الفصل الأوّل في ذكر وفاته ﷺ وما يتعلق بذلك
لما أكمل الله له ولأمته الدّين، وأتمّ عليهم نعمته أجمعين، نقله إلى دار كرامته شهيدا من أكله الذراع المسموم المهدى له بخيبر، فجمع بين الرسالة والشهادة، والنبوة والسعادة، فابتدأ به المرض في العشر الأخير من صفر، عام أحد عشر من الهجرة الشريفة، وكان قد قدم ﷺ من حجة الوداع. سنة عشر من الهجرة، وأقام بالمدينة إلي أن شكا ﷺ الوجع، ومرض مرضه، ولما اشتد به ﷺ مرضه، قال لعائشة ﵂: «يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذى أكلته بخيبر، فهذا أوانه، وإنى وجدت انقطاع أبهرى من ذلك السم» «١» .
وكان ابتداء ذلك المرض في بيت ميمونة بنت الحارث، وكان يدور على نسائه حتي اشتد مرضه، فجمع نساءه، واستأذنهن أن يمرّض في بيت إحداهن، فأذنّ له أن يمرّض في بيت عائشة ﵂، فانتقل إليها في غير ليالى القسم؛ لأنه كان يدور عليهن في بعض الأحيان في يوم واحد وليلة، ويختم بعائشة.
ولما حضر ﷺ إلي بيت عائشة أمر مناديا فنادى في المدينة: أن اجتمعوا لوصية النبى ﷺ، فاجتمع كلّ من في المدينة من ذكر وأنثي، وكبير وصغير، تركوا أبوابهم ودكاكينهم مفتّحة، وخرج ﷺ وهو متوعك بين الفضل بن العباس، وعلي بن أبى طالب ﵄، حتى جلس على المنبر، فحمد الله، ثم
_________________
(١) رواه ابن السنى، وأبو نعيم في الطب، وغيرهما.
[ ٤٠٣ ]
قال: «يا أيها الناس من كنت جلدت له ظهرا فهذا ظهرى فليستقد (أى يقتصّ) منّي، ومن كنت شتمت له عرضا فهذا عرضى فليستقد منّي، ومن أخذت له مالا فهذا مالي فليأخذ منه، ولا يخشي الشحناء من قبلي، فإنها ليست من شأني» .
ثم نزل وصلّى الظهر، ثم رجع إلي المنبر فعاد إلي مقالته، فادّعى عليه رجل بثلاثة دراهم، فأعطاه عوضها، ثم قال: «ألا إنّ فضوح الدنيا أهون من فضوح الآخرة» ثم صلّى علي أصحاب أحد، واستغفر لهم، ثم قال: «إنّ عبدا خيّره الله بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده» فبكى أبو بكر، وقال: فديناك بأنفسنا.
ثم أوصى ﷺ بالأنصار.
ولما اشتد وجعه قال: «ائتونى بدواة وبيضاء «١» أكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا» . فقال بعضهم: إن رسول الله ﷺ قد غلبه الوجع، وعندكم القران، حسبنا كتاب الله. ثم اختلفوا واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم كتابا لن تضلوا بعده أبدا، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما كثر اللغو والتنازع قال: «لا ينبغى عند نبيّ تنازع» فذهبوا يعيدون عليه، فقال: «دعوني؛ فما أنا فيه خير مما تدعوننى إليه» .
وكان في أيام مرضه يصلى بالناس، وإنما انقطع ثلاثة أيام، فلما أذّن بالصلاة أوّل ما انقطع، قال: «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس»، فقالت عائشة ﵂: «إنّ أبا بكر رجل أسيف «٢» (أى رقيق القلب)، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس من البكاء، فلو أمرت عمر» فقال: «مروا أبا بكر أن يصلّى بالناس»، فقالت عائشة لحفصة: «قولى إن أبا بكر رجل أسيف، وإنه متى يقوم مقامك لا يسمع الناس، فلو أمرت عمر» فقال: «إنكن صواحب يوسف» (أى مثل صاحبة يوسف ﵊ وهى زليخا) أظهرت خلاف ما تبطن، أظهرت للنساء التى جمعتهن أنها تريد إكرامهن بالضيافة، وإنما قصدها أن ينظرن لحسن يوسف ﵊ ويعذرنها في حبه، والنبى ﷺ فهم
_________________
(١) يقصد: شيئا يكتب فيه العهد الذى سيعهد فيه للمسلمين.
(٢) كان ﵁ يشمّ من فيه رائحة الشواء من احتراق كبده من خوف الله ﷿.
[ ٤٠٤ ]
من عائشة ﵂ أنها تظهر كراهة ذلك، مع محبتها له باطنا، هكذا يقتضيه ظاهر اللفظ، والمنقول عن عائشة ﵂ أنها إنما قصدت بذلك خوف أن يتشاءم الناس أبا بكر فيكرهونه، حيث قام مقامه ﷺ، فقد جاء عنها ﵂ أنها قالت: «ما حملنى علي كثرة مراجعتى له ﷺ إلا أنه لم يقع في قلبى أن يحب الناس بعده رجلا قام مقامه أبدا، ولا كنت أرى أنه يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس منه» «١»، فصلي بهم ثلاثة أيام في حياة رسول الله ﷺ، فوجد النبيّ ﷺ في بعض الأيام خفّة، فقام يتهادى بين رجلين، ورجلاه يخطّان في الأرض؛ حتى دخل المسجد، فلما سمع أبو بكر رضي الله تعالى عنه صوته ذهب يتأخّر، فأومأ إليه ﷺ ألايتأخر، فجاء رسول الله ﷺ حتّى جلس عن يسار أبي بكر، وكان رسول الله ﷺ قاعدا وأبو بكر يصلى قائما، اقتداء بصلاة رسول الله ﷺ، والناس يقتدون بصلاة أبى بكر ﵁، فلما فرغ النبيّ ﷺ وجلسوا قال ﷺ: «معاشر المسلمين؛ ما من نبيّ يموت حتي يصلّى خلف رجل صالح من أمته» وأن النبي صلّى به رجلان من أمته: عبد الرحمن بن عوف في السفر، وأبو بكر الصدّيق في الحضر.
وأما ما رواه البخارى بإسناده إلي عروة عن أبيه عن عائشة أنه ﷺ أمر أبا بكر أن يصلّى بالناس في مرضه، فكان يصلّي بهم، فوجد رسول الله ﷺ من نفسه خفّة فخرج إلي المحراب، وكان أبو بكر يصلى بصلاة رسول الله، والناس يصلّون بصلاة أبى بكر، أى بتكبيره، فهو إنما كان في وقت اخر. وفي المواقف أيضا: أن النبى ﷺ استخلف أبا بكر في الصلاة حال مرضه، واقتدي به وما عزله، ولذلك قال عليّ: «قدّمك رسول الله في أمر ديننا، أفلا نقدمك في أمر دنيانا؟!» «٢» .
قال أنس بن مالك ﵁: لما مرض النبى ﷺ مرضه الذى مات فيه، اجتمعنا جماعة من الصحابة، ودخلنا عليه ﷺ وجلسنا بين يديه وهو نائم علي فراشه، فجلس أبو بكر عند رأسه، ونظر في وجهه وبكي، ففتح النبى ﷺ
_________________
(١) هذا هو الصحيح، والذى قاله الشيخ أولا معاذ الله أن يكون منها ﵂؛ وهى الصدّيقة بنت الصديق.
(٢) رد قاطع على الذين يفرّقون بين أصحاب رسول الله ﷺ.
[ ٤٠٥ ]
عينيه وقال: ما الذى يبكيك يا أبا بكر؟ فقال: حبيبي، افتكرت في شيء أنا خائف منه، قال: ما هو؟ قال: فى قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ «١»، وهذا دين يبقى بعدك ونخاف أن تحتج علينا الأعداء من بعدك، ويقولون إن الله أمر نبيكم بجهاد الكفار والمنافقين، فجاهد الكفار ولم يجاهد المنافقين، ونخاف أن يكون ذلك نقص في الدين، فمن يقضى دينك ويجاهد الكفار والمنافقين، من بعدك، فلزم النبيّ ﷺ يد أبى بكر، وقال: أنت قاضى دينى والقاتل من يرتد عن ديني، أما سمعت قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ؟» [المائدة: ٥٤] .
قالت عائشة ﵂: إنه ﷺ كان يقول قبيل وفاته: «لا إله إلا الله؛ إنّ للموت سكرات» وإنه أشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: «اللهمّ الرفيق الأعلى (أى نهاية مقام الروح وهو الحضرة الواحدية)؛ فالمسئول إلحاقه بالمحل الذى ليس بينه وبينه أحد في الاختصاص.
وفي حديث مرسل أنه قال: «اللهمّ إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل، اللهم فأعنّى على الموت وهوّنه عليّ» «٢» [والقصب عروق الرئة، والرئة: مهموزة مخفّفة]، وأما حديث: «اللهم الرفيق الأعلي» فكان اخر كلمة تكلم بها، ولما رأت فاطمة ذلك قالت: «واكرباه» فقال: «لا كرب على أبيك بعد اليوم» «٣»، وكلما أفاق أوصى بالمحافظة على الصلاة «٤»، وفي تلك الشدائد زيادة رفع درجات للأصفياء، وكفّارة سيئات لأهل الابتلاء.
وقد توفى ﷺ وهو ابن ثلاث وستين، وكذا الصحيح في سن أبى بكر وعمر وعائشة ثلاث وستون سنة، وهذا أحسن مدة العمر بعد النصر والفتح المبين.
واختلف في مدّة مرضه: فقيل اثنا عشر يوما، وقيل ثلاثة عشر يوما، وقيل أربعة عشر يوما.
_________________
(١) التوبة: ٧٣.
(٢) عزيز على الروح الطاهرة أن تفارق الجسد الطاهر.
(٣) ومما قالوه: إن الدنيا بالنسبة له هى الكرب، أما وقد خرج من الدنيا فلا كرب عليه.
(٤) كان يكرر: «الصلاة وما ملكت أيمانكم» رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه، والطبراني.
[ ٤٠٦ ]
ولم يوص ﷺ بما يورث؛ إذ لم يترك دينارا، ولا درهما، ولا عبدا، ولا أمة، ولا شاة، ولا بعيرا، بل توفى ولم يجد ما يفكّ به درع حربه الزردية، وهى ذات الفضول (بالضاد المعجمة لطولها) أرسل بها إليه سعد بن عبادة حين سار إلى بدر، وكانت من حديد، وهى التى رهنها عند أبى الشحم اليهودى على ثلاثين صاعا من شعير، وكان الدّين إلى سنة. إنما أوصى بكتاب الله المبين، وبالصلاة والزكاة والأرّقاء ملك اليمين، حتى إنّ صدره ليغرغر بذلك، وما يكاد لسانه يبين. وفعله «١» ﷺ من باب التشريع، وإلا فالنبى ﷺ أغنى العالمين على الإطلاق، وكذا الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، لم يبعثوا إلا ليشرّعوا، فكان دينه ﷺ تشريعا لأمته، ويجوز الدّين برهن وغير رهن، وقد ورد في الحديث: «تداينوا ترزقوا» «٢» ومعناه إذا كان خفيفا، وورد في حديث اخر: «يد الله فوق يد المدين ما دام ينوى السداد» «٣» .
وكان أبو بكر الصديق ﵁ يحب الدين الخفيف؛ حتى يدخل في الحديث.
* وبعد وفاته دهش الناس وطاشت عقولهم، واختلفت أحوالهم في ذلك؛ فقال عمر بن الخطاب ﵁: من قال إن رسول الله ﷺ مات علوت رأسه بسيفى هذا، وإنما ارتفع إلى السماء. فقرأ أبو بكر ﵁: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ إلى قوله وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ال عمران:
١٤٤، ١٤٥] فرجع القوم إلى قوله وبادروا إلى سقيفة بنى ساعدة، وهي دار سعد بن عبادة، وكان سعد بن عبادة مريضا، وقالوا: نوليه هذا الأمر، فبايع عمر أبا بكر، ثم بايعه الناس خلا جماعة.
وغسل ﷺ ثلاث مرات؛ الأولى بالماء القراح، والثانية بالماء والسدر، والثالثة
_________________
(١) أى الدين.
(٢) وروى الإمام أحمد أن أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ كانت تكثر من الاستدانة ولها عنها مندوحة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينة إلا كان له من الله عون» فأنا ألتمس العون من الله. وزاد الطبراني «وسبّب له رزقا» . وكذلك كانت تفعل أم المؤمنين ميمونة ﵂ التماسا لمعونة الله تعالى.
(٣) وروى الإمام أحمد أن أم المؤمنين السيدة عائشة ﵂ كانت تكثر من الاستدانة ولها عنها مندوحة، قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد كانت له نية في أداء دينة إلا كان له من الله عون» فأنا ألتمس العون من الله. وزاد الطبراني «وسبّب له رزقا» . وكذلك كانت تفعل أم المؤمنين ميمونة ﵂ التماسا لمعونة الله تعالى.
[ ٤٠٧ ]
بالماء. وغسله عليّ والعباس وابناه الفضل وقثم، وأسامة بن زيد وشقران مولياه ﷺ، فكان العباس وابناه يقلبونه، وأسامة وشقران يصبان الماء، وعليّ يغسله، ونفضه عليّ فلم ينزل منه شيء فقال: «بأبى أنت وأمى ما أطيبك حيا وميتا» وأعينهم معصوبة، لحديث على «لا يغسلنى إلا أنت، فإنه لا يرى أحد عورتى إلا طمست عيناه» . وغسل ﷺ من بئر عرس (بفتح العين المهملة وسكون الراء فسين مهملة) بوصية منه، كان يشرب منها، وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية (بفتح السين وضمّها، والفتح أشهر، فالفتح منسوب إلى السحول، وهو القصّار، لأنه يسحلها أي يغسلها أو إلى «سحول»، وهى بلدة باليمن، وأما بالضم فهو جمع سحل، وهو الثوب الأبيض النقي، ولا يكون إلا من قطن) ليس فيها قميص ولا عمامة، بل لفائف من غير خياطة، وبرد حبرة أدرج فيها إدراجا، وفرغ من جهازه يوم الثلاثاء، ووضع على سريره، وصلّى عليه المسلمون صفوفا؛ لا يؤمّهم أحد، وكان أبو بكر وعمر في الصف الأوّل، الذى حيال رسول الله ﷺ، فقالا: «اللهم إنّا نشهد أنه ﷺ قد بلّغ ما أنزل إليه، ونصح لأمته، وجاهد في سبيل الله حتي أعزّ الله دينه، وتمت كلمته، فاجعلنا إلهنا ممّن تبع القول الذى أنزل معه، واجمع بيننا وبينه حتّى تعرّفه بنا وتعرّفنا به؛ فإنه كان بالمؤمنين رؤفا رحيما، لا نبتغى بالإيمان به بدلا، ولا نشترى به ثمنا أبدا»، فيقول الناس:
امين، امين. وهذا يدل على أن المراد بالصلاة عليه ﷺ: الدعاء، لا الصلاة على الجنازة المعروفة عندهم. والصحيح أن هذا الدعاء كان ضمن الصلاة المعروفة التي بأربع تكبيرات، فقد جاء أن أبا بكررضي الله عنه- دخل عليه ﷺ فكبّر أربع تكبيرات، ثم دخل عمر﵁- فكبّر أربعا، ثم دخل عثمانرضي الله عنه- فكبّر أربعا، ثم دخل طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوامرضي الله عنهما- ثم تتابع الناس أرسالا، يكبّرون عليه، أى وعلي هذا إنما خصّوا الدعاء بالذكر؛ لأنه الذى يليق به ﷺ، ومن ثمّ استشاروا كيف يدعون له، فأشير بمثل ذلك.
وروى البيهقى عن ابن عباس: لما صلّي علي المصطفى ﷺ، أدخل الرجال
[ ٤٠٨ ]
فصلّوا بغير إمام أرسالا (أى قطائع) «١» .
وقال الشافعي: وذلك لعظم أمره وتنافسهم في ألايتولى الإمامة أحد في الصلاة عليه، وقيل: أوصى به. وقال السهيلي: وجه الفقه فيه أنّ الله افترض الصلاة عليه بقوله: صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا «٢» وحكم الصلاة التى تضمنتها الاية ألاتكون بإمام، والصلاة عليه عند موته داخلة في لفظ الاية.
ثم صلّى عليه النساء بعد الرجال، ثم الصبيان، ثم العبيد بغير دعاء الجنازة المعروفة.
وفرش له في لحده قطيفة كان يلبسها ويفترشها، فقالوا: لا يلبسها أحد بعده، وهى كساء.
واتخذوا له لحدا ونصبت عليه تسع لبنات، وجعلوه مسنّما، وهذا لا يعارض مذهب العلماء في كراهة وضع فراش تحت الميت؛ لأنّ كلامهم في غير النبى ﷺ ممن يتغير ويبلي. وحكمة عدم أكل الأرض أجساد الأنبياء، ومن ألحق بهم:
التكريم، قال الله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ [ال عمران: ١٦٩] . والأنبياء أجلّ وأعظم من ذلك، والراجح أن حياة الشهداء بالجسد لا بالروح فقط، ولا يقدح في ذلك عدم الشعور من الحي، وأعظم دليل علي ذلك أن حياة الروح ثابتة لجميع الأموات: المؤمن والكافر بالإجماع، فلو لم تكن حياة الشهداء بالجسد لاستوى هو وغيره، ولم يحصل له تمييز على غيره، ولم يكن لقوله تعالى: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ «٣» معنىّ، وقال ابن جرير في تفسيره وَلكِنْ لا تَشْعُرُونَ أى لا ترونهم فتعلموا أنهم أحياء، فظاهره أنّ رزق الشهداء بالأكل والشرب في البرزخ، ليس للاحتياج، بل للإكرام والتنعيم. وورد «إن الله حرّم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء» «٤» قال العلامة القرطبى في التذكرة: إن
_________________
(١) جماعات.
(٢) سورة الأحزاب الاية ٥٦.
(٣) البقرة: ١٥٤.
(٤) رواه ابن ماجه.
[ ٤٠٩ ]
الأرض لا تأكل لحوم الأنبياء، والشهداء، والعلماء، والمؤذّنين المحتسبين، وحملة القران. قال ابن كمال باشا:
لا تأكل الأرض جسما للنبيّ ولا لعالم وشهيد قتل معترك
ولا لقاريء قران ومحتسب أذانه لإله مجري الفلك
ولا يضغط في قبره، وكذلك الأنبياء، ولم يسلم من الضغطة صالح ولا غيره سواهم «١»، وتحرم الصلاة علي قبره واتخاذه مسجدا.
واختلفوا في موضع دفنه، فقال بعضهم: عند المنبر، وقال بعضهم: بالبقيع، وقال اخرون: يحمل إلي أبيه إبراهيم فيدفن عنده، حتي قال العالم الأكبر صدّيق الأمة: ادفنوه في الموضع الذى قبض فيه، وهو بيت عائشة؛ فإنّ الله لم يقبض روحه إلا في مكان طيب، سمعته يقول: «ما قبض نبى إلا ودفن حيث يقبض» «٢» . فرفع وحفر له أبو طلحة الأنصارى تحت فراشه الذى مات عليه، ونزل في قبره عليّ، والفضل وقثم.
وفي الإكليل: إن اخر الناس عهدا به ﷺ عليّ، وقيل: قثم، وهو أصح.
* ولما دفن ﷺ جاءت فاطمة ﵂ فقالت: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله التراب؟! وأخذت من تراب القبر الشريف وشمّته وأنشدت تقول:
ماذا علي من شمّ تربة أحمد ألايشمّ مدي الزمان غواليا
صبّت علىّ مصائب لو أنّها صبّت علي الأيام عدن لياليا
وقد عاشت فاطمة رضى الله تعالى عنها بعده ﷺ ستة أشهر، فما ضحكت تلك المدة.
_________________
(١) وقد قال العلماء: إن ضمّة القبر للكافر والعاصى ضمّة غيظ، وضمته للمؤمن الصالح ضمّة الأم الحنون، وقد ورد في الحديث الصحيح أن: «من قرأ قل هو الله أحد في مرضه الذى يموت فيه لم يفتن في قبره، وأمن من ضغطة القبر، وحملته الملائكة يوم القيامة بأكفّها حتّى تجيزه من الصراط إلى الجنة» رواه أبو نعيم في الحلية.
(٢) رواه مالك في الموطأ، وابن ماجه، وابن إسحاق في السيرة.
[ ٤١٠ ]
وقال علماء السير: لمّا دفنها عليّ وقف على قبرها، وبكي، وقال:
لكلّ اجتماع من خليلين فرقة وكلّ الذي دون الفراق قليل
وإنّ افتقادي فاطم بعد أحمد دليل علي ألايدوم خليل
وعن عطاء بن رباح قال: قال رسول الله ﷺ: «من أصابته مصيبة فليتذكّر مصيبته فيّ فإنها من أعظم المصائب» «١» .
[تعزية الخضر]، وروى أنه جاءت من نبى الله الخضر ﵇ التعزية، لأهل بيت النبوة بهذه المصيبة العظمي، يسمعون صوته ولا يرون شخصه «٢»، فقال بعد أن سلّم عليهم وقرأ كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّما تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ «٣» إنّ في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت، فبالله فثقوا، وإيّاه فارجوا؛ فإنما المصاب من حرم الثواب» .
وقد ذكر الشيخ أبو إسحاق في «المهذب» أوّل باب التعزية: أنه يستحبّ أن يعزّى بتعزية سيدنا الخضر أهل بيت النبوة: «إن في الله إلى اخره» .
وكان الرجل من أهل المدينة إذا أصابته مصيبة جاء أخوه فصافحه، ويقول:
يا عبد الله اتّق الله، فإن في رسول الله أسوة حسنة. وقال بعضهم في ذلك:
اصبر لكل مصيبة وتجلّد واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
واصبر كما صبر الكرام فإنها نوب تنوب اليوم تكشف في غد
وإذا أتتك مصيبة تشجي بها فاذكر مصابك بالنّبي محمّد
_________________
(١) هي مصيبة العمر وقاصمة الظهر.
(٢) ونصها من الروضة الندية ص ١٨٣ ج ١: «وأخرج الشافعى من حديث جعفر بن محمد، عن أبيه، عن جده قال: «لما توفى رسول الله ﷺ، وجاءت التعزية: سمعوا قائلا يقول: إن في الله عزاء من كل مصيبة، وخلفا من كل هالك، ودركا من كل فائت؛ فبالله فثقوا، وإياه فارجوا، فإن المصاب من حرم الثواب» والخضر ﵇ مختلف فيه: أهو نبى أم رجل صالح من المعمرين؟ وسيظهر اخر الزمان علنا ويحارب مع عيسى ابن مريم، وتحدث بينه وبين الدجال وقائع وحوادث كثيرة، ذكرت في كتب أعلام النبوة، والفتن والملاحم في اخر الزمان.
(٣) ال عمران: ١٨٥.
[ ٤١١ ]
ورثاه جماعة، منهم صفية عمته ﵂ بمراث كثيرة، وأبو سفيان ابن الحارث، وأبو بكر الصديق ﵁.
وتوفاه الله وحصل له درجة الشهادة، فوق ما أعطاه الله من مراتب النبوة وزاده؛ لأنه لما سمّته اليهودية في الشاة استمر ذلك السم حتي قال في مرضه:
«الان انقطع أبهري» يعنى من ذلك السم، والأبهر: عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة.
وكانت وفاته يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، حين زاغت الشمس سنة إحدى عشرة من الهجرة، وقيل: حين اشتد الضحي، كالوقت الذى دخل فيه إلى المدينة.
وعن ابن عباس: ولد ﷺ يوم الاثنين، واستنبيء يوم الاثنين، وخرج مهاجرا من مكة إلى المدينة يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وقبض يوم الاثنين، ودفن ليلة الأربعاء، وكانت ليلة مظلمة لفقده وانقطاع الوحي، عكس دخوله إليها في الهجرة.
قال أنس: «لما كان اليوم الذى دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذى مات فيه أظلم منها كل شيء» .
ولم أخّر دفنه؟ وقد قال ﵊ لأهل بيت أخّروا دفن ميتهم:
«عجّلوا دفن ميتكم ولا تؤخّروه» «١» .
فالجواب: أخّروه للاختلاف في دفنه، أو للاشتغال بأمر البيعة؛ ليكون لهم إمام يرجعون إليه، وهو أهم الأمور، حتى استقر الأمر، فبايعوا أبا بكر، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبى ﷺ، فنظروا في دفنه فغسّلوه وكفّنوه ﷺ، وتزينت الجنان بقدوم روحه الكريمة.
_________________
(١) وأخرج أحمد والترمذى قال ﷺ: «ثلاث لا يؤخّرن: الصلاة إذا أتت، والجنازة إذا حضرت، والأيم إذا وجدت كفؤا» .
[ ٤١٢ ]
إذا كان عرش الرحمن اهتز لموت (أحد) «١» أتباعه فرحا واستبشارا بقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح ﷺ!
* فعلى هذه الرواية «٢» يوم وفاته موافق ليوم مولده.
قال الصلاح الصفدى في شرح لامية العجم فائدة ذكرتها هنا، وهى أنه وجد بخط الشيخ تقى الدين بن الصلاح رحمه الله تعالى ما صورته: «ذكر أبو القاسم السهيلى قال: أجمع المسلمون على أنّ حجّة الوداع كان يوم عرفة فيها يوم الجمعة، وكان أوّل شهر ذى الحجة في تلك السنة الخميس، هذا لا شك فيه» .
ثم قال بعد ذلك: «وقال أكثر أهل التاريخ إن رسول الله ﷺ توفي يوم الاثنين، ثانى عشر ربيع الأوّل، بعد الحجة المذكورة بثلاثة أشهر.
وكيف حسب الإنسان الشهور، وهن: ذو الحجة، والمحرم، وصفر، وربيع الأوّل، وجعل أوّل ذى الحجة الخميس، ما يتصوّر أن يكون رسول الله ﷺ توفى يوم الاثنين ثانى عشر ربيع الأوّل، سواء حسب الجميع نواقص أو كوامل، أو بعضها نواقص وبعضها كوامل، فاعتبره تجده كذلك.
وأجاب عن هذا السؤال قاضى القضاة شرف الدين البارزى الحموى بما صورته: يحتمل أنه لما حجّ رسول الله ﷺ رأى هلال ذى الحجة بين مكة والمدينة ليلة الخميس، وغمّ علي أهل المدينة، فلم يروا هلال ذى الحجة إلا ليلة الجمعة، فلما رجع رسول الله ﷺ وتوفى بالمدينة أرّخ أهل المدينة موته على حكم ما رأوا، وأرّخوا في أوّل ذى الحجة، وهو يوم الجمعة، فجاءت الشهور الثلاثة: ذو الحجة، والمحرم، وصفر كوامل، وجاء أوّل ربيع الأوّل: الخميس، وكان ثانى عشر ربيع الأوّل يوم الاثنين، وكان بين رؤيته ﷺ وبين رؤية أهل
_________________
(١) ما بين القوسين لم يكن بالأصل الذى راجعنا عليه، بل وضعناها لإصلاح السياق، والذى اهتز له عرش الرحمن هو «سعد بن معاذ» ﵁، قال رسول الله ﷺ: «اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ» رواه مسلم، والإمام أحمد.
(٢) رواية ابن عباس التي أشار إليها انفا بقوله «عن ابن عباس» الخ.
[ ٤١٣ ]
المدينة مسافة القصر، والصحيح من مذهب الشافعى اعتبار اختلاف المطالع، والله أعلم. اهـ» .
ولما توفى ﷺ ترتب على وفاته ارتداد أكثر العرب، كبنى حنيفة، إلا أن أهل المدينة ومكة والطائف لم تدخلهم الردّة، وكان عامل رسول الله ﷺ على مكة عتّاب بن أسيد، فاستخفى خوفا على نفسه، فارتجت مكة وكاد أهلها يرتدّون، فقام سهيل بن عمرو علي باب الكعبة وصاح بقريش وغيرهم، فاجتمعوا إليه، فقال: «يا أهل مكة كنتم اخر من أسلم، فلا تكونوا أول من ارتد، والله ليتمّنّ الله هذا الأمر كما قال رسول الله ﷺ» . فامتنع أهل مكة من الردة.
وسيأتى ما يتعلق بذلك في الفصل الأوّل من الباب الخامس.
قال ابن إسحاق: ولما توفى رسول الله ﷺ عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشةرضي الله عنها- فيما بلغنى تقول: «لما توفى رسول الله ﷺ ارتدت العرب واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، فكان المسلمون كالغيم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم ﷺ، حتى جمعهم الله علي أبى بكر» انتهي.
وقال أهل السير: خرج أبو بكررضي الله عنه- إلى الناس وهم في المسجد يموجون، فخطبهم وثبتهم، ونعى لهم سيد الأولين والاخرين، وقرأ عليهم الايات التى تناسب ذلك، ومنها: وَما مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ ماتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أَعْقابِكُمْ وهذا استفهام إنكار وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ
_________________
(١) أخرج مسلم في صحيحه عن سيدنا عمر ﵁ أنّ رجلا من اليهود قال: يا أمير المؤمنين: آية في كتابكم تقرؤنها لو علينا معشر اليهود أنزلت لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: أي آية؟ قال: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتى ورضيت لكم الإسلام دينا) قال عمر: قد عرفنا ذلك اليوم والمكان الذى أنزلت فيه على رسول الله ﷺ: وهو قائم يوم عرفة في يوم الجمعة» . وأخرج رزين في «تجريد الصحابة» أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الأيام يوم عرفة وافق يوم جمعة، وهو أفضل من سبعين حجة في غير حجة» . وحديث أن رسول الله ﷺ وقف وقفة عرفة يوم جمعة، رواه أيضا البخارى ومسلم، والإمام أحمد، وابن جرير، وابن مردويه، والطبراني، وهو مروى عن سيدنا عمر، والإمام علي، ومعاوية ابن أبى سفيان، وعبد الله بن عباس وسمرة بن جندب.
[ ٤١٤ ]
اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ [ال عمران: ١٤٤]- ولم يكن فيهم أثبت منه ومن العباس.
وما ترك رسول الله ﷺ عند موته درهما ولا دينارا، ولا عبدا ولا شيئا، إلا بغلته البيضاء وسلاحه، وأرضا جعلها صدقة.
