(اليوم يبدو بعضه أو كله وما بدى منه فلا أحله)
حتى نزعت ثيابها فنشرت شعرها على ظهرها وبطنها فما ظهر من جسدها شيء فطافت وولدت له سلمة وكان من خيار المسلمين وخطبها صلى الله تعالى عليه وسلم إلي ابنها سلمة ابن هشام فقال حتى إني ابتغى أن أحشر مع أزواجه، فقل له نعم قبل أن يبدو له، فقيل له ﵇ انها قد كبرت، فلما عاد ابنها وقد أذنت سكت عنها ﵇ فلم يتزوجها - انتهى من المواهب وشرحها.
(. . .) فالمتفق عليه أولاهن ذكرها سبق)
قوله فالمتفق عليه بصيغة اسم المفعول مبتدأ ونائبة المجرور وأولاهن مبتدأ وذكرها مبتدأ وخبره قوله سبق والجملة الأخيرة خبر المبتدأ قبله وهو وخبره خبر للمبتدأ الأول يعني أن أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم المجمع عليهن وعلى دخوله بهن أولاها في التزويج أي التي هي أول من تزوج المصطفي قد تقدم للناظم ذكرها في صدر الكتاب وال موصولة أي اللاتي اتفق عليهن منهن أي على تزويجه ﵇ بهن ودخوله بهن، الأولى منهن في التزويج تقدم ذكرها في قوله:
(وإذا إلي مكة عاد وافتتح ستا وعشرين من العمر نكح)
(خديجة من بعد اربعينا مضت لها من عمرها سنينا)
(خير نساء الناس أجمعينا وقد أقامت معه عشرينا)
وأربعا ورزق البنينا منها سوى أحدهم يقينا)
وتقدم الكلام على هذه الأبيات مستوفي، قال خوليد بن أسد بن عبد العزى ابن قصى ويصح أنه منصوب بفعل محذوف تقديره أعني ووصفها بقوله (التي قد صدقت قبل النساء بالنبي فارتقت)، يعني أن أمنا خديجة رضى الله تعالى عنهما صدقت أي آمنت بالنبي صلى الله تعالى عليه
[ ٢ / ٦٢ ]
وسلم قبل جميع نسائه بل وقيل كل أحد من الرجال والنساء فارتقت بسبب ذلك إلي أعلى مقام أي علت إليه، قال العلامة الزرقاني في شرح المواهب: أنها أول خلق الله تعالى أسلم بإجماع المسلمين، لم يتقدمها رجل ولا إمرأة، قاله الحافظ أبو الحسن عز الدين بن الأثير، وأقره الإمام الذهبي وسبقهما لحكاية الإجماع الثعالبي وابن عبد البر فسنت أحسن السنن ولها أجرها وأجر من عمل بها إلي يوم القيامة – انتهى كلامه.
(وما تزوج عليها أحدا حياتها من النساء أبدا)
هذا من مناقبها التي اختصت بها يعني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم لم يتزوج على خديجة رضى الله تعالى عنها في مدة حياتها بل توفيا في مكة وما في عصمته ﵇ سواها. وهذا مما لا خلاف فيه.
فائدتان:
الأولى: أزواجه صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من سائر النساء قال تعالى: ﴿يا نساء النبي لستن كأحد من النساء اتقيتن﴾ وعبارة القاضي حسين نساؤه أفضل من نساء العالمين وعبارة المتولي خير نساء هذه الأمة ويلزم من كونها خير نساء هذه الأمة أنهن خير نساء الأمم، لأنها أفضل الأمم إلا أنه لا يلزم من تفضيل الجملة على الجملة بتفضيل كل فرد على كل فرد قيل بنبوءة مريم وآسية وأم موسى فإن ثبت خصت من العموم، ذكره السبكي زاد غيره وحواء وسارة وهاجر نقله الزرقاني.
