الخلق منه لم تعبه ثجله كلا ولم تزر به من صعله
أدعج الأهداب فيها وطف من طولها أو غطف أو عطف
والجيد فيه سطع وسيم والصوت فيه صحل قسيم
قوله بلسان بالتنوين وناعت صفة له، أي بلسان واصف لمحاسنه الظاهرة هو رجل أبلج وجه أي نيره مشرقه ولم ترد بلج الحاجب لأنها وصفته بالقرن الذي هو ضده والوضاءة الحسن والجمال. قال ابن عباس لم يقم مع شمس قط إلا غلب ضوءه ضوء الشمس ولم يقم مع سراج قط إلا غلب ضوؤه ضوء السراج، رواه ابن الجوزي. والخلق بفتح المعجمة وسكون اللام وتعبه بفتح الفوقية وكسر العين وثجلة بمثلثة مضمومة وجيم ساكنة وهي عظم البطن مع استرخاء أسفله والمراد لم يوجد في بدنه شيء يعاب وروي بنون مفتوحة وحاء مهملة ساكنة أي لم تعبه رقة هزال، قال القتبي ولم أسمع بالنحل أي بنون وحاء مهملة في غير هذا الموضع إلا في العطية. وقوله كلا، ردع لمن عابه بشيء من ذلك ولم تزر بضم المثناة الفوقية وسكون الزاي من الإزراء الاستحقار والاستخفاف بالشيء والصعلة بفتح الصاد وسكون العين المهملتين صغر الرأس. وكان ﵇ عظيم الهامة وادعج شديد سواد العين والأهداب جمع هدب بضم فسكون ووطف بفتح الواو والطاء المهملة وغطف بفتح الغين المعجمة بدل الواو وهما بمعنى وهو أن يطول شعر الأجفان وينعطف. وفي رواية عطف بعين وطاء مهملتين مفتوحتين وهي بمعناهما والجيد بكسر الجيم بمعنى العنق الوارد في رواية أم معبد وسطع بمهملتين مفتوحتين أي طول ووسيم أي حسن مضيء
[ ٢ / ٤٤٥ ]
وفي حديث أبي هالة أن عنقه كان في صفاء الفضة وليس وصفه بالوسامة في حديث أم معبد وصحل بفتح الصاد والحاء المهملتين هو كالبحة أي لم يكن حاد الصوت وقسيم جميل الوجه كله أي كل موضع منه أخذ قسمًا من الجمال، انتهى المراد من كلام المناوي.
وللعراقي بعد ما قدمت:
كثيف لحية أزج أقرن أحلاه من قرب له وأحسن
أحمله من بعد وأبهى يعلوه إذ ما يتكلم البها
كذاك يعلوه الوقار إن صمت منطقه كخرز تحدرت
فصل الكلام ليس فيه هذر حلو المقال ما عراه نزر
لا بائن طولًا ولا يقتحم من قصر فهو عليهم يعظم
كثيف لحية أي في لحيته اجتماع والتفاف، وهو بمعنى كث اللحية، وأزج مقوس الحاجبين مع ظهور الشعر وطول في طرفه وهذا خلقه فيه وأقرن أي متصل أحد الحاجبين بالآخر، كذا وصفته أم معبد، وعورض برواية ابن هالة سوابغ في غير قرن وأجيب بأنه كان بحسب ما يبدو للناظر من بعد أو بغير تأمل وأما القريب المتأمل فيبصر بين حاجبيه فاصلًا دقيقًا فهو أبلج في الواقع أقرن بحسب ما يبدو للناظر بغير تأمل وأحلاه بالأفراد أي من تأمله من قرب رآه أحلى الناس وأحسنهم ومن رآه من بعد رآه أبهى الناس وأحسنهم ووحد الضمير حملًا على لفظه أو على الجنس أي أحلى هذا الجنس أي الناس وقوله يعلوه إذ ما يتكلم البها، لفظ أم معبد إن تكلم سماه وعلاه البهاء أي ارتفع وعلا بكلامه على جلسائه والوقار الرزانة وتحررت تساقطت وفصل الكلام أي بينه يفصل بين الحق والباطل لفظ أم معبد حلو المنطق فصل لا نزر زلا هذر أي ليس بقليل لا يفهم ولا كثير يمل، ولا بقتحم من قصر بالبناء للمفعول ولفظ أم معبد ولا تقتحمه عين من قصر بالبناء للمفعول ولفظ أم معبد ولا تقتحمه عين من قصر أي لا تتجاوزه إلى غيره احتقارًا له، انتهى المراد منه ثم قال العراقي:
[ ٢ / ٤٤٦ ]
بنظرة المنظر والمقدار تحفه الرفقة بائتمار
إن أمروا تبادروا امتثالًا أو قال قولًا انصتوا إجلالًا
فهو لدى أصحابه محفود أي يسرعون طاعة محشود
ليس بعابس ولا مفند بذاك عرفته أم معبد
نضرة المنظر حسنه وهي بفتح النون وسكون المعجمة وقوله والمقدار أي وعظم مقداره وتحفه، يطوفون به؛ ويدورون حوله؛ وقوله بائتمار أي مع ائتمارهم بأمره، والمحفود المخدوم، والمحشود من يجتم الناس حوله ليمتثلوا قوله ويهتدوا بأفعاله والعابس كالح الوجه لمن يجالسه والمفند بفتح الفاء وكسر النون مشددة من يكثر اللوم أو المنسوب إلى الجهل وقلة العقل انظر المناوي.