وعن عائشةرضي الله عنها- أن فاطمة سألت أبا بكر بعد وفاة رسول الله ﷺ ميراثها من تركة رسول الله ﷺ من خيبر وفدك، فقال أبو بكر: إن رسول الله ﷺ قال: «لا نورث؛ ما تركناه صدقة»، فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا؛ فوجدت فاطمة علي أبى بكر في ذلك؛ فهجرته فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت «١» .
وروى البيهقى عن الشعبى أن أبا بكر عاد فاطمة في مرضها، فقال لها عليّ:
هذا أبو بكر يستأذن عليك؟ قالت: أتحب أن اذن له؟ قال: نعم. فأذنت له. فدخل عليها فترضّاها حتّى رضيت «٢» .
_________________
(١) قول الشيخ ﵀ «فلم تزل مهاجرته حتّى توفيت» . افتراء محض من المؤرخين، والذى يستعرض موقف الصحابة عند موت رسول الله ﷺ، ويعرف مدى المصيبة التى حلّت بهم، يعرف أيضا موقف السيدة فاطمةرضي الله عنها- من هذه الصدمة. هذا أحدهم يدعو على نفسه بالعمي، حتى لا يرى أحدا بعد رسول الله ﷺ ويستجاب له، وهذا سيدنا عمر قد حدث له ما حدث، حتى هاج في الناس، وقال: «من يزعم أن محمدا قد مات قتلته بسيفى هذا» . وهذا أبو بكر ﵁ وأرضاه، أخذ جسمه في النقصان والنحول حتّى مات بعد عامين وأشهر من موت رسول الله ﷺ. وهذا. وهذا، وعدد كبير من الصحابة ﵃ حدث منهم ما ينكر لو لم يكن هذا الحادث، فما بالك بالسيدة فاطمةرضي الله عنها- وأرضاها. مطالبتها بالميراث صحيحة، ولكن غضبها من أبى بكر افتراء وكذب، نعم، إنها جلست في بيتها ستة أشهر لم تكلمه، ولم تكلم أحدا؛ لما هى فيه من البلوى التى حلّت بها، وقد عبّرت عن هذا عند ما زارت أباها [بعد انتقاله بقولها: صبّت عليّ مصائب لو أنها صبّت على الأيام عدن لياليا وأما حديث «نحن معاشر الأنبياء لا نورث: ما تركناه صدقة» فقد رواه أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي بن أبى طالب، وطلحة، والزبير، وسعد بن أبى وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، والعباس، وأزواج النبى ﷺ، والرواية عنهم ثابتة في الصحاح والمسانيد. ولم تحرم السيدة فاطمة من الميراث واحدها، وإنما أيضا أزواجه ﷺ، فلم لم يثر الشيعة الضجة بأن أزواجه ﷺ: لم لم يورّثن أيضا؟ وهذا واحده أكبر دليل علي أنها زوبعة مقصودة للإفساد، لا حبّا في السيدة فاطمة ﵂- والله تعالى أعلم.
(٢) إنما ترضّاها سيدنا أبو بكر مخافة أن تكون غاضبة منه، وفي الحديث جملة من اداب بيت النبوة، منها قولها: «أتحب أن اذن له» لأن المرأة ليس لها أن تأذن في بيت زوجها إلا بإذنه.
[ ٤١٥ ]
الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته ﷺ
من المعلوم أنه ﷺ لمّا كان خاتم النبيين وسيد المرسلين، واتاه الله علم الأولين والاخرين، وفضّله على سائر الخلق أجمعين، خصّه بمناقب لا يحصيها أحد من العالمين، فكيف وهو الذى أظهر هذا الدين القويم، وأنار هذا الصراط المستقيم! فكل فضل منسوب إلى فضله، وكل علم مستفاد من علمه ونبله، فبهذا ينبغى أن يذكر شيء من مناقبه على سبيل الاختصار والإيجاز، وقد تقدم ذكر بعضها فنقول:
إن من أحسن ما يروى من أوصافه ما روى عن عمر بن الخطاب أنه سمع بعد وفاة النبى ﷺ يقول وهو يبكى هذه الكلمات:
«بأبى أنت وأمى يا رسول الله (أي أفديك بأبى وأمي، وهى كلمة تستعملها العرب لتعظيم المفدّي) لقد كان لك جذع تخطب عليه، فلما كثر الناس اتخذت منبرا تسمعهم عليه، فحنّ الجذع لفراقك حتّى جعلت يدك عليه فسكت، فأمّتك أولى بالحنين عليك حين فارقتهم.
بأبي أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال تعايي: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله: لقد بلغ من فضيلتك عند ربك أن جعل طاعتك طاعته فقال تعايي: مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ «١» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله: لقد بلغ من فضيلتك عنده أن أخبرك بالعفو عنك قبل أن يخبرك بذنبك، فقال: عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ «٢» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أن جعلك اخر الأنبياء وذكرك في أولهم، فقال تعالى: وَإِذْ أَخَذْنا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْراهِيمَ وَمُوسى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الأحزاب: ٧] .
_________________
(١) النساء: ٨.
(٢) التوبة: ٤٣.
[ ٤١٧ ]
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد بلغ من فضيلتك عنده أنّ أهل النار يودّون لو كانوا أطاعوك وهم بين أطباقها يعذّبون، يقولون: يا لَيْتَنا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا [الأحزاب: ٦٦] .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، إن كان موسى بن عمران أعطاه الله حجرا تتفجر منه الأنهار، فماذا بأعجب من أصابعك حين نبع منها الماء «١» ! صلى الله عليك.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان سليمان بن داود أعطاه الله الريح غدوّها شهر ورواحها شهر، فما ذلك بأعجب من البراق حيث سرت عليه إلى السماء السابعة، ثم صليت الصبح بالأبطح صلىّ الله عليك.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لئن كان عيسى ابن مريم أعطاه الله إحياء الموتي، فما ذلك بأعجب من الشاة المسمومة حتّى كلمتك وهى مشوية فقالت:
«لا تأكلنى فإني مسمومة» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لقد دعا نوح على قومه فقال: رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكافِرِينَ دَيَّارًا [نوح: ٢٦] ولو دعوت علينا مثلها لهلكنا عن اخرنا، فلقد وطىء ظهرك، وأدمى وجهك، وكسرت رباعيتك، فأبيت أن تقول إلا خيرا فقلت: «اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» .
بأبى أنت وأمى يا رسول الله لقد اتّبعك في قلة سنك وقصر عمرك ما لم يتبّع نوحا في كبر سنّه وطول عمره؛ فلقد امن بك الكثير، وما امن معه إلا القليل.
بأبى أنت وأمى يا رسول الله، لو لم تجالس إلا كفؤا ما جالستنا، ولو لم تنكح إلا كفؤا ما نكحت إلينا، ولو لم تؤاكل إلا كفؤا ما اكلتنا، لبست الصوف، وركبت الحمار، ووضعت طعامك بالأرض، ولعقت أصابعك تواضعا منك» .
ووصفه عليّ ﵁ فقال: «ليس بالطويل، ولا بالقصير، ضخم الرأس،
_________________
(١) رواه مسلم في حديثه الطويل في غزوة بواط وغيره في الصحاح.
[ ٤١٨ ]
كثّ اللحية، شثن الكفّين والقدمين، ضخم الكراديس، مشربا وجهه بحمرة، أدعج العينين، سبط الشعر، سهل الخدّين، كأن عنقه أبريق فضة» .
وقال أنس: «لم يشنه الله بالشيب، كان في مقدّم لحيته عشرون شعرة بيضاء، وفي مفرق رأسه شعرات بيض» .
وروى أنه كان يخضب بالحناء والكتم. وعن ابن عمر «اختضبوا بالسواد فإنه أنكأ للعدوّ وأحبّ للنساء» .
* وكان بين كتفيه خاتم النبوّة، وهو بضعة (أى قطعة لحم) ناشزة (أى مرتفعة) حولها شعر.
وروى سلمان الفارسى أنه قال: مثل بيضة الحمامة بين كتفيه، وقيل: كان مضغة كلون بدنه، وقيل: كانت شامة خضراء محتفرة في اللحم، وقيل: كزر الحجلة (بتقديم الزاى على الراء) والمراد به البيض، والحجلة (بتقديم الحاء على الجيم بعدها لام): الطائر المعروف أى مثل بيض هذا الطائر.
قال بعضهم: وجملة الأقوال تبلغ نيفا وعشرين قولا، لكنها متقاربة المعنى، وليس ذلك باختلاف، بل كل راو شبّه بما سنح له وظهر، فواحد قال: كرزّ الحجلة، واخر: كبيضة الحمامة، واخر: كالتفاحة، واخر: بضعة لحم ناشزة، واخر: لحمة ناتئة، واخر: كالمحجمة، وكلّها ألفاظ مؤدّاها واحد، وهو قطعة لحم، ومن قال: شعر؛ فلأن الشعر حوله متراكم عليه.
وقال القرطبى ﵀: الأحاديث الثابتة على أنّ خاتم النبوّة كان شيئا بارزا أحمر عند كتفه الأيسر، إذا قلّل قدر بيضة الحمامة، وإذا كثر: جمع اليد.
انتهى.
وسئل البرهان الحلبي: هل خاتم النبوة من خصائصه ﷺ؟ أو كل نبى ختم بخاتم النبوة؟ فأجاب: لا أستحضر في ذلك شيئا، ولكن الذى يظهر أنه خصّ بذلك لمعان منها أنها إشارة إلى أنه خاتم النبيين، وليس كذلك غيره، ولأن باب النبوّة ختم به، فلا يفتح بعده.
وفي هذا المعنى لنجل المؤلف «على فهمى رفاعة» قوله:
[ ٤١٩ ]
بعثه للدين أفرا ح وللأعدا ماتم
وله الخاتم ينبي أنّه للرسل خاتم
قال السهيلى: «والحكمة في وضع خاتم النبوّة على جهة اليسار، أنه لما مليء قلبه إيمانا ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا أو درّا، فجمع الله تعالى أجزاء النبوّة لسيدنا محمد رسول الله ﷺ، وتمّمه وختم عليه بختمه، فلم تجد نفسه ولا عدوّه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم؛ لأن الشيء المختوم محروس، وكذلك تدبير الله لنا في هذه الدار، إذا وجد أحدنا الشيء بختمه زال الشك وانقطع الخصام فيما بين الادميين، فلذلك ختم ربّ العالمين في قلبه حتّى يطمئن له القلب الذى ألقى النور فيه، فظهر بين كتفيه كالبيضة» . انتهي.
واسع الجبين، عرقه أطيب ريحا من المسك، وفي وجهه تدوير، عظيم الفم، حسن الثغر، رائق الثنايا، فى أسنانه تفليج وتفريق، حلو المنطق، يتكلّم بجوامع الكلم، لا يضحك إلا تبسّما، إذا جلس مع أصحابهرضي الله عنهم- فكأنما على رؤسهم الطير من حسن تواضعهم بين يديه ﷺ، أزهر اللون، إذا مشى فكأنما تطوى له الأرض، وفي مشيته لا يلتفت وراءه، وإذا التفت التفت جميعا، حسن الوجه، حسن الصوت، خصوصا بتلاوة القران العظيم.
وقد جاوز نبينا ﷺ المرتبة العليا من الفصاحة، فكان أفصح العرب لسانا وأوضحهم بيانا، وأعدلهم نطقا، وأسدّهم لفظا، وأبينهم لهجة، وأقومهم حجة، وأعرفهم بمواقع الخطاب، وأهداهم إلى طرق الصواب، تأييدا إلهيا، وحفظا سمائيّا، وعناية ربانية، ورعاية روحانية، حتى لقد قال [عليّ] ﵁ وسمعه يخاطب وفد بنى نهد: «يا رسول الله نحن بنو أب واحد، ونراك تكلّم وفود العرب بما لا نفهم أكثره»، فقال: «أدّبنى ربى فأحسن تأديبي، وربيت في بنى سعد» فكان رسول الله ﷺ يخاطب العرب علي اختلاف شعوبهم وقبائلهم، وتباين بطونهم وأفخاذهم وفصائلهم، كلّ منهم بما يفهمون، ويحادثهم بما يعلمون، ولذلك قال ﷺ: «أمرت أن أخاطب الناس علي قدر عقولهم» فكأنّ الله تعالى قد أعلمه ما لم يكن يعلمه غيره من بنى أبيه، مما تفرّق ولم يوجد في قاصى العرب ودانيهم.
[ ٤٢٠ ]
وكانت القبائل ترد على رسول الله ﷺ لتأخذ عنه القران، وكان ﷺ يترجم لكل قبيلة بحسب لغتها من قبائل: قريش، وكنانة، وحمير، وهذيل، وطيّئ، وجرهم، ومدلج، وغيرهم؛ فربما مدّ «١» ﷺ قدر الألف والألفين والثلاث لمن لغته كذلك، وربما فخّم لمن لغته التفخيم، وربما أمال لمن لغته الإمالة، وربما أدغم لمن لغته الإدغام، وربما رقّق لمن لغته الترقيق، وهكذا في سائر وجوه الاداب والأحكام التى أمرنا الله بها ونهانا عنها في القران كلها واحدة، لا تتغير فى جميع القراات، فلما وقع الضبط وأخذت القرّاء القراات عن القبائل ضبط كلّ إنسان ما سمع فقط؛ إذ القياس هنا ممنوع، وجميع التراجم كلها قران منزل، أوحى به إلى رسول الله ﷺ ولو جاز أن يترجم ﷺ عن القران بغير ما أوحى به إليه لم يخرج عن مرتبتين؛ لأنه إما يترجم بلفظ مساو للوحى أو دونه، فإن كان ذونه: لم يصدق عليه أنه ﷺ بلّغ ما أنزل إليه من ربه، وذلك محال في حقه ﷺ، وإن كان مساويا: فأيّ فائدة للعدول عن الوحى من الله بلفظ مساو له؟ فما بقى إلا أنه ﷺ بلّغ ما أنزل إليه من ربه بحروفه الحاملة للمعانى القديمة.
وكان ابن عباس ﵄ يقول: «ما أنزل الله ﷿ كتابا إلا بالعربية إذ هى أوسع اللغات، ولكن كان جبريل ﵇ يترجم لكل نبى بلسان قومه، وليس في القران العظيم إلا لغة العرب، وربما وافقت اللغة منه لغة غير العرب، والأصل عربى لا يخالطه شيء» .
وكان أصحاب رسول الله ﷺ ومن يفد إليه من العرب يعرفون أكثر ما يقوله، وما جهلوه يسألونه عنه فيوضحه لهم، وقد كان النبى ﷺ إذا تكلّم تكلم بكلام مفصّل مبيّن يعدّه العادّ، ليس بهذّ مسرع لا يحفظ، قالت عائشة ﵂: ما كان رسول الله ﷺ يسرد سردكم هذا؛ كان يحدّث حديثا لو عدّه العادّ لأحصاه، وكان يعيد الكلمة ثلاثا لتفهم عنه، وقال له عمر ﵁: يا رسول الله ما لك أفصحنا ولم تخرج من بين أظهرنا؟ قال: لقد كانت لغة إسماعيل قد درست فجاء بها جبريل فحفظّنيها، وقال: «أنا أعرب العرب، ولدت
_________________
(١) أى مدّ الحروف في النطق.
[ ٤٢١ ]
فى قريش ونشأت في بنى سعد فأنّى يأتينى اللّحن» «١» فقد كان من خصائص نبينا ﷺ أن يكلم كلّ ذى لغة بلغته على اختلاف لغة العرب وتراكيب ألفاظها وأساليب كلمها، وكان أحدهم لا يجاوز لغته، وإن سمع لغة غيره فكالعجمية يسمعها العربي، وما ذاك منه ﷺ إلا بقوة إلهية وموهبة ربّانية؛ لأنه بعث إلى الكافة طرّا وإلى الخليقة سودا وحمرا، ولا يوجد متكلم بغير لغته إلا قاصرا في تلك الترجمة، نازلا عن صاحب الأصالة في تلك اللغة، إلا هو ﷺ؛ فإنه كان إذا تكلم في لغة من لغات العرب أفصح وأنصع بلغاتها منها بلغة نفسها، وجدير به ذلك؛ فقد أوتى جميع القوى البشرية المحمودة، ومزية علي الناس بأشياء كثيرة.
وبالجملة فقد ألّف الناس في فصاحته وجوامع كلمه الدواوين، ولا خفاء بأن أفصح اللغات لغات العرب، وغاية لسان هارون وفصاحته إنما كانت في العبرانية، وإلا فالعربية أفصح منها «٢»، وأما ما اشتهر علي ألسنة كثير من الناس أنه ﷺ قال: «أنا أفصح من نطق بالضاد»، فقال الحافظ ابن كثير، وتابعه تلميذاه الزركشي، وابن الجوزي، والجلال السيوطي، والسخاوي: إنه لا أصل له، كما يؤخذ من قول النجم. ثم هو ﷺ أفصح من نطق بالضاد من بين أهل اللغة العربية، حيث لم يعزه لرواية، وهو صحيح المعنى، إذ معناه: أنا أفصح العرب لكونهم هم الذين ينطقون بها، ولا توجد في لغة غيرهم.
* وأما خلقه ﷺ، فكان خلقه القران؛ يرضى لرضاه، ويسخط لسخطه، ويسارع إلى ما حثّ عليه، ويمتنع مما زجر عنه، فلهذا كان يتضاعف جوده وإفضاله في شهر رمضان لقرب عهد مخالطته جبريل ﵇، وكثرة مدارسته لهذا الكتاب الكريم الذى يحثّ على مكارم الأخلاق والجود، ولا شك أن المخالطة تؤثر وتورث أخلاقا من المخالط، كما قال بعضهم لابنه:
_________________
(١) وقد روى أن النبى ﷺ قال: «أول من فتق لسانه بالعربية المبينة إسماعيل وهو ابن أربع عشرة سنة» رواه الشيرازى في الألقاب عن على كرم الله وجهه، وروى الحديث الذى ذكره الشيخ بلفظ اخر: «أنا أعربكم، أنا من قريش ولسانى لسان بنى سعد بن بكر» رواه ابن سعد.
(٢) أما قول الله ﵎: (وأخي هارون هو أفصح منى لسانا) ليس المقصود فصاحة اللغة، وإنما المقصود أنه يستطيع أن يعبر أحسن منه، والله أعلم بمراده بذلك.
[ ٤٢٢ ]
بنيّ اجتنب كلّ ذي بدعة ولا تصحبن من بها يوصف
فيسرق طبعك من طبعه وأنت بذلك لا تعرف
وقد سئل الشمس الرملي: كيف كان جبريل يقرئ النبى ﷺ؟ فأجاب بأنه كان يقرأه عليه أولا ليعلّمه إياه، ثم بعد ذلك كان يدارسه القران، بأن يقرأ هذا على هذا والاخر كذلك.
وكان ﷺ لا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها، إلا أن تنتهك حرمات الله، فيغضب لله، وإذا غضب لم يقم لغضبه أحد، وكان أرجح الناس عقلا وأفضلهم، يكثر الذكر ويطيل الصمت، دائم البشر، وكان أصدق الناس وأوفاهم ذمة، وأوسعهم صدرا وأكرمهم عشيرة، وأحسنهم خلقا، وإذا انتهى إلي قوم جلس حيث ينتهى به المجلس، يؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ويكرم كلّ كريم قوم ويولّيه عليهم، ويثنى على مكارم الأخلاق، فأثنى بذلك علي حاتم الطائى حين تعرفت إليه ابنته بأبيها، وذلك أنها سبيت في جمع من نساء قومها في غزوة هوازن، فلما خرج رسول الله ﷺ من المسجد قامت إليه فقالت: «يا محمد مات الوالد وغاب الوافد، فلا تشمت بى أحياء العرب، فإني ابنة من كان يقرى الضيف ويفك العاني، ويطلق الأسير ويعطى السائل» فقال ﷺ: من أبوك؟ فقالت: حاتم الطائي، قال:
«خلّوا عنها إن أباها كان يحب مكارم الأخلاق» فأثنى على أبيها مع كفره، وخلّى عن ابنته ومن معها لأجله، فهذه اثار صنائع المعروف مع الكفر والعصيان، فكيف مع الطاعة والإيمان!!؟.
قيل: إن ابنة حاتم الطائى دعت لرسول الله ﷺ حين منّ عليها بالخلاص من الأسر فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر «١»، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلا وجعلت سببا لردّها» .
_________________
(١) لأن اليد التى افتقرت بعد غنى هى أليف الكرم، والاخرى والعياذ بالله أليف الفقر وضجيعه، أرضعها بلبانه.
[ ٤٢٣ ]
ويقال إنها خاطبته بقولها:
خذ العفو وأمر بعرف كما أمرت وأعرض عن الجاهلين
ولن في الكلام لجمع الأنام فمستحسن من ذوي الجاه لين
وكان ﷺ يولّى من الناس خيارهم، والذى يليه منهم خيارهم، وكان أفضلهم عنده أعمّهم نصيحة، وأعظمهم عنده منزلة أحسنهم مواساة ومؤازرة، وما انتهر خادما ولا قال له في شيء صنعه لم صنعته؟ ولا في شيء تركه لم تركته؟ بل يقول «لو قدّر يكون»، ولا ضرب بيده أحدا إلا في الجهاد.
ولما قيل له ادع على الكفار، قال: «إنما بعثت رحمة، اللهمّ اهد قومى فإنهم لا يعلمون» .
وكان عنده القريب والبعيد، والقوى والضعيف في الحق سواء، ويؤلّف أصحابه ولا ينفّرهم، ولم يكن فحّاشا (من باب النسب «١») أى وليس بذى فحش أى لا يصدر عنه، وليس من باب المبالغة حتّى تكون منفية لإشعاره ببقاء أصل الفحش، وهو ظاهر البطلان، فهو من باب قوله تعالى: وَما رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ [فصلت: ٤٦] أى بذى ظلم، لا أن كثرة الظلم هى المنفية وأصل الظلم موجود؛ إذ هو مستحيل عليه تعالى. ولا لعّانا، ولا بخيلا، ولا جبانا، ولا سخّابا في الأسواق (بالسين المهملة والخاء المعجمة وهو لغة ربيعة) والسخب هو: رفع الصوت، أى لا كثيره ولا قليله، والمراد نفيه مطلقا. والمعنى وصفه ﷺ بأنه ليس عنده رغبة فى الدنيا وتحصيلها، بحيث يصرف زمانه في تحصيلها بالجدّ في ذلك والإكثار منه في الأسواق، فلا ينافى أنه ﵊ تجر لخديجة ﵂ «٢» فكيف يكون ذلك، وقد قال ﵊: «اتّقوا الله وأجملوا في طلب الدنيا فإنّ كلّا ميسر لما خلق له «٣»» ولا يواجه أحدا بما يكره، يكرم أهل
_________________
(١) أى لا ينسب إلى الفحش، فقد قال ﷺ: «إن الله لا يحب كل فاحش متفحش» .
(٢) هذا قبل (الرسالة) أما بعدها فمما أفاء الله عليه.
(٣) رواية ابن ماجه والطبراني والحاكم، والبيهقى ولفظها: «أجملوا في طلب الدنيا؛ فإن كلّا ميسر لما كتب له منها» . كذا في الفتح الكبير، وقوله ﷺ: «كلّ ميسر لما خلق له» رواه أحمد وأبو داود والترمذي.
[ ٤٢٤ ]
الفضل ويتألّف أهل الشرف، ويؤثر الداخل بوساده، وكان يخصف نعله ويرقع ثوبه، ويعود المرضى؛ حتى بعض الكفرة والمنافقين، ويشهد الجنائز، ويزور القبور، ويسلّم عليهم ويستغفر لهم، ولا يقام لغضبه إذا تعرّض للحق بشيء حتّى ينتصر له، ولا يغضب لنفسه ولا ينتصر لها، ولا يترك أحدا يقوم بين يديه ولا أن يمشى خلفه، ويقول: «خلّوا ظهرى للملائكة» «١» يخدم من خدمه، وله عبيد وإماء، ولا يترفع عليهم في مأكل ولا ملبس، قال أنس: «خدمته نحوا من عشر سنين، فو الله ما صحبته في حضر ولا سفر ولا خدمة إلا كانت خدمته لى أكثر من خدمتى له، وما قال لى أف قط، ولا قال لشيء فعلت: لم فعلت كذا؟ ولا لشيء لم أفعله: لم لم تفعل كذا؟» ولا يجزى سيئة بمثلها، بل يعفو ويصفح، ويجود ويمنح، وكان يأكل ما وجد، ولا يتكلّف ما فقد، ويحبّ اللحم، ويعجبه الذراع، وسمّ فيه، والدّبّاء والعجوة والعسل والحلواء، وأحبّ الفاكهة إليه العنب والبطيخ، وكان أكثر طعامه التمر والماء، وإذا لم يجد صبر، ولا يأكل واحده، ويعاف الضبّ، والكلوتين «٢»، وأتي بلبن وعسل وقال: «أدمان في إناء؟ لا اكله ولا أحرّمه» ويأكل بثلاثة أصابع ويستعين بالرابع، ويتبع ما سقط من السفرة، ويقول من فعله غفر له، ويسمّى الله أولا ويحمده اخرا، ويأكل مقعيا لا متكّئا، ويقول: «اكل كما يأكل العبيد، وأجلس كما يجلس العبيد»، وقوله كما يأكل العبيد:
أى كأكل العبد في هيئة التناول ومصاحبة الرضا بما حضر تواضعا لله، لا كما يأكل أهل الكبر، وأهل الشّره، فالمراد بالعبد هنا الإنسان المتذلل المتواضع لربه، كما قاله المناوي، وقوله: وأجلس أى في حالة الأكل كما يجلس العبد، أى لأن التخلق بالأخلاق العبدية أشرف الأوصاف، لا كما يجلس أهل الكبر وأهل الشره من الاتّكاء، وما أكل قطّ ذا رائحة كريهة لنزول الملك عليه بالوحى ومجالسته، يل ولغير الملك من نسائه والناس. ولا يجمع بين لبن وسمك، ولا لبن وحامض، ولا بين حارّين ولا باردين، ولا قابضين ومسهلين، ولا غليظين، ويدفع ضرر
_________________
(١) رواه ابن سعد، ولفظه: «امشوا أمامي: خلوا ظهرى للملائكة» .
(٢) ولم يحرّمهما «أما الضب فلأنه ليس مما يأكله قومه» وفي الأصل «الطحال» ولعله كان يعاف الطحال كذلك والتصحيح من «الشمائل» للترمذي، وأما الكلوتين فلمكانهما من البول.
[ ٤٢٥ ]
البعض بالبعض، كتمر بزبد، وبطيخ أو قثاء برطب، وينقع التمر ويشربه للهضم، ولا ينام بعد الأكل. وكان يشرب اللبن حليبا وممزوجا، والماء في ثلاثة أنفاس، ويمصّ ولا يعبّ، ويقول: «الكباد من العبّ» (الكباد: وجع الكبد)، ولا يتنفس في الإناء، وإذا شرب دفع الباقى لمن عن يمينه، وإن كان عن يساره أشرف أو أسنّ، قال للأيمن: «الشربة لك، فإن شئت اثرته» ويشرب قاعدا، وربما شرب قائما.
وكان يلبس الكتّان أو الصوف، أو القطن، وهو الغالب، قميصا أو رداء أو إزارا أو غيرهما، ويحب البيض والخضر، ولبس البردة والحبرة والجبّة والحلّة الحمراء، والقباء والساذج «١» والأسود والقز، والمعلّم أطرافه بسندس، وأحبّها إليه القميص، وروى أنه لبس السراويل، ولبس جبة خسروانية مفرجة عليها سجف من ديباج، والطيلسان في الحرّ، كاليوم الذى هاجر فيه. وله ثوبان للجمعة، وبرد أخضر للعيد، والعمامة السوداء والبيضاء، وهى الأكثر بغير قلنسوة، وبها، وبلا عمامة، ويجعل لها غالبا عذبة بين كتفيه «٢» ولم تكن عمامته ﷺ كبيرة تؤذي، ولا صغيرة لا تقي، ولم يتحرّر في طولها وعرضها، وما قال الطبرى من أن الطول سبعة في عرض ذراع، وأنها من صوف لم يثبت. وكان ثيابه فوق الكعبين، وربما جعلها النصف الساق، والكمّ إلى الرسغ، أو مع الأصابع، ويلبسها من ميامنه، وينزعها بالعكس، ويقول عند لبسه: «الحمد لله الذى كسانى ما أستر به عورتى وأتجمّل به» وإذا استجدّ ثوبا سمّاه، وقال: «اللهم لك الحمد كما كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له» ولبسه وأعطى الخلق «٣» مسكينا. وله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس.
وله خاتم فضة فصّه منه، ونقشه «محمد رسول الله» لكن على هذا الشكل:
محمد تحت، ثم رسول فوق، ثم لفظ الجلالة فوق ذلك، وهذه صفته:
_________________
(١) الملابس التي لا ألوان فيها.
(٢) لم تكن كما يفعلون اليوم، وإنما كانت كاسية ما بين المنكبين.
(٣) أى الثوب القديم.
[ ٤٢٦ ]
والقراءة من أسفل السطر الثالث. ويتختم في خنصر يمينه ويساره، والأكثر الأوّل.
ويلبس النعال السبتية، والتاسومة، والخف.
وكان فرشه من أدم، حشوه من ليف، وطوله ذراعان وشيء، وعرضه ذراع ونحو شبر.
وروى عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه دخل على النبى ﷺ وهو على سرير وقد أثّر الشريط في جنبه، فبكى عمر ﵁، فقال النبى ﷺ: ما يبكيك يا عمر؟ فقال: «ذكرت كسرى وقيصر وما كانا فيه من الدنيا، وأنت رسول ربّ العالمين وقد أثّر بجنبك الشريط! فقال النبى ﷺ: أولئك قوم عجّلت لهم طيباتهم في حياتهم الدنيا، ونحن قوم أخرت لنا طيباتنا في الآخرة.
وكان ﷺ له عباءة تفرش له حيثما تنقّل، تثنى طبقين. وربما نام على حصير، وعلى الأرض، وما عاب مضطجعا قط، وإن فرش له اضطجع عليه، وإلّا علي الأرض.
