كذا ابن عبد البر، انتهى المراد منه.
قال المناوي بعد قوله من صفر قال ابن عبد البر بداية وجعه يوم الأربعاء لليلتين بقيتا من صفر سنة إحدى عشرة في بيت ميمونة ثم انتقل حين اشتد به وجعه إلى بيت عائشة انتهى. وفي البيجوري أن ابتداء مرضه كان في ثاني ربيع، انتهى.
وعن عائشة أتى رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ذات يوم من جنازة لبعض أصحابه بالبقيع وأنا أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول وا رأساه فقال بل أنا وا رأساه ثم قال ما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك فقالت لكني بك والله لو فعلت أي لو قام بي ذلك فهو بضم التاء أو بفتحها خطابًا أي لو فعلت الغسل وما بعده لقد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثم بدأ في وجعه الذي مات فيه.
وقوله بل أنا وا رأساه، اضراب بمعنى دعي ما تجدينه من وجع رأسك واشتغلي بي فإنك لن تموتي في هذه الأيام، بل تعيشين بعدي، وقد تبين أن أول مرضه ﵇ كان صداع الرأس والظاهر أنه كان مع حمى فإن الحمى اشتدت به فكان يجلس في مخضب ويصب عليه الماء من سبع قرب لم تحل أو كيتهن يتبرد بذلك وقد قيل أن لهذا العدد خاصية في دفع ضرر السم والسحر، وقد ثبت حديث من تصبح بسبع تمرات عجوة لم يضره ذلك اليوم سم ولا سحر.
وللنسائي في قراءة الفاتحة على المصاف سبع مرات وسنده صحيح، انتهى ملفقًا من المواهب وشرح الزرقاني.
وفي شمائل الترمذي عن عائشة قالت رأيت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو بالموت وعنده قدح فيه ماء وهو يدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعنى على منكرات الموت أو قال سكرات الموت ومنكرات بالنون أي شدائده فإنها أمور منكرة لا يألفها الطبع وسكراته استغراقات، وهذا إنما بحسب الظاهر للناس مما يتعلق بحاله الظاهر لأجل زيادة رفع الدرجات والترقي في أعلى
[ ٢ / ٤١٢ ]
المقامات، أما حاله مع الملأ الأعلى فكان على خلاف ذلك، فإن جبريل أتاه في مرضه ثلاثة أيام يقول له كل يوم إن الله أرسلني إليك إكرامًا وإعظامًا وتفضيلًا يسألك عما هو أعلم به منك، كيف تجدك؟ وجاءه في اليوم الثالث بملك الموت فاستأذنه في قبض روحه الشريفة فأذن له ففعل، قال البيجوري. وقال جسوس فمئال المنكرات والسكرات واحد وفي الشمائل أيضًا عن عائشة قالت لا أغبط أحدًا بهون موت بعد الذي رأيت من شدة موت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، وأغبط بكسر الموحدة من الغبطة وهي أن يتمنى أن يكون له مثل ما للغير من غير أن تزول عنه، وهون الموت سهولته ومرادها بذلك إزالة ما تقرر في النفوس، من تمني سهولة الموت لأنها لما رأت شدة موته، صلى الله تعالى عليه وسلم، علمت أنها ليست علامة ردية بل مرضية فليست شدة الموت علامة على سوء حال الميت ولا سهولته علامة على حسن حاله. والحاصل أن الشدة ليست علامة على سوء ولا ضده والسهولة ليست إمارة على خير ولا ضده انتهى من البيجوري.
وفي المواهب عن ابن مسعود دخلت على النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، وهو يوعك وعكًا شديدًا أي يحم فقلت يا رسول الله إنك توعك وعكًا شديدًا قال أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم، قلت ذلك إن لك لأجرين قال أجل كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها رواه البخاري. والوعك بفتح الواو وسكون العين المهملة وقد تفتح الحمى وقيل ألم الحمى، وقيل ارعادها الموعك وتحريكها إياه وكان عليه صلوات الله وسلامه عليه قطيفة فكانت الحمى تصيب من يضع يده عليه من فوقها، فقيل له في ذلك، فقال إنا معاشر الأنبياء كذلك، يشدد علينا البلاء وتضاعف لنا الأجور. واعلم أنه ﵇ استأذن أزواجه في مرضه أن يقيم في بيت عائشة فإذن له فأقام عندها سبعًا. وفي الطبراني أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل، انتهى كلام المواهب مع يسير من كلام الزرقاني.
[ ٢ / ٤١٣ ]
وفي الشمائل عن أنس قال: لما وجد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من كرب الموت أي شدة ما وجد قالت فاطمة: وا كرباه فقال النبي، صلى الله تعالى عليه وسلم، لا كرب على أبيك بعد اليوم. قال جسوس في شرحه نقلًا عن ابن سلطان بين لها أن كرب أبيها سريع الزوال منتقل إلى حسن الحال فأنت أيضًا لا تكربي فإن محن الدنيا فانية وإن العبرة بالمحن الباقية انتهى.
وآخر الحديث الماضي أنه قد حضر بأبيك ما ليس بتارك منه أحدًا والموافاة يوم القيامة، قال جسوس هذه تسلية أخرى سلاها أولًا بأن ذلك الكرب غير مستمر وإنما هو منقطع بالقرب وثانيًا بأن هذا الأمر النازل عام لجميع الخلائق والمصيبة إذا عمت هانت فاصبري ولا تحزني والموافاة الملاقاة يوم القيامة وموت العارفين مجرد انتقال من هذه الدار الضيقة الأقطار الموسومة بالفناء ودوام الأكدار إلى دار النعيم المقيم ولذلك يتمنون الموت وهو أحب إليهم من البقاء وقد كتب سيدي رضوان عند وفاته:
(قرب الرحيل إلى الحبيب فمرحبا أهلًا به أهلًا وسهلًا مرحبًا)
وينسب للإمام أبي حامد الغزالي:
(قل لإخوان رأوني ميتًا فبكوني ورثوني حزنا)
(أتخالون بأني ميتكم ليس ذاك الميت والله أنا)
إلى أن قال:
(كنت قبل الموت ميتًا بينكم فحييت وخلعت الكفنا)
(وأنا اليوم أناجي ملكا وأرى الله جهارا علنا)
إلى أن قال:
(لا ترعكم هجمة موتي فما هي إلا نقلة من ها هنا)
(لا تظنوا الموت موتا إنه لحياة هي غايات المنى)
[ ٢ / ٤١٤ ]