّ أئمّة الحديث لم يثبتوا للحسن من علي سماعا؛ فضلا عن أن يلبسه الخرقة.
قال السّخاوي: ولم ينفرد شيخنا- يعني: الحافظ ابن حجر- بذلك، بل سبقه إليه جماعة حتّى ممن لبسها وألبسها؛ كالدمياطي، والذهبي، والعلائي، ومغلطاي، والعراقي، والأبناسي، والحلبي، والهكاري، وابن الملقّن، وابن ناصر الدين؛ وتكلّم عليها في جزء مفرد.
وللحافظ السيوطي مؤلّف سمّاه «إتحاف الفرقة برفو الخرقة» ذكر فيه أنّ جمعا من الحفاظ أثبتوا سماع الحسن من علي بن أبي طالب. والحافظ ضياء الدين في «المختارة» رجّحه، وتبعه الحافظ في «أطرافها»، وهو الراجح عندي لقاعدة الأصول: أن المثبت مقدّم على النافي، لأن معه زيادة علم ولأن الحسن ولد لسنتين بقيتا من خلافة عمر، وكانت أمّه خيرة مولاة أمّ سلمة، فكانت أمّ سلمة تخرجه إلى الصحابة فيباركون عليه، وأخرجته إلى عمر؛ فدعا له، فقال: «اللهمّ؛ فقّهه في
[ ٢ / ٦٨٦ ]
الدين، وحبّبه إلى النّاس.» أخرجه العسكري بسنده.
وذكر المزّيّ أنّه حضر يوم الدار؛ وله أربع عشرة سنة، ومعلوم أنّه من حين بلغ سبع سنين أمر بالصلاة، فكان يحضر الجماعة ويصلّي خلف عثمان حتّى قتل، ولم يخرج عليّ إلى الكوفة إلّا بعد قتله؛ فكيف ينكر سماع الحسن منه؛ وهو كل يوم يجتمع به خمس مرّات من حين ميّز إلى أن بلغ أربع عشرة سنة!؟!
وقد كان عليّ يزور أمّهات المؤمنين، ومنهنّ أمّ سلمة؛ والحسن البصري في بيتها هو وأمّه!!
وقد ورد عن الحسن ما يدلّ على سماعه منه!
وروى المزّيّ؛ من طريق أبي نعيم أنّ يونس بن عبيد؛ قال للحسن: إنّك تقول «قال رسول الله ﷺ؛ ولم تدركه»؟! قال: يا ابن أخي؛ لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، ولولا منزلتك مني ما أخبرتك!! إنّي في زمان كما ترى! وكان في عمل الحجّاج! كلّ شيء سمعتني أقول «قال رسول الله ﷺ»؛ فهو عن عليّ، غير أنّي لا أستطيع أن أذكر عليّا.
ثم ذكر ما أخرجه الحفّاظ من رواية الحسن عن علي، فبلغ عشرة أحاديث ساقها وذكر خلالها قول ابن المديني «الحسن رأى عليا بالمدينة المنوّرة وهو غلام» .
وقال أبو زرعة: كان الحسن البصري يوم بويع علي ابن أربع عشرة سنة. ورأى عليّا بالمدينة، وقال: رأيت الزّبير يبايع عليّا! ثم خرج إلى الكوفة والبصرة؛ ولم يلقه الحسن بعد ذلك، ففي هذا القدر كفاية.
ويحمل قول النافي على ما بعد خروج عليّ من المدينة المنورة.
وروى أبو يعلى: حدّثنا جويرية بن أشرس قال: أخبرنا عقبة بن أبي الصهباء الباهلي، قال: سمعت الحسن يقول: سمعت عليّا يقول: قال رسول الله ﷺ:
«فمثل أمّتي مثل المطر » . الحديث.
[ ٢ / ٦٨٧ ]
وكان ﷺ رحيما،
قال الحافظ في «تهذيب التهذيب»: قال محمد بن الحسن الصيرفي «شيخ شيوخنا»: هذا نصّ في سماع الحسن من علي. ورجاله ثقات. انتهى ملخصا.
وليس في ذا الرفع كلّه إثبات الدعوى أنّ عليّا ألبس الحسن الخرقة على متعارف الصوفية.
وكذا قول المصنف- يعني القسطلّانيّ-: «نعم ورد لبسهم لها مع الصحبة المتصلة إلى كهيل «١» بن زياد النخعي؛ وهو صحب عليا من غير خلف في صحبته له بين أئمة الجرح والتعديل» ! لا دلالة فيه على الدعوى؛ «وهو أنّ عليا ألبسها كهيلا» إنّما هو احتمال، ولا تقوم به حجّة.
وفي بعض الطرق للخرقة اتصالها بأويس القرني، وهو اجتمع بعمر بن الخطّاب وعليّ بن أبي طالب، وهذه صحبة لا مطعن فيها. لكن لا تدلّ على الدعوى نصّا!! إنما هو احتمال، وكثير من السادة الصوفية يكتفي بمجرّد الصحبة؛ كالشاذلي إمام الطريقة، وشيخنا أبي إسحاق إبراهيم المتبولي، وكان يوسف العجمي يجمع بين تلقين الذكر وأخذ العهود واللبس، وله في ذلك رسالته «ريحان القلوب» . وللشيخ قطب الدين القسطلاني «ارتقاء الرتبة في اللباس والصحبة» انتهى كلام «المواهب» مع شرح الزرقاني، رحمهما الله تعالى.
(و) أخرج البخاريّ في «الأدب المفرد» بسند حسن- كما في العزيزي- عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: (كان) رسول الله (ﷺ رحيما)، حذف المعمول!! ليفيد العموم؛ فهو رحيم حتّى بأعدائه، لما دخل يوم الفتح مكّة على قريش؛ وقال: «اجلسوا بالمسجد الحرام» وصحبه ينتظرون أمره فيهم.. من قتل أو غيره! قال: «ما تظنّون أنّي فاعل بكم؟» . قال: خيرا؛ أخ كريم، وابن أخ كريم.. فقال: «أقول كما قال أخي يوسف «لا تثريب عليكم اليوم» اذهبوا فأنتم الطّلقاء» .
_________________
(١) في نسخة: كميل.
[ ٢ / ٦٨٨ ]
وكان لا يأتيه أحد إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده.
وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ:
فقد كان ﷺ أنجد النّاس
قال ابن عربي: فلا ملك أوسع من ملك سيّدنا محمّد، فإنّ له الإحاطة بالمحاسن والمعارف، والتودّد والرحمة والرفق، وكان بالمؤمنين رحيما.
وما أظهر في وقت غلظة على أحد إلّا عن أمر إلهيّ حين قال له جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ [٧٣/ التوبة] فأمر بما لم يقتض طبعه ذلك، وإن كان بشرا يغضب لنفسه ويرضى لها!!.
(وكان لا يأتيه أحد) يسأله شيئا (إلّا وعده وأنجز له؛ إن كان عنده)، وإلّا أمر بالاستدانة عليه. انتهى مناوي؛ على «الشمائل» .
(وأمّا شجاعة رسول الله ﷺ):
الشجاعة- بفتح الشين- قال القاضي عياض: هي فضيلة قوّة الغضب، وانقياد تلك القوّة للعقل؛ على وفق الشرع. أي: لتقع على ما ينبغي من النعوت الآدمية، ولتكون من الصفات البهيّة.
والنّجدة- بفتح النون فسكون الجيم فدال مهملة- بمعنى الشجاعة؛ في قول، وقال بعضهم: هي شدّة البأس، يقال: هم أنجاد أمجاد؛ أي: أشدّاء شجعان، والواحد نجد؛ ككتف وأكتاف.
وقال القاضي عياض: النّجدة: ثقة النفس؛ أي: وثوقها بربّها عند استرسالها إلى الموت حيث يحمد فعلها؛ دون خوف.
