تعالى عليه وسلم قد مات اليوم عبد صالح يقال له اصحمة، فقوموا فصلوا. وصففنا خلفه. وللدارقطني عن أبي هريرة فوثب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ووثبنا معه حتى جاء المصلى فقام وصففنا وراءه فكبر أربع تكبيرات، وعن عائشة لما مات النجاشي كنا نتحدث أنه لا يزال يرى على قبره نور أخرجه أبو داوود وترجم عليه النور يرى على قبره السناء نقله الزرقاني. ولفظ الكتاب كما في المواهب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، من محمد رسول الله إلى النجاشي ملك الحبشة، أما بعد فإني أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس والسلام وأشهد أن عيسى روح الله وكلمته ألقيها إلى مريم البتول، الطيبة الحصينة فحملت بعيسى من روحه ونفخه كما خلق آدم بيده، وإني أدعوك إلى الله وحده لا شريك له والموالاة على طاعته وان تتبعني وتؤمن بالذي جاءني فإني رسول الله وإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى وقد بلغت ونصحت فاقبلوا نصيحتي وقد بعثت إليكم ابن عمي جعفرا ومعه نفر من المسلمين. والسلام على من اتبع الهدى.
وبعث الكتاب مع عمرو بن أمية فقال النجاشي عندما قرأ الكتاب أشهد بالله انه النبي الأمي الذي ينتظره أهل الكتب وان بشارة موسى براكب الحمار كبشارة عيسى براكب الجمل وأن العيان ليس بأشفى من الخبر عنه ولكن أعواني من الحبشة قليل، فانظرني حتى أكفر الأعوان وألين القلوب، ثم كتب النجاشي جواب الكتاب إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، إلى محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم من النجاشي أصحمة، سلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركات الله الذي لا إله إلا هو، الذي هداني الإسلام، أما بعد فقد بلغني كتابك يا رسول الله فما ذكرت من أمر عيسى ورب السماء والأرض ان عيسى ﵇ لا يزيد على ما ذكر ثفروق انه كما ذكرت وقد عرفنا ما بعثت به إلينا فأشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا وقد بايعتك وبايعت ابن عمك وأسلمت علي يديه لله رب العالمين وقد بعثت إليك بابني وإن شئت أتيتك بنفسي فعلت، فإني أشهد أن ما تقوله
[ ٢ / ١٩٧ ]
حق، والسلام عليك ورحمة الله تعالى وبركاته. انتهى كلام القسطلاني.
قوله أحمد إليك أي أنهي إليك حمده، وقوله روح الله أي ذو روح أضيف إليه تعالى تشريفا له لأنه أوجده بلا أب، ولأنه يحيي الموتى والقلوب، وألقاها أوصلها وكلمته هي كن.
وقول البيضاوي لعل جبريل تمثل لها شابا أمرد تستأنس بكلامه لتهيج شهوتها وتنحدر نطفتها إلى رحمها. قال السيوطي كان في غنية عن هذا الكلام الفاسد، ولكن هذا ثمرة التوغل في الفلسفة انتهى.
والحصينة بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين العفيفة وقوله ونفخته أي الله تعالى أي نفخ رسوله جبريل فهو عطف تفسير للروح، وفي القاموس من جملة معانيها النفخ وخلق آدم بيده أي بقدرته والموالاة المتابعة والمناصرة والهدى الرشاد، وراكب الحمار عيسى ﵇، وراكب الجمل نبينا صلى الله تعالى عليه وسلم والعيان بكسر العين مشاهدة وأصحمة بوزن أربعة وحاؤه مهملة وقيل معجمة فميم وقيل بموحدة بدل الميم وقيل صحمة بغير ألف وقيل كذلك لكن بتقديم الميم وقيل بزيادة الميم في أوله بدل الألف، ويتحصل من هذا الخلاف في اسمه ستة ألفاظ ولم ارها مجموعة قاله في الإصابة وصوب النووي أولها وقيل اسمه سليم بضم السين وقيل حازم والثفروق بضم المثلثة وسكون الفاء وضم الراء وسكون الواو، ثم قاف علاقة ما بين النواة والقشر وأتيتك في محل المفعول، إن شئت أي اتياني وفعلت جواب الشرط هذا كله في الزرقاني.
