وذهب وأما سجود الجمل له فعن أنس قال كان أهل بيت من الأنصار لهم جمل يسنون عليه أي يسقون وأنه استصعب عليهم ومنعهم ظهره وأن الأنصار جاءوا إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقالوا غنه كان لنا جمل نسني عليه وإنه استصعب علينا ومنعنا ظهره وقد عطش النخل والزرع فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، لأصحابه قوموا فقاموا فدخل الحائط والجمل في ناحية فمشى، صلى الله تعالى عليه وسلم، نحوه فقالت الأنصار يا رسول الله قد صار مثل الكلب، الكلاب وإنا نخاف عليك صولته فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس علي منه بأس فلما نظر الجمل إلى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، أقبل نحوه حتى خر ساجدًا بين يديه فأخذ، صلى الله تعالى عليه وسلم، بناصيته أذل ما كان قط، حتى أدخله في العمل، فقال له أصحابه يا رسول الله هذه بهيمة لا تعقل تسجد لك ونحن نفعل، فنحن أحق بالسجود لك فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا يصح لبشر أن يسجد لبشر، لو صلح لبشر أن يسجد لبشر لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها من عظم حقه عليها انتهى. ونسني بالنون أن نسقي والكلب الحيوان المعروف والكلب بفتح فكسر صفة له، أي الذي أصابه كالجنون من أكل لحم الإنسان ونحوه وخر ساجدًا أي واضعًا مشفره بالأرض باركًا والحائط لحم الإنسان ونحوه وخر ساجدًا أي واضعًا مشفره بالأرض باركًا والحائط البستان وفي حديث يعلي بن مرة الثقفي بينا نحن نسير مع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، إذ مررنا ببعير يسنى عليه أي يسقى عليه فلما رآه البعير جرجر فوضع جيرانه بالأرض وجرجر بجيمين وراءين صوت كثيرًا بشدة وردد ذلك لكن بالصوت المعتاد للإبل على المتبادر وفهم ﵇ من جرجرته شكواه كما قاله في آخر الحديث فإنه شكا كثرة العمل وقلة العلف فأحسنوا إليه. والجران بكسر الجيم فراء مهملة فألف فنون مقدم عنق البعير من مذبحه إلى منحره، انظر المواهب وشرحها. وفي الشفا في حديث الجمل كان لا يدخل أحد الحائط إلا شد عليه الجمل فلما دخل عليه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، دعاه فوضع مشفره على الأرض وبرك بين يديه فخطمه وقال ما بين السماء
[ ٢ / ٣٧٧ ]
والأرض شيء إلا يعلم أني رسول الله، إلا عاصي الجن والإنس أي إلا كافر الثقلين، ومشفره بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الفاء فراء أي شفته وبرك بتخفيف الراء أي ناخ، وفي رواية أنه ﵇ قال لهم إنه شكا إلى أنكم أردتم ذبحه بعد أن استعملتموه في شاق العمل من صغره. فقالوا نعم. قال بئس الجزاء. وروى أحمد والبزار بسند صحيح عن أنس دخل النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، حائط أنصاري وأبو بكر وعمر ورجل من الأنصار وفي الحائط غنم فسجدت له فقال أبو نكر نحن أحق بالسجود لك منها! قوله فسجدت له الظاهر أن سجودها كان بوضع الجبهة بعد القيام قاله شارحه ابن سرطان. وفي الزرقاني عن البيهقي عن جابر في قصة الجمل أنه ﵇ قال فما شأنه؟ قالوا سنونا عليه عشرين سنة فلما كبر سنة أردنا نحره فقال، صلى الله تعالى عليه وسلم، تبيعونه؟ قالوا هو لك يا رسول الله. فقال أحسنوا عليه حتى يأتي أجله انتهى.
(وقبضة التمر التي قد أطع ما منها جميع الجيش وهي نحو ما كنت بل أربى منه ..)
