وقد نص المحققون على أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، وسائر الأنبياء أحياء في قبورهم، وقد نقلوا قضايا تدل لذلك منها سماع رد سلامه على من سلم عليه ومنها مده يده الشريفة لسيدي أحمد الرفاعي لما أنشد تجاه الحضرة الشريفة.
(في حالة البعد روحي كنت أرسلها تقبل الأرض عني وهي نائبتي)
(فهذه نوبة الأشباح قد حضرت فامدد يمينك كي تحظى بها شفتي)
وقد ورد ما يدل على دعائه لأمته واستغفاره لهم بعد موته، صلى الله تعالى عليه وسلم، انتهى المراد من كلام جسوس.
الحمد لله الذي جعلنا من أمة محمد المصطفى فهي نعمة لا يحصى شكرها ولا يستوفى.
(وقد دفن ليلة الأربعاء خير من أمن)
دفن بالبناء للمجهول أي ووري ونائبه خير وأمن مبني للمجهول أيضًا أي جعله الله أمينًا وكان معروفًا بالأمانة قبل البعثة ومعنى كلامه أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، توفي يوم الاثنين قرب الزوال وتأخر دفنه ﵊ إلى ليلة الأربعاء فتم دفنه في آخرها. وفي الترمذي عن جعفر الصادق عن أبيه محمد الباقر بن علي زين العابدين بن الحسين قال قبض رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم الاثنين فمكث ذلك اليوم وليلة الثلاثاء ودفن من الليل قال سفيان وغيره سمع صوت المساحي من آخر الليل قوله ودفن آخر من الليل أي ليلة الأربعاء وهذا قول الأكثر وقيل ليلة الثلاثاء وقيل يوم الثلاثاء. وقوله من آخر الليل فيه بيان لإجمال رواية الباقر، وإنما أخروا دفنه مع أن المطلوب الإسراع بالتجهيز لشدة دهشهم حتى صاروا كأجساد بلا
[ ٢ / ٤١٥ ]
روح وأجسام بلا عقول أو لاشتغالهم بأمر الخلافة ليكون لهم إمام يرجعون إليه عند التنازع في شيء من أحواله أو لعدم اتفاقهم على موته أو على محل دفنه أو للأمن من تغيره أو ليبلغ موته النواحي القريبة فيحضروا جنازته اغتنامًا للثواب، قاله جسوس. وقوله
مكث بضم الكاف وفتحها وقوله سمع بصغة المجهول ومحمد الباقر من التابعين فالحديث مرسل والمساحي بفتح الميم جمع مسحاة بكسرها وهي كالمجرفة إلا أنها من حديد وهي من السحو بمعنى الكشف أو الإزالة، قاله البيجوري وفي الشمائل عن أبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف قال توفي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، يوم الاثنين ودفن يوم الثلاثاء، قال أبو عيسى هذا حديث غريب انتهى. وأبو عيسى هو الترمذي ومعناه ابتدئ في مقدمات دفنه بتجهيزه يوم الثلاثاء فلا ينافي أنه فرغ من دفنه في آخر ليلة الأربعاء، وحيث آمكن الجمع فلا حاجة لما قيل أن هذا الحديث سهو من شريك، قاله البيجوري.
(ودهش الأصحاب إذا مات النبي)
دهش كفرح، تحير أو ذهب عقله من وله، قاله في القاموس. يعني أنه، صلى الله تعالى عليه وسلم، لما مات دهش أصحابه وطاشت عقولهم من عظم المصيبة التي نزلت بهم وحق لهم الدهش. قال جسوس في شرح الشمائل، قال في عيون الأثر لما توفي رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، دهش الناس وطاشت عقولهم واختلفت أحوالهم في ذلك، فأما عمر رضي الله تعالى عنه فكان ممن خبل فجعل يقول والله ما مات ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى ابن عمران حين غاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم. وأما عثمان فأخرس حتى جعل يذهب به ويجاء وهو لا يتكلم وأقعد علي وأضنى عبد الله بن أنيس من الضنى وهو المرض، انتهى.
وقال القشيري والسلمي سقمت البصائر عند وفاته، صلى الله تعالى
[ ٢ / ٤١٦ ]
عليه وسلم، إلا رجل وهو أبو بكر رضي الله تعالى عنه. فإن الله تعالى أيده بقوة السكينة فقال أيها الناس من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت. فصار الكل مقهورًا تحت سلطان مقالته لما بسط الله تعالى عليه من نور جلالته، فالشمس بطلوعها يندرج في شعائها أنوار الكواكب، انتهى.
(ولم يكن أثبت فيهم من أبي بكر)
أثبت بالرفع اسم يكن وفيهم خبره، يعني أن أبا بكر ﵁ لما يكن في الصحابة عند وفاته، صلى الله تعالى عليه وسلم، أحد أثبت منه قلبًا ولا أشد جلدًا، فلم يقع له عند نزول هذه المصيبة العظمى والداهية الدهياء ما وقع لغيره من أكابر الصحابة بل وجد عنده من العلم والقوة والثباة ونور اليقين المانع من استيلاء المصائب على قلبه ما لم يوجد عند غيره، ووافقه على ذلك العباس عمه، صلى الله تعالى عليه وسلم، كما أشار له الناظم بقوله:
( وعمه الرضى العباس)
قوله عمه بالجر عطف على أبي بكر والرضى بالكسر والقصر المرضي نعت له والعباس بدل من عمه ومعنى كلامه أن أصحابه، صلى الله تعالى عليه وسلم، ليس فيهم إذ ذاك من هو أثبت قلبًا من أبي بكر والعباس بن عبد المطلب رضي الله تعالى عنهما. فروى ابن إسحاق وعبد الرزاق والطبراني أن العباس قال لعمر هل عندكم عهد من رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، في ذلك؟ قال لا. قال فإنه قد مات! ولم يمت حتى حارب وسالم ونكح وطلق وترككم على محجة واضحة، وهذا من موافقة العباس للصديق، قاله الزرقاني. ووافقهما أيضًا المغيرة بن شعبة ففي المواهب من رواية الإمام أحمد عن عائشة قالت سجيت رسول الله، صلى الله تعالى عليه وسلم، ثوبًا فجاء عمر والمغيرة بن شعبة واستاذنا فأذنت لهما وجذبت الحجاب فنظر إليه عمر فقال
[ ٢ / ٤١٧ ]