(تخرجكم الروم منها كفرا كفرا) (أى قرية قرية) من عمل انصنا بالبر الشرقي من الصعيد في مقابلة الأشمونيين انتهى نقله الزرقاني. وفي القاموس القبط بالكسر أهل مصر وإليهم تنسب الثياب القبطية بالضم على غير قياس وقد تكسر ثم قال ومنهم ماريه القبطية أم إبراهيم انتهى. وهي بنت شمعون بفتح المعجمة وسكون الميم وبالعين المهملة وقيل بإهمالها وقيل بإعجامها وأمها من الروم وأهداها له المقوقس صاحب مصر والإسكندرية واسمه جريج بن مينا مات على نصرانيته وأهدي له معها أختها سيرين بكسر السين والراء المهملتين بينهما تحتية ساكنة وخصيا يقال له مابور بميم فألف فموحدة فواو ساكنة فراء ويقال هابوا بهاء بدل الميم وبغير راء في أخره قيل أنه أخو ماريه وقيل ابن عمها وأسلم وحسن إسلامه وكانت ماريه بيضاء جميلة. وروي أن المقوقس لم يجد في مصر أحسن وأجمل من ماريه وأختها فأهداهما. وروي ابن سعد عن عائشة ما غرت على امرأة إلا دونما غرت علي ماريه أعجب بها صلى الله تعالى عليه وسلم وكان أنزلها أولا بجوارنا فكان عامة الليل والنهار عندها ثم حولها إلى العارية وكان يختلف إليها هناك، وكان ذلك أشد علينا انتهى.
وأهدي معهم ألف مثقال ذهبا وعشرين ثوبا لينا وبغلة شهباء وهي دلدل وحمار أشهب وهو عفير ويقال يعفور وعسلا من عسل بنهى بكسر الموحدة وفتحها وسكون النون وبالقصر قرية من قري مصر ودعا النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالبركة في عسل بنها ولم تزل كثيرة العسل خطى الآن ووهب ﵇ سيرين لحسان بن ثابت فولدت له عبد الرحمن. ومن مناقب ماريه تبرئة الله تعالى لها ولقريبها فروي أنه ﵇ دخل علها وهى حاملة بإبراهيم فوجد عندها نسيبا لها فوقع في نفسه شئ فخرج فلقيه عمر فعرف ذلك في وجهه، فسأله فأخبره فأخذ عمر السيف ثم دخل على ماريه وقريبها عندها فأهوي إليه بالسيف فكشف عن نفسه فراءه مجبوبا ليس بين رجليه شئ فرجع عمر إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره فقال
[ ٢ / ١١٤ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم إن جبريل أتاني فأخبرني أن الله تعالى قد برأها وقريبها مما وقع في نفسي وأن في بطنها غلاما منى وأنا أشبه الناس به وأمرني أن أسميه بإبراهيم وكناني أبا إبراهيم، انظر الزرقاني.
(كانت لخير مرسل سرية) قوله سريه بضم السين وكسر الراء المشدد مشتقة من التسرر واصله السر وهو من أسماء الجماع، سميت بذلك لأنها يكتم أمرها عن الزوجة غالبا، وضمت للفرق بينها وبين الحرة إذا نكحت سرا، فهي من تغيير النسب وقال الأصمعي من السرور لأن مالكها يسر بها والضم قياسي وروي أبو داوود مرفوعا عليكم بأمهات الأولاد وفي رواية بالسراري فإنهن مباركات الأرحام.
وأفاد الناظم بهذا أنها كانت توطأ بملك اليمن ومع ذلك ضرب الحجاب وحملت بإبراهيم ووضعته سنة ثمان وماتت ﵂ في خلافة عمر سنة ست عشرة وقيل خمسة عشرة ودفنت بالبقيع، انظر الزرقاني.
(صلي الله على خالق البرية)، الضمير المجرور عائد على خير من قوله خير مرسل والبرية خلق.