الثانية معنى كون أزواجه ﵇ أمهات المؤمنين أي في تحريم نكاحهن على التأبيد ووجوب احترامهن، لا في نظر وخلوة بهن فحرام كالأجانب قال تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب﴾ أي ستر، قال عياض فلا يجوز إظهار شخوصهن وإن كن متسترات إلا
[ ٢ / ٦٣ ]
من ضرورة من براز ورده الحافظ بأنهن كن بعده ﵇ يحتجبن ويطفن وسمع الصحابة ومن بعدهم الحديث منهن وهن مستترات الأبدان لا الأشخاص قال الزرقاني ويمكن أن ذلك من جملة الضرورة وأن قوله من براز أي مثلا فلا يرد عليه ذلك – انتهى. وقوله براز هو قضاء الحاجة قال مؤلفه. وللعراقي:
(أزواجه كلا محرمات هن لذي الإيمان أمهات)
(نكاحهن مع عقوقهنه مع الوجوب لاحترامهنه)
(لا نظر وخلوة بهنه ولا بتحريم بناتهنه)
قال المناوي صرح عياض بحرمة كشف وجوههن وأكفهن بشهادة أو غيرها، (ثم) بعد موت خديجة رضي الله تعالى عنها (تزوج) صلى الله تعالى عليه وسلم عائشة الصديقة (ابنت الصديق) سيدنا أبي بكر رضي الله تعالى عنها ابن أبي قحافة واسمه عبد الرحمن ابن عثمان ابن عامر ابن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة، جده ﵇ وأمها أم رومان بضم الراء وفتحها واسمها زينب وقيل دعد بنت عامر بن عويمر بالتصغير بن عبد شمس من بني غنم بن مالك بن كنانة وكانت عائشة رضي الله تعالى عنها قد خطبها المطعم بن عدي لابنه جبير بن مطعم فخطبها النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وتزوجها اما لأنه لم يعلم بالخطبة أو كان قبل النهى وروى أحمد بن عاصم والطبراني وغيرهما عن عائشة لما ماتت خدية جاءت خوله بنت حكيم وقالت يا رسول الله ألا تتزوج؟ قال من؟ قالت إن شئت بكرا وإن شئت ثيبا، فأما البكر فابنت أحب خلق الله إليك عائشة بنت أبي بكر وأما الثيب فسودة بنت زمعة لقد آمنت بك، قال فاذكريهما على، فأتيت أم رومان فقلت ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت وما ذلك؟ قلت رسول الله ﵇ يذكر عائشة، قالت وددت أن تنظري أبا بكر فجاء فذكرت ذلك له، فقال أو تصلح له وهي ابنة اخيه ورجعت وذكرت ذلك للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال قوله له أنت أخي وأنا أخوك في الإسلام وابنتك تصلح لي فرجعت وأخبرته بذلك، فقال أبو
[ ٢ / ٦٤ ]
بكر لأم رومان ان المطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه والله ما أخلف أبو بكر وعدا قط فأتى المطعم وعنده امرأته فقال ما تقول في أمر هذه الجارية فأقبل على امرأته فقال ما تقولين؟ فأقبلت على أبي بكر فقالت لعلنا أن نكحنا هذا الصبي إليك تصبئه وتدخله في دينك فقال أبو بكر ما تقول أنت؟ فقال انها تقول ما تسمع فقام أبو بكر ليس في نفسه شيء من الموعد فقال لخولة قولي لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فليأت فدعته فملكها أي تزوجها.
(وعمرها ست على التحقيق)
يعني انه صلى الله تعالى عليه وسلم تزوج عائشة أي عقد عليها، وهي بنت ست سنين، أخرج الشيخان عن عائشة قالت تزوجني رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا ابنت ست سنين وفي رواية لمسلم والنسائي عنها وانا ابنت سبع سنين وجمع في الإصابة بينهما بأنها أكملت السادسة ودخلت في السابعة – انظر المواهب وشرحها.
(بالبلد الحرام قبل الهجرة بسنتين عند أهل الخبرة)
يعني أنه ﵇ تزوجها بالبلد الحرام أي بمكة قبل الهجرة إلي المدينة بسنتين عند اهل الخبرة بهذا الفن أي العلم به، وقوله بسنتين إلخ. الذي في المواهب هو ما نصه وتزوجها بمكة في شوال سنة عشر من النبوءة قبل الهجرة بثلاث سنين ولها ست سنين، وقوله قبل الهجرة بثلاث سنين زيادة إيضاح لما قبله، وقوله ولها ست سنين أي لأنها ولدت في الإسلام سنة أربع من النبوءة كما في العيون والإصابة قاله الزرقاني. وفي المواهب أيضا وماتت خديجة رضي الله تعالى عنها بمكة قبل الهجرة بثلاث سنين، قال الزرقاني عقبة ما نصه على الصحيح كما في الفتح والإصابة وزاد عن الواقدي لعشر خلون من رمضان انتهى.
وفي المواهب بعد هذا وقيل قبلها يعني الهجرة بأربع وقيل خمس ودفنت بالحجون – انتهى. فانظر هذا الذي اقتصر عليه الناظم من أنه
[ ٢ / ٦٥ ]
تزوجها قبل الهجرة بسنتين والله تعالى أعلم.