وهذا النجاشي هو أصحمة الذي هاجر إليه المسلمون وكتب له ﵇ كتابا يدعوه فيه إلى الإسلام وكتابات ءاخر بأن يزوجه أم حبيبة وبعثهما مع عمرو بن أمية الضمري ونعاه وصلى عليه بالمدينة، وأما النجاشي الذي ولى بعده وكتب ﵇ له يدعوه إلى الإسلام فكان كافرا لم يعرف إسلامه ولا اسمه وقد خلط بعضهم فظنهما واحد وفى
[ ٢ / ١٩٨ ]
صحيح مسلم ما يصرح بأنهما اثنان أنظر المواهب والعراقي.
(أول ما أرسله النبي لملك عمر هو الضمري)
(إلى النجاشي فلما قدما نزل عن فراشه فأسلما)
(وأركب المهاجرين البحرا إليه في سفينتين طرا)
(زوجة رملة عمر قبله له ومهرها النجاشي بذله)
قوله وأركب المهاجرين إلخ .. أي إليه ﵇ حين بعث إليه ﵇ مع عمرو بن أمية أن يجهز إليه أصحابه. وطرا أي جميعا؛ وقوله زوجه رملة أي بنت أبي سفيان، وكانت هاجرت مع زوجها عبيد الله بالتصغير بن جحش فارتد ومات نصرانيا بأرض الحبشة والعياذ بالله تعالى. وقوله قبله أي قبل عمرو العقد عنه ﵇ انتهى.
وبعث النجاشي ولده في ستين نفر من الحبشة إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم في سفينة فغرقوا وذلك باثر بعثه جعفرا ومن معه في سفينة أخرى انتهى.
(ودحية إلى هرقل أرسلا فشح )
دحية مفعول أرسل بعده وصرفه ضرورة وهو بفتح الدال وكسرها وهو بلغة اليمن الرئيس، وشح بحاء مهملة أي بخل بملكة فلم يسلم حرصا على ملكه يعني أنه ﵇ أرسل دحية ابن خليفة ابن فروة بن فضالة بن زيد بن امرئ القيس الكلبي وهو صحابي جليل يضرب به المثل في الحسن وكان جبريل ينزل في صورته وكان دحية إذا قدم المدينة، لم تبق معصر إلا خرجت تنظر إليه، قاله المناوي إلى هرقل وهو اسم ملك الروم ولقبه قيصر، وكتب له أي لدحية كتابا يدعو فيه قيصر إلى الإسلام فلم يجب بل شح بملكه، وءاثر الفانية على الباقية، ولو تفطن لقوله صلى الله تعالى عليه وسلم أسلم تسلم، وحمل الخبر على عمومه أي في الدنيا والآخرة لسلم لو أسلم من كل ما يخافه، لكن
[ ٢ / ١٩٩ ]
التوفيق بيد الله قاله الزرقاني عن الفتح. وكان ارسال دحية إلى هرقل في مدة صلح الحديبية كما في البخاري عن أبي سفيان وذلك كان سنة ست اتفاقا فما في تاريخ خليفة بن خياط احد شيوخ البخاري ان ارساله كان سنة خمس غلط لمخالفته للصحيح انظر الزرقاني، ولفظ الكتاب بعد البسلمة من محمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وفي رواية عبد الله ورسوله إلى هرقل عظيم الروم، وفي رواية إلى قيصر صاحب الروم: سلام على من اتبع الهدى أما بعد فإني أدعوك بدعاية الإسلام أسلم تسلم يوتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليم اثم الأريسيين ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون انتهى.