(وكلهم قبل البلوغ ماتوا حياته كما روي الثقاة)
كلهم مبتدأ وخبره ماتوا وحياته منصوب بنزع الخافض أى في حياته والثقات الإثبات أخبر أن كل واحد من أولاده الذكور صلى الله تعالى عليه وسلم مات في حياته ﵇ قبل البلوغ وراعي الناظم معني كل، فجميع الضمير في قوله ماتوا وللشيخ الجنكي:
(وإن تضف كل إلى معرف فبينما الوجهين تخيير قفي)
والوجهان هما اعتبار اللفظ واعتبار المعني وفى التنبيه عن المرادي أنا لمسموع في المضاف لفظا إلى معرفة إنما هو اعتبار اللفظ نحو وكلهم ءاتية يوم القيامة. قال ولا يكاد يوجد في لسان العرب كلهم يقومون انتهى.
وقد مر بأبسط من هذا عند قوله (وكلهن كن في ذي القعدة). أما
[ ٢ / ١١٥ ]
القاسم فقد مر أنه لم يبلغ حولين وقيل عاش سنتين وقيل عاش سبعة أيام وخطاه المفضل الغلابي وقال أنه عاش سبعة عشر شهرا سبعة منها بعد البعثة وقال ابن فارس بلغ ركوب الدابة وأما عبد الله فمات صغيرا ولم تعلم مدة حياته وأما إبراهيم فتوفي وله سبعون يوما فيما ذكره أبو داوود فعليه يكون مات سنة تسع لأنه ولد باتفاق في ذي الحجة سنة ثمان ونقل صاحب النوادر أن رواية كونه عاش سبعين يوما وهم وجزم الواقدي بأنه مات سنة عشرة، وفي البخاري عن عائشة عاش سبعة عشر شهر أو ثمانية عشر شهرا على الشك. وعند أحمد عنها بسند حسن ثمانية عشر شهر بالجزم. وكذا عنده عن جابر وهو أرجح الأقوال وحمل على سرير صغير من بيت مرضعته إلى البقيع، وصلي عليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بالبقيع، وقال ندفنه عند فرطنا عثمان ابن مظعون وروي أن الذي غسله أبو بردة هاني الأنصاري وروي أنه الفضل بن عباس ولعلهما اجتمعا عليه ونزل في قبره الفضل وأسامة والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم على شفير القبر فرأي فرجة فناول الحفار مدرة فقال أنها لا تضر ولا تنفع ولكنها تقر عين الحي، ورش قبره بالماء بعد تمام دفنه وكانت أم رافعته مولاته صلى الله تعالى عليه وسلم قابلته وبشر أبو رافع زوجها به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فوهب له عبدا وعق عنه يوم سابعة بكبشين وسماه يومئذ وتصدق بزينة شعره ورقا ودفنوا شعره بالأرض ولما ولد تنافست الأنصار فيمن ترضع منهن إبراهيم فإنهم أحبوا أن يفرغوا ماريه له ﵊ مما يعلم من ميله لها، فأعطاه لأم بردة خوله بنت المنذر من بني النجار زوجة البراء بن أوس فكانت ترضعه في بني مازن من النجار وترجع به إلى أمه وأعطي ﵇ أم بردة قطعة نخل رواه ابن سعد والزبير بن بكار، وفي البخاري عن أنس أنه صلى الله تعالى عليه وسلم قال ولد لي الليلة غلام سميته باسم أبي إبراهيم ثم دفعته إلى أم سيف، امرأة قين بالمدينة يقال له أبو سيف. قال عياض هو البراء بن أوس وزوجته أم سيف هى أم بردة وتعقبه الحافظ بأنه لم
[ ٢ / ١١٦ ]
يصرح أحد من الأئمة بأن البراء يكني أبا سيف ولا بأن أبا سيف يسمي البراء. انتهى.