وكان يحب الطّيب، ويكره الريح الكريه، ويتطيّب بغالية ومسك، ويتبخّر بكافور وعود، ويكتحل بالإثمد في كل عين ثلاثا، ويأمر بالباه (يعنى النكاح والتزويج) وينهى عن التبتّل نهيا شديدا، وقال: «لا تبتّل في الإسلام» «١» ولا يحتقر فقيرا لفقره، ولا يهاب ملكا لملكه، ويعظّم النعمة وإن دقّت، ولا يذم منها شيئا، ويكرم ضيفه ويبسط له رداءه كرامة له، وكان يتوكأ على العصا، وقال:
«التوكؤ على العصا من أخلاق الأنبياء» ورعى الغنم، وقال: «ما بعث الله نبيا إلا رعى الغنم» وحكمة ذلك أن راعي الغنم- التى هي أضعف البهائم- يسكن في قلبه الرقة واللطف، فإذا انتقل من ذلك إلى رعاية الخلق كان قد هذّب «٢» أوّلا.
وكان أشدّ حياء من العذراء في خدرها لا يثبت بصره في وجه أحد. وكان
_________________
(١) «نهى النبى ﷺ عن التبتل» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وهو حديث متفق عليه من البخارى ومسلم عن سعد، وأحمد، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه عن سمرة.
(٢) وأيضا في رعى الغنم: الصبر، والتؤدة، ومعالجة المريضة، ورد الشاردة، والحفاظ عليها من الذئب وغيره.
[ ٤٢٧ ]
أحلم الناس وأشجعهم، وأسخاهم، لم يسأله أحد شيئا إلا أعطاه، ومن سأله حاجة لا يرده إلا بها أو بميسور حسن من القول، لا بمعسور خشن، فكان أجود بنى ادم على الإطلاق، يجود بجميع أنواع الجود، من بذل العلم، والمال، وبذل نفسه لله فى إظهار دينه، وهداية عباده، وإيصال النفع العميم بكل طريق من: إطعام جائعهم ووعظ جهّالهم، وقضاء حوائجهم، وتحمّل أثقالهم، فكان أجود بالخير من الريح المرسلة، وكان إذا دخل رمضان أطلق كلّ أسير، وأعطى كلّ سائل، وإنما كان جوده يضاعف في شهر رمضان زيادة على جوده في غيره من الشهور؛ لأن جود ربه يتضاعف فيه، وقد جبل ﷺ على حب ما يحبه الله، ولأنه كان يلتقى هو وجبريل ﵇ في رمضان، وهو أفضل الملائكة وأكرمهم، ويدارسه الكتاب الذي أوتى إليه، وهو أشرف الكتب وأفضلها، وهو يحثّ علي الإحسان ومكارم الأخلاق. وفي مسلم قال: «ما سئل ﷺ شيئا إلا أعطاه، فجاءه رجل فأعطاه غنما بين جبلين، فرجع إلى قومه فقال: يا قوم أسلموا فإن محمدا يعطى عطاء من لا يخشى الفاقة» . وعن صفوان بن أمية قال: «لقد أعطانى رسول الله ﷺ ما أعطاني، وإنه لمن أبغض الناس إليّ، فما برح يعطينى حتّى إنه لأحبّ الناس إليّ» . وفي مغازى الواقدي أنه ﷺ أعطى صفوان واديا مملوا إبلا وغنما، فقال: «أشهد ما طابت بهذا إلا نفس نبي»، ولذلك قالت له خديجة ﵂ في أوّل بعثته حين رجع من غار حراء، بعد ما حصل من جبريل ما حصل، لما أمره بالقراءة: «والله لا يخزيك الله أبدا، إنك لتصل الرّحم، وتقرى الضيف، وتحمل الكلّ (أى الشئ الذى يحصل منه التعب لغيرك)، وتكسب المعدوم (أى تعطيه له تبرعا منك)، وتعين على نوائب الدهر (أى حوادثه)» .
وكان ﷺ أكثر الناس تواضعا، يجيب من دعاه من غنيّ أو فقير أو حرّ أو عبد.
وكان ﵊ في سفر، فأمر بإصلاح شاة «١» فقال رجل: يا رسول الله عليّ ذبحها، وقال اخر: وعليّ سلخها، وقال اخر: وعليّ طبخها، فقال
_________________
(١) أى ذبحه للطعام والأكل.
[ ٤٢٨ ]
ﷺ «وعليّ جمع الحطب» فقالوا: يا رسول الله نحن نكفيك ذلك، فقال: «قد علمت، ولكني أكره أن أتميز عليكم؛ فإن الله يكره من عبده أن يراه متميزا بين أصحابه»، وقام فجمع الحطب.
وكان أرحم الناس؛ يصغى الإناء للهرة «١»، وما يرفعه حتّى تروى رحمة لها، وأعفّهم وأشدّهم إكراما لأصحابه، لا يمدّ رجليه بينهم، ويوسّع لهم إذا ضاق المكان، ولم تكن ركبتاه تتقدّمان جليسه، يبدأ من لقيه بالسلام، ويتجمّل لأصحابه، ويتفقدهم ويسأل عنهم، فمن مرض عاده، ومن غاب دعا له، ومن مات استرجع «٢» فيه، وأتبعه الدعاء له.
وكان ﵊ تنام عيناه ولا ينام قلبه انتظارا للوحي «٣»، وإذا نام نفخ ولا يغطّ.
وكان لا يأكل الصدقة، ويأكل الهدية، ويكافئ عليها، وأكل الخبز بالخل، وقال: «نعم الإدام الخل» . وكان من جالسه أو أقامه لحاجة صابره حتّى يكون الرجل هو المنصرف، وما جلس إليه أحد فقام حتّى يقوم الرجل، وما خيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما، إلا أن يكون فيه إثم أو قطيعة رحم «٤» فيكون أبعد الناس منه، وكان يداعب أصحابه ولا يقول في مداعبته إلا حقّا «٥»، وكان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبى مما يعلم من شدّة وجد أمّ الصبى بولدها.
وباع واشترى بنقد ونسيئة، والأغلب بعد البعثة الشراء، وبعد الهجرة لم يحفظ البيع إلا في ثلاث صور، وأجّر واستأجر وهو الأغلب، واجر نفسه قبل النبوّة
_________________
(١) يميلها لتشرب.
(٢) قال: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون»
(٣) قلوب الأنبياء أكبر من قلوب العارفين، ولذلك لا تنام؛ لأنها علي صفة الملائكة، يسبّحون الله الليل والنهار، لا يفترون، وكذلك قلب النبى [لا ينام لأنه علي ذكر مستمر، والله تعالى أعلم]، والذى ينام: الغافل اللاهي.
(٤) فى الأصل «إلا أن يكون فيه قطيعة رحم» .
(٥) قال مرّة لأحد أصحابه: «يا ذا الأذنين» رواه أحمد، وأبو داود، والترمذى عن أنس أن النبى ﷺ قال له ذلك- يعنى يمازحه- وجاءه رجل يستحمله فقال: إنى حاملك على ولد ناقة، فقال: يا رسول الله ما أصنع بولد الناقة؟ فقال: وهل تلد الإبل إلا النوق؟!
[ ٤٢٩ ]
للرعى والإتجار، وشارك ووكّل وتوكّل، ووهب ووهب له، واستعار وضمن عن الله ضمانا خاصّا وعامّا، وشفع وشفع إليه، وسابق وصارع، وطلّق والي، وضاف وأضاف، وداوى وتداوى بمفرد ومركّب، ورقى واسترقي، وحذّر من التخمة وكثرة الأكل، وكان يصوم حتّى يقال لا يفطر، وعكسه، وأكثر صيامه فى شعبان، وكان يقوم من الليل حتّى تتفطّر قدماه، فتقول له عائشة: أتتكلف هذا وقد غفر الله لك؟! فيقول: أفلا أكون عبدا شكورا! وكان أكثر دعائه: «يا مقلّب القلوب ثبّت قلبى على دينك» . وخرج من الدنيا ولم يملأ بطنه في يوم من طعامين، فكان إذا شبع من التمر لم يشبع من الشعير، وإذا شبع من الشعير لم يشبع من التمر، وربما شدّ علي بطنه حجرا من الجوع. وقد اتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فأبى أن يقبلها، واختار الآخرة عليها، وهذا على وجه الاختيار لا على وجه الاضطرار لأجل أن تتأسى به أمته، ومما يدل علي ذلك قوله ﷺ «عرض عليّ ربى ليجعل لى بطحاء مكة ذهبا، فقلت: يا ربّ أشبع يوما وأجوع يوما، فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك»، قصد ﷺ أن يكون مشغولا بالله في طوري الشدة والرخاء، والنعمة والبلاء.
قال بعضهم: وحكمة ربط الحجر أن يسكن بعض ألم الجوع؛ لأن حرارة المعدة الغريزية ما دامت مشغولة بالطعام قلّت الحرارة به، فإذا قلّ اشتغلت برطوبات الجسم وجواهره، فيحصل التألم حينئذ، ويزداد ما لم يضمّ إلى المعدة الأحشاء والجلد، فإنّ نارها حينئذ تخمد بعض الخمود، فيقلّ الألم، فيفيد إنّ شدّ الحجر على قدر ألم الجوع، فكلما زيد زيد. اهـ.
وقال بعضهم: عادة أصحاب الرياضة «١»، وكذا العرب وأهل المدينة إذا اشتد جوعهم وخليت بطونهم أن يربط كل واحد منهم حجرا على بطنه؛ لئلا تنزل أمعاؤه، فيشقّ عليه التحرك، فإذا ربط حجرا على بطنه يشتد بطنه وظهره فتسهل عليه الحركة، فكان ﷺ أكثرهم رياضة، وكأن الله تعالى خلق فيه برودة تسكن الجوع وحرارته.
_________________
(١) يقصد بأصحاب الرياضة: الذين يدربون أنفسهم على الخلوات والذكر.
[ ٤٣٠ ]
وقال بعضهم: يقال لمن يؤمر بالصبر: «اربط على قلبك حجرا»، فكان ﷺ يؤمر بالصبر ويأمر أمته بالصبر، حالا ومالا.
وفي كتاب السنن لسعيد بن منصور من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن عمرو أن رسول الله ﷺ قال: «اللهم من أبغضنى وعصاني، فأكثر له المال والولد» .
اللهم من أحبنى وأطاعنى فارزقه الكفاف.
اللهم ارزق ال محمد الكفاف.
اللهمّ رزق يوم بيوم» .
ويناسبه ما أورده السلفى أن يهوديّا أتى النبيّ ﷺ فقال: «ادع لي» فقال «اللهم أصحّ جسمه، وأكثر ماله، وأطل حياته» «١» .
وورد في الجامع الصغير: «إنّ الله إذا أحبّ عبدا جعل رزقه كفافا» اهـ. قال العزيزي: أي بقدر كفايته، لا يزيد عليها فيطغيه، ولا ينقص عنها فيؤذيه؛ فإن الغنى مبطرة والفقر مذلة.
وأما اقتناعه ﷺ باليسير وسؤاله ربه أن يجعل رزقه قوتا، ففى حديث ابن عباس ﵄: «كان رسول الله ﷺ يبيت الليالى المتتابعة طاويا وأهله لا يجدون عشاء، فكان عامة خبزهم الشعير» .
وقد خيّره الله بين أن يكون نبيا ملكا وأن يكون نبيا عبدا، فقال: بل نبيا عبدا «ثلاثا» . فانظر إلى همته العلية كيف عرضت عليه خزائن الأرض فأعرض عنها وأباها، مع أنه ﷺ لو أخذها لم ينفقها إلا في طاعة ربه، لكنه اختار العبودية المحضة، فيا لها من همّة شريفة رفيعة، ما أسناها، ونفس زكية كريمة ما أزكاها.
وقال البدر الزركشي: «لم يكن النبى ﷺ فقيرا من المال قط، ولا حاله حال فقير»، بل كان أغنى الناس، قد كفى أمر دنياه في نفسه وعياله. وكان يقول في
_________________
(١) لأن اليهود لا يحبون إلا ذلك، فدعا لهم بما يحبون: إن هم إلا كالأنعام.
[ ٤٣١ ]
قوله ﷺ: «اللهمّ أحينى مسكينا»: إن المراد به استكانة القلب لا المسكنة التى هى أنه لا يجد ما يقع موقعا من كفايته، وكان يشدّد النكير على من يعتقد خلاف ذلك.
وقال بعضهم: «الفقر لباس الأنبياء وزينة الأولياء» لأن الفقر يورث الخشوع، والخشوع يورث الكرامة.
وقد قيل: «إنّ لكل شيء مفتاحا، ومفتاح الجنة حب المساكين والفقراء» .
وخصائصه ﷺ على أضرب:
الأوّل الواجبات:
الضحي، والأضحية، والوتر، والتهجد، والسواك، والمشاورة، ومصابرة العدوّ وإن كثر وزاد على الضعف، وقضاء دين من مات وعليه دين لم يخلف وفاء، وقيل: كان يفعله تكرّما لا وجوبا، وتخيير نسائه، وقيل: كان مستحبا.
الثانى
ما اختص به من المحرمات، فيكون الأجر في اجتنابه أكثر، وهو قسمان:
أحدهما في غير النكاح، فمنه: الشّعر، والخطّ، والأكل متّكئا، وأكل الثوم والبصل، والكراث، وقيل: مكروه، وإذا لبس لأمته لا ينزعها حتّى يلقى العدوّ، وقيل:
مكروه، وإذا شرع لزمه إتمامه، وألاينظر إلي ما متّع به الناس من الدنيا، وخائنة الأعين.
الثانى في النكاح: فمنه إمساك من كرهت نكاحه، وقيل: تكرّما.
الثالث المباحات:
فمنه الوصال في الصوم، واصطفاء ما أبيح له من الغنيمة قبل القسمة، ودخول مكة بلا إحرام، وإباحة القتال فيها ساعة، والقضاء بالعلم، والحكم لنفسه وولده، ويشهد لنفسه وولده، ويقبل شهادة من يشهد له، ويحمى الموات لنفسه، ولا ينتقض وضوؤه بالنوم مضطجعا، وأبيح له أخذ الطعام والشراب من مالكهما المحتاج إليهما إذا احتاج ﷺ إليهما، ويجب على صاحبهما البذل وصيانة مهجته ﵊، وإباحة تسع نسوة، والصحيح الزيادة له، وانعقاد نكاحه بلا وليّ ولا شهود، وفي وجوب القسم بين أزواجه وإمائه خلاف.
الرابع ما
اختص به من الفضائل والإكرام: فمنه أن أزواجه اللاتى توفى عنهنّ
[ ٤٣٢ ]
محرّمات على غيره أبدا، وفيمن فارقها في حياته أوجه:، أصحّها التحريم، وأن أزواجه رضوان الله عليهن أمهات المؤمنين، وأنهن أفضل من غيرهن من النساء، وجعل ثوابهن وعقابهن ضعفين «١»، وأنه خاتم النبيين، وخير خلق الله، وأمته أفضل الأمم، وهى معصومة من الاجتماع علي ضلالة، وأصحابه خير القرون، وشريعته مؤيّدة وناسخة لجميع الشرائع، وكتابه معجز محفوظ عن التحريف والتبديل، وهو حجة على الناس بعد وفاته، ومعجزات الأنبياء انقرضت، ونصر بالرعب من مسيرة شهر، وجعلت له الأرض مسجدا وطهورا، وأحلّت له الغنائم، وأعطى الشفاعة والمقام المحمود، وأرسل إلى الناس كافة، وهو سيد ولد ادم، وأوّل من تنشق عنه الأرض، وأوّل شافع، وأوّل مشفّع، وأوّل من يقرع باب الجنة، وأكثر الأنبياء تبعا، وأعطى جوامع الكلم، وصفوف أمته في الصلاة كصفوف الملائكة، وكان لا ينام قلبه، ولا يحل لأحد أن يرفع صوته فوق صوته، ولا يناديه باسمه، ويخاطبه المصلّى بقوله: السلام عليك أيها النبي، ولو خاطب ادميا غيره بطلت صلاته، ويلزم المصلّى إذا دعاه أن يجيبه وهو في الصلاة، ولا تبطل صلاته، وكانت الهدية حلالا له، بخلاف غيره من ولاة الأمور، ولا يجوز الجنون على الأنبياء، بخلاف الإغماء، ومن راه في المنام فقد راه حقّا، وأن الأرض لا تأكل لحم الأنبياء، وأنّ كذبا عليه ليس ككذب على غيره. صليّ الله عليه وعلى اله وسلّم.
فلما كان ﷺ خاتم النبيين وسيد المرسلين، واتاه الله علم الأوّلين والاخرين، ولا يحصى مناقبه أحد من العالمين صلّى الله عليه وعلى اله وصحبه أجمعين.
قال البوصيري:
فاق النبيّين في خلق وفي خلق ولم يدانوه في علم ولا كرم
وكلّهم من رسول الله ملتمس غرفا من البحر أو رشفا من الدّيم
وكلّ اي أتي الرسل الكرام بها فإنما اتصلت من نوره بهم
فمبلغ العلم فيه أنّه بشر وأنه خير خلق الله كلّهم
_________________
(١) لقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الأحزاب: ٣٠] وقوله بعدها: وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صالِحًا نُؤْتِها أَجْرَها مَرَّتَيْنِ [الأحزاب: ٣١] وعلل ذلك بقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ [الأحزاب: ٣٢] .
[ ٤٣٣ ]
فقد أطلعه الله على ما شاء من المغيّبات، فوقعت على وفق إخباره بها فيما مضى وما هو ات، واستأثر سبحانه دون جميع الخلق بعلم أمور منها: مفاتح الغيب الخمس «١» . ولقد قبض النبى ﷺ وما يعلم الروح، وقال الجنيد: الروح مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه، فلا يجوز لعباده البحث عنه بأكثر من أنه موجود، وثبت عن ابن عباس أنه كان لا يفسر الروح، أى لا يعيّن المراد به فى الاية «٢» .
وقد اختلف في مسألة اشتهرت بالديار المغربية، نشر الله بها أعلام السنة المحمدية، وهي: هل أحاط رسول الله ﷺ بعلم الله كما أحاط الحقّ بعلمه أو لا؟
فأجاب عن ذلك بعضهم بقوله: لا يصح ذلك، بل الذى ينبغى اعتقاده أن الله أعلم رسوله ﷺ ما لم يعلمه أحدا من الخلق، وحاشا سيد الأحباب أن يرضى من أمته أن يسوّوا بينه في العلم وبين رب الأرباب، ومن المحال أن يلحق العبد مرتبة السيد على كل حال، فاحذر الغلط، وإياك من ركوب التعاسيف والشّطط «٣» . اهـ.
وقد قال ﷺ: «لا تطرونى كما أطرى عيسى» أى لا تبالغوا في مدحى، وفي معنى الحديث قال البوصيري:
دع ما ادّعته النصاري في نبيّهم واحكم بما شئت مدحا فيه واحتكم
فإنّ فضل رسول الله ليس له حدّ فيعرب عنه ناطق بفم
_________________
(١) قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ ما فِي الْأَرْحامِ وَما تَدْرِي نَفْسٌ ماذا تَكْسِبُ غَدًا وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ [لقمان: ٣٤]
(٢) وقال بعض المفسرين في قوله تعالى قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي [الإسراء: ٨٥] أى كانت بكلمة «كن» وهذا يعنى أنها سر غامض لا يعلمه إلا الله تعالى، والقول فيها تهجّم على الله تعالى.
(٣) لو علم رسول الله ﷺ علم الله لكان علم الله تعالى محدودا، ولكان الله تعالى محدودا؛ واعتقاد هذا صريح الكفر والعياذ بالله!
[ ٤٣٤ ]
ولقد أجاد القائل:
الأمر أعظم من مقالة قائل إن رقّق البلغاء أو إن أفحموا
ماذا يقول المادحون ومدحه حقّا به نطق الكتاب المحكم
ويحكى أن العارف الكبير أبا حفص عمر بن الفارض رحمه الله تعالى قيل له: لم لا مدحت النبى ﷺ؟! فأنشد قائلا:
أري كلّ مدح في النبيّ مقصّرا وإن بالغ المثني عليه وأكثرا
إذا الله أثني بالذي هو أهله عليه، فما مقدار ما يمدح الوري؟
فمن تمام الإيمان به ﷺ: اعتقاد أنه لم يجتمع في بدن ادمى من المحاسن الظاهرة ما اجتمع في بدنه الشريف ﷺ، فيكون ما يشاهد من محاسنه الظاهرة علامة على محاسنه الباطنة، ولا أكمل منه ﷺ، ولا مساو له في هذا المدلول، فكذلك في الدّالّ، ولذا نقل القرطبى عن بعضهم أنه قال: لم يظهر لنا في الدنيا تمام حسنه ﷺ وإلا لما طاقت أعين الصحابة النظر إليه ﷺ»
فإذا كان في الآخرة ظهر تمام ذلك، ولذا قال صاحب البردة:
فهو الذي تمّ معناه وصورته ثم اصطفاه حبيبا بارئ النّسم
منزّه عن شريك في محاسنه فجوهر الحسن فيه غير منقسم
وقد جمع الله له ﷺ محاسن السير وأحاسن السياسة والخبر، مع أنه أمّيّ لا يكتب ولا يقرأ، ولا معلّم له من البشر، نشأ بين جهّال، يتيما من أبويه، فعلّمه الله مكارم الأخلاق، وجعل له من أكارم الاداب أوفر خلاق.
وما أحسن قول القائل:
أخذ الإله أبا الرسول ولم يزل برسوله الفرد اليتيم رحيما
نفسي الفداء لمفرد في يتمه والدرّ أحسن ما يكون يتيما
_________________
(١) ولذا ثبت عن عمرو بن العاص وغيره أنه ما كان يستطيع أن يثبت نظره في وجه رسول الله ﷺ إذ قال: «والله ما ملأت عينى من رسول الله ﷺ قط» .
[ ٤٣٥ ]
وكذلك جمع ﷺ ما تفرّق في الأنبياء من مكارم الأخلاق، وسمّاه عظيما فقال تعالى: وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ [القلم: ٤]؛ فكان فيه ﷺ خلق ادم (بفتح الخاء وسكون اللام)، ومعرفة شيث، وشجاعة نوح، وخلّة إبراهيم، ولسان إسماعيل، ورضى إسحاق، وفصاحة صالح، وحكمة لوط، وبشرى يعقوب، وشدّة موسي، وصبر أيوب، وطاعة يونس، وجهاد يوشع، وصوت داود، وحبّ دانيال، ووقار إلياس، وعصمة يحيي، وزهد عيسى.
ثم دعا الله تعالى عباده للاقتداء به التخلّق بأخلاقه فقال: لَقَدْ كانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ [الأحزاب: ٢١]؛ فقد أيّده الله تعالى بالمعجزات الباهرة، وأكرمه بالايات الظاهرة، وخصّه بالشفاعة العظمى في الدار الآخرة، ﷺ وعترته الطاهرة، وصحابته النجوم الزاهرة، قال الأديب جمال الدين الدمشقى فى ذلك:
يا عين إن بعد الحبيب وداره ونأت مرابعه وشطّ مزاره
فلقد ظفرت من الزمان بطائل إن لم تريه فهذه اثاره
ولقد سبقه إلي ذلك الصلاح الصفدي، فقال:
أكرم باثار النبيّ محمد من زاره استوفي السرور مزاره
يا عين دونك فانظري وتمتّعي إن لم تريه فهذه اثاره
واقتدى بهما في ذلك أبو الحزم المدني، فقال:
يا عين كم ذا تسفحين مدامعا شوقا لقرب المصطفي ودياره
إن كان صرف الدهر عاقك عنهما فتمتّعي يا عين في اثاره
وبالجملة فاثاره ﷺ وماثره هى الواسطة العظمى في تشييد هذا الدين المحمدي «١» العظيم البنيان الذى هو ببركته ﷺ باق إلى اخر الزمان، وكذلك ما
_________________
(١) يقصد الشرع الإلهى الذى خص به محمد ﷺ من دون الأنبياء، بدليل أنه عبر بها في قوله «فشريعة المصطفي» الخ.
[ ٤٣٦ ]
دامت معجزة القران التى هي أكبر المعجزات باقية بين أظهرنا، فلا ينسخ الماضى الات، فشريعة المصطفى ﵊ باقية إلى يوم القيامة، ومعجزة القران الباهرة الدلائل ليست- ولله الحمد- داخلة في قول القائل:
تتخلّف الاثار عن أصحابها حينا ويدركها الفناء فتتبع
[ ٤٣٧ ]
الفصل الثالث في ذكر معجزاته
أكبر معجزاته ﷺ القران الذى أعجز الإنس والجان، وتحدّى به بلغاء العرب وفصحاءهم- الذين هم الرؤساء في قوانين المعانى والبيان، والفرسان في ميادين الفصاحة والشجعان- عن معارضته على أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات، وتنازل معهم إلى الإتيان بسورة من مثله، وفي السور ما هو ثلاث ايات، فلم يأتوا بمثله، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، ونكصوا على أعقابهم خائبين؛ فغيرهم إن عارض أولى بالعجز والخذلان؛ إذ محال سكوتهم ثلاثا وعشرين سنة «١» عن معارضة لو قدروا عليها، خصوصا مع كونه ﷺ ينادى عليهم بالعجز عن معارضته، والقصور عن بلوغ الغرض من مناقضته، ويوبخهم ويسبّ الهتهم، فلم يستطع أحد منهم أن يرفع رأسه ويناديه بجواب، وإنما يزدادون تحسرا عن المعارضة، ويعترفون لبعضهم في الافتراء في قولهم إن هذا إلا سحر يؤثر، وسحر مستمر، وأساطير الأولين، ويعتذرون ظاهرا بقولهم:
قُلُوبُنا غُلْفٌ قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ- ولمّا قالوا- لو نشاء لقلنا مثل هذا- ردّ الله عليهم بقوله: وَلَنْ تَفْعَلُوا فما فعلوا، وما قدروا، ولو قدروا علي أدنى معارضة لبادروا إليها، وأفحموا الخصم الذى كانوا محافظين على إطفاء نوره، وإنما أعجز كلّ بليغ لجزالته وغرابة أسلوبه وبلاغته وانتهائه في الفصاحة إلى الطرف الأقصي؛ فإنه لا أفصح ولا أوضح ولا أكمل ولا أجزل ولا أنسب ولا أعذب من ألفاظه، ولا أسدّ ولا أشدّ التئاما وتشاكلا من نظمه، وأمّا معانيه فكلّ ذى لبّ يشهد لها بالتقدم في أبواب البلاغة، والترقّى إلى درجات الإتقان والبيان الواضح.
وقيل: إعجازه هو كونه خارجا عن جنس كلام العرب، من النظم والنثر
_________________
(١) مدة رسالته ﷺ حتّى وفاته.
[ ٤٣٩ ]
والخطب. وما كان من المعجزات معلوما بالقطع، منقولا بالتواتر كالقران، فلا شك في كفر منكره وارتداده، وأنه بمنزلة منكر وجود النبى ﷺ في الدنيا. وما لم يكن من المعجزات كذلك: فإن اشتهر: بدّع «١» منكره وفسّق؛ كنبع الماء من بين أصابعه الشريفة ﷺ، وتكثير الطعام اليسير. وإن لم يشتهر: ولكن ثبت بطريق صحيح أو حسن، عزّر منكره إن كان مثله يخفى عليه ذلك قبل التوقيف.] فهو النور المستبين والحق الواضح المبين، لا شيء أسطع من أعلامه، ولا أصدع من أحكامه، ولا أوضح من بلاغته، ولا أرجح من فصاحته، ولا أكثر من إفادته، ولا ألذ من تلاوته، قال رسول الله ﷺ: «القران فيه خبر من قبلكم، ونبأ من بعدكم، وحكم ما بينكم» «٢»، وقال تعالى: فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ [النساء: ٥٩] الاية، وقال تعالى: وَلَوْ كانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا [النساء: ٨٢] قال بعضهم: إذا أردت محادثة الحقّ تعالى أخذت المصحف فلا أزال أناجيه ويناجيني، وإذا أردت محادثة رسوله أخذت كتاب حديثه، وكذلك كلّ من أردت مناجاته من الأولين والاخرين. اهـ.
وقد حقق العارفون أنّ كلام الله: رسالة من الله لعباده، ومخاطبة لهم، وهو البحر المشتمل على جواهر العلم، المتضمن بظاهره وباطنه، ولهذا قاموا باداب سماعه، ورعوه حق رعايته، وقد تجلّى لخلقه في كلامه لو كانوا يعقلون. وكذلك كلام رسول الله ﷺ مما يتعين حسن الاستماع إليه؛ لأنه ﷺ لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحي.
قال الشيخ أبو إسحاق الثعلبى ﵀: «إن عدد ايات القران ستة الاف وستمائة وستّ وستون اية؛ فما هو أمر ألف اية، وما هو نهى ألف اية، وما هو وعد ألف اية، وما هو وعيد ألف اية، وما هو إخبار ألف اية، وما هو قصص وأمثال ألف اية، وما هو تحليل وتحريم خمسمائة اية، وما هو تسبيح وتهليل مائة اية، وما هو ناسخ ومنسوخ ست وستون اية» «٣» .
_________________
(١) أى اتهم بأنه مبتدع.
(٢) فى فضائل القران لابن كثير، وعزاه إلي الترمذي.
(٣) فى هذا العدد خطأ فليراجع النص.