(فقد) كان ﷺ منها بالمحلّ الذي لا يجهل،! قد حضر المواقف الصعبة، وفرّ الكماة والأبطال عنه غير مرّة؛ وهو ثابت لا يبرح، ومقبل لا يدبر، ولا يتزحزح وما شجاع إلّا وقد أحصيت له فرّة وحفظت عنه جولة؛ سواه ﷺ.
وفي «الإحياء»: (كان ﷺ أنجد النّاس) أي: أكثرهم نجدة،
[ ٢ / ٦٨٩ ]
وأشجعهم.
قال عليّ رضي الله تعالى عنه: لقد رأيتني يوم بدر ونحن نلوذ بالنّبيّ ﷺ،
(وأشجعهم)؛ أي: أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ؛ ولا تحدّث أحد بفراره.
وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي؛ بل أخذه بعضهم من النص القرآني، لقوله تعالى يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ [٧٣/ التوبة] فكلّفه؛ وهو فرد؛ جهاد الكلّ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَها [٢٨٦/ البقرة] !! ولا ضير في كون المراد:
هو ومن معه، إذ غايته أنّه قوبل بالجميع؛ وذلك مفيد للمقصود.
قال العراقي: روى الدارميّ؛ من حديث ابن عمر بسند صحيح: ما رأيت أجلد، ولا أجود، ولا أشجع، ولا أرضى من رسول الله ﷺ. انتهى
وقال ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: ما رأيت أشجع، ولا أنجد، ولا أجود، ولا أرضى من رسول الله ﷺ. رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.
وعطف «أجود» على «أنجد»؟! للمناسبة بينهما، إذ الجواد لا يخاف الفقر، والشجاع لا يخاف الموت، ولأن الأوّل بذل النفس، والثاني: بذل المال.
والجود بالنفس أقصى غاية الجود!
انتهى من «شرح الزرقاني»، و«شرح الإحياء» و«شرح الشفاء» .
(قال) الإمام (عليّ) بن أبي طالب أمير المؤمنين (رضي الله تعالى عنه) وكرّم الله وجهه في الجنّة (: لقد رأيتني) - بضمّ التّاء- وهذا من خصائص أفعال القلوب وما ألحق بها؛ من «رأى» البصريّة والحلميّة: أن يكون فاعلها ومفعولها ضميرين متّصلين لشيء واحد، و«رأى» هذه بصريّة؛ أي: والله لقد أبصرت نفسي (يوم بدر ونحن نلوذ) أي: نلتجىء ونستتر (بالنّبيّ ﷺ)، وكان الظاهر أن
[ ٢ / ٦٩٠ ]
وهو أقرب إلى العدوّ. وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا.
وقال أيضا: كنّا إذا حمي «١» البأس ولقي القوم القوم
يقول: ولقد رأيتنا. وكأنه عدل عنه إشارة إلى أنّ كلّ أحد مشغول بنفسه؛ لا يرى غيره. (وهو) أي: رسول الله ﷺ ([أقرب] إلى العدوّ) منا لشدّة شجاعته ﷺ، والمراد بالعدوّ الكفّار
(وكان من أشدّ النّاس يومئذ بأسا) أي: نكاية في العدو، كقوله تعالى وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا (٨٤) [النساء] كما قاله الرّاغب.
وإذا كان حاله هذا في مثل هذا الوقت؛ ففي سائر الأوقات بالأولى، وما أحسن قول من قال من أرباب الحال:
له وجه الهلال لنصف شهر وأجفان مكحّلة بسحر
فعند الابتسام كليل بدر وعند الانتقام كيوم بدر
وهذا الحديث أخرجهء الإمام أحمد، والنّسائي، والبيهقيّ في «الدّلائل»؛ من طرق؛ عن علي رضي الله تعالى عنه، ورواه أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند جيّد. انتهى «شرح الشفا» . و«شرح الإحياء» .
(وقال أيضا)؛ أي: عليّ رضي الله تعالى عنه كما في «الإحياء» و«الشفاء» قال في «شرحه»: رواه الإمام أحمد، والنسائيّ، والطبرانيّ، والبيهقيّ.
(كنّا إذا [حمي]) - بزنة: علم- (البأس) - بموحّدة، وبهمزة، أو ألف- وهو الشدّة. والمراد به الخوف؛ أو الحرب، أي: اشتدّ القتال، وهو معنى ما وقع في الرواية الآخرى «حمي الوطيس»، فإنّ الوطيس التّنور، (ولقي القوم) - بالرفع فاعل- (القوم) - بالنصب مفعول-.
_________________
(١) في «وسائل الوصول»: احمرّ. وكلاهما جائز.
[ ٢ / ٦٩١ ]
اتّقينا برسول الله ﷺ، فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه.
وقيل: كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال.. تشمّر.
وكان من أشدّ النّاس بأسا، وكان الشّجاع هو الّذي يقرب منه في الحرب؛ لقربه من العدوّ.
وفي «الشفاء» بدل قوله: «ولقي القوم القوم» «واحمرّت الحدق» - (اتّقينا برسول الله ﷺ) . أي: جعلناه وقاية من العدو، بأن يتقدمّ علينا؛ فيدفع العدوّ؛ ونحن خلفه، كما يشير إليه قوله (فما يكون أحد أقرب إلى العدوّ منه)، ولذا أمسوا بغلته ﷺ يوم حنين؛ كما مرّ، ولم ينكر عليهم!!
(و) في «الإحياء»: (قيل كان رسول الله ﷺ قليل الكلام، قليل الحديث، فإذا أمر النّاس بالقتال تشمّر)
قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من حديث سعد بن عياض الثّمالي مرسلا.
قلت: وروى الإمام أحمد؛ من طريق سماك؛ قال: قلت لجابر بن سمرة:
أكنت تجالس النبي ﷺ؟! قال: نعم، وكان طويل الصّمت قليل الضّحك. رجاله رجال الصّحيح؛ غير شريك، وهو ثقة. وسعد بن عياض المذكور تابعيّ يروي عن ابن مسعود، وعنه أبو إسحاق السّبيعي وثّق. روى له أبو داود، والنسائي؛ كذا في «الكاشف» . انتهى شرح «الإحياء» .
(وكان) ﷺ (من أشدّ النّاس بأسا) . رواه الإمام أحمد، والنّسائيّ، وغيرهما؛ من حديث عليّ في قصّة بدر- وقد تقدم قريبا-
(وكان الشّجاع) منّا (هو الّذي يقرب منه) ﷺ (في الحرب؛ لقربه من العدوّ) .
قال العراقي: رواه مسلم؛ من حديث البراء: كنّا والله؛ إذا حمي البأس نتّقي
[ ٢ / ٦٩٢ ]
وقال عمران بن حصين
به، وإنّ الشجاع الذي يحاذى به. انتهى شرح «الإحياء» .
(و) أخرج أبو الشيخ في «الأخلاق» بسند فيه مجهول؛ (قال) أبو نجيد- بضم النون وفتح الجيم- (عمران) - بكسر العين المهملة وسكون الميم وراء مهملة- (ابن حصين) - بضمّ الحاء وفتح الصاد المهملتين؛ كتصغير حصن- ابن عبيد بن خلف بن عبد شهم بن سالم الخزاعيّ البصري؛
كان من فضلاء الصحابة وفقهائهم.
أسلم هو وأبو هريرة عام خيبر سنة: سبع من الهجرة.
روي له عن رسول الله ﷺ مائة وثمانون حديثا؛ اتفقا منها على ثمانية، وانفرد البخاريّ بأربعة ومسلم بتسعة.
روى عنه أبو رجاء العطاردي؛ واسمه: تيم، ومطرّف بن عبد الله، وزرارة ابن أوفى، وزهدم، وعبد الله بن بريدة، وابن سيرين، والحسن، والشعبي، وأبو الأسود الدّؤلي، وآخرون.
نزل البصرة؛ وكان قاضيها؛ استقضاه عبد الله بن عامر أيّاما، ثم استعفاه فأعفاه.
