والخاتيام والخيتام والختم محركة والخيتام انتهى المراد منه. وقال المناوي أشهر لغاته كسر التاء وأوصلها بعضهم إلى عشر، قال ابن عدي والخاتم عادة في الأمم الماضية وسنة في الإسلام قائمة وما زال الناس خلفا وسلفا يتخذونها من غير نكير انتهى.
وفى المواهب وتحصل السنة بلبس الخاتم ولو مستعارا أو مستأجرا، لكن الاوفق للسنة الملك، والاستدامة على ذلك، ويجوز تعداد الخواتم اتخاذا وأما الاستعمال فمفهوم كلام الرافعي، عدم الجواز وبه صرح المحب الطبري. وعن الخوارزمي أنه يجوز أن يلبس زوجا في يد، وفردا في الأخري. ثم قال القسطلاني والذي يظهر كلام المحب الطبري، انتهى المراد منها.
والخوارزمي بضم الخاء المعجمة وكسرا الراء وسكون الزاي وقول الطبري هو مذهب مالك ولو كان وزن المتعدد درهمين قاله الزرقاني وقال جسوس في شرح شمائل الترمذي: أعلم أن اتخاذ خاتم الفضة مستحب ولو لم يحتج إليه للختم، وقوله يكره إلا لذي سلطان لحديث في ذلك كالقاضي لأنه يحتاج إليه للتختم به لكن قال ابن عرفة هذا إذا اتخذ للسنة وأما اليوم فلا يفعله إلا من لا خلاق له، ويقصد به غرض سوء، فأري أن لا يباح لمثل هؤلاء، انتهى.
وعلى هذا فإذا صار شعار السفلة، ومن لا خلاق له من أهل المجون والفسقة لم يجز لأن صيانة العرض بترك سنة واجب. وفى المعيار عن عز الدين لا يجوز ترك السنة بمشاركة مبتدع فيها، وما زال العالمون والصالحون يقيمون السنن مع العلم بمشاركة المبتدعين، ولو ساغ ذلك لترك الأذان والإقامة، والسنن الرواتب انتهى.
وهذا عند التأمل غير ما منعه ابن عرفة لأنه لا يلزم من منع ما صار من شعار من لا خلاق له ومنه ما فيه مطلق المشاركة فقط، وقال الأبي لو اختص أهل الفسق والظلم بشئ مما أصلته السنة كالخاتم والخضاب فينبغي لأهل الفضل أن لا يتشبهوا بهم، انتهى كلام جسوس.
وفى الشمائل عن ابن عمر اتخذ النبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاتما
[ ٢ / ٣١٢ ]
من فضة فكان يختم به ولا يلبسه وفيه عن أنس لما أراد صلى الله تعالى عليه وسلم أن يكتب إلى العجم، قيل له أن العجم لا يقبلون إلا كتابا عليه خاتم، فاصنع خاتما، انتهى.
وفى الزرقاني وكان اتخاذه سنة سبع كما جزم بن ابن سيد الناس، وجزم غيره بأنه في السادسة، وجمع الحافظ بأنه كان في أواخر السادسة، وأول السابعة لأنه إنما اتخذه لما أراد المكاتبة للملوك في مدة الهدنة مع قريش، وكانت في ذي القعدة سنة ست ورجع إلى المدينة في ذي الحجة ووجه رسله للملوك في المحرم فاتخذه قبل توجيه الرسل وكان صانع الخاتم يعلي ابن منيه بضم الميم وسكون النون وفتح التحتية وهو اسم أمه واسم أمه أبيه. روي الدارقطني عنه قال أنا صنعت للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خاتما لم يشركني فيه أحد، نقش فيه محمد رسول الله انتهى.