ولما رأى الكتاب غضب أخو قيصر غضبا شديدا واسمه يناق، بفتح التحتية وشد النون فألف فقاف، وقال ارم الكتاب، انه بدأ بنفسه وسماك صاحب الروم ولم يقل ملك الروم.
فقال له هرقل انك لضعيف الرأي، تريد أن أرمي بكتاب رجل ياتيه الناموس الأكبر، فإن كان رسول الله أنه لحق أن يبدأ بنفسه، ولقد صدق: أنا صاحب الروم. والله مالكي ومالكه، ثم أمر بإكرام دحية ورجع إلى حمص وجمع عظماء الروم وقال يا معشر الروم هل لكم في الفلاح والرشد آخر الأبد، وأن يثبت ملككم فتبايعوا هذا النبي فصاحوا صيحة حمر الوحش إلى الأبواب ووجدوها قد غلقت فقال انما اختبرت شدتكم علي دينكم فقد رأيت منكم الذي أحببت، فسجدوا له ورضوا عنه. وفي رواية انه قال لهم: والله لقد قرأت فيما تقرؤن لياخذن ما تحت قدمي فهلم إلى ان نتبعه فنخروا نخرة رجل واحد فلما ظن أنهم ان خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم، قال إنما قلت لأعلم صلابتكم على أمركم. وفي رواية ابن حبان انه قارب الإجابة ولم يجب، فدل على استمراره على الكفر فإطلاق صاحب الاستيعاب انه آمن أي أظهر التصديق لكنه لم
[ ٢ / ٢٠٠ ]
يستمر عليه، بل شح بملكه وآثر الفانية نقله الزرقانى عن ابن حجر.
وهرقل كدمشق على المضهور وحكى سكون الراء وكسر القاف وبه جزم القزاز وقيصر اسم لكل من ملك الروم ودعاية الاسلام بكسر الدال أى الكلمة الداعية إليه وبيان الكلمة قوله اسلم إلخ .. وتسلم بفتح اللام وإيتاؤه الأجر مرتين لإيمانه بنبيه ثم بالنبى صلى الله تعالى عليه وسلم وقوله فإن عليك اثم الأريسيين أى مع اثمك والأريس بفتح الهمزة وكسر الراء فياء ساكنة الأكار أى الفلاح أى الحراث، ولفظ ابن اسحاق الأكارين زاد الزرقانى يعنى الحراثين، قال ابن عبيد المراد بهم أهل مملكته وكل من يزرع فهو عند العرب فلاح سواء كان ذلك بنفسه أو بغيره، وقوله سواء بيننا أى لا نختلف فيها أى لا يختلف فيها النوراة والقرآن والإنجيل وهو أن لا نعبد إلا الله إلخ .. وفى رواية اليريسين بقلب الهمزة ياء جمع يريس ككريم، وفى أخرى بشد الياء بعد السين، وفى أخرى الإريسين بشد الراء.
وللعراقى:
(ودحية أرسله لقيصرا وهو هرقل فقضا واستكبرا)
قال المناوى ثبتت عنده نبوءته ﵇ فلم يوافقه الروم فخاف على ملكه فاستكبر على الايمان لكنه أمر بإكرام دحية ويقال إنه جعل الكتاب فى قصبة من ذهب تعظيمًا له فأخبر دحية بذلك المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم فقال ثبت الله ملكه، فلم تزل ذريته تتوراث ذلك الكتاب جيلا بعد جيل انتهى منه.
(ثم ابن حذافة الى كسرا فمزق الكتاب مزقا)
قوله ابن بالنصب عطفا على دحية وحذافة بضم أوله، وكسرى بفتح الكاف وكسرها، قال ابن الأعرابى وهو الأفصح واختاره أبو حاتم وأنكره الزجاج ورده ابن فارس وكسرى لقب كل من ملك الفرس ومعناه المظفر.
[ ٢ / ٢٠١ ]