توفي بها سنة: ثنتين وخمسين هجرية، وكان الحسن البصري يحلف بالله تعالى: ما قدم البصرة راكب خير لهم من عمران.
وغزا مع النبي ﷺ غزوات وبعثه عمر بن الخطّاب رضي الله تعالى عنه إلى البصرة ليفقه أهلها، وكان مجاب الدّعوة؛ ولم يشهد تلك الحروب
وكان أبيض الرأس واللحية، وله عقب بالبصرة.
وفي «صحيح مسلم»؛ عن عمران قال: قد كان يسلّم عليّ حتّى اكتويت «١»
_________________
(١) من البواسير.
[ ٢ / ٦٩٣ ]
رضي الله تعالى عنهما: ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة إلّا كان أوّل من يضرب.
وقالوا: وكان قويّ البطش. ولمّا غشيه المشركون.. نزل عن بغلته، فجعل يقول:
فتركت. ثم تركت الكيّ فعاد. يعني كانت الملائكة تسلم عليه ويراهم عيانا كما جاء مصرّحا به في غير «صحيح مسلم» .
ومات عمران سنة: اثنتين وخمسين. وقيل: سنة ثلاث وخمسين هجرية.
واختلف العلماء في حصين «والد عمران»: هل أسلم، وله صحبة؛ أم لا؟!
قال ابن الجوزي في «التلقيح»: الصحيح أنّه أسلم (رضي الله تعالى عنهما:
ما لقي النّبيّ ﷺ كتيبة) - بفتح الكاف وكسر المثناة الفوقية، وبالمثناة التحتية، وباء موحّدة، أي: طائفة من الجيش مجتمعة- (إلّا كان أوّل من يضرب) بسيفه، ويقاتل.
(و) في «الإحياء»: (قالوا: وكان) ﷺ (قويّ البطش) .
قال العراقي: رواه أبو الشيخ؛ من رواية أبي جعفر معضلا. انتهى
قلت: ورواه ابن سعد؛ عن محمد بن علي مرسلا؛ بلفظ: كان شديد البطش. قال الشارح: فلم تكن الرّحمة منزوعة عن بطشه لتخلّقه بأخلاق الله تعالى، وهو سبحانه ليس له وعيد وبطش شديد؛ ليس فيه شيء من الرحمة واللّطف.
وقال الحافظ العراقيّ: وللطبرانيّ من حديث عبد الله بن عمرو: «وأعطيت قوّة أربعين في البطش والجماع» . وسنده ضعيف.
(ولمّا غشيه المشركون) يوم حنين (نزل عن بغلته، فجعل يقول:
[ ٢ / ٦٩٤ ]
«أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه.
«أنا النّبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب»
قال الحافظ العراقيّ: متّفق عليه؛ من حديث البراء. انتهى.
وسيأتي في الحديث بعده التفصيل. ومعنى قوله «أنا النّبيّ لا كذب»؛ أي:
حقا فلا أفرق ولا أزول، أي: صفة النبوة يستحيل معها الكذب، فكأنّه قال أنا النبيّ؛ والنبيّ لا يكذب. لست بكاذب فيما أقول حتّى أنهزم بل أنا متيقن أن ما وعدني الله من النصر حق فلا يجوز علي الفرار أنا ابن عبد المطلب.
فيه دليل لجواز قول الإنسان في الحرب «أنا فلان بن فلان» . ومنه قول الإمام علي بن أبي طالب ﵁: أنا الّذي سمّتني أمّي حيدره.
وقول سلمة: أنا ابن الأكوع.
والمنهيّ عنه قول ذلك على وجه الافتخار؛ كما كانت الجاهلية تفعله.
وانتسب لجدّه عبد المطلب؛ دون أبيه عبد الله!! لأنه توفّي شابّا في حياة أبيه عبد المطلب؛ فلم يشتهر كاشتهار أبيه.
وكان عبد المطلب سيّد قريش وسيّد أهل مكّة، ومن ثمّ نسب إليه ﷺ في نحو قول ضمام: أيّكم ابن عبد المطلب. انتهى شرح «الإحياء» .
(فما رئي يومئذ أحد أشدّ منه) ﷺ، لأنّه لمّا استقبلهم من هوازن ما لم يروا مثله قطّ؛ من السواد والكثرة، وذلك في غبش الصبح وخرجت الكتائب من مضيق الوادي؛ فحملوا حملة واحدة؛ فانكشفت خيل بني سليم مولّية؛ وتبعهم أهل مكّة والنّاس، ولم يثبت معه ﷺ إلّا عمّه العبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وأبو بكر، وأسامة في أناس من أهل بيته وأصحابه.
قال العبّاس: وأنا آخذ بلجام بغلته أكفّها؛ مخافة أن تصل إلى العدو، لأنّه كان يتقدّم نحوهم، وأبو سفيان آخذ بركابه. انتهى شرح «الإحياء»، وسيأتي
[ ٢ / ٦٩٥ ]
وسأل رجل البراء
مزيد الكلام على الحديث الذي بعد هذا.
(و) أخرج البخاريّ في «الجهاد»، ومسلم في «المغازي»، والنسائي في «السّير» بإختلاف في بعض ألفاظه أنّه (سأل رجل) من قيس. قال الحافظ ابن حجر: لم أقف على اسمه!!
(البراء) - بفتح الموحّدة وتخفيف الرّاء وبالمدّ- هذا هو الصحيح المشهور عند طوائف العلماء.
وهو: أبو عمارة، ويقال: أبو الطفيل البراء بن عازب- بالزاي- ابن الحارث بن عدي بن مجدعة بن حارثة بن الحارث بن الخزرج بن عمرو بن مالك بن الأوس الأنصاري الأوسيّ الحارثيّ المدني.
أمّه أمّ حبيبة بنت أبي حبيبة. وقيل: أم خالد بنت ثابت.
وأبوه عازب صحابي، ذكر محمد بن سعد في «الطبقات» أنّه أسلم.
روي للبراء عن النبي ﷺ ثلثمائة حديث وخمسة أحاديث؛ اتفق البخاريّ ومسلم منها على اثنين وعشرين، وانفرد البخاري بخمسة عشر، ومسلم بستّة.
روى عنه عبد الله بن يزيد الخطمي، وأبو جحيفة الصحابيان، وجماعة من التابعين؛ منهم: الشعبي، وابن أبي ليلى، والسبيعي، ومعاوية بن سويد، وأبو المنهال سيّار بن سلامة، وغيرهم.
نزل الكوفة وابتنى بها دارا، وتوفي بها زمن مصعب بن الزبير، وأرّخه ابن حبان سنة: اثنتين وسبعين.
استصغره النبي ﷺ يوم بدر، وأوّل مشاهده أحد.
وفي البخاري؛ عن البراء قال: غزوت مع النبي ﷺ خمس عشرة غزوة، وشهد البراء مع أبي موسى غزوة تستر، وشهد مع عليّ ﵁ وقعة الجمل وصفّين والنهروان، هو وأخوه عبيد بن عازب.
[ ٢ / ٦٩٦ ]
رضي الله تعالى عنه: أفررتم يوم حنين عن رسول الله ﷺ؟! قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ،
وكان للبراء ابنان: يزيد وسويد (رضي الله تعالى عنه: أفررتم) معاشر الصحابة (يوم حنين) معرضين (عن رسول الله ﷺ؛ قال: نعم، لكنّ رسول الله ﷺ لم يفرّ) استدراك على ما قد يتوهّم من فراره ﷺ حين فرّوا عنه، الواقع عند السائل؛ أخذا من عموم ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) [التوبة] فبيّن له أنّه من العموم الذي أريد به الخصوص، والتقدير: نعم فررنا، ولكنه ﷺ ثبت وثبت معه عليّ، والعبّاس، وأبو سفيان بن الحارث، وابن مسعود. رواه ابن أبي شيبة مرسلا.
وللترمذي بإسناد حسن؛ عن ابن عمر: لقد رأيتنا يوم حنين، وإنّ الناس لمولّون، وما مع رسول الله ﷺ مائة رجل.