قال الزرقاني وحاصل ما ذكره هنا يعني القسطلاني تبعا للحافظ أنهما امرأتان على الصحيح، وجعلهما عياض امرأة واحدة، وفي البخاري عن أنس دخلنا مع رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم على أبي سيف القين، وكان ظئرا لإبراهيم فأخذ رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إبراهيم فقبله وشمه ثم دخلنا عليه بعد ذلك. وإبراهيم يجول بنفسه فجعلت عينا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم تذرفان فقال له عبد الرحمن بن عوف وأنت يا رسول الله؟ فقال يا بن عوف إنها رحمة. ثم أتبعها بأخرى فقال صلى الله تعالى عليه وسلم إن العين لتدمع والقلب يحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزنون. والقين الحداد ويطلق على كل صانع من قان الشئ إذا أصلحه ويجود بنفسه أى يخرجها ويدفعها كما يدفع الإنسان ماله يجود به وانكسفت الشمس يوم موت إبراهيم فقال الناس إنما كسفت لموت إبراهيم ﵇ إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا يكسفان لموت أحد ولا لحياته والغالب أن الكسوف يكون في الثامن والعشرين والتاسع والعشرين فكسفت يوم موته في العاشر من الشهر عند الأكثر. وقيل في رابعة ولذلك قالوا كسفت لموته. وفى كونه في ربيع أو رمضان أو ذي الحجة أقوال. ولما توفي قال ﵇ كما في مسلم إن له ظئرين يكملان رضاعه في الجنة انتهى. أي يرضعهما بجسمه وروحه معا بخلاف سائر أطفال المؤمنين فيرضعون من شجرة طوبا وحاضنهم إبراهيم كما أخرجه ابن أبي الدنيا وابن أبي حاتم وعن أنس موقوفا عليه أنه قال لو بقي – يعني إبراهيم - لكان نبيا ولكن لم يبقي. لأن نبيكم آخر الأنبياء. قال الطبري وهذا إنما يقوله أنس عن توقيف يخص إبراهيم لأنه لم يلزم أن يكون ابن النبي نبيا. وقال النووي ما روي عن بعض المتقدمين لو عاش إبراهيم لكان بنينا فباطل، وجسارة على الكلام عن المغيبات انتهى.
[ ٢ / ١١٧ ]
قال الحافظ في الإصابة عقب كلام النووي أنه عجيب مع وروده على ثلاثة من الصحابة: ابن عباس مرفوعا وأنس ابن أبي أوفي موقوفا لفظا، وحكمه الرفع، لأنه لا يقال رأيا وكأنه لم يظهر له وجه تأويله فقال ما قال وجوابه أن قضية الشرطية لا تستلزم الوقوع ففي التنزيل لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ولا يظن بالصحابي المهجوع على مثل هذا بالظن لأنه إساءة ظن بمن عدله الله تعالى في كتابه ورسوله في حديثه انتهى.
والطرق الثلاثة أحدها ما أخرجه ابن ماجة والبيهقي عن ابن عباس لما مات إبراهيم بن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم صلي عليه وقال إن له مرضعا في الجنة ولو عاش لكان صديقا نبيا، ولو عاش لأعتقت أخواله من القبط. وفي سنده إبراهيم بن عثمان العبسي وهو ضعيف، لكن له شواهد منها ما عند ابن عساكر عن جابر يرفعه لو عاش إبراهيم لكان صديقا نبينا. ومنها ما رواه إسماعيل بن السدي عن أنس لو عاش يعني إبراهيم لكان بنينا، لكن لم يكن ليبقي فإن نبيكم أخر الأنبياء ومنها ما عند البخاري عن إسماعيل بن أبي خالد قالت قلت يا عبد الله بن أبي أوفي رأيت إبراهيم بن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم قال مات صغيرا، ولو قضي أن يكون بعد محمد نبي عاش ابنه إبراهيم ولكنه لا نبي بعده.
وأخرجه أحمد عن ابن أبي أو في بلفظ لو كان بعد النبي صلى الله تعالى عليه وسلم نبي ما مات ابنه إبراهيم انتهى. قال الزرقاني بعد هذه الأحاديث فهذا حديث صحيح تعددت طرقه، ينكر مع أن وجهه ظاهر والله تعالى أعلم.
وللعراقي بعد ما قدمته:
(وقيل مع نقصان شهر وقضي سنة عشر فرطا له مضي)
(ومات قاسم له عامان وعدة الأولاد من نسوان)
أربعة الخ.
(أما بناته فأربع بلا خلاف)، الخلف بالضم الاختلاف يعني أن بناته
[ ٢ / ١١٨ ]
صلى الله تعالى عليه وسلم لم يختلف في عددهن، بل هن أربع بالإجماع، (و) لكن، (في الكبرى) منهن، (خلاف نقلا) عن أهل السير، وبين الراجح من الخلاف فقال (أصحه زينب) يعني أن الأصح من الخلاف أن كون زينب أكبر بناته صلى الله تعالى عليه وسلم. وعلى الناظم درك في حكايته للخلاف لكون زينب هى أكبر البنات لأنه على تقدير وجوده بمكن من الشذوذ وكلامه يؤذن بأنه صحيح لما تقتضيه صيغة التفضيل من المشاركة. قال المناوي في شرح العراقي ما نصه وهي أكبر بناته اتفاقا ولا عبرة بمن شذ، وفي المواهب أما زينب فهي أكبر بناته بلا خلاف إلا ما يصح وإنما الخلاف فيها وفى القاسم أيهما ولد أو لا انتهى بحروفه.
