وطيئا أمهما عندها فسموا مذحجا- انتهي. ولما قفل علي من اليمن وافى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بمكة قد قدمها للحج سنة عشر آخر البعوث النبوية. سرية ابن زيد بن حارثة رضي الله تعالى عنه وعن أبيه وجده إلى أهل أبنا بضم الهمزة وسكون الموحدة فنون فألف مقصورة ويقال بميم بدل الموحدة بالشراة بفتح المعجمة والراء جبل بالبلقاء وكانت ليوم الاثنين لأربع ليال بقين من صفر سنة إحدى عشرة من الهجرة دعاه ﵇ فقال له سر إلى موضع مقتل أبيك فأوطئهم الخيل فقد وليتك هذا الجيش، فأغر صباحا إلى أهل أبنا، وحرق عليهم وأسرع السير تسبق الأخبار فإن ظفرك الله فأقل اللبث فيهم وخذ معك الأدلاء وقد العيون والطلائع وهو أول جيش جهزه أبو بكر أي أنفذ تجهيزه لما بويع بعد وفاته ﵊ لأنه كلم فيه فلم يقبل إلا إنفاذه لغزو الروم مكان مقتل أبيه المقتول بمؤتة بضم الميم وبالهمز وتركه وهي من عمل البلقاء فلا تخالف ولما كان يوم الأربعاء وقيل الاثنين وقيل السبت بدأ بالبناء للمفعول برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجعه فحم وصدع بضم الصاد وكسر الدال المشددة أي حصل له صداع أي وجع في رأسه ولما أصبح يوم الخميس عقد لأسامة لواءه بيده الشريفة وخرج أسامة بلوائه فدفعه إلى بريدة بن الحصيب بمهملتين مصغرا الأسلمي وعسكر بالجرف بضمتين وبضم فسكون فلم يبق أحد من وجوه المهاجرين والأنصار إلا انتدب وفيهم أبو بكر وعمر وأبو عبيدة وسعد وسعيد وتكلم قوم فقالوا يستعمل هذا الغلام على المهاجرين الأولين وسمع عمر بعض ذلك فرده على من تكلم وجاء إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فأخبره به فغضب غضبا شديدا فخرج صلى الله تعالى عليه وسلم وقد عصب رأسه وعليه قطيفة فصعد المنبر وحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد أيها الناس ما مقاله بلغتني عن بعضكم في تأميري أسامة ولئن طعنتم في تأميري أسامة فقد طعنتم في إمارتي أباه من قبله وأيم الله إن كان زيد للإمارة لخليقا أي أهلا وإن ابنه من
[ ٢ / ٤٣ ]
بعده لخليق للإمارة فاستوصوا به خيرا فإنه من خياركم، ثم نزل عن المنبر فدخل بيته وذلك يوم السبت لعشر خلون من ربيع الأول سنة إحدى عشرة وجاء المسلمون الذين يخرجون مع أسامة يودعون رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ويخرجون إلى العسكر بالجرف وهو ثلاثة آلاف: سبع مائة من قريش، فلما كان يوم الأحد اشتد برسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وجعه فجعل يقول انفذوا بعث أسامة فدخل أسامة من عسكره والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم مغمور وهو اليوم الذي لدوه فيه فلما أفاق قال والله لا يبقى أحد في البيت إلا لد. فما بقي أحد إلا لد حتى ميمونة وهي صائمة فطأطأ أسامة فقبله والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا يتكلم فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعهما على أسامة، قال أسامة فعرفت أنه يدعو لي ورجع أسامة معسكره ثم دخل أسامة يوم الاثنين وأصبح مقيما فقال لأسامة اغد على بركة الله تعالى فودعه أسامة وخرج إلى معسكره فأمر الناس بالرحيل فبينما هو يريد الركوب إذا رسول أمه أم أيمن قد جاء يقول إن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يموت، فأقبل هو وعمر وأبو عبيدة فتوفي ﵊ حين زاغت الشمس أي مالت وذلك عند الزوال لاثني عشر ليلة خلت من ربيع الأول ودفن ليلة الأربعاء ولما توفي صلى الله تعالى عليه وسلم دخل المسلمون الذين عسكروا بالجرف المدينة ودخل بريدة بلواء أسامة معقودا فغرزه عند باب رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلما بريع أبو بكر أمر بريدة أن يذهب باللواء إلى بيت أسامة ليمضي لوجهه فخرج إلى معسكره الأول وأمر أبو بكر مناديا أن لا يتخلف عن أسامة من بعثه من كان انتدب معه في حياة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فلم يتخلف عنه أحد وكلم أبو بكر أسامة أن يأذن لعمر في التخلف ففعل وخرج أسامة هلال ربيع الأخر في ثلاثة آلاف وفيهم ألف فارس وخرج أبو بكر يشيعه فركب أسامة من الجرف وسار أبو بكر إلى جنبه ساعة وقال استودع الله دينك وأمانتك وخواتم عملك سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوصيك فأنفذ
[ ٢ / ٤٤ ]
لأمره. فأسرع إلى ابنا فقدم عينا له فأخبره أنهم غارون ولا جموع لهم فسار إليهم فشن عليهم الغارة فقتل من أشرق له سبي من قدر عليه وحرق منازلهم ونخلهم وحرثهم وأجال الخيل في عرصاتهم وكان أسامة على فرس أبيه سبحة بفتح المهملة وسكون الموحدة وقتل قاتل أبيه ثم أسرع السير فورد وادي القرى في تسع ليال ثم قصد في السير حتى أتى المدينة ولم يصب أحد من الصحابة وخرج أبو بكر وأهل المدينة يتلقونه سرورا بسلامتهم. وللحفاظ العراقي:
(آخر من بعثه أسامة لأهل أبنى لم يرم مقامه)
(حتى قضى النبي قبل سفره رد أسامة بجمع عسكره)
(بعثه الصديق حتى أزهقا قاتل أبيه وسبى وحرقا)
(واختلفوا في عدها فالأكثر عند قدر ما عددت منها قصر)
(ولابن نضر عالم جليل بل فوق سبعين وفي الإكليل)
أن البعوث عدها فوق المائة ولم أجد ذا لسواه ابتدأه)
ولم يرم بكسر الراء أي لم يبرح من مقامه بالجرف، وأزهق بالزاء قتل، وقصروا بشد الصاد لم يزيدوا بل نقصوا؛ فقد حكي النووي الاتفاق على أن السرايا ست وخمسون والإكليل للحاكم، قوله ابتدأه أي بل ابتدأه بالهمز قبل الهاء، وحمله بعضهم على أنه أراد بضم المغازي إليها وعليه فلا غرابة ولا استبعاد- انظر المناوي. وفي المواهب فجميع سراياه وبعوثه نحو ستين ومغازيه سبع وعشرون، وفي الفتح أن السرايا تقرب من سبعين، انتهى والله أعلم. وهنا انتهي الكلام على ما شاء الله أن أتكلم عليه من بعوثه ﵊ وذكرته في شرح قول الناظم:
(وضعفها البعوث دون مين)
وها أنا أشرع إن شاء الله تعالى في شرح ما بعده وهو قوله: