الفصل الأوّل فى ظواهر السنة الأولى من الهجرة وما فيها من الغزوات
قدم رسول الله ﷺ المدينة لاثنتى عشرة ليلة خلت من ربيع الأولي، ظهر يوم الاثنين، فنزل قباء، وأقام بها الاثنين، والثلاثاء، والأربعاء، والخميس، وأسّس مسجد قباء الذي نزل فيه: لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوى [التوبة: ١٠٨] . وخرج من قباء يوم الجمعة، فما مر علي دار من دور الأنصار إلا قالوا: «هلمّ يا رسول الله إلى العدد والعدّة»، ويعترضون ناقته، فيقول: «خلّوا سبيلها فإنها مأمورة» ثم سارت حتي انتهت إلي موضع مسجده؛ فبني مسجده الشريف ومساكنه كما سبقت الإشارة إلي ذلك انفا، فلم يزد فيه أبو بكر في أيام خلافته شيئا، وزاد فيه عمر، وبناه علي بنائه في عهده ﵊. ثم غيّره عثمان بن عفان في خلافته، فزاد فيه زيادة كثيرة، وبنى جدرانه بالحجارة المنقوشة، وجعل عمده من حجارة منقوشة أيضا، وسقفه بالسّاج «١» . ثم لما صارت الخلافة إلي الوليد بن عبد الملك الذي عمّر جامع دمشق: استعمل علي المدينة عمر بن عبد العزيز، وكتب إليه في سنة سبع وثمانين من الهجرة يأمره بعمارة مسجده ﷺ، وبإدخال بيوت أزواجه فيه، حتي تصير مساحة المسجد مائتى ذراع «٢» في مائتي ذراع، فأجابه أهل المدينة إلى ذلك، ففعل عمر بن عبد العزيز كذلك.
_________________
(١) الساج: ضرب من الشجر من الفصيلة الأرثدية يعظم جدا، ويذهب طولا وعرضا، وله ورق كبير، وخشبه صلب جدا.
(٢) الذراع: ٦٤ سنتيميترا.
[ ٢٠٩ ]
وقد عمّر المسجد الشريف جماعة من ملوك الإسلام، وقد احترق هذا المسجد في زمن الملك الأشرف قايتباى الظاهرى، فعمّره ووضع الدرابزينات حول الحجرة الشريفة، وعمل فيه منبرا، وسقّفه وذهّب سقفه.
ثم في سنة ست وثمانين وثمانمائة، وقعت صاعقة بالليل علي منارة المسجد النبوي، احترق منها سقوف المسجد الشريف النبوي، وجميع ما فيه من المصاحف والكتب، وغير ذلك، ولم يبق سوي الجدران، ووردت الأخبار بذلك إلي السلطان المذكور، فجدّد عمارته، فجاءت في غاية الحسن.
ولمّا تمت العمارة التي صرف عليها أكثر من مائة ألف دينار، أرسل إلى المدينة المنورة خزانة كتب، وجعل مقرها بمدرسته التى عمرها هناك، وأرسل عدة مصاحف وأوقف عليها ما يلزم وقفه، والمدرسة باقية عامرة، علي يسار الداخل للحرم النبوي، وينزل بها أمير الحاج المصري. وقد اعترض أهل الزيغ والشقاق، ومن في قلبه مرض ونفاق بحلول هذه الحادثة بالحرم الشريف، وإن لم يصب الحجرة الشريفة ما يخلّ بالمقام المنيف، فكان الردّ على المنافقين، وعصبة الضّلال الفاسقين، بأنه ليس في هذا أدنى نقص في حقه ﷺ، وأنّ حرمه لم يزل عند الله تعالى، وعند أهل الإيمان في أعلى درجات المقام الأعظم، وإنما لمّا مال من مال من أهل طيبة عن سنته، رماهم الله تعالى بهذا الأمر، فتلقاها عنهم ﷺ بمسجده؛ لكمال رحمته بهم ورأفته.
قال الشريف السمهودي: وفي ذلك عبرة تامة، وموعظة عامة، أبرزها الله تعالى للإنذار فخص بها النذير الأعظم ﷺ، وقد ثبت أن أعمال أمته تعرض عليه «١» فلما ساءت الأعمال المعروضة، ناسب ذلك الإنذار بإظهار النار المجازى بها يوم القيامة والعرض، قال الله تعالى: وَما نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا [الإسراء: ٥٩] وقال تعالى: ذلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبادَهُ يا عِبادِ فَاتَّقُونِ [الزمر:
١٦] . وقال الشاعر في هذا المعنى:
_________________
(١) للحديث الصحيح: «حياتى خير لكم؛ تحدثون ويحدث لكم؛ ومماتى خير لكم؛ تعرض عليّ أعمالكم، فإن وجدت خيرا حمدت، وإن وجدت شرا استغفرت لكم» رواه الحارث وابن سعد وغيرهما وهو حديث صحيح ثابت.
[ ٢١٠ ]
لم يحترق حرم النبي لريبة يخشي عليه ولا هنالك عار
لكنّما أيدي الروافض لامست ذاك البناء، فطهّرته النار
* وفي هذه السنة دخل بعائشة رضى الله تعالى عنها بعد ثمانية أشهر من الهجرة، وهي بنت تسع، وتوفي عنها وهي بنت ثماني عشرة سنة، وكان قد عقد عليها قبل الهجرة بعد وفاة خديجة.
[المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار]
وفيها اخى بين المسلمين من المهاجرين والأنصار، وكانوا تسعين رجلا، من كل طائفة خمسة وأربعون، وقيل مائة، فاتخذ ﷺ عليّا أخا له «١» واخى بين أبى بكر وخارجة بن زيد الأنصاري، وبين أبي عبيدة وسعد بن معاذ الأنصاري، وبين عمر بن الخطاب وعتبان بن مالك الأنصاري، وبين عبد الرحمن بن عوف وسعد بن الربيع الأنصاري، وبين عثمان بن عفان وأوس بن ثابت الأنصاري، وبين طلحة بن عبيد الله وكعب بن مالك الأنصاري، وبين سعيد بن زيد وأبيّ بن كعب الأنصاري.
وأوّل مولود للمهاجرين بعد الهجرة عبد الله بن الزبير، وأوّل مولود للأنصار النعمان بن بشير رضى الله تعالى عنهم أجمعين.
وكان المقصود من المؤاخاة أن يكون بعضهم معظما لبعض، مهتما بشأنه، مخصوصا بمعاونته ومناصرته ومواساته، حتى يكونوا يدا واحدة علي الأعداء بالنسبة للهيئة الاجتماعية، وأن يكون حبّ كلّ أحد لأخيه جاريا مجرى حبه لنفسه، حتى قال بعضهم: إن هذه المؤاخاة كان فيها حكم التوارث، وإنهم كانوا كذلك إلي أن نزل بعد غزوة بدر وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [اخر سورة الأنفال] . وقبل الهجرة اخى ﷺ بين المهاجرين بلا توارث. فالمؤاخاة وقعت مرتين.
* وفي هذه السنة الأولى من الهجرة كانت غزوة الأبواء، وهي أوّل غزواته ﵊، ثم غزوة بواط، ثم غزوة العشيرة، موضع بناحية ينبع، وكانت بعد بواط بأيام قلائل، وقيل: إن هذه الغزوات كانت في السنة الثانية.
_________________
(١) قال له رسول الله ﷺ: «أنت أخي في الدنيا والآخرة» رواه الترمذى والحاكم عن عبد الله بن عمر.
[ ٢١١ ]
وغزوة الأبواء تسمي غزوة ودّان، بفتح الواو وتشديد الدال المهملة اخره نون «١»، وذلك أنه ﷺ خرج غازيا حتي بلغ «ودّان» وهي قرية كبيرة بينها وبين الأبواء نحو ثمانية أميال، و«الأبواء» قرية بين مكة والمدينة، وكان خروجه ﷺ بالمهاجرين يتعرض عير قريش، ويريد بني ضمرة، وكان عدد من معه سبعين رجلا من أصحابه، وفي هذه الغزوة صالح بنى ضمرة، فعقد الصلح مع سيدهم حينئذ، وهو مجدى بن عمرو الجهني، علي ألايغزوهم ولا يغزونه، ولا يكثروا عليه جمعا، ولا يعينوا عليه عدوا، وكتب بينه وبينهم كتابا نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم:
«هذا كتاب من محمد رسول الله ﷺ لبني ضمرة بأنهم امنون علي أموالهم وأنفسهم، وأن لهم النصرة علي من رامهم، إلا أن يحاربوا في دين الله ما بلّ بحر صوفة (أى ما بقى فيه ما يبل الصوفة)، وأن النبى ﷺ إذا دعاهم لنصره أجابوه، عليهم بذلك ذمة الله وذمة رسوله (أي أمانهما)» انتهي.
وكان لواؤه أبيض مكتوبا عليه «لا إله إلا الله محمد رسول الله»، وكان اللواء مع عمه حمزة، واستعمل علي المدينة سعد بن عبادة، وانصرف إلي المدينة، وكانت غيبته خمس عشرة ليلة.
هذا ما قاله بعض أهل السير.
والصحيح: أنها كانت في الثانى عشر من شهر صفر من السنة الثانية من الهجرة.
* وأما غزوة بواط «٢» (بضم المواحدة وفتحها وتخفيف الواو اخرها طاء مهملة) فالصحيح أيضا أنها كانت في شهر ربيع الأوّل، وقيل في ربيع الاخر من السنة الثانية. وبواط جبل بالينبع. وسبب هذه الغزوة أن النبى ﷺ بلغه أن عير قريش نحو ألفين وخمسمائة بعير، ومائة رجل من قريش، معهم أمية بن خلف، ذاهبة إلى مكة، فخرج ﷺ لاعتراضها في مائتين من أصحابه، وحمل
_________________
(١) قرية جامعة في نواحى الفرع، وبينها وبين هرشى ستة أميال، وبينها وبين الأبواء نحو من ثمانية أميال، قريب من الجحفة. وهرشى: ثنية في طريق مكة قريبة من الجحفة: تري من البحر.
(٢) بواط: جبل من جبال جهينة بناحية رضوي، به غزوة للنبى ﷺ.
[ ٢١٢ ]
اللواء- وهو العلم الذى يحمل في الحرب، يعرف به موضع أمير الجيش، وكان أبيض- سعد بن أبي وقاص واستعمل علي المدينة السائب بن عثمان بن مظعون، وقيل سعد بن معاذ، فانتهى إلى بواط فلم يلق كيدا أى حربا، فرجع إلى المدينة بدون حرب.
* وأما غزوة العشيرة- بالعين المهملة والشين المعجمة وبالمهملة أيضا، على صيغة التصغير، موطن ببطن الينبع (وهو منزل الحاجّ المصري) - لبنى مدلج، فكانت علي الصحيح في جمادى الأولى سنة اثنين، لقصد إدراك عير قريش المتوجّهة إلي الشام، وذلك أن قريشا جمعت أموالها في تلك العير، ولم يبق بمكة قرشى ولا قرشية له مثقال فصاعدا إلا بعث به في تلك العير، إلا حويطب بن عبد العزي. ويقال: إن في تلك العير خمسين ألف دينار، وألف بعير، وكان قائدها أبا سفيان، وكان معه سبعة وعشرون رجلا، وقيل: تسعة وثلاثون رجلا منهم مخرمة بن نوفل، وعمرو بن العاص، وهي العير التي خرج إليها رسول الله ﷺ حين رجعت من الشام، وكانت سببا لوقعة بدر الكبري، خرج ﷺ في مائتين من المهاجرين خاصة، حتي بلغ العشيرة- بالتصغير- (وأما التى بغير تصغير العشيرة فهي غزوة تبوك) واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وحمل اللواء عمّه حمزة بن عبد المطلب؛ وكان اللواء أبيض، خرجوا على ثلاثين بعيرا يعتقبونها «١»، فوجدوا العير قد مضت قبل ذلك بأيام، ورجع ولم يلق حربا، ووادع ﷺ فيها بنى مدلج، وكنّي فيها عليّا بأبى تراب حين وجده نائما هو وعمار بن ياسر وقد علق به التراب الذي سفّته عليه الريح، فأيقظه ﵊ برجله، وقال له: «قم أبا تراب» فلما قام قال له: «ألا أخبرك بأشقى الناس أجمعين: عاقر الناقة، والذى يضربك علي هذا» ووضع يده علي قرن رأسه «فيخضب هذه» ووضع يده على لحيته.
وفي السنة الأولى من الهجرة وادع ﷺ يهود، وعاهداهم وأقرّهم على دينهم وأموالهم، واشترط عليهم وشرط لهم.
_________________
(١) أي يركبونها واحدا بعد الاخر، وفي الأصل «يتعقبونها» .
[ ٢١٣ ]
الفصل الثانى في ظواهر السنة الثانية من الهجرة، وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة تحويل القبلة من صخرة بيت المقدس إلي المسجد الحرام.
وعن ابن عباس أنه قال: «أول ما نسخ من القران القبلة»، وذلك أنه ﷺ وأصحابه كانوا يصلون بمكة إلي الكعبة، فلما هاجروا إلي المدينة أمره الله تعالى أن يصلى نحو صخرة بيت المقدس، ليكون أقرب إلي تصديق اليهود إياه إذا صلي إلي قبلتهم، مع ما يجدون من نعته في التوراة، وصلّى بعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر شهرا إلي بيت المقدس، وكان يحبّ أن يوجّه إلي الكعبة؛ لأنها كانت قبلة أبيه إبراهيم ﵇، فأنزل الله قوله تعالى: قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ [البقرة: ١٤٤] .
وروى الليث عن يونس عن الزهرى قال: «لم يبعث الله منذ هبط ادم إلى الأرض نبيا إلا جعل قبلته صخرة بيت المقدس» . وقد سبق التنويه إلى ذلك قريبا. فلما حوّلت القبلة كان النبى ﵊ في مسجد القبلتين، في بني سلمة، فكان يصلى فيه الظهر إلي بيت المقدس، وقد صلّى بأصحابه ركعتين من الظهر، فتحوّل في الصلاة واستقبل الميزاب «١»، وحوّل الرجال مكان النساء والنساء مكان الرجال، فوقع نصفها إلي بيت المقدس ونصفها إلي الكعبة، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين.
وفيها «في شعبان» فرض صوم رمضان، وأمر الناس بإخراج زكاة الفطر عن الصغير والكبير، والحر والعبد، والذكر والأنثي، وصاع من تمر أو من زبيب أو من بر، وقال: «أغنوهم- يعنى المساكين- عن ذلك السؤال في هذا اليوم» «٢» .
قال ابن حجر: «وثواب الصوم الناقص كالكامل «٣» فى الفضل المرتب علي رمضان من غير نظر لأيامه، أمّا ما يترتب علي صوم الثلاثين من ثواب واجبه
_________________
(١) الميزاب: مسيل الماء والمزراب.
(٢) أخرجه البيهقى والدار قطنى من حديث ابن عمر.
(٣) الناقص: تسعة وعشرون يوما، والكامل: ثلاثون يوما.
[ ٢١٥ ]
(أي فرضه) ومندوبه عند سحوره وفطوره، فهو زيادة يفوق بها الناقص، وكأن حكمته أنه ﵊ لم يكمل له رمضان إلا سنة واحدة، والبقية ناقصة: زيادة طمأننية نفوسهم علي مساواة الناقص للكامل» .
وقوله: «من غير نظر لأيامه»، تعقّبه ابن قاسم بقوله: قد يقال الفضل المرتب علي رمضان ليس إلا مجموع الفضل المرتب على أيامه، وأجيب بمنع الحصر، وأن لرمضان فضلا من حيث هو، بقطع النظر عن مجموع أيامه، كما هو في مغفرة الذنوب لمن صامه إيمانا واحتسابا «١»، والدخول من باب الجنة المعد لصائمه، وغير ذلك مما ورد أنه يكرم به صوّام رمضان، وهذا لا فرق فيه بين كونه ناقصا أو تاما.
وأما الثواب المرتّب علي كل يوم بخصوصه فأمر اخر؛ فلا مانع أن يثبت للكامل بسببه ما لا يثبت للناقص.
وقوله: «وكأن حكمته إلخ» قال الشوبري: كذا وقع لابن حجر هنا، ووقع له في محلين اخرين أنه قال: لم يصم شهرا كاملا إلا سنتين، وجرى عليه المنذرى في سننه، وقال: فما وقع له هنا غلط، سببه اعتماده علي حفظه، انتهي.
أقول: لا يلزم أنّ ما هنا غلط، بل يحتمل أن ما قال المنذرى مقالة لم يعرج عليها لشيء ظهر له، ثم رأيت العلّامة الأجهورى استوعب ما ذكر فقال:
وفرض الصيام ثاني الهجرة فصام تسعة نبيّ الرّحمة
أربعة تسع وعشرون، وما زاد علي ذا بالكمال اتّسما
كذا لبعضهم، وقال الهيتمي ما صام كاملا سوي شهر اعلم
وللدميري أنّه شهران وناقص سواه خذ بياني
* وفي هذه السنة أري عبد الله بن زيد صورة الأذان في النوم، وورد الوحى
_________________
(١) وللحديث الشريف ألفاظ منها: «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له من ذنبه» رواه أحمد، والأربعة عن أبى هريرة، وروى الخطيب عن ابن عباس: ما تقدم «من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر» ومعنى قوله ﷺ (ما تأخر) أن الله تعالى يوفقه إلى عدم المعاصى، والحديث صحيح، والله أعلم بحقيقة مراد رسوله ﷺ.
[ ٢١٦ ]
بذلك، والذي قاله النووى في الروضة: إن الأذان شرع في السنة الأولى من الهجرة.
وقيل: كان ذلك- أي الأذان- فى السنة الثانية عند ما شاور ﵊ أصحابه فيما يجمعهم به للصلاة؛ إذ كان اجتماعهم بمنادى «الصلاة جامعة» . والأذان علي المنائر من خصائص هذه الأمة، وليس لمن سواهم منائر يؤذنون عليها، بل ولا هذا الأذان المخصوص.
وفيها تزوج عليّ فاطمة بنت رسول الله ﷺ، وقال: «إن الله تعالى عقد على فاطمة لعليّ في السماء» «١» فنزل الوحي بذلك.
* ولما قدم ﷺ من غزوة العشيرة لم يقم بالمدينة إلا ليال* حتي غزا غزوة «سفوان» فى السنة الثانية، ويقال لها غزوة «بدر الأولي» فخرج خلف كرز بن جابر الفهرى وقد أغار (قبل أن يسلم) علي سرح المدينة (أى على النعم والمواشى التى تسرح بالغداة)، فسعى رسول الله ﷺ في طلبه حتّى بلغ وادى سفوان من ناحية بدر، ولذا قيل لها «بدر الأولي»، وفاته كرز بن جابر ولم يدركه. وكان ﷺ قد استعمل علي المدينة زيد بن حارثة، وحمل علي بن أبى طالب ﵁ اللواء وكان أبيض.
وفي هذه السنة أيضا بعث عبد الله بن جحش في ثمانية أنفس إلى «نخلة» بين مكة والطائف؛ ليتعرفوا أخبار قريش، فمرّ بهم عير لقريش فغنموها وأسروا اثنين، وحضروا بذلك إليه ﷺ، وهي أوّل غنيمة غنمها المسلمون.
* وفي سنة اثنتين من الهجرة كانت غزوة بدر الكبري، وبدر اسم للوادى أو لغيره، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وعدة المشركين ألف رجل معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وهي أفضل غزواته ﷺ؛ لأنهم بذلوا في نصرته الأرواح والأجسام، وقاموا علي قدم الإخلاص، فاستحقوا مزيد
_________________
(١) ذكر العلامة محب الدين الطبرى في كتابه «ذخائر العقبي» عن على ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ «أتانى ملك: فقال: يا محمد، إن الله تعالى يقرأ عليك السلام ويقول لك: إنّى قد زوّجت فاطمة ابنتك من علي بن أبى طلب في الملأ الأعلى فزوّجه منها في الأرض» . خرّجه الإمام علي بن موسى الرضا فى مسنده. * الصواب: ليالى.
[ ٢١٧ ]
الإكرام، وظفروا بالشهادة الكبرى والمنزلة الرفيعة في الدنيا والاخرى، ونطق بفضلها أشرف الكتاب، فكان الدعاء بذكرهم يستجاب، وعدّت تلاوة أسمائهم لتدفع كل مهمة، ﵃ وعن جميع الأمة. وليس في غزواته ما يعدل بها في الفضل ويقرب منها إلا غزوة الحديبية، حيث كانت بيعة الرضوان. ويقال لها: بدر القتال «١»، وبدر الفرقان «٢»؛ لأن الله تعالى فرّق فيها بين الحق والباطل، وأظهر الله بها الدين من يومئذ، وقتل فيها صناديد قريش، وذلك أن العير التي خرج ﷺ في طلبها حتّى بلغ العشيرة ووجدها سبقته بأيام، لم يزل مترقبا قفولها من الشام، فلما سمع برجوعها من الشام دعا المسلمين، وقال: «هذه عير قريش فيها أموالهم فاخرجوا إليها لعل الله أن ينفلكموها» فانتدب ناس للإجابة واخرون لم يجيبوا لظنهم أن رسول الله ﷺ لم يلق حربا، ولم يحتفل لها رسول الله ﷺ ولا اهتم بها، بل قال: «من كان ظهره حاضرا فليركب معنا» .
فكان أبو سفيان حين دنا بالعير من أرض الحجاز يتحسس الأخبار، ويسأل من لقى من الركبان تخوّفا من رسول الله ﷺ، فبلغه أن رسول الله ﷺ قد استنفر أصحابه للعير، وأنه تركه مقيما ينتظر رجوع العير، فخاف خوفا شديدا، فاستأجر ضمضم بن عمرو الغفارى بعشرين مثقالا ليستنفر قريشا، ويخبرهم أن محمدا قد عرض لعيرهم هو وأصحابه، فخرج ضمضم سريعا إلى مكة، وقال:
«يا معشر قريش اللطيمة اللطيمة [أى أدركوا اللطيمة، وهى العير التى تحمل الطيب والبزّ*] أموالكم مع أبى سفيان قد عرض لها محمد في أصحابه، لا أرى أن تدركوها» . فتجهز الناس سراعا حيث أقام أشراف قريش يحضّون الناس علي الخروج، ولم يتخلف من أشرافهم إلا أبو لهب، وبعث مكانه العاص بن هاشم ابن المغيرة، استأجره بأربعة الاف درهم كانت له عليه دينا أفلس بها، وكانوا خمسين وتسعمائة، وقيل ألفا، وقادوا مائة فرس عليها مائة درع سوى دروع
_________________
(١) سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، وبدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، وسماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١] .
(٢) سميت بدر القتال؛ لأن الموقعة حدثت بها، وبدر الفرقان لأن الله فرق بها بين الحق والباطل، وسماها الله تعالى «الفرقان» فى قوله تعالى: يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ [الأنفال: ٤١] . * البزّ: نوع من الثياب، والسلاح.
[ ٢١٨ ]
المشاة، ومعهم القينات* يضربن بالدفوف، ويغنين بهجاء المسلمين، وخرج رسول الله ﷺ من المدينة في ثلاثمائة رجل وثلاثة عشر؛ من المهاجرين سبعة وسبعون، وباقيهم من الأنصار، وما فيهم سوى فارسين: المقداد بن عمرو الكندي، والزبير بن العوام، ونزل ﷺ في بدر، وبنى له عريش، وجلس فيه ومعه أبو بكر ﵁.
وكان ﷺ قد بعث طلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد يتحسسان خبر العير، فرجعا بخبر العير إلى المدينة، على ظن أنه ﷺ بالمدينة، فلما علما أنه ببدر خرجا إليه، فلقياه منصرفا من بدر، وأسهم «١» لكل منهما، ولو لم يحضرا القتال.
ودفع ﷺ اللواء وكان أبيض إلى مصعب بن عمير، وكان أمامه ﷺ رايتان سوداوتان، إحداهما مع علي بن أبى طالب، ويقال لها: «العقاب»، والاخرى مع بعض الأنصار، قيل هو سعد بن معاذ، وقيل الحباب بن المنذر. ولبس ﷺ درعه «ذات الفضول» وتقلد سيفه «العضب» . ولما سار وادى دفران «٢» (بكسر الفاء وهو واد قريب من الصفراء) أتاه الخبر عن سفر قريش ليمنعوا عيرهم، فاستشار النبى ﷺ أصحابه، وأخبرهم الخبر وقال لهم: إن القوم قد خرجوا من مكة مسرعين، فماذا تقولون؟ فقال طائفة منهم: العير أحبّ إلينا من لقاء العدو، فهلّا ذكرت لنا القتال حتّى نتأهب له إذ خرجنا للعير! فعند ذلك تغيّر وجه رسول الله ﷺ، قال بعضهم: وهذا سبب نزول قوله تعالى: كَما أَخْرَجَكَ رَبُّكَ مِنْ بَيْتِكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكارِهُونَ [الأنفال: ٥] فعند ذلك قام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن الأسود، فقال: «يا رسول الله امض لما أمرك الله به، فنحن معك، فو الله لا نقول لك كما قال قوم موسى لموسي: «اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ههنا قاعدون» ولكنا نقول: إنا معكما مقاتلون»، فلما سمع أصحاب رسول الله ﷺ ذلك تابعوهم، فأشرق عند ذلك وجهه ﷺ، ثم قال:
_________________
(١) * القينة: الأمة صانعة وغير صانعة، وغلب على المغنية.
(٢) أى جعل لهما سهما في الغنائم.
(٣) فى المراصد «دقران» بالقاف واد بالصفراء أو: شعب ببدر.
[ ٢١٩ ]
اشيروا عليّ، فقال عمر: يا رسول الله إنها قريش، والله ما ذلّت منذ عزّت، ولا امنت منذ كفرت، والله لتقاتلنّك، فتأهّب لذلك أهبته، وأعدّ لذلك عدّته. ثم استشارهم ثالثا، فقال: أشيروا عليّ أيها الناس، ففهمت الأنصار أنه يعنيهم؛ لأنهم أكثر الناس عددا، فقال له سعد بن معاذ «سيد الأوس»: لعلك تريدنا معاشر الأنصار يا رسول الله؟ فقال: أجل، قال: فقد آمنّا بك وصدّقناك، وشهدنا أن ما جئت به هو الحق، وأعطيناك على ذلك عهودنا ومواثيقنا على السمع والطاعة، وإنى أقول عن الأنصار وأجيب عنهم، فاظعن حيث شئت، وصل حبل من شئت، واقطع حبل من شئت، وسالم من شئت، وعاد من شئت، وخذ من أموالنا ما شئت، وما أخذت منّا كان أحبّ إلينا مما تركت، وما أمرت فيه من أمرنا فأمرنا تبع لأمرك، فامض يا رسول الله لما أردت، فنحن معك؛ والذى بعثك بالحق لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلّف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا، وإنّا لصبر في الحرب صدق في اللقاء لعل الله أن يريك منا ما تقرّ به عينك، فسر بنا على بركة الله، فنحن عن يمينك وعن شمالك وبين يديك ومن خلفك» فسرّ النبى ﷺ وأشرق وجهه بقول سعد، ونشّطه ذلك، وقال: «أبشروا فإن الله تعالى قد وعدنى إحدى الطائفتين أنها لكم، وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم (والطائفتان: العير، ونفير قريش، والعير:
هو المعبر عنه في الاية بغير ذات الشوكة، لأنه لم يكن فيها إلا أربعون فارسا، وأما الشوكة فهى في النفير لعددهم وعدتهم، فقوله تعالى وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ [الأنفال: ٧] يعنى تتمنون أن يكون لكم العير؛ لأنها الطائفة التى لا شوكة لها، أى لا حدّة لها ولا شدة، ولا تريدون الطائفة الاخري، ولكن الله يريد الطائفة الاخرى وهى نفير قريش الذى يريد حماية تلك العير، وهى المرادة من قوله تعالى يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِماتِهِ [الأنفال: ٧] الاية، ومعنى إحقاق الحق: تنجيز الوعد من النصر والظفر بالأعداء، ومعنى إحقاق الحق الثاني: تقوية القران والدين، ونصرة هذه الشريعة؛ لأن الذى وقع من المؤمنين يوم بدر بالكافرين كان سببا لعزة الدين وقوته، ولهذا السبب قرنه بقوله وَيُبْطِلَ الْباطِلَ [الأنفال: ٨] الذى هو الشرك، وذلك في مقابلة الحق الذى هو الدّين والإيمان، فقد أعلمه الله تعالى بعد وعده بالظفر بالطائفة الثانية، وأراه مصارعهم، فعلم القوم أنهم ملاقو القتال، وأنّ العير لا تحصل لهم.
[ ٢٢٠ ]
ثم ارتحل رسول الله ﷺ حتّى نزل قريبا من بدر، فلمّا أمسى بعث عليّا بن أبى طالب والزبير بن العوام وسعد بن أبى وقاص في نفر من أصحابه إلى بدر يلتمسون الخبر، فأصابوا راوية «١» لقريش معها غلام لبنى الحجاج وغلام لبنى العاص، فأتوا بهما رسول الله ﷺ وهو قائم يصلي، فقالوا: لمن أنتما؟ وظنوا أنهما لأبى سفيان، فقالا: نحن سقاة قريش بعثونا نسقيهم من الماء، فضربوهما، فلما أوجعوهما ضربا، قالا: نحن لأبى سفيان، فتركوهما. فلما فرغ رسول الله ﷺ من صلاته قال: «إذا صدقاكم ضربتموهما، وإذا كذباكم تركتموهما! صدقا والله، إنهما لقريش، أخبرانى عن قريش» . قالا: هم وراء هذا الكثيب الذى يرى بالعدوة القصوى- أى جانب الوادى المرتفع- فقال لهما رسول الله: كم القوم؟ قالا: هم والله كثير عددهم، شديد بأسهم، قال: ما عدّتهم؟ قالا: لا ندري. وجهد النبى ﷺ أن يخبراه كم هم، فأبيا. قال: كم ينحرون من الجزر كل يوم؟ قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، فقال ﷺ: «القوم ما بين التسعمائة والألف»، أي لكل جزور مائة، ثم قال لهما: «فمن فهيم من أشراف قريش؟» فعدّا له من فيهم من الأشراف، وهم كثير، وفيهم أبو جهل، فأقبل رسول الله ﷺ على الناس، فقال:
«هذه مكة قد ألقت إليكم أفلاذ كبدها- أى أشرافها وعظماءها-» ثم بعث ﷺ عديّا وبسبس ﵄، إلى بدر يتحسسان الأخبار (التحسس للأخبار بالحاء المهملة: أن يفحص الشخص عن الأخبار بنفسه، وبالجيم: أن يفحص عنها بغيره» وجاء: «تحسّسوا ولا تجسسوا» «٢») قبل وصوله ﷺ، وقبل وصول قريش إليها أيضا، فنزلا قريبا من بدر، عند تل هناك، ثم أخذا شنّا لهما يستقيان فيه، وكان مجدى بن عمرو على الماء، وإذا جاريتان تتخاصمان وتمسك إحداهما الاخرى على الماء، والممسكة الملزمة تقول لصاحبتها: إنما يأتى العير غدا أو بعد غد، فأعمل لهم وأقضيك الذى لك. فقال مجدى بن عمرو الذى على الماء: صدقت، ثم خلّص بينهما. فلما سمع بذلك عدى وبسبس، جلسا على بعيريهما، ثم انطلقا حتّى أتيا رسول الله ﷺ فأخبراه بما سمعا. ثم إن أبا سفيان
_________________
(١) الرواية: الناقة المعدة عليها القرب.
(٢) فى القاموس: الحاسوس: الجاسوس، أو بالحاء في الخير وبالجيم في الشر، والجس: المس باليد، وتفحّص الأخبار، ومنه الجاسوس والجسيس لصاحب سر الشر» أ. هـ مختصرا.
[ ٢٢١ ]
تقدم على العير حذرا حتّى ورد الماء، فلقى ذلك الرجل الذى على الماء، فقال له: هل أحسست أحدا؟ قال: ما رأيت أحدا أنكره، إلا أنى قد رأيت راكبين قد أناخا إلى هذا التل، ثم استقيا في شنّ لهما، ثم انطلقا، فأتى أبو سفيان مناخهما فأخذ من أبعار بعيريهما شيئا ففتته، فإذا فيه كسيرات النوي، فقال: «والله علائف يثرب» . فرجع إلى أصحابه سريعا فصرف وجه عيره عن الطريق، وترك بدرا بيسار، وانطلق حتّى أسرع، فلما علم أنه قد أحرز عيره أرسل إلى نفير قريش، وكان قد بلغه مجيئهم ليحرزوا العير، وكانوا حينئذ بالجحفة، [فقال أبو سفيان] «١»: «إنما خرجتم لتمنعوا عيركم ورجالكم وأموالكم، وقد نجّاها الله تعالى فارجعوا»، فقال أبو جهل: «والله لا نرجع حتّى نحضر بدرا فنقيم عليه ثلاثة أيام، فلا بد أن ننحر الجزر، ونطعم الطعام، ونسقى الخمر، وتعزف علينا القيان- أى تضرب بالدفوف- وتسمع بنا العرب وبمسيرنا وجمعنا، فلا يزالون يهابوننا أبدا بعدها» . وأراد بنو هاشم الرجوع، فاشتد عليهم أبو جهل، وقال: «لا تفارقنا هذه العصابة حتّى نرجع»، ثم لم يزالوا سائرين حتّى نزلوا بالعدوة القصوي، قريبا من الماء، ونزل رسول الله ﷺ بعيدا من الماء بينه وبين الماء مسافة، فظميء المسلمون وأصابهم ضيق شديد، وأجنب «٢» غالبهم، فحزنوا حزنا شديدا وأشفقوا، وكان الوادى لينا كثير التراب، تدخل فيه الأقدام، فأمطرت السماء ببركة النبى ﷺ وأصحابه، وتلبدت الأرض، وزال غبارها وشدتها، وشربوا وملأوا الأسقية، وسقوا الركائب، واغتسلوا من الجنابة، وطابت نفوسهم، فذلك قوله تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ [الأنفال:
١١]، وأصاب قريشا «٣» منها ما لم يقدروا على أن يرتحلوا منه ويصلوا إلى الماء، فكان المطر نعمة وقوة للمؤمنين، وبلاء ونقمة للمشركين. وأصاب المسلمين تلك الليلة نعاس شديد، وبات النبى ﷺ من بينهم يصلّى تحت شجرة، وقد حصل النعاس لهم، وهو دليل على الطمأنينة، فلما أن طلع الفجر نادى رسول الله ﷺ «الصلاة عباد الله»، فجاء الناس من تحت الشجر والجحف، «٤»
_________________
(١) ليست في الأصل، وإنما وضعناها ليستقيم الكلام.
(٢) أجنب: أي صار جنبا بخروج المنى باحتلام أو غيره الموجب للغسل.
(٣) فى الأصل «قريش» على أنها فاعل، والصحيح «قريشا» لأنها مفعول.
(٤) قرون الفلاة ورؤسها.
[ ٢٢٢ ]
فصلى بهم رسول الله ﷺ، وحرّض على القتال في خطبة خطبها، فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه: «أما بعد: فإني أحثكم على ما حثكم الله عليه » إلى أن قال « وإن الصبر في مواطن البأس مما يفرّج الله به الهمّ وينجى به من الغم» .
ولما رأى رسول الله ﷺ قريشا وقد أقبلت بالدروع الساترة، والجموع الوافرة، والأسلحة البارقة، قال: «اللهم إن هذه قريش قد أقبلت بخيلائها (أى بكبرها وعجبها وفخرها) تجادلك، وتخالف أمرك، وتكذّب رسولك، اللهم فنصرك الذى وعدتنى به، أنجزه اللهم، أمرتنى بالثبات ووعدتنى إحدى الطائفتين، وإنك لا تخلف الميعاد» .
وكان من حكمة الله تعالى أن جعل المسلمين قبل أن يلتحم القتال في أعين المشركين قليلا استدراجا لهم ليقدموا، ولما التحم القتال جعلهم في أعين المشركين كثيرا ليحصل لهم الرعب، وجعل الله المشركين عند التحام القتال في أعين المسلمين قليلا، ليقوي جانبهم على مقاتلتهم، وأنزل الله تعالى وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ [الأنفال: ٤٤] ومن ثمّ قال الله تعالى:
قَدْ كانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتا فِئَةٌ تُقاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرى كافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ [ال عمران: ١٣] وحين رأى المسلمون نار القتال قد شّبت عجّوا «١» بالدعاء إلى الله تعالى، فأنزل الله تعالى عند ذلك: إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُرْدِفِينَ [الأنفال: ٩] (أى متتابعين)، فكان جبريل ﵇ في خمسمائة ملك على الميمنة، وفيها أبو بكر ﵁، وميكائيل ﵇ في خمسمائة على الميسرة، وفيها عليّ ﵁، فى صور الرجال، عليهم عمائم بيض وثياب بيض، قد أرخوا أذنابها بين أكتافهم، وعلى جبريل ﵇ عمامة صفراء أرسلها من خلفه.
وعن عروة بن الزبير: كانت عمامة الزبير يوم بدر صفراء، فأمدّه الله تعالى بالملائكة؛ ألف مع جبريل وألف مع ميكائيل، وقيل أيضا: أمدّه بألف مع إسرافيل فزيد في الوعد بثلاثة الاف لقوله تعالى: بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ [ال عمران: ١٢٥] فوقع الوعد
_________________
(١) عجوا بالدعاء: رفعوا أصواتهم.
[ ٢٢٣ ]
بإكمالهم خمسة الاف، وكان ذلك معلّقا على شرط، وهو الصبر والتقوى عن حوز الغنائم، فلم يصبروا، ففات الإمداد مما زاد على الثلاثة الاف، وقيل: كان الإمداد يوم بدر بالخمسة الاف، وإنما كان الملائكة شركاء لهم في بعض الفعل، ليكون الفعل منسوبا للنبى ﷺ ولأصحابه، وأن الملائكة مدد على عادة مدد الجيوش، رعاية لصورة الأسباب التى أجراها الله تعالى في عباده، وإلا فجبريل واحده قادر على أن يدفع الكفار بريشة من جناحه، وليهابهم العدوّ بعد ذلك، فاتضح أن الملائكة قاتلت يوم بدر، ولم تكن لتكثير السواد فقط «١» .
وعند ابتداء الحرب نادى منادى قريش: يا محمد أخرج لنا أكفاءنا من قومنا، فقال النبى ﷺ: «قم يا عبيدة بن الحارث، وقم يا حمزة، وقم يا علي»، أو قال: «قوموا يا بنى هاشم، فقاتلوا»، فلما قدم عبيدة ابن الحارث وحمزة وعلى دنوا منهم، وقالوا: من أنتم؟ لأن هؤلاء الثلاثة كانوا ملتبسين لا يعرفون من السلاح، قال عبيدة: عبيدة، وقال حمزة: حمزة، وقال عليّ: عليّ، قالوا: نعم أكفاء كرام، فبارز عبيدة ابن الحارث: عتبة بن ربيعة، وبارز حمزة: شيبة، وبارز عليّ الوليد، فأما حمزة فلم يمهل أن قتل شيبة، وأما على فلم يمهل أن قتل الوليد، واختلف عبيدة وعتبة بينهما بضربتين كلاهما طعن صاحبه، وكرّ حمزة وعليّ بسيفيهما على عتبة فذفّفا «٢» عليه، واحتملا صاحبهما فجرّاه إلى أصحابه، وأضجعوه إلى جنب موقعه ﷺ، فأفرشه رسول الله ﷺ قدمه الشريف، فوضع خدّه عليها، فقال له عبيدة: ألست شهيدا يا رسول الله؟ فقال له رسول الله ﷺ: أشهد أنك شهيد.
قيل: هذه أوّل مبارزة وقعت في الإسلام. وفي الصحيحين عن أبى ذرّ أنه كان يقسم قسما أن اية هذانِ خَصْمانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ [الحج: ١٩] نزلت في حمزة وصاحبيه يوم بدر.
_________________
(١) قال الربيع بن أنس: «كان الناس يعرفون قتلى الملائكة ممن قتلوهم بضرب فوق الأعناق، وعلى البنان مثل سمة النار قد أحرق به. وعن ابن عباس: لم تقاتل الملائكة إلا يوم بدر. وكذلك روى ابن إسحاق: لم تضرب الملائكة في يوم سوى يوم بدر. وإنما كان نزولهم في غير بدر لتثبيت المؤمنين، لا للقتال.
(٢) قوله «فذففا عليه»: أي أسرعا قتله وتمما عليه أ. هـ (من هامش الأصل) .
[ ٢٢٤ ]
ثم تزاحم الناس ودنا بعضهم من بعض، وقد كان عدّل رسول الله ﷺ صفوف أصحابه بقدح في يده (أى سهم)، فمرّ بسواد بن غزية (حليف بنى النجار) وهو خارج من الصف فطعنه «١» ﷺ بالقدح في بطنه، وقال: استو يا سواد، فقال: يا رسول الله أوجعتنى وقد بعثك الله بالحق والعدل، فأقدنى من نفسك (أى مكّنّى من القصاص من نفسك) فكشف رسول الله ﷺ عن نفسه، وقال: استقد: أي اقتصّ، فاعتنقه وقبّل بطنه، فقال: ما حملك على هذا يا سواد؟
فقال: يا رسول الله حضر ما ترى فأردت أن يكون اخر العهد بك أن يمسّ جلدى جلدك» «٢»، فدعا له ﷺ بخير.
ثم لما عدّل الصفوف، قال لهم: «إن دنا القوم منكم فادفعوهم عنكم بالنبل، واستبقوا نبلكم: لا ترموهم على بعد، (لأن النبل مع البعد يخطيء) ولا تسلّوا السيوف حتّى يغشوكم» ثم رجع ﷺ إلى العريش يناشد ربّه ما وعده به من النصر، ويقول: «اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم لا تعبد في الأرض» وأبو بكر يقول: «دع بعض مناشدتك ربك؛ إن الله منجز لك ما وعدك» فكان المصطفى فى مقام الخوف، وهو هنا أعلي، والصدّيق في مقام الرجاء، وهو هنا دونه.
ولما اصطفّ الناس للقتال رمى قطبة بن عامر حجرا بين الصفين، وقال: لا أفرّ إن فرّ هذا الحجر.
وعن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: «قوموا إلى جنة عرضها السموات والأرض»، فقال عمير بن الحمام «٣» - بضم الحاء المهملة وتخفيف الميم- ابن الجموح الأنصاري: بخ بخ (كلمة تقال لتعظيم الأمر
_________________
(١) وكزه وكزة خفيفة.
(٢) من الإصابة لابن حجر: «سواد بن غزيّة الأنصاري: من بنى عدى ابن النجار. هو الذى أسر خالد بن هشام المخزوميّ. روى عبد الرزاق أن النبى ﷺ كان يتخطى بعرجون، فأصاب به سواد بن غزية الأنصاري، فقال: أقدني » وساق القصة ورواه البغوى أيضا.
(٣) هو عمير بن الحمام بن الجموح بن زيد بن حرام بن كعب بن سلمة الأنصاري. كان أوّل قتيل فى سبيل الله في الحرب، واتفقوا على أنه استشهد يوم بدر لا يوم أحد، كما زعم بعضهم أ. هـ. باختصار من الإصابة.
[ ٢٢٥ ]
والتعجب منه مع التنوين وعدمه) فقال رسول الله ﷺ: ما يحملك على قولك بخ بخ؟ قال: لا، والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها؟ قال: فإنك من أهلها. قال: فأخرج تمرات من جعبته فجعل يأكل منهن، ثم قال: «لئن أنا حييت حتى اكل تمراتى هذه إنها لحياة طويلة»، فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتل حتى قتل.
وكان رسول الله ﷺ اخى بينه وبين عبيدة بن الحرث المطلبي، فقتلا يوم بذر جميعا.
وقال ابن إسحاق: قال رسول الله ﷺ يوم بدر: لا يقاتل أحد في هذا اليوم فيقتل صابرا محتسبا، مقبلا غير مدبر: إلا دخل الجنة؟ وكان عمير واقفا في الصف بيده تمرات يأكلهن، فسمع ذلك فقال: «بخ بخ، ما بينى وبين أن أدخل الجنة إلا أن يقتلنى هؤلاء» وألقى التمرات من يده وأخذ السيف وقاتل القوم وهو يقول:
ركضا إلى الله بغير زاد إلا التّقى وعمل المعاد
والصبر في الله على الجهاد إنّ التّقى من أعظم السّداد
وخير ما قاد إلى الرشاد وكلّ حيّ فإلى نفاد
وبعد تعديل الصفوف كان أوّل من خرج من المسلمين «مهجع» - بكسر الميم وإسكان الهاء فجيم مفتوحة فعين مهملة- مولى عمر بن الخطاب، فقتله عامر بن الحضرمى بسهم أرسله إليه، فقيل: إنه أوّل من يدعى من شهداء هذه الأمة، وإنه ﷺ قال يومئذ: «مهجع سيد الشهداء «١»» .
وقاتل في ذلك اليوم المؤمنون، ثم أخذ رسول الله ﷺ حفنة من الحصباء ناولها له عليّ ﵁، فاستقبل بها قريشا، ثم قال: «شاهت وجوه القوم» أى قبحت وذلّت- ثم نفخهم بها فلم يبق من المشركين رجل إلا ملئت عينه
_________________
(١) مهجع العكى- مولى عمر بن الخطاب- أصله من عكّ، فأصابه سباء، فمنّ عليه عمر فأعتقه. كان من السابقين إلى الإسلام. شهد بدرا واستشهد بها. وكان ممن نزل فيهم قوله تعالى: وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ.
[ ٢٢٦ ]
وأنفه وفمه، فلا يدرى أين يتوجه، يعالج التراب لينزعه من عينه، وقال لأصحابه: «شدّوا عليهم» فكانت الهزيمة على المشركين، وردفهم المسلمون يقتلون ويأسرون، وأنزل الله (تعالى: وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال:
١٧] .
وقد ورد عن عمر ﵁ أنه لما كان يوم بدر، وانهزمت قريش، نظرت إلى رسول الله ﷺ في اثارهم مصلتا السيف يقول: سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ [القمر: ٤٥] .
وكان من جملة من خرج مع المشركين يوم بدر: عبد الرحمن بن أبى بكر، وكان اسمه قبل الإسلام عبد الكعبة، فسماه النبى ﷺ عبد الرحمن، وكان من أشجع قريش، وأسنّ ولد أبيه، فلما أسلم في هدنة الحديبية وهاجر إلى المدينة قال لأبيه: لقد هدفت «١» لى يوم بدر مرارا فأعرضت عنك، فقال أبو بكر: لو هدفت لى لم أعرض عنك.
وكان حرسه ﷺ ببدر: سعد بن معاذ، وذكوان بن عبد الله، ويوم أحد حرسه:
محمد بن مسلمة الأنصاري. وحرسه يوم الخندق: الزبير بن العوام، وسعد ابن أبى وقاص، وعباد بن بشر. وحرسه ليلة خيبر: أبو أيوب الأنصارى. وحرسه بلال بوادى القرى «٢»، فلما أنزل الله تعالى: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [المائدة:
٦٧] ترك الحرس.
وفي يوم بدر قتل أبو عبيدة بن الجراح أباه وكان مشركا، وأنزل الله تعالى:
لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ الاية [المجادلة: ٢٢] .
وقال رسول الله ﷺ: «من له علم بنوفل بن خويلد؟ فقال علي: أنا قتلته. فكبّر رسول الله ﷺ وقال: الحمد لله الذى أجاب دعوتى فيه»؛ فإنه لما التقى الصفان نادى نوفل بصوت رفيع: يا معشر قريش: اليوم يوم الرفعة والعلا، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اكفنى نوفل بن خويلد» .
_________________
(١) أى كنت هدفا لى أستطيع قتلك.
(٢) واد بين المدينة والشام، من أعمال المدينة، كثير القري.
[ ٢٢٧ ]
ثم أمر رسول الله ﷺ بأبى جهل أن يلتمس في القتلي، وقال: إن خفي عليكم انظروا إلى أثر جرح في ركبته، فإني ازدحمت يوما وهو على مائدة لعبد الله بن جدعان، ونحن غلمان، وكنت أسنّ منه، فدفعته فوقع على ركبتيه، فجحش جحشا على إحديهما (أى خدش خدشا لم يزل أثره به) فحمل عبد الله بن مسعود رأس أبى جهل بن هشام إليه ﷺ، فسجد شكرا لله تعالى؛ لراحة المسلمين من هذا الفاجر، وكان يكنى أبا الحكم فكناه النبى ﷺ أبا جهل، وهو عمرو بن هشام بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وأمه أسماء بنت مخرمة «١» بن نهشل.
استطراد: كان المغيرة بن عبد الله بن المعرض: الملقّب بالأقيشر، تزوّج بابنة عم له يقال لها الرباب، على أربعة الاف درهم، فأتى قومه فسألهم فلم يعطوه شيئا، فأتى ابن رأس البغل، وهو دهقان الصين وكان مجوسيا فسأله فأعطاه الصداق كاملا، فقال:
كفانى المجوسيّ بمهر الرّباب فدى للمجوسى خال وعم
شهدت عليك بطيب الأروم فإنك بحر جواد خضم
وإنك سيد أهل الجحيم إذا ما ترديت في من ظلم
تجاور هامان في قعرها وفرعون والمكتنى بالحكم «٢»
فقال المجوسي: ويحك سألت قومك فلم يعطوك شيئا، وجئتنى فأعطيتك فجزيتنى هذا القول! فقال: أما ترضى أن جعلتك مع الملوك وفوق أبى جهل!.
واستشهد من المسلمين أربعة عشر رجلا؛ ستة من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، وقتل من المشركين سبعون، وأسر سبعون، وانهزم الباقون، وغنم ﵊ متاعهم، وكان من جملة الأسري: العباس عمّ رسول الله ﷺ.
_________________
(١) هي أسماء بنت مخرمة (فى الأصل: «مخزومة») .
(٢) يقصد أبا جهل لعنه الله.
[ ٢٢٨ ]
ولما انقضى القتال أمر النبيّ ﷺ بسحب القتلى إلى القليب «١»، وكانوا أربعة وعشرين رجلا من صناديد قريش*، فقذفوا فيه، ثم وقف رسول الله ﷺ فقال:
يا أهل القليب، بئس عشيرة النبى كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، يا أهل القليب هل وجدتم ما وعد ربّكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدنى ربى حقا. فقال له أصحابه:
أتكلّم قوما موتي؟ قال: لقد علموا أنّ ما وعدهم ربهم حق» .
وعاد النبى ﷺ إلى المدينة، وكانت غيبته تسعة عشر يوما، وأرسل زيد بن حارثة بشيرا، فوصل إلى المدينة وقد نفضوا أيديهم من تراب رقية بنت النبى ﵊، وكان عثمان تخلّف في المدينة بأمره ﷺ لسببها.
وفيها «٢» هلك أبو لهب.
وكانت وقعة بدر المذكورة صبيحة الجمعة لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، فى السنة الثانية من الهجرة.
مقتل النضر ورثاء أخته له: لما وصل رسول الله ﷺ إلى الصفراء راجعا من بدر، وأمر عليا بضرب عنق النضر بن علقمة بن كلدة بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصى القرشى العبدري، وكان شديد العداوة للنبى ﷺ، وإذا تلا ﷺ قرانا، يقول لقريش: ما يأتيكم محمد إلا بأساطير الأولين. فلما قتل النضر أنشدت أخته النبيّ ﷺ- واسمها قتيلة- هذه الأبيات:
يا راكبا إنّ الأثيل مظنّة من صبح غادية وأنت موفق
أبلغ بها ميتا بأن تحية ما إن تزال بها النجائب تعنق
منّى إليه وعبرة مسفوحة جادت بواكفها وأخرى تخنق
هل يسمعنّى النضر إن ناديته إن كان يسمع ميت لا ينطق
ظلّت سيوف بنى أبيه تنوشه لله أرحام هناك تشقّق
قسرا يقاد إلى المنية متبعا رسف المقيد وهو عان موثق
_________________
(١) أى البئر.
(٢) أى في السنة الثانية. * واضح أنهم لم يستحبوا كلّ القتلى، فقد سبق أن عددهم كان سبعين رجلا.
[ ٢٢٩ ]
أمحمّد، ولأنت صنو نجيبة في قومها والفحل فحل معرق
ما كان ضرّك لو مننت وربما منّ الفتى وهو المغيظ المحنق
فالنضر أقرب من تركت* وسيلة وأحقّهم إن كان عتق يعتق
أو كنت قابل فدية فليفدين بأعز ما يغلى به من ينفق
ذكر أنه ﷺ قال: «لو سمعت شعرها قبل ذلك لما قتلته» .
وقيل: إن الذى أمر بقتله المقداد بن الأسود، وقال بعضهم: إن الزبير بن بكار قال: سمعت بعض أهل العلم يغمز في أبيات قتيلة بنت الحارث، ويقول إنها مصنوعة. أ. هـ.
وقال بعضهم: الصحيح أن قتيلة ابنة النضر هى جدة الثريا ابنة علي بن عبد الله بن الحارث الموصوفة بالجمال، وهى صاحبة عمر بن عبد الله بن أبى ربيعة بن المغيرة بن عمرو بن مخزوم- الشاعر المشهور- لم يكن في قريش أشعر منه، وكان يتغزّل في شعره بالثريا المذكورة، فتزوجها سهيل بن عبد الرحمن الزهري، ونقلها إلى قصره، فقال عمر المذكور في زواجهما، مورّيا بالثريا وسهيل النجمين المعروفين ببيتين يضرب بهما المثل في تعذّر الاجتماع:
أيّها المنكح الثّريّا سهيلا عمرك الله كيف يلتقيان؟!
هى شامّيّة إذا ما استقلّت وسهيل إذا استقلّ يماني
ثم بعد قتل النضر بن الحارث أمر بضرب عنق عقبة بن أبى معيط بن أمية.
ثم بعث رسول الله ﷺ عبد الله بن رواحة بشيرا لأهل العالية- محلّ قريب من المدينة على عدّة أميال- وزيد بن حارثة بشيرا لأهل السافلة بما فتح الله على رسوله ﷺ والمسلمين، فجعل عبد الله بن رواحة يقول في أهل العالية: يا معشر الأنصار، أبشروا بسلامة رسول الله ﷺ وقتل المشركين وأسرهم، ونادى زيد بن حارثة في أهل السافلة بمثل ذلك، ويقولون: قتل فلان وفلان، وأسر فلان وفلان من أشراف قريش.
_________________
(١) * الرواية المشهورة: أقرب من قتلت قرابة.
[ ٢٣٠ ]
وصار عدوّ الله كعب بن الأشرف «١» يكذّبهما ويقول: إن كان محمد قتل هؤلاء القوم، فبطن الأرض خير من ظهرها.
[إسلام عمير بن وهب]:
قال ابن إسحاق: وجلس عمير بن وهب الجمحى مع صفوان بن أمية بعد مصاب قريش في بدر تجاه الكعبة، فتذاكرا قومهما وما نزل بهم من القتل والأسر، وكان عمير بن وهب ممن يؤذى رسول الله ﷺ وأصحابه بمكة قبل الهجرة، وكان ابنه وهب بن عمير في أسارى بدر، فقال صفوان: والله ما في الحياة بعد اليوم خير، فقال له عمير: صدقت، أما والله لولا دين عليّ ليس له عندى قضاء، وعيال أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتّى أعمل الحيلة وأقتله وأفتكّ ابنى من أيديهم. وكان عمير شجاعا، وكان صفوان ذا مال كثير، فانتهز الفرصة صفوان، وقال له: أمّا دينك فعليّ قضاؤه، وأما عيالك فهم مع عيالى أواسيهم ما بقوا، ولا يكون في يدى شئ فيحرمون منه. فعاهده عمير على ذلك، وقال: اكتم شأنى وشأنك، فقال صفوان: أكتم ذلك. ثم إن عميرا شحذ سيفه وسمّمه، وانطلق حتّى قدم المدينة، فبينما عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- فى نفر من المسلمين يتحدثون عن يوم بدر، وما أكرمهم الله تعالى فيه، وما فعل بأعدائهم، ويشكرون الله تعالى، إذ نظر عمر إلى عمير بن وهب حين أناخ على باب المسجد ناقته متوشحا سيفه، فقال: هذا عدو الله عمير ابن وهب ما جاء إلا بشرّ. ثم دخل عمر على رسول الله ﷺ المسجد فقال: يا نبيّ الله، هذا عدو الله عمير بن وهب، قد جاء متوشحا سيفه، قال: أدخله عليّ.
فأقبل عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- إلى عمير، فأخذ بحمائل سيفه، وقال لرجال ممن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا إلى رسول الله ﷺ فاجلسوا عنده، واحذروا عليه من هذا الخبيث؛ فإنه غير مأمون. ثم دخل على رسول الله ﷺ، فلما راه رسول الله ﷺ وعمر اخذ بحمائل سيفه في عنقه، قال:
أرسله يا عمر، ادن يا عمير، فدنا عمير، وقال للنبى ﷺ: أنعم صباحا- وكانت
_________________
(١) هو أعدى أعداء رسول الله ﷺ من اليهود.
[ ٢٣١ ]
هذه تحية العرب في الجاهلية- فقال رسول الله ﷺ: أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير؛ أكرمنا بالسلام تحية أهل الجنة، ما جاء بك عمير؟ قال: جئت لهذا الأسير الذى عندكم، قال: فما للسيف في عنقك؟ قال: قبحها الله من سيوف، وهل أغنت شيئا، قال: أصدقنى يا عمير، ما الذى جئت له؟ قال: ما جئت إلا لذلك، قال: يا عمير قعدت أنت وصفوان بن أمية تجاه الكعبة فذكرتما أصحاب القليب من قريش، ثم قلت: لولا دين عليّ وعيال لى لخرجت حتّى أقتل محمدا، فتحمّل لك صفوان بدينك وعيالك على أن تقتلنى له، والله تعالى حائل بينك وبين ذلك. قال عمير: أشهد أنك رسول الله، قد كنا يا رسول الله نكذّبك بما يأتى من خبر السماء وما ينزل عليك من الوحي، وهذا أمر لم يعلمه أحد ولم يحضره إلا أنا وصفوان، وو الله إنى لأعلم أنه ما أتاك إلا من الله تعالى، فالحمد لله الذى هدانى للإسلام، وساقنى هذا المساق. ثم شهد شهادة الحق- رضى الله تعالى عنه- فقال رسول الله ﷺ: فقّهوا أخاكم في دينه، وأقرئوه القران وأطلقوا له أسيره، ففعلوا ذلك، ثم قال: يا رسول الله إنى كنت جاهدا في إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحب أن تأذن لى فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله تعالى- إلى الإسلام- لعل الله يهداهم؟ فأذن له رسول الله ﷺ.
فلحق «١» بمكة وأظهر الإسلام، وأسلم ولده أيضا- رضى الله تعالى عنهما.
قال ابن إسحاق: وأسلم بعد فك الأسر جماعة منهم: أبو وداعة السهمي، وعبد الله بن خلف الجمحي، ووهب بن عمير الجمحي، وقيس بن السائب المخزومي، وأسلم السائب بن عبيد، وهو الأب الخامس للإمام الشافعىرضي الله عنه- وكان صاحب راية بنى هاشم يوم بدر من كفار قريش، وكان صاحب الراية أبو سفيان، لكن لغيبته في العير حملها السائب لشرفه، وأما الأب الرابع، فهو شافع بن السائب الذى ينسب إليه الإمام الشافعى ﵁، لقى النبيّ ﷺ وهو مترعرع فأسلم.
فإن الإمام الشافعىرضي الله عنه- هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد
_________________
(١) فى الأصل فألحق، وهو خطأ.
[ ٢٣٢ ]
مناف جد النبى ﷺ، فيجتمع الإمام الشافعى- رضى الله تعالى عنه- مع النبى ﷺ في جد الإمام الشافعى التاسع الذى هو جد النبى ﷺ الثالث، وهو عبد مناف.
ولما قدم ﵊ المدينة وكانت وقعة بدر، وأسر فيها من أسر من أهل مكة، قال ﵊ لأهل بدر: «إن بكم عيلة «١»، فلا يفلت منهم- يعنى الأسارى- أحد إلا بفداء أو ضربة عنق»، وقال: «استوصوا بهم خيرا» . وكان فداؤهم أربعين أوقية عن كل إنسان، إلا العباس عم النبى ﷺ؛ فإن فداءه كان مائة أوقية، فكان من لا مال له من الأسارى يقبل منه أن يعلّم عشرة من غلمان أهل المدينة الكتابة، فإذا حذقوه كان فداءه، فيومئذ تعلّم زيد بن ثابت الكتابة في جماعة من الأنصار. ومن هنا تعلم أن النبى ﷺ كان حريصا على تعليم «٢» الكتابة التى هى التمدن الأوّلى للنوع البشري، وسيأتى بيان الوظائف والتعليمات التى كانت جارية في عهده ﷺ.
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شيء، ولما طلب ﷺ من العباس أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء، وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج؟ فقال النبى ﷺ: كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك عما أخذ منك. وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) «٣»
_________________
(١) أى فقر.
(٢) أى حريصا على أن يتعلم المسلمون الكتابة والقراءة. وفي الأصل الذى راجعنا عليه «تعلم» وهو خطأ واضح، وذلك أن النبى ﷺ لو كان حريصا على تعلم القراءة لأعطى العدو سلاحا للطعن فى الرسالة، نسأل الله العصمة من الزلل، وهو خطأ طباعى لا محالة.