ومن نظم العراقي لوصفه هند بن أبي هالة له ﵇:
مفلج الأسنان سهل الخد، أشنب بادن طويل الزند عنقه يرى كجيد دمية مع صفاء لونه كالفضة قال في القاموس: مفلج الثنايا منفرجها وظاهرها اختصاصه بالثنايا ويؤيده إضافته إلى الثنيتين في خبر ابن عباس وقول بعضهم يحتمل الانفراج مطلقًا يرده أن المقام مقام مدح وقد صرح جمع بأن تباعد الأسنان كلها عيب عندهم وسهل الخد أي غير مرتفع الوجنتين وهو معنى أسيل الخدين وأشنب أي لأسنانه غاية البريق واللمعان والبياض وبادن ضخم البدن لا مطلقًا بل بالنسبة لما مر، من كونه شتن الكفين والقدمين جليل المشاش والكتد، ولما كانت البدانة قد تكون من كثرة اللحم والسمن المفرط الموجب لرخاوة البدن وهو مذموم أردفه ابن أبي هالة الوصاف بنفي ذلك فقال: متماسك أي يمسك بعض أجزائه بعضًا، من غير ترجرج ولا استرخاء فهو على الخلق الأول لم يضره السمن فهو لما بلغ السن الذي شأنه استرخاء اللحم كان كالشباب والزند كفلس قال الزمخشري ما انحسر عنه اللحم من الذراع والدمية الصورة من نحو رخام او عاج والمراد الصورة التي بولغ في تحسينها فشبه عنقه بالدمية في الاستواء والاعتدال وبالفضة في اللون
[ ٢ / ٤٤٧ ]
والإشراق، انتهى من المناوي.
(ما أبصر الراؤون قط مثله)
ما نافية والراؤن جمع راء فاعل أبصر وقط ظرف زمان للتعميم في الزمن الماضي يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لم ير الراؤون مثله في الحسن فيما مضى ولن يروا مثله فيما يأتي لأنه لا مماثل له في الحسن أصلًا حتى يرى. وفي الترمذي عن علي كرم الله وجهه لم أر قبله ولا بعده مثله. وللعراقي:
يقول من ينعته ما قبله أو بعده قط رأيت مثله
ويشمل المثل هنا المساوي فقط أو مع زيادة والمنفي هنا عموم الشبه فلا ينافي نوعًا منه وهو المثبت للذين يشبهون به، صلى الله تعالى عليه وسلم، انظر المناوي. وقال أبو بكر نظرت إلى النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وليلة مقمرة فجعلت انظر إليه مرة وإلى القمر أخرى، وحسن جماله يزيد على القمر، فقلت صدق الله إذ قال وسراجًا منيرًا.
(يا ما أحيلاه وأبهى شكله (»
الشكل الصورة وأبهى معناه أحسن وما تعجبية أي ما أحلاه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وما أحسن صورته والتصغير في أحلى للتعظيم وفي الدماميني وغيره أن التصغير لم يسمع إلا في أحسن وأملح، كقوله:
يا ما أمليح غزلانا شدن لنا من هؤلياء كن الضال والسمر
وشذ تصغير أفعل مقصورًا على السماع خلافًا لابن كيسان في اطراده، انتهى المراد منهما.