[ ٤٤٠ ]
وقال بعضهم:
ألا إنّما القران تسعة أحرف أتيت بها في بيت شعر بلا خلل
حلال، حرام، محكم، متشابه بشير، نذير، قصّة، عظة، مثل
ووفد غالب بن صعصعة على الإمام علي بن أبى طالب كرم الله وجهه، ومعه ابنه الفرزدق، فقال له: من أنت؟ فقال: غالب بن صعصعة، قال: ذو الإبل الكثيرة؟ قال: نعم. قال: فما فعلت بإبلك؟ قال: أذهبتها النوائب، ثم قال له: يا أبا أخطل، من هذا الذى معك؟ قال: ابني، وهو شاعر، قال: علّمه القران فهو خير له من الشعر، فكان ذلك في نفس الفرزدق حتّى قيّد نفسه، والى على نفسه أن لا يحلّ قيده حتي يحفظ القران، فحفظه في سنة، وذلك قوله:
وما صبّ رجلي في حديد مجاشع مع القيد إلا حاجة لي أريدها
فقد جمع الله له ﷺ كل ما أوتيه الأنبياء من معجزات، وخصائص، ولم يجمع ذلك لغيره، بل خصّ كلّا بنوع من المعجزات، وذهب كلّ نبى بمعجزاته، ولم يبق لها أثر ظاهر خلا الروايات عنها والأخبار، وأبقى لنا ﷺ القران، معجزا خالدا بين ظهرانينا إلى يوم القيامة بعد ذهابه، لا تنكسف شموسه، ولا تذوي زهراته، يعلم ذلك من أدرك منه شرح الايات المحكمة وأسباب نزولها، وما اشتملت عليه من الأمر والنهي، والأحكام والمعاني، والإعجاز والإيجاز، والفصاحة والبلاغة، والبيان والبديع، وأخبار الأوّلين والاخرين، وشرائع الأمم السالفة، والوعد والوعيد، وذكر الدنيا وأحوالها، والآخرة وأهوالها، فكلّ من نظر في كتاب الله تعالى من الفصحاء البلغاء في سائر الأعصر، وأمعن النظر فيه استخرج بمعرفته جواهر المعانى من كنوز الايات الكريمة، واطلّع علي أسرار البلاغة، وعلم ما انطوت عليه من أسرار الإعجاز، فقد علم بالقران الذى تحدّى به ﷺ صدق دعوى النبوة جميع ما أخبر به علما قطعيا يقينيا لا يقدح فيه شيء من الاحتمالات العقلية، مع ما نقل عنه ﷺ من المعجزات والأمور الخارقة للعادة بطريق الشهرة والاحاد، وما بلغ القدر المشترك منه حد التواتر في المعجزات، وإن كانت تفاصيلها مروية احادا، قال بعضهم:
[ ٤٤١ ]
قد انقضت معجزات الرسل منذ قضوا نحبا وأفحم منه ذلك الجيل
ومعجزات رسول الله باقية محفوظة ما لها في الدهر تحويل
تكفّل الله هذا الذّكر يحفظكم فلن يضيع الذى بالله مكفول
هذي المفاخر، لا تحظي الملوك بها الملك منقطع، والوحى موصول
[كيفية نزول القران]:
وأنزل الله القران كله إلى السماء الدنيا جملة، ثم فرّقه في ثلاث وعشرين سنة مدة الوحى، بمكة ثلاث عشرة سنة، وبالمدينة عشر سنين، فكان جبريل ينزل بالسورة أو الاية لأمر يحدث، ويخبر النبى ﷺ بموضعها من القران، وعلى هذا الترتيب كان ﷺ يعرض على جبريل كل سنة ما كان يجتمع عنده منه، وعرضه عليه في السنة التى توفى فيها مرتين. وما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة هو الذى وقع عليه ترتيب المصحف العثماني، وأمّا ما وقع في غيره من مصاحف بعض الصحابة كمصحف ابن مسعود، ومصحف أبيّ بن كعب من الترتيب والقراات، وزيادة بعض السور مما هو مخالف للمصحف العثماني، فقد وقع ذلك أوّلا بتوقيف، ثم نسخ ذلك بما استقر عليه الأمر في العرضة الأخيرة وكتب في المصحف العثماني، ولم يبلّغ النسخ من ذكر من الصحابة، ولا ما استقرّ عليه الأمر، فأبقوا مصاحفهم على ما كان عندهم.
فإن قيل: نزوله جملة إلى السماء هل كان قبل نبوته ﷺ أو بعدها؟ أجيب بأنه جوّز أبو شامة الأمرين، واستظهر هو الأوّل، والجلال السيوطى الثانى، قال:
والاثار صريح سياقها فيه، وربما فهم من كلام بعض المتأخرين اختيار المعية، فإن قيل: فما السر في نزوله منجّما؟ وهلّا نزل كسائر الكتب جملة؟ أجيب: هذا سؤال تولّى الله جوابه، فقال تعالى: وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً واحِدَةً [الفرقان: ٣٢] يعنون كما أنزل على من قبله من الرسل، فأجابهم تعالى بقوله كَذلِكَ أي أنزلناه مفرقا لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الفرقان: ٣٢] أى لنقوى به قلبك؛ فإن الوحى إذا كان يتجدد في كل حادثة كل أقوى للقلب وأشد عناية بالمرسل إليه، ويستلزم ذلك كثرة نزول الملك إليه وتجديد العهد به وبما معه من
[ ٤٤٢ ]
الرسالة من ذلك الجناب الرفيع العزيز، فيحدث له من السرور ما تقصر عنه العبارة، ولهذا كان ﷺ أجود ما يكون في رمضان لكثرة لقائه جبريل ﵇، وقيل: معنى «لنثبت به فؤادك» لنحفظه، ففرّق عليه ليثبت عنده حفظه.
وقد اختلف: هل في القراءة شيء أفضل من شيء؟ فقيل: لا، وعليه الأشعرى والقاضى وأبو بكر الباقلانى؛ لأن الأفضل يشعر بنقص المفضول، وكلامه تعالى حقيقة واحدة لا نقص فيه، وقيل: نعم، لظواهر الأخبار، كخبر: «ألا أعلّمك بأعظم سورة في القران؟» «١»، وخبر «إنّ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ تعدل ثلث القران» «٢» والتفضيل يرجع إلى عظم الأجر والثواب، وإلى اللفظ لا إلى الصفة؛ لأن ما تضمنته نحو اية الكرسى وسورة الإخلاص ليس موجودا في نحو تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ والتحقيق: أنه لا خلاف في المعنى، بل الأوّل محمول علي ذات القران وحقيقته، والثانى على غيرها كما علمت، قاله شيخ الإسلام.
وسميت السورة سورة لقطعها من السورة الاخرى، إذ السور: القطع، فلما قرن بعض السور ببعض سمّي المجموع قرانا، كما يسمّى بعضه قرانا لذلك أيضا، قاله شيخ الإسلام في شرحه على البخارى.
وقد روى أنّ الله تعالى أنزل القران دفعة إلى السماء الدنيا، فوضع في بيت العزة، فحفظته الحفظة، وكتبته الكتبة، ثم نزل منها بلسان جبريل إلى النبى ﷺ شيئا فشيئا بحسب المصالح.
فإن قيل: ما قدر المنزّل؟ أجيب بأنه كان على حسب المصالح قلة وكثرة، فربما نزل العشر من الايات، كما صح في قصة الإفك، وأوّل سورة المؤمنين، ونزول الخمس منها، ونزول بعض اية كما صحّ في نزول غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ «٣» واحدها، وهى بعض اية.
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائى وابن ماجه، ومالك في موطئه، وهو حديث فيه طول: بخصوص سورة الفاتحة، وانظر ابن كثير في التفسير.
(٢) رواه الإمام أحمد، والنسائى في اليوم والليلة، وغيرهما من الرواة كثير.
(٣) النساء: من الاية ٩٥.
[ ٤٤٣ ]
وكان جبريل يخبر النبى ﷺ بموضعها من القران. فالقران في اللوح المحفوظ على النحو الذى في مصاحفنا الان.
فإن قيل، فما معنى الإنزال؟ أجيب أن لهم فيه اختلافا، فمنهم من قال: إنه عبارة عن إظهار القراءة، ومنهم من قال: إن الله ألهم كلامه جبريل وهو في السماء، وعلّمه قراءته، ثم أدّاه جبريل في الأرض.
فإن قيل: فما كيفية التأدية؟ أجيب بأنهم ذكروا فيها طريقتين:
إحداهما: أن النبى ﷺ انخلع من صورة البشرية إلي صورة الملكية، وأخذه من جبريل.
وثانيتهما: أن الملك انخلع إلي البشرية حتّى يأخذه الرسول منه، والأوّل أصعب الحالين.
والمراد بالانخلاع الظهور بتلك الصورة، لا مفارقة الطبع بالمرة كما هو ظاهر، فإن قيل: فما كيفية تلقّى جبريل له؟ أجيب بما قاله الطيبي: لعله تلقّفه من الله تلقّفا روحانيا، أو يحفظه من اللوح المحفوظ، فينزل به إلي الرسول ويلقيه عليه، وفسر بعض المحققين التلقف الروحانى بالإلهام.
فإن قيل: فما النازل علي النبى ﷺ؟ أجيب بأن فيه ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه اللفظ والمعنى، وأن جبريل حفظ القران من اللوح المحفوظ، ونزل به.
والثاني: أن جبريل إنما نزل بالمعانى خاصة، وأنه ﷺ علّم تلك المعانى وعبّر عنها بلغة العرب، وتمسك قائله بقوله تعالى: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ «١» .
والثالث: أن جبريل ألقى عليه المعنى، وأنه عبّر بهذه الألفاظ بلغة العرب، وأن أهل السماء يقرؤنه بالعربية، ثم إنه نزل به كذلك.
_________________
(١) (الشعراء: ١٩٢، ١٩٣) .
[ ٤٤٤ ]
وأخرج ابن أبي حاتم عن سفيان الثوري، أنه لم ينزل وحى إلا بالعربية، ثم ترجم كل نبى لقومه، بدليل قوله تعالى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسانِ قَوْمِهِ (٤) [إبراهيم: ٤] . والمراد بقومه أهل بلده، أى حيّه الذى هو قريش: فهم قومه، وهم غير أهل دعوته «١»؛ إذ دعوته عامة لجميع الناس، بدليل قوله تعالى:
قُلْ يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا (١٥٨) [الأعراف: ١٥٨] .
وقال بعضهم:
كتاب الله أفضل كلّ قيل رواه المصطفى عن جبرئيل
عن اللوح المحيط بكل شيء عن القلم الرفيع عن الجليل
وقد اختلف العلماء في ترتيب السور: هل هو توقيفى من النبى ﷺ؟ أو باجتهاد من الصحابة؟ بعد الإجماع على أن ترتيب الايات توقيفي، والقطع بذلك.
فذهب جماعة من العلماء إلى أن ترتيب السور باجتهاد من الصحابة، منهم الإمام مالك، والقاضى أبو بكر، في أحد قوليه، وجزم به ابن فارس، وبما استدل به لذلك اختلاف مصاحف السلف في ترتيب السور «٢» .
وذهب جماعة اخرون إلى أنه توقيفى، منهم القاضى أبو بكر في أحد قوليه، وخلائق، قال بعضهم: ترتيب السور هكذا هو عند الله في اللوح المحفوظ، علي هذا الترتيب.
وقد أثبت الصوفية عالم المثال، وجعلوه عالما متوسطا بين عالم الأجساد والأرواح، وقالوا هو ألطف من عالم الأجسام، وأكثف من عالم الأرواح، وبنوا
_________________
(١) يعني: وغير عشيرته كذلك هو مرسل إليهم، لأنه ﷺ مرسل للخلق كافة، وأما غيره من الرسل عليهم الصلاة والسلام، فلم يرسل أحدهم إلا إلى قومه وعشيرته وأهل بلده خاصة.
(٢) قال ابن كثير في فضائل القران: «وقد حكى القرطبيّ عن أبى بكر بن الأنبارى في كتاب (الرد) أنه قال: «فمن أخّر سورة مقدّمة أو قدّم أخرى مؤخّرة كمن أفسد نظم الايات وغيّر الحروف والايات، وكان مستنده اتباع مصحف عثمان ﵁؛ فإنه مرتب علي هذه النحو المشهور» . أهـ. والحقّ أن هذا هو الذي لا يحلّ غيره؛ لأن الصحابة أجمعوا علي شيء أخذوه عن رسول الله ﷺ، فأصبح ملزما بالاتباع.
[ ٤٤٥ ]
علي ذلك تجسد الأرواح وظهورها في صور مختلفة من عالم من المثال، وقد يستأنس لذلك بقوله تعالى: فَتَمَثَّلَ لَها بَشَرًا سَوِيًّا
(١٧) [مريم: ١٧] . فتكون الروح الواحدة كروح جبريل في وقت واحد مدبّرة لشبحه الأعلي، وهذا الشبح المثالى الذى تمثل لمريم. وينحل بهذا ما قد اشتهر نقله عن بعض الأئمة، أنه سأله بعض الأكابر عن جسم جبريل ﵇، فقال: أين كان يذهب بجسمه الأوّل الذى سد الأفق بأجنحته كما تراءى للنبى ﷺ في صورته الأصلية عند إتيانه إليه في صورة دحية؟ وقد تكلف بعضهم الجواب عنه بأنه يجوز أن يقال:
كان يندمج بعضه في بعض، إلي أن يصغر حجمه، فيصير بقدر صورة دحية، ثم يعود ينبسط إلى أن يصير كهيئته الأولى، على قاعدة جواز التخلخل والتكاثف في الأجسام. وما ذكره الصوفية أحسن، وهو أن يكون جسمه الأوّل بحاله، لم يتغير، وقد أقام الله تعالى له شبحا اخر، وروحه تتصرف فيهما جميعا إلى وقت واحد، قال الصوفية: وعلى هذا الأصل تتخرج مسائل كثيرة، وتنحلّ بها إشكالات غير يسيرة.
ومن أمهات معجزاته ﵊: انشقاق القمر، وقد أجمع المفسرون وأهل السنة علي وقوعه لأجله ﷺ؛ فإن كفار قريش لما كذبوه ولم يصدّقوه طلبوا منه اية تدل على صدقه في دعواه، فأعطاه الله تعالى هذه الاية العظيمة، التى لا قدرة لبشر على ايجادها، دلالة علي صدقه ﵊ في دعواه الواحدانية لله تعالى، وأنه منفرد بالربوبية، وأن هذه الالهة التى يعبدونها باطلة لا تنفع ولا تضرّ، وأنّ العبادة لا تكون إلا لله واحده لا شريك له.
قال ابن عبد البر: «قد روى هذا الحديث- يعنى حديث انشقاق القمر- عن جماعة كثيرة من الصحابة، وروى ذلك عنهم أمثالهم من التابعين، ثم نقله عنهم الجم الغفير، إلى أن انتهى إلينا وتأيّد بالاية الكريمة» أ. هـ.
وفي الترمذى من حديث ابن عمر في قوله تعالى: اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) [القمر: ١]، قال: قد كان ذلك علي عهد رسول الله ﷺ؛ انشق فلقتين، فلقة دون الجبل وفلقة خلف الجبل، فقال رسول الله ﷺ: اشهدوا.
[ ٤٤٦ ]
ووقع في نظم السيرة للحافظ أبي الفضل العراقي: وانشق مرتين بالإجماع.
قال الحافظ ابن حجر: «وأظن قوله «بالإجماع» متعلق بانشق لا بمرتين؛ فإني لا أعلم من جزم من علماء الحديث بتعدد الانشقاق في زمنه ﷺ» أ. هـ.
وما أحقّه ﷺ بقول أبى الطيب:
متى ما يشر نحو السماء بطرفه تخرّ له الشّعري، وينكسف البدر
* وأن الملأ من قريش تعاقدوا على قتله، فخرج عليهم، فخفضوا أبصارهم وسقطت أذقانهم في صدورهم، وأقبل حتّى قام على رؤسهم، فقبض قبضة من تراب وقال: شاهت الوجوه، وحصبهم، فما أصاب رجلا منهم من تلك الحصباء شئ إلا قتل يوم بدر.
ورمى يوم حنين بقبضة من تراب في وجوه القوم، فهزمهم الله تعالى.
ونسج العنكبوت، وتعشيش الحمامتين الوحشيتين عليه في الغار، ونبات الشجر هناك تجاهه سترا له وحفظا من الكفار.
ونصره بريح الصبا «الشرقية»، وبالرعب للعدو يسير بين يديه مسيرة شهر، وتأييده بالملائكة، وعصمته في السر والجهر. وما كان من أمر سراقة بن مالك، إذ بعث خلفه في الهجرة فساخت قوائم فرسه في الأرض الجلمد. ومسح على ظهر عناق لم ينز عليها الفحل فدرّت، وشاة أم معبد، ودعوته لعمر بن الخطاب أن يعزّ الله به الإسلام، ودعوته لعليّ ﵁ أن يذهب عنه الحرّ والبرد، وتفله في عينيه وهو أرمد فعوفى من ساعته ولم يرمد بعد ذلك.
وردّه عين قتادة بعد أن سالت على خده، فكانت أحسن عينيه وأحدّهما.
ودعاؤه لعبد الله بن عباس ﵄ بالتأويل والتفقه في الدين، وكان يسمّى الحبر والبحر لعلمه.
ودعاؤه لجمل جابر فصار سابقا بعد أن كان مسبوقا.
ودعاؤه لأنس «١» بن مالك ﵁ بطول العمر وكثرة المال والولد
_________________
(١) هو أنس بن مالك بن النضر الأنصاري الصحابي خادم رسول الله ﷺ: دعا له رسول الله ﷺ: «اللهم أكثر ماله وولده وبارك له في ما اتيته» توفي سنة ٩٣ هـ من (شجرة النور الزكية في طبقات المالكية) .
[ ٤٤٧ ]
فعاش مائة سنة أو نحوها، وولد له مائة وعشرون ولدا ذكرا لصلبه، وكان نخله يحمل في السنة مرتين.
ودعاؤه في تمر جابر بالبركة، فأوفى غرماءه وفضل ثلاثة عشر وسقا.
ومن معجزاته نزول الغيث المغيث باستسقائه ﵊، مرة للمشركين بمكة، ومرة للمسلمين بالمدينة يستمر فيها أسبوعا.
وإذا النوائب أظلمات أحداثها لبست بوجهك أحسن الإشراق
ودعاؤه علي عتبة بن أبى لهب بقوله: «اللهمّ سلّط عليه كلبا من كلابك» فأكله الأسد بالزرقاء من الشام.
وشهادة الشجر له بالرسالة في خبر الأعرابى الذى دعاه إلي الإسلام فقال: هل لك من شاهد على ما تقول؟ فقال: نعم، هذه الشجرة، ثم دعاها فأقبلت، فاستشهدها فشهدت أنه كما قال ثلاثا ثم رجعت إلي منبتها.
وأمر إنسانا أن ينطلق إلي نخلات فيقول لهن: «أمركنّ رسول الله ﷺ أن تجتمعن، فاجتمعن»، فلما قضى حاجته أمره أن يأمرهن بالعود إلى أماكنهن فعدن «١» .
وقوله: «إنى لأعرف حجرا بمكة كان يسلّم عليّ قبل أن أبعث» «٢» .
وحنين الجذع لمّا فارقه للمنبر حتّى سمع منه صوت كصوت الإبل، فضمّه إليه فسكن، فقال ﵊: «والذى نفسى بيده لو لم ألتزمه لم يزل هكذا إلى يوم القيامة» .
وكان الحسن البصرى ﵁ إذا حدّث بهذا الحديث بكى وقال: «يا عباد الله الخشبة تحن إلي رسول الله ﷺ شوقا إليه، فأنتم أحق أن تشتاقوا إلى لقائه» أ. هـ.
_________________
(١) وذلك لستره ﷺ أثناء قضاء حاجته، ومثل هذه الأشياء معروفة لا ينكرها إلا منكوس القلب.
(٢) رواه مسلم، والإمام أحمد، والترمذي.
[ ٤٤٨ ]
وتسبيح الحصى في كفه: قال أنس بن مالك ﵁: كنا جلوسا عند رسول الله ﷺ فأخذ سبع حصيات (كما في رواية أبى ذر)، حتى سمعنا التسبيح، ثم صبّهن في يد أبى بكر فسبّحن، ثم في يد عمر فسبّحن، ثم في يد عثمان فسبّحن، ثم صبّهن في أيدينا فما سبحان. وكذلك الطعام بحضرته. وإعلام الشاة له بسمّها، وشكوى البعير إليه كثرة العمل وقلة العلف، وسؤال الظبية له أن يخلّصها من الحبل لترضع ولديها وتعود، فخلّصها. وليس من المعجزات «١» أن الثعبان كلّمه.
وأخبر ﷺ عن مصارع المشركين يوم بدر، فلم يعد أحد منهم مصرعه.
وإخباره أن طائفة من أمته يغزون في البحر، وأن أم حرام بنت ملحان منهم، فكان كذلك.
وقال لعثمان ﵁: «تصيبه بلوى شديدة» فكانت، وقتل.
وقوله للأنصار: «إنكم ستلقون بعدي أثرة» (أى تعبا وشدة) فكانت زمن معاوية، وقوله في الحسن ﵁: «إن ابنى هذا سيد، وإنّ الله يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين» فكان في زمن معاوية. وإخباره بقتل العنسى الكذّاب، وهو بصنعاء ليلة قتله وبمن قتله.
وقال لثابت بن قيس: «تعيش حميدا وتقتل شهيدا» فقتل يوم اليمامة.
وارتدّ رجل من المسلمين، ولحق بالمشركين فبلغه أنه مات، فقال: إنّ الأرض لا تقبله، فكان كذلك.
وقال لرجل يأكل بشماله: كل بيمينك، فقال: لا أستطيع، فقال له: لا استطعت، فلم يطق أن يرفعها إلي فيه بعد «٢» .
ودخل مكة عام الفتح، والأصنام حول الكعبة معلّقة، وبيده قضيب، فجعل يشير إليها ويقول: «جاء الحق وزهق الباطل» وهى تتساقط.
وقصة مازن بن الغضونة الطائى وسواد بن قارب؛ فإنهما تكلما في نبوته
_________________
(١) أى لم يثبت في الصحيح.
(٢) إنما دعى عليه النبى ﷺ، لأنه كان كذابا، وكان يستطيع، فمنعه الكبر.
[ ٤٤٩ ]
ﷺ، فخافاها، وأسلما. ومن نظم سواد بن قارب:
فكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة بمغن فتيلا عن سواد بن قارب «١»
وشهادة الضب بنبوته.
وإطعام ألف من صاع شعير بالخندق فشبعوا والطعام أكثر مما كان، وأطعمهم من تمر يسير، وجمع فضل الأزواد على نطع ودعا لها بالبركة ثم قسمها في العسكر، فقامت بهم.
وأتاه أبو هريرة بتمرات قد سفّهن في يده، وقال: ادع لى فيهن بالبركة، فدعا له، قال أبو هريرة رضي الله تعالى عنه: فأخرجت من ذلك التمر كذا وكذا وسقا فى سبيل الله، وكنا نأكل منه ونطعم حتّى انقطع في زمن عثمان ﵁.
ودعاؤّه أهل الصفة لقصعة ثريد، قال أبو هريرة ﵁: فجعلت أتطاول ليدعونى حتّى قام القوم وليس في القصعة إلا اليسير في نواحيها، فجمعه رسول الله ﷺ فصار لقمة ووضعها علي أصابعه، وقال: كل بسم الله، فو الذى نفسى بيده ما زلت اكل منها حتّى شبعت أ. هـ.
وأهل الصفّة فقراء لا منازل لهم ولا عشائر، ينامون في المسجد ويظلّون فيه، وصفّة المسجد (أى الموضع المظلّل منه) مثواهم، فنسبوا إليها، ويقال لهم:
ضيوف الإسلام، فكان ﷺ يعشّى معه بعضهم، ويفرّق بعضهم علي الصحابة يعشّونهم، ومن مشاهيرهم أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، وأبو ذر ﵃.
ومن معجزاته أنه أمر عمر بن الخطاب ﵁ أن يزوّد أربعمائة راكب من تمر كان في اجتماعه كربضة البعير «٢»، فزوّدهم كلهم منه، وبقى تحسبه كما كان.
_________________
(١) ولإسلام سواد بن قارب قصة جميلة فارجع إليها في المطولات من كتب السير.
(٢) يعنى كان مقدرا يسيرا.
[ ٤٥٠ ]
ونبع الماء من بين أصابعه الكريمة كأمثال العيون في الانسجام، حتى شرب القوم وتوضأوا وهم ألف وأربعمائة.
قال ابن العربى في «قبسه»: وذلك خصيصية له، لم تكن لأحد قبله.
وأتى بقدح فيه ماء فوضع أصابعه في القدح فلم تسع، فوضع أربعة منها، وقال: «هلمّوا»، فتوضأوا أجمعين وهم من السبعين إلي الثمانين.
وورد في غزوة تبوك علي ماء لا يروى واحدا والقوم عطاش، فشكوا إليه، فأخذ سهما من كنانته فغرسه فيه، ففار الماء وارتوى القوم، وكانوا ثلاثين ألفا.
وشكا إليه قوم ملوحة في مائهم، فجاء في نفر من أصحابه حتي وقف على بئرهم، فتفل فيه، فتفجّر بالماء العذب.
وأتته امرأة بصبي لها أقرع، فمسح علي رأسه فاستوى شعره وذهب داؤه.
وانكسر سيف عكاشة يوم بدر فأعطاه جزلا من حطب، فصار في يده سيفا ولم يزل بعد ذلك عنده.
وعزّت كدية «١» بالخندق عن أن يأخذها المعول، فضربها فصارت كثيبا أهيل «٢» .
ومسح علي رجل أبى رافع وقد انكسرت فكأنه لم يشكها قط.
وقوله ﷺ: «إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها، وسيبلغ ملك أمّتى ما زوى لي منها» «٣» .
قال الصلاح الصفدي: وقد صدّق الله قوله بأنّ ملك أمّته بلغ أقصى المشرق والمغرب، ولم ينتشر في الجنوب ولا في الشمال.
وقال لرجل يدّعى الإسلام وهو معه في القتال: «إنه من أهل النار» فصدّق الله قوله بأن ذلك الرجل نحر نفسه، وهذا لا يعرف ألبتة بشيء من النجوم ولا بالنظر في الكتب.
_________________
(١) صخرة.
(٢) مجتمع الرمل يتساقط باندفاع.
(٣) في حديث طويل رواه الإمام أحمد ومسلم وأبو داود، والترمذى وابن ماجه.
[ ٤٥١ ]
وأبطل الله تعالى ببعثته الكهانة، فانقطعت، وكانت ظاهرة موجودة.
وأخبر بأن عمّارا تقتله الفئة الباغية، فكان مع على﵁- وقتله جماعة معاوية.
وأنذر بموت النجاشي، وخرج هو وأصحابه إلي البقيع فصلّوا عليه، فورد الخبر بموته- بعد ذلك- في ذلك اليوم.
وخرج على نفر من أصحابه مجتمعين، فقال: «أحدكم في النار ضرسه مثل أحد» فماتوا كلهم علي الإسلام، وارتدّ منهم واحد، وهو الدجال الحنفي، فقتل مرتدّا مع مسيلمة الكذاب.
وقال لاخرين منهم: «اخركم موتا في النار» فسقط اخرهم موتا في نار، فمات، وهو سمرة بن جندب.
وأخبر بأنه يقتل أمية بن خلف الجمحي، فخدشه يوم أحد خدشا لطيفا، فكانت منيّته منه.
وأخبر فاطمة ابنته ﵂ أنها أوّل أهله لحوقا به: فكان، وبأن أطول نسائه يدا أسرعهن لحوقا به، فكانت زينب بنت جحش الأسدية؛ لطول يدها بالصدقة.
وأخبر بمقتل الحسين ومصرعه وأهله، فكان كذلك.
وخطب أمامة بنت الحارث بن أبي عوف، وكان أبوها أعرابيا جافيا فقال: إنّ بها برصا، ولم يكن بها، فقال: «فلتكن كذلك»، فبرصت من وقتها، فتزوّجها ابن عمها يزيد، فولدت له الشاعر شبيب بن يزيد، وهو المعروف بابن البرصاء.
وحكي «١» الحكم بن أبى العاص مشيته ﷺ، وكان النبي ﷺ يتكفّأ في مشيته، فالتفت يوما فراه «٢» وهو يتخلّج في مشيته، فقال: «كن كذلك»، فلم يزل يرتعش في مشيته من يومئذ إلى أن مات في خلافة عثمان. وقد ثبت أن النبى ﷺ نفاه
_________________
(١) أى حاكى وقلّد سخرية منه ﷺ.
(٢) بل كان ﵊ يري من خلفه كما يرى من أمامه كما هو ثابت في الحديث الصحيح.
[ ٤٥٢ ]
من المدينة إلي الطائف، فلذلك كان طريد رسول الله ﷺ وقد اختلف في السبب الموجب لنفى رسول الله ﷺ إياه، فقيل: كان يتسمّع سرّ رسول الله ﷺ ويطّلع عليه من باب بيته، وأنه الذى أراد النبى ﷺ أن يفقا عينه بمدري «١» في يده، لما اطّلع عليه من الباب. وقيل سببه: أنه كان يحكيه في مشيته وبعض حركاته.
وقد ذكره عبد الرحمن بن حسان بن ثابت في هجائه لمروان بن الحكم فقال:
إنّ اللعين أبوك فارم عظامه إن ترم ترم مخلّجا مجنونا
يمشي خميص البطن من عمل التّقي ويظلّ من عمل الخبيث بطينا
ومعنى قول عبد الرحمن: «إنّ اللعين» إلى اخره: ما روي عن عائشة ﵂ من طرق ذكرهاابن أبي خيثمة أنها قالت لمروان بن الحكم، حين قال لأخيها عبد الرحمن بن أبى بكر لما امتنع من البيعة ليزيد بن معاوية بولاية العهد، ما قال، والقصة مشهورة: «أما أنت يا مروان، فأشهد أن رسول الله ﷺ لعن أباك وأنت في صلبه» «٢» .
وقد روى في لعنه ونفيه أحاديث كثيرة، ولا حاجة إلى ذكرها، إلا أن الأمر المقطوع به أن النبى ﷺ مع حلمه وإغضائه علي ما يكره ما فعل به ذلك إلا لأمر عظيم، ولم يزل منفيا حياة النبى ﷺ، فلما ولي أبو بكر الخلافة قيل له في الحكم ليردّه إلى المدينة فقال: ما كنت لأحلّ عقدة عقدها رسول الله ﷺ، وكذلك عمر، فلما ولى عثمان ﵁ الخلافة ردّه، وقال: «كنت قد شفعت فيه إلى رسول الله ﷺ فوعدنى بردّه» «٣» . وتوفى في خلافة عثمان ﵁.
إلي غير ذلك مما لا يحصي، ويكفى أن منها «٤» كرامات الأولياء التى لا تستقصى «٥» .
وما يذكره بعض القصّاص من أن القمر دخل في جيب النبى ﷺ، وخرج من كمه، فليس له أصل، كما حكاه الشيخ بدر الدين الزركشى عن العماد بن كثير، وكذلك لم يخلق الورد من عرقه ولا من غيره كما يتخيله بعض العوام أنه من
_________________
(١) حديدة أو خشبة مدببة الطرف.
(٢) وبقية كلامها له: «فأنت فظاظة من لعنة الله» .
(٣) وهذه أيضا رد علي الذين يزعمون أن عثمان كان يوالى أقرباءه. ألا لعنة الله علي الكذبة.
(٤) أى من معجزاته ﷺ: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله ﷺ؛ إذ لولاه ما كان وليّا.
(٥) أى من معجزاته ﷺ: كل كرامة أكرم بها ولى من الأولياء، فإن سببها رسول الله ﷺ؛ إذ لولاه ما كان وليّا.