ولأحمد، والحاكم؛ عن ابن مسعود: فولّى الناس عنه، وبقي معه ثمانون رجلا من المهاجرين والأنصار.
وفي شعر العبّاس: أنّ الذين ثبتوا عشرة فقط.
قال الحافظ ابن حجر: ولعلّه العدد الذي ثبت، ومن زاد عليهم عجّل الرجوع! فعدّ فيمن لم يفرّ. انتهى زرقاني؛ على «المواهب» .
قال في «نظم المغازي» للعلّامة أحمد بن محمد البدوي الشنقيطي رحمه الله تعالى:
وثبتت مع النّبيّ طائفه من أهل بيته وممّن ألفه
حيدرة والعمران وأبو سفيان جعفر ابنه المنتخب
وعمّه ربيعة، العبّاس وفضله أسامة الأكياس
وأيمن ابن أمّه والعبدري شيبة رام غدر خير مضر
فصدّه عمّا نوى فضربه نبيّنا في صدره فجذبه
قال الخفاجي في «نسيم الرياض»؛ شرح «شفاء» القاضي عياض ﵀
[ ٢ / ٦٩٧ ]
كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا؛ فأكببنا على الغنائم، فاستقبلتنا بالسّهام.
تعالى: ولم يجيء أنّه ﷺ انهزم قطّ ولم ينقله أحد، وقد نقل الإجماع على أنّه لا يجوز أن يعتقد أنّه ﷺ انهزم. ولا يجوز ذلك عليه.
قال الزّرقاني على «المواهب»: وقد تقدّم للمصنّف في حنين، وقبله في أحد: أنّ من زعم أنّه ﷺ هزم يستتاب، فإن تاب؛ وإلّا! قتل عند الشافعية، ووافقهم ابن المرابط من المالكية. وأنّ مذهب مالك يقتل بلا استتابة، وفرّقوا بينه وبين من قال «جرح. أو: أوذي»: بأن الإخبار عن الأذى نقص في المؤذي؛ لا عليه، والإخبار بالانهزام نقص له ﷺ، لأنّه فعله؛ لو وقع، كما أن الأذى فعل المؤذي.
قال ابن دحية: وأما تغيّبه في الغار!! فكان قبل الإذن في القتال.
وأما مظاهرته بين درعين يوم أحد!! فهو من الاستعداد للإقدام، وليقتدي به أصحابه. والمنهزم خارج عن الإقدام جملة، بخلاف المستعدّ له. انتهى.
ثمّ بيّن سبب التولّي؛ فقال (كان هوازن رماة، وإنّا لمّا حملنا عليهم انكشفوا): انهزموا؛ كما هو لفظ رواية البخاري في «الجهاد»: (فأكببنا) - بفتح الموحّدة الأولى وإسكان الثانية ونون- أي: وقعنا (على الغنائم)، وفي «الجهاد»؛ فأقبل الناس على الغنائم (فاستقبلتنا) أي: هوازن.
وفي «الجهاد»: فاستقبلونا (بالسّهام)؛ أي: فولّينا.
وفي مسلم: فرموهم برشق من نبل كأنّها رجل جراد.
وفيه أيضا؛ عن أنس: جاء المشركون بأحسن صفوف رأيت؛ [فصفّت] الخيل، ثم المقاتلة، ثمّ النّساء من وراء ذلك، ثم الغنم، ثم النّعم ونحن بشر كثير، وعلى خيلنا خالد بن الوليد؛ فجعلت خيلنا تلوذ خلف ظهورنا، فلم نلبث أن انكشفت خيلنا وفرّت الأعراب ومن تعلم من الناس.
[ ٢ / ٦٩٨ ]
ثمّ قال: ولقد رأيته على بغلته البيضاء- وأبو سفيان بن الحارث آخذ بلجامها
(ثمّ قال)؛ أي: البراء (: ولقد رأيته على بغلته البيضاء) التي أهداها له فروة بن نفاثة الجذامي؛ كما في مسلم؛ عن العبّاس. وعند ابن سعد وأتباعه:
على بغلته دلدل.
قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، لأن دلدل أهداها له المقوقس.
قال القطب الحلبي: فيحتمل أنّه ركب يومئذ كلّا من البغلتين؛ إن ثبت أنّ دلدل كانت معه، وإلّا! فما في «الصحيح» أصحّ
(وأبو سفيان بن الحارث) بن عبد المطلب، هو ابن عمّ النبي ﷺ
واسمه المغيرة، أو اسمه كنيته. وكان أخاه من الرّضاع، وآلف الناس به قبل النبوة، وكان يشبهه ﷺ أيضا.
وكان شاعرا مطبوعا، فلما ظهر الإسلام أظهر العداوة، وهجا النبي ﷺ، وأجابه حسّان رضي الله تعالى عنه بما هو مذكور في السّير، ثم أسلم؛ وحسن إسلامه، وأبلى بلاء حسنا يوم حنين.
وتوفي: سنة عشرين، وصلّى عليه عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، وهو أحد من ثبت يوم حنين رضي الله تعالى عنه.
(آخذ بلجامها) أوّلا، فلما ركضها ﷺ إلى جهة المشركين خشي عليه العبّاس؛ فأخذ زمامها، وأخذ أبو سفيان بالرّكاب.
فلا يخالف هذا ما في «مسلم»: أنّ العبّاس كان آخذا بزمامها.
وللبخاري في «الجهاد»: فنزل؛ أي عن البغلة فاستنصر.
وفي «مسلم»: فقال «اللهمّ؛ أنزل نصرك» .
وإنّما أمسكا باللّجام!! لئلا يسرع للاتصال بالعدو!! لما رأيا من إقدامه ﷺ
[ ٢ / ٦٩٩ ]
- وهو يقول: «أنا النّبيّ لا كذب، أنا ابن عبد المطّلب»، فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه.
ومسارعته، وأشفقا عليه بمقتضى المحبّة الإسلامية والرحم.
(وهو يقول: «أنا النّبيّ) حقّا (لا كذب) في ذلك، أو والنبي لا يكذب، فلست بكاذب حتّى أنهزم، (أنا ابن عبد المطّلب»)
قال الخطّابي: خصّه بالذّكر!! تثبيتا لنبوّته وإزالة للشكّ، لما اشتهر من رؤيا عبد المطّلب المبشّرة به ﷺ، ولما أنبأت به الأحبار والكهان، فكأنه يقول: أنا ذاك، فلا بدّ مما وعدت به؛ لئلا ينهزموا عنه، أو يظنّوا أنّه مغلوب، أو مقتول.
فليس من الفخر بالآباء في شيء، وليس بشعر؛ وإن كان موزونا، لأنّه لم يقصده، ولا أراده، وهما من شرط كونه شعرا، وهذا أعدل الأجوبة.
ولا يجوز فتح الباء الأولى [كذب]، وكسر الثانية [المطّلب]، ليخرج عن الوزن، لأنّه تغيير للرواية بمجرّد خيال يقوم في النفس، ولأنّه وقع في إشكال أصعب مما فرّ منه، لأن فيه نسبة اللّحن إلى أفصح الفصحاء، فالعرب لا تقف على متحرّك. انتهى «زرقاني» .