(ثم بنى بها بعيدما ارتحل لطيبة وعمرها تسعا وصل)
قوله بعيد تصغير بعد وهو الذى يدل على قرب الزمن، وما مصدرية، وتسعا منصوب بوصل، وعمرها مبتدأ ووصل خبره، والجملة حالية، يعنى أنه صلى الله تعالى عليه وسلم بنى بعائشة رشي الله تعالى عنها أي دخل بها بعد ارتحاله بها لإلى طيبة وهي المدينة المنورة على ساكنيها أفضل الصلاة والسلام، وكان بناؤه بها فى شوال فى السنة الأولى بعد مقدمه المدينة بتسعة أشهر على الصحيح، والحال أن عمرها بلغ إذ ذاك تسع سنين، وقيل بنى بها فى شوال سنة اثنتين من الهجرة على رأس ثمانية عشر شهرا، وعليه فتكون لها عشر سنين ونصف سنة وكونه ﵇ بنى بها ولها تسع سنين ثبت عنها فى الصحيحين وغيرهما وهو الذى ياتى عليه أنه بنى بها فى السنة الأولى، وروى ابن سعد وغيره عنها قالت أعرس بي على رأس ثمانية أشهر، وبهذا صدر فى الإصابة والعيون وفى مسلم عنها تزوجنى ﷺ فى شوال بنى فى شوال، قال فى الفتح وإذا ثبت أنه بنى بها فى شوال من السنة الأولى قوي قول من قال دخل بها بعد الهجرة بسبعة أشهر وقد هاه النووي وليس بواه، إذا عددنا من ربيع وجزمه بأن دخوله بها كان فى الثانية يخالف ما ثبت أنه دخل بها بعد خديجة بثلاث سنين، وقال الدمياطي ماتت خديجة وعقد على سودة فى شوال ثم على عائشة ودخل بسودة قبل عائشة انتهى. ملخصا من الزرقاني وما صدر به فى المواهب من أنه بنى بها فى شوال سنة اثنتين ضعفه الزرقاني، وقال انه لا ياتى على قول المواهب انه بنى بها ولها تسع سنين كما ثبت فى الصحيحين- انتهى.
وهذا ظاهر لأنها إذا كانت فى شوال قبل الهجرة بثلاث سنين قد مضى لها ست سنين وبنى بها فى شوال سنة اثنتين على رأس ثمانية عشر شهرا فقد كانت حين الهجرة لها تسع سنين لأنه ﵇ عقد عليها ولها ست سنين وكان ذلك قبل الهجرة بثلاث سنين على ما
[ ٢ / ٦٦ ]
اقتصر عليه فى المواهب قاله كاتبه والله تعالى أعلم.
وفي الصحيحين عن عائشة انها قالت تزوجنى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأنا بنت ست سنين فقدمنا المدينة فنزلنا فى بنى الحارث بن الخزرج فوكعت بضم الواو والتاء أي حممت فتمزق شعرى بزاي مشددة أي تقطع. وفى رواية فتمرق بالمهملة أي تنتف فوفى جميمه ووفى بتخفيف الفاء أي كثر وفيه حذف تقديره ثم نصلت من الوعك فتربى شعري فكثر جميمه بالجيم مصغرا، مصغر جمة يجمع شعر الناصية فأتتني أم رومان وإني لفي أرجوحة مع صواحب لى والأرجوحة بضم الهمزة وسكون الراء وضم الجيم فواو فمهملة حيبل يشد فى كل من طرفيه خشبة فيجلس واحد علي طرف وآخر على طرف ويحركان فيميل أحدهما بالآخر نوع من اللعب، فصرخت بي فأتيتها ما أدرى ما تريد منى فأخذت بيدى فأوقفتنى على باب الدار وأنا أنهج بنون وجيم مع فتح الهمزة والهاء وضم الهمزة وكسر الهاء أي أتنفس تنفسا عاليا من الاعياء حتى سكن بعض نفسى بفتح الفاء ثم أخذت شيئا من ماء فمسحت به وجهي ورأسي ثم أدخلتني الدار فإذا نساء من الأنصار فى البيت فقلن على الخير والبركة وعلى خير صائر أي على خير حظ ونصيب، فأسلمتنى إليهن فأصلحن من شأنى فلم يرعني بضم الراء أي لم يفزعنى إلا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ضحى وكنت بذلك من المفاجأة على غير علم فأسلمتني إليه وأنا يومئذ بنت تسع سنين، وفى رواية لمسلم ولعبتها معها.
(ومات عنها وهي بنت حيي صلى عليه رب كل شي)
يعني أنه صلى الله تعالى عليه وسلم كانت مدة مقامه مع عائشة تسع سنين ومات عنها ﵇ ولها ثمان عشرة سنة كما فى مسلم وغيره عنها وإلى هذا أشار الناظم بالحاء والياء فالحاء ثمان، والياء عشر.
[ ٢ / ٦٧ ]