[ ٤٥٣ ]
عرقه أو البراق أو جبريل، بل خلقه الله كسائر الأزهار، ولم يكن وطؤه ﷺ يؤثّر في الصخر دون الرمل، كما توارد عليه كثيرون «١»، بل كان كغيره من الناس، أي في عدم تأثير وطء قدميه الكريمتين في الحجر وتأثيرهما في الرمل.
وقال بعضهم معدّدا لاياته ﷺ:
ومن تلكم الايات وحي أتي به قريب الماتي مستجمّ العجائب
تقاصرت الأفكار عنه فلم يطع بليغا ولم يخطر علي قلب خاطب
حوي كلّ علم، فاحتوي كلّ حكمة وفات مرام المستمر الموارب
أتانا به لا عن رواية «٢» مرتئي ولا صحف مستمل ولا وصف كاتب
يواتيه طورا في استجابة سائل وإفتاء مستفت ووعظ مخاطب
وإثبات برهان وفرض شرائع وقصّ أحاديث ونص مارب
وتصريف أمثال وتثبيت حجّة وتعريف ذى جحد وتوقيف كاذب
وفي مجمع النادي وفي حومة الوغي وعند حدوث المعضلات الغرائب
يصدّق منه البعض بعضا كأنما يلاحظ معناه لغير المراقب
فيأتي علي ما شئت من طرقاته قويم المعاني مستدرّ الضرائب
وعجز الوري عن أن يجيبوا بمثل ما وصفناه معلوم بطول التجارب
وذكر الإمام فخر الدين أن من كانت معجزاته أظهر يكون ثواب أمته أقلّ، قال السبكي: إلا هذه الأمة؛ فإن معجزات نبيها أظهر وثوابها أكثر من سائر الأمم. وقد ألّف العلماء الحفّاظ والثقات الأيقاظ في سيرته ومعجزاته كتبا كثيرة ومجلدات كبيرة، وما أتوا بعشر معشار فضائله، ولا بقطرة من بحار فواضله (وكان أكثر مما قيل ما تركوا) كما قال بعضهم:
لو أنّ بحرا مداد الكاتبين وما في الأرض من شجر أقلام مستطر
لم يحصروا بعض فضل المصطفى أبدا وكيف يحصر شئ غير منحصر
_________________
(١) كونه ﷺ إذا مشى في الصخر أثر، وإذا مشي علي الرمل لا يؤثر: اشتهر ذلك عن بعض العلماء، ولم يرد في الصحاح. والله أعلم.
(٢) فى الأصل المطبوع (رؤية) وبها ينكسر الوزن، وقد رأينا أن كلمة (رواية) تجبر كسر الوزن وتؤدى المعنى.
[ ٤٥٤ ]
الفصل الرابع فى ذكر أزواجه ﷺ وقرابته ومواليه
قد سلف تزوّجه ﷺ من خديجة وعائشة وغيرهما، وموضوع هذا الفصل ذكر أزواجه أمّهات المؤمنين بالبيان، وعدّتهم خمس عشرة، دخل بإحدى عشر منهنّ، ولم يدخل بأربع، وتوفيت في حياته اثنتان، وقبض﵊- عن تسع.
١- وتزوّج النبى ﷺ السيدة خديجة بنت خويلد ولها أربعون سنة، وكانت مسمّاة لورقة بن نوفل، فاثر الله ﷿ بها نبيّه ﷺ، وأقامت معه ﷺ بعد الزواج أربعا وعشرين سنة وخمسة أشهر وثمانية أيام؛ خمس عشرة سنة قبل الوحى والباقية بعده، ونزل رسول الله ﷺ في قبرها، ولم تكن سنّت الصلاة على الجنائز يومئذ، وغسلتها أمّ أيمن وأم الفضل، ودفنت بالحجون، عن نحو خمس وستين سنة. وهي سيدة النساء وأسبقهنّ نكاحا وإسلاما، ولا خلاف في أن أوّل أزواجه ﷺ خديجة، وكان تزوّجها وهو ابن خمس وعشرين سنة.
قال في المواهب: وخرّج الإمام أحمد عن ابن عباس أنه ﷺ قال: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد، ومريم ابنة عمران، واسية امرأة فرعون» «١» .
وصحّح ابن العماد تفضيل خديجة لما ثبت أنه ﷺ قال لعائشة حين قالت له:
«قد رزقك الله خيرا منها»: «لا والله ما رزقنى خيرا منها؛ امنت بى حين كذّبنى الناس، وأعطتنى مالها حين حرمنى الناس، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها» .
وسئل ابن داود: أيتهما أفضل؟ فقال: عائشة أقرأها النبيّ ﷺ السلام من جبريل، وخديجة أقرأها جبريل من ربها السلام علي لسان محمد ﷺ؛ فهى
_________________
(١) رواه الطبراني والحاكم، وهو حديث متواتر.
[ ٤٥٥ ]
أفضل. قيل له: فمن أفضل: خديجة أم فاطمة؟ قال: إن رسول الله ﷺ قال:
«فاطمة بضعة مني»، فلا أعدل ببضعته أحدا»»
ويشهد له قوله ﷺ: «أما ترضين أن تكونى سيدة نساء أهل الجنة؟!» «٢» .
واحتجّ من فضّل عائشة بأنها في الآخرة مع رسول الله ﷺ في الدرجة، وفاطمة مع عليّ فيها.
وقال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة علي أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة من حيث تقدمها، وإعانتها له ﷺ في المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ.
وسئل السبكى عن ذلك، قال: الذى نختاره وندين الله به أن فاطمة أفضل، ثم أمها خديجة، ثم عائشة، وأما خبر الطبراني «٣» «خير نساء العالمين مريم ابنة عمران، ثم خديجة بنت خويلد، ثم فاطمة بنت محمد، ثم اسية امرأة فرعون»، فأجاب عنه ابن العماد بأن خديجة إنما فضلت فاطمة باعتبار الأمومة، لا باعتبار السيادة، واختار السبكى أن مريم أفضل من خديجة لهذا الخبر، وللاختلاف في نبوتها.
ووقع الاختلاف في نبوّة أربع نسوة: مريم، واسية، وسارة، وهاجر، وزاد العلّامّة المتقن السراج بن الملقن في شرحه لعمدة الأحكام: حوّاء، وأم موسى ﵉. وسيأتى ما يرد علي التفضيل بالحيثيات.
ومما يناسب ذكره هنا أنه وجد في بعض الرسائل ما نصّه: فى ليلة السابع
_________________
(١) وقد قال أحد العلماء: «إن خديجة أفضل من ناحية أنها أم لها، أفضل من بنتها قطعا، وفاطمة أفضل من ناحية أنها بضعة منه ﷺ»، وعلى كل حال فمسألة التفضيل أمرها إلي الله، وليس لنا أن نخوض في ذلك.
(٢) انظر مناقب السيدة فاطمة في كتب الحديث والسير.
(٣) والإمام أحمد.
[ ٤٥٦ ]
والعشرين من شهر رجب الفرد من سنة اثنتين وتسعين وتسعمائة، قرأ شيخ الإسلام قطب الأنام، من خضعت له رقاب الفضلاء، وارتضع من ثدى معارفه النبلاء، العارف بالله تعالى الشيخ محمد الصدّيقي: المعراج الشريف، وأبدع فيما قرأ، وقدّم للحاضرين أحسن قرا، ووقع أن سأله إنسان: هل الأفضل إبراهيم ابن نبينا وأخته، أو أبو بكر الصدّيق؟ فأجاب بأنّ أبا بكر أفضل، وجرى بينه وبين السائل كلام لا ينبغى ذكره، فكتب بعض الأفاضل سؤالا ورفعه إلي العلماء من أهل العصر، فكتب شيخ الإسلام أحمد بن قاسم الجواب عنه. وصورة السؤال:
«الحمد لله»: ما تقول ساداتنا وموالينا الأئمة الأعلام، علماء السنّة وعقائد الإسلام، من أعقم الله عن الإتيان بمثلهم الليالى والأيام، حفظهم الله على كافة الأنام، ونصر بهم شريعة نبيه، وأخمد بهم عقائد أهل الشيع والبدع إلى يوم السلام، بجاه سيدنا ونبينا محمد عبده ورسوله عليه أفضل الصلاة وأشرف السلام، امين.
هل أحد من أولاد أبينا ادم ﷺ غير النبيين والمرسلين من أهل البيت، ومن أولاد النبى ﷺ أو من الصحابة ﵃ أجمعين، أفضل من سيدنا عبد الله أبي بكر الصديق ﵁ أو لا؟ وإذا قلتم لا، فهل قول الحافظ جلال الدين السيوطى فى «خصائصه الصغري»: «وذكر الإمام علم الدين العراقى أن فاطمة وأخاها إبراهيم أفضل من الخلفاء الأربعة باتفاق صحيح بجواز اعتقاد والإفتاء به أو لا؟
وإذا قلتم لا، فهل إفتاء بعض الموجودين بأنه لا يجوز أن يقال: إن أبا بكر الصديق ﵁ أفضل من سيدنا إبراهيم، وأخته فاطمة، ولدى رسول الله ﷺ مصيب فيه أو لا؟ وما هو مذهب أهل السنة؟ ابسطوا لنا الجواب، أحسن الله لكم الثواب؛ فإن غالب الناس خصوصا بعض العوام اعتقدوا أن ما أفتى به هذا البعض هو الصحيح، وأنتم العلماء الراسخون ذووا الترجيح فلا تكلونا إلي التلويح.
وصورة الجواب:
الحمد لله الهادى للصواب، وصلّى الله على سيدنا محمد واله وصحبه أجمعين امين.
[ ٤٥٧ ]
الحقّ- إن شاء الله تعالى-، وهو الذى دّلت عليه نصوص الشرع، ونصوص أئمة الشرع، أنّ مولانا الصدّيق أفضل من عدا الأنبياء من الناس من غير استثناء أحد بعد ذلك مطلقا، وهذا هو الذى نعتقده وندين الله به، ولم نعلم أحدا من العلماء الذين أخذنا عنهم حكى خلاف ذلك، ولولا خوف الإطالة التي لا يحتملها المقام نقلنا نصوص الشرع ونصوص أئمته، وبيّناها بما يندفع به توهّم القاصرين واغترار المغرورين.
وأما ما ذكر عن الجلال السيوطى نقلا عن العلم العراقي فلا يجوز التعويل عليه، ولا العمل به عند من ألهم رشده، وكان له إلمام بكلام الأئمة وتصرفاتهم، فإنه مجرّد دعوى مخالفة لنصوص الشرع وأئمته من غير سند يعتدّ به، وليست دعوى الاتفاق بالأمر الهيّن، ولا كل من ادّعاه يقبل منه ذلك، وكم دعاوى للاتفاق، بل وللإجماع مردودة لا يلتفت إليها كما لا يخفى علي ممارس العلوم، ويكفي في رد هذه الدعوى أنهم حكوا في التفضيل بين عائشة وفاطمة ﵄ ثلاثة أقوال: تفضيل عائشة، تفضيل فاطمة، التوقف. وممن حكى هذا الخلاف العلامة الإمام عز الدين بن جماعة، فقال: اختلف في التفضيل بين عائشة وفاطمة علي مذاهب ثالثها- وهو الأسلم- التوقف أ. هـ.
ومعلوم انحطاط رتبة عائشة عن الصدّيق ﵄؛ فإذا جرى قول بتفضيل عائشة على فاطمة ﵄، وقول اخر بالتوقف بينهما، فكيف يصح دعوى الاتفاق على تفضيل فاطمة ﵂ على الخلفاء الأربعة الذين منهم وأفضلهم الصديق ﵁؟! ودعوى الخلاف مقدّمة علي دعوى الاتفاق؛ لأن الأوّل من قبيل الإثبات، والثانى من قبيل النفي، والإثبات مقدّم علي النفى لأن معه زيادة علم كما تقرّر ذلك في الأصول، وبهذا ثبت ردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة ﵂، فليثبت في ردّه بالنسبة للباقي، إذ لا قائل منّا ومن هذا المدّعى لذلك الاتفاق بالفضل، بل مجرد النظر إلى ردّه بالنسبة لفاطمة ﵂ قرينة قوية تقرب من الصريح إن لم تكن منه، علي اختلال تلك الدعوى وعدم تحرّى صاحبها وعدم احتياطه في نقله.
ومما يعارضها أشد المعارضة إن لم يكن مصرّحا بردّها قول العلّامة محمد
[ ٤٥٨ ]
ابن أبى بكر الرازي في شرح «يقول العبد»: واعلم أنه تعالى قد فضّل محمدا علي جميع الأنبياء، ثم بعده أفضل هذه الأمة وأرجحهم من جميع الصحابة والال: أبو بكر الصديق ﵁.
ثم قال: ومن قال إن أحدا أفضل من أبى بكر كان معتزليا ورافضيا، ثم قال أيضا: واعلم أنّ بعد أبى بكر وعمر وعثمان لم يكن أحد في أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته أفضل من عليّ ﵁ أ. هـ.
فتأمل قوله «فى أمة محمد ولا في أصحابه وأهل بيته» فإنه بمنزلة الصريح إن لم يكن صريحا في تفضيل علي ﵁ علي جميع من عدا الثلاثة من أهل البيت وغيرهم من غير استثناء أحد منهم، وإذا كان هذا في عليّ ﵁، فكيف بمن هو أفضل منه كالصدّيق ﵁، ولما استدل الكمال بن الهمام علي تقديم علي ﵁ بعد الثلاثة بقوله ما نصه:
«ولما أجمعوا (أى الصحابة) علي تقديم عليّ بعدهم، دلّ على أنه كان أفضل من بحضرته؛ فكان منهم الزبير وطلحة، فثبت أنه كان أفضل الخلق بعد الثلاثة» .
بحث معه في هذا الاستدلال تلميذه العلّامة الكمال بن أبى شريف، فقال: لا يلزم من كونه أفضل الخلق بعد الثلاثة ممن بحضرته، ومن غاب عنه أو تقدمت وفاته علي الإجماع المذكور كأبى عبيدة بن الجراح، وحمزة والعباس، وفاطمة، نعم إذا ضم إلى ذلك الإجماع علي أنه أفضل ممن عدا الثلاثة من الخلق ثبت ذلك، وثبتت أفضليته عليهم بأدلة السمع أ. هـ.
فانظر قول هذا العلامة المتأخر الواسع الاطلاع «نعم إذا ضمّ إلى ذلك الإجماع إلى اخره» مع التمثيل قبله بفاطمة ﵂ تجده جازما بتفضيل عليرضي الله عنه- على فاطمة ﵂، فكيف بمن هو أفضل من عليّ بمراتب، وهو الصديق ﵁؟! وهذا مما يردّ دعوى الاتفاق بالنسبة لفاطمة ﵂، ويقتضى ردّه مطلقا بالطريق الذى قدّمناه.
وأما إفتاء بعض الموجودين المشار إليه، فقد علم حاله وحالنا فيه، مما قررنا.
والرأي: الضرب عنه صفحا؛ فإنه لا أثر له، لا سيما ولم نعلم أن أحدا من
[ ٤٥٩ ]
أهل الإفتاء أفتى بخلاف ما قلناه، ومنصب الإفتاء قد انحطت رتبته وتسوّره كل من أراد، بل تجرأ عوام الطلبة عى التكلم فيما شاؤا بما شاؤا «١» وعلى إساءة الأدب في حق علماء الدين وسادات العارفين، لتغافل العلماء من أولى الأمر عن أحوالهم وتشاغلهم عن البحث عن أوصافهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم.
وأما قول السائل: فإن غالب الناس- خصوصا العوام- إلي اخره فهو عجيب، فإنه يدل على أن غير العوام اعتقد ذلك أيضا، مع أنه لا يعتقد ذلك من عنده أدنى معرفة، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلى العظيم، والله تعالى أعلم.
(قال ذلك وكتبه الفقير أحمد بن قاسم العبّادي، غفر الله ذنوبه، وستر عيوبه، وفعل ذلك بوالديه ومشايخه امين، وصلواته على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه أجمعين) .
قال العزيزى في شرح الجامع الصغير في حديث: «أفضل نساء أهل الجنة خديجة بنت خويلد، وفاطمة بنت محمد ومريم بنت عمران، واسية بنت مزاحم امرأة فرعون» ما نصه: قال العلمي: «وأفضلهن فاطمة، بل هى وأخوها إبراهيم أفضل من سائر الصحابة، حتى الخلفاء الأربعة» أ. هـ.
وقال الرمليّ: «أفضل نساء العالم مريم بنت عمران، ثم فاطمة بنت النبى صلي الله عليه وسلّم، ثم خديجة، ثم عائشة» . رواه الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس. ا. هـ
وقد تقدّم في جواب البكرى وابن قاسم العبادى ما يخالف ذلك، وأنّ الصدّيق أفضل الناس بعد الأنبياء، على أن العزيزى قال في حديث: «إن الله اتخذنى خليلا كما اتخذ إبراهيم خليلا، وإنّ خليلى أبو بكر» هو أفضل الناس عى الإطلاق بعد الأنبياء أ. هـ.
_________________
(١) هذا في وقته هو، فكيف به في وقتنا الذى انطلقت فيه الألسنة بدعوى الاجتهاد، وأوقعوا المسلمين في الحرج.
[ ٤٦٠ ]
وقول ابن قاسم فيما تقدم: «ويكفى في رد هذه الدعوي» إلى اخره، قال شيخ الإسلام في شرح البهجة: «الذى أختاره أنّ الأفضلية محمولة على أحوال؛ فعائشة أفضل من حيث العلم، وخديجة أفضل من حيث تقدمها، وإعانتها له ﷺ فى المهمات، وفاطمة من حيث البضعة والقرابة، ومريم من حيث الاختلاف في نبوّتها، وذكرها في القران مع الأنبياء، واسية من حيث الاختلاف في نبوتها، وإن لم تذكر مع الأنبياء أ. هـ.
وأقول: إن صحّ التفضيل بالحيثية رجع الخلاف لفظيا ودفع التعارض في الأقوال، إلا أنه لا يمكن أخذه بالقبول على عمومه في جميع الحيثيات؛ لأنه فتح باب يعيي سدّه، فلو سلم قبوله في حق السيدة فاطمة وأخيها، فلا يقبل في حق الإمام على كرم الله وجهه بالنسبة إلى أبى بكر ﵁، نظرا إلي حيثية القرابة القريبة أو الصهارة، على أنه يلزم من ذلك اعتبار الحيثية في حق السيدة رقية وأم كلثوم، زوجتي عثمان بن عفان ﵁، كما يلزم أن الشخص الواحد يكون فاضلا من جهة ومفضولا من أخرى، فيرجع إلى التساوي، مع أنّ مطمح النظر الأفضلية واعتقادها. وأما المحبة لمثل على ﵁ لحيثية النسب من ذريته، على اختلاف طبقاتهم، فشىء اخر إذا كان معها حب أبى بكر رضي الله تعالى عنه وبقية الصحابة، ولذلك قال على كرم الله وجهه «لا يجتمع حبّى وبغض أبى بكر وعمر» لأنهما ضدّان، وهما لا يجتمعان؛ فالمحبة المعتبرة الممدوحة هى ما كانت مع اتباع سنّة المحبوب؛ إذ محبته من غير اتباع سنته- كما عليه الشيعة والرافضة من محبتهم مع مجانبتهم للسنّة-، لا تفيد مدّعيها شيئا من الخير؛ لأنها ليست محبة حقيقية، بل هى خالية عن التأدب باداب المحبوب، فأتباع عليّ الحقيقيون هم أهل السنة، لا الشيعة، وعليه الحديث الذى أخرجه الدار قطنى مرفوعا: «يا أبا الحسن أما أنت وشيعتك (أى حزبك المولعون بحبك أكثر من غيرك) في الجنة، وإن قوما يزعمون أنهم يحبونهم يصغّرون الإسلام ويلفظونه ويمرقون منه كما يمرق السهم من الرميّة، لهم نبز يقال لها الرافضة، فإذا أدركتهم فقاتلهم؛ فإنهم مشركون» قال الدارقطني: ولهذا الحديث عندنا طرق كثيرة.
[ ٤٦١ ]
٢- ثم تزوج ﷺ بعد موت خديجة سودة بنت زمعة بنت قيس بن عبد شمس بن عبدودّ بمكة قبل الهجرة، وكبرت عند النبى ﷺ، فأراد فراقها، فوهبت نوبتها من النبى عائشة، وقالت: لا رغبة لي في الرجال، وإنما أريد أن أحشر مع أزواجك، فأمسكها. وكان يقسم لبقية أزواجه ويقسم نوبتها لعائشة، وتوفيت بعده في شوال سنة أربع وخمسين بالمدينة.
والقسم في حقه ﷺ غير واجب، وإنما هو من باب العدل والإنصاف.
٣- ثم تزوج ﷺ عائشة بنت أبى بكر الصديق ﵁ بمكة، قبل الهجرة بسنتين، وقيل بثلاث، وهى بنت ست أو سبع، وقالت: تزوجنى رسول الله ﷺ وإنى لألعب مع الجوارى والبنات، فما شعرت بذلك حتّى حبستنى أمى عن الخروج، فوقع في نفسى أنى قد زوّجت، وما سألتها حتي أخبرتنى ابتداء. وبنى بها ﷺ في المدينة، وهى بنت تسع، ومات عنها وهى بنت ثمانى عشرة. وتوفيت سنة ثمان وخمسين، وقيل غير ذلك، وصلّى عليها أبو هريرة، ودفنت بالبقيع، ونزل في حفرتها عبد الله بن الزبير، وهو ابن أختها أسماء بنت أبى بكر. ولم يتزوج ﷺ بكرا غيرها. وروى عن حماد بن سلمة عن هشام بن عروة عن عروة عن عائشة أنها أنشدت بيت لبيد:
ذهب الذين يعاش في أكنافهم وبقيت في خلف كجلد الأجرب
فقالت: رحم الله لبيدا فكيف لو رأى هذا الزمان! وقال عروة: وأنا أقول؛ رحم الله أم المؤمنين، فكيف لو رأت هذا الزمان! وقال هشام: رحم الله عروة فكيف لو رأى هذا الزمان! وقال حماد: ﵏ فكيف لو رأوا زماننا! «١» .
٤- ثم تزوج ﷺ حفصة، زوّجه إياها أبوها عمر بن الخطاب ﵁ في شعبان، علي رأس ثلاثين شهرا من مهاجره ﷺ، بعد وفاة زوجها خنيس ابن حذافة بن قيس السهميّ، وكان صحابيا بدريا توفى بالمدينة من جراحة أصابته ببدر، وقيل بأحد، وتوفيت في شعبان سنة خمس وأربعين
_________________
(١) ونحن نقول: ﵃: كيف لو رأوا زماننا هذا؟
[ ٤٦٢ ]
بالمدينة، وقد بلغت ستين سنة. وروى أن النبى ﷺ طلّقها فأتاه جبريل، فقال: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة، وروى أنه لما بلغ عمر طلاقها حثا على رأسه التراب، وقال: «ما يعبأ الله بعمر وابنته بعد هذا» . فنزل جبريل من الغد وقال للنبي ﷺ: إن الله يأمرك أن تراجع حفصة رحمة لعمر.
٥- ثم تزوج ﷺ أمّ حبيبة رملة بنت أبى سفيان، وكانت قبله تحت عبد الله بن جحش، فولدت له جارية سميت حبيبة، فكنيت بها، وهاجرت معه إلى أرض الحبشة، وأصدقها عنه النجاشى أربعمائة دينار، وروى أربعة الاف، وبعث بها إلى رسول الله ﷺ مع شرحبيل بن حسنة، وهو الذى تولى نكاحها وكتب بذلك إلي رسول الله ﷺ، فقبل. وروى عن أم حبيبة أنها رأت في المنام كأن زوجها عبد الله بن جحش بأسوأ حال، وأرثّها، فلما أصبحت أعلمها أنه قد تنصّر وارتد، فثبتت علي الإسلام، وأكبّ على الخمر، فلم يزل يشربها حتي مات، ورأت في المنام أباها يقول لها: «يا أم المؤمنين» . ولما بلغ أبا سفيان تزويج رسول الله ﷺ أم حبيبة ابنته، قال «ذلك الفحل لا يقدع أنفه» . وعن ابن عباس في قول الله تعالى: عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً (٧) [الممتحنة: ٧]، قال: نزلت حين تزوج رسول الله ﷺ أمّ حبيبة بنت أبى سفيان، وقيل إن الذى ولى نكاحها عثمان بن عفان، وقيل خالد بن سعد بن العاص، وتوفيت سنة أربع وأربعين، وهى السنة التى حجّ فيها معاوية، وصلّى عليها مروان.
٦- ثم تزوج ﷺ أمّ سلمة، واسمها هند بنت أبى أمية، واسمه حذيفة، ويقال سهل ابن المغيرة، القرشية المخزومية، وأخت عمار بن ياسر لأمه، وقيل من الرضاع، تزوّجها رسول الله ﷺ بعد انقضاء عدّتها أربعة أشهر وعشرا، وأعرس بها في شوال سنة أربع من الهجرة، روت عن النبى ﷺ وعن أبى سلمة بن عبد الأسد، وفاطمة الزهراء، وروى عنها ابن عباس، وأسامة بن زيد، وخلق. ماتت في شوال سنة تسع وخمسين، ويقال ماتت سنة اثنتين وستين، وعمرها أربع وثمانون سنة، وهى اخر أزواج النبى ﷺ موتا، وقيل:
[ ٤٦٣ ]
ميمونة اخرهن موتا، وكانت قبله تحت أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، فولدت له سلمة، وعمر، ودرّة، وكانت أم سلمة هاجرت مع زوجها أبى سلمة إلى أرض الحبشة، ورمى يوم أحد بسهم فمات منه في جمادى الآخرة سنة أربع، وكان ابنها عمر مع علي بن أبى طالب يوم الجمل، وولّاه البحرين، وله عقب بالمدينة.
٧- ثم تزوج ﷺ زينب بنت جحش بن رباب بن يعمر بن صبرة بن مرة، وهى ابنة عمته «أميمة» بالتصغير بنت عبد المطلب، وكانت قبله ﷺ عند مولاه زيد ابن حارثة الكلبي، مولى النبى ﷺ، فشكاها إليه، وقال: إنها سيئة الخلق، واستأمره في طلاقها، فقال له ﷺ: «أمسك عليك زوجك يا زيد»، وهو قول الله ﷿: وَإِذْ تَقُولُ لِلَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ (بالإسلام) وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ (بالعتق) أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ (٣٧) [الأحزاب: ٣٧]، وكان ﷺ راها فأعجبته، فقال: سبحان الله مقلّب القلوب، ثم إن زيدا ضاق ذرعا بما رأى من سوء خلقها فطلّقها، فزوّجها الله ﷿ من السماء نبيّه ﷺ سنة ثلاث، حين انقضت عدّتها بغير مهر، ولا تولّى أمرها أحد كسائر أزواجه.
ولم تلد زينب لزيد، ولما بشّرت زينب بتزويج الله ﷿ نبيه ﷺ إياها، ونزول الاية في ذلك جعلت على نفسها صوم شهرين شكرا لله ﷿، وأعطت من بشّرها حليا كان عليها. وقيل: تزوجها سنة أربع، وقيل خمس من الهجرة بالمدينة، وهى بنت خمس وثلاثين سنة، وصنعت له أم سلمة حيسا، ولم يعقد له ﷺ بها غير الله، وهي التى قال الله تعالى فيها: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا زَوَّجْناكَها وأولم عليها، وأطعم المساكين خبزا ولحما، وفيها نزلت اية الحجاب، وكانت كثيرة الصدقة، وصحّ أنها كانت تقول لأزواج النبى ﷺ «زوّجكن اباؤكن وزوّجنى الله من فوق سبع سموات» .
وتوفيت في خلافة عمر ﵁ بالمدينة، سنة عشرين، وقيل عاشت ثلاثا وخمسين، ودفنت بالبقيع، وهى أوّل من مات من أزواجه بعده، وأوّل من حمل علي نعش، وروى عن عائشة أنها قالت: «يرحم الله زينب لقد نالت الشرف الذى لا يبلغه شرف في الدنيا، إن الله ﷿
[ ٤٦٤ ]
زوّجها نبيه ﷺ، ونطق بذلك كتابه، وإن رسول الله ﷺ قال ونحن حوله:
«أسرعكن لحوقا بى أطو لكن يدا» فبشّرها بسرعة لحاقها به، وأنها زوجته في الجنة.
وعن الشعبى أنّ رسول الله قال لنسائه: «أطو لكن يدا أسرعكن بى لحاقا» فكانت سودة أطولهن يدا، فلما توفيت زينب قلن: صدق رسول الله ﷺ كانت أطولنا يدا في الخير.
٨- ثم تزوّج ﷺ جويرية بنت الحارث بن أبى ضرار بن خبيب بن عايذ- بالياء والذال- ابن مالك بن جذيمة بالجيم والذال المعجمة، وجذيمة هو المصطلق من خزاعة. سبيت في غزوة المريسيع، وهى غزوة بنى المصطلق، فوقعت فى سهم ثابت بن قيس بن شماس، فكاتبها علي تسع أواق، فأتت رسول الله ﷺ تستعينه في كتابتها، وكانت امرأة ذات ملاحة، فقال رسول الله ﷺ:
«أو خير من ذلك، أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك؟» فقبلت، فقضى عنها النبى ﷺ كتابتها ثم أعتقها وتزوّجها في سنة ست من الهجرة، وأعتق أربعين من أهل بيتها، ولم تبق مصطلقية عند رجل من المسلمين إلا أعتقها صاحبها، فكانت أعظم امرأة بركة على قومها، وكان اسمها «برّة» فغيّره النبيّ ﷺ وسمّاها «جويرية» لما في برة من تزكية النفس وقد قال تعالى:
فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ (٣٢) [النجم: ٣٢]، وتوفيت بعده بالمدينة سنة ست وخمسين، وصلّي عليها مروان بن الحكم، وهو أمير المدينة، وقد بلغت سبعين سنة.
٩- ثم تزوّج ﷺ ﷺ صفية بنت حييّ بن أخطب بن سعيه (بفتح السين المهملة وسكون العين المهملة) ينتهى نسب أبيها إلي النّضر (بفتح النون وكسر الضاد المعجمة) من بنى إسرائيل، ومن نسل هارون بن عمران أخي موسي بن عمران، ولدها مائة نبى، ومائة ملك حتّى صارت إليه ﷺ، لما قدم خيبر.