وهذا يعدّ في غاية ما يكون من الشجاعة التامّة، لأنّه في مثل هذا اليوم في حومة الوغى، وقد انكشف عنه جيشه، وهو مع هذا على بغلة؛ ليست بسريعة، ولا تصلح لكرّ ولا فرّ ولا هرب، فركوبها وركضها إلى وجوههم مع التنويه باسمه ليعرفه من ليس يعرفه: كلّ ذلك دليل النهاية في الشجاعة والثبات وعدم المبالاة بالعدوّ، وأنّ الحرب عنده كالسّلم، صلوات الله وسلامه عليه، كما قال:
(فما رئي يومئذ أحد كان أشدّ منه)، أي: لم ير في حرب هوازن أقوى؛ وأشجع من النبي ﷺ، وقد ركب بغلته؛ وقد ظاهر عليها درعا ومغفرا، وطاف على الصفوف يحضّهم على القتال ويبشّرهم بالفتح؛ إن صدقوا وصبروا، وكانوا
[ ٢ / ٧٠٠ ]
وعن العبّاس
برزوا للقتال في كتائب لم ير المسلمون مثلها عدّة وعدّة، وحملوا حملة واحدة، وكانوا أرمى الناس بالسّهام، وأعرفهم بالقتال؛ فانهزم الناس، والنبيّ ﷺ ثابت يلتفت يمنة ويسرة لمن فرّ منهم وهو يقول: «يا أنصار الله؛ وأنصار رسوله ﷺ أنا عبد الله ورسوله» ثمّ تقدّم بحربته أمام الناس، فلم يمض قليل حتّى هزمهم الله تعالى. انتهى «خفاجي» .
قال في «شرح الإحياء»: ومما يدلّ على شجاعته ﷺ، وكونه أشدّهم بأسا ركوبه يومئذ على بغلته البيضاء؛ وهي دلدل. كما في رواية مسلم مع عدم صلاحيّتها للحرب كرّا وفرّا، ومن ثمّ لم يسهم لها. ومع العادة إنّما هي من مراكب الطمأنينة، ومع أنّ الملائكة الذين قاتلوا معه في ذلك اليوم لم يكونوا إلّا على الخيل لا غير!! ومع أنّه كانت له أفراس متعدّدة في مواطن الحرب.
وهذا هو النهاية القصوى في الشجاعة والثبات، وفيه إعلام بأن سبب نصرته مدده السّماوي والتأييد الإلهي الخارق للعادة، وبأنّه ظاهر المكانة والمكان؛ ليرجع إليه المسلمون وتطمئنّ قلوبهم بمشاهدة جميل ذاته، وجليل آياته؛
كركضه بها في نحر العدو مع فرار الناس عنه، ولم يبق معه إلا أكابر أصحابه.
وكنزوله عنها إلى الأرض مبالغة في الثبات والشجاعة ومساواة في مثل هذا المقام للماشين من أصحابه. والله أعلم. انتهى.
(و) ذكر مسلم في «صحيحه» رواية (عن) أبي الفضل (العبّاس) بن عبد المطّلب الهاشمي «عمّ رسول الله ﷺ»، وكان أسنّ من رسول الله ﷺ بسنتين؛ أو ثلاث.
وكان العبّاس رئيسا جليلا في قريش قبل الإسلام، وكان إليه عمارة المسجد الحرام والسقاية.
وحضر ليلة العقبة مع رسول الله ﷺ حين بايعته الأنصار قبل أن يسلم الأنصار،
[ ٢ / ٧٠١ ]
رضي الله تعالى عنه قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار.. ولّى المسلمون مدبرين، فطفق رسول الله ﷺ يركّض بغلته نحو الكفّار،
فشدّد العقد مع الأنصار وأكّده.
وخرج مع المشركين إلى بدر مكرها وأسر، وفدى نفسه وابني أخويه عقيلا ونوفل بن الحارث. وأسلم عقب ذلك.
وقيل: أسلم قبل الهجرة، وكان يكتم إسلامه؛ مقيما بمكّة يكتب بأخبار المشركين إلى رسول الله ﷺ، وكان عونا للمسلمين المستضعفين بمكّة.
قالوا: وأراد القدوم إلى المدينة؛ فقال له النبي ﷺ: «مقامك بمكّة خير» .
وكان رسول الله ﷺ يعظّمه ويكرمه ويبجّله، وكان وصولا لأرحام قريش؛ محسنا إليهم، ذا رأي وكمال وعقل، جوادا؛ أعتق سبعين عبدا.
وكانت الصحابة تكرّمه وتعظّمه وتقدّمه، وتشاوره وتأخذ برأيه، وهو معتدل القامة. روي له عن رسول الله ﷺ خمسة وثلاثون حديثا؛ اتفقا على حديث، وانفرد البخاريّ بحديث، وانفرد مسلم بثلاثة. روى عنه ابناه: عبد الله وكثير، وجابر، والأحنف بن قيس، وعبد الله بن الحارث، وآخرون.
وكانت وفاة العبّاس بالمدينة المنوّرة يوم الجمعة لثنتي عشرة ليلة خلت من رجب. وقيل: من رمضان سنة؛ اثنتين وثلاثين. وقيل: أربع وثلاثين؛ وهو ابن ثمان وثمانين سنة. تقريبا. وقبره مشهور بالبقيع (رضي الله تعالى عنه) وأرضاه.
(قال: لمّا التقى المسلمون والكفّار ولّى المسلمون) أي: رجعوا وانهزموا (مدبرين) حال مؤكّدة منهم، (فطفق) - بكسر الفاء- أي: جعل (رسول الله ﷺ يركّض بغلته) أي: يسوقها ويسرع بها (نحو الكفّار) .
وأصل الرّكض: الضرب بالرّجل، فمتى نسب إلى الراكب فهو إعداء مركوبه، نحو ركضت الفرس، ومتى نسب إلى الماشي؛ فهو وطىء بالأرض، نحو قوله ارْكُضْ بِرِجْلِكَ [٤٢/ ص] انتهى «خفاجي» .
[ ٢ / ٧٠٢ ]
وأنا آخذ بلجامها أكفّها إرادة ألاتسرع، وأبو سفيان آخذ بركابه.
وقد كان أبيّ بن خلف يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى يوم بدر: عندي فرس أعلفها
(وأنا آخذ بلجامها) أي: ممسكه، والجملة حالية.
(أكفّها) أي: أمنعها من السرعة، والجملة حال أخرى.
(إرادة ألاتسرع) - بنصب «الإرادة» على العلّة «١» للجملة السابقة، أي:
أمنعها من أجل ألاتعجل إلى جهة العدوّ (وأبو سفيان) بن الحارث: ابن عمّه ﷺ (آخذ) أي: ممسك (بركابه) ﷺ.
هذه رواية، وفي أخرى: أنّ أبا سفيان كان يقود بغلته ﷺ آخذ بلجامها؛ من أحد جانبيها، فلعلّه تارة كان يفعل كذا، وتارة كان يفعل كذا، فلا تعارض بين الروايات. انتهى «خفاجي» .
(وقد كان أبيّ بن خلف) بن وهب بن حذافة بن جمح الكافر المشهور؛ وذلك فيما رواه ابن سعد في «طبقاته»، والبيهقيّ في «دلائل النبوة»، وعبد الرزاق في «مصنّفه» مرسلا، والواقديّ في «مغازيه» موصولا، وهو حديث صحيح أنّه كان (يقول للنّبيّ ﷺ حين افتدى) أسيرا له، وهو ابنه عبد الله، أي: أعطى الفدية لافتكاك الأسير (يوم بدر) ظرف لمحذوف يدلّ عليه «افتدى» أي: افتدى أسيره يوم بدر، فهو متعلّق بأسيره، أي من أسر يوم بدر؛ وهو ابنه، فالأسر وقع ببدر؛ والافتداء بالمدينة المنوّرة؛ كذا قال الخفاجي رحمه الله تعالى.
ومقول القول قوله (: عندي فرس) عظيمة اسمها العود- بعين ودال مهملتين- بوزن الضرب، (أعلفها) - بفتح الهمزة وكسر اللام- أي: أطعمها من العلف،
_________________
(١) أي للتعليل، والمراد مفعول لأجله.
[ ٢ / ٧٠٣ ]
كلّ يوم فرقا من ذرة أقتلك عليها، فقال له النّبيّ ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى» . فلمّا رآه يوم أحد شدّ أبيّ على فرسه على رسول الله ﷺ، فاعترضه رجال من المسلمين، فقال النّبيّ ﷺ هكذا؛ أي: خلّوا طريقه،
والفرس يقع على الذكر والأنثى. وأنّثها هنا!! لأنها كانت أنثى، وقد ورد في الحديث تذكيرها وتأنيثها بحسب المراد والقرائن
(كلّ يوم فرقا) - بفتح الفاء والراء المهملة ويجوز تسكينها. وقيل:
لا يجوز- وهو مكيال يسع ستة عشر رطلا، وتحريكه وتسكينه بمعنى، وقيل:
المسكّن مائة وعشرون رطلا، والمحرّك ستة عشر رطلا.