وللحافظ العراقي:
(خاتمه من فضة وفصه منه ونقشه عليه نصه)
(محمد سطر رسول سطر الله سطر ليس فيه كبر)
(وفصه لباطن يختم به وقال لا ينقش عليه يشتبه)
(يلبسه كما روى البخاري في خنصر يمين أو يسار)
(كلاهما في مسلم ويجمع بأن ذا في حالتين يقع)
(خاتمين كل واحد بيد كما بفص حبشي قد ورد)
والفص بتثليث أوله وهو هنا ما ينقش فيه اسم صاحبه ومن في قوله منه تبعيضية والضمير للخاتم أى فصه بعضه، روي أبو داوود عن أنس: كان خاتم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فضة كله وفصه منه ولا ينافيه ما في مسلم عن أنس أيضا أنه كان من ورق وكان فصه حبشيا لأن المراد أن صائغه حبشي أو مصنوع كصنع الحبشة أو إن له خاتمين أحدهما فصه حبشي والأخر فصه منه، كما سيذكره الناظم، ونقشه بفتح النون وسكون القاف وضم الشين، ونص الشئ ذكره، على الهيئة التي ورد عليها أى وهيأته التي كان منقوشا عليها ما ورد أنه كان فيه ثلاثة
[ ٢ / ٣١٣ ]
أسطر. وكبر بكسر الكاف وسكون الموحدة أى ليس فيه ما يدل على تكبر وظاهر البخاري وغيره أن السطر الأول محمد وهذا الترتيب قد جاء في التنزيل، وقول الاستوي في حفظي أنها تقرأ من أسفل ليكون اسم الله فوق، رد بأنه لا وجود له في شئ من الأحاديث، وقوله وفصه لباطن أى باطن كفه وحكمته أن ذلك كما قال الناظم أبعد من العجب، وأحفظ للنقش، قال المناوي فجعله كذلك أفضل اقتداء به وقولهم يختم به إذا أرسل إلى ملوك العجم وغيرهم، وقوله وقال لا ينقش الخ. بالبناء للمفعول أى ر ينقش عليه أحد من الناس لئلا يشتبه نقش خاتمه بخاتم غيره ففي مسلم لا ينقش أحدكم على نقش خاتمي ويلبسه بفتح الموحدة، وخنصر بالخاء والصاد والتنوين انتهى من المناوي.
وقال جسوس ظاهره أن الكتابة لم تكن على السياق العادي فإن ضرورة الختم تقتضي أن تكون الأحرف منقوشة مقلوبة ليخرج الختم مستويا، وعن بعضهم أن كتابته كانت مستقيمة وتنطبع كتابة مستقيمة انتهى.
وروي الترمذي عن ابن عمر أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم اتخذ خاتما من فضة فكان يختم به ولا يلبسه، قال البيجوري، أى فكان يختم به الكتب التي يرسلها للملوك ولا يلبسه في يده، ويجمع بينه وبين الأخبار الدالة على أنه كان يلبسه بأن له خاتمين أحدهما منقوش بصدد الختم به ولا يلبسه والثاني كان يلبسه ليقتدي به أو أنه لا يلبسه دائما بل غبا، ثم قال البيجوري بعد هذا قال ابن جماعة ونقش الخواتم إن لم تكن كتابة بل لمجرد التحسين، فمقصد مباح ٠ إذا لم يقارنه ما يحرمه، كنقض نحو صورة كبش وإن كان كتابة، فتارة النقش من الحكم ما يذكر الموت كما روي أن نقش خاتم عمر كفي بالموت واعظا وتارة ينقش اسم صاحبه كما هنا. انتهى.
فوائد:
الأولي أخذ من إيثار النبي صلى الله تعالى عليه وسلم الفضة كراهة التختم بنحو حديد أو نحاس وروي أنه ﵇ رأي بيد رجل خاتما من
[ ٢ / ٣١٤ ]
صفر، فقال ما لى أجد منك ريح الأصنام، فطرحه ثم جاء وعليه خاتم من حديد، فقال ما لى أري عليك حلية أهل النار.
وروي أنه ﵇ أمر أن يعمل له خاتم من حديد فجعله في أصبعه فأتاه جبريل فقال انبذ من أصبعك فنبذه فأمر بخاتم يصاغ له فعمل له خاتم من نحاس فجعله في أصبعه فأقره جبريل الحديث لكن اختار النووي أنه لا يكره، لخبر الشيخين التمس ولو خاتما من حديد نقله البيجوري.