وقال الزرقاني أن أبا عمر بن البر قال ولا أعلم فيه خلافا.
( ثم اختلفوا فيها وفي القاسم فيما وصفوا)
يعني أن أهل السير اختلفوا في القاسم وزينب أيهما ولد أولا (فقال قوم هى) أى زينب (منه) أى من القاسم (أكبر) وصححه ابن الكلبي، وقدم الناظم المجرور على أفعل، وهي نزر مع الإخبار كقول الشاعر:
(فقالت لنا أهلا وسهلا وزودت جني النحل بل ما زودت منه أطيب)
(وقال قوم آخرون) من أهل السير منهم الزبير بن بكار في طائفة زينب (أصغر) من القاسم وفي المواهب أما القاسم فهو أول ولد ولد له ﵊. وفي الزرقاني عقب ما نصه على الأصح الذي جزم به الزبير بن بكار، وصاحب الإصابة، فقال هو بكره انتهى بحروفه. وعلى هذا فاللائق بالناظم تقديمه والله أعلم.
وحذف الناظم المفضول للعلم به وهو كثير في القرآن نحو ذلكم أفضل عند الله، (ورتب الثلاثة في الميلاد رأف ) قوله رتب مبتدأ وقوله رأف والرتب بضم الراء جمع رتبة بضمها وهى المنزلة يعني أن منازل البنات الثلاث البواقي بعد زينب في الولادة رمز إليها الناظم براء ثم ألف ثم فاء فكل حرف سابق لآخر فهو إشارة على أن البنت التي تقدم حرف من اسمها مولدها متقدم على مولد ما ذكر بعدها:
[ ٢ / ١١٩ ]
فالراء إشارة لرقية بضم الراء فهي أكبر من بعد زينب ثم أم كلثوم من بعد رقية وإليها أشار بالألف وبعد ذلك فاطمة الزهراء فهي أصغر بناته صلى الله تعالى عليه وسلم وإليها أشار بالفاء، وقيل إن رقية اكبر من زينب وقيل أن رقية أصغرهن والأصح ما ذكره الناظم. (وأسلمن بلا عناد) أى بلا خلاف، يعني أن بناته صلى الله تعالى عليه وسلم أسلمن وهاجرن كلهن ولا خلاف في ذلك.
(وفي ثلاثين لعام الفيل قد ولدت زينب للرسول)
زينب نائب فاعل ولدت والمجرور الأول متعلق بولدت وكذا الأخير وأما المتوسط فالظاهر أنه موضع النعت لثلاثين، واللام بمعني من أى ثلاثين كائنة من عام الفيل أى مبتدأه منه والله تعالى أعلم. ومراده أن زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ولدت سنة ثلاثين عاما من ولادته صلى الله تعالى عليه وسلم وقد مر أنه ولد عام الفيل، وعن ابن إسحاق أنها ولدت في سنة ثلاثين من مولده ﵊ وأدركت الإسلام وهاجرت اى بعد بدر انتهى.
(وابن الربيع أنكحت) ابن بالنصب مفعول أنكحت ونائبه ضمير زينب يعني أن زينب أنكحت لأبي العاصي أى زوجها له المصطفي صلى الله تعالى عليه وسلم، ابن الربيع بن عبد العزي بن عبد شمس بن عبد مناف وهو ابن خالة زينب وأمه هاله بنت خويلد صحابية استأذنت على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فعرف استيذان خديجة فارتاع وقال اللهم هاله كما في البخاري.