قال مؤلفه عفا الله تعالى عنه بمنه التصغير هنا وإن كان للتعظيم والمحبة فالصواب أن يصان عنه هذا الجناب الرفيع لأنه يدخل الأسماء المعظمة فكذلك المعاني المفخمة، وهذا هو الأبلغ في الأدب في حق من
[ ٢ / ٤٤٨ ]
إليه جميع من ضمه المحشر في الشفاعة يرغب، صلى الله تعالى عليه وسلم، صلاة وتسليمًا منه إليه على قدر جاهه العظيم، نسأله سبحانه بمنه أن يحلنا نحن وأحبتنا بجاهه عقب الموت جنات النعيم، آمين، آمين آمين يا أرحم الراحمين. (فهو)، صلى الله تعالى عليه وسلم، (لعمري) قسم اعتراض بين المبتدأ وهو قوله فهو بسكون الهاء وخبره الذي هو قوله (مفرد) أي واحد لا ثاني له (في الحسن) أي ما أعطي له ﵇ من الحسن الذي لم يشاركه فيه غيره فلا ينافي أن غيره أعطي بعض الحسن فالمنفي إنما هو مشاركة مخلوق له في حسنه بحيث يكون مماثلًا له في الحسن. وقوله (معنى وصورة) أراد بالمعنى الأوصاف الباطنة كالسجايا من كمال العقل والحلم والصبر والزهد والكرم وغيرها وبالصورة الذات الظاهرة وأوصافها المرئية بالبصر قد أوتي ﵇ من حسن الخلق ما لم يؤته مخلوق غيره وحسن الخلق ملكة نفسانية ينشأ عنها جميل الأفعال، قال العراقي:
بعثه الرحمن بالإرفاق كيما يتم صالح الأخلاق
قال المناوي أشار به إلى ما في حديث أحمد والبخاري في الأدب المفرد والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا إنما بعثت لأتمم صالح الأخلاق، وفي رواية للبزار مكارم بدل صالح، والمراد بذلك أن الأنبياء بعثوا بمكارم الأخلاق وبعثت منها بما بعثوا وبإتمام ما بقي، انتهى المراد منه. (ولا استثني) أحدًا من الخلائق في قولي انه ﵇ أحسن من جميعها بل ذلك على عمومه بلا خلاف، وقد أوتي، صلى الله تعالى عليه وسلم، كل الجمال والجلال ويوسف أعطي شطر الحسن أي شطر حسن أدم وقيل شطر حسن جدته سارة إذ كانت لا تفارق الحور إلا فيما يطرأ على الآدميات من الحيض وغيره انظر ابن سلطان، وفي الشفا عن انس ما بعث الله تعالى نبيًا إلا حسن الوجه حسن الصوت وكان نبيكم أحسنهم وجهًا وأحسنهم صوتًا أي من الكل فشمل صورة يوسف وصوت داوود وفي الحديث دلالة على جواز مثل هذه الإضافة إذا لم يرد بها المهانة قاله
[ ٢ / ٤٤٩ ]
على القاري.
(له من الأسماء والصفات ما به على كل الأنام قد سما)
يعني انه ﵇ له من الأسماء الحسنة والأوصاف العلية ما يدل على أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، قد سما أي علا وارتفع على جميع الأنام وهو كسحاب الخلق والمراد بالأسماء الألفاظ التي جعلت دالة على ذاته الشريفة وقد مر أن كثرة الأسماء تدل على شرف المسمى والاعتناء بشأنه ولذا يكثرون أسماء الشيء الذي لهم به عناية وقد مر أن أسماءه، صلى الله تعالى عليه وسلم، أعلام وأوصاف في حقه وإن كانت أعلامًا فقط في حق غيره، فمحمد علم في حقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وصفة لأنها منقولة من اسم مفعول حمد بالتشديد للتكثير فمعناه المشار لها في بيت الناظم سائر أخلاقه العلية وأوصافه السنية وآدابه الشرعية كالدين والعلم والحلم والصبر والشكر والعدل والزهد والتواضع والعفة والجود والشجاعة والحياء والتوأدة والوقار والصمت والمروءة وحسن العشرة بكسر العين كما في المناوي أي الصحبة والمخالطة، وغير ذلك مما جبل عليه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم إن أشهر أسمائه، ﵇، كما في المواهب، زاد الشامي: وأجلها: محمد، والمحمد الذي حمد مرة بعد مرة كالممدح. قال الأعشى:
إليك أبيت اللعن كان وجيفها إلى الماجد القرم الجواد المحمد