وكانت عروسا لكنانة بن أبى الحقيق اليهودي، فرأت أنّ القمر وقع في حجرها، وقيل: رأت الشمس وقعت على صدرها، وقصّتها علي أبيها أو زوجها فلطمها، وقال: أتريدين ملك يثرب؟! وفي رواية: «ما تمنين إلا هذا الملك الذى نزل» . فافتتح ﷺ خيبر وجمع السبي، فقال دحية: يا رسول الله
[ ٤٦٥ ]
أعطنى جارية من السبي، فأخذت، فذكرت لرسول الله ﷺ، فأعطاه سبعة أرؤس مكانها، وأخذها ﷺ فأعتقها، وجعل عتقها صداقها، وهو مذهب الإمام أحمد، وهو من مفردات مذهبه، وقد سبق ذلك في الفصل السادس من الباب الرابع من المقالة الخامسة من الجزء الثاني. ثم إن رسول الله ﷺ دفعها إلى أم سليم تهيّئها، فلما ارتحل ﷺ بنى بها بعد أن حاضت حيضة، ولما دخل ﷺ بها بات أبو أيوب الأنصارى خالد بن زيد علي باب الستارة أو بقربها شاهرا سيفه، فلما أصبح النبي ﷺ راه، فقال: يا أبا أيوب مالك شهرت سيفك؟ فقال: إنها جارية حديثة عهد، وكنت قتلت أباها وزوجها فلم امنها. فضحك، وقال له خيرا. ثم صنع ﷺ حيسا في نطع صغير، وقال الناس: لا ندرى أتزوّجها أم اتخذها أمّ ولد؟ فلما أراد أن يركب حجبها، فقعدت علي عجز البعير، فعرفوا أنه تزوجها. وقتل كنانة يوم خيبر، وكان له من كل مغنم صفى يصطفي: عبد أو أمة أو سيف أو غير ذلك قبل الخمس، وتوفيت سنة خمسين، وصلّى عليها سعيد بن العاص ﵁، وقيل: إنها اخر أمهات المؤمنين موتا.
١٠- ثم تزوج ﷺ بميمونة بنت الحارث بن حزن (بفتح الحاء المهملة وسكون الزاى وبالنون) بن بجير (بضم الباء المواحدة وفتح الجيم وسكون الياء) بن الهزم (بضم الهاء وفتح الزاي) وهي التى وهبت نفسها للنبى ﷺ، وقيل الواهبة نفسها خولة بنت حكيم، ويجوز أن تكون وهبتا أنفسهما، فلا تضاد. وكانت قبله تحت أبى رهم بن عبد العزّي، وتوفّى عنها وتزوجها رسول الله ﷺ سنة سبع، وماتت سنة ثمان وثلاثين، وقيل غير ذلك، قال الشعبي: أقام رسول الله ﷺ بمكة حين خرج لعمرة القضاء ثلاثة أيام، فبعث إليه حويطب بن عبد العزّي: «إنّ أجلك قد مضى وانقضى الشرط، فاخرج من بلدنا» فقال له سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل: كذبت؛ البلد بلد رسول الله ﷺ وابائه، فقال ﷺ: مهلا يا سعيد، فقال حويطب: أقسمت عليك لما خرجت. فخرج وخلف أبا رافع، وقال: ألحقنى بميمونة. فحملها على قلوص، فجعل أهل مكة ينفرون بها، ويقولون: لا بارك
[ ٤٦٦ ]
الله لك. فوافي رسول الله ﷺ بسرف، وكان دخول رسول الله ﷺ بسرف، وهى علي أميال من مكة. وهى اخر امرأة تزوجها رسول الله ﷺ، واخر من توفي من أزواجه ﷺ ورضى عنهن، وصلّى عليها عبد الله بن عباس، ونزل في قبرها.
وهؤلاء التسعة من سودة إلي ميمونة اللاتى توفى ﷺ وهنّ في عصمته، خمس منهن من قريش: عائشة، وحفصة، وأم حبيبة (رملة بنت أبى سفيان) وسودة بنت زمعة، وأم سلمة، واسمها هند، وثلاث من العرب غير قريش:
ميمونة بنت الحارث، وزينب بنت جحش، وجويرية بنت الحارث، ومن غير العرب: صفية بنت حييّ، وإليهن أشار الحافظ أبو الحسن بن الفضل المقدسى بقوله:
توفى رسول الله عن تسع نسوة إليهنّ تعزي المكرمات وتنسب
فعائشة، ميمونة، وصفية وحفصة، تتلوهن هند وزينب
جويرية مع رملة، ثم سودة ثلاث وست: ذكرهن مهذّب
ثم تزوج ﷺ زينب بنت خزيمة كانت تسمي في الجاهلية أم المساكين؛ لإطعامها إياهم. وكان زواجها سنة ثلاث من الهجرة، وكانت تحت عبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف، فقتل يوم بدر شهيدا، فتزوجها النبى ﷺ، فلم تلبث إلا يسيرا شهرين أو ثلاثة، وتوفيت ودفنت بالبقيع، ولم يمت من أزواجه في حياته إلا هى وخديجة ﵄.
ثم تزوج ﷺ فاطمة بنت الضحّاك الكلابية بعد وفاة ابنته زينب، وخيّرها حين نزلت اية التخيير، وهي قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها (٢٨) [الأحزاب: ٢٨]، فاختارت الدنيا، ففارقها، وكانت بعد ذلك تلتقط البعر، وتقول: «أنا الشقية اخترت الدنيا!» .
وتزوّج ﷺ بشراف الكلبية (بفتح الشين المعجمة وتخفيف الراء والفاء) بنت خليفة، وأخت دحية بن خليفة الكلبي، تزوّجها النبى ﷺ ولم يدخل بها.
[ ٤٦٧ ]
وتزوّج ﷺ أسماء بنت النعمان بن أبى الجون (بفتح الجيم وبالنون) بن الحارث الكندية، وطلّقها قبل أن يدخل بها.
وتزوج ﷺ امرأة من غفار، فلما نزعت ثيابها رأى بها بياضا، فقال: «الحقى بأهلك» .
وتزوج ﷺ بامرأة تميمية فلما دخل عليها قالت أعوذ بالله منك. فقال: «لقد استعذت بمعيذ الحقى بأهلك»، وقيل: إن بعض نسائه علّمها ذلك، وقالت: إنك تحظين به عنده، هكذا قاله بعض أرباب السير، وهو بعيد لأن المعلّمة سبّابة، ولا يليق بحال أزواجه السباب.
وتزوج ﷺ عالية بنت ظبيان، وقيل اسمها سبا (بالسين المهملة وبالباء المواحدة) السليمية، وقيل بالنون، ماتت قبل أن تصل إليه.
وتزوج ﷺ مليكة الليثية بنت كعب الليثي، فلما دخل عليها قال: هبى لى نفسك، فقالت: وهل تهب الملكة نفسها للسوقة؟! فسرّحها.
وخطب ﷺ امرأة من مرّة، فقال أبوها إن بها برصا، ولم يكن، فرجع فإذا هى برصاء.
وخطب ﷺ امرأة من أبيها، فوصفها له، وقال: أزيدك أنها لم تمرض قط، فقال: «ما لهذه عند الله من خير»، فتركها، وقيل إنه تزوجها، فلما قال أبوها ذلك طلّقها، ولم يبن بها.
وتزوج ﷺ) خولة بنت الهذيل، فماتت في طريق الشأم، وقبل وصولها إليه.
وتزوج ﷺ بأم شريك، وفارقها ﷺ، وفي الدخول بها خلاف.
وذكر أبو سعيد في «شرف النبوة» أن جملة أزواج النبى إحدى وعشرون، طلّق منهن ستا، ومات عنده خمس، وتوفى عن عشر [منهن] واحدة لم يدخل بها، وكان ﷺ يقسم لتسع، وكان صداقه لنسائه خمسمائة درهم لكل واحدة، وهذا أصحّ ما قيل، إلا صفية فإنه جعل عتقها صداقها، وأم حبيبة أصدقها عنه النجاشى أربعمائة دينار.
[ ٤٦٨ ]
وأما سراريه ﵊ فأربع: مارية القبطية، وريحانة بنت شمعون النسطورية، وجميلة أصابها في السبي، وجارية وهبتها له زينب بنت جحش.
فهؤلاء زوجاته ﷺ وسراريه، وهنّ أمهات المؤمنين، وكلهن فاضلات طيبات طاهرات، وكما فضّل الله تعالى أصحابه علي سائر الأصحاب ورفع بعضهم فوق بعض درجات، كذلك فضّل زوجاته علي سائر الزوجات، ورفعهن فوق بعض درجات، لقوله تعالى: يا نِساءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنَ النِّساءِ (٣٣) [الأحزاب:
٣٢]، فكما أن أفضل الصحابة أبو بكر الصديق ﵁، كذلك أفضل أزواج النبى ﷺ بعد خديجة عائشة بنت الصديق رضي الله تعالى عنهما، فكيف لا وهى التى نزلت براءتها في سورة النور!. وقال ﷺ: «أحبّ النساء إليّ عائشة، ومن الرجال أبوها»، وقال ﷺ: فضل الثريد علي الطعام كفضل عائشة علي النساء» «١» ضرب المثل بالثريد لأنه أفضل طعامهم، ولأنه ركب من خبز ولحم ومرقة، ولا نظير له في الأطعمة، ثم أنه جامع بين الغذاء واللذة والقوة وسهولة التناول وقلة المؤنة في المضغ، وسرعة المرور في الحلقوم.
والصواب أن الحاجة للخبز أعمّ، واللحم أفضل، وهو أشبه بجوهر البدن من كل ما عداه، وخصّ رسول الله المثل بالثريد إيذانا بأن عائشة جمعت مع حسن الخلق وحسن الحديث، وحلاوة المنطق، وفصاحة اللهجة، وجودة القريحة، ورزانة الرأى ورصانة العقل التحبّب إلى البعل، ومن ثم عقلت منه ما لم يعقل غيرها من نسائه، وروت عنه ما لم يرو مثلها من الرجال والنساء، وقد خصّت علي نساء النبى ﷺ بعشر خصال؛ فيما روى عروة بن الزبير رضي الله تعالى عنهما، قال: «سمعت خالتى عائشة رضى الله تعالى عنها تقول: خصصت على نساء النبى بعشر خصال: تزوّجنى بكرا ولم يتزوج بكرا غيري، وأسلم أبي وجدى وأمى وأم أبى وإخوتى وأخواتي، وأنا حبيبته من النساء، وأبى وزيره وحبيبه من الرجال، ومات في صدري، وقبض في يومي، ودفن في حجرتى، وأمرنى بالمقام عنده كيلا أفارقه، فأنسى به ميّتا كأنسى به حيّا، وفي كل يوم
_________________
(١) والمعروف من الحديث: «فضل عائشة على النساء، كفضل تهامة علي سائر الأرض، وفضل الثريد على سائر الطعام» رواه أبو نعيم في فضائل الصحابة.
[ ٤٦٩ ]
أسلّم عليه عند الصباح، وأعلم أنه يسمعنى فأسمع في قلبى ردّ السلام، وكم ليلة رأيته في المنام، وهو يقول: «يا عائشة أقرئى أصحابى السلام، فأصبح وأبلّغهم سلامه، ومات وهو راض عنّي، وورّثنى علمه، فأنا عالمة الأمة، ولى الهجرة والسبق إلي الإسلام، ولا أشركت بالله طرفة عين، ولا رأيت بعينى صنما منذ خلقت، ولا كتب الملك عليّ ذنبا؛ إذ ربيت في حجر الصديق، ثم انتقلت إلى حجر الصادق، وصلّيت إلى القبلتين، وما نزل الوحى في لحاف غيري، ورأيت جبريل، وكان رفيقى ليلة هجرتى ورأيته على صورة دحية الكلبى، وأعطيت شطر العلم، وكان لكل امرأة من نسائه يوم وليلة ولي يومان وليلتان، وصوّر الله صورتى في الجنة في سندسة خضراء، وأهدانى إلى حبيبه محمد ﷺ، وأمره بزواجي، فقاضيّ رب العالمين، ووليّى أبو بكر خاتم الصديقين، وبعلى محمد الصادق الأمين، خاتم المرسلين، وأنا أفضل أمهات المؤمنين» .
وفي علم عائشة قال رسول الله ﷺ: «خذوا شطر علمكم من الحميراء» تصغير حمراء ومعناها البيضاء، قال قوم: الشطر هو النصف؛ لأن نصف الشيء شطره، وقال قوم «الشطر هو الكل» وقال ﵊: «عائشة عالمة هذه الأمة» ولذلك كان أكابر الصحابة يأتون إليها ويسألونها عمّا أشكل عليهم من الفرائض، كما روى عن أبى موسى الأشعرى قال: «ما أشكل علينا- أصحاب رسول الله- حديث قط وسألنا عنه عائشة إلا ووجدنا عندها منه علما» ولقد سئل عروة بن الزبير عن علم عائشة فقال: والله ما رأيت امرأة أعلم بالفرائض والسنن والتنزيل والتأويل من عائشة ﵂، حتى أشعار العرب وأيامهم وأنسابهم والطب والأدوية، فقلت لها: من أين لك علم الطب والأبدان؟ فقالت: من رسول الله ﷺ؛ كان إذا مرض يتداوي، وإذا مرضت يصف لى فأبرأ، وإذا سئل يصف للمرضي، فتعلمت منه، فقلت: ومن أين لك معرفة بأنساب العرب وأيامها وأشعارها؟ قالت: فو الله يا ابن أختى ما سمعت أذنى شيئا فيه نفع للناس إلا حفظته ولا أنساه. وقال عروة: والله ما ندمت على شيء قط أشدّ منى ندما على ما فاتنى من علم عائشة ﵂، وما الذى يمنعها وقد ربّاها أعلم
[ ٤٧٠ ]
العلماء، وأحكم الحكماء، وأفصح الفصحاء رسول الله ﷺ، وأبوها علّامة قريش، المفتى في حضرة النبى، و«الولد سر أبيه» .
وأما فصاحتها فيما رواه علي بن أبى طالب كرّم الله وجهه أنه قال: دخلت على عائشة ﵂ بعض الأيام، فرأيتها جالسة وعليها قميص مرقّع، فحمدت الله تعالى بما هو أهله، وثنّت بالصلاة على نبيه، وذكر بعض ما وهبه الله تعالى من فضله، وأثنت على أبى بكر وعمر وعثمان بما كان فيهم من العدل والإحسان، ثم حضّت بالاقتداء بهم واتّباع أمرهم، فو الله ما سمعت أذنى من سائر النساء أفصح منها وأنظم من كلامها ولا أرشد من رأيها، فقلت لها:
أنت والله أمّ المؤمنين حقّا، والعالمة بالله ورسوله، الناصحة المشفقة الواعظة المبلّغة، دللت الناس علي الحق، وأمرتهم باتباعه، ونهيتهم عن حظ أنفسهم، وأنت أهل أن يسمع قولك، ويطاع أمرك، ويقبل نصحك. ثم قمت وخرجت واضعا يدى على كتف ذكوان، وقلت: والله يا ذكوان، ما سمعت أذنى خطيبا من أكثر الصحابة أفصح من عائشة، ولا أبلغ من موعظتها، فلو كانت إمرة لامرأة بعد النبوّة، لاستحقت عائشة الخلافة» «١» .
روى عن الأحنف بن قيس أنه قال: سمعت كلام أبى بكر حتّى مضي، وكلام عمر بن الخطاب ﵁ حتّى مضي، وكلام عثمان بن عفانرضي الله عنه- حتى مضي، وكلام علي بن أبى طالب رضى الله تعالى عنه حتى مضي، ولا والله- ما سمعت فيهم أبلغ من عائشة ﵂.
وأما شفقتها ورحمتها لعصاة هذه الأمة، فمما ورد من ذلك ما رواه عروة بن الزبير رضى الله تعالى عنه: لما نزل قوله تعالى النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ [الأحزاب: ٦] قالت عائشة رضى الله تعالى عنها: يا رسول الله وأنا أم المؤمنين؟ فقال: أنت أفضل أمهات المؤمنين، فقالت: والذى بعثك بالحق رسولا؛ إن أمهلنى ربى يوم القيامة لا دخلت الجنة حتّى يدخل معى
_________________
(١) هذا هو علي بن أبى طالب يصف أم المؤمنين بهذا الوصف، فماذا يقول الشيعة؟!!
[ ٤٧١ ]
أولادي. فنزل جبريل ﵇ وقال: «يا رسول الله قل لعائشة أبشري، كلّ من أحبّك وأحبّ أباك واقتدى بكما وأقرّ بفضلكما فهو معكما في الجنة» . فإن صحّ حديث عروة هذا كان نصّا في فضلها- رضى الله تعالى عنها- وإلا، بأن كان ضعيفا، جاز الاستدلال به على المناقب.
وقول الله تعالى وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ سواء من مات عنها أو ماتت وهى تحته: فى تحريم نكاحهن، ووجوب احترامهن، لا في نظر ولا خلوة، ولا يقال بناتهن أخوات المؤمنين، ولا اباؤهن وأمهاتهن أجداد وجدات، ولا إخوتهن ولا أخواتهن أخوال وخالات، كذا في المواهب.
وقال الرملى في «شرح المنهاج»: «تحرم زوجاته ﷺ على غيره ولو مطلّقات ومختارات فراقه، ولو قبل الدخول» . «ونقل في الشرح المذكور أيضا أن الأمة التى وطئها تحرم على غيره، واعتمده، وإنما حرمت على غيره لأنه ﷺ حيّ فى قبره، أو رعاية لشرفه، ولأنهن أزواجه في الجنة، والمرأة في الجنة مع اخر أزواجها، ولأنهن أمهات المؤمنين، كما أفاده الشمس الخطيب في تفسيره، انتهي.
والمراد أمهات المؤمنين الرجال دون النساء؛ لحديث مسروق أن امرأة قالت لعائشة ﵂: يا أمّه، فقالت: «لست لك بأم، إنما أنا أمّ رجالكم» .
فالمراد بالأمومة تحريم نكاحهن على التأبيد كالأمهات.
وبالجملة فقد ربيت السيدة عائشة في صدر الرسول، وبلغت من الفضل والعلم كل مسئول، وتوّجت دنيا وأخرى بتاج القبول، ويأبى الله أن يجمع حبّها وحبّ فاطمة في قلب جهول مغلول، فهى سيدة نساء العالمين، حبيبة الرسول، ولا يفضلها إلا إن كان من جهة البضعة النبوية فاطمة البتول. وقد أنشد الإمام العالم الكامل الشيخ كمال الدين بن العديم، قاضى حلب الشهباء ﵀ في مدح الصدّيقة بنت الصديق عائشة رضي الله تعالى عنها وعن أبيها، وذكر فضلها والرد على من انتقصها أو بغضها مترجما بذلك عن قولها ﵂، فقال:
[ ٤٧٢ ]
ما شأن أم المؤمنين وشاني هدي المحبّ لها وضلّ الشاني
إنّى أقول مبيّنا عن فضلها ومترجما عن قولها بلساني
يا مبغضى لا تأت قبر محمّد البيت بيتى والمكان مكاني
إنّى خصصت على نساء محمّد بصفات برّ تحتهن معاني
وسبقتهن إلى الفضائل كلّها فالسّبق سبقى والعنان عناني
قبض النّبيّ ومات بين ترائبي واليوم يومى والزمان زماني
زوجى رسول الله لم أر غيره الله زوّجنى به وحباني
وأتاه جبريل الأمين بصورتي فأحبّنى المختار حين راني
وتكلّم الله العظيم بحجّتي وبراءتى في محكم القران
والله عظّمنى وعظّم حرمتى وعلى لسان نبيّه برّاني
والله في القران قد لعن الذي بعد البراءة بالقبيح رماني
إنى لمحصنة الإزار بريّة ودليل حسن براءتى إحصاني
الله خصّصنى بخاتم رسله وأزلّ أهل الكفر والطغيان
وسمعت وحي الله عند محمّد من جبرئيل ونوره يغشاني
أوحى إليه وكنت تحت ثيابه فحنى عليّ بثوبه وخباني
من ذا يفاخرنى وينكر صحبتي ومحمد في حجره ربّاني
وأنا ابنة الصدّيق صاحب أحمد وحبيبه في السرّ والإعلان
وأخذت عن أبويّ دين محمد وهما على الإسلام مصطحبان
فالفخر فخري، والخلافة في أبي حسبى بهذا مفخرا وكفاني
وأبي أقام الدين بعد محمّد فالنّصل نصلى والسنان سناني
نصر النبيّ بماله وبنفسه وخروجه معه من الأوطان
ثانيه في الغار الذى سدّ الكوي بردائه أكرم به من ثاني
وجفا الغنى حتّى تخلّل بالعبا زهدا وأظعن أيّما إظعان
وتخلّلت معه ملائكة السما وأتته بشرى الله بالرضوان
وهو الذى لم يخش لومة لائم في قتل أهل الكفر والطغيان
[ ٤٧٣ ]
قتل الذى منع الزكاة بجهله وأذلّ أهل البغي والعدوان
سبق الصحابة والقرابة بالهدي هو شيخهم في العدل والإحسان
والله ما سبقوا لمثل فضيلة مثل استباق الخيل يوم رهان
إلا وصار أبى إلى عليائها فمكانه منهم أجلّ مكان
وإذا أراد الله نصرة عبده من ذا يطيق له علي خذلان
جمع الإله المؤمنين على أبي واستبدلوا من خوفهم بأمان
من حبّنى فليجتنب من سبّني إن كان صان محبّتى ورعاني
وإذا محبّى قد ألمّ بمبغضي فكلاهما في بغضنا سيّان
إنى لطيّبة خلقت لطيب ونساء أحمد أطيب النسوان
والله حبّبنى لقلب نبيّه وإلى الصراط المستقيم هداني
إنّى لأمّ المؤمنين فمن أبي حبّى فسوف يبوء بالخسران
والله يكرم من أراد كرامتى وبهين ربّى من أراد هواني
والله أسأله زيادة فضله وحمدته شكرا لما أولاني
يا من يلوذ بأهل بيت محمّد يرجو بذلك رحمة الرحمن
صل أمّهات المؤمنين ولا تحد عنى فتسلب حلّة الإيمان
ويل لعبد خان ال محمد بعداوة الأزواج والأختان
أكرم بأربعة أئمّة شراعنا فهم لبيت الدين كالأركان
نسجت مودتّهم سدّى في لحمة بنيانها من أثبت البنيان
رحماء بينهم صفت أخلاقهم وخلت قلوبهم من الأشنان
الله ألّف بين ودّ قلوبهم في بغض كل منافق طعّان
طوبى لمن والى جماعة صحبهم فسبابهم سبب إلى الحرمان
خذها إليك فإنما هى روضة محفوفة بالرّوح والريحان
تجلى النفوس إذا تلاها مسلم وعلى الروافض لعنة الرحمن
صلّى الإله على النبيّ واله فبهم تتمّ أزاهر البستان
والتابعين وتابعيهم ما شدت في دوحة ورق على الأغصان
[ ٤٧٤ ]
وقد تقدّم ذكر أولاده ﷺ في الفصل الثالث من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثاني.
وأما أعمامه ﷺ فاثنا عشر، وهم أولاد عبد المطلب.
الأوّل: الحارث، وبه يكنى عبد المطلب؛ لأنه أكبر ولده، وولد ولده جماعة لهم صحبة من النبى ﷺ، منهم: أبو سفيان بن الحارث أسلم عام الفتح، وشهد حنينا، وقال في حقه النبى ﷺ: «أبو سفيان سيد فتيان الجنة»، ونوفل بن الحارث هاجر وأسلم أيام الخندق، وله عقب. وعبد شمس بن الحارث، وسماه رسول الله ﷺ عبد الله. وقثم مات صغيرا.
الثاني: قثم هو أخو الحارث لأمه.
الثالث: الزّبير (بفتح الزاى بوزن أمير) ويكنى بأبى الحارث، وكان من صناديد قريش، وابنه عبد الله ابن الزبير، شهد حنينا وثبت يومئذ، واستشهد بأجنادين، وذكر أنه وجد إلى جنبه سبعة قد قتلهم وقتلوه. وكان سيدا شريفا شاعرا، وهو أوّل من تكلّم في حلف الفضول ودعا إليه، وكان سبب ذلك الحلف أن الرجل من العرب أو العجم كان يقدم بالتجارة، فربما ظلم بمكة، فقدم رجل من زبيد بسلعة، فباعها من العاص بن وائل السهمي، فظلمه فيها وجحده ثمنها، فناشده بالله فلم ينفعه، فنادى ذات يوم عند طلوع الشمس وقريش في أنديتها:
يا ال فهر لمظلوم بضاعته ببطن مكّة نائى الحىّ والنّفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرته يا ال فهر، وبين الركن والحجر
وقال أيضا:
يال قصىّ كيف هذا في الحرم وحرمة البيت وأخلاق الكرم
أظلم لا يمنع منّى من ظلم
[ ٤٧٥ ]
فقال الزبير: ما لهذا يترك «١»؟! فجمع إخوته واجتمعت بنو هاشم وبنو المطلب، وبنو أسد بن عبد العزّى، وبنو زهرة في دار أبى زهير: عبد الله بن جدعان القرشي، فتحالفوا ألّا يجدوا بمكة مظلوما إلا نصروه ورفدوه «٢» وأعانوه، حتى يؤدّى إليه حقّه، وينصفه ظالمه من مظلمته «٣»، وعادوا عليه بفضول أموالهم ما بلّ بحر صوفة. وشهد رسول الله ﷺ ذلك الحلف، وكان يقول: «ما سرّنى بحلف شهدته في دار عبد الله بن جدعان حمر النعم»، فسمّي الحلف حلف الفضول؛ لبذلهم فضول أموالهم، وتكلّفهم فضولا لا تجب عليهم، وقام الزبير ومن معه بأمر الزبير حتّى أنصفه العاص بن وائل، ومات الزبير ورسول الله ﷺ ابن بضع وثلاثين سنة، وكان للزبير بنت يقال لها أم الحكم، وكانت رضيعة النبى ﷺ.
* الرابع: حمزة بن عبد المطلب، أسد الله وأسد رسوله، وأخوه من الرضاعة، وأسلم قديما وهاجر إلى المدينة، وشهد بدرا، وقتل يوم أحد شهيدا ولم يكن له إلا ابنه الفضل.
* الخامس: العباس، أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة، وكان أسنّ من النبى ﷺ بثلاث سنين، وقيل بسنتين، وكان له من الولد: الفضل، وهو أكبر ولده، وبه كان يكنى، وعبد الله، وعبيد الله، وقثم، ولهم صحبة، وكان لهم السقاية وزمزم، دفعهما لأبيهم العباس النبيّ ﷺ يوم الفتح، توفى سنة اثنتين وثلاثين في خلافة عثمان ﵁ في المدينة، بعد أن كفّ بصره.
* السادس: أبو طالب، واسمه عبد مناف، وهو أخو عبد الله أبى النبى ﷺ من أمه، ومات على دين قومه، وفيه قال بعضهم:
أبا طالب ما أنت قرن لحمزة لأنّكما في الدين مختلفان
دعاك النّبيّ الهاشميّ فلم تجب وحمزة لبّاه بكلّ لسان
_________________
(١) يعنى كيف يترك هذا؟!
(٢) من الرفادة: أي الإكرام والضيافة.
(٣) أى يرغم الظالم على أن يردّ له مظلمته.
[ ٤٧٦ ]
وعاتكة صاحبة الرؤيا في بدر، أخت عبد الله وأبى طالب لأمهما، وأمهم فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم.
ولأبى طالب من الولد: طالب، ومات على دين قومه، وعقيل، وجعفر، وعلي، وأم هانيء، وجمانة، واسم أم هانيء: فاختة، وقيل هند، وقيل فاطمة، أسلموا ولهم صحبة. وسائر بنى أبى طالب أمّهم فاطمة بنت أسد بن هاشم التى أسلمت بعد موت زوجها بمكة، وكان النبى ﷺ يدعوها إلى الإسلام فتأباه وتقول: «إنى لأعلم منك صدقا وخيرا، ولكنى أكره أن أموت إلا على دين غمك» . إلى أن أسلمت في مرضها.
وكان أبو طالب منيعا عزيزا في قريش، وكانت قريش تطعم، فإذا أطعم أبو طالب لم يطعم يومئذ أحد غيره، ومن كلامه:
منعا الرسول رسول الملي ك ببيض تلألأ مثل البروق
أذبّ وأحمى رسول الملي ك حماية عمّ عليه شفيق
* السابع: أبو لهب بن عبد المطلب، واسمه عبد العزّى، كناه أبوه بذلك لحسن وجهه.
وأولاده: عتبة، وعتيبة، ومعتب، أسلما يوم «١» الفتح ولم يهاجرا من مكة، وعتيبة لم يسلم، قتله الأسد بالزرقاء من الشأم بدعوة النبى ﷺ «٢»، وسبيعة، وبعضهم عدّ من أولاده «درّه» ولعلها لقب لسبيعة، ولهم صحبة.
وأما عزة وخالدة فلم تثبت لهما رواية.
* الثامن: عبد الكعبة، واسمه «المغيرة» ولقبه «حجل» (بفتح الحاء المهملة وسكون الجيم وباللام، وفي كتاب عبد البر تقديم الجيم علي الحاء وقد صحّح عليه) وهو أخو العباس لأمه.
* التاسع: الغيداق بن عبد المطلب (بفتح الغين المعجمة وسكون الياء التحتية
_________________
(١) الضمير في قوله: «أسلما» يرجع إلى عتبة ومعتب» .
(٢) قال ﵊: «اللهم سلّط عليه كلبا من كلابك» وبه استدلوا على أن الأسد من فصيله الكلاب.
[ ٤٧٧ ]
وبالدال المهملة والقاف) لقّب بذلك لجوده، وكان أكثر قريش مالا، واسمه «مصعب» وقيل «نوفل» .
* العاشر: ضرار بن عبد المطلب (بكسر الضاد المعجمة وتخفيف الراء الأولى) وهو شقيق العباس.
* الحادى عشر: المقوّم (بضم الميم وفتح القاف وتشديد الواو مفتوحة ومكسورة) ويكنى أبا بكر.
وروى ابن ماجه بسنده عن علي بن صالح، قال: كان ولد عبد المطلب عشرة كل واحد منهم يأكل الجذعة «١» اهـ.
فهم عشرة بدون عدّ قثم الذى مات صغيرا، وقد ذكر الخلاف في عددهم قلة وكثرة في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من هذا الكتاب.