واسم أبي العاص لقيط بفتح اللام وكسر القاف وسكون التحتية فطاء قاله جماعه ورجحه البلادري وقيل مقسم بكسر الميم وسكون القاف وفتح المهملة حكاه ابن الأثير والسهيلي وجماعة وقيل مهشم بكسر الميم وسكون الهاء وفتح الشين المعجمة حكاه في الإصابة وقيل بضم أوله وفتح الهاء وكسر الشين الثقيلة، حكاه البغوي والزبير بن بكار وقيل اسمه الزبير وقيل قاسم حكاه السهيلي والحافظ وقيل ياسر بتحتية وسين مهملة حكاه ابن منده وأبو نعيم وكونه ابن الربيع هو الصواب،
[ ٢ / ١٢٠ ]
ورواه ابن بكر ومعن وأبو مصعب وغيرهم عن مالك وروى عنه الجمهور أنه ابن ربيعة وادعى الأصيلي أنه ابن ربيعة فنسبه مالك مرة إلى جده ورده عياض والقرطبي وغيرهما انتهي من الزرقاني. وقال المناوي والأصح أن اسمه لقيط.
(فلما أرسل خير مرسل ألما)
(به قريش في فراق زينبا فلم يجبهم للفراق بل أبى)
لما اسم شرط والعامل فيه قوله ألم وأرسل مبني للمفعول ونائبه خير وألم به أي بالنبي صلى الله تعالى عليه وسلم قريش نزلوا به أي أتوه يعنى أن أبا العاصي رضى الله تعالى عنه أتاه قريش حين بعث النبي صلي الله تعالى عليه وسلم يريدون منه أن يفارق زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فامتنع من فراقها، (وأسلمت وهاجرت) أي أدركت الإسلام وأسلمت وهاجرت بعد بدر كما رواه ابن إسحاق. وعند ابن سعد بسند صحيح من مرسل الشعبي أنها هاجرت مع أبيها ويجمع بينهما بأن المعية مجازية ذكر ابن إسحاق وغيره أن أبا العاصر لما منّ عليه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حين أسر ببدر، وشرط عليه أن يبعث زينب إليه فوفى بذلك، كما في المناوي وأمرها باللحوق بأبيها، وذلك بعد بدر بشهر أو أكثر فتجهزت فحملها في هودج على بعير ساقه بها أخوه كنانة بن الربيع ومعه قوسه وكنانته فخرج رجال من قريش فأدركوها بذي طوى فسبق إليها هبار بن الأسود وأسلم بعد ذلك فراعها بالرمح فوقعت وكانت حاملا فأسقطت فقام كنانة ونثر كنانته وقال والله لا يدنو مني رجل إلا وضعت فيه سهما، فتكركر الناس عنه وجاء أبو سفيان في جلة قريش فقال كف عنا نبلك حتى نكلمك فقال قد عرفت مصيبتنا ونكبتنا من محمد فيظن الناس أنك إذا خرجت بها علانية أنه عن ذل من مصيبتنا، وما لنا بحبسها حاجة، لكن ارجع حتى إذا هدأت الأصوات وتحدث أن قد رددناها سر بها سرا وألحقها بأبيها. ففعل فأقامت ليال وخرج بها ليلا حتى أسلمها إلي زيد بن حارثة وصاحبها الأنصاري وكان عليه الصلاة
[ ٢ / ١٢١ ]
والسلام بعثهما وقال كونا ببطن يأجج حتى تمر بكما زينب فأصحباها حتى تأتياني بها، فقدما بها عليه انتهى نقله الزرقاني.