وبها سماه جده عبد المطلب ليطابق ما سماه الله تعالى به، فقيل له لم سميت ابنك محمدًا وليس من أسماء آبائك، وعادة العرب تسمية المولود باسم احد آبائه؟ فقال أردت أن يكون محمودًا في السماء لله وفي الأرض لخلقه، فحقق الله رجاءه. وقيل سماه بها لرؤيا رآها وهي أنه رأى في المنام كأن سلسلة من فضة خرجت من ظهره لها طرف في السماء وطرف في الأرض وطرف في المشرق وطرف في المغرب، ثم
[ ٢ / ٤٥٠ ]
عادت كأنها شجرة على كل ورقة منها نور قال وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس بسبعين ضعفًا، وهي تزداد كل ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وناسًا من قريش تعلقوا بها وقومًا منهم يريدون قطعها فإذا دنوا منها أخذهم شاب لم أر أحسن منه وجهًا ولا أطيب ريحًا فيكسر أظهرهم ويقلع عيونهم فرفعت يدي لأتناول منها فلن أنل فقيل لي النصيب للذين تعلقوا بها، فقصها على كاهنه قريش فعبرت له بمولود يكون من صلبه يتبعه أهل المشرق وأهل المغرب ويحمده أهل السماء وأهل الأرض وعق عنه عبد المطلب بجزور يوم سابعه وقيل بكبش. ويلي محمدًا في الشهرة أحمد كما في الفتح قاله الزرقاني. وقال المناوي محمد وأحمد أعظم أسمائه وأشهرها وأبلغها، وإليهما ترجع جميع صفاته، قال السهيلي وغيره كان المصطفى أحمد قبل أن يكون محمدًا لأن تسميته أحمد وقعت في الكتب القديمة وتسمية محمد وقعت في القرآن، انتهى. ونحوه في المواهب عن السهيلي ونقل نحوه عن القاضي، قال وذلك أنه حمد ربه قبل أن يحمده الناس. قال الزرقاني وكذلك في الآخرة، يحمد ربه فيشفعه فيحمده الناس وأحمد معناه أحمد الحامدين لله تعالى. وقال ابن القيم اختلف في اسمه أحمد فقيل بمعنى فاعل فمعناه أحمد الحامدين، وقيل بمعنى مفعول فمعناه أحق الناس وأولاهم أن يحمد.
(ماذا عسى يا فائق الأنام حسنًا وإحسانًا على التمام
أن يبلغ المثنون باللسان طرأ (»
قوله ماذا ملغاة ولا يصح أن تكون موصولة لأن جملة عسى غير خبرية كما قالوا في قوله:
وماذا عسى الواشون أن يتحدثوا سوى أن يقولوا إنني لك عاشق
وفائق اسم فاعل من فاقه فوقًا وفواقًا، علاه بالشرف، وحسنًا وإحسانًا منصوب بنزع الخافض، وطرأ حال من المثنون، أي أي شيء عسى أن
[ ٢ / ٤٥١ ]
يبلغه المثنون عليك، أي المادحون لك يا رسول الله جميعًا بألسنتهم يا من علا على جميع الخلق بالشرف ففاقهم في حسن ذاته وكمال صفاته البشرية وفاقهم في الإحسان إلى غيره أي الإنعام عليه مع تمام هذين الأمرين فيك يا رسول الله فقد بلغت مرتبة من الحسن لم يبلغها مخلوق سواك كما بلغت من الإحسان إلى الغير ما لم يبلغه مخلوق غيرك فإن الله تعالى بمحض اختياره حجر نعمه أن يصل منها شيء إلى مخلوقه إلا من تحت يده، صلى الله تعالى عليه وسلم، فقوله علي التمام، على بمعنى مع، كما قررت أي يبلغ المثنون عليك مبلغًا يناسب قدرك، ولو أثنوا عليك أي مدحوك. (مدى الزمان) أي إلى منتهاه ومدى الشيء غايته والزمان اسم لليل والنهار وما اشتملا عليه من الساعات.
(بعد ثناء الله في القرآن عليك بالخلق العظيم الشأن)
أي منتهاه. وهذا مقتبس من قول لسان الدين بن الخطيب:
يا مصطفى من قبل نشأة أدم والكون لم يفتح له أغلاق
أيروم مخلوق ثناءك بعدما أثنى على أخلاقك الخلاق
وقال:
وغذا كتاب الله أثنى مفصحًا كان القصور قصار كل فصيح
أي غايته. وقال سلطان المحبين عمر بن الفارض رضي الله تعالى عنه ونفعنا ببركته:
أرى كل مدح في النبي مقصرًا وإن بالغ المثني عليه وأكثرًا
إذا الله أثنى بالذي هو أهله عليه فما مقدار ما يمدح الورى
وأشار الناظم بهذا إلى قوله تعالى:﴾ وإنك لعلى خلق عظيم ﴿. قال ابن الخازن لما كانت أخلاقه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كاملة وأفعاله الجميلة وافرة وصفها الله تعالى بأنها عظيمة وحسن الخلق قوة نفسانية يسهل على المتصف بها الإتيان بالأفعال الحميدة والآداب المرضية ويدخل في حسن الخلق التحرز من الشح والتشديد في المعاملات والتحبب إلى
[ ٢ / ٤٥٢ ]