القبضة بالضم وتفتح ملؤ الكف بمعنى مقبوضة قال ابن سلطان مأخوذة من القبض وهو الأخذ بجميع الكف وفي القاموس القبضة وضمه أكثر ما قبضت عليه من شيء انتهى. وقوله قبضة مبتدأ خبره محذوف أي ومن معجزاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، ملئ كف من التمر أطعم به جيشًا كله حتى شبعوا وبقي نحو ما كان قبل أكلهم بل أربى أي أزيد وأكثر مما كان. فقوله نحو بالرفع خبر قوله وهي بسكون الهاء أي قدر ما كانت وأشار بهذا إلى ما في الشفا عن أبي هريرة قال أصاب الناس مخمصة فقال لي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، هل من شيء؟ قلت نعم؛ شيء من التمر في المزود. قال فأتيني به فأدخل يده فأخرج قبضة فبسطها ودعا بالبركة ثم قال ادع عشرة فأكلوا حتى شبعوا ثم عشرة كذلك حتى أطعم الجيش كلهم وشبعوا وقال خذ ما جئت به وأدخل يدك واقبض منه ولا تكبه فقبضت على أكثر مما جئت به
[ ٢ / ٣٧٨ ]
(الحديث). وتأتي بقيته بعد قوله (بل قد أنفقا من ذلك التمر ابن صخرا وسقا ولم يزل لديه) أي لدى أبي هريرة يأكل منه. ويطعم حياة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وحياة أبي بكر وعمر وعثمان إلى أين قتل عثمان عامر خمس وثلاثين فاستلب منه كما أشار له بقوله (حتى انتهبا) بالبناء للمجهول أي سلب منه. (مقتل) مصدر نائب عن ظرف الزمان أي وقت مقتل (ذي النورين) وهو عثمان بن عفان لقلب بذلك لتزويجه بنتي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما مر مع زيادة (فيما انتهبا) من الأموال وتمام القصة وقبضت على أكثر مما جئت به فأكلت منه وأطعمت حياة رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأبي بكر وعمر وعثمان إلى أن قتل عثمان فانتهب مني. فذهب. وفي رواية لقد حملت من ذلك التمر كذا وكذا من وسق في سبيل الله ﷿. وذكرت مثل هذه الحكاية في غزوة تبوك وأن التمر كان بضع عشرة تمرة انتهى كلام الشفا.
وقوله في أوله: هل من شيء؟ أي هل عندك من شيء؟ والتنكر للتقليل وقوله قلت نعم شيء. أي عندي شيء يسير. والمزود بكسر الميم وفتح الواو، وعاء من جلد يجعل فيه الزاد وقوله خذ ما جئت به أي مع الزيادة الحاصلة من البركة، وقوله وأدخل يدك اي فيه ولا تكبه بفتح التاء وضم الكاف وتشديد الموحدة المفتحة وقد تضم، أي لا تقلبه، وقوله وأطعمت أي غيري وانتهب بصغة المجهول أي سلب، وقوله فذهب أي استمر غائبًا عني قاله العلامة ابن سلطان. وقول الناظم ابن سخر: فاعل انفق ومفعوله أوسقا جمع وسق والوسق ستون صاعًا والصاع أربعة أمداد بمده ﵇ وابن صخر هو أبو هريرة واسمه عبد الرحمن بن صخر الدوسي الصحابي المشهور أحد المكثرين أسلم أيام خيبر ومات في آخر خلافة معاوية.
(وكم من القليل قد أكسرتا)
الخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، وكم تكثيرية مفعول أكثرت أي ومن معجزاتك يا رسول الله صلى الله تعالى عليك وسلم تكثيرك
[ ٢ / ٣٧٩ ]
القليل وقد وقع ذلك منه ﵇ كثيرًا بحيث لا يحصر وللجزائري بعد ذكر شيء من المعجزات:
(أما القليل وتكثير له مدد حدث ولا حرج عن خيرة الرسل)
ومن ذلك حديث أبي هريرة في البخاري حين أصابه الجوع فاستتبعه النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، أي أمره أن يتبعه فوجد لبنًا أي قليلًا وأمره أن يدعو أهل الصفة قال فقلت أي في نفسي ما هذا اللبن فيهم كنت أحق أن أصيب منه شربة أتقوى بها، فدعوتهم وذكرت أمر النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، له أن يسبقهم فجعلت أعطي الرجل فيشرب حتى يروي ثم يأخذه الآخر فيشرب حتى يروى وهكذا حتى روى جميعهم، قال فأخذ النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، القدح وقال بقيت أنا وأنت أقعد فاشرب. فشربت ثم قال اشرب فما زال يقولها حتى قلت لا والذي بعثك بالحق لا أجد له مسلكًا فأخذ القدح وحمد الله وسمى وشرب الفضلة. ومن ذلك حديث أبي أيوب الأنصاري النجاري العقبي البدري واسمه خالد بن زيد أنه صنع لرسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ولأبي بكر من الطعام زهاء ما يكفيهما بضم الزاي أي مقدار ما يشبعهما فقال له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ادع ثلاثين من أشراف الأنصار فدعاهم فأكلوا حتى تركوه ثم قال ادع ستين فكان مثل ذلك، ثم قال ادع سبعين فأكلوا حتى تركوه وما خرج أحد منهم حتى أسلم وبايع. وقال أبو أيوب فأكل من الطعام مائة وثمانون رجلًا قال في الشفا قال ابن سلطان وكان عشرين أكلوا بعد المائة والستين ومن ذلك حديث سمرة بن جندب أتى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، بقصعة فيها لحم فتعاقبوها من غدوة حتى الليل يقوم قومًا ويقعد آخرون ومن ذلك حديث عبد الرحمن بن أبي بكر كنا عند النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثلاثين ومائة وصنعت شاة، فشوى سواد بطنها قال وأيم الله ما من الثلاثين ومائة إلا وقد حز له حزة بفتح الحاء وتضم أي قطع له قطعة من سواد بطنها وسواد بطنها هو الكبد خاصة. وقيل القلب، انظر ابن سلطان. ومن ذلك حديث أبي هريرة أنه أصاب الناس في غزوة