الثانية كان خاتم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بعده في يد أبي بكر، ثم في يد عمر مدة خلافتهما ثم كان في يد عثمان ست سنين من خلافته حتى وقع من عثمان كما في البخاري في بئر أريس بهمزة مفتوحة فراء مكسورة فتحتية ساكنة فسين مهملة حديقة قرب مسجد قباء.
قال القسطلاني لا تصرف، وقال الكرماني الأصح الصرف. وفي رواية لمسلم أنه سقط من معيقيب في بئر أريس وعليه فتكون نسبة سقوطه إلى عثمان مجازية ويكون معناه في يد في تصرف، وفى الصحيح عن أنس: كان خاتم النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في يده وفي يد أبي بكر بعده وفي يد عمر بعد أبي بكر فلما كان عثمان جلس في بئر أريس فأخرج الخاتم فجعل يعبث به فسقط فاختلفا ثلاثة أيام مع عثمان ننزح البئر فلم نجده قال الحافظ وغيره كان ذلك في السنة السابعة من خلافته ومن يومئذ انتقض أمر عثمان وخرج عليه الخوارج قال ابن بطال يؤخذ منه أن قليل المال إذا ضاع يجب البحث في طلبه والاجتهاد في تفتيشه قال الحافظ فيه نظر فإن فعل عثمان لا حجة فيه لأن الظاهر أنه إنما بالغ في التفتيش عليه لكونه صلى الله تعالى عليه وسلم قد لبسه، وختم به ومثل ذلك يساوي قدرا عظيما من المال ولو كان خاتم غيره صلى الله تعالى عليه وسلم لأكتفي في طلبه بدون ذلك انتهى الزرقاني.
الثالثة ما ورد أنه صلى الله تعالى عليه وسلم أمر بالتختم لم يثبت
[ ٢ / ٣١٥ ]
نحو من تختم بالعقيق لم يزل يري خيرا قال الحافظ بن رجب وكلها يعني الأخبار الواردة فيه لا تثبت وقال السخاوي في بعضها أنه موضوع انظر المواهب وشرحها.
(وكان قد أهدي له خفين أصحمة أيضا بدون مين)
اسم كان عائد عليه صلى الله تعالى عليه وسلم وخبرها الجملة بعدها والخف معروف، قال جسوس في شرح الشمائل هو ما صنع على هيئة القدم ساترا لمحل الفرض من جلد انتهى. وأصحمة بهمزة مفتوحة وسكون الصاد وفتح الحاء المهملتين فميم وقيل حاؤه معجمه وقيل بموحدة بدل الميم وقيل بغير ذلك والأولي صوبها النووي، وقف على ما قلت عند قدومه:
(إلى النجاشي النبي أرسلا عمرا )
ومعني البيت أنه ﵇ كان له خفان أهداهما له أصحمة النجاشي بفتح النون وكسرها وتخفيف ياؤه وتشدد بدون مين، أى كذب، قال جسوس، والنجاشي لقب ملوك الحبشة كتبع اليمن وكسري للفرس وقيصر للروم والشام وهرقل للشام فحسب وفرعون للقبط والعزيز لمصر وخاقان للترك وهذه ألقاب جاهلية انتهى منه.
ومعني أصحمة عطية وفي البيجوري إنما قيل له النجاشي لانقياد أمره والنجاشة بالكسر الانقياد انتهى.
وروي الترمذي عن ابن بريدة عن أبيه أن النجاشي أهدي للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خفين أسودين ساذجين فلبسهما ثم توضأ ومسح عليهما وقوله خفين أى وقميصا وسراويل وطيلسانا وقوله ساذجين بفتح الذال المعجمة وكسرها قال المحقق أبو زرعه أى لم يخالط سوادهما لون أخر وهذه اللفظة تستعمل في العرف لذلك المعني ولم أجدها في كتب اللغة ولا رأيت المصنفين في غريب الحديث ذكروها وقوله ومسح عليهما يدل لجواز المسح على الخفين وهو إجماع من يعتد به وقد رواه ثمانون صحابيا وأحاديثه متواترة ومن ثم قال بعض الحنفية أخشي أن
[ ٢ / ٣١٦ ]
يكون إنكاره كفرا، انتهى من البيجوري.