(٣) قال ابن كثير: قال محمد بن إسحاق: حدثنى العباس بن مغافل عن بعض أهله عن عبد الله بن عباسرضي الله عنهما- أن رسول الله ﷺ قال يوم بدر: «إنى قد عرفت أن أناسا من بنى هاشم وغيرهم قد أخرجوا كرها، لا حاجة لهم بقتالنا، فمن لقى منكم أحدا منهم فلا يقتله، ومن لقى أبا الخترى بن هشام فلا يقتله، ومن لقى العباس بن عبد المطلب فلا يقتله، فإنما أخرج مستكرها» . فقال أبو حذيفة بن عتبة: أنقتل اباءنا وأبناءنا وإخواننا وعشائرنا ونترك العباس؟! والله لئن لقيته لألجمنّه بالسيف. -
[ ٢٣٣ ]
[الأنفال: ٧٠]، وقد أعطى الله العباس خيرا مما أخذ منه، وفي هذه الاية بشرى عظيمة للعباس؛ إذ أخذ أكثر مما أعطي، وغفر له ما أخطأ، ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله وددت أنك أخذت منى أضعافا.
وفي البخارى أنه أتي بمال من البحرين (أى خراجها وهو أوّل خراج حمل إلى النبى ﷺ) وكان مائة ألف، فأمر بصبه في المسجد. وكان أكثر مال أتى به:
فخرج إلى المسجد ولم يلتفت إليه، فلما قضى الصلاة جاء فجلس إليه فما كان يرى أحدا إلا أعطاه، إذ جاءه العباس فسأله، فقال: خذ، فحثا في ثوبه، ثم ذهب يقلّه فلم يستطع، فقال: يا رسول الله مرّ بعضهم يرفعه إليّ، فقال: لا، فقال:
ازفعه أنت عليّ، فقال: لا. فنثر منه ثم ذهب يقله فلم يستطع، فقال كالأوّل، فقال: لا. ثم نثر منه، ثم احتمله، فأتبعه ﷺ بصره عجبا من حرصه.
وذكر السهمى في «الفضائل» أن أبا رافع لما بشّر النبى) بإسلام العباس أعتقه.
ولما فدى العباس نفسه، ورجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله، هاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، كان ﷺ يكرمه ويعظمه «١»، ووصفه ﵊ فقال: «أجود الناس كفا، وأحناه عليهم»، وروى السهمى من حديث ابن عباس أنه ﵊ قال: «ألا أبشرك يا عم؟ قال:
_________________
(١) - فبلغت رسول الله ﷺ فقال لعمر بن الخطاب: يا أبا حفص، (قال عمر: والله إنه لأوّل يوم كنانى فيه رسول الله ﷺ أبا حفص) أيضرب وجه عم رسول الله ﷺ بالسيف؟! فقال عمر: يا رسول الله ائذن لى فأضرب عنقه، فو الله لقد نافق. فكان أبو حذيفة يقول بعد ذلك: والله ما امن من تلك الكلمة التى قلت، ولا أزال منها خائفا إلا أن يكفّرها الله تعالى عنى بشهادة. فقتلرضي الله عنه- يوم اليمامة شهيدا. انظر تفسير ابن كثير بتوسع عند تفسير قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٠) [الأنفال: ٧٠] .
(٢) كان النبى ﷺ يقول: «العباس منى وأنا منه» رواه الترمذى والحاكم عن ابن عباس. «العباس عم رسول الله ﷺ وإن عم الرجل صنو أبيه» رواه الترمذي. وروى ابن عساكر عن عليّ: «العباس عمى وصنو أبى فمن شاء فليباه بأبيه» . وقد ذكر له محب الدين الطبرى فصلا خاصا به في كتابه «ذخائر العقبي» وهو فصل ممتاع، فانظره.
[ ٢٣٤ ]
بلى بأبى أنت وأمي، فقال ﵊: «إن من ذريتك الأصفياء، وعترتك الخلفاء» «١» .
وكان الذى أسر العباس أبو اليسر، واسمه كعب بن عمرو، وكان قصيرا دميما، وكان العباس عظيم الخلق طويل القامة من مقبّلى الظعن- يعنى أنه كان يدرك فم الظعينة وهى راكبة على البعير، وهو على قدميه في الأرض.
وفي مسند البزار: قيل للعباس: كيف أسرك أبو اليسر ولو أخذته بكفك لوسعته؟! فقال: ما هو إلا أن لقيته فظهر في عينى كالخندمة- والخندمة جبل حول مكة- وذكر أبو عمر: أن رسول الله ﷺ قال: «لقد أعانك عليه ملك كريم» .
ولما فدى العباس نفسه وابن أخيه عقيل بن أبى طالب قال لرسول الله ﷺ:
لقد تركتنى أتكفف قريشا فقيرا معدما، فقال له رسول الله ﷺ: فأين ما دفعته إلى أم الفضل وقت خروجك من مكة وقلت لها: ما أدرى ما يصيا بني، فإن حدث بى حادث فهو لك ولعبد الله وعبيد الله والفضل وقثم؟ فقال العباس: وما يدريك يا ابن أخي؟ قال: أخبرنى به ربي، فقال العباس: أشهد أنك صادق، وأشهد ألاإله إلا الله وأنك عبده ورسوله والله لم يطّلع عليه أحد إلا الله ولقد دفعته إليها في سواد الليل، ولقد كنت مرتابا في أمرك، فأما إذ أخبرتنى بذلك فلا ريب. ا. هـ.
وأم الفضل هذه «لبابة الكبري» بنت الحارث الهلالية، أخت ميمونة زوج النبى ﷺ، وأختها «لبابة الصغري» أم خالد بن الوليد، وولدت أم الفضل للعباس سبعة نجباء: عبد الله بن عباس صاحب التفسير الذى قال فيه ﵊: «اللهم فقّهه في الدين وعلّمه التأويل» . وإخوته الستة: عبيد الله، وعبد الرحمن، والفضل، وقثم، ومعبد، وكثير، (واختلف في كثير فقيل: إن أمه رومية)، وأختهم أم حبيب.
_________________
(١) عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد فوجد العباس بن عبد المطلب ساجدا، فوقف حتّى رفع رأسه، فلما انفتل من صلاته قال ﷺ: «إن من ذريتك الأصفياء، ومن عترتك الخلفاء» (ذكره صاحب ذخائر العقبى) محب الدين الطبرى﵀.
[ ٢٣٥ ]
وفي أم الفضل يقول الشاعر:
ما ولدت نجيبة من فحل بجبل نعرفه وسهل
كسبعة من بطن أمّ الفضل أكرم بها من كهلة وكهل
عمّ النبيّ المصطفى ذى الفضل وخاتم الرسل وخير الرسل
وكان له أيضا سوى هؤلاء ثلاثة من غير أم الفضل: عون، والحارث، وتمام، وكان أصغرهم تمام، وأمه رومية تسمى «سبا» ويقال شقيقه «كثير» المتقدم الذكر، وكان العباس يحمل «تماما» هذا ويقول:
تمّوا بتمّام فصاروا عشره يا رب فاجعلهم كراما برره
واجعل لهم ذكرا وأنم الثمره
وقد أجاب الله دعاء العباس في بنيه الأكياس، كانوا كما أراد أبوهم واشتهي، كلهم له رواية ونهى. ومع ذلك فيقال: ما رؤيت قبور أشد تباعدا بعضها من بعض من قبور بنى العباس بن عبد المطلب؛ ولدتهم أمهم أم الفضل في دار واحدة، استشهد الفضل بأجنادين، ومات معبد وعبد الرحمن بإفريقية، وتوفى عبد الله بالطائف، وعبيد الله باليمن، وقثم بسمرقند، وكثير وأمه سبأ المذكورة أخذته الذبحة بينبعرضي الله عنهم أجمعين.
وخرّج محمد بن يزيد في «الكامل» أن العباس كان إلى منكب عبد المطلب، وكان عبد الله بن عباس إلى منكب العباس، وكان علي بن عبد الله إلى منكب أبيه عبد الله. وطاف عليّ هذا بالبيت، وهناك عجوز قديمة، وعليّ قد فرع «١» الناس كأنه راكب والناس مشاة، فقالت: من هذا الذى فرع الناس؟ فقيل: هو علي بن عبد الله ابن العباس، فقالت: لا إله إلا الله، إن الناس ليرذلون «٢»؛ عهدى بالعباس وهو يطوف بالبيت كأنه قرطاس أبيض. انتهى.
_________________
(١) أى فاقهم طولا.
(٢) هو كناية عن أن أفاضل الناس يذهبون ويبقى الأقل فضلا.
[ ٢٣٦ ]
وقال بعضهم: أدرك الإسلام من العرب عشرة أنفار طوال جدّا، منهم عبادة ابن الصامت.
ومن جملة الأسارى أيضا نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، تأخر إسلامه إلى غام الخندق، وقيل: بل أسلم حين أسر، وذلك أن رسول الله ﷺ قال له: افد نفسك بأرماحك التى بجدّة، قال: والله ما علم أحد أن لى بجدة أرماحا غير الله، أشهد أنك رسول الله. ثم شهد معه حنينا، وأعانه عند الخروج إليها بثلاثة الاف رمح، فقال رسول الله ﷺ: كأنى أنظر إلى أرماحك هذه تقصف ظهور المشركين.
توفى نوفل بالمدينة سنة خمس عشرة، وصلّى عليه عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنهما.
وقيل: إن العباس أسلم قبل وقعة بدر، وكان يخفى إسلامه لمّا طلب منه ﷺ أن يفدى نفسه، قال: علام يؤخذ منى الفداء وقد كنت أسلمت أنا وأم الفضل وبقية ال بيتي، ولكن القوم أكرهونى على الخروج «١»؟!، وقال النبى ﷺ: كان ظاهر أمرك أنك كنت علينا، ولكنّ الله تعالى يجزيك على ما أخذ منك، وأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا، [الأنفال: الاية ٧٠] ولما نزلت قال العباس: يا رسول الله لوددت أنك كنت أخذت منى أضعافا، والمأخوذ منه مائة أوقية من الذهب، كما سبق انفا.
وقد منّ النبى ﷺ على نفر من أسراء بدر، وخلّى سبيلهم من غير شئ، وفدى نفرا كالعباس- رضى الله تعالى عنه-. ولما فدى العباس نفسه رجع إلى مكة وأظهر إسلامه، وجمع أمواله وهاجر إلى المدينة، ولازمه ﷺ في غزواته، وكان النبى ﷺ يعظمه، وكانت الصحابة تعظمه وتقدمه وتشاوره وتأخذ برأيه، ولما قيل له: أيّما أكبر أنت أو النبى ﷺ)؟ قال: هو أكبر مني، وأنا ولدت قبله «٢» .
قال ابن إسحاق: ولما بلغ النجاشىّ نصرة النبى ﷺ ببدر فرح فرحا شديدا، قال جعفر بن أبى طالبرضي الله عنه- وكان جعفر إذ ذاك بأرض الحبشة:
فأرسل إليّ النجاشى وإلى أصحابى ذات يوم، فدخلنا عنده فوجدناه جالسا على
_________________
(١) أى أنه لم يأت محاربا، وإنما جاء مكرها.
(٢) فى هذا اللفظ من الاداب ما فيه.
[ ٢٣٧ ]
التراب لابسا أثوابا خلقة، فقال: إنّى أبشّركم بما يسرّكم، إنه قد جاءنا من نحو أرضكم عين لي، فأخبرنى أن رسول الله ﷺ مع أعدائه بمحلّ يقال له بدر، فكانت النصرة لرسول الله ﷺ، فقال له جعفر: ما لك جالس على التراب وعليك هذه الثياب؟ قال: «إنا نجد فيما أنزل الله تعالى على عيسى ﵇ أن حقا على عباد الله تعالى أن يحدثوا له تواضعا إذا أحدث لهم نعمة» قال: ولما أوقع الله تعالى بالمشركين يوم بدر، واستأصل رؤساءهم قالوا: إنّ ثأرنا بأرض الحبشة، فلنرسل إلى ملكها ليدفع إلينا من عنده من أتباع محمد فنقتلهم بمن قتل منا.
فأرسلوا عمرو بن العاص، وعبد الله ابن ربيعة- رضى الله تعالى عنهما، (فإنهما أسلما بعد ذلك)، ومعهما طائفة من كفار قريش إلى النجاشى ليدفع إليهما من عنده من المسلمين، وأرسلوا معهما هدايا وتحفا للنجاشي، فلما وصلا إليه ردّهما خائبين، ولما بلغ ﷺ ذلك بعث إلى النجاشى عمرو بن أمية الضمرى رضى الله تعالى عنه- بكتاب يوصيه فيه على المسلمين الذين عنده بالحبشة.
وقد سبق التنويه إلى ذلك (فى الفصل الثانى من الباب الثانى في الهجرتين إلى الحبشة) .
وسيأتى الكلام على ذلك في قدوم جعفر من الحبشة في غزوة خيبر.
ويقال: إن عمرو بن العاص أسلم حينئذ على يد النجاشي، ولهذا يلغز، ويقال:
من هو الصحابى الذى أسلم على يد تابعي؟ ومنشأ هذا ما قاله بعض أهل السير حكاية عن عمرو بن العاص عن نفسه من أنه قال: لما انصرفنا مع الأحزاب عن الخندق، جمعت رجالا من قريش كانوا يرون رأيي ويسمعون مني، فقلت لهم: تعلمون والله إنى أرى أمر محمد يعلو الأمور علوّا منكرا، وإنى قد رأيت أمرا، فما ترون فيه؟ قالوا: وماذا رأيت؟ قال: رأيت أن نلحق بالنجاشى فنكون عنده، فإن ظهر محمد على قومنا كنا عند النجاشي، فإنا أن نكون تحت يديه أحب إلينا من أن نكون تحت يد محمد، وإن ظهر قومنا فنحن من قد عرفوا، فلن يأتينا منهم إلا خير، قالوا: إن هذا الرأي، قلت: فاجمعوا ما نهدى له، وكان أحب
[ ٢٣٨ ]
ما يهدى إليه من أرضنا الادم»
، فجمعنا له أدما كثيرا، ثم خرجنا حتّى قدمنا عليه، فو الله إنّا لعنده إذ جاءه عمرو بن أمية الضمري، وكان رسول الله ﷺ قد بعثه إليه في شأن جعفر وأصحابه، قال: فدخل إليه ثم خرج من عنده، قال:
فقلت لأصحابي: هذا عمرو بن أمية الضمري، لو قد دخلت على النجاشى وسألته إياه فأعطانيه فضربت عنقه، فإذا فعلت ذلك رأت قريش أنى قد أجزأت عنها حين قتلت رسول محمد. قال: فدخلت عليه فسجدت له كما كنت أصنع، فقال: مرحبا بصديقي، أهديت إليّ من بلادك شيئا؟ قال: قلت: نعم أيها الملك، قد أهديت لك أدما كثيرا، قال: ثم قرّبته إليه فأعجبه واشتهاه، ثم قلت: أيها الملك، إنى قد رأيت رجلا خرج من عندك، وهو رسول رجل عدوّ لنا فأعطنيه لأقتله، فإنه قد أصاب من أشرافنا وخيارنا. قال: فغضب، ثم مدّ يده فضرب به أنفه ضربة ظننت أنه قد كسره، فلو انشقت لى الأرض لدخلت فيها فرقا «٢» منه، ثم قلت له: أيها الملك، والله لو ظننت أنك تكره هذا ما سألتكه، قال: أتسألنى أن أعطيك رسول رجل يأتيه الناموس الأكبر الذى كان يأتى موسى ﵇ لتقتله؟! قال: قلت: أيها الملك، أكذلك هو؟ قال: ويحك يا عمرو، أطعنى واتّبعه؛ فإنه والله لعلى الحق، وليظهرنّ على من خالفه، كما ظهر موسى على فرعون وجنوده، قال: قلت: أفتبايعنى له على الإسلام؟ قال: نعم. فبسط يده فبايعته على الإسلام، ثم خرجت إلى أصحابى وقد حال رأيى عما كان عليه، وكتمت أصحابى إسلامي، ثم خرجت عامدا إلى رسول الله ﷺ، لأسلم، فلقيت خالد بن الوليد، وذلك قبيل الفتح، وهو مقبل من مكة فقلت: أين يا أبا سليمان؟ قال: والله لقد استقام الميسم «٣»، وإن الرجل لنبيّ، أذهب والله أسلم، فحتى متى؟ قال: قلت:
والله ما جئت إلّا لأسلم، قال: فقدمنا المدينة على رسول الله ﷺ، فتقدّم خالد بن الوليد فأسلم وبايع، ثم دنوت فقلت: يا رسول الله إنى أبايعك على أن يغفر لى ما
_________________
(١) الادم: هو ما يصلح الطعام ويطيبه.
(٢) أى جزعا وخوفا.
(٣) جاء في الروض الأنف للسهيلى ج ٣ ص ٣٠٤: «من رواه «الميسم» بالياء فهى العلامة، أى قد تبين الأمر واستقامت الدلالة، ومن رواه (المنسم) بفتح الميم والنون، فمعناه: استقام الطريق ووجبت الهجرة» .
[ ٢٣٩ ]
تقدّم من ذنبي، ولا أذكر ما تأخر، قال: فقال رسول الله ﷺ: يا عمرو، بايع فإن الإسلام يجبّ ما كان قبله، وإن الهجرة تجبّ ما كان قبلها. قال: فبايعته ثم انصرفت ا. هـ.
قال ابن إسحاق: وحدثنى من لا أتهم أن عثمان بن طلحة بن أبى طلحة كان معهما، أسلم حين أسلما.
واختلفت الصحابة فيما يفعل بالأساري؛ فمنهم من أشار بقتلهم، ومنهم من أشار بفدائهم.
قال في المواهب: وقد استقر الحكم في الأسارى عند الجمهور من العلماء: أن الإمام يخيّر فيهم، إن شاء قتل، كما فعل النبى ﷺ ببنى قريظة، وإن شاء فادى بمال كما فعل بأسارى بدر، وإن شاء استرقّ من أسر، وإن شاء من وأطلق من غير شيء، وهذا مذهب الشافعى وطائفة من العلماء.
ولما أقبل رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وخرج من مضيق الصفراء «١»، قسم النقل (أى الغنيمة) وكانت إبلا وأفراسا ومتاعا، وسلاحا وأنطاعا، وثيابا وأدما كثيرا، كان قد حمله المشركون للتجارة في صحبة قريش، ونادى النبى ﷺ «من قتل قتيلا فله سلبه» «٢»، وأنزل الله تعالى في أصحاب بدر: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ [الأنفال: ١] الاية. وأوّل من حل له أكل الغنائم واتخذها حرفة:
رسول الله ﷺ، وكانت الأنبياء من قبل يجاهدون ويقاتلون ويسترقون الأرقاء، ولكن ما كانت الغنائم يحل أكلها لهم، وإذا غنموا من أموال المجاهدة شيئا كانت تنزل نار فتحرقه، وكان ذلك علامة قبولهم.
وفي الطبراني بسند جيد عن أبى هريرة- رضى الله تعالى عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «اطّلع الله على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» أو
_________________
(١) الصفراء: من ناحية المدينة، وهو واد كثير النخل والزرع في طريق الحاج، بينه وبين «بدر» مرحلة
(٢) وفي لفظ اخر «من قتل كافرا فله سلبه» متفق عليه من البخارى ومسلم، ورواه الإمام أحمد وأبو داود.
[ ٢٤٠ ]
قال: «فقد وجبت لكم الجنة» .
ويضرب بأهل بدر المثل في عدم المؤاخذة، قال بعض الشعراء:
يا بدر أهلك جاروا وعلّموك التّجرّي
وقبّحوا لك وصلي وحسّنوا لك هجري
فليصنعوا كيف شاؤا فإنّهم أهل بدر
وقال ابن الفارض:
فليصنع القوم ما شاؤا لأنفسهم هم أهل بدر، فلا يخشون من حرج
[غريب الاتفاق] وأوّل أبيات الشاعر السابق فيها من المحسّنات البديعية- غير التلميح- نوع يقال له: «غريب الاتفاق» لا سيما إذا كان المخاطب اسمه «بدر»، وهو أن يتفق للشاعر أو الناثر وقعة أو نكتة يستخرجها من الكلام، أو من الوقائع، وهو عزيز الوقوع، وإن حصل للشاعر أو الناثر في ذلك قران سعد، سارت الركبان بقوله، كما اتفق لابن أبى حصينة المصرى في حسام الدين لؤلؤ صاحب الملك الناصر يوسف حين غزا الفرنج الذين قصدوا الحجاز من بحر القلزم، وظفر الحاجب بهم، فقال ابن أبي حصينة يخاطب الفرنج:
عدوّكم لؤلؤ والبحر مسكنه والدرّ في البحر لا يخشى من الغير
ومنه قول الصفيّ الحلّى في بديعيته:
ومن غدا اسم أمّه نعتا لأمّته فتلك امنة من سائر النّقم
ومنه قول ابن الساعاتي، وقد قصد الملك الناصر يوسف- المتقدم ذكره- «بيت يعقوب» من حصون الشأم مخاطبا للإفرنج:
* دعوا بيت يعقوب فقد جاء يوسف*
ومن غريب الاتفاق ما قيل من أن المأمون صنع تابوتا بديعا، يحمله حسان الغلمان على أكتافهم، ويطوفون به في خلال البستان، والمأمون جالس فيه، ومعه جوارى أبيه هارون الرشيد وجدّه موسى الهادي، فدعا الشعراء ذات يوم ليقولوا في ذلك شيئا، فأنشدوا ما عندهم إلا أبا نواس، فسأله المأمون، فتلا قوله
[ ٢٤١ ]
تعالى: وَقالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آلُ مُوسى وَآلُ هارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلائِكَةُ [البقرة: ٢٤٨] فلمّح بالسكينة لهيبة الخليفة المأمون، وبالبقية للجواري، وبموسى وهارون لأبيه وجدّه، وهذا وإن كان من غريب الاتفاق إلا أنه لا يخلو عن التهور والخروج عن اللائق «١» .
والمراد بأهل بدر في الحديث: الذين حضروا وقعتها مع النبى ﷺ، استشهدوا فيها أم لا؛ لأنهم ارتقوا إلى مقام يقتضى الإنعام عليهم بمغفرة ذنوبهم السابقة واللاحقة، فلا يؤاخذهم بها لبذلهم مهجهم في الله ونصرهم دينه، والمراد إظهار العناية بهم لا الترخيص لهم في كل فعل، والخطاب لقوم منهم على أنهم لا يقارفون ذنبا، وإن قارفوه لم يصرّوا، وقال القرطبي: «هذا خطاب إكرام وتشريف، تضمّن أن هؤلاء حصلت لهم حالة غفرت بها ذنوبهم السالفة، وتأهلوا لأن يغفر لهم ما يستأنف من الذنوب اللاحقة، ولا يلزم من وجود الصلاحية لشيء وقوعه، ولقد أظهر الله تعالى صدق رسوله ﷺ في كل ما أخبر عنه بشئ من ذلك؛ فإنهم لم يزالوا على أعمال أهل الجنة إلى أن فارقوا الدنيا، وإن قدر صدور شئ من أحدهم بادر إلى التوبة» .
والشهداء ثلاثة أقسام:
الأوّل: شهيد في حكم الدنيا والآخرة في ترك الغسل والصلاة عليه، وهو من قاتل لتكون كلمة الله هى العليا.
والثاني: شهيد في الدنيا دون الآخرة، وهو من قاتل رياء وسمعة وقتل، فلا يغسل ولا يصلى عليه.
والثالث: شهيد في الآخرة فقط وهو المطعون والمبطون والغريق والحريق والمحموم وطالب العلم إذا مات على طلبه، والمرأة تموت بسبب الولادة، ومن قتله مسلم أو ذمّيّ أو باغ في غير القتال، فكل هؤلاء يغسلون ويصلّى عليهم، وهم شهداء في الدار الآخرة لا في الدنيا، قاله الإمام الرافعى لأن عمر بن الخطاب وعثمان بن عفان غسّلا، وهما شهيدان بالإجماع.
_________________
(١) من شروط التشبيه أن يكون بين الطرفين وجه شبه، وليس كذلك هنا؛ إذ لا وجه للمشابهة بين الشياطين والملائكة، أخزى الله من قاله، ما أجرأه على القران!
[ ٢٤٢ ]
استطراد لمناسبة: قال عمر بن عبد العزيز: كان أبى إذا خطب ونال من عليّ يلجلج في كلامه، فقلت: يا أبت إنك تمضى في خطبتك، فإذا أتيت إلى ذكر عليّ عرفت منك تقصيرها، قال: أو فطنت لذلك؟ قلت: نعم، قال: يا بنى إن الذين حولنا لو يعلمون من عليّ ما نعلم لتفرّقوا عنّا إلى أولاده.
فلما ولى عمر الخلافة لم يكن عنده من الرغبة في الدنيا ما يرتكبه في هذا الأمر العظيم لأجله، فكتب بتركه، وقرأ عوضه: إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ [النحل: ٩٠] فحل هذا الأمر عند الناس محلا عظيما، وأكثروا مدحه حتّى قال كثير في أبياته في حق عمر بن عبد العزيز:
وليت ولم تشتم عليا ولم تخف بريّا، ولم تتبع مقالة مجرم
وقيل: إنه قال: إن سبب محبتى عليا أنى كنت بالمدينة أتعلم العلم، وكنت ألزم عبيد الله بن عبد الله ابن مسعود، فبلغه عنى شىء من ذلك، أى في سب بنى أمية لعلي، فأتيته يوما وهو يصلى فأطال الصلاة، فقعدت أنتظر فراغه، فلما فرغ التفت إليّ وقال: متى علمت أن الله غضب على أهل بدر وبيعة الرضوان بعد أن رضى عنهم؟! قلت: ولم أسمع بذلك، قال: فما الذى بلغنى عنك في علي؟ فقلت: «معذرة إلى الله وإليك، والله لا أعود»، فما سمع بعد ذلك يذكر عليّا إلا بخير. أ. هـ.
ولا مانع أن يقال: إنه لحسن سريرته السرية، وسيرة عدله العمرية، لما رأى الحق للإمام عليّ أبطل من نفسه مثلبة سبّه على المنابر، وهذا ما يقضى به حسن الظن في حق هذا الخليفة الموصوف بالعدل في الباطن والظاهر، بدليل استبدال ذلك بالاية الشريفة وهى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ وَإِيتاءِ ذِي الْقُرْبى، وَيَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ، فمن جملة ذلك الأمر بعدم السب والنهى عنه، إذ هو من الفحشاء والمنكر، لا سيما وأن الغالب في الخلفاء والسلاطين والملوك إنما يأمرون بما يأمرون به من تلقاء أنفسهم، كأمر الخليفة المعتضد العباسى بسب معاوية على المنابر، كما حكاه ابن جرير عنه، وإن صح أنه أمسك عن ذلك بعد أن أنشأ كتابا ليقرأ على المنبر فيه مثالب معاوية ومعايبه، حيث قيل له: إن أهل بيت عليّ منهم الخارجون عليك في كل ناحية؛ فإذا سمعوا سبّ معاوية مال إليهم كثير من الناس، وخرجوا عن طاعة العباسية، فيكون عمر بن عبد العزيز
[ ٢٤٣ ]
بادر بإزالة المنكر من بداية الأمر به، بدون أن ينتظر نصح ناصح، وهذا بفضله أكمل.
روى أنه لما سئل عن على ومعاوية، قال: «دماؤهم قد طهّر الله منها سيوفنا، أفلا نطهّر من الخوض فيها ألسنتنا؟!» .
* وفي منتصف شوال من هذه السنة الثانية، كانت غزوة بنى قينقاع (بفتح القاف وإسكان الياء وتثليث النون) بطن من يهود المدينة لهم شجاعة وصبر، وكانوا حلفاء عبادة بن الصامت- رضى الله تعالى عنه- وعبد الله بن أبى بن سلول الخزرجى المنافق، وحلفاء للخزرج، فلما كانت وقعة بدر أظهروا البغى والحسد، ونبذوا العهد الذى كان ﷺ عاهداهم به وعاهد بنى قريظة والنضير: أن لا يحاربوه ويظاهروا عليه عدوّه، وقيل: على ألايكونوا معه ولا عليه، وقيل:
على أن ينصروه ﷺ على من دهمه من عدوه. فكانوا أوّل من غدر من يهود، وتبرأ عبادة بن الصامت من حلفهم، وتشبث به عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وفيه نزلت: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [المائدة: ٥١]، فجمعهم ﷺ، وقال لهم: «يا معشر يهود احذروا من الله أن ينزل عليكم مثل ما نزل بقريش من النقمة (أى ببدر)، أسلموا فإنكم قد عرفتم أنى مرسل، تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله تعالى إليكم»، فقالوا: يا محمد إنك تظننا مثل قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، فأصبت لهم فرصة، إنّا والله لو حاربناك لتعلمنّ أنك لم تقاتل مثلنا. وقد قالوا ذلك لأنهم كانوا أشجع اليهود وأكثرهم أموالا وأشدّهم بغيا، فأنزل الله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ
[ال عمران: ١٢]، فبينما هم على بغيهم ومجاهرتهم بكفرهم، إذ جاءت امرأة كانت تحت رجل من الأنصار إلى سوق بنى قينقاع، فجلست عند صائغ منهم في أمر حليّ لها، فجاء رجل من بنى قينقاع فجلس من ورائها وهى لا تشعر، فحلّ درعها إلى ظهرها بشوكة، فلما قامت تكشّفت، فضحكوا منها، فقام إليه رجل من المسلمين فاتبعه فقتله، فقتل اليهود المسلم، ونبذوا العهد إلى رسول الله ﷺ، فنزل فيهم: وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيانَةً [الأنفال: ٥٨]، فتحصّنوا في حصونهم، فسار إليهم رسول الله ﷺ- ولواؤه كان أبيض بيد حمزة بن عبد المطلب رضى
[ ٢٤٤ ]
الله تعالى عنه- وحاصرهم خمس عشرة ليلة أشد الحصار، فقذف الله في قلوبهم الرعب، وكانوا سبعمائة نفس: أربعمائة حاسر «١»، وثلاثمائة دارع «٢»، فسألوا رسول الله ﷺ أن يخلى سبيلهم وأن يجلوا من المدينة، وأن لهم نساءهم والذرية، وله ﷺ الأموال والسلاح، فخمّست «٣» أموالهم، وأمر ﷺ أن يجلوا من المدينة، ووكل بإجلائهم عبادة بن الصامت رضى الله تعالى عنه، وطلبوا أن يمهلهم فوق الثلاث فقال: «ولا ساعة واحدة»، وتولّى إخراجهم بنفسه. وذهبوا إلى أذرعات- بلدة بالشام- ولم يدر الحول عليهم حتّى هلكوا أجمعين بدعوته ﷺ، حيث قال لابن أبيّ بن سلول: «لا بارك الله لك فيهم» . ووجد ﷺ في منازلهم سلاحا كثيرا، وأخذ ﷺ من سلاحهم ثلاث قسي، منها القوس «الكتوم» التى لا يسمع لها صوت إذا رمى بها، وهى التى رمى بها ﷺ يوم أحد، وأخذ ﷺ درعين منهما الدرع المسماة «بالسغدية» بسين مهملة وغين معجمة، ويقال:
إنها درع داود التى لبسها حين قتل جالوت، وأخذ ﷺ ثلاثة أرماح وثلاثة أسياف، وقبض رسول الله ﷺ أموالهم، وكانوا صاغة لا أرض لهم، وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة أبا لبابة.
* وفي هذه السنة: الثانية من الهجرة كانت غزوة السويق:
لما أصاب قريشا «٤» فى بدر ما أصابهم، نذر أبو سفيان ألايمس النساء والطيب حتّى يغزو محمدا، ويثار منه ومن أصحابه بمن أصيب من المشركين يوم بدر، فخرج في مائتى راكب من قريش لوفاء نذره، حتى نزل بمحل بينه وبين المدينة نحو بريد «٥»، ثم أتى لبنى النضير، وهم حيّ من يهود خيبر ينسبون إلى هارون بن عمران «٦»، تحت الليل «٧» فأتى حيىّ بن أخطب، وهو من رؤساء
_________________
(١) بلا درع.
(٢) يرتدى درعا.
(٣) أى قسمت خمسة أقسام.
(٤) فى الأصل «قريش» وهو خطأ.
(٥) البريد: فرسخان، والفرسخ ثلاثة أميال، والميل يقدّر بحوالى ١٦٠٩ من الأمتار.
(٦) وهو هارون أخو موسى ﵉.
(٧) أى في ظلام الليل الشديد، وعبر بتحت؛ لأنه جعل الليل رداءه فهو تحته والليل فوقه.
[ ٢٤٥ ]
بنى النضير- وهو أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- ليخبره من أخبار رسول الله ﷺ بما أحبّ معرفته، فضرب عليه بابه، فأبى أن يفتح له؛ لأنه خافه، وجاء إلى سلّام بن مشكم سيد بنى النضير، وصاحب كنزهم (أى المال الذى كانوا يجمعونه ويدخرونه للنوائب وما يعرض لهم، وكان حليّا يعيرونه لأهل مكة) «١» فاستأذن عليه، فأذن له واجتمع به وسقاه خمرا، فلما كان السحر خرج أبو سفيان ومن معه فلقي رجلا من الأنصار في حرث له، فقتله وقتل أجيرا كان معه، وحرق حرثهما، ورأى أنّ يمينه قد حلّت فمضى هاربا، وقد خاف الطلب. وبلغ رسول الله ﷺ خبره، فخرج رسول الله ﷺ في مائتين من المهاجرين والأنصار في طلبهم، وكان خروجه لخمس من ذى الحجة من السنة الثانية من الهجرة، وجعل أبو سفيان وأصحابه يخففون للهرب، فيلقون جرب السويق من قمح أو شعير مطحون، وهو عامة أزوادهم، فيأخذه المسلمون، ولم يلحقوا بهم. وانصرف رسول الله ﷺ راجعا إلى المدينة، وكانت غيبته خمسة أيام، ولإلقاء السويق من رحالهم لتخفيفها وأخذ المسلمين لذلك، سميت غزوة السويق، ولم يلق فيها كيدا.
* وفي هذه السنة مات عثمان بن مظعون رضى الله تعالى عنه.
* وفيها أيضا هلك أمية بن أبى الصلت- من رؤساء الكفار- قرأ الكتب «٢»، واطّلع على البعثة، فكفر حسدا؛ لأنه رجا أن يكون هو المبعوث، ونزل في حقه قوله تعالى: وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْناهُ آياتِنا فَانْسَلَخَ مِنْها [الأعراف: ١٧٥]، وكان سافر إلى الشام ورجع عقيب وقعة بدر السابقة، فمرّ بالقليب وفيه قتلى
_________________
(١) كانوا يعطون الناس ويأخذون منهم إلى أن يتمكنوا مما يريدون. ومن أحداث اليهود أن جماعة منهم استعاروا ذهب المصريين- وقت خروجهم مع سيدنا موسى ﵊- بحجة أو بأخرى- وذهبوا بها ولم يردّوها لأصحابها- استحلوا هذا النهب بحجة أنهم شعب الله المختار، وهى دعوى عريضة لم يقم على صحتها دليل، بل قام الدليل على كذبها ألف مرة ومرة. وقد حكى القران عنهم أنهم قالوا «نحن أبناء الله وأحباؤه» فردّ عليهم هذه الفرية بقوله تعالى: قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ [المائدة: ١٨]، وصوّروا العجل الذى عبدوه من دون الله من هذه الأموال التى سرقوها من مصر.
(٢) أى التوراة والإنجيل والزبور.
[ ٢٤٦ ]
بدر، وكان ممن في القليب عتبة وشيبة ابنا خالي أمية، فجدع أذني ناقته، وقال قصيدة:
هلّا بكيت على الكرا م بنى الكرام أولى الممادح
كبكا الحمام على فرو ع الأيك في الغصن الجوانح
يبكين حزنى مستكي نات يرحن مع الروائح
أمثالهن الباكي ات المعولات من النوائح
ماذا ببدر والعقن قل من مرازبة جحاجح «١»
شمط وشبّان بهالي ل مناوير دحادح «٢»
أن قد تغيّر بطن مكّ ة فهى موحشة الأباطح «٣»
وهى قصيدة نهى رسول الله ﷺ عن روايتها؛ لأن أمية كان يحرض قريشا بعد وقعة بدر على المسلمين. ومع ذلك فله أشعار يفهم منها ميله إلى اعتقاد أن دين الإسلام حق، فمن ذلك قوله:
كلّ دين يوم القيامة عند الله إلا دين الحنيفة زور
ولما أنشد لدى النبى ﷺ قوله:
الحمد لله ممسانا ومصبحنا بالخير صبّحنا ربّى ومسّانا
ربّ الحنيفة لم تنفد خزائنها مملوءة طبق الافاق سلطانا
ألا نبيّ لنا يأتى فيخبرنا ما بعد غايتنا من رأس محيانا
بينا يربّوننا اباؤنا هلكوا وبينما نقتنى الأولاد أفنانا
وقد علمنا لو أنّ العلم ينفعنا أن سوف يلحق أخرانا بأولانا
قال النبى ﷺ «إن كاد أمية ليسلم» «٤» . ويروى أن أمية بن أبى الصلت-
_________________
(١) الجحجاح: السيد.
(٢) الدحداح: القصير.
(٣) الأبطح: مسيل واسع، فيه حصى دقاق.
(٤) ولذلك قال رسول الله ﷺ: «امن شعر أمية بن أبى الصلت وكفر قلبه» رواه أبو بكر بن الأنبارى فى «المصاحف» والخطيب وابن عساكر عن عبد الله بن عباس.
[ ٢٤٧ ]
واسم أبى الصلت: عبد الله بن ربيعة بن عوف الثقفى- لما مرض مرضه الذى مات فيه جعل يقول: «قد دنا أجلى وهذه المرضة منيتي، وأنا أعلم أن الحنيفية حق، ولكن الشك يداخلنى في محمد» . ولما دنت وفاته أغمى عليه قليلا حتّى ظن من حضره من أهله أنه قد قضي، ثم أفاق وهو يقول: «لبيكما لبيكما، ها أنا ذا لديكما، لا برئ فأعتذر، ولا قوى فأنتصر» . ثم إنه بقى يحدّث من حضره ساعة، ثم أغمى عليه ثانيا، حتى يئسوا من حياته، وأفاق وهو يقول: لبيكما لبيكما ها أنا ذا لديكما.
إن تغفر اللهمّ تغفر جمّا وأيّ عبد لك لا ألمّا
ثم أقبل على القوم فقال: «قد جاء وقتي، فكونوا في أهبتي» . وحدثهم قليلا حتى يئس القوم منه.
وكان أمية يتعبد في الجاهلية، ويؤمن بالبعث، وأدرك الإسلام ولم يسلم، وإنه لما غشي عليه وأفاق قال:
كلّ عيش وإن تطاول دهرا صائر أمره إلى أن يزولا
ليتنى كنت قبل ما قد بدا لي في رؤوس الجبال أرعى الوعولا «١»
إنّ يوم الحساب يوم عظيم شاب فيه الوليد يوما ثقيلا
اجعل الموت نصب عينك واحذر غولة الدهر إنّ للدهر غولا
ثم قضى نحبه، ولم يؤمن بالنبى ﷺ، وذكر عن سهل أن النبى ﷺ لما سمع قول أمية:
لك الحمد والنعماء والفضل ربّنا فلا شيء أعلى منك حمدا وأمجدا
قال: «امن شعره وكفر قلبه» . وكفر قلبه: عدم إيمانه بالنبى ﷺ، وما سلف ذكره- من عدّه ممن امن به ﷺ «كقس بن ساعدة» فالقصد منه اعتقاد نبوته ﷺ قبل مبعثه، لا الإذعان بعد المبعث، حيث حمله على عدم الإيمان الحسد والحمية الجاهلية وغلبة الشقاء.
_________________
(١) الوعل: تيس الجبل، وهو جنس من المعز الجبلية له قرنان قويّان.
[ ٢٤٨ ]
وكان خليفة رسول الله ﷺ في غيبته أبا لبابة، كما في غزوة بنى قينقاع.
وفي هذه السنة الثانية من الهجرة كانت وقعة «ذى قار» «١» بين بكر بن وائل وبين جيش كسرى أبرويز، والغلبة على الهرمزان، وانهزمت الفرس، وقتل الهرمزان.
وسبب هذه الوقعة المشهورة في أيام العرب «بيوم ذى قار» أن كسرى أبرويز غضب على النعمان بن المنذر وحبسه، فهلك في الحبس، وكان النعمان قد أودع حلقته- وهى السلاح والدرع- عند هانئ بن مسعود البكري، فأرسل أبرويز يطلبها من هانئ المذكور، فقال: «هذه أمانة، والحرّ لا يسلم أمانته»، وكان أبرويز لما أمسك النعمان قد جعل موضعه في ملك الحيرة: إياس بن قبيصة الطائي، فاستشار أبرويز إياسا المذكور، فقال إياس: المصلحة التغافل عن هانئ بن مسعود المذكور حتّى يطمئن ونتبعه فندركه. فقال أبرويز: إنه من أخوالك ولا تألوه تصحا، فقال إياس: رأي الملك أفضل. فبعث أبرويز الهرمزان في ألفين من الأعاجم وبعث ألفا من «بهرا» (قبيلة)، فلما بلغ بكر بن وائل خبرهم أتوا مكانا من «بطن ذى قار» فنزلوه، فوصلت إليهم الأعاجم واقتتلوا ساعة، وانهزمت الأعاجم هزيمة قبيحة، وأكثرت العرب الأشعار في ذكر هذا اليوم، وقيل: إن هذه الوقعة كانت في سنة أربعين من مولد النبى ﷺ، ولم تكن في عام وقعة بدر، وهذا القول هو الأقوى والأصح.
وفي هذه السنة كانت غزوة «قرقرة الكدر» «٢»:
_________________
(١) ذو قار: ماء لبكر بن وائل قريب من الكوفة، بينها وبين واسط، وفيها كانت الوقعة المشهورة بين العرب والفرس.
(٢) قرقرة الكدر، قيل بناحية المعدن، قريبة من الأرحضية- أو الرّحضية من نواحى المدينة قرية لبنى سليم والأنصار من نجد، وبها ابار عليها زرع كثير ونخل، وحذاءها قرية يقال لها الحجر- بينها وبين المدينة ثمانية برد، وقيل ماء لبنى سليم، به غزوة للنبى ﷺ.
[ ٢٤٩ ]
وهى أرض مما يلى جادّة العراق إلى مكة، بها طيور في ألوانها كدرة، عرف بها ذلك الموضع.
سببها: وذلك أنه ﷺ بلغه أن قوما من بنى سليم وغطفان يريدون الإغارة على المدينة، فسار إليهم في مائتين من أصحابه، وحمل اللواء عليّ بن أبى طالب- رضى الله تعالى عنه- فوصل إلى ذلك الموضع فلم يجد به أحدا منهم، وأرسل نفرا من أصحابه إلى أعلى الوادي، واستقبلهم في بطن الوادي، فوجد خمسمائة بعير مع رعاة لهم، فخمّس «١» الإبل، فخصّ كلّ واحد بعيران، ورجع إلى المدينة.
وقيل: كانت هذه الغزوة في المحرم سنة ثلاث، ويمكن أن يجمع بين القولين بأنها ابتدأت في أواخر شهر ذى الحجة، وبقيت إلى أوّل المحرم سنة ثلاث.
وفي هذه السنة ولد عبد الله بن الزبير.
وكان خليفة رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
_________________
(١) جعلها خمسة أقسام.
[ ٢٥٠ ]
الفصل الثالث في ظواهر السنة الثالثة من الهجرة وما فيها من الغزوات
وفي هذه السنة الثالثة من الهجرة كانت غزوة إمرّ «١»:
ويقال لها غزوة «غطفان» «٢» وغزوة «أنمار» . و«إمر» بكسر الهمزة وفتح الميم وتشديد الراء: اسم ماء. وذلك أنه ﷺ بلغه أن رجلا يقال له «دعثور» (بضم الدال وسكون العين ثم ثاء مضمومة) ابن الحارث الغطفانى (من بنى محارب) جمع جمعا من ثعلبة ومحارب بموضع من ديار غطفان، يسمى ب «ذى إمر» باسم الماء الذى فيه، يريدون الإغارة على أطراف المدينة، فخرج إليهم ﷺ في أربعمائة وخمسين رجلا من أصحابه، لاثنتى عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأوّل، فى السنة الثالثة من الهجرة، واستخلف على المدينة عثمان بن عفان، فلما سمعوا بمسير رسول الله ﷺ هربوا في رؤوس الجبال. وفي هذا المحل أصاب رسول الله ﷺ المطر الكثير، فبل ثيابه وثياب أصحابه، فنزع ﷺ ثوبيه ونشرهما على الشجرة ليجفا، واضطجع بمرأى من المشركين، فبعث المشركون دعثورا الذى هو سيد القوم وأشجعهم المجمّع لهم، قالوا له: قد انفرد محمّد، فعليك به. فجاء ومعه سيفه حتّى قام على رأس رسول الله ﷺ، ثم قال: من يمنعك منى اليوم؟
فقال ﷺ: الله. ودفعه جبريل في صدره فوقع على ظهره، فوقع السيف من يده، فأخذ السيف رسول الله ﷺ، وقال: من يمنعك منى اليوم يا دعثور؟ قال:
لا أحد، كن خير اخذ. فتركه وعفا عنه، فقال: أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله، والله لا أجمّع الناس لحربك أبدا. فدفع له النبى ﷺ سيفه، فقال دعثور: والله إنك لخير مني، ثم أتى قومه فجعل يدعوهم إلى الإسلام، وأخبرهم أنه رأى رجلا طويلا دفعه في صدره، فوقع على ظهره، فقال: علمت أنه ملك، فأسلمت، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ الاية [المائدة: ١١]، ثم أقبل رسول
_________________
(١) ذو إمر: موضع بئر، غزوة لرسول الله ﷺ قيل: هو من ناحية النخل بنجد، من ديار غطفان، والأمر: حجارة تجعل كالأعلام. كذا من المراصد بلفظه.
(٢) غطفان: اسم لقبيلة من قبائل العرب.
[ ٢٥١ ]
الله ﷺ إلى المدينة، ولم يلق حربا، وكانت مدة غيبته إحدى عشرة ليلة.
وفي هذه السنة (فى شهر رمضان) ولد الحسن بن علي ﵄، وكانوا قد سموه حربا، فسماه النبى ﷺ الحسن، وحنّكه «١» بتمر.
وفيها قتل محمد بن مسلمة الأنصارى كعب بن الأشرف اليهودي.
وفيها تزوج النبى ﷺ حفصة بنت عمررضي الله عنهما- وذلك أن عثمان ابن عفان خطب حفصة بنت عمر منه بعد وفاة رقية، فردّه عمر، فبلغ ذلك النبيّ ﷺ، فقال: يا عمر؛ أدلك على خير لك من عثمان، وأدل عثمان على خير له منك؟ قال: نعم يا نبى الله، قال: «تزوّجنى ابنتك وأزوّج عثمان ابنتي» . فكان ذلك؛ حيث تزوج ﷺ بحفصة، وتزوج عثمان بأم كلثوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة بحران:
(بفتح الباء المواحدة، وقيل بضمها، ثم حاء مهملة ساكنة، وهو موضع بالحجاز بينه وبين المدينة ثلاثة برد) وتسمى هذه الغزوة بغزوة بنى سليم.
[سببها]: لما بلغه ﷺ أن بحران اجتمع فيه كثير من بنى سليم، خرج في ثلاثمائة من أصحابه، لستّ خلون من جمادى الأولى من السنة الثالثة من الهجرة، أحثّ السير حتّى بلغ بحران، وكان قبل أن يصل إلى ذلك بليلة لقي رجلا من بنى سليم، فأخبره أنّ القوم تفرّقوا، فحبسه إلى أن وصل، فوجدهم كذلك قد تفرقوا ورجعوا إلى مياههم، فأقام ﷺ ولم يلق حربا، وكانت غيبته عشر ليال، وكان قد استخلف على المدينة ابن أم مكتوم.
* وفي هذه السنة كانت غزوة أحد:
وكانت في شوال سنة ثلاث من الهجرة باتفاق الجمهور، وأحد (بضمتين ومهملتين) جبل من جبال المدينة، على نحو ميلين منها، يقصد لزيارة مشهد سيدنا حمزة ومن معه من الشهداء، ويقال: إنه أفضل الجبال.
لما أصاب قريشا «٢» يوم بدر ما أصابها، مشى عبد الله بن ربيعة وعكرمة بن
_________________
(١) حنكة: دلّك حنكه. والحنك: باطن أعلى الفم من الداخل.
(٢) فى الأصل «قريش» .
[ ٢٥٢ ]
أبى جهل وصفوان بن أمية رضى الله تعالى عنهم (فإنهم أسلموا بعد ذلك) ورجال اخرون «١» من أشراف قريش إلى أبى سفيان- رضى الله تعالى عنه- (فإنه أسلم بعد ذلك أيضا) وإلى من كان له تجارة في تلك العير التى كان سببها وقعة بدر، وكانت تلك العير موقوفة في دار الندوة لم تعط لأربابها، فقالوا: إن محمدا قد وتركم (أى قتل رجالكم ولم تدركوا دماءهم) وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه لعلنا ندرك منه ثأرا عمن أصابه منا، وقالوا: نحن طيّبوا النفوس أن تجهزوا بأرباح تلك العير جيشا إلى محمد، فقال أبو سفيان: وأنا أول من يجيب إلى ذلك وبنو عبد مناف معي، فجمع لأهل العير رؤس أموالهم، وكانت خمسين ألف دينار، وأخرجوا أرباحها، وكان الربح لكل دينار دينارا، وقيل نصف دينار، وأنزل الله في تلك الحادثة اية: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ [الأنفال: ٣٦]، وتجهّزت قريش ومن والاهم من قبائل كنانة وتهامة، وكان عددهم ثلاثة الاف، فيهم سبعمائة دارع ومائتا فارس، وقائدهم أبو سفيان بن حرب، وساروا من مكة حتى نزلوا بذى الحليفة «٢» مقابل المدينة، يوم الأربعاء لأربع مضين من شوال، وذو الحليفة هو ميقات أهل المدينة الذى يحرمون منه.
وقد أخرج أحمد في مسنده عن جابر بن عبد الله أن رسول الله ﷺ قال يوم أحد: «رأيت كأنى في درع حصينة، ورأيت بقرا تنحر، فأوّلت أن الدرع المدينة فإن شئتم أقمنا بالمدينة؛ فإن دخلوا علينا قاتلناهم فيها»، فقالوا: «والله ما دخلت علينا في الجاهلية، أفتدخل علينا في الإسلام!» قال: فشأنكم إذا. فذهبوا. فلبس رسول الله ﷺ لأمته، فقالوا: ما صنعنا؟ رددنا على رسول الله ﷺ رأيه! فجاؤا فقالوا: شأنك يا رسول الله، قال: «الان!! ليس لنبى إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل» .
وأخرج أحمد والبزار والطبراني والبيهقى في دلائل النبوّة عن ابن عباسرضي الله عنهما- قال: لمّا جاء المشركون يوم أحد، كان رأي رسول الله ﷺ
_________________
(١) فى الأصل «أخر» .
(٢) بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة، منها ميقات أهل المدينة، وهى مياه بنى جشم.
[ ٢٥٣ ]
أن يقيم بالمدينة، يقاتلهم فيها، فقال له ناس لم يكونوا شهدوا بدرا: «لتخرج بنا يا رسول الله نقاتلهم بأحد»، ورجوا أن يصيبوا من الفضيلة ما أصابه أهل بدر، فما زالوا برسول الله ﷺ حتّى لبس أداته، ثم ندموا، فقالوا: يا رسول الله: أقم، فالرأى رأيك. فقال: «فما ينبغى لنبى أن يضع أداته إذا لبسها حتّى يحكم الله بينه وبين عدوه» أ. هـ.
واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم.
وخرج ﷺ في ألف من الصحابة، وصار بين المدينة وأحد، ونزل الشّعب من أحد، وجعل ظهره إلى أحد، ثم كانت الوقعة يوم السبت لسبع مضين من شوال، ويقال عدّة أصحابه ﷺ تسعمائة، وفيهم مائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل سوى فرسين؛ فرس لرسول الله ﷺ وفرس لأبى بردة، ولواء رسول الله ﷺ مع مصعب بن عمير (من بنى عبد الدار)، وعلى ميمنة المشركين خالد بن الوليد، وعلى ميسرتهم عكرمة بن أبى جهل، ولواؤهم مع بنى عبد الدار. وجعل ﷺ الرماة (وهم خمسون) وراءه. فالتقى الناس ودنا بعضهم من بعض، وقامت هند بنت عتبة زوج أبى سفيان رضى الله تعالى عنها (فإنها أسلمت بعد ذلك) وأمّ حكيم بنت طارق زوج عكرمة- رضى الله تعالى عنها- فى النسوة المصاحبات لجيش المشركين يضربن بالدفوف خلف الرجال، يحرّضن المشركين على القتال لحرب المسلمين، ويقلن:
نحن بنات طارق نمشى على النّمارق
إن تقتلوا نعانق أو تدبروا نفارق
فراق غير مالق
يردن: نحن بنات الكوكب، وإنه لا ينال. ويقال إن رملة بنت طارق، وأم حكيم بنت طارق قالتا ذلك، وقاله النساء معهن. وكان النبى ﷺ إذا سمع قولهن هذا قال: «اللهم إنى بك أجول وأصول وفيك أقاتل، حسبي الله ونعم الوكيل» .
واستمر القتل في أصحاب لواء المشركين، ورأى النساء برجالهن أمرا عظيما، حتى ولولن وتركن ما كنّ فيه، وانهزم المشركون، حتى انهزمت هند بنت عتبة وصواحبها متحيرات ما دونهن مانع ولا دافع، حتى لو شاء المسلمون لأخذوهن.
[ ٢٥٤ ]
ودخل المسلمون عسكر المشركين.
وقاتل حمزة عمّ النبى ﷺ يومئذ قتالا شديدا، وقتل أرطاة حامل لواء المشركين- إلى أن قتل؛ ضربه وحشي عبد جبير بن مطعم، وكان حبشيا، بحربة فقتله، وكان حمزة مشغولا عنه بقتال سباع بن عبد العزّي، وفي قتل وحشيّ حمزة، يقول حسان:
ما لشهيد بين أرماحكم شلّت يدا وحشيّ من قاتل
وقتل أيضا مصعب بن عمير حامل لوائه ﷺ، فظنّ قاتله أنه رسول الله ﷺ، فقال لقريش: إنى قتلت محمدا، وشاع ذلك، وانتهى النضر بن أنس إلى جماعة من الصحابة، وقد دهشوا وقالوا: قتل رسول الله ﷺ، فقال: فما تصنعون في الحياة بعده؟ قوموا فموتوا على ما مات عليه. فاجتهدوا في القتال، ثم إن كعب ابن مالك الشاعر عرف رسول الله ﷺ، فنادى بأعلى صوته يبشر الناس، ورسول الله ﷺ يقول له: أنصت؛ فاجتمع عليه المسلمون، ونهضوا معه نحو الشعب، فيهم أبو بكر وعمر وعلى والزبير والحارث بن الصمة الأنصاري، وغيرهم، وأدركه أبيّ بن خلف في الشعب، فتناول ﷺ الحربة من الحارث بن الصمّة، وطعنه بها في عنقه، فكرّ أبيّ بن خلف منهزما، وقال له المشركون: ما بك من بأس؟ فقال: «والله لو بصق عليّ لقتلني» فمات بسرف «١» وهم قافلون، وقال المصطفى ﷺ «اشتدّ غضب الله على رجل قتل نبيا أو قتله نبي» «٢» فمات عدو الله في مرجعهم إلى مكة.
وكان أبو عزة الجمحيّ- أحد رؤساء حزب المشركين- وقع أسيرا في بدر، فمنّ عليه رسول الله ﷺ وأحلفه ألايكثر عليه جمعا، وأرسله بغير فدية، فلما كانت غزوة أحد طلبه رؤساء قريش ليتوجه معهم للحرب فامتنع من النفوذ لما وجّهوه إليه، وقال: إن بلاء محمد عندى حسن، أطلقنى يوم بدر. فلم يزالوا به
_________________
(١) بالفتح، ثم بالكسر واخره فاء: موضع على ستة أميال من مكة، من طريق «مرو» بنى به رسول الله ﷺ بميمونة بنت الحارث، وفيه ماتت رضى الله تعالى عنها وأرضاها.
(٢) وفي رواية: «أشد الناس عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي، أو رجل أفتى الناس بغير علم، أو مصور يصور التماثيل» رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود.
[ ٢٥٥ ]
حتى خرج معهم، فأسر يوم أحد فضرب عنقه. وكان معاوية بن المغيرة بن أبى العاص الذى جدع أنف حمزة، ومثّل به، فيمن مثّل، قد انهزم يوم أحد، فمضى على وجهه فبات قريبا من المدينة، فلما أصبح دخلها، فأتى منزل عثمان بن عفان بن أبى العاص فضرب بابه، فقالت له امرأته أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ: ليس هو ههنا، فقال: ابعثى إليه؛ فإن له عندى ثمن بعير ابتعته منذ عام الأوّل، وقد جئته به. فأرسلت إليه وهو عند رسول الله ﷺ، فلما جاء قال لمعاوية: أهلكتنى ونفسك، ما جاء بك؟ قال: يا ابن عم لم يكن أحد أقرب إليّ ولا أمسّ رحما بى منك، فجئتك لتجيرني، فأدخله عثمان داره وصيّره في ناحية منها، ثم خرج إلى رسول الله ﷺ ليأخذ له منه أمانا، فسمع رسول الله ﷺ أن معاوية بالمدينة، وقد أصبح بها، وقال: اطلبوه، فقال بعضهم: «ما كان ليعدو منزل عثمان، فاطلبوه به» فدخلوا منزل عثمان فأشارت أم كلثوم إلى الموضع الذى صيّره عثمان فيه، فاستخرجوه من تحت دارة لهم، فانطلقوا به إلى النبى ﷺ، فقال عثمان حين راه: والذى بعثك بالحق ما جئت إلا لأطلب له الأمان، فهبه لي، فوهبه له، وأجّله ثلاثا، وأقسم لئن وجد بعدها بشئ من أرض المدينة وما حولها ليقتلن، وخرج عثمان فجهّزه واشترى له بعيرا، وقال: ارتحل. وسار رسول الله ﷺ إلى حمراء الأسد، وأقام معاوية إلى اليوم الثالث ليعرف أخبار النبى ﷺ، ويأتى بها قريشا، فلما كان اليوم الرابع قال ﷺ: «إن معاوية قد أصبح قريبا لم ينفد، فاطلبوه واقتلوه» . وأصابوه على ثمانية أميال من المدينة، وقد أخطأ الطريق، فأدركوه، وكان اللذان أسرعا في طلبه زيد بن حارثة وعمّار بن ياسر، فرمياه بالنبل حتّى مات. ومعاوية هذا أبو عائشة بنت معاوية أم عبد الملك بن مروان.
ولما قتل مصعب أعطى النبي ﷺ الراية لعلى بن أبى طالب، وانهزم المشركون، فطمعت الرماة في الغنيمة، وفارقوا المكان الذى أمرهم النبى ﷺ بملازمته، فأتى خالد مع خيل المشركين من خلف، وصرخ ابن قميئة: إن محمدا قتل، وانكشف المسلمون وأصاب فيهم العدو، وكان يوم بلاء المسلمين، وصليّ رسول الله ﷺ الظهر يومئذ قاعدا، وكان عدة الشهداء منهم سبعين رجلا، وعدة قتلى المشركين اثنان وعشرون رجلا، ووصل العدو إلى رسول الله ﷺ، وأصابته حجارتهم حتّى وقع، وأصيبت رباعيته وشجّ في وجهه وكلمات
[ ٢٥٦ ]
شفتاه. والذى كسر رباعيته عتبة بن أبى وقاص، والذى شجّ وجهه عبد الله بن شهاب الزهري في جبهته، وجعل الدم يسيل على وجهه الشريف وهو يقول:
«كيف تفلح أمة خضّبت وجه نبيها! اللهم اغفر لقومى فإنهم لا يعلمون» وإلى ذلك أشار من قال:
وأهلك قومه في الأرض نوح بدعوة «لا تذر ربّي» فأفني
ودعوة أحمد ربّ اهد قومي فهم لا يعلمون كما علمنا
فنزل في ذلك قوله تعالى: لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذِّبَهُمْ فَإِنَّهُمْ ظالِمُونَ (١٢٨) [ال عمران: ١٢٨] وضرب بالسيف على شقه الأيمن فجرح وجنته، ودخلت حلقتان من المغفر «١» فى وجهه الشريف من الشّجّة، ونزع أبو عبيدة (عامر بن الجراح) إحدى الحلقتين من وجهه ﷺ فسقطت ثنية»
أبى عبيدة الواحدة، ثم نزع الاخرى فسقطت ثنيته الاخري. ومثّلت هند وصواحبها بالقتلى من الصحابة؛ فجدعن الاذان والأنوف، وبقرت هند عن كبد حمزة ولاكتها «٣»، وصعد زوجها أبو سفيان فوق الجبل وصرخ بأعلى صوته «الحرب سجال يوم بيوم: يوم أحد بيوم بدر، اعل هبل» أى زد علوّا، فقال ﷺ: قم يا عمر فأجبه، فقال: «الله أعلى وأجل: لا سواء، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار» .
وفي الصحيح: أن أبا سفيان قال: «لنا العزّى ولا عزّى لكم» فقال النبي: قولوا له: «الله مولانا ولا مولى لكم» .
ثم نادى أبو سفيان عند منصرفه. «إن موعدكم بدر العام المقبل» فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه: «قل: نعم بيننا وبينكم موعد» ثم التمس رسول الله ﷺ عمه حمزة فوجده وقد بقر بطنه، وجدع أنفه وأذناه، فقال: لئن أظهرنى الله ﷿ على قريش لأمثّلن بثلاثين منهم «٤»، فلما رأى المسلمون حزنه وغيظه
_________________
(١) المغفر: زرد ينسج من الدروع علي قدر الرأس، يلبس تحت القلنسوة.
(٢) الثنيّة: إحدى الأسنان الأربع التي في مقدم الفم، ثنتان من فوق وثنتان من تحت.
(٣) ولكنها لم تستطع ابتلاعها فلفظتها.