ولم يدرك الإسلام منهم غير أربعة: أبو طالب، وأبو لهب، وحمزة، والعباس، وفضلهما «٢» مشهور، وحبّه ﷺ لهما مما ذاع عند جميع الناس.
وأما عماته ﷺ: فأولاهن صفية بنت عبد المطلب، شقيقة حمزة، أسلمت وهاجرت، وهى أم الزبير بن العوام، توفيت بالمدينة في خلافة عمر بن الخطاب ﵁، وهى أخت عبد الله لأبيه، وشقيقة حمزة.
الثانية: عاتكة بنت عبد المطلب، قيل إنها أسلمت، وهى صاحبة الرؤيا في بدر، وكانت عند أبى أمية بن عبد الله بن مخزوم، ولدت له عبد الله، أسلم وله صحبة.
الثالثة: أروي: وكانت تحت عمير بن وهب بن عبد الدار بن قصي، فولدت له ولدا كان من المهاجرين، قتل شهيدا في بدر، وقيل بأجنادين، وليس له عقب.
الرابعة: أميمة، كانت تحت جحش بن رباب بن يعمر، فولدت له عبد الله بن جحش، وزينب زوج النبى ﷺ، وحمنة، وحبيبة، كلهم له صحبة، وعبد الله بن جحش أسلم ثم تنصّر ومات بالحبشة «٣» .
_________________
(١) الجذعة: الصغير من البقر والغنم
(٢) الضمير يعود إلى حمزة والعباس.
(٣) مات على النصرانية.
[ ٤٧٨ ]
الخامسة: برّة، كانت تحت عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، ولدت له أبا سلمة، واسمه «عبد الله» وكان زوج أم سلمة قبل النبى ﷺ، وتزوج برة بعد عبد الأسد أبو رهم بن عبد العزى بن قيس، فولدت له «أبا سبرة» ابن أبى رهم.
السادسة: أم حكيم، واسمها «البيضاء» وكانت عند كريز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس بن عبد مناف، فولدت له: «أروى» بنت كريز، وهى أم عثمان بن عفان. ولم يسلم منهن بلا خلاف غير «صفية» وشهدت الخندق، وقتلت رجلا من اليهود، فضرب لها ﵊ بسهم، واختلف في إسلام أروى وعاتكة، وإلى إسلامها ذهب أبو جعفر العقيلي، وعدّهما في الصحابة.
وأما أخواله ﷺ فأربعة:
الأوّل: عبد بن يغوث، والثاني: عبيد بن يغوث، وهما من صفية زوجة وهب، أبى امنة، فهما أخواها لأبيها، ذكر ذلك الزبيدى في أنساب قريش، وكان معاصرا للبخاري، ولم يثبت فيهما الإسلام.
والثالث: الأسود بن وهب. والرابع: عمير بن وهب، وكانا صحابيين، ذكرهما السخاوى في المقاصد الحسنة، وابن حجر في الإصابة في معرفة الصحابة.
وروى أن عميرا أتى للنبى ﷺ فبسط له رداءه، فقال: كيف أجلس على ردائك يا رسول الله؟ فقال ﷺ: «نعم، إنما الخال أب»، وكذلك وقع لخاله «الأسود ابن وهب» كما ذكره السخاوى في المقاصد.
ولم يكن لعبد الله ولا لامنة ولد غير النبى ﷺ، فلذلك لم يكن له أخ، ولا أخت، كذا في الذخائر.
* وأما مواليه ﷺ من الرجال فهم فوق الثلاثين رجلا:
فمنهم زيد بن حارثة بن شرحبيل، ويقال ابن شراحيل (الكلبى) بن عبد العزّى بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عبد ودّ، وأم زيد هذا هى «سعدي» بنت ثعلبة (من طىء)، وقد كانت سعدى زارت قومها، فأغارت خيل
[ ٤٧٩ ]
لبنى القين في الجاهلية، ومرّوا على أبيات بنى معن، فاحتملوا زيدا وهو يومئذ غلام، فوافوا به سوق عكاظ، فاشتراه منهم حكيم بن حزام بن خويلد لعمته خديجة بنت خويلد بأربعمائة درهم، فلما تزّوجها رسول الله ﷺ استوهبه منها فوهبته له، فقبضه رسول الله ﷺ وأعتقه وتبنّاه، كما سيأتي، وكان يقال له زيد ابن محمد، وكان عمره ثمان سنين، وكان حارثة أبو زيد قال فيه حين فقد أبياتا منها:
بكيت على زيد ولم أدر ما فعل أحيّ فيرجى أم تخرّمة الأجل
فو الله ما أدرى وإن كنت سائلا أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل
فياليت شعرى هل لك الدهر رجعة فحسبى من الدنيا رجوعك لى يحلّ «١»
تذكّرنيه الشمس عند طلوعها ويعرض ذكراه إذا عارض الطّفل «٢»
وإن هبّت الأرواح «٣» هيّجن ذكره فيا طول أحزانى عليه ويا وجل
سأعمل نصّ «٤» العيس في الأرض جاهدا ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل
حياتى أو تأتى عليّ منيّتي وكلّ امري فان وإن غرّه الأمل
سأوصى به عمرا وقيسا كليهما وأوصى يزيدا ثمّ من بعده جبل
يعنى جبلة بن حارثة أخا زيد، وكان أكبر من زيد، ويزيد كان أخا زيد لأمه، وهو يزيد بن كعب بن شراحيل، فحجّ ناس من كلب، فرأوا زيدا فعرفهم وعرفوه، فقال لهم: أبلغوا أهلى هذه الأبيات؛ فإني أعلم أنهم قد جزعوا عليّ، فقال:
فانطلق الكلبيون، فأعلموا أباه حارثة بمكانه وأخبروه، فخرج حارثة وكعب ابنا شراحيل، وجبلة بن حارثة بفدائه، فقدموا مكة، فسألوا عن النبى ﷺ، فقيل:
هو في المسجد، فدخلوا عليه، فقالوا: يا ابن عبد الله وعبد المطلب وابن هاشم سيد قومه، أنتم حرم الله وجيرانه، تفكّون العاني، وتطعمون الضيف، جئناك في
_________________
(١) أى تعظيما.
(٢) الطفل: إقبال الليل والظلمة.
(٣) الأرواح: لغة في الرياح.
(٤) نص العيس: منتهى ما تصل إليه. العيس: الإبل الكريمة.
[ ٤٨٠ ]
ابننا عندك، فامنن علينا، وأحسن في فدائه إلينا، فقال رسول الله ﷺ: «فهلا غير ذلك، ادعوه فأخيّره، فإن اختاركم فهو لكم بغير فداء، وإن اختارنى فو الله ما أنا الذى أختار على من اختارنى شيئا»، فقالوا: قد زوّدتنا على النّصف «١» وأحسنت. فدعا رسول الله ﷺ زيدا فقال: أتعرف هؤلاء؟ فقال: نعم، أبى وأخي وعمي، فقال: «أنا من قد علمت، وقد رأيت صحبتي، فاخترنى أو اخترهم»، فقال: ما أنا بمختار عليك أحدا، أنت منّى مكان العم والأب. فقال له أبوه: ويحك يا زيد أتختار العبودية على الحرية وعلى أبيك؟ قال: نعم؛ قد رأيت من هذا الرجل شيئا ما أنا بمختار عليه أحدا. فلما رأى رسول الله ﷺ ذلك من زيد، أخرجه إلى الحجر، وقال لمن حضر: اشهدوا أن زيدا ابنى أرثه ويرثني. فطابت نفوسهم، فكان زيد يدعى: زيد بن محمد. حتى جاء الله ﷿ بالإسلام فزوّجه رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، وهى بنت عمة رسول الله ﷺ أميمة بنت عبد المطلب، فطلّقها زيد، وخلف عليها رسول الله ﷺ، فتكلم المنافقون وطعنوا في ذلك، وقالوا: محمد يحرّم نساء الولد وقد تزوج امرأة ابنه، فأنزل الله ﷿: ما كانَ مُحَمَّدٌ أَبا أَحَدٍ مِنْ رِجالِكُمْ وَلكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ وَكانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا [الأحزاب: ٤٠] . ونزلت: ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آباءَهُمْ فَإِخْوانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوالِيكُمْ «٢» فدعي يومئذ: زيد بن حارثة، ونسب كل رجل تبنّاه رجل من قريش إلى أبيه، مثل سالم مولى أبى حذيفة، وعامر بن ربيعة. وكان زيد يسمى «الحبّ» «٣» لأنه حبّ رسول الله ﷺ، فكان يقال: «الحبّ بن الحبّ»، وكان أسامة ابنه يدعى الرّدف لأن رسول الله ﷺ كان يردفه كثيرا؛ عن عروة عن أسامة أن النبى ﷺ ركب حمارا بإكاف «٤» على قطيفة، فأردف أسامة خلفه، وأتى سعد بن عبادة يعوده قبل وقعة بدر.
ولم يذكر في القران أحد من الصحابة باسمه إلا هو «٥»، كما أنه لم تذكر امرأة
_________________
(١) أى فعلت شيئا أكثر من الإنصاف.
(٢) الأحزاب: ٥.
(٣) بكسر الحاء، أى المحبوب.
(٤) البرذعة أو ما يقوم مقامها.
(٥) فى قوله تعالى: فَلَمَّا قَضى زَيْدٌ مِنْها وَطَرًا وكفاه هذا شرفا، وأيّ شيء أعظم من هذا؟
[ ٤٨١ ]
باسمها في القران إلا مريم.
ولم يزل زيد عند رسول الله ﷺ حتّى بعثه الله، فصدّقه وأسلم، وصلّى معه وشهد بدرا وأحدا والمشاهد، روى عنه ابنه أسامة، وابن عباس، والبراء بن عازب، وغيرهم ﵃.
* ومنهم ثوبان (بفتح الثاء وبالباء المواحدة) ابن بجدد (بضم الباء المواحدة وسكون الجيم وضم الدال المهملة) وهو من حمير (من اليمن) وله نسب فيهم، وقيل هو من السراة موضع بين مكة واليمن، وقيل هو من سعد العشيرة من مذجح، اشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، وقال له: «إن شئت أن تلحق بمن أنت منهم، وإن شئت أن تكون (من «١») أهل البيت؟» فثبت على ولاء رسول الله ﷺ، ولم يزل معه سفرا وحضرا إلى أن توفى رسول الله ﷺ. فخرج إلى الشأم، فنزل إلى الرملة وابنتى بها دارا، وابنتى بمصر دارا، وبحمص دارا، وتوفى بها سنة أربع وخمسين. وشهد فتح مصر، روى عن النبى ﷺ أحاديث ذوات عدد، روى عنه شدّاد بن أوس، وأبو إدريس الخولاني، ومعدان بن أبى طلحة، وأبو الأشعث الصنعاني، وأبو الخير اليزنى وغيرهم.
روي عن ثوبان أن رسول الله ﷺ قال: «إن الله زوى لى الأرض حتّى رأيت مشارقها ومغاربها، وأعطانى الكنزين: الأحمر والأبيض، وإنّ ملك أمتى سيبلغ ما زوى لى منها، وإنى سألت ربى لأمّتى ألايهلكها بسنة «٢» عامّة، وأن لا يسلّط عليها عدوّا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإنّ ربى قال لي: يا محمد إنى إذا قضيت قضاء، فإنه لا يردّ، وإني قد أعطيت لأمتك أنى لا أهلكهم بسنة عامة، وألاأسلّط عليهم عدوا من سوى أنفسهم فيستبيح بيضتهم، ولو اجتمع عليهم من أقطارها حتّى يكون بعضهم يهلك بعضا» .
وروى ثوبان أيضا عن رسول الله ﷺ أنه قال: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قيل: يا رسول الله أمن قلة نحن يومئذ؟ قال:
_________________
(١) ما بين القوسين وضعناه لإصلاح الكلام.
(٢) جدب وقحط.
[ ٤٨٢ ]
أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعنّ الله ﷿ المهابة عن صدوركم، وليقذفنّ الوهن في قلوبكم، قيل: يا رسول الله وما الوهن؟ قال: حبّ الدنيا وكراهة الموت» «١» .
قال النبى ﷺ: من يضمن لى خصلة أضمن له الجنة؟ قال ثوبان: أنا يا رسول الله. قال: «لا تسل الناس شيئا» . فكان ثوبان يقع سوطه من يده فلا يقول لأحد «ناولنيه» حتى ينزل فيأخذه، وكانت عائشة تقول: «تعهّدوا ثوبان؛ فإنه لا يسأل الناس شيئا» .
* ومنهم أسامة بن زيد بن حارثة السالف الذكر، ويكنى أبا محمد، أمه أم أيمن خاضنة النبى ﷺ، فهو وأيمن أخوان لأمّ، وهو مولى رسول الله ﷺ من أبويه.
روى ابن عمر أن النبى ﷺ قال: «إنّ أسامة بن زيد لأحبّ الناس إليّ، أو من أحب الناس إليّ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا» .
واستعمله النبى ﷺ وهو ابن ثمانى عشرة سنة على جيش، كما سيأتى بعد.
وروي عن عائشة ﵂، قالت: عثر أسامة بأسكفة الباب، فشجّ في وجهه، فقال لى رسول الله ﷺ: «أميطى عنه»، فكأنى تقذّرته، فجعل رسول الله ﷺ يمصّه ثم يمجّه.
وقال: «لو كان أسامة جارية لكسوته وحلّيته حتّى ينقه» «٢» .
ولما فرض عمر بن الخطاب ﵁ للناس، فرض لأسامة بن زيد خمسة الاف، وفرض لابنه عبد الله بن عمر ألفين، فقال ابن عمر: فضّلت عليّ أسامة، وقد شهدت ما لم يشهد! فقال: إن أسامة كان أحب إلى رسول الله منك، وأبوه أحب إلى رسول الله من أبيك.
_________________
(١) وفي رواية: «يوشك أن تتداعى عليكم الأمم كما تتداعى الأكلة إلى قصعتها، قالوا: أمن قلة نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: بل أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، ولينزعن الله المهابة من قلوب أعدائكم منكم وليقذفن في قلوبكم الوهن، قالوا: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: حبّ الدنيا وكراهية الموت» .
(٢) النقه هنا معناه: الفهم، والمقصود- والله أعلم- أى حتّى يبلغ ويفهم.
[ ٤٨٣ ]
ولم يبايع أسامة عليا ولا شهد معه شيئا من حروبه، وقال له أى لعليّ: «لو أدخلت يدك في فم تنين لأدخلت يدى معها، ولكنك قد سمعت ما قال لى رسول الله ﷺ حين قتلت ذلك الرجل الذى شهد ألاإله إلا الله»، وهو ما أخبرنا به أبو جعفر عبيد الله بن أحمد بن علي البغدادي، بإسناده عن يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدّثنى محمد بن أسامة بن محمد بن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن جده أسامة بن زيد، «قال أدركته (يعنى كافرا كان قتل في المسلمين في غزاة لهم) أنا ورجل من الأنصار، فلما شهرنا عليه السلاح، قال: أشهد ألاإله إلا الله، فلم نبرح عنه حتّى قتلناه، فلما قدمنا على رسول الله ﷺ أخبرناه خبره، فقال: يا أسامة من لك بلا إله إلا الله!! فقلت: يا رسول الله إنما قالها تعوذا من القتل، فقال: من لك يا أسامة بلا إله إلا الله!! فو الذى بعثه بالحق ما زال يرددها حتى وددت أن ما مضى من إسلامى لم يكن، وأنى أسلمت يومئذ، فقلت: أعطى الله عهدا ألاأقتل رجلا يقول لا إله إلا الله» «١» .
وروى محمد بن إسحاق، عن صالح بن كيسان، عن عبيد الله بن عبد الله، قال: رأيت أسامة بن زيد يصلّى عند قبر النبى ﷺ، فدعى مروان إلى جنازة ليصلّى عليها، فصلّى عليها، ثم رجع وأسامة يصلّى عند باب بيت النبي، فقال له مروان: «إنما أردت أن يرى مكانك، فعل الله بك»، وقال قولا قبيحا، ثم أدبر، فانصرف أسامة وقال: «يا مروان إنك اذيتني، وإنك فاحش متفحش، وإنى سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إن الله يبغض الفاحش المتفحش» «٢» .
وقال بعضهم: يجوز للامر بالمعروف والناهى عن المنكر والمؤدّب أن يقول لمن يخاطبه في ذلك الأمر: يا ضعيف الحال أو يا قليل النظر لنفسه، أو يا ظالم نفسه، وما أشبه ذلك، بحيث لا يتجاوز إلى الكذب، ولا يكون فيه لفظ قذف؛
_________________
(١) ومن مثل هذا يفهم أنّ الصحابة الذين امتنعوا عن القتال مع الإمام على ﵁ وكرم الله وجهه: إنما امتنعوا لعلل وأسباب أخرى، لا لكراهية القتال مع الإمام، ﵃ جميعا، وأن الذين خاضوا في أعراض الصحابة إنما ارتكبوا جرما وإجراما؛ نسأل الله السلامة والعافية.
(٢) رواه الإمام أحمد.
[ ٤٨٤ ]
لأن الغرض به التأديب والزجر، وليكون الكلام أوقع في النفس، لما روى أنس ﵁ أن النبى ﷺ رأى رجلا يسوق بدنة «١»، فقال: اركبها، فقال:
إنها بدنة، قال اركبها، قال: إنها بدنة، قال في الثالثة: «اركبها ويلك» . ولقول أبى بكر الصديق ﵁ لابنه عبد الرحمن لمّا لم يجده عشّى أضيافه: «يا غنثر» «٢» .
ونهى عن انتهار الفقراء والضعفاء واليتيم والسائل ونحوهم، بل يلين لهم القول ويتواضع معهم، لقوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩) وَأَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ [الضحي: ٩، ١٠] ولقوله تعالى: وَاخْفِضْ جَناحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ [الحجر: ٨٨] .
وكان أسامة أسود أفطس، وتوفى اخر أيام معاوية سنة ثمان أو تسع وخمسين، وقيل: توفى بعد قتل عثمان بالجرف، وحمل إلى المدينة.
روى عنه أبو عثمان، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة وغيرهما، أخرجه ثلاثتهم.
وقد ذكر ابن منده أن النبى ﷺ أمّر أسامة بن زيد على الجيش الذى سيّره إلى مؤتة في علته التى توفى فيها، وهذا ليس بشيء؛ فإن النبى ﷺ استعمل على الجيش الذى سار إلى مؤتة أباه زيد بن حارثة، فقال: «إن أصيب فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصاري، فإن أصيب فسيفتح الله على يدي رجل من المسلمين» وأشار بيده إلى خالد بن الوليد»
، فلما التقوا مع الروم وقتل زيد أخذ الراية جعفر، فقاتل حتى قطعت يده اليمنى، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله، فحضن الراية وقاتل حتّى قتل ﵁، ويقال: إنه وجد فيما أقبل من بدنه أربعة وخمسون جرحا، ما بين طعنة رمح وضربة بسيف، وقتل في ثمانية من الهجرة.
_________________
(١) بقرة.
(٢) الغنثرة: كثرة الشعر، وكلمة شتم.
(٣) ومنه تأخذ أن تأمير خالد على هذا الجيش، إنما كان أيضا بأمر رسول الله ﷺ.
[ ٤٨٥ ]
وأما أسامة: فإن النبى ﷺ استعمله على جيش، وأمره أن يسير إلى الشام أيضا، وفيهم عمر بن الخطاب ﵁، فلما اشتد المرض برسول الله ﷺ أوصى أن يسير جيش أسامة، فساروا بعد موته ﷺ، وليست غزوة مؤتة.
* ومنهم أبو كبشة: واسمه «سليم» من مولّدى السراة، وقيل من مولدى مكة، وقيل من أرض دوس. شهد بدرا وأحدا والمشاهد كلها، وأعتقه رسول الله ﷺ، وتوفى في أوّل يوم من خلافة عمر بن الخطاب ﵁.
* ومنهم «أنيسة» من مولّدى السراة، يكنى «أبا سرح»، اشتراه النبي ﷺ وأعتقه، قيل: قتل يوم بدر، وقيل: بل شهد يوم أحد، وتوفى في خلافة أبى بكر الصديق رضى الله تعالى عنه، وكان يأذن عيي النبى ﷺ.
* ومنهم شقران، واسمه «صالح»، قيل ورثه ﷺ من أبيه، وقيل: اشتراه من عبد الرحمن بن عوف، شهد بدرا وهو مملوك، فاستعمله رسول الله ﷺ على الأسرى ولم يسهم له، فأهداه كل رجل كان له أسير، فأصاب أكثر مما أصابه رجل من المقسم، وأعتقه) ﷺ. وكان «شقران» ممن نزل في قبر رسول الله ﷺ.
* ومنهم رباح، ويكنى «أبا أيمن» وهو عبد أسود نوبي، اشتراه ﷺ من وفد عبد القيس، وأعتقه، وكان يأذن على رسول الله ﷺ أحيانا، وهو الذى استأذن لعمر بن الخطاب رضى الله تعالى عنه على النبى لمّا اعتزل نساءه في المشربة (بفتح الميم هى الغرفة) ثم صيّره ﷺ مكان يسار حين قتل، فكان يقوم بأمر لقاحه*.
* ومنهم يسار الراعى النوبي، أصابه ﷺ في بعض غزواته، وأعتقه، وجعله فى لقاحه يرعاها، فأغار عليها قوم من «عرينة»، وأخذوا يسارا وقطعوا يديه ورجليه، وغرزوا الشوك في عينيه ولسانه، واستاقوا اللقاح، وأدخل المدينة ميتا.
فقام بأمر اللقاح بعده «رباح» كما سلف.
* ومنهم أبو رافع، واسمه «أسلم» كان عبدا قبطيا للعباس بن عبد المطلب، فلما بشّر رسول الله ﷺ بإظهار العباس إسلامه أعتقه وزوجه «سلمي» مولاته ﷺ،
_________________
(١) * اللقاح: جمع لقحة الناقة الحلوب الغزيرة اللبن.
[ ٤٨٦ ]
وولدت له عبيد الله. ووجّه رسول الله ﷺ أبا رافع مع زيد بن حارثة من المدينة لحمل عياله من مكة، وبشّر رسول الله ﷺ بولادة إبراهيم، فوهب له غلاما، وكانت سلمى زوجته قابلة «١» إبراهيم، وشهدت خيبر مع زوجها، وكان عبيد الله ابنه خازنا لعلى بن أبى طالب، أو كاتبا له أيام خلافته. وشهد أبو رافع أحدا والخندق وما بعدهما من المشاهد، ولم يشهد بدرا لأنه كان بمكة، كما تدلّ عليه قصته مع أبى لهب الاتية؛ قال أبو رافع: كنت غلاما للعباس، فأسلم العباس، وأسلمت أمّ الفضل وأسلمت، وكان العباس يهاب قومه ويكره خلافهم، وكان يكتم إسلامه، وكان ذا مال كثير متفرّق في قومه «٢» فلما جاء مصاب أهل بدر وجدنا فى أنفسنا عزة وقوّة، وكنت ضعيفا أعمل الأقداح وأنحتها في حجرة زمزم، فبينا أنا أنحت أقداحى وعندى أم الفضل جالسة، وقد سررنا بما جاءنا من خبر أهل بدر، أقبل أبو لهب فجلس، وجاء أبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، فقال أبو لهب: إليّ يا ابن أخي، ما خبر الناس؟ فقال: ما هو إلا أن لقيناهم حتّى منحناهم أكتافنا، ولقينا رجالا على خيل بلق «٣»، فقلت: تلك الملائكة. فلطمنى أبو لهب لطمة شديدة، وثاورته، فضرب بى الأرض، فقالت له أم الفضل: أراك تستضعفه أن غاب عنه سيده، وأخذت شيئا فضربته به فشجته، فقام ذليلا، فو الله ما عاش إلا سبع ليال حتّى رماه الله بالعدسة فقتله، وقد ترك حتّى أنتن وتباعد عنه بنوه، فبقي ثلاثا لا تقرب جنازته ولا يدفن، فلما خافوا السبّة دفعوه بعود في حفرته، ودفن بأعلى مكة، وقذفوا عليه الحجارة من بعد حتّى واروه بها، كما سبق في الفصل الأوّل من الباب الأوّل، وتوفى أبو رافع قبل عثمان، وقيل في خلافة عليّ ﵃. [و«العدسة»: بثر كانت تخرج على الناس، تزعم العرب أنها تعدي، شبيهة بالطاعون.]
وعلى ذكر ذلك فقد روي عن عبد الرحمن بن عوف قال: قال رسول الله ﷺ: «إذا كان الوباء بأرض وأنتم بها، فلا تخرجوا فرارا منه، وإذا سمعتم به
_________________
(١) يقصد قابلة أم إبراهيم أى التى قامت بتوليدها.
(٢) ذلك والله أعلم هو سر من أسرار إخفائه الإسلام حتّى يتمكن من جمع ماله من قريش.
(٣) بيضاء.
[ ٤٨٧ ]
بأرض فلا تقدموا عليه» . رواه الشيخان، وقد سبق التنويه إلى ذلك في «الفصل الأوّل من الباب الأوّل»، وفي نهيه ﷺ عن الدخول في الأرض التى حلّ بها الطاعون فائدتان، الأولى: لئلا يستنشقوا الهواء الذى قد عفن وفسد فيمرضون، والثانية: لئلا يجاوروا المرضى الذين قد مرضوا بذلك، فتتضاعف عليهم البلية لوجود الأمرين.
وقد روى عن النبى ﷺ أنه قال: «إنّ من القرف «١» التلف» (والقرف مداناة الوباء ومداناة المرض) .
وقوله: «فلا تدخلوا عليه» إثبات الحذر، والنهى عن التعرض للتلف، وفي قوله: «فلا تخرجوا فرارا منه» إثبات التوكل والتسليم لأمر الله؛ فأحد الأمرين تأديب وتعليم، والاخر تفويض وتسليم. وقال الحافظ الجوزي: «إنما نهى عن الخروج لأن الأصحّاء إذا خرجوا هلكت المرضى؛ فلا يبقى من يقوم بحالهم؛ فخروجهم لا يقطع بنجاتهم، وهو قاطع بهلاك من بقى؛ لقوله ﷺ «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا» «٢»، وقال ﷺ: «الله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه» . والوباء مرض عام، يفضى إلى الموت غالبا، وسببه فساد جوهر الهواء الذى هو مادة الروح وسبب لصلاحه، ولذلك لا يمكن حياة الإنسان بدون استنشاق، ومتى عدم الحيوان استنشاق الهواء وتنسّمه مات مختنقا. والوباء مضرّ بالأبدان مزيل لصحتها، معرّض لهلاكها، فلذلك نهاهم النبى ﷺ عن الدخول بأرض حلّ بها الوباء، فيحرم دخولها خوفا عليهم وتعليما لهم، وقال بعضهم: فى نهيه عن الخروج منها معنيان، أحدهما: ثقة بالله وتوكلا عليه، فيحرم ذلك بقصد الفرار، وقال الشيخ ابن سينا: يجب على كل محترز من الوباء أن يخرج عن بدنه الرطوبات الفضلية، ويقلّل الغذاء، ويميل إلى التدبير المجفّف من كل وجه، ويجتنب الرياضة والحمّام، فإنهما مما يجب أن يحذرا؛ لأن البدن لا يخلو غالبا من فضل رديء كان فيه، فيثيراه، وذلك يجلب بلية عظيمة، بل
_________________
(١) فى مختار الصحاح: القرف: مداناة المرض، وفي الحديث أن قوما شكوا إليه وباء أرضهم فقال «تحوّلوا، فإن من القرف التلف» .
(٢) رواه الترمذي، والنسائي، والبخارى ومسلم.
[ ٤٨٨ ]
يجب عند وقوع الوباء السكون والراحة وتسكين هيجان الأخلاط؛ إذ لا يمكن الخروج من أرض الوباء إلا بالحركة، وهى مضرة.
وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه خرج إلى الشام حتّى إذا كان ب «سرغ» لقيه أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء والطاعون قد وقع بالشام، قال ابن عباس: قال لى عمر: ادع لى المهاجرين الأوّلين.
فدعوتهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا، فقال بعضهم:
خرجت لأمر فلا نرى أن ترجع عنه، وقال اخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء والطاعون، فقال عمر: ارتفعوا عني، ثم قال: ادع لى الأنصار. فدعوا، فاستشارهم، فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني، فقال: ادع لى من ههنا من مشيخة قريش، من مهاجرة الفتح. فدعوا له، فلم يختلف عليه منهم اثنان، قالوا: نرى أن ترجع بالناس، ولا نرى أن تقدم على هذا الوباء والطاعون، فأذّن عمر في الناس: إنى مصبح على ظهر «١» فأصبحوا عليه. قال أبو عبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أفرارا من قدر الله! فقال: «لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!! نعم؛ نفرّ من قدر الله إلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة والاخرى جدبة، ألست إن رعيت رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟!» قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان متغيبا في بعض حاجته، فقال: إن عندى في هذا علما، وذكر الحديث المتقدم ذكره، فحمد الله ثم انصرف.
فعلمنا من هذه الأحاديث حكم النهى عن دخول بلد بها الطاعون والخروج منها بقصد الفرار منه، وعن أبى نعيم أن النبى ﷺ قال: «الطاعون شهادة لأمتى، ووخز أعدائكم من الجن، غدّة كغدّة الإبل تخرج في الاباط والمرافق، من مات فيه مات شهيدا، ومن قام فيه كان كالمرابط في سبيل الله، ومن فرّ منه كان كالفارّ من الزحف» رواه الطبراني «٢» .
_________________
(١) كناية عن أنه سيركب دابته مسافرا.
(٢) وروى مسلم عن أسامة بن زيد: «الطاعون اية الرجز، ابتلى الله به ناسا. وقال ﷺ: «الطاعون شهادة لكل مسلم» رواه البخاري، ومسلم، والإمام أحمد. وللحديث طرق أخرى.
[ ٤٨٩ ]
وقال صاحب الصحاح: الطاعون من حيث اللغة: الموت بالوباء، ومن حيث الطب: ورم رديء قتّال، يخرج مع تلهّب شديد مؤذ، ويصير ما حوله في الأكثر أسود وأخضر وغير ذلك، ويؤول أمره إلى التقرّح سريعا.