(من ذرة) بيان للفرق- بضمّ الذال المعجمة وفتح الراء المهملة المخففة- وهي: نوع من الحبوب معروف (أقتلك عليها) أي: أريد أن أقتلك عليها.
(فقال النّبيّ ﷺ: «أنا أقتلك إن شاء الله تعالى»)، فحقّق ما أوعده، وكأنه إنّما علف فرسه لتسوقه لهلاكه سريعا؛ كالباحث عن حتفه بظلفه، ولكلّ باغ مصرع.
(فلمّا رآه) أي: رأى أبيّ بن خلف النبي ﷺ (يوم أحد شدّ أبيّ) بن خلف الشقي أي: عدا وأسرع (على فرسه على رسول الله ﷺ) الجارّان متعلّقان ب «شدّ» . أو الأوّل مستقرّ حال، أي: راكبا على فرسه، والثاني لغو، و«شدّ» جواب «لمّا» الثاني دالا على جواب «لمّا» الأول
(فاعترضه رجال من المسلمين) أي: حالوا بين أبيّ وبين رسول الله ﷺ ليدفعوه ويصدّوه عنه. (فقال النّبيّ ﷺ) لأصحابه (.. هكذا)؛ أي: مشيرا إلى جانب أبيّ، (أي: خلّوا طريقه) . والمعنى تنحّوا عنه ولا تحولوا بيني وبينه.
[ ٢ / ٧٠٤ ]
وتناول الحربة من الحارث بن الصّمّة؛ فانتفض بها انتفاضة تطايروا عنه تطاير الشّعراء
(وتناول) ﷺ (الحربة) - بفتح الحاء وإسكان الراء المهملتين؛ بوزن الضّربة- وهي واحدة الحراب بوزن رجال، وهي: قناة صغيرة؛ أي: أخذها (من الحارث بن الصّمّة) - بكسر الصاد المهملة، وفتح الميم المشدّدة وهاء التأنيث-، وهو- أعني: الحارث- ابن الصّمّة بن عمرو بن عتيك الأنصاري الخزرجي الصحابي.
شهد مع رسول الله ﷺ بدرا وغيرها من المشاهد، وقتل ببئر معونة.
وذكر ابن الأثير: أنّ الذي ناول رسول الله ﷺ الحربة كعب بن مالك.
وبين الروايتين مخالفة! وجمع بينهما بأنّه تناولها من أحدهما؛ فسقطت منه، فناولها له الآخر. أو أنّ أحدهما وهو الذي معه الحربة كان بعيدا منه؛ فناولها آخر قريبا منه، فسلّمها له بيده. ولا بدّ من التوفيق، فإنّ الروايتين صحيحتان، والقصّة واحدة. انتهى من شرح الخفاجي على «الشفا» .
(فانتفض بها) أي: الحربة (انتفاضة) أي: قام بها قومة مسرعة.
والأبلغ الأحسن أن يقال: إنه استعارة تمثيلية؛ يلزمها تشبيههم بأنهم كالذباب المؤذي الواقع المتهافت، فيفيد هجومهم عليه وتشبيه نهوضه لهم بفحل اهتزّ ليزيل ذبابا وقع عليه،
لقوله (تطايروا)؛ أي: تفرّقوا فارّين بسرعة؛ كالطيور (عنه) ﷺ.
والمتفرّقون!! إمّا المسلمون، واقتصر عليه بعضهم!! وإمّا المشركون الذين هجموا مع أبيّ!! وهو أبلغ وأنسب بقوله:
(تطاير الشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء بعدها همزة ممدودة- أي: كتطاير ذباب أحمر- أو أزرق- يقع على الحيوان فيؤذيه أذى شديدا. وفي رواية: تطاير العشارير.
[ ٢ / ٧٠٥ ]
عن ظهر البعير إذا انتفض. ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ منها عن فرسه مرارا- وقيل: بل كسر ضلعا من أضلاعه- فرجع إلى قريش يقول: قتلني محمّدّ. وهم يقولون:
لا بأس بك.
(عن ظهر البعير إذا انتفض) أي: تحرّك البعير تحرّكا شديدا
(ثمّ استقبله النّبيّ ﷺ) أي: قام إليه ومشى إليه بالحربة. (فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ) - بمثنّاة فوقيّة ودالين مهملتين، وهمزتين- أي: تدحرج وسقط (منها) أي: الطعنة (عن فرسه مرارا)، لما غشيه من مرارة الألم.
(وقيل): لم يطعنه ﷺ في عنقه (بل كسر) بقوّة ضربته (ضلعا) - بكسر الضاد المعجمة وفتح اللام- أي: واحدا (من أضلاعه): عظام أحد جوانبه.
قال الأخفش: في الجنب الأيمن تسع أضلاع، وفي الأيسر ثمان، وما نقص منه تامّ في النساء «١»؛ وهو الذي خلقت منه حواء. ولذا روي عن الإمام أبي حنيفة في الخنثى المشكل: أنّه يحكم فيه بأنّه أنثى بتمام أضلاعه وعكسه.
وقال التلمساني: رواية طعنه أقوى، لأن المعروف الطعن بالرمح.
وفيه نظر. وقيل: إنّه ﷺ طعنه فوقع عن فرسه؛ فكسر ضلعه. وفيه جمع بين الروايتين، وهو حسن. انتهى «خفاجي» .
(فرجع) أي: أبيّ (إلى قريش) وهو (يقول: قتلني محمّد!!)، جملة «يقول» حاليّة؛ أي: قائلا. وعبّر بالماضي! لتحقّقه الموت.
(وهم يقولون: لا بأس بك) البأس- بهمزة ساكنة وتبدل ألفا- وهو اسم «لا» مبنيّ على الفتح، والبأس: الشدّة والموت والألم، وهذا هو المناسب.
_________________
(١) تحتاج لتأمّل.
[ ٢ / ٧٠٦ ]
فقال: لو كان ما بي بجميع النّاس لقتلهم، أليس قد قال: «أنا أقتلك»؟! والله لو بصق عليّ.. لقتلني. فمات بسرف في قفولهم إلى مكّة.
و(الفرق): مكيال يسع [ستّة عشر] رطلا؛ كلّ رطل مئة وثلاثون درهما.
يقال: لا بأس بك، ولا بأس عليك. للتسلية؛ أو الدعاء له بأن لا يصيبه شيء من البأس.
(فقال) أي: أبيّ (: لو كان ما بي) من الألم والشدّة التي أجدها في نفسي موزّعا وحالّا (بجميع النّاس لقتلهم)، فكيف أتحمّل أنا وحدي هذا وأسلم منه!؟
(أليس قد قال) أي: النبي ﷺ حين توعّده (: «أنا أقتلك») أي: لا أنت تقتلني، فهو قصر قلب (والله؛ لو بصق عليّ لقتلني!)؛ إبرارا لكلامه.
وإنّما قال ذلك!! لتحقّق صدقه ﷺ فيما قاله
(فمات) الملعون من تلك الطعنة (بسرف) - بفتح السّين المهملة، وكسر الرّاء المهملة؛ وفاء آخره، ممنوعا من الصرف، ويجوز صرفه-. وهو: اسم موضع على ستّة أميال من مكّة، كان فيه زواج ميمونة زوج النبي ﷺ في عمرة القضاء. واتفق أنّها ماتت فيه بعد النبي ﷺ وفيه قبرها، وبني مسجد عليها (في قفولهم) - بقاف ففاء- أي: رجوع الكفار من أحد (إلى مكّة) وهو معهم.