(٤) هذه رواية محمد بن إسحاق، وقد ذكرها ابن كثير في تفسير قوله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ اخر سورة النحل، وفي رواية البزار: «بسبعين» بدل «بثلاثين» .
[ ٢٥٧ ]
على ما فعل بعمه، قالوا: لنمثلن بهم إن أظهرنا الله عليهم مثلة ما يمثّل بها أحد، فأنزل الله تعالى: وَإِنْ عاقَبْتُمْ فَعاقِبُوا بِمِثْلِ ما عُوقِبْتُمْ بِهِ [النحل: ١٢٦]، فكفّر عن يمينه، ونهى عن المثلة.
وروى ابن شاذان عن ابن مسعود: «ما رأينا المصطفى باكيا قط أشد من بكائه على حمزة، وصعد في القبلة، ثم وقف على جنازته وبكى حتّى كاد يغشى عليه، يقول: «يا حمزة يا عم، يا أسد الله وأسد رسوله، يا حمزة يا فاعل الخيرات، يا حمزة يا كاشف الكربات» «١» . وليس هذا نوح ولا تعدّد* بشمائل، بل إخبار بفضائله وشمائله.
ثم أمر فسجّي ببرده، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة، فصلّى عليهم وعليه، وهذا دليل لأبى حنيفة؛ فإنه يرى الصلاة على الشهيد، خلافا للشافعى وأحمد رحمهم الله تعالى.
ثم أمر بحمزة فدفن، واحتمل أناس من المسلمين إلى المدينة فدفنوا بها، ثم نهاهم ﷺ عن مثل ذلك، وقال: «ادفنوهم حيث صرعوا»، ويقال دفن معه «٢» فى قبره عبد الرحمن بن جحش.
وأصيبت عين قتادة فردّها رسول الله ﷺ بيده، فكانت بعد ذلك أحسن عينيه، وكانت إصابتها بسهم خرجت بحدقتها على وجنته، وهو يقى السهام بوجهه عن وجه رسول الله ﷺ. واستشهد أنس بن النضر عمّ أنس بن مالك، وقد أبلى بلاء حسنا، وفيه نزلت: مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ
[الأحزاب: ٢٣ وما بعدها] .
ونزل في شهداء أحد- كما رواه الحاكم- (وكانوا سبعين رجلا؛ أربعة من المهاجرين: حمزة بن عبد المطلب، ومصعب بن عمير، وعثمان بن شاس، وعبد الله ابن جحش، وسائرهم من الأنصار) قوله تعالى: وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي
_________________
(١) لأنه طالما فرّج الكربات عن وجه رسول الله ﷺ، ولذلك ذكر رسول الله ﷺ ذلك، وهذا من باب ذكر الحسنات التى أسداها لرسول الله ﷺ كما قال الشيخ فيما بعد.
(٢) أى مع حمزةرضي الله عنه. * هكذا جاء.
[ ٢٥٨ ]
سَبِيلِ اللَّهِ أى لأجل دينه، والخطاب للنبى ﷺ، أو لكل أحد أَمْواتًا بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ «١» أى من ثمار الجنة.
قال البيضاوي: وقيل نزلت في شهداء بدر، وكانوا أربعة عشر رجلا: ثمانية من الأنصار، وستة من المهاجرين.
قال القاضى زكريا: وهو غلط، إنما نزل فيهم اية البقرة «٢» .
وعن عائشةرضي الله عنها- أنها قالت للنبى ﷺ: هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشدّ ما لقيته يوم العقبة، إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل، فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب «٣» فرفعت رأسى فإذا أنا بسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل، فناداني، فقال: إنّ الله قد سمع قول قومك لك، وأنا ملك الجبال، وقد بعثنى ربك إليك لتأمرنى بأمرك فيما شئت، إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين» . فقال النبى ﷺ: «أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله واحده لا يشرك به» متفق عليه «٤» .
_________________
(١) ال عمران: ١٦٩ وما بعدها.
(٢) أي الاية ١٥٤: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ.
(٣) قرن الثعالب: هو قرن المنازل، ميقات أهل نجد، تلقاء مكة، كذا في المراصد- وبينه وبين مكة يوم وليلة.
(٤) فى الصحيح عن عائشةرضي الله عنها- أنها قالت للنبى ﷺ: «هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد؟ قال: لقد لقيت من قومك، وكان أشد ما لقيت يوم العقبة إذ عرضت نفسى على ابن عبد ياليل بن كلال فلم يجبنى إلى ما أردت، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب، فرفعت رأسى فإذا أنا بالسحابة قد أظلتني، فنظرت فإذا فيها جبريل ﵊، فنادي، فقال: قد سمع الله قول قومك لك، وما ردوا عليك به، وقد بعثت إليك بملك الجبال فتأمره بما شئت فيهم» . فناداه ﷺ ملك الجبال وسلّم عليه وقال له: إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين فعلت؟ قال النبى ﷺ: بل أرجو أن يخرج الله تعالى من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئا» . وفي رواية «بل أستأنى بهم» بدل «أرجو» فقال له ملك الجبال: «أنت كما سمّاك ربك رؤف رحيم» أ. هـ. (من السيرة الحلبية ص ٣٩٥، ٣٩٦ ج ١) .
[ ٢٥٩ ]
فكان دأبه ﷺ الصفح الجميل، وكان يجعله شكرا للنصر والظفر، كما قال عند فتح مكة لأهلها، وكانوا قد أخرجوه منها، وهى أحب البقاع إليه: «أقول لكم كما قال أخي يوسف: لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» .
وكان ممن استشهد في أحد: سعد بن الربيع، وأخذ ميراثه أخوه، وكان لسعد بنتان، وكانت امرأته حاملا، وكانت المواريث على مواريث الجاهلية، ولم تكن الفروض نزلت، فنزلت على رسول الله ﷺ حينئذ، فدعا أخا سعد، فقال: أعط ابنتى أخيك ثلثي الميراث، وادفع إلى زوجته الثمن، والباقى لك» ولم يورّث الحمل يومئذ، ثم ورّث بعد ذلك.
قال النووى في «الروضة»: إن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد، وذكر أرباب السير أنه كان في حصار بنى النضير، فى ربيع الأوّل سنة أربع، ولم يباشر ﷺ القتال في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم يقاتل معه ﷺ من الملائكة إلا في بدر، وإلا في حنين «١»، قيل: وأحد.
ولم يرم ﷺ بالحصباء في وجوه القوم في شئ من الغزوات، إلا في هذه الثلاث، على خلاف في الثالثة.
ولم يجرح: أي لم يصبه ﷺ جراحة في غزوة من الغزوات إلّا في أحد.
ولم ينصب ﷺ المنجنيق في غزوة من الغزوات إلا في غزوة الطائف، وفيه أنه نصبه على بعض حصون خيبر، ولم يتحصن بالخندق في غزوة إلا في غزوة الأحزاب «٢» .
_________________
(١) من المتفق عليه أن الملائكة لم تقاتل إلا في بدر، وأما في حنين فقد نزلت الملائكة ولكن لم تقاتل.
(٢) الواقع أن الله ﷾ أدّب الأمة كلها بهذا الدرس العملى المجيد، وعلمها أن مخالفة الرسول ﷺ فيه الخطر كل الخطر على المسلمين أنفسهم؛ إذ فيه ضياعهم. ومن المعروف أن الصحابة- رضوان الله عليهم- لم ولن ولا يقصدون مخالفة رسول الله ﷺ، ولكن لما حدث منهم ما حدث- عن طريق التأويل لا القصد- لقنهم الله هذا الدرس العملى تربية لهم وللأمة فيما بعد. أما من قصد المخالفة من المسلمين من قريب أو بعيد فليعدّ نفسه للدواهي، وها نحن نرى بأعيننا ما نرى من مغبة هذه المخالفة، نسأل الله الستر والعفو والعافية.
[ ٢٦٠ ]
وفي هذه السنة (الثالثة من الهجرة) كانت غزوة حمراء الأسد:
وهو جبل بناحية العقيق، بينه وبين المدينة ثمانية أميال، وذلك أنه لما كان صبيحة «١» يوم أحد، وهو سادس عشر شوال من هذه السنة، أذّن مؤذن رسول الله ﷺ بالخروج لطلب العدوّ، وألايخرج إلا من حضر معه بالأمس، فخرج، وخرجوا على ما بهم من الجهد والجراح- حتى كان بأسيد بن حضير تسع جراحات، يريد أن يداويها، فلما سمع النداء ترك المداواة سمعا وطاعة لله ورسوله- وسار ﵊ متجلدا مرهبا للعدو، وانتهى إلى حمراء الأسد، وكان المشركون قد صاروا إليها من أحد، ودفع لواءه وهو معقود لم يحلّ، إلى عليّ، أو إلى أبى بكر، إظهارا للقوة وإرهابا للعدو، وأقام بها ثلاثا، ومر برسول الله ﷺ بحمراء الأسد: سعيد بن أبى معبد الخزاعى سائرا إلى مكة، ولقي أبا سفيان وكفار قريش بالروحاء، فأخبرهم بخروج رسول الله ﷺ في طلبهم، فقالوا: «لقد أجمعنا الكرّة على المسلمين لنستأصل بقيتهم»، فقال سعيد الخزاعي:
«إنى أنهاكم عن ذلك، فلا ترجعوا إلى المدينة» . فثبط عزم أبى سفيان عن الرجعة، وأكبر عليهم خروج رسول الله ﷺ، وقد قذف الله في قلوبهم الرعب، فانصرفوا سراعا على ظفر منهم، حيث لم يأمنوا أن تكون الدّولة «٢» للمسلمين، حتى أتوا مكة، فلما بلغ النبيّ ﷺ ذلك قال- حسبنا الله ونعم الوكيل- فأنزل الله تعالى: الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ [ال عمران:
١٧٢: ١٧٤] الاية. وكان خليفته على المدينة ابن أم مكتوم.
_________________
(١) يقصد الصباح التالي لغزوة أحد.
(٢) الاستيلاء والغلبة.
[ ٢٦١ ]
الفصل الرابع في ظواهر السنة الرابعة من الهجرة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى النضير: ونقل عن النووى في «الروضة» أن غزوة بنى النضير كانت سنة ثلاث، وأن تحريم الخمر كان بعد غزوة أحد «١»، وكلامه يميل إلى أن تحريم الخمر كان سنة ثلاث، ورجّح الدمياطى أيضا في سيرته أن التحريم كان في السنة الثالثة.
والقول بأن التحريم كان في السنة الرابعة مشهور، وهناك قول اخر راجح، وهو: أنها كانت في غزوة الحديبية سنة ست من الهجرة، بدليل أنّ أنسا كان ساقيا لها، ولما ورد النهي عن ذلك أراقها، ولو كان ذلك سنة أربع لكان أنس يصغر عن ذلك، ويرجحه قولهم: إن تحريم الخمر كان قبل الفتح، وربما يجمع بين الأقوال بما رواه أحمد عن أبى هريرة أنها حرّمت ثلاث مرات، قال: «قدم المصطفى ﷺ المدينة وهم يشربونها، ويأكلون «٢» الميسر، فسألوه عنهما، فأنزل الله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ [البقرة: ٢١٩]، قال الناس: ما حرّم علينا إنما قال «فيهما إثم كبير ومنافع للناس» . وكانوا يشربون الخمر حتّى صلّى يوما رجل من المهاجرين، وأمّ أصحابه في المغرب، فخلط في قراءته، فأنزل الله تعالى الاية التى في النساء: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ [النساء: ٤٣]، فكان الناس يشربونها في وقت دون وقت، ثم نزلت الاية التى في المائدة، بالتأكيد، وهى قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائدة: ٩٠، ٩١]، إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ قالوا: انتهينا ربّنا.
قال المفسرون: لما أنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ [المائدة: ٨٧]، وقوله: وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّبًا [المائدة:
٨٨]، وقوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا
_________________
(١) وذكر ابن هشام أنها كانت في ربيع الأوّل من السنة الرابعة.
(٢) انظر ابن كثير ص ٩٢ ج ٢.
[ ٢٦٣ ]
[النحل: ٦٧]، وكانت الخمر والميسر مما يستطاب عندهم، بيّن الله في هذه الاية «١» أن الخمر والميسر غير داخلين في جملة الطيبات والحلال، بل هما من جملة المحرمات.
وروى أبو ميسرة أن عمر بن الخطاب- رضى الله تعالى عنه- قال: اللهم بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في سورة البقرة: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ، فدعي عمر فقرئت عليه، ثم قال: اللهم بين لنا فى الخمر بيانا شافيا، فنزلت الاية التى في النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ الاية. فدعي عمر فقرئت عليه ثم قال:
«اللهمّ بيّن لنا في الخمر بيانا شافيا» . فنزلت الاية التى في المائدة: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ، فَاجْتَنِبُوهُ إلى قوله تعالى: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ، فدعى عمر فقرئت عليه، فقال: قد انتهينا. أخرجه الترمذى من طريقين، وقال رواية عن أبى ميسرة: هذا أصح، وأخرجه أبو داود والنسائي.
وروى مصعب بن سعد عن أبيّ قال: صنع رجل من الأنصار طعاما فدعانا فشربنا- وذلك قبل أن تحرّم الخمر- حتى انتشينا، فتفاخرت الأنصار وقريش، فقالت الأنصار: نحن أفضل منكم، فقال سعد بن أبى وقاص: المهاجرون خير منكم، فأخذ رجل من الأنصار لحي «٢» جمل فضرب رأس سعد فشجه شجة موضحة «٣»، فأتى سعد لرسول الله ﷺ فأخبره، فنزلت هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
وقال ابن عباس: نزل تحريم الخمر في قبيلتين من قبائل الأنصار، شربوا حتى ثملوا وعبث بعضهم ببعض، فلما صحوا جعل الرجل يرى الأثر بوجهه ولحيته، فيقول: فعل بى هذا أخي فلان، وكانوا إخوة ليس في قلوبهم ضغائن، فأنزل الله تحريم الخمر في هذه الاية: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ.
_________________
(١) المائدة: ٩٠، ٩١.
(٢) لحى جمل: أي عظمة.
(٣) أى أبدت العظم واضحا.
[ ٢٦٤ ]
وقوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ لفظة استفهام «١»، ومعناه الأمر، أى انتهوا، وهذا من أبلغ ما ينهى به؛ لأنه تعالى ذم الخمر والميسر وأظهر قبحهما للمخاطبين، كأنه قيل: قد تلى عليكم فيها من أنواع الصوارف والموانع، فهل أنتم منتهون مع هذه الأمور؟ أم أنتم على ما كنتم عليه، كأنكم لم توعظوا، أولم تنزجروا؟
وفي هذه الاية دليل على تحريم شرب الخمر؛ لأن الله تعالى قرن شرب الخمر والميسر بعبادة الأصنام، وعدّد أنواع المفاسد الحاصلة بهما، ووعد بالفلاح عند اجتنابهما، وقال في اخر الاية: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ومعناه الأمر.
وقال بعضهم: الحكمة في وقوع التحريم على هذا الترتيب: أن القوم كانوا ألفوا شرب الخمر، وكان انتفاعهم به كثيرا، فعلم الله تعالى أنه لو منعهم دفعة واحدة لشقّ عليهم، فاستعمل في التحريم هذا التدريج والرفق.
غزوة بنى النضير:
وسبب تلك الغزوة- على بنى النضير- أنه ﷺ ذهب إليهم ليستعين بهم في دية رجلين من بنى كلاب بن ربيعة- موادعين له- كان عمرو بن أمية الضمرى قتلهما غلطا في رجوعه من بئر معونة، ظانا أنهما حربيان، وكان النبى ﷺ عقد لهما أمانا، ولم يشعر به ضمرة، وكان ﷺ قد تعاهد مع بنى النضير على ترك القتال، وعلى أن يعينوه في الديات، فحضر إليهم، وكان معه من أصحابه جماعة دون العشرة، منهم أبو بكر، وعمر، وأسيد بن حضير، فأجلسوهم بجانب دار من بيوتهم، وأرادوا الغدر به ﷺ، وأمروا أن يصعد رجل إلى الجدار ويلقى عليه رحّي، فلما علم ذلك انصرف عنهم إلى المدينة حيث كان ذلك منهم نقضا للعهد، وأرسل إليهم أن اخرجوا من بلدي؛ لأن ضياعهم كانت من أعمال المدينة، فأبوا الخروج وأذنوا بالمحاربة، فتجهّز إليهم وغزاهم وحاصرهم في ربيع الأوّل، وبعد مضيّ ليال من الحصار سألوه ﷺ أن يجليهم
_________________
(١) الاستفهام هنا تقريع وزجر في غاية القوة، إذ معناه، والله تعالى أعلم: هل أنتم منتهون أو أنزل عليكم الدواهى والقوارع، ولذلك لما سمعها عمر ﵁ فزع منها وقال: انتهينا يا رب (ثلاث مرات) .
[ ٢٦٥ ]
إلى خيبر على أنّ لهم ثلث ما حملت الإبل من أموالهم، إلا السلاح، ولرسول الله ﷺ نخلهم وأرضهم، فأجابهم إليه، فخرجوا ومعهم الدفوف والمزامير تجلدا، فمضى من بنى النضير إلى خيبر ناس، وناس إلى الشام، وبقيت أموالهم فيئا لرسول الله ﷺ خالصة له دون المسلمين؛ لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، يقسّمها كيف شاء وحيث شاء، إلا سهل بن حنيف وأبا دجانة فذكرا فقرا فأعطاهما منه شيئا.
ويروى أن النبى ﷺ لما ظهر على أموال بنى النضير، قال للأنصار: «إن إخوانكم من المهاجرين ليست لهم أموال، فإن شئتم قسّمت هذه الأموال بينكم وبينهم جميعا، وإن شئتم أمسكتم أموالكم، فقسمت هذه فيهم»، قال السعدان (سعد بن معاذ وسعد بن عبادة): «بل اقسم هذه فيهم، واقسم لهم من أموالنا ما شئت» فقال بقية الأنصار مثل ذلك تبعا للسعدين، ففرح ﷺ، وقال: «اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «١» . فأنزل الله فيهم قوله تعالى:
وَيُؤْثِرُونَ عَلى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كانَ بِهِمْ خَصاصَةٌ «٢»، أى فاقة وحاجة إلى ما يؤثرون، فلهذا قسم ﷺ الأموال على المهاجرين بحسب ما اقتضته المصلحة، فعيّن لأبى بكر، وعبد الرحمن بن عوف، وصهيب، وأبى سلمة بن عبد الأسد المخزومي، ضياعا معروفة، ومن الأنصار أعطى سهل بن حنيف، وأبا دجانة شيئا لفقرهما.
وفي بنى النضير نزلت سورة الحشر «٣» التى سمّاها ابن عباسرضي الله عنه- «سورة النضير» كما رواه سعد بن جبير.
وفي سنة أربع قصرت الصلاة الرباعية إلى ركعتين في السفر، وهذا مبنيّ على أن هذه الصلاة أربعة تامة، ثم قصرت في السفر، وقيل إنها فرضت في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وهو قول ابن عباسرضي الله عنه- قال:
فرض الله الصلاة على لسان نبيكم في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين- رواه مسلم وغيره- كذا في «المواهب اللدنية» .
_________________
(١) رواه ابن ماجه عن عمرو بن عوف بلفظ «رحم ا (الأنصار» بدل «اللهم ارحم الأنصار» .
(٢) الحشر: ٩.
(٣) هي السورة التاسعة والخمسون في ترتيب المصحف، واياتها ٢٤ اية.
[ ٢٦٦ ]
وفي الوفا «١»: «الذى عليه الأكثر: أن الصلاة نزلت بتمامها من بدء الأمر» والله أعلم، وقد سبق التنويه إلى ذلك في مبعثه ﷺ.
وفي هذه السنة الرابعة نزلت اية التيمم: وهى قوله تعالى: فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا [المائدة: ٦]، قال في معالم التنزيل «٢»: «وكان بدء التيمم ما روى عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله ﷺ في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء ونزل الجيش، انقطع عقد لي، فأقام رسول الله ﷺ، وأقام الناس معه، وليسوا على ماء، وليس معهم ماء، فأتى الناس إلى أبى بكر، فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة برسول الله ﷺ وبالناس معه؟! فجاء أبو بكررضي الله عنه- ورسول الله ﷺ واضع رأسه على فخذى قد نام، فقال: حبست رسول الله ﷺ والناس وليسوا على ماء وليس معهم ماء! فقالت عائشة: فعاتبنى أبو بكر، ثم قال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعننى بيده، فلا يمنعنى من التحرك إلّا مكان رسول الله ﷺ على فخذي. فنام رسول الله ﷺ حتّى أصبح على غير ماء، فأنزل الله ﷿ اية التيمم، فتيمّموا، فقال أسيد بن حضير- وهو أحد النقباء وكان رئيسا في الجاهلية والإسلام-: «ما هى بأوّل بركتكم يا ال أبى بكر» . قالت عائشة: فبعثنا البعير الذى كنت عليه فوجدنا العقد تحته، وقولها: فبعثنا البعير: أي أثرناه.
والتيمم من خصائص هذه الأمة لتسهل عليهم أسباب العبادة، ويدل على ذلك ما روى عن حذيفة قال: قال رسول الله ﷺ: «فضّلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت الأرض كلها لنا مسجدا، وجعلت تربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء» أخرجه مسلم «٣» .
_________________
(١) كتاب الوفاء بأحوال المصطفى ﷺ.
(٢) للبغوى الشافعى المعروف بالفراء.
(٣) ولفظه كاملا- كما في الفتح الكبير- «فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء، وأعطيت هذه الايات من اخر سورة البقرة، من كنز تحت العرش، لم يعطها نبى قبلي» رواه مسلم، والإمام أحمد، والنسائى عن حذيفة.
[ ٢٦٧ ]
* [الرّجم]: وفي السنة الرابعة (فى ذى القعدة) كان رجم اليهوديين اللذين زنيا، ونزل قوله تعالى: وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (٤٧) [المائدة: ٤٧] . وفي العمدة: عن عبد الله بن عمررضي الله عنهما- قال:
إن اليهود جاؤا إلى رسول الله ﷺ فذكروا له أن امرأة منهم ورجلا زنيا، فقال لهم رسول الله ﷺ: ما تجدون في التوراة في شأن الرجم؟ فقالوا: نفضحهم ويجلدون، فقال عبد الله ابن سلام: كذبتم إن فيها الرجم. فأتوا بالتوراة فنشروها، فوضع أحدهم يده على اية الرجم، وجعل يقرأ ما قبلها وما بعدها، فقال عبد الله بن سلام: ارفع يدك، فرفع يده فإذا فيها اية الرجم، فقالوا:
صدقت يا محمد، فأمر بهما النبى ﷺ فرجما، قال: فرأيت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة!. والذى وضع يده على اية الرجم: عبد الله بن صوريا.
واختلف العلماء في أن الإسلام هل هو شرط في الإحصان «١» أم لا، فذهب الشافعى إلى أنه ليس شرطا، فإذا حكم الحاكم على الذمى المحصن رجمه.
ومذهب أبى حنيفة أن الإسلام شرط في الإحصان، واستدل الشافعى بهذا الحديث، ورجم النبى ﷺ اليهوديين. واعتذر السادة الحنفية عنه بأن قالوا:
رجمهما بحكم التوراة، فإنه سألهم عن ذلك، وإن ذلك عند قدوم النبى ﷺ المدينة، وقالوا: إن حدّ الزنا نزل بعد ذلك، فكان ذلك الحديث منسوخا، وهذا يحتاج إلى تحقيق التاريخ، أعنى القول بالنسخ، وقوله: «فرأيت الرجل يحنى على المرأة الجيد» فى الرواية «يجنأ» بفتح المثناة تحت وسكون الجيم وفتح النون والهمز، أى يميل، ومنه الجنأ، وفي كلام بعضهم ما يشعر بأن اللفظة بالحاء المهملة، يقال: حنى الرجل يحنى حنوّا: إذا أكبّ على الشئ. فتحصّل من هذا أن السادة الحنفية يشترطون في الرجم الإسلام، وقد استدلوا على ذلك بما في البخارى عن أبى هريرةرضي الله عنه- قال: «أتى رسول الله ﷺ رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إنى زنيت. فأعرض عنه النبى ﷺ، فتنحّى لشقّ وجهه الذى أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إنى زنيت، فأعرض عنه حتّى ثنّى ذلك أربع مرات، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبى
_________________
(١) الإحصان: الزواج.
[ ٢٦٨ ]
ﷺ، فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ قال: نعم يا رسول ﷺ، قال: اذهبوا به فارجموه. أ. هـ.
والرجل: «ما عز بن مالكرضي الله عنه» .
ويروى عن أبى سلمة بن عبد الرحمن أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: كنت فيمن رجمه، فرجمناه بالمصلّي، فلما أدلفته الحجارة «بالدال المهملة والفاء، أي:
أجعته وأوهنته) هرب، فأدركناه بالحرّة، فرجمناه.
ويستدل للرجم أيضا بما روى عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن أبى هريرة وزيد بن خالد الجهني، أنهما قالا: إن رجلا من الأعراب أتى رسول الله ﷺ، فقال: يا رسول الله أنشدك الله إلا ما قضيت بيننا بكتاب الله تعالى. فقال الخصم الاخر وهو أفقه منه: نعم فاقض بيننا بكتاب الله تعالى، وائذن لي. فقال رسول الله ﷺ: قل، قال: إن ابنى كان عسيفا* على هذا فزنى بامرأته، وإنى أخبرت أن على ابنى الرّجم، فافتديت منه بمائة شاة ووليدة، فسألت أهل العلم فأخبرونى أن ما على ابنى جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم، فقال رسول الله ﷺ: والذى نفسى بيده لأقضين بينكما بكتاب الله تعالى: أما الوليدة والغنم فردّ عليك، وأما ابنك فإن عليه جلد مائة وتغريب عام، ثم قال لرجل من أسلم: أغد يا أنيس إلى امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها، قال: فغدا إليها، فاعترفت فرجمت. قوله «إلا قضيت بيننا بكتاب الله» - تطلق هذه اللفظة على القران خاصة، وقد يطلق كتاب الله على حكم الله مطلقا، والأولى حمل هذه اللفظة على هذا؛ لأنه ذكر فيه التغريب، وليس ذلك منصوصا فى كتاب الله، إلا أن يوجّه ذلك بواسطة أمر الله بطاعة الرسول واتباعه «١»، وفي قوله: «ائذن لى» حسن الأدب في المخاطبة للأكابر، وقوله: «كان عسيفا» أى أجيرا، وقوله: «فافتديت منه» أى من الرجم، وقوله: ردّ عليك، أى مردود عليك، أطلق اسم المصدر على اسم المفعول.
_________________
(١) * العسيف: الأجير المستهان به.
(٢) فى مثل قوله تعالى: وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا [المائدة: ٩٢]، وأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [ال عمران: ٣٢]، وغيرهما كثير في القران الكريم.
[ ٢٦٩ ]
وقال في «التبيين»: وجه الرجم لأنه ﷺ أمر برجم الغامدية وماعزا وكانا محصنين، وأخرج ماعزا إلى الحرّة، وقيل إلى البقيع ففرّ إلى الحرّة فرجم بالحجارة حتّى مات.
ومما رواه الجماعة أنه ﵊ رجم المرأة التى زنى بها العسيف، وقال ﵊ «لا يحلّ دم امرئ إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنا بعد إحصان، وقتل النفس بغير حق» «١» .
وقال عمررضي الله عنه- وهو على المنبر: مما أنزل في القران: «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما ألبتة» وسيأتى قوم ينكرون ذلك، ولولا أن الناس يقولون: إن عمر زاد في كتاب الله لكتبتهما في حاشية المصحف.
وعليه إجماع الصحابةرضي الله عنهم- فوصل إلينا إجماعهم بالتواتر، ولا معنى لإنكار الخوارج الرجم؛ لأنهم ينكرون القطع برجم النبى ﷺ، فيكون مكابرة وعنادا.
وقوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ عام في المحصن وغيره، إلا أنها نسخت في المحصن بما ذكر، فبقيت معمولا بها في غيره، ويزاد على المائة لغير المحصن بالسّنّة: تغريب عام، والرقيق على النصف مما ذكر، ولا رجم عليه؛ لأنه لا يتنصّف. وفي «البحر الرائق» قوله تعالى: الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ انتسخ في حق المحصن، فبقى في حق غيره معمولا به، ويكفينا في تعيين الناسخ القطع برجم النبى ﷺ، فيكون من نسخ الكتاب بالسّنّة الفعلية لأنه ﷺ رجم ما عزا، وكان قد أحصن، وثبوت الرجم عن رسول الله ﷺ متواتر المعنى.
_________________
(١) وللحديث عدة ألفاظ، وممن رواه الإمام أحمد، والترمذي، والنسائى وابن ماجه، والحاكم، والأربعة، ومن ألفاظه «لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألاإله إلا الله وأنى رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس، بالنفس والتارك لدينه المفارق للجماعة» متفق عليه، ورواه الإمام أحمد عن عبد الله ابن مسعود.
[ ٢٧٠ ]
وفي هذه السنة في جمادى الأولى كانت غزوة ذات الرقاع «١»:
وقال النووى في «الروضة» إنها كانت لعشر خلون من المحرم سنة خمس، والرقاع بكسر الراء جبل سمّيت به؛ لأن فيه بقعا حمرا وسودا، أو لأن خيلهم كان بها سواد وبياض، أو لأنّ صلاة الخوف كانت بها، فسميت بذلك لترقيع الصلاة فيها، أو لأنها نقرت فيها أقدام الصحابة، وسقطت أظفارهم، حتى كانوا يلفّون على أرجلهم الخرق، ويقال للخرق رقاع، وتسمى غزوة الأعاجيب؛ لما وقع فيها من الأمور العجيبة، وغزوة بنى محارب، وبنى ثعلبة؛ وذلك أنه لما بلغه ﷺ أن بنى محارب وبنى ثعلبة جمعوا جموعا من غطفان لمحاربته، خرج في أربعمائة من أصحابهرضي الله عنهم- فغزا نجدا يريد بنى محارب وبنى ثعلبة، ولما بلغ ﷺ نجدا، لم يجد بها أحدا غير نسوة، فأخذهن، وفيهن جارية وضيئة. ثم لقي جمعا من غطفان، فتقارب الجمعان، ولم يكن بينهما حرب حيث خاف المسلمون أن يغير المشركون عليهم وهم غافلون، حتى صلّى النبى ﷺ بالناس صلاة الخوف، وكانت أوّل صلاة للخوف «٢»، فهمّ بهم المشركون، فقال قائلهم:
دعوهم؛ فإن لهم صلاة التى هى الظهر»
وهى أحب إليهم من أبنائهم، فنزل جبريل﵇- عليه ﷺ فأخبره، فصلّى صلاة العصر (صلاة الخوف)؛ صلّى بطائفة ركعتين وبالاخرى أخريين، ونزل بها القران، وهى قوله
_________________
(١) قيل: هى اسم شجرة في ذلك الموضع، وقيل لأن أقدامهم نقبت من المشي، فلفّوا عليها الخرق، وقيل: الرقاع كانت في ألويتهم، وقيل: هو اسم جبل فيه سواد وبياض وحمرة أ. هـ. من مراصد الاطلاع. والواقع أن ذلك كله اجتمع في هذه الغزوة. وفي السيرة الحلبية: «وتسمّى غزوة الأعاجيب، وقال ابن إسحاق: إنها بعد غزوة بنى النضير»: أي سنة أربع من الهجرة، وقال غيره: مضى ربيع الأوّل والثانى وبعض جماد من السنة الرابعة، ثم غزا نجدا، وبنى محارب، وبنى ثعلبة، وذكر البخارى أنها بعد خيبر واحتج بما رواه عن أبى موسىرضي الله عنه- أنه شهد غزاه ذات الرقاع، ثم ساق الحديث.
(٢) نص ما في السيرة الحلبية: «وكانت أوّل صلاة للخوف صلّاها» . قال: وفي رواية: حانت صلاة الظهر، فصلاها ﷺ بأصحابه، فهمّ به المشركون فقال قائلهم: دعوهم فإن لهم صلاة بعد هذه هى أحب إليهم من أبنائهم، وهى صلاة العصر» ص ٢٨٦ ج ٢ (طبعة مصطفى محمد) . وروى أن أوّل صلاة صلاها للخوف كانت بعسفان في غزوة الحديبية.
(٣) وفي رواية أنها العصر.
[ ٢٧١ ]
تعالى: وَإِذا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ.. [النساء: ١٠٢]، وكفى الله المؤمنين شرهم بعد أن تعرّض لهم من المشركين من يقتلهم فلم يقدروا، فمن ذلك أنه جاء رجل من غطفان وهو غورث- بالغين المعجمة والثاء المثلاثة- فقال: يا محمد أريد أن أنظر إلى سيفك هذا، وكان محلّى بفضة، فدفعه إليه فاستلّه وهمّ به، فكبته الله، ثم قال: يا محمد أما تخافني؟ فقال له: لا، ما أخاف منك. ثم ردّ سيفه إليه، فأنزل الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ [المائدة: ١١]، والمفسرون على أن هذه الحادثة كانت في غزوة «أنمار» المتقدمة، ولا مانع من تعدد النزول لتعدد الأسباب، كما استظهره بعضهم.
ورجع ﷺ إلى المدينة، وكانت مدة غيبته خمس عشرة ليلة.
* وفي هذه السنة كانت غزوة بدر الموعد: وتسمى غزوة بدر الصغرى، ويقال الصفراء بالفاء، وبدر الثانية والثالثة.
وسميت «بدر الموعد» لأن أبا سفيان نادى يوم أحد: «الموعد بيننا وبينكم بدر العام المقبل»، فخرج ﷺ ومعه ألف وخمسمائة من أصحابه، فأقاموا ببدر ثمانية أيام، مدة الموسم، وكان أبو سفيان قد خرج من مكة في ألفين من قريش، حتى نزل خارج مكة، وقد قام به رعب من النبى ﷺ، فجمع قريشا، وقال لهم: إنه لا يصلح هذا العام المجدب لقتال محمد، فارجعوا. ورجعوا، وباع المسلمون ما كان معهم من التجارة وربحوا ربحا كثيرا، وفيه نزل: فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ [ال عمران: ١٧٤]، وانصرف ﷺ إلى المدينة.
* وفيها ولد الحسينرضي الله عنه «١» .
* وفي هذه السنة كانت «غزوة الخندق» ويقال لها: «غزوة الأحزاب»:
وهى الغزوة التى ابتلى الله تعالى فيها عباده المؤمنين، وثبّت الإيمان في قلوب أوليائه المتقين، وأظهر ما كان يبطنه أهل النفاق والشقاق المعاندين، ولم
_________________
(١) ولد ﵁ لخمس خلون من شعبان سنة ٤ هجرية.
[ ٢٧٢ ]
تكن هذه الغزوة في شوال أو في ذى القعدة من السنة الخامسة كما ذكره أرباب السير، بل حقق النووى في «الروضة» أن الأصح أنها كانت في الرابعة، ويقوّيه أن ابن عمر ﵁ يقول: «ردّنى رسول الله ﷺ يوم أحد، وأنا ابن أربع عشرة سنة، ثم أجازنى يوم الخندق وأنا ابن خمس عشرة سنة»، فليس بينهما إلا سنة واحدة. وغزوة أحد كانت سنة ثلاث، فتكون غزوة الخندق سنة أربع، فهى قبل غزوة دومة الجندل.
قال الحافظ بن حجر: ولا حجة فيه؛ لاحتمال أن يكون ابن عمر- رضى الله تعالى عنه- فى أحد كان أوّل ما طعن في الرابعة عشر، وكان في الأحزاب التى هى «غزوة الخندق» قد استكمل الخمسة عشر، وحينئذ يكون بين أحد والخندق سنتان، كما هو الواقع لا سنة واحدة، فعلى ذلك لا مانع أنها كانت في الخامسة.
وسبب هذه الغزوة أنه لما وقع إجلاء بنى النضير من أماكنهم، سار منهم جمع من كبرائهم، منهم سيدهم حييّ بن أخطب- أبو صفية أم المؤمنين رضى الله تعالى عنها- وعظيمهم سلّام بن مشكم، ورئيسهم كنانة بن أبى الحقيق، وهودة بن قيس، إلى أن قدموا مكة على قريش يدعونهم ويحرّضونهم ليحزّبوا الأحزاب على حرب رسول الله ﷺ، وكانت الأحزاب عشرة الاف، وكان المدبر لأمرها والقائم بشأنها أبو سفيان، وأنزل الله تعالى في ذلك صدر سورة الأحزاب.
فلما بلغه ﷺ ما أجمعوا عليه ندب الناس وأخبرهم خبر عدوّهم، وشاورهم في أمرهم، وقال لهم: هل ننزل من المدينة أو نكون فيها؟ فأشار عليه سلمان الفارسى- رضى الله تعالى عنه- بالخندق، حيث قال: «يا رسول الله إنّا كنا بأرض فارس إذا تخوّفنا الخيل، خندقنا عليهم»، فأمر ﷺ بحفر الخندق حول المدينة، وعند ذلك ركب رسول الله ﷺ فرسا له ومعه عدة من المهاجرين والأنصار، وأمرهم بالجدّ، ووعدهم النصر إن هم صبروا. فعمل الخندق من مكايد الفرس، لا من مكايد العرب، ولما نظر المشركون إلى الخندق، قالوا: والله إن هذه لمكيدة ما كانت العرب تكيدها.
وفي أمره ﷺ بحفر الخندق حول المدينة بمعرفة سلمان الفارسي، وفي التماس عمر بن الخطابرضي الله عنه- من أبى لؤلؤة غلام المغيرة أن
[ ٢٧٣ ]
يعمل له رحى تطحن بالريح، دلالة على استحباب حصول الإسلام على أدوات الأشياء النافعة الموجودة بالممالك الأجنبية كما هو جار الان بالبلاد الإسلامية الراغبة في تجديد المنافع للحرب والسلم.
وعمل ﷺ بنفسه في حفر الخندق، ولما بدأ ﷺ قال:
بسم الله وبه بدينا «١» ولو عبدنا غيره شقينا
يا حبّذا ربّا وحبّ دينا
وقال ﷺ متمثلا بقول ابن رواحة وهو ينقل التراب وقد وارى الغبار عن جلدة بطنه الشريف:
لا همّ لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
فأنزلن سكينة علينا وثبّت الأقدام إن لاقينا
والمشركون قد بغوا علينا وإن أرادوا فتنة أبينا «٢»
يمدّ بها صوته مكررا لها: «أبينا أبينا» .
وروى أن حفر الخندق كان في زمان عسرة ومجاعة، حتى إن الأصحابرضي الله عنهم- كانوا يشدّون على بطونهم الحجر من الجهد والجوع الذى بهم، ولبثوا ثلاثة أيام لا يذوقون زادا، وعن أبى طلحة: «شكونا إلى رسول الله ﷺ الجوع، ورفعنا عن بطوننا عن حجر، فرفع رسول الله ﷺ عن بطنه حجرين. ذكره الترمذى في الشمائل، ولهذا أشار صاحب البردة بقوله:
وشدّ من سغب أحشاءه وطوى تحت الحجارة كشحا مترف الادم
وهذا منه ﷺ تعليم للأمة للصبر على الجوع، وإلا ففى الحقيقة هو مطعم شبع من فيض مولاه؛ لأنه كان يطعم ويسقى من ربه، وإنما العادات الظاهرية قد تجرى مجراها، ولو في حق الأنبياء، حتى إنه ﷺ في الصوم كان يصير
_________________
(١) بضم الباء وكسر الدال (الطهطاوي) .
(٢) وليس هذا من إنشاء النبى ﷺ، وإنما هو مردد، وكان من عادته أن يقلب البيت أو يكسره ليخرج من ميزان الشعر، وهكذا في كل ما ورد أنه ردّده.
[ ٢٧٤ ]
كالطاعم الريّان، مكرمة له ﷺ، وإذا حصل له في النادر إذاقة جوع، فإنما كان ذلك على وجه الابتلاء الذى كان يحصل لإخوانه من الأنبياء والمرسلين؛ تعظيما لثوابهم، وإظهارا لجواز الأعراض البشرية عليهم: صلوات الله وسلامه عليهم.
وعن أنسرضي الله عنه- خرج رسول الله ﷺ إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار في غداة باردة، ولم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:
اللهمّ لا خير إلا خير الاخره فبارك في الأنصار والمهاجره
وفي رواية: فأكرم الأنصار والمهاجرة «١» .
فقالوا مجيبين له:
نحن الذين بايعوا محمدا على الجهاد ما بقينا أبدا
وفي رواية: «ما حيينا أبدا» .
ولما خطّ رسول الله ﷺ الخندق، قطع لكلّ عشرة أربعين ذراعا، فاختصم المهاجرون والأنصار في سلمان الفارسي، وكان رجلا قويا، فقال المهاجرون:
سلمان منّا ونحن أحق به، وقال الأنصار: سلمان منا ونحن أحق به، فقال رسول الله ﷺ: «سلمان منا أهل البيت» «٢» . ولذلك يشير بعضهم:
لقد رقى سلمان بعد رقّه منزلة شامخة البنيان
وكيف لا والمصطفى قد عدّه من أهل بيته العظيم الشان
وإنما وقع التخاصم في سلمانرضي الله عنه- لأنه كان رجلا قويا، يعمل عمل عشرة رجال، وفي رواية: كان يحفر كل يوم خمسة أذرع من الخندق فى عمقها أيضا خمسة أذرع، فعانه «٣» قيس بن صعصعة فصرع وتعطّل من
_________________
(١) وليس هذا من إنشاء النبى ﷺ، وإنما هو مردد، وكان من عادته أن يقلب البيت أو يكسره ليخرج من ميزان الشعر، وهكذا في كل ما ورد أنه ردّده.
(٢) رواه الطبراني والحاكم عن عمرو بن عوف.
(٣) أى حسده بالعين.
[ ٢٧٥ ]
العمل، فأخبر بذلك رسول الله ﷺ، فأمر أن يتوضأ قيس لسلمان ويجمع وضوؤه فى ظرف ويغتسل سلمان بتلك الغسالة ويكفى الإناء خلف ظهره، ففعل، فنشط فى الحال كما ينشط البعير من العقال «١» .
وهو أوّل مشهد شهده سلمان الفارسى مع رسول الله ﷺ.
ومكث ﷺ في عمل الخندق خمسة عشر يوما، وجعل النساء والذرارى في الاطام، وعلى حصن بعض النساء حسان بن ثابت الأنصارى- رضى الله تعالى عنه- وكان من دأبه ألايقتحم المخاوف؛ إما لمانع حسّي، كأن تكون يداه لا تطيقان حمل القناة ومسك عنان الجواد؛ لأنه كان معدّا للتحريض على القتال بحماس شعره الذى هو أحدّ من الات النضال، وكانت وظيفته هجاء المشركين وتأييد الدين، ومع ذلك لم ينسبه أحد من أعدائه إلى الجبن «٢»، ولم يهجه به، كما قلت:
حسّان كان هماما بطعنة الشّعر يوجع
وكيف يجبن شهم وسط الحروب يشجّع
فكان عليه مدار عظيم في الحروب وقوة الإسلام، وإن لم يخض في بحر المعامع، ولا كان له فيها اقتحام، ومما يدل على ذلك أنه في بعض الليالى وهو مع النساء اتفق أن يهوديا جعل يطوف بذلك الحصن، فقالت صفية لحسان: لا امن هذا اليهودى أن يدلّ على عورة الحصن، فيأتون إلينا، فانزل فاقتله. فقال حسانرضي الله عنه-: يا بنت عبد المطلب قد عرفت ما أنا بصاحب هذا، (أى ليس دأبى الحرب) . فلما أيست منه أخذت عمودا ونزلت ففتحت باب الحصن وأتته من خلف فضربته بالعمود حتّى قتلته وصعدت الحصن فقالت: يا حسان انزل إليه فاسلبه؛ فإنه لم يمنعنى من سلبه إلا أنه رجل. فقال: يا ابنة عبد
_________________
(١) هذا هو الدواء الصحيح للحسد، وهو حديث صحيح.
(٢) فى الواقع أن وضع جميع الشعراء هو هكذا: الشاعر يكون دائما خلف الرجال لأن صفته التشجيع، وأما وصف سيدنا حسان بالجبن فهو اتهام باطل وإن انتحلوا له الأسباب، وقد عاش سيدنا حسان عشرين ومائة عام منها ستون في الجاهلية وستون في الإسلام، ﵁ وأرضاه.
[ ٢٧٦ ]
المطلب ما لى بسلبه حاجة» يعنى أنه لم يقتله، فليس سلبه له، لا أنه جبن عن سلب قتيل كل إنسان يستطيع أن يسلب ما عليه. فمن سمع هذه الحكاية نسبه إلى الجبن الذى لا يليق بحال الصحابة- رضوان الله عليهم- مع أن هذا لا ينتج عن جبنه، وإنما لا يدل على شجاعته، وليست الشجاعة في الحروب صفة لكل إنسان.
وعرض الغلمان وهو يحفر الخندق وكانوا بأجمعهم- من بلغ ومن لم يبلغ- يعملون فيه، فلما التحم الأمر: أمر من لم يبلغ خمس عشرة سنة أن يرجع إلى أهله، وأجاز من بلغ خمس عشرة سنة، فممّن أجازه: عبد الله بن عمر بن الخطابرضي الله عنهما- وزيد بن ثابت، وأبو سعيد الخدري، والبراء بن عازبرضي الله عنهم- وشبكوا المدينة بالبنيان من كل ناحية، فصارت كالحصن، وكان لواء المهاجرين بيد زيد بن حارثة، ولواء الأنصار بيد سعد بن عبادةرضي الله عنهما.
ولما فرغ منه ﷺ أقبلت قريش ومن معها من بنى قريظة وقبائل العرب المشركين، واشتدّ البلاء حتّى ظن المؤمنون كلّ الظن، وأقام رسول الله ﷺ والمشركون بضعا وعشرين ليلة لم يكن بينهم حرب، إلا الرمى بالنبل والحصار، وكان جماعة من المنافقين مثل أوس القيظي، ومتابعيه ينفرون جيش الإسلام، ويقولون: ارجعوا إلى منازلكم، واعتلّوا بأن منازلكم عورة خالية عن المحافظة، فإنها خارج المدينة، ونحن نخاف أن يظفر بها جيش العدو، وكما أخبر عنه قوله تعالى: وَإِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرارًا (١٣) [الأحزاب: ١٣]، وكان المشركون يتناوبون الحرب، لكن الله تعالى لم يمكنهم عبور الخندق؛ فإن شجعان الصحابة كانوا يمنعونهم بالنبال والأحجار، وكان النبى ﷺ بنفسه في الليالى يحرس بعض مواضع.
ثم نصر الله نبيه على المشركين، واختلفت كلمتهم، وهبّت ريح الصبا عاصفة في ليال شديدة البرد كما قال تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْها [الأحزاب: ٩]، فجعلت الريح تقطع أطناب خيامهم وتكفئ قدورهم وتقلبهم على بعض أمتعتهم ولا
[ ٢٧٧ ]
تجاوز عسكرهم، وسفت عليهم التراب ورمتهم بالحصا، وانقلبوا خاسئين، فكان نصره ﷺ) بالصبا، وكان إهلاك عاد بالدبور «١»، (وهى الريح الغربية) . ووقع بينهم الاختلاف، فرحلت قريش مع أبى سفيان، ورحلت غطفان وهم يقولون:
الرحيل الرحيل، لا مقام لكم. فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال: «الان نغزوهم ولا يغزونا» وكان كذلك حتّى فتح مكة.
* وظهرت للنبى ﷺ في حفر الخندق معجزات، منها:
١- أن كدية (أى صخرة) اشتدّت عليهم، فدعا بماء وتفل فيه ونضحه عليها فانهالت تحت المساحي «٢» .
روى البيهقى وغيره أنه ﷺ لما خطّ الخندق، وقطع لكل عشر أربعين ذراعا، وأخذوا يحفرون، وظهر فيه صخرة عظيمة لم تعمل فيها المعاول، فوجّهوا سلمان إلى رسول الله ﷺ يخبره، فجاءه وأخذ المعول فضربها ضربة فصدعها، وبرق منها بريق أضاء ما بين لابتيها (أى لابتيّ المدينة) فكأن بها مصباحا في جوف بيت مظلم، فكبّر وكبر المسلمون، وقال: «أضاءت لى منها قصور الحيرة كأنها أنياب الكلاب» أى في بياضها وصفرتها وانضمام بعضها إلى بعض.
[واللابتان: حرّتان يكتنفانها، والحرّة: كل أرض ذات حجارة سوداء كأنها محترقة من الحر] .
ثم ضرب الثانية، فقال: «أضاءت لى منها القصور الحمر من أرض الروم» .
ثم ضرب الثالثة، فقال: «أضاءت لى قصور صنعاء، وأخبرنى جبريل أن أمتى ظاهرة على كلها» أى الأراضى التى أضاءت «فأبشروا» فقال المنافقون: ألا تعجبون من محمد يمنيكم أيها المؤمنون ويعدكم الباطل، ويخبركم أنه يبصر من يثرب «٣» (أى المدينة) قصور الحيرة، وأنها تفتح لكم، وإنكم إنما تحفرون الخندق
_________________
(١) كما قال رسول الله ﷺ: «نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور»، رواه الإمام أحمد.
(٢) المساحي: المعاول التى يحطمون بها الصخور.
(٣) قد نهى النبى ﷺ عن تسمية المدينة «يثرب» وقال: «من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هى طابة، هى طابة، رواه الإمام أحمد عن البراء؛ لأن التثريب: المؤاخذة والعقاب، ومنه قوله تعالى: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، والمدينة دار الإيمان والأمان والمغفرة، جعلنا الله من أهلها بمنه وكرمه.
[ ٢٧٨ ]
من الفرق! أى الخوف» فنزل قوله تعالى: وَإِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢) [الأحزاب: ١٢] .
٢- ومنها أن بنت بشير بن سعد أتت بقليل تمر إلى أبيها وخالها عبد الله بن رواحة، فمرت برسول الله ﷺ فدعاها، وقال: هات ما معك يا بنية، فصبّته على كفّيه فما امتلأتا، ثم دعا بثوب فبسط له وبدّد ذلك التمر عليه، ثم قال لإنسان:
اصرخ في أهل الخندق، أن هلمّوا إلى الغداء. فجعلوا يأكلون منه، وجعل يزيد، حتى صدر «١» أهل الخندق عنه وإنه ليسقط من أطراف الثوب.
ومنها ما رواه جابر، قال: كانت عندى شويهة غير سمينة، فأمرت امرأتى أن تخبز قرص شعير، وأن تشوى تلك الشاة لرسول الله ﷺ، وكنا نعمل في الخندق نهارا وننصرف إذا أمسينا، فلما انصرفنا من الخندق قلت: يا رسول الله صنعت لك شويهة ومعها شئ من خبز الشعير، وأنا أحب أن تنصرف إلى منزلي. فأمر رسول الله ﷺ من يصرخ في الناس معه: إلى بيت جابر. وأقبل رسول الله ﷺ والناس معه، فقدّم له ذلك، فبرّك وسمّى الله، ثم أكل، وتواردها الناس كلما صدر قوم جاء قوم حتّى صدر أهل الخندق عنها «٢» .
وقال سلمان الفارسي: «كنت قريبا من رسول الله ﷺ، وأنا أعمل في الخندق، فتغلظ عليّ الموضع الذى كنت أعمل فيه، فلما رأى رسول الله ﷺ شدّة المكان أخذ المعول وضرب بيديه ضربة لمعت تحت المعول برقة، ثم ضرب أخرى فلمعت برقة أخرى، ثم ضرب أخرى فلمعت برقة أخرى، قال: فقلت بأبى أنت وأمي، ما هذا الذى لمع تحت المعول؟ فقال: أرأيت ذلك يا سلمان؟ فقلت: نعم، فقال: أما الأولي: فإن الله فتح بها عليّ اليمن، وأما الثانية فإن الله فتح بها عليّ الشام والمغرب، وأما الثالثة فإن الله فتح بها عليّ المشرق» .
* وفرغ رسول الله ﷺ من عمل الخندق، وأقبلت قريش في أحابيشها أى (حلفائها) ومن تبعها من كنانة في عشرة الاف، وأقبلت غطفان ومن تبعها من أهل نجد، وكان بنو قريظة وكبيرهم كعب بن أسيد قد عاهدوه ﷺ، فما زال
_________________
(١) أى رجعوا وانصرفوا منه.
(٢) رواه البخارى ومسلم وغيرهما.
[ ٢٧٩ ]
عليهم أصحابهم من اليهود حتّى نقضوا العهد، وصاروا مع الأحزاب، فعظم الخطب حتّى ظن المؤمنون كل الظن كما سبق، ونجم النفاق من بعض المنافقين، حتى قال معتب بن قشير: «كان محمد يعدنا أن نأكل كنوز كسرى وقيصر، وأحدنا اليوم لا يأمن على نفسه أن يذهب إلى قضاء الحاجة» . كما قال تعالى: إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيدًا (١١) [الأحزاب: ١٠، ١١] .
وقال ابن عباس: كان الذين جاؤهم من فوقهم بنو قريظة، ومن أسفل منهم قريش وغطفان أ. هـ.
والمراد من فوقهم: من جهة المدينة، ومن أسفل منهم: من جانب أسفل الوادي.
وأقام المشركون بضعا وعشرين ليلة، ورسول الله مقابلهم، وليس بينهم قتال غير المراماة بالنبل والحصار كما سبق، ثم خرج عمرو بن عبد ودّ- من ولد لؤى بن غالب- يريد المبارزة، فبرز إليه عليّرضي الله عنه- فقال عمرو:
يا ابن أخي، والله ما أحبّ أن أقتلك، فقال علي: لكننى والله أحب أن أقتلك.
فحمي عمرو، ونزل من على فرسه وسلّ سيفه كأنه شعلة نار، ثم أقبل نحو عليّ مغضبا، ثم التقيا، فاستقبله عليّ بدرقته فضربه فقدّها وأثبت فيها السيف، وأصاب رأسه فشجّه، وضربه عليّ على حبل عاتقه فسقط وأثار العجاج «١»، وسمع النبيّ ﷺ التكبير، فعرف أن عليا قتله، وانكشفت الغبرة، وإذ علا عليّ صدر عمرو يذبحه، ثم أهبّ الله ريح الصبا، إلى اخر ما سبق ذكره.
ثم أقبل عليّ ووجهه يتهلل، ولم يكن في العرب درع مثل درع عمرو، فخرجت خيولهم منهزمة، وألقى عكرمة بن أبى جهل رمحه يومئذ، وهو منهزم عن عمرو، وخرج في إثرهم الزبير وعمر فناوشوهم ساعة، وحمل الزبير على رجل منهم «٢» فشقه نصفين، وقطع سرجه حتّى وصل إلى كاهل الفرس، فقيل له: ما رأينا مثل سيفك! فقال: ما هو السيف، إنه الساعد. ثم اتفق الكفار على أن يحملوا جميعا ولم يتخلف منهم أحد، فوافوا رسول الله عند طلوع الشمس وأحدقوا
_________________
(١) العجاج: الغبار.
(٢) هو هبيرة بن أبى وهب، زوج أم هانئ أخت الإمام على كرم الله وجهه.
[ ٢٨٠ ]
بالخندق من كل وجه، ووجّهوا نحو خيمته كتيبة عظيمة فيها خالد بن الوليد، فقاتلوهم يومئذ إلى هويّ «١» الليل حتّى كشفهم الله وتفرقوا، وشغل المصطفى عن العصرين «٢» والعشاءين، فأقام لكلّ إقامة، وقال: «شغلونا عن الصلاة الوسطى ملأ الله قلوبهم نارا» «٣» . ولم يكن لهم بعد ذلك قتال جميعا، وتفرّق الأحزاب بتخذيل نعيم بن مسعود الأشجعى الذى أتى إلى رسول الله ﷺ مسلما، ولم يعلم قومه، وأمره ﷺ بالتخذيل، حيث قال له: «خذّل عنا ما استطعت فإن الحرب خدعة «٤» (بفتح الحاء وسكون الدال أى ينقضى أمرها بالمخادعة) .
وقال ضرار بن الخطاب بن مرداس، أخو بنى محارب بن فهر في يوم الخندق، يمدح قومه، ويعتذر عن الهزيمة:
ومشفقة تظن بنا الظنونا وقد قدنا عرندسة طحونا «٥»
كأنّ زهاءها أحد إذا ما بدت أركانه للناظرينا
ترى الأبدان فيها مسبغات على الأبطال واليلب «٦» الحصينا
وجردا كالقداح مسوّمات نؤمّ بها الغواة الخاطئينا
كأنهم إذا صالوا وصلنا بباب الخندقين مصافحونا
أناس لا ترى فيهم رشيدا وقد قالوا: ألسنا راشدينا؟
وأحجرناهم شهرا كريشا «٧» وكنّا فوقهم كالقاهرينا
نراوحهم ونغدو كل يوم عليهم في السلاح مدجّجينا
_________________
(١) هوى الليل: تمامه واستواؤه.
(٢) العصرين: الظهر والعصر، والعشاءين: المغرب والعشاء.
(٣) وفي رواية: «ملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا كما شغلونا عن الصلاة حتّى غابت الشمس» رواه أحمد، والأربعة والبيهقى عن علي، وابن ماجه عن عبد الله بن مسعود.
(٤) «الحرب خدعة» قال البزار: فتح الخاء وسكون الدال لغة النبى ﷺ ولغته أفصح اللغات. وقالوا: معناه أن من خدع مرة واحدة عطب وهلك ولا عودة له، وقال المطرز: الفتح أفصح لأنه لغة قريش: وقال ابن درستويه: ليست لغة قوم، إنما هى لغة الجميع؛ لأنها من الخداع فلذلك فتحت والله تعالى أعلم.
(٥) العرندس من الإبل: الشديد.
(٦) اليلب: محركة الترس، أو الدرع، أو جلد يخرز بعضه إلى بعض تلبس على الرؤس خاصة.
(٧) التكريش: تقطيب الوجه، وكرش الجلد: تقبض، والمقصود أنه صعب شديد.
[ ٢٨١ ]
بأيدينا صوارم مرهفات نقدّ بها المفارق والشئونا «١»
كأن وميضهنّ معريّات إذا لاحت بأيدي مصلتينا
وميض عقيقة «٢» لمعت بليل تري فيها العقائق مستبينا
فلولا خندق كانوا لديه لدمّرنا عليهم أجمعينا
ولكن حال دونهم وكانوا به من خوفنا متعوّذينا
فإن نرحل فإنّا قد تركنا لدي أبياتكم سعدا رهينا
إذا جنّ الظلام سمعت نوحا «٣» علي سعد يرجّعن «٤» الحنينا
وسوف نزوركم عمّا قريب كما زرناكم متوازرينا
بجمع من كنانة غير عزل كأسد الغاب قد حمت العرينا
فأجابه كعب بن مالك﵁- فقال:
وسائلة تسائل ما لقينا ولو شهدت رأتنا صابرينا
صبرنا لا نري لله عدلا «٥» علي ما نابنا متوكلينا
وكان لنا النبيّ وزير صدق به تعلو البريّة أجمعينا
نقاتل معشرا ظلموا وعقّوا وكانوا بالعداوة مرصدينا
نعاجلهم إذا نهضوا إلينا بضرب يجعل المتسرّعينا
ترانا في فضافض سابغات كغدران* الملا متسربلينا
وفي أيماننا بيض خفاف بها نشفي مراح «٦» الشاغبينا
بباب الخندقين كأنّ أسدا شوابكهن «٧» تحمين العرينا
_________________
(١) مفرق الرأس: مفترق الشعر الشئون: مجاري الدمع.
(٢) العقيقة هنا: ما يبقي في السحاب من شعاعه، وبه تشبّه السيوف، فتسمي عقائق- أ. هـ. (من القاموس المحيط) .
(٣) النائحات.
(٤) الترجيع: الترديد مرة بعد أخرى.
(٥) قوله عدلا بكسر العين أي معادلا أ. هـ. * الغدير: القطعة من الماء يغادرها السيل (بقية مياه السيل) . والملا: الصحراء.
(٦) المراح: الأشر والبطر، والمقصود: تذهب أشرهم وبطرهم.
(٧) الشوابك: الأنياب المتشابكة من أسد شابك: مشتبك الأنياب.
[ ٢٨٢ ]
فوارسنا إذا بكروا وراحوا علي الأعداء شوسا معلمينا
لننصر أحمدا والله حتي نكون عباد صدق مخلصينا
ويعلم أهل مكة حين ساروا وأحزاب أتوا متحزّبينا
بأنّ الله ليس له شريك وأنّ الله مولي المؤمنينا
فإمّا تقتلوا سعدا سفاها فإنّ الله خير القادرينا
سيدخله جنانا طيبات تكون مقامة للصالحينا
كما قد ردّكم فلا «١» شريدا بغيظكم خزايا خائبينا
خزايا لم تنالوا ثمّ خيرا وكدّتم أن تكونوا دامرينا»
بريح عاصف هبّت عليكم فكنتم تحتها متكمّهينا «٣»
وكان شعار أصحاب رسول الله ﷺ يوم الخندق وبنى قريظة «حم حم لا ينصرون» كذا في سيرة ابن هشام.
* وفي شهر ذى القعدة وصدر* ذى الحجة من هذه السنة كانت غزوة بنى قريظة «٤»: وهم قوم من اليهود بالمدينة من حلفاء الأوس، وسيد الأوس حينئذ سعد بن معاذ- رضى الله تعالى عنه-.
لما رجع ﷺ من الخندق، وكان وقت الظهيرة ودخل بيت عائشة- رضى الله تعالى عنها- فبينما هو يغتسل، ودعا بالمجمرة ليتبخر، أتاه جبريل ﵉ بعد صلاة الظهر، فقال: أو قد وضعت السلاح يا رسول الله؟ قال: نعم، فقال جبريل: ما وضعت ملائكة الله السلاح منذ نزل بك العدوّ «٥»؛ إن الله يأمرك يا محمد بالمسير إلى بنى قريظة، فإني عامد إليهم بمن معى من
_________________
(١) الفلّ: الكتيبة المنهزمة، وقوم فلّ: منهزمون.