وقال جسوس في قوله ساذجين بفتح الذال المعجمة أى غير منقوشين أو لا شية فيهما تخالف لونهما أو لا شعر عليهما كما في قوله نعلين جرداوين وفيه بعد هذا إن النجاشي كتب إليه صلى الله تعالى عليه وسلم إني قد زوجتك امرأة من قومك وهي على دينك أم حبيبة وأهديتك هدية جامعة قميص وسراويل وعطاف وخفين ساذجين، قال الهيثم رواية العطاف الطيلسان انتهى منه.
وفى الشمائل أيضا عن المغيرة بن شعبة قال أهدي دحيه للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم خفين فلبسهما وقال إسرائيل وجبة فلبسهما حتى تخرقا لا يدري النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أذكرهما أم لا وقوله تخرقا أى الخفان أو الجبة، والخفان وذكى مبتدأ أى مذكي وهما فاعل سد مسد الخبر، وروي الطبراني والبيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس كان صلى الله تعالى عليه وسلم إذا أراد الحاجة ابعد فذهب يوما فقعد تحت شجرة فنزع خفية قال ولبس أحدهما فجاء طائر فأخذ الخف، فحلق به في السماء فانسلت منه سالخ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم هذه كرامة أكرمني الله بها.
وفي رواية فجاء غراب فاحتمل الأخر فخرجت منه حية فقال من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يلبس خفيه حتى ينفضهما انتهى المراد منه.
تتمة:
في ذكر نعله صلى الله تعالى عليه وسلم، وفي القاموس النعل ما وقيت به القدم عن الأرض، كالنعلة مؤنثة جمعه نعال وفى المناوي النعل كل ما وقيت به القدم عن الأرض فلا تشمل الخف عرفا بل ولا لغة إن ثبت قيد الأرض في كلام أهل اللسان انتهى.
وقال جسوس النعل تجئ مصدرا وتجئ اسما وهي لباس الأنبياء
[ ٢ / ٣١٧ ]
وكان يلبسها غالب حاله صلى الله تعالى عليه وسلم وربما مشي حافيا بلا نعل تواضعا لله وطلبا للثواب، لا سيما في عيادة المريض، قال الحافظ العراقي:
(يمشي بلا خف ولا نعل إلي عيادة المريض حوله الملا)
وكانت نعله صلى الله تعالى عليه وسلم مخصرة معقبة ملسنة كما رواه ابن سعد والمخصرة هى التي لها خصر دقيق، والمعقبة هى التي لها عقب اى سير من جلد في مؤخر النعل يمسك به عقب القدم والملسنة هي التي في مقدمها طول على هيئة اللسان لن سبابة رجله صلى الله تعالى عليه وسلم كانت أطول أصابعه فكان في مقدم النعل بعض طول يناسب طول تلك الأصبع انتهى من البيجوري.
وروي الترمذي عن ابن عباس قال كان لنعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قبالان مثني شراكهما أى لكل منهما قبالان تثنية قبال بكسر القاف وبالموحدة زاما بين الأصبع الوسطي والتي تليها ويسمي شسعا بكسر المعجمة وسكونا لسين المهملة، وكان ﵇ يضع أحد القبالين بين الإبهام والتي تليها والأخرى بين الوسطي والتي تليها. وقوله مثني بضم الميم وفتح المثلثة وشد النون المفتوحة أو بفتح الميم وسكون المثلثة وكسر النون وشد الياء روايتان أى كان شراك نعله مجعولا اثنين من السيور انظر البيجوري. والشراك بكسر السين المعجمة أحد سيور النعل التي تكون على وجهها قاله جسوس. وفيه قبل هذا إن الشراك هو الذي يكون على ظهر القدم يربط فيه أى القبال انتهى. وذكر المناوي عن الحريري وغيره أن المصطفي كان يضع أحد الزمامين بين الإبهام والتي تليها والأخر بين الوسطي والتي تليها ويجمعهما إلى السير الذي بظهر قدميه وهو الشراك انتهى كلامه.
وللعراقي نفعنا الله تعالى ببركته:
(ونعله الكريمة المصونة طوبي لمن مس بها جبينه)
لها قبالان بسير وهما سبتيتان سبتوا شعرهما»
[ ٢ / ٣١٨ ]