المصطفى صلى الله تعالى عليه وسلم والرزء المصيبة.
ثم يليه بعث مؤتة فقد تقدم الكلام عليه في الغزوات.
ثم سرية عمرو بن العاص بالياء على ما عليه الجمهور قاله الزرقاني فقد مر ذلك أول الكتاب إلى ذات السلاسل بمهملتين الأولى مفتوحة على المشهور وقيل سمي المكان بذلك لأنه كان به رمل بعضه على بعض كالسلسلة وضبطه لابن الأثير بالضم وقال ابن القيم بضم السين وفتحهما لغتان فصرح البرهان بأن غير واحد ذكر اللغتين وما مر عن الفتح صريح في قدم التسمية قبل السرية انتهى من الزرقاني.
وفي المواهب سميت بذلك لأن المشركين ارتبط بعضهم إلى بعض مخافة أن يفروا وقيل لأن بها ماء يقال له السلسل من المدينة على عشرة أيام وكانت في جمادي الأخيرة سنة ثمان وقيل كانت سنة سبع ونقل ابن عساكر الاتفاق على أنها كانت بعد غزوة مؤتة إلا ابن إسحاق فقال قبلها. انتهى.
وقوله ارتبط بعضهم إلخ لعل المراد انضموا وتجمعوا لا أنهم ارتبطوا لأنه يكون سببا للظفر بهم ولمنافاته لما في القصة من أنه أتاهم على غفلة وهربوا وتفرقوا، انظر الزرقاني وسببها أنه بلغه ﵇ أن جمعا من قضاعة وهم بلي بفتح الموحدة وكسر اللام وعذرة بضم العين المهملة وسكون الذال المعجمة وبنوا القين بفتح القاف وسكون التحتية قد تحمعوا للإغارة فعقد لعمرو لواء أبيض وبعثه في ثلاثمائة من سرات المهاجرين والأنصار بفتح السين المهملة وقد تضم أي خيارهم ومعهم ثلاثن فرسا فسار الليل وكمن النهار فلما وصل إلى الماء المسمى بالسلاسل بلغه أن لهم جمعا كثيرا، فبعث أبا رافع بن مكيث بفتح الميم وكسر الكاف وسكون التحتية فمثلثة الجهني إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يستمده فبعث له أبا عبيدة أمين الأمة وعقد له لواء وبعث معه مائتين من سرات المهاجرين والأنصار فيهم أبو بكر وعمر وأمره أن يلحق بعمرو فأراد أبو عبيدة أن يؤم الناس فقال عمرو إنما قدمت على مددا وأن الأمير وكان أبو عبيدة لينا
[ ٢ / ١٧ ]
سهلا فأطاع لعمرو فكان عمرو يصلى بالناس فسار حتى وصل إلى العدو فحمل عليهم المسلمون حملة رجل واحد وهم غافلون انهزموا وتفرقوا في البلاد، قال البلاذري وقتل منهم مقتلة عظيمة وغنم وقال بعضهم لم تكن هناك غنائم تقسم، وروي أن عمرا أمرهم في تلك الغزوة أن لا يوقدوا نارا وأنكر ذلك عمر فقال له أبو بكر دعه فإن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم لم يبعثه علينا إلا لعلمه بالحرب فسكت ولما انهزموا أراد المسلمون أن يتبعوهم فمنعهم عمرو فلما قدموا ذكروا ذلك لرسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فسأله فقال كرهت أن أذن لهم أن يوقدوا نارا فيرى عدوهم قلتهم. وكرهت أن يتبعوهم فيكون لهم مدد فحمد أمره قال عمرو فحدثت نفسي أنه لم يبعثني على قوم فيهم أبو بكر وعمر إلا لمنزلتي عنده فقلت يا رسول الله أي الناس أحب إليك؟ فقال عائشة؟ فقلت إني لست أعني النساء، إني أعني الرجال، فقال أبوها، فقلت ثم من؟ قال ثم عمر بن الخطاب، فعد رجالا، فسكت مخافة أن يجعلني في آخرهم. وفي الحديث جواز تامير المفضول على الفاضل إذا امتاز المفضول بصفة تتعلق بتلك الولاية، انظر الزرقاني.
فائدة:
بلي هو أبو قبيلة كبيرة وهو ابن عمرو بن الحارث بن قضاعة، وعذرة أبو قبيلة كبيرة أيضا وهو ابن سعد بن هذيم بن زيد بن ليث بن سود بن أسلم بضم اللام بن الحارث بن قضاعة وبنو القين ويقال لهم بلقين مثل بلحارث قبيلة من قضاعة أيضا.
وللعراقي:
(فبعث عمرو وهو ابن العاصي إلى قضاعة بمرمى قاصي)
(ذات السلاسل وكان من معه عد ثلاثمائة مجتمعه)
(فبلغ ابن العاصي كثر الجمع أرسل يستمد قدر الوسع)
(أرسل له أبا عبيدة ورد في مائتين منهما شيخا الرشد)
(العمران يلحقان عمرا فلحقوه ثم ساروا طرا)
(حتى لقوا جمعا من الكفار فهرب الكفار للأدبار)
[ ٢ / ١٨ ]
قوله بمرمى قاصى أي محل بعيد وخص عمرا بالإرسال لأن له فيهم رحما لأن أم أبيه من بلى ولعلمه بالحرب، والكثر بالم نقيض القلة والعمران بدل من قوله شيخا الرشد واللام في قوله بالأدبار بمعنى على أي انهزموا.
ثم سرية الخبط بفتح المعجمة والموحدة وهو ما يسقط من الشجر إذا ضرب بنحو عصى سميت بذلك لأنهم أكلوا فيها الخبط، وتسمى سرية أبي عبيدة لأنه أميرها، وسماها البخاري غزوة سيف البحر والسيف بكسر المهملة فتحتية ساكنة ففاء ساحل البحر وفي تسميته لها غزوة جرى على غير إصطلاح أهل السير إذ لم يحضرها المصطفى ﷺ لكن الأقدمين لا يراعون ذلك غالبا انتهى.
بعثه ﵊ في ثلاثمائة يعترض عيرا لقريش كما في الصحيحين وفي مسلم أيضا عن جابر إلى أرض جهينة ولا منافاة بينهما فالجهة أرض جهينة والقصد تقلى عير قريش وهي الإبل المحملة طعاما وغيره لكن في كتب السير أن البعث لحي من جهينة بالقبلية بفتح القاف والموحدة مما يلي ساحل البحر وبينها وبين المدينة خمس ليال ولعل البعث للمقصدين رصد عير قريش ومحاربة حي من جهينة قال ابن سعد وكانت في رجب سنة ثمان وفيه نظر فإن تلقى عير قريش ما يتصور أن يكون في هذه المدة لأنهم كانوا حينئذ في الهدنة والصحيح أن تكون هذه السرية سنة ست أو قبله قبل هدنة الحديبية نعم، يحتمل أن تلقيهم للعير ليس لمحاربتهم بل لحفظهم من جهينة والله أعلم.
قال الحافظ بن حجر لكن قال شيخ الإسلام ابن العراقي في شرح «التقريب» قالوا وكانت هذه السرية في رجب سنة ثمان وذلك بعد نكث قريش للعهد وقبل الفتح فإنه أي الفتح كان في رمضان من السنة المذكورة انتهى، قاله في المواهب.
قال الزرقاني وبه يسقط النظر. وقال في قوله المحملة طعامًا وغيره هذا بحسب الاستعمال المشتهر فلا ينافي انها في الأصل التي تحمل
[ ٢ / ١٩ ]