(٢) دامرين: هالكين.
(٣) التكمه: التهدّم في البئر ونحوها، أو التندم على الأمر الغائب. * المراد أوّله وبدايته.
(٤) فى البخارى أنها كانت بعد رجوع النبى ﷺ من الخندق ووضع السلاح.
(٥) وفي لفظ: قال: «يا رسول الله ﷺ ما أسرع ما حللتم، عذيرك من محارب، عفا الله عنك» .
[ ٢٨٣ ]
الملائكة، فمزلزل بهم الحصون، فقال ﷺ: إن في أصحابى جهدا فلو أنظرتهم أياما. فقال جبريل ﵇: انهض إليهم، فو الله لأدقّنهم كدقّ البيض على الصفا، (وكان جبريل على فرس أبلق)، فقال: ولأدخلنّ فرسى هذا عليهم في حصونهم، ثم لأضعضعنّها. فأدبر جبريل ﵇ ومن معه من الملائكة حتى سطع الغبار في زقاق بني غنم وهم طائفة من الأنصار، فأبرز «١» رسول الله ﷺ بلالا فأذّن في الناس: «من كان سميعا مطيعا فلا يصلين العصر إلا في بنى قريظة»، وأعطى ﷺ الراية عليّ بن أبى طالب، واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، ونادى مناد بأمره ﷺ: «يا خيل الله اركبي» «٢» .
ثم سار إليهم ﷺ وقد لبس سلاحه وركب فرسه، والناس حوله قد لبسوا السلاح، وركبوا الخيل، وهم ثلاثة الاف، والخيل ستة وثلاثون فرسا، له ﷺ منها ثلاثة، وقدّم ﷺ عليّ بن أبى طالب كرم الله وجهه برايته إلى بنى قريظة، ومر ﷺ بنفر من بنى النجار قد لبسوا السلاح، فقال: هل مرّ بكم أحد؟ قالوا: نعم دحية الكلبى مر على فرس أبيض عليه اللأمة، وأمرنا بحمل السلاح، وقال لنا:
رسول الله ﷺ يطلع عليكم الان، فلبسنا سلاحنا وصففنا. فقال ﷺ: ذلك جبريل ﵇ بعث إلى بنى قريظة ليزلزل حصونهم ويقذف الرعب في قلوبهم، فلما دنا عليّ بن أبى طالبرضي الله عنه- من الحصن ومعه نفر من المهاجرين والأنصار، وغرز اللواء عند أصل الحصن، سمع من بنى قريظة مقالة قبيحة في حق النبى ﷺ، فسكت المسلمون، وقالوا: السيف بيننا وبينكم، فلمّا رأى عليّرضي الله عنه- رسول الله ﷺ مقبلا، أسلم اللواء لأبى قتادة الأنصاري، ورجع إليه ﷺ فقال: يا رسول الله، لا عليك أن تدنو من هؤلاء الأجانب، قال: لعلك سمعت منهم أذي؟ فقال: نعم يا رسول الله، قال: لو رأونى لم يقولوا من ذلك شيئا. فكان كما قال ﷺ، وحاصر رسول الله ﷺ بنى قريظة خمسا وعشرين ليلة، وقيل دون ذلك، وكان طعام الصحابةرضي الله عنهم التمر، يرسل به إليهم سعد بن عبادةرضي الله عنه- فلا زال يحاصرهم
_________________
(١) كذا بلفظ «أبرز» فى السيرة الحلبية وقال: إنها كذلك في سيرة الحافظ الدمياطى: بالأذان في البراز، ومعناه: أمره.
(٢) وهو من أحسن الكنايات، ومعناه: «يا فرسان الله» .
[ ٢٨٤ ]
حتى جهداهم الحصار، وقذف الله في قلوبهم الرعب، فلما أيقنوا أنه ﷺ غير منصرف عنهم حتّى يقاتلهم، قال كبيرهم «كعب بن أسيد»: يا معشر يهود قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وأنا عارض عليكم خلالا ثلاثا أيها شئتم، قالوا: وما هي؟ قال: «نتابع هذا الرجل ونصدّقه، فو الله لقد تبين لكم أنه نبيّ مرسل، وأنه الذى تجدونه في كتابكم، فإذا امنتم به أمنتم على أموالكم ودمائكم ونسائكم وأبنائكم، وما منعنا من الدخول معه إلا الحسد للعرب، حيث لم يكن هذا النبى من بنى إسرائيل» . وكان يهود بنى قريظة يدرسون ذكر رسول الله ﷺ في كتبهم، وأنّ دار هجرته المدينة، بل كان هذا غير خاص ببنى قريظة؛ إذ غيرهم كان كذلك، فقد روى عن ابن عباس ﵄ قال: «كانت يهود بنى قريظة، وبنى النضير، وفدك، وخيبر، يجدون في كتبهم صفة النبى ﷺ قبل أن يبعث، وأن دار هجرته المدينة» .
قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين* السيوف، ولم نترك وراءنا ثقلا حتّى يحكم الله بينا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يخشى عليه، وإن نظفر فلعمرى لنجدن النساء والأبناء. قالوا: «نقتل هذه المساكين»؟ فما خير العيش بعدهم»؟ قال كعب: فإن أبيتم عليّ هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وأن عسى أن يكون محمد وأصحابه قد آمنوا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرّة (أى غفلة) . فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما لم يكن يحدث فيه من كان قبلنا؟ وقال لهم عمرو بن سعد: قد خالفتم محمدا فيما عاهدتموه عليه، ولم أشرككم في غدركم، فإن أبيتم أن تدخلوا معه فاثبتوا على اليهودية وأعطوا الجزية، فو الله ما أدرى أيقبلها أم لا، قالوا: نحن لا نقر للعرب بخراج في رقابنا يأخذونه، القتل خير من ذلك، قال: فإني برئ منكم.
وبعد الحصار أرسلوا بنباش بن قيس إلى رسول الله ﷺ أن ينزلوا على ما نزلت عليه بنو النضير، من أن لهم ما حملت الإبل إلا الحلقة «أى الدرع»، فأبى ﷺ، فأرسلوه ثانيا بأنه لا حاجة لهم بشئ من الأموال، لا من الحلقة ولا من
_________________
(١) * أى مجرّدين السيوف من غمدها.
[ ٢٨٥ ]
غيرها، فأبى رسول الله ﷺ إلا أن ينزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فعاد نباش إليهم بذلك، ثم إنهم بعثوا إلى رسول الله ﷺ أن ابعث إلينا أبا لبابة، وهو رفاعة بن المنذر، لنستشيره في أمرنا؛ لأنه كان من حلفاء الأوس وبنو قريظة (منهم) «١» وكان مناصحا لهم؛ لأن ماله وولده وعياله كانت في بنى قريظة، فأرسله ﷺ إليهم، فلما رأوه قام إليه الرجال وأسرع إليه النساء والصبيان يبكون فى وجهه من شدّة المحاصرة وتشتيت مالهم، وقام كعب بن أسيد، فقال لأبى لبابة: قد عرفت ما بيننا، وقد اشتد علينا الحصار وهلكنا، ومحمد لا يفارق حصننا حتّى ننزل على حكمه، فلو زال عنا لحقنا بالشام أو خيبر، ولم نطأ له أرضا، ولم نكثر عليه جمعا أبدا، ما تري؟ قد اخترناك على غيرك، أننزل على حكم محمد؟ قال: نعم فانزلوا، وأشار بيده إلى حلقه إشارة إلى الذبح، ومعناه لا تفعلوا لئلا يذبحكم، قال أبو لبابة: فو الله ما زالت قدماى من مكانهما حتّى عرفت أنى خنت الله ورسوله؛ لأن في قولى تنفيرا لهم عن الانقياد له ﷺ.
ومن ثم أنزل الله تعالى يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ [الأنفال: ٢٧] الاية، وقيل: (وهذا أثبت) «٢» أنه نزل في ذلك: وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صالِحًا [التوبة: ١٠٢]، وسالت عين أبى لبابة بالدموع، وانطلق على وجهه، فلم يأت رسول الله ﷺ، وربط نفسه إلى عمود بالمسجد يقال له:
«اسطوانة التوبة» كان أكثر نفله ﷺ عنده، وقال: والله لا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله عليّ مما صنعت. وعاهد الله ألايطأ أرض بنى قريظة أبدا ولا يرى في بلد خان الله ورسوله فيه أبدا. فلما بلغ رسول الله ﷺ خبره، وكان قد استبطأه، قال: أما لو جاءنى لاستغفرت له، وأما بعد أن فعل ما فعل فما أنا بالذى أطلقه حتّى يتوب الله عليه، فنزلت توبته، فتولى النبى إطلاقه بيده بعد أن أقام مرتبطا بالجذع ست ليال لا يحلّ إلا للصلاة.
ثم إن بنى قريظة نزلوا على حكم رسول الله ﷺ، فأمر بهم فكتّفوا وجعلوا ناحية بين الستمائة والسبعمائة، وأخرج النساء والذرارى من الحصون، وجعلوا
_________________
(١) فى الأصل «وبنو قريظة من الأوس» وهو خطأ؛ لأن بنى قريظة كانوا من حلفاء الأوس، لا من الأوس.
(٢) فى الأصل (وهو أولا أثبت) أصلحناه من السيرة الحلبية.
[ ٢٨٦ ]
ناحية، وكانوا ألفا، واستعمل عليهم عبد الله ابن سلام، فتواثبت الأوس، وقالوا: يا رسول الله موالينا وحلفاؤنا، وقد فعلت في موالى إخواننا بالأمس ما قد فعلت، (يعنون بنى قينقاع)، لأنهم كانوا حلفاء الخزرج، ومن الخزرج عبد الله بن أبيّ ابن سلول، وكانوا قد نزلوا علي حكم رسول الله ﷺ فكلّمه فيهم عبد الله بن أبيّ ابن سلول، فوهبهم له، على أن يجلوا، (فطلبت) «١» الأوس من رسول الله ﷺ أن يهب لهم بنى قريظة كما وهب بنى قينقاع لإخوانهم من الخزرج، فلما كلمته الأوس أبى أن يفعل ببنى قريظة ما فعل ببنى قينقاع، ثم قال لهم: أما ترضون يا معشر الأوس أن يحكم فيهم رجل منكم؟ قالوا: نختار حكم سعد بن معاذرضي الله عنه- فرضى بذلك رسول الله ﷺ، وأذن لسعد بن معاذ، وليس إذنه ﷺ لسعد بن معاذ في ذلك لكونه لا يجوز له ﷺ الحكم بينه وبين محاربه، بل هو جائز له؛ فإنّ من خصائصه ﷺ أن يحكم لنفسه، فلأن يحكم بينه وبين محاربه من باب أولي، ومعنى الحكم بينه وبين محاربه أن يقول للمحارب:
أترك قتالك على التزام كذا وكذا، أو على ما يقتضيه رأى فلان، ويحكم به فيك، ومن هذا القبيل تحكيم سعد بن معاذ في بنى قريظة بأمر النبى ﷺ، فالتحكم في المحاربين من خصائص الإمام الأعظم «٢»، ومن حقوقه؛ فلا يجوز لأحد أن يفتات عليه، ولا أن يفعله بغير إذنه، فالحكم في الحقيقة حقه ﷺ، وقد ردّه إلى سعد وفوّض له فيه. وكان سعد بن معاذرضي الله عنه- حين أصابه السهم بالخندق وضع في خيمة في المسجد تداوى فيها الجرحى من أصحابه، فأتاه قوم فحملوه على حمار وساروا به وهم يقولون: «يا أبا عمرو أحسن في مواليك؛ فإن رسول الله ﷺ إنما ولّاك ذلك لتحسن فيهم، فقد رأيت عبد الله بن أبيّ ابن سلول وما صنع في حلفائه»، كل ذلك وسعد بن معاذ ساكت، فلما أكثروا عليه قالرضي الله عنه: «لقد ان لسعد ألاتأخذه في الله لومة لائم»، فقال بعضهم:
_________________
(١) فى الأصل (فظنت) وهو خطأ.
(٢) وهو النبى ﷺ فقط، أما الأئمة- الحكام- فلهم ذلك في حدود الكتاب والسنة، أما إذا خالف القران الكريم والسنة النبوية الشريفة: فضرب كلامه عرض الحائط أولي، بدليل قوله ﵊: «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق» رواه الإمام أحمد والحاكم، وروى النسائى قوله ﵊: «لا طاعة لأحد في معصية الله، إنما الطاعة في المعروف» وروى الإمام أحمد: «لا طاعة لمن لم يطع الله» والأحاديث في هذا الباب كثيرة اكتفينا منها بما أوردنا.
[ ٢٨٧ ]
«وا قوماه»، فأتى سعد على حمار، فلما دنا قريبا من باب المسجد، وانتهى ﵁ إلى رسول الله ﷺ وإلى المسلمين وهم حوله جلوس، قال رسول الله ﷺ للأنصار: قوموا إلى سيدكم «١»، فقاموا صفين، كل رجل منهم يحيّى سعدا، حتى انتهى إلى رسول الله ﷺ، فقال: احكم يا سعد، فقال: الله ورسوله أحقّ بالحكم، قال ﷺ: قد أمرك الله أن تحكم فيهم، فقال سعد لبنى قريظة: أترضون بحكمي؟
قالوا: نعم، فأخذ عليهم عهد الله وميثاقه أنّ الحكم ما حكم به سعد، قال سعد:
فإني أحكم فيهم أن تقتل الرجال، وتقسّم الأموال، وتسبي الذرارى والنساء، فقال رسول الله ﷺ لسعد: «لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات» «٢» .
وما أحسن قول من قال:
ليت دهري حاكم لي في عدوّي ليغيظه
وهو قد يحكم يوما حكم سعد في قريظة
وأخرج أحمد عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: دمي يوم الأحزاب سعد بن معاذ فقطع الجلد، فحسمه* رسول الله ﷺ بالنار، فانتفخت يده فنزف، فلما رأى ذلك قال: «اللهم لا تخرج نفسى حتّى تقرّ عينى من بنى قريظة»، فاستمسك عرقه، فما قطر قطرة حتّى نزلوا على حكم سعد، فأرسل إليه، فحكم أن تقتل رجالهم وتسبى نساؤهم وذراريهم ليستعين بهم المسلمون، فقال رسول الله ﷺ: «أصبت حكم الله فيهم»، فلما فرغ منهم انفتق عرقه فمات ﵁، كما سيأتى قريبا. وينسب لحسان بن ثابت في رثائه قوله:
لقد سجمت «٣» من دمع عينى عبرة وحقّ لعيني أن تفيض علي سعد
قتيل ثوى في معرك فجعت به عيون ذراري «٤» الدّمع دائمة الوجد
على ملّة الرحمن «٥» وارث جنّة مع الشهدا، وفدها أكرم الوفد
فإن تك قد ودّعتنا وتركتنا وأمسيت في غبراء مظلمة اللّحد
_________________
(١) حديث ثابت في كثير من كتب السنة والمغازي، وفيه رد على طوائف المتفيهقة.
(٢) وفي رواية: «من فوق سبعة أرقعة» . * يقال: حسم العرق إذا قطعه وكواه لئلا يسيل دمه.
(٣) سال دمعها غزيرا.
(٤) ذرارى الدمع من ذر الحب والملح والدواء: فرقه، والمعنى أن دمعى متفرق ولكن قلبى دائم الوجد والحزن.
(٥) والمعنى أنه على ملة الرحمن، ومات مسلما شهيدا، ﵁.
[ ٢٨٨ ]
فأنت الذى يا سعد بتّ بمشهد كريما وأثواب المكارم والحمد
بحكمك في حيّى قريظة والذي قضى الله فيهم ما قضيت على عمد
فوافق حكم الله حكمك فيهم ولم تعف إذ ذكرت ما كان من عهد
فإن كان ريب الدهر أمضاك في الألى شروا هذه الدنيا بجنّاتها الخلد
فنعم مصير الصادقين إذا دعوا إلى الله يوما للوجاهة والقصد
ثم أمر ﷺ أن يجمع ما وجد في حصونهم، فقسّمه ﷺ، فجعل للفارس ثلاثة أسهم: سهما له، وسهمين لفرسه، وللراجل سهما؛ وكانت خيل المسلمين يومئذ ستة وثلاثين فرسا، ووقع في سهم النبى ﷺ من سبيهم ريحانة بنت عمرو بن حذافة- من بنى عمرو بن قريظة- ويقال ريحانة بنت شمعون، فلم تزل في ملكه حتّى مات رسول الله ﷺ. وأمر بالأسارى أن يكونوا في دار زيد بن أسامة ﵁- والذرية في دار ابنة الحارث النجّارية؛ لأن تلك الدار كانت معدودة لنزول الوفود من العرب، وأمر بالمتاع أن يحمل، وترك المواشى هناك ترعى الشجر، ثم غدا ﷺ سائرا إلى المدينة، ثم خرج إلى سوق المدينة فخندق بها خنادق، أى حفر فيها حفائر، ثم أمر بقتل كلّ من أنبت- أى بلغ- فجاؤا إليه أرسالا تضرب أعناقهم ويلقون في تلك الخنادق، وقتلت فيهم امرأة واحدة، وهى بنانة امرأة الحكم القرظي، وكانت طرحت على خلاد بن سويد بن الصامت رحى من فوق الحائط، فاستشهد واحده في هذه الغزوة، فقال رسول الله ﷺ: «له أجر شهيدين» وقتلها به قصاصا، لا لكونها كانت في قتال المشركين.
ومما يستشهد به الفقهاء في كتب الفقه «١» فى قتال المشركين، على أن المرأة لا تقتل- كما قاله اليافعى- قول أبى الخطاب عمر بن أبى ربيعة القرشى المخزومي:
إنّ من أكبر الكبائر عندي قتل بيضاء خودة عطبول
كتب القتل والقتال علينا وعلي الغانيات جرّ الذيول
_________________
(١) ليس الشعر من أوجه الاستدلال، وإنما قد يكون ملحة من الملح، على سبيل التفكه، لا الاستشهاد.
[ ٢٨٩ ]
ثم أتى بكعب بن أسد: سيد بنى قريظة، فقال له كعب- بعد أن عرض عليه الإسلام-: «لولا أن تعايرنى يهود بالجزع من السيف لاتبّعتك»، فأمر ﷺ بضرب عنقه.
وكان المتولى لقتل بنى قريظة عليّ بن أبى طالب، والزبير بن العوّام- رضى الله تعالى عنهما- وينسب لحسان بن ثابت قوله:
لقد لقيت قريظة ما أساها «١» وما وجدت لذلّ من نصير
غداة أتاهم يهوي إليهم رسول الله كالقمر المنير
له خيل مجنّبة تغادي بفرسان عليها كالصقور
تركناهم وما ظفروا بشئ دماؤهم عليهم كالغدير
فهم صرعي يحوم الطير فيهم كذاك يدان ذو العند الفجور
فأنذر مثلها نصحا قريشا من الرحمن إن قبلت نذيري
وقوله:
لقد لقيت قريظة ما أساها وحلّ بحصنها ذلّ ذليل
وسعد كان أنذرهم بنصح بأنّ إلهكم ربّ جليل
فما برحوا بنقض العهد حتي غزاهم «٢» في بلادهم الرسول
أحاط بحصنهم منّا صفوف له من حرّ وقعهم صليل*
ولما انقضى شأن بنى قريظة، قال رسول الله ﷺ: «لن تغزوكم قريش بعد عامكم هذا، ولكنكم تغزونهم» فكان كذلك.
وانفجر جرح سعد بن معاذ الذى في يده، وسال الدم، واحتضنه ﷺ، فجعلت
_________________
(١) ما أساها: ما أساءها: حذفت الهمزة للتسهيل، وفي ابن هشام (فى المطبوعة) ما ساها، بهمزة المد بعد السين.
(٢) فى سيرة ابن هشام «فلاهم» بدل «غزاهم» ومعناه قتلهم بالسيوف. * الصليل: صوت له رنين، وهو صوت قارعة السيوف.
[ ٢٩٠ ]
الدماء تسيل على رسول الله ﷺ، وحمل إلى منزله، فمات سعد منه ولم يعلم «١» ﷺ بموته، فأتى جبريل فقال: يا محمد، من هذا الميت الذى فتحت له أبواب السماء واهتزّ له العرش فرحا به؟ فقام رسول الله ﷺ سريعا إلى سعد بن معاذ فوجده قد مات، ولما دفن سعدرضي الله عنه- وشيّعه النبى ﷺ ومن معه من الصحابة والملائكة، سبّح ﷺ وسبّح الناس معه، فقالوا: يا رسول الله: لم سبّحت؟ قال: لقد تضايق على هذا العبد الصالح قبره حتّى فرّجه الله عنه، وسئل ﷺ عن ذلك، فقال: كان يقصّر في الطهور من البول بعض التقصير.
* ثم بعث رسول الله ﷺ بسبايا بنى قريظة إلى نجد أو الشام لتباع ويشترى بها سلاح.
ونهى رسول الله ﷺ أن يفرّق بين الأم وولدها في السبايا من بنى قريظة، وقال: لا يفرّق بين أمّ وولدها حتّى يبلغ. فكانت أمّ الولد تباع من المشركين هى وولدها، وهو محمل قوله ﷺ: «من فرّق بين والدة وولدها فرّق الله بينه وبين أحبته يوم القيامة» «٢» .
* وفي هذه السنة الرابعة في صفر قدم عليه ﷺ) قوم من عضل والقارة (عضل بفتح المهملة والمعجمة بعدها لام: بطن من بنى الهون بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر ينسبون إلى عضل بن الديش، والقارة بالقاف وتخفيف الراء: بطن من الهون أيضا ينسبون إلى الديش المذكور، وقال ابن دريد: القارة أكمة سوداء فيها حجارة، كأنهم نزلوا عندها فسمّوا بها، كذا في المواهب اللدنية) وطلبوا منه أن يبعث معهم من يفقّه قومهم في الدين، فبعث معهم ستة، وهم: ثابت بن أبى الأفلح، وخبيب بن عدي، ومرثد بن أبى مرثد الغنوي، وخالد بن البكير الليثي، وزيد بن الدثنة، وعبد الله بن طارق، وأمّر عليهم مرثد بن أبى مرثد، فلما وصلوا إلى الرجيع (ماء لهذيل على أربعة عشر ميلا من عسفان) غدروا بهم وقاتلوهم، فقتل ثلاثة وأسر ثلاثة، وهم: زيد،
_________________
(١) كانت الجملة «فمات سعد منه وحمل إلى منزله ولم يعلم ﷺ» فأصلحناه إلى ما ترى حتّى ينتظم الكلام.
(٢) رواه الإمام أحمد والترمذي، والحاكم عن أبى أيوب.
[ ٢٩١ ]
وخبيب، وعبد الله بن طارق، فأخذوهم إلى مكة، فهرب عبد الله بن طارق في الطريق، وقاتل إلى أن قتلوه بالحجارة، فلما وصلوا إلى مكة في ذى القعدة حبسوا كلّ واحد منهما حتّى تخرج الأشهر الحرم، ولما انسلخ الأشهر الحرم أخرجوا خبيبا وزيدا من الحرم إلى التنعيم ليقتلوهما في الحلّ، واجتمع خبيب وزيد في الطريق فتواصوا بالصبر والثبات على ما يلحقهما من المكاره، قال لهم خبيب:
دعونى أصلّي ركعتين، فتركوه، فصلّى ركعتين، وقال: والله لولا أن تحسبوا أنّ ما بى من جزع لزدت. وعند موسى بن عقبة أنه صلاهما في موضع مسجد التنعيم وقال: «اللهم أحصهم عددا واقتلهم بددا (يعنى متفرقين) «١» ولا تبق منهم أحدا» . فلم يحل الحول، ومنهم أحد حيّ، ثم أنشأ خبيب يقول:
فلست أبالي حين أقتل مسلما علي أيّ شقّ كان في الله مضجعى
وذلك في ذات الإله وإن يشأ يبارك علي أوصال شلو* ممزّع
إلي الله أشكو غربتى بعد كربتى وما أرصد الأحزاب لى عند مصرعى
[الأوصال: جمع وصل، وهو العضو. والشلو: بكسر الشين المعجمة الجسد، ويطلق على العضو، لكن المراد بها هنا الجسد] .
قال أبو هريرة: «كان خبيب أوّل من سنّ الركعتين عند القتل لكلّ مسلم قتل صبرا»، لأنه فعلهما في حياته ﷺ، فاستحسن ذلك من فعله وقرّرهما، واستحسنه المسلمون، فبقى سنة. والصلاة خير ما ختم به عمل العبد.
* وفي هذه السنة أمر رسول الله ﷺ زيد بن ثابت بتعلّم «٢» السريانية، وسيأتى ذلك موضحا في تراجمة النبى﵊.
* وفي هذه السنة الرابعة، وقيل في الخامسة نزلت اية الحجاب، والمراد بالاية الطائفة من القران نزل فيها الأمر بالستر، وهى قوله تعالى: وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ [الأحزاب: ٣٣]، أى «الزمن بيوتكن» وَلا تَبَرَّجْنَ قيل: هو التكسّر والتبختر،
_________________
(١) والمعنى: أن يشتت الله شملهم. * الشلو الجسد والجلد من كل شيء.
(٢) فى الأصل «بتعليم» وهو خطأ واضح.
[ ٢٩٢ ]
وقيل: هو إظهار الزينة وإبراز المحاسن للرجال تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الْأُولى قيل إن الجاهلية الأولي: بين عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام، وقيل: هى زمن داود وسليمان عليهما الصلاة والسلام، كانت المرأة تلبس قميصا من الدروع غير مخيط من الجانبين، فيرى خلفها منه، وقيل: الجاهلية الأولى ما قبل الإسلام، والجاهلية الاخرى يفعلون مثل فعلهم اخر الزمان، وقيل: قد تذكر الأولى ولا تستلزم أخرى كقوله تعالى: وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عادًا الْأُولى (٥٠) [النجم: ٥٠]، ولم تكن لهم أخرى، ونزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ [الأحزاب: ٥٣]، قال أكثر المفسرين: نزلت هذه الاية في شأن وليمة زينب بنت جحش حين بنى بها رسول الله ﷺ، قال أنس بن مالك ﵁: كنت ابن عشر سنين مقدم رسول الله) المدينة، فخدمته عشر سنين، وتوفى رسول الله ﷺ وأنا ابن عشرين سنة، فكنت أعلم الناس بشأن الحجاب حين أنزل، وكان أوّل ما نزل في مبتنى رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، حين أصبح النبيّ بها عروسا فدعا القوم فأصابوا من الطعام ثم خرجوا، وبقى رهط عند النبى ﷺ فأطالوا المكث، فقام رسول الله ﷺ وخرج وخرجت معه، لكى يخرجوا، فمشى النبى ﷺ ومشيت حتّى جاء عتبة حجرة عائشة- رضى الله تعالى عنها- وظن أنهم قد خرجوا، فرجع ورجعت معه، حتى إذا دخل على زينب، فإذا هم جلوس لم يقوموا، فرجع النبى ﷺ ورجعت معه، حتى إذا بلغ عتبة حجرة عائشة، وظنّ أنهم خرجوا فرجع ورجعت معه، فإذا هم قد خرجوا، فضرب النبى ﷺ بينى وبينه الستر، ونزلت اية الحجاب.
قال أبو عثمان (واسمه الجعد) عن أنس قال: فدخل- يعنى النبى ﷺ- البيت وأرخى الستر، وإنى لفى الحجرة وهو يقول: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إلى قوله: وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ [الأحزاب:
٥٣]، وهذا أدب من الله أدّب به الثقلاء. قال ابن عباس: نزلت في ناس من المسلمين كانوا يتحينون طعام رسول الله ﷺ فيدخلون عليه قبل الطعام إلى أن يدرك «١»، يأكلون ولا يخرجون، وكان رسول الله ﷺ يتأذى بهم فنزلت الاية:
_________________
(١) أى ينضج الطعام.
[ ٢٩٣ ]
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إلى قوله: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ أى سألتم نساء النبى ﷺ حاجة فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ أى من وراء ستر يستركم عنهن، فبعد اية الحجاب لم يكن لأحد أن ينظر* امرأة من نساء رسول الله ﷺ:
متنقبة كانت أو غير متنقبة، ونزل فيها أيضا قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ وَبَناتِكَ وَنِساءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ [الأحزاب: ٥٩]، والجلابيب جمع جلباب، وهى الملاءة التى تشتمل بها المرأة فوق الدرع والخمار، وقيل: هى كل ما يستتر به من كساء وغيره، قال ابن عباس: أمر نساء المؤمنين أن يغطين رؤسهن ووجوههن بالجلابيب، إلا عينا، ليعلم أنهنّ حرائر، وهو قوله تعالى: ذلِكَ أَدْنى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ [الأحزاب: ٥٩]، أى لا يتعرّض لهن، بخلاف الإماء فلا يغطّين وجوههن، وكان المنافقون يمشون في طرق المدينة يتبعون النساء إذا برزن بالليل لقضاء حوائجهن، فيتبعون المرأة، فإن سكتت اتبعوها، وإن زجرتهم انتهوا عنها، ولم يكونوا يطلبون إلا الإماء، ولكن كانوا لا يعرفون الحرة من الأمة؛ لأن زى الكل واحد، تخرج الحرة والأمة فى درع وخمار، فشكون ذلك لأزواجهن، فذكروا ذلك للنبى ﷺ، فنزل: وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ الاية، ثم نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء «١» بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْواجِكَ قال أنس: «مرّت بعمر بن الخطاب
_________________
(١) فى القاموس المحيط: «خدم، وخدام، وخدّم: موضع الخلخال، والسير، ورباط السراويل عند أسفل رجل المرأة» أ. هـ. بتصرف. والإماء: الخدم، والمغنيات: (يسرن مكشوفات الوجه وخدم الرجلين) ولذلك سمين بالخدم: من الخدمة، وكشف خدم الأقدام، وهن لا يستحيين من كشفها، فلذلك نهى الحرائر أن يتشبهن بالإماء. ولهذا نقول لنساء هذا الزمن: إنكن رجعتن إلى أرذل من خدم الجاهلية الأولى؛ إذ الحرة اليوم خلعت جلباب الحياء، مع خلعها جلباب الستر الذى تستر به جسدها: تشبها بالخدم (خدم الجاهلية الأولي) . والمرأة على هذه الوتيرة التى نراها لا يمكن أن تكون هى المرأة المسلمة التى يريد الإسلام إعزازها وتكريمها وإبعادها عن فحش القول، وعن الفاحشة، نسأل الله تعالى أن يسبل علينا ستر الدنيا والآخرة. * الانتظار، والبقاء.
[ ٢٩٤ ]
جارية متقنعة، فعلاها بالدرّة، وقال: (يا لكاع أتتشبهين بالحرائر؟! ألقى القناع) ولكاع كلمة تقال لمن يستحقر به مثل: العبد، والأمة، والقليل العقل، مثل قولك:
يا خسيس «١» .
* وفي هذه السنة توفيت فاطمة بنت أسد بن هاشم بن عبد مناف- أم على ابن أبى طالب ﵁- أسلمت وتوفيت مسلمة بالمدينة.
_________________
(١) لأن الأمة إذا تشبهت بالحرة، لحق الحرة ما يلحق الأمة من استهزاء الرجال بها، كما نرى اليوم فى الشوارع، وأسواق الفجور.
[ ٢٩٥ ]
الفصل الخامس فى ظواهر السنة الخامسة وما فيها من الغزوات
* قد سبق أن غزوة ذات الرقاع، ولو ذكرت في ظواهر سنة أربع، إلا أنه كما تقدم صحّح بعضهم أنها كانت في سنة خمس.
* وفي هذه السنة كانت غزوة دومة الجندل «١»:
(بضم الدال المهملة وبعدها واو ساكنة فميم مفتوحة فهاء) مضاف إلى الجندل (بفتح الجيم وسكون النون وفتح الدال المهملة، اخره لام) بلد بين الحجاز والشأم، وهو أوّل غزوات الشأم، علي عشر مراحل»
من المدينة، وعشرين من الكوفة، وثمان من دمشق، واثنتى عشرة من مصر، سميت بدومى بن إسماعيل، كان نزلها، وكانت بعد غزوة ذات الرقاع بشهرين وأربعة أيام، بناء علي ما صحح النووي من أن ذات الرقاع كانت في سنة خمسة، وصاحب دومة الجندل يسمى «أكيدر»، ويقال: إن منزل أكيدر كان أولا في دومة الحيرة، وكان يزور أخواله من كلب، فخرج معهم للصيد فرفعت له مدينة متهدمة لم يبق إلا حيطانها مبنية بالجندل، فأعاد بناءها وغرس الزيتون وغيره فيها، وسمّوها دومة الجندل للفرق بينها وبين دومة الحيرة، وكان «أكيدر» يتردد بينهما.
ويزعم بعضهم أن تحكيم الحكمين بين على ومعاوية كان بدومة الجندل.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن بها جمعا كثيرا يظلمون من مرّ بهم، وأنهم يريدون أن يدنوا من المدينة، فندب الناس واستخلف علي المدينة سبّاع بن عرفطة- بضم العين المهملة- الغفاري، وخرج إليها لخمس ليال بقين من ربيع الأوّل وفي ألف، يسير الليل ويكمن النهار، ومعه دليل من بني عذرة يقال له «مذكور»
_________________
(١) في مراصد الإطلاع ما نصه: «دومة الجندل» بالضم والفتح، وأنكر ابن دريد الفتح، وعدّه من أغلاط المحدثين، وجاء في حديث الواقدي «دوما الجندل» قيل: هي من أعمال المدينة، حصن علي سبعة مراحل من دمشق، بينها وبين المدينة. قيل: هي غائط من الأرض «خمسة فراسخ» ومن قبل مغربه عين تثج فتسقي ما به من النخل والزرع، وحصنها مارد (أملس)، وسميت «دومة الجندل» لأنها مبنية به، وهي قرب جبل طئ.
(٢) المرحلة: المسافة يقطعها السائر في نحو يوم، أو ما بين المنزلين.
[ ٢٩٧ ]
﵁، فلما دنا منهم جاء إليهم الخبر فتفرقوا، فهجم علي مشاتهم ورعاتهم، فأصاب من أصاب، وهرب من هرب، ونزل رسول الله ﷺ بساحاتهم فلم يلق بها أحدا، وبعث السرايا فرجعت ولم تلق منهم أحدا، ورجعت كل سرية بإبل، وأخذ محمد بن مسلمة رجلا منهم وجاء به إلي النبى ﷺ، فسأله رسول الله ﷺ عنهم، فقال: هربوا حيث سمعوا أنك أخذت نعمهم. فعرض ﷺ عليه الإسلام فأسلم.
ورجع ﷺ إلى المدينة ولم يلق حربا.
* وفي رجوعه وادع- أى صالح- عيينة بن حصن، واسمه حذيفة الفزاري: أن يرعى بمحل بينه وبين المدينة ستة وثلاثون ميلا؛ لأن أرضه كانت أجدبت، ولما سمن حافره وخفّه وانتقل إلى أرضه، عدا علي لقاح رسول الله ﷺ بالغابة، وقيل له «عيينة» لأنه أصابته لقوة «١» فجحظت عيناه، فسمى عيينة، وعيينة هذا أسلم بعد الفتح وشهد حنينا والطائف، وكان من المؤلّفة «٢»، ودخل علي النبى ﷺ بغير إذن وأساء الأدب فصبر النبى ﷺ علي جفوته، وقال فيه ﷺ: «إن شر الناس من تركه الناس اتقاء فحشه» «٣»، وقيل إن ذلك إنما قيل في مخرمة بن نوفل، ولا مانع من تعدد ذلك. وقد ارتد عيينة بعد ذلك في زمن الصدّيق ﵁، فإنه لحق بطليحة بن خويلد حين تنبأ وامن به، فلما هرب طليحة أسره خالد بن الوليد ﵁، وأرسل به إلى الصدّيق في وثاق، فلما دخل المدينة صار أولاد المدينة ينخسونه بالحديد، ويضربونه، ويقولون: أي عدوّ الله كفرت بالله بعد إيمانك، فيقول: والله ما كنت امنت. فمنّ عليه الصديق، فأسلم، ولم يزل مظهرا للإسلام.
* وفي غيبته ﷺ في هذه الغزوة ماتت أم سعد بن عبادة (عمرة بنت مسعود) من المبايعات، وكان ابنها ﵁ معه ﷺ. ولما قدم ﷺ المدينة صلّى
_________________
(١) اللّقوة: داء يعرض للوجه يعوجّ منه الشّدق.
(٢) هم جماعة من الصحابة كان الرسول ﷺ يعطيهم من الأموال ليحببهم في الإسلام.
(٣) رواه أبو داود ﵁، والترمذى عن عائشة بلفظ: «إن شر الناس منزلة عند الله يوم القيامة من تركه الناس اتقاء فحشه» .
[ ٢٩٨ ]
علي قبرها، وذلك بعد شهر، وقال له سعد: يا رسول الله أتصدّق عنها؟ قال:
نعم، قال: أي الصدقة أفضل؟ قال: الماء. فحفر بئرا، وقال: هذه لأم سعد ﵂ «١» .
* وفي هذه السنة غزوة بنى لحيان بن هذيل بن مدركه:
(بكسر اللام وفتحها) قبيلة من هذيل، لما وقعت وقعة عاصم بن ثابت وخبيب بن عدى وغيرهما من الصحابة الذين قتلتهم هذيل، وجد «٢» النبى وجدا شديدا على أصحابه المقتولين بالرجيع، وأراد أن ينتقم منهم، فأمر أصحابه بالتهيؤ، وخرج رسول الله ﷺ في جمادى الأولى من السنة الخامسة لستة أشهر من فتح بني قريظة، فقصد بنى لحيان يطالب بثأر عاصم بن ثابت وخبيب بن غدى (أهل الرجيع «٣»)، وذلك إثر رجوعه من «دومة الجندل»، فسلك علي طريق الشأم أولا ليصيب من القوم غرّة، وعسكر في مائتى رجل، ومعهم عشرون فرسا، ثم أخذ ذات اليسار إلي صخيرات «٤» اليمام ثم رجع إلي طريق مكة وأجدّ السير حتي نزل غران «٥» (بضم المعجمة وفتح الراء وهي منازل بنى لحيان، وهو واد بين امج «٦» وعسفان، وبينه وبين عسفان خمسة أميال) حيث كان مصاب أصحاب الرجيع، واستغفر لهم، وأقام هناك يوما أو يومين يبعث السرايا في كل ناحية، فوجد بنى لحيان قد حذروا وتمنّعوا في رؤس الجبال،
_________________
(١) وروى سعد بن عبادة أن رسول الله ﷺ قال: «أفضل الصدقة سقى الماء» رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم. وفي هذا رد علي الذين يتعللون بإنكار نفع الصدقة بعد الوفاة، وليتقوا الله، وليحافظوا ألسنتهم.
(٢) وجد: أي حزن.
(٣) رجيع (بفتح أوله، وبالعين المهملة) علي فعيل، هو الموضع الذي غدرت عضل والقارة بالسبعة نفر الذين بعثهم رسول الله ﷺ، منهم عاصم بن ثابت «الذى حمته الدّبر» وهو ماء لهذيل قرب الهدّة، (بين مكة والطائف) وقد خفّف بعضهم داله. والرجيع: والله قرب خيبر. كذا في المراصد.
(٤) في هامش المراصد ما نصه: في الزبيدي: وضبطه ابن الأثير بالحاء المهملة «صحيرات» واحده «صحرة» وهي أرض لينة تكون في وسط الحرة.
(٥) غران: منازل بنى لحيان، بين أمج وعسفان.
(٦) امج: ضبطها في المراصد بهمزة القطع، لا بالمد: أمج.
[ ٢٩٩ ]
وفاتته الغرّة فيهم، فخرج في مائتى راكب إلى المدينة، ولم يلق كيدا، وكانت غيبته عن المدينة أربع عشرة ليلة.
قال جابر ﵁: سمعت رسول الله ﷺ حين وجه إلى المدينة يقول:
«ايبون تائبون إن شاء الله لربنا حامدون، أعوذ بالله من وعثاء السفر (أي مشقته)، وكابة المنقلب (أي حزن المنقلب)، وسوء المنظر في الأهل والمال» .
ومنها خرج لغزوة الغابة المعروفة ب «غزوة ذي قرد» «١» .
واستعمل في غزوة بنى لحيان علي المدينة ابن أم مكتوم.
وبعض أهل السير جعل غزوة «بنى لحيان» في شهر ربيع الأوّل سنة ست، والصحيح أنها كانت في جمادى الأولى من السنة الخامسة، علي رأس ستة أشهر من «فتح بنى قريظة» .
* وفي هذه السنة لما رجع ﷺ من بنى لحيان، وقف علي الأبواء وزار قبر أمه «٢» .
* وفيها فكّ رسول الله ﷺ سلمان الفارسى ﵁ عن الرق، وكان إسلامه في السنة الأولى من الهجرة.
* وفيها انخسف القمر في جمادى الآخرة، فصلّى بهم النبى ﷺ صلاة الخسوف حتّى انجلي القمر.
_________________
(١) ستأتى هذه الغزوة بتفصيلها في بداية السنة السادسة.
(٢) زار قبر أمه ﷺ في «ألف مقنّع» يعني ألف فارس مقنع.
[ ٣٠٠ ]
الفصل السادس في ظواهر السنة السادسة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة «الغابة» وتعرف بذى قرد:
والغابة: الشجر الملتف، وذى قرد بفتح القاف والراء، وبالدال المهملة، وقيل:
بضم القاف وفتح الثاني: موضع علي ميلين من المدينة علي طريق خيبر.
كانت هذه الغزوة في السنة السادسة من الهجرة، بعد غزوة بنى لحيان.
وقال البخارى: كانت قبل خيبر بثلاثة أيام، وفي مسلم نحوه، ولكن إجماع أهل السير علي خلافهما «١» . وهى الغزوة التى أغار فيها عيينة بن حصن في خيل من غطفان وفزارة علي لقاح رسول الله ﷺ بالغابة قبل خيبر، وكانت اللقاح عشرين لقحة، واللقحة: ذات اللبن القريبة من الولادة، وكان أوّل من علم بهم سلمة بن الأكوع الأسلمى رضى الله تعالى عنه؛ فإنه غدا يريد الغابة متوشحا قوسه، ومعه غلام لطلحة بن عبيد الله معه فرس لطلحة يقوده، فلقى غلاما لعبد الرحمن بن عوف، فأخبره أن عيينة بن حصن قد أغار علي لقاح رسول الله ﷺ في أربعين فارسا من غطفان، فخرج سلمة يقتفى أثر القوم كالسّبع، وكان يسبق الفرس جريا، حتى لحق بهم، فجعل يردهم بالنبل، ويقول إذا رمي:
خذها وأنا ابن الأكوع اليوم يوم الرّضّع
(أى يوم هلاك اللئام)
فإذا وجهت الخيل نحوه انطلق هاربا، وكانت إذا دخلت الخيل في بعض مضايق الجبل يعلو سلمة الجبل ويرميهم بالحجارة، حتى خففوا رحلهم بإلقاء كثير من الرماح والبرد «٢» .
_________________
(١) الشيخان أصدق من أهل السير؛ لأنهما أخذا الرواية بالسند الصحيح.
(٢) جمع بردة: كساء أسود مربع فيه صغر، تلبسه الأعراب، والجمع برد. بفتح الراء (كذا في المختار) .
[ ٣٠١ ]
ولما بلغ رسول الله ﷺ صياح ابن الأكوع صرخ بالمدينة: «الفزع الفزع! يا خيل الله اركبي» .
فنادى ﷺ بذلك، كما نادي في غزوة بنى قريظة.
وأوّل من انتهى إلى رسول الله ﷺ من الفرسان المقداد بن الأسود ﵁، وعقد ﷺ لهذا الأمير لواء في رمحه، ثم قال له: اخرج في طلب القوم، ثم عباد بن بشر، وسعد بن زيد ﵄، ثم تلاحقت به الفرسان، وأمّر عليهم سعد بن زيد، وكان شعارهم (أي علامتهم التي يعرفون بها في ظلمة الليل، أو عند الاختلاط): «يا منصور أمت» تفاؤلا بأنّ يحصل لهم النصر بعد موت عدوهم، واستخلف علي المدينة ابن أم مكتوم.
وأقبل ﷺ في المسلمين حتّى نزل بالجبل من ذى قرد، بناحية خيبر، وكان ابن الأكوع قد استنقذ من غطفان أكثر اللقاح، فنحر بلال ﵁ ناقته حينئذ، وقسم ﷺ في كل مائة من أصحابه جزورا ينحرونه، وكانوا خمسمائة، وبعث سعد بن عبادة رضى الله تعالى عنه بأحمال تمر، وبعشر من الجزر، فوافت رسول الله ﷺ بذى قرد، فقال: «اللهم ارحم سعدا، وال سعد، نعم المرء سعد بن عبادة» .
فقالت الأنصار: هو سيدنا وابن سيدنا، من بيت يطعمون في المحل «١» ويحملون الكلّ ويحملون «٢» عن العشيرة، فقال ﷺ: «خيار الناس في الإسلام خيارهم في الجاهلية إذا فقهوا في الدين» «٣» . ورجع ﷺ وهو علي ناقته العضباء، وهي «القصوي»، وهى «الجدعاء»، ولم يكن بها عضب، ولا جدع، مردفا سلمة ابن الأكوع ﵁، وأعطى ﷺ سلمة بن الأكوع سهمي الراجل والفارس جميعا مع كونه راكبا، وهذا استدل به من يقول: إن للإمام أن يفاضل فى الغنيمة، وهو مذهب الإمام أبى حنيفة، وإحدى الروايتين عن أحمد.
_________________
(١) أى يطعمون في الجدب.
(٢) فى الأصل «ويحمون» والتصحيح من السيرة الحلبية والمعنى: يتحملون الحمالات عن العشيرة لكرمهم.
(٣) ورواه البخارى عن أبى هريرة بلفظ «خياركم» بدل «خيار الناس» .
[ ٣٠٢ ]
وعند الإمام مالك والإمام الشافعى ﵄: لا يجوز، ولعله لعدم صحة ذلك عندهما «١» .
وروي عن سلمة قال: قلت يا رسول الله ابعث معى فوارس لندرك القوم.
فقال لى رسول الله ﷺ، بعد أن ضحك: «إذا ملكت فأسجح» (بهمزة قطع، ثم سين مهملة، ثم جيم مكسورة، ثم حاء مهملة- أى فارفق وأحسن- من السجاحة وهى السهولة) .
* وفي هذه السنة كانت غزوة بنى المصطلق ويقال لها المريسيع: (بميم مضمومة، فراء مهملة مفتوحة، فمثناة تحتية ساكنة، فسين مهملة مكسورة، فمثناة تحتية ساكنة، واخره عين مهملة) اسم ماء من مياههم.
والمصطلق: بطن من خزاعة، وهم بنو جذيمة، وجذيمة هو المصطلق.
وسببها أنه ﷺ بلغه أن الحارث بن ضرار سيد بنى المصطلق وقائدهم ﵁- فإنه أسلم- قد جمع لحرب رسول الله ﷺ من قدر عليه من قومه، ومن العرب، فدعاهم إلى حرب المصطفي، فأجابوه وتهيأوا للسير معه، فبعث المصطفى بريدة بن الحصيب- بضم الحاء وفتح الصاد المهملتين- يعلم علم ذلك، فلقى الحارث بن أبى ضرار وكلّمه، ورجع إلي المصطفى فأخبره بذلك، فأسرع الخروج إليهم حتي لقيهم علي ماء من مياههم يقال له: «المريسيع» «٢»، واستخلف علي المدينة زيد بن حارثة، وكان معه من أفراسه: لزاز، والظرب، ولما وصل إليهم عرض عليهم الإسلام فأبوا وحاربوا، فاستأصلهم قتلا وأسرا ونهبا «٣» واستاق إبلهم وشياههم، وكانت الإبل ألفين، والشياه خمسة الاف، واستعمل عليهم مولاه شقران- بضم الشين المعجمة، وكان حبشيا، واسمه صالح، وكان السبى مائتى أهل بيت.
_________________
(١) ولم لا تكون خصوصية لسيدنا رسول الله ﷺ أو لسلمة ﵁.
(٢) المريسيع بالضم، ثم الفتح، وياء ساكنة، وسين مهملة مكسورة، وياء اخر الحروف، وعين مهملة، ورواه بعضهم بالغين المعجمة (مريسيغ): ماء بناحية «قديد» إلى الساحل، به غزوة النبى ﷺ إلى بني المصطلق- من خزاعة- فقاتلهم واصطفى منهم «جويريه» فتزوجها ﷺ ا. هـ. مراصد.
(٣) النهب هنا: الغنيمة، ولا يردّ الشرّ إلا مثله، وذلك لأنهم هم الذين بدأوا رسول الله ﷺ بالحرب.
[ ٣٠٣ ]
* وفي هذه الغزوة كانت قصة حديث الإفك في عائشة ﵂، وهي مشهورة في كتب السير والتفاسير، ويروى عن الزهرى عن عروة عن عائشة أن رسول الله ﷺ قد أقبل من سفره حتّى إذا كان قريبا من المدينة، وكان معه عائشة رضى الله تعالى عنها في سفره ذلك، فقال فيها أهل الإفك ما قالوا، وقد برّأ الله عائشة أم المؤمنين في كتابه الكريم في عدة ايات أولها: إِنَّ الَّذِينَ جاؤُ بِالْإِفْكِ إلي قوله: أُولئِكَ مُبَرَّؤُنَ مِمَّا يَقُولُونَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ [النور: من ١١: ٢٦] .
قال أبو الفرج بن الجوزي: كان النبى ﷺ قد تزوج أوّل نسائه خديجة، ثم عائشة، ثم حفصة، ثم أم سلمة، ثم أم حبيبة، ثم زينب بنت جحش، ثم جويرية، ثم صفية، ثم ميمونة، فلما كان في واجب القسمة يحتاج إلى مراعاة الوقت، وخاطره الكريم ﷺ لا يحتمل، جاءه التخفيف بقوله تعالى: تُرْجِي مَنْ تَشاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشاءُ وَمَنِ ابْتَغَيْتَ مِمَّنْ عَزَلْتَ فَلا جُناحَ عَلَيْكَ [الأحزاب: ٥١] ولم يكن عنده ﷺ اثر من عائشة ﵂، ولا أعلى منزلة «١» منها ا. هـ.
وجعله عائشة بعد خديجة بدون فاصل هو أحد الأقوال؛ فإن بعضهم يقول:
إنه تزوج بسودة بن زمعة ﵂، ودخل عليها في مكة، وعقد عقده بعائشة ﵂ بمكة، ولم يدخل بها إلا في المدينة «٢» فلعل القائل بأنها بعد خديجة في العقد لا في الدخول، وحسبك من فضل عائشة ﵂ أمور من أعظمها أنه قد أنزل الله القران الحكيم ببراءتها وتشريفها ا. هـ.
وكان رسول الله ﷺ استشار الصحابة في ذلك فقال علي: «غيرها من النساء كثير» «٣» وقال عمر: من زوّجكها يا رسول الله؟ قال: الله، قال: أفتظن أن ربك
_________________
(١) لأنها الصدّيقة بنت الصدّيق ﵄.
(٢) إنه ﷺ لم يدخل في مكة على أحد نسائه بعد خديجة ﵂، وقول بعضهم هذا لا دليل عليه.
(٣) أما سيدنا علي ﵁ وكرم الله وجهه فإنما أراد أن يخفف عن النبى ﷺ بعض ما يجد. لا طعنا في أم المؤمنين ﵂، وحاشاه أن ينوى ذلك. وكيف يطعن، وهي من خاصة قريش: حسبا ونسبا- يعني من أهله وعشيرته- وأبوها أحب الناس إلي رسول الله ﷺ أما ما قيل غير ذلك أو ما يدور حوله، فهو محض افتراء وكذب، والله المستعان علي ما يصفون.
[ ٣٠٤ ]
دلس «١» عليك فيها؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! فنزلت الاية كذلك. وأما أهل الإفك وهم: مسطح بن عباد بن عبد المطلب وحسان بن ثابت وعبد الله بن أبيّ ابن سلول: فجلدهم ﷺ ثمانين إلا عبد الله بن أبيّ بن سلول رأس المنافقين فلم يجلده.
وقد ذكر أبو عمر بن عبد البر الحافظ أن قوما أنكروا أن يكون حسّان خاض فى الإفك أو جلد فيه، روى عن عائشة أنها برّأته من ذلك. وكان عبد الله بن أبيّ بن سلول هو المقصود بمن تولى كبره فله عذاب عظيم في الآخرة، وهو أشد أهل الإفك إيذاء للنبى ﷺ، بدليل أن النبى ﷺ لما صعد المنبر قال: «يا معشر المسلمين من يعذرنى من رجل قد بلغنى أذاه في أهلى (يعنى عبد الله بن أبى بن سلول) فو الله ما علمت علي أهلي إلا خيرا، ولقد ذكروا رجلا (أي صفوان بن المعطّل صاحب الناقة) ما علمت عليه إلا خيرا، وما كان يدخل على أهلى إلا معي» . فقام أسيد بن حضير (وهو ابن عم سعد بن معاذ) فقال: أعذرك يا رسول الله منه؛ إن كان من الأوس ضربت عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج فما أمرتنا فعلناه. فقام سعد بن عبادة (وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا، ولكن أخذته الحمية) فقال لأسيد بن حضير: كذبت، والله لا تقدر علي قتله. فقام أسيد بن حضير، وقال: كذبت، لعمر الله لنقتلنه، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين. فثار الحيّان؛ الأوس والخزرج، حتى هموا أن يقتتلوا ورسول الله ﷺ علي المنبر، فلم يزل يخفضهم حتي سكتوا، فالمراجعة لرسول الله ﷺ وقعت بين أسيد بن حضير وسعد بن عبادة سيد الخزرج، كما ذكره ابن إسحاق عن الزهرى عن عبيد الله بن عبد الله وغيره.
وأما ما قيل من أن المراجعة في ذلك كانت بين سعد بن عبادة وسعد بن معاذ فهو وهم نبّه عليه ابن خالدون في السيرة، واستدل علي ذلك بأن سعد بن معاذ مات بعد فتح بني قريظة بلا شك في أثناء السنة الرابعة، وغزوة بني المصطلق في شعبان من السنة السادسة بعد عشرين شهرا من موت سعد بن معاذ، والملاحاة بين الرجلين (أى المنازعة والمخاصمة) كانت بعد غزوة بنى المصطلق بأزيد من خمسين ليلة اهـ.
_________________
(١) يقال: دلّس البائع إذا كتم عيب السلعة عن المشترى (أى غشه) .
[ ٣٠٥ ]
* وفي هذه الغزوة قتل رجل من الأنصار رجلا من المسلمين خطأ يظنه كافرا، والقتيل هشام من بني ليث بن بكر، وكان أخوه مقيس مشركا، فقدم المدينة، وأظهر الإسلام طالبا دية أخيه، فأمر له رسول الله ﷺ بها، وأقام قليلا، ثم عدا علي قاتل أخيه فقتله، ثم خرج إلى مكة مرتدّا، ومن قوله:
حللت به وتري وأدركت ثورتي وكنت إلي الأوثان أوّل راجع
وهو ممن أهدر النبى ﷺ دمه يوم فتح مكة.
* وفي هذه الغزوة أيضا ازدحم جهجاه الغفارى- أجير عمر ﵁- وسنان الجهنى- حليف الأنصار- علي الماء وتقاتلا، فصرخ الغفاري: يا معشر المهاجرين، وصرخ الجهني: يا معشر الأنصار، فغضب عبد الله بن أبيّ بن سلول المنافق وعنده رهط من قومه فيهم زيد بن أرقم، فقال ابن أبي بن سلول: «أو قد فعلوها، قد كاثرونا في بلادنا، أما والله، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجنّ الأعزّ منها الأذلّ» (يعنى بالأعز نفسه وبالأذل رسول الله ﷺ)، ثم قال لمن حضر من قومه: هذا ما فعلتم بأنفسكم، أحللتموهم بلادكم، وقاسمتموهم علي أموالكم، أما والله لو أمسكتم عنهم ما بأيديكم لتحوّلوا عنكم، فأخبر زيد بن أرقم ذو الأذن الواعية- وهو غلام حديث السن النّبيّ ﷺ بذلك، وعنده عمر بن الخطاب، فقال: يا رسول الله مر به عبد الله بن بشير فليقتله، فقال ﷺ: كيف يا عمر يتحدث الناس إذن أن محمدا يقتل أصحابه «١»، ثم أمر بالرحيل في وقت لم يكن ليرحل فيه، ليقطع ما الناس فيه، فلقيه أسيد بن حضير وقال: يا رسول الله رحت في ساعة منكرة لم تكن لتروح فيها، (فإنه ﷺ كان لا يرحل إلا إن برد الوقت) فقال له رسول الله ﷺ: ما بلغك ما قال عبد الله بن أبيّ بن سلول!؟
فقال: وماذا قال؟ فأخبره بمقاله، وأرسل رسول الله ﷺ إلي عبد الله بن أبيّ فأتاه، فقال: أنت صاحب هذا الكلام الذي بلغني؟ فحلف عبد الله أنه لم يقل ذلك.
_________________
(١) ليس هذا من الصحابة ﵃، وإنما هو رأس النفاق والمنافقين لعنه الله، وإنما خشى رسول الله ﷺ أن يفترى الناس هذه الفرية فيما بعد، ويستدلوا عليها بهذا الصنيع، فلذلك أمر رسول الله ﷺ بعدم قتله. والحديث رواه البخارى عن جابر بلفظ: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه» .
[ ٣٠٦ ]
روى أن رسول الله ﷺ قال لزيد بن أرقم: لعلك غضبت عليه؟ قال: لا، قال:
فلعله أخطأ سمعك؟ قال: لا، قال: فلعله شبّه عليك؟ قال: لا، فنزلت اية لَئِنْ رَجَعْنا إِلَى الْمَدِينَةِ [المنافقون: ٨] لتصديق زيد بن أرقم، فبادر أبو بكر وعمر إلى زيد رضى الله تعالى عنهم ليبشّراه، فسبق أبو بكر فأقسم عمر ألايبادره بعدها إلي شىء، وقال أسيد: أنت والله تخرجه إن شئت، أنت العزيز وهو الذليل، وبلغ ابن عبد الله بن أبيّ بن سلول- وكان حسن الإسلام، واسمه أيضا عبد الله، وكان تبرّأ من أبيه عند نزول سورة المنافقين- مقالة أبيه، فاعترض أباه عند المدينة، وقال: والله لا تدخل حتّى يأذن لك رسول الله ﷺ، فأذن له، وحينئذ دخل، وقال: يا رسول الله، بلغنى أنك تريد قتل أبى عبد الله لما بلغك عنه، فإن كنت فاعلا فمرنى به، فأنا أحمل إليك رأسه، فو الله لقد علمت الخزرج ما كان بها رجل أبرّ بوالديه مني، وإنى أخشى أن تأمر به غيري فيقتله، فلا تدعنى نفسى أن أنظر إلي قاتل أبى عبد الله بن أبيّ يمشى في الناس فأقتله، فأقتل مؤمنا بكافر وأدخل النار، فقال رسول الله ﷺ: «نرفق به ونحسن صحبته ما بقي معنا» .
* وكانت في جملة السبى برّة بنت الحارث بن ضرار: سيد بني المصطلق، وقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، فجعل ثابت لابن عمه نخلات له بالمدينة في حصّته من برة، وكاتبها علي تسع أواق من ذهب، فدخلت عليه ﷺ وأخبرته بإسلامها، وقالت له: إنى برة بنت الحارث سيد قومه، أصابنا من الأمر ما قد علمت، ووقعت في سهم ثابت بن قيس، وابن عم له، وخلّصنى ثابت من ابن عمه بنخلات في المدينة، وكاتبنى على مال لا طاقة لى به، وإنى رجوتك فأعنّى في مكاتبتي. فقال رسول الله ﷺ: أو خير لك من ذلك؟ قالت:
ما هو؟ قال: أؤدى عنك كتابتك، وأتزوجك؟ قالت: نعم يا رسول الله. فأرسل رسول الله ﷺ إلى ثابت بن قيس ﵁ فطلبها منه، فقال ثابت: هي لك يا رسول الله، وأدّى ما كان كاتبها عليه وأعتقها، وتزوجها وهي ابنة عشرين سنة، وسماها «جويرية»، وكان اسمها «برة» كما سبق، وكذلك ميمونة، وزينب بنت جحش، كان اسم منهما «برة» فغيّره ﷺ، وكذا كان اسم بنت أم سلمة «برة» فسماها «زينب» وكانت من أفقه نساء زمانها، كذا ذكره أبو عمر.
وسبب ذلك لما في «برة» من تزكية النفس.
[ ٣٠٧ ]
ويذكر أن عليّا كرّم الله وجهه هو الذى أسرها، ولا مانع من أن يكون عليّ ﵁ أسرها، ثم وقعت في سهم ثابت بن قيس وابن عمه ﵄ عند القسمة؛ لأنه لم يثبت في هذه الغزوة أنه ﷺ جعل الأسرى لمن أسرهم، كما وقع في غزوة بدر.
وعن عائشة ﵂ قالت: كانت «جويرية» امرأة على وجهها ملاحة، فجاءت تسأل رسول الله ﷺ في كتابتها، فلما قامت على باب الخباء كرهت دخولها علي النبى ﷺ (وإنما كرهت ذلك لما جبلت عليه النساء من الغيرة) وعرفت أن رسول الله سيرى منها مثل الذى رأيت، فقالت: يا رسول الله أنا جويرية بنت الحارث «١»، وكان من أمرى ما لا يخفي عليك، ووقعت في سهم ثابت بن قيس بن شماس، وإني كاتبته علي نفسي، فجئت أسألك في كتابتي، قال رسول الله ﷺ: فهل لك فيما هو خير من ذلك؟ فقالت: وما هو يا رسول الله؟ قال: أؤدى عنك كتابتك وأتزوجك؟ قالت: قد فعلت قالت: فتسامع الناس (يعنى أن رسول الله ﷺ تزوّج جويرية) فأرسلوا ما في أيديهم من السبي، فأعتقوهم، وقالوا: أصهار رسول الله لا ينبغي أن تسترق، قالت: فما رأينا امرأة كانت أعظم بركة علي قومها منها، وأعتق بسببها مائة أهل بيت من بيت بني المصطلق «٢» - خرّجه بهذا السياق أبو داود.
وعن جويرية ﵂ قالت: لما أعتقنى رسول الله ﷺ وتزوجني، والله ما كلمته في قومى حتّى كان المسلمون هم الذين أرسلوهم، وما شعرت إلا بجارية من بنات عمى تخبرني الخبر، فحمدت الله ﷾.
وقد حدّث يزيد بن رومان أن رسول الله ﷺ بعث إلى بنى المصطلق بعد إسلامهم الوليد بن عقبة بن أبى معيط لأخذ صدقاتهم، فلما سمعوا به ركبوا إليه، فلما سمع بهم «٣» هابهم، فرجع إلي رسول الله ﷺ فأخبره أن القوم قد همّوا بقتله
_________________
(١) ولذلك نقول: إن هذه الرواية غير صحيحة، لأن الذى سماها «جويرية» هو رسول الله ﷺ، وقد تقدم أن اسمها قبل «برة» .
(٢) ولذلك نقول: إن أسرها كان خيرا وبركة علي قومها: تزوجها رسول الله ﷺ، وأعتق بسببها مائة أهل بيت، وأسلم جميع قومها. والحمد (رب العالمين..
(٣) أى لما سمع الوليد بن عقبة بركوبهم إليه.
[ ٣٠٨ ]
ومنعوه من أخذ صدقتهم، فأكثر المسلمون في ذكر غزوهم، حتى همّ رسول الله ﷺ بأن يغفروهم، فبينماهم علي ذلك إذ قدم وفدهم علي رسول الله ﷺ، فقالوا:
يا رسول الله، سمعنا برسولك حين بعثه إلينا، فخرجنا إليه لنكرمه ونؤدّي إليه ما قبلنا من الصدقة، فانشمر راجعا، فبلغنا أنه زعم لرسول الله ﷺ أنّا خرجنا إليه لنقتله، والله ما جئنا لذلك، فأنزل الله فيه وفيهم: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ [الحجرات: ٦] إلي اخر الاية. وكان شعار المسلمين: يا منصور أمت.
* وفي هذه السنة كسفت الشمس.
وأما ما قيل من أنّ اية التيمم نزلت في غزاة بني المصطلق، فقد قال النووى في الروضة: ان اية التيمم نزلت في سنة أربع.
* وفي هذه السنة كانت غزوة الحديبية:
وتخفف وتشدّد، وهى بئر قريب من مكة، بينها وبين المدينة تسع مراحل، سمي المكان باسمها، وقيل شجرة، وقيل قرية بقرب مكة علي سبعة أميال من مكة.
وسبب هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ رأى في المنام بالمدينة قبل أن يخرج إلى الحديبية أنه دخل هو وأصحابه المسجد الحرام، وأخذ مفتاح الكعبة بيده وطافوا واعتمروا وحلق بعضهم، وقصّر بعضهم، فأخبر بذلك أصحابه ففرحوا وحسبوا أنهم داخلو مكة عامهم ذلك، فأخبر أصحابه أنه معتمر، فخرج من المدينة في ذى القعدة سنة ست لا يريد حربا بالمهاجرين والأنصار في ألف وأربعمائة، ليأمن أهل مكة ومن حولهم من حربه، وساق الهدي وأحرم بالعمرة من ذى الحليفة ولبّي، فاقتدى به جمهور أصحابه، واستعمل ﷺ علي المدينة الشريفة ابن أم مكتوم، وقيل أبا رهم كلثوم بن الحصين، وقيل استخلف أبا رهم مع ابن أم مكتوم جميعا، فكان ابن أم مكتوم علي الصلاة، وكان أبو رهم حافظا للمدينة. وسار حتي وصل إلى ثنية المرار «١» مهبط الحديبية من أسفل مكة، وأمر
_________________
(١) ثنية المرار (بضم الميم) كذا في المراصد.
[ ٣٠٩ ]
بالنزول، فقالوا: ننزل علي غير ماء! ووقع من معجزاته ﷺ نبع الماء في ذلك المكان حتّى صدر الناس عنه، وتأهبت قريش للقتال، وبعثوا رسولهم «عروة بن مسعود الثقفي» سيد أهل الطائف ﵁- فإنه أسلم بعد ذلك- إلي النبى ﷺ، وقال: إن قريشا لبسوا جلود النمور (أى أظهروا العداوة والحقد) وقد نزلوا بذي طوي «١» وعاهدوا الله ألاتدخل عليهم مكة عنوة أبدا» . ثم جعل عروة يتناول لحية رسول الله ﷺ وهو يكلمه، وهذه عادة العرب: أن الرجل يتناول لحية من يكلمه خصوصا عند الملاطفة، وفي الغالب إنما يصنع ذلك النظير بالنظير، لكن كأنه ﷺ إنما لم يمنعه من ذلك استمالة وتأليفا له، وكان المغيرة بن شعبة قائما علي رأس رسول الله ﷺ ومعه السيف، وعليه المغفر، وكلما أهوى عروة بيده إلي لحية النبى ﷺ ضرب يده بنصل السيف، ويقول «كفّ يدك عن مس لحية رسول الله قبل ألاتصل إليك» فإنه لا ينبغى لمشرك ذلك، وإنما فعل ذلك المغيرة ﵁ إجلالا لرسول الله ﷺ، ولم ينظر لما هو عادة العرب، فلما أكثر عليه غضب عروة، وقال: «ويحك ما أفظّك وأغلظك»، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: هذا ابن أخيك المغيرة بن شعبة. ثم قام عروة من عنده وهو يرى ما يصنع أصحابه: لا يتوضأ إلا ابتدروا وضوءه، ولا سقط من شعره شيء إلا أخذوه، وإذا تكلموا خفضوا أصواتهم عنده، ولا يحدّون النظر إليه تعظيما له، فرجع عروة إلي قريش، وقال لهم: إنى جئت كسرى وقيصر في ملكهما، فو الله ما رأيت ملكا في قومه مثل محمد في أصحابه.
وورد أيضا في حديث الحديبية أنه لما نزل ﷺ علي الركية «٢» جاءه بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من قومه من أهل تهامة، فقال: «تركت كعب بن لؤى وعامر بن لؤى نزلوا عداد مياه الحديبية معهم العوذ المطافيل «٣» وهم مقاتلوك وصادّوك عن البيت» .
_________________
(١) ذو طوي: موضع عند مكة (وقيل بالفتح، وقيل بالكسر، ومنهم من يضمها) واد بمكة، قيل: هو الأبطح «كذا في المراصد» .
(٢) الركية: البئر، جمعها ركّي، وركايا.
(٣) العوذ: الحديثات النتاج من الظباء وكل أنثي. والمطافيل: جمع مطفل، وهى ذات الطفل من الإنس والوحش وغيرهما.
[ ٣١٠ ]
[والعوذ: جمع عائذ الناقة ذات اللبن، والمطافيل: ذوات الأطفال الصغار جمع مطفل أى أنهم حضروا مع الإبل، وهى كانت جلّ أموال العرب ليتزوّدوا بذلك، ولا يرجعون خوف الجوع، أو العوذ المطافيل: النساء معهن أطفالهن، أى أنهم خرجوا بنسائهم معهنّ أولادهن لإرادة طول المقام، ليكون أدعى لعدم الفرار] .
ولما قال بديل بن ورقاء لرسول الله ﷺ: هم مقاتلوك وصادّوك عن البيت، قال له النبى ﷺ: لم نجئ لقتال أحد، ولكنا جئنا معتمرين، وإن قريشا قد نهكتهم الحرب وأضرت بهم، فإن شاؤا ماددتهم مدّة ويخلّوا بيني وبين الناس، وإن شاؤا أن يدخلوا فيما دخل فيه الناس فعلوا، وإلا فقد حموا، وإن هم أبوا فو الذى نفسى بيده لأقاتلنهم على أمرى هذا حتي تنفرد سالفتى (وهى أعلي العنق) أو لينفذنّ الله أمره. فقال بديل: سأبلغهم ما تقول، ثم دعا رسول الله ﷺ عمر بن الخطاب ﵁ ليبعثه إلى أبى سفيان وأشراف قريش يعلمهم أنه لم يأت لحرب، وإنما جاء زائرا ومعظّما لهذا البيت، فقال: يا رسول الله إني أخاف قريشا علي نفسي، وما بمكة من بني عدى بن كعب أحد يمنعني، وقد عرفت قريش عدوانى إياها وغلظتى عليها، ولكن أدلّك علي رجل أعزّ بها مني: عثمان بن عفان؛ فإن بنى عمه يمنعونه. فدعا رسول الله ﷺ عثمان بن عفان ﵁، فبعثه إلي أبى سفيان وأشراف قريش ليعلمهم بذلك، فخرج عثمان بن عفان ﵁ إلي مكة، ودخل مكة من الصحابة عشرة أيضا بإذن رسول الله ﷺ ليزوروا أهاليهم، فلما وصل إليهم عثمان عرّفهم ذلك، وهم يردّون عليه: «إن محمدا لا يدخل علينا أبدا» فلما فرغ عثمان من تبليغ رسالة رسول الله ﷺ، قالوا له: إن أحببت أن تطوف بالبيت فطف، فقال: ما كنت لأفعله حتي يطوف رسول الله ﷺ، فغضبت قريش، وأمسكوه وحبسوه ثلاثة أيام.
ولما احتبس عثمان، بلغ رسول الله ﷺ أن عثمان ﵁ قد قتل، وقتلوا معه العشرة رجال الذين دخلوا مكة أيضا، فحزن النبى ﷺ والمسلمون من سماع هذا الخبر حزنا شديدا، فقال النبى ﷺ حين بلغه ذلك: لا نبرح حتّى نناجز القوم، (أى نقاتلهم) ودعا النبي ﷺ إلي بيعة الرضوان، فبايعهم علي أن يقاتلوا قريشا ولا يفروا عنهم، وأنه إما الفتح وإما الشهادة. ولم يتخلف أحد، إلا الجد بن قيس، اختفى بإبط ناقته يستتر بها من الناس، وكان سيد بنى مسلمة (بكسر
[ ٣١١ ]
اللام) فى الجاهلية، وقد قال ﷺ لبنى مسلمة: من سيدكم؟ قالوا: «الجد بن قيس، على بخل فيه» قال: «وأي داء أدوأ من البخل»؟ ثم قال ﷺ: سيدكم عمرو بن الجموح. وكان ﷺ جالسا تحت سمرة أو سدرة (وسمرة بفتح السين المهملة وضم الميم بعدها راء مفتوحة مهملة واخرها هاء: شجر الطلح)»
وكان عدد المبايعين ألفا وثلاثمائة، وسميت هذه البيعة بيعة الرضوان؛ لأن الله تعالى ذكر في سورة الفتح الذين صدرت عنهم هذه البيعة، بقوله لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح: ١٨] . ثم أتى رسول الله ﷺ الخبر بأن ما ذكر من أمر عثمان باطل، فبايع عنه ﷺ، ووضع يده اليمنى علي يده اليسري، وقال: «اللهم إنّ هذه عن عثمان؛ فإنه في حاجتك وحاجة رسولك» «٢» وكانت يد رسول الله ﷺ لعثمان خيرا من أيديهم لأنفسهم.
وكان محمد بن مسلمة ﵁ علي حرس رسول الله ﷺ، فبعثت قريش أربعين (وقيل خمسين رجلا) عليهم مكرز بن حفص ليطوفوا بعسكر رسول الله ﷺ رجاء أن يصيبوا منهم أحدا أو يجدوا منهم غرّة- أي غفلة- فأخذهم محمد بن مسلمة إلا مكرزا فإنه أفلت، وأتى بهم إلي رسول الله ﷺ فحبسوا، وبلغ قريشا حبس أصحابهم، فجاء جمع منهم حتي رموا المسلمين بالنبل والحجارة، فأسر المسلمون منهم اثني عشر رجلا، وعند ذلك بعثت قريش إلى رسول الله ﷺ جمعا فيهم سهيل بن عمرو، فلما راه النبى ﷺ قال لأصحابه:
سهل أمركم، فقال سهيل: يا محمد إن الذى كان من حبس أصحابك عثمان والعشرة رجال، وما كان من قتال من قاتلك، فإنه لم يكن من رأى ذوي رأينا، بل كنا كارهين له حين بلغنا، وكان من سفهائنا، فابعث إلينا بأصحابنا الذين أسرت أولا وثانيا. فقال رسول الله ﷺ: إنى غير مرسلهم حتي ترسلوا أصحابي. فقالوا: نفعل. فبعث سهيلا ومن معه إلى قريش بذلك، فبعثوا بمن كان عندهم، وهو عثمان ﵁ والعشرة رجال ﵃، فأرسل رسول الله ﷺ أصحابهم. اهـ.
_________________
(١) هو شجر عظيم من شجر العضاه، وجمهور المفسرين على أن الطلح الوارد في القران هو: الموز. اهـ. مختار.
(٢) انظر الرياض النضرة في مناقب العشرة لمحب الدين الطبرى ص ٢٩ و٣٠.
[ ٣١٢ ]
ولما علمت قريش بهذه البيعة خافوا، وأشار أهل الرأي بالصلح على أن يرجع ويعود من قابل فيقيم ثلاثا معه سلاح الراكب- السيوف في القرب «١» والقوس- فبعثوا سهيل بن عمرو ثانيا ومعه مكرز بن حفص وحويطب بن عبد العزّى إلي رسول الله ﷺ ليصالحه، على أن يرجع في عامه هذا؛ لئلا تتحدث العرب بأنه دخل عنوة، وأنه يعود من قابل، فلما انتهى سهيل بن عمرو إلي رسول الله ﷺ جثا علي ركبتيه بين يديه ﷺ والمسلمون حوله، وتكلّم فأطال، ثم تراجعا «٢»، ومن جملة ذلك أن النبى ﷺ قال له: تخلّوا بيننا وبين البيت فنطوف، فقال: له سهيل: «والله لا تتحدث بنا أننا أخذنا ضغطة (بالضم أي بالشدة والإكراه) ولكن ذلك من العام القابل» . ثم التأم الأمر بينهما علي الصلح علي ترك القتال، إلى اخر ما يأتي، ولم يبق إلا الكتاب بذلك، وعند ذلك وثب عمر حتي أتي أبا بكر فقال: أليس رسول الله؟ قال: بلى قال: ألسنا بالمسلمين وهم بالمشركين؟ قال:
بلي، قال: فعلام نعطى الدنيّة (بفتح الدال وكسر النون وتشديد الياء: النقيصة والخصلة المذمومة) في ديننا؟ قال: يا عمر، الزم فأنا أشهد أنه رسول الله، قال:
وأنا، ثم أتى رسول الله فقال له ذلك، فقال: أنا عبد الله ورسوله لن أخاف أمره، ولن يضيّعني. فأجاب النبى إلى ذلك، فقال سهيل: هات اكتب بيننا وبينكم كتاب صلح، فدعا النبى ﷺ الكاتب، فقال له: اكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، فقال سهيل: لا أعرف الرحمن إلا صاحب اليمامة، اكتب باسمك اللهم، فقال المسلمون: لا تكتب إلا بسم الله الرحمن الرحيم، فقال النبى ﷺ: اكتب باسمك اللهم، فكتب، ثم قال: «اكتب هذا ما صالح عليه محمد رسول الله»، فقال سهيل:
لو كنا نعلم أنك رسول الله ما صددناك عن البيت، ولا قاتلناك، ولكن اكتب اسمك واسم أبيك محمد بن عبد الله، فقال النبى ﷺ: «إنى لرسول الله، وإن كذّبتموني، وأنا محمد بن عبد الله، اكتب محمد بن عبد الله» .
وفي رواية: كان الكاتب علي بن أبي طالب، وكان قد كتب محمد رسول الله، فقال رسول الله ﷺ لعليّ: امح رسول الله واكتب مكانه محمد بن عبد الله،
_________________
(١) القرب: جمع قراب وهو السيف في غمده.
(٢) هو ورسول الله ﷺ: أي راجع بعضهم بعضا في الكلام.
[ ٣١٣ ]
فقال علي: لا والله لا أمحوك أبدا، فقال النبى ﷺ: فأرنيه، فأراه إياه، فأخذ الكتاب بيده الكريمة ومحا «رسول الله» وكتب مكانه «محمد بن عبد الله»، وكانت هذه معجزة لرسول الله ﷺ حيث كتب بيده الشريفة ولم يكن يكتب.
وأقبل بوجهه ﷺ علي عليّ بعد ما كتب في كتاب الصلح محمد بن عبد الله، فقال: «يا على سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة» . ثم قال رسول الله بصلّى الله عليه وسلّم لعليّ:
اكتب: هذا ما صالح عليه محمد بن عبد الله سهيل بن عمرو على وضع الحرب عن الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكفّ بعضهم عن بعض، وعلي أنه من أتى محمدا من قريش بغير إذن وليّه ردّه عليه، وإن كان مسلما، وإن جاء قريش ممن مع محمد لم يردّوه عليه، وأنّ من أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وأنك ترجع عنّا عامك هذا فلا تدخل علينا مكة، وأنه إذا كان عام قابل، خرجنا عنها فدخلتها أنت وأصحابك فأقمت فيها ثلاثا مع سلاح الراكب السيوف في القرب، لا تدخلها بغيرها» . وأشهدوا في ذلك الكتاب علي الصلح رجالا من المسلمين: أبا بكر، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبى طالب وهو كاتب الصحيفة- وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبى وقاص، وأبا عبيدة بن الجراح، ومحمد بن مسلمة، وعبد الله بن سهيل بن عمرو، ورجالا من قريش: حويطب بن عبد العزّي، ومكرز بن حفص.
ولما بلغ هذا الشرط أنّ من أتى محمدا من قريش ردّه إليهم وإن كان مسلما، ومن جاء قريشا ممن مع محمد لم يردوه عليه، تعجب المسلمون من هذا الشرط، فقالوا: سبحان الله، كيف نردّ من أتانا مسلما!! وقالوا: يا رسول الله، أتكتب هذا، قال: «نعم؟! إنه من ذهب إليهم فأبعده الله، ومن جاء منهم سيجعل الله له فرجا ومخرجا» .
ونسخ الكتاب نسختين، فوضعت إحداهما عند رسول الله ﷺ، وأخذ الاخرى سهيل بن عمرو، ولما فرغ من كتاب القضية وثب من كان هناك من خزاعة، فقالوا: نحن ندخل في عهد محمد وعقده، وقال بنو بكر: نحن ندخل في عقد قريش وعهداهم.
وقد كان للنبى ﷺ علم أنّ هذا الصلح سبب لأمن الناس وظهور الإسلام، وأن الله يجعل فيه فرجا للمسلمين، وهو أعلم بما علّمه ربه، وإن كان أمر هذا الصلح
[ ٣١٤ ]
قد عظم علي المسلمين، حتي كادوا يهلكون، لمّا رأوا ما رأوا من الصلح والرجوع من غير فتح، وقد كان أصحاب رسول الله ﷺ لما خرجوا من المدينة لا يشكّون في فتح مكة للرؤيا التي راها النبي ﷺ، وهذه الشروط الصعبة التي انضم إليها أمره ﷺ لعليّ رضى الله تعالى عنه في كتب الصحيفة أن يمحو لفظ رسول الله، ولم يمحه، ومحاه النبى ﷺ وكتب بدله «ابن عبد الله» بيده، فكان هذا من الخطب الجسيم الذى يوقع الريب في القلوب الضعيفة، حتى لمن لا يفهم الأسرار في الأزمان الحديثة، والحال أنها واردة وثابتة بالأحاديث الصحيحة، فما يقع في الوهم من أن هذه الكتابة قادحة في المعجزة باطل؛ لأن الكتابة إذا وقعت من غير معرفة بأوضاع الحروف ولا قوانين الخط وأشكالها بقيت الأمية علي ما كانت عليه، وكانت هذه الكتابة الخاصة من إحدى المعجزات وتمامها، كما كان من المعجزات في كتابة شروط الصلح إخباره ﷺ عليّا أنه سيكون لك يوم مثل هذه الواقعة، وهو إشارة منه ﷺ لما سيقع بين علي ومعاوية ﵄؛ فإنهما في حرب صفّين وقعت بينهما المصالحة علي ترك القتال إلى رأس الحول، وصحّ ذلك وظهر يوم التحكيم لما قال حكم أهل الشأم حين كتب في الصلح: «هذا ما صالح عليه أمير المؤمنين علي بن أبى طالب»: «لو عرفنا أنك أمير المؤمنين ما خالفناك، كما سيأتى مبينا في خلافته.
وأما ما ورد من أنه رضى الله تعالى عنه في عام الحديبية، وفي غزوة بني المصطلق قاتل الجن، وأن جبريل قال يوم غزوة أحد وهو صاعد إلي السماء: «لا سيف إلا ذو الفقار ولا فتى إلا علي» فهذا من الموضوع- كما ذكره ابن تيمية «١» - يعني أنه موضوع لم يرد من طريق يعتدّ به، وإن كان المدح في عليّ لا يستكثر عليه وذلك للإجماع علي شجاعته وكرامته، والمراد بالفتي: الشجاع السيد، وفي الحديث: أن ملكا يقال له رضوان نادي يوم بدر من السماء: «لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذو الفقار» وقال النبي ﷺ: أنا الفتى ابن الفتي، أخو الفتي، ابن الفتى ﷺ يعنى إبراهيم، وأخو الفتى يريد عليا كرّم الله وجهه» انتهى.
_________________
(١) ذو الفقار هو سيف رسول الله ﷺ، وابن تيمية ليس من رجال الحديث، حتي يحكم، وقد خرّجه له المحب الطبرى في «الرياض النضرة»، وللحديث ترجمة طويلة في «المقاصد الحسنة» للسخاوى.
[ ٣١٥ ]
وقد علمت ما في هذا الكلام، وإن كان معناه لا يستكثر على عليّ ﵁.
* وأتى أبو جندل بن سهيل بن عمرو يرسف في قيده من مكة في أثناء الكتاب، وكان قد أسلم، فقال سهيل بن عمرو: هذا أوّل ما أقاضيك عليه أن تردّه إليّ، فردّه ﷺ إلى أبيه، وعظم ذلك علي المسلمين، وأخبر النبيّ ﷺ أبا جندل:
أن الله سيجعل له فرجا ومخرجا، إننا قد عقدنا بيننا وبين القوم عقدا واصطلحنا، وأعطيناهم علي ذلك وأعطونا عهد الله، وإنّا لا نغدر بهم.
ولما تمّ الصلح وكتابه أمر رسول الله ﷺ أن ينحروا ويحلقوا، فتوقفوا، فغضب حتي شكا إلي زوجته أمّ سلمة، فقالت: يا رسول الله، لا تلمهم فإنهم قد دخلهم أمر عظيم مما أدخلت علي نفسك من المشقة في أمر الصلح ورجوعهم بغير فتح، ولكن اخرج وانحر واحلق فإنهم تابعوك. فخرج ونحر وحلق رأسه حينئذ، وكان الحالق له ﷺ خراش بن أمية الخزاعى ﵁، فلما راه الناس نحر وحلق فعلوا مثله. وقسم لحوم الهدايا في الفقراء الذي حضروا الحديبية، وبعث النبى ﷺ عشرين بدنة مع ناجية «١» حتي نحروها بمروة «٢» وقسّموا لحومها علي فقراء مكة، قال ابن عباس: حلق رجال يوم الحديبية وقصّر اخرون، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اغفر للمحلّقين» وفي معالم التنزيل قال:
«يرحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلقين، قالوا: والمقصرين يا رسول الله، قال: اللهم اغفر للمحلّقين، قالوا: والمقصرين، وفي الثالثة أو الرابعة قال: والمقصرين» قالوا: لم ظاهرت (أى أظهرت) الترحم للمحلقين دون المقصرين؟ قال: لأنهم لم يشكّوا (أي لم يرجوا أن يطوفوا بالبيت بخلاف المقصرين، أى لأن الظاهر من حالهم أنهم أخّروا بقية شعورهم رجاء أن يحلقوها بعد طوافهم بالبيت) .
وكان صلح الحديبية فتحا قريبا، أمن الناس بعضهم بعضا، ورضا من الله
_________________
(١) هو ناجية بن جندب بن عمير بن يعمر بن إرم بن وائل بن سلامان بن أسلم الأسلمي، كان اسمه ذكوان، فسماه رسول الله ﷺ «ناجية» حين نجا من قريش، مات بالمدينة في خلافة معاوية.
(٢) نوع من الحجارة مسنون تصلح للذبح واسم للمكان المعروف بمكة.
[ ٣١٦ ]
تعالى، قال تعالى: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ [الفتح:
١٨] كما سبق، وعن جابر أنهم كانوا يوم الحديبية أربع عشرة مائة، فبايعوه ﷺ وعمر اخذ بيده تحت الشجرة (وهى سمرة) غير الجدّ بن قيس اختفى تحت بطن بعيره. زادوا في رواية: وقيل عدد المبايعين خمس عشرة مائة فأكثر، وقيل غير ذلك. قال أهل السير: أقام النبى ﷺ عشرين يوما بالحديبية، ثم رجع ﷺ إلى المدينة، وما فتح من قبله فتح أعظم من هذا الفتح، فلما كانت الهدنة، ووضعت الحرب أوزارها، وأمن الناس بعضهم بعضا، التقوا وتفاوضوا في الحديث والمنازعة، فلم يكلم أحد بالإسلام أحدا إلا دخل فيه، فلقد دخل في مدة سنتين فى الإسلام مثل ما كان قبل ذلك، أو أكثر، ببركة مهادنته ﷺ.
ولما رجع ﷺ إلي المدينة حتّى إذا كان بين مكة والمدينة (بكراع الغميم) نزل إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا* إلي اخرها، وسمّى فتحا لأنه كان مقدمة لفتوح كثيرة تتسع بها دائرة الإسلام، ولما نزلت قال لعمر بن الخطاب ﵁:
«أنزلت عليّ سورة هي أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس» «١» .
ثم إن أبا بصير «عتبة بن أسد بن حارثة» هرب ولحق بالنبى ﷺ، وكان قد أسلم وحبسه قومه بمكة، وهو ثقفى، من حلفاء بنى زهرة، فبعث إليه الأزهر بن عبد عوف وعم عبد الرحمن بن عوف، والأخنس بن شريق سيد بني زهرة كتابا مع رجل من بني عامر بن لؤي، ومعه مولي لهم بطلب أبى بصير، فأسلمه النبى ﷺ، فاحتملاه، فلما نزلوا بذى الحليفة أخذ أبو بصير السيف من أحد الرجلين، ثم ضرب به العامرى فقتله، وفرّ الاخر، وأتى أبو بصير إلي النبى ﷺ فقال: يا رسول الله، قد وفت ذمتك حيث رددتنى إليهم، وأطلقنى الله منهم، فقال النبي ﷺ: «ويلمه (أى ويل أمه) مسعر حرب، لو كان له رجال» ففطن أبو بصير من لحن هذا القول أنه سيرده، وخرج إلى سيف «٢» البحر علي طريق
_________________
(١) * الفتح: ١.
(٢) رواه الإمام أحمد بلفظ: «نزل عليّ البارحة سورة هى أحب إليّ من الدنيا وما فيها» ورواه البخارى والترمذى والنسائى من طرق عن مالك ﵀، وإسناده مدنى جيد، انظر بتوسع تفسير ابن كثير ﵀.
(٣) سيف البحر: ساحل البحر.
[ ٣١٧ ]
قريش الذى كانوا يأخذونه إلي الشام، وبلغ المسلمين الذين كانوا احتبسوا بمكة قول رسول الله ﷺ: «ويلمه مسعر حرب لو كان معه رجال»، فخرجوا إلى أبي بصير، فاجتمع إليه قريب من سبعين رجلا منهم، وذكر موسى بن عقبة أن أبا جندل بن سهيل بن عمرو الذي ردّ إلي قريش بالحديبية مكرها يوم الصلح والقضية هو الذي انفلت في سبعين راكبا، أسلموا وهاجروا فلحقوا بأبي بصير، ونزلوا معه، وكرهوا أن يقدموا علي رسول الله ﷺ في تلك المدة التي هى زمن الهدنة، خوف أن يردّهم إلي أهليهم حكم الشروط. واجتمع إلى أبى جندل أناس من غفار وأسلم وجهينة، وطوائف من العرب حتى بلغوا ثلاثمائة مقاتل، وهم مسلمون، فأقاموا مع أبي جندل وأبي بصير، فقطعوا مادة قريش، لا يظفرون بأحد منهم إلا قتلوه، ولا تمرّ بهم عير لقريش إلا أخذوها وقتلوا أصحابها، وقال فى ذلك أبو جندل:
أبلغ قريشا عن أبي جندل أنّا بذي المروة بالساحل
في معشر تخفق أيمانهم بالبيض فيها والقنا الذابل
يأبون أن تبقي لهم رفقة من بعد إسلامهم الواصل
أو يجعل الله لهم مخرجا والحقّ لا يغلب بالباطل
فيسلم المرء بإسلامه أو يقتل المرء ولا يأتل
فأرسلت قريش أبا سفيان بن حرب إلي رسول الله ﷺ يسألونه ويتضرعون إليه ويناشدونه بالله والرّحم أن يرسل إلى أبي بصير «١» وأبي جندل «٢» بن
_________________
(١) أبو بصير هو: «عتبة بن أسيد بن حارثة» ويقال هو: عبيد بن أسيد بن جارية، ويقال أيضا: عتبة بن أسيد بن جارية بن أسيد بن عبد الله بن سلمة بن غبرة بن عوف بن قيس (ثقيف) بن منبه بن بكر بن هوازن: حليف بني زهرة، هكذا ذكره خليفة عن أبى معشر. وقال ابن شهاب: هو رجل من قريش، وقال ابن هشام: إنه ثقفي. وله قصة لطيفة ذكرها صاحب الاستيعاب والحافظ ابن حجر، فارجع إليهما، وقد بني بجوار قبره مسجد في عهد رسول الله ﷺ ولم ينكر هذا أحد من السلف والخلف رضى الله عن الجميع.
(٢) أبو جندل بن سهيل بن عمرو القرشى العامري: كان من السابقين، أسلم أبوه أيضا، وجاهد هو وأبوه في فتوح الشام، وأتي مع المشركين في غزوة بدر فانحاز إلى المسلمين، ثم أسر بعد ذلك، أسره المشركون وعذب ليرجع عن دينه، وأخيرا لحق بأبى بصير على ساحل البحر، وكان هناك منهما ما كان. والحمد لله الذى نصر دينه وأعز جنده.
[ ٣١٨ ]
سهيل، ومن معهم فيقدمون عليه، وقالوا: إنّا أسقطنا هذا الواحد من الشروط، فمن أتى محمدا فهو امن.
وقيل: قالوا من خرج منا إليك فأمسك في غير حرج؛ فإنّ هؤلاء الركب قد فتحوا علينا بابا لا يصلح إقراره. فلما كان ذلك من أمرهم، علم الذين كانوا أشاروا علي رسول الله ﷺ أن يمنع أبا جندل من أبيه يوم الصلح والقضية أنّ طاعة رسول الله ﷺ خير فيما أحبوا وفيما كرهوا، وأن رأيه أفضل من رأيهم، «١» وعلموا بعد ذلك أن مصالحته ﷺ كانت أولي، لأنها كانت سببا لكثرة المسلمين؛ فإن المشركين لما أمنوا القتال اختلطوا بالمسلمين فأثّر فيهم الإسلام، فأسلم كثير منهم.
وكتب رسول الله ﷺ يأمر أبا بصير أن يقدم عليه بالمدينة هو وأبو جندل الذى كان اجتمع به مع رفاقه، ويأمر من معهما من المسلمين أن يرجعوا إلى بلادهم وأهليهم، ولا يتعرضوا لأحد مرّ بهم من قريش، فلما قدم كتاب رسول الله ﷺ على أبى بصير، وكان حينئذ مشرفا علي الموت، مات وكتاب رسول الله ﷺ في يده يقرأه، فدفنه أبو جندل مكانه، وجعل عند قبره مسجدا. وقدم على رسول الله ﷺ أناس من أصحاب أبى جندل، ورجع سائرهم إلي أهليهم، وأمنت عيران قريش، وظاهر بعض الروايات يدلّ على أن قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ- نزلت في قصة أبى بصير.
ولم يزل أبو جندل مع رسول الله ﷺ، وشهد ما أدرك من المشاهد بعد ذاك، وشهد الفتح، ورجع مع رسول الله ﷺ، وقدم أبوه سهيل بن عمرو المدينة أوّل إمارة عمر بن الخطاب ﵄، فمكث بها شهرا، ثم خرج إلي الشام يجاهد، وخرج معه ولده أبو جندل، فلم يزالا مجاهدين حتي ماتا هناك رضى الله تعالى عنهما.
وهاجرت في مدة الصلح أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وجاء فيها
_________________
(١) ذلك لأنه: «لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحى يوحى» وليس الرأى مع الوحى بشئ.
[ ٣١٩ ]
أخواها عمارة والوليد ابنا عقبة حتي قدما على رسول الله ﷺ يسألانه أن يردّها عليهما بالعهد الذي بينه وبين قريش بالحديبية، فلم يفعل، وقال: أبى الله ذلك، وأنزل الله فيه علي رسوله: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا جاءَكُمُ الْمُؤْمِناتُ مُهاجِراتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ [الممتحنة: ١٠] الاية، وكان الامتحان أن تستحلف المرأة المهاجرة أنها ما هاجرت ناشزا ولا هاجرت إلا لله ورسوله، فكان في الاية بيان أن ذلك الرد في الرجال لا في النساء؛ لأن المسلمة لا تحل للكافر، فلما تعذّر ردّهن لورود النهى عنه، لزم ردّ مهورهن، فأمر النبى ﷺ ألاترجع المؤمنات إلي الكفار لشرف الإسلام، وألاتكون كافرة في نكاح مسلم لقوله تعالى: وَلا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوافِرِ «١» فمنع الله من ردّ النساء، وفسخ ذلك الشرط المكتتب، وحرّم الله حينئذ علي المسلمين إمساك الكوافر في عصمتهم، فطلّق الأصحاب كلّ امرأة مشركة في نكاحهم، وطلّق عمر بن الخطاب يومئذ امرأتين له مشركتين بمكة، وعن ابن عباس: يعنى من كانت له امرأة بمكة فلا يعدّها من نسائه؛ لأن اختلاف الدارين قطع عصمتها منه.
وفي غزوة الحديبية صار صلح مصر للروم حيث غلبت الروم فارسا، وأخرجوهم من الشام «٢» .
* وفي هذه السنة ماتت أم رومان بنت عامر بن عويمر، أم عائشة ﵄، كانت أسلمت قديما، وكانت أولا تحت عبد الله بن سخبرة، فولدت له الطفيل، وهو أخو عائشة لأمها، ثم مات عنها فتزوجها أبو بكر، فولدت له عبد الرحمن وعائشة.
* وفي السنة السادسة فرض الحج- علي ما عليه الجمهور- وقيل كان قبل الهجرة، حكاه إمام الحرمين في النهاية، وقيل غير ذلك.
_________________
(١) سورة الممتحنة: الاية ١٠.
(٢) وفيه تصديق لأبي بكر ﵁، فإنه حدث نقاش بين أبى بكر وجماعة من قريش إذ كان المؤمنون يحبون أن ينتصر الروم، وكان المشركون يحبون أن ينتصر الفرس، وقال لهم أبو بكر ما معناه: إن الروم سينتصرون في بضع سنين. انظر تفسير ابن كثير بتوسع.
[ ٣٢٠ ]
* وفي هذه السنة نزل حكم الظّهار، وذلك أن أوس بن الصامت غضب على زوجته خوله بنت ثعلبة ذات يوم، وقال لها «أنت عليّ كظهر أمى»، (وكان ذلك أوّل ظهار في الإسلام، وكان الظهار طلاقا في الجاهلية)، ثم ندم على ما قاله: فأتت خولة النبى ﷺ وعائشة تغسل رأسه، فقالت: يا رسول الله: إن زوجى أوس بن الصامت تزوجنى وأنا ذات مال وأهل، فلما أكل مالي وذهب شبابى وتفرّق أهلى، ظاهر منى. فقال ﷺ: حرمت عليه. فبكت وصاحت، وقالت: أشكو إلى الله فقرى وفاقتى ووجدى وصبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا، وإن ضممتهم إليّ جاعوا. فقال ﷺ: ما أراك إلا حرّمت عليه.
فجعلت ترفع صوتها باكية، وتقول: اللهم إنى أشكو إليك. فبينما هى على تلك الحالة إذ تغيّر وجه رسول الله ﷺ للوحى، فنزل جبريل ﵇ بهذه الايات: قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ [المجادلة: ١]، فدعا رسول الله ﷺ أوس بن الصامت، فتلا عليه الايات المذكورة، فقالت عائشة: تبارك الله الذى وسع علمه كل شىء إنى كنت أسمع كلام خولة ويخفى عليّ بعضه، وهى تحاور رسول الله ﷺ، فما برحت حتّى نزل جبريل بهذه الايات. فقال رسول الله ﷺ لأوس: أعتق رقبة، فقال: ما لى بهذا قدرة، قال: صم شهرين متتابعين، قال: إنى إذا لم اكل في اليوم مرتين كلّ بصرى، قال: فأطعم ستين مسكينا، قال: لا أجد إلا أن تعيننى منك بعون وصلة. فأعانه رسول الله ﷺ بخمسة عشر صاعا، وكانوا يرون أن عند أوس مثلها، وذلك لستين مسكينا، لكل مسكين نصف صاع، وهذا أوّل ظهار في الإسلام.
* وفي رمضان هذه السنة استسقى رسول الله ﷺ لما أجدب الناس، فمطروا فقال ﷺ: «أصبح الناس مؤمنا بالله وكافرا بالكواكب» قاله مغلطاى.
واستسقى في موضع المصلّى، وصلّى صلاة الاستسقاء:
روى أنه قحط الناس على عهد رسول الله ﷺ فأتاه المسلمون، وقالوا: يا
[ ٣٢١ ]
رسول الله قحط المطر، ويبس الشجر، وهلكت المواشى، وأسنت الناس «١» فاستسق لنا ربك. فخرج رسول الله ﷺ والناس معه، يمشى ويمشون بالسكينة والوقار، حتى أتوا المصلى، فتقدم وصلّى بهم ركعتين، يجهر فيهما بالقراءة، وكان ﷺ يقرأ في العيدين والاستسقاء في الركعة الأولى بفاتحة الكتاب وسَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى [سورة الأعلى] وفي الركعة الثانية بفاتحة الكتاب وهَلْ أَتاكَ حَدِيثُ الْغاشِيَةِ [سورة الغاشية]، فلما قضى صلاته استقبل الناس بوجهه، وقلب رداءه لكى ينقلب القحط إلى الخصب، ثم جثا على ركبتيه، ورفع يديه، وكبّر تكبيرة قبل أن يستسقى، ثم قال: «اللهم اسقنا، وأغثنا غيثا مغيثا، وحياء ربيعا، وجدا طبقا غدقا مغدقا، عاما هنيئا مريئا، مريعا مرتعا، وابلا شاملا، مسبلا مجللا، دائما ودرا، نافعا غير ضار، عاجلا غير رائث، غيثا اللهم تحيى به البلاد، وتغيث به العباد، وتجعله بلاغا صالحا للحاضر والباد، اللهم أنزل في أرضنا زينتها، وأنزل عليها سكينتها. اللهم أنزل علينا من السماء ماء طهورا تحيى به بلدة ميتا، واسقه مما خلقت أنعاما وأناسى كثيرا» .
فما برحوا حتّى أقبل قزع «٢» من السحاب، فالتأم بعضه إلى بعض، ثم أمطرت سبعة أيام بلياليهن، لا تقلع عن المدينة، فأتاه المسلمون وقالوا: يا رسول الله قد غرقت الأرض، وتهدّمت البيوت، وانقطعت السبل، فادع الله تعالى أن يصرفها عنا. فضحك رسول الله ﷺ، وهو على المنبر حتّى بدت نواجذه، تعجبا لسرعة ملالة بنى ادم، ثم رفع يديه، ثم قال: «حوالينا ولا علينا، اللهم على رؤس الظراب، ومنابت الشجر، وبطون الأودية وظهور الاكام»، فتصدعت عن المدينة حتّى كانت مثل ترس عليها، كالفسطاط «٣» تمطر مراعيها، ولا تمطر فيها قطرة.
_________________
(١) أسن بفتح السين: تغير ألوانهم مثل الماء الاسن المتغير اللون.
(٢) الفزع: بفتحتين- قطع رقيقة من السحاب.
(٣) الفسطاط: بيت من شعر.
[ ٣٢٢ ]
وفي رواية: لما صارت المدينة كالفسطاط، وضحك رسول الله ﷺ حتّى بدت نواجذه، ثم قال: «لله أبو طالب؛ لو كان حيّا لقرّت عيناه، من الذى ينشدنا قوله؟» .
فقام علي بن أبى طالب ﵁ فقال: يا رسول الله كأنك أردت:
وأبيض يستسقى الغمام بوجهه ثمال «١» اليتامى عصمة للأرامل
فقال رسول الله ﷺ: أجل.
_________________
(١) ثمال اليتامى: كافلهم.
[ ٣٢٣ ]
الفصل السابع في ظواهر السنة السابعة ما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة من الهجرة كانت غزوة خيبر «١»، فى منتصف المحرم:
و«خيبر» بلد بينها وبين المدينة ثمانية برد، ذات حصون، أعظمها يسمى القموص «٢» لما قدم رسول الله ﷺ من الحديبية مكث بالمدينة ذا الحجة وبعض المحرم «٣»، ثم خرج إليها غازيا، فدفع اللواء إلى على، وسار، فلما أشرف قال لأصحابه: قفوا، ثم قال: «اللهم ربّ السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما أذرين، نسألك خير هذه القرية وخير أهلها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها، وشر ما فيها، أقدموا بسم الله» .
ونزلوا على خيبر ليلا، فلم يصح لهم تلك الليلة ديك، وكان ﷺ إذا غزا قوما لم يغر عليهم حتّى يصبح، فإن سمع أذانا أمسك، وإلا أغار، فبات لم يسمع أذانا، فلما أصبحوا خرجوا إلى أعمالهم بمساحيهم ومكايلهم لعدم علمهم، فلما رأوه ﷺ عادوا وقالوا «محمد والخميس» (أى الجيش سمى به لأنه خمسة أخماس: ميمنة وميسرة ومقدمة، ومؤخرة، وقلب) فقال النبى ﷺ: «الله أكبر خربت خيبر إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المئذرين»، وبهذا استدلّ على أن إيراد ايات القران على سبيل الاقتباس والاستشهاد لا بقصد التلاوة والقراءة جائز فيما يحسن ويجمل، لا في المدح ولغو الحديث، وبه قال النووى في شرح مسلم: وقد جاء لهذا نظائر كثيرة، كما ورد في فتح مكة أنه ﷺ جعل يطعن في
_________________
(١) مدينة كبيرة ذات حصون ومزارع ونخل كثير، بينها وبين المدينة ثمانية برد، سميت باسم رجل من العماليق، وهو أخو يثرب الذى كانت المدينة في الجاهلية مسماة باسمه.
(٢) القموص: جبل بخيبر، عليه حصن ابن أبي الحقيق اليهودى، كذا في المراصد وفي هامشه: وفي البكرى: حصن من حصون خيبر.
(٣) فى السيرة الحلبية: «ولما رجع رسول الله ﷺ من الحديبية أقام شهرا وبعض شهر ذى الحجة ختام سنة ست، ومن المحرم افتتاح سنة سبع، وقال مالك: كانت سنة ست» .
[ ٣٢٥ ]
الأصنام ويقول- جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- كما سيأتى، وأخرج ابن أبي شيبة عن سعيد بن المسيب قال: كان رسول الله ﷺ إذا رأى الهلال قال: «امنت بالذى خلقك فسواك فعدلك» ومما يدل على ذلك ما أخرجه ابن أبي حاتم عن عائشة رضى الله تعالى عنها قالت: «كنت عند أبى فى وصيته، وهى: بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به أبو بكر بن أبى قحافة، عند خروجه من الدنيا، حين يؤمن الكافر ويتّقى الفاجر، ويصدق الكاذب، إنى استخلفت عليكم عمر بن الخطاب، فإن يعدل فذلك ظنى فيه، ورجائى فيه، وإن يجر ويبدّل فلا أعلم الغيب، وسيعلم الذين ظلموا أىّ منقلب ينقلبون» .
وروى أن عثمان بن عفان يوم الدار أشرف من داره على الناس، وقد أحاطوا به فقال: وَيا قَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ ما أَصابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صالِحٍ وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ [هود: ٨٩]، يا قوم لا تقتلونى، كنتم هكذا، (وشبك بين أصابعه)» . فكلّ هذا كغزوة خيبر، وحديث فتح مكة يدل على جواز الاقتباس. انتهى.
وفرّق ﷺ الرايات- ولم تكن الرايات إلا بخيبر، وإنما كانت الألوية- وكانت رايته يومئذ سوداء تسمى العقاب، لكون لون العقاب أسود، ثم حاصرهم وضيّق عليهم وأخذ الأموال، وفتح الحصون حصنا حصنا حتّى انتهى إلى حصنهم «الوطيح» والسلالم، وكان اخر الحصون افتتاحا، وكان حصارهم بضع عشرة ليلة، وأخذ سبايا منهم صفية بنت كبيرهم حيىّ بن أخطب، اصطفاها ﷺ لنفسه وتزوجها وجعل عتقها صداقها، وبهذا أخذ الإمام أحمد ﵁ حكم مذهبه، وهو من مفردات مذهبه وقال غيره: إن هذا من خواصه ﷺ، وكانت صفية رأت في المنام وهى عروس- بكنانة بن أبى الربيع بن أبى الحقيق- أن قمرا وقع في حجرها، فذكرته لزوجها فقال: ما هذا إلا أنك تتمنين ملك الحجاز محمدا، ولطمها. وعرّس ﷺ بها في الطريق في قبة، فبات أبو أيوب الأنصارى متوشحا بالسيف يحرسه، فلما أصبح راه النبى ﷺ فقال:
[ ٣٢٦ ]
ما لك؟ قال: خفت عليك من امرأة قتلت أباها وزوجها وقومها، وهى حديثة عهد.
وكانت الراية مع أبى بكر رضى الله تعالى عنه، فكان يقاتل قتالا شديدا، ثم أخذها عمر فقاتل قتالا شديدا، فقال ﷺ: «أما والله لأعطين الراية غدا رجلا يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، كرّارا غير فرّار، يأخذها عنوة» «١» فتطاول المهاجرون والأنصار إليها، يرجو كل واحد أن يكون هو صاحب ذلك، وكان علي بن أبى طالب ﵁ قد تخلف بالمدينة لرمد لحقه، فلما أصبحوا جاء عليّ فتفل النبىّ ﷺ في عينيه «٢» فما اشتكى رمدا بعدها، ثم أعطاه الراية وعليه حلّة حمراء فنهض بها وأتى خيبرا، فأشرف عليه رجل من يهودها، وقال: من أنت؟ قال: علي بن أبى طالب، فقال اليهودى: غلبتم يا معشر اليهود. فخرج «مرحب» صاحب الحصن من الحصن، ولم يكن في أهل خيبر أشجع من مرحب، وعليه يمانى، وعلى رأسه بيضة «٣»، وله رمح سنانه ثلاثة أسنان، ونادى: من يبارز؟ وهو يرتجز ويقول:
قد علمت خيبر أنّى مرحب شاكى السلاح بطل مجرّب
أطعن أحيانا، وحينا أضرب إذا الحروب أقبلت تلهّب
إنّ حماى للحمى لا يقرب
فخرج على كرم الله وجهه، وهو يقول:
أنا الذى سمّتنى أمى حيدره أكيلكم بالسيف كيل السندزه
ليث بغابات شديد القسورة
[والسندرة: مكيال معلوم، ومعلوم أن حيدرة اسم من أسماء الأسد، وهو أشجعها أشار بذلك إلى أن أمه فاطمة لما ولدته سمّته باسم أبيها، وكان أبو
_________________
(١) حديث ثابت صحيح، انظر في «الرياض النضرة في مناقب العشرة» ص ١٩٧ و١٩٨ ج ٣.
(٢) حديث ثابت صحيح، انظر في «الرياض النضرة في مناقب العشرة» ص ١٩٧ و١٩٨ ج ٣.
(٣) البيضة: الخوذة تتخذ من حديد وقاء للرأس.
[ ٣٢٧ ]
طالب حينئذ غائبا، فلما قدم سماه عليا، ولذلك قال عليّ ﵁ يوم خيبر: أنا الذى سمتنى إلى اخره، فغلب عليه ما سماه أبوه] .
فاختلفا بضربتين، فسبقه على ﵁ فقدّ البيضة والمغفر ورأسه، فسقط عدو الله ميتا.
وكان فتح خيبر في شهر صفر، على يد على ﵁ بعد حصار بضع عشرة ليلة. وإلى ذلك يشير بعضهم:
وشادن «١» أبصرته مقبلا فقلت من وجدى به: مرحبا
قدّ فؤادى في الهوى قدّه «٢» قدّ عليّ في الوغى مرحبا
وفتح المسلمون حصون خيبر كلها عنوة، إلا حصن «الوطيح» «٣» وجصن «سلالم» «٤» - بضمّ السين المهملة- فإنهما فتحا صلحا، وكان أعظم حصون خيبر حصن «القموص» «٥» كصبور من حصون الكتيبة «٦» «الثلاثة»، وكان منيعا حاصره المسلمون عشرين ليلة ثم فتحه الله على يد عليّ ﵁ ومنه سبيت صفية ﵂، وقيل: إن اسمها قبل أن تسبى زينب، فلما صارت من الصفى سميت صفية، والصفىّ ما كان يصطفيه ﷺ لنفسه من الغنيمة قبل أن تقسم، وكان في الجاهلية لأمير الجيش ربع الغنيمة، ومن ثم قيل له: المرباع «٧» .
_________________
(١) الشادن: اغزال، إذا قوى وطلع واستغنى عن أمه.
(٢) «قدّه» الأولى بمعنى قسمه شطرين، و«قدّ» الثانية من القد، وهو الطول والعرض، و«قد» الثالثة: مبنية على الفتح خلف حركة الجر، أى كقدّ على ﵁ مرحبا حين ضربه فقسم رأسه.
(٣) «الوطيح»: حصن من حصون خيبر، وهو بفتح الواو وكسر الطاء.
(٤) «السلالم»: حصن من حصون خيبر كان من أحصنها، وكان اخرها فتحها على رسول الله ﷺ.
(٥) «القموص»: جبل بخيبر، عليه حصن ابن أبي الحقيق اليهودى.
(٦) الكتيبة: حصن من حصون خيبر، وفي كتاب الأموال لأبى عبيد: الكتيبة بالثاء المثلاثة.
(٧) المرباع: ما يأخذه الرئيس، وهو ربع المغنم.
[ ٣٢٨ ]
قال السهيلى ﵀: «كانت أموال النبى ﷺ من ثلاثة أوجه: الصفى»
، والهدية، وخمس الخمس» هذا كلامه. ولا يخفى أنه يزاد على ذلك «الفىء» .
وباقى حصون الكتيبة الثلاثة هو حصن «الوطيح» وحصن «سلالم» المتقدمين.
وشهد خيبر مع رسول الله ﷺ نساء من النساء المسلمات، فرضخ لهنّ ﵊ من الفىء، ولم يضرب لهنّ بسهم «٢»، وقيل «٣» ضرب لهن أيضا بسهم كامل، وكانت قد خرجت معهم عشرون امرأة.
وفي حديث ابن أبي الصلت عن امرأة غفارية سمّاها قالت: أتيت رسول الله ﷺ في نسوة من غفار، وهو يسير إلى خيبر فقلنا: يا رسول الله، قد أردنا الخروج معك لنداوى الجرحى ونعين المسلمين ما استطعنا، فقال: على بركة الله، قالت: فخرجنا معه، فلما افتتح خيبر رضخ لنا من الفىء.
واستشهد بخيبر من المسلمين نحو من عشرين رجلا، منهم عامر بن الأكوع عم سلمة بن الأكوع- وقد كان رسول الله ﷺ قال له في مسيره إلى خيبر:
انزل يا ابن الأكوع فاحد «٤» لنا من هنيهاتك «٥»، فنزل يرتجز برسول الله ﷺ، فقال:
والله لولا أنت ما اهتدينا ولا تصدّقنا ولا صلّينا
وقتل عامر بن الأكوع ﵁ بسيف نفسه، رجع عليه وهو يقاتل فكلمه كلما* شديدا، فمات منه.
_________________
(١) الصفى: ما يصطفيه الرئيس من الغنيمة قبل القسمة.
(٢) فيه دلييل على أن المرأة ليست من أهل الحرب والقتال. وذلك لأن الجندى في جيش المسلمين يأخذ نصيبه من الغنائم قسمة، وغير الجندى يرضخ له رضخا إذا حضر القتال. والله تعالى أعلم.
(٣) إذا عبر بلفظ «قيل» فذلك لأنه ضعيف.
(٤) من حدا يحدو الإبل، أى ساقها وحثها على السير
(٥) من هينهاتك: أي من كلماتك ومن أراجيزك. * أى: جرحه جرحا شديدا.
[ ٣٢٩ ]
* وفي غزوة خيبر أهديت للنبى ﷺ الشاة المسمومة، فأخذ منها قطعة وأكلها، وأكل القوم، فقال: «ارفعوا أيديكم فإنها أخبرتنى أنها مسمومة»، فمات بشر بن البراء، وكان بشر قد أساغ تلك اللقمة والمصطفى ﷺ لم يسغها لكنها أثرت في فمه ولهواته قبل أن ينطق الله له ذراعها بالتحذير مما دسّ فيها من السم القاتل من ساعته، ودعا ﷺ باليهودية فاعترفت، ثم قال لها: «ما حملك على ما صنعت؟ قالت: إن كنت نبيا لم يضرّك الذى صنعت، وإن كنت ملكا أرحت الناس منك، فقال: «ما كان الله ليسلطك على ذلك»، ولم يعاقبها؛ لأنه كان لا ينتقم لنفسه، وإلى ذلك يشير صاحب الهمزية رحمه الله تعالى بقوله:
ثم سمّت اليهودية الشا ة وكم سام الشّقوة الأشقياء
فأذاع الذراع ما فيه من ش رّ بنطق إخفاؤه إبداء
وبخلق من النّبىّ كريم لم تقاصص بجرحها العجماء
[أى ثم جعلت اليهودية السمّ القاتل في الشاة، ومرات كثيرة يطلب الشقوة ويتحلّى بها الاشقياء، الذين لا خلاق لهم، فأخبر ذلك الذراع النبىّ ﷺ بالنطق بما فيه من سم، وإخفاء ذلك النطق عن الحاضرين إبداء وإظهار له ﷺ، وبسبب ما تحلى به ﷺ من كمال الحلم والعفو، لم تقاصص تلك المرأة بجرحها، أى بجرح سمّها، لأن السم يجرح الباطن، كما يجرح الحديد الظاهر] .
وما قيل: إنه أمر بها فقتلت به قصاصا، لعله هو عين ما يروى عن ابن عباس أنه دفعها إلى أولياء بشر بن البراء، بهذا يفسّر قول ابن إسحاق «أجمع أهل الحديث أن رسول الله ﷺ قتل اليهودية التى سمّته» وقال النبى ﷺ في مرض موته: «إن أكلة خيبر لم تزل تعاودنى، وهذا زمان انقطاع أبهرى» «١» [والأبهر عرق في الظهر وقيل: هو عرق مستبطن القلب، فإذا انقطع لم تبق بعده حياة، وقيل: الأبهر «٢» عرق منشؤه من الرأس، ويمتد إلى القدم، وله
_________________
(١) قال رسول الله ﷺ: «ما زالت أكلة خيبر تعاودنى كل عام حتّى كان هذا أوان قطع أبهرى» [رواه ابن السنى وأبو نعيم في الطب عن أبى هريرة] .
(٢) الأبهر: الظهر، عرق فيه، ووريد العنق، والأكحل، وهو: عرق في اليد، وهو عرق الحياة.
[ ٣٣٠ ]
شرايين تتصل بأكثر أطراف البدن؛ فالذى في الرأس منه يسمى «النأمة» «١» .
وقولهم: أسكت الله نأمته أى حياته، ويمتد إلى الحلق ويسمّى فيه الوريد «٢»، ويمتد إلى الصدر فيسمى الأبهر، ويمتد إلى الظهر فيسمى الوتين «٣» والفؤاد معلق به، ويمتد إلى الفخذين فيسمّى النّسا «٤» ويمتد إلى الساق فيسمّى الصافن «٥» .
ولم يكتب ليهود خيبر كتابا بإسقاط الجزية عنهم، وإنما ساقاهم النبى ﷺ على النصف من ثمارهم، ويخرجهم متى شاء.
ثم في زمن خلافة القائم بأمر الله، ظهر يهودى رئيس الرؤساء ببغداد، وأظهر كتابا فيه أن رسول الله ﷺ أمر بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وفيه شهادة الصحابة ﵃، منهم: علي بن أبى طالب ﵁، فحمل الكتاب إلى رئيس الرؤساء، ووقع الناس منه في حيرة، فعرضه على الحافظ أبى بكر «٦» خطيب بغداد، فتأمله وقال: إن هذا مزوّر، فقيل له: من أين ذلك؟ فقال: فيه شهادة معاوية ﵁، وهو أسلم عام الفتح سنة ثمان من الهجرة، وفتوح خيبر سنة سبع من الهجرة، ولم يكن مسلما في ذلك الوقت، ولا حضر ما جرى، وفيه شهادة سعد بن معاذ ﵁، ومات سعد يوم بنى قريظة بسهم أصابه، ذلك قبل فتح خيبر بسنتين «٧» . انتهى.
* وفي هذه السنة فتح «فدك» «٨»، وهى قرية بينها وبين مدينة النبى ﷺ مرحلتان، وقيل ثلاث مراحل. قال أهل السير: لما أتى النبىّ ﷺ حوالى خيبر،
_________________
(١) ويقال: النامّة، بالتشديد.
(٢) فى القاموس: الوريدان: عرقان في العنق.
(٣) الوتين: عرق في القلب إذا انقطع مات صاحبه.
(٤) النسا: عرق من الورك إلى الكعب.
(٥) الصافن: صفن الفرس يصفن صفونا: قام على ثلاث قوائم وحرف الرابعة، ومنه قوله تعالى: الصَّافِناتُ الْجِيادُ وصفن الرجل: صفّ قدميه.
(٦) هو الخطيب البغدادى صاحب كتاب الكفاية في علم الرواية والله أعلم.
(٧) ومن مثل هذه القضية نعلم أن اليهودى لا يترك بضاعته أبدا وبضاعته التى لا يتركها: «الكذب، والزور، والدجل، وتلبيس إبليس» هذه بضاعتهم أخزاهم الله ولعنهم.
(٨) «فدك» بالتحريك، واخره كاف: قرية بالحجاز بينها وبين المدينة يومان وقيل ثلاثة، أفاءها الله على رسوله ﷺ. بها عين فوارة ونخل.
[ ٣٣١ ]
بعث محيصة بن مسعود الحارثى إلى فدك، يدعو أهلها إلى الإسلام، فدعاهم إليه، فخوّفهم أنّ رسول الله ﷺ جاء إلى حربهم كما أتى إلى حرب أهل خيبر، وقالوا: «إن عامرا وياسرا وحارثا وسيد اليهود مرحبا في حصن نطاه معهم ألف مقاتل، وما نظن أن يقاومهم محمد»، فمكث محيصة فيهم يومين، ولما رأى ألاميل لهم في الصلح، أراد أن يرجع، فقالوا له: اصبر نستشير أكابر قومنا ونبعث معك من يصالح محمدا، وبينما هم في ذلك الرأى إذ أتاهم خبر حصن «الناعم» أن رسول الله ﷺ فتحه، فوقع في قلوبهم خوف عظيم، فأرسلوا جماعة من يهود فدك إلى النبى ﷺ حتّى يصالحوه، فبعد القيل والقال الكثير، استقر الأمر على أن يعطوا النبى ﷺ نصف أرض فدك، ولهم نصفها، فرضى النبى ﷺ، فصالحهم على ذلك. وكانوا يعملون على ذلك حتّى أخرجهم عمر وأهل خيبر إلى الشام، واشترى منهم حصّتهم «النصف» بمال بيت المال، كما سيأتى فكان خيبر للمسلمين، وفدك خالصة له؛ لأنها فتحت بغير إيجاف (أى تحريك وإتعاب في السير) ولا ركاب فلم يقسمها ووضعها حيث أمره الله، وانصرف ﷺ عن خيبر إلى وادى القرى فحاصرها وافتتحها عنوة، وقسمها.
وأصاب بها غلامه مدعما» سهم غرب (بفتح الراء والإضافة، وبتسكين الراء بلا إضافة: وهو الذى لا يعرف راميه) فقتله. وقال ﷺ فيه لما شهد له أناس بالجنة: «كلا إن الشملة التى أخذها يوم خيبر من المغانم قبل القسم لتشتعل عليه نارا»، فلما سمع ذلك الناس جاء رجل بشراك أو شراكين إلى رسول الله ﷺ فقال ﷺ: «شراك من نار أو شراكان من نار» .
وعن أبى حميد الساعدى، قال: استعمل رسول الله ﷺ رجلا من أسد على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم، وهذا أهدى لى، فقال النبى ﷺ: فهلا جلس فى بيت أمه أو في بيت أبيه فينظر أيهدّى إليه أم لا، فو الذى نفسى بيده لا يأخذ منها أحد شيئا إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته، إن كان بعيرا له رغاء، أو بقرة لها خوار، وإن كان شاة جاء بها تيعر (بفتح المثناة الفوقية وسكون المثناة التحتية بعدها مهملة مفتوحة، ويجوز كسرها) أى لها صوت شديد- ثم رفع يديه حتّى رؤيت صفرة إبطيه، ثم قال: «اللهم هل بلّغت، اللهم هل بلغت» .
وروى أن النبى ﷺ أمر فروة بن عمرو البياضى أن يجمع غنائم خيبر في
[ ٣٣٢ ]
حصن «نطاه»، فجمع، وكان في أثناء الغنائم صحائف متعددة من التوراة، فجاءت يهود تطلبها، فأمر النبى ﷺ بدفعها إليهم، ويوم جمع غنائم خيبر وأخذ سباياهم أمر النبى ﷺ مناديا ينادى: أنّ من امن بالله واليوم الاخر «أن لا يصيب أحد امرأة من السبى غير حامل حتّى يستبرئها» (أى حتّى تحيض) .
وفي لفظ: أمر رسول الله ﷺ مناديه ينادى: «أنّ من امن بالله واليوم الاخر لا يسق بمائة زرع الغير «١»، ولا يطأ امرأة حتّى تنقضى عدتها (أى حتّى تحيض)» «٢» .
ولم يزل يهود خيبر وأهل فدك على شروطهم بعد الفتح إلى أن أجلاهم عمر ﵁ منها، ومن غيرها من بلاد العرب، وهى الحجاز- مكة والمدينة واليمامة وطرقها وقراها كالطائف لمكة وخيبر للمدينة- حيث بلغه أن النبى «٣» قال في مرضه الذى مات فيه: «لا يجتمعن دينان بأرض العرب» «٣»، وفي رواية «بجزيرة العرب» ا. هـ.
والعرب أفضل الأجناس، وأعزهم نفسا، وأكرمهم أخلاقا، وأرقهم طباعا، وأكثرهم وفاء، وأجمعهم للخلال الكريمة، وأبعدهم عن الأخلاق الذميمة، وهم بحور الكرم والوفاء.
قال الأصمعى: وخصّت العرب بإطعام الطعام والأنفة من الضيم.
وقال المأمون: فضّلت العرب على سائر الأجناس يالسؤدد، ولو لم يكن فيهم إلا أنهم لا يصلحون للاسترقاق لكفى.
وأرق العرب طبعا: قريش، وأهل الحرمين.
وقال: اختصت العرب من بين الأنام بثلاث: العمائم تاجها، والسيوف سياجها، والشعر ديوانها. وإنما قيل الشعر ديوان العرب؛ لأنهم كانوا يرجعون
_________________
(١) كناية عن أنه لا يجوز له وطء امرأة حامل.
(٢) أو تضع حملها إن كانت حاملا. والله تعالى أعلم.
(٣) وفي لفظ لئن عشت إن شاء الله لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العربية رواه الترمذى والنسائى عن عمر، وفي لفظ اخر «لاخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتّى لا أدع إلا مسلما. رواه مسلم، وأبو داود، والترمذى عن عمر ﵁.
[ ٣٣٣ ]
إليه عند اختلافهم في الأسباب والحروب ولأنه مستودع علومهم، وحافظ ادابهم، ومعدن أخبارهم، ولهذا قيل:
الشعر يحفظ ما أودى الزمان به والشعر أفخر ما ينبى عن الكرم
لولا مقال زهير «١» فى قصائده ما كنت تعرف جودا كان من هرم «٢»
وفي الحديث عنه ﷺ: «العمائم تيجان، فإذا وضعوها وضع الله عزتهم» «٣» .
ومن أعزّ العرب نفسا وأشرفهم همما الأنصار، وهم الأوس والخزرج، أبناء قيلة، لم يؤدوا إتاوة قط في الجاهلية إلى أحد من الملوك، وكتب إليهم تبّع أبو كرب يدعوهم إلى طاعته ويتوعدهم إن لم ينقادوا له، فكتبوا إليه:
العبد تبّع كم يوم قتالنا ومكانه بالمنزل المتذلل
إنّا أناس لا ننام بأرضنا عض الرسول هنا لأم «٤» المرسل
فلما دنا لقتالهم كانوا يقاتلونه نهارا ويخرجون إليه القرى ليلا، فندم على «٥» قتالهم، ورحل عنهم. وحسب الأنصار من الفضل ما يروى أنهم لما رأوا رسول الله ﷺ في مرض موته يزداد وجعا طافوا بالمسجد، فأشفقوا من موته ﷺ، فدخل عليه الفضل فأخبره بذلك، ثم دخل عليّ ﵁ فأخبره بذلك، ثم دخل عليه العباس فأخبره ذلك، فخرج ﷺ متوكئا على عليّ والفضل، والعباس أمامه، والنبى ﷺ معصوب الرأس يخطّ برجليه حتّى جلس على أسفل مرقاة من المنبر، فحمد الله، وأثنى عليه، وخطب خطبة ختمها بقوله:
«وأوصيكم بالأنصار خيرا؛ فإنهم الذين تبوّؤا الدار والإيمان من قبلكم، يحبون من هاجر إليهم، ألم يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الدنيا؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟» أ. هـ.
وبالجملة فكلّ واحد من العرب يرى في نفسه العزة، وأنه سيّد حيّه وقبيلته،
_________________
(١) الشاعر زهير بن أبى سلمى.
(٢) هرم بين سنان من أجواد العرب، مدحه زهير بن أبى سلمى.
(٣) وفي لفظ رواه الديلمى في مسند الفردوس عن أبى عباس العمائم تيجان العرب فإذا وضعوا العمائم وضعوا عزهم» ورواه البيهقى بزيادة «واعتمّوا تزدادو حلما» ورواه القضاعى أيضا.
(٤) الهن: الفرج، وهو استهزاء به وشتم له، والمقصود بالرسول هنا: الرسول الذى جاءهم بخطاب التهديد.
(٥) فى الأصل «ندم من» والأصح «على» .
[ ٣٣٤ ]
وأكرمها، لا سيما رؤساؤهم الذين هم فيهم كالملوك، قال الشاعر:
وإذا سألت عن الكرام وجدتنى كالشمس لا تخفى بكل مكان
(رجع) ثم سار ﷺ إلى المدينة، وكان قد كتب إلى النجاشى يطلب منه بقية المهاجرين، ويخطب أمّ حبيبة- رملة بنت أبى سفيان صخر بن حرب بن أمية ابن عبد شمس- فزوّجها للنبى ﷺ ابن عمها خالد بن سعيد بن العاص بن أمية بالحبشة، وأصدقها النجاشىّ عن النبى أربعمائة دينار، وبعثها مع شرحبيل بن حسنة في سنة سبع، وكلّم رسول الله ﷺ المسلمين أن يدخلوا الذين حضروا من الحبشة في سهامهم من مغنم خيبر، ففعلوا، فما أحسن زواج الحضرة النبوية بهذه الكريمة الزكية على يد هذا الملك الموفق، والتابعى «١» الذى طلع بدره على سنية الإيمان وأشرق، فقد فاق هذا الملك النجاشى بما له من حميد الخلال نجاشى كافور الخال، الذى هو ملك الجمال.
وعلى ذكر الكافور فيحسن إيراد هذا الخبر المأثور، وهو: أنه لما جرح بعض الصحابة في بعض الغزوات، فعولج أن ينقطع دمه فلم ينقطع، فقال حسان:
ائتونى بكافور، فجىء له به، فلما وضعه على الجرح انقطع دمه، فقال له ﷺ:
ممّ أخذت هذا؟ قال: من قول امرئ القيس:
فكّرت ليلة وصلها في هجرها فجرت مدافع مقلتى كالعندم
فظفقت أمسح مقلتى بخدّها إذ عادة الكافور إمساك الدم
فقال ﷺ: «إنّ من الشعر لحكمة» «٢» .
* وفي هذه السنة كتب رسول الله ﷺ إلى جبلة بن الأيهم [اخر ملوك غسان] ودعاه إلى الإسلام، قال: فلما وصل إليه الكتاب أسلم وكتب جواب
_________________
(١) والنجاشى تابعى، لأنه لم ير النبى ﷺ ولم يجتمع به.
(٢) رواه أحمد، وأبو داود، وابن ماجة، عن أبىّ، والترمذى عن ابن مسعود، والطبراني عن عمرو بن عوف، وعن أبى بكر وأبو نعيم في الحلية، عن أبى هريرة والخطيب البغدادى عن عائشة وعن حسان بن ثابت، وابن عساكر عن عمر.
[ ٣٣٥ ]
كتاب رسول الله ﷺ، وأعلمه بإسلامه، وأرسل الهدية، وكان ثابتا على إسلامه إلى زمان عمر بن الخطاب، وفي خلافته قدم مكة للحج، وحين كان يطوف فى المطاف وطىء رجل من فزارة إزاره فانحلّ، فلطم الفزارى لطمة هشم بها أنفه وكسر ثناياه، فشكا الفزارى إلى عمر واستغاثه، فطلب عمر جبلة وحكم بأحد الأمرين: إما العفو وإما القصاص، قال جبلة: أتقتصّ له منّى سواء وأنا ملك وهو سوقى!! قال عمر: الإسلام سوّى بينكما لا فضل لك عليه إلا بالتقوى، قال: فإن كنت أنا وهذا الرجل سواء في هذا الدين فأنتصّر «١»، قال عمر: إذا أضرب عنقك، قال: فأمهلنى إليه حتّى انظر في أمرى، فلما كان الليل ركب في بنى عمه وهرب إلى قسطنطينية وتنصّر هناك ومات مرتدا.
وبعض أهل الإسلام على أن جبلة عاد إلى الإسلام ومات مسلما.
* وفي هذه السنة اتخذ رسول الله ﷺ الخاتم؛ ثبت في صحاح الأحاديث أن النبى ﷺ لما أراد أن يكتب إلى كسرى وقيصر والنجاشى وغيرهم من الملوك إلى الإسلام، قيل له: إنهم لا يقبلون كتابا إلا بخاتم، أو مختوما، فصاغ النبى ﷺ خاتما من ذهب، واقتدى به ذوو اليسار من أصحابه، فصنعوا خواتيم من ذهب، فلما لبس رسول الله ﷺ خاتمه، لبسوا أيضا خواتيمهم، فجاء جبريل ﵇ من الغد، وقال: «لبس الذهب حرام لذكور أمتك» فطرح النبى ﷺ خاتمه فطرح أصحابه أيضا خواتيمهم، ثم اتخذ رسول الله ﷺ خاتما حلقة وفصّه من فضة «٢»، ونقش فيه «محمد رسول الله» فى ثلاثة أسطر: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر. واقتدى به أصحابه فاتخذوا خواتيمهم من فضة.
_________________
(١) فى الأصل «فانتصر» وهو خطأ.
(٢) «كان خاتمه من فضة: فصه منه» رواه البخارى عن أنس. «كان خاتمه من ورق، وكان فصّه حبشيا» رواه مسلم عن أنس. «كان يتختم بالفضة في يساره» رواه مسلم عن أنس، وأبو داود عن ابن عمر، «كان يختم في يمينه» رواه البخارى والترمذى، ومسلم، والنسائى عن أنس وأحمد والترمذى، وابن ماجة، عن عبد الله بن جعفر. «كان يتختم في يمينه، ثم حوّله في يساره» رواه ابن عدى عن عبد الله بن عمر، وابن عساكر عن عائشة.
[ ٣٣٦ ]
وفي هذه السنة بعث ﷺ رسله إلى الملوك، وقيل: كان إرسال الرسل في اخر سنة ست، وجمع بعضهم بين القولين بأن إرسال الرسل كان في السنة السادسة، ووصولهم إلى المرسل إليهم كان في السنة السابعة، وقد سبق الكلام على بعث الرسل إلى الملوك في الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ، وسيأتى ذلك في الفصل الرابع من الباب السادس.
* وفي هذه السنة- فى ذى القعدة في الشهر الذى صدّه المشركون- كانت عمرة القضاء، ويقال لها عمرة القضية. لأن رسول الله ﷺ قاضى قريشا أى صالحهم عليها، ومن ثمّ قيل لها: «عمرة الصلح» ويقال لها عمرة «القصاص»؛ قال السهيلى ﵀ وهذا الاسم أولى لقوله تعالى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ «١» قال الحافظ ابن حجر ﵀: فتحصّل من أسمائها أربعة: «القضاء»، و«القضية»، و«الصلح» و«القصاص» لأنها كانت في شهر ذى القعدة من السنة السابعة، وهو الشهر الذى صده فيه المشركون عن البيت منها سنة ست، وليست قضاء عن العمرة التى صدّ عن البيت فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدّهم له عن البيت، بل كانت عمرة تامة معدودة في عمرة ﷺ التى اعتمرها ﷺ بعد الهجرة، وهى أربعة: عمرة الحديبية، وعمرة القضاء، وعمرة الجعرانة، لما قسم غنائم حنين، والعمرة التى قرنها مع حجة فى حجة الوداع، بناء على ما هو الراجح من أنه كان قارنا، وكلها في ذى القعدة إلا التى كانت مع حجه.
وخرج ﷺ قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية من أن يدخل مكة في العام القابل معه سلاح المسافر، ولا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام، وأمر أصحابه أن يستمروا قضاء لعمرتهم التى صدهم المشركون عنها بالحديبية، وألايتخلف أحد ممن شهد الحديبية، فلم يتخلف منهم أحد، إلا من استشهد منهم بخيبر ومن مات. وخرج معه ﷺ قوم من المسلمين عمارا غير الذين شهدوا الحديبية، وكانوا في عمرة القضاء ألفين، واستخلف على المدينة أبا رهم الغفارى، وقيل غيره، وساق ستين بدنة وقلّدها [أى جعل في عنق كل بعير قطعة جلد ليعلم أنها هدى] وجعل عليها ناجية بن جندب، وحمل رسول الله ﷺ
_________________
(١) سورة البقرة: ١٩٤.
[ ٣٣٧ ]
السلاح والدروع والرماح، وقاد مائة فرس عليها محمد بن مسلمة ﵁، وعلى السلاح بشير «١» بن سعد، فلما انتهى إلى ذى الحليفة قدّم الخيل أمامه، فقيل: يا رسول الله حملت السلاح وقد شرطوا ألاتدخلها عليهم بسلاح إلا بسلاح المسافر!! [السيوف في القرب] فقال رسول الله ﷺ: لا يدخل عليهم الحرم بالسلاح، ولكن يكون قريبا منّا، فإن هاجنا الهيج من القوم كان السلاح قريبا منه. ثم إن قريشا بعثت مكرز بن حفص في نفر من قريش إليه ﷺ، فقالوا: «والله يا محمد ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر وتدخل بالسلاح في الحرم على قومك وقد شرطت عليهم ألاتدخل إلا بسلاح المسافرا» [السيوف في القرب] فقال ﷺ: إنى لا أدخل عليه بسلاح، فقال مكرز: هو الذى تعرف به: البر والوفاء، ثم رجع مكرر إلى مكة سريعا، وقال: إن محمدا لا يدخل بسلاح، وهو على الشرط الذى شرط لكم.
فلما اتصل خروجه لقريش خرج كبراؤهم من مكة حتّى لا يروه ﷺ يطوف بالبيت هو وأصحابه عداوة وبغضا وحسدا لرسول الله ﷺ- فدخل رسول الله ﷺ مكة راكبا ناقته القصوى، وأصحابه محدقون به قد توشحوا السيوف، يلبّون، ثم دخل من الثنية، وهى تنية كداء بفتح أوله والمد (وهى طلعة الحجون التى بأعلى مكة ينحدر منها إلى المقابر على درب المعلاة) على طريق الأبطح ومنى، وعبد الله بن رواحة اخذ بزمام راحلته، وهو يمشى بين يديه ويقول:
خلوا بنى الكفّار عن سبيله خلّوا؛ فكلّ الخير في رسوله
قد أنزل الرحمن في تنزيله بأنّ خير القتل في سبيله
فاليوم نضربكم على تأويله كما ضربناكم على تنزيله
وجعل ﷺ السلاح في بطن بأجج (كيسمع وينصر ويضرب: موضع قريب من الحرم) وتخلّف عنده جمع من المسلمين من أصحابه، عليهم أوس بن
_________________
(١) هو: بشير بن سعد بن ثعلبة بن الجلاس (بضم الجيم) الأنصارى الخزرجى، شهد بدرا، والعقبة، وأحدا، والخندق، والمشاهد مع رسول الله ﷺ. قتل سنة ١٣ هـ (ثلاث عشرة هجرية) بعين النمر- (بلدة في طرف بادية على غربىّ الفرات، أكثر نخلها القسب- التمر اليابس- ويحمل منها إلى سائر الأماكن) .
[ ٣٣٨ ]
خولى، وقعد جمع من المشركين بجبل «قعيقعان» «١» ينظرون إليه ﷺ وإلى أصحابه وهم يطوفون بالبيت، وقد قال كفار قريش: إن المهاجرين أوهنتهم حمى يثرب، ثم قال ﷺ: «رحم الله امرا أراهم من نفسه قوة» فأمر أصحابه أن يرسلوا الأشواط الثلاثة، أى ليروا المشركين أن لهم قوة، فعند ذلك قال بعضهم لبعض: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد أوهنتهم؛ إنهم لينفرون نفر الظبى؟!
وإنما لم يأمرهم ﷺ بالرمل في الأشواط كلها رفقا بهم، واضطبع ﷺ بأن جعل وسط ردائه تحت عضده الأيمن، وطرفيه على عاتقه الأيسر، ففعلت الصحابة ﵃ كذلك، وهذا أوّل رمل واضطباع في الإسلام، فكان ابن عباس يقول: كان الناس يظنون أنها ليست سنّة عليهم، وأن رسول الله ﷺ إنما صنعها لهذا الحى من قريش، للذي بلغه عنهم حتّى حجّ حجة الوداع، فلزمها، فدلّ على أنها سنّة. ثم طاف رسول الله ﷺ بين الصفا والمروة على راحلته، فلما كان الطواف السابع عند فراغه وقد وقف الهدى عند المروة، قال: «هذا المنحر، وكلّ فجاج مكة منحر» فنحر عند المروة وحلق هناك، وكذلك فعل المسلمون.
وأقام ﷺ ثلاثة أيام، فلما تمت الثلاثة التى هى أمد الصلح، جاءه حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو ﵄- فإنهما أسلما بعد ذلك- إلى رسول الله ﷺ يدعوانه إلى الخروج هو وأصحابه من مكة، فقالوا: نناشدك الله والعقد إلا ما خرجت من أرضنا، فقد مضت الثلاث. فخرج رسول الله ﷺ هو وأصحابه من مكة، وكان ﷺ تزوّج ميمونة بنت الحارث الهلالية ﵂، وكان اسمها برّة، فسمّاها رسول الله ﷺ ميمونة، وهى أخت أم الفضل زوج العباس ﵂، وأخت أسماء بنت عميس لأمها- زوج حمزة ﵁- وكان تزوّجه بها ﷺ قبل أن يحرم بالعمرة وقيل: بعد أن حلّ منها، وقيل:
وهو محرم. وبنى بها في عوده من مكة بمحل يقال له «سرف» ككتف، بقرب التنعيم، على ثلاثة أميال من مكة، واتفق فيما بعد أنها ماتت بسرف ودفنت فيه، وفي بعض السير أنها لما اعتلّت بمكة قالت: أخرجونى من مكة لأن رسول الله ﷺ أخبرنى أنى لا أموت بها، فحملوها حتّى أتوا بها سرف، إلى الشجرة التى بنى بها رسول الله ﷺ تحتها، فى موضع القبة، فماتت هناك سنة ثمان وثلاثين، وهناك عند قبرها سقاية.
_________________
(١) فى الأصل «قينقاع» وهو خطأ، وفي «المراصد» قعيقعان: جبل بمكة، الواقف عليه يشرف على الركن العراقى: (يعنى من الحرم الشريف) .
[ ٣٣٩ ]
وفيها تحريم الحمر الأهلية، والنهى عن أكل كل ذى ناب من السباع، وفيها النهى عن متعة النساء بالضم والكسر، وهى أن يتزوج امرأة ليتمتاع بها مدة ثم يخلى سبيلها، وتحصل الفرقة بانقضاء الأجل بغير طلاق، ثم حلّلها يوم حنين، ثم حرّمها تحريما مؤبدا «١» .
وفيها جاءته مارية القبطية بنت شمعون، أهداها له المقوقس ملك مصر وإسكندرية وأختها سيرين مع هدية من ذهب وقدح من قوارير، فكان رسول الله ﷺ يشرب فيه، وهدية من عسل من بنها العسل، فدعا رسول الله ﷺ لعسل بنها بالبركة، وبغلته دلدل- بضم الدالين، ولم يكن في العرب غيرها، وهى أوّل بغلة رؤيت في الإسلام وكانت بيضاء، وقيل شهباء، أهداها له أيضا المقوقس، وكان يركبها في السفر، وعاشت بعده حتّى كبرت وسقطت أضراسها، وكان يحشّ لها الشعير، وقيل: كانت ذكرا لا أنثى، وكل ذلك مع حاطب بن أبى بلتعة.
* وفي هذه السنة أيضا كان تزوّجه بأمّ حبيبة.
وفيها أسلم أبو هريرة، وعلى أشهر الأقوال اسمه «عبد شمس بن عامر»، فسمّى فى الإسلام عبد الله»
، وقيل له: لم كنوك بأبى هريرة؟ قال: كنت أرعى غنم قومى، وكانت لى هريرة صغيرة ألعب بها، فكنونى بأبى هريرة، وكان النبى ﷺ يكنيه أبا هرّ، وكان أحفظ أصحابه لأخبار رسول الله ﷺ واثاره، ولم يشتغل بالبيع ولا بالغرس، ولزم رسول الله ﷺ ثلاث سنين مختارا للعدم والفقر، ومروياته في كتب الأحاديث خمسة الاف وثلاثمائة وأربعة وسبعون حديثا.
* وفي هذه السنة قدم جعفر بن أبى طالب وأصحابه من الحبشة، وكان قد خرج في أثر المهاجرين، الهجرة الأولى التى كان أميرها عثمان بن عفان ﵁، فهاجر جعفر بن أبى طالب مع أصحابه وزوجته أسماء بنت عميس، فتتابع المسلمون إلى بلاد الحبشة، منهم من هاجر بأهله، ومنهم من هاجر بنفسه، ثم بلغ المهاجرين أن المشركين قد لانوا لرسول الله ﷺ، فرجعوا إلى مكة، ثم
_________________
(١) قال صاحب «الروضة الندية»: «وهذا نهى مؤبد وقع في اخر موطن من المواطن التى سافر فيها رسول الله ﷺ، وتعقبه موته بعد أربعة أشهر، فوجب المصير إليه» . وفي الصحيحن من حديث على: «أن النبىﷺ- نهى عن متعة النساء يوم خيبر.
(٢) الأشهر أنه: عبد الرحمن بن صخر، ولم يختلف الناس في اسم كما اختلفوا في اسمه، لأنه اشتهر بكنيته ﵁.
[ ٣٤٠ ]
بلغهم أنهم عادوا له بالشرّ، فرجعوا إلى الحبشة، ولم يدخل أحد منهم مكة إلا ابن مسعود فإنه دخل ثم خرج ومعه عدد كثير من المسلمين، وهذه هى الهجرة الثانية كما سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى في الهجرتين إلى الحبشة من الباب الثانى، وقد سبق أن المهاجرين يزيدون على مائة نفس. أحسن النجاشىّ جوارهم، ومكثوا امنين على دينهم، يعبدون الله كما يحبون، فلما هاجر ﷺ إلى المدينة جمعت قريش مالا من كل ما يستطرف من متاع مكة، وأهدوه إلى النجاشى وبطارقته جميعا، وبعثوا به عمرو بن العاص وعمارة بن أبى معيط، فقدما على النجاشى والمهاجرون عنده بخير دار وأحسن جوار، فلما دخلا عليه سجدا له وقرّبا هداياهم إليه، فقبلها منهما، وقالا له: إن قومنا يحذرونك من هؤلاء الذين قدموا عليك؛ لأنهم قوم رجل خرج فينا يزعم أنه رسول الله، ولم يتابعه أحد منا إلا السفهاء، وقد كنا ضيّقنا عليهم فجاؤوا إليك؛ ليفسدوا عليك دينك وملكك فادفعهم إلينا لنكفيكهم. فغضب النجاشى عند ذلك، وقال: «والله لا أسلمهم إليكما حيث اختارونى على من سواى، حتى أدعوهم وأسألهم عمّا يقولون، فإن وجدت أنهم على خلاف ما تقولون أحسنت جوارهم ما جاورونى» . فأرسل إليهم ليجمعهم، فدخلوا عليه في مجلسه، وعمرو بن العاص عن يمينه وصاحبه عن يساره، والقسيسون والرهبان جلوس عنده، فلما انتهوا إليه قالوا لهم: اسجدوا للملك، فلم يسجدوا له، فلما سألهم النجاشى عن ذلك قالوا: ما نسجد إلا للذى خلقك وملّكك، وقد علّمنا نبيّنا الصادق تحية أهل الجنة، وهى: السلام. فعرف النجاشى أن ذلك حق، وأنه في التوراة والإنجيل، فقال: اختاروا من يتكلم عنكم، فقال جعفر: أنا أستأذن وأتكلم. فأذن له فقال جعفر للنجاشى: سل هذين الرجلين (يعنى عمرا وصاحبه): أعبيد نحن أم أحرار؟ فقالا: بل أحرار كرام، فقال جعفر: سلهما هل أهرقتا دماء بغير حق فيقتص منا؟ فقال عمرو: لا، ولا قطرة، فقال جعفر:
سلهما هل أخذنا أموال الناس بغير حق فعلينا قضاؤه؟ فقال النجاشى: إن كان قنطارا فعلىّ قضاؤه، فقال عمرو: ولا قيراط، فقال النجاشى: فما تطلبون منهم؟
قال عمرو: كنا وإياهم على دين واحد، وأمر واحد، على دين ابائنا، فتركوا ذلك واتبعوا غيره، فبعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من ابائهم وأعمامهم وعشائرهم لتدفعهم إلينا، فهم أعلم بما عابوا عليهم وعاينوه منهم. فقال النجاشى لجعفر وأصحابه: ما هذا الدين الذى اتبعتموه وفارقتم فيه دين قومكم، فلم تدخلوا في
[ ٣٤١ ]
ديتى ولا في دين أحد من الأمم؟ فقال جعفر: أيها الملك أمّا ما كنّا عليه فهو دين الشيطان؛ لأننا كنا قوما جاهلية، نكفر بالله ونأكل الميتة، ونأتى الفاحشة، ونقطع الأرحام، ونسىء الجار، ويأكل القوىّ منا الضعيف، وأما الدين الذى تحوّلنا إليه فدين الإسلام؛ فإن الله ﷿ بعث إلينا رسولا منا، نعرف صدقه وأمانته وعفافه، وهو الذى بشّر به عيسى ابن مريم ﵇ فقال: (ومبشرا برسول يأتى من بعدي اسمه أحمد)، فدعانا إلى الله ﷿ لنوحّده ونعبده ولا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة، (وعدّد إليهم أمور الإسلام)، وأمرنا بالمعروف ونهانا عن المنكر، وأن نخلع ما كنا نعبد نحن واباؤنا دونه من عبادة الأصنام من الحجارة والأوثان، فصدّقناه وآمنّا به، ومعه كتاب كريم مثل كتابكم الذى أنزل على عيسى بن مريم ﵇. فقال النجاشى: «تكلمات بأمر عظيم، فعلى رسلك»، ثم أمر بضرب الناقوس، فاجتمع إليه كل قسيس وراهب، فلما اجتمعوا عنده، قال لهم: أنشدكم الله الذى أنزل الإنجيل على عيسى؛ هل تجدون بين عيسى وبين القيامة نبيا مرسلا؟ فقالوا: اللهمّ نعم، قد بشّرنا عيسى ابن مريم ﵇، وقال: من امن به فقد امن بى، ومن كفر به فقد كفر بى. فقال النجاشى: ماذا يقول لكم هذا الرجل؟ وما يأمركم به؟ وما ينهاكم عنه؟ قالوا: يقرأ علينا كتاب الله ﷿، ويأمرنا بالمعروف وينهانا عن المنكر، ويأمرنا بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وصلة الرّحم، وبرّ اليتيم، وكفّ الأذى، والكف عن المحارم والدماء ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل اليتيم وقذف المحصنات، فحرّمنا ما حرّم علينا، وأحللنا ما أحلّ لنا، فعدا علينا قومنا، فعذّبونا وفتنونا عن ديننا ليردّونا إلى عبادة الأوثان عن عبادة الله ﷿، وأن نستحلّ من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشق علينا ذلك، وحالوا بيننا وبين ديننا؛ خرجنا إلى بلدك واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا أن لا نظلم عندك أيها الملك، فأعجب النجاشى قوله، ثم قال له: هل عندك مما جاء به عن الله من شىء؟ قال جعفر: نعم، فقال النجاشى: اقرأه عليّ. فقرأ عليهم سورة العنكبوت والروم ففاضت عين النجاشى وأصحابه من الدمع، وقالوا: زدنا يا جعفر من هذا الحديث الطيب. فقرأ عليهم سورة الكهف، فقال النجاشى: إن هذا الكلام والذى أنزل على عيسى ليخرجان من مشكاة واحدة. ثم أقبل على جعفر وأصحابه، وقال: مرحبا بكم وبمن جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه رسول الله الذى بشّر به
[ ٣٤٢ ]
عيسى، ولولا ما أنا فيه من الملك لأتيته حتّى أقبّل أعتابه، أمكثوا في أرضى ما شئتم. وأمر لهم بكسوة وطعام، وقال لعمرو بن العاص وصاحبه: انطلقا فو الله لا أسلمهم إليكما أبدا، ولا أكاد. فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لاتينهم غدا ولأعيبنّهم عنده بما استأصل به خفارتهم «١»، فقال له صاحبه- وكان اتقى الرجلين-: لا تفعل؛ فإنهم أرحامنا، وإن كانوا قد خالفونا، قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن المسيح ابن مريم عبد، فلما كان الغد غدا إليه فقال له:
أيها الملك، إنهم يقولون في المسيح قولا عظيما، فأرسل إليهم واسألهم. فأرسل إليهم، فلما دخلوا عليه، قال لهم: ما تقولون في عيسى بن مريم؟ [﵊] فقال له جعفر: نقول فيه الذى جاءنا به نبينا محمد ﷺ، هو عبد الله وروحه ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول. ثم قرأ عليهم صدرا من سورة مريم فبكى النجاشى حتّى اخضلت لحيته بدموعه، وبكا «٢» أساقفته حتّى اخضلت مصاحفهم «٣» حين سمعوا ما تلى عليهم، وقال: والله يا معشر القسيسين والرهبان ما يزيد فيما يقولون عن ابن مريم. ثم قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا فأنتم سيوم بأرضى (والسيوم: الامنون) من سبّكم أو اذاكم غرم، ثم من سبكم أو اذاكم غرّم [ثلاث مرات] وقال: أبشروا ولا تخافوا، فلا دهونة «٤» اليوم على حزب إبراهيم، فقال عمرو: يا نجاشى: ومن حزب إبراهيم؟ قال: هؤلاء الرهط، وصاحبهم الذى جاؤا من عنده ومن اتبعهم، فقال عمرو: بل نحن حزب إبراهيم، فاختصم الفريقان في إبراهيم، [فأنزل الله تعالى في ذلك اليوم على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة قوله تعالى: إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ [ال عمران: ٦٨]، فقال النجاشى: إنما هديتكم لى رشوة فاقبضوها، فو الله ما أخذ الله منى الرشوة حين ملّكنى. فخرجا من عنده خائبين مردودا عليهما ما جاا به، وأقام جعفر وأصحابه ثم في خير دار وأحسن جوار.
ويفهم من فيض عين النجاشى وأصحابه بالدموع حين سمع قراءة جعفر رضى
_________________
(١) الخفارة: شدة الحياء، والخفير: المجاور، والمجير، والمعنى أنه يستفزه فلا يجيرهم بعد ذلك فيطردهم، وذلك يذهب بهاء وجوههم في زعه.
(٢) فى الأصل «وبكوا أساقفته» .
(٣) المصاحف: الصحف التى يقرؤن فيها، ومنه سمى المصحف مصحفا لأنه يكتب في صحائف.
(٤) أى لا تحريض ولا أذى.
[ ٣٤٣ ]
الله عنه سورا من القران، أن له ولأصحابه معرفة بالعربية الفصيحة، فلعلّ بلاد هذا النجاشي المتملّك عليها هى الأراضى المجاورة لأرض اليمن، ويبعد أن تكون هذه السور ترجمت لهم من العربية بلسانهم، لأن الترجمة لا تؤثر في قلوبهم، حتى تفيض دموعهم، ويدلّ عليه فيض دموع الحبشة القادمين مع جعفر ﵁، لما تلا عليهم سورة يس، وقد تقدم في غزوة بدر أنّ غضب النجاشى على عمرو وأصحابه كان بحضور عمرو بن أمية الضمرى، وأن عمرو بن العاص طلب من النجاشى قتله! والخطب سهل؛ فلعل الواقعة تعددت، وبالجملة فالنتيجة واحدة: وهى أنه لم يقبل من عمرو بن العاص صرفا ولا عدلا في استجارة أصحابه ﷺ.
وروت أمّ سلمةرضي الله عنها- إذ نزل بالنجاشى من ينازعه في ملكه، قالت أم سلمة ﵂: فو الله ما علمنا حزنا قط أشد حزن حزناه عند ذلك تحرزا أن يظهر ذلك على النجاشى، فيأتى رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشى يعرفه، قالت: وسار النجاشى وبينهما ما عرض النيل «١»، قالت: فقال أصحاب رسول الله ﷺ: من يخرج حتّى يحضر وقعة القوم؟ فقال الزبير بن العوام: أنا، فنفخوا له قربة فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتّى خرج إليهم وحضرهم، ودعونا الله للنجاشى بالظهور على عدوه، والتمكن له في بلده، فظهر واستوثق عليه أمر الحبشة، فكنا عنده في خير منزل، حتى قدمنا على رسول الله ﷺ.
* وفي سنة ست من الهجرة بعث رسول الله ﷺ عمرو بن أمية الضّمرى- بفتح الضاد وسكون الميم- إلى النجاشى بكتاب يدعوه فيه إلى الإسلام، وكتب فيه ما صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم. من محمد رسول الله إلى النجاشى ملك الحبشة؛ أما بعد فإني أحمد إليك الله الذى لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن، وأشهد أنّ عيسى ابن مريم روح الله وكلمته، ألقاها إلى مريم البتول الطاهرة المطهّرة الحصينة، فحملت بعيسى، فخلقه من روحه ونفخه كما خلق ادم بيده ونفخه، وإنى أدعوك إلى الله واحده لا شريك له، والموالاة على طاعته، وأن
_________________
(١) لأن النيل بينهم وبين بلاد من بلاد السودان فقد كانت الحرب هناك.
[ ٣٤٤ ]
تتبعنى وتؤمن بى وبالذى جاءنى؛ فإني رسول الله، وقد بعثت إليكم ابن عمى جعفرا، ومعه نفر من المسلمين، فإذا جاؤك فأقرهم «١» ودع التحيّر؛ فإني أدعوك وجنودك إلى الله تعالى، وقد بلّغت ونصحت، فاقبل نصيحتى. والسلام على من اتبع الهدى» .
فلما وصل إليه الكتاب أخذه ووضعه على عينيه، ونزل عن سريره وجلس على الأرض تواضعا وقرأه، وقال: «أشهد بالله أنه النبى الأمى الذى ينتظره أهل الكتاب، وأن بشارة موسى براكب الحمار «٢» كبشارة عيسى براكب الجمل «٣»» .
فأسلم وحسن إسلامه، وكتب إلى رسول الله ﷺ بإجابته وتصديقه وإسلامه على يد جعفر كتابا صورته:
«بسم الله الرحمن الرحيم.. إلى محمد رسول الله ﷺ من النجاشى أصحمة بن أبحر: سلام عليك يا رسول الله من الله ورحمة الله وبركاته، لا إله إلا الله الذى هدانى للإسلام أما بعد فقد بلغنى كتابك يا رسول الله، فما ذكرت من أمر عيسى فورب السماء والأرض إن عيسى ما يزيد على ما ذكرت «ثفروقا» «٤»، وقد عرفت ما بعثت به إلينا، وقد قرّبنا ابن عمك وأصحابه، وإنى أشهد أنك رسول الله صادقا مصدقا، وقد بايعتك وبايعت ابن عمك، وأسلمت على يديه لله رب العالمين، وقد بعثت إليك يا نبى الله ابنى أريحا، وإن شئت أن اتيك بنفسى فعلت يا رسول الله، فإني أشهد أن ما تقول حق، والسلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته» .
[تنبيه] فتحصّل من ذلك أن النجاشى هذا هو أصحمة الذى هاجر إليه المسلمون في رجب سنة خمس من النبوة، وكتب إليه النبى ﷺ كتابا يدعوه إلى الإسلام مع عمرو بن أمية الضمرى سنة ست من الهجرة، وأسلم على يد جعفر بن أبى طالب ﵁، وتوفى في رجب سنة تسع من الهجرة، ونعاه النبى ﷺ يوم توفى، وصلّى عليه بالمدينة، وأما النجاشى الذى ولى بعده وكتب إليه النبى ﷺ يدعوه إلى الإسلام فكان كافرا لم يعرف إسلامه ولا اسمه، وقد خلط بعضهم ولم يميز بينهما.
_________________
(١) أى أحسن ضيافتهم.
(٢) عيسى ﵇.
(٣) محمد ﷺ.
(٤) الثفروق (بضم الثاء): قمع الثمرة أو ما يلتزق به قمعها.
[ ٣٤٥ ]
ولما خرج جعفر ﵁ من الحبشة لرسول الله ﷺ، بعث النجاشى أريحا ابنه في ستين رجلا من الحبشة إلى رسول الله ﷺ، فركبوا سفينة في أثر جعفر وأصحابه، حتى إذا كانوا في وسط البحر غرقوا، والحكمة في ذلك- والله ﷾ أعلم- لو أنهم جاؤا إلى رسول الله ﷺ، ووصلوا إليه، ربما كان الكفار والمنافقون يقولون: «إن محمدا ما به ملكة (أى قوة وسلطان) واشتد أزره بملك الحبشة وأصحابه»، فأراد الله تعالى أن يظهر للناس كافة أن قوة رسول الله ﷺ من قبله ﷿، لئلا يشك في ذلك أحد أن قوته من ملك أو سلطان أو وزراء أو أعوان كما هو مصرّح به في بعض الكتب المعتبرة. ووافى جعفر وأولاده الثلاثة عبد الله، ومحمد، وعون، ومن دخل في الإسلام هناك على رسول الله ﷺ في خيبر، فى سفينتين، وفيهم سبعون رجلا من الحبشة، عليهم ثياب الصوف، منهم اثنان وستون من الحبشة، وثمان من أهل الشام، فقرأ عليهم رسول الله ﷺ سورة يس إلى اخرها، فبكوا حين سمعوا القران، وآمنوا وقالوا: ما أشبه هذا بما كان ينزل على عيسى، فأنزل الله تعالى: وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى [المائدة: ٨٢]، يعنى وفد النجاشى الذين قدموا مع جعفر ابن أبى طالب، وكانوا من أهل الصوامع، وأما قوله تعالى: وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ «١» الاية.
قال ابن عباس ﵄ (فى رواية عطاء): يريد النجاشى وأصحابه، قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص [سورة مريم] ما زالوا يبكون حتّى فرغ جعفر من القراءة. كذا في تفسير البغوى رحمه الله تعالى.
ولما أقبل عليه ﷺ جعفر ﵁، قام ﷺ إلى جعفر وقبّله بين عينيه، وقال: ما أدرى بأيهما أسرّ بقدم جعفر أم بفتح خيبر؟.
وعن ابن عباس ﵄ لما قدم جعفر ﵁ من أرض الحبشة، اعتنقه النبىّ ﷺ وقبّله بين عينيه. وجعل ذلك أصلا لاستحباب المعانقة، وقال بعضهم إنها مكروهة، وحديث جعفر يحتمل أن يكون قبل النهى عنها، ولم يجب بذلك الإمام مالك ﵁؛ فإنه لما قدم سفيان بن عيينة رضى الله
_________________
(١) سورة المائدة: ٨٢.
[ ٣٤٦ ]
عنه فصافحه الإمام مالك، وقال: لولا أنها بدعة لعانقتك، فقال له سفيان: قد عانق من هو خير منك ومنى؛ النبى ﷺ، قال الإمام مالك: تعنى جعفر بن أبى طالب؟، قال نعم: قال: ذاك حبيب خاص، ليس بعام، أى فذلك من خصوصياته، فقال له سفيان: أتأذن لى أن أحدثك بحديثك؟ قال: نعم. فقال:
حدثنى فلان عن فلان عن ابن عباس ﵄، وذكر الحديث المتقدم عنه.
وأما المصافحة فقد جاء أن أهل اليمن لما قدموا المدينة صافحوا الناس بالسلام، فقال النبى ﷺ: إن أهل اليمن قد سنّوا لكم المصافحة، وقال: من تمام محبتكم المصافحة «١» .
ولما رأى جعفر رسول الله ﷺ حجل، أى مشى على رجل واحدة، إعظاما لرسول الله ﷺ؛ لأن الحبشة يفعلون ذلك للتعظيم، وكان رسول الله ﷺ يقول له:
«أشبهت خلقى وخلقى»، وفي لفظ «جعفر أشبه الناس بى خلقا وخلقا» وكان ﷺ يسميه «أبا المساكين» لأنه ﵁ كان يحب المساكين، ويجلس إليهم، ويحدّثثهم ويحدثونه، وذكر بعضهم أنه لما قال له ﷺ: «أشبهت خلقى وخلقى» رقص من لذة هذا الخطاب، ولم ينكر عليه ﷺ رقصه. وجعل ذلك أصلا لجواز رقص الصوفية عند ما يجدونه من لذة المواجدة في مجالس الذكر والسماع «٢» .
_________________
(١) وفي رواية: «من تمام التحية الأخذ باليد»، رواه الترمذى عن عبد الله بن مسعود.
(٢) لا لوم على المغلوب حقا، الذى سيطرت عليه لذة الذكر والسماع من وجد حقيقى لا ادعاء فيه، أما ما يتخذه شياطين اليوم من أدعياء التصوف فهو بدعة وضلالة، لا يرضاه الله ولا رسوله ولا المؤمنون، ولا من عنده ذرة من عقل.
[ ٣٤٧ ]
الفصل الثامن في ظواهر السنة الثامنة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة قدم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص وعثمان بن طلحة فأسلموا.
* وفيها (فى جمادى الأولى) غزوة مؤتة «١» وهى قرية من قرى البلقاء بالشام قبل الكرك، وهى أولى الغزوات بين المسلمين والروم، وكانت الروم والعرب المتنصرة في نحو مائة ألف.
وسبب هذه الغزوة أنه أرسل ﷺ الحارث بن عمير إلى ملك بصرى بكتابه، فعرض له بمؤتة عمرو بن شرحبيل الغسانى فقتله، ولم يقتل له ﷺ رسول غيره، فبعث ﷺ ثلاثة الاف، وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه، وقال: «إن أصيب فأميركم جعفر بن أبى طالب، فإن أصيب فأميركم عبد الله بن رواحة الأنصارى، فإن أصيب فسيفتح الله على يدى رجل من المسلمين» وأشار بيده إلى خالد بن الوليد «٢» . فلما التقوا مع الروم أخذ الراية زيد بن حارثة، حتى استشهد، ثم أخذ الراية جعفر فقاتل حتّى قطعت يده اليمنى، فأخذها بشماله فقاتل حتّى قطعت شماله، فحضن الراية وقاتل حتّى قتل ﵁، وسمّى «ذا الجناحين» لأنه ﷺ قال: «إن له جناحين يطير بهما حيث شاء من الجنة» .
ويحكى أنه وجد في مقدّمه أربعة وخمسون ما بين طعنة رمح وضربة سيف، وقتل في السنة الثامنة من الهجرة، وهو ابن نحو من أربعين سنة، وكان أسنّ، من أخيه علي بن أبى طالب ﵁، ودخلت فاطمة بنت رسول الله ﷺ تبكى وتقول: واعمّاه، فقال النبى ﷺ: «على مثل جعفر فلتبك البواكى» «٣»، ثم انصرف إلى أهله، وقال: «اتخذوا لال جعفر طعاما فقد شغلوا عن أنفسهم» وضمّ عبد الله بن جعفر إليه ومسح رأسه وعيناه تدمعان، وقال: «اللهم اخلف جعفرا في
_________________
(١) فى حدود الشام.
(٢) ولذلك أمر المسلمون خالدا حين قتل من ذكرهم رسول الله ﷺ ائتمارا بأمر رسول الله ﷺ.
(٣) ورواه ابن عساكر بلفظ: «على مثل جعفر فلتبك الباكية» .
[ ٣٤٩ ]
ذريته بأحسن ما خلفت به أحدا من عبادك الصالحين» وكان لجعفر من الولد:
عبد الله الجواد، وعون، ومحمد، استشهدوا بصفين، وقيل: إنهم قتلوا بالطفّ مع الحسين ﵇، وحمل ابن زياد رؤوسهم مع رأس الحسين إلى يزيد بن معاوية، ولم يكن لعون عقب.
ثم أخذ الراية عبد الله بن رواحة الأنصارى، فاستشهد، وفي أثناء استشهاد هؤلاء الصحابة الكرام كان ﷺ جالسا على المنبر وقد كشف الله له معتركهم، فكان يخبر باستشهاد كل واحد منهم ويصلى عليه، ويأمر أصحابه بالاستغفار له.
وفي «الصفوة» عن محمد بن جعفر قال: «فلما تجهّز الناس وتهيأوا للخروج إلى مؤتة، قال للمسلمين: «صحبكم الله ودفع عنكم السوء وردّكم مسالمين غانمين» فلما فصلوا من المدينة سمع العدو بمسيرهم، فجمعوا لهم وتهيّئوا لحربهم، وقام فيهم شرحبيل بن عمرو، فجمع نحو مائة ألف، وقدّم الطلائع أمامه، ولما نزلوا «معان» «١» من أرض الشام بلغهم أن هرقل قد نزل «ماب» من أرض «البلقاء» «٢» فى مائة ألف من الروم، وانضمت إليه المستعربة من: لخم، وجذام، والقين، وبلى، وبهراء، ووائل، فلما بلغ ذلك المسلمين أقاموا على «معان» ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب إلى رسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، إما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا فنمضى له. فشجعهم عبد الله بن رواحة فقال:
والله يا قوم إن الذى تكرهونه للذي خرجتم له تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعدة ولا قوة ولا كثرة، وما نقاتلهم إلا بهذا الدين الذى أكرمنا الله به؛ فانطلقوا فإنما هى إحدى الحسنيين؛ إما الظهور وإما الشهادة، قال الناس: قد والله صدق ابن رواحة، فمضوا لوجوههم.
وفي «الاكتفاء»: ثم مضى الناس حتّى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء، يقال لها «مشارف» «٣»، وانحاز المسلمون إلى «مؤتة» التى سميت الغزوة باسمها، فالتقى الناس عندها فتعبّى لهم المسلمون، فجعلوا على ميمنتهم رجلا من بنى عذرة يقال له: قطبة بن قتادة،
_________________
(١) معان: بالفتح: مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحى البلقاء.
(٢) البلقاء: كورة من أعمال دمشق، بين الشام ووادى القرى، قصبتها عمان.
(٣) قرية قرب حوران تنسب إليها السيوف المشرفية.
[ ٣٥٠ ]
وعلى ميسرتهم رجلا من الأنصار يقال له عبادة بن مالك، ثم التقى الناس فاقتتلوا، فقاتل زيد براية رسول الله ﷺ حتّى شاط «١» فى رماح القوم، ثم أخذها جعفر فقاتل حتّى إذا لحمه القتال اقتحم عن فرس له شقراء، ثم عرقبها «٢»، ثم قاتل القوم حتّى قتل رضى الله تعالى عنه، وهو يقول:
يا حبّذا الجنة واقترابها طيّبة وبارد ضرابها
والروم روم، قد دنا عذابها علىّ إذ لاقيتها ضرابها
وقد سبق ذكر هذه الغزوة عند الكلام على قيصر هرقل- فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
* وفي هذه السنة- على ما في أسد الغابة- أو السابعة، أو التاسعة من الهجرة، اتخذ المنبر لرسول الله ﷺ من أثل الغابة، وفي رواية: من طرفاء الغابة، للخطبة، وهى الكلام المنثور المسجع، وهو أوّل منبر عمل في الإسلام.
* وفيها كان مولد إبراهيم ابن النبى ﷺ، وهو ثالث أولاده.
* وفيها وفاة زينب بنته ﷺ، وهى أكبر بناته ﷺ.
* وفي هذه السنة كان نقض الصلح، وغزوة فتح مكة الذى هو أعظم الفتوح الإسلامية؛ لأن الله أعز دينه ورسوله وجنده وحرمه وبلده وبيته، واستبشر به أهل السماء، وضرب أطناب عزه على مناكب الجوزاء، ودخل الناس في دين الله أفواجا، وأشرق به وجه الدهر ضياء وابتهاجا، وأزال الله به الشرور، وزاد به المصطفى السرور، وذلك أن بنى بكر بن عبد مناف اعتدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة يقال له «الوتير» «٣» وكان في صلح الحديبية أنه «٤» لا يتعرض لمن دخل في عقد قريش، ولا يتعرضون لمن دخل في عقده، يعنى اصطلحوا على وضع الحرب بين الناس عشر سنين، يأمن فيها الناس، ويكف
_________________
(١) شاط بمعنى «قتل» ﵁.
(٢) أى قطع عرقوبها وهو ما يوازى الركبة. وفعل ذلك حتّى لا تفرّ.
(٣) وقيل: هو ما بين عرفة إلى أدام، كذا في مراصد الإطلاع.
(٤) أى الرسول ﷺ.
[ ٣٥١ ]
بعضهم عن بعض، وأنه من أحب أن يدخل في عقد رسول الله ﷺ وعهده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عقد قريش وعهداهم دخل فيه، وكانت خزاعة ممن دخل في عهد النبى ﷺ وعقده، وبنو بكر ممن دخل في عهد قريش وعقدهم، وكانت بينهم حروب في الجاهلية، فكلمات بنى بكر أشراف قريش أن يعينوهم على خزاعة بالرجال والسلاح، فواعدوهم ووافوهم متنكرين، فبيّتوا خزاعة، أى جاؤا ليلا بغتة فقتلوا منهم عشرين، ثم ندمت قريش على ما فعلوا، وعلموا أن هذا نقض للعهد الذى بينهم وبين رسول الله ﷺ، وخرج عمرو بن سالم الخزاعى في طائفة من قومه، حتى قدموا عليه ﷺ المدينة مستغيثين، وكان ذلك مما هاج فتح مكة، فوقف عمرو على رسول الله ﷺ وهو جالس في المسجد، وأنشده أبياتا، وهى:
لاهم إنّى ناشد محمّدا حلف أبينا وأبيه الأتلدا
فوالدا كنّا وكنت الولدا وواحدا كنت وكنّا العددا
إنّ قريشا أخلفوك الموعدا ونقضوا ميثاقك المؤكّدا
وزعموا أن لست تدعو أحدا وهم أذلّ وأقلّ عددا
هم بيّتونا بالوتير هجّدا وقتلونا ركّعا وسجّدا
فانصر هداك الله نصرا أبدا وادع عباد الله يأتوا مددا
فلما سأله بهذه الأبيات أن ينصره، قال له ﷺ: «نصرت يا عمرو بن سالم» ودمعت عيناه ﷺ، وقال «لا ينصرنى الله إن لم انصر بنى كعب مما أنصر به نفسى»، وبنو كعب هم خزاعة. ثم قدم بديل بن ورقاء الخزاعى في نفر من خزاعة عليه ﷺ فأخبروه بما أصيب منهم، ومظاهرة قريش بنى بكر عليهم، ثم انصرفوا راجعين إلى مكة، وقد كان رسول الله ﷺ قال للناس: «كأنكم بأبى سفيان، وقد جاء ليشدّد في العقد ويزيد في المدة، وقد وهبوا الذى صنعوا» فلما لقى أبو سفيان بديلا، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ فظن أنه رسول الله، قال:
سرت إلى خزاعة في هذا الساحل، وفي بطن هذا الوادى، قال: أو ما أتيت محمدا؟ قال: لا. فلما راح بديل مكة، قال أبو سفيان: لئن كان بالمدينة لقد علف بها. فعمد إلى منزل ناقته، فأخذ من بعرها ففتّه، فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمدا، ثم خرج أبو سفيان حتّى قدم المدينة ليجدّد العهد،
[ ٣٥٢ ]
فدخل على ابنته أم حبيبة (أم المؤمنين زوج النبى ﷺ) فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله ﷺ طوته عنه، فقال: يا بنية ما أدرى، أرغبت بى عن هذا الفراش، أم رغبت به عنى؟ قالت: بل هو فراش رسول الله ﷺ، وأنت رجل مشرك نجس، وما أحب أن تجلس على فراش رسول الله ﷺ، قال: والله لقد أصابك بعدي يا بنية شرّ. ثم خرج وأتى النبى ﷺ فكلمه، فلم يرد عليه شيئا، فذهب إلى أبى بكر، ثم إلى عمر، ثم إلى على رضوان الله عليهم على أن يكلموا رسول الله ﷺ في أمره، وتشفّع بهم، فلم يفعلوا، ثم قال لفاطمة أن تأمر ابنها الحسين (وهو غلام يدب بين يدى أبويه) حتى يجير له، فأبت، فقال لعلى كرم الله وجهه: يا أبا الحسن، إنى أرى الأمور قد اشتدت عليّ فانصحنى، فقال: والله لا أعلم شيئا يغنى عنك، ولكنك سيد بنى كنانة، فقم فأجر بين الناس (أى اطلب الأمان) ثم الحق بأرضك، قال له: أو ترى ذلك يغنى عنى شيئا؟ قال: لا والله، ما أظنه، ولكن لا أجد لك غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: يا أيها الناس إنى قد أجرت بين الناس. ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قدم على قريش قالوا: ما وراءك؟ فقص ما جرى له مع أبى بكر وعمر وعلى، وأنه قد أجار بين الناس، فقالوا: هل أجاز محمد ذلك؟ قال: لا، قالوا:
والله إن الرجل (يعنون عليا) أراد اللعب بك، فما يغنى عنّا ما قلت، قال: لا والله ما وجدت غير ذلك.
ثم أمر ﷺ بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه، ولم يعلموا به أحدا، ثم أعلم الناس بأنه يريد مكة، وقال: «اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتّى نبغتهم فى بلادهم» (أى نأخذهم بغتة أى على حين غفلة من قبل أن يعلموا به)، فكتب حاطب بن أبى بلتعة كتابا إلى أهل مكة، وبعثه مع سارة مولاة بنى هاشم، يعلمهم بذلك، فأطلع الله رسوله على ذلك، وأرسل عليا والزبير، وأخذا منها الكتاب، فقال لحاطب: ما حملك على هذا؟ فقال: والله إنى مؤمن، ما كفرت منذ أسلمت، ولا غششتك منذ صحبتك، ولكن لى بين أظهرهم أهل وولد، وليس لى عشيرة، فصانعتهم، فقال عمر: دعنى يا رسول الله أضرب عنقه فإنه منافق، فقال ﷺ: «إنه شهد بدرا، وما يدريك لعل الله قد اطّلع على أهل بدر، فقال لهم: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم» ففاضت عينا عمر، فأنزل الله ﷿ في حاطب يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ
[ ٣٥٣ ]
أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ [الممتحنة: ١] الاية، وبعث رسول الله ﷺ إلى من حوله من الأعراب فجلبهم، وهم: أسلم، وغفار ومزينة، وجهينة، وأشجع، فمنهم من وافاه بالمدينة، ومنهم من لحقه بالطريق، واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم، وقد أهدر ﷺ دم سارة حاملة كتاب حاطب بعد الفتح.
ثم خرج رسول الله ﷺ من المدينة لعشرة مضت من رمضان ومعه المهاجرون والأنصار، عامدا إلى مكة، فكان جيشه عشرة الاف، فصام وصام الناس معه، حتى إذا كان «بالكديد» «١» وهو الماء الذى بين قديد «٢» وعسفان «٣» أفطر، فلم يزل مضطرا حتّى انسلخ الشهر، وبلغ ذلك قريشا، فخرج أبو سفيان ابن حرب، وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء يتجسسون الأخبار، وكان العباس ﵁ أسلم قديما، وكان يكتم إسلامه، فخرج بعياله مهاجرا، فلقى رسول الله ﷺ بالحجة «٤» وقيل بذى الحليفة، ثم حضر أبو سفيان بن حرب على يد العباس إلى النبى ﷺ بعد أن استأمن له، فأسلم معه حكيم بن حزام وبديل بن ورقاء.
وفي رواية عروة: لما دخل أبو سفيان مع العباس على رسول الله ﷺ صبيحة أسلم، قال أبو سفيان يا محمد إنى قد استنصرت إلهى واستنصرت أنت إلهك، فو الله ما لقيتك من مرة إلا ظهرت عليّ فلو كان إلهى محقّا وإلهك مبطلا لظهرت عليك» . فشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا رسول الله.
وممن أسلم يومئذ معاوية بن أبى سفيان وأخوه يزيد، وأمه هند بنت عتبة، وكان معاوية يقول: إنه أسلم يوم الحديبية، فكتم إسلامه عن أبيه وأمه، وقال العباس: يا رسول الله إن أبا سفيان يحب الفخر فاجعل له شيئا يكون في قومه،
_________________
(١) الكديد: موضع بالحجاز على اثنين وأربعين ميلا من مكة. بين عسفان وأمج. وفي هامش المراصد: «فى ياقوت: ويوم الكديد من أيام العرب» .
(٢) قديد: بضم القاف: قرب مكة.
(٣) عسفان: منهلة من مناهل الطريق، بين الجحفة ومكة.
(٤) كانت قرية كبيرة ذات منبر (أى مسجد جامع به منبر) على طريق مكة، على أربع مراحل، وهى ميقات أهل مصر والشام وسميت الجحفة لأن السيل جحفها، (أى أضر السيل بأهلها) وكان اسمها (مهيعة) بينها وبين البحر ستة أميال، وبينها وبين «غدير خمّ» ميلان.
[ ٣٥٤ ]
فقال ﷺ: «من دخل دار أبى سفيان فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن أغلق عليه بابه فهو امن» فلما ذهب أبو سفيان لينصرف قال رسول الله ﷺ:
احبسه يا عباس بمضيق الوادى، حتى تمر به جنود الله تعالى فيراها، قال:
فخرجت به حتّى حبسته حيث أمرنى رسول الله ﷺ، ومرّت به القبائل على راياتها، كلما مرت قبيلة كبّرت ثلاثا عند محاذاته، قال: من هؤلاء يا عباس؟
فأقول: سليم، فيقول: ما لى ولسليم، ثم تمر مرت القبيلة فيقول: من هؤلاء فأقول:
مزينة، فيقول: ما لى ولمزينة، ثم مرت بنو غفار- بكسر الغين المعجمة- ثم أسلم، ثم بنو كعب، ثم جهينة، ثم كنانة، ثم أشجع، لا تمر قبيلة إلا سألنى عنها فإذا أخبرته، فيقول: ما لى ولبنى فلان؟ حتى مر رسول الله ﷺ في كتيبته الخضراء. - وإنما قيل لها الخضراء لكثرة الحديد وظهوره فيها، والعرب تطلق الخضرة على السواد، كما تطلق السواد على الخضرة «١» - المهاجرون والأنصار، لا يرى منهم إلا الحدق من الحديد، لأن فيها ألفى دارع «٢»، فلما رأى ذلك أبو سفيان قال: سبحان الله، من هؤلاء يا عباس؟ قلت: هذا رسول الله ﷺ في المهاجرين والأنصار، قال: ما لأحد بهؤلاء من قبل ولا طاقة، والله يا أبا الفضل لقد أصبح ملك ابن أخيك عظيما، قلت: ويحك يا أبا سفيان إنها النبوّة. قال:
فنعم إذا، فقلت: الحق الان بقومك فحذّرهم. فخرج سريعا حتّى إذا جاءهم، فصرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به.
قالوا: فمه؟ قال: فمن دخل دار أبى سفيان فهو امن، قالوا: ويحك وما تغنى دارك عنّا شيئا، قال: فمن أغلق عليه بابه فهو امن، ومن دخل المسجد فهو امن، ومن ألقى السلاح فهو امن. فتفرّق الناس إلى دورهم وإلى المسجد، واستثنى ﷺ جماعة أمر بقتلهم، وإن وجدوا متعلقين بأستار الكعبة، وبهذا استدلّ على أن مكة فتحت صلحا لا عنوة، وبه قال الإمام الشافعى.
وفي بعض السير: لقى رسول الله ﷺ ببعض الطرق بالأيواء أبا سفيان بن عمه الحارث بن عبد المطلب، وعبد الله بن أبى أمية بن المغيرة- ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب- فأعرض عنهما ﷺ، فجاء إليه أبو سفيان وعبد الله بن أمية من
_________________
(١) فى مختار الصحاح: وربما سموا الأسود أخضر. وقوله تعالى: مُدْهامَّتانِ قالوا: خضراوان؛ لأنهما يضربان إلى السواد من شدة الرى.
(٢) أى حامل درع.
[ ٣٥٥ ]
قبل وجهه، فقال ﷺ: «لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين» وقبل منهما إسلامهما، فأنشده أبو سفيان معتذرا إليه بأبيات، فضرب رسول الله ﷺ على صدره وقال: «أنت طردتنى كلّ مطّرد» . وكان أبو سفيان بعد ذلك ممن حسن إسلامه؛ فقيل: إنه ما رفع رأسه إلى رسول الله ﷺ منذ أسلم حياء منه، وكان ﷺ يحبه ويشهد له بالجنة، ويقول: أرجو أن يكون خلفا من حمزة «١»، وقال ﷺ لأبى سفيان بن الحارث حين جاء مسلما بعد أن كان عدوا له كثير الهجاء:
«كلّ الصيد في جوف الفرا «٢»» (وهو بفتح الفاء حمار الوحش، والمعنى أن حمار الوحش من أعظم ما يصاد، وكل صيد دونه، كما أنك من أعظم أهلى وأمسّهم رحما بى، ومن أكرم من يأتينى وكلّ دونك) وكان أبو سفيان يشبه رسول الله ﷺ من جملة من يشبهونه، وهم ستة، والباقى: جعفر بن أبى طالب، والحسن بن على، وقثم بن العباس، والسائب بن عبيد بن عبد الله بن نوفل بن هشام بن عبد المطلب بن عبد مناف، وعبد الله بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب.
ثم أمر ﷺ أن تركز راية سعد بن عباد بالحجون «٣» لما بلغه أنه قال: «اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحلّ الكعبة» فقال: «كذب سعد، ولكن هذا يوم يعظّم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة»، فمن هنا يعلم أنه ﷺ كما سعى في العمار الحسى سابقا، سعى في العمار المعنوى لاحقا. ونعم ما قال سادة الأوّل: أوّل الفكر اخر العمل، فالساعى في التعمير يستحيل أن يكون سببا في التدمير، لا سيما البشير النذير، أو ليس أنه ﷺ كان في بناء قريش للكعبة يشتغل في بنائها بنفسه معهم،
_________________
(١) وكان ﵊ يقول فيه: «أبو سفيان بن الحارث خير أهلى» رواه الطبراني والحاكم عن أبى حبة البدرى. وروى الحاكم وابن سعد عن عروة مرسلا قوله ﷺ: «أبو سفيان ابن الحارث سيد فتيان أهل الجنة» .
(٢) رواه الرامهرمزى في الأمثال عن نصر بن عاصم الليثى قال: «أذن رسول الله ﷺ لقريش وأخّر أبا سفيان، ثم أذن له، فقال- أى أبو سفيان-: ما كدت تأذن لى حتّى كانت تأذن لحجارة الجلهمتين (بضم الجيم وسكون اللام وبضم الهاء: اسم مكان) قبلى؟ قال: وما أنت وذاك يا أبا سفيان، إنما أنت كما قال الأوّل: «كلّ الصيد في جوف الفرا» . ورواه العسكرى أيضا قريبا من هذا اللفظ، والله تعالى أعلم.
(٣) مكان بأعلى مكة عند مقبرتها. وقال الأصمعى: الحجون هو الجبل المشرف الذى بحذاء مسجد البيعة على شعب الجزارين- قاله ياقوت الحموى-.
[ ٣٥٦ ]
وأنه لما اختير حكما حين اختصمت القبائل في رفع الحجر إلى موضعه، كان هو الاخذ بالثوب وواضعه بالركن، والامر للإصلاح بأخذ كل قبيلة طرفا من الثوب ورفعه إلى ما يحاذى موضعه، والمتناول للحجر من الثوب، والواضع له بيده الشريفة في محله، فحقّ على من يرفع بنيانها أن يرفع شأنها.
ثم أمر ﷺ أن يدخل الزبير ببعض الناس من كداء»
، وسعد بن عبادة سيد الخزرج ببعض الناس من ثنية كدّى «٢» وأمر عليّا أن يأخذ الراية منه فيدخل بها لما بلغه من قول سعد: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الكعبة، وأمر خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء في بعض الناس، وكل هؤلاء الجنود لم يقاتلوا؛ لأن النبى نهى عن القتل، إلا أن خالد بن الوليد لقيه جماعة من قريش فرموه بالنبل ومنعوه من الدخول فقاتلهم خالد وقتل من المشركين ثمانية وعشرين رجلا، فلما علم النبى ﷺ بذلك قال: ألم أنهكم عن القتال؟ فقالوا له:
إن خالدا قوتل فقاتل. وقتل من المسلمين رجلان، ودخل النبى ﷺ مكة من كداء وهو على ناقته يقرأ سورة الفتح ويرجّع «٣» .
وكان دخوله ﷺ مكة يوم الاثنين، ووضع الحجر يوم الاثنين، وخرج من مكة مهاجرا يوم الاثنين، ودخل المدينة يوم الاثنين، ونزلت عليه سورة المائدة يوم الاثنين.
وعن عائشة ﵂: كان لواؤه يوم فتح مكة أبيض، ورايته سوداء تسمّى العقاب، وهى التى كانت بخيبر.
وعنها رضى الله تعالى عنها أنها قالت: دخل رسول الله ﷺ يوم الفتح من كداء [بفتح الكاف والمدّ والتنوين: جبل بأعلى مكة] وهذا هو المعروف، خلافا لمن قال: إنه دخل من أسفل مكّة، وهى ثنية كدّى [بضم الكاف والقصر والتنوين] وعند الخروج خرج ﷺ من هذه، وبهذا استدل على أنه يستحب
_________________
(١) اسم مكان بأسفل مكة خرج منه النبى من مكة، وهى بضم الكاف.
(٢) اسم مكان ثنية بأعلى مكة، عند المحصب، وهو بفتح الكاف.
(٣) الترجيع: الترديد في القراء وإعادة الايات. أغلب العلماء على أن رجيعه إنما كان من أثر اهتزاز الناقة، ولكن الصحابة ﵃ كانوا يأخذون عنه كل شىء دون النظر إلى الأسباب. والله أعلم.
[ ٣٥٧ ]
دخول مكة من الأولى والخروج منها من الثانية، واغتسل ﷺ لدخول مكة، وبه استدل على استحباب الغسل لداخل مكة ولو حلالا، وكان شعار المهاجرين «يا بنى عبد الرحمن» وشعار الخزرج «يا بنى عبد الله» وشعار الأوس «يا بنى عبيد الله» أى شعارهم الذى يعرف به بعضهم بعضا في ظلمة الليل، عند اختلاط الحرب، لو وجد.
وبعث النبى ﷺ السرايا إلى الإصنام التى حول مكة فكسرها، ونادى مناديه بمكة: «من كان يؤمن بالله واليوم الاخر فلا يدع في بيته صنما إلا كسره»، وكذلك إلى الناس يدعوهم إلى الإسلام، ولم يأمرهم بقتال، وكانت بنو جذيمة قد قتلوا في الجاهلية عوفا أبا عبد الرحمن، وعم خالد- كانا أقبلا من اليمن- وأخذوا ما معهما، وكان من السرايا التى بعثها ﷺ تدعو إلى الإسلام سرية مع خالد بن الوليد، فنزل على ماء لبنى جذيمة فأقبلوا بالسلاح، فقال لهم خالد:
ضعوا السلاح فإن الناس قد أسلموا، فوضعوه، فدعاهم إلى الإسلام فلم يحسنوا أن يقولوا: أسلمنا، فجعلوا يقولون: صبأنا صبأنا، فأمر بهم خالد فكتفوا، ثم عرضهم على السيف فقتل من قتل «١» منهم، فلما بلغ النبى ﷺ ذلك رفع يديه إلى السماء حتّى بان بياض إبطيه، وقال: «اللهم إنى أبرأ إليك مما صنع خالد» [مرتين] ثم أمر عليا ﵁ أن يؤدى لهم الدماء والأموال، ففعل «٢» ذلك، ثم سألهم: هل بقى لكم دم أو مال؟ قالوا: لا، وكان قد فضل مع عليّ قليل مال، فدفعه إليهم زيادة تطيبا لقلوبهم، فأعجب النبى ﷺ ذلك.
وأنكر عبد الرحمن بن عوف على خالد فعله «٣»، فقال خالد: ثأرت أباك،
_________________
(١) ظن سيدنا خالد ﵁ أنهم خرجوا إلى دين الصابئة: جنس من أهل الكتاب، ومن القول الفاحش اتهام سيدنا خالد بأنه خالف أمر رسول الله ﷺ لضغينة في نفسه من هؤلاء الناس، ولا يعتقد هذا إلا جاهل أو مدخول في عقيدته. والله تعالى أعلم.
(٢) وهذا دليل اخر على براءة سيدنا خالد، فإن الدية لا تؤدى إلا في الخطأ، أما العمد ففيه القصاص؛ لأنهم مسلمون.
(٣) وإنما لامه سيدنا عبد الرحمن بن عوف لأنه كان يعرف أن القوم قد أسلموا وخالد يجهل ذلك منهم، ولو علم ما فعل هذا أبدا، وقول خالد: ثأرت أباك، إنما يريد أن يبرد قلب عبد الرحمن حتى يخفف عبد الرحمن عنه اللوم. وقول رسول الله ﷺ: «يا خالد دع عنك أصحابى» إنما أراد رسول الله ﷺ- والله تعالى أعلم أن يبين مكانة السابقين في الإسلام، فإن السابقين لهم فضلهم ومكانتهم فلا يجترئ- عليهم أحد مهما كان. وهذا الذى نقوله وندين به لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.
[ ٣٥٨ ]
فقال عبد الرحمن: بل ثأرت عمك الفاكه، وفعلت فعل الجاهلية في الإسلام.
وبلغ رسول الله ﷺ خصامهما، فقال: «يا خالد دع عنك أصحابى، فو الله لو كان لك أحد ذهبا ثم أنفقته في سبيل الله تعالى ما أدركت غدوة أحدهم ولا روحته» .
وكان فتح مكة يوم الجمعة لعشر بقين من رمضان، ودخل النبى ﷺ مكة وملكها عنوة بالسيف، وإلى ذلك ذهب مالك وأصحابه، وهو الصحيح من مذهب أحمد ﵁، وقال أبو حنيفة والشافعى رضى الله تعالى عنهما إنها فتحت صلحا «١» .
ولما دخل ﷺ مكة وكان حول البيت ثلاثمائة وستون صنما مشدودة بالرصاص، لكل حى من أحياء العرب صنم، وكان هبل أعظمها، وهو على باب الكعبة، فلما طاف جعل يشير بقضيب في يده إليها ويقول: - جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا- فما أشار لصنم إلا وقع لوجهه، وفي ذلك قال تميم الخزاعى:
ففى الأصنام معتبر وعلم لمن يرجو الثواب أو العقابا
ثم أمر ﷺ بهبل فكسر، وهو واقف عليه.
وروى أن الزبير بن العوام قال لأبى سفيان: إن هبل الذى كنت تفتخر به يوم أحد قد كسر، قال: دعنى ولا توبّخنى، لو كان مع إله محمد إله اخر لكان الأمر غير ذلك.
ويقال: إن رسول الله ﷺ لما دخل مكة يوم الفتح كان بها من الأصنام ثلاثمائة وستون صنما حول الكعبة، منها إساف ونائلة، فكسّرا مع الأصنام.
وفي ذلك يقول فضالة الليثى:
لو رأيت محمدا وجنوده بالفتح يوم تكسّر الأصنام
لرأيت نور الله أصبح بيّنا والشّرك يغشى وجهه الإظلام
وكان عليه ﷺ لما دخل مكة عمامة سوداء، فوقف على باب الكعبة، وقال:
لا إله إلا الله واحده لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب واحده»، ثم ذكر ﷺ خطبة بيّن فيها جملة من الأحكام، منها: ألايقتل مسلم بكافر، ولا يتوارث أهل ملّتين مختلفتين، ولا تنكح المرأة على عمتها ولا على
_________________
(١) انظر ص ٣٥٥ في القول بأن مكة فتحت صلحا لا عنوة.
[ ٣٥٩ ]
خالتها، والبينّة على المدعى واليمين على من أنكر، ولا تسافر امرأة مسيرة ثلاثة ليال إلا مع ذى محرم، ولا صلاة بعد العصر وبعد الصبح، (أى من النوافل)، ولا يصام يوم الأضحى ولا يوم الفطر.
ثم قال: يا معشر قريش إنّ الله أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعاظمها بالاباء، الناس من ادم، وادم من تراب ثم تلا هذه الاية: يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوبًا وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا الاية، ثم قال: يا معشر قريش، فاجتمع به المشركون في المسجد الحرام ايسين من أرزاقهم، فجاء رسول الله ﷺ حتّى دخل المسجد الحرام، وأحاط جيشه بالمسجد، ودخل معه خواصه، وفتح له باب الكعبة حتّى دخل وصلّى بها، وأقام الخواص حول رسول الله ﷺ وأيديهم على مقابض سيوفهم، وهم ينتظرون أمره بوضع السيف في أعدائهم، فخرج رسول الله ﷺ، وقام على عتبة الباب، وأقبلت قريش وهم منكسو رؤسهم خوفا وحزنا، فقال: «يا أهل مكة بئس العشير كنتم لنبيكم، كذّبتمونى وصدّقنى الناس، وأخرجتمونى واوانى الناس، وقاتلتمونى ونصرنى الناس، والان قد أظهرنى الله عليكم كما ترون، فما ترونى فاعلا بكم؟ فقام سهيل بن عمرو- وهو كان من رؤساء قريش- وقال: يا محمد أنت أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت؛ إن عذّبتنا فبجرم عظيم، وإن عفوت عنا فبحلم قديم.
فتبسم رسول الله ﷺ في وجوههم، وقال: «بل أقول مثل ما قال أخي يوسف ﵇: «لا تثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم» اذهبوا فأنتم الطلقاء» «١» فأعتقهم ﷺ جميعا ولم يسب ذراريهم، وكان الله قد أمكنه منهم، فكانوا له فيئا، فبذلك سمى أهل مكة الطلقاء، أى الذين أطلقوا فلم يسترقوا، ولم يؤسروا، والطليق هو الأسير إذا أطلق.
وروى أن عائشة ﵂ نذرت إن فتح الله مكة على رسول الله ﷺ تصلّى في البيت ركعتين، فلما فتحت مكة وحجّ رسول الله ﷺ حجة الوداع سألت النبى ﷺ أن يفتح لها باب الكعبة ليلا لتوفى
_________________
(١) لما كان فتح مكة ورسول الله ﷺ بمكة أرسل إلى صفوان بن أمية، وإلى أبى سفيان بن حرب، وإلى الحارث بن هشام، قال عمر بن الخطاب: فقلت: «قد أمكن الله منهم لأعرفهم بما صنعوا» حتى قال رسول الله ﷺ: «مثلى ومثلكم كما قال يوسف لإخوته: لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ، الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ قال عمر: فانفضحت حياء من رسول الله ﷺ كراهية أن يكون بدر منى، وقد قال لهم رسول الله ﷺ ما قال» . (والحديث أخرجه ابن عساكر) .
[ ٣٦٠ ]
نذرها، فجاء عثمان بن طلحة ﵁ بالمفتاح إلى رسول الله ﷺ، وقال: يا رسول الله، إنها لم تفتح ليلا قط، قال: فلا تفتحها. ثم أخذ رسول الله ﷺ بيدها وأدخلها الحجر، وقال: «صلّى هاهنا؛ فإن الحطيم (أى الحجر) من البيت، إلا أن قومك قصرت بهم النفقة (أى الحلال) فأخرجوه من البيت، ولولا حدثان قومك بالجاهلية لنقضت بناء الكعبة، وأظهرت قواعد الخليل، وأدخلت الحطيم في البيت، وألصقت العتبة على الأرض، ولئن عشت إلى قابل لأفعلن ذلك» ولم يعش ﷺ، ولم تتفرغ الخلفاء لذلك «١» .
ولما اطمأن الناس خرج رسول الله ﷺ إلى الطواف؛ فطاف بالبيت سبعا على راحلته، واستلم الركن، ودخل الكعبة ورأى فيه الشخوص على صور الملائكة، وصورة إبراهيم وفي يده الأزلام يستقسم بها، فقال ﷺ: «قاتلهم الله جعلوا شيخنا يستقسم بالأزلام! ما شأن إبراهيم والأزلام؟! ما كان إبراهيم يهوديا ولا نصرانيا، ولكن كان حنيفا مسلما، وما كان من المشركين» ثم أمر بتلك الصور فطمست، وصلّى في البيت، ثم جلس على الصفا فاجتمع الناس لبيعته على الإسلام، فكان يبايعهم على السمع والطاعة لله ولرسوله، فبايع الرجال، ثم النساء «٢» .
روى أن النبى ﷺ عهد إلى أمرائه حين أمرهم أن يدخلوا مكة ألايقاتلوا إلا من قاتلهم، إلا أحد عشر رجلا وست نسوة، فإنه أمر بقتلهم أينما ثقفوا من الحل والحرم، وإن وجدوا تحت أستار الكعبة.
أما الرجال الأحد عشر: فأحدهم عبد الله بن خطل (رجل من بنى تميم بن غالب بن فهر، وقد كان قدم بالمدينة قبل فتح مكة وأسلم، وكان اسمه عبد
_________________
(١) بل إنهم قد نهوا عن ذلك، لئلا يتخذه الملوك لعبة لهم، كلما جاء ملك جدد، فهدم وبني، وبيت الله ينزه عن ذلك، كما قال عبد الله بن عباس لابن الزبير ﵄- حينما كان محصورا بمكة من قبل الحجاج بن يوسف، وأصاب الكعبة المنجنيق- فقال عبد الله بن عباس: دعها على ما أقرّها رسول الله ﷺ، فإني أخشى أن يأتى بعدك من يهدمها، فلا تزال تهدم وتبني، فيتهاون الناس بحرمتها، ولكن ارفعها. (انظر الجامع اللطيف في فضل مكة والبيت الشريف ص ٨٦) .
(٢) كانت مبايعته للنساء كلاما باللسان فقط.
[ ٣٦١ ]
العزّي، فغيّر النبى ﷺ اسمه وسمّاه عبد الله) .
والثانى عبد الله بن سعد بن أبى سرح، أخو عثمان بن عفان من الرضاعة، فبالغ عثمان في شفاعته، ثم قال بعد ما أعرض عنه النبى ﷺ مرارا: يا رسول الله أمّنته ﷺ فصمت طويلا، ثم أمّنه، فأسلم، وقال ﷺ: إنما صمتّ ليقوم أحدكم فيقتله، فقالوا: هلّا أو مأت إلينا؟ فقال: إن الأنبياء لا تكون لهم خائنة الأعين ﷺ وكان أسلم قبل الفتح، وكتب الوحي لرسول الله ﷺ، فكان يبدّل القران، ثم ارتدّ وهرب إلى مكة، ثم أسلم يوم الفتح وعاش إلى خلافة عثمان، وولّاه مصر «١» ﷺ والثالث: عكرمة بن أبى جهل، استأمنت له زوجته أمّ حكيم، وجاء عكرمة حتى وقف بحذاء رسول الله ﷺ، وقال: يا محمد إن هذه أخبرتنى أنّك أمّنتني، فقال رسول الله ﷺ: «صدقت فإنك امن»، فقال عكرمة: أشهد ألاإله إلا الله واحده لا شريك له وأنك عبد الله ورسوله ﷺ
والرابع الحويرث بن نفيل، كان يؤذى رسول الله ﷺ ويهجوه، فقتله عليّ ﵁ ﷺ
والخامس: المقيس- بكسر الميم وسكون القاف وفتح المثناة التحتية واخره سين مهملة- هو ابن صبابة الكندى- بالصاد المهملة المضمومة وبالمواحدتين- وجرمه أن أخاه هشام بن صبابة، قدم المدينة وأسلم، وكان مع النبى ﷺ في غزوة المريسيع، فظن أنصارى من بنى عمرو بن عوف أنه مشرك فقتله خطأ؛ فقدم مقيس المدينة يطلب دم أخيه ﷺ فأمر النبى ﷺ الأنصارى بالدية، فعقل ديته، فأسلم مقيس، وبعد ما أخذ الدية قتل الأنصارى وارتد ورجع إلى مكة مشركا ﷺ
والسادس: هبّار بن الأسود، وكان كثيرا ما يؤذى رسول الله ﷺ يوم بدر،
_________________
(١) وكان إسلامه في المرة الثانية عن عقيدة صحيحة والحمد لله رب العالمين. ذكر الذهبى في تاريخ الإسلام ص ١٣٨ ج ٣ (خلافة الصديق- خلافة علي) أنه لما احتضر قال: اللهم اجعل اخر عملى صلاة الصبح، فلما طلع الفجر توضأ وصلّي، فلما ذهب يسلّم عن يساره فاضت نفسه ﵁.
[ ٣٦٢ ]
فعرض هبار مع جماعة لطريق زينب ومنعها، وضرب زينب «١» بالرمح فسقطت عن ناقتها، وكانت حاملا، فألقت حملها ومرضت وماتت بهذا المرض، فغضب عليه النبى ﷺ غضبا شديدا، وأهدر دمه؛ ولما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة جاء هبار رافعا صوته؛ وقال: «يا محمد أنا جئت مقرّا بالإسلام، وقد كنت قبل هذا مخذولا ضالا؛ والان قد هدانى الله للإسلام، وأنا أشهد ألاإله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله» واعتذر إليه معترفا بذنبه، مظهرا لخجالته، فقبل النبى ﷺ إسلامه، وقال: «يا هبار عفوت عنك، والإسلام يجبّ ما كان قبله» .
والسابع صفوان بن أمية، ولما علم أن النبى ﷺ أهدر دمه يوم فتح مكة هرب مع عبد له اسمه يسار إلى جدة يريد أن يركب منها إلى اليمن، فقال عمير بن وهب الجمحي: يا نبيّ الله إن صفوان بن أمية سيد قومي، وقد خرج هاربا منك ليقذف نفسه في البحر، فأمّنه عليك، فقال: هو امن، قال: يا رسول الله: أعطنى شيئا يعرف به أمانك، فأعطاه رسول الله ﷺ عمامته التى دخل بها مكة، فخرج بها عمير حتّى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان فداك أبى وأمّي، واذكر الله في نفسك أن تهلكها، فهذا أمان رسول الله ﷺ فرجع معه حتى وقف به على رسول الله ﷺ، فقال صفوان: هذا يزعم أنك أمّنتني؟ قال:
صدق، قال: فاجعلنى في أمرى بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر ﷺ فلما خرج النبى ﷺ إلى حنين وهوازن، واستعار منه النبى ﷺ مائة درع، فقال صفوان: أغصبا يا محمد؟ فقال النبى ﷺ: «بل عارية مضمونة» ﷺ وحين قفل النبى ﷺ من الطائف إلى الجعرّانة مرّ مع صفوان على شعب مملوء من الإبل والغنم وسائر أنعام الغنيمة، وكان صفوان يحدّ النظر إلى تلك الأموال، ولم يرفع بصره منها، وكان النبى يلاحظه، فقال: يا أبا وهب، أتعجبك هذه؟
قال: نعم، قال: وهبتها لك كلها، فقال صفوان: ما طابت نفس أحد بمثل هذا، إلا نفس نبى ﷺ فأسلم هناك.
والثامن: حارث بن طلاطلة- وهو من جملة مؤذى النبى ﷺ- وفي يوم فتح مكة قتله علي بن أبى طالب.
والتاسع: كعب بن زهير بن أبى سلمى المزنى الشاعر، صاحب- بانت سعاد-
_________________
(١) زينب ابنة رسول اللهﷺ.
[ ٣٦٣ ]
القصيدة المشهورة، وكان يهجو النبىّ ﷺ، فجاء وهو جالس في المسجد فدخل وأسلم، وأنشأ قصيدته التي أوّلها:
بانت سعاد فقلبى اليوم متبول [فلما بلغ إلي قوله:]
إن الرسول لنور يستضاء به مهنّد من سيوف الله مسلول
أنبئت أنّ رسول الله أوعدني والعفو عند رسول الله مأمول
قال النبي ﷺ: «اسمعوا ما يقول»، وقيل: فرح النبي «١» ﷺ وكساه بردته جائزة له: فلما كان زمن معاوية أرسل إلى كعب: أن بعنا بردة النبى ﷺ، فقال: ما كنت لأوثر ثوب رسول الله ﷺ أحدا، فلما مات كعب اشتراها معاوية من أولاده بعشرين ألف درهم ونقل الملك المؤيد أبو الفدا إسماعيل صاحب حماة في تاريخه أنه اشتراها بأربعين ألف درهم، ثم توارثها الخلفاء الأمويون والعباسيون، حتى أخذها «التتر» انتهى.
والصحيح أن هناك بردتين: بردة كعب بن زهير، وهى التى اشتراها معاوية، وفقدت بزوال بنى أمية، والثانية هى التى أهداها ﷺ لأهل أيلة في غزوة تبوك، وكتب لهم أمانا، واشتراها أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، ولعلها هى التى أخذها التتر، وإلا فقد كانت عند الخلفاء يتوارثونها ويطرحونها على أكتافهم في المواكب جلوسا وركوبا، وكانت على المقتدر حين قتل وتلوّثت بالدم.
وأخرج الإمام أحمد بن حنبل في الزهد عن عروة بن الزبير ﵁ أن ثوب رسول الله ﷺ الذى كان يخرج فيه للوفد، رداء حضرمي، طوله أربعة أذرع، وعرضه ذراعان وشبر، فهو عند الخلفاء قد خلق وطووه بثياب تلبس يوم الأضحى والفطر ﷺ انتهى.
ولعل هذا هو الموجود في الخزينة الخديوية المصرية «٢» .
وكان إسلام كعب في السنة التاسعة.
_________________
(١) فرح النبى ﷺ بإسلامه، لا بشعره، وكساه النبى ﷺ البردة تأمينا له حتّى يطمئن، وأما شعره فدليل على حسن إسلامه ﵁.
(٢) الان بمسجد مولانا الحسين ﵁ في حجرة المخلفات الشريفة.
[ ٣٦٤ ]
والعاشر: وحشىّ بن حرب، قاتل حمزة، وكان كثير من المسلمين حريصا على قتله، ويوم فتح مكة هرب إلى الطائف وأقام هناك إلى زمان قدوم وفد الطائف إلى النبى ﷺ، فجاء معهم ودخل عليه، وقال: أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله، فقال النبى ﷺ: أنت وحشي؟ قال: نعم، قال: أأنت قتلت حمزة؟ قال: قد كان من الأمر ما بلغك يا رسول الله، قال: اجلس واحك لى كيف قتلته، ولمّا قصّ عليه قصة قتله، قال: أما تستطيع أن تغيّب وجهك عني!
وكان وحشى بعد ذلك إذا رأى النبى ﷺ يفرّ منه ويختفى.
والحادى عشر: عبد الله بن الزبعري، وكان من شعراء العرب، وكان يهجو أصحاب النبى ﷺ ويحرّض المشركين على قتالهم، ويوم الفتح لما سمع أن النبى ﷺ أهدر دمه هرب إلى نجران وسكنها، وبعد مدة وقع الإسلام في قلبه، فأتى النبيّ ﷺ، فلما راه من بعيد قال: هذا ابن الزبعري، ولما دنا منه قال: السلام عليك يا رسول الله، أشهد ألاإله إلا الله وأشهد أنك رسول الله.
* وأما النساء الست اللاتى أهدر النبى ﷺ دماءهن يوم الفتح.
فإحداهن هند بنت عتبة، وهى امرأة أبى سفيان.
روى أن رسول الله ﷺ لما فرغ يوم فتح مكة من بيعة الرجال، أخذ في بيعة النساء، وهو على الصفا، وعمر جالس أسفل منه يبايعهن بأمره، ويبلغهن عنه، فجاءت هند ابنة عتبة- امرأة أبى سفيان- وهى متنكرة خوفا من رسول الله ﷺ أن يعرفها لما صنعت بحمزة في كونها مثّلت به ومضغت كبده، فقال رسول الله ﷺ: أبايعكن على ألاتشركن بالله شيئا، فبايع عمر النساء على أن لا يشركن بالله شيئا، فقال رسول الله ﷺ: ولا يسرقن، فقالت هند: إن أبا سفيان رجل شحيح، فإن أصبت من ماله هناة؟ فقال أبو سفيان: ما أصبت فهو لك حلال، فضحك النبى ﷺ وعرفها، وقال لها: وإنك لهند؟ فقالت: نعم فاعف عما سلف يا نبى الله، فقال: عفا الله عنك، فقال: ولا يزنين، فقالت: أتزنى الحرة؟! فقال: ولا يقتلن أولادهن، فقالت: ربيناهم صغارا وقتلتهم كبارا، فأنتم وهم أعلم (وكان ابنها حنظلة بن أبى سفيان قد قتل يوم بدر)، فضحك عمر ﵁ حتّى استلقي، وتبسم ﷺ؛ ولما قال ﷺ: ولا يأتين ببهتان يفترينه، قالت:
[ ٣٦٥ ]
والله إن إتيان البهتان لقبيح، وما تأمرنا إلا بالرشد ومكارم الأخلاق. ولما قال:
ولا تعصيننى في معروف؛ قالت: والله ما جلسنا مجلسنا هذا وفي أنفسنا أن نعصيك في معروف، فلما رجعت جعلت تكسر صنمها وتقول: كنا منك في غرور.
الثانية والثالثة «قريبة» بالقاف والمواحدة مصغرا، «والفرتنا» بالفاء المفتوحة والراء المهملة الساكنة والمثناة الفوقية والنون- كذا صحّحه القسطلانى في المواهب اللدنية، وهما قينتان «١» أى مغنيتان لابن خطل؛ وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله ﷺ، فأمر بقتلهما مع ابن خطل- فأما «قريبة» فقتلت مصلوبة؛ وأما «فرتنا» ففرت حتّى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فأمّنها؛ فامنت.
الرابعة: مولاة بنى خطل: وقتلت يوم الفتح.
الخامسة: مولاة بنى عبد المطلب: وقيل مولاة عمرو بن صيفى بن هاشم.
السادسة: سارة: وهى التى حملت كتاب حاطب بن أبى بلتعة من المدينة ذاهبة إلى مكة إلى قريش؛ وأعطاها عشرة دنانير علي أن توصّل الكتاب إلى أهل مكة؛ وكتب في الكتاب: «من حاطب بن أبى بلتعة إلي أهل مكة؛ اعلموا أن رسول الله ﷺ يريدكم؛ فخذوا حذركم» .
وكانت تؤذى رسول الله ﷺ بمكة؛ وتغيبت يوم الفتح حتّى استؤمن لها؛ فعاشت حتّى أوطأها رجل فرسا له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح فقتلها، وفي فتح البارى في شرح صحيح البخاري: أنها أسلمت.
* وأذّن بلال الظّهر على الكعبة، فقالت جويرية بنت أبى جهل: لقد أكرم الله أبى حين لم يشهد نهيق بلال على ظهر الكعبة. وقال الحارث بن هشام: ليتنى متّ قبل هذا. وقال خالد بن أسيد: لقد أكرم الله أبى فلم ير هذا اليوم. فخرج عليهم ﷺ ثم ذكر لهم ما قالوه؛ فقال الحارث: أشهد أنك رسول الله؛ ما اطّلع على هذا أحد فنقول أخبرك. فقام على ﵁- ومفتاح الكعبة في يده- فقال: يا رسول الله اجمع لنا الحجابة مع السقاية. فقال ﷺ: أين عثمان بن
_________________
(١) ومنه تعلم أن الغناء إنما هو من صناعة الخدم عند العرب.
[ ٣٦٦ ]
طلحة؟ فدعاه؛ فقال: «هاك مفتاحك يا عثمان؛ إن الله استأمنكم على بيته؛ فكلوا مما يصل إليكم من هذا البيت بالمعروف.
وفي رمضان هذه السنة يوم الفتح أسلم أبو قحافة؛ والد أبى بكر ﵄.
روى أن أبا بكر لما جاء إلى النبى ﷺ بأبيه أبى قحافة ليسلم، قال له النبى ﷺ: لم عنّيت الشيخ، ألا تركته حتّى أكون أنا اتيه في منزله؟! فقال أبو بكر:
بأبى أنت وأمي؛ هو أولى أن يأتي رسول الله ﷺ وكانت امرأة أبى قحافة أم الخير- أم أبى بكر- قد أسلمت قديما في السنة السادسة من النبوة، واسم أبى قحافة عثمان بن عامر؛ توفى في السنة الرابعة عشرة من الهجرة، فى خلافة عمر، بعد وفاة أبى بكر ﵁ بسنة، وكان ابن سبع وتسعين سنة.
قال ابن هشام: وبلغنى أن النبيّ ﷺ حين افتتح مكة ودخلها، قام على الصفا يدعو وقد أحدقت الأنصار، فقالوا فيما بينهم: أترون أن رسول الله ﷺ إذا فتح الله عليه أرضه وبلده يقيم بها؟ فلما فرغ من دعائه قال: ماذا قلتم؟ قالوا: لا شيء يا رسول الله. فلم يزل بهم حتي أخبروه، فقال ﷺ: «معاذ الله، المحيا محياكم، والممات مماتكم» .
قال ابن إسحاق، وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة الاف، وكان فتح مكة لعشر ليال بقين من رمضان سنة ثمان.
واستقرض ﷺ من ثلاثة نفر من قريش: أخذ من صفوان بن أمية ﵁ خمسين ألف درهم، ومن عبد الله بن أبى ربيعة أربعين ألف درهم، ومن حويطب بن عبد العزّي أربعين ألف درهم، فرّقها ﷺ في أصحابه من أهل الضعف، ثم وفّاها مما غنمه من هوازن، وقال: «إنما جزاء السلف الحمد والأداء» «١» .
وأقام رسول الله ﷺ بمكة حين فتحها خمس عشرة ليلة يقصر الصلاة؛ ثم خرج إلى هوازن وثقيف، وقد نزلوا حنينا «٢» .
_________________
(١) رواه أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن عبد الله بن أبى ربيعة. بلفظ «الوفاء» بدل «والأداء» .
(٢) واد قريب من مكة، قبل الطائف، بجنب ذى المجاز سمى باسم حنين بن نائبة: رجل من العماليق؛ وكانت به الوقعة المشهورة.
[ ٣٦٧ ]
عن أبى هريرة ﵁ أن خزاعة قتلت رجلا من بنى ليث، عام الفتح بقتيل لهم في الجاهلية، فقام رسول الله ﷺ خطيبا بعد الظهر، مسندا ظهره الشريف إلى الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه، وقال: أيها الناس: إنّ الله قد حبس عن مكة الفيل وسلّط عليها رسوله والمؤمنين، ألا وإنها لم تحلّ لأحد كان قبلي، ولا لأحد يكون بعدي، وإنما أحلت لى ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتى هذه، فلا ينفّر صيدها، ولا يختلى خلاؤها، ولا يعضّد شجرها، ولا تحلّ ساقطتها إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين؛ إما أن يود أو يقتد، فقال العباس بن عبد المطلب رضى الله تعالى عنه: إلا الإذخر: لصاغتنا ولسقف بيوتنا، قال ﷺ:
إلا الإذخر «١» ثم ودي «٢» رسول الله ﷺ ذلك الرجل الذى قتلته خزاعة، وهو ابن الأقرع الهذلى- من بنى بكر- فإنه دخل مكة وهو على شركه، فعرفته خزاعة فأحاطوا به، فطعنه منهم خراش بمشقص في بطنه حتي قتله، فلامه ﷺ، وقال:
«لو كنت قاتلا مسلما بكافر لقتلت خراش «٣»» -[والمشقص: ما طال من النصال وعرض]- قال ابن هشام: وبلغنى أنه أوّل قتيل وداه النبى ﷺ.
وسرقت امرأة، فأراد ﷺ قطع يدها، ففزع قومها إلى أسامة بن زيد بن حارثة ﵃، يستشفعون به، فلما كلّمه أسامة فيها تلوّن وجهه ﷺ، وقال:
«أتكلمنى في حدّ من حدود الله تعالى؟!» فقال أسامة: استغفر لى يا رسول الله.
ثم قام ﷺ خطيبا، فأثنى علي الله بما هو أهله، ثم قال: «أما بعد، فإنّ ما أهلك الناس قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف
_________________
(١) وفي رواية: «إن الله حبس عن مكة الفيل وسلط عليها رسول الله ﷺ والمؤمنين، ألا فإنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، ألا وإنها حلت لى ساعة من نهار، ألا وإنها ساعتى هذه، حرام لا يختلى شوكها، ولا يعضد شجرها، ولا يلتقط ساقطتها، إلا لمنشد، ومن قتل له قتيل فهو بخير النظرين: إما أن يعقل، وإما أن يقاد أهل القتيل» متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود. والخلا: الرطب من الحشيش، أى ولا يؤخذ حتّى حشيشها الرطب.
(٢) أعطى ديته.
(٣) وقال رسول الله ﷺ: «لا يقتل مسلم بكافر» رواه أحمد والترمذى وابن ماجه عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وروى ابن ماجه قوله ﷺ: «لا يقتل مؤمن بكافر، ولا ذو عهد في عهده» .
[ ٣٦٨ ]
أقاموا عليه الحد، والذى نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها «١»» .
ثم أمر رسول الله ﷺ بالمرأة فقطعت يدها «٢» .
ثم قام أبو شاه- رجل من أهل اليمن- فقال: اكتبوا إليّ يا رسول الله. فقال رسول الله ﷺ: اكتبوا إلي أبى شاه. [قال الأوزاعي: يعنى الخطبة التى سمعها من رسول الله ﷺ] .
* وفي هذه السنة كانت غزوة حنين، وهي: غزوة هوازن.
وحنين اسم واد بقرب الطائف- بينه وبين مكة ثلاث ليال- وتسمّى غزوة «أوطاس» «٣» وهو واد لهوازن.
وسبب غزوة حنين أنه لما فتحت مكة تجمعت هوازن بخيولهم وأموالهم لحرب رسول الله ﷺ، ومقدّمهم مالك بن عوف النضري، وانضمت إليهم ثقيف، وهم أهل الطائف، وبنو سعد بن بكر، وهم الذين كان النبى ﷺ مرتضعا عندهم «٤»، وحضر بنو جشم، وفيهم دريد بن الصمة، وقد جاوز المائة لرأيه، وقال رجزا:
يا ليتني فيها جذع أخبّ فيها وأضع
فلما سمع النبى ﷺ باجتماعهم، خرج من مكة لست خلون من شوال سنة ثمان من الهجرة، وكان يقصر الصلاة بمكة من يوم فتحها إلى خروجه هذا، وخرج معه اثنا عشر ألفا؛ ألفان من أهل مكة، والعشرة الاف التى كانت معه وفتح الله بها مكة، وانتهى إلى حنين، والمشركون بأوطاس، وقال رجل من
_________________
(١) وحاشاها أن تفعل، ولكنه مثال ضربه رسول الله ﷺ في أن الحدود لا يعفى منها أحد، ولو كان المحدود ابن الحاكم المؤتمر بأوامر الله لأقام عليه الحد كما فعل عمر بن الخطاب مع ابنه. وبهذا تستقيم الأمور، ويلتزم كل إنسان حده؛ لأنها أحكام الله، لا أحكام البشر.
(٢) هي امرأة من بنى مخزوم، والحديث في الصحيحين وأغلب كتب الحديث.
(٣) واد في ديار هوازن، فيه كانت وقعة حنين. (كذا في المراصد) .
(٤) قوم حليمة السعدية أم النبى ﷺ من الرضاعة ﵂.
[ ٣٦٩ ]
المسلمين- لمّا رأى كثرة جيش المسلمين-: لن يغلب هؤلاء من قلة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا [التوبة: ٢٥] فلما التقوا انهزم المسلمون، لا يلوى أحد على أحد، وانحاز رسول الله ﷺ ذات اليمين في نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته، واستمر ﷺ ثابتا، وتراجع المسلمون «١» واقتتلوا قتالا شديدا، وقال النبى ﷺ لبغلته الدلدل «البدى البدي» فوضعت بطنها على الأرض، وأخذ حفنة من تراب فرمى بها في وجه المشركين، وقال: «شاهت الوجوه» (أى خضعت وذلت) فلم تبق عين إلا دخل فيها من ذاك التراب، فكانت الهزيمة عليهم، ونصر الله المسلمين، وأنزل الله تعالى وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى [الأنفال: ١٧] وقال ﵊: «أنا النبى لا كذب أنا ابن عبد المطلب» «٢» وهذا يدل على كمال شجاعته وتمام صولته وقوته ﷺ؛ إذ في هذا اليوم الشديد اختار ركوب البغلة التى ليس لها كرّ ولا فرّ، كما يكون للفرس، ومع ذلك توجّه نحو العدو واحده، ولم يخف صفته ونسبه، وما هذا كله إلا لوثوقه بالله وتوكله عليه، وليس قوله ﷺ: «أنا النبى لا كذب» إلى اخره من الشعر؛ لأن شرطه، كما تقدّم في بناء المسجد الشريف، أن يكون عن قصد ورويّة، وإنما قال ﷺ: أنا ابن عبد المطلب، ولم يقل أنا ابن عبد الله؛ لأن العرب كانت تنسبه ﷺ إلى جده عبد المطلب لشهرته، ولموت عبد الله فى حياته، فليس من الافتخار بالاباء الذى هو من عمل الجاهلية، كما تقدّم في قوله ﷺ: «أنا ابن العواتك» «٣» .
واستشهد من المسلمين أربعة، وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا، وأفضى المسلمون في القتال إلى الذرية، فنهاهم عن ذلك، ونادى مناديه: «من قتل قتيلا فله سلبه» «٤» .
_________________
(١) أى إلى رسول الله ﷺ.
(٢) متفق عليه، ورواه الإمام أحمد، والنسائى عن البراء. وللحديث روايات أخرى، منها: «أنا النبى لا كذب، أنا ابن عبد المطلب، أنا أعرب العرب، ولدتنى قريش، ونشأت في بنى سعد بن بكر، فأنّى يأتينى اللحن» رواه الطبراني عن أبى سعيد.
(٣) ولفظ الحديث كما رواه سعيد بن منصور الطبراني: «أنا ابن العواتك من سليم» .
(٤) وفي لفظ: «من قتل كافرا فله سلبه» متفق عليه، ورواه أبو داود، والترمذى عن قتادة، وأحمد وأبو داود عن أنس، وأحمد وابن ماجه عن سمرة.
[ ٣٧٠ ]
ولما فرغ ﷺ من حنين بعث عبيدا [أبا عامر الأشعري] لغزوة أوطاس لطلب دريد بن الصمة وأصحابه، فهزمهم وقتلهم، واستشهد أبو عامر ﵁ بعد قتله جماعة منهم، وكان في السبى الشيماء أخته ﷺ من الرضاعة، واسمها «حذافة»، وإنما غلب لقبها، فلا تعرف في قومها إلا به «١» .
ولما هزم رسول الله ﷺ هوازن، وأمر بطلبهم، قال لجيشه: «إن قدرتم على بجاد- رجل من بنى سعد- فلا يفلتنّ منكم»، فأخذته الخيل وضمّوه إلى الشيماء بنت الحارث (ويكني أبا ذؤيب كما يكنى بأبى كبشة) أخت النبي ﷺ، وأتبعوهم فى السباق، وتعبت الشيماء بتعبهم، فجعلت تقول: والله أخت صاحبكم، فلم يصدّقوها، فأخذها طائفة من الأنصار، وكانوا أشدّ الناس على هوازن، فأتوا بها إلى رسول الله ﷺ، فقالت: يا محمد إنى أختك، فقال رسول الله ﷺ: وما علامة ذلك؟ فأرته عضة بإبهامها، وقالت: هذه عضضتنيها وأنا متوركة بوادى السدر ونحن يومئذ نرعى بهم أبيك وأبي، وأمك وأمي، وتذكّر يا رسول الله حلابى لك عنز أبيك. فعرف رسول الله العلامة فوثب قائما فبسط رداءه، ثم قال: اجلسى عليه، ورحّب بها، ودمعت عيناه، وسألها عن أمه وأبيه فأخبرته بموتهما «٢» ثم قال: إن أحببت فأقيمى عندنا محبّبة مكرّمة، وإن أحببت أن ترجعى إلى قومك وصلتك ورجعت إلى قومك» قالت: بل أرجع إلى قومى. فأسلمت وأعطاها رسول الله ﷺ ثلاثة أعبد وجارية، وأمر لها ببعير أو بعيرين، وسألها من بقى منهم، فأخبرته بأخيها وأختها وبعمها، وأخبرته بقوم سألها عنهم، ثم قال: «ارجعى إلى الجعرانة تكونين مع قومك، فإني أمضى إلى الطائف» . فرجعت إلى الجعرانة،
_________________
(١) واسمها حذافة (بالحاء المهملة)، ويقال: جذافة (بالجيم والذال المعجمتين) بنت الحارث، ولقبها «الشيماء» أو الشمّاء، وقد أكرمها رسول الله ﷺ حين جاءت مسلمة، فهي أخت النبى ﷺ من الرضاعة، وصحابية جليلة ﵂.
(٢) كون أبيه وأمه من الرضاعة ماتا قبل ذلك غير صحيح؛ لأن حليمة السعدية ﵂ (أمّ النبى ﷺ من الرضاع) جاءت إلى النبى ﷺ يوم حنين أيضا فقام لها النبى ﷺ وبسط لها رداءه، وأسلمت. وروى حديث الرضاعة عنها: أبو يعلي، وابن حبان في صحيحه، وفي «السيرة الكبري» لابن إسحاق، ورواه أبو داود، وابن منده وغيرهم، وصرّحوا فيه برواية عبد الله بن جعفر عنها، وأبوه من الرضاع أيضا أسلم بعد انتقال النبى ﷺ، أسلم وحسن إسلامه.
[ ٣٧١ ]
ووافاها رسول الله ﷺ بالجعرانة، فأعطاها نعما وشاء، وكلّمته في بجاد: أن يهبه لها ويعفو عنه، ففعل ﷺ.
وقد سبق بعض ذلك في الفصل الأوّل من الباب الأوّل من المقالة الخامسة من الجزء الثانى.
* وورد في الحديث النبوى أنه ﷺ خرج وهو محتضن أحد ابنى ابنته ﵂ وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتبخلّون، وتجهّلون، وإنكم لمن ريحان الله، وإنّ اخر وطأة «١» وطئها الله بوج «٢»» انتهى.
قال العلماء: إن هذا الحديث من خفيّ التعريض وغامضه؛ فإن «وج» واد من الطائف، و«حنين» واد قبله، فأراد رسول الله ﷺ غزاة حنين؛ لأن غزوة حنين اخر غزوة أوقع بها رسول الله ﷺ مع المشركين، وأما غزوتا الطائف وتبوك اللتان كانتا بعد حنين فلم يكن فيهما وطأة، أى قتال، وإنما كانتا مجرد خروج إلى الغزو من غير ملاقاة عدوّ ولا قتال، ووجه عطف هذا الكلام، وهو قوله ﷺ «وأن اخر وطأة وطئها الله بوج» على ما قبله من الحديث، وهو التأسف على مفارقة أولاده لقرب وفاته؛ لأن غزوة حنين كانت في شوال سنة ثمان، ووفاته كانت في ربيع الأوّل من سنة إحدى عشرة، وبينهما سنتان ونصف، فكأنه قال:
وإنكم لمن ريحان الله أى من رزقه، وأنا مفارقكم عن قريب، إلا أنه صانع عن قوله: «وأنا مفارقكم عن قريب» على سبيل التعريض بقوله «وإن اخر وطأة وطئها الله بوج» إشارة لما أراده وقصده من قرب وفاته، بحصول الغزوة المؤزرة.
* وفيها توفيت زينب. وفيها غلا السعر، فقالوا: سعّر لنا» .
_________________
(١) الوطأة: الضغطة، كما في الحديث الشريف «اللهم اشدد وطأتك على مضر» وفي «المقاصد الحسنة» للسخاوي، ما لفظه: «ومن حديث عمر بن عبد العزيز قال: «زعمت المرأة الصالحة خولة بنت حكيم أن رسول الله ﷺ خرج وهو محتضن حسنا وحسينا، وهو يقول: «إنكم لتجبّنون وتجهّلون، وإنكم من ريحان الله» وفيه بحث جيد فانظر ص ٤٥٣.
(٢) «وج» واد بالطائف كانت به غزاة للنبى ﷺ اهـ. مراصد.
(٣) فقال النبى ﷺ: «إن الله هو المسعّر القابض الباسط الرزاق، وإنى لأرجو أن ألقى الله وليس أحد منكم يطالبنى بمظلمة في دم ولا مال» رواه الإمام أحمد وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارمي، والبزار، وأبو يعلي. وصحح الحديث ابن حبان والترمذي.
[ ٣٧٢ ]
وفيها ولد إبراهيم ابن النبى ﵊.
وفيها مات حاتم الطائي، وكان شاعرا مجيدا يضرب بجوده المثل.
وقيل: مما ورد أن الذين تأسّف عليهم النبى ﷺ في زمن الفترة كانوا أربعة:
الأوّل: الملك أنوشروان لعدله، والثاني: أبو طالب عم النبى ﷺ لبرّه، والثالث:
حاتم الطائى لكرمه، والرابع: امرؤ القيس لشعره «١» .
ففى غزوة حنين وسرية أوطاس وقع من إعلاء كلمة الله وإظهار شوكة الإسلام ما لا مزيد عليه، ونال فيها كثير من المسلمين أجر الشهادة، وانهزمت ثقيف إلى الطائف، وكان هذا سبب غزوة الطائف.
وفي هذه السنة كانت غزوة الطائف: والطائف بليدة كثيرة الفواكه، وهي أبرد مكان بالحجاز، وربما جمد الماء في ذروة الجبل التى هى على ظهره، وأكثر ثمرها الزبيب، وهى طيبة الهواء ينتجع إليها أغنياء مكة أيام الصيف لذلك.
وسبب هذه الغزوة أنه لما انهزمت ثقيف من حنين إلى الطائف، وأغلقوا مدينتهم، سار النبيّ ﷺ وحاصرهم نيفا وعشرين يوما، وقاتلهم بالمنجنيق، ودخل نفر من المسلمين تحت دبابة (بدال مهملة وباءين مواحدتين بينهما ألف لينة اخره هاء: الة تتخذ للحروب، فتدفع في أصل الحصن، فينقبون وهم في جوفها) ودنوا إلى سور الطائف، فصبّوا عليهم سلك الحديد المحمى ورموهم بالنبل، فأصابوا منهم قوما، وأمر ﷺ بقطع أعنابهم، ثم رحل عنهم ونزل
_________________
(١) لو أنه ورد فيه عن النبي ﷺ شيء لكان على العين والرأس، ولكنه قيل علي الظّنّة، ولذلك قال الحليمى ﵀ ﵎: «إطلاق العادل عليه لتعريفه بالاسم الذى كان يدعى به، لا لوصفه بالعدل والشهادة له بذلك، بناء علي اعتقاد المعتقدين فيه، إلى أن قال: «ولا يجوز أن يسمى رسول الله ﷺ من لم يحكم بغير حكم الله عادلا» اهـ. وأما امرؤ القيس فقال فيه ﵊: «امرؤ القيس صاحب لواء الشعراء إلى النار» رواه الإمام أحمد، وقال أيضا: «امرؤ القيس قائد لواء الشعراء إلى النار؛ لأنه أحكم قوافيها» رواه أبو عروبة في الأوائل، وابن عساكر. ومن المعروف أن أهل الفترة ناجون إلا جماعة ذكرهم رسول الله ﷺ بالاسم منهم امرؤ القيس، ومن المعروف أن امرأ القيس كان رجل خمر ونساء، وذا لسان مقذع في وصف النساء، مما كان يهيج العرب ويوقع بعضهم ببعض، والله تعالى أعلم.
[ ٣٧٣ ]
بالجعرانة، واجتمعت فيها الغنائم، وأتى إليه بعض هوازن ودخلوا عليه يستعطفونه، وقالوا: قد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك، وإنّ فيمن أصبتهم الأمهات والأخوات، والعمات والخالات (يريدون: عماتك وخالاتك وحواضنك اللاتى كن يكفلنك لأن مرضعته ﷺ من هوازن) ونرجو عطفك. فقال ﷺ:
«إنّ أحسن الحديث أصدقه؛ أبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم؟ فاختاروا إحدى الطائفتين، إما السبى وإما المال»، فقالوا: ما كنا نعدل بالأحساب شيئا، اردد علينا نساءنا وأبناءنا، فهو أحب إلينا ولا نتكلم في شاة ولا بعير. فردّ عليهم نصيبه ونصيب بني عبد المطلب، قائلا: «أما ما كان لى ولبنى عبد المطلب فهو لكم، وإذا أنا صليت الظهر بالناس فقوموا وقولوا: إنّا نستشفع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله في نسائنا وأبنائنا، فسأعطيكم عند ذلك وأسأل لكم، فلمّا صلّى رسول الله ﷺ الظهر قاموا إليه فتكلموا بالذى أمرهم به، فقال رسول الله ﷺ بعد أن أثنى على الله بما هو أهله: «أما بعد فإن إخوانكم هؤلاء جاؤا تائبين، وإنى رأيت أن أردّ إليهم سبيهم فمن أحبّ أن يطيب بذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظّ حتّى نعطيه إياه من أوّل ما يفيء الله علينا فليفعل، هؤلاء القوم جاؤا مسلمين، وقد خيّرتهم فلم يعدلوا بالأبناء والنساء شيئا، فمن كان عنده من النساء سبى وطابت نفسه أن يردّه فليردّه»، قال الناس: رضينا وسلّمنا. فردّوا عليهم نساءهم وأبناءهم، ثم لحق مالك بن عوف مقدّم هوازن برسول الله ﷺ، فأسلم وحسن إسلامه، واستعمله في قومه وعلى من أسلم من تلك القبائل، وكانت عدة السبى الذى أطلقه ستة الاف.
وروى أن رسول الله ﷺ لما عرض عليه سبى هوازن، كان ممن عرض عليه بنت حاتم الطائي، فقالت: يا رسول الله أنا بنت من كان يحمل الكلّ (أى الشيء الذى يحصل منه التعب) ويكسب المعدوم (أى يعطيه له تبرعا) ويعين على نوائب الزمان، أنا بنت حاتم الطائي، فمنّ عليها ﷺ وردّ لها مالها: وقال:
«أكرموا عزيز قوم ذلّ، وغني قوم افتقر»، فقالت: يا رسول الله وصويحباتي؟
فقال: «وصويحباتك، كريمة بنت كريم» فقالت: يا رسول الله أتأذن لى أن أدعو لك بدعوات؟ فأذن لها، وقال لأصحابه: أنصتوا وعوا، فقالت: «شكرتك يد افتقرت بعد غني، ولا ملكتك يد استغنت بعد فقر، وأصاب الله بمعروفك مواضعه، ولا جعل لك إلى لئيم حاجة، ولا سلبت نعمة عن كريم إلّا وجعلت
[ ٣٧٤ ]
سبيا لردّها، وحسبك هذا في اصطناع المعروف وإغاثة الملهوف» وقد سبق التنويه إلى ذلك في الفصل الثانى من الباب الخامس من المقالة الخامسة من الجزء الثانى من هذا التاريخ.
قال القاضى محمد بن سلامة القضاعى في كتاب «الأنباء»: كان بها من السبايا ستة الاف، ومن الإبل والغنم ما لا يدرى عدده، واستعمل أبا الجهم بن حذيفة بن غانم القرشى على النفل (أى الغنيمة) يوم حنين.
وذكر ابن الأثير في «الكامل» في أخبار يوم حنين أن رسول الله ﷺ أمر بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة (وهى ما بين الطائف ومكة) وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي، انتهى.
وبالجعرانة قسّم رسول الله ﷺ هذه الغنائم.
وقيل: كانت عدّة الإبل أربعة وعشرين ألفا، والغنم أكثر من أربعين ألف شاة، ومن الفضة أربعة الاف أوقيه، وأعطى المؤلّفة قلوبهم مثل: أبي سفيان وابنيه (يزيد ومعاوية) وسهل بن عمرو، وعكرمة بن أبى جهل، والحارث بن هشام (أخا أبى جهل)، وصفوان بن أمية، وغيرهم من قريش، وكذلك أعطى الأقرع ابن حابس التميمي، وعيينة بن حصن، ومالك بن عوف مقدّم هوازن، فأعطى لكل واحد من الأشراف مائة من الإبل، وأعطى الاخرين أربعين أربعين، وأعطى العباس بن مرداس السلمي أباعر لم يرضها، وقال في ذلك أبياتا:
أتجعل نهبي ونهب العبي د بين عيينة والأقرع
وما كان حصن ولا حابس يفوقان مرداس في مجمع
وما كنت دون امرئ منهما ومن تضع اليوم لم يرفع
أى ومن تخفضه بعدم الإعطاء لا يرتفع بعد ذلك، والعبيد بضم العين اسم فرسه.
ويروى أن النبى ﷺ قال: «اقطعوا عنّى لسانه «١»» فأعطى حتّى رضي،
_________________
(١) هذا من ألطف الكنايات وأجملها، إذ معناه أنه يقول لهم: سدوا حاجته حتّى لا يسأل بلسانه مرة أخرى، وفيه دعوة إلى أدب استعمال اللفظ.
[ ٣٧٥ ]
ومدح النبى ﷺ فقال:
رأيتك يا خير البريّة كلّها نشرت كتابا جاء بالحق معلما
شرعت لنا دين الهدى بعد حودنا عن الحق لمّا أصبح الحق مظلما
فمن مبلغ عنى النّبىّ محمدا وكل امرئ يجزى بما كان قدّما
أقمت سبيل الحق بعد اعوجاجه وكان قديما ركنه قد تهدّما
تعالى علوّا فوق عرش إلهنا وكان مكان الله أعلى وأعظما
ويقال إنه أنشد هذه الأبيات وامتدح بها النبى ﷺ فأعطاه خلّة قطع بها لسانه، أى بقية من الغنيمة.
ولما فرّق رسول الله ﷺ الغنائم ولم يعط الأنصار من ذلك شيئا، وجدوا في أنفسهم «١»، فدعاهم ﷺ فقال: إن قريشا حديثو عهد بالجاهلية، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله ﷺ إلى بيوتكم؟ قالوا: بلي، قال رسول الله ﷺ: «لو سلك الناس واديا وسلكت الأنصار شعبا لسلكت شعب الأنصار «٢»، اللهم ارحم الأنصار، وأبناء الأنصار، وأبناء أبناء الأنصار» «٣» .
ويومئذ قال ذو الخويصرة «من تميم»: لم تعدل هذه القسمة، ولا أريد بها وجه الله، فقال ﷺ: «سيخرج من ضئضيء (أى أصل) هذا الرجل قوم يخرجون من الدين كما يخرج السهم من الرميّة، لا يجاوز إيمانهم تراقيهم» فخرج منه حرقوص بن زهير البجلى المعروف بذى الثدية؛ لأن في رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض أوّل من بويع من الخوارج بالإمامة، وأوّل مارق من الدين.
والخوارج قوم يكفّرون مرتكب الكبيرة، ويحكمون بحبوط عمل مرتكبها،
_________________
(١) أى حزنوا في أنفسهم، وليست من موجدة الغضب: معاذ الله.
(٢) ولفظ الترمذى- كما جاء في الفتح الكبير- «إن قريشا حديثو عهد بجاهلية ومصيبة، وإنى أردت أن أحبوهم وأ تألفهم، أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله ﷺ؟ لو سلك الناس واديا أو شعبا لسلكت وادى الأنصار وشعبهم» .
(٣) رواه ابن ماجه بلفظ «رحم الله» والباقى سواء.
[ ٣٧٦ ]
وتخليده في النار، ويحكمون بأن دار الإسلام تصير بظهور الكبائر فيها دار كفر، ولا يصلّون جماعة.
ثم اعتمر ﷺ من الجعرانة، وعاد إلى المدينة، واستخلف على مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وهو شاب لم يبلغ عشرين سنة، وترك معه معاذ بن جبل يفقه الناس، فحجّ بالمسلمين هذه السنة عتّاب المذكور، وهو أوّل أمير أقام حج الإسلام، وكان عليه الورع والزهد، وحجّ المشركون على مشاعرهم.
وفي هذه السنة أسلم عروة بن مسعود الثقفى ﵁، وكان من حديث ثقيف: أن رسول الله ﷺ لما انصرف عنهم من الطائف اتبع أثره عروة بن مسعود حتي أدركه قبل أن يصل إلى المدينة، فأسلم، وسأله أن يرجع إلى قومه بالإسلام، فقال له رسول الله ﷺ: «إنهم قاتلوك» فقال عروة: يا رسول الله أنا أحب إليهم من أبصارهم. وكان فيهم كذلك محيّبا مطاعا، فخرج يدعو قومه إلى الإسلام رجاء ألايخالفوه لمنزلته فيهم، فلما أشرف لهم على عليّة «١» له وقد دعاهم إلي الإسلام، وأظهر لهم دينه، رموه بالنبل من كل جهة، فأصابه سهم فقتله، فقيل له: ما ترى في دمك؟ قال: كرامة أكرمنى الله بها، وشهادة ساقها الله إليّ فليس فيّ إلا ما في الشهداء الذين قتلوا مع رسول الله ﷺ قبل أن يرتحل عنكم، فادفنونى معهم. فزعموا أن رسول الله ﷺ قال: «إنّ مثله في قومه كمثل صاحب يس في قومه» .
_________________
(١) العليّة: الغرفة، وجمعها: العلالى.
[ ٣٧٧ ]
الفصل التاسع في ظواهر السنة التاسعة وما فيها من الغزوات
* وفي هذه السنة كانت غزوة تبوك، وهى اخر غزواته، وتبوك [بفتح التاء المثناة الفوقية وضم الباء المواحدة وسكون الواو وبعدها كاف] فى طرف الشام من جهة القبلة، بينها وبين المدينة المشرّفة نحو أربع عشرة مرحلة، سميت الغزوة بعين تبوك، وهى العين التي أمر رسول الله ﷺ ألايمسّوا من مائها شيئا حتي يأتى ﷺ إليهم، وذلك أن رسول الله ﷺ قال: «إنكم ستأتون غدا إن شاء الله تعالى عين تبوك، وإنكم لن تأتوها حتّى يضحى النهار، فمن جاء بها فلا يمسّ من مائها شيئا حتي اتي»، قال معاذ: فجئناها وقد سبقنا إليها رجلان من المنافقين، والعين مثل الشراك تبضّ بشيء قليل من الماء، فسألهما النبى ﷺ: هل مسستما من مائها شيئا؟ فقالا: نعم، فقال لهما ما شاء الله أن يقول، ثم أمر برفع ماء منها، فرفعوا له من تلك العين قليلا، حتى اجتمع شيء، ثم غسل ﷺ فيه وجهه ويديه، ثم أعاده فيها، فجاءت العين بعد ذلك بماء كثير ببركة النبى ﷺ، فاستقى الناس وكفاهم.
ويقال لها غزوة العسرة، سميت بذلك لوقوعها في زمن الحر، والبلاد مجدبة والناس في عسر، ويقال لها: الفاضحة؛ لافتضاح المنافقين فيها.
وحض ﷺ من عنده من المسلمين على الجهاد، ورغّبهم فيه، وأمرهم بالصدقة، فجاؤا بصدقات كثيرة، وكان أوّل من جاء بها أبو بكر، جاء بماله كله [أربعة الاف درهم] وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بن عبد المطلب بمال كثير، وجاء طلحة بمال، وجاء عبد الرحمن بن عوف بمائتى أوقية من الفضة، وجاء سعد بن عبادة بمال، وجاء محمد بن مسلمة بمال، وجاء عاصم بن عدى بتسعين وسقا من تمر، وجهّز عثمان بن عفان ثلث ذلك الجيش، وكفاهم مئونتهم، فقال رسول الله ﷺ: «ما يضر عثمان بن عفان ما فعل بعد اليوم» «١» .
_________________
(١) وخرجه الترمذى وأحمد بلفظ: «ما على عثمان بعد هذه؟ (كررها مرتين)» كذا في الرياض النضرة.
[ ٣٧٩ ]
وسار ﷺ إلى تبوك، واستخلف عليّا ﵁ على المدينة، وعلى عياله، فقال علي: أتخلفنى في الصبيان والنساء؟! قال: «ألا ترضى يا على أن تكون منى بمنزلة هارون من موسى؟ غير أنه لا نبيّ بعدي» «١» . وليس المراد من هذا الحديث أن جميع المنازل الثابتة لهارون من موسى سوى النبوة ثابتة لعلى من النبى ﷺ، وإلا لما صحّ الاستثناء [كما تزعم الشيعة والرافضة] مستدلين به على استحقاقه الخلافة بعده ﷺ، بل المراد أن عليّا خليفة عن النبى ﷺ مدة غيبته بتبوك، كما كان هارون خليفة عن موسى مدة غيبته للمناجاة، وأما الإستثناء فمنقطع، والمعنى: لكنك لست نبيّا كهارون؛ لأنه لا نبى بعدي، ولئن سلم أن الحديث يعمّ المنازل كلّها فهو عام مخصوص؛ إذ من منازل هارون كونه أخا نبي «٢»، والعام المخصوص غير حجّة في الباقي، أو حجة ضعيفة على الخلاف «٣» .
وكان مع النبى ﷺ ثلاثون ألفا، وكانت الخيل عشرة الاف، وتخلّف عبد الله ابن أبيّ [المنافق] ومن تبعه من أهل النفاق، وتخلف ثلاثة من الصحابة، وهم: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، ولم يكن لهم عذر، ثم رجع النبى ﷺ إلى المدينة بعد أن أقام بتبوك بضع عشرة ليلة لم يجاوزها، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم يجلس الناس، فلما فعل
_________________
(١) رواه مسلم والترمذى عن سعد، والترمذى عن جابر، ورواه أبو حاتم وابن إسحاق، والحافظ الدمشقى في معجمه بمعناه، والسلفى في النسخة الدمشقية.
(٢) وأيضا فإنه أرسل كما أرسل موسى صلّى الله على نبينا وعليه وسلّم.
(٣) بل هو حجة قوية؛ لأن عموم اللفظ أشمل من خصوص السبب، أما عن زيادة سيدنا هارون، فهى بالنسبة للرسالة، وهذا أمر لا يجادل فيه أحد، وباء التشبيه، أو كاف التشبيه في قوله: «بمنزلة» أو «كمنزلة» تفيد وجه شبه ما، إلا أنه ليس تامّا، ومن أوجه الشبه أنه أخوه، وإن كان ابن عمه؛ لأنه عاش معه عيشة الأخ الكامل الأخوة، وقول رسول الله ﷺ: «إن الله جعل ذرية كل نبى في صلبه وجعل ذريتى في صلب علي» فيه إشارة واضحة على الاتحاد الكامل في الأصل، والفرقة في الشخص فقط ولقد بلغ الأمر أن الرسول ﷺ هو الذى سمّى حسنا وحسينا ومحسنا، علي أسماء أولاد هارون ﵊: «شبرا وشبيرا ومشبرا» وقال في الحسين ﵁: «فيه لثغة ورثها من عمه موسي» فمن أين يأتى الميراث إذا لم يكن هناك شبه يكاد يكون كاملا؟! والله تعالى أعلم.
[ ٣٨٠ ]
ذلك جاء المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون، وكانوا فوق الثمانين رجلا، فتقبّل منهم النبى ﷺ علانيتهم واستغفر لهم، ووكل سرائرهم إلى الله تعالى.
ثم جاءه كعب بن مالك، وكان قد تقدّمه مرارة بن الربيع، وهلال بن أمية، فسألهم عن سبب تخلفهم، فاعترفوا ألاعذر لهم، فأمرهم بالمضيّ حتي يقضى الله فيهم، ونهى ﷺ عن كلامهم من بين من تخلف عنه، فاجتنبهم الناس، وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، فلبثوا علي ذلك خمسين ليلة، ولما مضت أربعون ليلة من الخمسين أمرهم النبى ﷺ باعتزال نسائهم، وجاءت امرأة هلال إليه ﷺ لتستأذنه في خدمة هلال، فأذن لها من غير أن يقربها.
فلما مضت خمسون ليلة من حين النهى عن كلامهم نزلت توبتهم، فأخبر النبى ﷺ بتوبة الله عليهم، وذهب الناس يبشرونهم، وجاء كعب إلى النبى ﷺ وهو «١» يبرق وجهه من السرور، فقال له ﷺ: أبشر بخير يوم مرّ عليك منذ ولدتك أمك، فقال: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله ﷿؟ فقال: بل من عند الله ﷿. وأنزل الله على رسوله ﷺ لَقَدْ تابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهاجِرِينَ [التوبة: ١١٧] إلى قوله تعالى: وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة: ١١٩] . قال كعب: فو الله ما أنعم الله عليّ نعمة قط بعد أن هدانى للإسلام أعظم في نفسى من صدقى لرسول الله ﷺ، وأن أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه، فإن الله تعالى قال للذين كذبوا حين أنزل الوحي:
سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ [التوبة: ٩٦] إلى قوله تعالى: فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضى عَنِ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [التوبة: ٩٥] .
وأما ما ورد «هجر المسلم أخاه فوق ثلاثة أيام حرام» «٢» محلّه إذا كان لحظوظ
_________________
(١) الضمير يرجع إلى النبى ﷺ.
(٢) ورواية مسلم عن ابن عمر: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاثة أيام» . وروى ابن نافع ﵀ قوله ﵊: «هجر المسلم كسفك دمه» . وروى الإمام أحمد والبخارى ومسلم وأبو داود والترمذي: «لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيصد هذا ويصد هذا، وخيرهما الذى يبدأ بالسلام» وفي رواية «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فإن مرت به ثلاث، فليأته فليسلّم عليه، فإن ردّ السلام فقد اشتركا في الأجر، وإن لم يردّ السلام فقد باء بالإثم» رواه أبو داود. وفي رواية: «لا يحل لمؤمن أن يهجر أخاه فوق ثلاث، فمن هجر فوق ثلاث فمات دخل النار» .
[ ٣٨١ ]
النفس أو لتعلقات الدنيا، وأما إذا كان المهجور مبتدعا أو متجاهرا بالفسق ونحو ذلك فلا تحرم هجرته، لما ثبت من هجر النبى ﷺ الثلاثة الذين خلّفوا «١» .
ولم يجاوز ﷺ «تبوك»، حيث استشار أصحابه في مجاوزتها، فقال له عمر ﵁: إن كنت أمرت بالسير فسر، فقال ﷺ: «لو أمرت بالسير لم أستشركم فيه» فقال: يا رسول الله: إن للروم جموعا كثيرة، وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنونا، وقد أفزعهم دنوّك، فلو رجعنا هذه السنة حتّى نرى أنفسنا أو يحدث الله أمرا. وهذا تصريح بأن تبوك لم يقع فيها مقاتلة، ولا حصل فيها غنيمة، وإنما أتاه ﷺ وهو بها «يحنّة» (بضم المثناة تحت، وفتح الحاء المهملة ثم نون مشدّدة مفتوحة، ثم تاء التأنيث) «ابن روبة» (بالمواحدة) صاحب «أيلة» «٢» وصحبته أهل «جرباء» تأنيث أجرب، يمد ويقصر، قرية بالشأم، وأهل (أذرح) «٣» بالذال المعجمة الساكنة والراء المهملة المضمومة والحاء المهملة (مدينة تلقاء السراة) و«أهل مينا»، وأهدى «يحنّة» رسول الله ﷺ بغلة بيضاء، فكساه ﷺ بردا، وهو البردة التي كانت عند خلفاء بنى العباس، اشتراها من أهل (أيلة) «٤» أبو العباس السفاح بثلاثمائة دينار، وكانت التى اشتراها معاوية من ذرية كعب بن زهير، فقدت عند زوال دولة بنى أمية «٥» . وقد تقدم في غزوة فتح مكة أن بردة النبى ﷺ التى خلعها على كعب بن زهير جائزة علي قصيدته المشهورة، قد اشتراها معاوية من ذريته، ثم فقدت بزوال بني أمية، بخلاف هذه. فليراجع في مخله «٦» .
_________________
(١) إن النبى ﷺ قبل ممن قبل، ولم يقبل من هؤلاء الثلاثة لأن لهم منزلة عنده ﷺ، فأراد أن يؤدبهم أدبا خاصا، إسلاميا صرفا، لا لقصد الهجر، فهجر المسلم لأمر من الأمور الدنيوية هو المذموم، أما إن كان لأجل الدّين فهو المطلوب.
(٢) مدينة على ساحل بحر القلزم (البحر الأحمر) مما يلى الشام، وهى اخر الحجاز وأوّل الشام.
(٣) بلد من أعمال عمان، بالبلقاء من أرض الشام، قرب السراة من ناحية الحجاز.
(٤) بضم الراء، بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة، من نواحى بلقان وعمان.
(٥) هناك بردتان: إحداها اشتراها معاوية من ذرية كعب بأربعين ألف درهم، والثانية أهداها النبى ﷺ لصاحب أيلة نظير إهدائه البغلة، وهى التى اشتراها السفاح من أهل أيلة، وأخذها التتر.
(٦) فى الأصل: فى الفصل الرابع عشر من الباب الأوّل من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل من هذا التاريخ.
[ ٣٨٢ ]
فصالح النبيّ ﷺ (يحنة) على إعطاء الجزية، فبلغت جزيتهم ثلاثمائة دينار، بعد أن عرض عليه الإسلام فلم يسلم، وكتب له ولأهل أيلة كتاب الصلح، وكتب أيضا لأهل أذرح وجرباء كتاب الصلح، وأن عليه مائة دينار في كل رجب، وصالح أيضا أهل (مينا) علي ربع ثمارهم، فمن هذا يفهم أنه ﷺ لم يتعرض فى غزوة تبوك لقتال الروم، وقد سبق الكلام عليه.
ولما وصل ﷺ تبوك كان هرقل بحمص، قدم من القسطنطينية إليها، وكانت قاعدة مملكته بالشام، وكانت في زمانهم أعظم من دمشق، ولم يكن همّ بالذى بلغ رسول الله ﷺ عنه من جمعه ولا حدّثته نفسه بذلك، وبعث ﷺ دحية بكتاب إليه، فلما جاءه دعا قسّيسى الروم وبطارقتها، ثم أغلق عليه وعليهم، وقال: «قد نزل هذا الرجل حيث رأيتم، وقد أرسل يدعونى إلى ثلاث خصال: إما أن أتبعه على دينه، أو أن أعطيه ما لنا على أرضنا، والأرض أرضنا، أو نلقى إليه الحرب، وو الله لقد عرفتم فيما تقرؤن من الكتب ليأخذن موضع قدميّ هاتين، فهلم فلنتبعه علي دينه، أو أن نعطيه مالا» فنحروا «١» نخرة رجل واحد، حتى خرجوا من برانسهم «٢»، وقالوا: أتدعونا إلى أن نذر النصرانية، أو نكون عبيدا لأعراب من الحجاز؟! فلما ظن أنهم إن خرجوا من عنده أفسدوا عليه الروم، قال: إنما قلت ذلك لأعلم صلابتكم علي أمركم. ثم دعا رجلا من عرب تجيب، كان على نصارى العرب، فقال: ادع لى رجلا حافظا للحديث، عربيّ اللسان أبعثه إلى هذا الرجل بجواب كتابه. فجاء التنوخي، فدفع إليه هرقل كتابا، وقال: اذهب بكتابى هذا إلى هذا الرجل فما سمعته من حديثه، فاحفظ لى منه ثلاث خصال: هل يذكر صحيفته التى كتب بشيء؟ وانظر إذا قرأ كتابي، فهل يذكر الليل؟ وانظر إلى ظهره، هل فيه شيء يريبك؟ قال: فانطلقت بكتابه حتى جئته تبوكا، فإذا هو جالس بين ظهرانى أصحابه محتبئا علي الماء، فقلت:
أين صاحبكم؟ قيل: ها هو ذا. فأقبلت أمشى حتّى جلست بين يديه، فناولته كتابي، فوضعه في حجره، ثم قال: ممن أنت؟ فقلت: أنا أحد تنوخ، قال: هل لك في الحنيفية ملة أبيك إبراهيم؟ قلت: إنى رسول قوم وعلي دين قوم، حتى
_________________
(١) النخير: صوت بالأنف.
(٢) جمع برنس: ثوب رأسه ملتصق به.
[ ٣٨٣ ]
أرجع إليهم. فضحك رسول الله ﷺ وقال: إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ [القصص: ٥٦] يا أخا تنوخ إنى كتبت بكتاب إلى كسرى فمزّقه، والله ممزقه وممزق ملكه، وكتبت إلى صاحبك بصحيفة فأمسكها، فلن يزال الناس يجدون منه بأسا ما دام في العيش خير، قلت: هذه إحدى الثلاث التي أوصانى بها صاحبي، فأخذت سهما من جعبتى فكتبتها في جفن سيفي، ثم ناول الصحيفة رجلا عن يساره، قلت: من صاحب كتابكم الذى يقرأ لكم؟ قالوا: معاوية، فإذا في كتاب صاحبي: تدعوني إلى جنة عرضها السموات والأرض أعدت للمتقين، فأين النار؟ فقال رسول الله ﷺ سبحان الله، أين النهار إذا جاء الليل «١»؟! فأخذت سهما من جعبتى فكتبت في جنب سيفي، فلما أن فرغ من قراءة كتابي، قال: إن لك حقا، وإنك رسول، فلو وجدت عندنا جائزة جوّزناك بها، إنا سفر مرملون. فناداه رجل من أصحابه، فقال: أنا أجوّزه، ففتح رحله، فإذا هو بحلّة صفراء فوضعها في حجري، فقلت: من صاحب الجائزة؟ قيل لي: عثمان، ثم قال رسول الله ﷺ: أيكم ينزل هذا الرجل؟ فقال فتى من الأنصار: أنا، فقام الأنصاريّ وقمت معه، حتى إذا خرجت من طائفة المجلس نادانى رسول الله ﷺ، فقال: تعال يا أخا تنوخ، فأقبلت أهوى حتّى كنت قائما في مجلسى الذى كنت بين يديه، فحلّ حبوته على ظهره، وقال: «هاهنا امض لما أمرت به» فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم النبوة عند غضروف كتفه مثل المحجمة «٢» الضخمة» . فانصرف الرجل إلى هرقل، فذكر له ذلك، فدعا قومه إلى التصديق بالنبى ﷺ؛ فأبوا حتّى خافهم علي ملكه، وهو في موضعه بحمص لم يتحرك ولم يزحف، وأهدى هرقل له ﷺ هدية فقبلها، وفرّقها على المسلمين، وأقام ﷺ بضع عشرة ليلة، ولم يجاوزها، ثم انصرف قافلا إلى المدينة.
ففى هذه الغزوة خرج النبى ﷺ من المدينة إلى الشام في العدد الذى لم يتم قبله مثله، كان العدد فيها ثلاثين ألفا، أو أكثر، وكانت الشّقّة بعيدة، ولهذا لم يور
_________________
(١) وفي الفتح الكبير في ضم الزيادة إلي الجامع الصغير: «سبحان الله، أين الليل إذا جاء النهار»؟ رواه الإمام أحمد.
(٢) المحجمة: القارورة التى يجمع فيها دم الحجامة.
[ ٣٨٤ ]
فيها، بل أعلم الناس بوجههم ليكون تأهّبهم بحسب ذلك، ومع هذا الاجتهاد في الاستعداد لم يلق فيها حربا، ولا افتتح بلدا، وذلك لأن أجلّ فتوح الشام لم يكن بعد، فانتسخ العزم بالقدر وبجفاف القلم «١» .
ورجع النبى ﷺ إلى المدينة وعلى المسلمين الوقار والسكينة من غير اضطراب عند انصراف العزيمة، وقد تقدم بعض ذلك «٢» .
* وفي هذه السنة هدم مسجد الضرار الذى ذكره الله تعالى في كتابه العزيز فى سورة براءة: وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرارًا وَكُفْرًا [التوبة: ١٠٧] الاية أنزلت في جماعة من المنافقين بنوا مسجدا أيضا يضارّون به مسجد قباء، وكانوا اثنى عشر رجلا من أهل النفاق، وكانوا جميعا يصلّون في مسجد قباء، فبنوا مسجد الضرار ليصلّى فيه بعضهم، فيؤدّى ذلك إلى الاختلاف وافتراق الكلمة، ولما فرغوا أتوا رسول الله ﷺ وهو يتجهّز إلى تبوك وقالوا: يا رسول الله قد بنينا مسجدا لذى العلة والحاجة والليلة المطيرة الشاتية، وإنّا نحب أن تأتينا وتصلّى لنا فيه، وتدعو بالبركة، فقال رسول الله ﷺ: «إنى على جناح سفر، ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا»، ولما انصرف ﷺ من تبوك ونزل ب «ذى ودان» (موضع قريب من المدينة) أتوه فسألوه إتيان مسجدهم، فدعا بقميصه ليلبسه ويأتيهم، فنزل عليه القران، وأخبره الله خبر المسجد الضرار وما همّوا به، فدعا رسول الله ﷺ عامر بن عديّ، وعامر بن السكن، وقال لهم: «انطلقوا إلى هذا المسجد الظالم أهله فاهدموه واحرقوه»، فخرجوا سريعا فحرقوه وهدموه، وتفرق عنه أهله.
وفي دخول هذه السنة على رسول الله ﷺ وهو بالمدينة، قبل غزوة تبوك تتابعت الوفود من جميع الجهات؛ فإنهم كانوا منتظرين ما يقع له ﷺ مع قومه، فلما حصل الفتح دخل الناس في دين الله أفواجا، وورد عليه عروة بن مسعود الثقفي، وكان غائبا عن حصار الطائف، فأسلم وحسن إسلامه فقال: أمضى إلى قومى وأدعوهم، فقال له ﷺ: إنهم قاتلوك. فكان كما قال؛ حيث رمى بسهم في سطح بيته، وهو يؤذّن للصلاة، فمات، ومنع قومه من الطلب بدمه، وقال: «هى
_________________
(١) يقصد قول رسول الله ﷺ: «جف القلم بما هو كائن» .
(٢) فى الأصل: «فى الفصل الرابع عشر من المقالة الرابعة من الجزء الأوّل» .
[ ٣٨٥ ]
شهادة ساقها الله»، وأوصى أن يدفن مع شهداء المسلمين، ثم قدم ابنه أبو المليح، وقارب «١» بن الأسود بن مسعود فأسلما، وضيّق مالك بن عوف علي ثقيف، واستباح سرحهم، وقطع سابلتهم (أى سبيلهم)، وبلغهم رجوع النبى ﷺ من تبوك، فوفدوا عليه فأسلموا، وسألوه أن يدع اللات التى كانوا يعبدونها لا يهدمها إلى ثلاث سنين، فأبي، فنزلوا إلى شهر فأبي، وسألوه أن يعفيهم من الصلاة، فقال: «لا خير في دين لا صلاة فيه» . فأجابوا، وأرسل معهم المغيرة بن شعبة، وأبا سفيان بن حرب، فهدما اللات، وخرج نساء ثقيف حسرى يبكين عليها.
وفيها بعث أبا بكر ﵁ ليحج بالناس، ومعه عشرون بدنة لرسول الله ﷺ وثلاثمائة رجل، فلمّا كان بذى الحليفة أرسل عليّا ﵁ في أثره وأمره بقراءة براءة، وايات من أوّل سورة البقرة على الناس، وأن ينادى «أن لا يطوف بالبيت بعد السنة عريان» (أى مكشوف العورة كما كانت الجاهلية تفعل ذلك) ولا يحجّ مشرك.
وعن أبى هريرة قال: كنت مؤذّن عليّ ﵁ حين بعثه رسول الله ﷺ إلي أهل مكة ببراءة، فناديت: ألايدخل الجنة إلا نفس مؤمنة؛ ولا يحج بعد هذا العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فأجله أربعة أشهر، فإذا مضت الأربعة أشهر فإنّ الله بريء من المشركين ورسوله» .
فعاد أبو بكر وقال: يا رسول الله هل نزل في شيء؟ قال: «لا، ولكن لا يؤدّى عنى غيرى أو إلا رجل من أهل بيتي)، ألا ترضى يا أبا بكر أنك كنت معى في الغار؟ وصاحبى على الحوض؟» قال: بلي. فكان أبو بكر أميرا على الموسم، وعليّ يؤذن ببراءة «٢» يوم الأضحي؛ وألايحج مشرك ولا يطوف بالبيت عريان؛ فلم يحج في العام بعد الذى حج فيه المصطفى حجة الوداع مشرك، وأنزل الله تعالى: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرامَ بَعْدَ عامِهِمْ هذا «٣» .
_________________
(١) قارب بن الأسود بن مسعود بن معتب بن مالك بن كعب بن عمر بن سعد بن عوف بن ثقيف (ابن أخي عروة بن مسعود) قدم على رسول الله ﷺ وأخوه أبو المليح فأسلما قبل قدوم وفد ثقيف، له ترجمة وافية في الإصابة فانظرها هناك.
(٢) براءة: هى سورة التوبة، أذن ببراءة: أي يعلمهم بها ويقرؤها عليهم.
(٣) سورة التوبة: ٢٨.
[ ٣٨٦ ]
الفصل العاشر فيما وقع من وفود العرب عليه ﷺ، وفي حجة الوداع
* وفي هذه السنة بعث رسول الله ﷺ خالد بن الوليد في ربيع أو جمادى في سرية (أربعمائة) إلى نجران وما حولها، يدعو بنى الحارث بن كعب إلى الإسلام ويقاتلهم إن لم يفعلوا، فأسلموا وأجابوا داعيته، وبعث الرسل في كل وجه، فأسلم الناس، فكتب بذلك إلى رسول الله ﷺ، فكتب إليه بأن يقدم مع وفدهم، فأقبل خالد ومعه وفد بنى الحارث بن كعب، منهم: قيس بن الحصين، ويزيد بن عبد المدان، ويزيد بن المحجل، وعبد الله بن قراد الزيادي، وشدّاد بن عبد الله الضبابي، وعمرو بن عبد الله الضبابي، فأكرمهم النبى ﷺ، وقال لهم: «بم كنتم تغلبون من يقاتلكم في الجاهلية؟» .
قالوا: كنا نجتمع ولا نفترق، ولا نبدأ أحدا بظلم. قال: صدقتم.
فأسلموا، وأمّر عليهم قيس بن الحصين، ورجعوا صدر ذى القعدة من سنة عشر، ثم أتبعهم عمرو بن حزم (من بنى النجار) ليفقههم في الدين ويعلّمهم السنّة، وكتب ﷺ إليه كتابا عهد إليه فيه عهده، وأمره بأمره، وأقام عاملا على نجران، وهذا الكتاب وقع في السير مرويا، واعتمده الفقهاء في الاستدلالات، ومنه أخذت كثير من الأحكام الفقهية، ونصه:
بسم الله الرحمن الرحيم «هذا كتاب من الله ورسوله- يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ «١» عهد من محمد النبى لعمرو بن حزم حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله؛ فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون، وأمره أن يأخذ بالحق كما أمره الله، وأن يبشّر الناس بالخير ويأمرهم به، ويعلّم الناس القران ويفهّمهم فيه، وأن ينهى
_________________
(١) المائدة: ١.
[ ٣٨٧ ]
الناس، فلا يمسّ القران إنسان إلا وهو طاهر، وأن يخبر الناس بالذى لهم والذى عليهم، ويلين للناس في الحق ويشتد عليهم في الظلم؛ فإنّ الله حرّم الظلم ونهى عنه، فقال: أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ، وأن يبشّر الناس بالجنة وبعملها، وينذر الناس النار وعملها، ويستألف الناس حتّى يتفقّهوا في الدين، ويعلّم الناس معالم الحجّ وسننه وفرائضه وما أمر الله به، والحجّ الأكبر والحجّ الأصغر، وهو العمرة، وينهى الناس أن يصلّى أحد في ثوب واحد، إلا أن يكون واسعا يثنى طرفه على عاتقيه، وينهى أن يحتبى أحد في ثوب واحد، ويفضى بفرجه إلى السماء، وينهى أن يقص أحد شعر رأسه إذا عفا في قفاه، وينهى إذا كان بين الناس هيّج عن الدعاء إلى القبائل والعشائر «١» وليكن دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، فمن لم يدع إلى الله، ودعا القبائل فليقطعوه بالسيف، حتى يكون دعاؤهم إلى الله واحده لا شريك له، ويأمر الناس بإسباغ الوضوء في وجوههم وأيديهم إلى المرافق، وأرجلهم إلى الكعبين، وأن يمسحوا برؤوسهم كما أمرهم الله، وأمر بالصلاة لوقتها، وإتمام الركوع والسجود، وأن يغلّس بالصبح «٢»، ويهجّر «٣» بالهاجرة حتّى تميل الشمس»
، وصلاة العصر والشمس في الأرض مدبرة، والمغرب حين «٥» يقبل الليل؛ لا يؤخّر حتّى تبدو نجوم السماء، والعشاء أوّل الليل.
وأمره بالسّعي إلى الجمعة إذا نودى لها، والغسل عند الرّواح إليها، وأمره أن يأخذ من الغنائم خمس الله، وما كتب على المؤمنين في الصدقة من العقار عشر ما سقت العين، أو سقت السماء، وعلى ما سقى الغرب «٦» نصف العشر، وفي كلّ
_________________
(١) الدعوة الخبيثة إلى القومية، والتى يحاول البعض إحياءها اليوم، وليعلموا أنه لا قومية في الإسلام- إنما المؤمنون إخوة أينما كانوا.
(٢) الغلس: بفتحتين: ظلمة اخر الليل، والغلس: أي الوقت الذى يختلط فيه اخر ظلمة الليل بأول ضوء النهار.
(٣) الهاجرة: نصف النهار عند اشتداد الحر.
(٤) أى عن كبد السماء.
(٥) فى الأصل «حتى»، ولا يستقيم الكلام بها.
(٦) الغرب: الدلو العظيمة.
[ ٣٨٨ ]
عشر من الإبل شاتان، وفي كل عشرين: أربع شياه، وفي كل أربعين من البقر:
بقرة، وفي كل ثلاثين من البقر: تبيع أو تبيعة (جذع أو جذعة)، وفي كل أربعين من الغنم سائمة (واحدّها شاة) فإنها فريضة الله التى افترضها على المؤمنين في الصدقة، فمن زاد خيرا فهو خير له.
وأنّ من أسلم من يهودى أو نصرانيّ إسلاما خالصا من نفسه، ودان بدين الإسلام، فإنه من المؤمنين، له مثل ما لهم وعليه ما عليهم.
ومن كان على نصرانيته أو يهوديته، فإنه لا يردّ عنها، وعليه الجزية على كل حالم ذكر أو أنثى حرّ أو عبد دينار واف أو عوضه ثيابا، فمن أدّى ذلك فإن له ذمة الله وذمة رسوله، ومن منع ذلك فإنه عدوّ لله ولرسوله وللمؤمنين جميعا، صلوات الله على محمد والسلام عليه ورحمته وبركاته» .
* وقدم عليه وفد عامر، عشرة نفر، فأسلموا وتعلموا شرائع الإسلام، وأقرأهم أبيّ القران وانصرفوا.
وقدم في شوال وفد سلامان، سبعة نفر، رئيسهم حبيب، فأسلموا وتعلموا الفرائض وانصرفوا.
وفيها قدم وفد «ازدجرش» وفد فيهم صرد بن عبد الله الأزدى في عشرة من قومه، ونزلوا علي فروة بن عمرو، وأمّر النبيّ ﷺ بعد أن أسلموا صردا على من أسلم منهم، وأن يجاهد المشركين حوله، فحاصر «جرش» ومن بها من خثعم وقبائل اليمن- وكانت مدينة حصينة، اجتمع إليها أهل اليمن حين سمعوا بزحف المسلمين- فحاصرهم شهرا ثم قفل عنهم، فظنوا أنه انهزم، فاتبعوه إلى جبل شكر، فصفّ وحمل عليهم ونال منهم، وكانوا بعثوا إلى رسول الله ﷺ رائدين، وأخبرهما ذلك اليوم بواقعة شكر، وقال: «إنّ بدن الله لتنحر عنده الان»، فرجعا إلى قومهما وأخبراهم بذلك، وأسلموا، وحمى لهم حمّى حول قريتهم.
وفيها كان إسلام همدان ووفادتهم على يد عليّ ﵁، وذلك أن رسول الله ﷺ بعث خالد بن الوليد إلى أهل اليمن يدعوهم إلى الإسلام، فمكث
[ ٣٨٩ ]
ستة أشهر لا يجيبونه، فبعث ﵊ عليّ بن أبى طالب وأمره أن يقفل خالد، فلما بلغ عليّ أوائل اليمن جمعوا له، فلما لقوه صفّوا، فقدم عليّ الإنذار وقرأ عليهم كتاب رسول الله ﷺ، فأسلمت همدان كلها في ذلك اليوم، وكتبت بذلك إلى النبى ﷺ، فسجد لله شكرا، ثم قال: السلام على همدان (ثلاث مرات) .
ثم تتابع أهل اليمن علي الإسلام وقدمت وفودهم، وكان عمرو بن معديكرب الزبيدى قال لقيس بن مكشوح المرادي: اذهب بنا إلى هذا الرجل، فلن يخفى علينا أمره. فأبى قيس ذلك، فقدم عمرو على النبى ﷺ فأسلم. وكان فروة بن مسيك المرادى علي زبيد؛ لأنه وفد قبل عمرو مفارقا لملوك كندة، فأسلم ونزل على سعد بن عبادة، وتعلم القران وفرائض الإسلام، واستعمله رسول الله ﷺ على مراد وزبيد ومذحج كلها، وبعث معه خالد بن سعيد بن العاص على الصدقة، فكان معه في بلاده حتّى كانت الوفاة.
وفي هذه السنة قدم وفد عبد القيس، يقدمهم الجارود بن عمرو، وكانوا على دين النصرانية، فأسلموا ورجعوا إلى قومهم، ولما كانت الوفاة «١» وارتدت عبد القيس، ونصّبوا المنذر بن النعمان بن المنذر: ثبت الجارود علي الإسلام، وكان له المقام المحمود، وهلك قبل أن يرجعوا.
وقد كان رسول الله ﷺ بعث العلاء بن الحضرمى قبل فتح مكة إلي المنذر بن ساوى العبدي، فأسلم وحسن إسلامه، وهلك بعد الوفاة «٢»، وقبل ردة أهل البحرين.
وفي هذه السنة قدم وفد بنى حنيفة (فى ستة عشر) فيهم مسيلمة بن حبيب الكذاب، ورجّال بن عنفوة، وطلق بن علي بن قيس، وعليهم سلمان بن حنظلة، فأسلموا وأقاموا أياما يتعلمون القران من أبيّ بن كعب سيد القرّاء، ومن فضلاء الصحابة، ورجّال يتعلم، وطلق يؤذّن لهم، ومسيلمة في الرّحال «٣» . وذكروا للنبى
_________________
(١) أى وفاة النبى ﷺ.
(٢) أى وفاة النبى ﷺ.
(٣) ذكرها في السيرة بصيغة الضعف «قيل إن بنى حنيفة جعلوه في رحالهم» .
[ ٣٩٠ ]
ﷺ مكانه في رحالهم، فأجازه، وقال: «ليس بشرّكم مكانا «١» لحفظه رحالكم» .
فقال مسيلمة: «عرف أن الأمر لى من بعده» .
ثم ارتد، وادّعى مسيلمة بعد ذلك النبوة، وشهد له طلق «٢» بن علي بن قيس أن رسول الله ﷺ أشركه في الأمر، فافتتن الناس به، وذلك أنه ادّعى النبوة، وأنه أشرك مع رسول الله ﷺ، وكتب إليه: «من مسيلمة رسول الله إلى محمد رسول الله، سلام عليك، فإني قد أشركت في الأمر معك، وإنّ لنا نصف الأرض ولقريش نصف الأرض، ولكن قريشا قوم لا يعدلون» .
وكتب إليه رسول الله ﷺ:
«بسم الله الرحمن الرحيم من محمد رسول الله إلى مسيلمة الكذاب، سلام على من اتّبع الهدي.
أما بعد: فإنّ الأرض لله يورثها من يشاء من عباده والعاقبة للمتقين» .
وقد قيل إن ذلك كان بعد منصرف النبى ﷺ من حجة الوداع.
* وفيها قدم وفد كندة يقدمهم الأشعث بن قيس، فى بضعة عشر، وقيل: فى ستين، وقيل: فى ثمانين، وعليهم الديباج والحرير، وأسلموا، ونهاهم النبى ﷺ عنه «٣» فتركوه، وقال له أشعث: «نحن بنو اكل المرار» «٤» يعتز بذلك؛ لأن لهم عليه ولادة من الأمهات، ثم قال لهم: لا، نحن بنو النضر بن كنانة لا نقفو «٥»
_________________
(١) فى السيرة الحلبية أنه أمر له ﷺ بمثل ما أمر به لواحد منهم- خمسة أواق من فضة، وقال: أما إنه ليس بشرّكم مكانا الخ» وليس هذا مدحا لمسيلمة، بل يفيد أن فيهم من هو شر منه وأفسد، لعنه الله، كيف وقد قال ﷺ: «فى بنى حنيفة كذّاب ومبين»؟.
(٢) وذلك شرّ من مسيلمة.
(٣) أى عن الحرير.
(٤) اكل المرار هو: الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو بن معاوية بن الحارث بن معاوية بن ثور بن مرتّع بن معاوية بن كندة. ويقال: بل اكل المرار: حجر بن عمرو بن معاوية.
(٥) نقفو: نتبع؛ لأن الانتساب لا يكون للأم، وقد قال قائلهم: يا ويح قوم يقال لهم: من أبوكم؟ فيقولون: أمنا من قريش.
[ ٣٩١ ]
أمّنا، ولا ننتفى من أبينا» «١» .
وقدم مع وفد كنانة وفد حضرموت، وهم بنو وليعة وملوكهم: جمد، ومخوس، ومشرح، وأبضعه، فأسلموا، ودعا لمخوس بإزالة الرتة «٢» من لسانه.
وقدم وائل بن حجر راغبا في الإسلام، فدعا له ومسح رأسه، ونودى «الصلاة جامعة» سرورا بقدومه، وأمر معاوية أن ينزل بالحرّة، فمشى معه، وكان راكبا فقال له معاوية: «أعطنى نعلك أتوقّى به الرمضاء، فقال: ما كنت لألبسها وقد لبستها، وفي رواية «لا يبلغ أهل اليمن أن سوقة لبس نعل ملك» فقال: أردفني؟
قال: لست من أرداف الملوك، ثم قال معاوية: إن الرمضاء قد أحرقت قدمي، فقال وائل: امش في ظل ناقتي، كفاك به شرفا، ويقال: إنه وفد على معاوية في خلافته فأكرمه، ثم إن رسول الله ﷺ كتب له كتابا صورته:
بسم الله الرحمن الرحيم
هذا كتاب محمد النبى لوائل بن حجر قيل حضرموت، إنك إن أسلمت، لك ما فى يديك من الأرض والحصون، ويؤخذ منك من كل عشر واحدة، ينظر في ذلك ذو عدل، وجعلت لك ألاتظلم فيها معلم الدين.
والنبى ﷺ والمؤمنون أشهاد عليه» .
* وفي هذه السنة قدم وفد محارب في عشرة، فأسلموا.
* وفيها قدم وفد الرّها «٣» من مذحج في خمسة عشر نفرا، وأهدوا فرسا، فأسلموا وتعلموا القران وانصرفوا، ثم قدم وفد منهم وحجّوا مع رسول الله ﷺ، فأوصى لهم بمائة وسق من خيبر جارية عليهم من الكتيبة، وباعوها من معاوية.
* وفي هذه السنة قدم وفد نجران (النصاري) فى سبعين راكبا يقدمهم أميرهم
_________________
(١) كان من جدات النبى ﷺ من هى من قبيلتهم ومنهن «دعد بنت سرير بن ثعلبة بن الحارث: أكلاب بن مرة» . اهـ. من هامش سيرة ابن هشام.
(٢) الرتة: ثقل في اللسان في الكلام.
(٣) الرّها: بضم أوله، ويمد ويقصر: مدينة بالجزيرة فوق حران؛ بينهما ستة فراسخ.
[ ٣٩٢ ]
العاقب عبد المسيح (من كندة) وأسقفهم أبو حارثة بن بكر بن وائل، والسيد (الأيهم)، وجادلوا عن دينهم، فنزل صدر سورة ال عمران، واية المباهلة، فقال لهم النبى ﷺ يوم المباهلة عن أمر ربه تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ «١» فقال عبد المسيح لقومه: «لا تباهلوا محمدا؛ فإني أرى معه وجوها «٢» لو أقسمت علي الله أن يزيل الجبال لأزالها، فتهلكوا إلى اخر الأبد» .
فأبوا المباهلة وأشفقوا منها، وسألوا الصلح، وكتب لهم به علي ألف حلة في صفر، وألف في رجب، وعلي دروع ورماح وخيل، وحمل ثلاثين من كل صنف، وطلبوا أن يبعث معهم واليا يحكم بينهم، فبعث معهم أبا عبيدة بن الجراح، ثم جاء العاقب والسيد وأسلما، وقد أشار إلى ذلك الصفيّ الحلّى في بديعيته، فى مبحث العنوان، حيث قال مشيرا إلى هذه القصة:
والعاقب الحبر من نجران، إنّ له يوم التباهل عقبي زلّة القدم
والمباهلة: الملاعنة، قال جرير:
لو أنّ تغلب جمعت أحسابها يوم التّباهل لم تزن مثقالا
وهذا البيت من النزاهة (نوع من الهجاء)، وهى عبارة عن الإتيان بألفاظ غير سخيفة تكون من أحسن الهجاء الذى إذا أنشدته العذراء في خدرها لا يعدّ من مثلها قبيحا.
وهذه الواقعة مما يدل دلالة قطعية على نبوّته ﷺ من وجهين: أحدهما أنه خوّفهم بنزول العذاب عليهم لوثوقه بذلك، وإلّا لأفحم إذا لم ينزل العذاب عليهم، وثانيهما أنّ تركهم مباهلته يدل على أنهم عرفوا من التوراة والإنجيل ما يفيد نبوته، وإلا لما أحجموا عن مباهلته، ويدل على تيقنهم هذا أنه قد نقل عنهم أنهم
_________________
(١) ال عمران: ٦١.
(٢) جمع رسول الله ﷺ عليا، وفاطمة، والحسن، والحسين وقدّمهم أمامه، وجمعهم في كساء، وقال: «اللهم إن هؤلاء أهل بيتي» فلما راهم العاقب رجع فزعا وقال ما قال.
[ ٣٩٣ ]
قالوا لبعضهم: «إنه والله هو النبى المبشّر به في التوراة والإنجيل، وإنكم لو باهلتموه لحصل الاستئصال» فكان ذلك تصريحا منهم بأن الامتناع عن المباهلة إنما كان لعلمهم بأنه نبى مرسل من عند الله تعالى، ويؤيد هذا قوله ﷺ «والذى نفسى بيده إن العذاب تدلّى على أهل نجران، ولو لاعنوا لمسخوا قردة وخنازير، ولاضطرم عليهم الوادى نارا، ولاستأصل الله تعالى نجران وأهله، حتى الطير علي رؤس الشجر، ولما حال الحول على النصارى حتّى هلكوا كلهم» «١» .
* وفي هذه السنة قدم وفد الصدف و«وككتف» من كندة- ينسبون الان إلى حضرموت- في بضعة عشر نفرا، فأسلموا، وعلّمهم أوقات الصلاة، وذلك في حجة الوداع.
وفيها قدم وفد عبس.
وفيها قدم وفد عدى بن حاتم (فى شعبان) .
* وفيها قدم وفد خولان «٢» عشرة نفر، فأسلموا وهدموا صنمهم.
وكان قد وفد على رسول الله ﷺ في هدنة الحديبية قبل خيبر: رفاعة بن زيد
_________________
(١) وروى البخارى عن حذيفة ﵁ قال: «جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله ﷺ يريدان أن يلاعنا قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل؛ فو الله لئن كان نبيا فلاعنّاه، لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا. قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلا أمينا، ولا تبعث معنا إلا أمينا، فقال: «لأبعثن معكم رجلا أمينا حق أمين، فاستشرف لها أصحاب رسول الله ﷺ فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام قال رسول الله ﷺ: «هذا أمين هذه الأمة» . وهذا الحديث رواه البيهقى في دلائل النبوة مطولا جدا. وفي رواية ابن مردويه: «قدم على النبى ﷺ العاقب والطيب فدعاهما إلى الملاعنة، فواعداه علي أن يلاعناه الغداة، قال: فغدا رسول الله ﷺ فأخذ بيد علي، وفاطمة، والحسن، والحسين، ثم أرسل إليهما، فأبيا أن يجيبا، وأقرا له بالخراج، قال: فقال رسول الله ﷺ: «والذى بعثنى بالحق لو قالا: لا، لأمطر عليهم الوادى نارا» وقضية المباهلة مشهورة جدا، إذ نزل فيها قوله تعالى: فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ ما جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ [ال عمران: ٦١] .
(٢) خولان: اسم مخلاف من مخاليف اليمن (وهو بفتح الخاء) ينسب إلى خولان بن عمرو بن قضاعة.
[ ٣٩٤ ]
الضبيبى (من جذام) «١» وأهدى غلاما فأسلم، وكتب له رسول الله ﷺ كتابا يدعوهم إلى الإسلام، فأسلموا، ولم يلبث أن قفل دحية بن خليفة الكلبى منصرفا من عند هرقل، حين بعثه النبى ﷺ ومعه تجارة، فأغار عليه الهنيد بن عوص «٢» وقوم بنو الضليع (من بطون جذام)، فأصابوا كل شيء معه، وبلغ ذلك المسلمين من بنى الضبيب، فاستنقذوا ما أخذه الهنيد وابنه وردّوه على دحية، وقدم دحية على النبي ﷺ فأخبره الخبر، فبعث النبى ﷺ زيد بن حارثة فى جيش من المسلمين، فأغار عليهم وقتلوا الهنيد وابنه في جماعة، وكان معهم ناس من بنى الضبيب، فاستباحوهم معهم، فركب رفاعة بن زيد ومعه زيد بن عمرو (من قومه) فقدموا على النبى ﷺ وأخبروه الخبر، فقال: كيف أصنع بالقتلي؟ فقالوا: يا رسول الله أطلق لنا من كان حيا، فبعث معهم عليّ بن أبى طالب، وحمله على جمل وأعطاه سيفه، وأمره بردّ أموالهم، فسار عليّ إلى زيد ابن حارثة فلحقه بفيفاء الفحلتين «٣» وأمره بردّ أموالهم، فردّها.
* وفي هذه السنة قدم وفد عامر بن صعصعة، فيهم عامر بن الطفيل بن مالك، وأربد بن ربيعة بن مالك، فقال عامر للنبى ﷺ: يا محمد اجعل لى الأمر بعدك، قال: ليس ذلك لك ولا لقومك، قال عامر: اجعل لى الوبر ولك المدر «٤»، قال: لا، ولكن أجعل لك زعنة الخيل؛ فإنك امرؤ فارس، فقال: لأملأنها عليك خيلا ورجلا. ثم ولّوا، فقال: «اللهم اكفنيهم، اللهم اهد عامرا وأغن الإسلام عن عامر» «٥» فرجعوا إلى بلادهم، فأخذ الطاعون عامرا في عنقه، فمات في طريقه (فى أحياء بنى سلول) وأصابت أخاه «أربد» صاعقة بعد ذلك.
ثم قدم علقمة بن علاثة بن عوف، وعوف بن خالد بن ربيعة وابنه، وأسلموا.
_________________
(١) اسم قبيلة.
(٢) الهنيد بن عوص (بالصاد)، وابنه عوص بن الهنيد.
(٣) الفيفاء: المفازة، والفحلتان: اسم موضع.
(٤) الوبر: يقصد أهل البادية. المدر: يقصد بها سكان البيوت المبنية.
(٥) اللهم اهد عامرا، أى بنى عامر، واغن عن عامر: أي عن ذلك الرجل الذى قال ما قال.
[ ٣٩٥ ]
* وفيها قدم وفد طيء (فى خمسة عشر نفرا) يقدمهم سيدهم: زيد الخيل، وقبيصة بن الأسود (من بنى نبهان) فأسلموا، وسمّاه رسول الله ﷺ زيد الخير، وأقطع له بئرا وأرضين معها وكتب له بذلك، ومات في مرجعه.
* وفي هذه السنة كانت حجة الوداع، وتسمى حجة الإسلام.
وسميت حجة الوداع لأن النبى ﷺ خطب الناس فيها وأوصاهم، وقال: «لعلكم لا ترونى بعد عامى هذا» وودّعهم.
واختلف: هل كان ﷺ فيها مفردا أو قارنا أو متمتعا، قال النووي: والصحيح أنه كان أولا مفردا، ثم أحرم بالعمرة بعد، وأدخلها علي الحج، فصار قارنا؛ فمن روى الإفراد فهو الأصل، أو القران اعتمد اخر الأمرين، أو التمتاع: أراد التمتاع اللغوي، وهو الانتفاع والارتفاق، وبه تنتظم الأحاديث.
وذلك أن النبى ﷺ خرج حاجّا لخمس وعشرين من ذى القعدة سنة عشر، وكان معه من أشراف الناس جماعة، ومائة من الإبل عريا، ودخل مكة يوم الأحد لأربع خلون من ذى الحجة.
وعن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ من بيته متدهنا مترجلا «١»، حتى أتى ذا الحليفة، وأحرم في ثوبين من نسج «صحار» «٢»: إزار ورداء، وخرج بنسائه جميعا، فدخل مسجد ذى الحليفة، فصلّى ركعتين، ثم ركب ناقته القصواء فلما استوت على ظهر البيداء أهلّ بالحج، ودخل ﷺ مكة نهارا على راحلته، حتى انتهى إلى البيت، فلما رأى البيت رفع يديه فوقع زمام «٣» ناقته، فأخذه بشماله، فبدأ بالطواف بالبيت قبل الصلاة، ولم يستلم من الأركان إلا اليمانيّ والأسود، ورمل رسول الله ﷺ من الحجر إلى الحجر في الأشواط الثلاثة،
_________________
(١) مترجلا: ماشيا على الرجل، من ترجّل الرجل: إذا مشى راجلا.
(٢) صحار (بالضم): هضبة عمان، مما يلى الجبل.
(٣) زمام الناقة: خطامها.
[ ٣٩٦ ]
وخطب ﷺ قبل يوم التروية بيوم بعد الظهر، ويوم عرفة حين زالت الشمس «١» وهو على راحلته قبل الصلاة، والغد من يوم النحر بعد الظهر بمني، وساق في حجته مائة بدنة نحر منها ستين بيده بالحربة، ثم أعطى عليّا سائرها فنحرها، ولم يصم ﷺ يوم عرفة، وصلّى الظهر والعصر بعرفة بأذان وإقامتين، ثم وقف بعرفة، ودفع حين غابت الشمس، فقصد في سيره «٢»، ثم صلّى المغرب والعشاء بأذان وإقامتين، ثم بات بالمزدلفة، ووقف على ناقته القصواء حين أسفر «٣»، ثم دفع ورمى جمرة العقبة يوم النحر على راحلته، ونحر بالمنحر، وقال: «كلّ منى منحرة» «٤»، وحمل حصاه من «جمع» ثم كان يرمى الجمار ماشيا، ويرمى يوم الصدر راكبا، وكان يرفع يديه عند الجمار ويقف، ولا يفعل ذلك عند جمرة العقبة، وزار البيت يوم النحر، ونفر يوم الصدر، فنزل بالأبطح في قبة ضربت له، فلما كان في اخر الليل خرج فودّع البيت، ثم مضى من وجهه إلى المدينة.
وقال النبى ﷺ: إنّ أفضل أيامكم يوم النحر، ثم يوم القرّ، وهو اليوم الثاني.
انتهي.
[خطبة الوداع]: ولقيه عليّ بن أبى طالب بصدقات «نجران» وكان محرما فقال: حلّ كما حلّ أصحابك، فقال: إنى أهللت بما أهلّ به رسول الله ﷺ. فبقى على إحرامه. ونحر رسول الله ﷺ الهدي عنه، وعلّم ﷺ الناس مناسك الحج والسنن، وخطب الناس بعرفة خطبة بيّن فيها الأحكام، فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال:
«أيها الناس اسمعوا قولي، فإني لا أدري، لعلى لا ألقاكم بعد عامى هذا بهذا الموقف أبدا.
_________________
(١) يعنى عن كبد السماء.
(٢) يعنى سار سيرا قصدا، أى تمهل في سيره عن السرعة.
(٣) يعنى وقت الإسفار، وهو الوقت الذى يكون بعد الفجر وقبل طلوع الشمس.
(٤) أى ينحر الحاج في أى مكان منها.
[ ٣٩٧ ]
أيها الناس إنّ دمائكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا وحرمة شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم. وقد بلّغت؛ فمن كان عنده أمانة فليؤدّها إلى من ائتمنه عليها، وإن كان ربا فهو موضوع، ولكم رؤس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون قضى الله ألاربا؛ إنّ ربا العباس بن عبد المطلب موضوع كله، وإنّ كلّ دم في الجاهلية موضوع كله، وإنّ أوّل دم أضع دم ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب (وكان مسترضعا في بنى سعد فقتله بنو هذيل) . أيها الناس إن الشيطان قد يئس من أن يعبد بأرضكم هذه أبدا، ولكنه رضى أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقّرون من أعمالكم، فاحذروه على دينكم، إنما النسيء زيادة في الكفر يضلّ به الذين كفروا، يحلونه عاما ويحرّمونه عاما ليواطئوا عدّة ما حرّم الله فيحلّوا ما حرّم الله، ألا وإنّ الزمان استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، وإنّ عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله، يوم خلق الله السموات والأرض، منها أربعة حرم، ثلاث متواليات: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب الفرد الذى بين جمادى وشعبان» «١» .
[ومعنى الحديث: أن الأشهر رجعت إلى ما كانت عليه، وعاد الحج في ذى الحجة، وبطل النسيء الذى كان في الجاهلية، وقد وافقت حجة الوداع ذا الحجة، وكانت حجة أبى بكر ﵁ قبلها في ذى القعدة، والنسىء: التأخير لحرمة شهر إلى اخر كما كانت الجاهلية تفعل؛ كانوا إذا جاء شهر حرام وهم محاربون أحلّوه وحرّموا مكانه شهرا اخر، ورفضوا خصوص الشهر، واعتبروا مجرد العدد، فكانوا يؤخرون تحريم المحرّم إلى صفر، فيحرّمون صفر ويستحلون المحرم، فإذا احتاجوا إلى تأخير تحريم صفر أخّروه إلى ربيع، وهكذا شهرا بعد شهر، حتى استدار التحريم على السنة كلها، وكانوا يحجون في كل شهر عامين، فحجوا في ذى القعدة عامين، ثم حجوا في المحرم عامين، ثم حجوا في صفر
_________________
(١) رواه الإمام أحمد، ورواه البخارى في التفسير، ومسلم وابن جرير الطبرى وسعيد بن منصور، وله ألفاظ وطرق مختلفة بمعنى واحد.
[ ٣٩٨ ]
عامين، وكذا باقى شهور السنة، فوافقت حجة أبى بكر في السنة التاسعة في ذى القعدة، قبل حجة الوداع بسنة، ثم حجّ النبيّ ﷺ في العام المقبل حجة الوداع، فوافق حجّه شهر ذى الحجة، وهو شهر الحج المشروع، فوقف بعرفة في اليوم التاسع.
واختلفوا في أوّل من نسّأ النسيء، فقال ابن عباس: بنو مالك بن كنانة، وكان يليه أبو ثمامة وجنادة بن عوف بن أمية الكناني، كان يقوم علي جمل بالموسم فينادي: إن الهتكم قد أحلت لكم المحرم فأحلّوه، ثم ينادى في قابل «١»: إنّ الهتكم قد حرّمت عليكم المحرم فحرّموه.
وقال الكلبي: أول من فعل ذلك رجل من بنى كنانة يقال له: نعيم بن ثعلبة.
وقيل: أول من فعل ذلك عمرو بن لحىّ، وهو أوّل من سيّب السوائب، وقال فيه النبى ﷺ: «رأيت عمرو بن لحىّ يجر قصبه (أى أمعاءه) فى النار»»
] .
«أما بعد؛ أيها الناس، فإن لكم على نسائكم حقا، ولهنّ عليكم حقا؛ عليهنّ أن لا يوطئن فرشكم غيركم، ولا يدخلن أحدا تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم، وعليهن ألايأتين بفاحشة مبيّنة، فإن فعلن؛ فإنّ الله قد أذن لكم أن تعضلوهنّ وتهجروهنّ في المضاجع، وتضربوهن ضربا غير مبرّح، فإن انتهين فلهنّ رزقهن وكسوتهنّ بالمعرف، واستوصوا بالنساء خيرا؛، فإنهن عندكم عوان «٣» لا يملكن لأنفسهنّ شيئا، وإنكم إنما أخذتموهنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، فاعقلوا أيها الناس واسمعوا قولي، فإني قد بلغّت قولى وتركت فيكم ما إن استعصمتم به فلن تضلوا أبدا: كتاب الله وسنة نبيه.
أيها الناس: اسمعوا قولي، واعلموا أنّ كل مسلم أخو المسلم، وأن المسلمين إخوة، فلا يحل لا مرئ من مال أخيه إلا ما أعطاه إياه عن طيب نفس، فلا تظلموا أنفسكم ألا هل بلّغت؟.» .
_________________
(١) قابل: أي العام التالي.
(٢) رواه مسلم، وأحمد، وغيرهما من أصحاب الصحاح.
(٣) عوان: أي أسيرات عندكم.
[ ٣٩٩ ]
فذكر أنهم قالوا: «اللهم نعم»، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم اشهد» «١» .
* وفي حجة الوداع نزلت عليه في يوم الجمعة بعد العصر في يوم عرفة وهو ﷺ واقف بعرفات على ناقته العضباء: الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ (يعنى الفرائض والسنن والحدود والأحكام) وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا [المائدة: ٣] فلم ينزل بعد هذه الاية شيء: لا حلال ولا حرام، ولا شئ من الفرائض والسنن والحدود والأحكام.
وقيل: إكمال الدين بهذه الاية: أنه لا يزول، ولا ينسخ، وأن شريعتهم باقية إلى يوم القيامة، ومعنى إتمام النعمة: يعنى إكمال الدين والشريعة؛ لأنه لا نعمة أتم من نعمة الإسلام. وعن طارق بن شهاب قال: جاء رجل من اليهود إلى عمر بن الخطاب، قال: يا أمير المؤمنين، اية في كتاب الله تقرؤنها لو نزلت علينا لاتخذنا ذلك اليوم عيدا، قال: فأى اية؟ قال: الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا فقال عمر: «إنى لأعلم اليوم الذى نزلت فيه، والمكان الذى نزلت على رسول الله ﷺ فيه؛ نزلت بعرفات يوم الجمعة» «٢» أشار عمر إلى أن ذلك اليوم كان عيدا لنا. وعن ابن عباس: أنه قرأ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِينًا وعنده يهودي، فقال: لو نزلت هذه الاية علينا لاتخذنا يومها عيدا، فقال ابن عباس: كان في ذلك اليوم خمسة أعياد: يوم جمعة، ويوم عرفة، وعيد لليهود، وعيد للنصاري، وعيد المجوس، ولم تجمع أعياد لأهل الملل في يوم واحد قبله ولا بعده.
وروى أنه لما نزلت هذه الاية بكى عمر، فقال النبى ﷺ: ما يبكيك يا عمر؟
فقال: أبكانى أنّا كنا في زيادة من ديننا، فأما إذا أكمل فإنه لم يكمل شيء إلا نقص، قال: «صدقت» «٣»، فكانت هذه الاية نعت رسول الله ﷺ، وعاش بعدها أحدا وثمانين يوما «٤» .
_________________
(١) أى اشهد أنى بلّغت الرسالة.
(٢) رواه البخاري، ومسلم والترمذي، والنسائي، والإمام أحمد، وابن مردويه.
(٣) رواهما ابن جرير الطبري.
(٤) رواهما ابن جرير الطبري.
[ ٤٠٠ ]
ولما رجع ﷺ من حجته إلى المدينة أقام بقباء ذا الحجة تمام سنة عشر من الهجرة، ثم دخلت سنة إحدى عشر، فأقام بها أيضا المحرّم وصفر، وفي يوم الأربعاء اخر صفر بدأ بالنبى ﷺ وجعه، فحمّ وصدع، وأشار فيه إشارة ظاهرة بخلافة أبى بكر، بثنائه عليه على المنبر، لمّا فهم دون بقية الصحابة قوله في خطبته: «إنّ عبدا خيّره الله بين أن يؤتيه زهرة الدنيا وبين ما عنده، فاختار ما عنده، أنه ﷺ يعنى نفسه، فبكى وقال: فديناك يا رسول الله بابائنا وأمهاتنا فقابله ﷺ بقوله: «إنّ أمنّ الناس عليّ في صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذا من أهل الأرض خليلا لا تخذت أبا بكر خليلا، ولكن أخوّة الإسلام» ثم قال: لا يبقى في المسجد خوخة إلا سدّت، إلا خوخة أبى بكر «١» . زاد مسلم: «إن ذلك كان قبل موته بخمس ليال» ثم أكّد أمر الخلافة بأمره صريحا أن يصلّى بالناس «٢» .
ولم يحج ﷺ بعد أن فرض الحج إلا حجة الوداع، وكانت وقفته فيها الجمعة، وحجّ معه ألوف، حتى حج معه من لم يره قبلها ولا بعدها، ولم يحج بعد الهجرة غيرها، وأما بعد النبوة وقبل الهجرة، فحج ثلاث حجات، وقيل حجتين، وقيل كان يحج كل سنة قبل أن يهاجر، واعتمر بعد أن هاجر أربع عمر: عمرة الحديبية، وعمرة القضية، ويقال لها عمرة القضاء، وعمرة القصاص، وعمرة الجعرانة بكسر الجيم وسكون العين في إثر وقعة حنين، وعمرة مع حجته ولم يعدّ مالك بن أنس في الموطأ الرابعة عمرة، وقال: إنما اعتمر ثلاثا فقط؛ لأنه إنما
_________________
(١) رواه مسلم والترمذي.
(٢) فى مسند الإمام أحمد عن الإمام على كرم الله وجهه قال: «يا رسول الله من نؤمّر بعدك؟ قال: إن تؤمّروا أبا بكر تجدوه أمينا زاهدا في الدنيا راغبا في الآخرة، وإن تؤمّروا عمر تجدوه قويا أمينا لا يخاف في الله لومة لائم، وإن تؤمروا عليا- وما أراكم فاعلين- تجدوه هاديا مهديا، يأخذ بكم الطريق المستقيم» . وروى مسلم والإمام أحمد أنه قال أيضا: «ادعى أباك وأخاك حتّى أكتب كتابا؛ فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولي، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» وهى تولية صريحة. والحديث صحيح.
[ ٤٠١ ]
حجّ حجة الوداع مفردا بالحج دون العمرة، وتابعه على مقالته هذه بعضهم، وهو أحد قولي الإمام الشافعى ﵁.
وفي هذه السنة أسلم جرير بن عبد الله البجلي.
ونزلت سورة إذا جاء نصر الله والفتح بمنى يوم النحر في حجة الوداع، والمعنى: إذا جاء نصر الله نبيّه ﷺ على أعدائه، والفتح فتح مكة، وقيل: نزلت قبل موته ﷺ بثلاثة أيام. وكان ﷺ بعد نزول هذه السورة يكثر من قول «سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه» وعلم بها أنه قرب أجله، قال أبو هريرة ﵁: لما نزلت قال رسول الله ﷺ: «الله أكبر جاء نصر الله والفتح» .
وعن جابر ﵁: أنه كان ذات يوم يبكى بكاء شديدا، فقيل له: ما يبكيك؟ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: دخل الناس في دين الله أفواجا، والمراد بالناس أهل اليمن.
* وفي هذه السنة مات إبراهيم ابن رسول الله ﷺ.
[ ٤٠٢ ]