( وهاجرا من بعدها فردها خير الورى)
(إليه بالعقد الذي قد سبقا على الأصح لا بثان لحقا)
فاعل هاجر ضمير يرجع لأبي العاصي وخير بالرفع فاعل رد ومفعوله ضمير زينب والورى العباد ومعنى كلامه أن أبا العاصي هاجر بعد هجرة زينب فرد إليه النبي صلى الله تعالى عليه وسلم زوجته زينب بعقدها الأول لا بعقد جديد وذلك أنه ﵇ بعث زيد بن حارثة في جمادى الأولى سنة ست في سبعين ومائة راكب إلي العيص بكسر المهملة يتعرض عيرا لقريش أقبلت من الشام فأخذوها وأسروا أناسا فيهم أبو العاصي فقدموا بهم فاستجار أبو العاصي بزينب فأجارته فقال صلى الله تعالى عليه وسلم قد أجرت من أجرت، وقال لها أكرمي مثواه ولا يخلصن إليك أي لا يطؤك فإنك لا تحلين له، ثم أنه رد عليه ماله بأسره فلم يفقد منه شيئًا ثم ذهب إلي مكة فأدى إلي كل ذي مال ماله وقال هل بقي لأحد منكم عندي مال؟ قالوا. لا قال فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدا عبده ورسوله. ثم خرج وقدم المدينة وقد مر بأبسط من هذا في البعوث. وقوله على الأصح بهذا صدر في المواهب قيل ردها إليه بعد سنتين وقيل بعد ست سنين، وكونه ردها إليه بالعقد الأول رواية ابن عباس وفي حديث عمرو بن شعيب ردها بنكاح جديد سنة سبع قال السهيلي وهذا هو الذي عليه العمل وإن كان حديث ابن عباس أصح إسنادا لكنه لم يقل به أحد من الفقهاء فيما علمت لأن الإسلام فرق بينهما وجمع بين الحديثين بأن معنى حديث ابن عباس ردها له على مثل العقد الأول في الصداق والحباء فلم يحدث زيادة على ذلك من شرط ولا من غيره نقله الزرقاني. وحديث ابن عباس أخرجه أبو داوود والترمذي وقال الترمذي ليس بإسناده بأس ولكن لا يعرف وجهه، وحديث عمرو بن شعيب رواه الترمذي وابن ماجه نقله الزرقاني أيضا.
[ ٢ / ١٢٢ ]
(وولدت أمامة عليا له )
مراده أن زنيب ولدت لأبي العاص رضي الله تعالى عنهما ولدا يقال له علي، استرضع في بنى غاضرة فافتصله صلى الله تعالى عليه وسلم منهم وأبو العاص مشرك بمكة، وقال لأن شاركني في شيء فأنا أحق به منه ومات وقد ناهز الحلم بعد أمه في حياة أبيه وكان رديفه صلى الله تعالى عليه وسلم على ناقته يوم الفتح وولدت له أيضا أمامة بضم الهمزة وتخفيف الميمين التي حملها صلى الله تعالى عليه وسلم في صلاة الصبح على عاتقه وكان إذا ركع وضعها وإذا رفع رأسه من السجود أعادها وتزوجها علي بعد وفاة فاطمة خالتها بوصية فاطمة بذلك انتهى من المواهب وشرحها؛ (وماتت عام "ح" وفيا) الوفي التام يعني أن زينب ماتت عام ثمان من الهجرة النبوية كما أشار له بالحاء المهملة. وفي المواهب: وماتت عام ثمان من الهجرة وصلى عليها ﵇ ونزل في قبرها ومعه أبو العاص وجعل لها نعش. وروى مسلم عن أم عطية قالت لما ماتت زينب بنت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال أغسلنها وترا ثلاثا أو خمسا واجعلن في الآخرة كافورا. وروي أن التي غسلتها أم أيمن وسودة بنت زمعة وأم سلمة قال ابن عبد البر والتي شهدت أم عطية غسلها وتكفينها إنما هي أم كلثوم ورده الحافظ بأن المحفوظ أن قصة أم عطية إنما هي في زينب.
فائدة:
حديث أمامة في الموطأ وغيره ولفظ المقصود هنا من الموطإ أن رسول الله تعالى عليه وسلم كان يصلي وهو حامل أمامة فإذا سجد وضعها وإذا قام حملها انتهى.
ولأحمد فإذا قام حملها فوضعها على رقبته ولأبي داوود حتى إذا أراد أن يركع أخذها فوضعها ثم ركع وسجد حتى إذا فرغ من سجوده وقام
[ ٢ / ١٢٣ ]
أخذها فردها مكانها. وهذا صريح في أن فعل الحمل والوضع منه لا منها بخلاف ما أوله به الخطابي وابن دقيق العيد بأن الصادر منه هو الوضع لا الرفع لتعلقها به إذا سجد فينهض فتبقي محمولة حتى يركع فيضعها فيقل العمل واختلف العلماء في تأويل هذا الحديث لأنه عمل كثير فروى ابن القاسم عن مالك أنه في النافلة واستبعده المازري وعياض والقرطبي. وعند الزبير بن بكار والسهيلي أنها الصبح ووهم من عزاه للصحيحين وروي أشهب وابن نافع عن مالك أن ذلك لضرورة حيث لم يجد من يكفيه أمرها. وقال الباجي إن وجد من يكفيه أمرها جاز في النافلة دون الفريضة وإن لم يجد جاز فيهما.
وروى عبد الله بن يوسف عن مالك أنه منسوخ قال الحافظ لكنه غير صحيح وذكر عياض عن بعضهم أنه من خصائصه لعصمته من أن تبول وهو حاملها ورد بأن الأصل عدم الاختصاص وحمله أكثر العلماء على أنه عمل غير متوال. وفي التمهيد حمله العلماء على أن أمامة كانت عليها ثياب طاهرة وأنه أمن منها ما يحدث من الصبيان من البول، وقال النووي ادعى بعض المالكية أنه منسوخ وبعضهم من الخصائص وبعضهم أنه بضرورة وكلها دعاوى باطلة وليس في الحديث ما يخالف قواعد الشرع لأن الآدمي طاهر وثياب الأطفال وأجسادهم محمولة على الطهارة حتى تتبين النجاسة والأعمال في الصلاة لا تبطلها إذا قلت وتفرقت وقال الفاكهاني كان السر فيه دفع ما ألفته العرب من كراهة البنات فخالفهم حتى في الصلاة والبيان بالفعل قد يكون أقوى من القول وفيه ترجيح العمل بالأصل على الغالب انتهى ملخصا من الزرقاني على الموطأ وحاصل هذا أن الحديث يحتاج عندنا إلي جوابين: جواب عن الفعل الكثير وجواب عن حمله لها مع احتمال نجاسة أجساد الصبيان وثيابهم.
أما الأول فأجيب عنه بأنه منسوخ وبأنه كان في النافلة وبأنه لضرورة وبأنه خصوصية وقال بعضهم لأنه لو تركها لبكت وشغلته أكثر من شغله بحملها وهذا الجواب لم يذكر فيما مر وهو في الزرقاني أيضا وأجيب أيضا بأنه عمل غير متوال. وقد مر أنه حمله عليه أكثر العلماء
[ ٢ / ١٢٤ ]
وأما شأن النجاسة فأجيب بأنها كانت ثيابها طاهرة وبأنها تحمل على الطهارة حتى تتبين النجاسة كما للنووي. ومر للفكهاني أنه من تقديم الأصل على الغالب والله تعالى أعلم. قاله مؤلفه سمح الله تعالى له.
(وأنكحت رقية عتيبه وأم كلثوم أخاه عتبه)
رقية كسمية كما في القاموس نائب فاعل أنكحت، ومفعوله الآخر عتيبة بالتصغير، وأم كلثوم بضم الكاف كما في القاموس عطف على رقية وأخاه عطف على عتيبة فهو عطف بأداة واحدة على معمولي عامل واحد وعتبة بالتكبير بدل مما قبله أو بيان ومراده أن رقية بنت رسول الله تعالى عليه وسلم تزوجت عتيبة بالتصغير بن أبي لهب وأن أم كلثوم أختها تزوجت عتبة أخاه وكان سن رسول الله تعالى عليه وسلم لما ولدت رقية ثلاثا وثلاثين سنة، وأم كلثوم اسمها كنيتها، ففي النور لا أعلم أحدا سماها وما ذكره الناظم رحمه الله تعالى خلاف ما اقتصر عليه القسطلاني في المواهب وصوبه شارحه محمد بن عبد الباقي من أن عتيبة بالتصغير الميت كافرا بافتراس الأسد بسبب دعائه ﵇ عليه، هو الذي كانت عنده أم كلثوم وكان فراقه لها قبل الدخول وأن رقية هي التي كانت تحت عتبة بالتكبير، قال الزرقاني وعتبة أسلم يوم الفتح هو وأخوه معتب لأن النبي تعالى ﵇ استوهبهما من ربه فوهبهما له انتهي.
وما اقتصر عليه نحوه للمناوي في شرح العراقي فانظر اقتصار الناظم على ما ذكره ولم أر في ابن سيد الناس ذكرا لتزويجهما لابني أبي لهب وإنما ذكر فيما رأيت تزوج عثمان بهما وكذا محمد اليدالي في الحلة السيرا والله تعالى أعلم.
(فطلقا هما معا إذ نزلا تبت فتبا لهما إذ فعلا)
يعني أن ابني أبي لهب لما نزل قوله تعالى: ﴿تبت يدا أبي
[ ٢ / ١٢٥ ]