[ ٢ / ٣٨٠ ]
تبوك مجاعة فقال عمر يا رسول الله أرى أن تأمر الناس أن يأتوا بفضل أزوادهم ثم ادع الله لهم عليها بالبركة قال نعم فدعا بنطع فبسط ثم دعا بفضل أزوداهم فجعل الرجل يجيء بكف ذرة ويجيء الآخر بكسرة حتى اجتمع شيء يسير قال سلمة بن الأكوع فخزرته بكريضة العنز فدعا، صلى الله تعالى عليه وسلم، عليه بالبركة ثم قال خذوا أوعيتكم قال فأكلوا حتى شبعوا ولم يبق في الجيش وعاء إلا ملئوه حتى أن الرجل ليعقد قميصه فيأخذ فيه وبقي منه فضحك، صلى الله تعالى عليه وسلم، حتى بدت نواجذه وقال أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى الله عبد بها غير شاك فيحجز عن الجنة. قوله نطع بكسر النون وفتح الطاء على أفصح لغاته وفتح النون والطاء وفتح النون وكسرها مع إسكان الطاء ما يتخذ من الأدم ويحجز بالنصب أي يمنع قاله الزرقاني وروى أبي عاصم وابن أبي خيثمة عن أم مالك الأنصارية أنها جاءت بعكة سمن إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأمر بلالًا فعصرها ثم دفعها إليها فإذا هي مملوءة فجاءت فقالت أنزل في شيء؟ قال وما ذاك؟ قالت رددت علي هديتي. فدعا بلالًا فسأله فقال والذي بعثك بالحق لقد عصرتها حتى استحييت فقال هنيئًا لك هذه بركة يا أم مالك، ووقع لأم سليم شبيه بهذه أخرج الطبراني عنها: كانت لي شاة فجعلت من سمنها في عكة فبعثت بها مع زينب إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقال أفرغوا لها عكتها ففرغت وجاءت بها فجاءت أم سليم فرأت العكة مملوءة تقطر سمنًا فقالت يا زينب ألست أمرتك أن تبلغي هذه العكة لرسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يأتدم بها قالت قد فعلت فإن لم تصدقيني فتعالي معي فذهبت معها إليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، فأخبرته فقال قد جاءت بها. فقلت والذي بعثك بالهدى إنها ممتلئة سمنًا فقال أتعجبين إن الله أطعمك. نقله الزرقاني. ومن ذلك ما رواه أحمد والبيهقي بسند جيد عن علي قال جمع رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، بني عبد المطلب وكانوا أربعين منهم قوم يأكلون الجذعة ويشربون الفرق وصنع لهم مدًا
[ ٢ / ٣٨١ ]
من الطعام فأكلوا حتى شبعوا وبقي كما هو، ثم دعا بعس فشربوا حتى رووا وبقي كأنه لم يشرب منه. قاله في الشفا. والجذعة الشاة الداخلة في السنة الثانية وقيل المراد بها هنا الإبل كما ورد مفسرًا في بعض الأحاديث والفرق بفتح الفاء والراء وتسكن مكيال يسع ثلاثة آصع بكيل الحجاز وقيل يسع اثني عشر صاعًا بصاع النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، والعس بضم العين وشد الشين المهملتين قدح من خشب يروي الثلاثة والأربعة من لبن ورووا بضم الواو. قاله ابن سلطان ومن ذلك ما روي أنه في غزوة الخندق أشبع ألفًا من صاع شعير أو دون صاع وشاة صغيرة فانصرفوا وبقي بعد انصرافهم أكثر مما كان. قال العراقي:
(وأطعم الألف زمان الخندق من دون صاع وبهيمة بقي)
(بعد انصرافهم عن الطعام أكثر مما كان من طعام)
والبهيمة تصغير بهمة بالفتح ولد الضأن الذكر والأنثى. وأطعم أيضًا جيش الخندق بتمر قليل جدًا أتت به جارية صغيرة السن بنت بشر بن سعد، كما رواه أبو نعيم في الدلائل وأشار له العراقي بقوله:
(كذا قد أطعمهم بتمر أتت به جارية في صغر)
أي صغيرة السن. وضمير أطعمهم عائد على أهل الخندق انظر المنازي. وللعراقي أيضًا:
(كذاك أقراص شعير جعلت من تحت إبط أنس فأكلت)
(جماعة منها ثمانون وهم قد شبعوا وهو كما أتى لهم)
يعني أنه بقي بعد شبعهم كأنه لم يسمه أحد والأقراص المذكورة لفتها أم سليم في خمار لها وأرسلت بها ابنها أنسًا.
(وكم من الأموات قد أحييتا)
كم للتكثير مفعول أحييت والخطاب له، صلى الله تعالى عليه وسلم، ومن ذلك ما روي عن الحسن البصري أن رجلًا أتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم هو وامرأته فذكر الرجل أنه طرح بنية له في وادي كذا فانطلق معه إلى الوادي وناداها باسمها يا فلانة أجيبي بإذن الله تعالى
[ ٢ / ٣٨٢ ]