(والفرق) - بالفاء والراء المفتوحتين- (: مكيال يسع) ثلاثة آصع؛ كلّ صاع أربعة أمداد، فهي اثنا عشر مدّا، والمدّ رطل وثلث، والصاع خمسة أرطال وثلث رطل بغدادي، فيكون مجموع الثلاثة الآصع بالأرطال ([ستّة عشر] رطلا) بغداديا (كلّ رطل مائة وثلاثون درهما) فيما جزم به الرّافعي. قال ابن الرّفعة: وهو الذي يقوى في النفس صحّته بحسب التجربة، لكن الأصحّ عند الإمام النّوويّ: أنّ رطل
[ ٢ / ٧٠٧ ]
و(الشّعراء): ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل فيؤذيها أذى شديدا.
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال: كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس،
بغداد مائة وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم. هذا معنى الفرق- بالتّحريك-.
وأما الفرق- بسكون الراء-! فمائة وعشرون رطلا.
(والشّعراء) - بفتح الشين المعجمة، وسكون العين المهملة، وراء مهملة؛ بعدها همزة ممدودة- (: ذباب أحمر- وقيل: أزرق- يقع على الإبل) والحمر والكلاب، (فيؤذيها أذى شديدا) . وعبارة الصّحاح: «الشّعراء» ذبابة؛ يقال هي التي لها إبرة. انتهى. وقيل الشّعراء: ذباب يلسع الحمار؛ فيدور.
وقال أبو حنيفة [الدينوري]: الشّعراء نوعان: للكلب شعراء معروفة، وللإبل شعراء.
فأما شعراء الكلب! فإنّها إلى الدّقّة والحمرة، ولا تمسّ شيئا غير الكلب.
وأمّا شعراء الإبل: فتضرب إلى الصّفرة؛ وهي أضخم من شعراء الكلب؛ ولها أجنحة، وهي زغباء تحت الأجنحة. قال: وربّما كثرت في النعم حتّى لا يقدر أهل الإبل على أن يحتلبوا بالنهار، ولا أن يركبوا منها شيئا معها؛ فيتركونها إلى الليل وهي تلسع الإبل في مراق الضروع وما حولها، وما تحت الذنب، والبطن والإبطين، وليس يتّقونها بشيء إذا كان ذلك إلّا بالقطران، وهي تطير على الإبل حتى تسمع لصوتها دويا. انتهى شرح «القاموس» .
(و) في «المصابيح» - وهو حديث رواه الشيخان وغيرهما- (عن أنس رضي الله تعالى عنه؛ قال:
كان النّبيّ ﷺ أحسن النّاس) صورة وسيرة، لأنّ الله تعالى أعطاه كلّ الحسن.
[ ٢ / ٧٠٨ ]
وأجود النّاس، وأشجع النّاس. ولقد فزع أهل المدينة ذات ليلة، فانطلق النّاس قبل الصّوت،
(وأجود النّاس) لتخلّقه بصفات الله تعالى التي منها الجود والكرم. و«أجود» أفعل تفضيل؛ من الجود، وهو: إعطاء ما ينبغي لمن ينبغي أن يعطى. ومعناه:
هو أسخى النّاس بكلّ ما ينفع، فحذف للتعميم، أو لفوات إحصائه كثرة، لأنّ من كان أعظمهم شرفا وأيقظهم قلبا، وألطفهم طبعا وأعدلهم مزاجا جدير بأن يكون أسمحهم صورة، وأنداهم يدا، ولأنّه مستغن عن الفانيات بالباقيات الصالحات.
(وأشجع النّاس) أقواهم قلبا في حال البأس، فكان الشجاع منهم الّذي يلوذ بجانبه عند التحام الحرب، وما ولّى قطّ، ولا تحدّث أحد بفراره. وقد ثبتت أشجعيّته بالتواتر النقلي.
واقتصار أنس على هذه الأوصاف الثلاثة!! من جوامع الكلم، فإنّها أمّهات «١» الأخلاق. فإنّ في كل إنسان ثلاث قوى:
أحدها: الغضبية؛ وكمالها الشجاعة. ثانيها: الشهوانيّة؛ وكمالها الجود.
ثالثها: العقلية؛ وكمالها النطق بالحكمة. انتهى من «المواهب» .
وفي «الفتح»: جمع أنس صفات القوى الثلاثة على العقلية، والغضبية، والشهوانية؛ فالشجاعة تدلّ على الغضبية، والجود يدلّ على الشهوة، والحسن تابع لاعتدال المزاج المستتبع لصفاء النفس الذي به جودة القريحة الدالّ على العقل، فوصف بالأحسنيّة في الجميع. انتهى
(ولقد فزع) - بكسر الزاي-: خاف (أهل المدينة ذات ليلة) من صوت سمعوه في ناحية من نواحي المدينة؛ كما أفاده بقوله
(فانطلق النّاس) أي: ذهبوا (قبل) - بكسر القاف وفتح الباء الموحّدة-:
جهة (الصّوت) ليعرفوا خبره لظنّهم أنّه عدو.
_________________
(١) الصواب في غير العاقل: أمّات!!
[ ٢ / ٧٠٩ ]
فاستقبلهم النّبيّ ﷺ قد سبق النّاس إلى الصّوت، وهو يقول: «لن تراعوا.. لن تراعوا»، وهو على فرس لأبي طلحة عري، ما عليه سرج، والسّيف في عنقه، فقال: «لقد وجدته بحرا» .
وهذا الفرس اسمه: (المندوب) .
(فاستقبلهم النّبيّ ﷺ) راجعا (قد سبق النّاس إلى الصّوت) أي: المكان الذي سمع الصوت من جهته؛ أي: منفردا قد استبرأ الخبر؛ (وهو يقول) للمقبلين: («لن تراعوا) - بضم التاء المثناة فوق، وبضمّ العين المهملة- (لن تراعوا») تكرير الجملتين، و«لن» هنا بمعنى «لم» بدليل الرواية الآخرى، والمراد نفي سبب الرّوع؛ أي: الخوف، أي: ليس هناك شيء تخافونه
(وهو) أي ﷺ راكب (على فرس لأبي طلحة) المسمّى: زيد بن سهل «زوج أمّ سليم» والدة أنس بن مالك، استعاره منه (عري) - بضمّ العين المهملة، وسكون الراء- مجرور صفة فرس. (ما) أي: ليس (عليه سرج) للاستعجال في ركوبه، ولا يقال في الآدمي عري، وإنّما يقال عريان؛ كما تقدّم التنبيه عليه غير مرة.
(والسّيف في عنقه) أي: حمائله معلّقة في عنقه الشريف؛ متقلّدا به.
وهذا هو السنّة في حمل السيف؛ كما قاله ابن الجوزي، لا شدّه في وسطه؛ كما هو المعروف الآن!!.
(فقال: «لقد وجدته) - أي: الفرس- (بحرا») . أي: واسع الجري، ومنه سمّي البحر «بحرا» لسعته، وتبحّر فلان في العلم: إذا اتّسع فيه.
وقيل: شبّهه بالبحر..! لأن جريه لا ينفد؛ كما لا ينفد ماء البحر.
(وهذا الفرس اسمه «المندوب») قيل: سمّي بذلك!! من النّدب، وهو الرّهن عند السباق. وقيل: لندب كان في جسمه، وهو أثر الجرح.
[ ٢ / ٧١٠ ]
وفي رواية للبخاريّ: إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة، فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة كان يقطف، فلمّا رجع..
قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا»، فكان بعد لا يجارى.
قوله (بحرا) البحر: الفرس الجواد الواسع الجري.
وقال عياض: يحتمل أنّه لقب، أو اسم لغير معنى كسائر الأسماء، وقد كان في أفراسه ﷺ فرس اسمه «المندوب»، لكن صرّحت الرواية الآخرى في «الصحيحين» بأنّه لأبي طلحة. ولفظها: كان فزع بالمدينة، فاستعار النبيّ ﷺ فرسا من أبي طلحة؛ يقال له «المندوب»، فركبه ﵊، فلما رجع قال: «ما رأينا من شيء، وإن وجدناه لبحرا» أو إنّه لبحر. قال: وكان فرسا يبطىء. انتهى.