وقال بعضهم: المسك عظيم في دفع ضرر الطاعون شربا وشمّا، وركوب البحر. وكذلك العنبر، يدفع ضرر الطاعون والوباء، بخورا وشمّا، وهو أفخر أنواع الطّيب بعد المسك، وألوانه مختلفة؛ فمنه الأبيض، والأشهب، والأحمر، والأصفر، والأخضر، والأزرق، والأسود، وأجوده الأشهب القوي، الخفيف الدسم، ثم الأزرق، ثم الأصفر، وأردؤه الأسود، يغش بالشمع واللاذن وغيره، ويقاوم الهواء المحدث للوباء إذا أدمن شمّه والتبخر به، وشربه يدفع ضرر الطاعون والوباء، وأكله ينفع من استطلاق البطن، وينفع من الزكام بخورا وطلاء، وكذلك العود عظيم في دفع ضرر الطاعون والوباء بإذن الله تعالى: شربا وبخورا.
والعود أنواع: أفضلها الهندي، ثم الصيني، وأجوده الأسود النقيّ من البياض، الصلب الرزين الدسم، المرّ الأرسب في الماء، والطافى رديء.
وقال الشعراني: اللبان عظيم في دفع ضرر الطاعون والوباء بخورا، يسنّ تبخير المنزل به، فيدفع ضرر الوباء والطاعون وريح الهواء؛ لما روى أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: «بخّروا بيوتكم باللبان» .
وقال الشيخ ابن سينا: والطواعين تكثر في الوباء، وفي البلاد الوبائية، ولمّا كان ذلك كذلك كانوا يعبّرون بالطاعون عن الوباء لشهرة هذا الاسم عندهم، ولملازمته للوباء في أكثر الأحوال، قال بعضهم: الوباء: الطاعون. وقيل: هو كل مرض عام.
وقال العلّامة القاضى عياض: أصل الطاعون: القروح الخارجة في الجسد، والوباء: عموم الأمراض، فسميت طاعونا لشبهها في الهلاك بذلك، وإلا فكل طاعون وباء، وليس كلّ وباء طاعونا. والصحيح الذى قاله المحققون في الفرق بينهما أنّ الوباء مرض لكثير من الناس في جهة من الأرض دون سائر الجهات، ويكون مخالفا للمعتاد في الكثرة وغيرها، ويكون مرضهم نوعا واحدا، بخلاف سائر الأوقات، وقد روى عن جماعة من السلف أنهم فرّوا من الطاعون، منهم
[ ٤٩٠ ]
أبو موسى، ومسروق، والأسود بن هلال، وقال عمرو بن العاص: «فرّوا عن هذا الرجز في الشعاب والأودية ورؤس الجبال» ذكره الإمام النووى في شرح مسلم.
(تنبيه) قال أبو الحسن المدائني: كانت الطواعين المشهورة العظام في الإسلام ستة:
الأوّل: طاعون شيرويه بالمدائن، فى عهد رسول الله ﷺ سنة ستة من الهجرة.
الثاني: طاعون عمواس في زمن عمر بن الخطاب، كان بالشام، ومات فيه خمسة وعشرون ألفا.
الثالث: طاعون في زمن خلافة عبد الله بن الزبير، فى شوال سنة تسع وستين، ومات فيه بالطاعون في ثلاثة أيام كل يوم سبعون ألفا، ومات فيه لأنس ابن مالك ثلاثة وثمانون ولدا، ومات فيه لعبد الرحمن بن عوف أربعون ولدا.
الرابع: طاعون الفتيان، فى شوال سنة سبع وثمانين بالبصرة وواسط والشأم والكوفة، ويقال له طاعون «الأشراف» لما مات فيه من الأشراف.
الخامس: طاعون سنة إحدى وثلاثين ومائة، فى رجب، واشتد في رمضان، وكان يخرج في كل يوم ألف، ثم خفّ في شوّال.
السادس: طاعون كان بالكوفة سنة خمس، وفيه توفى المغيرة بن شعبة.
ولم يقع الطاعون بالمدينة المنورة ولا مكة قط، قاله الإمام النووي.
وعن أبى هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «إذا طلع النجم ارتفعت العاهة عن كل بلد» وأراد بالنجم الثريّا «١» قال ابن عباس: يعنى الثريا، والعرب تسمى الثريا نجما، والمراد بالعاهة الافة التى تلحق الزرع والثمار في فصل الشتاء، وصدر فصل الربيع، فيحصل الأمن عليها عند طلوع الثريا في الوقت المذكور، وقال ابن عمر: «إذا طلعت الثريا فقد أمن» يعنى صاحب الزرع والثمار، ولذلك نهى النبيّ ﷺ عن بيع الثمرة وشرائها قبل أن يبدو صلاحها. اهـ.
_________________
(١) لقوله ﷺ: «إذا طلعت الثريا أمن الزرع من العاهة» رواه الطبراني في الأوسط.
[ ٤٩١ ]
ومن شعر سيدى عبد العزيز الديريني:
وصغّرت ثرية لكثره والخصب في طلوعها واليسره
(رجع إلى ذكر مواليه):
* ومنهم أبو مويهبة: وهو من مولّدى مزينة، اشتراه رسول الله ﷺ وأعتقه، فشهد المريسيع، وكان يقود لعائشة رضى الله تعالى عنها بعيرها.
* ومنهم فضالة اليماني، نزل بالشام ومات بها.
* ومنهم رافع، وهو «رويفع»، كان لسعيد بن العاص، فابتاعه رسول الله ﷺ وأعتقه. وعن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: قلنا يا نبيّ الله، من خير الناس؟ قال: ذو القلب المخموم، واللسان الصادق، قلنا: قد عرفنا اللسان الصادق، فما القلب المخموم؟ قال: هو التّقيّ النقيّ الذى لا إثم فيه ولا بغي، ولا حسد «١» .
قلنا: يا رسول الله فمن على أثره؟ قال: الذى يشنأ الدنيا ويحب الآخرة، قلنا: ما نعرف هذا فينا، إلا أن يكون رافعا مولى رسول الله ﷺ، فمن على أثره؟ قال:
مؤمن له خلق حسن» .
ويقال إن أولاد سعيد بن العاص لمّا ورثوا رافعا عن أبيهم أعتقه بعضهم وأمسكه بعضهم، فجاء رافع إلى النبى ﷺ يستعينه، فوهب له، وكان يقول: أنا مولى النبى ﷺ. وبعض أرباب السير يخلط أبا رافع المسمّى «أسلم» برافع، فيقول: إن رافعا وأبا رافع هما شخص واحد، ويجعل «رويفعا» من سبى هوازن، وأن النبى ﷺ أعتقه.
* ومنهم «مدعم» بكسر الميم وسكون الدال المهملة وفتح العين المهملة، هو عبد أسود لرفاعة بن زيد بن وهب الجذامي، ثم الضبيبى (بضم الضاد المعجمة وفتح الباء المواحدة بصيغة التصغير) أهداه له رفاعة، وهو الذى قتل بوادى القرى بسهم أصابه، فقال الناس: هنيئا له الجنة، فقال رسول الله ﷺ: «كلا والذى نفسى
_________________
(١) فى المختار: قلب مخموم: أي نقى من الغل والحسد.
[ ٤٩٢ ]
بيده؛ إن الشملة التى أخذها يوم خيبر من الغنائم لم تصبها المقاسم تشتعل عليه نارا» وكنيته أبو سلام.
* ومنهم «كركرة» (بفتح الكاف الأولى وكسرها والثانية مكسورة فيهما) هو عبد نوبي، أهداه له هوذة بن علي الحنفى فأعتقه، وقيل: مات وهو مملوك، وكان على ثقل رسول الله ﷺ، فلما مات قال ﷺ: «هو في النار»، فذهبوا ينظرون إليه فوجدوا عباءة قد غلّها.
ومنهم «زيد» جد هلال بن يسار بن زيد بن عبيد بن طهمان.
* ومنهم مأبور القبطي، وهو عبد خصى أهداه له المقوقس.
* ومنهم «واقدة» أبو واقد، وجعلهما ابن سيد الناس اثنين.
* ومنهم هشام، وهو الذى روى عن النبى ﷺ حديث: «أن رجلا أتاه فقال: يا رسول الله إن لى امرأة لا تدفع كفّ لامس، فقال: طلّقها» «١» .
* ومنهم «أبو ضمرة» ويقال له: «أبو ضميرة» وهو من العرب، مما أفاء الله ﷿ على رسوله، فأعتقه، ثم خيّره أن يقيم معه أو يلحق بقومه، فاختار المقام، فكتب رسول الله له ولأهل بيته كتابا أن يحفظهم كلّ من لقيهم من المسلمين.
فذكروا أنّ لصوصا لقوا قوما منهم، فأخرجوا كتاب رسول الله ﷺ، فلم يتعرّضوا لهم.
ووفد حسين بن عبد الله بن ضميرة بن أبى ضمرة على المهدى أمير المؤمنين، وجاء معه بكتاب رسول الله ﷺ الذى كتبه له، فأخذ المهدى الكتاب وقبّله ووضعه على عينيه وأعطى حسينا خمسمائة دينار.
* ومنهم «سفينة» أعتقه رسول الله ﷺ، وقيل: كان عبدا لأمّ سلمة، فأعتقته وشرطت عليه أن يخدم النبى ﷺ حياته، فقال: لو لم تشترطى عليّ ما فارقته.
_________________
(١) معنى (لا تدفع كفّ لامس) أنها غير عفيفة، وأنها لعوب يسهل استدراجها إلى الفاحشة، وهى كناية لطيفة عن هذا المعنى الذى يستحى من ذكره صراحة.
[ ٤٩٣ ]
وكان اسمه «مفلح» وقيل كان اسمه «رباحا»، وقيل «مهران» فسماه النبى ﷺ سفينة؛ لأنه كان معهم في سفرة، فكان كل من أعيا ألقى عليه متاعه: ترسا أو سيفا، فمر به النبى ﷺ فقال: أنت سفينة، وروى عنه أنه قال: كنا مع النبى ﷺ، فقال: ابسط كساءك، وقال للقوم: اطرحوا أمتعتكم فيه، ثم قال: احمل إنما أنت سفينة، وقال فلو كان وقر بعير أو بعيرين أو ثلاثة أو أربعة أو خمسة لحملته. وهو أسود من مولّدى الأعراب.
* ومنهم «أبو هند» مولى فروة بن عمرو البياضي، ابتاعه النبى ﷺ عند منصرفه من الحديبية، وأعتقه، وكان حجّام رسول الله ﷺ، فقال فيه النبى ﷺ:
«يا بنى بياضة، زوّجوا أبا هند وتزوّجوا إليه»، ففعلوا، ولم يشهد بدرا، وشهد المشاهد كلها. قيل اسمه «عبد الله» وقيل «يسار» .
* ومنهم «أنجشه» (بفتح الهمزة وسكون النون وفتح الجيم وبالشين المعجمة) كان عبدا أسود وقيل حبشيا يكنى «أبا مارية»، وكان حادى النبى ﷺ، وكان حسن الصوت بالحداء، فحدا بأزواج النبى ﷺ في حجة الوداع، فأسرعت الإبل، فقال النبى ﷺ: «ويحك يا أنجشة، رفقا بالقوارير» والقوارير أوانى الزجاج، الواحدة قارورة، شبّههن لضعف قلوبهنّ بقوارير الزجاج.
ويروى أن أنجشة كان يحدو بالنساء، وكان البراء بن مالك يحدو بالرجال.
وممن حدا بمشهد من رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة، فقد روى النسائى عن عبد الله بن رواحة أنه كان مع رسول الله في مسير له، فقال له: يا ابن رواحة انزل فحرّك الركاب، فقال: يا رسول الله قد تركت ذلك، فقال عمر ﵁: اسمع وأطع، فرمى بنفسه، وقال:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
والحدو والحداء: سوق الإبل والغناء لها. قال الشاعر:
فغنّها فهى لك الفداء إنّ غناء الإبل الحداء
[ ٤٩٤ ]
* ومن مواليه «أبو لبابة» واسمه «زيد بن المنذر» من بنى قريظة، كان لبعض عماته، فوهبته له، فأعتقه، وقيل: ابتاعه ﷺ وهو مكاتب فأعتقه.
هؤلاء الموالي المشهورون، وله ﷺ غيرهم، وقيل يبلغون أربعين مولى.
وأما مولياته ﷺ:
* فسلمى أمّ رافع، ويقال؛ كانت مولاة لصفية عمّته، وهى زوجة أبى رافع، وداية فاطمة الزهراء، وقابلة إبراهيم بن النبى ﷺ.
* وأم أيمن، واسمها بركة الحبشية، ورثها النبيّ ﷺ من أبيه، وهى أم أسامة بن زيد، كانت وصيفة لعبد الله بن عبد المطلب، وقيل: كانت لأم النبى ﵊، وكانت من الحبشة. فلما ولدت امنة رسول الله ﷺ بعد ما توفى أبوه، كانت أم أيمن تحضنه حتّى كبر، فأعتقها حين تزوّج خديجة، وزوّجها عبيدة بن زيد بن الحارث الحبشي، فولدت له أيمن وكنيت به، واستشهد أيمن يوم حنين، ثم تزوجها زيد بن حارثة بعد النبوّة فولدت له أسامة، وقيل:
أعتقها أبو النبى ﵇، وهى التى شربت بول النبى ﷺ. وفي الشفاء «١» روى أنّ أم أيمن كانت تخدم النبى ﷺ، وكان له قدح من عيدان يوضع تحت سريره يبول فيه من الليل، فبال فيه ليلة، ثم افتقده فلم يجد فيه شيئا، فسأل بركة عنه، فقالت: قمت وأنا عطشانة فشربته وأنا لا أعلم، فقال: لن تشتكى وجع بطنك أبدا، وللترمذى «لن تلج النار بطنك» وصحّحه الدارقطني، وحمله الأكثرون على التداوي.
وأخرج حسن بن سفيان في مسنده، والحاكم والدارقطني، وأبو نعيم، والطبراني، من حديث أبى مالك النخعى يبلغه إلى أم أيمن أنها قالت: قام رسول الله ﷺ من الليل إلى فخّارة في جانب البيت فبال فيها، فقمت من الليل وأنا عطشانة فشربت ما فيها، وأنا لا أشعر، فلما أصبح النبى ﷺ، قال: يا أم أيمن
_________________
(١) كتاب القاضى عياض.
[ ٤٩٥ ]
قومى فأهريقى ما في تلك الفخارة، قلت: قد والله شربت ما فيها؟ قالت:
فضحك النبى ﷺ حتّى بدت نواجذه، ثم قال: «أما والله لا يجعن بطنك أبدا» .
وعن ابن جريج قال: أخبرت أن النبى ﷺ كان يبول في قدح من عيدان ثم يوضع تحت سريره، فجاء فإذا القدح ليس فيه شيء، فقال لامرأة يقال لها «بركة» كانت تخدم أمّ حبيبة، جاءت معها من أرض الحبشة: «أين البول الذى كان في القدح؟ قالت: شربته، قال: «صحة يا أم يوسف» فما مرضت قط، حتى كان مرضها الذى ماتت فيه.
وقال النبي ﷺ: «أمّ أيمن أمّى بعد أمّي» وكان يزورها، ثم أبو بكر، ثم عمر.
وقال الواقدي: حضرت أم أيمن أحدا فكانت تسقى الماء وتداوى الجرحى وشهدت خيبر، وتوفيت في أوّل خلافة عثمان، كذا في الصفوة.
قال ابن الجوزي: مواليه ثلاثة وأربعون، وإماؤه إحدى عشرة، كذا في المواهب اللدنية. ولم يكونوا في وقت واحد، بل كان كلّ بعض في وقت.
ويأتى ذلك موضحا في الفصل الأوّل من الباب الأوّل الاتى في خدمه وحشمه وأرباب الوظائف الدينية التى كانت إذ ذاك في الخطة الإسلامية، واقتدى به فيها الخلفاء الراشدون، وتوسّع فيها الملوك والسلاطين المقتدون.
قال صاحب كتاب «تخريج الدلالات السمعية» «١» ما ملخصه: «إنّ من لم ترسخ في المعارف قدمه، وليس لديه من أدوات الطالب إلا يداه وقلمه، يحسب كثيرا من الأعمال السلطانية مبتدعا لا متّبعا، وأن العامل على خطة دنيوية ليس عاملا في عمالة سنّيّة، ويظن أن عمالته دنيّة، فلهذا جمعت ما علمته من تلك العمالات في كتاب يوضّح نشرها، ويبين الأمر لمن جهل أمرها، فيعترف الجاهل، وينصف المتحامل، فذكرت في كل عمالة من ولّاه عليها الرسول ﷺ من الصحابة، ليعلم ذلك من يليها الان، فيشكر الله على أن استعمله في عمل
_________________
(١) للعلامة أبى الحسن علي بن محمد المعروف بالخواص التلمسانى المتوفى ١٧٨٩ هـ، نشره المجلس الأعلى للشئون الإسلامية عام ١٤١٥ هـ/ ١٩٩٥ م.
[ ٤٩٦ ]
شرعى كان يتولاه من أصحاب رسول الله ﷺ من صلح له، وأقامه المولى في ذلك مقامه، فيجتهد في إقامة الحق فيه، بما يوجبه الشرع ويقتضيه، فيكون قد أحيا سنة وأحرز حسنة.» اهـ.
ومن هذا الكتاب استخرجت الزّبد اللائقة، والخلاصات الفائقة، الاتية في أبوابها، النافعة لطلّابها، حيث لم يف ذلك غالب مؤلفى كتب السير، بل جميعهم. فبانضمام هذه العمالات والوظائف السياسية والشرعية إلى ما حوته هذه السيرة من ماجرياته ﷺ ابتداء وانتهاء، تفوز بفضيلة السبق، وترضى بعونه تعالى الخالق والخلق «١» .
_________________
(١) الحديث في الفقرتين الأخيرتين عن كتاب اخر يعدّه المؤلف متمما لهذا الكتاب، ويحمل عنوان (الدولة الإسلامية، نظامها وعمالاتها) وقد نشرته مكتبة الاداب في مجلد واحد مع كتاب (نهاية الإيجاز) .
[ ٤٩٧ ]
جدول يضبط ما تفرّق من الغزوات التي سبق ذكرها تفصيلا
[يقول الفقير نجل مؤلف هذه السيرة الحميدة «على فهمى رفاعة»:
كان الوالد- أحسن الله إليه، وأسبغ نعمة الرحمة والرضوان عليه- شافهنى بأنّ فى نفسه أن يضع ضابطا للغزوات، مجملا لما سبق، عند ذكر كل غزوة من التفصيلات، ولكن أبى الله إلا ما أراد، وما كأننى إلا أنا المقصود في خطابه والمراد، فبادرت لتمام أمنيته التى حجبت بمنيّته، وجمعت هذا الجدول تابعا فيه طريقة الأصل، معتمدا على سياقه في تاريخ السنين باعتبار الباب والفصل]:
[ ٤٩٩ ]
فهرس الكتاب
تعريف:
تقديم هذه الطبعة بقلم الدكتور سامى سليمان أحمد
مقدمة الناشر ٣
ترجمة المؤلف ٧
شجرة نسب الرسول ١٧
الباب الأوّل فى مولده الشريف إلى بعثته
الفصل الأوّل فى مولده الشريف، ونسبه المنيف، ورضاعه وكفالته ١٩
الفصل الثانى فى ذكر عمل مولده الشريف، وإشهاره كلّ سنة وفيما جرى في مولده وفيما بعده من الوقائع ٥٩
الباب الثانى فى مبعثه، ودعائه الناس إلى الدين الحق وهجرة المسلمين إلى الحبشة. وخروجه إلى الطائف
الفصل الأوّل فى رسالته على رأس الأربعين إلى كافة الناس بشيرا ونذيرا ٩٩
الفصل الثانى فى الهجرتين إلى الحبشة ١١١
الفصل الثالث فى خروجه إلى الطائف قبل هجرته إلى المدينة المشرّفة ١٣٥
[ ٥٠٩ ]
الفصل الرابع فى الإسراء به ليلا من المسجد الحرام وعروجه من المسجد الأقصى إلى السموات العلى ١٣٩
الباب الثالث فى هجرته إلى المدينة وما ترتب على ذلك من المظاهر الإسلامية والظواهر التعليمية
الفصل الأوّل فى الأسباب الباعثة على الهجرة والتمهيد لها ١٦٩
الفصل الثانى فى سيره مهاجرا إلى المدينة مع صاحبه صدّيقه رضى الله تعالى عنه ١٨١
الفصل الثالث فى ذكر الظواهر الحادثة بعد الهجرة إجمالا ٢٠٥
الباب الرابع فى تفصيل الظواهر التى حدثت بعد هجرته ﵊ إلى وفاته
الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات ٢٠٩
الفصل الثانى فى ظواهر السنة الثانية من الهجرة وما فيها من الغزوات ٢١٥
الفصل الثالث فى ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات ٢٥١
الفصل الرابع فى ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات ٢٦٣
[ ٥١٠ ]
الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات ٢٩٧
الفصل السادس فى ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات ٣٠١
الفصل السابع فى ظواهر السنة السابعة وما فيها من الغزوات ٣٢٥
الفصل الثامن فى ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات ٣٤٩
الفصل التاسع فى ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات ٣٧٩
الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه، وفي حجة الوداع ٣٨٧
الباب الخامس فى وفاته وذكر بعض أخلاقه وصفاته، ومعجزاته. وأزواجه وأعمامه، وأخواله، ومواليه، وخدمه، وحشمه
الفصل الأوّل فى ذكر وفاته وما يتعلق بذلك ٤٠٣
الفصل الثانى فى ذكر بعض أخلاقه وصفاته ٤١٧
الفصل الثالث فى ذكر معجزاته ٤٣٩
الفصل الرابع فى ذكر أزواجه وقرابته ومواليه ٤٥٥
جدول بضبط ما تفرّق من الغزوات التى سبق ذكرها تفصيلا ٤٩٩
[ ٥١١ ]
من إصدارات السلسلة ١- ديوان أبى الطيب المتنبى- تحقيق د. عبد الوهاب عزام
٢- الإشارات الإلهية، لأبى حيان التوحيدى- تحقيق: د. عبد الرحمن بدوى
٣- قصة الحلاج وما جرى له مع أهل بغداد- تحقيق: سعيد عبد الفتاح
٤/ ٥- ديوان الحماسة، لأبى تمام- تحقيق: د. عبد المنعم أحمد (فى مجلدين)
٦/ ٩- رسائل إخوان الصفا (فى أربعة مجلدات)
١٠- كتاب التيجان، لوهب بن منبه
١١/ ١٨- ألف ليلة وليلة (فى ثمانية مجلدات)
١٩/ ٢٤- تجريد الأغانى، لابن واصل الحموى- تحقيق: د. طه حسين. أ. إبراهيم الإبيارى (فى ستة مجلدات)
٢٥/ ٢٦- الحكايات العجيبة والأخبار الغريبة- تحقيق: هنس وير (فى مجلدين)
٢٧- حلبة الكميت، لشمس الدين محمد بن الحسن النواجى
٢٨/ ٢٩- البرصان والعرجان والعميان والحولان، للجاحظ- شرح وتحقيق: عبد السلام هارون (فى مجلدين)
٣٠/ ٣١- رسائل ابن العربى، للشيخ الأكبر محى الدين بن عربى (فى مجلدين)
٣٢- منامات الوهرانى- تحقيق: إبراهيم شعلان، محمد نغش العاملى مراجعة: د. عبد العزيز الأهوانى
٣٣/ ٣٤- الكشكول، لبهاء الدين العاملى- تحقيق: الطاهر أحمد الزاوى (فى مجلدين)
٣٥- أخبار الأوّل فيمن تصرف في مصر من أرباب الدول، للإسحاقى المنوفى
٣٦/ ٤٨- بدائع الزهور في وقائع الدهور، لابن إياس- تحقيق: محمد مصطفى (فى ثلاثة عشر مجلدا)
٤٩/ ٥٠- فتوح مصر والمغرب، لابن الحكم- تحقيق: عبد المنعم عامر (فى مجلدين)
٥١/ ٥٤- المواعظ والاعتبار، للمقريزى (فى أربعة مجلدات)
٥٥- سيرة أحمد بن طولون، للبلوى- تحقيق: محمد كرد على
٥٦/ ٥٧- مجموعة مصنفات شيخ إشراق، للسهروردى- بتصحيح: هنرى كربين (فى مجلدين)
٥٨/ ٦٠- اتعاظ الحنفا، للمقريزى- تحقيق: جمال الدين الشيال، د. محمد حلمى محمد أحمد (فى ثلاثة مجلدات)
٦١- مقالات الإسلاميين، للأشعرى- تصحيح: هلموت ريتر
٦٢/ ٦٥- ديوان أبى نواس، للحسن بن هانئ الحكمى- تحقيق: غريغور شولر، إيفالد فاغنر (فى أربعة مجلدات)
٦٦- ولاة مصر، لمحمد بن يوسف الكندى- تحقيق: د. حسين نصار
٦٧- المنتخب من أدب العرب، لطه حسين واخرين- الجزء الأوّل
٦٨- الهوامل والشوامل، لأبى حيان التوحيدى ومسكوبه
٦٩- المنتخب من أدب العرب لطه حسين واخرين- الجزء الثانى
٧٠/ ٧١- نوادر المخطوطات- تحقيق: عبد السلام هارون (فى مجلدين)
٧٢/ ٧٣- طبقات فحول الشعراء، لابن سلام الجمحى- تحقيق: محمود شاكر (فى مجلدين)
٧٤/ ٨٠- الحيوان، للجاحظ- تحقيق: عبد السلام هارون (فى ستة مجلدات)
٨١- كتاب الأشباه والنظائر، للخالديين- تحقيق: د. السيد محمد يوسف
٨٢- سيرة صلاح الدين، لابن شداد- تحقيق: د. كمال الدين الشيال
٨٣- الإمتاع والمؤانسة، للتوحيدى- تحقيق: أحمد أمين، أحمد الزين
٨٤- ديوان تميم بن المعز- تقديم: إبراهيم الدسوقى جاد الرب
٨٥/ ٨٨- البيان والتبيين، للجاحظ- تحقيق عبد السلام هارون (فى أربعة مجلدات)
[ ٥١٣ ]
٨٩- المغرب في حلى المغرب، لابن سعيد الأندلسى (القسم الخاص بالفسطاط) تحقيق د. شوقى ضيف، د. زكى محمد حسن، د. سيدة كاشف
٩٠- الفتح القسى في الفتح القدسى، للعماد الأصفهانى- تحقيق: محمد محمود صبح
٩١- ديوان ابن سناء الملك- تحقيق: د. محمد إبراهيم نصر
٩٢- السيف المهند في سيرة الملك المؤيد، لبدر الدين العينى- تحقيق: فهيم محمد شلتوت
٩٣- معجم الشعراء، للمرزبانى- تحقيق: عبد الستار أحمد فراج
٩٤- فاكهة الخلفاء ومفاكهة الظرفاء، لابن عرب شاه- تحقيق: د. محمد رجب النجار
٩٥/ ٩٦- أساس البلاغة، للزمخشرى- عن طبعة مركز تحقيق التراث بدار الكتب المصرية (فى مجلدين)
٩٧/ ٩٨- مقاتل الطالبيين، لأبى الفرج الأصفهانى- تحقيق: السيد أحمد صفر (فى مجلدين)
٩٩- الصاحبى، لابن فارس- تحقيق السيد أحمد صفر
١٠٠- التعريف با بن خالدون ورحلته غربا وشرقا، لابن خالدون- تحقيق: محمد بن تاويت الطنجى
١٠١/ ١٠٤- عيون الأخبار، لابن قتيبة- عن طبعة دار الكتب المصرية (فى أربعة مجلدات)
١٠٥- الفلاكة والمفلوكون، لأحمد بن علي الدلجى.
١٠٦- التحدث بنعمة الله، لجلال الدين السيوطى- تحقيق: إ. م. سارتين
١٠٧/ ١٠٨- الاقتباس من القران الكريم، لأبى منصور الثعالبى- تحقيق: ابتسام مرهون الصفار، د. مجاهد مصطفى بهجت (فى مجلدين)
١٠٩- تحقيق ما للهند من مقولة، لأبى الريحان البيرونى
١١٠- جواهر الألفاظ، لقدامة بن جعفر- تحقيق: محمد محيى الدين عبد الحميد
١١١/ ١١٧- العقد الفريد، لأبى عمر أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسى (فى سبعة مجلدات)
١١٨- مفاتيح العلوم، لمحمد بن أحمد بن يوسف الخوارزمى- تحقيق: فان فلوتن
١١٩- المسالك والممالك، لأبى اسحق إبراهيم بن محمد الفارسى الإصطخرى- تحقيق: د. محمد جابر عبد العال الحينى
١٢٠- دار الطراز، لابن سناء الملك- تحقيق: جودة الركابى
١٢١- الوشى المرقوم في حل المنظوم، لضياء الدين بن الأثير- تحقيق: يحيى عبد العظيم
١٢٢/ ١٢٤- الأوراق، لأبى بكر الصولى- تحقيق: ج. هيورث. دن (فى ثلاثة مجلدات)
١٢٥- المقتطف من أزاهر الطرف، لابن سعيد الأندلسى- تحقيق ودراسة: أ. د سيد حنفى
١٢٦- كتاب الوزراء والكتاب، لأبي عبد الله محمد بن عبدوس الجهشيارى، تحقيق: أ. مصطفى السقا، أ. إبراهيم الإبيارى، أ. عبد الحفيظ شلبى
١٢٧- أدب الدنيا والدين، لأبى الحسن علي بن محمد بن حبيب البصري الماوردى- تحقيق: مصطفى السقا
١٢٨/ ١٢٩- نهج البلاغة، للإمام علي بن أبى طالب- شرح: الإمام محمد عبده
١٣٠/ ١٤٥- صبح الأعشى، للقلقشندى (فى ستة عشر مجلدا، بزيادة مجلدين: معجم المصطلحات، والفهارس، وضع محمد قنديل البقلى)
١٤٦/ ١٤٨- الخصائص، لابن جنى- تحقيق: أ. محمد على النجار (فى ثلاثة مجلدات)
١٤٩/ ١٥٠- الفهرست، لابن النديم- تحقيق: جوستاف فليجل، د. محمد عونى عبد الرؤف، د. إيمان السعيد جلال.
١٥١- نهاية الإيجاز في سيرة ساكن الحجاز، لرفاعة الطهطاوى- تحقيق عبد الرحمن حسن محمود، فاروق حامد محمد بدر- مراجعة د. عبد الحكيم راضى.
[ ٥١٤ ]