فلعله صار إلى رسول الله ﷺ بعد أبي طلحة بهبة؛ أو بيع منه له؟!.
وقال النّوويّ: يحتمل أنّهما فرسان؛ اتفقا في الاسم!! وهذا أولى.
(وفي رواية للبخاريّ) في «الجهاد»؛ عن أنس:
(إنّ أهل المدينة فزعوا مرّة) ليلا، (فركب النّبيّ ﷺ فرسا لأبي طلحة):
زيد بن سهل- تقدّمت ترجمته-؛ (كان يقطف) - بكسر الطاء، وتضمّ- والمراد أنّه بطيء المشي. وعند البخاريّ في باب آخر: فركب فرسا لأبي طلحة بطيئا.
(فلمّا رجع) بعد أن استبرأ الخبر؛ (قال: «وجدنا فرسكم هذا بحرا») لسرعة جريه. (فكان بعد) - بضمّ الدال- (لا يجارى) - بضمّ أوّله وفتح الرّاء؛ مبنيّ للمجهول- أي: لا يسابق في الجري، ولا يطيق فرس الجري معه ببركته ﷺ؛ قاله القسطلّاني وغيره. وقال بعضهم: أي: لا يسابق، لعلمهم بأنّه لا يسبقه فرس غيره.
(قوله «بحرا»)؛ قال المصنف: (البحر) هو: (الفرس الجواد الواسع الجري)، وهو مجاز. قال نفطويه: إنّما شبّه الفرس ب «البحر» !! لأنّه أراد أنّ
[ ٢ / ٧١١ ]
و(يقطف): يقال قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه.
و(القطوف من الدّوابّ وغيرها): البطيء.
جريه كجري ماء البحر، أو لأنّه يسبح في جريه؛ كالبحر إذا ماج فعلا بعض مائه على بعض.
وفي «الخصائص» لابن جني: الحقيقة: ما أقرّ في الاستعمال على أصل وضعه في اللغة، والمجاز: ما كان بضدّ ذلك.
وإنّما يقع المجاز، ويعدل إليه عن الحقيقة!! لمعان ثلاثة؛ وهي ١- الاتساع، و٢- التوكيد، و٣- التشبيه، فإن عدمت الثلاثة؟! تعيّنت الحقيقة،
فمن ذلك قوله ﷺ «هو بحر» فالمعاني الثلاثة موجودة فيه؛
أمّا الاتساع!! فلأنّه زاد في أسماء الفرس التي هي فرس وطرف وجواد، ونحوها البحر، حتّى إنه إن احتيج إليه في شعر؛ أو سجع، أو اتساع؛ استعمل استعمال بقية تلك الأسماء، لكن لا يفضى إلى ذلك إلّا بقرينة تسقط الشبهة، وذلك كأن يقول الساجع: فرسك إن سما بغرّته كان فجرا، وإن جرى إلى غايته كان بحرا. فإن عري عن دليل؟! فلا، لئلا يكون إلباسا وإلغازا.
وأمّا التشبيه!! فلأنّ جريه يجري في الكثرة مثل مائه.
وأمّا التوكيد!! فلأنّه شبّه العرض بالجوهر، وهو أثبت في النفوس منه.
انتهى شرح «القاموس» .
(و«يقطف») - بكسر الطاء وضمّها؛ أي من بابي «قتل» و«ضرب»: أي يضيق خطوه عند المشي. ودليله أنّه (يقال: قطف الفرس في مشيه: إذا تضايق خطوه) وأسرع مشيه.
(و) في «المصباح»: قال الفارابيّ: (القطوف) - بزنة رسول-: (من الدّوابّ وغيرها: البطيء) . وقال ابن القطّاع: قطف الدابّة: أعجل سيرها مع
[ ٢ / ٧١٢ ]
تقارب الخطو، وفي «التوشيح»: القطوف المتقارب الخطو، وقيل: الضيق المشي. انتهى زرقاني، و«مصباح» .
وفي الحديث بيان شجاعته ﷺ من شدّة عجلته في الخروج إلى العدوّ قبل النّاس كلّهم، بحيث كشف الحال؛ ورجع قبل وصول الناس.
وفيه بيان عظيم بركته ومعجزته في انقلاب الفرس سريعا؛ بعد أن كان بطيئا، وهو معنى قوله ﵊ «وجدناه بحرا» أي: واسع الجري.
وفيه جواز سبق الإنسان وحده في كشف أخبار العدوّ ما لم يتحقّق الهلاك.
وفيه جواز العارية، وجواز الغزو على الفرس المستعار لذلك.
وفيه استحباب تقلّد السيف في العنق، واستحباب تبشير الناس بعدم الخوف إذا ذهب. انتهى؛ قاله الإمام النّوويّ في «شرح مسلم» رحمهما الله تعالى. آمين.
[ ٢ / ٧١٣ ]
وههنا انتهى الجزء الثاني من كتاب «منتهى السّول»؛ شرح «وسائل الوصول إلى شمائل الرسول ﷺ» على يد مؤلّفه الفقير إلى عفو الله ﷿:
عبد الله بن سعيد محمد عبادي اللّحجي الحضرمي الشحاري، المدرّس بالمدرسة الصولتية، وبالمسجد الحرام بمكّة المكرّمة،
وكان ذلك في مجالس آخرها عصر يوم الثلاثاء الموافي ١٤/ ١/ ١٣٩٧: أربع عشرة، شهر محرم الحرام سنة: سبع وتسعين وثلثمائة وألف هجرية.
كتبه مؤلفه لنفسه، ولمن شاء الله من بعده؛ عبد الله سعيد اللّحجي المدرّس بالمسجد الحرام المكّي، وبالمدرسة الصولتية، عفا الله عنه ووفّقه لما يرضاه، وجعله ممن يخافه ويخشاه، وبلغه مراده وأحسن ختامه بفضله ومنّه، إنّه ذو الفضل العظيم،
وصلّى الله على سيّدنا محمّد وآله وصحبه، وسلّم تسليما كثيرا إلى يوم الدين، والحمد لله ربّ العالمين، ولا حول ولا قوّة إلّا بالله العليّ العظيم. آمين.
[ ٢ / ٧١٤ ]
[فهرسة الجزء الثاني من كتاب منتهى السّول إلى شمائل الرسول ﷺ]
الباب الرابع: في صفة أكل رسول الله ﷺ وشربه ونومه، وفيه ستة فصول. ٥
الفصل الأول: في صفة عيشه ﷺ وخبزه. ٧
الفصل الثاني: في صفة أكله ﷺ وإدامه. ٨٨
الفصل الثالث: فيما كان يقوله ﷺ قبل الطعام وبعده. ١٩٨
الفصل الرابع: في صفة فاكهته ﷺ. ٢٢٢
الفصل الخامس: في صفة شرابه ﷺ وقدحه. ٢٤١
الفصل السادس: في صفة نومه ﷺ. ٢٨٣
الباب الخامس: في صفة خلق رسول الله ﷺ وحلمه، وعشرته مع نسائه، ٣٠٤ وأمانته، وصدقه، وحيائه، ومزاحه، وتواضعه، وجلوسه، وكرمه، وشجاعته. وفيه ستة فصول.
الفصل الأول: في صفة خلقه ﷺ وحلمه. ٣٠٦
الفصل الثاني: في صفة عشرته ﷺ مع نسائه رضي الله تعالى عنهنّ. ٥٠٨
الفصل الثالث: في صفة أمانته ﷺ وصدقه. ٥٢٩
الفصل الرابع: في صفة حيائه ﷺ ومزاحه. ٥٣٧
الفصل الخامس: في صفة تواضعه ﷺ وجلوسه واتكائه. ٥٦٧
الفصل السادس: في صفة كرمه ﷺ وشجاعته. ٦٥٤
[ ٢ / ٧١٥ ]